الآية ٨٣ من سورة الكهف

الإسلام > القرآن > سور > سورة 18 الكهف > الآية ٨٣ من سورة الكهف

وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا ٨٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 172 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٣ من سورة الكهف: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٣ من سورة الكهف عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ويسألونك ) يا محمد ( عن ذي القرنين ) أي : عن خبره .

وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : سلوه عن رجل طواف في الأرض ، وعن فتية لا يدرى ما صنعوا ، وعن الروح ، فنزلت سورة الكهف .

وقد أورد ابن جرير هاهنا ، والأموي في مغازيه ، حديثا أسنده وهو ضعيف ، عن عقبة بن عامر ، أن نفرا من اليهود جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين ، فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء ، فكان فيما أخبرهم به : " أنه كان شابا من الروم ، وأنه بنى الإسكندرية ، وأنه علا به ملك في السماء ، وذهب به إلى السد ، ورأى أقواما وجوههم مثل وجوه الكلاب " .

وفيه طول ونكارة ، ورفعه لا يصح ، وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل .

والعجب أن أبا زرعة الرازي ، مع جلالة قدره ، ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة ، وذلك غريب منه ، وفيه من النكارة أنه من الروم ، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني ابن فيليبس المقدوني ، الذي تؤرخ به الروم ، فأما الأول فقد ذكره الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل ، عليه السلام ، أول ما بناه وآمن به واتبعه ، وكان معه الخضر ، عليه السلام ، وأما الثاني فهو ، إسكندر بن فيليبس المقدوني اليوناني ، وكان وزيره أرسطاطاليس الفيلسوف المشهور ، والله أعلم .

وهو الذي تؤرخ به من مملكته ملة الروم .

وقد كان قبل المسيح ، عليه السلام ، بنحو من ثلاثمائة سنة ، فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل ، كما ذكره الأزرقي وغيره ، وأنه طاف مع الخليل بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم ، عليه السلام ، وقرب إلى الله قربانا ، وقد ذكرنا طرفا من أخباره في كتاب " البداية والنهاية " ، بما فيه كفاية ولله الحمد .

وقال وهب بن منبه : كان ملكا ، وإنما سمي ذا القرنين ؛ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس ، قال : وقال بعض أهل الكتاب : لأنه ملك الروم وفارس .

وقال بعضهم : كان في رأسه شبه القرنين ، وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت ، عن أبي الطفيل قال : سئل علي ، رضي الله عنه ، عن ذي القرنين ، فقال : كان عبدا ناصح الله فناصحه ، دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات ، فأحياه الله ، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات ، فسمي ذا القرنين .

وكذا رواه شعبة ، عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل ، سمع عليا يقول ذلك .

ويقال : إنه إنما سمي ذا القرنين ؛ لأنه بلغ المشارق والمغارب ، من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) * يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ويسألك يا محمد هؤلاء المشركون عن ذي القرنين ما كان شأنه، وما كانت قصته، فقل لهم: سأتلو عليكم من خبره ذكرا يقول: سأقصّ عليكم منه خبرا.

وقد قيل: إن الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمر ذي القرنين، كانوا قوما من أهل الكتاب.

فأما الخبر بأن الذين سألوه عن ذلك كانوا مشركي قومه فقد ذكرناه قبل.

وأما الخبر بأن الذين سألوه، كانوا قوما من أهل الكتاب ، فحدثنا به أبو كريب.

قال: ثنا زيد بن حباب عن ابن لهيعة ، قال: ثني عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن شيخين من تجيب، قال : أحدهما لصاحبه: انطلق بنا إلى عقبة بن عامر نتحدّث، قالا فأتياه فقالا جئنا لتحدثنا، فقال: " كنت يوما أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت من عنده، فلقيني قوم من أهل الكتاب، فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستأذن لنا عليه، فدخلت عليه، فأخبرته، فقال: ما لي وما لهم، ما لي علم إلا ما علمني الله "، ثم قال: اسكب لي ماء ، فتوضأ ثم صلى، قال: فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه، ثم قال: " أدخلهم عليّ، ومن رأيت من أصحابي فدخلوا فقاموا بين يديه، فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوبا، وإن شئتم أخبرتكم، قالوا: بلى أخبرنا، قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، وما تجدونه في كتابكم: كان شابا من الروم، فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية ، فلما فرغ جاءه ملك فعلا به في السماء، فقال له ما ترى؟

فقال: أرى مدينتي ومدائن، ثم علا به، فقال: ما ترى؟

فقال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما ترى؟

قال: أرى الأرض، قال: فهذا اليم محيط بالدنيا، إن الله بعثني إليك تعلم الجاهل، وتثبت العالم، فأتى به السدّ، وهو جبلان لينان يَزْلَق عنهما كل شيء، ثم مضى به حتى جاوز يأجوج ومأجوج، ثم مضى به إلى أمة أخرى، وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم مضى به حتى قطع به أمة أخرى يقاتلون هؤلاء الذين وجوههم وجوه الكلاب، ثم مضى حتى قطع به هؤلاء إلى أمة أخرى قد سماهم ".

واختلف أهل العلم في المعنى الذي من أجله قيل لذي القرنين: ذو القرنين، فقال بعضهم: قيل له ذلك من أجل أنه ضُرِب على قَرنْه فهلك، ثم أُحْيِي فضُرب على القرن الآخر فهلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن عبيد المُكْتِب، عن أبي الطُّفِيل، قال: سأل ابن الكوّاء عليا عن ذي القرنين، فقال: هو عبد أحبّ الله فأحبه، وناصح الله فنصحه، فأمرهم بتقوى الله فضربوه على قَرْنه فقتلوه، ثم بعثه الله ، فضربوه على قرنه فمات.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي الطفيل، قال: سئل عليّ رضوان الله عليه عن ذي القرنين، فقال: كان عبدا ناصح الله فناصحه، فدعا قومه إلى الله، فضربوه على قرنه فمات، فأحياه الله، فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات، فسمي ذا القرنين.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن القاسم بن أبى بزة، عن أبي الطفيل، قال: سمعت عليا وسألوه عن ذي القرنين أنبيا كان؟

قال: كان عبدا صالحا، أحبّ الله ، فأحبه الله، وناصح الله فنصحه، فبعثه الله إلى قومه، فضربوه ضربتين في رأسه، فسمي ذا القرنين ، وفيكم اليوم مثله.

وقال آخرون في ذلك بما حدثني به محمد بن سهل البخاري، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثني عبد الصمد بن معقل، قال: قال وهب بن منبه: كان ذو القرنين ملكا، فقيل له : فلم سُمّي ذا القرنين؟

قال: اختلف فيه أهل الكتاب.

فقال بعضهم: ملك الروم وفارس.

وقال بعضهم: كان في رأسه شبه القرنين.

وقال آخرون: إنما سمي ذلك لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة.

قال: ثني ابن أبي إسحاق.

قال: ثني من لا أتهم عن وهب بن منبه اليماني، قال: إنما سمي ذا القرنين أن صفحتي رأسه كانتا من نحاس.

-------------------------------------------------------------------------------- الهوامش: (1) هذا صدر بيت لذي الرمة .

وفي ( اللسان : قض ) : انقض الجدار : تصدع من غير أن يسقط .

وقيل : انقض : سقط .

وفي التنزيل العزيز : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ) هكذا عده أبو عبيد وغيره ثنائيا ، وجعله أبو علي ثلاثيا من نقض ، فهو عنده " افعل " بتشديد اللام .

وفي التهذيب : ينقض : أي ينكسر ، يقال : قضضت الشيء ، إذا دققته .

والمنصلت : المسرع من كل شيء .

(2) هو الفراء ( انظر معاني القرآن له ، مصورة الجامعة 24059 ص 190 ) .

(3) البيت من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 410 ) قال في تفسير قوله تعالى : ( يريد أن ينقض ) ليس للحائط إرادة ولا للموت ولكنه إذا كان في هذه الحال من رثة ، فهو إرادته .

وهذا قول العرب في غيره ، قال الحارثي : " يريد الرمح .

.

.

البيت " .

وفي " اللسان : رود " : وقوله عز وجل : ( فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه ) أي أقامه الخضر ، وقال : يريد ، والإرادة إنما تكون من الحيوان ، والجدار لا يريد إرادة حقيقية ؛ لأن تهيؤه للسقوط قد ظهر كما تظهر أفعال المريدين ، فوصف الجدار بالإرادة ، إذا كانت الصورتان واحدة ، ومثل هذا كثير في اللغة والشعر ، قال الراعي : فــي مهمــه قلقـت بـه هاماتهـا قلــق الفئــوس إذا أردنـا نصـولا وقال الآخر : " يريد الرمح صدر أبي براء " .

.

.

.

البيت .

(4) البيت من شواهد الفراء في معاني القرآن ( الورقة 190 من مصورة الجامعة ) قال : " يريد أن ينقض " : يقال : كيف يريد الجدار أن ينقض ؟

وذلك من كلام العرب أن يقولوا : الجدار يريد أن يسقط .

ومثله قول الله : ( ولما سكت عن موسى الغضب ) والغضب لا يسكت ، إنما يسقط صاحبه ، ومعناه : سكن .

وقوله : فإذا عزم الأمر : إنما يعزم الأمر أهله .

وقال الشاعر : " إن دهرا .

.

.

" البيت .

وقال الآخر : " شكى إلي جملي .

.

.

البيت " .

( وسيجيء بعد هذا ) .

والجمل لم يشك ، إنما تكلم به على أنه لو نطق لقال ذلك ، وكذلك قول عنترة : " وزور من وقع القنا .

.

.

.

البيت " ؛ ( سيجيء بعد هذا ) .

.

.

وقال أبو عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 411 ) : وجاز " أن ينقض " مجاز : يقع .

يقال : انقضت الدار إذا انهدمت وسقطت ، وقرأ قوم " أن ينقاض " ، ومجازه : أن ينقلع من أصله ويتصدع ؛ بمنزلة قولهم : قد انقاضت السن : أي إن صدعت ، وتقلعت من أصلها .

(5) سبق الكلام على البيت في الشاهد السابق عليه وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن .

(6) سبق الكلام على البيت في الشاهد السابق على الذي قبله .

ولبانه : صدره : والقنا : جمع قناة ، وهي الرمح .

وهو من شواهد الفراء .

(7) هذا بيت من الرجز .

لذي الرمة .

والبيود : مصدر باد يبيد : إذا هلك .

والشاهد فيه مثل الشواهد السابقة عليه .

(8) هذا البيت للراعي ، وقد سبق الكلام عليه قبل في أكثر من موضع .

(9) هال التراب والرمل هيلا وأهاله فانهال ، وهيله فتهيل أي دفعه فانهال .

والنقا : الكثيب من الرمل النقي .

والبيت كالشواهد السابقة عليه في أن قوله ينهاه الثرى : أي يمسكه الثرى على التهيل ، جعل ذلك بمنزلة نهيه عن السقوط ، مع أن الثرى لا ينهى ولا يأمر ، ولكنه جاء كذلك على لسان العرب ، كما جاء قوله تعالى في القرآن : ( يريد أن ينقض ) .

وقد اتضح معناه بما لا يزيد عليه في الشواهد السابقة قريبا .

(10) البيت للممزق العبدي ، واسمه شأس بن نهار، شاعر جاهلي قديم .

وهو من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن ( 1 : 411 ) قال : " لو شئت لتخذت عليه أجرا " : الخاء مكسورة ، ومعناها معنى أخذت ، فكان مخرجها مخرج فعلت تفعل ( من باب فرح يفرح ) قال الممزق العبدي ( من عبد القيس ) : " وقد تخذت رجلي .

.

.

البيت " .

وفي اللسان : والغرز للجمل مثل الركاب للبغل ، وهو ما يضع الراكب فيه قدمه عند الركوب .

والأفحوص : مجثم القطاة ، لأنها تفحص الموضع ، ثم تبيض فيه ، وكذلك هو للدجاجة ، قال الممزق العبدي : " وقد تذت رجلي .

.

.

" البيت .

والنسيف : أثر عض الغرز في جنب الناقة ، من عضة أو انحصاص وبر .

والمطرق من وصف القطاة .

يقال : طرقت المرأة وكل حامل تطرق : إذا خرج من الولد نصفه ثم نشب فيقال : طرقت ثم خلصت .

وقيل التطريق للقطاة إذا فحصت للبيض ، كأنها تجعل له طريقا .

(11) البيت لسوار بن المضرب ( اللسان : ورى ) .

وهو من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن : 1 : 412 ) قال في تفسير قوله تعالى : ( وكان وراءهم ملك ) : أي من بين أبيديهم وأمامهم .

قال : " أترجو بنو مروان .

.

.

البيت " : أي أمامي .

أ هـ .

وفي ( اللسان : ورى ) : وقوله عز وجل : ( وكان وراءهم ملك ) أي أمامهم .

قال ابن بري : ومثله قول سوار بن المضرب : " أيرجو بنو مروان .

.

.

البيت " .

(12) البيت من مشطور الرجز .

وهو للعجاج ( ديوانه طبع ليبسج سنة 1903 ص 10 ) وهو من شواهد أبي عبيدة في ( مجاز القرآن 1 : 413 ) قال في تفسير قوله تعالى : ( وأقرب رحما ) : معناها : معنى رحما ، مثل عسر ويسر ، وهلك وهلك قال العجاج : " ولم تعوج .

.

.

البيت " .

وفي ( اللسان : رحم ) : الرحم ، بالضم : الرحمة .

وفي التنزيل : " وأقرب رحما " ، وقرئت رحما ( بضمتين ) .

وقال أبو إسحق : أي أقرب عطفا وأمس بالقرابة .

والرحم ( بضم الراء المشددة فيهما ، مع سكون الحاء أو ضمها ) في اللغة : العطف والرحمة .

(13) عمر بن عبد الله المدني ، مولى غفرة ، بضم المعجمة ، قيل : هي أخت بلال بن رباح .

توفي سنة 145 هـ ( الخزرجي ) .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا قال ابن إسحاق : وكان من خبر ذي القرنين أنه أوتي ما لم يؤت غيره ، فمدت له الأسباب حتى انتهى من البلاد إلى مشارق الأرض ومغاربها ، لا يطأ أرضا إلا سلط على أهلها ، حتى انتهى من المشرق والمغرب إلى ما ليس وراءه شيء من الخلق .

قال ابن إسحاق : حدثني من يسوق الأحاديث عن الأعاجم فيما توارثوا من علم ذي القرنين أن ذا القرنين كان من أهل مصر اسمه مرزبان بن مردبة اليوناني من ولد يونان بن يافث بن نوح .

قال ابن هشام : واسمه الإسكندر وهو الذي بنى الإسكندرية فنسبت إليه .

قال ابن إسحاق : وقد حدثني ثور بن يزيد عن خالد بن معدان الكلاعي - وكان خالد رجلا قد أدرك الناس - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذي [ ص: 418 ] القرنين فقال : ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب وقال خالد : وسمع عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - رجلا يقول يا ذا القرنين ، فقال : ( اللهم غفرا أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ) قال ابن إسحاق : فالله أعلم أي ذلك كان ؟

أقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك أم لا ؟

والحق ما قال .قلت : وقد روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - مثل قول عمر ; سمع رجلا يدعو آخر يا ذا القرنين ، فقال علي : ( أما كفاكم أن تسميتم بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة ) وعنه أنه عبد ملك ( بكسر اللام ) صالح نصح الله فأيده .

وقيل : هو نبي مبعوث فتح الله - تعالى - على يديه الأرض .

وذكر الدارقطني في كتاب الأخبار أن ملكا يقال له رباقيل كان ينزل على ذي القرنين ، وذلك الملك هو الذي يطوي الأرض يوم القيامة ، وينقضها فتقع أقدام الخلائق كلهم بالساهرة ; فيما ذكر بعض أهل العلم .

وقال السهيلي : وهذا مشاكل بتوكيله بذي القرنين الذي قطع الأرض مشارقها ومغاربها ; كما أن قصة خالد بن سنان في تسخير النار له مشاكلة بحال الملك الموكل بها ، وهو مالك - عليه السلام - وعلى جميع الملائكة أجمعين .

ذكر ابن أبي خيثمة في كتاب البدء له خالد بن سنان العبسي وذكر نبوته ، وذكر أنه وكل به من الملائكة مالك خازن النار ، وكان من أعلام نبوته أن نارا يقال لها نار الحدثان ، كانت تخرج على الناس من مغارة فتأكل الناس ولا يستطيعون ردها ، فردها خالد بن سنان فلم تخرج بعد .

واختلف في اسم ذي القرنين وفي السبب الذي سمي به بذلك اختلافا كثيرا ; فأما اسمه فقيل : هو الإسكندر الملك اليوناني المقدوني ، وقد تشدد قافه فيقال : المقدوني .

وقيل : اسمه هرمس .

ويقال : اسمه هرديس .

وقال ابن هشام : هو الصعب بن ذي يزن الحميري من ولد وائل بن حمير ; وقد تقدم قول ابن إسحاق .

وقال وهب بن منبه : هو رومي .

وذكر الطبري حديثا عن النبي - عليه الصلاة والسلام - أن ذا القرنين شاب من الروم وهو حديث واهي السند ; قاله ابن عطية .

قال السهيلي : والظاهر من علم الأخبار أنهما اثنان : أحدهما : كان على عهد إبراهيم - عليه السلام - ، ويقال : إنه الذي قضى لإبراهيم - عليه السلام - حين تحاكموا إليه في بئر السبع بالشام .

والآخر : أنه كان قريبا من عهد عيسى - عليه السلام - .

وقيل : إنه أفريدون [ ص: 419 ] الذي قتل بيوراسب بن أرونداسب الملك الطاغي على عهد إبراهيم - عليه السلام - ، أو قبله بزمان .

وأما الاختلاف في السبب الذي سمي به ، فقيل : إنه كان ذا ضفيرتين من شعر فسمي بهما ; ذكره الثعلبي وغيره .

والضفائر قرون الرأس ; ومنه قول الشاعر :فلثمت فاها آخذا بقرونها شرب النزيف ببرد ماء الحشرجوقيل : إنه رأى في أول ملكه كأنه قابض على قرني الشمس ، فقص ذلك ، ففسر أنه سيغلب ما ذرت عليه الشمس ، فسمي بذلك ذا القرنين .

وقيل : إنما سمي بذلك لأنه بلغ المغرب والمشرق فكأنه حاز قرني الدنيا .

وقالت طائفة : إنه لما بلغ مطلع الشمس كشف بالرؤية قرونها فسمي بذلك ذا القرنين ; أو قرني الشيطان بها .

وقال وهب بن منبه : كان له قرنان تحت عمامته .

وسأل ابن الكواء عليا - رضي الله تعالى عنه - عن ذي القرنين أنبيا كان أم ملكا ؟

فقال : ( لا ذا ولا ذا ، كان عبدا صالحا دعا قومه إلى الله - تعالى - فشجوه على قرنه ، ثم دعاهم فشجوه على قرنه الآخر ، فسمي ذا القرنين ) واختلفوا أيضا في وقت زمانه ، فقال قوم : كان بعد موسى .

وقال قوم : كان في الفترة بعد عيسى وقيل : كان في وقت إبراهيم وإسماعيل .

وكان الخضر - عليه السلام - صاحب لوائه الأعظم ; وقد ذكرناه في " البقرة " .

وبالجملة فإن الله - تعالى - مكنه وملكه ودانت له الملوك ، فروي أن جميع ملوك الدنيا كلها أربعة : مؤمنان وكافران ; فالمؤمنان سليمان بن داود وإسكندر ، والكافران نمرود وبختنصر ; وسيملكها من هذه الأمة خامس لقوله - تعالى - : ليظهره على الدين كله وهو المهدي وقد قيل : إنما سمي ذا القرنين لأنه كان كريم الطرفين من أهل بيت شريف من قبل أبيه وأمه وقيل : لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس وهو حي وقيل : لأنه كان إذا قاتل قاتل بيديه وركابيه جميعا .

وقيل لأنه أعطي علم الظاهر والباطن .

وقيل : لأنه دخل الظلمة والنور .

وقيل : لأنه ملك فارس والروم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

كان أهل الكتاب أو المشركون، سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين، فأمره الله أن يقول: { سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ْ} فيه نبأ مفيد، وخطاب عجيب.

أي: سأتلوا عليكم من أحواله، ما يتذكر فيه، ويكون عبرة، وأما ما سوى ذلك من أحواله، فلم يتله عليهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا ) خبرا واختلفوا في نبوته : فقال بعضهم : كان نبيا .

[ وقال أبو الطفيل : سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين أكان نبيا ] أم ملكا؟

قال : لم يكن نبيا ولا ملكا ولكن كان عبدا أحب الله وأحبه الله ، ناصح الله فناصحه الله .

وروي أن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقول لآخر : يا ذا القرنين فقال : تسميتم بأسماء النبيين فلم ترضوا حتى تسميتم بأسماء الملائكة .

والأكثرون على أنه كان ملكا عادلا صالحا .

واختلفوا في سبب تسميته ب " ذي القرنين " قال الزهري : لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها .

وقيل : لأنه ملك الروم وفارس .

وقيل : لأنه دخل النور والظلمة .

وقيل : لأنه رأى في المنام كأنه أخذ بقرني الشمس .

وقيل : لأنه كانت له ذؤابتان حسنتان .

وقيل : لأنه كان له قرنان تواريهما العمامة .

وروى أبو الطفيل عن علي أنه [ قال سمي " ذا القرنين " لأنه ] أمر قومه بتقوى الله ، فضربوه على قرنه الأيمن فمات فبعثه الله ، ثم أمرهم بتقوى الله فضربوه على قرنه الأيسر فمات ، فأحياه الله .

واختلفوا في اسمه قيل : اسمه " مرزبان بن مرزبة اليوناني " من ولد يونان بن يافث بن نوح .

وقيل : اسمه " الإسكندر بن فيلفوس بن ياملوس الرومي " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويسألونك» أي اليهود «عن ذي القرنين» اسمه الاسكندر ولم يكن نبيا «قل سأتلو» سأقص «عليكم منه» من حاله «ذكرا» خبرا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويسألك -أيها الرسول- هؤلاء المشركون من قومك عن خبر ذي القرنين الملك الصالح، قل لهم: سأقصُّ عليكم منه ذِكْرًا تتذكرونه، وتعتبرون به.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - سبحانه - : ( وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين .

.

) معطوف على قصة موسى والخضر - عليهما السلام - عطف القصة على القصة .قال البقاعى : كانت قصة موسى مع الخضر مشتملة على الرحلات من أجل العلم ، وكانت قصة ذى القرنين مشتملة على الرحلات من أجل الجهاد فى سبيل الله ، ولما كان العلم أساس الجهاد تقدمت قصة موسى والخضر على قصة ذى القرنين .

.

.والسائلون هم كفار قريش بتلقين من اليهود ، فقد سبق أن ذكرنا عند تفسيرنا لقصة أصحاب الكهف .

أن اليهود قالوا لوفد قريش : سلوه - أى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ثلاث نأمركم بهن .

.

سلوه عن فتية ذهبوا فى الدهر الأول ماذا كان من أمرهم .

.

وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها .

.

وسلوه عن الروح .وجاء التعبير بصيغة المضارع - مع أن الآيات نزلت بعد سؤالهم - لاستحضار الصورة الماضية ، أو للدلالة على أنهم استمروا فى لجاجهم إلى أن نزلت الآيات التى ترد عليهم .أما ذو القرنين ، فقد اختلفت فى شأنه أقوال المفسرين اختلافا كبيرا ، لعل أقربها إلى الصواب ما أشار إليه الآلوسى بقوله : وذكر أبو الريحان البيرونى فى كتابه المسمى " بالآثار الباقية عن القرون الخالية " ، أن ذا القرنين هو أبو كريب الحميرى ، وهو الذى : افتخر به تبع اليمنى حيث قال :قد كان ذو القرنين جدى مسلما ...

ملكا علا فى الأرض غير مفندبلغ المغارب والمشارق يبتغى ...

أسباب ملك من حكيم مرشدثم قال أبو الريجان : ويشبه أن يكون هذا القول أقرب ، لأن ملوك اليمن كانوا يلقبون بكلمة ذى .

كذى نواس ، وذى يزن .

إلخ .

.ومن المقطوع به أن ذا القرنين هذا : ليس هو الإِسكندر المقدونى الملقب بذى القرنين .

تلميذ أرسطو ، فإن الإِسكندر هذا كان وثنيا .

.

بخلاف ذى القرنين الذى تحدث عنه القرآن ، فإنه كان مؤمنا بالله - تعالى - ومعتقدا بصحة البعث والحساب .والرأى الراجح أنه كان عبدا صالحا ، ولم يكن نبيا .ويرى بعضهم أنه كان بعد موسى - عليه السلام - ، ويرى آخرون غير ذلك ومن المعروف أن القرآن الكريم يهتم فى قصصه ببيان العبر والعظات المستفادة من القصة ، لا ببيان الزمان أو المكان للأشخاص .وسمى بذى القرنين - على الراجح - لبلوغه فى فتوحاته قرنى الشمس من أقصى المشرق والمغرب .والمعنى : ويسألك قومك - يا محمد - عن خبر ذى القرنين وشأنه .( قل ) لهم - على سبيل التعليم والرد على تحديهم لك .

( سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ) .والضمير فى " منه " يعود على ذى القرنين و " من " للتبعيض .أى : قل لهم : سأتلو عليكم من خبره - وسأقص عليكم من أنبائه عن طريق هذا القرآن الذى أوحاه الله إلى ما يفيدكم ويكون فيه ذكرى وعبرة لكم إن كنتم تعقلون .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو القصة الرابعة من القصص المذكورة في هذه السورة وفيها مسائل: المسألة الأولى: قد ذكرنا في أول هذه السورة أن اليهود أمروا المشركين أن يسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة أصحاب الكهف وعن قصة ذي القرنين وعن الروح فالمراد من قوله: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين ﴾ هو ذلك السؤال.

المسألة الثانية: اختلف الناس في أن ذا القرنين من هو وذكروا فيه أقوالاً: الأول: أنه هو الاسكندر بن فيلبوس اليوناني قالوا والدليل عليه أن القرآن دل على أن الرجل المسمى بذي القرنين بلغ ملكه إلى أقصى المغرب بدليل قوله: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ  ﴾ وأيضاً بلغ ملكه أقصى المشرق بدليل قوله: ﴿ حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس  ﴾ وأيضاً بلغ ملكه أقصى الشمال بدليل أن يأجوج ومأجوج قوم من الترك يسكنون في أقصى الشمال، وبدليل أن السد المذكور في القرآن يقال في كتب التواريخ إنه مبني في أقصى الشمال فهذا الإنسان المسمى بذي القرنين في القرآن قد دل القرآن على أن ملكه بلغ أقصى المغرب والمشرق وهذا هو تمام القدر المعمور من الأرض، ومثل هذا الملك البسيط لا شك أنه على خلاف العادات وما كان كذلك وجب أن يبقى ذكره مخلداً على وجه الدهر وأن لا يبقى مخفياً مستتراً، والملك الذي اشتهر في كتب التواريخ أنه بلغ ملكه إلى هذا الحد ليس إلا الإسكندر وذلك لأنه لما مات أبوه جمع ملوك الروم بعد أن كانوا طوائف ثم جمع ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم انعطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العراقيون والقبط والبربر.

ثم توجه نحو دارا بن دارا وهزمه مرات إلى أن قتله صاحب حرسه فاستولى الإسكندر على ممالك الفرس ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

فلما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية، أو ما يقرب منها، وثبت بعلم التواريخ أن الذي هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن المراد بذي القرنين هو الإسكندر بن فيلبوس اليوناني ثم ذكروا في سبب تسميته بهذا الاسم وجوهاً: الأول: أنه لقب بهذا اللقب لأجل بلوغه قرني الشمس أي مطلعها ومغربها كما لقب أردشير بن بهمن بطويل اليدين لنفوذ أمره حيث أراد.

والثاني: أن الفرس قالوا: إن دارا الأكبر كان قد تزوج بابنة فيلبوس فلما قرب منها وجد منها رائحة منكرة فردها على أبيها فيلبوس وكانت قد حملت منه بالإسكندر فولدت الإسكندر بعد عودها إلى أبيها فبقي الإسكندر عند فيلبوس وأظهر فيلبوس أنه ابنه وهو في الحقيقة ابن دارا الأكبر قالوا والدليل عليه أن الإسكندر لما أدرك دارا بن دارا وبه رمق وضع رأسه في حجره وقال لدارا: يا أبي أخبرني عمن فعل هذا لأنتقم لك منه!

فهذا ما قاله الفرس قالوا وعلى هذا التقدير فالإسكندر أبوه دارا الأكبر وأمه بنت فيلبوس فهو إنما تولد من أصلين مختلفين الفرس والروم وهذا الذي قاله الفرس إنما ذكروه لأنهم أرادوا أن يجعلوه من نسل ملوك العجم حتى لا يكون ملك مثله من نسب غير نسب ملوك العجم وهو في الحقيقة كذب، وإنما قال الإسكندر لدارا يا أبي على سبيل التواضع وأكرم دارا بذلك الخطاب.

والقول الثاني: قال أبو الريحان الهروي المنجم في كتابه الذي سماه بالآثار الباقية عن القرون الخالية، قيل: إن ذا القرنين هو أبو كرب شمر بن عبير بن أفريقش الحميري فإنه بلغ ملكه مشارق الأرض ومغاربها وهو الذي افتخر به أحد الشعراء من حمير حيث قال: قد كان ذو القرنين قبلي مسلما *** ملكاً علا في الأرض غير مفندي بلغ المشارق والمغارب يبتغي *** أسباب ملك من كريم سيد ثم قال أبو الريحان ويشبه أن يكون هذا القول أقرب لأن الأذواء كانوا من اليمن وهم الذين لا تخلو أساميهم من ذي كذا كذي النادي وذي نواس وذي النون وغير ذلك.

والقول الثالث: أنه كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة، وإن كنا لا نعرف أنه من هو ثم ذكروا في تسميته بذي القرنين وجوهاً: الأول: سأل ابن الكوا علياً رضي الله عنه عن ذي القرنين وقال أملك هو أم نبي فقال: لا ملك ولا نبي كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي بذي القرنين وملك ملكه.

الثاني: سمي بذي القرنين لأنه انقرض في وقته قرنان من الناس.

الثالث: قيل كان صفحتا رأسه من نحاس.

الرابع: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

الخامس: (كان) لتاجه قرنان.

السادس: عن النبي صلى الله عليه وسلم سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني شرقها وغربها.

السابع: كان له قرنان أي ضفيرتان.

الثامن: أن الله تعالى سخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتمده الظلمة من ورائه.

التاسع: يجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

العاشر: رأى في المنام كأنه صعد الفلك فتعلق بطرفي الشمس وقرنيها وجانبيها فسمي لهذا السبب بذي القرنين.

الحادي عشر: سمي بذلك لأنه دخل النور والظلمة.

والقول الرابع: أن ذا القرنين ملك من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين فقال: اللهم اغفر.

أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسموا بأسماء الملائكة!

فهذا جملة ما قيل في هذا الباب، والقول الأول أظهر لأجل الدليل الذي ذكرناه وهو أن مثل هذا الملك العظيم يجب أن يكون معلوم الحال عند أهل الدنيا والذي هو معلوم الحال بهذا الملك العظيم هو الإسكندر فوجب أن يكون المراد بذي القرنين هو هو إلا أن فيه إشكالاً قوياً وهو أنه كان تلميذ أرسططاليس الحكيم وكان على مذهبه فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسططاليس حق وصدق وذلك مما لا سبيل إليه، والله أعلم.

المسألة الثالثة: اختلفوا في ذي القرنين هل كان من الأنبياء أم لا؟

منهم من قال: إنه كان نبياً واحتجوا عليه بوجوه: الأول: قوله: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ والأولى حمله على التمكين في الدين والتمكين الكامل في الدين هو النبوة.

والثاني: قوله: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ ومن جملة الأشياء النبوة فمقتضى العموم في قوله: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ هو أنه تعالى آتاه في النبوة سبباً.

الثالث: قوله تعالى: ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ والذي يتكلم الله معه لابد وأن يكون نبياً ومنهم من قال إنه كان عبداً صالحاً وما كان نبياً.

المسألة الرابعة: في دخول السين في قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ ﴾ معناه إني سأفعل هذا إن وفقني الله تعالى عليه وأنزل فيه وحياً وأخبرني عن كيفية تلك الحال، وأما قوله تعالى: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ فهذا التمكين يحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب النبوة ويحتمل أن يكون المراد منه التمكين بسبب الملك من حيث إنه ملك مشارق الأرض ومغاربها والأول أولى لأن التمكين بسبب النبوة أعلى من التمكين بسبب الملك وحمل كلام الله على الوجه الأكمل الأفضل أولى ثم قال: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ قالوا: السبب في أصل اللغة عبارة عن الحبل ثم استعير لكل ما يتوصل به إلى المقصود وهو يتناول العلم والقدرة والآلة فقوله: ﴿ وآتيناه مِن كُلّ شَيء سَبَباً ﴾ معناه: أعطيناه من كل شيء من الأمور التي يتوصل بها إلى تحصيل ذلك الشيء ثم إن الذين قالوا: إنه كان نبياً قالوا: من جملة الأشياء النبوة فهذه الآية تدل على أنه تعالى أعطاه الطريق الذي به يتوصل إلى تحصيل النبوة، والذين أنكروا كونه نبياً قالوا: المراد به وآتيناه من كل شيء يحتاج إليه في إصلاح ملكه سبباً، إلا أن لقائل أن يقول: إن تخصيص العموم خلاف الظاهر فلا يصار إليه إلا بدليل، ثم قال: ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ومعناه أنه تعالى لما أعطاه من كل شيء سببه فإذا أراد شيئاً أتبع سبباً يوصله إليه ويقربه منه قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو فاتبع بتشديد التاء، وكذلك ثم اتبع أي سلك وسار والباقون فأتبع بقطع الألف وسكون التاء مخففة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

ذو القرنين: هو الإسكندر الذي ملك الدنيا.

قيل: ملكها مؤمنان: ذو القرنين، وسليمان.

وكافران: نمروذ، وبختنصر، وكان بعد نمرود.

واختلف فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الله الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وقيل: نبياً.

وقيل: ملكاً من الملائكة.

وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين، فقال: اللَّهم غفراً ما رضيتم أن تتسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة، وعن علي رضي الله عنه.

سخر له السحاب، ومدّت له الأسباب، وبسط له النور وسئل عنه فقال: أحبه الله فأحبه.

وسأله ابن الكوّا: ما ذو القرنين أملك أم نبيّ؟

فقال: ليس بملك ولا نبيّ، ولكن كان عبداً صالحاً، ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات، فبعثه الله فسمي ذو القرنين وفيكم مثله.

قيل: كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها» وقيل: كان له قرنان، أي ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وعن وهب: لأنه ملك الروم وفارس.

وروي: الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

ويجوز أن يلقب بذلك لشجاعته كما يسمى الشجاع كبشاً لأنه ينطح أقرانه، وكان من الروم ولد عجوز ليس لها ولد غيره.

والسائلون: هم اليهود سألوه على جهة الامتحان.

وقيل: سأله أبو جهل وأشياعه، والخطاب في ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ لأحد الفريقين ﴿ مِن كُلّ شَيْء ﴾ أي من أسباب كل شيء، أراده من أغراضه ومقاصده في ملكه ﴿ سَبَباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه، والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، فأراد بلوغ المغرب ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ يوصله إليه حتى بلغ، وكذلك أراد المشرق، فأتبع سبباً، وأراد بلوغ السدّين فاتبع سبباً.

وقرئ: ﴿ فأتبع ﴾ قرئ: ﴿ حمئة ﴾ ، من حمئت البئر إذا صار فيها الحمأة.

وحامية بمعنى حارّة.

وعن أبي ذرّ: كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم على الجمل، فرأى الشمس حين غابت فقال: (يا أبا ذرّ، أتدري أين تغرب هذه؟) فقلت: الله ورسوله أعلم.

قال (فإنها تغرب في عين حامية)، وهي قراءة ابن مسعود وطلحة وابن عمر وابن عمرو والحسن.

وقرأ ابن عباس: حمئة.

وكان ابن عباس عند معاوية؛ فقرأ معاوية: حامية فقال ابن عباس: حمئة.

فقال معاوية لعبد الله بن عمرو: كيف تقرأ؟

قال: كما يقرأ أمير المؤمنين ثم وجه إلى كعب الأحبار.

كيف تجد الشمس تغرب؟

قال: في ماء وطين، كذلك نجده في التوراة.

وروي: في ثأط، فوافق قول ابن عباس، وكان ثمة رجل فأنشد قول تبع: فَرَأَى مَغِيبَ الشّمْسِ عِنْدَ مَآبِهَا ** فِي عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وَثَاطٍ حَرْمَدِ أي في عين ماء ذي طين وحمإ أسود، ولا تنافي بين الحمئة والحامية، فجائز أن تكون العين جامعه للوصفين جميعاً.

كانوا كفرة فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوهم إلى الإسلام، فاختار الدعوة والاجتهاد في استمالتهم فقال: أمّا من دعوته فأبى إلا البقاء على الظلم العظيم الذي هو الشرك: فذلك هو المعذب في الدارين ﴿ وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ ﴾ ما يقتضيه الإيمان ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ وقيل: خيّره بين القتل والأسر، وسماه إحساناً في مقابلة القتل ﴿ فَلَهُ جَزآءً الحسنى ﴾ فله أن يجازي المثوبة الحسنى.

أو فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كلمة الشهادة.

وقرئ: ﴿ فله جزاء الحسنى ﴾ أي: فله الفعلة الحسنى جزاء.

وعن قتادة: كان يطبخ من كفر في القدور، وهو العذاب النكر.

ومن آمن أعطاه وكساه ﴿ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ أي لا نأمره بالصعب الشاق، ولكن بالسهل المتيسر من الزكاة والخراج وغير ذلك، وتقديره: ذا يسر، كقوله: ﴿ قَوْلاً مَّيْسُورًا ﴾ [الإسراء: 28] وقرئ: ﴿ يُسُراً ﴾ ، بضمتين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ يَعْنِي إسْكَنْدَرَ الرُّومِيَّ مَلِكَ فارِسَ والرُّومِ.

وقِيلَ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ ولِذَلِكَ سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، أوْ لِأنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا شَرْقَها وغَرْبَها، وقِيلَ لِأنَّهُ انْقَرَضَ في أيّامِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ كانَ لَهُ قَرْنانِ أيْ ضَفِيرَتانِ، وقِيلَ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ.

ويَحْتَمِلُ أنَّهُ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَما يُقالُ الكَبْشُ لِلشُّجاعِ كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ.

واخْتُلِفَ في نُبُوَّتِهِ مَعَ الِاتِّفاقِ عَلى إيمانِهِ وصَلاحِهِ، والسّائِلُونَ هُمُ اليَهُودُ سَألُوهُ امْتِحانًا أوْ مُشْرِكُو مَكَّةَ.

﴿ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ خِطابٌ لِلسّائِلِينَ والهاءُ لِذِي القَرْنَيْنِ.

وقِيلَ لِلَّهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ويسألونك} أي اليهود على جهة الإمتحان أو أبو جهل وأشياعه {عَن ذِى القرنين} هو الإسكندر الذي ملك الدنيا قيل ملكها مؤمنان ذو القرنين وسليمان وكافران نمرود وبختنصر وكان بعد نمرود وقيل كان عبداً صالحاً ملّكه الله الأرض وأعطاه العلم والحكمة وسخر له النور والظلمة فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه وقيل نبياً وقيل ملكا من الملائكة وعن علي رضي الله عنه أنه قال ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبد صالحا فضرب عن قرنه الأمن في طاعة الله فمات ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله أراد نفسه قيل كان يدعوهم إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله تعالى وقال عليه السلام سمي ذا القرنين لانه طاف قرني

الكهف (٨٨ - ٨٣)

الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها وقيل كان له قرنان أي ضفيرتان أو انقرض في وقته قرنان من الناس أو لأنه ملك الروم وفارس أو الترك والروم أو كان لتاجه قرنان أو على رأسه ما يشبه القرنين أو كان كريم الطرفين أبا وأما وكان من الروم {قل سأتلو عَلَيْكُم مّنْهُ} من ذي القرنين {ذِكْراً}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ كانَ السُّؤالُ عَلى وجْهِ الِامْتِحانِ، والسّائِلُونَ في المَشْهُورِ قُرَيْشٌ بِتَلْقِينِ اليَهُودِ، وقِيلَ: اليَهُودُ أنْفُسُهم ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ السُّدِّيِّ، وأكْثَرُ الآثارِ تَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ سُؤالِهِمْ فالتَّعْبِيرُ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبالِ لِاسْتِحْضارِ الصُّورَةِ الماضِيَةِ لِما أنَّ في سُؤالِهِمْ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ مَعَ مُشاهَدَتِهِمْ مِن أمْرِهِ  ما شاهَدُوا نَوْعَ غَرابَةٍ، وقِيلَ: لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِمْرارِهِمْ عَلى السُّؤالِ إلى وُرُودِ الجَوابِ وبَعْضِ الآثارِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلُ، «فَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: إنَّ نَفَرا مِن أهْلِ الكِتابِ جاءُوا بِالصُّحُفِ أوِ الكُتُبِ فَقالُوا لِي: اسْتَأْذِنْ لَنا عَلى رَسُولِ اللَّهِ  لِنَدْخُلَ عَلَيْهِ فانْصَرَفَتْ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَأخْبَرَتْهُ بِمَكانِهِمْ فَقالَ  : ما لِي ولَهم يَسْألُونَنِي عَمّا لا أعْلَمَ إنَّما أنا عَبْدٌ لا عِلْمَ لِي إلّا ما عَلَّمَنِي رَبِّي ثُمَّ قالَ: ائْتِنِي بِوُضُوءٍ أتَوَضَّأُ بِهِ فَأتَيْتُهُ فَتَوَضَّأ ثُمَّ قامَ إلى مَسْجِدٍ في بَيْتِهِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ فانْصَرَفَ حَتّى بَدا السُّرُورُ في وجْهِهِ ثُمَّ قالَ: اذْهَبْ فَأدْخِلْهم ومَن وجَدْتَ بِالبابِ مِن أصْحابِي فَأدْخَلْتُهم فَلَمّا رَآهُمُ النَّبِيُّ  قالَ: إنْ شِئْتُمْ أخْبَرْتُكم بِما سَألْتُمُونِي عَنْهُ وإنْ شِئْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ فافْعَلُوا»، والجُمْهُورُ عَلى الأوَّلِ ولَمْ تَثْبُتْ صِحَّةُ هَذا الخَبَرِ.

واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ فَقِيلَ: هو مَلِكٌ أهْبَطُهُ اللَّهُ تَعالى إلى الأرْضِ وآتاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نَفِيرٍ، واسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِما أخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الأضْدادِ وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُنادِي بِمِنًى يا ذا القَرْنَيْنِ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ها أنْتُمْ قَدْ سَمَّيْتُمْ بِأسْماءَ الأنْبِياءِ فَما لَكم وأسْماءُ المَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلٌ غَرِيبٌ بَلْ لا يَكادُ يَصِحُّ، والخَبَرُ عَلى فَرْضِ صِحَّتِهِ لَيْسَ نَصًّا في ذَلِكَ إذْ يَحْتَمِلُ ولَوْ عَلى بُعْدٍ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ هَذا الِاسْمَ مِن أسْماءِ المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ فَلا تُسَمُّوا بِهِ أنْتُمْ وإنْ تَسَمّى بِهِ بَعْضُ مَن قَبْلَكم مِنَ النّاسِ.

وقِيلَ: هو عَبْدٌ صالِحٌ مَلَّكَهُ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ وأعْطاهُ العِلْمَ والحِكْمَةَ وألْبَسَهُ الهَيْبَةَ ولا نَعْرِفُ مَن هو وذُكِرَ في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ وُجُوهٌ: الأوَّلُ: أنَّهُ دَعا إلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْمَنِ فَماتَ ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى، فَدَعا فَضُرِبَ عَلى قَرْنِهِ الأيْسَرِ فَماتَ، ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعالى فَسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ ومَلَكَ ما مَلَكَ ورُوِيَ هَذا عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، والثّانِي أنَّهُ انْقَرَضَ في وقْتِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ، الثّالِثُ أنَّهُ كانَتْ صَفْحَتا رَأْسِهِ مِن نُحاسٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، الرّابِعُ أنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ قَرْنانِ كالظِّلْفَيْنِ وهو أوَّلُ مَن لَبِسَ العِمامَةَ لِيَسْتُرَهُما، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ يَعْلى، الخامِسُ أنَّهُ كانَ لِتاجِهِ قَرْنانِ، السّادِسُ أنَّهُ طافَ قَرْنَيِ الدُّنْيا أيْ شَرْقَها وغَرْبَها ورُوِي ذَلِكَ مَرْفُوعًا، السّابِعُ أنَّهُ كانَ لَهُ غَدِيرَتانِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ قَتادَةَ ويُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، الثّامِنُ أنَّهُ سَخَّرَ لَهُ النُّورَ والظُّلْمَةَ فَإذا سَرى يَهْدِيهِ النُّورُ مِن أمامِهِ وتَمْتَدُّ الظُّلْمَةُ مِن ورائِهِ، التّاسِعُ أنَّهُ دَخَلَ النُّورَ والظُّلْمَةَ، العاشِرُ أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ صَعِدَ إلى الشَّمْسِ وأخَذَ بِقَرْنَيْها.

الحادِيَ عَشَرَ أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَدْ لُقِّبَ بِذَلِكَ لِشَجاعَتِهِ كَأنَّهُ يَنْطَحُ أقْرانَهُ كَما لُقِّبَ أزْدَشِيرُ بُهْمَن بِطَوِيلِ اليَدَيْنِ لِنُفُوذِ أمْرِهِ حَيْثُ أرادَ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَبْعُدُ عَدَمُ مَعْرِفَةِ رَجُلٍ مُكِّنَ لَهُ ما مُكِّنَ في الأرْضِ وبَلَغَ مِنَ الشُّهْرَةِ ما بَلَغَ في طُولِها والعَرْضِ، وأمّا الوُجُوهُ المَذْكُورَةُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ فَفِيها ما لا يَكادُ يَصِحُّ ولَعَلَّهُ غَيْرُ خَفِيٍّ عَلَيْكَ وقِيلَ: هو فِرِيدُونُ بْنُ اثْفِيانَ بْنِ جَمْشِيدَ خامِسُ مُلُوكِ الفُرْسِ الفَيْشِدادِيَّةِ، وكانَ مَلِكًا عادِلًا مُطِيعًا لِلَّهِ تَعالى.

وفي كِتابِ صُوَرِ الأقالِيمِ لِأبِي زَيْدٍ البَلْخِيِّ أنَّهُ كانَ مُؤَيَّدًا بِالوَحْيِ.

وفي عامَّةِ التَّوارِيخِ أنَّهُ مَلَكَ الأرْضَ وقَسَّمَها بَيْنَ بَنِيهِ الثَّلاثَةِ إيرِجْ وسَلْمَ وتَوْرَ فَأعْطى إيرَجَ العِراقَ والهِنْدَ والحِجازَ وجَعَلَهُ صاحِبَ التّاجِ، وأعْطى سَلْمَ الرُّومَ ودِيارَ مِصْرَ والمَغْرِبَ، وأعْطى تَوْرَ الصِّينَ والتُّرْكَ والمَشْرِقَ، ووَضَعَ لِكُلٍّ قانُونًا تُحْكَمُ بِهِ وسُمِّيَتِ القَوانِينُ الثَّلاثَةُ سِياسَةً فَهي مُعَرَّبَةُ سِي ايسا أيْ ثَلاثَةِ قَوانِينَ، ووَجْهُ تَسْمِيَتِهِ ذا القَرْنَيْنِ أنَّهُ مَلَكَ طَرَفَيِ الدُّنْيا، أوْ طُولُ أيّامِ سَلْطَنَتِهِ، فَإنَّها كانَتْ عَلى ما في رَوْضَةِ الصَّفا خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ أوْ عِظَمُ شَجاعَتِهِ وقَهْرُهُ المُلُوكَ.

ورَدَّ بِأنَّهُ قَدْ أجْمَعَ أهْلُ التّارِيخِ عَلى أنَّهُ لَمْ يُسافِرْ لا شَرْقًا ولا غَرْبًا وإنَّما دَوَّخَ لَهُ البِلادَ كاوِهُ الأصْفَهانِيُّ الحَدّادُ الَّذِي مَزَّقَ اللَّهُ تَعالى عَلى يَدِهِ مُلْكَ الضَّحّاكِ وبَقِيَ رَئِيسَ العَساكِرِ إلى أنْ ماتَ، ويَلْزَمُ عَلى هَذا القَوْلِ أيْضًا أنْ يَكُونَ الخَضِرُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى مُقَدِّمَتِهِ بِناءً عَلى ما اشْتُهِرَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ عَلى مُقَدِّمَةِ ذِي القَرْنَيْنِ ولَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ المُؤَرِّخِينَ.

وأُجِيبُ بِأنَّ مَن يَقُولُ: إنَّهُ الإسْكَنْدَرُ يُثْبِتُ جَمِيعَ ما ثَبَتَ لِلْإسْكَنْدَرِ في الآياتِ والأخْبارِ ولا يُبالِي بِعَدَمِ ذِكْرِ المُؤَرِّخِينَ لِذَلِكَ وهو كَما تَرى، وقِيلَ: هو إسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ ابْنُ فَيْلَقُوسَ، وقِيلَ: قَلْفِيصُ، وقِيلَ: قُلَيْصُ.

وقالَ ابْنُ كَثِيرٍ: هو ابْنُ فَيْلِيسَ بْنِ مَصْرِيمَ بْنِ هَرْمَسَ بْنِ مَيْطُونَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ لِيطِي بْنِ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُونَ بْنِ شَرْخُونَ بْنِ تَوْنَطَ بْنِ يُوفِيلَ بْنِ رُومِيِّ بْنِ الأصْغَرِ بْنِ العَزِيزِ بْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ سَرِيرُ مُلْكِهِ مَقْدُونِيًّا وهي بَلْدَةٌ مِن بِلادِ الرُّومِ غَرْبَيْ دارِ السَّلْطَنَةِ السَّنِيَّةِ قُسْطَنْطِينِيَّةَ المَحْمِيَّةِ بَيْنَهُما مِنَ المَسافَةِ قَدْرُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ عِنْدَ مَدِينَةِ شِيرُوزَ، وقَوْلُ ابْنِ زَيْدُونَ: إنَّها مِصْرُ وهْمٌ، وهو الَّذِي غَلَبَ دارا الأصْغَرَ واسْتَوْلى عَلى مُلْكِ الفُرْسِ وكانَ مَوْلِدُهُ في السَّنَةِ الثّالِثَةَ عَشْرَةَ مِن مُلْكِ دارا الأكْبَرِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّهُ أبُوهُ وذَلِكَ أنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ فَيْلَقُوسَ فَلَمّا قَرَبَها وجَدَ مِنها رائِحَةً مُنْكَرَةً فَأرْسَلَها إلى أبِيها وقَدْ حَمَلَتْ بِالإسْكَنْدَرِ، فَلَمّا وضَعَتْهُ بَقِيَ في كَفالَةِ أبِيها فَنُسِبَ إلَيْهِ، وقِيلَ: إنَّ دارا الأكْبَرَ تَزَوَّجَ ابْنَةَ مَلِكِ الزِّنْجِ هَلابِي فاسْتَخْبَثَ رِيحَها فَأمَرَ أنْ يَحْتالَ لِذَلِكَ فَكانَتْ تَغْتَسِلُ بِماءِ السَّنْدَرُوسِ فَأذْهَبَ كَثِيرًا مِن ذَفَرِها، ثُمَّ عافَها ورَدَّها إلى أهْلِها، فَوَلَدَتِ الإسْكَنْدَرَ وكانَ يُسَمّى الإسْكَنْدَرُوسَ.

ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ ولَدُهُ أنَّهُ لَمّا أدْرَكَ دارا الأصْغَرَ بْنَ دارا الأكْبَرِ وبِهِ رَمَقٌ وضَعَ رَأْسَهُ في حِجْرِهِ وقالَ لَهُ: يا أخِي أخْبِرْنِي عَمَّنْ فَعَلَ هَذا بِكَ لِأنْتَقِمَ مِنهُ وهو زَعْمٌ باطِلٌ.

وقَوْلُهُ: يا أخِي مَن بابِ الإكْرامِ ومُخاطَبَةِ الأمْثالِ.

وإنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِمُلْكِهِ طَرَفَيِ الأرْضِ أوْ لِشَجاعَتِهِ واسْتَدَلَّ لِهَذا القَوْلِ بِأنَّ القُرْآنَ دَلَّ عَلى أنَّ الرَّجُلَ بَلَغَ مُلْكُهُ إلى أقْصى المَغْرِبِ وأقْصى المَشْرِقِ وجِهَةَ الشَّمالِ وذَلِكَ تَمامُ المَعْمُورِ مِنَ الأرْضِ، وسُئِلَ: هَذا المَلِكُ يَجِبُ أنْ يَبْقى ذِكْرُهُ مُخَلَّدًا والمُلْكُ الَّذِي اشْتَهَرَ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّهُ بَلَغَ مُلْكَهُ إلى هَذا الحَدِّ لَيْسَ إلّا هَذا الإسْكَنْدَرَ، وذَلِكَ لِأنَّهُ لَمّا ماتَ أبُوهُ جَمَعَ مُلُوكَ الرُّومِ والمَغْرِبِ وقَهَرَهم وانْتَهى إلى البَحْرِ الأخْضَرِ ثُمَّ عادَ إلى مِصْرَ وبَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ ثُمَّ دَخَلَ الشّامَ وقَصَدَ بَنِي إسْرائِيلَ، ووَرَدَ بَيْتَ المَقْدِسِ وذَبَحَ في مَذْبَحِهِ ثُمَّ انْعَطَفَ إلى أرْمِينِيَّةَ وبابِ الأبْوابِ، ودانَتْ لَهُ العِراقِيُّونَ والقِبْطُ والبَرْبَرُ واسْتَوْلى عَلى دارا وقَصَدَ الهِنْدَ والصِّينَ وغَزا الأُمَمَ البَعِيدَةَ، ورَجَعَ إلى خُراسانَ وبَنى المُدُنَ الكَثِيرَةَ ورَجَعَ إلى العِراقِ، ومَرِضَ بِشَهْرَزُورَ وماتَ بِها، وقِيلَ: ماتَ بِرُومِيَّةَ المَدائِنِ ووَضَعُوهُ في تابُوتٍ مِن ذَهَبٍ وحَمَلُوهُ إلى الإسْكَنْدَرِيَّةِ وعاشَ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ سَنَةً، ومُدَّةُ مُلْكِهِ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً.

وقِيلَ: عاشَ سِتًّا وثَلاثِينَ، ومُدَّةُ مُلْكِهِ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً، وقِيلَ: غَيْرَ ذَلِكَ، فَلَمّا ثَبَتَ بِالقُرْآنِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكَ أكْثَرَ المَعْمُورَةِ وثَبَتَ بِالتَّوارِيخِ أنَّ الَّذِي هَذا شَأْنُهُ هو الإسْكَنْدَرُ، وجَبَ القَطْعُ بِأنَّ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ كَذا ذَكَرَهُ الإمامُ، ثُمَّ قالَ: وهَذا القَوْلُ هو الأظْهَرُ لِلدَّلِيلِ المَذْكُورِ إلّا أنَّ فِيهِ إشْكالًا قَوِيًّا، وهو أنَّهُ كانَ تِلْمِيذَ أرِسْطُو الحَكِيمِ المُقِيمِ بِمَدِينَةِ أثِينَةَ أسْلَمَهُ إلَيْهِ أبُوهُ، فَأقامَ عِنْدَهُ خَمْسَ سِنِينَ وتَعَلَّمَ مِنهُ الفَلْسَفَةَ وبَرَعَ فِيها، وكانَ عَلى مَذْهَبِهِ، فَتَعْظِيمُ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ يُوجِبُ الحُكْمَ بِأنَّ مَذْهَبَ أرِسْطُو حَقٌّ وذَلِكَ مِمّا لا سَبِيلَ إلَيْهِ.

وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّهُ كانَ عَلى مَذْهَبِهِ في جَمِيعِ ما ذَهَبَ إلَيْهِ والتَّلْمَذَةُ عَلى شَخْصٍ لا تُوجِبُ المُوافَقَةَ في جَمِيعِ مَقالاتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ، ألا تَرى كَثْرَةَ مُخالَفَةِ الإمامَيْنِ لِشَيْخِهِما الإمامِ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُخالِفًا لَهُ فِيما يُوجِبُ الكُفْرَ، وفي ذَبْحِهِ في مَذْبَحِ بَيْتِ المَقْدِسِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرى جَمِيعَ ما يَراهُ الحُكَماءُ، ولا يَخْفى أنَّهُ احْتِمالٌ بَعِيدٌ، والمَشْهُورُ أنَّهُ كانَ قائِلًا بِما يَقُولُهُ الحُكَماءُ، والذَّبْحُ المَذْكُورُ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ والِاسْتِدْلالُ بِهِ ضَعِيفٌ، وقِيلَ: إنَّ قَوْلَهُ بِذَلِكَ وتَمَذْهُبَهُ بِمَذْهَبِ أرِسْطُو لا يُوجِبُ كُفْرَهُ إذْ ذاكَ فَإنَّهُ كانَ مُقِرًّا بِالصّانِعِ تَعالى شَأْنُهُ مُعَظِّمًا لَهُ غَيْرَ عابِدٍ سِواهُ مِن صَنَمٍ أوْ غَيْرِهِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ ما نَقَلَهُ الشَّهْرِسْتانِيُّ أنَّ الحُكَماءَ تَشاوَرُوا في أنْ يَسْجُدُوا لَهُ إجْلالًا وتَعْظِيمًا فَقالَ: لا يَجُوزُ السُّجُودُ لِغَيْرِ بادِئِ الكُلِّ ولَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إلَيْهِ رَسُولٌ فَإنَّهُ كانَ قَبْلَ مَبْعَثِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِنَحْوِ ثَلاثِمِائَةِ سَنَةٍ، وكانَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ إذْ ذاكَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ومَبْعُوثِينَ إلَيْهِمْ ولَمْ يَكُنْ هو مِنهم فَكانَ حُكْمُهُ حُكْمَ أهْلِ الفَتْرَةِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّهُ عَلى تَسْلِيمِ ذَلِكَ لا يَحْسِمُ مادَّةَ الإشْكالِ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَكادُ يُعَظِّمُ مَن حُكْمُهُ حُكْمُ أهْلِ الفَتْرَةِ مِثْلَ هَذا التَّعْظِيمِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ والأخْبارُ، وأيْضًا الثّالِثُ في التَّوارِيخِ أنَّ الإسْكَنْدَرَ المَذْكُورَ كانَ أرِسْطُو بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ عِنْدَهُ وكانَ يَسْتَشِيرُهُ في المُهِمّاتِ ويَعْمَلُ بِرَأْيِهِ ولَمْ يُذْكَرْ فِيها أنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَ الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلامُ فَضْلًا عَنِ اتِّخاذِهِ إيّاهُ وزِيرًا كَما هو المَشْهُورُ في ذِي القَرْنَيْنِ.

واعْتَرَضَ أيْضًا بِأنَّ إسْكَنْدَرَ المَذْكُورَ لَمْ يَتَحَقَّقْ لَهُ سَفَرٌ نَحْوَ المَغْرِبِ في كُتُبِ التَّوارِيخِ المُعْتَبَرَةِ وقَدْ نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ كاتِبُ جَلْبِي عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ، وقِيلَ: هو الإسْكَنْدَرُ الرُّومِيُّ وهو مُتَقَدِّمٌ عَلى اليُونانِيِّ بِكَثِيرٍ ويُقالُ لَهُ: ذُو القَرْنَيْنِ الأكْبَرُ، واسْمُهُ قِيلَ: مَرْزُبانُ بْنُ مَرْدُبَةَ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ أسْوَدَ، وقِيلَ: اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْنانَ بْنِ مَنصُورِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الأزْدِ بْنِ عَوْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ كَهْلانَ بْنِ سَبا بْنِ يَعْرُبَ بْنِ قَحْطانَ، وجَعَلَ بَعْضُهم هَذا الخِلافَ في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ اليُونانِيِّ بَعْدَ أنْ نُقِلَ القَوْلُ بِأنَّ اسْمَهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَيْلَقُوسَ، وذُكِرَ في اسْمِ الرُّومِيِّ ونَسَبِهِ ما نُقِلَ سابِقًا عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ.

وذَهَبَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ إلى أنَّ الإسْكَنْدَرَ اليُونانِيَّ والإسْكَنْدَرَ الرُّومِيَّ كِلاهُما يُطْلِقانِ عَلى غالِبِ دارا الأصْغَرَ، والتّارِيخُ المَشْهُورُ بِالتّارِيخِ الرُّومِيِّ، ويُسَمّى أيْضًا السُّرْيانِيُّ والعَجَمِيُّ يُنْسَبُ إلَيْهِ في المَشْهُورِ وأوَّلُهُ شُرُوقُ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِن أوَّلِ سَنَةٍ مِن سِنِيِّ وِلايَتِهِ عِنْدَ ابْنِ البَنّاءِ ومِن أوَّلِ السَّنَةِ السّابِعَةِ وهي سَنَةُ خُرُوجِهِ لِتَمَلُّكِ البِلادِ كَما في زِيجٍ الصُّوفِيِّ أوْ مِن أوَّلِ السَّنَةِ الَّتِي ماتَ فِيها كَما في المَبادِئِ والغاياتِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَنْسُبُهُ إلى سُولُونْسَ بْنِ الطُّبُوخُوسِ الَّذِي أمَرَ بِبِناءِ أنْطاكِيَّةَ وهو الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ أبِي الشُّكْرِ، وتَوَقَّفَ بَعْضُهم كالِغٌ بِكَ عَنْ نِسْبَتِهِ إلى أحَدِهِما لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ، ونَفى بَعْضُهم أنْ يَكُونَ في الزَّمَنِ المُتَقَدِّمِ بَيْنَ المُلُوكِ إسْكَنْدَرانِ.

وزَعَمَ أنَّهُ لَيْسَ هُناكَ إلّا الإسْكَنْدَرُ الَّذِي غَلَبَ دارا واسْتَوْلى عَلى مُلْكِ فارِسَ وقالَ: إنَّ ذا القَرْنَيْنِ المَذْكُورَ في القُرْآنِ العَظِيمِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هو ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ، والَّذِي عَلَيْهِ الكَثِيرُ أنَّ المُسَمّى بِالإسْكَنْدَرِ بَيْنَ المُلُوكِ السّالِفَةِ اثْنانِ بَيْنَهُما نَحْوُ ألْفَيْ سَنَةٍ وأنْ أوَّلَهُما هو المُرادُ بِذِي القَرْنَيْنِ ويُسَمِّيهِ بَعْضُهُمُ الرُّومِيَّ وبَعْضُهُمُ اليُونانِيُّ وهو الَّذِي عَمَّرَ دَهْرًا طَوِيلًا فَقِيلَ: عَمَّرَ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، وقِيلَ: ألْفَيْ سَنَةٍ، وقِيلَ: ثَلاثَةُ آلافِ سَنَةٍ ولا يَصِحُّ في ذَلِكَ شَيْءٌ، وذَكَرَ أبُو الرِّيحانِ البَيْرُونِيُّ المُنَجِّمُ في كِتابِهِ المُسَمّى بِالآثارِ الباقِيَةِ عَنِ القُرُونِ الخالِيَةِ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أبُو كَرْبٍ سُمِّيَ ابْنُ عُمَيْرِ بْنِ أفْرِيقِيسَ الحِمْيَرِيُّ وهو الَّذِي افْتَخَرَ بِهِ تُبَّعٌ اليَمانِيُّ حَيْثُ قالَ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا مُلْكًا عَلا في الأرْضِ غَيْرُ مُفَنَّدٍ بَلَغَ المَغارِبَ والمَشارِقَ يَبْتَغِي ∗∗∗ أسْبابَ مُلْكٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدِ فَرَأى مَغِيبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خَلَبٍ وثَأْطٍ حَرْمَدِ ثُمَّ قالَ: ويُشْبِهُ أنُ يَكُونَ هَذا القَوْلُ أقْرَبَ لِأنَّ الأدْواءَ كانُوا مِنَ اليَمَنِ كَذِي المَنارِ وذِي نُواسِ وذِي رَعِينٍ وذِي يَزَنَ وذِي جُدْنَ، واخْتارَ هَذا القَوْلَ كاتِبُ جَلْبِي وذَكَرَ أنَّهُ كانَ في عَصْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ في مَكَّةَ المُكَرَّمَةِ وتَعانَقا وأنَّ شُهْرَةَ بُلُوغِ مَلَكِ الإسْكَنْدَرَ اليُونانِيِّ تِلْمِيذُ أرِسْطُو الغايَةَ القُصْوى في كُتُبِ التَّوارِيخِ كَما ذَكَرَ ( الإمامُ دُونَ هَذا إنَّما هي لَقُرْبِ زَمانِ اليُونانِيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ فَإنَّ بَيْنَهُما نَحْوَ ألْفَيْ سَنَةٍ، وتَوارِيخُ هاتِيكَ الأعْصارِ قَدْ أصابَها إعْصارٌ ولَمْ يَبْقَ ما يُعَوَّلُ عَلَيْهِ ويَرْجِعُ في حَلِّ المُشْكِلاتِ إلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ عَدَمَ شُهْرَةٍ مِن ذِكْرِ تَقَوِّي كَوْنُهُ المَسْؤُولَ عَنْهُ إذْ غَرَضُ اليَهُودِ مِنَ السُّؤالِ الِامْتِحانُ وذَلِكَ إنَّما يَحْسُنُ فِيما خَفِيَ أمْرُهُ ولَمْ يُشْهَرْ، إذِ الشُّهْرَةُ لا سِيَّما إذا كانَتْ تامَّةً مَظِنَّةُ العِلْمِ وإلى كَوْنِ ذِي القَرْنَيْنِ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ذَهَبَ غَيْرُ واحِدٍ، وقَدْ ذَكَرَ الأزْرَقِيُّ أنَّهُ أسْلَمَ عَلى يَدِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ وطافَ مَعَهُ بِالكَعْبَةِ وكانَ ثالِثَهُما إسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ أنَّهُ حَجَّ ماشِيًا فَلَمّا سَمِعَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقُدُومِهِ تَلَقّاهُ ودَعا لَهُ وأوْصاهُ بِوَصايا، وقِيلَ: أُتِيَ بِفَرَسٍ لِيَرْكَبَ فَقالَ: لا أرْكَبُ في بَلَدٍ فِيهِ الخَلِيلُ فَعِنْدَ ذَلِكَ سُخِّرَ لَهُ السَّحابُ ومُدَّ لَهُ في الأسْبابِ وبَشَّرَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِذَلِكَ، فَكانَتِ السَّحابَةُ تَحْمِلُهُ وعَساكِرَهُ وجَمِيعَ آلَتِهِمْ إذا أرادُوا غَزْوَ قَوْمٍ، وهَؤُلاءِ لَمْ يُصَرِّحُوا بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ هَذا هو الحِمْيَرِيُّ الَّذِي ذُكِرَ لَكِنَّ مُقْتَضى كَلامِ كاتِبِ جَلْبِي أنَّهُ هو.

وذُكِرَ أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ إسْكَنْدَرُ لَقَبًا لِمَن ذُكِرَ مُعَرَّبًا عَنِ الِكْسَنْدَرِ ومَعْناهُ في اللُّغَةِ اليُونانِيَّةِ آدَمِيٌّ جَيِّدٌ، ورُبَّما يُقالُ: إنَّ مَن قالَ: اسْمُ الإسْكَنْدَرِ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَيْنانَ بْنِ مَنصُورٍ إلى آخِرِ النَّسَبِ السّابِقِ المُنْتَهِي إلى قَحْطانَ عَنى هَذا الرَّجُلَ الحَمِيرِيَّ لا الرُّومِيَّ ولا اليُونانِيَّ، لَكِنَّ وهِمَ النّاقِلُ لِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ أحَدٌ بِأنَّ الرُّومَ مِن أبْناءِ قَحْطانَ وكَذا اليُونانُ، نَعَمْ ذَكَرَ يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ الكِنْدِيُّ أنَّ يُونانَ أخُو قَحْطانَ ورَدَّ عَلَيْهِ أبُو العَبّاسِ النّاشِئُ في قَصِيدَتِهِ حَيْثُ قالَ: أبا يُوسُفَ إنِّي نَظَرْتُ فَلَمْ أجِدْ ∗∗∗ عَلى الفَحْصِ رَأْيًا صَحَّ مِنكَ ولا عَقْدا وصِرْتَ حَكِيمًا عِنْدَ قَوْمٍ إذا امْرُؤٌ ∗∗∗ بَلاهم جَمِيعًا لَمْ يَجِدْ عِنْدَهم عَهْدا أتَقْرِنُ إلْحادًا بِدِينِ مُحَمَّدٍ ∗∗∗ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا يا أخا كِنْدَةَ إدّا وتُخَلِّطُ يُونانًا بِقَحْطانَ ضِلَّةً ∗∗∗ لَعَمْرِي لَقَدْ باعَدْتَ بَيْنَهُما جَدّا والمَذْكُورُ في كُتُبِ التَّوارِيخِ أنَّ مُلُوكَ اليَمَنِ إلى أنْ غَلَبَتِ الحَبَشَةُ عَلَيْها مِن أبْناءِ قَحْطانَ.

وأوْرَدَ عَلى هَذا القَوْلِ في ذِي القَرْنَيْنِ أنَّهُ لَمْ يُوجَدْ في كُتُبِ التَّوارِيخِ المُعْتَبَرَةِ سُمَيُّ ابْنُ عُمَيْرِ بْنِ أفْرِيقِيسَ في عِدادِ مُلُوكِ اليَمَنِ والمَذْكُورُ إنَّما هو شَمَرُ بِصِيغَةِ فِعْلِ الماضِي مِنَ التَّشْمِيرِ بْنُ أفْرِيقِيسَ ولَمْ يَذْكُرُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ أفْرِيقِيسَ عُمَيْرًا وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهم فِيهِ أنَّهُ ذُو القَرْنَيْنِ وقالُوا: إنَّهُ يُقالُ لَهُ شَمَرُ يَرْعَشَ لِارْتِعاشٍ كانَ فِيهِ فَلَعَلَّ سُمَيَّ مُحَرَّفٌ عَنْ شَمَرَ وابْنَ عُمَيْرٍ مُحَرَّفٌ مِن يَرْعَشَ، وقَدْ ذَكَرُوا في أبِيهِ أفْرِيقِيسَ أنَّهُ غَزا نَحْوَ المَغْرِبِ في أرْضِ البَرْبَرِ حَتّى أتى طَنْجَةَ ونَقَلَ البَرْبَرَ مِن أرْضِ فِلَسْطِينَ ومِصْرَ والسّاحِلِ إلى مَساكِنِهِمُ اليَوْمَ وأنَّهُ هو الَّذِي بَنى إفْرِيقِيَّةَ وبِهِ سُمِّيَتْ وكانَ مُلْكُهُ مِائَةً وأرْبَعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وفِيهِ أنَّهُ خَرَجَ نَحْوَ العِراقِ وتَوَجَّهَ نَحْوَ الصِّينِ وأنَّهُ قَلَعَ المَدِينَةَ الَّتِي تُسَمّى اليَوْمَ سَمَرْقَنْدَ وقالُوا: إنَّها مُعَرَّبُ شَمَرْكَنْدَ وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ دِعْبِلٌ الخُزاعِيُّ بِقَوْلِهِ يَفْتَخِرُ بِمُلُوكِ اليَمَنِ: هم كَتَبُوا الكِتابَ بِبابِ مَرْوَ ∗∗∗ وبابِ الشّاسِ كانُوا الكاتِبِينا وهم سُمُّوا بِشَمَرَ سَمَرْقَنْدا ∗∗∗ وهم غَرَسُوا هُناكَ النّابِتِينا وأنَّهُ إنَّما لُقِّبَ بِذِي القَرْنَيْنِ لِذُؤابَتَيْنِ كانَتا لَهُ، وكانَ مُلْكُهُ عَلى ما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ مِائَةً وسَبْعًا وثَلاثِينَ سَنَةً، وعَلى ما قالَ المَسْعُودِيُّ ثَلاثًا وخَمْسِينَ سَنَةً، وعَلى ما قالَ غَيْرُهُما سَبْعًا وثَمانِينَ سَنَةً، ثُمَّ إنَّ هَذا لَمْ يَكُنْ بِأبِي كَرْبٍ وإنَّما المُكَنّى بِهِ عَلى ما رَأيْناهُ في بَعْضِ التَّوارِيخِ أسْعَدُ بْنُ كَلِيكَرْبَ ويُقالُ لَهُ تُبَّعٌ الأوْسَطُ ويُذْكَرُ أنَّهُ آمَنَ بِنَبِيِّنا  قَبْلَ مَبْعَثِهِ وفي ذَلِكَ يَقُولُ: شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ ∗∗∗ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بارِي النَّسَمْ فَلَوْ مُدَّ عُمْرِي إلى عُمْرِهِ ∗∗∗ لَكُنْتُ وزِيرًا لَهُ وابْنُ عَمْ وذَكَرُوا أنَّهُ كانَ شَدِيدَ الوَطْأةِ كَثِيرَ الغَزْوِ فَمَلَّهُ قَوْمُهُ فَأغْرَوُا ابْنَهُ حَسّانَ عَلى قَتْلِهِ فَقَتَلَهُ، ولا يَخْفى أنَّ كِلا هَذَيْنِ الشَّخْصَيْنِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ المُرادَ بِذِي القَرْنَيْنِ الَّذِي ذُكِرَ أنَّهُ لَقِيَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّهم ذَكَرُوا أنَّهُ مَلَكَ بَعْدَ ياسِرَ يَنْعَمُ بْنُ عَمْرٍو ومَلَكَ ياسِرُ بَعْدَ بِلْقِيسَ زَوْجَةِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ عَمُّها فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ هَذا ذاكَ مَعَ بُعْدِ زَمانِ ما بَيْنَ إبْراهِيمَ وسُلَيْمانَ عَلَيْهِما السَّلامُ.

وأمّا الثّانِي فَلِأنَّهُ بَعْدَ هَذا بِكَثِيرٍ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ عَلَيْهِ أحَدٌ ذا القَرْنَيْنِ ولا نُسِبَ إلَيْهِ غَزْوٌ في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ في زَمَنِ مَنُوجَهَرَ بْنِ إيرَجَ بْنِ أفْرِيدُونَ بُعِثَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وكانَ مَلِكُ اليَمَنِ في زَمانِهِ شَمَرَ أبا المُلُوكِ، وكانَ في طاعَتِهِ انْتَهى، وعَلَيْهِ أيْضًا لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَمَرُ هَذا هو ذا القَرْنَيْنِ السّابِقَ وهو ظاهِرٌ، وإذا أسْقَطْتَ جَمِيعَ هَذِهِ الأقْوالِ عَنِ الِاعْتِبارِ بِناءً عَلى ما قِيلَ إنَّ أخْبارَ مُلُوكِ اليَمَنِ مُضْطَرِبَةٌ لا يَكادُ يُوقَفُ عَلى رِوايَتَيْنِ مُتَّفِقِينَ فِيها، واعْتَبَرْتُ القَوْلَ بِأنَّهُ كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَلِكٌ مِنهم هو ذُو القَرْنَيْنِ بِناءً عَلى حُسْنِ الظَّنِّ بِقائِلِ ذَلِكَ أشْكَلَ الأمْرُ مِن وجْهٍ آخَرَ وهو أنَّ كُتُبَ التَّوارِيخِ قاطِبَةً ناطِقَةٌ بِأنَّ فِرِيدُونْ كانَ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وأنَّهُ قَسَّمَ المَعْمُورَةَ بَيْنَ بَنِيهِ الثَّلاثَةِ حَسْبَما تَقَدَّمَ فَكَيْفَ يَتَسَنّى مَعَ هَذا القَوْلِ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ رَجُلٌ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ أيْضًا، ويَجِيءُ نَحْوُ هَذا الإشْكالِ إذا قُلْنا إنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو أحَدُ الإسْكَنْدَرَيْنِ اليُونانِيِّ والرُّومِيِّ وقُلْنا بِأنَّهُ كانَ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا، والحاصِلُ أنَّ القَوْلَ بِأنَّ فِرِيدُونْ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ وكانَ مالِكًا المَعْمُورَةَ كَما في عامَّةِ تَوارِيخِ الفُرْسِ يَمْنَعُ القَوْلَ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ بَلِ القَوْلُ بِوُجُودِ أحَدِ الثَّلاثَةِ مِن فِرِيدُونْ وذِي القَرْنَيْنِ التُّبَّعِيِّ وأحَدِ الإسْكَنْدَرَيْنِ فِي ذَلِكَ الزَّمانِ، ومَلْكِهِ المَعْمُورَةَ يَمْنَعُ مِنَ القَوْلِ بِوُجُودِ غَيْرِهِ مِنهم في ذَلِكَ الزَّمانِ ومَلْكِهِ المَعْمُورَةَ أيْضًا، واسْتَشْكَلَ كَوْنُ ذِي القَرْنَيْنِ أيًّا كانَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ في زَمانِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأنَّ نَمْرُودَ كانَ في زَمانِهِ أيْضًا، وقَدْ جاءَ مُلْكَ الدُّنْيا مُؤْمِنانِ وكافِرانِ أمّا المُؤْمِنانِ فَسُلَيْمانُ عَلَيْهِ السَّلامُ وذُو القَرْنَيْنِ، وأمّا الكافِرانِ فَنُمْرُودُ وبُخْتُنَصَّرُ ولا مُخَلِّصَ مِن ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ صِحَّةِ الخَبَرِ إلّا بِأنْ يُقالَ كانَ زَمانُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مُمْتَدًّا ووَقَعَ مَلْكُهُما الدُّنْيا مُتَعاقِبًا وهو كَما تَرى.

ورَأيْتُ في بَعْضِ الكُتُبِ القَوْلَ بِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ مَلَكَ بَعْدَ نُمْرُودَ ويَنْحَلُّ بِهِ الإشْكالُ.

وقالَ بَعْضُهم: الَّذِي تَقْتَضِيهِ كُتُبُ التَّوارِيخِ عَدَمُ صِحَّةِ الخَبَرِ أوْ تَأْوِيلِهِ إذْ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنها عُمُومُ مُلْكِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوْ مُلْكِ نُمْرُودَ أوْ بُخْتُنَصَّرَ، والظّاهِرُ عَدَمُ الصِّحَّةِ.

واسْتَشْكَلَ أيْضًا كَوْنُهُ في ذَلِكَ الزَّمانِ بِأنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ في التَّوْراةِ كَما يَدَّعِيهِ اليَهُودُ اليَوْمَ كافَّةً ويَبْعُدُ ذَلِكَ غايَةَ البُعْدِ عَلى تَقْدِيرِ وجُودِهِ فالظّاهِرُ مِن عَدَمِ ذِكْرِهِ عَدَمُ كَوْنِهِ مَوْجُودًا، وأُجِيبُ بِأنّا لا نُسَلِّمُ عَدَمَ ذِكْرِهِ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلنَّبِيِّ  : يا مُحَمَّدُ إنَّكَ إنَّما تَذْكُرُ إبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى والنَّبِيِّينَ لِأنَّكَ سَمِعْتَ ذِكْرَهم مِنّا فَأخْبِرْنا عَنْ نَبِيٍّ لَمْ يَذْكُرْهُ اللَّهُ تَعالى في التَّوْراةِ إلّا في مَكانٍ واحِدٍ قالَ: ومَن هُوَ؟

قالُوا: ذُو القَرْنَيْنِ» .

الخَبَرَ.

بَلِ الظّاهِرُ مِن سُؤالِهِمْ أنَّ لَهُ ذِكْرًا في كِتابِهِمْ، وإنْكارُهُمُ اليَوْمَ ذَلِكَ لا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ عَلى أنَّ ما ذَكَرَ في الِاسْتِشْكالِ مُجَرَّدُ اسْتِبْعادٍ ولا يَخْفى أنَّهُ لَيْسَ مانِعًا قَوِيًّا، هَذا وبِالجُمْلَةِ لا يَكادُ يَسْلَمُ في أمْرِ ذِي القَرْنَيْنِ شَيْءٌ مِنَ الأقْوالِ عَنْ قِيلٍ وقالَ، وكَأنِّي بِكَ بَعْدَ الِاطِّلاعِ عَلى الأقْوالِ وما لَها وما عَلَيْها تَخْتارُ أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَلَيْقُوسَ غالِبُ دارا وتَدَّعِي أنَّهُ يُقالُ لَهُ اليُونانِيُّ كَما يُقالُ لَهُ الرُّومِيُّ وأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ تَعالى لَمْ يَرْتَكِبْ مُكَفِّرًا مِن عَقْدٍ أوْ قَوْلٍ أوْ فِعْلٍ وتَقُولُ إنَّ تَلْمَذَتَهُ عَلى أرِسْطُو لا تَمْنَعُ مِن ذَلِكَ: فَمُوسى الَّذِي رَبّاهُ جِبْرِيلُ كافِرٌ ∗∗∗ ومُوسى الَّذِي رَبّاهُ فِرْعَوْنُ مُرْسَلُ وقَدْ تَتَلْمَذَ الأشْعَرِيُّ عَلى المُعْتَزِلَةِ ورَئِيسُ المُعْتَزِلَةِ عَلى الحَسَنِ، وقَدْ خالَفَ أرِسْطُو أفَلاطُونَ في أكْثَرِ المَسائِلِ وكانَ تِلْمِيذَهُ، والقَوْلُ بِأنَّ أرِسْطُو كانَ بِمَنزِلَةِ الوَزِيرِ عِنْدَهُ وكانَ يَسْتَشِيرُهُ في المُهِمّاتِ ويَعْمَلُ بِرَأْيِهِ لا يَدُلُّ عَلى اتِّباعِهِ لَهُ في سائِرِ اعْتِقاداتِهِ فَإنَّ ذَلِكَ عَلى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنَّما هو في الأُمُورِ المَلَكِيَّةِ لا المَسائِلِ الِاعْتِقادِيَّةِ عَلى أنَّ المُلّا صَدْرَ الدِّينِ الشِّيرازِيَّ ذَكَرَ أنَّ أرِسْطُو كانَ حَكِيمًا عابِدًا مُوَحِّدًا قائِلًا بِحُدُوثِ العالَمِ ودُثُورِهِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ﴾ وما شاعَ عَنْهُ في أمْرِ العالَمِ تَوَهُّمٌ ناشِئٌ مِن عَدَمِ فَهْمِ كَلامِهِ، ومِثْلُهُ في ذَلِكَ سائِرُ أساطِينِ الحُكَماءِ ولا نُسَلِّمُ عَدَمَ سَفَرِهِ نَحْوَ المَغْرِبِ ولا ثُبُوتَ أنَّ الخَضِرَ كانَ وزِيرَ ذِي القَرْنَيْنِ، وإنِ اشْتَهَرَ لِيَقْدَحَ عَدَمَ كَوْنِهِ وزِيرًا عِنْدَهُ في كَوْنِهِ ذا القَرْنَيْنِ وقِيلَ: إنَّهُ كانَ وزِيرًا عِنْدَ مَلِكٍ يُقالُ لَهُ ذُو القَرْنَيْنِ أيْضًا لَكِنَّهُ غَيْرُ هَذا ووَقَعَ الِاشْتِباهُ في ذَلِكَ، وقِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ في جُمْلَةِ الحُكَماءِ الَّذِينَ مَعَهُ وكانَ كالوَزِيرِ عِنْدَهُ لا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اسْتِشارَةُ غَيْرِهِ في بَعْضِ الأُمُورِ وكانَ مُشْتَهِرًا إذْ ذاكَ بِالحِكْمَةِ دُونَ النُّبُوَّةِ، وفي الأعْصارِ القَدِيمَةِ كانُوا يُسَمُّونَ النَّبِيَّ حَكِيمًا، ولَعَلَّهُ كانَ مُشْتَهِرًا أيْضًا بِاسْمٍ آخَرَ، وعَدَمُ تَعَرُّضِ المُؤَرِّخِينَ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ لا يَدُلُّ عَلى العَدَمِ، وقِيلَ لا نُسَلِّمُ عَدَمَ التَّعَرُّضِ بَلْ قَوْلُهم إنَّ الخَضِرَ كانَ وزِيرَ ذِي القَرْنَيْنِ قَوْلٌ بِأنَّهُ كانَ وزِيرَ الإسْكَنْدَرِ المَذْكُورِ عِنْدَ القائِلِ بِأنَّهُ ذُو القَرْنَيْنِ، ولا يَمْنَعُ مِن ذَلِكَ كَوْنُ الخَضِرِ عَلى الأصَحِّ نَبِيًّا، والإسْكَنْدَرُ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما سَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا عَنِ الجُمْهُورِ لِأنَّ المُرادَ مِن وِزارَتِهِ لَهُ تَدْبِيرُ أُمُورِهِ ونُصْرَتُهُ ولا ضَرَرَ في نُصْرَةِ نَبِيٍّ وتَدْبِيرِهِ أُمُورَ مَلِكٍ صالِحٍ غَيْرِ نَبِيٍّ وهو واقِعٌ في بَنِي إسْرائِيلَ وإنْ لَمْ تَخْتَرْ ما ذُكِرَ، فَإنِ اخْتَرْتَ أنَّهُ مِن مُلُوكِ اليَمَنِ أوْ إسْكَنْدَرُ آخَرُ يَلْزَمُكَ إمّا القَوْلُ بِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في زَمَنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وإمّا القَوْلُ بِأنَّهُ كانَ في زَمَنِهِ بَعْدَ نُمْرُودَ أوْ مَعَهُ إلّا أنَّهُ تَحْتَ إمْرَتِهِ ولَمْ يَكُنْ فِرِيدُونَ إذْ ذاكَ ويَلْزَمُكَ طَيُّ الكَشْحِ عَنْ كُتُبِ التَّوارِيخِ كَما يَلْزَمُكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ لَوِ اخْتَرْتَ أنَّهُ فِرِيدُونْ.

والأقْرَبُ عِنْدِي لِإلْزامِ أهْلِ المِلَلِ والنِّحَلِ الضّالِّينَ الَّذِينَ يَشُقُّ عَلَيْهِمْ نَبْذُ كُتُبِ التَّوارِيخِ وعَدَمُ الِالتِفاتِ إلى ما فِيها بِالكُلِّيَّةِ مَعَ كَثْرَتِها وانْتِشارِها في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها وتَبايُنِ أدْيانِ مُؤَلِّفِيها واخْتِلافِ أعْصارِهِمُ اخْتِيارُ أنَّهُ الإسْكَنْدَرُ بْنُ فَلَيْفُوسَ غالِبُ دارا: وما عَلَيَّ إذا ما قُلْتُ مُعْتَقَدِي ∗∗∗ دَعِ الجَهُولَ يَظُنُّ الجَهْلَ عُدْوانا واليَهُودُ قاطِبَةً عَلى هَذا لَكِنَّهم لَعَنَهُمُ اللَّهُ تَعالى وقَعُوا في الإسْكَنْدَرِ ونَسَبُوهُ أقْبَحَ نِسْبَةٍ مَعَ أنَّهم يَذْكُرُونَ أنَّهُ أكْرَمَهم حِينَ جاءَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وعَظَّمَ أحْبارَهم واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، ثُمَّ إنَّ السُّؤالَ لَيْسَ عَنْ ذاتِ ذِي القَرْنَيْنِ بَلْ عَنْ شَأْنِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ ويَسْألُونَكَ عَنْ شَأْنِ ذِي القَرْنَيْنِ (قُلْ) لَهم في الجَوابِ ﴿ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ الخِطابُ لِلسّائِلِينَ والهاءُ لِذِي القَرْنَيْنِ ومِن تَبْعِيضِيَّةٌ، والمُرادُ مِن أنْبائِهِ وقِصَصِهِ، والجارُّ والمَجْرُورُ صِفَةُ ذِكْرًا قُدِّمَ عَلَيْهِ فَصارَ حالًا، والمُرادُ بِالتِّلاوَةِ الذِّكْرُ وعَبَّرَ عَنْهُ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ حِكايَةً عَنْ جِهَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أيْ سَأذْكُرُ لَكم نَبَأً مَذْكُورًا مِن أنْبائِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ لَهُ تَعالى ومِنِ ابْتِدائِيَّةً ولا حَذْفَ، والتِّلاوَةُ عَلى ظاهِرِها أيْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى في شَأْنِهِ ذِكْرًا أيْ قُرْآنًا، والسِّينُ لِلتَّأْكِيدِ والدَّلالَةِ عَلى التَّحَقُّقِ المُناسِبِ لِتَقَدُّمِ تَأْيِيدِهِ  وتَصْدِيقِهِ بِإنْجازِ وعْدِهِ أيْ لا أتْرُكُ التِّلاوَةَ البَتَّةَ كَما في قَوْلِهِ: سَأشْكُرُ عُمْرًا إنْ تَراخَتْ مَنِيَّتِي ∗∗∗ أيادِي لَمْ تَمْنُنْ وإنْ هي جَلَّتِ لا لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التِّلاوَةَ سَتَقَعُ فِيما يُسْتَقْبَلُ كَما قِيلَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ ما نَزَلَتْ بِانْفِرادِها قَبْلَ الوَحْيِ بِتَمامِ القِصَّةِ بَلْ مَوْصُولَةً بِما بَعْدَها رَيْثَما سَألُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ، وكان اسمه اسكندر.

وروي عن وهب بن منبه أنه قيل له: لم سمي ذا القرنين؟

فقال: «اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: لأنه ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: لأنه كان في رأسه شبه القرنين، وقال بعضهم: لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها، فسماه الملك الذي عند قاف ذا القرنين، ويقال: رأى في المنام أنه دنا من الشمس وأخذ منها، فقصَّ رؤياه على قومه فسموه ذا القرنين» ، وقال الزجاج: «سمي ذا القرنين لأنه كان له ضفيرتان» .

وعن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه أنه قال: «ضرب على قرني رأسه، وقيل: لأنه بلغ قطر الأرض» وقال عكرمة: «كان ذو القرنين نبياً، ولقمان نبياً» ، والخضر نبياً، وروى مجاهد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص: «كان ذو القرنين نبياً» ، وروي عن علي بن أبي طالب أنه سئل عن ذي القرنين، فقال: كان رجلا صالحا، وهكذا قال ابن عباس وجمعة من الصحابة: «أن ذا القرنين كان رجلاً صالحاً، ولقمان كان رجلا حكيما» ، وروي عن رسول الله  أنه سئل عن ذي القرنين فقال: «هو ملك يسيح في الأرض» وقال مجاهد: ملك الأرض أربعة، اثنان مؤمنان واثنان كافران.

أما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين، وأما الكافران فالنمرود بن كنعان وبختنصر.

قال تعالى: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً، أي: خبراً وعلماً من الله تعالى.

إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ، أي ملكناه وأعطيناه وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً، أي علماً.

ويقال: أعطيناه علم الوصول إلى كل شيء يحتاج إليه من الحروف وغيرها، ويقال: علماً بالطريق فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي أخذ طريقاً فسار إلى المغرب، حَتَّى إِذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَها تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وعاصم في رواية أبي بكر حَامِئَةٍ بالألف، وقرأ الباقون حَمِئَةٍ بغير ألف.

فمن قرأ حَامِئَةٍ يعني: جائرة، ومن قرأ بغير ألف يعني: من طينة سوداء منتنة.

وروي أن معاوية قرأ في عين حامة فقال ابن عباس: ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو: كيف تقرؤها؟

فقال: كما قرأتها.

قال ابن عباس: «في بيتي نزل القرآن» ، فبعث معاوية إلى كعب يسأله: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟

قال: «في ماء وطين وقال: في مدرة سوداء» .

قال القتبي حَمِئَةٍ ذات حمات، والحامية حارّة.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ونافع فَأَتْبَعَ بتشديد التاء وكذلك ما بعده، وقرأ الباقون فأتبع بنصب الألف وجزم التاء بغير تشديد.

وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْماً، أي عند العين التي تغرب فيها الشمس مؤمنين وكافرين، فظهر عليهم.

قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ قال مقاتل: أوصى الله تعالى إليه، وقال ابن عباس: ألهمه الله تعالى.

إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ، يعني: أن تقتل من كان كافراً وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، يعني: تنعم عليهم وتغفر لمن كان مؤمناً.

وقال بعضهم: كانوا كلهم كفاراً، قيل له: إما أن تعذب من لم يؤمن، وإما أن تتخذ فيهم حسنا لمن آمن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

معناه، وقال الداوديّ: كانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما، عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: «ذَهَبٌ وفِضَّة» انتهى، فإِن صحَّ هذا الحديثُ، فلا نظرَ لأحَدٍ معه، فاللَّه أعلم أيَّ ذلك كَانَ.

وقوله سبحانه: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ظاهر اللفظِ، والسابقُ منه إِلى الذهنِ أنه والدهما دِنْيَةً «١» ، وقيل: هو الأب السابعُ، وقيل: العاشر، فَحُفِظَا فيه، وفي الحديثِ: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْفَظُ الرَّجُلَ الصَّالِحَ في ذُريتِهِ» ، وقول الخضر: وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي، يقتضي أنه نَبِيٌّ، وقد اختلف فيه، فقيل: هو نبيٌّ، وقيل: عَبْدٌ صالح، وليس بنبيٍّ وكذلك اختلف في موته وحياته، واللَّه أعلم بجميع ذلك، ومما يقضي بموت الخضر قوله صلّى الله عليه وسلّم:

«أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن إلى رأس مائة مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ على ظَهْرِ الأَرضِ أحد» «٢» .

قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وذكر عن عمرو بن دِينَارٍ: الخَضِرُ وإِلياسُ عليهما السلام حَيَّانِ، فإِذا رفع القرآن ماتا/ قال القرطبيُّ: وهذا هو الصحيحُ انتهى، وحكاياتُ مَنْ رأَى الخَضِرَ من الأولياء لا تحصَى كثرةٍ فلا نطيلُ بَسْردها، وانظر «لطائِفَ المِنَن» لابن عطاء اللَّه.

وقوله: ذلِكَ تَأْوِيلُ: أي مآل، وحكى السُّهَيْليُّ أنه لما حان للخَضِر وموسى أن يفترقا، قال له الخَضر: لو صَبَرْتَ، لأَتَيْتَ عَلَى أَلْفِ عَجَبٍ، كلُّها أعجبُ ممَّا رأَيْتَ، فبكى موسى، وقالَ للخَضِر: أوْصِنِي يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فقال: يا مُوسَى، اجْعَلْ همَّك في معادِكَ، ولا تَخُضْ فيما لا يَعْنِيك، ولا تأمَنْ مِنَ الخوفِ في أمْنِكَ، ولا تَيْئَس من الأمن في خوفك، وتدَّبر الأمورَ في علانيتِكَ، ولا تَذَر الإحسانَ في قُدْرتك، فقال له موسى: زِدْنِي يرحمك اللَّه، فقال له الخَضِر: يا مَوسَى، إِياكَ واللَّجَاجَةُ، ولا تَمْش في غير حَاجَةٍ، ولا تَضْحَكْ من غَيْر عَجَبٍ، ولا تعير أحداً، وابكِ على خطيئتك يا بن عمران.

انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ...

الآية: «ذو القرنين» ، هو المَلِكُ الإسْكَنْدَرُ اليُونَانِيُّ، واختلف في وَجْه تسميته ب «ذي القَرْنَيْنِ» وأحسنُ ما قيل فيه: أنه كان ذا ظفيرتين، من شَعْرهما قرناه، والتمكينُ له في الأرض: أنه مَلَكَ الدنيا، ودانَتْ له الملوك كلها، وروي أن جميع من مَلَكَ الدنيا كلَّها أربعَةٌ، مُؤْمِنَانِ وكافران فالمُؤْمِنَانِ: سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عليهما السلام، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرَانِ: نُمْرُود، وبُخْتَ نَصَّرَ.

وقوله سبحانه: وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً معناه: علْماً في كل أمْرٍ، وأقيسةً يتوصَّل بها إِلى معرفة الأشياء، وقوله: كُلِّ شَيْءٍ عمومٌ معناه الخصوص في كلِّ ما يمكنه أنْ يعلمه ويحتاجُ إلَيْه، وقوله: فَأَتْبَعَ سَبَباً، أي: طريقاً مسلوكةً، وقرأ نافع وابن كثير «١» :

وحفص عن عاصم: «في عَيْنٍ حِمِئَة» ، أي: ذاتِ حَمْأة، وقرأ الباقون: «في عَيْنٍ حَامِيَةٍ» ، أي: حارَّة، وذهب «٢» الطبريُّ إلى الجمع بين الأمرين، فقال: يحتملُ أن تكون العين حارَّة ذاتَ حَمْأة واستدلَّ بعضُ الناس على أن ذا القرنين نبيّ بقوله تعالى: قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ، ومن قال: إنه ليس بنبيٍّ، قال كانت هذه المقالةُ مِنَ اللَّهِ له بإِلهامِ.

قال ع «٣» : والقول بأنه نبيّ ضعيف، وإِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ معناه: بالقَتْلِ على الكُفْر، وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً، أي: إِن آمنوا، وذهب الطبري «٤» إِلى أنَّ اتخاذه الحُسْن هو الأسْرُ مع كُفْرهم، ويحتمل أنْ يكون الاتخاذ ضَرْبَ الجزية، ولكنْ تقسيم ذي القرنين بعد هذا الأمْر إِلى كفر وإيمان يردُّ هذا القول بعض الردّ، وظَلَمَ في هذه الآية:

بمعنى كَفَر، وقوله: عَذاباً نُكْراً، أي: تنكره الأوهام، لعظمه، وتستهوله، والْحُسْنى يراد بها الجَنَّة.

وقوله تعالى: ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً المعنى: ثم سلك ذو القرنين الطُّرُق المؤدِّية إِلى مَقْصِده، وكان ذو القرنَيْن، على ما وقع في كُتُب التاريخ يَدُوسُ الأرض بالجيوش الثّقال،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ قَدْ ذَكَرْنا سَبَبَ نُزُولِها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  ﴾ .

واخْتَلَفُوا في اسْمِ ذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: عَبْدُ اللَّهِ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الضَّحّاكِ.

والثّانِي: الإسْكَنْدَرُ، قالَهُ وهْبٌ.

والثّالِثُ: عَيّاشٌ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ بْنِ الحُسَيْنِ.

والرّابِعُ: الصَّعْبُ بْنُ جابِرٍ بْنِ القَلْمَسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ أبِي خَيْثَمَةَ.

وَفِي عِلَّةِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَشْرَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ دَعا قَوْمَهُ إلى اللَّهِ تَعالى، فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَهَلَكَ، فَغَبَّرَ زَمانًا ثُمَّ بَعَثَهُ اللَّهُ، فَدَعاهم إلى اللَّهِ فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآَخَرِ فَهَلَكَ، فَذانِكَ قَرْناهُ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ؛ لِأنَّهُ سارَ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ وإلى مَطْلَعِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: لِأنَّ صَفْحَتَيْ رَأْسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ.

والرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في المَنامِ كَأنَّهُ امْتَدَّ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ وأخَذَ بِقَرْنَيِ الشَّمْسِ، فَقَصَّ ذَلِكَ عَلى قَوْمِهِ، فَسُمِّيَ بِذِي القَرْنَيْنِ.

الخامِسُ: لِأنَّهُ مَلِكُ الرُّومِ وفارِسٍ.

والسّادِسُ: لِأنَّهُ كانَ في رَأْسِهِ شِبْهُ القَرْنَيْنِ، رَوَيْتُ هَذِهِ الأقْوالَ الأرْبَعَةَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ.

والسّابِعُ: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ غَدِيرَتانِ مِن شَعْرٍ، قالَهُ الحَسَنُ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والعَرَبُ تُسَمِّي الضَّفِيرَتَيْنِ مِنَ الشَّعْرِ: غَدِيرَتَيْنِ، وجَمِيرَتَيْنِ، وقَرْنَيْنِ؛ قالَ: ومَن قالَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ مَلِكُ فارِسٍ والرُّومِ، قالَ: لِأنَّهُما عالِيانِ عَلى جانِبَيْنِ مِنَ الأرْضِ، يُقالُ لَهُما: قَرْنانِ.

والثّامِنُ: لِأنَّهُ كانَ كَرِيمَ الطَّرَفَيْنِ مِن أهْلِ بَيْتٍ ذَوِي شَرَفٍ.

والتّاسِعُ: لِأنَّهُ انْقَرَضَ في زَمانِهِ قَرْنانِ مِنَ النّاسِ وهو حَيٌّ.

والعاشِرُ: لِأنَّهُ سَلَكَ الظُّلْمَةَ والنُّورَ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ أبُو إسْحاقَ الثَّعْلَبِيُّ.

واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَبِيًّا أمْ لا ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو والضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا، ولَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلِكًا، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقالَ وهْبٌ: كانَ مَلِكًا ولَمْ يُوحَ إلَيْهِ.

وَفِي زَمانِ كَوْنِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ مِنَ القُرُونِ الأُوَلِ مِن ولَدِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ، قالَهُ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ.

والثّانِي: أنَّهُ كانَ بَعْدَ ثَمُودَ، قالَهُ الحَسَنُ.

ويُقالُ: كانَ عُمْرُهُ ألْفًا وسِتَّمِائَةِ سَنَةٍ.

والثّالِثُ: [ أنَّهُ ] كانَ في الفَتْرَةِ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ، قالَهُ وهْبٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ؛ أيْ: خَبَرًا يَتَضَمَّنُ ذِكْرَهُ.

﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ ؛ أيْ: سَهَّلْنا عَلَيْهِ السَّيْرَ فِيها.

قالَ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّهُ أطاعَ اللَّهَ فَسَخَّرَ لَهُ السَّحابَ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ، ومَدَّ لَهُ في الأسْبابِ، وبَسَطَ لَهُ النُّورَ، فَكانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ عَلَيْهِ سَواءٌ.

وقالَ مُجاهِدٌ: مَلَكَ الأرْضَ أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ فالمُؤْمِنانِ: سُلَيْمانُ بْنُ دُوادَ وذُو القَرْنَيْنِ، والكافِرانِ: النَّمْرُودُ وبُخْتَنَصَّرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِلْمًا يَتَسَبَّبُ بِهِ إلى ما يُرِيدُ.

وقِيلَ: هو العِلْمُ بِالطُّرُقِ والمَسالِكِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتَّبَعَ سَبَبًا ) مُشَدِّداتِ التّاءِ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا )، ( ثُمَّ أتْبَعَ سَبَبًا ) مَقْطُوعاتٍ.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ سَبَبًا ) فَمَعْناهُ: قَفا الأثَرَ.

ومَن قَرَأ: ( فَأتْبَعَ ) فَمَعْناهُ: لَحِقَ، يُقالُ: اتَّبَعَنِي فُلانٌ؛ أيْ: تَبِعَنِي، كَما يُقالُ: ألْحَقَنِي فُلانٌ، بِمَعْنى: لَحِقَنِي.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ: ( أتْبَعَ ) تَقْدِيرُهُ: أتْبَعَ سَبَبًا سَبَبًا، فَأتْبَعَ ما هو عَلَيْهِ سَبَبًا، والسَّبَبُ: الطَّرِيقُ، والمَعْنى: تَبِعَ طَرِيقًا يُؤَدِّيهِ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ.

وكانَ إذا ظَهَرَ عَلى قَوْمٍ أخَذَ مِنهم جَيْشًا، فَسارَ بِهِمْ إلى غَيْرِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( حَمِئَةٍ )، وهي [ قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَرَأ ] ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( حامِيَةٍ )، وهي قِراءَةُ عَمْرٍو، وعَلِيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، والزُّبَيْرِ، ومُعاوِيَةَ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، وأبِي جَعْفَرٍ، وشَيْبَةَ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، والأعْمَشِ، كُلُّهم لَمْ يَهْمِزْ.

قالَ الزَّجّاجُ: فَمَن قَرَأ: ( حَمِئَةً ) أرادَ: في عَيْنٍ ذاتِ حَمْأةٍ، يُقالُ: حَمَأتِ البِئْرُ: إذا أخْرَجْتَ حَمْأتَها، وأحْمَأْتُها: إذا ألْقَيْتَ فِيها الحَمْأةَ.

[ وحَمِئَتْ ] فَهي حَمِئَةٌ: إذا صارَتْ فِيها الحَمْأةُ.

ومَن قَرَأ: ( حامِيَةً ) بِغَيْرِ هَمْزٍ، أرادَ: حارَّةً.

وقَدْ تَكُونُ حارَّةً ذاتَ حَمْأةٍ.

ورَوى قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ، قالُ: وَجَدَها تَغْرُبُ في ماءٍ يَغْلِي كَغَلَيانِ القُدُورِ، ﴿ وَوَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا ﴾ لِباسُهم جُلُودُ السِّباعِ، ولَيْسَ لَهم طَعامٌ إلّا ما أحْرَقَتِ الشَّمْسُ مِنَ الدَّوابِّ إذا غَرَبَتْ نَحْوَها، وما لَفَظَتِ العَيْنُ مِنَ الحِيتانِ إذا وقَعَتْ فِيها الشَّمْسُ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: وجَدَ عِنْدِها قَوْمًا مُؤْمِنِينَ وكافِرِينَ، يَعْنِي: عِنْدَ العَيْنِ.

ورُبَّما تَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّ هَذِهِ الشَّمْسَ عَلى عِظَمِ قَدْرِها تَغُوصُ بِذاتِها في عَيْنِ ماءٍ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، فَإنَّها أكْبَرُ مِنَ الدُّنْيا مِرارًا، فَكَيْفَ تَسَعُها عَيْنُ [ ماءٍ ؟

وقِيلَ: إنَّ الشَّمْسَ بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وخَمْسِينَ مَرَّةً، وقِيلَ: بِقَدْرِ الدُّنْيا مِائَةً وعِشْرِينَ مَرَّةَ، والقَمَرُ بِقَدْرِ الدُّنْيا ثَمانِينَ مَرَّةً ] .

وإنَّما وجَدَها تَغْرُبَ في العَيْنِ كَما يَرى راكِبُ البَحْرِ الَّذِي لا يَرى طَرَفَهُ أنَّ الشَّمْسَ تَغِيبُ في الماءِ، وذَلِكَ لِأنَّ ذا القَرْنَيْنِ انْتَهى إلى آَخِرِ البُنْيانِ، فَوَجَدَ عَيْنًا حَمِئَةً لَيْسَ بَعْدَها أحَدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ فَمَن قالُ: إنَّهُ نَبِيٌّ، قالُ: هَذا القَوْلُ وحْيٌ، ومَن قالُ: لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالُ: هَذا إلْهامٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إمّا أنْ تَقْتُلَهم إنْ أبَوْا ما تَدْعُوهم إلَيْهِ، وإمّا أنْ تَأْسِرَهم فَتُبَصِّرَهُمُ الرُّشْدَ.

﴿ قالَ أمّا مَن ظَلَمَ ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكَ، ﴿ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ بِالقَتْلِ إذا لَمْ يَرْجِعْ عَنِ الشِّرْكِ.

وقالَ الحَسَنُ: كانَ يَطْبُخُهم في القُدُورِ، ﴿ ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبِّهِ ﴾ بَعْدَ العَذابِ، ﴿ فَيُعَذِّبُهُ عَذابًا نُكْرًا ﴾ بِالنّارِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ جَزاءً الحُسْنى ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( جَزاءً الحُسْنى ) بِرَفْعِ مُضافٍ.

قالَ الفَرّاءُ: ﴿ الحُسْنى ﴾ : الجَنَّةُ، وأُضِيفَ الجَزاءُ إلَيْها، وهي الجَزاءُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ وَإنَّهُ لَحَقُّ اليَقِينِ  ﴾ ، و ﴿ دِينُ القَيِّمَةِ  ﴾ ، ﴿ وَلَدارُ الآخِرَةِ  ﴾ .

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: المَعْنى: فَلَهُ جَزاءً الخِلالُ الحُسْنى؛ لِأنَّ الإيمانَ والعَمَلَ الصّالِحَ خِلالٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ، ويَعْقُوبُ: ( جَزاءً ) بِالنُّصْبِ والتَّنْوِينِ.

قالَ الزَّجّاجُ: وهو مَصْدَرٌ مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، المَعْنى: فَلَهُ الحُسْنى مُجْزِيًا بِها جَزاءً.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ يَكُونُ الجَزاءُ غَيْرَ الحُسْنى، إذا تَأوَّلَ الجَزاءَ بِأنَّهُ الثَّوابُ، والحُسْنى: الحَسَنَةُ المُكْتَسَبَةُ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ المَعْنى: فَلَهُ ثَوابُ ما قَدَّمَ مِنَ الحَسَناتِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِن أمْرِنا يُسْرًا ﴾ ؛ أيْ: نَقُولُ لَهُ قَوْلًا جَمِيلًا.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عن ذِي القَرْنَيْنِ قُلْ سَأتْلُو عَلَيْكم مِنهُ ذِكْرًا ﴾ ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ وآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ ﴿ حَتّى إذا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَمْسِ وجَدَها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حَمِئَةٍ ووَجَدَ عِنْدَها قَوْمًا قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ إمّا أنْ تُعَذِّبَ وإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ اخْتُلِفَ فِيمَن سَألَهُ عن هَذِهِ القِصَّةِ، فَقِيلَ: سَألَتْهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَوى في ذَلِكَ عُقْبَةُ بْنُ عامِرٍ حَدِيثًا ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ، وقِيلَ: إنَّما سَألَتْهُ قُرَيْشٌ حِينَ دَلَّتْها اليَهُودُ عَلى سُؤالِهِ عَنِ الرُوحِ والرَجُلِ الطَوّافِ وفَتْيَةٍ ذَهَبُوا في الدَهْرِ لِيَقَعَ امْتِحانُهُ بِذَلِكَ.

وذُو القَرْنَيْنِ هو الإسْكَنْدَرُ اليُونانِيُّ المَقْدُونِيُّ، وقَدْ تُشَدَّدُ قافُهُ فَيُقالُ: المَقَّدُونِيُّ، وذَكَرَ ابْنُ إسْحاقٍ في كِتابِ الطَبَرِيِّ أنَّهُ يُونانِيٌّ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: هو رُومِيٌّ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  أنَّ ذا القَرْنَيْنِ شابٌّ مِنَ الرُومِ، وهو حَدِيثٌ واهِيُ السَنَدِ، عن شَيْخَيْنِ مَن تَجِيبُ.

واخْتَلَفَ الناسُ في وجْهِ تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ، فَأحْسَنُ الأقْوالِ أنَّهُ كانَ ذا ضِفِيرَتَيْنِ مَن شَعْرٍ هُما قَرْناهُ، فَسُمِّي بِهِما، ذَكَرَهُ المَهْدَوْيُّ وغَيْرُهُ، والضَفائِرُ قُرُونُ الرَأْسِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: فَلَثَمَتْ فاها آخِذًا بِقُرُونِها ∗∗∗ شُرْبَ النَزِيفِ لِبَرْدِ ماءِ الحَشْرَجِ ومِنهُ الحَدِيثُ في غَسْلِ بِنْتِ النَبِيِّ  ، قالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: « "فَضَفَرْنا رَأْسَها ثَلاثَةَ قُرُونَ"،» وكَثِيرًا تَجِيءُ تَسْمِيَةُ النَواصِي قُرُونًا.

ورُوِيَ أنَّهُ كانَ في أوَّلِ مُلْكِهِ يَرى في نَوْمِهِ أنَّهُ يَتَناوَلُ الشَمْسَ ويُمْسِكُ قَرْنَيْنِ لَها بِيَدَيْهِ، فَقَصَّ ذَلِكَ، فَفَسَّرَ أنَّهُ سَيُغْلَبُ عَلى ما ذَرَّتْ عَلَيْهِ وسُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ بَلَغَ المَغْرِبَ والمَشْرِقَ، فَكَأنَّهُ حازَ قَرْنَيِ الدُنْيا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّهُ بَلَغَ مَطْلَعَ الشَمْسِ كَشَفَ بِالرُؤْيَةِ قَرْنَيْها فَسَمِّي بِذَلِكَ، أو قَرْنَيِ الشَيْطانِ بِها، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ: سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّ جَنَبَتَيْ رَأسِهِ كانَتا مِن نُحاسٍ، وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهَ أيْضًا: كانَ لَهُ قَرْنانِ تَحْتَ عِمامَتِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كُلُّهُ بَعِيدٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّما سُمِّيَ ذا القَرْنَيْنِ لِأنَّهُ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ فَماتَ، ثُمَّ حَيِيَ، ثُمَّ ضُرِبَ عَلى قَرْنِ رَأْسِهِ الآخَرِ فَماتَ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ جُرِحَ عَلى قَرْنَيْ رَأْسِهِ جُرْحَيْنِ عَظِيمَيْنِ في يَوْمَيْنِ عَظِيمَيْنِ مِن أيّامِ حَرْبِهِ، فَسُمِّيَ بِذَلِكَ.

قالَ القاضِي أُبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَرِيبٌ.

والتَمْكِينُ لَهُ في الأرْضِ أنَّهُ مَلَكَ الدُنْيا ودانَتْ لَهُ المُلُوكُ كُلُّها، فَرُوِيَ أنَّ جَمِيعَ مُلُوكِ الدُنْيا أرْبَعَةٌ: مُؤْمِنانِ وكافِرانِ، فالمُؤْمِنانِ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ عَلَيْهِ السَلامُ، والإسْكَنْدَرُ، والكافِرانِ نَمْرُوذُ وبَخْتَنْصَرُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ مَعْناهُ: عَلْمًا في كُلِّ أمْرٍ، وأقْيِسَةً يَتَوَصَّلُ بِها إلى مَعْرِفَةِ الأشْياءِ.

وقَوْلُهُ: " كُلِ شَيْءٍ " عُمُومٌ مَعْناهُ الخُصُوصُ في كُلِّ ما يُمْكِنُ أنْ يَعْلَمَهُ ويَحْتاجُ إلَيْهِ، وثَمَّ لا مَحالَةَ أشْياءَ لَمْ يُؤْتَ مِنها سَبَبًا يَعْلَمُها بِهِ.

واخْتُلِفَ في ذِي القَرْنَيْنِ، فَقِيلَ: هو نَبِيٌّ، وهَذا ضَعِيفٌ، وقِيلَ: هو مَلَكٌ -بِفَتْحِ اللامِ-، ورُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ سَمَعَ رَجُلًا يَدْعُو آخَرَ: يا ذا القَرْنَيْنِ، فَقالَ: أما كَفاكم أنْ تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ الأنْبِياءِ حَتّى تَسَمَّيْتُمْ بِأسْماءِ المَلائِكَةِ؟

ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ سُئِلَ عنهُ فَقالَ: "مَلَكٌ مَسَحَ الأرْضَ مِن تَحْتِها بِالأسْبابِ"،» وقِيلَ: هو عَبْدُ مَلِكٌ -بِكَسْرِ اللامِ- صالِحٌ نَصَحَ لِلَّهِ فَأيَّدَهُ، قالَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقالَ: "فِيكُمُ اليَوْمَ مِثْلُهُ"، وعَنى بِذَلِكَ نَفْسَهُ، واللهُ أعْلَمُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَ سَبَبًا ﴾ الآيَةُ.

قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو: "فاتَّبَعَ سَبَبا" بِشَدِّ التاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَأتْبَعَ سَبَبا" بِسُكُونِ التاءِ، عَلى وزْنٍ أفْعَلُ، قالَ بَعْضُ اللُغَوِيِّينَ: هَمّا بِمَعْنًى واحِدٍ، وكَذَلِكَ "تَبِعَ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: "أتْبَعُ" بِقَطْعِ الألْفِ عِبارَةٌ عَنِ المُجِدِّ المُسْرِعِ الحَثِيثِ الطَلَبِ، و"اتَّبَعَ" إنَّما يَتَضَمَّنُ مَعْنى الِاقْتِفاءِ دُونَ هَذِهِ القَرائِنِ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ وغَيْرُهُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: واسْتَقْرَأ هَذا القائِلُ هَذِهِ المَقالَةَ مِنَ القُرْآنِ، كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ  ﴾ ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَأتْبَعَهُ الشَيْطانُ  ﴾ ، وهَذا قَوْلٌ حَكاهُ النَقّاشُ عن يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ، وإذا تَأمَّلْتَ "اتَّبَعَ" بِشَدِّ التاءِ لِمْ يَرْتَبِطْ لَكَ هَذا المَعْنى ولا بُدَّ.

و"السَبَبُ" في هَذِهِ الآيَةِ: الطَرِيقُ المَسْلُوكَةُ؛ لِأنَّها سَبَبُ الوُصُولِ إلى المَقْصِدِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرُو، وحَفْصٌ عن عاصِمٍ: "فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ"، عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، أيْ: ذاتُ حُماةٍ، وقَرَأ عاصِمٌ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -، والباقُونَ: "فِي عَيْنٍ حامِيَةٍ"، أيْ حارَةٍ، وقَدِ اخْتَلَفَ في قِراءَةَ ذَلِكَ مُعاوِيَةُ وابْنُ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما "حَمِئَةٍ"، وقالَ مُعاوِيَةُ: "حامِيَةٍ"، فَبَعَثا إلى كَعْبِ الأحْبارِ لِيُخْبِرَهم بِالأمْرِ كَيْفَ هو في التَوْراةِ، فَقالَ لَهُما: أمّا العَرَبِيَّةُ فَأنْتُما أعْلَمُ بِها مِنِّي، ولَكِنِّي أجِدُ في التَوْراةِ أنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ ثَأْطٍ، والثَأْطُ: الطِينُ، فَلَمّا انْفَصَلا قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لَوَدِدْتُ أبا العَبّاسِ فَكُنْتُ أُنْجِدُكَ بِشِعْرٍ تُبَّعَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ في ذِكْرِ ذِي القَرْنَيْنِ: قَدْ كانَ ذُو القَرْنَيْنِ جَدِّي مُسْلِمًا ∗∗∗ ∗∗∗ مَلِكًا تَدِينُ لَهُ المُلُوكُ ويُحْشَدُ بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي ∗∗∗ ∗∗∗ أسْبابَ أمْرٍ مِن حَكِيمٍ مُرْشِدٍ فَرَأى مَغِيبَ الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها ∗∗∗ ∗∗∗ في عَيْنِ ذِي خُلُبٍ وثَأْطِ حَرْمَدَ فالخُلُبُ: الطِينُ، والثَأْطُ: الحُمْأةُ، والحَرْمَدُ: الأسْوَدُ، ومَن قَرَأ: "حامِيَةٍ" وجْهُها إلى الحَرارَةِ، ورُوِيَ «عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَظَرَ إلى الشَمْسِ وهي تَغِيبُ فَقالَ: "فِي نارِ اللهِ الحامِيَةِ، لَوْلا ما يَزَعُها مِنَ اللهِ لَأحْرَقَتْ ما عَلى الأرْضِ".»«وَرَوى أبُو ذَرٍّ أنَّ رَسُولَ اللهِ  نَظَرَ إلى الشَمْسِ عِنْدَ غُرُوبِها فَقالَ: "أتَدْرِي أيْنَ تَغْرُبُ يا أبا ذَرٍّ؟

قُلْتُ: لا، قالَ: إنَّها تَغْرُبُ في عَيْنٍ حامِيَةٍ"،» فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ العَيْنَ هُنالِكَ حارَةٌ، و"حامِيَةٌ" هي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وعَمْرُو بْنِ العاصِ، وابْنِهِ، وابْنِ عُمَرَ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى الجَمْعِ بَيْنَ الأمْرَيْنِ فَقالَ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ العَيْنُ حارَةً ذاتَ حَمْأةٍ، فَكُلُّ قِراءَةٍ وصْفٌ بِصِفَةٍ مِن أحْوالِها، وذَهَبَ بَعْضُ البَغْدادِيِّينَ إلى أنْ "فِي" بِمَنزِلَةِ "عِنْدَ"، كَأنَّها مَسامَّتَهُ مِنَ الأرْضِ فِيما يَرى الرائِي لِعَيْنٍ حَمِئَةٍ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: قَوْلُهُ: ﴿ فِي عَيْنٍ ﴾ إنَّما المُرادُ أنْ ذا القَرْنَيْنِ كانَ فِيها، أيْ: هي آخِرِ الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ هَذِهِ الأقْوالِ مُحْتَمَلٌ، واللهُ أعْلَمُ.

قالَ أبُو حاتِمٍ: وقَدْ يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ "حامِئَةٍ" مَهْمُوزَةً، بِمَعْنى: ذاتُ حَمْأةٍ، فَتَكُونُ القِراءَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ.

واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ عَلى أنَّ ذا القَرْنَيْنِ نَبِيٌّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْنا يا ذا القَرْنَيْنِ ﴾ ، ومَن قالَ إنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، قالَ: كانَتْ هَذِهِ المَقالَةُ مِنَ اللهِ بِإلْهامٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إمّا أنْ تُعَذِّبَ ﴾ مَعْناهُ: بِالقَتْلِ عَلى الكُفْرِ، ﴿ وَإمّا أنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا ﴾ بِالحَمْلِ عَلى الإيمانِ واتِّباعِ الهُدى، فَكَأنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ لا تُعْطِها إلّا إحْدى خُطَّتَيْنِ: إمّا أنْ تَكْفُرَ فَتُعَذِّبُها، وإمّا أنْ تُؤْمِنَ فَتُحْسِنُ إلَيْها.

وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ "اتِّخاذَ الحُسْنِ" هو الأسْرُ مَعَ كُفْرِهِمْ، فالمَعْنى -عَلى هَذا- أنَّهم كَفَرُوا ولا بُدَّ، فَخَيَّرَهُ اللهُ تَعالى بَيْنَ قَتْلِهِمْ أو أسْرِهِمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ "الِاتِّخاذُ" ضَرْبَ الجِزْيَةِ.

ولَكِنَّ تَقْسِيمَ ذِي القَرْنَيْنِ بَعْدَ هَذا الأمْرِ إلى كُفْرٍ أو إيمانٍ يَرُدُّ هَذا القَوْلَ بَعْضَ الرَدِّ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

افتتاح هذه القصة ب ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ ﴾ يدلّ عل أنها مما نزلت السورة للجواب عنه كما كان الابتداء بقصة أصحاب الكهف اقتضاباً تنبيهاً على مثل ذلك.

وقد ذكرنا عند تفسير قوله تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربّي ﴾ في سورة الإسراء (85) عن ابن عباس: أن المشركين بمكة سألوا النبي ثلاثة أسئلة بإغراء من أحبار اليهود في يثرب.

فقالوا: سلوه عن أهل الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح، فإن أجاب عنها كلها فليس بنبيء.

وإن أجاب عن بعضها وأمسك عن بعض فهو نبيء؟.

وبيّنا هنالك وجه التعجيل في سورة الإسراء النازلة قبل سورة الكهف بالجواب عن سؤالهم عن الروح وتأخير الجواب عن أهل الكهف وعن ذي القرنين إلى سورة الكهف.

وأعقبنا ذلك بما رأيناه في تحقيق الحق من سَوق هذه الأسئلة الثلاثة في مواقع مختلفة.

فالسائلون: قريش لا محالة، والمسؤول عنه: خبر رجل من عظماء العالم عرف بلقب ذي القرنين، كانت أخبار سيرته خفيّة مُجملة مغلقة، فسألوا النبي عن تحقيقها وتفصيلها، وأذن له الله أن يبين منها ما هو موضع العبرة للناس في شؤون الصلاح والعدل، وفي عجيب صنع الله تعالى في اختلاف أحوال الخلق، فكان أحْبار اليهود منفردين بمعرفة إجمالية عن هذه المسائل الثلاث وكانت من أسرارهم فلذلك جَرّبوا بها نبوءة محمد.

ولم يتجاوز القرآن ذكر هذا الرجل بأكثر من لقبه المشتهر به إلى تعيين اسمه وبلاده وقومه، لأن ذلك من شؤون أهل التاريخ والقصص وليس من أغراض القرآن، فكان منه الاقتصار على ما يفيد الأمة من هذه القصة عبرة حِكميةً أو خُلقيةً فلذلك قال الله: قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم مِنهُ ذِكراً}.

والمراد بالسؤال عن ذي القرنين السؤال عن خبره، فحذف المضاف إيجازاً لدلالة المقام، وكذلك حذف المضاف في قوله: ﴿ مِنْهُ ﴾ أي من خبره و(مِن) تبعيضية.

والذكر: التذكر والتفكر، أي سأتلو عليكم ما به التذكر، فجعل المتلو نفسه ذكراً مبالغة بالوصف بالمصدر، ولكن القرآن جاء بالحق الذي لا تخليط فيه من حال الرجل الذي يوصف بذي القرنين بما فيه إبطال لما خلط به الناس بين أحوال رجال عظماء كانوا في عصور متقاربة أو كانت قصصهم تُساق مساق من جاسوا خلال بلاد متقاربة متماثلة وشوهوا تخليطهم بالأكاذيب، وأكثرهم في ذلك صاحب الشاهنامة الفردوسي وهو معروف بالأكاذيب والأوهام الخرافية.

اختلف المفسرون في تعيين المسمى بذي القرنين اختلافاً كثيراً تفرقت بهم فيه أخبار قصصية وأخبار تاريخية واسترواح من الاشتقاقات اللفظية، ولعل اختلافهم له مزيد اتصال باختلاف القصّاصين الذين عُنوا بأحوال الفاتحين عناية تخليط لا عناية تحقيق فراموا تطبيق هذه القصة عليها.

والذي يجب الانفصال فيه بادئ ذي بدء أن وصفه بذي القرنين يتعين أن يكون وصفاً ذاتياً له وهو وصف عربي يظهر أن يكون عرف بمدلوله بين المثيرين للسؤال عنه فترجموه بهذا اللفظ.

ويتعين أن لا يحمل القرنان على الحقيقة، بل هما على التشبيه أو على الصورة.

فالأظهر أن يكونا ذُؤابتين من شعر الرأس متدليتين، وإطلاق القرن على الضفيرة من الشعر شائع في العربية، قال عُمر بن أبي ربيعة: فلثمت فاها آخذاً بقُرونها *** شُرب النزيف ببرَد ماء الحشرج وفي حديث أم عطية في صفة غسل ابنة النبي صلى الله عليه وسلم قالت أم عطية: «فجعلنا رأسها ثلاثة قرون»، فيكون هذا الملك قد أطال شعر رأسه وضفره ضفيرتين فسمي ذا القرنين، كما سمّي خِربَاق ذا اليدين.

وقيل: هما شبه قرني الكبش من نحاس كانا في خوذة هذا الملك فنُعت بهما.

وقيل: هما ضربتان على موضعين من رأس الإنسان يشبهان منبتي القرنين من ذوات القرون.

ومن هنا تأتي الأقوال في تعيين ذي القرنين، فأحد الأقوال: إنه الإسكندر بن فيليبوس المقدوني.

وذكروا في وجه تلقيبه بذي القرنين أنه ضفر شعره قرنين.

وقيل: كان يلبس خوذة في الحرب بها قرنان، وقيل: رسم ذاته على بعض نقوده بقرنين في رأسه تمثيلاً لنفسه بالمعبود (آمون) معبود المصريين وذلك حين ملَك مصر.

والقول الثاني: إنه ملك من ملوك حمير هو تُبّع أبو كرب.

والقول الثالث: أنه ملك من ملوك الفرس وأنه (أفريدون بن أثفيان بن جمشيد).

هذه أوضح الأقوال، وما دونها لا ينبغي التعويل عليه ولا تصحيح روايته.

ونحن تجاه هذا الاختلاف يحق علينا أن نستخلص من قصته في هذه الآية أحوالاً تقرّب تعيينه وتزييف ما عداه من الأقوال، وليس يجب الاقتصار على تعيينه من بين أصحاب هذه الأقوال بل الأمر في ذلك أوسع.

وهذه القصة القرآنية تعطي صفات لا محيد عنها: إحداها: أنه كان ملكاً صالحاً عادلاً.

الثانية: أنه كان ملهَماً من الله.

الثالثة: أن مُلكه شمل أقطاراً شاسعة.

الرابعة: أنه بلغ في فتوحه من جهة المغرب مكاناً كان مجهولاً وهو عين حَمئة.

الخامسة: أنه بلغ بلاد يأجوج ومأجوج، وأنها كانت في جهة مما شمله ملكه غير الجهتين الشرقية والغربية فكانت وسطاً بينهما كما يقتضيه استقراء مبلغ أسبابه.

السادسة: أنه أقام سدّاً يحول بين ياجوج وماجوج وبين قوم آخرين.

السابعة: أن ياجوج وماجوج هؤلاء كانوا عائثين في الأرض فساداً وأنهم كانوا يفسدون بلاد قوم موالين لهذا الملك.

الثامنة: أنه كان معه قوم أهل صناعة متقنة في الحديد والبناء.

التاسعة: أن خبره خفيّ دقيق لا يعلمه إلاّ الأحبار علماً إجمالياً كما دل عليه سبب النزول.

وأنت إذا تدبرت جميع هذه الأحوال نفيت أن يكون ذو القرنين إسكندر المقدوني لأنه لم يكن ملكاً صالحاً بل كان وثنياً فلم يكن أهلاً لتلقي الوحي من الله وإن كانت له كمالات على الجملة، وأيضاً فلا يعرف في تاريخه أنه أقام سُدّاً بين بلدَين.

وأما نسبة السد الفاصل بين الصين وبين بلاد ياجوج وماجوج إليه في كلام بعض المؤرخين فهو ناشئ عن شهرة الإسكندر، فتوهم القصاصون أن ذلك السد لا يكون إلاّ من بنائه، كما توهم العرب أن مدينة تَدمر بناها سليمان عليه السلام.

وأيضاً فإن هيرودوتس اليوناني المؤرخ ذكر أن الإسكندر حارب أمة (سكيثوس).

وهذا الاسم هو اسم ماجوج كما سيأتي قريباً.

وأحسب أن لتركيب القصة المذكورة في هذه السورة على اسم اسكندر المقدوني أثراً في اشتهار نسبة السد إليه.

وذلك من أوهام المؤرخين في الإسلام.

ولا يعرف أن مملكة إسكندر كانت تبلغ في الغرب إلى عين حمئة، وفي الشرق إلى قوم مجهولين عُراة أو عديمي المساكِن، ولا أن أمته كانت تلقبه بذي القرنين.

وإنما انتحل هذا اللقب له لما توهموا أنه المعْنيّ بذي القرنين في هذه الآية، فمنحه هذا اللقب من مخترعات مؤرخي المسلمين، وليس رسم وجهه على النقود بقرنين مما شأنه أن يلقب به.

وأيضاً فالإسكندر كانت أخباره مشهورة لأنه حارب الفرس والقبط وهما أمّتان مجاورتان للأمة العربية.

ومثل هذه المبطلات التي ذكرناها تتأتى لإبطال أن يكون الملكُ المتحدث عنه هو أفريدون، فإما أن يكون من تبابعة حمير فقد يجوز أن يكون في عصر متوغل في القدم.

وقد توهم بعض المفسرين أنه كان معاصراً إبراهيم عليه السلام وكانت بلاده التي فتحها مجهولة المواقع.

ولكن يبعد أن يكون هو المراد لأن العرب لا يعرفون من خبره مثل هذا، وقد ظهر من أقوالهم أنّ سبب هذا التوهم هو وجود كلمة (ذو) التي اشتهر وجود مثلها في ألقاب ملوك اليمن وتبابعته.

فالذي يظهر لي أن ذا القرنين كان ملكاً من ملوك الصين لوجوه: أحدها: أن بلاد الصين اشتهر أهلها منذ القدم بأنهم أهل تدبير وصنائع.

الثاني: أن معظم ملوكهم كانوا أهل عدل وتدبير للمملكة.

الثالث: أن من سماتهم تطويل شعر رؤوسهم وجعلها في ضفيرتين فيظهر وجه تعريفه بذي القرنين.

الرابع: أن سُداً ورَدْماً عظيماً لا يعرف له نظير في العالم هو موجود بين بلاد الصين وبلاد المَغُول، وهو المشهور في كتب الجغرافيا والتاريخ بالسور الأعظم، وسيرد وصفه.

الخامس: ما روت أم حبيبة عن زينب بنت جحش رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج ليلة فقال: «ويل للعرب من شرّ قد اقترب فتح اليوم من رَدم ياجوج وماجوج هكذا» وأشار بعقد تسعين (أعني بوضع طرف السبابة على طرف الإبهام).

وقد كان زوال عظمة سلطان العرب على يد المغول في بغداد فتعين أن ياجوج وماجوج هم المغول وأن الردم المذكور في القرآن هو الردم الفاصل بين بلاد المغول وبلاد الصين وبانيه ملك من ملوكهم، وأن وصفه في القرآن بذي القرنين توصيف لا تلقيب فهو مثل التعبير عن شَاول ملك إسرائيل باسم طالوت.

وهذا الملك هو الذي بنى السدّ الفاصل بين الصين ومنغوليا.

واسم هذا الملك (تْسِينْشِي هْوَانْفتي) أو (تْسِينْ شِي هْوَانْقْ تِي).

وكان موجوداً في حدود سنة سبع وأربعين ومائتين قبل ميلاد المسيح فهو متأخر عن إسكندر المقدوني بنحو قرن.

وبلاد الصين في ذلك العصر كانت متدينة بدين (كنفيشيوس) المشرع المصلح، فلا جرم أن يكون أهل شريعته صالحين.

وهذا الملك يؤخذ من كتب التاريخ أنه ساءت حالته في آخر عمره وأفسد كثيراً وقتل علماء وأحرق كتباً، والله أعلم بالحقيقة وبأسبابها.

ولما ظن كثير من الناس أن ذا القرنين المذكور في القرآن هو إسكندر بن فيليبوس نحلوه بناء السدّ.

وزعموه من صنعه كما نحلوه لقب ذي القرنين.

وكل ذلك بناء أوهام على أوهام ولا أساس لواحِد منهما ولا علاقة لإسكندر المقدوني بقصة ذي القرنين المذكورة في هذه السورة.

والأمر في قوله ﴿ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم ﴾ إذن من الله لرسوله بأن يَعد بالجواب عن سؤالهم عملاً بقوله: ﴿ ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله ﴾ على أحد تأويلين في معناه.

والسين في قول ﴿ سَأَتْلُوا عَلَيْكُم ﴾ لتحقيق الوعد كما في قوله تعالى: ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربّي ﴾ في سورة يوسف (98).

وجعل خبر ذي القرنين تلاوة وذكراً للإشارة إلى أن المهم من أخباره ما فيه تذكير وما يصلح لأن يكون تلاوةً حسب شأن القرآن فإنّه يُتلى لأجل الذكر ولا يُساق مساق القصص.

وقوله مِنْهُ ذِكْراً} تنبيه على أن أحواله وأخباره كثيرة وأنهم إنما يهمهم بعض أحواله المفيدة ذكراً وعظة.

ولذلك لم يقل في قصة أهل الكهف: نحن نقصّ عليك من نبئهم، لأن قصتهم منحصرة فيما ذكر، وأحوال ذي القرنين غير منحصرة فيما ذكر هنا.

وحرف (من) في قوله ﴿ مِنْهُ ذِكْراً ﴾ للتبعيض باعتبار مضاف محذوف، أي من خبره.

والتمكين: جعل الشيء متمكناً، أي راسخاً، وهو تمثيل لقوّة التصرف بحيث لا يزعزع قوته أحد.

وحق فعل (مكنّا) التعدية بنفسه، فيقال: مكّناه في الأرض كقوله ﴿ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ [الأنعام: 6].

فاللام في قوله: مَكَّنَّا لَهُ في الأَرْضِ } للتوكيد كاللام في قولهم: شكرت له، ونصحت له، والجمْع بينهما تفنن.

وعلى ذلك جاء قوله تعالى: ﴿ مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم ﴾ [الأنعام: 6].

فمعنى التمكين في الأرض إعطاء المقدرة على التصرف.

والمراد بالأرض أهل الأرض، والمراد بالأرض أرض معينة وهي أرض مُلكه.

وتقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ﴾ [يوسف: 56].

والسبب: حقيقته الحبل، وأطلق هنا على ما يتوسل به إلى الشيء من علم أو مقدرة أو آلات التسخير على وجه الاستعارة كقوله تعالى: ﴿ وتقطعت بهم الأسباب ﴾ في سورة البقرة (166).

و كُلّ شَيْءٍ } مستعمل هنا في الأشياء الكثيرة كما تقدم في نظائره غير مرة منها قوله تعالى: ﴿ ولو جاءتهم كل آية ﴾ [يونس: 97] أي آتيناه وسائل أشياء عظيمة كثيرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَيَسْألُونَكَ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ ﴾ اخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ كانَ نَبِيًّا؟

فَذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّهُ نَبِيٌّ مَبْعُوثٌ فَتَحَ اللَّهُ عَلى يَدِهِ الأرْضَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا ولا مَلَكًا، ولَكِنَّهُ كانَ عَبْدًا صالِحًا أحَبَّ اللَّهَ وأحَبَّهُ اللَّهُ، وناصِحٌ لِلَّهِ فَناصَحَهُ اللَّهُ، وضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ فَمَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ ثُمَّ دَعاهم إلى الهُدى فَضَرَبُوهُ عَلى قَرْنِهِ الآخَرِ، ولَمْ يَكُنْ لَهُ قَرْنانِ كَقَرْنَيِ الثَّوْرِ.

واخْتُلِفَ في تَسْمِيَتِهِ بِذِي القَرْنَيْنِ عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: لِقَرْنَيْنِ في جانِبَيْ رَأْسِهِ عَلى ما حَكى عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

الثّانِي: لِأنَّهُ كانَتْ لَهُ ضَفِيرَتانِ فَسُمِّيَ بِهِما ذُو القَرْنَيْنِ، قالَهُ الحَسَنُ.

الثّالِثُ: لِأنَّهُ بَلَغَ طَرَفَيِ الأرْضِ مِنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، فَسُمِّيَ لِاسْتِيلائِهِ.

عَلى قَرْنَيِ الأرْضِ ذُو القَرْنَيْنِ، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الرّابِعُ: لِأنَّهُ رَأى في مَنامِهِ أنَّهُ دَنا مِنَ الشَّمْسِ حَتّى أخَذَ بِقَرْنَيْها في شَرْقِها وغَرْبِها، فَقَصَّ رُؤْياهُ عَلى قَوْمِهِ فَسُمِّيَ ذُو القَرْنَيْنِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

وَحَكى ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الضَّحّاكِ بْنِ مَعَدٍّ، وحَكى مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ أنَّهُ رَجُلٌ مِن أهْلِ مِصْرَ اسْمُهُ مَرْزُبانُ بْنُ مَرْدُبَةَ اليُونانِيُّ ولَدُ يُونانَ بْنِ يافِثَ بْنِ نُوحٍ.

وَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: كانَ رُومِيًّا اسْمُهُ الإسْكَنْدَرُوسُ.

قالَ ابْنُ هِشامٍ: هو الإسْكَنْدَرُ وهو الَّذِي بَنى الإسْكَنْدَرِيَّةَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنّا مَكَّنّا لَهُ في الأرْضِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِاسْتِيلائِهِ عَلى مُلْكِها.

الثّانِي: بِقِيامِهِ بِمَصالِحِها.

﴿ وَآتَيْناهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن كُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا يَنْتَسِبُ بِهِ إلى إرادَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ.

الثّانِي: ما يَسْتَعِينُ بِهِ عَلى لِقاءِ المُلُوكِ وقَتْلِ الأعْداءِ وفَتْحِ البِلادِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: وجَعَلْنا لَهُ مِن كُلِّ أرْضٍ ولِيَها سُلْطانًا وهَيْبَةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: قالت اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا محمد، إنما تذكر إبراهيم وموسى وعيسى والنبيين أنك سمعت ذكرهم منّا، فأخبرنا عن نبي لم يذكره الله في التوراة إلا في مكان واحد.

قال: ومن هو؟

قالوا: ذو القرنين.

قال: ما بلغني عنه شيء.

فخرجوا فرحين وقد غلبوا في أنفسهم، فلم يبلغوا باب البيت حتى نزل جبريل بهؤلاء الآيات ﴿ ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً ﴾ » .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: دخل بعض أهل الكتاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوه فقالوا: «يا أبا القاسم، كيف تقول في رجل كان يسيح في الأرض؟

قال: لا علم لي به.

فبينما هم على ذلك إذ سمعوا نقيضاً في السقف، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم غمة الوحي ثم سري عنه فتلا ﴿ ويسألونك عن ذي القرنين ﴾ الآية.

فلما ذكر السد قالوا: أتاك خبره يا أبا القاسم حسبك» .

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أدري أتبع كان لعيناً أم لا، وما أدري أذو القرنين كان نبياً أم لا، وما أدري الحدود كفارات لأهلها أم لا» .

وأخرج ابن مردويه عن سالم بن أبي الجعد قال: سئل علي عن ذي القرنين: أنبي هو؟

فقال: سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول: «هو عبد ناصح الله فنصحه» .

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف وابن مردويه من طريق أبي الطفيل، أن ابن الكواء سأل علي بن أبي طالب عن ذي القرنين: أنبياً كان أم ملكاً؟

قال: لم يكن نبياً ولا ملكاً، ولكن كان عبداً صالحاً أحب الله فأحبه، ونصح لله فنصحه...

بعثه الله إلى قومه فضربوه على قرنه فمات، ثم أحياه الله لجهادهم.

ثم بعثه إلى قومه فضربوه على قرنه الآخر فمات، فأحياه الله لجهادهم.

فلذلك سمي ذا القرنين، وإن فيكم مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: ذو القرنين نبي.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأحوص بن حكيم عن أبيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم: سئل عن ذي القرنين فقال: «هو ملك مسح الأرض بالإحسان» .

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن خالد بن معدان الكلاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذي القرنين فقال: «ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب» .

وأخرج ابن عبد الحكم وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في كتاب الأضداد وأبو الشيخ، عن عمر أنه سمع رجلاً ينادي بمنى: يا ذا القرنين، فقال له عمر رضي الله عنه: ها أنتم قد سميتم بأسماء الأنبياء، فما بالكم وأسماء الملائكة؟

وأخرج ابن أبي حاتم عن جبير بن نفير، أن ذا القرنين ملك من الملائكة أهبطه الله إلى الأرض وآتاه من كل شيء سبباً.

وأخرج الشيرازي في الألقاب عن جبير بن نفير، «أن أحباراً من اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: حدثنا عن ذي القرنين إن كنت نبياً.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو ملك مسح الأرض بالأسباب» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال: كان نذير واحد بلغ ما بين المشرق والمغرب، ذو القرنين بلغ السدين وكان نذيراً، ولم أسمع بحق أنه كان نبياً.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي الورقاء قال: قلت لعلي بن أبي طالب: ذو القرنين ما كان قرناه؟

قال: لعلك تحسب أن قرنيه ذهب أو فضة، كان نبياً فبعثه الله إلى أناس فدعاهم إلى الله تعالى فقام رجل فضرب قرنه الأيسر فمات، ثم بعثه الله فأحياه، ثم بعثه إلى ناس فقام رجل فضرب قرنه الأيمن فمات، فسماه الله ذا القرنين.

وأخرج أبو الشيخ عن إبراهيم بن علي بن عبد الله بن جعفر قال: إنما سمي ذو القرنين ذا القرنين، لشجتين شجهما على قرنيه في الله، وكان أسود.

وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه، أن ذا القرنين أول من لبس العمامة، وذاك أنه كان في رأسه قرنان كالظلفين متحركان فلبس العمامة من أجل ذلك، وأنه دخل الحمام ودخل كاتبه معه فوضع ذو القرنين العمامة فقال لكاتبه: هذا أمر لم يطلع عليه خلق غيرك، فإن سمعت به من أحد قتلتك.

فخرج الكاتب من الحمام فأخذه كهيئة الموت، فأتى الصحراء فوضع فمه بالأرض ثم نادى: ألا إن للملك قرنين.

فأنبت الله من كلمته قصبتين، فمر بهما راع فأعجب بهما فقطعهما واتخذهما مزماراً، فكان إذا زمر خرج من القصبتين: ألا إن للملك قرنين.

فانتشر ذلك في المدينة، فأرسل ذو القرنين إلى الكاتب فقال: لتصدقني أو لأقْتُلَنّكَ.

فقص عليه الكاتب القصة، فقال ذو القرنين: هذا أمر أراد الله أن يبديه.

فوضع العمامة عن رأسه.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل، عن عقبة بن عامر الجهني قال: «كنت أخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرجت ذات يوم فإذا أنا برجال من أهل الكتاب بالباب معهم مصاحف فقالوا: من يستأذن لنا على النبي صلى الله عليه وسلم؟

فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: ما لي ولهم، سألوني عما لا أدري؟

إنما أنا عبد لا أعلم إلا ما أعلمني ربي عز وجل.

ثم قال: ابغني وضوءاً فأتيته بوضوء فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم انصرف فقال- وأنا أرى السرور والبشر في وجهه- أدخل القوم عليَّ ومن كان من أصحابي فأدخله أيضاً عليّ، فأذنت لهم فدخلوا فقال: إن شئتم أخبرتكم بما جئتم تسألوني عنه من قبل أن تكلموا، وإن شئتم فتكلموا قبل أن أقول.

قالوا: بل فأخبرنا.

قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين، إن أول أمره أنه كان غلاماً من الروم، أعطي ملكاً فسار حتى أتى ساحل أرض مصر فابتنى مدينة يقال لها (اسكندرية) فلما فرغ من شأنها بعث الله عز وجل إليه ملكاً فعرج به فاستعلى بين السماء، ثم قال له: انظر ما تحتك.

فقال: أرى مدينتي وأرى مدائن معها، ثم عرج به فقال: انظر.

فقال: قد اختلطت مع المدائن فلا أعرفها، ثم زاد فقال انظر: قال: أرى مدينتي وحدها ولا أرى غيرها.

قال له الملك: إنها تلك الأرض كلها، والذي ترى يحيط بها هو البحر وإنما أراد ربّك أن يريك الأرض وقد جعل لك سلطاناً فيها، فسر فيها فعلم الجاهل وثبت العالم، فسار حتى بلغ مغرب الشمس، ثم سار حتى بلغ مطلع الشمس، ثم أتى السدين وهما جبلان لينان يزلق عنهما كل شيء، فبنى السد ثم اجتاز يأجوج ومأجوج، فوجد قوماً وجوههم وجوه الكلاب يقاتلون يأجوج ومأجوج، ثم قطعهم فوجد أمة قصاراً يقاتلون القوم الذين وجوههم وجوه الكلاب، ووجد أمة من الغرانيق يقاتلون القوم القصار، ثم مضى فوجد أمة من الحيات تلتقم الحية منها الصخرة العظيمة، ثم مضى إلى البحر الدائر بالأرض فقالوا: نشهد أن أمره هكذا كما ذكرت، وإنا نجده هكذا في كتابنا» .

وأخرج ابن عساكر عن سليمان بن الأشج صاحب كعب الأحبار، أن ذا القرنين كان رجلاً طوافاً صالحاً، فلما وقف على جبل آدم الذي هبط عليه ونظر إلى أثره هاله، فقال له الخضر:- وكان صاحب لوائه الأكبر- ما لك أيها الملك؟

قال: هذا أثر الآدميين...

أرى موضع الكفين والقدمين وهذه القرحة، وأرى هذه الأشجار حوله قائمة يابسة يسيل منها ماء أحمر، إن لها لشأناً.

فقال له الخضر- وكان قد أعطي العلم والفهم: أيها الملك، ألا ترى الورقة المعلقة من النخلة الكبيرة قال: بلى.

قال: فهي تخبرك بشأن هذا الموضع.

وكان الخضر يقرأ كل كتاب- فقال: أيها الملك، أرى كتاباً فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من آدم أبي البشر، أوصيكم ذريتي وبناتي أن تحذروا عدوي وعدوكم إبليس الذي كان يلين كلامه وفجور أمنيته، أنزلني من الفردوس إلى تربة الدنيا، وألقيت على موضعي هذا لا يلتفت إليّ مائتي سنة بخطيئة واحدة، حتى درست في الأرض وهذا أثري وهذه الأشجار من دموع عيني فعلي في هذه التربة أنزلت التوبة، فتوبوا من قبل أن تندموا وبادروا من قبل أن يبادر بكم وقدموا من قبل أن يقدم بكم.

فنزل ذو القرنين فمسح موضع جلوس آدم فإذا هو ثمانون ومائة ميل، ثم أحصى الأشجار فإذا هي تسعمائة شجرة كلها من دموع آدم نبتت، فلما قتل قابيل هابيل تحولت يابسة وهي تبكي دماً أحمر فقال ذو القرنين للخضر: ارجع بنا فلا طلبت الدنيا بعدها.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر عن السدي قال: كان أنف الإسكندر ثلاثة أذرع.

وأخرج ابن عبد الحكم عن الحسن قال: كان أنف الإسكندر ثلاثة أذرع.

وأخرج ابن عبد الحكم وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب، عن عبيد بن يعلى قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه كان له قرنان صغيران تواريهما العمامة.

وأخرج أحمد في الزهد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن وهب بن منبه أنه سئل عن ذي القرنين فقال: لم يوح إليه وكان ملكاً.

قيل: فلم سمي ذا القرنين؟

فقال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: إنه كان في رأسه شبه القرنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن بكر بن مضر، أن هشام بن عبد الملك سأله عن ذي القرنين: أكان نبياً؟

فقال: لا، ولكنه إنما أعطي ما أعطي بأربع خصال كان فيه: كان إذا قدر عفا، وإذا وعد وفى، وإذا حدث صدق، ولا يجمع اليوم لغد.

وأخرج ابن عبد الحكم عن يونس، بن عبيد قال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه كان له غديرتان من رأسه من شعر يطأ فيهما.

وأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن أبي العالية قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه قرن ما بين مطلع الشمس ومغربها.

وأخرج ابن عبد الحكم في فتوح مصر، عن ابن شهاب قال: إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرن الشمس من مطلعها.

وأخرج عن قتادة قال: الإسكندر هو ذو القرنين.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ من طريق ابن إسحق، عمن يسوق أحاديث الأعاجم من أهل الكتاب ممن قد أسلم فيما توارثوا من علمه، أن ذا القرنين كان رجلاً صالحاً من أهل مصر، اسمه مرزيا بن مرزية اليوناني من ولد يونن بن يافث بن نوح.

وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن عبيد بن عمير، أن ذا القرنين حج ماشياً فسمع به إبراهيم فتلقاه.

وأخرج الشيرازي في الألقاب، عن قتادة قال: إنما سمي ذا القرنين، لأنه كان له عقيصتان.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة، أن ذا القرنين كان من سوّاس الروم يسوس أمرهم، فخيّر بين ذلال السحاب وصعابها فاختار ذلالها، فكان يركب عليها.

وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم والشيرازي في الألقاب وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه اليماني- وكان له علم الأحاديث الأولى- أنه كان يقول: كان ذو القرنين رجلاً من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها ولد غيره، وكان اسمه الإسكندر وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس، فلما بلغ وكان عبداً صالحاً قال الله له: (يا ذا القرنين، إني باعثك إلى أمم الأرض منهم أمتان بينهما طول الأرض كلها، ومنهم أمتان بينهما عرض الأرض كلها، في وسط الأرض منهم الإنس والجن ويأجوج ومأجوج، فأما اللتان بينهما طول الأرض، فأمة عند مغرب الشمس يقال لها ناسك، وأما الأخرى؛ فعند مطلعها يقال لها منسك، وأما اللتان بينهما عرض الأرض فأمة في قطر الأرض الأيمن يقال لها هاويل، وأما الأخرى التي في قطر الأرض الأيسر فأمة يقال لها تأويل.

فلما قال الله له ذلك قال له ذو القرنين: يا إلهي، أنت قد ندبتني لأمر عظيم لا يقدر قدره إلا أنت، فأخبرني عن هذه الأمم التي تبعثني إليها، بأي قوة أكابرهم، وبأي جمع أكاثرهم، وبأي حيلة أكايدهم، وبأي لسان أناطقهم؟؟؟

وكيف لي بأن أحاربهم، وبأي سمع أعي قولهم، وبأي بصر أنفذهم، وبأي حجة أخاصمهم، وبأي قلب أعقل عنهم، وبأي حكمة أدبر أمرهم، وبأي قسط أعدل بينهم، وبأي حلم أصابرهم، وبأي معرفة أفصل بينهم، وبأي علم أتقن أمرهم، وبأي يد أسطو عليهم، وبأي رجل أطؤهم، وبأي طاقة أخصمهم، وبأي جند أقاتلهم، وبأي رفق أستألفهم...؟؟؟

وإنه ليس عندي يا إلهي شيء مما ذكرت يقرن لهم، ولا يقوى عليهم ولا يطيقهم، وأنت الرب الرحيم الذي لا يكلف نفساً ولا يحملها إلا طاقتها، ولا يعنتها ولا يفدحها بل يرأفها ويرحمها.

فقال له الله عز وجل: إني سأطوقك ما حملتك، أشرح لك صدرك فيتسع لكل شيء، وأشرح لك فهمك فتفقه كل شيء، وأبسط لك لسانك فتنطق بكل شيء، وأفتح لك سمعك فتعي كل شيء، وأمد لك بصرك فتنفذ كل شيء، وأدبر لك أمرك فتتقن كل شيء، وأحصر لك فلا يفوتك شيء، وأحفظ عليك فلا يغرب عنك شيء، وأشد ظهرك فلا يهدك شيء، وأشد لك ركبك فلا يغلبك شيء، وأشد لك قلبك فلا يروعك شيء، وأشد لك عقلك فلا يهولك شيء، وأبسط لك يديك فيسطوان فوق كل شيء، وألبسك الهيبة فلا يروعك شيء.

وأسخر لك النور والظلمة فأجعلهما جنداً من جنودك يهديك النور من أمامك وتحوطك الظلمة من ورائك.

فلما قيل له ذلك انطلق يؤم الأمة التي عند مغرب الشمس، فلما بلغهم وجد جمعاً وعدداً لا يحصيه إلا الله تعالى، وقوة وبأساً لا يطيقه إلا الله، وألسنة مختلفة وأموراً مشتبهة وأهواء مشتتة وقلوباً متفرقة، فلما رأى ذلك كابرهم بالظلمة وضرب حولهم ثلاثة عساكر منها، وأحاطت بهم من كل جانب وحاشدهم حتى جمعهم في مكان واحد ثم دخل عليهم بالنور، فدعاهم إلى الله وعبادته...

فمنهم من آمن ومنهم من صدّ عنه، فعمد إلى الذين تولوا عنه فأدخل عليهم الظلمة فدخلت في أفواههم وأنوفهم وآذانهم وأجوافهم، ودخلت في بيوتهم ودورهم وغشيتهم من فوقهم ومن تحتهم ومن كل جانب منهم فماجوا فيها وتحيروا، فلما أشفقوا أن يهلكوا فيها عجوا إليه بصوت واحد فكشف عنهم وأخذهم عنوة فدخلوا في دعوته، فجند من أهل المغرب أمماً عظيمة فجعلهم جنداً واحداً، ثم انطلق بهم يقودهم والظلمة تسوقهم من خلفهم وتحرسهم من حولهم، والنور من أمامه يقوده ويدله وهو يسير في ناحية الأرض اليمنى، وهو يريد الأمة التي في قطر الأرض الأيمن التي يقال لها هاويل.

وسخر الله يده وقلبه ورأيه ونظره وائتماره فلا يخطئ إذا ائتمر وإذا عمل عملاً أتقنه، فانطلق يقود تلك الأمم وهي تتبعه...

فإذا انتهى إلى بحر أو مخاضة بنى سفناً من ألواح صغار أمثال البغال فنظمها في ساعة واحدة ثم حمل فيها جميع من معه من تلك الأمم وتلك الجنود، فإذا قطع الأنهار والبحار فتقها ثم دفع إلى كل إنسان لوحاً فلا يكربه حمله، فلم يزل ذلك دأبه حتى انتهى إلى هاويل فعمل فيهم كعمله في ناسك، فلما فرغ منهم مضى على وجهه في ناحية الأرض اليمنى حتى انتهى إلى منسك عند مطلع الشمس فعمل فيها وجند منها جنوداً كفعله في الأمتين اللتين قبلهما، ثم كر مقبلاً في ناحية الأرض اليسرى وهو يريد تأويل- وهي الأمة التي بحيال هاويل وهما متقابلتان، بينهما عرض الأرض كلها- فلما بلغها عمل فيها وجند منها كفعله فيما قبلها، فلما فرغ منها عطف منها إلى الأمم التي في وسط الأرض من الجن وسائر الإنس ويأجوج ومأجوج.

فلما كان في بعض الطريق مما يلي منقطع أرض الترك نحو المشرق، قال له أمة من الإنس صالحة: يا ذا القرنين، إن بين هذين الجبلين خلقاً من خلق الله...

كثيراً فيهم مشابهة من الإنس، وهم أشباه البهائم وهم يأكلون العشب ويفترسون الدواب والوحش كما يفترسها السباع، ويأكلون خشاش الأرض كلها من الحيات والعقارب وكل ذي روح مما خلق الله في الأرض، وليس لله خلق ينمو نماءهم في العام الواحد، ولا يزداد كزيادتهم ولا يكثر ككثرتهم، فإن كانت لهم كثرة على ما يرى من نمائهم وزيادتهم، فلا شك أنهم سيملأون الأرض ويجلون أهلها ويظهرون عليها فيفسدون فيها، وليست تمر بنا سنة منذ جاورناهم ورأيناهم إلا ونحن نتوقعهم وننظر أن يطلع إلينا أوائلهم من هذين الجبلين.

..

فهل نجعل لك خرجاً على أن تجعل بيننا وبينهم سداً؟

قال: ما مكني فيه ربي خير، فأعينوني بقوّة أجعل بينكم وبينهم ردماً، اغدو إلى الصخور والحديد والنحاس حتى أرتاد بلادهم وأعلم علمهم وأقيس ما بين جبليهم.

ثم انطلق يؤمهم حتى دفع إليهم وتوسط بلادهم، فإذا هم على مقدار واحد...

أنثاهم وذكرهم مبلغ طول الواحد منهم مثل نصف الرجل المربوع منا، لهم مخاليب في مواضع الأظفار من أيدينا، ولهم أنياب وأضراس كأضراس السباع وأنيابها، وأحناك كأحناك الإبل قوة، يسمع له حركة إذا أكل كحركة الجرة من الإبل، أو كقضم الفحل المسن أو الفرس القوي، وهم صلب عليهم من الشعر في أجسادهم ما يواريهم وما يتقون به من الحر والبرد إذا أصابهم، ولكل واحد منهم أذنان عظيمتان إحداهما وبرة ظهرها وبطنها، والأخرى زغبة ظهرها وبطنها...

تسعانه إذا لبسهما، يلبس إحداهما ويفترش الأخرى، ويصيف في إحداهما ويشتو في الأخرى، وليس منهم ذكر ولا أنثى إلا وقد عرف أجله الذي يموت فيه ومنقطع عمره، وذلك أنه لا يموت ميت من ذكورهم حتى يخرج من صلبه ألف ولد، ولا تموت الأنثى حتى يخرج من رحمها ألف ولد، فإذا كان ذلك أيقن بالموت وتهيأ له.

وهم يرزقون التنين في زمان الربيع ويستمطرونه إذا تحينوه كما يستمطر الغيث لحينه، فيقذفون منه كل سنة بواحد فيأكلونه عامهم كله إلى مثلها من قابل، فيعينهم على كثرتهم وما هم فيه، فإذا أمطروا أخصبوا وعاشوا وسهئوا ورؤي أثره عليهم فدرت عليهم الإناث وشبقت منهم الذكور، وإذا أخطأهم هزلوا وأحدثوا وجفلت منهم الذكور وأحالت الإناث وتبين أثر ذلك عليهم، وهم يتداعون تداعي الحمام ويعوون عوي الذئاب ويتسافدون حيثما التقوا تسافد البهائم.

ثم لما عاين ذلك منهم ذو القرنين، انصرف إلى ما بين الصدفين فقاس ما بينهما- وهي في منقطع أرض الترك مما يلي الشمس- فوجد بعد ما بينهما مائة فرسخ، فلما أنشأ في عمله حفر له أساساً حتى بلغ الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخاً وجعل حشوه الصخور وطينه النحاس يذاب ثم يصب عليه، فصار كأنه عرق من جبل تحت الأرض، ثم علا وشرفه بزبر الحديد والنحاس المذاب، وجعل خلاله عرقاً من نحاس أصفر فصار كأنه محبر من صفرة النحاس وحمرته وسواد الحديد، فلما فرغ منه وأحكم انطلق عامداً إلى جماعة الإنس والجن، فبينما هو يسير إذ رفع إلى أمة صالحة يهدون بالحق وبه يعدلون، فوجد أمة مقسطة يقتسمون بالسوية ويحكمون بالعدل ويتأسون ويتراحمون...

حالهم واحدة وكلمتهم واحدة وأخلاقهم مشتبهة وطريقتهم مستقيمة وقلوبهم مؤتلفة وسيرتهم مستوية وقبورهم بأبواب بيوتهم، وليس على بيوتهم أبواب وليس عليهم أمراء وليس بينهم قضاة وليس فيهم أغنياء ولا ملوك ولا أشراف، ولا يتفاوتون ولا يتفاضلون ولا يتنازعون ولا يستّبون ولا يقتتلون ولا يقحطون ولا يحردون ولا تصيبهم الآفات التي تصيب الناس، وهم أطول الناس أعماراً وليس فيهم مسكين ولا فقير ولا فظ ولا غليظ.

فلما رأى ذلك ذو القرنين من أمرهم أعجب منهم وقال لهم: أخبروني أيها القوم خبركم، فإني قد أحصيت الأرض كلها...

برها وبحرها، وشرقها وغربها، ونورها وظلمتها...

فلم أجد فيها أحداً مثلكم...

!

فأخبروني خبركم.

قالوا: نعم، سلنا عما تريد.

قال: أخبروني ما بال قبوركم على أبواب بيوتكم؟

قال: عمداً فعلنا ذلك، لئلا ننسى الموت ولا يخرج ذكره من قلوبنا.

قال: فما بال بيوتكم ليس عليها أبواب؟

قالوا: ليس فينا متّهم وليس فينا إلا أمين مؤتمن.

قال: فما بالكم ليس عليكم أمراء؟

قالوا: ليس فينا مظالم.

قال: فما بالكم ليس بينكم حكام؟

قالوا: لا نختصم.

قال: فما بالكم ليس فيكم أغنياء؟

قالوا: لا نتكاثر.

قال: فما بالكم ليس فيكم أشراف؟

قالوا: لا نتنافس.

قال: فما بالكم لا تتفاوتون ولا تتفاضلون؟

قالوا: من قبل أنا متواصلون متراحمون.

قال: فما بالكم لا تتنازعون ولا تختلفون؟

قالوا: من قبل ألفة قلوبنا وصلاح ذات بيننا.

قال: فما بالكم لا تقتتلون ولا تستّبون؟

قالوا: من قبل أنا غلبنا طبائعنا بالعزم وسُسْنا أنفسنا بالحلم.

قال: فما بال كلمتكم واحدة وطريقتكم مستقيمة؟

قالوا: من قبل أنا لا نتكاذب ولا نتخادع، فلا يغتاب بعضنا بعضاً.

قال: فأخبروني من أين تشابهت قلوبكم واعتدلت سيرتكم؟

قالوا: صحت صدورنا فنزع الله بذلك الغل والحسد من قلوبنا.

قال: فما بالكم ليس فيكم مسكين ولا فقير؟

قالوا: من قبل أنا نقسم بالسوية.

قال: فما بالكم ليس فيكم فظ ولا غليظ؟

قالوا: من قبل الذل والتواضع.

قال: فما بالكم جُعِلْتُم أطول الناس أعماراً؟

قالوا: من قبل أنا نتعاطى الحق ونحكم بالعدل.

قال: فما بالكم لا تقحطون؟

قالوا: لا نغفل عن الاستغفار.

قال: فما بالكم لا تحردون؟

قالوا: من قبل أنا وطّنا أنفسنا للبلاء منذ كنا، وأحببناه وحرصنا عليه فعرينا منه.

قال: فما بالكم لا تصيبكم الآفات كما تصيب الناس؟

قالوا: لا نتوكل على غير الله ولا نعمل بأنواء النجوم.

قال: حدثوني...

أهكذا وجدتم آبائكم يفعلون؟

قالوا: نعم، وجدنا آبائنا يرحمون مساكينهم، ويواسون فقراءهم ويعفون عمن ظلمهم، ويحسنون إلى من أساء إليهم، ويحلمون على من جهل عليهم، ويستغفرون لم سبهم، ويصلون أرحامهم، ويردون أماناتهم، ويحفظون وقتهم لصلاتهم، ويوفون بعهودهم، ويصدقون في مواعيدهم، ولا يرغبون عن أكفائهم ولا يستنكفون عن أقاربهم، فأصلح الله بذلك أمرهم وحفظهم به ما كانوا أحياء، وكان حقاً عليه أن يخلفهم في تركتهم.

فقال لهم ذو القرنين: لو كنتُ مقيماً لأقمت فيكم، ولكني لم أؤمر بالإقامة).

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب قال: (كان لذي القرنين صديق من الملائكة يقال له زرافيل، وكان لا يزال يتعاهده بالسلام، فقال له ذو القرنين: يا زرافيل، هل تعلم شيئاً يزيد في طول العمر لنزداد شكراً وعبادة؟

قال: ما لي بذلك علم، ولكن سأسأل لك عن ذلك في السماء.

فعرج زرافيل إلى السماء فلبث ما شاء الله أن يلبث ثم هبط، فقال: إني سألت عما سألتني عنه فأخبرت أن لله عيناً في ظلمة هي أشد بياضاً من اللبن وأحلى من الشهد، من شرب منها شربة لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت.

قال: فجمع ذو القرنين علماء الأرض إليه فقال: هل تعلمون أن لله عيناً في ظلمة؟

فقالوا: ما نعلم ذلك.

فقام إليه رجل شاب فقال: وما حاجتك إليها أيها الملك؟

قال: لي بها حاجة.

قال: فإني أعلم مكانها.

قال: ومن أين علمت مكانها؟

قال: قرأت وصية آدم عليه السلام فوجدت فيها: إن لله عيناً خلف مطلع الشمس في ظلمة، ماؤها أشد بياضاً من اللبن وأحلى من الشهد، من شرب منها شربة لم يمت حتى يكون هو الذي يسأل الله الموت.

فسار ذو القرنين من موضعه الذي كان فيه اثنتي عشرة سنة حتى انتهى إلى مطلع الشمس، عسكر وجمع العلماء فقال: إني أريد أن أسلك هذه الظلمة بكم، فقالوا: إنا نعيذك بالله أن تسلك مسلكاً لم يسلكه أحد من بني آدم قط قبلك.

قال: لا بد أن أسلكها.

قالوا: إنا نعيذك أن تسلك بنا هذه الظلمة، فإنا لا نأمن أن ينفتق علينا بها أمر يكون فيه فساد الأرض.

قال: لا بد أن أسلكها.

قالوا: فشأنك.

فسألهم أي الدواب أبصر؟

قالوا: الخيل.

قال: فأي الخيل أبصر؟

قالوا: الإناث.

قال: فأي الإناث أبصر؟

قالوا: الأبكار.

فانتقى ستة آلاف فرس أنثى بكر ثم انتخب من عسكره ستة آلاف رجل، فدفع إلى كل رجل منهم فرساً، وولى الخضر منها على ألفي فارس ثم جعله على مقدمته، ثم قال: سرْ أمامي.

فقال له الخضر: أيها الملك، إني لست آمن هذه الأمة الضلال فيتفرق الناس مني، فدفع إليه خرزة حمراء فقال: إذا تفرق الناس فارم هذه الخرزة فإنها ستضيء لك وتصوت حتى تجمع إليك أهل الضلال، واستخلف على الناس خليفة وأمره أن يقيم في عسكره اثنتي عشرة سنة، فإن هو رجع إلى ذلك وإلا أمر الناس أن يتفرقوا في بلدانهم.

ثم أمر الخضر فسار أمامه، فكان الخضر إذا أتاه ذو القرنين رحل من منزله ونزل ذو القرنين في منزل الخضر الذي كان فيه، فبينا الخضر يسير في تلك الظلمة إذ تفرق الناس عنه، فطرح الخرزة من يده فإذا هي على شفير العين والعين في وادٍ فأضاء له ما حول البئر، فنزل الخضر ونزع ثيابه ودخل العين فشرب منها واغتسل ثم خرج، فجمع عليه ثيابه ثم أخذ الخرزة وركب وخالفه ذو القرنين في غير الطريق الذي أخذ فيه الخضر، فساروا في تلك الظلمة في مقدار ست ليال وأيامهن ولم تكن ظلمة كظلمة الليل، إنما كانت ظلمة كهيئة ضباب حتى خرجوا إلى أرض ذات نور ليس فيها شمس ولا قمر ولا نجم، فعسكر ثم نزل الناس ثم ركب ذو القرنين وحده فسار حتى انتهى إلى قصر طوله فرسخ في فرسخ، فدخل القصر فإذا هو بعمود على حافتي القصر، وإذا طائر مذموم.

..

بأنفه سلسلة معلقة في ذلك العود شبه الخطاف أو قريب من الخطاف، فقال له الطير: من أنت؟

قال أنا ذو القرنين.

قال له الطير: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى تناولت الظلمة؟

أنبئني يا ذا القرنين.

قال: سل.

قال: هل كثر بنيان من الجص والآجر في الناس؟

قال: نعم.

فانتفخ الطير حتى سد ثلث ما بين الحائطين، ثم قال: يا ذا القرنين أنبئني.

قال: سل.

قال: هل كثرت المعازف في الناس؟

قال: نعم.

فانتفخ حتى سد ثلثي ما بين الحائطين، ثم قال: يا ذا القرنين، أنبئني.

قال: سل.

قال: هل كثرت شهادة الزور في الناس؟

قال: نعم.

فانتفخ حتى سد ما بين الحائطين، واجث ذو القرنين منه فرقاً، قال له الطير: يا ذا القرنين، لا تخف...

أنبئني.

قال: سل.

قال: هل ترك الناس شهادة أن لا إله إلا الله؟

قال: لا.

قال: هل ترك الناس الغسل من الجنابة؟

قال: لا.

قال: فانضم ثلثاه.

قال: يا ذا القرنين، أنبئني.

قال: سل.

قال: هل ترك الناس المكتوبة؟

قال: لا...

فانضم الطير حتى عاد كما كان، ثم قال: يا ذا القرنين، انطلق إلى تلك الدرجة فاصعدها فإنك ستلقى من تسأله ويخبرك.

فسار حتى انتهى إلى درجة مدرجة فصعد عليها فإذا هو بسطح ممدود لا يرى طرفاه، وإذا رجل شاب قائم شاخص ببصره إلى السماء واضع يده على فمه قد قدم رجلاً وأخر أخرى، فسلم عليه ذو القرنين فرد عليه السلام ثم قال له: من أنت؟

قال: أنا ذو القرنين.

قال: يا ذا القرنين، أما كفاك ما وراءك حتى قطعت الظلمة ووصلت إلي؟

قال: ومن أنت؟

قال: أنا صاحب الصور، قد قدمت رجلاً وأخرت أخرى ووضعت الصور على فمي، وأنا شاخص ببصري إلى السماء أنتظر أمر ربي، ثم تناول حجراً فدفعه فقال: انصرف، فإن هذا الحجر سيخبرك بتأويل ما أردت.

فانصرف ذو القرنين حتى أتى عسكره فنزل وجمع إليه العلماء فحدثهم بحديث القصر وحديث العمود والطير وما قال له وما رد عليه، حديث صاحب الصور وأنه قد دفع إليه هذا الحجر وقال: إنه سيخبرني بتأويل ما جئت به، فأخبروني عن هذا الحجر، ما هو وأي شيء أراد بهذا؟

قال: فدعوا بميزان ووضع حجر صاحب الصور في إحدى الكفتين ووضع حجر مثله في الكفة الأخرى فرجح به، ثم وضع معه حجر آخر رجح به، ثم وضع مائة حجر فرجح بها حتى وضع ألف حجر فرجح بها، فقال ذو القرنين: هل عند أحد منكم في هذا الحجر من علم؟

قال- والخضر قاعد بحاله لا يتكلم- فقال له: يا خضر، هل عندك في هذا الحجر من علم؟

قال: نعم.

قال: وما هو؟

قال الخضر: أيها الملك، إن الله ابتلى العالم بالعالم وابتلى الناس بعضهم ببعض، وإن الله ابتلاك بي وابتلاني بك.

فقال له ذو القرنين: ما أراك إلا قد ظفرت بالأمر الذي جئت أطلبه.

قال له الخضر: قد كان ذلك.

قال: فائتني.

فأخذ الميزان ووضع حجر صاحب الصور في إحدى الكفتين ووضع في الكفة الأخرى حجراً، وأخذ قبضة من تراب فوضعها مع الحجر ثم رفع الميزان فرجح الحجر الذي معه التراب على حجر صاحب الصور، فقالت العلماء: سبحان الله ربنا...

!

وضعنا مع ألف حجر فمال بها، ووضع الخضر معه حجراً واحداً وقبضة من تراب فمال به...

!!

فقال له ذو القرنين: أخبرني بتأويل هذا.

قال: أخبرك...

إنك مكنت من مشرق الأرض ومغربها فلم يكفك ذلك حتى تناولت الظلمة حتى وصلت إلى صاحب الصور، وإنه لا يملأ عينك إلا التراب.

قال: صدقت.

ورحل ذو القرنين فرجع في الظلمة راجعاً، فجعلوا يسمعون خشخشة تحت سنابك خيلهم فقالوا: أيها الملك، ما هذه الخشخشة التي نسمع تحت سنابك خيلنا؟

قال: من أخذ منه ندم ومن تركه ندم، فأخذت منه طائفة وتركت طائفة، فلما برزوا به إلى الضوء نظروا فإذا هو بالزبرجد، فندم الآخذ أن لا يكون ازداد وندم التارك أن لا يكون أخذ).

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «رحم الله أخي ذا القرنين، دخل الظلمة وخرج منها زاهداً.

أما إنه لو خرج منها راغباً لما ترك منها حجراً إلا أخرجه» .

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأقام بدومة الجندل فعبد الله فيها حتى مات» .

ولفظ أبي الشيخ قال أبو جعفر: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رحم الله أخي ذا القرنين، لو ظفر بالزبرجد في مبداه ما ترك منه شيئاً حتى يخرجه إلى الناس، لأنه كان راغباً في الدنيا، ولكنه ظفر به وهو زاهد في الدنيا لا حاجة له فيها» .

وأخرج ابن إسحاق والفريابي وابن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت، وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أن سئل عن ذي القرنين فقال: كان عبداً أحب الله فأحبه، وناصح الله فناصحه، فبعثه إلى قوم يدعوهم إلى الله فدعاهم إلى الله وإلى الإسلام، فضربوه على قرنه الأيمن فمات، فأمسكه الله ما شاء ثم بعثه.

فأرسله إلى أمة أخرى يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام فضربوه على قرنه الأيسر فمات، فأمسكه الله ما شاء ثم بعثه فسخر له السحاب وخيّره فيه فاختار صعبه على ذلوله- وصعبه الذي لا يمطر- وبسط له النور ومدّ له الأسباب وجعل الليل والنهار عليه سواء، فبذلك بلغ مشارق الأرض ومغاربها.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه، أن ذا القرنين لما بلغ الجبل الذي يقال له قاف، ناداه ملك من الجبل: أيها الخاطئ ابن الخاطئ، جئت حيث لم يجئ أحد من قبلك ولا يجيء أحد بعدك.

فأجابه ذو القرنين: وأين أنا؟

قال له الملك: أنت في الأرض السابعة.

فقال ذو القرنين: ما ينجيني؟

فقال: ينجيك اليقين.

فقال ذو القرنين: اللهم ارزقني يقيناً.

فأنجاه الله.

قال له الملك: إنه ستأتي إلى قوم فتبني لهم سداً، فإذا أنت بنيته وفرغت منه فلا تحدث نفسك أنك بنيته بحول منك أو قوة، فيسلط الله على بنيانك أضعف خلقه فيهدمه.

ثم قال له ذو القرنين: ما هذا الجبل؟

قال: هذا الجبل الذي يقال له قاف، وهو أخضر والسماء بيضاء وإنما خضرتها من هذا الجبل، وهذا الجبل أم الجبال والجبال كلها من عروقه، فإذا أراد الله أن يزلزل قرية حرك منه عرقاً.

ثم إن الملك ناوله عنقوداً من عنب وقال له: حبة ترويك وحبة تشبعك، وكلما أخذت منه حبة عادت مكانها حبة.

ثم خرج من عنده فجاء البنيان الذي أراد الله، فقالوا له: ﴿ يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض ﴾ إلى قوله: ﴿ اجعل بينكم وبيهنم ردماً ﴾ .

قال عكرمة رضي الله عنه: هم منسك وناسك وتأويل وراحيل.

وقال أبو سعيد رضي الله عنه: هم خمسة وعشرون قبيلة من وراء يأجوج ومأجوج.

وأخرج الحاكم عن معاوية رضي الله عنه قال: ملك الأرض أربعة: سليمان وذو القرنين ورجل من أهل حلوان ورجل آخر.

فقيل له: الخضر؟

قال: لا.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن عساكر، عن مجاهد رضي الله عنه قال: إن ذا القرنين ملك الأرض كلها إلا بلقيس صاحبة مأرب، فإذا ذا القرنين كان يلبس ثياب المساكين ثم يدخل المدائن فينظر من عورتها قبل أن يقتل أهلها فأخبرت بذلك بلقيس فبعثت رسولاً ينظر إليه فيصوّر لها صورته في ملكه حين يقعد، وصورته في ثياب المساكين.

ثم جعلت كل يوم تطعم المساكين وتجمعهم، فجاءها رسولها في صورته فجعلت إحدى صورتيه تليها والأخرى على باب الأسطوانة، فكانت تطعم المساكين كل يوم، فإذا فرغوا عرضتهم واحداً واحداً فيخرجون، حتى جاء ذو القرنين في ثياب المساكين فدخل مدينتها ثم جلس مع المساكين إلى طعامها، فقربت إليهم الطعام فلما فرغوا أخرجتهم واحداً واحداً وهي تنظر إلى صورته في ثياب المساكين، حتى مر ذو القرنين فنظرت إلى صورته فقالت: أجلسوا هذا وأخرجوا من بقي من المساكين.

فقال لها: لم أجلستني وإنما أنا مسكين...

قالت: لا...

أنت ذو القرنين، هذه صورتك في ثياب المساكين، والله لا تفارقني حتى تكتب لي أماناً بملكي أو أضرب عنقك.

فلما رأى ذلك كتب لها أماناً فلم ينج أحد منه غيرها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: ملك ذو القرنين اثنتي عشرة سنة.

وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة، عن عبيدالله بن أبي جعفر رضي الله عنه قال: كان ذو القرنين في بعض مسيره فمر بقوم قبورهم على أبواب بيوتهم، وإذا ثيابهم لون واحد وإذا هم رجال كلهم ليس فيهم امرأة، فتوسم رجلاً منهم فقال له: لقد رأيت شيئاً ما رأيت في شيء من مسيري...

!

قال: وما هو؟

فوصف له ما رأى منهم.

قالوا: أما هذه القبور على أبوابنا، فإنا جعلناها موعظة لقلوبنا تخطر على قلب أحدنا الدنيا فيخرج فيرى القبور ويرجع إلى نفسه فيقول: إلى هذا المصير وإليها صار من كان قبلي.

وأما هذه الثياب، فإنه لا يكاد الرجل منا يلبس ثياباً أحسن من صاحبه إلا رأى له بذلك فضلاً على جليسه.

وأما قولك: رجال كلكم ليس معكم نساء، فلعمري لقد خلقنا من ذكر وأنثى، ولكن هذا القلب لا يشغل بشيء إلا شغل به، فجعلنا نساءنا وذريتنا في قرية قريبة وإذا أراد الرجل من أهله ما يريد الرجل، أتاها فكان معها الليلة والليلتين ثم يرجع إلى ما ههنا، لأنا خلونا هاهنا للعبادة.

فقال: ما كنت لأعظكم بشيء أفضل مما وعظتم به أنفسكم، سلني ما شئت.

قال: من أنت؟

قال أنا ذو القرنين.

قال: ما أسألك وأنت لا تملك لي شيئاً؟

قال: وكيف وقد آتاني الله من كل شيء سبباً؟

قال: أتقدر على أن تأتيني بما لم يقدر لي ولا تصرف عني ما قدر لي؟

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن وهب بن منبه رضي الله عنه قال: لما بلغ ذو القرنين مطلع الشمس قال له ملكها: يا ذا القرنين، صف لي الناس.

قال: إن محادثتك من لا يعقل بمنزلة من يضع الموائد لأهل القبور، ومحادثتك من يعقل بمنزلة من يبلّ الصخرة حتى تبتل، أو يطبخ الحديد يلتمس أدمه ونقل الحجارة من رؤوس الجبال، أيسر من محادثتك من لا يعقل.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ ﴾ الآية.

قد ذكرنا أن اليهود سألت النبي -  - عن الروح، وقصة أصحاب الكهف، وعن رجل طواف بلغ شرق الأرض وغربها؟

فكان من جوابه في الروح وقصة أصحاب الكهف ما تقدم (١) واختلفوا في ذي القرنين فقال مجاهد: (كان نبيا) (٢) (٣)  -: (كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فنصحه الله) (٤) وروى عقبة بن عامر (٥)  - قال: "إن أول أمره أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا" (٦) وروى خالد بن معدان (٧)  - سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين.

فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة) (٨) واختلفوا أيضًا في تسميته بذي القرنين فقال علي -  -: (دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه (٩) (١٠) قال أبو إسحاق: (ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها) (١١) (١٢) وقال محمد بن إسحاق عن وهب: (إنما سمي [ذا القرنين؛ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس) (١٣) (١٤) (١٥) وقوله تعالى: ﴿ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا ﴾ أي: خبرا يتضمن في ذكره.

(١) سبق توثيقه عند قوله سبحانه في سورة الكهف (9): ﴿ أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا ﴾ .

(٢) "معالم التنزيل" 5/ 197، "النكت والعيون" 3/ 337، "فتح القدير" 3/ 438، ذكروه بدون نسبة.

(٣) "بحر العلوم" 2/ 310، "زاد المسير" 5/ 184، "فتح القدير" 3/ 443.

(٤) "جامع البيان" 16/ 8، "معالم التنزيل" 5/ 197، "النكت والعيون" 3/ 337، "الدر المنثور" 4/ 435.

(٥) عقبة بن عامر بن عيسى بن عمرو بن عدي بن عمرو الجهني، أبو حماد، ويقال أبو عمرو، روى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه: أبو أمامة، وابن عباس، وقيس بن أبي حازم وغيرهم، ولي أمرة مصر من قبل معاوية -  - سنة 58 هـ، وكان من القراء، عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، يجيد الشعر والكتابة، شهد أحد، وتوفي في آخر خلافة معاوية رضي عنهما.

انظر: "أسد الغابة" 3/ 550، "الإصابة" 4/ 250، و"الجرح والتعديل" 6/ 313، "تهذيب التهذيب" 7/ 216.

(٦) أخرجه ابن جرير في "جامع البيان" 16/ 8 بسنده عن عقبة بن عام، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 388 وقال: وهو حديث واهي السند.

وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 112 قال: وفيه طول ونكاره ورفعه لا يصح وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه في كتابه دلائل النبوة وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني وهو ابن قيليس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، وأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل  أول ما بناه وآمن به واتبعه.

وأخرجه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 436 وعزاه لابن عبد الحكم في فتح مصر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر.

(٧) خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي، أبو عبد الله، الشامي، الحمصي، روى عن ثوبان وابن عمر وغيرهما من أصحاب النبي -  -، وروى عنه عدد من التابعين، توفي == رحمه الله سنة 104 هـ.

انظر: "تاريخ الثقات" ص 142، "الكاشف" 1/ 208، "تهذيب التهذيب" 2/ 118.

(٨) "معالم التنزيل" 3/ 198، "الكشاف" 2/ 400، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 46.

(٩) في (ص، س): (قرية)، وهو تصحيف.

(١٠) "جامع البيان" 16/ 8، "معالم التنزيل" 5/ 198، "المحرر الوجيز" 9/ 390، "النكت والعيون" 3/ 337، "الدر المنثور" 4/ 435.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.

(١٢) "معالم التنزيل" 5/ 198، "النكت والعيون" 3/ 337، "تهذيب اللغة" (قرن) 3/ 2947.

(١٣) "جامع البيان" 16/ 9، "المحرر الوجيز" 10/ 442، "زاد المسير" 5/ 183، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 112.

(١٤) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).

(١٥) "معالم التنزيل" 5/ 198، "المحرر الوجيز" 9/ 389، "النكت والعيون" 3/ 337، "زاد المسير" 5/ 184.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي القرنين ﴾ السائلون اليهود، أو قريش بإشارة اليهود، وذو القرنين هو الإسكندر الملك، وهو يوناني وقيل رومي وكان رجلاً صالحاً، وقيل كان نبياً، وقيل كان ملكاً بفتح اللام والصحيح أنه ملك بكسر اللام واختلف لم سمي ذو القرنين فقيل: كان له ضفيرتان من شعرهما قرناه، فسمي بذلك وقيل: لأنه بلغ المشرق والمغرب وكأنه حاز قرني الدنيا ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأرض ﴾ التمكين له أنه ملك الدنيا ودانت له الملوك كلهم ﴿ وآتيناه مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ أي علماً وفهما، يتوصل به إلى معرفة الأشياء والسبب ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو غير ذلك ﴿ فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ أي طريقاً يوصله ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ قرئ بالهمز على وزن فعلة أي ذات حمأة وقرئ بالياء على وزن فاعله وقد اختلف في ذلك معاوية وابن عباس فقال ابن عباس: حمئة وقال معاوية حامية فبعثا إلى كعب الأحبار ليخبرهما بالأمر فقال: أما العربية فأنتما أعلما بها مني، ولكني أجد في التوارة أنها تغرب في ماء وطين فوافق ذلك قراءة ابن عباس ومعنى ﴿ حَامِيَةٌ ﴾ [الغاشية: 4] حارة، ويحتمل أن يكون بمعنى حمية ولكن سهلت همزته ويتفق معنى القراءتين.

وقد قيل: يمكن أن يكون فيها حمئة ويكون حارة لحرارة الشمس فتكون جامعة للموضعين، ويجتمع معنى القراءتين ﴿ قُلْنَا ياذا القرنين ﴾ استدل بهذا من قال إن ذا القرنين نبي لأن هذا القول وحي ويحتمل أن يكون بإلهام فلا يكون فيه دليل على نبوته ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ كانوا كفاراً فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل، أو يدعوهم إلى الإسلام، فيحسن إليهم وقيل: الحسن هنا هو الأسر، وجعله حسناً بالنظر إلى القتل ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ اختار أن يدعوهم إلى الإسلام، فمن تمادى على الكفر قتله ومن أسلم أحسن إليه، والظلم هنا الكفر والعذاب القتل وأراد بقوله: عذاباً نكرا عذاب الآخرة ﴿ فَلَهُ جَزَآءً الحسنى ﴾ المراد بالحسنى الجنة أو الأعمال الحسنة ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ وعدهم بأن ييسر عليهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فأتبع ﴾ ﴿ ثم أتبع ﴾ مقطوعة: ابن عامر وعاصم وحمزة وعلي وخلف الباقون بالتشديد موصولة.

﴿ حامية ﴾ الألف من غيرهم: ابن عامر ويزيد وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص.

الباقون ﴿ حمئة ﴾ بالهمزة من غير ألف ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالنصب منوناً.

يعقوب وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الآخرون ﴿ جزاء الحسنى ﴾ بالرفع والإضافة.

﴿ السدين ﴾ بفتح السين: ابن كثير، أبو عمرو وحفص وأبو زيد عن المفضل.

الآخرون بضمها.

﴿ يفقهون ﴾ بضم الياء وكسر القاف: حمزة وعلي وخلف.

الباقون بفتحهما ﴿ يأجوج ومأجوج ﴾ حيث كان مهموزاً: عاصم غير الشموني ﴿ فهل نجعل ﴾ وبابه بإدغام اللام في النون: علي وهشام ﴿ خراجاً ﴾ بالألف: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد الباقون ﴿ خرجا ﴾ بسكون الراء.

﴿ سداً ﴾ بفتح السين: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وعلي وخلف وعاصم.

والباقون بضمها ﴿ مكننى ﴾ : ابن كثير: الباقون بإدغام النون في النون ﴿ ردماً ائتوني ﴾ يحيى وحماد والابتداء بكسر الألف ﴿ الصدفين ﴾ بضم الصاد والدال: ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو وسهل ويعقوب المفضل مخير، أبو بكر وحماد بضم الصاد وإسكان الدال.

الآخرون بفتح الصاد والدال.

﴿ قال ائتوني ﴾ والابتداء بكسر الألف: يحيى وحماد وحمزة ﴿ فما اسطاعوا ﴾ بالإدغام: حمزة غير حماد وخلاد، وقرأ أبو نشيط والشموني ﴿ فما اصطاعوا ﴾ بالصاد وهو الصحيح من نقل ابن مهران.

﴿ دكاء ﴾ بالمد: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير المفضل والخزاز عن هبيرة ﴿ أفحسب الذين ﴾ بسكون السين ورفع الباء: يزيد ويعقوب والأعشى في اختياره ﴿ دوني أولياء ﴾ بفتح ياء المتكلم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو ﴿ أن ينفد ﴾ بياء الغيبة: حمزة وعلي وخلف وابن مجاهد والنقاش عن ابن ذكوان.

الوقوف: ﴿ القرنين ﴾ ط ﴿ ذكراً ﴾ ه ط ﴿ سبباً ﴾ لا ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ قولاً ﴾ ه ط ﴿ حسناً ﴾ ه ﴿ نكراً ﴾ ه ﴿ الحسنى ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ يسراً ﴾ ه ط لأن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ سبباً ﴾ ه ﴿ ستراً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط أي كذلك القبيل الذين كانوا عند مغرب الشمس.

وقيل: يبتدأ بكذلك أي ذلك كذلك أو الأمر كذلك.

وقيل: أي أحطنا بما لديه من العدد والعدد كذلك أي كعلمنا بقوم سبق ذكرهم ﴿ خبراً ﴾ ه ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ ه ﴿ قوماً ﴾ لا ﴿ قولاً ﴾ ه ﴿ سدّاً ﴾ ه ﴿ ردماً ﴾ ه ﴿ الحديد ﴾ ط ﴿ انفخوا ﴾ ط ﴿ ناراً ﴾ لا لأن "قال" جواب "إذا" ﴿ قطراً ﴾ ه ط لأن ما بعده ابتداء إخبار ﴿ نقبا ﴾ ه ﴿ من ربي ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ دكاء ﴾ ج لذلك ﴿ حقاً ﴾ ه ط لانقطاع القصة ﴿ جمعاً ﴾ ه لا للعطف ﴿ عرضاً ﴾ ه لا ﴿ سمعاً ﴾ ه ﴿ أوليا ﴾ ط ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ أعمالاً ﴾ ه ط للفصل بين الاستخبار والإخبار لأن التقدير هم الذين، ويجوز أن يكون نصباً على الذم أو جراً على البدل ﴿ صنعاً ﴾ ه ﴿ وزناً ﴾ ه ﴿ هزواً ﴾ ه ﴿ نزلاً ﴾ ه ﴿ حولاً ﴾ ه ﴿ مدداً ﴾ ه ﴿ واحد ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ أحداً ﴾ ه.

التفسير: ولما أجاب عن سؤالين من أسئلة اليهود وانتهى الكلام إلى حيث انتهى، شرع في السؤال الثالث والجواب عنه.

وأصح الأقوال أن ذا القرنين هو الإسكندر بن فيلقوس الرومي الذي ملك الدنيا بأسرها، إذ لو كان غيره لانتشر خبره ولم يخف مكانه عادة.

يحكى أنه لما مات أبوه جمع ملك الروم بعد أن كان طوائف، ثم قصد ملوك المغرب وقهرهم وأمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ثم عاد إلى مصر فبنى الإسكندرية وسماها باسم نفسه، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيل وورد بيت المقدس وذبح في مذبحه ثم عطف إلى أرمينية وباب الأبواب ودانت له العبرانيون والقبط والبربر، ثم توجه نحو دارا ابن دارا وهزمه إلى أن قتله فاستولى على ممالك الفرس، ثم قصد الهند والصين وغزا الأمم البعيدة ورجع إلى خراسان وبنى المدن الكثيرة، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزور ومات بها.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: لما ثبت بالقرآن أن ذا القرنين كان رجلاً ملك الأرض بالكلية أو ما يقرب منها، وثبت من علم التاريخ أن من هذا شأنه ما كان إلا الإسكندر وجب القطع بأن ذا القرنين هو الإسكندر.

قال: وفيه إشكال لأنه كان تلميذاً لأرسطا طاليس وكان على مذهبه.

فتعظيم الله إياه يوجب الحكم بأن مذهب أرسطو حق وصدق ذلك وذلك مما لا سبيل إليه.

قلت: ليس كل ما ذهب إليه الفلاسفة باطلاً فلعله أخذ منهم ما صفا وترك ما كدر.

والسبب في تسميته بذي القرنين أنه بلغ قرني الشمس أي مطلعهما ومغربها.

وروي عن النبي  أنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقها وغربها.

وقيل: كان له قرنان ضفيرتان.

وقيل: انقرض في وقته قرنان من الناس.

وقيل: كان لتاجه قرنان.

وعن وهب أنه سمي بذلك لأنه ملك الروم وفارس.

ويروى الروم والترك.

وعنه كانت صفحتا رأسه من نحاس.

وقيل: كان على رأسه ما يشبه القرنين.

وقيل: لشجاعته كما سمى الشجاع كبشاً كأنه ينطح أقرانه.

وقيل: رأى في المنام كأنه صعد الفلك وتعلق بطرفي الشمس أي بقرنيها.

وزعم الفرس أن دارا الأكبر تزوّج بابنة فيلقوس، فلما قرب منها وجد رائحة منكرة فردها إلى أبيها وكانت قد حملت بالإسكندر فولدت الإسكندر وبقي عند فيلقوس وأظهر أنه ابنه وهو في الحقيقة دارا الأكبر.

وقال أبو الريحان: إنه من ملوك حمير والدليل عليه أن الأذواء كانوا من اليمن كذي يزن وغيره.

ويروى أنه ملك الدنيا بأسرها أربعة: ذو القرنين وسليمان - وهما مؤمنان - ونمرود وبختنصر - وهما كافران - واختلفوا فيه فقيل: كان عبداً صالحاً ملكه الأرض وأعطاه العلم والحكمة وألبسه الهيبة وسخر له النور والظلمة، فإذا سرى يهديه النور من أمامه وتحوطه الظلمة من ورائه.

وعن علي  : سخر له السحاب ومدت له الأسباب وبسط له النور وأحب الله وأحبه.

وسأله ابن الكواء وكان من أصحابه ما ذو القرنين أملك أم نبي؟

فقال: ليس بملك ولا نبي ولكن كان عبداً صالحاً ضرب على قرنه الأيمن في طاعة الله أي في جهاده فمات، ثم بعثه الله فضرب على قرنه الأيسر فمات فبعثه الله فسمي ذا القرنين وفيكم مثله يعني نفسه.

قالوا: وكان ذو القرنين يدعو الناس إلى التوحيد فيقتلونه فيحييه الله.

وقيل: كان نبياً لقوله  : ﴿ إنا مكنا له في الأرض ﴾ والتمكين المعتد به هو النبوة، ولقوله ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ وظاهره العموم فيكون قد نال أسباب النبوّة، ولقوله: ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ وتكليم الله بلا واسطة لا يصلح إلا للنبي.

وقيل: كان ملكاً من الملائكة عن عمر أنه سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين: فقال: اللَّهم غفراً أما رضيتم أن تسموا بأسماء الأنبياء حتى تسميتم بأسماء الملائكة.

قوله: ﴿ سأتلوا عليكم ﴾ أي سأفعل هذا إن وفقني الله  وأنزل فيه وحياً.

والخطاب في ﴿ عليكم ﴾ للسائلين وهم اليهود أو قريش كأبي جهل وأضرابه ﴿ وآتيناه من كل شيء سبباً ﴾ طريقاً موصلاً إليه.

والسبب في اللغة هو الحبل والمراد ههنا كل ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة، وذلك أنه أراد بلوغ المغرب فأتبع سبباً وصله إليه، وكذلك أراد المشرق فاتبع سبباً موصلاً إليه، وأراد بلوغ السدين فأتبع سبباً أدى إليه.

ثم إنه  شرع في نعت مسيره إلى المغرب قائلاً ﴿ فأتبع سبباً ﴾ أي سلك طريقاً أفضى به إلى سفر المغرب، ومن قرأ بقطع الهمزة فمعناه اتبع نفسه سبباً ﴿ حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حامية ﴾ أي حارة، ومن قرأ بحذف الألف مهموزاً فمعناه ذات حمأة أي طين أسود، ولا تنافي بين القراءتين: فمن الجائز أن تكون العين جامعة للوصفين.

"عن أبي ذر قال: كنت رديف رسول الله  على جمل فرأى الشمس حين غابت فقال: أتدري يا أبا ذر من أين تغرب هذه؟

قلت: الله ورسوله أعلم: قال: فإنها تغرب في عين حامية" .

فقال حكماء الإسلام: قد ثبت بالدلائل اليقينية أن الأرض كروية في وسط العالم، وأن السماء محيطة بها من جميع الجوانب، وأن الشمس في فلكها تدور بدوران الفلك.

وأيضاً قد وضح أن جرم الشمس أكبر من جرم الأرض بمائة وست وستين مرة تقريباً، فكيف يعقل دخولها في عين من عيون الأرض؟

فتأويل الآية أن الشمس تشاهد هناك أعني في طرف العمارة كأنها تغيب وراء البحر الغربي في الماء كما أن راكب البحر يرى الشمس تغيب في الماء لأنه لا يرى الساحل ولهذا قال: ﴿ وجدها تغرب ﴾ ولم يخبر أنها تغرب في عين، ولا شك أن البحار الغربية قوية السخونة فهي حامية، وأيضاً حمئة لكثرة ما في البحار من الطين الأسود.

أما قوله ﴿ ووجد عندها قوماً ﴾ فالضمير إما للشمس وإما للعين، وذلك أن الإنسان لما تخيل أن الشمس تغرب هناك كان سكان ذلك الموضع كأنهم سكنوا بالقرب من الشمس.

قال ابن جريج: هناك مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها سمع الناس وجوب الشمس حين تجب، كانوا كفرة بالله فخيره الله بين أن يعذبهم بالقتل وأن يتخذ فيهم حسناً وهو تركهم أحياء فاختار الدعوة والاجتهاد فقال ﴿ أما من ظلم ﴾ بالإصرار على الشرك ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بالقتل في الدنيا ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ في الآخرة ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ منكراً فظيعاً.

روى صاحب الكشاف عن قتادة أنه كان يطبخ من كفر في القدور وهو العذاب النكر، ومن آمن أعطاه وكساه وفيه نظر، لأن العذاب النكر بعد أن يرد إلى ربه لا يمكن أن يكون من فعل ذي القرنين.ومن قرأ ﴿ جزاء ﴾ بالنصب أراد فله الفعلة ﴿ الحسنى ﴾ جزاء، ومن قرأ بالرفع أراد فله جزاء الفعلة الحسنى التي هي كل الشهادة، أو فله أن يجازى المثوبة الحسنى ﴿ وسنقول له من أمرنا ﴾ أي مما نأمر به الناس من الزكاة والخراج وغير ذلك ﴿ يسراً ﴾ أي قولاً ذا يسر ليس بالصعب الشاق.

ثم حكى سفره إلى أقصى الشرق قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً ﴾ أي هيأ أسباباً بسفر المشرق ﴿ حتى إذا بلغ مطلع الشمس ﴾ أي مكان طلوعها ﴿ وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها ستراً ﴾ عن كعب أن الستر هو الأبنية وذلك أن أرضهم لا تمسكها فليس هناك شجر ولا جبل ولا أبنية تمنع شعاع الشمس وتدفع حره عنهم، فإذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب لهم، وإذا غربت اشتغلوا بتحصيل المعاش، فحالهم بالضد من أحوال سائر الخلق.

وعن مجاهد أن الستر الثياب وأنهم عراة كالزنج، وحال كل من سكن في البلاد القريبة من خط الاستواء كذلك.

حكى صاحب الكشاف عن بعضهم أنه قال: خرجت حتى جاوزت الصين فسألت عن هؤلاء فقيل: بينك وبينهم مسيرة يوم وليلة.

فبلغتهم فإذا أجدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى.

وحين قرب طلوع الشمس سمعت كهيئة الصلصة فغشى عليّ ثم أفقت، فلما طلعت الشمس إذ هي فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرباً لهم.

فلما ارتفع النهار خرجوا إلى البحر فجعلوا يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضج لهم.

وللمفسرين في متعلق قوله: ﴿ كذلك ﴾ وجوه أحدها: كذلك أمر ذي القرنين اتبع هذه الأسباب حتى بلغ ما بلغ، وقد علمنا حين ملكناه ما عنده من الصلاحية لذلك الملك والاستقلال به.

الثاني: لم نجعل لهم ستراً مثل ذلك الستر الذي جعلنا لكم من الأبنية أو الثياب.

الثالث: بلغ مطلع الشمس مثل الذي بلغ من مغربها.

الرابع: تطلع على قوم مثل ذلك القبيل الذي تغرب عليهم فقضى في هؤلاء كما قضى في أولئك من تعذيب الظالمين والإحسان إلى المؤمنين، وقد سبق بعض هذه الوجوه في الوقوف.

ثم حكى سفره إلى ناحية القطب الشمالي بعد تهيئة أسبابه قائلاً ﴿ ثم أتبع سبباً حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ قيل: السد إذا كان بخلق الله فهو بضم السين حتى يكون بمعنى "مفعول" أي هو مما فعله الله وخلقه، وإذا كان ممن عمل العباد فهو بالفتح حتى يكون حدثاً قاله أبو عبيدة وابن الأنباري.

وانتصب ﴿ بين ﴾ على أنه مفعول به كما ارتفع بالفاعلية في قوله: ﴿ لقد تقطع بينكم  ﴾ قال الإمام فخر الدين الرازي: الأظهر أن موضع السدين في ناحية الشمال.

فقيل جبلان بين أرمينية وأذربيجان، وقيل في منقطع أرض الترك.

وحكى محمد بن جرير الطبري في تاريخه أن صاحب أذربيجان أيام فتحها وجه إنساناً من ناحية الخزر، فشاهده ووصف أنه بنيان رفيع وراء خندق وثيق منيع.

وقيل: إن الواثق رأى في المنام كأنه فتح هذا الردم فبعث بعض الخدم إليه ليعاينوه فخرجوا من باب الأبواب حتى وصلوا إليه وشاهدوه ووصفوا أنه بناء من لبن من حديد مشددة بالنحاس المذاب وعليه باب مقفل، ثم إن ذلك الإنسان لما حاول الرجوع أخرجهم الدليل إلى البقاع المحاذية لسمرقند، قال أبو الريحان البيرني: ومقتضى هذا الخبر أن هذا الموضع في الربع الغربي الشمالي من المعمورة والله أعلم بحقيقة الحال، ولما بلغالإسكندر ما بين الجبلين اللذين سد ما بينهما ﴿ وجد من دونهما ﴾ أي من ورائهما متجاوزاً عنهما قريباً ﴿ قوماً لا يكادون يفقهون ﴾ بأنفسهم أو يفقهون غيرهم قولهم لأنهم لا يعرفون غير لغة أنفسهم.

سؤال: كيف فهم منهم ذو القرنين أن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض الخ؟

وأجيب بأن "كاد" إثبات أو لعله فهم ما في ضميرهم بالقرائن والإشارات، أو بوحي وإلهام.

وهما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف.

وقيل: مشتقان من أج الظليم في مشيه إذا هرول، وتأجج النار إذا تلهبت ومن أجج الريق أو موج البحر، سمو بذلك لشدتهم وسرعة حركتهم، وهما من ولد يافث.

وقيل: يأجوج من الترك، ومأجوج من الجيل والديلم.

ومن الناس من وصفهم بصغر الجثة وقصر القامة حتى الشبر، ومنهم من وصفهم بطول القامة وكبر الجثة وأثبت لهم مخالب وأضراساً كأضراس السباع.

أما إفسادهم في الأرض فقيل: كانوا يقتلون الناس.

وقيل: يأكلون لحومهم.

وقيل: يخرجون أيام الربيع فلا يتركون أخضر إلا أكلوه ولا يابساً إلا احتملوه ﴿ فهل نجعل لك خرجاً ﴾ وخراجاً أي جعلاً نخرجه من أموالنا ونظيرهما النول والنوال.

وقيل: الخرج ما يخرجه كل أحد من ماله، والخراج ما يجبيه السلطان من البلد كل سنة.

وقال قطرب: الخرج الجزية والخراج في الأرض ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ ما ملكني فيه ربي ﴾ أي جعلني فيه مكيناً ذا مكانة من المال واليسار ﴿ خير ﴾ مما تبذلون لي من الخراج نظيره قول سليمان ﴿ فما آتاني الله خير مما آتاكم  ﴾ ﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بآلات ورجال وصناع.

وقيل: بمال أصرفه في هذا المهم ولا آخذه لنفسي والردم أكبر من السد من قولهم "ثوب مردم رقاع فوق رقاع" وزبر الحديد قطعه.

قال الخليل: الزبرة من الحديد القطعة الضخمة.

من قرأ ﴿ آتوني ﴾ بالمد فظاهر، ومن قرأ ﴿ ائتوني ﴾ من الإتيان فعلى حذف باء التعدية والنصب بنزع الخافض.

ثم ههنا إضمار أي فأتوه بها فوضع بعضها فوق بعض.

﴿ حتى إذ ساوى بين الصدفين ﴾ وهما على القراآت جانبا الجبلين لأنهما يتصادفان أي يتقابلان ﴿ أفرغ عليه قطراً ﴾ أصب عليه النحاس المذاب ﴿ وقطراً ﴾ منصوب بأفرغ والتقدير: آتوني قطراً أفرغ عليه قطراً فحذف الأوّل لدلالة الثاني عليه.

وهذا محمل ما يستدل به البصريون في أن المختار عند تنازع الفعلين هو إعمال الثاني إذ لو عمل الأول لقال أفرغه عليه.

يحكى أنه حفر الأساس حتى بلغ الماء وجعل الأساس من الصخر والنحاس المذاب والبنيان من زبر الحديد بينهما الحطب والفحم حتى سد ما بين الجبلين إلى أعلاهما، ثم وضع المنافيخ حتى إذا صارت كالنارصب النحاس المذاب على الحديد المحمى فاختلط والتصق بعضه ببعض وصار جبلاً صلداً.

وقيل: بعد ما بين السدين مائة فرسخ.

وعن رسول الله  أن رجلاً أخبره به فقال: كيف رأيته؟

قال: كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء.

قال: قد والله رأيته.

قال العلماء: هذا معجز من ذي القرنين صرف تأثير تلك الزبر الكثيرة إذا صارت كالنار لم يقدر الآدمي على القرب منه، وكأنه  صرف تأثير تلك الحرارة العظيمة عن أبدان أولئك النافخين.

﴿ فما اسطاعوا أن يظهروه ﴾ أي يعلوه لارتفاعه وملاسته ﴿ وما استطاعوا له نقباً ﴾ لصلابته وثخانته لما تكرر لفظ الاستطاعة مراراً، حذف منها التاء تخفيفاً في الموضعين وأعاد ذكرها بالآخرة تنبيهاً على الأصل ورجوعاً إلى البداية.

ثم ﴿ قال ﴾ ذو القرنين ﴿ هذا ﴾ السد أو هذا الإقرار والتمكين نعمة من الله عز وجل ورحمة على عباده ﴿ فإذا جاء ﴾ أي دنا مجيء القيامة ﴿ جعله دكاً ﴾ مدكوكاً مبسوطاً مستوي بالأرض وكل ما انبسط بعد ارتفاع فقد اندك.

ومن قرأ ﴿ دكاء ﴾ بالمد فعلى الوصف أي جعله أرضاً مستوية ﴿ وكان وعد ربي حقاً ﴾ وهذا آخر حكاية ذي القرنين.

ثم شرع  في بقية أخبارهم فقال ﴿ وتركنا بعضهم يومئذ يموجون ﴾ أي حين يخرجون مما وراء السد مزدحمين في البلاد.

ويروى أنهم يأتون البحر فيشربون ماءه ويأكلون دوابه ثم يأكلون الشجر ومن ظفروا به ممن لم يتحصن منهم من الناس ولا يقدرون أن يأتوا مكة ولا المدينة وبيت المقدس.

ثم يبعث الله نغفاً وهو دود يكون في أنوف الإبل والغنم فيدخل آذانهم فيموتون.

وقيل: أراد أن قوم السد لما منعوا من الخروج ماج بعضهم في بعض خلفه.

وقيل: الضمير للخلق واليوم يوم القيامة أي وجعلنا الخلق يضطربون ويختلط إنسهم وجنهم حيارى.

ونفخ الصور من آيات القيامة وسيجيء وصفه.

ومعنى عرض جهنم إبرازها وكشفها للذين عموا عنها في الدنيا، وفي ذلك نوع من العقاب للكفار لما يتداخلهم من الغم والفزع ﴿ عن ذكري ﴾ أي عن آياتي التي ينظر إليها فأذكر بالتعظيم فأطلق المسبب على السبب أو عن القرآن وتأمل معانيه.

وصفهم بالعمى عن الدلائل والآثار فأراد أن يصفهم بالصمم عن استماع الحق فقال ﴿ وكانوا لا يستطيعون سمعاً ﴾ وهو أبلغ من أن لو قال "وكانوا صماً" لأن الأصم قد يستطيع السمع إذا صيح به، وهؤلاء زالت عنهم الاستطاعة بالكلية.

احتجت الأشاعرة بالآية على أن الاستطاعة مع الفعل لأنهم لما لم يسمعوا لم يستطيعوا.

وأجيب بأن المراد من نفي الاستطاعة النفرة والاستثقال.

ثم أنفذ في التوبيخ والوعيد قائلاً ﴿ أفحسب الذين كفروا ﴾ والمراد أفظنوا أنهم ينتفعون بما عبدوه مع إعراضهم عن تدبر آيات الله وتمردهم عن قبول أمره وأمر رسوله؟

وفيه إضمار تقديره أفحسبوا اتخاذ عبادي أولياء نافعاً.

والعباد إما عيسى والملائكة، وإما الشياطين الذين يطيعونهم، وإما الأصنام أقوال.

ومن قرأ بسكون السين فمعناه أفكافيهم ومحسبهم أن يتخذوهم أولياء على الابتداء والخبر، أو على أنه مثل "أقائم الزيدان" يريد أن ذلك لا يكفيهم ولا ينفعهم عند الله كما حسبوا.

قال الزجاج: النزل المأوى والمنزل.

وقيل: إنه الذي يعدّ للضيف فيكون تهكماً به نحو ﴿ فبشرهم بعذاب  ﴾ أما الذين ضل سعيهم أي ضاع وبطل فعن علي  أنهم الرهبان كقوله: ﴿ عاملة ناصبة  ﴾ وروي عنه  أن منهم أهل حروراء.

وعن مجاهد: أهل الكتاب.

والتحقيق أنه يندرج فيه كل ما يأتي بعمل خير لا يبتني على إيمان وإخلاص.

وعن أبي سعيد الخدري: يأتي الناس بأعمال يوم القيامة هي عندهم في العظم كجبال تهامة، فإذا وزنوها لم تزن شيئاً وذلك قوله: ﴿ فلا تقيم لهم يوم القيامة وزناً ﴾ قال القاضي: إن من غلبت معاصية طاعاته صار ما فعله من الطاعة كأن لم يكن فلا يدخل في الوزن شيء من طاعاته، وهذا مبني على الإحباط والتكفير.

وفي قوله: ﴿ فحبطت أعمالهم ﴾ إشارة إلى ذلك، أو المراد فنزدري بهم ولا يكون له عندنا وزن ومقدار.

وقيل: لا يقام لهم ميزان لأن الميزان إنما يوضع لأهل الحسنات والسيئات من الموحدين ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكرناه من أنواع الوعيد ﴿ جزاؤهم ﴾ وقوله ﴿ جهنم ﴾ عطف للجزاء.

والسبب فيه أنهم ضموا إلى الكفر بالله اتخاذ آيات الله واتخاذ كل رسله هزؤاً وتكذيباً، ويجوز أن يكون كل من الأمرين سبباً مستقلاً للتعذيب، ثم أردف الوعيد بالوعد على عادته.

عن قتادة: الفردوس أوسط الجنة وأفضلها.

وعن كعب: ليس في الجنان أعلى من جنة الفردوس وفيها الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر.

وعن مجاهد: الفردوس هو البستان بالرومية.

وعن النبي  : " الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين مسيرة مائة عام والفردوس أعلاها درجة، وفيها الأنهار الأربعة فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإن فوقها عرش الرحمن ومنه تفجر أنهار الجنة" قال أهل السنة: جعل جنات الفردوس نزلاً فالإكرام التام يكون وراء ذلك وليس إلا الرؤية ونظيره أنه جعل جهنم بأسرها نزلاً فما وراءها هو العذاب الحقيقي وهو عذاب الحجاب ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون  ﴾ والحول والتحول وفيه أنه لا مزيد على نعيم الفردوس حتى تنازعهم أنفسهم إلى تلك الزيادة، ويجوز أن يراد به تأكيد الخلود أي لا تحوّل فيطلب كقوله: ولا ترى الضب بها ينجحر *** ولما ذكر أنواع الدلائل والبينات وشرح أقاصيص سئل عنها.

نبه على كمال حال القرآن.

والمداد اسم لما يمد به الشيء كالحبر والزيت للدواة والسراج، والمعنى لو كتبت كلمات علم الله وحكمه وفرض أن جنس البحر مداد لهما لنفد البحر قبل نفاد الكلمات ولو جئنا بمثل البحر مدداً لنفد أيضاً وهو تمييز من مثله كقولك "على التمرة مثلها زبداً".

والمدد والمداد واحد.

يروى أن حيي بن أخطب قال: في كتابكم ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً  ﴾ ثم تقرأون ﴿ وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً  ﴾ فنزلت هذه الآية.

يعنى أن ذلك خير كثيرة ولكنه قطرة من بحر كلمات الله.

قالت الأشاعرة: إن كلام الله  واحد.

واعترض عليهم بهذه الآية فإنها صريحة في إثبات كلمات كثيرة لله  .

وأجيب بأن المراد من الكلمات متعلقات علم الله  .

وزعم الجبائي أن قوله: ﴿ قبل أن تنفد كلمات ربي ﴾ يدل على أن كلمات الله قد تنفد بالجملة وما ثبت عدمه امتنع قدمه.

وأجيب بأن المراد الألفاظ الدالة على تعلقات تلك الصفة الأزلية.

قلت: الإنصاف أن نفاد شيء قبل نفاد شيء آخر لا يدل على نفاد الشيء الآخر ولا على عدم نفاده، فلا يستفاد من الآية إلا كثرة كلمات الله بحيث لا يضبطها عقول البشر.

أما أنها متناهية أو غير متناهية فلا دليل في الآية على أحد النقيضين، ولكن الحق في نفس الأمر أن كلمات الله لا تتناهى لأنها تابعة لمعلوماته وهي غير متناهية بالبرهان، ثم أمر نبيه  أن يسلك سبيل التواضع وهو أن حاله مقصور على البشرية لا يتخطاها إلى الملكية إلا أنه امتاز بنعت الإيحاء إليه وكفى به بوناً ومباينة.

ثم بين أن الموحى هو ﴿ إنما إلهكم إله واحد ﴾ .

وفي تخصيص هذا الوحي بالذكر فائدة هي أن يستدل به على صدقه، فإن من علامات صدق مدعي النبوة أن يدعو إلى التوحيد، ثم أن يدعو إلى العمل الصالح المقترن بالإخلاص وذلك قوله: ﴿ فمن كان يرجو ﴾ أي يأمل حسن لقائه أو يخاف سوء لقائه.

واللقاء بمعنى الرؤية عند الأشاعرة وبمعنى لقاء الثواب أو العقاب عند المعتزلة ﴿ فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً ﴾ قال المفسرون: النهي عن الإشراك بالعبادة هو أن لا يرائي بعمله ولا يبتغي به إلا وجه ربه.

"يروى أن جندب بن زهير قال لرسول الله  : إني أعمل العمل لله فإذا اطلع عليه سرني فقال: إن الله لا يقبل ما شورك فيه" .

وروي أنه قال: لك أجران أجر السر وأجر العلانية.

قال العلماء: الرواية الأولى محمولة على ما إذا قصد بعمله الرياء والسمعة.

والرواية الثانية محمولة على ما إذا قصد أن يقتدي به.

قال في الكشاف: عن رسول الله  : "من قرأ سورة الكهف من آخرها كانت له نوراً من قرنه إلى قدمه.

ومن قرأها كلها كانت له نوراً من الأرض إلى السماء" وعنه  : "من قرأ عند مضجعه ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم ﴾ كان له من مضجعه نوراً يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يقوم وإن كان مضجعه بمكة كان له نوراً يتلألأ من مضجعه إلى البيت المعمور حشو ذلك النور ملائكة يصلون عليه حتى يستيقظ" التأويل: لما بين للإنسان كمالاً مكنوناً وكنزاً مدفوناً يمكن له تحصيله بالتربية والإرشاد، أراد أن يبين أن الإنسان الكامل إنما هو مستحق الخلافة في الأرض وهو ذو القرنين الذي ملك الجانبين أعني جانب عالم الأرواح وجانب عالم الأشباح، لأنه أوتي التمكين في الأرض وأتى أسباب كل شيء في عالم الوسائط والأسباب، فبذلك يصير كاملاً في نفسه مكملاً لغيره.

﴿ فأتبع سبباً ﴾ من أسباب الوصول إلى عالم السفلي وهو مغرب شمس الروحي الإنساني ﴿ فوجدها تغرب في عين حمئة ﴾ هي عالم القوى والطبائع والأجساد ﴿ ووجدنا عندها قوماً ﴾ هم القوى البدنية والنفوس الأرضية ﴿ قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب ﴾ بالقتل بسكين الرياضة وسيف المجاهدة ﴿ وإما أن تتخذ فيهم حسناً ﴾ هو الرفق والمداراة ﴿ قال أما من ظلم ﴾ بوضع خاصيته واستعمالها في غير موضعها ﴿ فسوف نعذبه ﴾ بقهره على خلاف ما هو مراده وهواه ﴿ ثم يرد إلى ربه ﴾ وهو الشيخ الكامل الذي يربيه ﴿ فيعذبه عذاباً نكراً ﴾ هو المنع عن مشتهياته، أو يرد إلى الله  فيعذبه بعذاب البعد والقطيعة.

﴿ وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى ﴾ هو مقام الوصول والوصال ﴿ وسنقول له من أمرنا يسراً ﴾ هو التخفيف والاستراحة بعد الفناء والمجاهدة ﴿ ثم أتبع ﴾ أسباب الوصول إلى عالم الأرواح وهو مطلع شمس النفس الناطقة الإنسانية ﴿ فوجدها تطلع على قوم ﴾ مجردين عن العلائق الجسمانية والعوائق الساترة الجسدانية ﴿ حتى إذا بلغ بين السدين ﴾ وهو عالم التعيش والتمدن والجولان في جو أسباب قوام البدن وقيامه على وجه الجسمانية إلى صلاح المعاد ونظامه ﴿ وجد من دونهما قوماً لا يكادون يفقهون قولاً ﴾ وهم العوام الذين قصارى أمرهم الجهل البسيط ﴿ إن يأجوج ومأجوج ﴾ القوى والطبائع البشرية ﴿ مفسدون في الأرض ﴾ البشرية باستعمال خواصها في غير ما خلقت هي لأجلها ﴿ فهل نجعل لك مخرجاً ﴾ هو ترك الوجود وبذلك الموجود.

﴿ فأعينوني بقوة ﴾ بهمة صارفة وعزيمة صادقة ﴿ آتوني زبر الحديد ﴾ ملكات راسخة وهيئات ثابتة أو قلوباً هن كالحديد في المضاء، وكالجبال الراسيات في البقاء ﴿ حتى إذا ساوى ﴾ عرض ما بين طرفي العمر كما قيل من المهد إلى اللحد ﴿ قال انفخوا ﴾ بالمداومة على الأذكار والأوراد ﴿ حتى إذا جعله ناراً ﴾ بتأثير حرارة الطاعة والذكر في حديد القلب ﴿ قال آتوني أفرغ عليه قطراً ﴾ هو جوهر المحبة وكيمياء الإخلاص النافذ في سويدات القلوب بحيث لا ينفذ فيه كيد الشيطان ولا يعلوه ما سوى الرحمن الله حسبي.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِي ٱلْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ .

في الآية دلالة أن الآية نزلت على رسول الله  قبل أن يسأل هو عن خبر ذي القرنين؛ لأنه قال ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ ﴾ ، ولم يقل: "سألوك"، والخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني يدل على ذلك، أيضاً؛ لأنه روى "أن نفراً من أهل الكتاب جاءوا بالصحف والكتب، فقالوا لي: استأذن لنا على رسول الله: لندخلن عليه؛ فانصرفت إليه فأخبرته بمكانهم؛ فقال رسول الله  : مَالِي وَلَهُمْ يَسْأَلُونَ عما لا أعلمُ، إنما أنا عبدٌ لا علم لي إلا ما علّمني ربّي، ثم قال: أَبغني وضوءً أتوضأ به، فتوضأ، ثم قام إلى مسجد في بيته، فركع فيه ركعتين، فما انصرف حتى بدا لي السّرور في وجهه، ثم قال لي: اذهب فأدخلهم ومن وجدت بالباب من أصحابي، فأدخلهم فلما رآهم النبي قال لهم: إن شئتم أخبرتكم كما تجدونه في كتابكم" ؛ فهذا إن ثبت يدل أنه نزل عليه نبأ ذي القرنين وخبره قبل أن يسأل.

وأما أهل التأويل قالوا جميعاً: إنه سئل قبل أن ينزل عليه خبره، ثم نزل من بعد السؤال، والله أعلم.

ثم اختلف فيه: قال الحسن: كان نبيّاً، دليله: ما قال: ﴿ قُلْنَا يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ؛ قال: هذا تحكيم من الله إياه فيما ذكر، ولا يولي الحكم إلا من كان نبيّاً.

وأما علي بن أبي طالب فإنه سئل عن ذلك: كان نبيا أو ملكاً؟

فقال: لا واحد منهما.

وقال غير هؤلاء: إنه كان ملكا؛ يدل على ذلك الخبر الذي روى عقبة بن عامر الجهني: "أن رسول الله  سئل عن خبره وبنائه، قال: فقال رسول الله: كان غلاماً من الروم أعطي ملكا فسار حتى بلغ كذا..." ، على ما ذكر في الخبر، والأشبه أن يكون أنه كان ملكا؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: ملكنا له الأرض له جملة، ذكر تمكين الأرض له جملة يصنع فيها ما يشاء، لم يخص له ناحية منها دون ناحية، وليس كقوله: ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً...

﴾ الآية [القصص: 57]، وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ مَكَّنَاهُمْ فِيمَآ إِن مَّكَّنَّاكُمْ فِيهِ  ﴾ : هاهنا خص مكانا لهم دون مكان، وأما في ذي القرنين ذكر التمكين له في الأرض، لم يخص ناحية منها دون ناحية؛ فهو أن ملكه ومكنه الأرض كلها.

وقول الحسن: إنه حكمه وولى له الحكم - فهذا لا يدل أنه كان نبيّاً؛ لأن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو في ذلك الزمان؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿ ٱبْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ : أن الملوك هم الذين كانوا يتولون الجهاد والغزو والقتال في ذلك مع العدو فعلى ذلك هنا.

وقوله: ﴿ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ﴾ ، وأما من آمن كذا: يحتمل هذا منه إلهام من الله -  - أو تعليم الملك الذي كان فيه، أو كان معه نبي فأخبر له بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ﴾ .

اختلف في ذلك: قال بعضهم: علم المنازل: أي: منازل الأرض ومعالمها وآثارها.

وقال [بعضهم]: العلم والقوة.

وقال بعضهم: أعطاه السبب الذي به صلاح ما مكن له، وملك له مما يقع له الحاجة إليه.

وقال بعضهم: ذلك السَّبب كان أنعاماً: كان عليها يحمل الخشب، فيتخذ منه سفينة إن استقبله بحر، فيعبر بها، ثم ينقضها ويحمل الخشب على الأنعام ويعبر البر على الدواب، فذلك السبب الذي ذكر.

وأصله: أنه ذكر أنه أتاه السبب الذي به صلاح ما مكن له وملك عليه، ولم يبيّن ما ذلك السبب؛ فلا ندري ما أراد بذلك؟

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ .

كأنه أراد وطلب أن يعرف أنها أين تغرب؟

حيث قال: ﴿ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ ﴾ ، وفيه لغتان: ﴿ حَامِيَةً ﴾ و ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ ، قالوا من قرأها: ﴿ حَامِيَةً ﴾ أراد: في عين حارة، ومن قرأ ﴿ حَمِئَةٍ ﴾ - مهموزة بغير ألف - أراد الحمأة: وهي الطينة السوداء، والله أعلم بذلك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً ﴾ .

قال بعضهم: كانوا كفارا ومؤمنين الفريقان جميعاً، فقال في الكفار: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ ، وهو القتل، [و] قال في المؤمنين: ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : ليس على التخيير؛ ولكن على الحكم في كل فريق على حدة.

وقال بعضهم: كانوا كلهم كفارا؛ فيكون تأويل قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ ﴾ : إذا لم يجيبوك، ﴿ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ : إذا أجابوك وآمنوا بالله.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَاباً نُّكْراً * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً ٱلْحُسْنَىٰ ﴾ .

هذا أنه حكم بذلك بتعليم نبي أو ملك كان معه، أو حكم بذلك؛ لما كان عرف أن سنة الله في الكفار القتل والإهلاك، وفي المؤمنين الترك والإحسان، أو ألهم إلهاماً بذلك، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً ﴾ .

قال الحسن: ﴿ يُسْراً ﴾ ، أي: عارفاً.

وقال بعضهم: ﴿ يُسْراً ﴾ : معروفاً.

وقال بعضهم: (اليسر): هو اسم كل خير وبركة، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ ، أي: بلاغا لحاجته.

وقال غيره ما ذكرنا من السبب الذي به ملك طريق المغرب والمشرق وبه بلغ ما بلغ، والله أعلم.

ثم اختلفوا فيم سمي ذا القرنين: قال بعضهم: سميّ ذا القرنين؛ لأنه دعا قومه إلى توحيد الله والإيمان به؛ فضربوه على قرنه الأيمن، ثم غاب ما شاء الله، وفي بعض الأخبار مات، ثم حضر فدعاهم ثانياً فضربوه على قرنه الأيسر؛ فبقي عليه لذلك أثر؛ فسمي لذلك ذا القرنين، لا أن كان له قرن كقرن الثور.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه كان له ذؤابتان، أعني: ضفيرتان.

وقال بعضهم: سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرني الشمس: مغربها ومطلعها.

وقال بعضهم سمي: ذا القرنين؛ لأنه عاش حياة قرنين، والله أعلم بذلك، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ ﴾ بالسبب الذي ذكر أنه أعطاه كما بلغ مغرب الشمس، ﴿ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً ﴾ .

قال الحسن: إن تلك الأرض تميد وتميع، لا تقر ولا تسكن، لا تحتمل البناء والحجر؛ فإذا طلعت الشمس طلعت عليهم، لما لم يكن لهم بناء ولا ستر تهوروا في البحار فإذا ارتفعت عنهم خرجوا.

وقال ابن عباس: إن الشمس إذا طلعت كانت حرارتها أشد عند طلوعها من غروبها؛ فتحرق كل شيء حتى لا تبقي لهم ثوباً ولا بناء ولا خشباً ولا غيره إلا أحرقته.

وقوله - عز وجل -: ﴿ كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

اختلف في قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ : قال بعضهم: قوله: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ ، أي: كذلك أخبرنا رسول الله من نبأ ذي القرنين، وخبره على ما كان.

وقال بعضهم: كذلك أعطينا له من السبب حتى بلغ مطلع الشمس كما بلغ مغربها بالسبب الذي ذكر.

وقال بعضهم: كذلك قيل له في المطلع من قوله: ﴿ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً ﴾ ، كما قيل له في المغرب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ .

قال بعضهم: [هو] صلة قوله: ﴿ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً ﴾ ، ﴿ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْراً ﴾ ، أي: عن علم سأتلو عليكم.

وقال بعضهم: هو على الابتداء، ليس على الربط والصّلة على الأول، أي: قد أحطنا علمنا بما لديه.

﴿ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً ﴾ .

ما ذكرنا في بلوغه مغربها ومطلعها، أي: أعطينا له من السّبب حتى بلغ بين السدّين في بعض القراءات ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب، فإن كان بين اللغتين فرق؛ فيشبه أن يكون ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالرفع: الجبلين اللذين كانا هنالك، و ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ بالنصب: هو بناء ذي القرنين، وإن لم يحتمل الفرق - فهو ما بنى هو أو مكان في الخليقة.

ثم اختلف في ذلك السدّ.

قال بعضهم: هو المنفذ الذي كان بين طرفي الجبل الذي كان محيطا بالأرض، يدخل فيه يأجوج ومأجوج إلى هذه الأرض؛ فسد ذو القرنين ذلك المنفذ.

وقال بعضهم: لا؛ ولكن كانا جبلين: أحدهما: ستر بين يأجوج، والثاني: بين مأجوج؛ فسدّ ذلك، والله أعلم كيف كان؟

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ .

قال الحسن: كانوا يفقهون ما به صلاح معاشهم، وما به بقاؤهم، ولكن كانوا لا يفقهون الهدى من الضلال، والخير من الشرّ، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً ﴾ : من غير كلامهم ولسانهم؛ ولكن يفقهون بلسانهم وكلامهم، وذو القرنين كان يعرف الألسن كلها؛ ففقهوا هم [منه] وفقه هو منهم؛ حيث قالوا ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ ، أي: جعلا أجرا، ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً ﴾ .

وقال هو: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ : فهم ذو القرنين منهم، وفهموا منه أيضاً ما ذكرنا؛ فدل ذلك أنهم كانوا يفقهون بلسان غيرهم، وفي الآية دلالة أنهم لا يفقهون شيئاً قليلا من القول، وإن كانوا لا يفقهون كثيراً؛ لأنه يقول: ﴿ لاَّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ ﴾ ؛ فهو يتكلم على العرف لا على النفي رأساً، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي ٱلأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً ﴾ : جعلا وأجرا؛ ﴿ عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ ﴾ .

على تأويل الحسن يكون قوله: ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ من النبوة ﴿ خَيْرٌ ﴾ ؛ لأنه يقول: إنه كان نبياً؛ حيث قال له: ﴿ إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .

وعلى قول غيره يكون ﴿ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي ﴾ : من الملك والسبب الذي أعطاني، وأبلغ به مغرب الشمس ومطلعها ﴿ خَيْرٌ ﴾ مما تذكرون.

وقوله: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ ﴾ ، أي بما أتقوى به، ﴿ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ ، أي: سدّاً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ آتُونِي زُبَرَ ٱلْحَدِيدِ ﴾ ، أي: قطع الحديد.

وقال بعضهم: سألهم الحديد؛ لأن المكان مكان الحديد.

وقال بعضهم: إن الحديد كان ألين لهم وأطوع من اللَّبِنِ أو القطر، ولكن لا يعلم ذلك إلا بالسمع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ .

أي: بلغ ذلك السد رأس الصدفين، وهما جبلان، وسوى بهما، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱنفُخُواْ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِيۤ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ .

أي: أصب عليه قطرا، قيل: نحاساً، وقيل: رصاصا، ذكر أنه كان يبسط الحديد صدرا، ثم يبسط الحطب فوقه صدراً، ثم حديدا فوق الحطب، حتى بلغ رأس الجبلين، وسوى بهما على هذا السبيل، ثم أذيب القطر، فصب فيه، فجعل القطر يحرق الحطب، ويذيب الحديد؛ حتى دخل القطر مكان الحطب، وصار مكانه؛ فالتزق القطر بالحديد، على هذا ذكر أنه بنى ذلك السدّ.

وقال الحسن: كأنه القطر له كالملاط لنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَمَا ٱسْطَاعُوۤاْ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ .

أي: يعلوه، يعني: على ذلك السد وما استطاعوا له نقباً في أسفله، ولا يزاد على المذكور في الكتاب في هذه الأنباء، والقصص، خوفاً للشهادة على الله، والكذب عليه، ولكن نذكر مقدار ما ذكر في الكتاب، لا نزيد على ذلك، وفي الكتاب القدر الّذي ذكرنا، والله أعلم.

قال القتبي: يقال للجبل: السدّ و ﴿ زُبَرَ ﴾ : قطع، والقطر: النحاس، وقوله: ﴿ أَن يَظْهَرُوهُ ﴾ أي: يعلوه.

يقال: ظهر فلان السطح إذا علاه، وكذلك قال أبو عوسجة، وقال: ﴿ السَّدَّيْنِ ﴾ : ناحيتي الجبل، والردم: السدّ، و ﴿ ٱلصَّدَفَيْنِ ﴾ : هو مثل السدّين، ﴿ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً ﴾ ، أي: أصب عليه نحاساً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ هَـٰذَا رَحْمَةٌ مِّن رَّبِّي ﴾ يحتمل أنه السدّ الذي بني وحال بينهم وبين يأجوج ومأجوج، فذلك منه رحمة، أي: برحمته كانت تلك الحيلولة، أو كان ذلك نعمة من الله، والرحمة هي النعمة، أي: هذا السدّ بينكم وبينهم نعمة من ربي عليكم.

ثم فيه وجهان: أحدهما: ذكر أن ذلك كان برحمة من الله إذا فرغ منه، وقد كان في الابتداء حين سألوه أن يجعل لهم السدّ أضاف الفعل إلى نفسه حيث قال: ﴿ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً ﴾ دلّ ذلك أن ما فعل برحمة منه وفضل، وأن له في ذلك صنعاً.

والثاني: فيه أن له أن يفعل بالخلق ما ليس هو بأصلح لهم في الدين؛ لأنه لا يخلو إما أن كان الأول لهم أصلح في الدين، ثم فعل الثاني، فلا يكون الثاني أصلح لهم في الدين، وإذا كان الأصلح لهم في الدّين الثاني فالأول لم يكن، ثم ذكر أن ذلك رحمة منه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّي ﴾ ، أي: فإذا جاء الذي به كان وعد ربي وهو الموعود؛ ولأن الوعد لا يجيء فكأنه قال: موعود ربّي، وهو خروج يأجوج ومأجوج، أو فتح ذلك السدّ ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: كسراً أو هدماً على ما ذكرنا، و ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ أي: هدمه وسواه بالأرض.

وقال القتبي: ﴿ جَعَلَهُ دَكَّآءَ ﴾ ، أي: ألصقه بالأرض.

﴿ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ ﴾ أي: يجول بعضهم في بعض.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقّاً ﴾ هذا وعد والأول موعود.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ويسألك -أيها الرسول- المشركون واليهود مُمْتحِنين عن خبر صاحب القرنين، قل: سأتلو عليكم من خبره جزءًا تعتبرون به وتتذكرون.

من فوائد الآيات وجوب الثاني والتثبت وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء.

أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتُعَلق بها الأحكام الدنيوية في الأموال والدماء وغيرها.

يُدْفَع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير, ويُرَاعَى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما.

ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه ويترك صحبته حتى يُعْتِبَه ويُعْذِر منه.

استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ بنسبة الخير إليه وعدم نسبة الشر إليه ..

أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه وفي ذريته.

<div class="verse-tafsir" id="91.Nky2N"

مزيد من التفاسير لسورة الكهف

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله