الآية ٢٩ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٢٩ من سورة مريم

فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا۟ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِى ٱلْمَهْدِ صَبِيًّۭا ٢٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٩ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٩ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) أي : إنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها ، وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية ، وقد كانت يومها ذلك صائمة ، صامتة فأحالت الكلام عليه ، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه ، فقالوا متهكمين بها ، ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم : ( كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) قال ميمون بن مهران : ( فأشارت إليه ) ، قالت : كلموه .

فقالوا : على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا!

وقال السدي : لما أشارت إليه غضبوا ، وقالوا : لسخريتها بنا حين تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها .

( قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) أي : من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره ، كيف يتكلم ؟

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: فلما قال قومها ذلك لها قالت لهم ما أمرها عيسى بقيله لهم، ثم أشارت لهم إلى عيسى أن كلِّموه.

كما حدثنا موسى، قال: ثنا عمرو ، قال: ثنا أسباط، عن السديّ، قال: لما قالوا لها مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا قالت لهم ما أمرها الله به، فلما أرادوها بعد ذلك على الكلام أشارت إليه، إلى عيسى.

حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) قال: أمرتهم بكلامه.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمن لا يتهم، عن وهب بن منبه ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) يقول: أشارت إليه أن كلِّموه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، قوله ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) أن كَلِّموه.

وقوله ( قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) يقول تعالى ذكره ، قال قومها لها: كيف نكلم من وُجد في المهد؟

وكان في قوله ( مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) معناها التمام، لا التي تقتضي الخبر، وذلك شبيه المعنى بكان التي في قوله هَلْ كُنْتُ إِلا بَشَرًا رَسُولا وإنما معنى ذلك: هل أنا إلا بشر رسول؟

وهل وجدت أو بعثت; وكما قال زهير بن أبي سُلْمَى: زَجَــرْتُ علَيْــهِ حُــرَّةً أرْحَبِيَّـةً وَقَـدْ كَـانَ لَـوْنُ اللَّيْـلِ مِثْلَ الأرَنْدَجِ (2) بمعنى: وقد صار أو وُجد.

وقيل: إنه عنى بالمهد في هذا الموضع: حجر أمه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة ( مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ) والمهد: الحجر.

قال أبو جعفر: وقد بينا معنى المهد فيما مضى بشواهده، فأغنى عن إعادته في هذا الموضع.

------------------------ الهوامش: (2) البيت في ( ديوان زهير بن أبي سلمى .

طبعة دار الكتب المصرية بشرح أبي العباس ثعلب ، ص 323 ) ورواية الأصل : أجرت تحريف .

وقوله عليه : على ذلك الطريق .

وحرة كريمة وأرحبية : منسوبة إلى أرحب ، وأرحب بطن من همدان ، تنسب إليهم النجائب الأرحبية ، وقيل هو موضع .

وقال الأزهري : يحتمل أن يكون أرحب فحلا تنسب إليه النجائب لأنها من نسله والأرندج واليرندج : السواد يسود به الخف ، أو هو الجلد الأسود .

أي زجرت على هذا الطريق هذه الناقة .

والليل أسود مثل الأرندج .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياقوله تعالى : فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا التزمت مريم - عليها السلام - ما أمرت به من ترك الكلام ، ولم يرد في هذه الآية أنها نطقت ب [ ص: 29 ] إني نذرت للرحمن صوما وإنما ورد بأنها أشارت ، فيقوى بهذا قول من قال : إن أمرها ب ( قولي ) إنما أريد به الإشارة .

ويروى أنهم لما أشارت إلى الطفل قالوا : استخفافها بنا أشد علينا من زناها ، ثم قالوا لها على جهة التقرير كيف نكلم من كان في المهد صبيا وكان هنا ليس يراد بها الماضي ؛ لأن كل واحد قد كان في المهد صبيا ، وإنما هي في معنى هو الآن .

وقال أبو عبيدة : كان هنا لغو ؛ كما قال :[ الفرزدق ] :وجيران لنا كانوا مراماوقيل : هي بمعنى الوجود والحدوث كقوله : وإن كان ذو عسرة وقد تقدم .

وقال ابن الأنباري : لا يجوز أن يقال : زائدة وقد نصبت صبيا ولا أن يقال ( كان ) بمعنى حدث ، لأنه لو كانت بمعنى الحدوث والوقوع لاستغنى فيه عن الخبر ، تقول : كان الحر وتكتفي به .

والصحيح أن من في معنى الجزاء وكان بمعنى يكن ؛ التقدير : من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه ؟

!

كما تقول : كيف أعطي من كان لا يقبل عطية ؛ أي من يكن لا يقبل .

والماضي قد يذكر بمعنى المستقبل في الجزاء ؛ كقوله تعالى : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار أي إن يشأ يجعل .

وتقول : من كان إلي منه إحسان كان إليه مني مثله ، أي من يكن منه إلي إحسان يكن إليه مني مثله .

والمهد قيل : كان سريرا كالمهد وقيل المهد هاهنا حجر الأم .

وقيل : المعنى كيف نكلم من كان سبيله أن ينوم في المهد لصغره ،

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فأشارت لهم إليه، أي: كلموه.

وإنما أشارت لذلك، لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها، أن، تقول: { إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا ْ} فلما أشارت إليهم بتكليمه، تعجبوا من ذلك وقالوا: { كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ْ} لأن ذلك لم تجر به عادة، ولا حصل من أحد في ذلك السن.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( فأشارت ) مريم ( إليه ) أي : إلى عيسى عليه السلام : أن كلموه .

قال ابن مسعود رضي الله عنه : لما لم تكن لها حجة أشارت إليه ليكون كلامه حجة لها .

وفي القصة : لما أشارت إليه غضب القوم ، وقالوا مع ما فعلت تسخرين بنا؟

.

( قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا ) أي : من هو في المهد ، وهو حجرها .

وقيل : هو المهد بعينه ، و " كان " بمعنى : هو .

وقال أبو عبيدة : " كان " صلة ، أي : كيف نكلم صبيا في المهد .

وقد يجيء " كان " حشوا في الكلام لا معنى له كقوله " هل كنت إلا بشرا رسولا " ( الإسراء : 93 ) أي : هل أنا ؟

قال السدي : فلما سمع عيسى كلامهم ترك الرضاع وأقبل عليهم .

وقيل : لما أشارت إليه ترك الثدي واتكأ على يساره ، وأقبل عليهم وجعل يشير بيمينه :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«فأشارت» لهم «إليه» أن كلموه «قالوا كيف نكلم من كان» أي وجد «في المهد صبيا.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

فأشارت مريم إلى مولودها عيسى ليسألوه ويكلموه، فقالوا منكرين عليها: كيف نكلم مَن لا يزال في مهده طفلا رضيعًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وهنا نجد مريم تبدأ فى الدفاع عن نفسها ، عن طريق وليدها ( فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ) .أى : فأشارت إلى ابنها عيسى ، ولسان حالها يقول لهم : وجهوا كلامكم إليه فإنه سيخبركم بحقيقة الأمر .ولكنهم لم يقتنعوا بإشارتها بل قالوا لها : ( كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً ) .والمهد : اسم للمضطجع الذى يهيأ للصبى فى رضاعه .

وهو فى الأصل مصدر مهده يمهده إذا بسطه وسواه .أى : كيف نكلم طفلاً صغيراً ما زال فى مهده وفى حال رضاعه .والفعل الماضى وهو ( كَانَ ) ها هنا بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال ، كما يدل عليه سياق القصة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في أنها كيف أتت بالولد على أقوال: الأول: ما روي عن وهب قال: أنساها كرب الولادة وما سمعته من الناس ما كان من كلام الملائكة من البشارة بعيسى عليه السلام فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته وأقبلت به إلى قومها.

الثاني: ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن يوسف انتهى بمريم إلى غار فأدخلها فيه أربعين يوماً حتى طهرت من النفاس ثم أتت به قومها تحمله فكلمها عيسى في الطريق، فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

وهذان الوجهان محتملان وليس في القرآن ما يدل على التعيين.

المسألة الثانية: الفريء، البديع وهو من فري الجلد يروى أنهم لما رأوها ومعها عيسى عليه السلام قالوا لها: ﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ فيحتمل أن يكون المراد شيئاً عجيباً خارجاً عن العادة من غير تعيير وذم ويحتمل أن يكون مرادهم شيئاً عظيماً منكراً فيكون ذلك منهم على وجه الذم وهذا أظهر لقولهم بعده: ﴿ ياأخت هارون مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ لأن هذا القول ظاهره التوبيخ وأما هرون ففيه أربعة أقوال: الأول: أنه رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه كل من عرف بالصلاح، والمراد أنك كنت في الزهد كهرون فكيف صرت هكذا، وهو قول قتادة وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة ذكر أن هرون الصالح تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمون هرون تبركاً به وباسمه.

الثاني: أنه أخو موسى عليه السلام وعن النبي صلى الله عليه وسلم إنما عنوا هرون النبي وكانت من أعقابه وإنما قيل أخت هرون كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

والثالث: كان رجلاً معلناً بالفسق فنسبت إليه بمعنى التشبيه لا بمعنى النسبة.

الرابع: كان لها أخ يسمى هرون من صلحاء بني إسرائيل فعيرت به، وهذا هو الأقرب لوجهين: الأول: أن الأصل في الكلام الحقيقة وإنما يكون ظاهر الآية محمولاً على حقيقتها لو كان لها أخ مسمى بهرون.

الثاني: أنها أضيفت إليه ووصف أبواها بالصلاح وحينئذ يصير التوبيخ أشد لأن من كان حال أبويه وأخيه هذه الحالة يكون صدور الذنب عنه أفحش.

المسألة الثالثة: القراءة المشهورة: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء ﴾ وقرأ عمرو بن رجاء التميمي: ﴿ ما كان أباك امرأ سوء ﴾ .

المسألة الرابعة: أنهم لما بالغوا في توبيخها سكتت وأشارت إليه أي إلى عيسى عليه السلام أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه وعن السدي لما أشارت إليه غضبوا غضباً شديداً وقالوا: لسخريتها بنا أشد من زناها، روي أنه كان يرضع فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه واتكأ على يساره وأشار بسبابته، وقيل: كلمهم بذلك ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وقيل إن زكرياء عليه السلام أتاها عند مناظرة اليهود إياها، فقال لعيسى عليه السلام انطق بحجتك إن كنت أمرت بها فقال عيسى عليه السلام عند ذلك: ﴿ إِنّي عَبْدُ الله  ﴾ فإن قيل كيف عرفت مريم من حال عيسى عليه السلام أنه يتكلم؟

قلنا: إن جبريل عليه السلام أو عيسى عليه السلام ناداها من تحتها أن لا تحزني وأمرها عند رؤية الناس بالسكوت، فصار ذلك كالتنبيه لها على أن المجيب هو عيسى عليه السلام أو لعلها عرفت ذلك بالوحي إلى زكرياء أو لعلها عرفت بالوحي إليها على سبيل الكرامة، بقي هاهنا بحثان: البحث الأول: قوله: ﴿ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً ﴾ أي حصل في المهد فكان هاهنا بمعنى حصل ووجد وهذا هو الأقرب في تأويل هذا اللفظ، وإن كان الناس قد ذكروا وجوهاً أخر.

البحث الثاني: اختلفوا في المهد فقيل هو حجرها لما روى أنها أخذته في خرقة فأتت به قومها فلما رأوها قالوا لها ما قالوا فأشارت إليه وهو في حجرها ولم يكن لها منزل معد حتى يعد لها المهد أو المعنى: كيف نكلم صبياً سبيله أن ينام في المهد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ أي هو الذي يجيبكم إذا ناطقتموه.

وقيل: كان المستنطق لعيسى زكريا عليه السلام.

وعن السدي: لما أَشارت إليه غضبوا وقالوا: لسخريتها بنا أشدّ علينا من زناها.

وروي أنه كان يرضع، فلما سمع ذلك ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، واتكأ على يساره وأشار بسبابته.

وقيل: كلمهم بذلك، ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان ﴿ كَانَ ﴾ لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماض مبهم يصلح لقريبه وبعيده، وهو هاهنا لقريبه خاصة، والدال عليه مبنى الكلام، وأنه مسوق للتعجب.

ووجه آخر: أن يكون ﴿ نُكَلّمُ ﴾ حكاية حال ماضية، أي: كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس صبياً في المهد فيما سلف من الزمان حتى نكلم هذا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ ﴾ إلى عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أيْ كَلِّمُوهُ لِيُجِيبَكم.

﴿ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ولَمْ نَعْهَدْ صَبِيًّا في المَهْدِ كَلَّمَهُ عاقِلٌ، و ( كانَ ) زائِدَةٌ والظَّرْفُ صِلَةُ مَن، و ( صَبِيًّا ) حالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ فِيهِ أوْ تامَّةٌ أوْ دائِمَةٌ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أوْ بِمَعْنى صارَ.

﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِهِ أوَّلًا لِأنَّهُ أوَّلُ المَقاماتِ والرَّدُّ عَلى مَن يَزْعُمُ رُبُوبِيَّتَهُ.

﴿ آتانِيَ الكِتابَ ﴾ الإنْجِيلَ.

﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ} إلى عيسى أن يجيبهم وذلك أن عيسى عليه السلام قال لها لا تحزني وأحيلي بالجواب علي وقيل أمرها جبريل بذلك ولما أشارت إليه غضبوا وتعجبوا و {قَالُواْ كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ} حدث ووجد {فِى المهد} المعهود {صَبِيّاً} حال

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ ﴾ أيْ إلى عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ كَلِّمُوهُ.

قالَ شَيْخُ الإسْلامِ: والظّاهِرُ أنَّها بَيَّنَتْ حِينَئِذٍ نَذْرَها وأنَّها بِمَعْزِلٍ مِن مُحاوَرَةِ الإنْسِ حَسْبَما أُمِرَتْ فَفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَأْمُورَ بِهِ بَيانُ نَذْرِها بِالإشارَةِ لا بِالعِبارَةِ، والجَمْعُ بَيْنَهُما مِمّا لا عَهْدَ بِهِ (قالُوا) مُنْكِرِينَ لِجَوابِها، وفي بَعْضِ الآثارِ أنَّها لَمّا أشارَتْ إلَيْهِ أنْ كَلِّمُوهُ قالُوا: اسْتِخْفافُها بِنا أشَدُّ مِن زِناها وحاشاها ثُمَّ قالُوا: ﴿ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ قالَ قَتادَةُ: المَهْدُ حِجْرُ أُمِّهِ، وقالَ عِكْرِمَةُ: المَرْباةُ أيِ المُرَجَّحَةِ، وقِيلَ: سَرِيرُهُ.

وقِيلَ: المَكانُ الَّذِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ.

واسْتَشْكَلَتِ الآيَةُ بِأنَّ كُلَّ مَن يُكَلِّمُهُ النّاسُ كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا قَبْلَ زَمانِ تَكْلِيمِهِ، فَلا يَكُونُ مَحَلًّا لِلتَّعَجُّبِ والإنْكارِ.

وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ: الأوَّلُ: أنْ كانَ الإيقاعُ مَضْمُونًا لِجُمْلَةٍ في زَمانٍ ماضٍ مُبْهَمٍ يَصْلُحُ لِقَرِيبِهِ وبِعِيدِهِ وهو هاهُنا لِقَرِيبِهِ خاصَّةً والدّالُّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ مَسُوقٌ لِلتَّعَجُّبِ فَيَكُونُ المَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ بِالأمْسِ وقَرِيبًا مِنهُ.

مِن هَذا الوَقْتِ في المَهْدِ وغَرَضُهم مِن ذَلِكَ اسْتِمْرارُ حالِ الصَّبِيِّ بِهِ لَمْ يَبْرَحْ بَعْدُ عَنْهُ ولَوْ قِيلَ: مَن هو في المَهْدِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ تِلْكَ الوَكادَةُ مِن حَيْثُ السّابِقُ كالشّاهِدِ عَلى ذَلِكَ، ومَن عَلى هَذا مَوْصُولَةٌ يُرادُ بِها عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ.

الثّانِي أنْ يَكُونَ (نُكَلِّمُ) حِكايَةَ حالٍ ماضِيَةٍ ومَن مَوْصُوفَةٌ، والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ المَوْصُوفِينَ بِأنَّهم في المَهْدِ أيْ ما كَلَّمْناهم إلى الآنِ حَتّى نُكَلِّمَ هَذا، وفي العُدُولِ عَنِ الماضِي إلى الحالِ إفادَةُ التَّصْوِيرِ والِاسْتِمْرارِ.

وهَذا كَما في الكَشْفِ وجْهٌ حَسَنٌ مُلائِمٌ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: كانَ زائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِن غَيْرِ دَلالَةٍ عَلى الزَّمانِ و(صَبِيًّا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ والعامِلً فِيها الِاسْتِقْرارُ، فَقَوْلُ ابْنِ الأنْبارِيِّ إنَّ كانَ نَصَبَتْ هُنا الخَبَرَ والزّائِدَةُ لا تَنْصِبُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ، والمَعْنى كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن هو في المَهْدِ الآنَ حالَ كَوْنِهِ صَبِيًّا، وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّ كانَ الزّائِدَةَ لا تَدُلُّ عَلى حَدَثٍ لَكِنَّها تَدُلُّ عَلى زَمانٍ ماضٍ مُقَيَّدٍ بِهِ ما زِيدَتْ فِيهِ كالسِّيرافِيِّ لا يَنْدَفِعُ الإشْكالُ بِالقَوْلِ بِزِيادَتِها.

وقالَ الزَّجّاجُ: الأجْوَدُ أنْ تَكُونَ مَن شَرْطِيَّةً لا مَوْصُولَةً ولا مَوْصُوفَةً أيْ مَن كانَ في المَهْدِ فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ، وهَذا كَما يُقالُ كَيْفَ أعِظُ مَن لا يَعْمَلُ بِمَوْعِظَتِي، والماضِي بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ في بابِ الجَزاءِ فَلا إشْكالَ في ذَلِكَ، ولا يَخْفى بُعْدُهُ <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثمّ قال: فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ وذلك أن مريم حملت عيسى  ودخلت على أهلها، وكان أهلها أهل بيت صالحين.

قالُوا أي قال لها قومها: يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا، يعني: أتيت وفعلت أمراً منكرا عظيما، لا يعرف منك ولا من أهل بيتك.

قوله عز وجل: يا أُخْتَ هارُونَ، يعني: هارون بن ماثان، وكان من أمثل بني إسرائيل يا أُخْتَ هارُونَ، يعني: يا شبه هارون في الصلاة والصلاح، ويقال: كان رجل سوء يسمى هارون فعيّروها به وشبهوها بهارون، ويقال: كان لها أخ يقال له هارون من أبيها ولم يكن من أمها، وذكر أن أهل الكتاب قالوا: كيف تقولون إن مريم أخت هارون وكان بينهما ستمائة سنة؟

فذكر ذلك لرسول الله  فقال: «إنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ» عَلَيْهِمْ السَّلاَمُ يعني: أن أخا مريم سُمِّي باسم هارون النبي  .

ثم قال: مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ، يعني: زانياً وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، يعني: فاجرة.

قوله عز وجل: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ، يعني: أشارت إلى عيسى  أن كلموه، يعني: كلموا عيسى.

قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا؟

يعني: من هو في الحجر رضيع.

ويقال: معناه كيف نكلم من هو يكون في المهد؟

ويقال: معناه كيف نكلم من يكون في المهد صبياً؟

فأنطق الله عز وجل عيسى، فتكلم وقالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ، فأول الكلام الذي تكلم به هو ردّ على النصارى، لأنه أقر بأنه عبد الله ورسوله.

ثم قال: آتانِيَ الْكِتابَ روي عن ابن عباس أنه قال: «معناه علمني الكتاب في بطن أمي» ، ويقال: معناه يؤتيني الكتاب وهو الإنجيل، وَجَعَلَنِي نَبِيًّا أي أكرمني الله تعالى بأن جعلني نبياً، وَجَعَلَنِي مُبارَكاً يعني: جعلني معلماً للخلق أَيْنَ ما كُنْتُ، يعني: حيث ما كنت، وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ يعني: أوصاني وأمرني بإتمام الصلاة وإعطاء الزكاة مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوالِدَتِي، يعني: جعلني رحيماً بوالدتي، وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا يعني: لم يخذلني حتى صرت به جباراً عصياً.

وَالسَّلامُ عَلَيَّ يعني: السلام عليّ من الله عز وجل يَوْمَ وُلِدْتُ يعني: حين ولدت، وَيَوْمَ أَمُوتُ يعني: حين أموت، وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا يعني: أبعث يوم القيامة.

فكلمهم بهذا ثمّ سكت، فلم يتكلم حتى كان قدر ما يتكلم الغلمان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال قتادةُ: نسبوها إلى هَارُونَ اسم رَجُلٍ صَالِحٍ في ذلك الزمان «١» .

وقالتْ فرقةٌ: بل كان في ذلك الزمان رجلٌ فاجِرٌ اسمه هَارُون نسبُوها إليه على جهة التَّعْيِير.

ت: واللهُ أعلمُ بصحّة هذا، وما رواه المُغِيرة إنْ ثبت هو المعوَّلُ عليه، وقولهم:

مَا كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ المعنى: ما كان أَبُوك، ولا أمّك أهلاً لهذه الفِعْلة، فكيف جِئْت أنت بها؟

والبَغِيّ: الّتي تبغِي الزَّنَا، أي: تطلبه.

فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)

وقولُه تعالى: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ يقوى قولَ مَنْ قال: إنّ أمرها ب فَقُولِي، إنما أريد به الإشارة.

وقوله: آتانِيَ الْكِتابَ يعني الإنْجِيل، ويحتمل أن يريد التوراةَ والإنجيل، و «آتاني» معناه: قضى بذلك- سُبْحَانه- وأَنْفذه في سَابِق حُكْمه، وهذا نحو قولِه تعالى: أَتى أَمْرُ اللَّهِ [النحل: ١] .

وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ قيل: هما المشرُوعتانِ في البدن، والمال.

وقيل: الصلاةُ: الدعاءُ، والزكاة: التطهُّرُ من كُلِّ عيْبٍ، ونقصٍ، ومعصيةٍ.

والجبارُ المتعَظِّمُ وهي خلق مقرونة بالشقاء لأَنَّها مناقضة لجميع الناس، فلا يلقى صاحبها من كل أحد إلا مكروهاً، وكان عيسى عليه السلام في غاية التَّوَاضُعِ يأكلُ الشجر، ويلبَسُ الشَّعْر، ويجلس على الأَرض، ويَأْوِي حيث جنّه الليل.

لا مسكن له.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ أبِي صالِحٍ: أتَتْهم بِهِ بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا حِينَ طَهُرَتْ مِن نِفاسِها.

وقالَ في رِوايَةِ الضَّحّاكِ: انْطَلَقَ قَوْمُها يَطْلُبُونَها، فَلَمّا رَأتْهم حَمَلَتْ عِيسى فَتَلَقَّتْهم بِهِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ ﴾ .

فَإنْ قِيلَ: " أتَتْ بِهِ " يُغْنِي عَنْ ﴿ تَحْمِلُهُ ﴾ ، فَلا فائِدَةَ لِلتَّكْرِيرِ.

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا ظَهَرَتْ مِنهُ آَياتٌ، جازَ أنْ يَتَوَهَّمَ السّامِعُ ﴿ فَأتَتْ بِهِ ﴾ أنْ يَكُونَ ساعِيًا عَلى قَدَمَيْهِ، فَيَكُونُ سَعْيُهُ آَيَةً كَنُطْقِهِ، فَقَطَعَ ذَلِكَ التَّوَهُّمَ، وأعْلَمَ أنَّهُ كَسائِرِ الأطْفالِ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِ العَرَبِ: نَظَرْتُ إلى فُلانٍ بِعَيْنِي، فَنَفَوْا بِذَلِكَ نَظَرَ العَطْفِ والرَّحْمَةِ، وأثْبَتُوا [ أنَّهُ ] نَظَرُ عَيْنٍ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: لَمّا دَخَلَتْ عَلى قَوْمِها بَكَوْا، وكانُوا قَوْمًا صالِحِينَ، و ﴿ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: شَيْئًا عَظِيمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

قالَ الفَرّاءُ: الفَرْيُ: العَظِيمُ، والعَرَبُ تَقُولُ: تَرَكْتُهُ يَفْرِي الفَرْيَ: إذا عَمِلَ فَأجادَ العَمَلَ، فَفَضَلَ النّاسُ قِيلَ هَذا فِيهِ، قالَ النَّبِيُّ  : " «فَما رَأيْتُ عَبْقَرِيًّا يَفْرِي فَرْيَ عُمَرَ» " .

والثّانِي: عَجَبًا فائِقًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: شَيْئًا مَصْنُوعًا، ومِنهُ يُقالَ: فَرَيْتُ الكَذِبَ وافْتَرَيْتُهُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ في المُرادِ بِهارُونَ هَذا خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ أخٌ لَها مِن أُمِّها، وكانَ مَن أمْثَلِ فَتًى في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: كانَ مِن أبِيها وأُمِّها.

والثّانِي: أنَّها كانَتْ مِن بَنِي هارُونَ، قالَهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتْ مِن بَنِي هارُونَ أخِي مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، فَنُسِبَتْ إلَيْهِ لِأنَّها مَن ولَدِهِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ رَجُلٌ صالِحٌ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَشَبَّهُوها بِهِ في الصَّلاحِ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا وقَتادَةَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما «رَوى المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، قالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ  إلى أهْلِ نَجْرانَ، فَقالُوا: ألَسْتُمْ تَقْرَؤُونَ: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ ، وقَدْ عَلِمْتُمْ ما كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى ؟

فَلَمْ أدْرِ ما أُجِيبُهُمْ، فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللهِ  فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: " ألا أخْبَرْتَهم أنَّهم كانُوا يَسْمَعُونَ بِأنْبِيائِهِمْ والصّالِحِينَ قَبْلَهم "» .

والرّابِعُ: أنَّ قَوْمَ هارُونَ كانَ فِيهِمْ فُسّاقٌ وزُناةٌ، فَنَسَبُوها إلَيْهِمْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ رَجُلٌ مِن فُسّاقِ بَنِي إسْرائِيلَ شَبَّهُوها بِهِ، قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ.

فَعَلى هَذا يَخْرُجُ في مَعْنى ( الأُخْتِ ) قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الأُخْتُ حَقِيقَةً.

والثّانِي: المُشابَهَةُ لا المُناسَبَةُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَما نُرِيهِمْ مِن آيَةٍ إلا هي أكْبَرُ مِن أُخْتِها  ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما كانَ أبُوكِ ﴾ يَعْنُونَ: عِمْرانَ، ﴿ امْرَأ سَوْءٍ ﴾ ؛ أيْ: زانِيًا، ﴿ وَما كانَتْ أُمُّكِ ﴾ حِنَّةً، ﴿ بَغِيًّا ﴾ ؛ أيْ: زانِيَةً، فَمِن أيْنَ لَكِ هَذا الوَلَدُ ؟

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأشارَتْ ﴾ ؛ أيْ: أوْمَأتْ، ﴿ إلَيْهِ ﴾ ؛ أيْ: إلى عِيسى فَتَكَلَّمَ.

وقِيلَ: المَعْنى: أشارَتْ إلَيْهِ أنْ كَلِّمُوهُ، وكانَ عِيسى قَدْ كَلَّمَها حِينَ أتَتْ قَوْمَها، وقالَ: يا أُمّاهُ أبْشِرِي فَإنِّي عَبْدُ اللَّهِ ومَسِيحُهُ، فَلَمّا أشارَتْ أنْ كَلِّمُوهُ تَعْجَّبُوا مِن ذَلِكَ، و ﴿ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ ﴾ وفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ، فالمَعْنى: كَيْفَ نُكَلِّمُ صَبِيًّا في المَهْدِ ؟

والثّانِي: أنَّها في مَعْنى وقَعَ وحَدَثَ.

والثّالِثُ: أنَّها في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ، فالمَعْنى: مَن يَكُنْ في المَهْدِ صَبِيًّا، فَكَيْفَ نُكَلِّمُهُ ؟

حَكاها الزَّجّاجُ، واخْتارَ الأخِيرُ مِنها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا كَما تَقُولُ: كَيْفَ أعِظُ مَن كانَ لا يَقْبَلُ مَوْعِظَتِي؛ أيْ: مَن يَكُنْ لا يَقْبَلُ، والماضِي يَكُونُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ في الجَزاءِ.

والرّابِعُ: أنْ " كانَ " بِمَعْنى صارَ، قالَهُ قُطْرُبٌ.

وَفِي المُرادِ بِالمَهْدِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: حَجْرُها، قالَهُ نَوْفُ، وقَتادَةُ، والكَلْبِيُّ.

والثّانِي: سَرِيرُ الصَّبِيِّ المَعْرُوفِ، حَكاهُ الكَلْبِيُّ أيْضًا.

قالَ السُّدِّيُّ: فَلَمّا سَمِعَ عِيسى كَلامَهُمْ، لَمْ يَزِدْ عَلى أنْ تَرَكَ الرَّضاعَ وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ، فَقالَ: ﴿ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ.

﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: إنَّما قَدَّمَ ذِكْرَ العُبُودِيَّةِ لِيُبْطِلَ قَوْلَ مَنِ ادَّعى فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ آتانِيَ الكِتابَ ﴾ أسْكَنَ هَذِهِ الياءَ حَمْزَةُ.

وفي مَعْنى الآَيَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آَتاهُ الكِتابَ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقِيلَ: عُلِّمَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ وهو في بَطْنِ أُمِّهِ.

والثّانِي: قَضى أنْ يُؤْتِيَنِي الكِتابَ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

وَفِي ﴿ الكِتابَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ.

والثّانِي: الإنْجِيلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ هَذا وما بَعْدَهُ إخْبارٌ عَمّا قَضى اللَّهُ لَهُ، وحَكَمَ لَهُ بِهِ ومَنَحَهُ إيّاهُ مِمّا سَيَظْهَرُ ويَكُونُ.

وقِيلَ: المَعْنى: يُؤْتِينِي الكَتابَ ويَجْعَلُنِي نَبِيًّا إذا بَلَغْتُ، فَحَلَّ الماضِي مَحَلَّ المُسْتَقْبَلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى  ﴾ .

وَفِي وقْتِ تَكْلِيمِهِ لَهم قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَلَّمَهم بَعْدَ أرْبَعِينَ يَوْمًا.

والثّانِي: في يَوْمِهِ.

وهو مَبْنِيٌّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الزَّمانِ الَّذِي غابَتْ عَنْهم فِيهِ مَرْيَمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ «عَنْ رَسُولِ اللهِ  في هَذِهِ الآَيَةِ، قالَ: " نَفّاعًا حَيْثُما تَوَجَّهْتُ» " .

وقالَ مُجاهِدٌ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ.

وَفِي المُرادِ بِـ " الزَّكاةِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: زَكاةُ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ.

والثّانِي: الطَّهارَةُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا قالَ هَذا، ولَمْ يَقُلْ: ( بِوالِدِي ) عَلِمُوا أنَّهُ وُلِدَ مِن غَيْرِ بَشَرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا ﴾ ؛ أيْ: مُتَعَظِّمًا، ﴿ شَقِيًّا ﴾ عاصِيًا لِرَبِّهِ، ﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونُ: السَّلامَةُ عَلَيَّ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ وُلِدْتُ حَتّى لَمْ يَضُرَّنِي شَيْطانٌ.

وقَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُ الآَيَةِ [ مَرْيَمَ: ١٥ ] .

فَإنْ قِيلَ: لِمَ ذَكَرَ هاهُنا " السَّلامَ " بِألِفٍ ولامٍ، وذَكَرَهُ في قِصَّةِ يَحْيى بِلا ألِفٍ ولامٍ ؟

فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا جَرى ذِكْرُ السَّلامِ قَبْلَ هَذا المَوْضِعِ بِغَيْرِ ألِفٍ ولامٍ، كانَ الأحْسَنُ أنْ يَرِدَ ثانِيَةً بِألِفٍ ولامٍ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

وَقَدِ اعْتَرَضَ عَلى هَذا القَوْلِ، فَقِيلَ: كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَعْطِفَ هَذا وهو قَوْلُ عِيسى، عَلى الأوَّلِ وهو قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ؟

وَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ، فَقالَ: عِيسى إنَّما يَتَعَلَّمُ مِن رَبِّهِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ سَمِعَ قَوْلَ اللَّهِ في يَحْيى، فَبَنى عَلَيْهِ وألْصَقَهُ بِنَفْسِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَرَفَ السَّلامَ الثّانِيَ؛ لِأنَّهُ أتى بَعْدَ سَلامٍ قَدْ ذَكَرَهُ، وأجْراهُ عَلَيْهِ غَيْرَ قاصِدٍ بِهِ إتْباعَ اللَّفْظِ المَحْكِيِّ؛ لِأنَّ المُتَكَلِّمَ لَهُ أنْ يُغَيِّرَ بَعْضَ الكَلامِ الَّذِي يَحْكِيهِ، فَيَقُولُ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: أنا رَجُلٌ مُنْصِفٌ، يُرِيدُ: قالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ: أنْتَ رَجُلٌ مُنْصِفٌ.

والجَوابُ الثّانِي: أنَّ سَلامًا والسَّلامُ لُغَتانِ بِمَعْنًى واحِدٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الكِتابَ وجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ وأوصانِي بِالصَلاةِ والزَكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا ﴾ ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ولَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ ﴿ والسَلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أمُوتُ ويَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ التَزَمَتْ مَرْيَمُ عَلَيْها السَلامُ ما أُمِرَتْ بِهِ مِن تَرْكِ الكَلامِ، ولَمْ يَرِدْ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّها نَطَقَتْ بِـ ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا  ﴾ ، وإنَّما ورَدَ أنَّها أشارَتْ، فَيَقْوى بِهَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ أمْرَها في "فَقُولِي" إنَّما أُرِيدَ بِهِ الإشارَةُ، ويُرْوى أنَّهم - لَمّا أشارَتْ إلى الطِفْلِ - قالُوا: اسْتِخْفافُها بِنا أشَدُّ عَلَيْنا مِن زِناها، ثُمْ قالُوا لَها - عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ - ﴿ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ؟

و"كانَ" هُنا لَيْسَ يُرادُ بِها المُضِيُّ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ قَدْ كانَ في المَهْدِ صَبِيًّا، وإنَّما هي في مَعْنى: هو "الآنَ"، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الناقِصَةَ، والأظْهَرُ أنَّها التامَّةُ، وقَدْ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "كانَ" هُنا لَغْوٌ.

وقالَ الزَجّاجُ والفَرّاءُ: "مَن" شَرْطِيَّةٌ في قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ مَن كانَ ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ونَظِيرُ "كانَ" هَذِهِ قَوْلُ رُؤْبَةَ: والرَأْسُ قَدْ كانَ لَهُ قَتِيرٌ و"صَبِيًّا" إمّا خَبَرُ "كانَ" عَلى تَجَوُّزٍ وتَخَيُّلٍ في كَوْنِها ناقِصَةً، وإمّا حالٌ [إذا قُدِّرَتْ زائِدَةً أو تامَّةً] لِاسْتِقْرارِ المُقَدَّرِ في الكَلامِ.

ورُوِيَ أنَّ المَهْدَ يُرادُ بِهِ حِجْرُ أُمِّهِ، قالَ لَهم عِيسى مِن مَرْقَدِهِ: "إنِّي عَبْدُ اللهِ" الآيَةُ، ورُوِيَ أنَّهُ قامَ مُتَّكِئًا عَلى يَسارِهِ، وأشارَ إلَيْهِمْ بِسَبّابَتِهِ اليُمْنى.

و"الكِتابُ": التَوْراةُ، ويُحْتَمَلُ التَوْراةُ والإنْجِيلُ، و"آتانِيَ" مَعْناهُ: قَضى بِذَلِكَ وأنْفَذَهُ في سابِقِ حُكْمِهِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أتى أمْرُ اللهِ  ﴾ وغَيْرُ هَذا، وأمالَ الكِسائِيُّ "آتانِيَ" و"أوصانِيَ"، والباقُونَ لا يُمِيلُونَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإمالَةُ في "آتانِيَ" أحْسَنُ لا في "أوصانِيَ".

و"مُبارَكًا" قالَ مُجاهِدٌ: مَعْناهُ: نَفّاعًا، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: مَعْناهُ: مُعَلِّمْ خَيْرٍ، وَقِيلَ: آمِرًا بِمَعْرُوفٍ ناهِيًا عن مُنْكَرٍ، وقالَ رَجُلٌ لِبَعْضِ العُلَماءِ: ما الَّذِي أُعْلِنُ مِن عِلْمِي؟

قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَهْيُ عَنِ المُنْكَرِ؛ فَإنَّهُ دِينُ اللهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ أنْبِياءَهُ، وأسْنَدَ النَقّاشُ عَنِ الضَحّاكِ أنَّهُ قالَ: "مُبارَكًا" مَعْناهُ: قَضّاءٌ لِلْحَوائِجِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَوْلُهُ تَعالى: "مُبارَكًا" يَعُمْ هَذِهِ الوُجُوهَ وغَيْرَها.

و"الصَلاةُ والزَكاةُ" قِيلَ: هُما المَشْرُوعَتانِ في البَدَنِ والمالِ، وقِيلَ: زَكاةُ الرُؤُوسِ في الفِطْرِ، وقِيلَ: الصَلاةُ الدُعاءُ، والزَكاةُ التَطْهِيرُ مِن كُلِّ عَيْبٍ ونَقْصٍ ومَعْصِيَةٍ.

وقَرَأ "دُمْتُ" بِضَمِّ الدالِّ عاصِمْ وجَماعَةٌ، وقَرَأ "دِمْتُ" بِكَسْرِها أهْلُ المَدِينَةِ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وجَماعَةٌ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ "وَبَرًّا" بِفَتْحِ الباءِ - وهو الكَثِيرُ البِرُّ - ونَصْبُهُ عَلى قَوْلِهِ: "مُبارَكًا"، وقَرَأ أبُو نَهْيِكٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وجَماعَةٌ "بِرًّا" بِكَسْرِ الباءِ، فَقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُهُ عَلى العَطْفِ عَلى قَوْلِهِ: "مُبارَكًا"، فَكَأنَّهُ قالَ: ذا بِرٍّ، فاتَّصَفَ بِالمَصْدَرِ كَعَدْلٍ ونَحْوِهُ، وقالَ بَعْضُهُمْ: نَصْبُهُ بِقَوْلِهِ: "وَأوصانِي"، أيْ: وأوصانِي بِرًّا بِوالِدَتِي، حَذَفَ الجارَّ، يُرِيدُ: وأوصانِي بِبِرِّ والِدَتِي، وحَكى الزَهْراوِيُّ هَذِهِ القِراءَةَ "وَبِرٍّ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الزَكاةِ"، وقَوْلُهُ: "بِوالِدَتِي" بَيانٌ لِأنَّهُ لا والِدَ لَهُ، وبِهَذا القَوْلِ بَرَّأها قَوْمُها.

و"الجَبّارُ": المُتَعَظِّمْ، وهي خُلُقٌ مَقْرُونَةُ بِالشَقاءِ لِأنَّها مُناقِضَةٌ لِجَمِيعِ الناسِ فَلا يَلْقى صاحِبُها مِن أحَدٍ إلّا مَكْرُوهًا، وكانَ عِيسى صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ في غايَةِ التَواضُعِ، يَأْكُلُ الشَجَرَ، ويَلْبَسُ الشَعْرَ، ويَجْلِسُ عَلى التُرابِ، ويَأْوِي حَيْثُ جَنَّهُ اللَيْلُ لا مَسْكَنَ لَهُ، قالَ قَتادَةُ: وكانَ يَقُولُ: سَلُونِي فَإنَّ لَيِّنُ القَلْبِ صَغِيرٌ في نَفْسِي، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ تَسْلِيمِهِ عَلى نَفْسِهِ وإدْلالِهِ في ذَلِكَ، وذِكْرُ المَواطِنِ الَّتِي خَصَّها لِأنَّها أوقاتُ حاجَةِ الإنْسانِ إلى رَحْمَةِ اللهِ.

وَقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ما أشَدَّها عَلى أهْلِ القَدْرِ، أخْبَرَ عِيسى بِما قُضِيَ مِن أمْرِهِ وبِما هو كائِنٌ إلى أنْ يَمُوتَ، وفي قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ وغَيْرِهِ أنَّهم لَمّا سَمِعُوا كَلامَ عِيسى وهو في المَهْدِ أذْعَنُوا وقالُوا: إنَّ هَذا لَأمْرٌ عَظِيمٌ، ورُوِيَ أنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ إنَّما تَكَلَّمَ في طُفُولَتِهِ بِهَذِهِ الآيَةِ ثُمْ عادَ إلى حالَةِ الأطْفالِ حَتّى نَشَأ عَلى عادَةِ البَشَرِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ عِيسى كانَ أُوتِيَ الكُتّابَ وهو في ذَلِكَ السِنِّ، وكانَ يَصُومُ ويُصَلِّي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا في غايَةِ الضَعْفِ، مُصَرِّحٌ بِجَهالَةِ قائِلِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أي أشارت إليه إشارة دلّت على أنها تُحيلهم عليه ليسألوه عن قصته، أو أشارت إلى أن يسمعوا منه الجواب عن توبيخهم إياها وقد فهموا ذلك من إشارتها.

ولما كانت إشارتها بمنزلة مراجعة كلام حكى حِوارهم الواقع عقب الإشارة بجملة القول مفصولةً غير معطوفة.

والاستفهام: إنكار؛ أنكروا أن يكلموا من ليس من شأنه أن يتكلم، وأنكروا أن تحيلهم على مكالمته، أي كيف نترقب منه الجواب أو كيف نلقي عليه السؤال، لأن الحالتين تقتضيان التكلم.

وزيادة فعل الكون في ﴿ مَن كَان في المَهدِ ﴾ للدلالة على تمكن المظروفية في المهد من هذا الذي أحيلوا على مكالمته، وذلك مبالغة منهم في الإنكار، وتعجب من استخفافها بهم.

ففعل (كان) زائد للتوكيد، ولذلك جاء بصيغة المضي لأن (كان) الزائدة تكون بصيغة الماضي غالباً.

وقوله ﴿ في المَهْدِ ﴾ خبر (مَن) الموصولة.

و ﴿ صَبِيّاً ﴾ حال من اسم الموصول.

و (المَهْدِ) فراش الصبي وما يمهد لوضعه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَيْئًا فَرِيًّا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ القَبِيحُ مِنَ الِافْتِراءِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ العَمَلُ العَجِيبُ، قالَهُ الأخْفَشُ.

الثّالِثُ: العَظِيمُ مِنَ الأمْرِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

الرّابِعُ: أنَّهُ المُتَصَنَّعُ مَأْخُوذٌ مِنَ الفِرْيَةِ وهو الكَذِبُ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.

الخامِسُ: أنَّهُ الباطِلُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أُخْتَ هارُونَ ﴾ وفي هَذا الَّذِي نُسِبَتْ إلَيْهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ رَجُلًا صالِحًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُنْسَبُ إلَيْهِ مَن يُعْرَفُ بِالصَّلاحِ، قالَهُ مُجاهِدٌ وكَعْبٌ، والمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يَرْفَعُهُ لِلنَّبِيِّ  .

الثّانِي: أنَّهُ هارُونُ أخُو مُوسى فَنُسِبَتْ إلَيْهِ لِأنَّها مِن ولَدِهِ كَما يُقالُ يا أخا بَنِي فُلانٍ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ أخاها لِأبِيها وأُمِّها، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ كانَ رَجُلًا فاسِقًا مُعْلِنًا بِالفِسْقِ ونُسِبَتْ إلَيْهِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ.

﴿ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴾ أيْ زانِيَةً.

وَسُمِّيَتِ الزّانِيَةُ بَغِيًّا لِأنَّها تَبْغِي الزِّنا أيْ تَطْلُبُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأشارَتْ إلَيْهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أشارَتْ إلى اللَّهِ فَلَمْ يَفْهَمُوا إشارَتَها، قالَهُ عَطاءٌ.

الثّانِي: أنَّها أشارَتْ إلى عِيسى وهو الأظْهَرُ، إمّا عَنْ وحْيِ اللَّهِ إلَيْها، وإمّا لِثِقَتِها بِنَفْسِها في أنَّ اللَّهَ تَعالى سَيُظْهِرُ بَراءَتَها، فَأشارَتْ إلى اللَّهِ إلَيْها، فَأشارَتْ إلى عِيسى أنْ كَلِّمُوهُ فاحْتَمَلَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها أحالَتِ الجَوابَ عَلَيْهِ اسْتِكْفاءً.

الثّانِي: أنَّها عَدَلَتْ إلَيْهِ لِيَكُونَ كَلامُهُ لَها بُرْهانًا بِبَراءَتِها.

﴿ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كانَ في المَهْدِ ﴾ وفي ﴿ كانَ ﴾ في هَذا المَوْضِعِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى يَكُونُ تَقْدِيرُهُ مَن يَكُونُ في المَهْدِ صَبِيًّا قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

الثّانِي: أنَّها صِلَةٌ زائِدَةٌ وتَقْدِيرُهُ مَن هو في المَهْدِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

وَفي ﴿ المَهْدِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سَرِيرُ الصَّبِيِّ المَعْهُودُ لِمَنامِهِ.

الثّانِي: إنَّهُ حِجْرُها الَّذِي تُرَبِّيهِ فِيهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَقِيلَ إنَّهم غَضِبُوا وقالُوا: لَسُخْرِيَتُها بِنا أعْظَمُ مِن زِناها، قالَهُ السُّدِّيُّ.

فَلَمّا تَكَلَّمَ قالُوا: إنَّ هَذا لَأمْرٌ عَظِيمٌ.

﴿ قالَ إنِّي عَبْدُ اللَّهِ ﴾ وإنَّما قَدَّمَ إقْرارَهُ بِالعُبُودِيَّةِ لِيُبْطِلَ بِهِ قَوْلَ مَنِ ادَّعى فِيهِ الرُّبُوبِيَّةَ وكانَ اللَّهُ هو الَّذِي أنْطَقَهُ بِذَلِكَ لِعِلْمِهِ بِما يَتَقَوَّلُهُ الغالُونَ فِيهِ.

﴿ آتانِيَ الكِتابَ ﴾ أيْ سَيُؤْتِينِي الكِتابَ.

﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وسَيَجْعَلُنِي نَبِيًّا، والكَلامُ في المَهْدِ مِن مُقَدِّماتِ نُبُوَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ كانَ في حالِ كَلامِهِ لَهم في المَهْدِ نَبِيًّا كامِلَ العَقْلِ ولِذَلِكَ كانَتْ لَهُ هَذِهِ المُعْجِزَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

وَقالَ الضَّحّاكُ: تَكَلَّمَ وهو ابْنُ أرْبَعِينَ.

[يَوْمًا] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَجَعَلَنِي مُبارَكًا أيْنَ ما كُنْتُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: نَبِيًّا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: آمِرًا بِالمَعْرُوفِ وناهِيًا عَنِ المُنْكَرِ.

الثّالِثُ: مُعَلِّمًا لِلْخَيْرِ، قالَهُ سُفْيانُ.

الرّابِعُ: عارِفًا بِاللَّهِ وداعِيًا إلَيْهِ.

﴿ وَأوْصانِي بِالصَّلاةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: الدُّعاءُ والإخْلاصُ.

الثّانِي: الصَّلَواتُ ذاتُ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الصَّلاةَ الِاسْتِقامَةُ مَأْخُوذٌ مِن صَلاةِ العُودِ إذا قُوِّمَ اعْوِجاجُهُ بِالنّارِ.

﴿ والزَّكاةِ ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: زَكاةُ المالِ.

الثّانِي: التَّطْهِيرُ مِنَ الذُّنُوبِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الزَّكاةَ الِاسْتِكْثارُ مِنَ الطّاعَةِ؛ لِأنَّ الزَّكاةَ في اللُّغَةِ النَّماءُ والزِّيادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَبَرًّا بِوالِدَتِي ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِما بَرَّأها بِهِ مِنَ الفاحِشَةِ.

الثّانِي: بِما تَكَفَّلَ لَها مِنَ الخِدْمَةِ.

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبّارًا شَقِيًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ الجَبّارَ الجاهِلُ بِأحْكامِهِ، الشَّقِيُّ المُتَكَبِّرُ عَنْ عِبادَتِهِ.

الثّانِي: أنَّ الجَبّارَ الَّذِي لا يُنْصَحُ، والشَّقِيَّ الَّذِي لا يَقْبَلُ النَّصِيحَةَ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّ الجَبّارَ الظّالِمُ لِلْعِبادِ، والشَّقِيَّ الرّاغِبُ في الدُّنْيا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والسَّلامُ عَلَيَّ ﴾ الآيَةِ.

فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالسَّلامِ السَّلامَةَ، يَعْنِي في الدُّنْيا، ﴿ وَيَوْمَ أمُوتُ ﴾ يَعْنِي في القَبْرِ، ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ؛ لِأنَّ لَهُ أحْوالًا ثَلاثًا: في الدُّنْيا حَيًّا، وفي القَبْرِ مَيْتًا، وفي الآخِرَةِ مَبْعُوثًا، فَسَلِمَ في أحْوالِهِ كُلِّها، وهو مَعْنى قَوْلِ الكَلْبِيِّ.

الثّانِي: يَعْنِي بِالسَّلامِ ﴿ يَوْمَ وُلِدْتُ ﴾ سَلامَتَهُ مِن هَمْزَةِ الشَّيْطانِ فَإنَّهُ لَيْسَ مَوْلُودٌ يُولَدُ إلّا هَمَزَهُ الشَّيْطانُ وذَلِكَ حِينَ يَسْتَهِلُّ، غَيْرَ عِيسى فَإنَّ اللَّهَ عَصَمَهُ مِنها.

وَهو مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ أمُوتُ ﴾ يَعْنِي سَلامَتَهُ مِن ضَغْطَةِ القَبْرِ لِأنَّهُ غَيْرُ مَدْفُونٍ في الأرْضِ ﴿ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا ﴾ لَمْ أرَ فِيهِ عَلى هَذا الوَجْهِ ما يُرْضِي.

وَيُحْتَمَلُ أنَّ تَأْوِيلَهُ عَلى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ سَلامَتُهُ مِنَ العَرْضِ والحِسابِ لِأنَّ اللَّهَ ما رَفَعَهُ إلى السَّماءِ إلّا بَعْدَ خَلاصِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والمَعاصِي.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثُمَّ انْقَطَعَ كَلامُهُ حَتّى بَلَغَ مَبْلَغَ الغِلْمانِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ فأشارت إليه ﴾ أن كلموه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ فأشارت إليه ﴾ قال: أمرتهم بكلامه.

وفي قوله: ﴿ في المهد ﴾ قال في الحجر.

وأخرج عبد بن حميد، عن عمرو بن ميمون قال: إن مريم لما ولدت أتت به قومها، فأخذوا لها الحجارة ليرموها، فأشارت إليه فتكلم فتركوه.

وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة.

قال: ﴿ المهد ﴾ المرباة.

قال إبراهيم: المرباة، المرجحة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر، عن هلال بن يساف قال: لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: صاحب جريج، وعيسى، وصاحب الحبشية.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: تكلم في المهد أربعة: عيسى، وصاحب يوسف، وصاحب جريج، وابن ماشطة ابنة فرعون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ قال ابن عباس: (تريد أن كلموه وهو يرضع فنظر بعضهم إلى بعض تعجبا منها حين أشارت إليه) (١) ﴿ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ ﴾ الآيه.

وقال أبو إسحاق: (أشارت إليه بأن يجعلوا الكلام معه، ودل على أنها أشارت إليه في الكلام، قوله: ﴿ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ﴾ ) (٢) (٣) والمَهْدُ: الموضع الذي يُهَيَأ لينام فيه الصبي (٤) (٥) ويجوز أن يكون: سريرا كالمَهْد المعروف للصبيان (٦) ﴿ كَانَ ﴾ هاهنا فقال أبو عبيدة: ( ﴿ كَانَ ﴾ هاهنا حشو زائد (٧) (٨) (٩) (١٠) فَكَيْفَ إذَا رَأَيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ ...

وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام وقال قوم: ( ﴿ كَانَ ﴾ في معنى وقع وحدث) (١١) (١٢) ﴿ كَانَ ﴾ بمعنى حدث قبيح أيضا؛ لأن الصبي لما انتصب بالكون لم يكن الكون بمعنى الحدوث؛ لأنه إذا كان بمعنى الوقوع والحدوث استغنى عن خبره، كما تقول: كان البرد وكان الحر، تريد وقع وحدث -ثم اختار قول الزجاج- قال: والذي نذهب إليه أن يكون ﴿ مَنْ ﴾ في معنى الجزاء و ﴿ كَانَ ﴾ بمعنى يكون، والتقدير: من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه؟

كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل عظتي؟

معناه: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى المستقبل في باب الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ  ﴾ معناه: إن شاء يجعل) (١٣) قال السدي: (لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: سخريتها بنا حيث تأمرنا أن نسأل هذا الصبي أعظم علينا مما صنعت) (١٤) (١) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328.

(٣) ذكره "المحرر الوجيز" 9/ 262 بدون نسبة، و"النكت والعيون" 3/ 370 ونسبة لقتادة، و"زاد المسير" 5/ 226.

(٤) انظر: "تهذيب اللغة" (مهد) 4/ 3461، "الصحاح" (مهد) 2/ 541، "المفردات في غريب القرآن" (مهد) ص 476، "المصباح المنير" (المهد) ص 582.

(٥) "جامع البيان" 16/ 79، "النكت والعيون" 3/ 370، "زاد المسير" 5/ 226.

(٦) "النكت والعيون" 3/ 369، "معالم التنزيل" 5/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.

(٧) هذا القول بعيد ولا يليق أن يوصف كلام الله بالحشو الزائد، وكتاب الله هو الحكم في اللغة.

قال القرطبي 11/ 102: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت (صبيا).

وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "البيان في غريب القرآن" 2/ 124، "البحر المحيط" 6/ 187.

(٨) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 7، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "البحر المحيط" 6/ 187.

(٩) "معالم التنزيل" 5/ 229، "زاد المسير" 5/ 228، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.

(١٠) البيت للفرزدق قاله في قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك.

انظر "ديوانه" ص 597، "خزانة الأدب" 9/ 217، "الكتاب" 2/ 153، "المقتضب" 4/ 116، "الدر المصون" 7/ 595، "لسان العرب" (كون) 7/ 3961.

(١١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 308.

(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328.

(١٣) ذكر في "زاد المسير" 5/ 228، "البحر المحيط" 6/ 187، "الدر المصون" 7/ 594.

(١٤) "المحرر الوجيز" 9/ 462، "الكشاف" 2/ 410، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 133، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ ياأخت هارون ﴾ كان هارون عابداً من بني إسرائيل، شبهت به مريم في كثرة العبادة فقيل لها أخته بمعنى أنها شبهه، وقيل: كان أخاها من أبيها، وكان رجلاً صالحاً، ويل: هو هارون النبي أخو موسى وكانت من ذريته، فأخت على هذا كقولك: أخو بني فلان أي واحد منهم، ولا يتصور على هذا القول أن تكون أخته من النسب حقيقة، فإن بين زمانهما دهراً طويلاً ﴿ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ﴾ إي إلى ولدها ليتكلم وصمتت هي كما أمرت ﴿ كَانَ فِي المهد صَبِيّاً ﴾ كان بمعنى يكون، والمهد هو المعروف، وقيل المهد هنا حجرها ﴿ آتَانِيَ الكتاب ﴾ يعني الإنجيل، أو التوراة والإنجيل ﴿ مُبَارَكاً ﴾ من البركة وقيل: نفاعاً، وقيل: معلماً للخير.

واللفظ أعم من ذلك ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ هما المشروعتان، وقيل: الصلاة هنا الدعاء، والزكاة: التطهير من العيوب ﴿ وَبَرّاً ﴾ معطوف على مباركاً، روي أن عيسى تكلم بهذا الكلام وهو في المهد، ثم عاد إلى حالة الأطفال على عادة البشر، وفي كلامه هذا ردّ على النصارى، لأنه اعترف أنه عبد الله، وردّ على اليهود لقوله: وجعلني نبياً ﴿ والسلام عَلَيَّ ﴾ أدخل لام التعريف هنا لتقدّم السلام المنكر في قصة يحيى، فهو كقولك: رأيت رجلاً فأكرمت الرجل، وقال الزمخشري: الصحيح أن هذا التعريف تعريض بلغة من اتهم مريم كأنه قال: السلام كله عليّ لا عليكم، بل عليكم ضدّه.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إني أعوذ ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وابن كثير وأبو عمرو.

﴿ ليهب لك ﴾ على الغيبة: أبو عمرو ويعقوب وورش والحلواني عن قالون وحمزة في الوقف.

الآخرون ﴿ لأهب ﴾ على التكلم ﴿ نسياً ﴾ بفتح النون: حمزة وحفص.

الباقون بكسرها.

﴿ من تحتها ﴾ بكسر الميم على أنه حرف جر وبجر التاء الثانية: أبو جعفر ونافع وسهل وحمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.

الباقونه بفتحهما على أن "من" موصولة والظرف صلتها ﴿ تساقط ﴾ بحذف تاء التفاعل: علي وحمزة والخزاز عن هبيرة.

﴿ تساقط ﴾ من المفاعلة: حفص غير الخزاز ﴿ يساقط ﴾ بياء الغيبة، وعلى أن الضمير للجذع وبإدغام التاء في السين: سهل ويعقوب ونصير وحماد.

الباقون مثله ولكن بتاء التأنيث على أن الضمير للنخلة ﴿ آتاني الكتاب ﴾ ممالة مفتوحة الياء: عليّ.

وقرأ حمزة مرسلة الياء مفخمة في الوصل ممالة في الوقف.

﴿ وأوصاني ﴾ بالإمالة: علي ﴿ قول الحق ﴾ بالنصب: ابن عامر وعاصم ويعقوب.

﴿ وإن الله ﴾ بكسر الهمزة: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر وروح والمعدل عن زيد.

الوقوف: ﴿ مريم ﴾ لا ليصير "إذ" ظرفاً لأذكر ﴿ شرقياً ﴾ لا للعطف ﴿ زكياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ط لما مر ﴿ هين ﴾ ج لجواز كون الواو مقحمة أو معلقة بمحذوف كما يجيء ﴿ منا ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ مقضياً ﴾ ه ﴿ قصياً ﴾ ه ﴿ النخلة ﴾ ج لترتب الماضي من غير عاطف والأولى أن يكون استئنافاً ﴿ منسياً ﴾ ه ﴿ سرياً ﴾ ه ﴿ جنياً ﴾ ه ز ﴿ عيناً ﴾ ه ج للشرط مع الفاء ﴿ أحداً ﴾ لا لأن ما بعده جواب الشرط ﴿ نسياً ﴾ ه ج للعطف مع الآية ﴿ تحمله ﴾ ط ﴿ فرياً ﴾ ه ﴿ بغياً ﴾ ه ج ﴿ إليه ﴾ ج ﴿ صبياً ﴾ ه ﴿ عبد الله ﴾ ط لأن الجملة لا تقع صفة للمعرفة.

ويمكن أن يجعل معنى التحقيق في "إن" عاملاً فيكون حالاً فلا يوقف ﴿ أينما كنت ﴾ ص لطول الكلام ﴿ حياً ﴾ ص ه لذلك والوصل أولى لأن قوله ﴿ وبراً ﴾ معطوف على قوله ﴿ مباركاً ﴾ .

﴿ بوالدتي ﴾ ج لتبدل الكلام من الإثبات إلى النفي ﴿ شقياً ﴾ ، ﴿ حياً ﴾ ه، ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ ج على القراءتين لاحتمال أن يراد أقول قول الحق وأن يجعل حالاً، وأما في قراءة الرفع فإما أن يكون بدلاً من عيسى أو يكون التقدير هو قول الحق ﴿ يمترون ﴾ ه، ﴿ من ولد ﴾ ه استعجالاً للتنزيه {  } ط ﴿ فيكون ﴾ ه ط لمن قرأ ﴿ وأن ﴾ بالكسر ﴿ فاعبدوه ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ، ه ﴿ من بينهم ﴾ ج لأن ما بعده مبتدأ مع الفاء ﴿ عظيم ﴾ ه ﴿ وأبصر ﴾ لا لأن ما بعده ظرف للتعجب ﴿ مبين ﴾ ه وسمعت عن مشايخي رحمهم الله أن الوقف على قوله ﴿ قضى الأمر ﴾ لازم لا أقل من المطلوب لأن ما بعده جملة مستأنفة ولو وصل لأوهم أن يكون حالاً من القضاء وليس كذلك ﴿ لا يؤمنون ﴾ ، ه ﴿ يرجعون ﴾ ه.

التفسير: هذا شروع في ابتداء خلق عيسى ولا ريب أن خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب، فلهذا أخرت قصة عيسى عن قصة يحيى ترقياً من باب التفهم من الأدنى إلى الأعلى.

وقوله "إذ" بدل الاشتمال من مريم لأن الأزمان مشتملة على ما فيها، وفي هذا الإبدال تفخيم لشأن الوقت كوقوع قصتها العجيبة فيه.

والانتباه "افتعال" من النبذ الطرح كأنها ألقت نفسها إلى جانب معتزلة عن الناس في مكان يلي شرقي بيت المقدس أو شرقي دارها.

قال ابن عباس: من ههنا اتخذت النصارى المشرق قبلة ﴿ فاتخذت من دونهم حجاباً ﴾ لا بد لهذا الاحتجاب من غرض صحيح فمن المفسرين من قال: إنها لما رأت الحيض تباعدت عن مكانها المعتاد لكي تنتظر الطهر فتغتسل وتعود، فلما طهرت جاء جبريل  ، وقيل: طلبت الخلوة لأجل العبادة.

وقيل: في مشربة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أو شيء يسترها.

وقيل: كانت في منزل زوج أختها زكريا ولها محراب على حدة تسكنه، وكان زكريا إذا خرج أغلق عليها بابها فتمنت أن تجد خلوة في الجبل لتفلي رأسها، فانفجر السقف لها فخرجت وجلست في المشرفة وراء الجبل فأتاها الملك وذلك قوله: ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ يعني جبرائيل لأن الدين يحيا به وبوحيه، والإضافة للتشريف والتسمية مجاز كما تقول لمن تحبه إنه روحي ﴿ فتمثل لها ﴾ حال كونه ﴿ بشراً سوياً ﴾ تام الخلق أو حسن الصورة.

وإنما مثل لها في صورة الإنسان لتستأنس بكلامه ولا تنفر عنه، وتدرع الروحاني كجبريل مثلاُ تارة بالهيكل العظيم وأخرى بالصغير غير مستبعد، والذين اعتقدوا أن جبرائيل جسماني جوزوا أن يكون له أجزاء أصلية قليلة وأجزاء فاضلة، فبتلك الأجزاء الأصلية يكون متمكناً من التشبه بصورة الإنسان، ولندرة أمثال هذه الأمور لا يلزم منها قدح في العلوم العادية المستندة إلى الإحساس.

فلا يلزم الشك في أن زيداً الذي نشاهده الآن هو الذي شاهدناه بالأمس.

قوله: ﴿ إن كنت تقياً ﴾ أي إن كان يرجى منك أن تتقي الله وترجع بالاستعاذة به فإني عائذة به منك.

وقيل: إنه كان في ذلك العصر إنسان فاجر اسمه تقي وكان يتتبع النساء فظننت أن ذلك المتمثل هو ذلك الشخص فاستعاذت بالله.

وقيل: "إن" نافية أي ما كنت تقياً حين استحللت النظر إلي وخلوت بي.

وحين علم جبريل خوفها ﴿ قال إنما أنا رسول ربك ﴾ أرسلني ﴿ لأهب لك ﴾ أو ليهب لك ﴿ غلاماً زكياً ﴾ طاهراً من الذنوب ينمو على النزاهة والعفة.

وكيف زال خوفها بمجرد القيل؟

احتمل أن يكون قد ظهر لها معجزة من جهة زكريا أو إرهاصاً لعيسى أو إلهاماً من الله  .

وهل تقدر الملائكة على تركيب الأجزاء وخلق الحياة والنطق حتى صح قول جبرائيل ﴿ لأهب لك ﴾ ؟

قال: اجتمعت الأمة على أن لا قدرة للأجسام على إيجاد الجواهر وإعدامها وإلا فلا استبعاد في تأثير بعض الأجسام في بعضها الخاصية خصها الله بها.

ووجه صحة هذه القراءة أن جبرائيل صار سبباً في الهبة بالنفخ في الدرع.

﴿ قالت ﴾ استغراباً من حيث العادة لا تشكيكاً في قدرة الله ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولم تقل ههنا "رب" إما لأنها تخاطب جبرائيل، وإما اكتفاء بما سلف في آل عمران ﴿ ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا ﴾ هي الفاجرة التي تبغي الرجال.

عن المبرد أن أصله يغوى على "فعول" قلبت الواو ياء ثم أدغمت في الياء وكسرت الغين للمناسبة.

وعن ابن جنى أنه "فعيل" وإلا لقيل بغو كنهو عن المنكر خصصت بعدما عممت لزيادة الاعتبار بهذا الخزي تبرئة لساحتها عن الفحشاء.

ولما جرى في أول القصة من تمثل جبرائيل لها بصورة البشر حتى ظنت أنه يريدها بسوء فاستعاذت بالرحمن منه بخلاف هذه القصة في آل عمران.

فإنها بنيت على الأمن والبشارة بقوله: ﴿ وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك  ﴾ فلم تحتج إلى هذه الزيادة.

وقال جار الله: المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه في قوله: ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أو لامستم النساء  ﴾ وإنما يقال في الزنا "فجر بها" و "خبث بها" ونحو ذلك ولا يليق به الكنايات والآداب.

قلت لو سلم هذا من حيث اللغة إلا أنه لا بد لزيادة قوله: ﴿ ولم أك بغياً ﴾ في هذا المقام من فائدة وقد عرفت ما سنح لنا والله أعلم.

﴿ قال كذا قال ربك هو عليّ هين ﴾ تفسيره كما مر في قصة زكريا ﴿ ولنجعله ﴾ أي ولنجعل الغلام أو خلقه ﴿ آية للناس ﴾ يستدل بها على كمال اقتدارنا على إبداع الغرائب فعلنا ذلك، ويجوز أن يكون معطوفاً على تعليل مضمر يتعلق بما يدل عليه ﴿ هين ﴾ أي تخلقه لنبين به قدرتنا ﴿ ولنجعله آية ﴾ وقد مر مثل هذا في قوله: ﴿ وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه  ﴾ ﴿ ورحمة منا ﴾ على عبادنا لأن كل نبي رحمة لأمته فبه يهدون إلى صلاح الدارين ﴿ وكان أمراً مقضياً ﴾ مقدراً في اللوح أو أمراً حقيقاً بأن يقضي به لكونه آية ورحمة، وهذا مبني على أن رعاية الأصلح واجبة على الله.

وههنا إضمار قال ابن عباس: فاطمأنت إلى قوله فدنا منها فنفخ في جيب درعها فوصلت النفخة إلى بطنها فحملت.

وقيل: في ذيلها فوصلت إلى الفرج.

وقيل: في فمها.

وقيل: إن النافخ هو الله كقوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وعلى هذا يقع تقديم ذكر جبرائيل كالضائع ولا سيما في قراءة من قرأ ﴿ لأهب لك ﴾ قيل: حملته وهي بنت ثلاث عشرة سنة.

وقيل: بنت عشرين وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل.

وكم مدة حملها؟

عن ابن عباس في رواية تسعة أشهر كما في سائر النساء لأنها لو كانت مخالفة لهن في هذه العادة لناسب أن يذكرها الله  في أثناء مدائحها.

وقيل: ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية إلا عيسى.

قال أهل التنجيم: إنما لا يعيش لأنه يعود إلى تربية القمر وهو مغير معفن بسرعة حركته وغلبة التبريد والترطيب عليه.

وعن عطاء وأبي العالية والضحاك: سبعة أشهر.

وقيل: ستة أشهر.

وقيل: حملته في ساعة وصور في ساعة ووضعته في ساعة حين زالت الشمس من يومها.

وعن ابن عباس في رواية أخرى: كما حملته نبذته لقوله  : ﴿ إن مثل عيسى عند الله ﴾ إلى قوله: ﴿ كن فيكون  ﴾ ولفاآت التعقيب في قوله: ﴿ فحملته فانتبذت به مكاناً قصياً فأجاءها المخاض ﴾ وعلى هذا فالمكان القصي هو أقصى الدار أو وراء الجبل بعيداً من أهلها.

ومعنى انتبذت به اعتزلت متلبسة به وهو في بطنها.

وقصى مبالغة قاص.

وروى الثعلبي عن وهب قال: إن مريم لما حملت فأول من عرف هو يوسف النجار ابن عمها و كانت سميت له، وكانا يخدمان المسجد ولا يعلم من أهل زمانهما أكثر عبادة وصلاحاً منهما.

فقال لها: إنه وقع في نفسي من أمرك شيء ولا أحب أن أكتمه عنك.

فقالت: قل قولاً جميلاً.

فقال: أخبريني يا مريم هل نبت زرع بغير بذر؟

قالت: نعم.

ألم تعلم أن الله  أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر!

أو تقول: إن الله لا يقدر على الإنبات حتى يستعين بالماء، ألم تعلم أن الله  خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى!

فقال يوسف: لا أقول هذا ولكني أقول: إن الله قادر على ما يشاء، وزالت التهمة عن قلبه وكان ينوب عنها في خدمة المسجد لضيق قلبها واستيلاء الضعف عليها من الحمل.

فحين دنا نفاسها أوحى الله إليها أن اخرجي من أرض قومك لئلا يقتلوا ولدك، فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، فلما بلغت تلك الدار أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة.

قال جار الله: منقول من جاء إلا أن استعماله قد تغير بعد النقل إلى معنى الإلجاء.

لا يقال: جئت المكان وأجاءنيه زيد كما يقال بلغته وأبلغنيه، ونظيره "آتى" حيث لم يستعمل إلا في الإعطاء ولم يقل "أتيت المكان وآتانيه فلان".

قلت: حاصله تخصيص باء التعدية بعد تعميم و ﴿ المخاض ﴾ بفتح الميم وجع الولادة.

قال الجوهري: مخضت الناقة بالكسر مخاضاً مثل سمع سماعاً.

قيل: طلبت الجذع لتستتر به وتعتمد عليه عند الولادة.

يروى أنه كان جذعاً لنخلة يابسة في الصحراء ليس لها رأس ولا ثمرة خضرة، وكان الوقت شتاء والتعريف إما كتعريف النجم والصعق لكون ذلك الجذع مشهوراً هناك، وإما للجنس أي جذع هذه الشجرة خاصة أرشدت إليها لتطعم منها الرطب الذي هو خرسة النفساء أي طعامها الموافق لها، ولأن النخلة أقل الأشياء صبراً على البرد ولا تثمر إلا باللقاح فكان ظهور ذلك الرطب من ذلك الجذع في الشتاء من دون لقاح وإبار دليلاً على حصول الولد من غير ذكر قال في الكشاف: النسي اسم ما من حقه أن يطرح وينسى كخرقة الطامث ونحوها، ونظير الذبح لما من شأنه أن يذبح.

وعن يونس: أن العرب إذا ارتحلوا قالوا: انظروا أنساءكم يعنون العصا والقدح والشظاظ ونحوها.

تمنت لو كانت شيئاً يعبأ به فحقه أن ينسى في العادة.

ومعنى ﴿ منسياً ﴾ أنه قد نسي وطرح فوجد فيه النسيان الذي هو حقه.

وإنما تمنت ذلك لما لحقها من فرط الحياء والخجل، أو لأنهم بهتوا وهي عارفة ببراءة ساحتها فشق ذلك عليها، أو لخوفها على الناس أن يعصوا الله بسببها.

ومن قرأ ﴿ نسياً ﴾ بالفتح فقد قال الفراء: هما لغتان كالوتر والوتر.

ويجوز أن يكون تسمية بالمصدر كالحمل.

وقرىء ﴿ نسأ ﴾ بالهمز وهو الحليب المخلوط بالماء ينسؤه أهله لقلته ونزارته ﴿ فناداها من تحتها ﴾ الذي هو تحتها أو إنسان تحتها يعني جبريل بناء على أنه كان يقبل الولد كالقابلة، أو أراد أسفل من مكانها لأن مريم كانت أقرب إلى الشجرة منه، أو كان جبريل تحت الأكمة وهي فوقها فصاح بها لا تحزني.

وعن الحسن وسعيد بن جبير أن المراد به عيسى لأن ذكر عيسى أقرب، ولأن موضع اللوث لا يليق بالملك، ولأن الصلة يجب أن تكون معلومة للسامع والذي علم كونه حاصلاً تحتها هو الولد ويجري القولان فيمن قرأ بكسر الميم.

وعن عكرمة وقتادة أن الضمير في تحتها للنخلة.

قوله: ﴿ سرياً ﴾ جمهور المفسرين على أن السريّ هو الجدول.

وروي ذلك عن النبي  سمي بذلك لأن الماء يسري فيه.

وقيل: هو من السر ومعناه سخاء في مروءة: ويقال: فلان من سروات قومه أي من أشرافهم.

وجمع السري سراة وجمع سراة سروات.

عن الحسن: كان والله عبداً سرياً حجة هذا القائل أن النهر لا يكون تحتها بل إلى جنبها ولا يمكن أن يقال: المراد أن النهر تحت أمرها يجري بأمرها ويقف بأمرها كما في قوله: ﴿ وهذه الأنهار تجري من تحتي  ﴾ لأنه خلاف الظاهر.

وأجيب بأن المكان المستوي إذا كان فيه مبدأ معين فكل من كان أقرب منه كان فوق.

وكل من كان أبعد منه كان تحت.

وأراد أن النهر تحت الأكمة وهي فوقها.

وأيضاً حمل السري على النهر موافق قوله: ﴿ وءاوينٰهما إلى ربوة ذات قرار ومعين ﴾ \[المؤمنون: 50\] وقوله: ﴿ فكلي واشربي ﴾ يروى أن جبريل ضرب برجله فظهر ماء عذب.

وقيل: كان هناك ماء جار، والأول أقرب لأن قوله ﴿ قد جعل ربك ﴾ مشعر بالأحداث في ذلك الوقت.

قال القفال: الجذع من النخلة هو الأسفل وما دون الرأس الذي عليه الثمرة.

وقال قطرب: كل خشبة في أصل شجرة هي جذع، والباء في قوله: ﴿ بجذع النخلة ﴾ كالزائد لأن العرب تقول هزة وهز به والمعنى حركي جذع النخلة أو افعلي الهز به.

و ﴿ رطباً ﴾ تمييز ومفعول تساقط على حسب القراآت اللازمة والمتعدية.

وعن الأخفش المراد جواز انتصابه بــ ﴿ هزي ﴾ أي هزي إليك رطباً جنياً بجذع النخلة أي على جذعها.

والجني المأخوذ طرياً.

والظاهر أنه ما أثمر إلا الرطب وقد صار نخلاً.

وقيل: إنه كان على حاله وإنه أثمر مع الرطب غيره.

قالوا: إذا عسر ولادة المرأة لم يكن لها خير من الرطب، والتمر للنفساء عادة من ذلك الوقت وكذا التحنيك.

والمراد أنه جمع لها فائدتان في السري والرطب: إحداهما الأكل والشرب وقدم الأكل مع أن ذكر السري مقدم لأن احتياج النفساء إلى أكل الرطب أشد من احتياجها إلى شرب الماء لكثرة ما سال من الدماء، والثانية سلوة الصدر لكونهما معجزين لزكريا أو إرهاصاً لعيسى أو كرامتين لمريم وأشار إلى هذه بقوله: ﴿ وقري عيناً ﴾ لأن قرّة العين تلزم قوة القلب والتسلي من الهموم والأحزان.

وقيل: إن ألم النفس أشد من ألم البدن، فلم قدم دفع ألم البدن على دفع ألم القلب؟

وأجيب بأن الخوف النفسي كان قليلاً لتقدم بشارة جبريل فكان التذكر كافياً ﴿ فإما ترين ﴾ أصله ترأيين مثل تسمعين خففت الهمزة وسقطت نون الإعراب للجزم ثم ياء الضمير للساكنين وذلك بعد لحوق نون التأكيد وقد مر في قوله: ﴿ إمَّا يبلغن عندك الكبر  ﴾ إذاً لتأكيد هذه الصورة يقصد به أن الشرط مما سيقع غالباً فإن مريم لا بد أن ترى أحداً من البشر عادة.

عن أنس بن مالك: الصوم هنا الصمت.

وعن ابن عباس مثله.

وقال أبو عبيدة: كان ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وقيل:أراد الصيام إلا أنهم كانوا لا يتكلمون في صيامهم.

قال القفال: لعل مثل هذا النذر يجوز في شرعنا لأن الاحتراز عن كلام البشر يجرد الفكر لذكر الله  وهو قربة، ولعله لا يجوز لما فيه من التضييق والتشديد ولا حرج في الإسلام.

وفي الكشاف: نهى رسول الله  عن صوم الصمت.

وروي أنه دخل أبو بكر الصديق على امرأة وقد نذرت أنها لا تتكلم فقال أبو بكر: إن الإسلام هدم هذا فتكلمي.

وفي أمرها بهذا النذر معنيان: أحدهما أن كلام عيسى أقوى في إزالة التهمة وفيه أن تفويض الأمر إلى الأفضل أولى، والثاني أن السكوت عن جدال السفهاء أصون للعرض ومن أذل الناس سفيه لم يجد مشافهاً.

وكيف أخبرتهم بالنذر؟

قيل: بالإشارة وإلا لزم النقض.

وقيل: خص هذا الكلام بالقرينة العقلية.

وقوله: ﴿ إنسياً ﴾ أراد المبالغة في نفي الكلام أو أراد أني أكلم الملائكة دون الإنس وهذا أشبه بقوله: ﴿ فإما ترين من البشر ﴾ .

﴿ فأتت به ﴾ أي بعيسى ﴿ قومها تحمله ﴾ الجملة حال.

عن وهب: قال أنساها كربة الميلاد وما سمعت من الناس ما كان من بشارة الملائكة، فلما كلمها جاءها مصداق ذلك فاحتملته فأقبلت به إلى قومها.

وعن ابن عباس: أن يوسف النجار انتهى بمريم إلى غار فلبثوا فيه أربعين يوماً حتى طهرت من نفاسها، ثم جاءت تحمله فكلمها عيسى في الطريق فقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه.

فلما دخلت به على قومها تباركوا وقالوا: ﴿ لقد جئت شيئاً فرياً ﴾ بديعاً من فرى الجلد، وليس في هذا ما يوجب تعييراً أو ذماً لأن أمرها كان خارجاً عن المعتاد، ويحتمل أن يراد إنه أمر منكر خارج عن طريق العفة والصلاح فيكون توبيخاً ويؤكده قولهم: ﴿ يأخت هرون ﴾ الآية.

واختلفوا في هارون فقيل: كان أخاها من أبيها من أمثل بين إسرائيل وهذا أظهر لأن حمل اللفظ على الحقيقة أولى من غيره.

وقيل: يروى عن النبي  أنهم عنوا هارون النبي أخا موسى عليهما السلام وكانت من أعقاب من كان معه في طبقة الأخوة وبينهما ألف سنة وأكثر.

وعن السدي: كانت من أولاده والمراد أنها واحدة منهم كما يقال يا أخا همدان أي يا واحداً منهم.

وقيل: أرادوا رجلاً صالحاً في زمانها أي كنت عندنا مثله في الصلاح.

ويحكى أنه تبع جنازته أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون تبركاً به وباسمه.

وقيل: كان رجلاً طالحاً معلناً بالفسق فسموها به وبالتشبيه بسيرته.

ويروى أنهم هموا برجمها ﴿ فأشارت إليه ﴾ أي أن عيسى هو الذي يحكم.

وبم عرفت ذلك؟

إما بأن كلمها في الطريق أو بالإلهام أو بالوحي إلى زكريا أو بقول جبريل على أن أمرها بالسكوت بعد ما سبق من البشارة قيل: كان المستنطق لعيسى زكريا.

وعن السدي.

لما أشارت إليه غضبوا وقالوا لسخريتها بنا أشد علينا من زناهم ثم ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد ﴾ قال جار الله: "كان" لإيقاع مضمون الجملة في زمان ماضٍ مبهم يصلح للقريب والبعيد، وههنا للزمان القريب عن الحال بدلالة الحال، أو هو حكاية حال ماضية أي كيف عهد قبل عيسى أن يكلم الناس ﴿ صبياً ﴾ في المهد حتى تكلم هذا، ويحتمل أن يقال: "كان" زائدة نظراً إلى أصل المعنى وإن كان يفيد زيادة ارتباط مع رعاية الفاصلة، أو هي تامة ﴿ صبياً ﴾ حال مؤكدة.

ويرى أنه كان يرضع فلما سمع مقالتهم ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وتكلم مع جاره وأشار بسبابته قائلا: ﴿ إني عبد الله ﴾ فكان فيه أوّلاً رد قول النصارى: ﴿ آتاني الكتاب ﴾ هو الإنجيل والتوراة أي فهمها.

وقيل: أكمل الله عقله واستنبأه طفلاً بل في بطن أمه.

وقيل: أراد أنه سبق في قضائه، أو جعل الآتي لا محالة كأنه قد وجد والأول أظهر وصغر الجسم لا مدح في كمال العقل وخرق العادة فيه أكذا قالوا إن كمال عقله في ذلك الوقت خارق للعادة.

فيكون المعجز متقدماً على التحدي وهو غير جائز ولو كان نبياً في ذلك الوقت وجب أن يشتغل ببيان الشرائع والأحكام ولو وقع ذلك لاشتهر ونقل.

والجواب أن بعض معجزات النبي لا بد أن يكون مقروناً بالتحدي، أما الكل فممنوع، وبعبارة أخرى لا بد أن يكون مقروناً بفعل خارق عن العادة، ولكن كل فعل خارق للعادة فإنه لا يلزم اقترانه بالتحدي، وكذا الكلام في بيان الشرائع فإن بعض أوقات النبي لا بد أن يقترن به التحدي دون كل أوقاته وحالاته، على أنه أشار إلى بعض التكاليف بقوله: ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ كما يجيء.

وعن بعضهم أنه كان نبياً لقوله: ﴿ وجعلني نبياً ﴾ ولكنه ما كان رسولاً لأنه ما جاء بالشريعة في ذلك الوقت ومعنى كونه نبياً أنه رفيع القدر عليّ الدرجة، وضعف بأن النبي في عرف الشرع أخص من ذلك.

ومعنى قوله: ﴿ مباركاً أينما كنت ﴾ نفاعاً حيثما كنت روي ذلك عن رسول الله  .

وقيل معلماً للخير، وضلال كثير من أهل الكتاب باختلافهم فيه لا يقدح في منصبه كما قيل: عليّ نحت القوافي من معادنها *** وما عليّ إذا لم تفهم البقر وهذه سنة الله في أنبيائه ورسله كلهم ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوّاً  ﴾ يروى أن مريم سلمت عيسى إلى المكتب فقالت للمعلم.

أدفعه إليك على أن لا تضربه فقال له: اكتب.

فقال له: أي شيء أكتب؟

فقال: اكتب "أبجد" فقال: لا أكتب شيئاً لا أدري.

ثم قال: إن لم تعلم ما هو فأنا أعلمك.

الألف من آلاء الله، والباء من بهاء الله والجيم من جمال الله، والدال من أداء الحق إلى الله.

وقيل: البركة أصلها من بروك البعير والمعنى جعلني ثابتاً في دين الله مستقراً فيه.

وقيل: البركة هي الزيادة والعلو فكأنه قال: جعلني في جميع الأشياء غالباً منجحاً إلى أن يكرمني الله بالرفع إلى السماء عن قتادة أنه رأته امرأة وهو يحيي الموتى ويبرىء الأكمه والأبرص فقالت: طوبى لبطن حملتك وثدي أرضعت به.

فقال عيسى  مجيباً لها: طوبى لمن تلا كتاب الله واتبع ما فيه ولم يك جباراً شقياً.

﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ﴾ أي بأدائهما إما في وقتهما المعين وهو وقت البلوغ، وإما في الحال بناء على أنه كان مع صغره كامل العقل تام التركيب بحيث يقوى على أداء التكاليف ويؤيده قوله ﴿ ما دمت حياً ﴾ وقيل: الزكاة ههنا صدقة الفطر.

وقيل: تطهير البدن من دنس الآثام.

وقيل: أوصاني بأن آمركم بهما.

وفي قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ دلالة وإشارة إلى تبرئة أمه من الزنا وإلا لم يكن الرسول المعصوم مأموراً بالبر بها.

قال بعض العلماء: لا تجد العاق إلا جباراً شقياً وتلا قوله: ﴿ وبراً بوالدتي ﴾ ﴿ ولم يجعلني جباراً شقياً ﴾ ولا تجد سيىء الملكة إلا مختالاً فخوراً.

وقرأ ﴿ وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالاً فخوراً  ﴾ وإنما نفى عن عيسى الشقاوة ولم ينف عنه المعصية كما نفى عن يحيى لما جاء في الخبر "ما أحد من بني آدم إلا أذنب أو هم بذنب إلا يحيى بن زكريا" ومن عقائد أهل السنة أن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر.

قوله: ﴿ والسلام عليّ ﴾ قالت العلماء: إنما عرف السلام ههنا بعد تنكيره في قصة يحيى لأن النكرة إذا تكررت تعرفت على أن تعريف الجنس قريب من تنكيره.

وقيل: إن الأول من الله والقليل عنه كثير.

قليل منك يكفيني *** قليلك لا يقال له قليل وإني لأرضى منك يا هند بالذي *** لو أبصره الواشي لقرت بلابله بلا وبأن لا أستطيع وبالمنى *** وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله والثاني من عيسى والكثير منه لا يبلغ معشار سلام الله.

عن بعضهم أن عيسى  قال ليحيى: أنت خير مني سلم الله عليك وسلمت على نفسي.

وأجاب الحسن بأن تسليمه على نفسه هو تسليم الله عليه.

وقال جار الله: في هذا التعريف تعريض باللعنة على متهمي مريم وأعدائها من اليهود لأنه إذا زعم أن جنس السلام خاصته فقد عرض بأن ضده عليهم نظيره في قصة موسى ﴿ والسلام على من اتبع الهدى  ﴾ يعني أن العذاب على من كذب وتولى.

يروى أنه كلمهم بهذه الكلمات ثم لم يتكلم حتى بلغ مبلغاً يتكلم فيه الصبيان.

وعن اليهود والنصارى أنهم أنكروا تكلم عيسى في المهد قائلين إن هذه الواقعة مما يتوفر الدواعي على نقلها، فلو وجدت لاشتهرت وتواترت مع شدة غلو النصارى فيه وفي مناقبه.

وأيضاً إن اليهود مع شدة عداوتهم له لو سمعوا كلامه في المهد بالغوا في قتله ودفعه في طفوليته.

وأجاب المسلمون من حيث العقل بأنه لولا كلامه الذي دلهم على براءتها من الذي قذفوها به لأقاموا عليها الحد ولم يتركوها، ولعل حاضري يشتغلوا وقتئذ بدفعه والله أعلم.

﴿ ذلك ﴾ الموصوف بالصفات المذكورة من قوله: ﴿ إني عبد الله ﴾ إلى آخره هو ﴿ عيسى ابن مريم ﴾ وفي كونه ابن لهذه المرأة نفى كونه ابناً على ما زعمت الضالة وأكد هذا المعنى بقوله: ﴿ قول الحق ﴾ فإن كان الحق هو اسم الله فهو كقوله: "كلمة الله" وانتصابه على المدح، وإن كان بمعنى الثابت والصدق فانتصابه على أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة المتقدمة كقولك "هو عبد الله الحق" و ﴿ قول الحق ﴾ من إضافة الموصوف إلى الصفة مثل ﴿ حق اليقين  ﴾ قد مر آنفاً.

وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.

ومعنى ﴿ تمترون ﴾ تشكون من المرية الشك، أو المراد يتمارون من المراء اللجاج وذلك أن اليهود قالوا: ساحر كذاب، وقالت النصارى ابن الله وثالث ثلاثة.

ثم صرح ببطلان معتقدم فقال: ﴿ ما كان الله ﴾ ما صح له وما استقام ﴿ أن يتخذ من ولد ﴾ كما لا يستقيم أن يكون له شريك، وقد مر مثل هذه الآية في سورة البقرة.

والذي نزيده ههنا أن بعضهم قال: معنى الآية ما كان لله أن يقول لأحد إنه ولدي لأن هذا الخبر كذب والكذب لا يليق بحكمته  .

وزعم الجبائي بناء على هذا التفسير أنه ليس لله أن يفعل كل شيء لأن قوله: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ كقولنا "ما كان لله أن يظلم" فلا يليق شيء منها بحكمته وكمال إلهيته.

وأجيب بأن الكذب على الله محال، والظلم تصرف في ملك الغير فلا يتصوّر في حقه.

فإن أردتم هذا المعنى فلا نزاع، وإن أردتم شيئاً آخر فما الدليل على استحالته؟!

احتج بعض الأشاعرة بالآية على قدم كلام الله لأن قوله: ﴿ كن ﴾ إن كان قديماً فهو المطلوب، وإن كان محدثاً احتاج في حدوثه إلى قوله آخر وتسلسل.

واستدلت المعتزلة بها على حدوث كلامه قالوا: إن قوله: ﴿ إذا قضى ﴾ للاستقبال وذلك القول متأخر عن القضاء المحدث، والمتأخر عن المحدث محدث.

وأيضاً الفاء في ﴿ فيكون ﴾ للتعقيب والقول متقدم عليه بلا فصل، والمتقدم على المحدث بزمان قليل محدث، وكلا الاستدلالين ضعيف لأنه لا نزاع في حدوث الحروف وإنما النزاع في كلام النفس.

وأيضاً قوله: ﴿ كن ﴾ عبارة عن نفاذ قدرته ومشيئته وإلا فليس ثم قول لأن الخطاب مع المعدوم عبث ومع الموجود تحصيل الحاصل.

ومن الناس من زعم أن المراد من قوله: ﴿ كن ﴾ هو صفة التكوين فإنها زائدة على صفة القدرة لأنه قادر على عوالم أخر سوى هذا وغير مكون لها، ولعل هذا الزاعم سمى تعلق القدرة بالمقدور تكويناً.

ومن قرأ ﴿ وأن الله ﴾ بالفتح فمعناه ولأن الله ﴿ ربي وربكم فاعبدون ﴾ وفيه أن الربوبية هي سبب العبادة فمن لم تصح ربوبيته لم يستحق أن يعبد، ولا رب بالحقيقة إلا الله لانتهاء جميع الوسائط والأسباب إليه، فلا يستحق العبادة إلا هو.

وههنا نكتة هي أن الله  لا يصح أن يقول: ﴿ إن الله ربي وربكم فاعبدوه ﴾ فالتقدير قل: يا محمد بعد إظهار البراهين الباهرة على أن عيسى عبد الله ﴿ إن الله ربي وربكم ﴾ قال أبو مسلم الأصفهاني: إنه من تتمة كلام عيسى وما بينهما اعتراض.

وعن وهب بن منبه: عهد إليهم حين أخبرهم عن حاله وصفته أن كلنا عبيد الله  ﴿ فاختلف الأحزاب من بينهم ﴾ أي من بين أهل الكتاب.

قال الكلبي: هم اليهود والنصارى.

وقيل: النصارى اختلفوا ثم اتفقوا على أن يرجعوا إلى علماء زمانهم وهم يعقوب ونسطور وملكا فقيل للأول: ما تقول في عيسى؟

فقال: هو الله هبط إلى الأرض فخلق وأحيا ثم صعد إلى السماء فتبعه على ذلك خلق كثير وهم اليعقوبية.

وسئل الثاني فقال: هو ابن الله فتابعه جم غفير وهم النسطورية، وسئل الثالث فقال: كذبوا وإنما كان عبداً مخلوقاً نبياً يطعم وينام فصارا خصمه وهو المؤمن المسلم.

وقيل: كانوا أربعة والرابع اسمه إسرائيل فقال: هو إله وأمه إله والثلاثة أقانيم والروح واحد.

واعلم أن بحث الحلول والاتحاد فيه طول وقد ينجر الكلام فيه إلى مقامات يصعب الترقي إليها، فلذلك ضل فيه من ضل وزل عنه من زل والله  أعلى من جميع ذلك وأجل ﴿ فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ﴾ أي من شهودهم هذا الجزاء والحساب في ذلك اليوم، أو من زمان شهودهم، أو من مكان شهودهم فيه وهو الموقف.

ويحتمل أن يكون المشهد ومن الشهادة أي من يشهد عليهم الملائكة والأنبياء أو جوارحهم فيه بالكفر والقبائح، أو من مكان الشهادة أو وقتها.

وقيل: هو ما قالوه وشهدوا به في عيسى وأمه يوم ولادته.

ومعنى"من" التعليل أي الويل لهم من أجل المشهد وبسببه قال أهل البرهان: إنما قال ههنا ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ وفي حم الزخرف ﴿ فويل للذين ظلموا  ﴾ لأن الكفر أبلغ من الظلم، وقصة عيسى في هذه السورة مشروحة وفيها ذكر نسبتهم إياه إلى الله حتى قال: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد ﴾ فذكر بلفظ الكفر، وقصتهم في الزخرف مهملة فوصفهم بلفظ دونه وهوالظلم.

قلت: ويحتمل أن يقال: الظلم إذا أريد به الشرك كان أخص من الكفر فعمم أولاً ثم خصص لأن البيان بالمقام الثاني أليق ﴿ أسمع بهم وأبصر ﴾ صيغتان للتعجب والمراد أن هاتين الحاستين منهم جديران بتعجب منهما في ذلك اليوم بعد ما كانوا صماً وعمياً في الدنيا، وذلك لكشف الغطاء ولحاق العيان بالخبر.

والتعجب استعظام الشيء بسبب عظمه، ثم جوز استعمال لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير سبب.

قال سفيان: قرأت عند شريح ﴿ بل عجبت ويسخرون  ﴾ فقال: إن الله لا يعجب من شيء إنما يعجب من لا يعلم.

فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: إن شريحاً شاعر يعجبه علمه وعبد الله أعلم بذلك منه.

والمعنى أنه صدر من الله فعل لو صدر مثله عن الخلق لدل على حصول التعجب في قلوبهم.

وقيل: معنى الآية التهدد بما سيسمعون وسيبصرون مما يسوءهم.

وقيل: أراد أسمع بهؤلاء وأبصر أي عرفهم مآل القوم الذين يأتوننا ليعتبروا وينزجروا عن الإتيان بمثل فعلهم.

وقال الجبائي أن يراد أسمع الناس بهؤلاء وأبصرهم ليعتبروا بسوء عاقبتهم والوجه هو الأول يؤيده قوله: ﴿ لكن الظالمون ﴾ أي لكنهم فوضع المظهر موضع المضمر.

﴿ اليوم ﴾ وهو يوم التكليف ﴿ في ضلال مبين ﴾ حيث أغفلوا النظر والاستماع وتركوا الجد والاجتهاد في تحصيل الزاد للمعاد وهو ﴿ يوم الحسرة ﴾ لتحسر أهل النار فيه.

وقيل: أهل الجنة أيضاً إذا رأى الأدنى مقام الأعلى، والأول أصح لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة لأنها دار السرور.

و ﴿ إذ ﴾ بدل من يوم الحسرة أو منصوص بالحسرة.

ومعنى ﴿ قضي الأمر ﴾ فرغ من الحساب وتصادر الفريقان إلى الجنة والنار.

وعن النبي  أنه سئل عنه فقال: "يؤتى بالموت فيذبح كما يذبح الكبش والفريقان ينظران فيزداد أهل الجنة فرحاً إلى فرح وأهل النار غماً إلى غم" قال أرباب المعقول: إن الموت عرض فلا يمكن أن يصير حيواناً فالمراد أنه لا موت بعد ذلك.

عن الحسن ﴿ وهم في غفلة ﴾ متعلق بقوله: ﴿ في ضلال مبين ﴾ وقوله: ﴿ وأنذرهم ﴾ اعتراض.

ويحتمل أن يتعلق بـ ﴿ أنذرهم ﴾ أي أنذرهم على هذه الحال غافلين غير مؤمنين.

ويحتمل أن يكون "إذ" ظرفاً لـ ﴿ أنذر ﴾ أي أنذرهم حين قضي الأمر ببيان الدلائل وشرح أمر الثواب والعقاب.

ثم أخبر عنهم أنهم في غفلة ﴿ وهم لا يؤمنون ﴾ ثم قرر بقوله: ﴿ إنا نحن نرث ﴾ أن أمور الدنيا كلها تزول وأن الخلق كلهم يرجعون إلى حيث لا يملك الحكم إلا الله وفيه من التخويف والإنذار ما فيه.

التأويل: ﴿ واذكر في الكتاب ﴾ الأزلي ﴿ مريم ﴾ القلب ﴿ إذا انتبذت من أهلها ﴾ تفردت من أهل الدنيا متوجهاً إلى جانب شروق النور الإلهي ﴿ فاتخذت من دونهم ﴾ حجاب الخلوة والعزلة ﴿ فأرسلنا إليها روحنا ﴾ وهو نور الإلهام الرباني والخاطر الرحماني كقوله: ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ ﴿ فتمثل لها بشراً سوياً ﴾ كما تمثل روح التوحيد بحروف "لا إله إلا الله" لانتفاع الخلق به.

و ﴿ قالت إني أعوذ بالرحمن منك ﴾ ظناً منها أنه يشغلها عن الله.

﴿ قال إنما أنا رسول ﴾ الوارد الرباني ﴿ لأهب لكغلاماً زكياً ﴾ طاهراً عن لوث الظلمة الأنسية وهو النفس المطمئنة القدسية.

﴿ ولم يمسسني بشر ﴾ خاطر من عالم البشرية ﴿ ولم أك بغياً ﴾ أطلب غير ما خلقت لأجله وهو التوجه إلى عالم الروح المجرد ﴿ فحملته ﴾ بالقوة القريبة من الفعل ﴿ فانتبذت به مكاناً قصياً ﴾ لافتقاره إلى العبور على منازل الشريعة والطريقة ﴿ فأجاءها ﴾ مخاض الطلب والتعب ﴿ إلى جذع النخلة ﴾ وهي كلمة "لا إله إلا الله" التي كان أصلها ثابتاً في أرض نفسها ﴿ قالت يا ليتني مت قبل هذا ﴾ قال بعض أهل التحقيق: هذه كلمة يذكرها الصالحون عند اشتداد الأمر عليهم.

قال عليّ  يوم الجمل: يا ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

وعن بلال: ليت بلالاً لم تلده أمه.

وقيل: إن مريم قالت ذلك لعلمها بأن الله  يدخل النار خلقاً كثيراً بسبب تهمتها وبسبب الغلو والتقصير في حق ابنها قلت: إن مريم القلب قالت يا ليتني مت عن اللذات الجسمية قبل هذا الوقت الذي فزت باللذات الحقيقية وكنت نسياً منسياً، لإإن الخمول راحة والشهرة آفة ﴿ فناداها ﴾ بلسان الحال من تحت تصرفها من آلات القوى ﴿ أن لا تحزني قد جعل ربك تحتك ﴾ أي تحت تصرفك ﴿ سرياً ﴾ هو الغلام الموعود أو جدول الكشوف والعلوم الدينية ﴿ وهزي إليك بجذع النخلة ﴾ بالمداومة على الذكر ﴿ تساقط عليك رطباً جنياً ﴾ من المشاهدات والمكاشفات حالاً فحالاً ﴿ فكلي واشربي ﴾ من خوان الأفضال وبحر النوال من مادته "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ وقري عينا ﴾ بأنوار الجمال في حجرة الوصال ﴿ فأما ترين ﴾ من السوانح البشرية ﴿ أحداً فقولي إني نذرت للرحمن صوماً ﴾ كما قيل الدنيا يوم ولنا فيه صوم أي الالتفات لغير الله.

﴿ فأتت به قومها ﴾ من عادة الجهال إنكار أحوال أهل الكمال.

﴿ يا أخت هرون ﴾ النفس المطمئنة أو الأمارة بناء على أن هارون كان صالحاً أو طالحاً ﴿ وكان أبوك ﴾ وهو الروح المفارق ﴿ إمرأ سوء وما كانت أمك ﴾ وهي القالب ﴿ بغياً ﴾ تستأنس إلى غير عالم الطبيعة التي خلقت لأجلها ﴿ فأشارت إليه ﴾ فيه أن هذا القوم هم أهل الإشارات ﴿ في المهد ﴾ مهد السر وذلك المتولد من نفخ الروح في مريم القالب ليس ابناً لله ولا محلاً له ولا نفسه.

﴿ فاختلف الأحزاب ﴾ فقوم عبدوا الله لأجله، وقوم عبدوه طمعاً في جنته، وقوم عبدوا الهوى وذلك قوله: ﴿ فويل للذين كفروا ﴾ ﴿ أسمع بهم ﴾ أي بأهل الله ﴿ وأبصر يوم يأتوننا ﴾ فإنهم بالله يسمعون وبه يبصرون.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ﴾ أي: بعيسى قومها تحمله: ﴿ قَالُواْ يٰمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ .

قال أبو بكر الأصم: لقد فريت عظيماً من الأمر، لكنه يخرج تأويل فريت من التقدير، يقال: فري، أي: قدر.

وقال بعضهم: لقد افتريت عظيماً، وهو قذف صريح بالزنى، كقوله: ﴿ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ  ﴾ .

وقال بعضهم: ﴿ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ كل قائم عجب، أو من عمل فهو فري، وهو هاهنا عجب فري، وهذا أقرب؛ إذ لا يجوز أن يحمل كلامهم على تصريح القذف وثم لتعريض القذف مساغ ووجه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ قال بعضهم: كانت أخت هارون بن عمران أخي موسى، وعلى ذلك روي خبر عن رسول الله  ، فإن ثبت فهو هو.

وقال بعضهم: لا، ولكن كان لها أخ من أبيها يقال له: هارون بن ماتان؛ لذلك نسبوها إليه فقالوا: ﴿ يٰأُخْتَ هَارُونَ ﴾ .

وقال بعضهم: إن هارون كان رجلاً صالحاً ناسكاً فيهم، فشبهوها به ونسبوها إليه؛ لصلاحها ونسكها.

وقال بعضهم: إن بني إسرائيل تسمّي كل صالح: هارون؛ حبّاً لهارون؛ لذلك سموها ونسبوها إلى هارون، لنسكها وصلاحها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا كَانَ أَبُوكِ ٱمْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ﴾ أي: ما كان أبوك ما ذكر ولا أمّك ولا أنت، فمن أين كان لك هذا؟!

هذا تعريض من الكلام: ليس بتصريح، فهو ما ذكرنا: أنهم قالوا ذلك على التعجب وليس على تصريح الفرية والقذف لها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ آتَانِيَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

أي: آتاني علم الكتاب، ولا نفسّر أيّ كتاب هو: الإنجيل أو التوراة أو غيره؟

لأنه قال في آية أخرى: ﴿ وَيُعَلِّمُهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَٱلتَّوْرَاةَ وَٱلإِنْجِيلَ  ﴾ فذكر الكتاب وذكر معه التوراة والإنجيل؛ فهذا يدلّ أن الكتاب غير التوراة والإنجيل.

وقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنتُ ﴾ .

هذا يدل أنّه قد تكلم بعد هذه الكلمات، وليس كما قال أهل التأويل: إنه تكلم بهؤلاء، ثم لم يتكلم بعد ذلك إلى أن بلغ المبلغ الذي يتكلم الصبيان؛ لأنه أخبر أنه جعله نبيّاً وجعله مباركاً، فلا يحتمل أن يكون نبيّاً ولا يتكلم ولا يدعو الناس إلى دين الله، وأيّ بركة تكون فيه إذا لم يتكلم بكلام خير؛ فدل ذلك منه أن ليس على ما قالوا هم، والبركة هي اسم كل خير وصلاح، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً ﴾ .

يحتمل: الصلاة المعروفة والزكاة المعهودة.

ويحتمل: الصلاة: الثناء له والدعاء في كل وقت وفي كل مكان، والزكاة: كل ما تزكو به النفس وتصلح وتنمو من كل خير.

فإن كان الأوّل الصّلاة المفروضة والزكاة المعروفة، فهو على تعليم الناس، كأنه قال: أوصاني أن أعلم الناس وأعلمهم من الزكاة؛ إذ لم يكن يملك عيسى ما تجب فيه الزكاة، فهو يخرج على إعلام الناس عن حكم الزكاة، أو أن يكون على المواساة، فذلك مما قل وكثر سواء.

وإن كان الثاني فهو وغيره من الناس في تلك الزكاة سواء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَٰلِدَتِي ﴾ أي: جعلني برّاً بوالدتي، صلة بقوله: ﴿ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً ﴾ و ﴿ وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً ﴾ ، وجعلني برّاً بوالدتي.

﴿ وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾ ، قد ذكرناه في قصة يحيى.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً ﴾ .

هذا - أيضاً - قد ذكرناه في قصة يحيى، غير أن الله  هو مُسَلِّمٌ على يحيى في تلك الأحوال، وهاهنا ذكر أن عيسى سلم على نفسه.

وذكر في بعض القصّة: أن عيسى ويحيى - عليهما السلام - التقيا، فقال يحيى لعيسى: "أنت خير مني".

فقال عيسى: "بل أنت خير مني، سلَّم الله عليك، وسلمت أنا على نفسي"، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك عيسى بن مريم، ليس على ما قالت النصارى وغيرهم أنه ابن الله، وأنه ثالث ثلاثة على ما قالوا، ولكن عيسى بن مريم عبد الله كما أقر هو بالعبودية حيث قال: ﴿ إِنِّي عَبْدُ ٱللَّهِ ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ ذٰلِكَ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ ﴾ أي: ذلك الذي أنبأتهم من نبأ عيسى: ﴿ قَوْلَ ٱلْحَقِّ ٱلَّذِي فِيهِ يَمْتُرُونَ ﴾ أي: هؤلاء الكفرة حيث أنكروا أنه ليس على ما أنبأتهم من نبئه، أي: الذي يشكون فيه هو قول الحق، والله أعلم.

وقوله - عزّ وجل -: ﴿ مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سُبْحَانَهُ ﴾ .

نزّه نفسه عن أن يتخذ ولداً؛ لأنه لا تقع [له] الأسباب التي لها يتخذ الولد ويطلب منه.

أو يقول: إن اتخاذ الولد يسقط الألوهية؛ لأن الولد في الشاهد يكون شكل الأب وشبيهاً له، فلا يحتمل أن تكون الألوهية لمن يشبه الخلق؛ لأن الولد في الشاهد إنما يتخذ ويطلب لأحد وجوه ثلاثة: إمّا لوحشة تأخذه فيستأنس به.

وإمّا لحاجة تمسّه فيستغني به في دفعها.

أو لخوف يخاف من أعدائه فيستنصر به، فإذا كان الله  يتعالى عن ذلك وله من سرعة نفاذ أمره ما ذكر في قوله: ﴿ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ  ﴾ ، فمن له من سرعة نفاذ الأمر ما ذكر، لا تقع له الحاجة إلى الولد في معنى من المعاني ولا وجه من الوجوه،  الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.

ثم قول أهل التأويل: إنه نفخ في جيب مريم، أو في أنفها، أو في غيره، وغير ذلك من القصص التي ذكروها ممّا ليس في الكتاب ذكرها - فلا يجوز أن يقال ذلك إلا بخبر عن الله  ، أو عمن أوحى إليه، فإنه لم يعلم صدقه ولا ثبوته، فنذكر مقدار ما في الكتاب لا يزاد على ذلك ولا ينقص؛ لأن هذه الأنباء لما ذكرت لرسول الله لتكون آية لرسالته ونبوّته؛ لأنها كانت مذكورة في الكتب المتقدمة، وكان هنالك من يعرفها، فذكرت له هذه الأنباء على ما كانت في كتبهم؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله، فلو زيد فيه أو نقص لكانت غير دالة لهم على ذلك.

قال القتبي: الصوم: الإمساك؛ صوماً: أي: صمتاً، فريّاً: أي: عظيماً عجباً، والبغي: يقال: امرأة بغي ونسوة بغايا، أي: فاجرات، وكذلك قال أبو عوسجة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِنَّ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَٱعْبُدُوهُ ﴾ .

إنهم كانوا يعرفون أن الله هو ربهم حيث قالوا: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ ، ونحوه، فكأن عيسى قال لهم: ارجعوا إلى عبادة الذي تعرفون أنه ربّي وربكم، واتركوا العبادة لمن تعرفون أنه ليس بربّكم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : اختلف فيه: قال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى في حياته، منهم من قال: هو ساحر.

وقال بعضهم: هو كاهن.

وقال بعضهم: كذا من هذا النحو.

وقال بعضهم: اختلف الذين تحزبوا في عيسى بعد ما رفع [من] بينهم: فمنهم من قال: هو الله، وقال بعضهم: هو ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة، أمثال ما قالوا على علم منهم أنه لم يكن على ما وصفوه وقالوا فيه، لكنهم عاندوا وكابروا.

وقال بعضهم: ﴿ فَٱخْتَلَفَ ٱلأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ ﴾ : الذين تحزبوا واختلفوا في رسول الله لما بعث، فمنهم من قال: إنه ساحر، وإنه كاهن ومجنون، وإنه مفتر، وإنه كذاب، ونحو ما قالوا فيه على علم منهم أن ما يقول هو يوافق كتبهم، وأن كتابه مصدق لكتبهم، وأنه يؤمن بالرسل الذين يؤمنون هم بهم، لكنّهم قالوا ذلك على المعاندة والمكابرة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ .

قال أصحاب التأويل: الويل: الوعيد، واختلفوا فيه، [وهو] - والله أعلم - الويل لكل كافر، ما من كافر إلا وله ذلك الوعيد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ : وصف ذلك اليوم بالعظم؛ لما فيه مجمع الأوّلين والآخرين، ويشهده الجن والإنس والملائكة، فهو مشهد يوم عظيم.

ويحتمل أنه وصفه بالعظم؛ لأنه هو المقصود في خلق العالم في الدنيا، فهو إنما خلقهم لأمر عظيم وهو ذلك اليوم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ﴾ : قال الحسن: يكونون سمعاء وبصراء في الآخرة، ليس على ما كانوا في الدنيا عميا بكما صمّاً.

وقال بعضهم: ما أسمعهم وما أبصرهم يوم يأتوننا.

وقال بعضهم: لا يصح هذا؛ لأن هذا ليس على وجه النهر والتعجب، ولكن تأويله أي: يسمعون ما قالوا ويبصرون ما عملوا.

وقال بعضهم: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ ﴾ أي: ﴿ أَسْمِعْ ﴾ بحديثهم إليهم وأعلمهم و ﴿ وَأَبْصِرْ ﴾ كيف نصنع بهم يوم يأتوننا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَـٰكِنِ ٱلظَّالِمُونَ ٱلْيَوْمَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ .

أي: في حسرة بينة، أو في هلاك بيّن، وقد ذكرنا ذلك في غير موضع.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ ﴾ : قال عامة أهل التأويل: الحسرة: هي أن يصور الموت بصورة كبش أملح، فيذبح بين الجنة والنار، فينظر إليه أهل النار وأهل الجنة، فيندم أهل النار ويكون لهم الحسرة؛ لما كانوا يطمعون الموت يتأملون منه، فذلك الحسرة التي ذكر، ولكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن رسول الله، فإن ثبت شيء عنه فهو ذاك، وإلا فالحسرة لهم هي أعمالهم التي عملوا في الدنيا، وهو ما قال: ﴿ كَذَلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ ٱللَّهِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ يٰحَسْرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطْنَا فِيهَا  ﴾ ، ونحوه كل عمل عملوا في الدنيا يكون لهم ذلك حسرة في الآخرة وندامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِذْ قُضِيَ ٱلأَمْرُ ﴾ ، أي: أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار.

﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ ﴾ ، أي: هم كانوا في غفلة من هذا ﴿ وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ ٱلأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ﴾ .

هذا - والله أعلم - كناية عن فناء الخلق جميعاً وبقاء الخالق، فذلك معنى الوراثة، والله أعلم.

وعلى ذلك سمّي الوارث في الشاهد: وارثاً؛ لأنه باق بعد فناء مورثه، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فأشارت إلى ابنها عيسى  وهو في المهد، فقال لها قومها متعجبين: كيف نكلّم صبيًّا وهو في المهد؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.AOavR"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده