الآية ٧٦ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٧٦ من سورة مريم

وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْا۟ هُدًۭى ۗ وَٱلْبَـٰقِيَـٰتُ ٱلصَّـٰلِحَـٰتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌۭ مَّرَدًّا ٧٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 83 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧٦ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧٦ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر الله تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه ، أخبر بزيادة المهتدين هدى كما قال تعالى : ( وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون ) [ التوبة : 124 ، 125 ] .

وقوله : ( والباقيات الصالحات ) قد تقدم تفسيرها ، والكلام عليها ، وإيراد الأحاديث المتعلقة بها في سورة " الكهف " .

( خير عند ربك ثوابا ) أي : جزاء ( وخير مردا ) أي : عاقبة ومردا على صاحبها .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا عمر بن راشد ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال : جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فأخذ عودا يابسا فحط ورقه ثم قال : " إن قول : لا إله إلا الله ، والله أكبر ، والحمد لله ، وسبحان الله ، تحط الخطايا كما تحط ورق هذه الشجرة الريح ، خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن ، هن الباقيات الصالحات ، وهن من كنوز الجنة " قال أبو سلمة : فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال : لأهللن الله ، ولأكبرن الله ، ولأسبحن الله ، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون وهذا ظاهره أنه مرسل ، ولكن قد يكون من رواية أبي سلمة ، عن أبي الدرداء ، والله أعلم .

وهكذا وقع في سنن ابن ماجه ، من حديث أبي معاوية ، عن عمر بن راشد ، عن يحيى ، عن أبي سلمة ، عن أبي الدرداء ، فذكر نحوه

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ويزيد الله من سلك قصد المحجة، واهتدى لسبيل الرشد، فآمن بربه، وصدّق بآياته، فعمل بما أمره به، وانتهى عما نهاه عنه هدى بما يتجدّد له من الإيمان بالفرائض التي يفرضها عليه ، ويقرّ بلزوم فرضها إياه، ويعمل بها، فذلك زيادة من الله في اهتدائه بآياته هدى على هداه، وذلك نظير قوله وَإِذَا مَا أُنْـزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ .

وقد كان بعضهم يتأول ذلك: ويزيد الله الذين اهتدوا هدى بناسخ القرآن ومنسوخه، فيؤمن بالناسخ، كما آمن من قبل بالمنسوخ، فذلك زيادة هدى من الله له على هُدَاه من قبل ( وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ) يقول تعالى ذكره: والأعمال التي أمر الله بها عباده ورضيها منهم ، الباقيات لهم غير الفانيات الصالحات، خير عند ربك جزاء لأهلها( وَخَيْرٌ مَرَدًّا ) عليهم من مقامات هؤلاء المشركين بالله، وأنديتهم التي يفتخرون بها على أهل الإيمان في الدنيا.

وقد بيَّنا معنى الباقيات الصالحات، وذكرنا اختلاف المختلفين في ذلك، ودللنا على الصواب من القول فيه فيما مضى بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا عمر بن راشد، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: " جلس النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فأخذ عودا يابسا، فحطّ ورقه ثم قال: إنَّ قَوْلَ لا إله إلا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، والحَمْدُ للهِ وسُبْحَانَ اللهِ، تَحطُّ الخَطايا، كمَا تَحُطُّ وَرَقَ هذِهِ الشَّجَرَةِ الرِّيحُ، خُذْهُنَّ يا أبا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُنَّ، هُنَّ البَاقِيَاتُ الصَّالِحاتُ، وَهُنَّ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ"، قال أبو سلمة: فكان أبو الدرداء إذا ذكر هذا الحديث قال: لأهللنّ الله، ولأكبرنّ الله، ولأسبحنّ الله، حتى إذا رآني الجاهل حسب أني مجنون.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مرداقوله تعالى : ويزيد الله الذين اهتدوا هدى أي ويثبت الله المؤمنين على الهدى ويزيدهم في النصرة ، وينزل من الآيات ما يكون سبب زيادة اليقين مجازاة لهم .

وقيل : يزيدهم هدى بتصديقهم بالناسخ والمنسوخ الذي كفر به غيرهم ، قال معناه الكلبي ومقاتل ويحتمل ثالثا أي ( ويزيد الله الذين اهتدوا ) إلى الطاعة ( هدى ) إلى الجنة والمعنى متقارب وقد تقدم القول في معنى زيادة الأعمال وزيادة الإيمان والهدى في ( آل عمران ) وغيرها .

والباقيات الصالحات تقدم في ( الكهف ) القول فيها .

خير عند ربك ثوابا أي جزاء وخير مردا أي في الآخرة مما افتخر به الكفار في الدنيا .

و ( المرد ) مصدر كالرد ؛ أي وخير ردا على عاملها بالثواب ؛ يقال هذا أرد عليك أي أنفع لك .

وقيل خير مردا أي مرجعا فكل أحد يرد إلى عمله الذي عمله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

لما ذكر أنه يمد للظالمين في ضلالهم، ذكر أنه يزيد المهتدين هداية من فضله عليهم ورحمته، والهدى يشمل العلم النافع، والعمل الصالح.

فكل من سلك طريقا في العلم والإيمان والعمل الصالح زاده الله منه، وسهله عليه ويسره له، ووهب له أمورا أخر، لا تدخل تحت كسبه، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان ونقصه، كما قاله السلف الصالح، ويدل عليه قوله تعالى { وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا } { وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } ويدل عليه أيضا الواقع، فإن الإيمان قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، والمؤمنون متفاوتون في هذه الأمور، أعظم تفاوت، ثم قال: { وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ } أي: الأعمال الباقية، التي لا تنقطع إذا انقطع غيرها، ولا تضمحل، هي الصالحات منها، من صلاة، وزكاة، وصوم، وحج، وعمرة، وقراءة، وتسبيح، وتكبير، وتحميد، وتهليل، وإحسان إلى المخلوقين، وأعمال قلبية وبدنية.

فهذه الأعمال { خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْر مَرَدًّا } أي: خير عند الله، ثوابها وأجرها، وكثير للعاملين نفعها وردها، وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل في غير بابه، فإنه ما ثم غير الباقيات الصالحات، عمل ينفع، ولا يبقى لصاحبه ثوابه ولا ينجع، ومناسبة ذكر الباقيات الصالحات-والله أعلم- أنه لما ذكر أن الظالمين جعلوا أحوال الدنيا من المال والولد، وحسن المقام ونحو ذلك، علامة لحسن حال صاحبها، أخبر هنا أن الأمر، ليس كما زعموا، بل العمل الذي هو عنوان السعادة ومنشور الفلاح، هو العمل بما يحبه الله ويرضاه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ) أي إيمانا وإيقانا على يقينهم ( والباقيات الصالحات ) الأذكار والأعمال الصالحة التي تبقى لصاحبها ( خير عند ربك ثوابا وخير مردا ) عاقبة ومرجعا .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ويزيد الله الذين اهتدوا» بالإيمان «هدى» يما ينزل عليهم من الآيات «والباقيات الصالحات» هي الطاعة تبقى لصاحبها «خير عند ربك ثوابا وخير مردّا» أي ما يرد إليه ويرجع بخلاف أعمال الكفار والخيرية منا في مقابلة قولهم أي الفرقين خير مقاما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ويزيد الله عباده الذين اهتدوا لدينه هدى على هداهم بما يتجدد لهم من الإيمان بفرائض الله، والعمل بها.

والأعمالُ الباقيات الصالحات خير ثوابًا عند الله في الآخرة، وخير مرجعًا وعاقبة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى .

.

) كلام مستأنف مسوق لبيان سنة الله - تعالى - التى لا تتخلف فى المهتدين ، بعد بيان سنته فى الضالين .أى : ويزيد الله - تعالى - المهتدين إلى طريق الحق هداية على هدايتهم ، بأن يثبتهم عليه ، كما قال - سبحانه - : ( والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقُوَاهُمْ ) وكما قال - عز وجل - : ( هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين ليزدادوا إِيمَاناً مَّعَ إِيمَانِهِمْ .

.

) وقوله - تعالى - : ( والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ) أى : والأعمال الباقيات الصالحات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من أعمال البر ، خير عند ربك ثوابا وجزاء مما تمتع به الكفار فى دنياهم من شهوات ( وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ) أى : مرجعا وعاقبة .وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف قيل : خير عند ربك ثوابا ، كأن لمفاخراتهم ثوابا ، حتى يعل ثواب الصالحات خيرا منه؟قلت : كأنه قيل : ثوابهم النار على طريقة قوله : تحية بينهم ضرب وجيع ، ثم ينى عليه خير ثوابا ، وفيه ضرب من التهكم الذى هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له : عقابك النار .

.والخلاصة أنه لا ثواب لهؤلاء الكافرين سوى النار ، أما المؤمنون فثوابهم جنات تجرى من تحتها الأنهار .وقال بعض العلماء : " ويظهر لى فى الآية جواب آخر أقرب من هذا ، وهو أن الكافر يجازى بعمله الصالح فى الدنيا ، فإذا بر والديه ، ونفس عن المكروب .

.

.

فإن الله يثيبه فى الدنيا .

فثوابه هذا الراجع إليه من عمله فى الدنيا ، هو الذى فضل عليه ثواب المؤمنين ، وهذا واضح لا إشكال فيه " .وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت جانبا من تباهى الكافرين بديناهم ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا الجواب الثاني عن تلك الشبهة وتقريره لنفرض أن هذا الضال المتنعم في الدنيا قد مد الله في أجله وأمهله مدة مديدة حتى ينضم إلى النعمة العظيمة المدة الطويلة، فلابد وأن ينتهي إلى عذاب في الدنيا أو عذاب في الآخرة بعد ذلك سيعلمون أن نعم الدنيا ما تنقذهم من ذلك العذاب فقوله: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً ﴾ مذكور في مقابلة قولهم: ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً  ﴾ ﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ أَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ فبين تعالى أنهم وإن ظنوا في الحال أن منزلتهم أفضل من حيث فضلهم الله تعالى بالمقام والندى فسيعلمون من بعد أن الأمر بالضد من ذلك وأنهم شر مكاناً فإنه لا مكان شر من النار والمناقشة في الحساب.

﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ فقد كانوا يظنون وهم في الدنيا أن اجتماعهم ينفع فإذا رأوا أن لا ناصر لهم في الآخرة عرفوا عند ذلك أنهم كانوا في الدنيا مبطلين فيما ادعوه.

بقي البحث عن الألفاظ وهو من وجوه: أحدها: مد له الرحمن أي أمهله وأملى له في العمر فأخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب ذلك وأنه مفعول لا محالة كالمأمور الممتثل ليقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: ﴿ أَوَ لَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ  ﴾ وكقولهم: ﴿ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً  ﴾ .

وثانيها: أن قوله: ﴿ إِمَّا العذاب وَإِمَّا الساعة ﴾ يدل على أن المراد بالعذاب عذاب يحصل قبل يوم القيامة لأن قوله: ﴿ وَإِمَّا الساعة ﴾ المراد منه يوم القيامة ثم العذاب الذي يحصل قبل يوم القيامة يمكن أن يكون هو عذاب القبر ويمكن أن يكون هو العذاب الذي سيكون عند المعاينة لأنهم عند ذلك يعلمون ما يستحقون، ويمكن أيضاً أن يكون المراد تغير أحوالهم في الدنيا من العز إلى الذل، ومن الغنى إلى الفقر، ومن الصحة إلى المرض، ومن الأمن إلى الخوف، ويمكن أن يكون المراد تسليط المؤمنين عليهم، ويمكن أيضاً أن يكون المراد ما نالهم يوم بدر، وكل هذه الوجوه مذكورة، واعلم أنه تعالى بين بعد ذلك أنه كما يعامل الكفار بما ذكره فكذلك يزيد المؤمنين المهتدين هدى، واعلم أنا نبين إمكان ذلك بحسب العقل، فنقول: إنه لا يبعد أن يكون بعض أنواع الاهتداء مشروطاً بالبعض فإن حاصل الاهتداء يرجع إلى العلم ولا امتناع في كون بعض العلم مشروطاً بالبعض، فمن اهتدى بالهداية التي هي الشرط صار بحيث لا يمتنع أن يعطي الهداية التي هي المشروط، فصح قوله: ﴿ وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى ﴾ مثاله الإيمان هدى والإخلاص في الإيمان زيادة هدى ولا يمكن تحصيل الإخلاص إلا بعد تحصيل الإيمان فمن اهتدى بالإيمان زاده الله الهداية بالإخلاص، هذا إذا أجرينا لفظ الهداية على ظاهره ومن الناس من حمل الزيادة في الهدى على الثواب أي ويزيد الله الذين اهتدوا ثواباً على ذلك الاهتداء ومنهم من فسر هذه الزيادة بالعبادات المترتبة على الإيمان، قال صاحب الكشاف: يزيد معطوف على موضع فليمدد لأنه واقع موقع الخبر وتقديره من كان في الضلالة يمد له الرحمن مداً ويزيد أي يزيد في ضلال الضلال بخذلانه بذلك المد ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه، ثم إنه تعالى بين أن ما عليه المهتدون هو الذي ينفع في العاقبة فقال: ﴿ والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا ﴾ وذلك لأن ما عليه المهتدون ضرر قليل متناه يعقبه نفع عظيم غير متناه، والذي عليه الضالون نفع قليل متناه يعقبه ضرر عظيم غير متناه، وكل أحد يعلم بالضرورة أن الأول أولى، وبهذا الطريق تسقط الشبهة التي عولوا عليها واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات فقال المحققون إنها الإيمان والأعمال الصالحة سماها باقية لأن نفعها يدوم ولا يبطل ومنهم من قال المراد بها بعض العبادات ولعلهم ذكروا ما هو أعظم ثواباً فبعضهم ذكر الصلوات وبعضهم ذكر التسبيح وروي عن أبي الدرداء قال: جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأخذ عوداً يابساً فأزال الورق عنه ثم قال: إن قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله يحط الخطايا حطاً كما يحط ورق هذه الشجرة الريح خذهن يا أبا الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن هن الباقيات الصالحات وهن من كنوز الجنة، وكان أبو الدرداء يقول: لأعلمن ذلك ولأكثرن منه حتى إذا رآني جاهل حسب أني مجنون.

والقول الأول أولى لأنه تعالى إنما وصفها بالباقيات الصالحات من حيث يدوم ثوابها ولا ينقطع فبعض العبادات وإن كان أنقص ثواباً من البعض فهي مشتركة في الدوام فهي بأسرها باقية صالحة نظراً إلى آثارها التي هي الثواب ثم إنه تعالى أخبر أنها: ﴿ خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ ولا يجوز أن يقال: هذا خير إلا والمراد أنه خير من غيره فالمراد إذن أنها خير مما ظنه الكفار بقولهم: ﴿ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَيَزِيدُ ﴾ معطوف على موضع (فليمدد)؛ لأنه واقع موقع الخبر، تقديره: من كان في الضلالة مدّ أو يمدّ له الرحمن.

ويزيد: أي يزيد في ضلال الضالّ بخذلانه، ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه ﴿ والباقيات الصالحا تُ ﴾ أعمال الآخرة كلها.

وقيل: الصلوات.

وقيل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أي هي خَيْرٌ ثَوَاباً من مفاخرات الكفار ﴿ وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة، أو منفعة، من قولهم: ليس لهذا الأمر مردّ: وَهَلْ يَرُدُّ بُكاى زَنْدَا فإن قلت: كيف قيل خير ثواباً كأنّ لمفاخراتهم ثواباً، حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه؟

قلت: كأنه قيل: ثوابهم النار.

على طريقة قوله: فَأَعْتَبُوا بِالصَّيْلَمِ وقوله: شَجْعَاءَ جِرَّتُهَا الذَّمِيلُ تَلُوكُهُ ** أُصُلاً إذَا رَاحَ الْمُطِيُّ عِرَاثَا وقوله: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وَجِيعُ ثم بنى عليه خير ثواباً.

وفيه ضرب من التهكم الذي هو أغيظ للمتهدد من أن يقال له: عقابك النار.

فإن قلت: فما وجه التفضيل في الخير كأن لمفاخرهم شركاً فيه؟

قلت: هذا من وجيز كلامهم، يقولون: الصيف أحرّ من الشتاء، أي: أبلغ في حَرِّه من الشتاء في برده.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ عُطِفَ عَلى الشَّرْطِيَّةِ المَحْكِيَّةِ بَعْدَ القَوْلِ كَأنَّهُ لَمّا بَيَّنَ أنَّ إمْهالَ الكافِرِ وتَمْتِيعَهُ بِالحَياةِ الدُّنْيا لَيْسَ لِفَضْلِهِ، أرادَ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ قُصُورَ حَظِّ المُؤْمِنِ مِنها لَيْسَ لِنَقْصِهِ بَلْ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أرادَ بِهِ ما هو خَيْرٌ لَهُ وعِوَضُهُ مِنهُ، وقِيلَ عُطِفَ عَلى ﴿ فَلْيَمْدُدْ ﴾ لِأنَّهُ في مَعْنى الخَبَرِ كَأنَّهُ قِيلَ مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَزِيدُ اللَّهُ في ضَلالِهِ ويَزِيدُ المُقابِلُ لَهُ هِدايَةً.

﴿ والباقِياتُ الصّالِحاتُ ﴾ الطّاعاتُ الَّتِي تَبْقى عائِدَتُها أبَدَ الآبادِ، ويَدْخُلُ فِيها ما قِيلَ مِنَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ وقَوْلِ سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ.

﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا ﴾ عائِدَةٌ مِمّا مُتِّعَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعَمِ المُخْدِجَةِ الفانِيَةِ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها سِيَّما ومَآلُها النَّعِيمُ المُقِيمُ ومَآلُ هَذِهِ الحَسْرَةُ والعَذابُ الدّائِمُ كَما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ والخَيْرُ ها هُنا إمّا لِمُجَرَّدِ الزِّيادَةِ أوْ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِمُ الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ، أيْ أبْلَغُ في حَرِّهِ مِنهُ في بَرْدِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَيَزِيدُ الله الذين اهتدوا هُدًى} معطوف على موضع فليمدد لوقوعه موضع الخبر تقديره من كان في الضلالة مد أو يمد له الرحمن ويريد أي يزيد في ضلال الضال بخدلانه ويزيد المهتدين أي المؤمنين هدى ثباتاً على الاهتداء أو يقينا وبصيرة بتوفيقه {والباقيات الصالحات} أعمال الآخرة كلها أو الصلوات الخمس أو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر {خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا} مما يفتخر به الكفار {وَخَيْرٌ مَّرَدّاً} أي مرجعاً وعاقبة تهكم بالكفار لأنهم قالوا للمؤمنين

أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ سِيقَ لِبَيانِ حالِ المُهْتَدِينَ إثْرَ بَيانِ حالِ الضّالِّينَ كَما اخْتارَهُ أبُو السُّعُودِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَوْضِعِ (فَلْيَمْدُدْ) إلَخْ ولَمْ يُجَوِّزْهُ أبُو حَيّانَ سَواءٌ كانَ ( فَلْيَمْدُدْ ) دُعاءً أوْ خَبَرًا في صُورَةِ الطَّلَبِ لِأنَّهُ في مَوْضِعِ الخَبَرِ إنْ كانَتْ مَن مَوْصُولَةً، وفي مَوْضِعِ الجَزاءِ إنْ كانَتْ شَرْطِيَّةً ومَوْضِعُ المَعْطُوفِ مَوْضِعَ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والجُمْلَةُ الَّتِي جُعِلَتْ مَعْطُوفَةً خالِيَةً مِن ضَمِيرٍ يَرْبُطُ الخَبَرَ بِالمُبْتَدَأِ والجَوابَ بِالشَّرْطِ، وقِيلَ عَلَيْهِ أيْضًا: إنَّ العَطْفَ غَيْرُ مُناسِبٍ مِن جِهَةِ المَعْنى كَما أنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ مِن جِهَةِ الإعْرابِ إذْ لا يَتَّجِهُ أنْ يُقالَ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى.

وأُجِيبُ عَنْ هَذا بِأنَّ المَعْنى مَن كانَ في الضَّلالَةِ زِيدَ في ضَلالَتِهِ وزِيدَ في هِدايَةِ أعْدائِهِ لِأنَّهُ مِمّا يَغِيظُهُ وعَمّا سَبَقَ بِأنَّ مَن شَرْطِيَّةٌ لا مَوْصُولَةٌ.

اشْتِراطُ ضَمِيرٍ يَعُودُ مِنَ الجَزاءِ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ غَيْرِ الظَّرْفِ مَمْنُوعٌ وهو غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ عِنْدَ النُّحاةِ كَما في الدُّرِّ المَصُونِ مَعَ أنَّهُ مُقَدَّرٌ كَما سَمِعْتَ ولا يَخْفى أنَّ هَذا العَطْفَ لا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، واخْتارَ البَيْضاوِيُّ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى مَجْمُوعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ ﴾ إلَخْ لِيَتِمَّ التَّقابُلُ فَإنَّهُ  أمَرَ أنْ يُجِيبَهم عَنْ قَوْلِهِمُ لِلْمُؤْمِنِينَ أيُّ الفَرِيقَيْنِ إلَخْ، فَلْيَأْتِ بِذِكْرِ القِسْمَيْنِ أصالَةً.

قالَ الطِّيبِيُّ: فَكَأنَّهُ قِيلَ: قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ مِنَ الفَرِيقَيْنِ فَلْيُمْهِلْهُ اللَّهُ تَعالى ويُنَفِّسْ في مُدَّةِ حَياتِهِ لِيَزِيدَ في الغَيِّ ويَجْمَعَ اللَّهُ تَعالى لَهُ عَذابَ الدّارَيْنِ، ومَن كانَ في الهِدايَةِ مِنهُما يَزِيدُ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهُ فَيَجْمَعُ سُبْحانَهُ لَهُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، وهَذا الجَوابُ مِنَ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ وفِيهِ مَعْنى قَوْلِ حَسّانَ: أتَهْجُوهُ ولَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرٌّ كَما لِخَيْرٍ كَما فِداءُ فِي الدُّعاءِ والِاحْتِرازِ عَنِ المُواجَهَةِ، وفي الكَشْفِ أنَّ هَذا أوْلى مِمّا اخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ﴿ والباقِياتُ الصّالِحاتُ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَتِ الأقْوالُ المَأْثُورَةُ في تَفْسِيرِها، واخْتِيرَ أنَّها الطّاعاتُ الَّتِي تَبْقى فَوائِدُها وتَدُومُ عَوائِدُها لِعُمُومِهِ، وكُلُّها ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا ﴾ بِمَعْناهُ المُتَعارَفِ، وقِيلَ: عائِدَةٌ مِمّا مُتِّعَ بِهِ الكَفَرَةُ مِنَ النِّعَمِ المُخْدَجَةِ الفانِيَةِ الَّتِي يَفْتَخِرُونَ بِها (وخَيْرٌ) مِن ذَلِكَ أيْضًا (مَرَدًّا) أيْ مَرْجِعًا وعاقِبَةً لِأنَّ عاقِبَتَها المَسَرَّةُ الأبَدِيَّةُ والنَّعِيمُ المُقِيمُ، وعاقِبَةُ ذَلِكَ الحَسْرَةُ السَّرْمَدِيَّةُ والعَذابُ الألِيمُ.

وفي التَّعَرُّضِ لِعُنْوانِ الرُّبُوبِيَّةِ مَعَ الإضافَةِ إلى ضَمِيرِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مِنَ اللُّطْفِ والتَّشْرِيفِ ما لا يَخْفى.

وتَكْرِيرُ الخَيْرِ لِمَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِبَيانِ الخَيْرِيَّةِ وتَأْكِيدٍ لَها.

وفي الآيَةِ عَلى ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِالكَفَرَةِ حَيْثُ أشارَتْ إلى تَسْمِيَةِ جَزائِهِمْ ثَوابًا، والمُفاضَلَةُ عَلى ما قالَ عَلى طَرِيقَةِ- الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ- أيْ أبْلَغُ في حَرِّهِ مِنَ الشِّتاءِ في بَرْدِهِ ولَيْسَتْ عَلى التَّهَكُّمِ لِأنَّكَ لَوْ قُلْتَ: النّارُ خَيْرٌ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ أوْ بِالعَكْسِ تَهَكُّمًا كانَ التَّهَكُّمُ عَلى بابِهِ في المُفَضَّلِ والمُفَضَّلِ عَلَيْهِ وذَلِكَ مِمّا لا يَتَمَشّى فِيما نَحْنُ فِيهِ.

وحاصِلُ ما أرادَهُ أنَّ المُرادَ ثَوابُ هَؤُلاءِ أبْلَغُ مِن ثَوابِ أُولَئِكَ أيْ عِقابِهِمْ.

وقَوْلُ صاحِبِ التَّقْرِيبِ فِيهِ: إنَّهُ غَيْرُ مَعْلُومٍ جَوابُهُ كَيْفَ لا وقَدْ سَبَقَتِ الرَّحْمَةُ الغَضَبَ وفي الجَنَّةِ مِنَ الضَّعْفِ والإفْضالِ ما لا يُقادَرُ قَدْرُهُ والنّارُ مِن عَدْلِهِ تَعالى، وقَوْلُهُ: إنَّهُ غَيْرُ مُناسِبٍ لِمَقامِ التَّهْدِيدِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ المَنعِ يَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ الكَلامَ مَبْنِيٌّ عَلى التَّقابُلِ وأنَّهُ عَلى المُشاكَلَةِ في قَوْلِهِمْ ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا ﴾ وأحْسَنُ نَدِيًّا، فَوَعَدَ هَؤُلاءِ لَيْسَ لِمُجَرَّدِ تَهْدِيدِ أُولَئِكَ بَلْ مَقْصُودٌ لِذاتِهِ قالَهُ في الكَشْفِ.

وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعِيدٌ عَنِ الطَّبْعِ والِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ في كَلامِهِمْ ما يَشْهَدُ لَهُ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ ثَوابُ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الآخِرَةِ خَيْرٌ مِن ثَوابِهِمْ في الدُّنْيا وهو ما حَصَلَ لَهم مِنها مِنَ الخَيْرِ بِزَعْمِهِمْ ومِمّا أُوتُوا مِنَ المالِ والجاهِ والمَنافِعِ الحاصِلَةِ مِنهُما ا هـ، ورُدَّ إنْكارُهُ لَهُ بِأنَّ الزَّجّاجَ ذَكَرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أذَلِكَ خَيْرٌ أمْ جَنَّةُ الخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ ﴾ وأنَّ لَهُ نَظائِرَ.

والبُعْدُ عَنِ الطَّبْعِ في حَيِّزِ المَنعِ.

وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّ أفْعَلَ في الآيَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاتِّصافِ بِالحَدَثِ وعَلى الزِّيادَةِ المُطْلَقَةِ كَما قِيلَ في يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ: أحْسَنُ إخْوَتِهِ وهي إحْدى حالاتِهِ الأرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَها بَعْضُ عُلَماءِ العَرَبِيَّةِ، فالمَعْنى أنَّ ثَوابَهم ومَرَدَّهم مُتَّصِفٌ بِالزِّيادَةِ في الخَيْرِيَّةِ عَلى المُتَّصِفِ بِها بِقَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَؤُلاءِ المُفْتَخِرِينَ بِدُنْياهم فَلا يَلْزَمُ مُشارَكَتُهم في الخَيْرِيَّةِ فَتَأمَّلْ.

والجُمْلَةُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو السُّعُودِ عَلى تَقْدِيرَيِ الِاسْتِئْنافِ والعَطْفِ فِيما قَبْلَها مُسْتَأْنَفَةٌ وارِدَةٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى لِبَيانِ فَضْلِ أعْمالِ المُهْتَدِينَ غَيْرُ داخِلَةٍ في حَيِّزِ الكَلامِ المُلَقَّنِ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ ومُشْتَمِلَةٌ عَلى تَسْلِيَةِ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِمّا عَسى أنْ يَخْتَلِجَ فِيها مِن مُفاخَرَةِ الكَفَرَةِ شَيْءٌ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ - إلى- (جُنْدًا) تَتْمِيمٌ لِوَعِيدِهِمْ، وكِلاهُما مِن تَتِمَّةِ الأمْرِ بِالجَوابِ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ ، وجُعِلَ التَّعْبِيرُ بِخَيْرٍ وارِدًا عَلى طَرِيقِ المُشاكَلَةِ.

وما ذَكَرَهُ مِن كَوْنِ ذَلِكَ مِن تَتِمَّةِ الجَوابِ هو المُنْساقُ إلى الذِّهْنِ إلّا أنَّ ظاهِرَ الخِطابِ يَأْباهُ وقَدْ يُتَكَلَّفُ لَهُ، ولَعَلَّنا قَدْ أسْلَفْنا في هَذِهِ السُّورَةِ ما يَنْفَعُكَ في أمْرِهِ فَتَذَكَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ يعني: تعرض عليهم آياتُنا بَيِّناتٍ يعني: واضحات، قد بين فيها الحلال والحرام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا يعني: النضر بن الحارث قال لأصحاب النبيّ  ويقال: أهل مكة قالوا لأصحاب النبيّ  أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ يعني أيّ دينين خَيْرٌ مَقاماً، يعني: منزلاً.

قرأ ابن كثير مَقاماً بضم الميم، وقرأ الباقون بالنصب، فمن قرأ بالضم فهو الإقامة، يقال: أقمت إقامة ومقاماً، ومن قرأ بالنصب فهو المكان الذي يقام فيه وَأَحْسَنُ نَدِيًّا يعني: مجلساً، وذلك أنهم لبسوا الثياب، وادّهنوا الرؤوس، ثم قالوا للمؤمنين: أيُّ الفريقين خير منزلةً: المسلمون أو المشركون؟

وأرادوا أن يصرفوهم عن دينهم.

قوله عز وجل: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثاثاً يعني: أكثر أموالا وَرِءْياً يعني: منظراً حسناً، فلم يُغن عنهم ذلك من عذاب الله شيئا.

قرأ نافع وابن عامر وريّاً بتشديد الياء بغير همز، يعني: النعمة، وقرأ الباقون ورئياً بالهمز بغير تشديد، يعني: المنظر.

قال أبو عبيد: وهكذا تقرأ مهموزة لأنه من رؤية العين، وإنما هي المنظر.

ثم قال عز وجل: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ يعني: قل يا محمد، من كان في الكفر والشرك فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا يعني: يزيد له مالاً وولداً.

قوله: فَلْيَمْدُدْ هذا لفظ الأمر، ومعناه الخبر، وتأويله: أن الله عز وجل جعل جزاء ضلالته أن يتركه فيها، ويمده فيها، كما قال وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [البقرة: 15] .

ثم قال تعالى: حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ يعني: في الآخرة من العذاب والثواب إِمَّا الْعَذابَ في الدنيا وَإِمَّا السَّاعَةَ يعني: قيام الساعة فَسَيَعْلَمُونَ يعني: فسيعرفون يوم القيامة مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكاناً يعني: صنيعاً في الدنيا، ومنزلاً في الآخرة وَأَضْعَفُ جُنْداً يعني: أقل عدداً وقوة ومنعة، أهم أم المؤمنون.

قوله عز وجل: وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً يعني: يزيد الله عز وجل الذين آمنوا بالمنسوخ هدى بالناسخ، ليعملوا بالناسخ دون المنسوخ، ويقال: جعل جزاءهم أن يزيدهم في يقينهم، ويزيدهم بصيرة وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وقد ذكرناه وَخَيْرٌ مَرَدًّا يعني: وأفضل مرجعاً في الآخرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال البخاري «١» : ورءياً: منظراً.

وقرأ نافعٌ أيضاً، وأَهل المدينة: «وَرِيّاً» بياء مشددة، فقيل: هي بمعنى القِرَاءةِ الأُولى، وقيل: هي بمعنى الرِّيِّ في السُّقْيَا إذْ أَكْثر النعمة مِنَ الريِّ والمطر.

وقرأ ابنُ جُبَيْر، وابنُ عباسٍ، ويزيدُ البريري: «وزيّا» بالزاي المعجمة بمعنى:

الملبس.

[وأما] «٢» :

قوله سبحانه: قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا، فيحتمل أَنْ يكون بمعنى الدُّعَاءِ والاِبْتِهَال كأَنه يقولُ: الأَضَلّ مِنّا ومنكم مد الله له، أَيْ: أملى له حَتَّى يؤول ذلك إلَى عذابِه، ويحتمل أَنْ يكون بمعنى الخبر أنه سبحانه هذه عَادَتُه: الإمْلاَءُ للضَّالِينْ: حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ، أَيْ: في الدنيا بنصر الله لِلْمُؤْمِنينَ عليهم، وَإِمَّا السَّاعَةَ فيصيرون إلى النارِ، والجند النّاصرون: القائمون بأمر الحرب، وشَرٌّ مَكاناً بإزاء قولهم خَيْرٌ مَقاماً وأَضْعَفُ جُنْداً بإزاء قولهم: أَحْسَنُ نَدِيًّا ولما ذكر سبحانه ضَلاَلَةَ الكَفَرةِ وافتخارَهُم بنِعَم الدنيا عَقَّبَ «٣» ذلك بذكر نِعْمة الله على المؤْمِنينَ في أَنه يزيدهم هُدَىً في الارْتِبَاط بالأَعمالِ الصَّالحة، والمعرفة بالدَّلائل الوَاضِحَة، وقد تقدَّم تَفْسِيرُ البَاقِيَاتِ الصالحات عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «وأنها: سُبْحَانَ اللهِ، والحمُدْ لِلَّهِ، وَلاَ إله إلا الله، والله أكبر» وقد قال صلى الله عليه وسلّم لأَبِي الدَّرْدَاءِ: «خُذْهُنَّ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ، وَبَيْنَهُنَّ فَهُنَّ الْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ، وهنّ من كنوز الجنّة «٤» » ، وعنه صلى الله عليه وسلّم أَنه قَالَ:

«خُذُوا جُنَّتِكُم، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَمِنْ عَدُوٍّ حَضَرَ؟

قَالَ: مِنَ النَّارِ، قَالُوا: مَا هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وهنّ الباقيات الصّالحات» «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ ﴾ ؛ أيْ: في الكُفْرِ والعَمى عَنِ التَّوْحِيدِ، ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وهَذا لَفْظُ أمْرٍ ومَعْناهُ الخَبَرُ، والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعْلَ جَزاءَ ضَلالَتِهِ أنْ يَتْرُكَهُ فِيها.

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: خاطَبَ اللَّهُ العَرَبَ بِلِسانِها، وهي تَقْصِدُ التَّوْكِيدَ لِلْخَبَرِ بِذِكْرِ الأمْرِ، يَقُولُ أحَدُهم: إنْ زارَنا عَبْدُ اللَّهِ فَلْنُكْرِمْهُ، يَقْصِدُ التَّوْكِيدَ، ويُنَبِّهُ عَلى أنِّي أُلْزِمُ نَفْسِي إكْرامَهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ لامَ الدُّعاءِ عَلى مَعْنى: قُلْ يا مُحَمَّدُ: مَن كانَ في الضَّلالَةِ، فاللَّهُمَّ مُدَّ لَهُ في النِّعَمِ مَدًّا.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى مَدِّ اللَّهِ تَعالى لَهُ: إمْهالُهُ في الغَيِّ.

﴿ حَتّى إذا رَأوْا ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ مَدَّهم في الضَّلالَةِ، وإنَّما أخْبَرَ عَنِ الجَماعَةِ؛ لِأنَّ لَفْظَ " مَن " يَصْلُحُ لِلْجَماعَةِ.

ثُمَّ ذَكَرَ ما يُوعَدُونَ فَقالَ: ﴿ إمّا العَذابَ ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ والأسْرَ، ﴿ وَإمّا السّاعَةَ ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ وما وُعِدُوا فِيها مِنَ الخُلُودِ في النّارِ، ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا ﴾ في الآخِرَةِ، أهَمْ أُمِ المُؤْمِنُونَ ؟

لِأنَّ مَكانَ هَؤُلاءِ الجَنَّةُ ومَكانَ هَؤُلاءِ النّارُ، ويَعْلَمُونَ بِالنَّصْرِ والقَتْلِ مَن " أضْعَفُ جُنْدًا " جُنْدَهم أمْ جُنْدِ رَسُولِ اللَّهِ  .

وهَذا رَدٌّ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِمْ: ﴿ أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالتَّوْحِيدِ إيمانًا.

والثّانِي: يَزِيدُهم بَصِيرَةً في دِينِهِمْ.

والثّالِثُ: يَزِيدُهم بِزِيادَةِ الوَحْيِ إيمانًا، فَكُلَّما نَزَلَتْ سُورَةٌ زادَ إيمانُهم.

والرّابِعُ: يَزِيدُهم إيمانًا بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ.

والخامِسُ: يَزِيدُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هَدًى بِالنّاسِخِ.

قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْعَلُ جَزاءَهم أنْ يَزِيدَهم يَقِينًا، كَما جُعِلَ جَزاءُ الكافِرِ أنْ يُمِدَّهُ في ضَلالَتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والباقِياتُ الصّالِحاتُ ﴾ قَدْ ذَكَرْناها في سُورَةِ ( الكَهْفِ: ٤٦ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ المَرَدُّ هاهُنا مَصْدَرٌ مِثْلَ الرَّدِّ، والمَعْنى: وخَيْرٌ رَدًّا لِلثَّوابِ عَلى عامِلَيْها، فَلَيْسَتْ كَأعْمالِ الكُفّارِ الَّتِي خَسِرُوها فَبَطَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ حَتّى إذا رَأوا ما يُوعَدُونَ إمّا العَذابَ وإمّا الساعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَن هو شَرٌّ مَكانًا وأضْعَفُ جُنْدًا  ﴾ ﴿ وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى والباقِياتُ الصالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وقالَ لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا ﴾ ﴿ أطَّلَعَ الغَيْبَ أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَحْمَنِ عَهْدًا ﴾ ﴿ كَلا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ ونَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذابِ مَدًّا ﴾ ﴿ وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ ويَأْتِينا فَرْدًا ﴾ "حَتّى" في هَذِهِ الآيَةِ حَرْفُ ابْتِداءٍ دَخَلَتْ عَلى جُمْلَةٍ، وفِيها مَعْنى الغايَةِ، و"إذا" شَرْطٌ، وجَوابُها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ  ﴾ ، و"الرُؤْيَةُ" رُؤْيَةُ العَيْنِ، و"العَذابَ" و"الساعَةَ" بَدَّلَ مِن "ما" الَّتِي وقَعَتْ عَلَيْها "رَأوا".

و"إمّا" هي المُدْخَلَةُ لِلشَّكِّ في أوَّلِ الكَلامِ، والثانِيَةُ عِطْفٌ عَلَيْها.

و"العَذابَ" يُرِيدُ بِهِ عَذابَ الدُنْيا ونُصْرَةَ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ، و"الجُنْدُ" النُصْرَةُ والقائِمُونَ بِأمْرِ الحَرْبِ، و"شَرٌّ مَكانًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "خَيْرٌ مَقامًا"، و"أضْعَفُ جُنْدًا" بِإزاءِ قَوْلِهِمْ: "أحْسَنُ نَدِيًّا" ولَمّا ذَكَرَ ضَلالَةَ الكُفْرِ، وارْتِباكَهم في الِامْتِحانِ بِنِعَمِ الدُنْيا وعَماهم عَنِ الطَرِيقِ المُسْتَقِيمِ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ نِعْمَتِهِ عَلى المُؤْمِنِينَ، في أنَّهُ يَزِيدُهم هُدًى في الِارْتِباطِ إلى الأعْمالِ الصالِحَةِ، والمَعْرِفَةِ بِالدَلائِلِ الواضِحَةِ، وزِيادَةِ العِلْمِ دَأبًا، قالَ الطَبَرَيْ عن بَعْضِهِمُ: المَعْنى: بِناسِخِ القُرْآنِ ومَنسُوخِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مِثالٌ.

و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " إشارَةٌ إلى ذَلِكَ الهُدى الَّذِي يَزِيدُهُمُ اللهُ، وهَذِهِ النِعَمُ عَلى هَؤُلاءِ خَيْرٌ عِنْدَ اللهِ ثَوابًا وخَيْرٌ مَرْجِعًا.

والقَوْلُ في زِيادَةِ الهُدى سَهْلٌ بَيِّنُ الوُجُوهِ.

و" الباقِياتُ الصالِحاتُ " كُلُّ عَمَلٍ صالِحٍ يَرْفَعُ اللهُ بِهِ دَرَجَةَ عامِلِهِ، وقالَ الحَسَنُ: هي الفَرائِضُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: هي الصَلَواتُ الخَمْسُ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ أنَّها الكَلِماتُ المَشْهُوراتُ: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ.

فَقَدْ قالَ  لِأبِي الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «خُذْهُنَّ قَبْلَ أنْ يُحالَ بَيْنَكَ وبَيْنَهُنَّ، فَهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ، وهُنَّ مَن كُنُوزِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ عنهُ  أنَّهُ قالَ يَوْمًا: « "خُذُوا جُنَّتَكُمْ"، قالُوا: يا رَسُولَ اللهِ، أمِن عَدُوٍّ حَضَرَ؟

قالَ: "مِنَ النارِ"، قالُوا: ما هي يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، وهُنَّ الباقِياتُ الصالِحاتُ»، وكانَ أبُو الدَرْداءِ رَضِيَ اللهُ عنهُ إذا ذَكَرَ هَذا الحَدِيثَ يَقُولُ: «لَأُهَلِّلَنَّ ولَأُكَبِرَنَّ اللهَ ولَأُسَبِّحَنَّهُ حَتّى إذا رَآنِي الجاهِلُ ظَنَّنِي مَجْنُونًا».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا ﴾ .

الفاءُ في قَوْلِهِ: " أفَرَأيْتَ " عاطِفَةٌ بَعْدَ ألْفِ الِاسْتِفْهامِ، وهي عاطِفَةٌ جُمْلَةً عَلى جُمْلَةٍ، و ﴿ الَّذِي كَفَرَ ﴾ يَعْنِي بِهِ العاصِيَ بْنَ وائِلٍ السَهْمَيَّ، قالَهُ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وخَبَرَهُ «أنَّ خَبّابَ بْنَ الأرَتِّ كانَ قَيْنًا في الجاهِلِيَّةِ، فَعَمِلَ لَهُ عَمَلًا، واجْتَمَعَ لَهُ عِنْدَهُ دَيْنٌ، فَجاءَهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ لَهُ العاصِي بْنُ وائِلٍ: لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، فَقالَ خَبّابٌ: لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ - حَتّى يُمِيتُكَ اللهُ ثُمْ يَبْعَثُكَ، قالَ العاصِي: أو مَبْعُوثٌ أنا بَعْدَ المَوْتِ؟

قالَ خَبّابٌ: نَعَمْ، قالَ: فَإذا كانَ ذَلِكَ فَسَيَكُونُ لِي مالٌ ووَلَدٌ، وعِنْدَ ذَلِكَ أقْضِيكَ دَيْنَكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ».

وقالَ الحَسَنُ: نَزَلَتِ الآيَةُ في الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَتْ لِلْوَلِيدِ أيْضًا أقْوالٌ تُشْبِهُ هَذا الغَرَضَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: "وَوَلَدًا" عَلى مَعْنى اسْمِ الجِنْسِ، بِفَتْحِ الواوِ واللامِ، وَكَذَلِكَ في سائِرٍ ما في القُرْآنِ، إلّا في سُورَةِ نُوحٍ فَإنَّهُما قَرَأا بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ بِفَتْحِ الواوِ في كُلِّ القُرْآنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَوُلْدًا" بِضَمِّ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، وكَذَلِكَ في جَمِيعِ القُرْآنِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "وِلْدًا" بِكَسْرِ الواوِ وسُكُونِ اللامِ، واخْتَلَفَ مَعَ ضَمِّ الواوِ - فَقالَ بَعْضُهُمْ: هو جَمْعُ ولَدٍ كَأسَدٍ وأُسْدٍ واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَلَقَدْ رَأيْتُ مُعاشِرًا قَدْ ثَمَّرُوا مالًا ووُلْدًا وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مُفْرَدٌ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِ الشاعِرِ: فَلَيْتَ فُلانًا كانَ في بَطْنِ أُمِّهِ ∗∗∗ ولَيْتَ فُلانًا كانَ وُلْدَ حِمارِ قالَ أبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللهُ: وفي قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ ما كانَ مُفْرَدًا قُصِدَ بِهِ المُفْرَدُ، وما كانَ مِنهُ جَمْعًا قُصِدَ الجَمْعُ، وقالَ الأخْفَشُ: الوَلَدُ: الِابْنُ، والوُلْدُ: الأهْلُ والوالِدُ، وقالَ غَيْرُهُ: والوُلْدُ: بَطْنُ الَّذِي هو مِنهُ، حَكاهُ أبُو عَلِيٍّ في الحُجَّةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أطَّلَعَ الغَيْبَ ﴾ تَوْقِيفٌ، والألِفُ لِلِاسْتِفْهامِ، وحُذِفَتْ في الوَصْلِ لِلِاسْتِغْناءِ عنها، و"اتِّخاذُ العُهَدِ" مَعْناهُ: بِالإيمانِ والأعْمالِ الصالِحَةِ.

و"كَلّا" زَجْرٌ ورَدْعٌ، ثُمْ أخْبَرَ تَعالى أنَّ قَوْلَ هَذا الكافِرِ سَيَكْتُبُ، عَلى مَعْنى حِفْظِهِ عَلَيْهِ ومُعاقَبَتِهِ بِهِ، وقَرَأ عاصِمْ، والأعْمَشُ: "سَيُكْتَبُ" بِياءٍ مَضْمُومَةٍ، وقَرَأ: "سَنَكْتُبُ" بِالنُونِ أبُو عَمْرٍو، والحُسْنُ، وعِيسى.

و"مَدُّ العَذابِ" هو إطالَتُهُ وتَعْظِيمُهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَقُولُ ﴾ أيْ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي سَمّاها، وقالَ إنَّهُ يُؤْتاها في الآخِرَةِ يَرِثُ اللهُ ما لَهُ مِنها في الدُنْيا بِإهْلاكِهِ وتَرْكِهِ لَها، فالوِراثَةُ مُسْتَعارَةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَيْبَتَهُ في الآخِرَةِ كَوِراثَةِ ما أمَّلَ.

وفي حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "وَنَرِثُهُ ما عِنْدَهُ"، وقالَ النُحاسُ: "وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ" مَعْناهُ: نَحْفَظُهُ عَلَيْهِ لِنُعاقِبَهُ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «العُلَماءُ ورَثَةُ الأنْبِياءِ»، أيْ: حَفَظَةُ ما قالُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَكَأنَّ هَذا المُجْرِمْ يُورِثُ هَذِهِ المَقالَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَأْتِينا فَرْدًا ﴾ يَتَضَمَّنُ ذِلَّتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا جواب قولهم ﴿ أي الفريقين خير مقاماً وأحسن نَدِيّاً ﴾ [مريم: 73].

لقن الله رسوله صلى الله عليه وسلم كشف مغالطتهم أو شبهتهم؛ فأعلمهم بأن ما هم فيه من نعمة الدنيا إنما هو إمهال من الله إيّاهم، لأنّ ملاذ الكافر استدراج.

فمعيار التفرقة بين النّعمة الناشئة عن رضى الله تعالى على عبده وبين النعمة التي هي استدراج لمن كفر به هو النظر إلى حال من هو في نعمة بين حال هدى وحال ضلال.

قال تعالى في شأن الأولين: ﴿ من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ [النحل: 97].

وقال في شأن الآخرين ﴿ أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ﴾ [المؤمنون: 55، 56].

والمعنى: أن من كان منغمساً في الضلالة اغترّ بإمهال الله له فركبه الغرور كما ركبهم إذ قالوا {أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً.

واللاّم في قوله فليمدد له الرحمان مداً } لام الأمر أو الدعاء، استعملت مجازاً في لازم معنى الأمر، أي التحقيق، أي فسيمد له الرحمان مداً، أي إن ذلك واقع لا محالة على سنّة الله في إمهال الضُّلال، إعذاراً لهم، كما قال تعالى: ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ [فاطر: 37]، وتنبيهاً للمسلمين أن لا يغتروا بإنعام الله على الضُّلال حتى أنّ المؤمنين يَدْعُون الله به لعدم اكتراثهم بطول مدة نعيم الكفّار.

فإن كان المقصود من ﴿ قُل ﴾ أن يقول النبي ذلك للكفّار فلام الأمر مجرد مجاز في التحقيق، وإن كان المقصود أن يبلّغ النبيءُ ذلك عَن الله أنه قال ذلك فلامُ الأمر مجاز أيضاً وتجريد بحيث إنّ الله تعالى يأمر نفسه بأن يمد لهم.

والمدّ: حقيقته إرخاء الحبل وإطالته، ويستعمل مجازاً في الإمهال كما هنا، وفي الإطالة كما في قولهم: مدّ الله في عمرك.

و ﴿ مَدّاً ﴾ مفعول مطلق مؤكد لعامله، أي فليمدد له المدّ الشديد، فيسينتهي ذلك.

و ﴿ حتى ﴾ لغاية المد، وهي ابتدائية، أي يمدّ له الرحمان إني أن يَروا ما يوعدون، أي لا محيص لهم عن رؤية ما أوعدوا من العذاب ولا يدفعه عنه طول مدّتهم في النّعمة.

فتكون الغاية مضمون الجملة التي بعدها ﴿ حتى ﴾ لا لفظاً مفرداً.

والتقدير: يمدّ لهم الرحمان حتى يروا العذاب فيعلموا من هو أسعد ومن هو أشقى.

وحرف الاستقبال لتوكيد حصول العلم لهم حينئذ وليس للدّلالة على الاستقبال لأنّ الاستقبال استفيد من الغاية.

و ﴿ إمّا ﴾ حرف تفصيل ل ﴿ ما يوعدون ﴾ ، أي ما أوعدوا من العذاب إما عذاب الدنيا وإما عذاب الآخرة، فإن كلّ واحد منهم لا يعدو أن يرى أحد العذابين أو كليهما.

وانتصب لفظ ﴿ العذاب ﴾ على المفعولية ل ﴿ يَروْا.

وحرف إما ﴾ غير عاطف، وهو معترض بين العامل ومعموله، كما في قول تأبّط شراً: هما خطتّا إمّا إسارٍ ومِنّةٍ وإما دممٍ والموت بالحر أجدر بجرّ (إسار، ومنّة، ودم).

وقوله ﴿ شرّ مكاناً وأضعف جنداً ﴾ مقابل قولهم ﴿ خيرٌ مقاماً وأحسن نديّاً ﴾ [مريم: 73] فالمكان يرادف المقام، والجند الأعوان، لأنّ الندي أريد به أهله كما تقدم، فقوبل ﴿ خيرٌ نديّاً ﴾ ب ﴿ أضعفُ جنداً ﴾ .

وجملة ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ معطوفة على جملة ﴿ من كان في الضلالة فليمدد له الرحمان مدّاً ﴾ لما تضمنه ذلك من الإمهال المفضي إلى الاستمرار في الضلال، والاستمرار: الزيادة.

فالمعنى على الاحتباك، أي فليمدد له الرحمان مداً فيزدَدْ ضلالاً، ويمدّ للذين اهتدوا فيزدادوا هدىً.

وجملة ﴿ والباقيات الصالحات خير ﴾ عطف على جملة ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ .

وهو ارتقاء من بشارتهم بالنجاة إلى بشارتهم برفع الدرجات، أي الباقيات الصالحات خير من السلامة من العذاب التي اقتضاها قوله تعالى: ﴿ فسيعلمون من هو شرّ مكاناً وأضعفُ جنداً ﴾ ، أي فسيظهر أن ما كان فيه الكفرة من النعمة والعزّة هو أقلّ مما كان عليه المسلمون من الشظف والضعف باعتبار المآلين، إذ كان مآل الكفرة العذاب ومَآل المؤمنين السلامة من العذاب وبعدُ فللمؤمنين الثواب.

والباقيات الصالحات: صفتان لمحذوف معلوم من المقام، أي الأعمال الباقي نعيمها وخيرها، والصالحات لأصحابها هي خير عند الله من نعمة النجاة من العذاب.

وقد تقدّم وجه تقديم الباقيات على الصالحات عند الكلام على نظيره في أثناء سورة الكهف.

والمردّ، المرجع.

والمراد به عاقبة الأمر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَزِيدُهم هُدًى بِالمَعُونَةِ في طاعَتِهِ والتَّوْفِيقِ لِمَرْضاتِهِ.

الثّانِي: الإيمانُ بِالنّاسِخِ والمَنسُوخِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ ومُقاتِلٌ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِالمَنسُوخِ هُدًى بِالنّاسِخِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا إلى طاعَتِهِ هُدًى إلى الجَنَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ الآية قال: قالها العاصي بن وائل.

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ لسوف أخرج ﴾ برفع الألف ﴿ أولا يذكر الإنسان ﴾ خفيفة بنصب الياء ورفع الكاف.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ جثياً ﴾ قال: قعوداً.

وفي قوله: ﴿ عتياً ﴾ قال: معصية.

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ عتيا ﴾ قال: عصيا.

وأخرج الحاكم، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ عتياً ﴾ أو ﴿ جثياً ﴾ فإنهما جميعاً بالضم.

وأخرج عبدالله بن أحمد في زوائد الزهد والبيهقي في البعث، عن عبدالله بن باباه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كأني أراكم بالكوم دون جهنم جاثين» .

وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ جثياً ﴾ برفع الجيم ﴿ وعتياً ﴾ برفع العين وصليا برفع الصاد.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي رضي الله عنه في قوله: ﴿ حول جهنم جثياً ﴾ قال: قياماً.

وأخرج ابن المنذر.

عن ابن جريج ﴿ ثم لننزعن ﴾ قال لنبدأن.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ثم لننزعن ﴾ الآية: قال: ﴿ لننزعن من كل ﴾ أهل دين قادتهم ورؤوسهم في الشر.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ أيهم أشد على الرحمن عتياً ﴾ قال: في الدنيا.

وأخرج هناد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي الأحوص ﴿ ثم لننزعن من كل شيعة ﴾ الآية.

قال: يبدأ بالأكابر فالأكابر جرماً.

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن ابن مسعود قال: يحشر الأوّل على الآخر، حتى إذا تكاملت العدة أثارهم جميعاً، ثم بدأ بالأكابر فالأكابر جرماً، ثم قرأ ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ إلى قوله: ﴿ عتياً ﴾ .

وأخرج أبو عبيد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن مجاهد في قوله: ﴿ لننزعن من كل شيعة ﴾ قال: من كل أمة أشد على الرحمن ﴿ عتياً ﴾ قال: كفراً.

وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ يقول: إنهم أولى بالخلود في جهنم.

وأخرج الحرث بن أبي أسامة وابن جرير بسند حسن عن ابن عباس قال: إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم، وزيد في سعتها كذا وكذا، وجمع الخلائق بصعيد واحد، جنهم وإنسهم، فإذا كان ذلك اليوم قيضت هذه السماء الدنيا عن أهلها على وجه الأرض، ولأهل السماء وحدهم أكثر من أهل الأرض جنهم وإنسهم بضعف، فإذا نثروا على وجه الأرض، فزعوا إليهم فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت.

ثم تقاض السماء الثانية، ولأهل السماء الثانية وحدهم، أكثر من أهل السماء الدنيا، ومن جميع أهل الأرض، بضعف جنهم وإنسهم، فإذا نثروا على وجه الأرض فزع إليهم أهل الأرض فيقولون: أفيكم ربنا؟

فيفزعون من قولهم، ويقولون: سبحان ربنا!

ليس فينا وهو آت، ثم تقاض السموات: سماء سماء، كلما قيضت سماء عن أهلها، كانت أكثر من أهل السموات التي تحتها، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فإذا نثروا على أهل الأرض، يفزع إليهم أهل الأرض، فيقولون لهم مثل ذلك، فيرجعون إليهم مثل ذلك، حتى تقاض السماء السابعة، فلأهل السماء السابعة، أكثر من أهل ست سموات، ومن جميع أهل الأرض بضعف، فيجيء الله فيهم، والأمم جثيّ صفوف، فينادي مناد: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، ليقم الحمادون لله على كل حال، فيقومون، فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثانية: ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم، أين الذين كانت ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون ﴾ [ السجدة: 16] فيقومون فيسرحون إلى الجنة، ثم ينادي الثالثة، ستعلمون اليوم من أصحاب الكرم؟

أين الذين ﴿ لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ [ النور: 37] فيقومون فيسرحون إلى الجنة.

فإذا أخذ كل من هؤلاء ثلاثة، خرج عنق من النار فأشرف على الخلائق له عينان تبصران ولسان فصيح فيقول: إني وكلت منكم بثلاثة: بكل جبار عنيد، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثانية فتقول: إني وكلت منكم بمن آذى الله تعالى ورسوله، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حَبَّ السمسم، فتحبس بهم في جهنم، ثم تخرج ثالثة فتقول: إني وكلت بأصحاب التصاوير، فتلقطهم من الصفوف لقط الطير حب السمسم، فتحبس بهم في جهنم، فإذا أخذ من هؤلاء ثلاثة، ومن هؤلاء ثلاثة: نشرت الصحف، ووضعت الموازين، ودعي الخلائق للحساب.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والحكيم الترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضهم: يدخلونها جميعاً ﴿ ثم ينجي الله الذين اتقوا ﴾ فلقيت جابر بن عبدالله، فذكرت له فقال: وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه صمتاً، إن لم أكن سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجاً من بردهم ﴿ ثم ينجّي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً ﴾ » .

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وهناد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث، عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس فقال ابن عباس: الورود الدخول: وقال نافع: لا.

فقرأ ابن عباس ﴿ إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون ﴾ [ الأنبياء: 98] وقال: وردوا أم لا، وقرأ ﴿ يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار ﴾ [ هود: 98] أوردوا أم لا، أما أنا وأنت فسندخلها، فانظر هل نخرج منها أم لا.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ قال: يردُهَا البَرّ والفاجر.

ألم تسمع قوله: ﴿ فأوردهم النار وبئس الورد المورود ﴾ [ هود: 98] وقوله: ﴿ ونسوق المجرمين إلى جهنم ورداً ﴾ [ مريم: 86] .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عباس: أن رجالاً من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- كانوا يطلبون العاص بن وائل بدين فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً ومن كل الثمرات؟

قالوا: بلى.

قال: فإن موعدكم الآخرة.

والله لأوتين مالاً وولداً، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به.

فقال الله: ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ الآيات.

وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن قال: كان لرجل من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- دين على رجل من المشركين فأتاه يتقاضاه، فقال ألست مع هذا الرجل؟

قال: نعم.

قال أليس يزعم أن لكم جنة وناراً وأموالاً وبنين؟

قال: بلى.

قال: اذهب، فلست بقاضيك إلا ثمة.

فأنزلت ﴿ أفرأيت الذي كفر بآياتنا ﴾ إلى قوله: ﴿ ويأتينا فرداً ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ أطلع الغيب ﴾ يقول: أطلعه الله الغيب؟

يقول: ما له فيه ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ بعمل صالح قدمه.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ قال: لا إله إلا الله، يرجو بها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ قال [الربيع بن أنس: (يزيد الله الذين اهتدوا] (١) (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾ الأذكار والأعمال الحسنة من الطاعات التي تبقى لصاحبها ولا تحيط (٨) ﴿ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا ﴾ جزاء في الآخرة مما يفتخر به الكفار من مالهم وحسن معاشهم.

ومضى القول في الباقيات الصالحات في سورة الكهف (٩) وقوله تعالى: ﴿ وَخَيْرٌ مَرَدًّا ﴾ المراد هاهنا مصدر مثل الرد، والمعنى: وخير ردًّا على عامليها للثواب، ليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت، ويقال: هذا الأمر أرد عليك أي: أنفع لك (١٠) (١١) (١٢) (١) ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).

(٢) ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.

انظر: "جامع البيان" 16/ 119، "النكت والعيون" 3/ 387، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "التفسير الكبير" 21/ 248.

(٣) "النكت والعيون" 3/ 387، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، وذكره بدون نسبة "جامع البيان" 16/ 90، "المحرر الوجيز" 9/ 524، "زاد المسير" 5/ 259.

(٤) "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "التفسير الكبير" 11/ 148.

(٥) "النكت والعيون" 3/ 387، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "فتح القدير" 3/ 498.

(٦) في (س): (الكافرين).

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 344.

(٨) "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 12، "جامع البيان" 16/ 119، "معالم التنزيل" 5/ 253.

(٩) عند قوله سبحانه: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا  ﴾ .

(١٠) انظر: "تهذيب اللغة" (رد) 2/ 1390، "الصحاح" (ردد) 2/ 473، "لسان العرب" (ردد) 3/ 1621، "المفردات في غريب القرآن" (رد) ص 193.

(١١) "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 145.

(١٢) "الكشاف" 2/ 421، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 145، "فتح القدير" 3/ 498.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ والباقيات الصالحات ﴾ ذكر في [الكهف: 47] ﴿ وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة ﴿ أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ ﴾ هو العاصي بن وائل ﴿ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً ﴾ كان قد قال: لئن بعثت كما يزعم محمد ليكونن لي هناك مال وولد ﴿ أَطَّلَعَ الغيب ﴾ الهمزة للإنكار، والرد على العاصي في قوله: ﴿ كَلاَّ ﴾ ردّ له عن كلامه ﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ ﴾ إنما جعله مستقبلاً لأنه إنما يظهر الجزاء والعقاب في المستقبل ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العذاب مَدّاً ﴾ أي نزيد له فيه ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ أي نرث الأشياء التي قال إنه يؤتاها في الآخرة، وهي المال والولد، ووراثتها هي بأن يهلك العاصي ويتركها، وقد أسلم ولداه هشام وعمرو رضي الله عنهما ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ أي بلا مال ولا ولد ولا ولي ولا نصير.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَٰتٍ ﴾ قد ذكرناه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ : كأن هذا القول من الكفرة خرج جواب ما احتج عليهم أهل الإيمان بالآيات التي ذكروا حجاجاً عليهم، فيقولون: إنكم تقولون: إن الدنيا والآخرة لله، فقد وسع علينا الدنيا وضيق عليكم، فعلى ذلك يوسع الآخرة علينا ويضيق عليكم كما فعل في الدنيا؛ إذ لا يجوز أن يوالينا في الدنيا ويعادينا في الآخرة، وعلى هذا قولهم: ﴿ نَحْنُ أَكْثَـرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ  ﴾ ، فظنوا أنه لما وسع عليهم وأحسن بهم الندى والمجلس كذلك يكونون في الآخرة، فأكذبهم الله، وردّ عليهم ذلك فقال: ﴿ وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِءْياً ﴾ .

أخبرهم بما عرفوا هم أنهم كانوا أهل السعة والزينة، ثم أهلكوا بتكذيبهم الرسل وعصيانهم ربهم، فلو كان ما ذكر هؤلاء الكفرة لكانوا لا يهلكون؛ فيلزمهم بما ذكر أن من وسع عليه الدنيا وضيق عليه الآخرة إنما يكون بحق المحنة، لا بحق المنزلة والقدر، وأمّا الثواب والجزاء فهو بحق القدر والمنزلة والخذلان.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَثَاثاً ﴾ قيل: المتاع والمال، ﴿ وَرِءْياً ﴾ أي: منظراً.

وقوله - عز وجل -: ﴿ قُلْ مَن كَانَ فِي ٱلضَّلَـٰلَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ﴾ ، أي: خيرا وسعة في الدنيا، ﴿ حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْاْ مَا يُوعَدُونَ إِمَّا ٱلعَذَابَ ﴾ هو العذاب والهلاك الذي وعدهم رسول الله في الدنيا، ﴿ وَإِمَّا ٱلسَّاعَةَ ﴾ القيامة.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ : هذا يدل أن قولهم: ﴿ أَيُّ ٱلْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً ﴾ أرادوا: الخدم والحواشي، حيث قال: ﴿ وَأَضْعَفُ جُنداً ﴾ .

قال أبو عوسجة: ﴿ حَتْماً مَّقْضِيّاً ﴾ أي: واجباً، ﴿ نَدِيّاً ﴾ أي: مجلساً، وأندية: جمع، والأثاث: المتاع، ﴿ وَرِءْياً ﴾ منظراً، ﴿ وَنَمُدُّ لَهُ ﴾ أي: نطيل عذابه.

وقال القتبي: ﴿ نَدِيّاً ﴾ مجلساً، يقال للمجلس: ندي ونادٍ، ومنه قيل: دار الندوة التي كان المشركون يجلسون ويتشاورون بها في رسول الله، والأثاث: المتاع، والرئي: المنظر، والبشارة، والهيئة.

وقوله: ﴿ فَلْيَمْدُدْ لَهُ ٱلرَّحْمَـٰنُ مَدّاً ﴾ ، أي: يمد له في ضلالته، ﴿ وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ ﴾ ، أي: نرثه المال والولد الّذي قال: ﴿ لأُوتَيَنَّ ﴾ .

قوله: ﴿ وَيَأْتِينَا فَرْداً ﴾ لا شيء معه.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى ﴾ : جميع ما ذكر الله - عز وجلّ - من زيادة الهداية وابتداء الهداية فهو إنما يزيد له الهداية ويهديه ابتداء إذا كان من العبد رغبة في ذلك وبغية وطلب، [و] إذا كان مهتدياً يزيد له الثبات على ما كان عليه في وقت رغبته وطلبه منه.

أو إن لم يكن مهتدياً يهده ابتداء هداية في وقت رغبته وقبوله، على هذا يخرج عندنا ما ذكر بحق الزيادة أو بحق الابتداء.

ويحتمل قوله: ﴿ وَيَزِيدُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱهْتَدَواْ هُدًى ﴾ ، أي: يوفقهم - إذا اهتدوا وعرفوا وحدانية الله - لأنواع الخيرات والطاعات.

وقالت المعتزلة: البيان، وهي هداية عامة، والهداية الثانية [شرح] الصدر لها والتوفيق، وهي هداية خاصّة تكون في وقت ثانٍ بحق الثواب، فعلى زعمهم يجيء ألا يكفر أحد بعد ما هداه الله مرة أبداً؛ لأنهم يقولون: إذا اهتدوا وقبلوا هدايته مرة، يوفقه ويشرح صدره في الوقت الثاني، فهو أبداً يكون على الهداية والإيمان، فإذا وجد عن كثير ممن اهتدوا مرة الكفر من بعد، دلّ أن تأويلهم فاسد، وأن التأويل ما ذكرنا نحن: أنه يزيد لهم الهداية وقت رغبتهم وطلبهم الهداية إن كان بحق الزيادة أو بحق الابتداء، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ مَّرَدّاً ﴾ .

يحتمل: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ﴾ : الأمور الباقيات التي لها البقاء، أي: ما يبقى لكم عند الله خير مما يبطل؛ لأن الله  وصف الحق والخير بالبقاء والمكث، ووصف الباطل بالذهاب والتلاشي بقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ...

 ﴾ ، وقال في آية: ﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً...

 ﴾ ، وقال: ﴿ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ...

﴾ الآية [إبراهيم: 26]، وقال في آية: ﴿ وَقُلْ جَآءَ ٱلْحَقُّ وَزَهَقَ ٱلْبَاطِلُ إِنَّ ٱلْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً  ﴾ أي: ذاهباً.

فيشبه أن يكون قوله: ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ٱلصَّالِحَاتُ خَيْرٌ ﴾ ، أي: الأعمال التي لها البقاء خير لكم عند الله ثواباً من التي ليس لها البقاء.

ويحتمل ﴿ وَٱلْبَاقِيَاتُ ﴾ ، أي: ما أبقى الله لكم في الآخرة من الثواب خير لكم مما أعطى لكم في الدنيا؛ لأن هذا فإن وذاك باق، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ومقابل الإمهال أو لئك حتى يزدادوا ضلالًا، يزيد الله الذين اهتدوا إيمانًا وطاعة، والأعمال الصالحات المؤدّية إلى السعادة الأبدية أنفع عند ربك -أيها الرسول- جزاء، وخير عاقبة.

من فوائد الآيات على المؤمنين الاشتغال بما أمروا به والاستمرار عليه في حدود المستطاع.

وورد جميع الخلائق عَلى النار -أي: المرور على الصراط، لا الدخول في النار- أمر واقع لا محالة.

أن معايير الدين ومفاهيمه الصحيحة تختلف عن تصورات الجهلة والعوام.

من كان غارقًا في الضلالة متأصلًا في الكفر يتركه الله في طغيان جهله وكفره، حتى يطول اغترار، فيكون ذلك أشد لعقابه.

يثبّت الله المؤمنين على الهدى، ويزيدهم توفيقًا ونصرة، وينزل من الآيات ما يكون سببًا لزيادة اليقين مجازاةً لهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.4eaOp"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله