الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٩ من سورة مريم
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 85 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ورواه الإمام أحمد عن سريج بن النعمان ، وأبو داود ، عن زياد بن أيوب ، كلاهما عن هشيم ، به .
( قال ) أي الملك مجيبا لزكريا عما استعجب منه : ( كذلك قال ربك هو علي هين ) أي : إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ) هين ) أي : يسير سهل على الله .
ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه ، فقال : ( وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا ) كما قال تعالى : ( هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ) الإنسان : 1
يقول تعالى ذكره: قال الله لزكريا مجيبا له (قَالَ كَذَلِكَ) يقول: هكذا الأمر كما تقول من أنّ امرأتك عاقر، وإنك قد بلغت من الكبر العتيّ، ولكن ربك يقول: خلْق ما بشَّرتك به من الغلام الذي ذكرت لك أن اسمه يحيى عليّ هين، فهو إذن من قوله (قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ) كناية عن الخلق.
وقوله (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا) يقول تعالى ذكره وليس خلق ما وعدتك أن أهبه لك من الغلام الذي ذكرت لك أمره منك مع كبر سنك، وعقم زوجتك بأعجب من خلقك، فإني قد خلقتك، فأنشأتك بشرا سويا من قبل خلقي ما بشرتك بأني واهب لك من الولد، ولم تك شيئا، فكذلك أخلق لك الولد الذي بشرتك به من زوجتك العاقر، مع عِتيك ووهن عظامك، واشتعال شيب رأسك.
قوله تعالى : قال كذلك قال ربك هو علي هين أي قال له الملك كذلك قال ربك والكاف في موضع رفع ؛ أي الأمر كذلك ؛ أي كما قيل لك : هو علي هين .
قال الفراء : خلقه علي هين .وقد خلقتك من قبل أي من قبل يحيى .
وهذه قراءة أهل المدينة والبصرة وعاصم .
وقرأ سائر الكوفيين ( وقد خلقناك ) بنون وألف بالجمع على التعظيم .
والقراءة الأولى أشبه بالسواد .ولم تك شيئا أي كما خلقك الله تعالى بعد العدم ولم تك شيئا موجودا ، فهو القادر على خلق يحيى وإيجاده .
فأجابه الله بقوله: { كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ْ} أي: الأمر مستغرب في العادة، وفي سنة الله في الخليقة، ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاد الأشياء بدون أسبابها فذلك هين عليه، ليس بأصعب من إيجاده قبل ولم يك شيئا.
( قال كذلك قال ربك هو علي هين ) يسير ( وقد خلقتك ) قرأ حمزة والكسائي " خلقناك " بالنون والألف على التعظيم ، ( من قبل ) أي : من قبل يحيى ( ولم تك شيئا )
«قال» الأمر «كذلك» من خلق غلام منكما «قال ربك هو عليَّ هين» أي: بأن أرد عليك قوة الجماع وأفتق رحم امرأتك للعلوق «وقد خلقتك من قبل ولم تكُ شيئا» قبل خلقك ولإظهار الله هذه القدرة العظيمة ألهمه السؤال ليجاب بما يدل عليها ولما تاقت نفسه إلى سرعة المبشر به.
قال المَلَك مجيبًا زكريا عمَّا تعجَّب منه: هكذا الأمر كما تقول مِن كون امرأتك عاقرًا، وبلوغك من الكبر عتيًا، ولكنَّ ربك قال: خَلْقُ يحيى على هذه الكيفية أمر سهل هيِّن عليَّ، ثم ذكر الله سبحانه لزكريا ما هو أعجب مما سأل عنه فقال: وقد خلقتك أنت من قبل يحيى، ولم تكُ شيئًا مذكورًا ولا موجودًا.
ثم حكى - سبحانه - ما رد به على استفهام زكريا فقال : ( قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) .وقوله : ( كذلك ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : الأمر كذلك .قال الآلوسى : وذلك إشارة إلى قول زكريا - عليه السلام - وجملة ( هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) مفعول ( قَالَ ) الثانى وجملة " الأمر كذلك " مع جملة ( قَالَ رَبُّكَ ) إلخ مفعول ( قَالَ ) الأول .
.
.
" .والمعنى : قال الله - تعالى - مجيباً على استفهام زكريا ، الأمر كما ذكرت يا زكريا من كون امرأتك عاقرا ، وأنت قد بلغت من الكبر عتيا ، ولكن ذلك لا يحول بيننا وبين تنفيذ إرادتنا فى منحك هذا الغلام ، فإن قدرتنا لا يعجزها شىء ، ولا تخضع لما جرت به العادات .وهذا الأمر وهو إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها ( هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أى : يسير سهل .ثم ذكر له - سبحانه - ما هو أعجب مما سأل عنه فقال : ( وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ) .أى : لا تعجب يا زكريا من أن يأتيك غلام وأنت وزوجك بتلك الحالة ، فإنى أنا الله الذى أوجدتك من العدم ، ومن أوجدك من العدم ، فهو قادر على أن يرزقك بهذا الغلام المذكور .فالآية الكريمة قد ساقت بطريق منطقى برهانى ، ما يدل على كمال قدرة الله - تعالى - وما يزيد فى اطمئنان قلب زكريا - عليه السلام - .
وفيه مسائل: المسألة الأولى: في قوله: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ هَيّنٌ ﴾ وجوه: أحدها: أن الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديقاً له ثم ابتدأ قال ربك.
وثانيها: نصب يقال وذلك إشارة إلى مبهم تفسيره هو علي هين وهو كقوله تعالى: ﴿ وَقَضَيْنَا إِلَيْكَ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ﴾ .
وثالثها؛ أن المراد لا تعجب فإنه كذلك قال ربك لا خلف في قوله ولا غلط ثم قال بعده هو علي هين بدليل خلقتك من قبل ولم تك شيئاً.
ورابعها: أنا ذكرنا أن قوله أنى يكون لي غلام معناه تعطيني الغلام بأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة ومع ذلك تعطينا الولد، وقوله: ﴿ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ ﴾ أي نهب الولد مع بقائك وبقاء زوجتك على الحاصلة في الحال.
المسألة الثانية؛ قرأ الحسن وهو علي هين وهذا لا يخرج إلا على الوجه الأول أي الأمر كما قلت ولكن قال ربك هو مع ذلك علي هين.
المسألة الثالثة: إطلاق لفظ الهين في حق الله تعالى مجاز لأن ذلك إنما يجوز في حق من يجوز أن يصعب عليه شيء ولكن المراد أنه إذا أراد شيئاً كان.
المسألة الرابعة: في وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ فنقول: إنه لما خلقه من العدم الصرف والنفي المحض كان قادراً على خلق الذوات والصفات والآثار وأما الآن فخلق الولد من الشيخ والشيخة لا يحتاج فيه إلا إلى تبديل الصفات والقادر على خلق الذوات والصفات والآثار معاً أولى أن يكون قادراً على تبديل الصفات وإذا أوجده عن عدم فكذا يرزقه الولد بأن يعيد إليه وإلى صاحبته القوة التي عنها يتولد الماءان اللذان من اجتماعهما يخلق الولد ولذلك قال: ﴿ فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ﴾ فهذا وجه الاستدلال.
المسألة الخامسة: الجمهور على أن قوله قال كذلك قال ربك يقتضي أن القائل لذلك ملك مع الاعتراف بأن قوله: ﴿ يازكريا إِنَّا نُبَشّرُكَ ﴾ قول الله تعالى وقوله: ﴿ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ ﴾ قول الله تعالى وهذا بعيد لأنه إذا كان ما قبل هذا الكلام وما بعده قول الله تعالى فكيف يصح إدراج هذه الألفاظ فيما بين هذين القولين، والأولى أن يقال قائل هذا القول أيضاً هو الله تعالى كما أن الملك العظيم إذا وعد عبده شيئاً عظيماً فيقول العبد من أين يحصل لي هذا فيقول إن سلطانك ضمن لك ذلك كأنه ينبه بذلك على أن كونه سلطاناً مما يوجب عليه الوفاء بالوعد فكذا هاهنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كذلك ﴾ الكاف رفع، أي الأمر كذلك تصديق له، ثم ابتدأ ﴿ قَالَ رَبُّكَ ﴾ أو نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره ﴿ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ ﴾ ونحوه: ﴿ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ ﴾ [الحجر: 66] وقرأ الحسن ﴿ وهو علي هين ﴾ ، ولا يخرج هذا إلا على الوجه الأول: أي الأمر كما قلت، وهو على ذلك يهون علي.
ووجه آخر: وهو أن يشار بذلك إلى ما تقدم من وعد الله، لا إلى قول زكريا.
و ﴿ قال ﴾ محذوف في كلتا القراءتين: أي قال هو عليّ هين قال وهو عليّ هين، وإن شئت لم تنوه، لأن الله هو المخاطب، والمعنى: أنه قال ذلك ووعده وقوله الحق ﴿ وقد خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء.
أو شيئاً يعتد به، كقولهم: عجبت من لا شيء، وقوله: إذَا رَأَى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلاً وقرأ الأعمش والكسائي وابن وثّاب ﴿ خلقناك ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ جَساوَةً وقُحُولًا في المَفاصِلِ، وأصْلُهُ عُتُووٌ كَقُعُودٍ فاسْتَثْقَلُوا تَوالِي الضَّمَّتَيْنِ والواوَيْنِ فَكَسَرُوا التّاءَ فانْقَلَبَتِ الواوُ الأُولى ياءً، ثُمَّ قُلِبَتِ الثّانِيَةُ وأُدْغِمَتْ وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ ( عِتِيًّا ) بِالكَسْرِ، وإنَّما اسْتَعْجَبَ الوَلَدَ مِن شَيْخٍ فانٍ وعَجُوزٍ عاقِرٍ اعْتِرافًا بِأنَّ المُؤَثِّرَ فِيهِ كَمالُ قُدْرَتِهِ وأنَّ الوَسائِطَ عِنْدَ التَّحْقِيقِ مُلْغاةٌ ولِذَلِكَ: ﴿ قالَ ﴾ أيِ اللَّهُ تَعالى أوِ المَلَكُ المُبَلِّغُ لِلْبِشارَةِ تَصْدِيقًا لَهُ.
﴿ كَذَلِكَ ﴾ الأمْرُ كَذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الكافُ مَنصُوبَةً بِـ ﴿ قالَ ﴾ في: ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُهُ.
﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قِراءَةُ مَن قَرَأ ( وهو عَلَيَّ هَيِّنٌ ) أيِ الأمْرُ كَما قُلْتُ، أوْ كَما وعَدْتُ وهو عَلى ذَلِكَ يَهُونُ عَلَيَّ، أوْ كَما وعَدْتُ وهو عَلَيَّ هَيِّنٌ لا أحْتاجُ فِيما أُرِيدُ أنْ أفْعَلَهُ إلى الأسْبابِ، ومَفْعُولُ قالَ الثّانِي مَحْذُوفٌ.
﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ بَلْ كُنْتَ مَعْدُومًا صِرْفًا، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ المَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ «وَقَدْ خَلَقْناكَ» .
<div class="verse-tafsir"
{قَالَ كذلك} الكاف رفع أي الأمر كذلك تصديق له ثم ابتدأ {قَالَ رَبُّكِ} أو نصب بقال وذلك إشارة إلى مبهم يفسره {هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ} أي خلق يحيى من كبيرين سهل {وقد خلقتك من قبل} أوجدتك من قبل يحيى خلقناك حمزة وعلي {وَلَمْ تَكُ شَيْئاً} لأن المعدوم ليس بشيء
﴿ قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ ( وهو عَلِيَّ هَيِّنٌ ) بِالواوِ، وعَنْهُ أنَّهُ كَسَرَ ياءَ المُتَكَلِّمِ كَما في قَوْلِ النّابِغَةِ: عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَةٍ لِوالِدِهِ لَيْسَتْ بِذاتِ عَقارِبِ ونَحْوُ ذَلِكَ قِراءَةُ حَمْزَةَ (وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيِّ) بِكَسْرِ الياءِ، والكافُ إمّا رَفْعٌ عَلى الخَبَرِيَّةِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيِ الأمْرُ كَذَلِكَ، وضَمِيرُ (قالَ) لِلرَّبِّ عَزَّ وجَلَّ لا لِلْمَلَكِ المُبَشِّرِ لِئَلّا يَفُكَّ النَّظْمَ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى قَوْلِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ، والخِطابُ في ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ لا لِنَبِيِّنا بِدَلِيلِ السّابِقِ واللّاحِقِ، وجُمْلَةُ ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ مَفْعُولُ (قالَ) الثّانِي، وجُمْلَةُ الأمْرِ كَذَلِكَ مَعَ جُمْلَةِ ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ إلَخْ مَفْعُولُ (قالَ) الأوَّلُ وإنْ لَمْ يَتَخَلَّلْ بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ عاطِفٌ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ قالُوا أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ ﴾ ﴿ لَقَدْ وُعِدْنا ﴾ الآيَةَ وكَمْ وكَمْ، وجِيءَ بِالجُمْلَةِ الأُولى تَصْدِيقًا مِنهُ تَعالى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وبِالثّانِيَةِ جَوابًا لِما عَسى يُتَوَهَّمُ مِن أنَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ في الِاسْتِبْعادِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ وقَدْ صَدَقَتْ فِيهِ فَأنّى يَتَسَنّى فَهي في نَفْسِها اسْتِئْنافِيَّةٌ لِذَلِكَ، ولا يَحْسُنُ تَخَلَّلُ العاطِفِ في مِثْلِ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ إذا كانَ المَحْكِيُّ عَنْهُ قَدْ تَكَلَّمَ بِهِما مَعًا مِن غَيْرِ عاطِفٍ لِيَدُلَّ عَلى الصُّورَةِ الأُولى لِلْقَوْلِ بِعَيْنِها، وكَذَلِكَ لا يَحْسُنُ إضْمارُ قَوْلٍ آخَرَ لِأنَّهُ يَكُونُ اسْتِئْنافًا جَوابًا لِلْمَحْكِيِّ لَهُ فَلا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ اسْتِئْنافٌ أيْضًا في الأوَّلِ إلّا بِمُنْفَصِلٍ، أمّا لَوْ تَكَلَّمَ بِهِما في زَمانَيْنِ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ التَّرْتِيبِ فالظّاهِرُ العَطْفُ أوِ الِاسْتِئْنافُ بِإضْمارِ القَوْلِ.
ثُمَّ لَوْ كانَ الِاقْتِصارُ في جَوابِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ مِن دُونِ إقْحامِ ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ لَكانَ مُسْتَقِيمًا لَكِنْ إنَّما عَدَلَ إلَيْهِ لِلدَّلالَةِ عَلى تَحْقِيقِ الوَعْدِ وإزالَةِ الِاسْتِبْعادِ بِالكُلِّيَّةِ عَلى مِنوالِ ما إذا وعَدَ مَلِكٌ بَعْضَ خَواصِّهِ ما لا يَجِدُ نَفْسَهُ تَسْتَأْهِلُ ذَلِكَ فَأخَذَ يَتَعَجَّبُ مُسْتَبْعِدًا أنْ يَكُونَ مِنَ المَلِكِ بِتِلْكَ المَنزِلَةِ فَحاوَلَ أنْ يُحَقِّقَ مُرادَهُ ويُزِيلَ اسْتِبْعادَهُ، فَإمّا أنْ يَقُولَ لا تَسْتَبْعِدُ أنَّهُ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلى الكَلامِ الظّاهِرِ وإمّا أنْ يَقُولَ لا تَسْتَبْعِدُ قَدْ قُلْتُ إنَّهُ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلِيَّ إشارَةً مِنهُ إلى أنَّهُ وعَدٌ سَبَقَ القَوْلُ بِهِ وتَحَتَّمَ وأنَّهُ مِن جَلالَةِ القَدْرِ بِحَيْثُ لا يُرى في إنْجازِهِ لِباغِيهِ كائِنًا مَن كانَ وقْعًا، فَكَيْفَ لِمَنِ اسْتَحَقَّ مِنهُ لِصِدْقِ قَدَمِهِ في عُبُودِيَّتِهِ إجْلالًا ورَفْعًا، وهَذا قَوْلٌ بِلِسانِ الإشارَةِ يُصَدَّقُ وإنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سِيقَ مِنهُ نَطَقَ بِهِ لِأنَّ المَقْصُودَ أنَّ عُلُوَّ المَكانَةِ وسِعَةَ القُدْرَةِ وكَمالَ الجُودِ يَقْضِي بِذَلِكَ قِيلَ: أوَّلًا ثُمَّ إذا أرادَ تَرْشِيحَ هَذا المَعْنى عَدَلَ عَنِ الحِكايَةِ قائِلًا: قَدْ قالَ مَن أنْتَ غَرْسُ نَعْمائِهِ أنَّهُ أهْوَنُ شَيْءٍ عَلَيَّ ثُمَّ إذا حَكى المَلِكُ القِصَّةَ مَعَ بَعْضِ خُلَصائِهِ كانَ لَهُ أنْ يَقُولَ: قُلْتُ لِعَبْدِي فُلانٍ كَيْتَ وكَيْتَ قالَ: إنِّي ولَيْتُ قُلْتُ قالَ: مَن أنْتَ إلَخْ وأنْ يَقُولَ بَدَلَهُ قالَ سَيِّدُ فُلانٌ لَهُ ويَسْرُدُ الحَدِيثَ، فَهَذا وِزانُ الآيَةِ فِيما جَرى لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ وحَكى لِنَبِيِّنا عَلَيْهِ أفْضَلُ الصَّلاةِ وأكْمَلُ السَّلامُ، وقَدْ لاحَ مِن هَذا التَّقْرِيرِ إنَّ فَواتَ نُكْتَةِ الإقْحامِ مانِعٌ مِن أنْ يَجْعَلَ المَرْفُوعَ مِن صِلَةِ (قالَ) الثّانِي والمَجْمُوعُ صِلَةُ الأوَّلِ، والظّاهِرُ في تَوْجِيهِ قِراءَةِ الحَسَنِ عَلى هَذا أنَّ جُمْلَةَ ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ عَطْفٌ عَلى مَحْذُوفٍ مِن نَحْوِ أفْعَلَ وأنا فاعِلٌ، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ ورُبَّما أشْعَرَ كَلامُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِإيثارِهِ أنَّهُ عُطِفَ عَلى الجُمْلَةِ السّابِقَةِ نَظَرًا إلى الأصْلِ لِما مَرَّ مِن أنَّ (قالَ) مُقْحَمٌ لِنُكْتَةٍ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: الأمْرُ كَذَلِكَ وهو عَلى ذَلِكَ يَهُونُ عَلَيَّ، وأمّا نَصْبٌ بِقالَ الثّانِي وهي الكافُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ مُقْحَمَةً في الأمْرِ العَجِيبِ الغَرِيبِ لِتَثْبِيتِهِ وذَلِكَ إشارَةٌ إلى مُبْهَمٍ يُفَسِّرُ ما بَعْدَهُ أعْنِي ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ وضَمِيرُ (قالَ) لِلرَّبِّ كَما تَقَدَّمَ، والخِطابُ لِنَبِيِّنا أيْضًا أيْ قالَ رَبُّ زَكَرِيّا لَهُ قالَ رَبُّكَ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ العَجِيبِ الغَرِيبِ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ عَلى أنْ (قالَ) الثّانِي مَعَ ما في صِلَتِهِ مَقُولُ القَوْلِ الأوَّلِ وإقْحامُ القَوْلِ الثّانِي لِما سَلَفَ ولا يُنْصَبُ الكافُ بِقالَ الأوَّلِ وإلّا لَكانَ (قالَ) ثانِيًا تَأْكِيدًا لَفْظِيًّا لِئَلّا يَقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ المُفَسِّرِ والمُفَسَّرِ بِأجْنَبِيٍّ وهو مُمْتَنِعٌ إذْ لا يَنْتَظِمُ أنْ يُقالَ: قالَ رَبُّ زَكَرِيّا قالَ رَبُّكَ ويَكُونُ الخِطابُ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ والمُخاطَبُ غَيْرُهُ كَيْفَ وهَذا النَّوْعُ مِنَ الكَلامِ يَقَعُ فِيهِ التَّشْبِيهُ مُقَدَّمًا لا سِيَّما في التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ مِن نَحْوِ ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً ﴾ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وهَذا الوَجْهُ لا يَتَمَشّى في قِراءَةِ الحَسَنِ لِأنَّ المُفَسَّرَ لا يَدْخُلُهُ الواوُ ولا يَجُوزُ حَذْفُهُ حَتّى يُجْعَلَ عَطْفًا عَلَيْهِ لِأنَّ الحَذْفَ والتَّفْسِيرَ مُتَنافِيانِ، وجُوِّزَ عَلى احْتِمالِ النَّصْبِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِن وعْدِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ إلَخْ أيْ قالَ رَبُّهُ سُبْحانَهُ لَهُ.
قالَ رَبُّكَ مِثْلَ ذَلِكَ أيْ مِثْلَ ذَلِكَ القَوْلِ العَجِيبِ الَّذِي وعَدْتُهُ وعَرَفْتُهُ وهو ﴿ إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ إلَخْ، وأداةُ التَّشْبِيهِ مُقْحَمَةٌ كَما مَرَّ فَيَكُونُ المَعْنى وعَدَ ذَلِكَ وحَقَّقَهُ وفَرَغَ مِنهُ، فَكُنْ فارِغَ البالِ مِن تَحْصِيلِهِ عَلى أوْثَقِ بالٍ ثُمَّ قالَ: هو عَلَيَّ هَيِّنٌ أيْ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ فَيُضْمِرُ القَوْلَ لِيَتَطابَقا في البَلاغَةِ، ولِأنَّ قَوْلَهُ مِثْلَ ذَلِكَ مُفْرَدٌ فَلا يَحْسُنُ أنْ تُقْرَنَ الجُمْلَةُ بِهِ ويَنْسَحِبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ القَوْلُ بِعَيْنِهِ بَلْ إنَّما يُضْمَرُ مِثْلُهُ اسْتِئْنافًا إيفاءًا بِحَقِّ التَّناسُبِ.
وإنْ شِئْتَ لَمْ تُنَوِّهْ لِيَكُونَ مَحْكِيًّا مُنْتَظِمًا في سِلْكَ ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ مُنْسَحِبًا عَلَيْهِ القَوْلُ الأوَّلُ أيْ قالَ رَبُّ زَكَرِيّا لَهُ هو عَلَيَّ هَيِّنُ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو المُخاطِبُ لِزَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ فَلا مَنعَ مِن جَعْلِهِ مَقُولَ القَوْلِ الأوَّلِ مِن غَيْرِ إضْمارٍ لِأنَّ القَوْلَيْنِ- أعْنِي قالَ رَبُّكَ مِثْلَ ذَلِكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ- صادِرانِ مَعًا مَحْكِيّانِ عَلى حالِهِما.
ولَوْ قُدِّرَ أنَّ المُخاطَبَ غَيْرُهُ تَعالى أعْنِي المِلْكَ تَعَيَّنَ إضْمارَ القَوْلِ لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ مِن مِقْوَلِهِ فَلا يَنْسَحِبُ عَلَيْهِ الأوَّلُ.
وأمّا عَلى قِراءَةِ الحَسَنِ فَإنْ جُعِلَ عَطْفًا عَلى ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ لَمْ يَحْتَجْ إلى إضْمارٍ لِصِحَّةِ الِانْسِحابِ وإنْ أُرِيدَ تَأْكِيدُهُ أيْضًا قُدِّرَ القَوْلُ لِئَلّا تَفُوتَ البَلاغَةُ ويَكُونُ التَّناسُبُ حاصِلًا، وجَعْلُهُ عَطْفًا ما بَعْدَهُ (قالَ) الثّانِي مِن دُونِ التَّقْدِيرِ يَفُوتُ بِهِ رِعايَةَ التَّناسُبِ لَفْظًا فَإنَّ ما بَعْدَهُ مُفْرَدٌ والمُلاءَمَةُ مَعْنًى لِما عَرَفْتَ أنَّ لِأقُولَ عَلى الحَقِيقَةِ، والمَعْنى قالَ رَبُّهُ قَدْ حُقِّقَ المَوْعُودُ وفَرَغَ عَنْهُ فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِهِ عَلى ﴿ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ لِيُفِيدَ تَحْقِيقَهُ أيْضًا، ولَوْ قُدِّرَ أنَّ المُخاطَبَ غَيْرُهُ تَعالى تَعَيَّنَ الإضْمارُ لِعَدَمِ الِانْسِحابِ دُونَهُ فافْهَمْ، وهَذا ما حَقَّقَهُ صاحِبُ الكَشْفِ وقَرَّرَ بِهِ عِبارَةَ الكَشّافِ بِأدْنى اخْتِصارٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ خُلاصَةَ ما وجَدَهُ مِن قَوْلِ الأفاضِلِ أنَّ التَّقْدِيرَ عَلى احْتِمالِ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَعْدِ قالَ رَبُّ زَكَرِيّا لَهُ قالَ رَبُّكَ قَوْلًا مِثْلَ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى السّابِقِ عِدَّةً في الغَرابَةِ والعَجَبِ، فاتَّجَهَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يَسْألَ ماذا قُلْتَ يا رَبِّ وهو مِثْلُهُ فَيَقُولُ: هو عَلَيَّ هَيِّنٌ أيْ قُلْتُ أوْ قالَ رَبُّكَ.
والأصْلُ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ قُلْتُ قَوْلًا مِثْلَ الوَعْدِ في الغَرابَةِ فَعَدَلَ إلى الِالتِفاتِ أوِ التَّجْرِيدِ أيًّا شِئْتَ تُسَمِّيهِ لِفائِدَتِهِ المَعْلُومَةِ، ولَيْسَ في الإتْيانِ بِأصْلِ القَوْلِ خُرُوجٌ عَنْ مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ لا بُدَّ مِنهُ لِيَنْتَظِمَ الكَلامُ، وذَلِكَ لِأنَّ المَعْنى عَلى هَذا التَّقْدِيرِ ولا تَعْجَبْ مِن ذَلِكَ القَوْلِ وانْظُرْ إلى مِثْلِهِ واعَجَبْ فَقَدْ قُلْناهُ.
وكَذَلِكَ يَتَّجِهُ لِنَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ السُّؤالُ فَيُجابُ بِأنَّهُ قالَ لَهُ رَبُّهُ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ، وصِحَّةُ وُقُوعِهِ جَوابًا عَنْ سُؤالِ نَبِيِّنا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وهو الأظْهَرُ عَلى هَذا الوَجْهِ لِأنَّ الكَلامَ مَعَهُ، وإذْ قَدْ صَحَّ أنْ يُجْعَلَ جَوابًا لَهُ جازَ إضْمارُ القَوْلِ لِأنَّهُ جَوابٌ لَهُ بِما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ خُوطِبَ بِهِ زَكَرِيّا عَلَيْهِ السَّلامُ أيْضًا وجازَ أنْ لا يُضْمَرَ لِأنَّ المُخاطَبَ لَهُما واحِدٌ والخِطابُ مَعَ نَبِيِّنا وعُلِمَ مِن ضَرُورَةِ المُماثَلَةِ أنَّهُ قِيلَ لِزَكَرِيّا أيْضًا هَذِهِ المَقالَةُ ولَوْ كانَ الحاكِي والقائِلُ الأوَّلُ مُخْتَلِفِينَ في هَذِهِ الصُّورَةِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن إضْمارِهِ لِأنَّهُ إذا قالَ عَمْرُو لِبَكْرٍ ماذا قالَ زَيْدٌ لِخالِدٍ مِمّا يُماثِلُ مَقالَتَهُ السّابِقَةَ لَهُ؟
فَيَقُولُ: إنَّكَ مُحَبَّبٌ مَرَضِيٌّ وجَبَ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ قالَ زَيْدٌ لِخالِدٍ هَذِهِ المَقالَةَ لا مَحالَةَ، ولا بُعْدَ في تَنْزِيلِ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلَيْهِ، وهَذا ما لَوَّحَ إلَيْهِ صاحِبُ التَّقْرِيبِ وآثَرَهُ الإمامُ الطِّيبِيُّ وفِيهِ فَواتُ النُّكْتَةِ المَذْكُورَةِ في ﴿ قالَ رَبُّكَ ﴾ ثُمَّ إنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ القَوْلَ كانَ كَذِبًا مِن حَيْثُ الظّاهِرُ إذْ لَيْسَ مِنَ القَوْلِ بِلِسانِ الإشارَةِ إلّا أنْ يُؤَوَّلَ بِأنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ مَعْنًى، هَذا والكَلامُ مَسُوقٌ لِما يُزِيلُ الِاسْتِبْعادَ ويُحَقِّقُ المَوْعُودَ المُرْتادَ، وفي ذَلِكَ التَّقْدِيرِ خُرُوجٌ عَنْهُ إلى مَعْنًى آخَرَ رُبَّما يَسْتَلْزِمُ هَذا المَعْنى تَبَعًا، وما سِيقَ لَهُ الكَلامُ يَنْبَغِي أنْ يُجْعَلَ الأصْلَ.
انْتَهى.
وهُوَ كَلامُ تَحْقِيقٍ وتَدْقِيقٍ لا يُرْشِدُ إلَيْهِ إلّا تَوْفِيقٌ، وفي الآيَةِ وجْهٌ آخَرُ هو ما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الِانْتِصافِ، (وهَيِّنٌ) فَيْعَلٌ مِن هانَ الشَّيْءُ يَهُونُ إذا لَمْ يَصْعُبْ، والمُرادُ أنِّي كامِلُ القُدْرَةِ عَلى ذَلِكَ إذا أرَدْتُهُ كانَ.
﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ تَقْرِيرٌ لِما قَبْلُ، والشَّيْءُ هُنا بِمَعْنى المَوْجُودِ أيْ ولَمْ تَكُ مَوْجُودًا بَلْ كُنْتَ مَعْدُومًا، والظّاهِرُ أنَّ هَذا إشارَةٌ إلى خَلْقِهِ بِطَرِيقِ التَّوالُدِ والِانْتِقالِ في الأطْوارِ كَما يُخْلَقُ سائِرُ أفْرادِ الإنْسانِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: المُرادُ بِهِ ابْتِداءُ خَلْقِ البَشَرِ، إذْ هو الواقِعُ إثْرَ العَدَمِ المَحْضِ لا ما كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ التَّوالُدِ المُعْتادِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ في تَضاعِيفِ خَلْقِ آدَمَ ولَمْ تَكُ إذْ ذاكَ شَيْئًا أصْلًا بَلْ كُنْتَ عَدَمًا بَحْتًا، وإنَّما لَمْ يَقُلْ: وقَدْ خَلَقْتُ أباكَ أوْ آدَمَ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا مَعَ كِفايَتِهِ في إزالَةِ الِاسْتِبْعادِ بِقِياسِ حالِ ما بُشِّرَ بِهِ عَلى حالِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَأْكِيدِ الِاحْتِجاجِ وتَوْضِيحِ مِنهاجِ القِياسِ مِن حَيْثُ نُبِّهَ عَلى أنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِن أفْرادِ البَشَرِ لَهُ حَظٌّ مِن إنْشائِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ العَدَمِ لِأنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أبْدَعَ أنَمُوذَجًا مُنْطَوِيًا عَلى سائِرِ آحادِ الجِنْسِ فَكانَ إبْداعُهُ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ إبْداعًا لِكُلِّ أحَدٍ مِن فُرُوعِهِ كَذَلِكَ، ولَمّا كانَ خَلْقُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا النَّمَطِ السّارِي إلى جَمِيعِ ذُرِّيَّتِهِ أبْدَعَ مِن أنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلى نَفْسِهِ كَما هو المَفْهُومُ مِن نِسْبَةِ الخَلْقِ المَذْكُورِ إلَيْهِ، وأدُلَّ عَلى عِظَمِ قُدْرَتِهِ تَعالى وكَمالِ عِلْمِهِ وحِكْمَتِهِ، وكانَ عَدَمُ زَكَرِيّا حِينَئِذٍ أظْهَرَ عِنْدَهُ وكانَ حالُهُ أوْلى بِأنْ يَكُونَ مِعْيارًا لِحالِ ما بُشِّرَ بِهِ نَسَبُ الخَلْقِ المَذْكُورُ إلَيْهِ كَما نُسِبَ الخَلْقُ والتَّصْوِيرُ إلى المُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ خَلَقْناكم ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ﴾ تَوْفِيَةً لِمَقامِ الِامْتِنانِ حَقَّهُ انْتَهى، ولا يَخْلُو عَنْ تَكَلُّفٍ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الشَّيْءُ بِمَعْنى المُعْتَدِّ بِهِ وهو مَجازٌ شائِعٌ، ومِنهُ قَوْلُ المُتَنَبِّي: وضاقَتِ الأرْضُ حَتّى كانَ هارِبُهم ∗∗∗ إذا رَأى غَيْرَ شَيْءٍ ظَنَّهُ رَجُلا وقَوْلُهم: عَجِبْتُ مِن لا شَيْءَ ولَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ يَأْباهُ المَقامُ ويَرُدُّهُ نَظْمُ الكَلامِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وطَلْحَةُ وابْنُ وثّابٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ( خَلَقْناكَ ) .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى، يعني: أوحى الله تعالى وأرسل إليه جبريل، وأن جبريل أدى إليه الرسالة من الله عز وجل.
قال الله تعالى: إِنَّا نُبَشِّرُكَ وقد بيَّن ذلك في سورة آل عمران فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى [آل عمران: 39] .
ثم قال: هنا: بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا، يعني: لم نجعل لزكريا من قبل يحيى ولداً يسمى يحيى، ويقال: لم يكن قبله أحد يسمى بذلك الاسم، ويقال: لم يكن بذلك الاسم في زمانه أحد، وإنما سمي يحيى: لأنه حي بالعلم والحكمة التي أوتيها.
ويقال: لأنه حي به المجالس، ويقال: لأنه حيي به عقر أمه، ويقال لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا أي نظيراً ومثالاً.
قرأ حمزة نبشرك بنصب النون وجزم الباء وضم الشين بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد وضم النون ونصب الباء وكسر الشين نُبَشِّرُكَ.
فقال زكريا عند ذلك لجبريل : قالَ رَبِّ، يقول: يا سيدي أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ، يعني: من أين يكون لي ولد؟
ويقال: إنما قال ذلك على وجه الدعاء لله تعالى، فقال: يا رب من أين يكون لي ولد؟
وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً من الولد، وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا، يقول: تحول العظم مني يابساً، ومنه يقال: قلب عات، إذا كان قاسي القلب غير لين، ويقال لكل شيء انتهى: فقد عتى.
ولم يكن زكريا شاكّاً في بشارة الله عز وجل، ولكن أحب أن يعلم من أي وجه يكون.
قرأ حمزة وعاصم في رواية حفص والكسائي عِتِيًّا بكسر العين وكذلك صِلِيًّا وجِثِيًّا وَبُكِيًّا إلا أن عاصماً خالفهما في بُكِيًّا، وقرأ الباقون كلها بالضم، وكان أبو عبيدة اختار الضم، لأنه أفصح اللغتين وهي قراءة أبي .
قالَ جبريل لزكريا كَذلِكَ، يعني: هكذا كما قلت إنك قَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ يعني: كما قلت إنك قَدْ بلغت من الكبر عتيا ولكن الله عز وجل قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ، يعني: خلقه علي يسير وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ يعني: من قبل يحيى وَلَمْ تَكُ شَيْئاً قرأ حمزة والكسائي وَقَدْ خلقناك بالنون مقدمة والألف مؤخره، وقرأ الباقون خَلَقْتُكَ وهو اختيار أبي عبيدة.
قال زكريا : رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً في الولد.
روى أسباط، عن السدي قال: لما بشر زكريا جاءه الشيطان عليه اللعنة فقال: إن هذا النداء الذي نوديت ليس من الله عز وجل، وإنما هو من الشيطان ليسخر بك، ولو كان من الله عز وجل، لأوحاه إليك كما كان يوحي إليك، ف قالَ عند ذلك: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً أعلم بها أن هذا النداء منك.
قالَ الله تعالى له: آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا أي: علامتك أن لا تستطيع أن تُكَلِّمَ الناس ثلاث لَيَالٍ وأنت صحيح سليم من غير خرس ولا مرض.
ورجع تلك الليلة إلى امرأته فقربها، ووضع الولد في رحمها، فلما أصبح اعتقل لسانه عن كلام الناس.
<div class="verse-tafsir"
يفضل على إبرَاهِيم وموسى عليهما السلام إلا أن يفضل في خاص كالسودد «١» ، والحصر.
والعتي، والعُسِيُّ: المبالغة في الكبر، أو يُبْس العود، أو شيْب الرأس، أو عقيدة ما، وزكرياء: هو من ذرية هارون- عليهما السلام- ومعنى قوله: سَوِيًّا فيما قال الجمهور، صحيحاً من غير عِلَّة، ولا خرس.
وقال ابن عباس: ذلك عائدٌ على الليالي، أراد: كاملات مستويات «٢» .
وقوله: فَأَوْحى إِلَيْهِمْ قال قتادة «٣» ، وغيره: كان ذلك بإشارة.
وقال مجاهد «٤» : بل بكتابة في التراب.
قال ع «٥» : وكِلاَ الوجهين وَحْي.
وقوله: أَنْ سَبِّحُوا قال قتادة: معناه صلوا السُّبْحة، والسُّبحةْ: الصلاة «٦» ، وقالت فرقة: بل أَمرهم بذكر الله، وقول: سبحان الله.
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَناناً مِنْ لَدُنَّا وَزَكاةً وَكانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيًّا (١٤) وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥) وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا (١٦)
وقوله- عز وجل-: [يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ] المعنى: قال اللهُ له: يا يحيى] «٧» خذ الكتابَ، وهو التوراةُ، وقوله: بِقُوَّةٍ أَيْ: العلم به، والحفظ له، والعمل به، والالتزام للوازمه.
وقوله: صَبِيًّا يريد: شاباً لم يبلُغْ حدّ الكهولة، ففي لفظ صبي على هذا، تجوّزٌ، واستصحابُ حال.
وروى مَعْمَرُ أَنَّ الصِّبْيَانَ دعوا يحيى إلى اللَّعب، وهو طِفْل، فقال: إني لم أُخلقْ للعب، فتلك الحِكْمة الَّتي آتاه الله عز وجل وهو صَبِيٌّ «١» ، وقال ابن عباس: من قرأ القرآن قبل أن يحتلم، فهو ممن أوتي الحِكْمة صَبِيّاً «٢» .
«والحنان» : الرحمةُ، والشفقةُ، والمحبّة قاله جمهورُ المفسرين، وهو تَفْسِير اللغة ومن الشواهد في «الحَنَان» قولُ النابغة:
[الطويل]
أَبَا مُنْذِرٍ، أَفْنَيْتَ فاستبق بَعْضَنَا ...
حَنَانَيْكَ بْعْضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ «٣»
وقال عطاء بن أبي رباح: حَناناً مِنْ لَدُنَّا بمعنى تعظيماً مِنْ لدنا «٤» .
قال ع «٥» : وهو أَيضاً ما عظم من الأمر لأجل الله عز وجل ومنه قول زيد بن عمرو بن نُفَيْل في خبر بِلاَلٍ: واللهِ، لَئِنْ قَتَلْتُمْ هَذَا العَبْدَ لاَتَّخَذْنَ قَبْرَهُ حَنَاناً «٦» .
قال أَبو عبيدة: وأَكْثَر ما يُسْتَعمل مثنى.
انتهى، والزكاةُ التنميةُ، والتَّطْهير في وُجُوه الخير.
قال مجاهدٌ: كان طعامُ يَحْيَى العُشب، وكان للدمع في خَدّه مجار ثابتة، وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً «٧» ، روي أن يحيى عليه السلام لم يواقع معصية قَطُّ صغيرة ولا كبيرة، والبَر كثير البرّ، والجبار: المُتكبّر، كأَنه يجبر الناس على أخلاقه.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ في الكَلامِ إضْمارٌ، تَقْدِيرُهُ: فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ، فَقالَ: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ ﴾ .
وقَرَأ حَمْزَةُ: ( نُبَشِرُكَ ) بِالتَّخْفِيفِ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذا في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: لَمْ يُسَمَّ يَحْيى قَبْلَهُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، والأكْثَرُونَ.
فَإنِ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ فَقالَ: ما وجْهُ المِدْحَةِ باسِمِ لَمْ يُسَمَّ بِهِ أحَدٌ قَبْلَهُ، وَنَرى كَثِيرًا مِنَ الأسْماءِ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْها ؟
فالجَوابُ: أنَّ وجْهَ الفَضِيلَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى تَوَلّى تَسْمِيَتَهُ، ولَمْ يَكِلْ ذَلِكَ إلى أبَوَيْهِ، فَسَمّاهُ بِاسْمٍ لَمْ يَسْبِقْ إلَيْهِ.
والثّانِي: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ ولَدًا، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ المَعْنى: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ نَظِيرًا.
والثّالِثُ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ مِثْلًا وشَبَهًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَعَلى هَذا يَكُونُ عَدَمُ الشَّبَهِ مِن حَيْثُ أنَّهُ لَمْ يَعْصِ ولَمْ يَهِمَّ بِمَعْصِيَةٍ.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا ﴾ .
وَفِي مَعْنى " كانَتْ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ تَوْكِيدٌ لِلْكَلامِ، فالمَعْنى: وهي عاقِرٌ، كَقَوْلِهِ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ ﴾ ؛ أيْ: أنْتُمْ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مُنْذُ كانَتْ عاقِرًا، لَمْ يُحْدُثْ ذَلِكَ بِها، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ، واخْتارَ الأوَّلَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( عُتِيًّا )، و( بُكِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٥٨ ]، و( صُلِيًّا ) [ مَرْيَمَ: ٧٠ ] بِضَمِّ أوائِلِها.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِكَسْرِ أوائِلِها، وافَقَهُما حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، إلّا في قَوْلِهِ: ( بُكِيًّا ) فَإنَّهُ ضَمَّ أوَّلَهُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: ( عِسِيًّا ) بِالسِّينِ.
قالَ مُجاهِدٌ: ( عِتِيًّا ): هو قُحُولُ العَظْمِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: يَبَسا، يُقالُ: عَتا وعَسا بِمَعْنًى واحِدٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ انْتَهى فَقَدْ عَتا يَعْتُو عِتِيًّا، وعُتُوًّا وعُسُوًّا وعِسِيًّا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ ؛ أيِ: الأمْرُ كَما قِيلَ لَكَ مِن هِبَةِ الوَلَدِ عَلى الكِبَرِ، ﴿ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ؛ أيْ: خَلْقُ يَحْيى عَلَيَّ سَهْلٌ.
وَقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ وعاصِمُ الجَحْدَرِيُّ: ( هَيْنٌ ) بِإسْكانِ الياءِ.
﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ﴾ ؛ أيْ: أوْجَدْتُكَ.
قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( خَلَقْتُكَ ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( خَلَقْناكَ ) بِالنُّونِ والألِفِ.
﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ المَعْنى: فَخَلْقُ الوَلَدِ كَخَلْقِكَ.
وما بَعْدَ هَذا مُفَسَّرٌ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) إلى قَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ .
قالَ الزَّجّاجُ: " سَوِيًّا " مَنصُوبٌ عَلى الحالِ، والمَعْنى: تُمْنَعُ عَنِ الكَلامِ وأنْتَ سَوِيٌّ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ أيْ: سَلِيمًا غَيْرَ أخْرَسَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ وهَذا في صَبِيحَةِ اللَّيْلَةَ الَّتِي حَمَلَتْ فِيها امْرَأتُهُ، ﴿ مِنَ المِحْرابِ ﴾ ؛ أيْ: مِن مُصَلّاهُ، وقَدْ ذَكَرْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأوْحى إلَيْهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كَتَبَ إلَيْهِمْ في كِتابٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أوْمَأ بِرَأْسِهِ ويَدَيْهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ ؛ أيْ: صَلُّوا، ﴿ بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( آَلِ عِمْرانَ: ٣٩ )، والمَعْنى: أنَّهُ كانَ يَخْرُجُ إلى قَوْمِهِ فَيَأْمُرُهم بِالصَّلاةِ بُكْرَةً وعَشِيًّا، فَلَمّا حَمَلَتِ امْرَأتُهُ أمَرَهم بِالصَّلاةِ إشارَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا زَكَرِيّا إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا وقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ ﴿ قالَ كَذَلِكَ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ وقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ ولَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ﴿ قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قالَ آيَتُكَ ألا تُكَلِّمَ الناسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا ﴾ ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ مِنَ المِحْرابِ فَأوحى إلَيْهِمْ أنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وعَشِيًّا ﴾ المَعْنى: قِيلَ لَهُ بِإثْرِ دُعائِهِ: إنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ يُولَدُ لَكَ اسْمُهُ يَحْيى، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "نُبَشِّرُكَ" بِفَتْحِ الباءِ وكَسْرِ الشِينِ مُشَدَّدَةً، وقَرَأ أصْحابُ ابْنُ مَسْعُودٍ: "نَبْشُرُكَ" بِسُكُونِ الباءِ وضَمِّ الشِينِ.
قالَ قَتادَةُ: سُمِّيَ يَحْيى لِأنَّ اللهَ أحْياهُ بِالنُبُوءَةِ والإيمانِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: سُمِّي بِذَلِكَ لِأنَّ اللهَ أحْيا بِهِ الناسَ بِالتَدَيُّنِ، وقَوْلُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ في اللُغَةِ: لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مُشارِكًا في هَذا الِاسْمِ، أيْ: لَمْ يُسَمَّ قَبْلُ بِيَحْيى، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ أسْلَمَ، والسُدِّيِّ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: "سَمِيًّا" مَعْناهُ: مَثَلًا ونَظِيرًا.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا كَأنَّهُ مِنَ المُساماةِ والسُمُوِّ، وفي هَذا بُعْدٌ؛ لِأنَّهُ لا يَفْضُلُ عَلى إبْراهِيمَ ومُوسى عَلَيْهِما السَلامُ إلّا أنْ يَفْضُلَ في خاصٍّ بِالسُؤُودِ والحَصْرِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مَعْناهُ: لَمْ تَلِدِ العَواقِرُ مِثْلَهُ.
وقَوْلُ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ" اخْتَلَفَ الناسُ فِيهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلِيَّ دُونَ تَخْصِيصِ ولَدٍ، فَلَمّا بُشِّرَ بِالوَلَدِ اسْتَفْهَمَ عن طَرِيقِهِ مَعَ هَذِهِ المَوانِعِ مِنهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما كانَ طَلَبَ الوَلَدَ وهو بِحالٍ يَرْجُو الوَلَدَ فِيها بِزَواجِ غَيْرِ العاقِرِ، أو بُشِّرَ ولَمْ تَقَعْ إجابَتُهُ إلّا بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ صارَ فِيها إلى حالِ مَن لا يُولَدُ لَهُ، فَحِينَئِذٍ اسْتَفْهَمَ وأخْبَرَ عن نَفْسِهِ بِالكِبَرِ والعُتُوِّ فِيهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ طَلَبَ الوَلَدَ فَلَمّا بُشِّرَ بِهِ لِحِينِ الدَعْوَةِ تَفَهَّمَ عَلى جِهَةِ السُؤالِ لا عَلى جِهَةِ الشَكِّ.
كَيْفَ طَرِيقُ الوُصُولِ إلى هَذا؟
وكَيْفَ نَفَذَ القَدَرُ بِهِ؟
لا أنَّهُ بَعُدَ عِنْدَهُ هَذا في قُدْرَةِ اللهِ.
والعِتِيُّ والعُسِيُّ: المُبالَغَةُ في الكِبَرِ ويُبْسُ العُودِ أو شَيْبُ الرَأْسِ ونَحْوُ هَذا، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "عِتِيًّا" بِكَسْرِ العَيْنِ، والباقُونَ بِضَمِّها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: "عَتِيًّا" بِفَتْحِ العَيْنِ، وحَكى أبُو حاتِمْ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأ: "عُسِيًّا" بِضَمِّ العَيْنِ وبِالسِينِ، وحَكاها الدانِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: لا أدْرِي، أكانَ رَسُولُ اللهِ يَقْرَأُ في الظَهْرِ والعَصْرِ، ولا أدْرِي أكانَ يَقْرَأُ: "عِتِيًّا" أو "عُسِيًّا" بِالسِينِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ السُدِّيِّ أنَّهُ قالَ: نادى جِبْرِيلُ زَكَرِيّاءَ "إنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيى"، فَلَقِيَهُ الشَيْطانُ فَقالَ لَهُ: إنَّ ذَلِكَ الصَوْتَ لَمْ يَكُنْ لِمَلَكٍ وإنَّما كانَ لِشَيْطانٍ، فَحِينَئِذٍ قالَ زَكَرِيّا: "أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ"؟
لِيُثْبِتَ أنَّ ذَلِكَ مِن عِنْدِ اللهِ.
وقالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وزَكَرِيّا هو مِن ذُرِّيَّةِ هارُونَ عَلَيْهِ السَلامُ، وقالَ قَتادَةُ: جَرى لَهُ هَذا الأمْرُ وهو ابْنُ بِضْعٍ وسَبْعِينَ سَنَةً، وقِيلَ: ابْنُ سَبْعِينَ، وقالَ الزَجّاجُ: ابْنُ خَمْسٍ وسِتِّينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَقَدْ كانَ غَلَبَ عَلى ظَنِّهِ أنَّهُ لا يُولَدُ لَهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قالَ كَذَلِكَ ﴾ ، قِيلَ: إنَّ المَعْنى: قالَ لَهُ المَلَكُ: كَذَلِكَ فَلْيَكُنِ الوُجُودُ، كَما قِيلَ لَكَ: قالَ رَبُّكَ: خَلْقُ الغُلامِ عَلَيَّ هَيِّنٌ، أيْ: غَيْرُ بِدْعٍ، وكَما خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وأخْرَجْتُكَ مِن عَدَمٍ إلى وُجُودٍ كَذَلِكَ أفْعَلُ الآنَ......
وقالَ الطَبَرِيُّ: مَعْنى قَوْلِهِ: "كَذَلِكَ" أيِ: الأمْرانِ اللَذانِ ذَكَرْتَ مِنَ المَرْأةِ العاقِرِ والكِبَرَةِ هو كَذَلِكَ ولَكِنْ قالَ رَبُّكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والمَعْنى عِنْدِي: قالَ المَلَكُ كَذَلِكَ، أيْ: عَلى هَذِهِ الحالِ قالَ رَبُّكَ هو عَلَيَّ هَيِّنٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَقَدْ خَلَقْتُكَ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "وَقَدْ خَلَقْناكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ ، أيْ: مَوْجُودًا.
قالَ زَكَرِيّا: "رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً"، أيْ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها صِحَّةَ هَذا وكَوْنَهُ مِن عِنْدِكَ، ورُوِيَ أنَّ زَكَرِيّاءَ عَلَيْهِ السَلامُ لَمّا عَرَفَ ثُمْ طَلَبَ الآيَةَ بَعْدَ ذَلِكَ عاقَبَهُ اللهُ تَعالى بِأنْ أصابَهُ بِذَلِكَ السُكُوتُ عن كَلامِ الناسِ، وذَلِكَ وإنْ لَمْ يَكُنْ عن مَرَضٍ -خَرَسٍ أو نَحْوِهِ- فَفِيهِ عَلى كُلِّ حالٍ عِقابٌ ما، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ أنَّ زَكَرِيّا لَمّا حَمَلَتْ زَوْجَةٌ مِنهُ يَحْيى أصْبَحَ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُكَلِّمْ أحَدًا، وهو مَعَ ذَلِكَ يَقْرَأُ التَوْراةَ، ويَذْكُرُ اللهَ، فَإذا أرادَ مُقاوَلَةَ أحَدٍ لَمْ يُطِقْهُ.
ويُحْتَمَلُ عَلى هَذا أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ اجْعَلْ لِي آيَةً ﴾ مَعْناهُ: عَلامَةً أعْرِفُ بِها أنَّ الحَمْلَ قَدْ وقَعَ، وبِذَلِكَ فَسَّرَ الزَجّاجُ.
ومَعْنى قَوْلِهِ: "سَوِيًّا" فِيما قالَ الجُمْهُورُ: صَحِيحًا مِن غَيْرِ عِلَّةٍ ولا خَرَسٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: ذَلِكَ عائِدٌ عَلى اللَيالِي، أرادَ: كامِلاتٍ مُسْتَوِياتٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ ﴾ ، المَعْنى أنَّ اللهَ تَعالى أظْهَرَ الآيَةَ بِأنْ خَرَجَ زَكَرِيّا مِن مِحْرابِهِ وهو مَوْضِعُ الصَلاةِ، و"المِحْرابُ" أرْفَعُ المَواضِعِ والمَبانِي؛ إذْ هي تُحارِبُ مَن ناوَأها، ثُمْ خُصَّ بِهَذا الِاسْمِ مَبْنى الصَلاةِ، وكانُوا يَتَّخِذُونَها فِيما ارْتَفَعَ مِنَ الأرْضِ، واخْتَلَفَ الناسُ في اشْتِقاقِهِ فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرْبِ، كَأنَّ مُلازِمَهُ يُحارِبُ الشَيْطانَ والشَهَواتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مَأْخُوذٌ مِنَ الحَرَبِ -بِفَتْحِ الراءِ-، كَأنَّ مُلازِمَهُ يَلْقى مِنهُ حَرْبًا وتَعَبًا ونَصْبًا، وفي اللَفْظِ بَعْدَ هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ: "فَأوحى"، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ مُنَبِّهٍ: كانَ ذَلِكَ بِإشارَةٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ بِأنْ كَتَبَهُ في التُرابِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وكِلا القَوْلَيْنِ وحْيٌّ.
وقَوْلُهُ: ﴿ أنْ سَبِّحُوا ﴾ ، "أنْ" مُفَسِّرَةٌ، بِمَعْنى أيْ، وَ "سَبِّحُوا" قالَ قَتادَةُ: مَعْناهُ: صَلُّوا، والسُبْحَةِ: الصَلاةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ أمَرَهم بِذِكْرِ اللهِ وقَوْلِ: سُبْحانَ اللهِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "أنْ سَبِّحُوهُ" بِضَمِيرٍ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
<div class="verse-tafsir"
فصلت جملة ﴿ قَالَ كذلك ﴾ لأنها جرت على طريقة المحاورة.
وهي جواب عن تعجبه.
والمقصود منه إبطال التعجب الذي في قوله: ﴿ وكانَتِ امرأتي عاقِراً وقد بلغتُ مِن الكِبَر عُتِياً ﴾ [مريم: 8].
فضمير ﴿ قَالَ ﴾ عائد إلى الرب من قوله ﴿ قَالَ رَبّ أنَّى يكونُ لي غُلامٌ ﴾ [مريم: 8].
والإشارة في قوله ﴿ كذلك ﴾ إلى قول زكرياء ﴿ وكانت امرأتي عاقِراً وقَد بلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عُتِيّاً ﴾ .
والجار والمجرور مفعول لفعل ﴿ قَالَ رَبُّكَ ﴾ ، أي كذلك الحال من كبرك وعقر امرأتك قدّر ربُّك، ففعلُ ﴿ قَالَ رَبُّكَ ﴾ مرادٌ به القول التكويني، أي التقديري، أي تعلّق الإرادة والقدرة.
والمقصود من تقريره التمهيد لإبطال التعجب الدال عليه قوله ﴿ عَلَيَّ هَيِنٌ ﴾ ، فجملة ﴿ هُوَ عليَّ هَيِنٌ ﴾ استئناف بياني جواباً لسؤال ناشئ عن قوله ﴿ كَذَلِكَ ﴾ لأنّ تقرير منشأ التعجب يثير ترقب السامع أن يعرف ما يُبطل ذلك التعجب المقرّر، وذلك كونه هيّناً في جانب قدرة الله تعالى العظيمة.
ويجوز أن يكون المشار إليه بقوله ﴿ كَذلِكَ ﴾ هو القول المأخوذ من ﴿ قَالَ رَبُّكَ ﴾ ، أي أن قولَ ربّك ﴿ هُوَ عليَّ هَيّنٌ ﴾ بلغ غاية الوضوح في بابه بحيث لا يبين بأكثر ما علمت، فيكون جارياً على طريقة التشبيه كقوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطا ﴾ وقد تقدم في سورة البقرة (143).
وعلى هذا الاحتمال فجملة هُوَ عليَّ هَينٌ } تعليل لإبطال التعجب إبطالاً مستفاداً من قوله ﴿ كذلك قال ربّك ﴾ ، ويكون الانتقال من الغيبة في قوله ﴿ قَالَ ربّك ﴾ إلى التكلم في قوله ﴿ هُوَ عليَّ هَيّنٌ ﴾ التفاتاً.
ومقتضى الظاهر: هو عليه هيّن.
والهيّن بتشديد الياء: السهل حصوله.
وجملة ﴿ وقَدْ خَلقتُكَ من قَبْلُ ﴾ على الاحتمالين هي في موضع الحال من ضمير الغيبة الذي في قوله ﴿ هُوَ على هَيِنٌ ﴾ ، أي إيجاد الغلام لك هيّن عليّ في حال كوني قد خلقتُك من قبل هذا الغلام ولم تكن موجوداً، أي في حال كونه مماثلاً لخلقي إياك، فكما لا عجب من خلق الولد في الأحوال المألوفة كذلك لا عجب من خلق الولد في الأحوال النادرة إذ هما إيجاد بعد عدم.
ومعنى ﴿ ولَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ : لم تكن موجوداً.
وقرأ الجمهور ﴿ وقَدْ خَلَقْتُكَ ﴾ بتاء المتكلّم.
وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: (وقد خلقناك) بنون العظمة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنّى يَكُونُ لِي غُلامٌ ﴾ أيْ ولَدٌ.
﴿ وَكانَتِ امْرَأتِي عاقِرًا ﴾ أيْ لا تَلِدُ، وفي تَسْمِيَتِها عاقِرًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّها تَصِيرُ إذا لَمْ تَلِدْ كَأنَّها تَعْقِرُ النَّسْلَ أيْ تَقْطَعُهُ.
الثّانِي: لِأنَّ في رَحِمِها عُقْرًا يُفْسِدُ المَنِيَّ، ولَمْ يَقُلْ ذَلِكَ عَنْ شَكٍّ بَعْدَ الوَحْيِ، ولَكِنْ عَلى وجْهِ الِاسْتِخْبارِ: أتُعِيدُنا شابَّيْنِ؟
أوْ تَرْزُقُنا الوَلَدَ شَيْخَيْنِ؟
﴿ وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِيًّا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي سِنًّا، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: أنَّهُ نُحُولُ العَظْمِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
الثّالِثُ: أنَّهُ الَّذِي غَيَّرَهُ طُولُ الزَّمانِ إلى اليُبْسِ والجَفافِ، قالَهُ ابْنُ عِيسى قالَ الشّاعِرُ: إنَّما يُعْذَرُ الوَلِيدُ ولا يُعْذَرُ مَن كانَ في الزَّمانِ عِتِيًّا قالَ قَتادَةُ: كانَ لَهُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ سَنَةً، وقالَ مُقاتِلٌ خَمْسٌ وتِسْعُونَ سَنَةً.
وَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: عِسِيًّا وهي كَذَلِكَ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ مِن قَوْلِهِمْ لِلشَّيْخِ إذا كَبُرَ: قَدْ عَسا وعَتا ومَعْناهُما واحِدٌ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: كبير، هاد، أمين، عزيز، صادق.
وفي لفظ: كاف بدل كبير.
وأخرج عبد الرزاق وآدم بن أبي إياس وعثمان بن سعيد الدارمي في التوحيد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن ابن عباس ﴿ كهيعص ﴾ قال: كاف من كريم، وهاء من هاد، وياء من حكيم، وعين من عليم، وصاد من صادق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود وناس من الصحابة ﴿ كهيعص ﴾ هو الهجاء المقطع الكاف من الملك، والهاء من الله، والياء والعين من العزيز، والصاد من المصوّر.
وأخرج ابن مردويه عن الكلبي، أنه سئل عن ﴿ كهيعص ﴾ فحدث عن أبي صالح عن أم هانئ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كاف، هاد، عالم، صادق» .
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي وابن ماجة وابن جرير، عن فاطمة بنت علي قالت: كان ابن عباس يقول في ﴿ كهيعص ﴾ و ﴿ حم ﴾ و ﴿ يس ﴾ وأشباه هذا، هو اسم الله الأعظم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يقول: أنا الكبير الهادي عليّ أمين صادق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف من الملك، والهاء من الله، والعين من العزيز، والصاد من الصمد.
وأخرج عبد بن حميد عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: الكاف مفتاح اسمه كافي، والهاء مفتاح اسمه هادي، والعين مفتاح اسمه عالم، والصاد مفتاح اسمه صادق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: يا من يجير ولا يجار عليه.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ كهيعص ﴾ قال: اسم من أسماء القرآن.
والله أعلم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر، أنه كان يقرأ ﴿ ذكر رحمة ربك عبده زكريا ﴾ بنقل، يقول: لما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء.
فقال: ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ .
وأخرج أحمد وأبو يعلى والحاكم وصححه وابن مردويه، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان زكريا نجاراً» .
وأخرج إسحاق بن بشر وابن عساكر، عن ابن عباس قال: إن زكريا بن دان أبا يحيى كان من أبناء الأنبياء الذين كانوا يكتبون الوحي ببيت المقدس.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن جريج في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ قال: لا يريد رياء.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ إذ نادى ربه نداء خفياً ﴾ أي بقلبه سراً.
قال قتادة: إن الله يحب الصوت الخفي، والقلب النقي.
وأخرج الحاكم وصححه، عن ابن مسعود قال: كان آخر أنبياء بني إسرائيل زكريا بن إدريس من ذرية يعقوب دعا ربه سراً، قال: ﴿ رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ خفت الموالي من ورائي ﴾ وهم العصبة ﴿ يرثني ويرث ﴾ نبوة ﴿ آل يعقوب ﴾ ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وهو جبريل ﴿ إن الله يبشرك بغلام اسمه يحيى ﴾ فلما سمع النداء، جاءه الشيطان فقال: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان يسخر بك، فشك وقال: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ يقول: من أين يكون؟
﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ !
قال الله: ﴿ قد خلقتك من قبل ولم تك شيئاً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ يقول: ضعف.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وهن العظم مني ﴾ قال: نحول العظم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ قال: قد كنت تُعَودني الإجابة فيما مضى.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عيينة في قوله: ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ يقول: سعدت بدعائك وإن لم تعطني.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن العاص قال: أملى عليّ عثمان بن عفان من فيه ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ بنقلها يعني بنصب الخاء والفاء وكسر التاء يقول قلت: ﴿ الموالي ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: الورثة، وهم عصبة الرجل.
وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ قال: العصبة من آل يعقوب، وكان من ورائه غلام، وكان زكريا من ذرية يعقوب، وفي لفظ: أيوب.
وأخرج الفريابي، عن ابن عباس قال: كان زكريا لا يولد له، فسأل ربه؟
فقال: ﴿ رب هب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: نبوته وعلمه.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يرحم الله أخي زكريا، ما كان عليه من ورثة، ويرحم الله لوطاً، إن كان ليأوي إلى ركن شديد» .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن السدي في قوله: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ فيقول: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن صالح في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: النبوة يكون نبياً كما كان أبوه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ ويرث من آل يعقوب ﴾ قال: السنة والعلم.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد، عن يحيى بن يعمر أنه قرأها: ﴿ وإني خفت الموالي من ورائي ﴾ مشددة بنصب الخاء، وكسر التاء، وقرأها: ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس أنه كان يقرأ ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ ﴿ يرثني ﴾ مثقل مرفوع.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب قال: قال داود عليه السلام: «يا رب هب لي ابناً» فولد له ابن خرج عليه، فبعث إليه داود جيشاً فقال: «إن أخذتموه سليماً فابعثوا إلي رجلاً أعرف السرور في وجهه، وإن قتلتموه فابعثوا إلي رجلاً أعرف الشرّ في وجهه» فقتلوه فبعثوا إليه رجلاً أسود، فلما رآه علم أنه قتل، فقال: رب سألت أن تهب لي ابناً، فخرج علي؟!
فقال: إنك لم تستثن.
قال محمد بن كعب: لم يقل كما قال زكريا: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: لما دعا زكريا ربه أن يهب له غلاماً هبط جبريل عليه السلام- فبشره بيحيى.
فقال زكريا عندها: ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ وأخبر بكبر سنه، وعلة زوجته، فأخذ جبريل عوداً يابساً، فجعله بين كفي زكريا، فقال: ادرجه بين كفيك، ففعل، فإذا في رأسه عود بين ورقتين يقطر منهما الماء.
فقال جبريل: إن الذي أخرج هذا الورق من هذا العود، قادر أن يخرج من صلبك، ومن امرأتك العاقر غلاماً.
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد في الزهد وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم يسم أحد يحيى قبله.
وأخرج أحمد في الزهد، عن عكرمة مثله.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: لم تلد العواقر مثله ولداً.
وأخرج أحمد في الزهد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: مثلاً.
وأخرج أحمد في الزهد، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لم نجعل له من قبل سميا ﴾ قال: شبيهاً.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء مثله.
وأخرج البخاري في تاريخه، عن يحيى بن خلاد الزرقي، أنه لما ولد أتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وقال: لأسمينه اسماً لم يسم بعد يحيى بن زكريا فسماه يحيى.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن عباس قال: لا أدري كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ هذا الحرف ﴿ عتياً ﴾ أو عييا.
وأخرج ابن الأنباري في الوقف والابتداء والحاكم، عن ميمون بن مهران: أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس؟
فقال: أخبرني عن قول الله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ ما العتي؟
قال: البؤس من الكبر قال الشاعر: إنما يعذر الوليد ولا يعذر ** من كان في الزمان عتيا وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: نحول العظم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ يقول: هرماً.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: العتي الذي قد عتا من الولد فيما يرى في نفسه لا ولادة فيه.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم، عن الثوري قال: بلغني أن زكريا كان ابن سبعين سنة.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن المبارك ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: ستين سنة.
وأخرج الرامهرمزي في الإسناد، عن وهب بن منبه ﴿ وقد بلغت من الكبر عتيا ﴾ قال: هذه المقالة وهو ابن ستين أو خمس وستين.
وأخرج عبد بن حميد، عن عاصم أنه قرأ عتيا برفع العين.
وأخرج عبد بن حميد، عن يحيى بن وثاب أنه قرأها ﴿ عتيا ﴾ وصليا، بكسر العين والصاد.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن عبد الله بن عقيل أنه قرأ ﴿ وقد بلغت من الكبر عسيا ﴾ بالسين ورفع العين.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر والحاكم، عن نوف في قوله: ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قال: أعطني آية أنك قد استجبت لي.
فقال: ﴿ آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال ختم على لسانه وهو صحيح سوي ليس به من مرض، فلم يتكلم ثلاثة أيام.
وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ألا تكلم الناس ثلاث ليال سوياً ﴾ قال: اعتقل لسانه من غير مرض.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: من غير خرس.
وأخرج عبد بن حميد، عن عكرمة والضحاك مثله.
وأخرج عبد بن حميد، عن مجاهد في قوله: ﴿ ثلاث ليال سويا ﴾ قال: صحيحاً لا يمنعك الكلام مرض.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في الآية قال: حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يكلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس لم يستطع أن يكلمهم.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن زيد في قوله: ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قال: المحراب مصلاه.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن الحكم ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: كتب لهم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال فأشار زكريا.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: أشار إليهم إشارة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر، عن سعيد بن جبير ﴿ فأوحى إليهم ﴾ قال: أومأ إليهم.
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه، عن ابن عباس في قوله: ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا ﴾ قال: صلوا.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله: ﴿ بكرة وعشيا ﴾ قال: أمرهم بالصلاة بكرة وعشيا.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة ﴿ فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ﴾ قال: البكرة، صلاة الفجر، وعشيا، صلاة العصر.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ قَالَ كَذَلِكَ ﴾ قال الزجاج: (أي الأمر كما قيل لك) (١) (٢) قال ابن الأنباري: (وعلى هذا القول كَذَلِكَ: بجملته في موضع نصب، ولا يقضي على الكاف بانفراد مما بعدها) (٣) ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ قال الفراء: (أي خلقه على هين) (٤) قال ابن عباس: (يريد: أردًّ عليك قوَّتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد) (٥) ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ ﴾ يحيى.
قرئ: خلقناك (٦) (٧) ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ ﴾ ، في مواضع.
وقوله: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ﴾ ، ولغة الجمع قد جاء بعد لفظ الافراد كقوله: ﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ .
واختار أبو عبيد التاء (٨) ﴿ عَلَيَّ هَيِّنُ ﴾ .
وقال أحمد بن يحيى (٩) (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ يريد أنه كان عدما فأوجده بقدرته، وفي هذا رد على القدرية في تسميتهم المعدوم شيئًا (١١) ﴿ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ .
قال الزجاج: (أي فخلق الولد لك كخلقك) (١٢) (١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.
(٢) "تفسير مقاتل" 2/ 232.
(٣) ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 406، "إملاء ما من به الرحمن" ص 407، "البحر المحيط" 6/ 175، "الدر المصون" 7/ 571.
(٤) "معاني القرآن" للفراء 3/ 162.
(٥) "مجمع البيان" 5/ 780، "روح البيان" 5/ 317.
(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خلقتك) بالتاء من غير ألف.
وقرأ: حمزة، والكسائي: (خلقناك) بالنون والألف.
انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195، "التبصرة" ص 255، "النشر" 2/ 317.
(٧) قوله: (من لفظ الخلق مضاف إلى) ساقط من نسخة: (س).
(٨) ذكره بلا نسبة الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195.
(٩) هو: ثعلب، تقدمت ترجمته.
(١٠) لم أقف عليه.
ويشهد له ما صح من حديث ابن مسعود - - قال: قال رسول الله - -: "من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف".
(١١) قال القاضي علي بن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 117: أهل السنة عندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، وأن المعدوم ليس بشئ في الخارج، ولكن الله == يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، قال تعالى: ﴿ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ أي: لم تكن شيئاً في الخارج، وإن كان شيئًا في علمه تعالى.
وانظر: "أضواء البيان" 4/ 217.
(١٢) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِنِّي خِفْتُ الموالى ﴾ يعني: الأقارب قيل: خاف أن يرثوه دون نسله، وقيل: خاف أن يضيعوا الدين من بعده ﴿ مِن وَرَآءِى ﴾ أي من بعدي ﴿ عَاقِراً ﴾ أي عقيماً ﴿ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً ﴾ يعني وارثاً يرثني، قيل: يعني وراثة المال، وقيل: وراثة العلم والنبوة وهو أرجح لقوله صلى الله عليه وسلم: «نحن معاشر الأنبياء لا نورث» وكذلك ﴿ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ ﴾ العلم والنبوة، وقيل: الملك، ويعقوب هنا هو يعقوب بن إسحاق على الأصح ﴿ رَضِيّاً ﴾ أي مرضياً فهو فعيل: بمعنى مفعول ﴿ سَمِيّاً ﴾ يعني من سُمي باسمه، وقيل: مثيلاً ونظيراً، والأول أحسن هنا ﴿ أنى يَكُونُ لِي غلام ﴾ تعجب واستبعاد أن يكون له ولد مع شيخوخته وعقم امرأته، فسأل ذلك أولاً لعلمه بقدرة الله عليه، وتعجب منه لأنه نادر في العادة، وقيل: سأله وهو في سنّ من يرجوه، وأجيب بعد ذلك بسنين وهو قد شاخ ﴿ عِتِيّاً ﴾ قيل: يبساً في الأعضاء والمفاصل، وقيل: مبالغة في الكبر ﴿ كذلك ﴾ الكاف في موضع رفع، أي الأمر كذلك، تصديقاً له فيما ذكر من كبره وعقم امرأته، وعلى هذا يوقف على قوله.
كذلك.
ثم يبتدأ: قال ربك، وقيل: إن الكاف في موضع نصب بقال، وذلك إشارة إلى مبهم يفسره: هو عليّ هين ﴿ اجعل لي آيَةً ﴾ أي علامة على حمل امرأته ﴿ سَوِيّاً ﴾ أي سليماً غير أخرس، وانتصابه على الحال من الضمير في تكلم، والمعنى أنه لا يكلم الناس مع أنه سليم من الخرس، وقيل: إن سوياً يرجع إلى الليالي أي مستويات ﴿ فأوحى إِلَيْهِمْ ﴾ أي أشار، وقيل: كتب في التراب إذ كان لا يقدر على الكلام ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ قيل: معناه صلوا، والسبحة في اللغة الصلاة، وقيل: قولوا سبحان الله ﴿ يايحيى ﴾ التقدير قال الله ليحيى بعد ولادته: ﴿ خُذِ الكتاب ﴾ يعني التوراة ﴿ بِقُوَّةٍ ﴾ أي في العلم به والعمل به ﴿ وآتيناه الحكم صَبِيّاً ﴾ قيل: الحكم، معرفة الأحكام، وقيل: الحكمة، وقيل: النبوة ﴿ وَحَنَاناً ﴾ قيل: معناه رحمة وقال ابن عباس: لا أدري ما الحنان ﴿ وزكاوة ﴾ أي طهارة، وقيل، ثناء كما يزكى الشاهد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ كيهعص ﴾ بإمالة الهاء فقط: أبو عمرو ﴿ كهيعص ﴾ بإمالة الياء فقط: حمزة وخلف وقتيبة وابن ذكوان، وقرأ عليّ غير قتيبة ويحيى ويحيى وحماد بإمالتهما.
وقرأ أبو جعفر ونافع والخزاعي عن البزي وابن فليح بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب.
الباقون بتفخيمها ﴿ صاد ذكر ﴾ مدغماً: أبو عمرو وحمزة وخلف وابن عامر وسهل ﴿ من ورائي ﴾ بفتح الياء مهموزاً: ابن كثر غير زمعة والخزاعي عن ا لبزي وقرأ زمعة عن ابن كثير والخزاعي عن البزي ﴿ من وراي ﴾ مثل ﴿ عصاي ﴾ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما: أبو عمرو وعليّ.
الباقون برفعهما ﴿ يبشرك ﴾ ثلاثياً وكذلك في آخر السورة: حمزة ﴿ عتباً ﴾ و ﴿ جثياً ﴾ و ﴿ صلياً ﴾ و ﴿ بكياً ﴾ بكسر الأوائل: حمزة وعلي وافق حفص إلا في ﴿ بكياً ﴾ الخزاز عن هبيرة ﴿ عتباً ﴾ الأولى بالكسر والثاني بالضم.
﴿ وقد خلقناك ﴾ حمزة وعلي.
الآخرون ﴿ خلقتك ﴾ على التوحيد ﴿ إلى آية ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وابن شنبوذ عن أهل مكة.
الوقوف: ﴿ كهيعص ﴾ ه كوفى ﴿ زكريا ﴾ ه ح لجواز تعلق "إذ" بـ ﴿ ذكر رحمة ربك ﴾ ولاحتمال انتصابه بأذكر محذوفاً.
﴿ خفياً ﴾ ه ﴿ شقياً ﴾ ه ﴿ ولياء ﴾ لا ﴿ آل يعقوب ﴾ ق والوجوه الوصل لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحيى ﴾ لا لأن ما بعده صفة غلام والاستئناف ليس بقوي.
﴿ سمياً ﴾ ه ﴿ عتياً ﴾ ه ﴿ كذلك ﴾ ه بناء على أن التقدير الأمر كذلك ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ آية ﴾ ط ﴿ سوياً ﴾ ه ﴿ وعشياً ﴾ ه ﴿ بقوة ﴾ ط ﴿ صبياً ﴾ ه لا للعطف أي آتيناه الحكم وحناناً منا عليه ﴿ وزكاة ﴾ ط ﴿ تقياً ﴾ ه ﴿ عصياً ﴾ ه ﴿ حياً ﴾ ه.
التفسير: حروف المعجم في الوقف ثنائية وثلاثية، وقد جرت عادة العرب بإمالة الثنائيات وبتفخيم الثلاثيات، وفي الزاي اعتيد الأمران لأنه قد يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق بآخره ياء وقد لا يلحق فيصير ثنائياً، ولا ريب أن التفخيم أصل والإمالة فرع عليه.
فمن قرأ بإمالة الهاء والياء معاً فعلى العادة، ومن قرأ بتفخيمهما جميعاً فعلى الأصل ومن قرأ بإمالة إحداهما فلرعاية الجانبين.
وقد روى صاحب الكشاف عن الحسن أنه قرأ بضمهما فقيل: لأنه تصور أن عين الكلمة فيهما واو فنبه بالضم على أصلها.
والبحث عن هذه الفواتح قد سلف في أول البقرة، ومما يختص بهذا الموضع ما روي عن ابن عباس أن قوله ﴿ كهيعص ﴾ ثناء من الله على نفسه، فالكاف كاف لأمور عباده، والهاء هاد والعين عالم أو عزيز، والصاد صادق.
وعنه أيضاً أنه حمل الكاف على الكريم أو الكبير، والياء على الكريم مرة وعلى الحكيم أخرى.
وعن الربيع بن أنس أن الياء من مجير، وهذا التفسير لا يخلو من تحكم إلا أن يسند إلى الوحي أو الإلهام، وارتفع ﴿ ذكر رحمة ﴾ على الخبر أي هذا المتلو من القرآن ذكر رحمة ﴿ ربك ﴾ وانتصب ﴿ عبده ﴾ على أنه مفعول لذكر و ﴿ زكريا ﴾ عطف بيان، وقرىء برفعهما على إضافة المصدر إلى المفعول، وعن الكلبي أنه قرأ ﴿ ذكر ﴾ بلفظ الماضي مشدداً تارة و ﴿ رحمة ﴾ و ﴿ عبده ﴾ منصوبان على المفعولية، والفاعل ضمير المتلو.
ومخففاً أخرى و ﴿ عبده ﴾ مرفوع على الفاعلية.
وقرىء ﴿ ذكر ﴾ على الأمر وهي قراءة ابن معمر.
وقيل: يحتمل على هذا أن تكون الرحمة عبارة عن زكريا لأن كل نبي رحمة لأمته، ويجوز أن يكون رحمة لنبينا صل الله عليه وسلم ولأمته لأن طريقه في الإخلاص والابتهال يصلح لأن يقتدى به وكان ذكره رحمة لنا ولنبينا.
وفي خفاء ندائه.
وجوه منها: أن الإخفاء أبعد عن الرياء وأدخل في الخشية ولهذا فسره الحسن بأنه نداء لا رياء فيه.
ومنها أنه أخفاه لئلا يلام على طلب الولد في غير وقته.
ومنها أنه أسره من مواليه الذين خافهم.
ومنها أنه خفت صوته لضعفه وهرمه كما جاء في صفة الشيخ "صوته خفات وسمعه تارات" ولعله أتى بأقصى ما يقدر عليه من الصوت ومع ذلك كان خفياً لنهاية كبره.
ثم شرع في حكاية ندائه قائلاً: ﴿ قال رب إني وهن العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ قال علماء المعاني: في الآية لطائف وذلك أصل الكلام: يا ربي قد شخت فإن الشيخوخة مشتملة على ضعف البدن وشيب الرأس، ثم ترك الإجمال إلى التفصيل لتوخي زيادة التقرير فصار ضعف بدني وشاب رأسي، ثم في القرينة الأولى عدل من التصريح إلى الكناية التي هي أبلغ منه فصار وهنت عظامي فإن وهن عظام البدن لازم لضعفه، ثم بنيت الكناية على المبتدأ لتقوي الحكم فحصل أنا وهنت عظام بدني، ثم سلك طريق الإجمال والتفصيل لمزيد البيان فصار: إني وهنت العظام من بدني، لأنك إذاقلت إني وهنت العظام أفاد أن عظاماً واهنة عندك، فإذا قلت: "من بدني" فقد فصلت، ثم ترك توسيط البدن لطلب مزيد اختصاص العظام، ثم لطلب شمول العظام فرداً فرداً قصدت مرتبة ثانية وهي ترك جمع العظم إلى الإفراد لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع فحصل ﴿ إني وهن العظم مني ﴾ فحصل أني وهنت العظام مني.
وإذا حصل الوهن في هذا الجنس الذي هو أصلب الأعضاء وبه قوام البدن وقد يكون جنة لسائر الأعضاء الرئيسة كالقحف للدماغ والقص للقلب ففي الأعضاء الأخر أولى.
وأما القرينة الأخرى فتركت الحقيقة فبها الاستعارة التي هي أبلغ فحصل اشتعل شيب رأسي.
وبيان الاستعارة فيه أنه شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته، وشبه انتشاره في الشعر وفشوّه فيه وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة بالكتابة بأن حذف المشبه به وأداة التشبيه فصار اشتعل شيب الرأسي، ويمكن تقرير الاستعارة بوجه آخر وهو أن يكون استعمل ﴿ اشتعل ﴾ بدل "انتشر" فتكون الاستعارة تبعية تصريحية وقرينتها ذكر الشيب، ثم تركت هذه المرتبة إلى أبلغ منها وهي "اشتعل رأسي شيباً".
وكونها أبلغ من وجهات منها: إسناد الاشتعال إلى الرأس لإفادته شمول الاشتعال الرأس كما لو قلت: "اشتعل بيتي ناراً" مكان "اشتعل النار في بيتي".
ومنها الإجمال والتفصيل الواقعان في طريق التمييز، ومنها تنكير ﴿ شيباً ﴾ للتعظيم كما هو حق التمييز.
ثم عدل إلى مرتبة أخرى هي "اشتعل الرأس مني شيباً" لتوخي مزيد التقرير بالإبهام ثم البيان على نحو ﴿ وهن العظم مني ﴾ ثم ترك لفظ "مني" ذكره في القرينة الأولى ففي ذلك إحالة تأدية المعنى على العقل دون اللفظ.
وكم بين الحوالتين مع أن بناء الكلام على الاختصار حيث قال "رب" بحذف حرف النداء وياء المتكلم يناسب الاختصار في آخره.
وإنما أطنب في هذا المقام لأن هذه الآية كالعلم فيما بين علماء المعاني.
ثم إنه توسل إلى الله عز وجل بما سلف له معه من الاستجابة قائلاً ﴿ ولم أكن بدعائك رب شقياً ﴾ كما حكى أن محتاجاً قال لكريم: أنا الذي أحسنت إليّ وقت كذا فقال: مرحباً بمن توسل إلينا وقضى حاجته.
تقول العرب: سعد فلان بحاجته إذا ظفر بها، وشقي بها إذا خاب ولم ينلها.
ومعنى ﴿ بدعائك ﴾ أي بدعائي إياك.
واعلم أن زكريا قدم على السؤال أموراً ثلاثة: الأول كونه ضعيفاً، والثاني أنه لم يرد دعاءه والثالث كون المطلوب بالدعاء سبباً للمنفعة في الدين وذلك قوله ﴿ وإني خفت الموالي ﴾ قال ابن عباس والحسن: أي الورثة.
وعن مجاهد العصبة.
وعن أبي صالح: الكلالة.
وعن الأصم: بني العم وهم الذين يلونه في النسب.
وعن أبي مسلم: المولى يراد به الناصر وابن العم والمالك والصاحب وهو ههنا من تقدم في ميراثة كالولد.
والمختار أن المراد من الموالي الذين يخلفون بعده إما في السياسة أو في المال الذي كان له أو في القيام بأمر الدين، وكان من عاداتهم أن كل من كان إلى صاحب الشرع أقرب كان متعيناً للحبورة.
وقوله: ﴿ من ورائي ﴾ أي بعد موتي لا يتعلق بــ ﴿ خفت ﴾ لأن الخوف بعد الموت محال ولكن بمحذوف أي الموالي الذين يخلفون من بعدي، أو بمعنى الولاية في الموالي أي خفت ولايتهم وسوى خلافتهم بعدي، فإن زكريا انضم له مع النبوّة الملك فخاف بعده على أحدهما أو عليهما.
وسبب الخوف القرائن والأمارات التي ظهرت له من صفائح أحوالهم وأخلاقهم.
وإنما قال: ﴿ خفت ﴾ بلفظ الماضي لأنه قصد به الإخبار عن تقادم الخوف، ثم استغنى بدلالة الحال كمسألة الوارث وإظهار الحاجة عن الإخبار بوجود الخوف في الحال.
وقرىء ﴿ خفت الموالي ﴾ بتشديد الفاء.
وعلى هذا فمعنى ورائي خلفي وبعدي أي قلوا وعجزوا عن أمر الدين والإقامة بوظائفه، والظرف متعلق بالموالي، أو معناه قدامي والظرف متعلق بـ ﴿ خفت ﴾ أي درجوا ولم يبق من يعتضد به.
ثم صرح بالمسألة قائلاً: ﴿ فهب لي ﴾ وأكده بقوله: ﴿ من لدنك ﴾ أي ولياً صادراً من عندك مضافاً إلى اختراعك بلا سبب لأني وامرأتي لا تصلح للولادة.
من قرأ ﴿ يرثني ويرث ﴾ بالجزم فيهما فهو جواب الدعاء، ومن قرأ برفعهما فالأكثرون ومنهم جار الله قالوا: إنه صفة.
وقال صاحب المفتاح: الأولى حمله على الاستئناف كأنه قيل: لم تطلب الولد؟
فقال مجيباً: يرثني أي لأنه يرثني لئلا يلزم منه أنه لم يوهب من وصف لهلاك يحيى قبل زكريا.
واعترض بأن حمله على الاستئناف يوجب الإخبار عما لم يقع، وكذب النبي .
أمنع من كونه غير مستجاب الدعوة.
وأجيب بأن عدم ترتب الغرض من طلب الولد لا يوجب الكذب.
وأقول: الاعتراض باق لأن المعنى يؤل إلى قولنا "هب لي ولياً موصوفاً بالوراثة" أو بأن الغرض منه الوراثة، أوهب لي ولياً أخبر عنه بأنه يرثني.
وعلى التقادير يلزم عدم الاستجابة أو الكذب.
والحق في الجواب هو ما سلف لنا في قصة زكريا من سورة آل عمران، أن النبي لا يطلب في الدعاء إلا الأصلح حتى لو كان الأصلح غير ما طلبه فصرفه الله عنه كان المصروف إليه هو بالحقيقة مطلوبه.
ويمكن أن يقال: لعل الوراثة قد تحققت من يحيى وإن قتل قبل زكريا، وذلك بأن يكون قد تلقى منه كتاب أو شرع هو المقصود من وجود يحيى وبقى ذلك الكتاب أو الشرع معمولاً به بعد زكريا أيضاً إلى حين.
وقد روى صاحب الكشاف ههنا قراآت شاذة لا فائدة كثيرة في تعدادها إلى قوله عن علي وجماعة وأرث من آل يعقوب أي يرثني به وارث ويسمى التجريد في علم البيان.
فقيل: هو أن تجرد الكلام عن ذكر الأول حتى تقول "جاءني فلان فجاءني رجل" لا تريد به إلا الأول، ولذلك تذكر اسمه في الجملة الثانية، وتجرد الكلام عنه.
وأقول: يشبه أن يكون معنى التجريد هو أنك تجرده عن جميع الأوصاف المنافية للرجولية.
وكذا في الآية كأنه جرده عن منافيات الوارثية بأسرها.
واختلف المفسرون في أنه طلب ولداً يرثه أو طلب من يقوم مقامه ولداً كان أو غيره؟
والأول أظهر لقوله في آل عمران ﴿ رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ ولقوله في سورة الأنبياء ﴿ ربي لا تذرني فرداً ﴾ حجة المخالف أنه لما بشر بالولد استعظم وقال ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ ولو كان دعاؤه لأجل الولد ما استعظم ذلك.
والجواب ما مر في آل عمران.
واختلفوا أيضاً في الوراثة فعن ابن عباس والحسن والضحاك: هي وراثة المال.
وعنهم أيضاً أن المراد يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوّة أو بالعكس.
وفي رواية أبي صالح أن المراد في الموضعين النبوّة.
فلفظ الإرث مستعمل في المال ﴿ وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم ﴾ وفي العلم ﴿ وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ﴾ "العلماء ورثة الأنبياء" وحجة الأولين ما روي أنه قال: "رحم الله زكريا وما عليه من يرثه" فإن ظاهره يدل على أنه أراد بالوراثة المال.
وكذا قوله "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" ، وأيضاً العلم والنبوة كيف يحصل بالميراث ولو كان المراد إرث النبوّة إلى قوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ لأن النبي لا يكون إلا مرضياً.
وأجيب بأنه إذا كان المعلوم من حال الابن أنه يصير نبياً بعده فيقوم بأمر الدين جاز أن يقال ورثه.
والمراد يكون رضياً أن لا يوجد منه معصية ولا همّ بها كما جاء في حق يحيى، وقج مر الحديث هناك.
ولا يلزم من هذا أن يكون يحيى مفضلاً على غيره من الأنبياء كلهم فلعل لبعضهم فضائل أخر تختص به.
احتجت الأشاعرة بالآية في مسألة خلق الأعمال، وأجابت المعتزلة بأنه يفعل به ضروب الألطاف فيختار ما يصير مرضياً عنده، وزيف بأن ارتكاب المجاز على خلاف الأصل، وبأن فعل الألطاف واجب على الله فطلب ذلك بالدعاء والتضرع عبث.
واعلم أن أكثر المفسرين على أن يعقوب المذكور في الآية هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم لأن زوجة زكريا كانت من ولد سليمان بن داود من ولد يهودا بن بعقوب، وأما زكريا فقد كان من ولد هرون أخي موسى وهرون وموسى ولد لاوى بن يعقوب بن إسحق، وكانت النبوّة في سبط وهو إسرائيل .
وزعم بعض المفسرين أن المراد هو يعقوب بن ماثان أخو عمران بن ماثان وهذا قول الكلبي ومقاتل.
وعن مقاتل: أن بني ماثان كانوا رؤوس بني إسرائيل وملوكها.
قوله: ﴿ يا زكريا ﴾ الكثرون على أنه نداء من الله لقرينة التخاطب من قوله: ﴿ رب إني وهو العظم مني ﴾ إلى قوله: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ ومنهم من قال: هو نداء الملك لقوله في آل عمران ﴿ فنادته الملائكة ﴾ وجوز بعضهم الأمرين.
واختلفوا في عدم السمي فقيل: أراد أن لم يسم أحد بيحيى قبله.
وقيل: أراد أنه لا نظير له كقوله ﴿ هل تعلم له سمياً ﴾ وذلك أنه سيداً وحصوراً ولم يعص ولم يهم بمعصية فكأنه جواب لقوله: ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ وأيضاً سمي بيحيى قبل دخوله في الوجود ولد بين شيخ فان وعجوز عاقر فلا نظير له في هذه الخواص.
قال بعض العلماء: القول الأول أظهر لما في الثاني من العدول عن الظاهر ولا يصار إليه لضرورة كما في قوله: ﴿ فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً ﴾ لأنا نعلم أن مجرد كونه تعالى لا سميّ له لا يقتضي عبادته فنقول: السميّ هناك يراد به المثل والنظير.
ويمكن أن يقال: إن التفرد بالاسم فيه ضرب من التعظيم فلا ضرورة في الآية أيضاً.
قال جار الله: إنما قيل للمثل سميّ لأن كل متشاكلين يسمى كل منهما باسم المثل والشبيه والشكل والنظير، فكل واحد منهما سمي.
قلت: ويقرب هذا من إطلاق اللازم وإرادة الملزوم.
ولم سمي بيحيى؟
تكلفوا له وجوهاً.
فعن ابن عباس لأنه أحيا عقر أمه.
وعن قتادة لأنه أحيا قلبه بالإيمان والطاعة ﴿ أو من كان ميتاً فأحييناه ﴾ ﴿ إذا دعاكم لما يحييكم ﴾ .
ولهذا كان من أول من آمن بعيسى.
وقيل: لأنه استشهد والشهداء أحياء.
وقيل: لأن الدين أحيى به لأن زكريا سأله لأجل الدين.
قوله: ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ قال جار الله: أي من أجل الكبر والطعن في السن العالية فــ"من" للتعليل، ويجوز أن تكون للابتداء أي بلغت من مدارج الكبر ومراتبه ما يسمى ﴿ عتياً ﴾ وهو اليبس والجساوة في المفاصل والعظام.
يقال: عنا العود عتياً إذا غيره طول الزمان إلى حالة اليبس.
سؤال: إنه قال في آل عمران ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ فلم عكس الترتيب في هذه السورة؟
وأجيب بأن الواو لا تفيد الترتيب.
قلت: إن ذاك ورد على الأصل وهو تقديم نقص نفسه وههنا راعى الفاصلة.
﴿ قال ﴾ الأمر ﴿ كذلك ﴾ تصديقاً له.
ثم ابتدأ قائلاً ﴿ قال ربك ﴾ فمحل ﴿ كذلك ﴾ رفع، ويحتمل أن يكون نصباً ﴿ قال ﴾ وذلك إشارة إلى مبهم يفسره قوله: ﴿ هو ﴾ أي خلق الغلام ﴿ عليّ هين ﴾ ويحتمل أن يكون إشارة إلى قول زكريا ﴿ أنى يكون لي غلام ﴾ أي كيف تعطيني الغلام أبأن تجعلني وزوجتي شابين أو بأن تتركنا على الشيخوخة؟
فأجيب بقوله: ﴿ كذلك ﴾ أي نهب الولد لك مع بقائك وبقاء زوجتك على حالتكما.
ولفظ الهين مجاز عن كمال القدرة وهو فيعل من هان الشيء يهون إذا لم يصعب ولم يمتنع عن المراد ﴿ ولم تك شيئاً ﴾ لأن المعدوم ليس بشيء أو شيئاً بعتد به كالنطفة، أو كالجواهر التي لم تتألف بعد، فيه نفس استبعاد زكريا، لأن خلق الذات ثم تغييرها في أطوار الصفات ليس أهون من تبديل الصفات وهو أحداث القوة المولدة في زكريا وصاحبته بعد أن لم تكن ﴿ قال رب اجعل لي آية ﴾ قد مر تفسير الآية في أول عمران.
قوله: ﴿ سوياً ﴾ قيل: إنه صفة لليالي أي تامة كاملة.
والأكثرون على أنه صفة زكريا أي وأنت سليم الحواس مستوى الخلق ما بك خرس ولا عيّ ﴿ فخرج على قومه من المحراب ﴾ قيل: كان له موضع ينفرد فيه للصلاة والعبادة ثم ينتقل إلى قومه.
وقيل: كان موضعاً يصلي فيه هو وغيره إلا أنهم كانوا لا يدخلونه للصلاة إلا بإذنه.
﴿ فأوحى إليهم ﴾ عن مجاهد: أشار بدليل قوله في أول آل عمران ﴿ إلا رمزاً ﴾ وعن ابن عباس: كتب لهم على الأرض.
و ﴿ أن ﴾ هي المفسرة و ﴿ سبحوا ﴾ أي صلوا أو على الظاهر وهو قول سبحان الله.
عن أبي العالية أن البكرة صلاة الفجر والعشيّ صلاة العصر، فلعلهم كانوا يصلون معه هاتين الصلاتين في محرابه، وكان يخرج إليهم ويأذن لهم بلسانه، فلما اعتقل لسانه خرج إليهم كعادته ففهمهم المقصود بالإشارة أو الكتابة.
وههنا إضمار والمراد فبلغ يحيى المبلغ الذي يجوز أن يخاطب فقلنا له: ﴿ يا يحيى خذ الكتاب ﴾ أي التوراة لأنها المعهود حينئذ، ويحتمل أن يكون كتاباً مختصاً به وإن كنا لا نعرفه الآن كقول عيسى ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب ﴾ والمراد بالأخذ إما الأخذ من حيث الحس، وإما الأخذ من حيث المعنى وهو القيام بمواجبه كما ينبغي وذلك بتحصيل ملكة تقتضي سهولة الإقدام على المأمور به والإحجام عن المنهى عنه.
ثم أكده بقوله: ﴿ بقوة ﴾ أي بجد وعزيمة.
﴿ وآتيناه الحكم ﴾ أي الحكمة.
عن ابن عباس: هو فهم التوراة والفقه في الدين ولذلك لما دعاه الصبيان إلى اللعب وهو صبي قال: ما للعب خلقت.
وعن معمر: العقل.
وقيل: النبوة.
وكل هذه الأوصاف على الأقول من الخوارق كما حق عيسى فلا استبعاد إلا من حيث العادة.
والحنان أصله توقان النفس، ثم استعمل في الرحمة وهو المراد ههنا.
وما قيل إنه يحتمل أن يراد حناناً منا على زكريا أو على أمة يحيى لا يساعده وجود الواو.
وقيل: أراد آتيناه الحكم والحنان على عبادنا كقوله في نبينا ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم ﴾ وأراد بقوله: ﴿ وزكاة ﴾ أنه مع الإشفاق عليهم كان لا يخل بإقامة ما يجب عليهم لأن الرأفة واللين ربما تورث ترك الواجب ولهذا قال: ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ ولا يخفى أنه يساعد هذا القول وجود لفظة ﴿ من لدنا ﴾ وعن عطاء: أن معنى حناناً تعظيماً من لدنا.
وعن ابن عباس وقتادة والضحاك وابن جريج: أن معنى زكاة عملاً صالحاً زكياً.
وقيل: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكى الشهود.
وقيل: بركة كقول عيسى ﴿ جعلني مباركاً ﴾ وقيل: صدقة أي ينعطف على الناس ويتصدق عليهم.
ثم أخبر محمد عن جملة أحواله بقوله: ﴿ وكان تقياً ﴾ بحيث لم يعص الله ولا هم بمعصية قط ﴿ وبرّاً بوالديه ﴾ لأن تعظيم الوالدين تلو تعظيم الله ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ وذلك أن الزاهد في الدنيا قلما يخلو عن طلب ترفع والرغبة في احترام، فذكر أنه مع غاية زهده كان موصوفاً بالتواضع للخلق وتحقيق العبودية للحق.
قال سفيان: الجبار الذي يقتل عند الغضب دليله قوله: ﴿ أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس إن تريد إلاّ أن تكون جباراً في الأرض ﴾ ثم إنه سلم عليه في ثلاثة مواطن هي أوحش المواطن وأحوجها إلى طلب السلامة فيها، ويحتمل أن يكون هذا السلام من الملائكة عليه إلا أنه لما كان بإذن الله كان كلام الله، وقيل: إنما قال: ﴿ حياً ﴾ مع أن المبعوث هو المعاد إلى حال الحياة تنبيهاً على كونه من الشهداء وهم أحياء إلا أنه يشكل بما يجيء في قصة عيسى ﴿ ويوم أبعث حياً ﴾ وذلك أنه ورد في الأخبار أن عيسى سيموت بعد النزول.
والظاهر أنه أراد ويوم يجعل حياً فوضع الأخص موضع الأعم تأكيداً.
قيل: السلام عليه يوم ولد لا بد أن يكون تفضلاً من الله لأنه لم يتقدم منه عمل يجزى عليه، وأما الآخران فيجوز أن يكونا لأجل الثواب.
قلت: أكثر أموره خارق للعادة، فيحتمل أن يوجد منه في بطن أمه عمل يستحق الثواب كما يحكى أن أمه قالت لمريم وهما حاملان: إني أرى ما في بطني يسجد لما في بطنك.
التأويل: إن زكريا الروح ﴿ نادى ربه نداء خفياً ﴾ من سر السر ﴿ قال رب إني وهن ﴾ مني عظم الروحانية واشتعل شيب صفات البشرية، وإني خفت صفات النفس أن تغلب ﴿ وكانت امرأتي ﴾ يعني الجثة التي هي روح الروح ﴿ عاقراً ﴾ لا تلد إلا بموهبة من الله ﴿ فهب لي من لدنك ﴾ سأل ﴿ ولياً ﴾ فأعطاه الله نبياً وهو في الحقيقة القلب الذي هو معدن العلم اللدني فإنه ولد الروح والنفس أعدى عدوه ﴿ يرثني ويرث من آل يعقوب ﴾ أي يتصف بصفة الروح وجميع الصفات الروحانية ﴿ واجعله رب رضياً ﴾ بأن توطنه من تجلي صفات ربوبيتك ما يرضى به نظيره ﴿ ولسوف يعطيك ربك فترضى ﴾ ﴿ اسمه يحيى ﴾ إن الله أحياه بنوره ﴿ ولم نجعل له من قبل سمياً ﴾ لا من الحيوانات ولا من الملائكة لأنه هو الذي يقبل فيض الألوهية بلا واسطة، وهو سر حمل الأمانة كما قال: "ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" ﴿ وقد بلغت من الكبر ﴾ أي بسبب طول زمان تعلق القلب بالقالب ﴿ عتياً ﴾ يبساً وجفافاً من غلبات صفات النفس ﴿ آيتك أن لا تكلم الناس ﴾ لا تخاطب إلا الله ولا تلتفت إلى ما سواه ﴿ ثلاث ليال ﴾ هي ثلاث مراتب الجماديات والحيوانيات والروحانيات ﴿ سوياً ﴾ متمكناً في هذا الحال من غير تلون ﴿ فخرج ﴾ زكريا الروح من محراب هواه وطبعه على قوم صفات نفسه وقلبه وأنانيته، فأشار إليهم أن كونوا متوجهين إلى الله معرضين عما سواه آناء الليل وأطراف النهار بل بكرة الأزل وعشيّ الأبد ﴿ يا يحيى ﴾ القلب ﴿ خذ ﴾ كتاب الفيض الإلهي المكتوب لك في الأزل ﴿ بقوة ﴾ ربانية لا بقوة جسدانية لأنه خلق ضعيفاً ﴿ وآتيناه الحكم ﴾ في صباه إذ خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره ﴿ زكاة ﴾ وتطهراً من الالتفات إلى غيرنا ﴿ وبراً بوالديه ﴾ الروح والقالب.
أما البروح فلأن القلب محل قبول الفيض الإلهي لأن الفيض نصيب الروح أوّلاً ولكن لا يمسكه لغاية لطافته كما أن الهواء الصافي لا يقبل الضوء وينفذ فيه، وأما القلب ففيه صفاء وكثافة فبالصفاء يقبل الفيض وبالكثافة يمسكه، وهذا أحد أسرار حمل الأمانة.
وأما بر والدة القلب فهو استعمالها على وفق الشريعة والطريقة ﴿ ولم يكن جباراً عصياً ﴾ كالنفس الأمارة بالسوء ﴿ وسلام عليه يوم يولد ﴾ في أصل خلقه ﴿ ويوم يموت ﴾ من استعمال المعاصي بالتوبة ﴿ ويوم يبعث حياً ﴾ بالتربية والترقي إلى مقام السلامة الله حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل - ﴿ يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم نجعل له مثل يحيى من قبل في الفضل والمنزلة؛ لأنه روي عن نبي الله أنه قال: "لم يكن من ولد آدم إلا وقد عمل بخطيئة أو همّ بها غير يحيى بن زكريا؛ فإنه لم يهم بخطيئة ولا عمل بها" وقال بعضهم: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: لم يسم أحد قبله يحيى.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً ﴾ ، أي: يتولّى الله تسميته يحيى، لم يول تسميته غيره، وسائر الخلق تولى أهلوهم تسميتهم.
وقوله: ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً ﴾ .
قال الحسن: إن زكريا استوهب ربه الولد، فأجابه وبَشَّره، فقال: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ ، وطلب منه الآية لذلك، فقال: ﴿ ٱجْعَل لِيۤ آيَةً ﴾ ، فما عابه على ذلك، ولا وبّخه، ولكن رحمه، أو كلام نحو هذا.
وقال غيره: إنما أمسك لسانه واعتقله عقوبة لما سأل من الآية، هؤلاء كلهم يجعلون ذلك منه زلة منه، إلا أن الحسن قال: لم يعبه على ذلك، ولا عاقبه عليه، ولكن ذكر ذلك رحمة منه إليه، وغيره يجعل ذلك عقوبة لما كان منه.
وجائز أن يخرج ذلك على غير ما قالوا، وهو أن قوله: ﴿ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ ﴾ أي: على أيّ حال يكون مني الولد، على الحال التي أنا عليها، أو أراد إلى شبابي، ففي تلك الحال يكون مني الولد، فذلك منه استخبار واستعلام عن الحال الذي يكون منه الولد، ليس على أنه لم يعرف أنه قادر على إنشاء الولد في حال الكبر، وبسبب وبلا سبب، وعلى ذلك يخرج قوله حيث قال كذلك: ﴿ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً ﴾ ، أي: قبل أن نخلقك لم تك شيئاً.
وطلب الآية والعلامة بعدما بشر يخرج على وجهين: أحدهما: أنّه لما بشر بالولد لعله أشكل عليه بأن تلك بشارة ملك أو غيره، فطلب منه العلامة ليعرف أن تلك بشارة ملك، وأنها من الله أو غيره لأنه ذكر في الآية: ﴿ فَنَادَتْهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَـىٰ ﴾ فطلب الآية يخرج منه على استعلام بشارة الملك، وأن ذلك من الله لا أنه لم يعرف قدرة الله أنه قادر على خلقه في كل حال، هذا لا يظن بأضعف مؤمن في الدنيا فكيف يظن بنبيّ من الأنبياء؟!
أو أن يكون طلب الآية منه ليعرف وقت حملها الولد، ووقت وقوعه في الرحم؛ ليسبق له السرور بحمله عن وقت الولادة، وعن وقت وقوع بصره عليه، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ عَلَيَّ هَيِّنٌ ﴾ ، لأني أخلق بسبب، وبغير سبب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال، وأنت سَوِيٌّ صحيح.
وقال بعضهم: ﴿ ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً ﴾ ، أي: ثلاثاً تامات بأيامها على ما قاله في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ذكر هاهنا ثلاث ليال وفي تلك الآية ثلاثة أيام والقصة واحدة.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
قوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قيل: أومأ إليهم.
وقيل: كتب لهم على الأرض.
وجائز أن يكون أوحى إليهم بالشفتين على ما ذكر في آية أخرى: ﴿ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزاً ﴾ ، والرمز: هو تحريك الشفة والإيماء بها.
قال أبو عوسجة: عاقر وعقيم: المرأة التي لا تلد، وقوله: ﴿ عِتِيّاً ﴾ قال: هو أشد الكبر شيباً، أي: كبر الشيب.
والمحراب، قال: إن شئت قصراً وداراً، وقال القتبي: ﴿ عِتِيّاً ﴾ ، أي: يبساً، ويقال: عِتيّاً وعَتيا، بمعنى واحد، ويقال: ملك عاتٍ، إذا كان قاسي القلب غير لين، وسويّاً أي: سليماً.
وقوله: ﴿ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ ﴾ ، قد ذكرنا أنه أومأ إليهم.
وقال بعضهم: كتب لهم على الأرض.
وقوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ أَن سَبِّحُواْ ﴾ ، أي: صلوا لله بكرة وعشيّاً، فإن كان التسبيح هو الصلاة، ففيه أن الصلاة كانت في الأمم الماضية في ختام الليل.
ويحتمل التسبيح نفسه والثناء على الله، والدعاء له بالغدوات والعشيات.
وقوله - عز وجل -: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ .
قال بعضهم: خذ الكتاب بما قواك الله وأعانك.
وقال بعضهم: خذ الكتاب واصبر على العمل بما فيه.
وقال بعضهم: خذ الكتاب بقوة، أي: بجدّ.
قال أبو بكر الأصم: الجدّ: هو الانكماش في العمل، والقوة هي احتمال ما حمل عليه.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنهم يقولون بأن القوة تتقدم الفعل، ثم لا تبقى وقتين، فيكون على قولهم آخذاً بغير قوة، وقد أمره أن يأخذه بقوة، فقولهم على خلاف ما نطق به ظاهر الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: ﴿ ٱلْحُكْمَ ﴾ ، أي: النبوة حال صباه.
وقال بعضهم: آتاه الله الفهم واللبّ.
وقال بعضهم: الحكمة والعلم.
فكيفما كان ففيه فساد مذهب المعتزلة؛ لأنهم يقولون: إن الله لا يخص أحداً بنبوّة، ولا شيء من الخيرات إلا بعد أن يسبق من المختص له ما يستوجب ذلك الاختصاص، ويستحقه، فما الذي كان من يحيى في حال صباه وطفوليته ما يستوجب به النبوة، وما ذكر من الحكم أنه آتاه، فدلّ ذلك [أن] الاختصاص منه - يكون لمن كان - إفضالاً منه وإنعاماً ورحمة، لا باستحقاق من المختص له واستيجابه.
وفي قوله: ﴿ يٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَابَ بِقُوَّةٍ ﴾ دلالة أنه كان نبيّاً حيث كان أخبر أنه آتاه الكتاب.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ وآتيناه حناناً وزكاةً أيضاً.
ثم اختلف في قوله: ﴿ وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا ﴾ : قال ابن عباس: تعطفاً من لدنا.
وقال بعضهم: أي: رحمة من لدنا، وهو قول الحسن.
وقال بعضهم: الحنان: المحبة.
وقال أبو عوسجة: حنانك وحنانيك كلاهما يعني: رحمتك، وقال: أصله من التحنن، وهو الترحم.
وقال القتبي: أصله من حنين الناقة على ولدها.
وقوله: ﴿ وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ .
قال بعضهم: زكاة، أي: صدقة تصدق بها على زكريا وزوجته في الوقت الذي لا يرجو فيه مثلهما الولد.
وقال بعضهم: زكاة، أي: صلاحاً وما ينمو به من الخيرات.
وجائز أن يكون الزكاة اسم كل خير وبركة، وهو كالبر من التقوى، كأنه قال: أعطيناه كل بر وخير.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَكَانَ تَقِيّاً ﴾ عن جميع الشرور، كقوله: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى ٱلْبرِّ وَٱلتَّقْوَىٰ ﴾ أي: تعاونوا على البرّ وتعاونوا أيضاً على دفع الشرور.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ ﴾ هو على قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ ﴾ \[أي\]: وآتيناه البرّ بوالديه.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ .
بل كان خاضعاً لله ذليلاً مطيعاً.
وقال الحسن: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾ ، أي: لم يكن فيمن يجبر الناس على معصية الله.
وقال أهل التأويل: ﴿ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً ﴾ أي: قتالاً، أي: لم يكن ممّن يقتل على الغضب ويضرب على الغضب.
وأصله ما ذكرنا: أنه كان - على ضدّ ما ذكر - خاضعاً لله، مطيعاً له، على ما ذكر أنه لم يرتكب ذنباً ولا هم به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ﴾ .
يحتمل: (السلام عليه) الوجوه الثلاثة: أحدها: هو اسم كل برّ وخير، أي: عليه كل برّ وخير في هذه الأحوال التي ذكر.
والثاني: (السلام) هو الثناء، أثنى الله عليه في أوّل أمره إلى آخره، وبعد الموت في الآخرة، أو أن يكون قوله: ﴿ وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ ﴾ أي: السلامة عليه في هذه الأحوال التي يكون للشيطان في تلك الأحوال الاعتراض والنزغ فيها؛ لأنه وقت الولادة يعترض ويفسد الولد إن وجد السبيل إليه، وكذلك عند الموت يعترض ويسعى في إفساد أمره فأخبر أن يحيى كان سليماً سالماً عن نزغات الشيطان، محفوظاً عنه حتى لم يرتكب خطيئة، ولا همّ بها، والله أعلم.
وفي قوله: ﴿ وَيَوْمَ يَمُوتُ ﴾ دلالة أن الموت والقتل سواء، وإن كان في الحقيقة مختلفاً؛ لأنه ذكر في القصة أن يحيى قتل، ثم ذكر الموت، فدل أنهما واحد، فهذا يرد على المعتزلة، حيث قالوا: إن المقتول ميت قبل أجله، وفيه أن قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ إنما نهانا أن نسميهم أمواتاً في جهة ليس في الجهات كلها، حيث سمى يحيى: ميتاً، وهو كان شهيداً على ما ذكر أنه قتل.
وفي قوله: ﴿ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيّاً ﴾ استدلال لأبي حنيفة - رحمه الله - حيث وقف في أولاد المسلمين والمشركين، فقال: لا علم لي بهم، ولم يقطع فيهم القول؛ لما يجوز أن يجعل الله لهم من المنزلة والتمييز والفهم في حال صغرهم حتى يعرفوا خالقهم ومنشئهم، على ما أعطى يحيى وعيسى في حال صباهما وصغرهما الحكم والفهم والمعرفة.
<div class="verse-tafsir"
قال المَلَك: الأمر كما قلت من أن امرأتك لا تلد، وأنك قد بلغت نهاية العمر من الكبر وضعف العظام، لكن ربك قال: خلْق ربك ليحيى من أمّ عاقر ومن أب بلغ نهاية العمر سهْل، وقد خلقتك -يا زكريا- من قبل ذلك ولم تكن شيئًا يذكر؛ لأنك كنت عدمًا.
<div class="verse-tafsir" id="91.blNGb"