الآية ٩٢ من سورة مريم

الإسلام > القرآن > سور > سورة 19 مريم > الآية ٩٢ من سورة مريم

وَمَا يَنۢبَغِى لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا ٩٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 70 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٩٢ من سورة مريم: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٩٢ من سورة مريم عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) أي : لا يصلح له ، ولا يليق به لجلاله وعظمته; لأنه لا كفء له من خلقه ; لأن جميع الخلائق عبيد له;

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وقوله (وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) يقول: وما يصلح لله أن يتخذ ولدا، لأنه ليس، كالخلق الذين تغلبهم الشهوات، وتضطرّهم اللذّات إلى جماع الإناث، ولا ولد يحدث إلا من أنثى، والله يتعالى عن أن يكون كخلقه، وذلك كقول ابن أحمر: فـي رأسِ خَلْقـاءَ مِـنْ هَنْقاءَ مُشْرِفَةٍ مـا ينبغـي دُونَها سَهْلٌ ولا جَبَلُ (10) يعني: لا يصلح ولا يكون.

------------------------ الهوامش : (10) تقدم الاستشهاد بهذا البيت قريبا في هذا الجزء ص 84 وشرحناه ثمة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا نفى عن نفسه سبحانه وتعالى الولد ؛ لأن الولد يقتضي الجنسية والحدوث على ما بيناه في ( البقرة ) أي لا يليق به ذلك ولا يوصف به ، ولا يجوز في حقه ؛ لأنه لا يكون ولد إلا من والد يكون له والد وأصل والله سبحانه يتعالى عن ذلك ويتقدس قال :في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة ما ينبغي دونها سهل ولا جبل

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والحال أنه: { مَا يَنْبَغِي } أي: لا يليق ولا يكون { لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا } وذلك لأن اتخاذه الولد، يدل على نقصه واحتياجه، وهو الغني الحميد.

والولد أيضا، من جنس والده، والله تعالى لا شبيه له ولا مثل ولا سمي.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا ) أي : ما يليق به اتخاذ الولد ولا يوصف به .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا» أي ما يليق به ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وما يصلح للرحمن، ولا يليق بعظمته، أن يتخذ ولدًا؛ لأن اتخاذ الولد يدل على النقص والحاجة، والله هو الغني الحميد المبرأ عن كل النقائص.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقال الإمام القرطبى : " نفى عن نفسه - سبحانه وتعالى - الولد ، لأن الولد يقتضى الجنسية والحدوث .

.

.

ولا يليق به ذلك ، ولا يوصف به ، ولا يجوز فى حقه .

.

.وروى البخارى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : يقول الله - تبارك وتعالى - كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك ، وشتمنى ولم يكن له ذلك ، فأما تكذيبه إياى فقوله : لن يعيدنى كما بدأنى .

وليس أول الخلق بأهون على من إعادته .وأما شتمه إياى قوله : اتخذ الله ولداً وأنا الأحد الصمد ، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما رد على عبده الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً: ﴿ وَقَالَتِ اليهود عَزِيزٌ ابن الله وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله  ﴾ وقالت العرب الملائكة بنات الله والكل داخلون في هذه الآية ومنهم من خصها بالعرب الذي أثبتوا أن الملائكة بنات الله قالوا لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة أما الآن فإنه لما رد على العرب الذين قالوا بعبادة الأوثان تكلم في إفساد قول الذين قالوا بعبادة الملائكة لكونهم بنات الله أما قوله: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ فقرئ إداً بالكسر والفتح.

قال ابن خالويه الإد والأد العجب وقيل المنكر العظيم والأدة الشدة وأدنى الأمر وآدنى أثقلي.

قرئ يتفطرن بالتاء بعد الياء أعني المعجمة من تحتها واختلفوا في يكاد فقرأ بعضهم بالياء المعجمة من تحتها وبعضهم بالتاء من فوق، والانفطار من فطرة إذا شقه والتفطر من فطره إذا شققه وكرر الفعل فيه وقرأ ابن مسعود يتصدعن وقوله: ﴿ وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً ﴾ أي تهد هداً أو مهدودة أو مفعول له أي لأنها تهد والمعنى أنها تتساقط أشد ما يكون تساقط البعض على البعض، فإن قيل من أين يؤثر القول بإثبات الولد لله تعالى في انفطار السموات وانشقاق الأرض وخرور الجبال؟

قلنا فيه وجوه: أحدها: أن الله سبحانه وتعالى يقول أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً مني على من تفوه بها لولا حلمي وأني لا أعجل بالعقوبة كما قال: ﴿ إِنَّ الله يُمْسِكُ السموات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً  ﴾ .

وثانيها: أن يكون استعظاماً للكلمة وتهويلاً من فظاعتها وتصويراً لأثرها في الدين وهدمها لأركانه وقواعده.

وثالثها: أن السموات والأرض والجبال تكاد أن تفعل ذلك لو كانت تعقل من غلظ هذا القول وهذا تأويل أبي مسلم.

ورابعها: أن السموات والأرض والجبال كانت سليمة من كل العيوب فلما تكلم بنو آدم بهذا القول ظهرت العيوب فيها أما قوله: ﴿ أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في إعرابه ثلاثة أوجه: أحدها: أن يكون مجروراً بدلاً من الهاء في منه أو منصوباً بتقدير سقوط اللام وإفضاء الفعل أي هذا لأن دعوا أو مرفوعاً بأنه فاعل ﴿ هَدّاً ﴾ أي هدها دعاء الولد للرحمن، والحاصل أنه تعالى بين أن سبب تلك الأمور العظيمة هذا القول.

المسألة الثانية: إنما كرر لفظ الرحمن مرات تنبيهاً على أنه سبحانه وتعالى هو الرحمن وحده من قبل أن أصول النعم وفروعها ليست إلا منه.

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ دَعَوْا للرحمن ﴾ هو من دعا بمعنى سمى المتعدي إلى مفعولين فاقتصر على أحدهما الذي هو الثاني طلباً للعموم والإحاطة بكل من ادعى له ولداً أو من دعا بمعنى نسب الذي هو مطاوعة ما في قوله صلى الله عليه وسلم: من ادعى إلى غير مواليه قال الشاعر: إنا بني نهشل لا ندعى لأب *** أي لا ننتسب إليه، ثم قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ أي هو محال، أما الولادة المعروفة فلا مقال في امتناعها، وأما التبني فلأن الولد لابد وأن يكون شبيهاً بالوالد ولا مشبه لله تعالى ولأن اتخاذ الولد إنما يكون لأغراض لا تصح في الله من سروره به واستعانته به وذكر جميل، وكل ذلك لا يليق به، ثم قال: ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ اتِى الرحمن عَبْداً ﴾ والمراد أنه ما من معبود لهم في السموات والأرض من الملائكة والناس إلا وهو يأتي الرحمن أي يأوي إليه ويلتجئ إلى ربوبيته عبداً منقاداً مطيعاً خاشعاً راجياً كما يفعل العبيد، ومنهم من حمله على يوم القيامة خاصة والأول أولى لأنه لا تخصيص فيه وقوله: ﴿ لَّقَدْ أحصاهم وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ أي كلهم تحت أمره وتدبيره وقهره وقدرته فهو سبحانه محيط بهم، ويعلم مجمل أمورهم وتفاصيلها لا يفوته شيء من أحوالهم وكل واحد منهم يأتيه يوم القيامة منفرداً ليس معه من هؤلاء المشركين أحد وهم براء منهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

انبغى: مطاوع ﴿ بغي ﴾ إذا طلب، أي: ما يتأتى له اتخاذ الولد وما يتطلب لو طلب مثلاً، لأنه محال غير داخل تحت الصحة.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها.

وأما التبني فلا يكون إلا فيما هو من جنس المتبنى، وليس للقديم سبحانه جنس، تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ﴾ يَحْتَمِلُ النَّصْبَ عَلى العِلَّةِ لِـ ﴿ تَكادُ ﴾ أوْ لِـ ﴿ هَدًّا ﴾ عَلى حَذْفِ اللّامِ وإفْضاءِ الفِعْلِ إلَيْهِ، والجَرَّ بِإضْمارِ اللّامِ أوْ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في مِنهُ والرَّفْعَ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ المُوجِبُ لِذَلِكَ أنْ دَعَوْا، أوْ فاعِلَ ﴿ هَدًّا ﴾ أيْ هَدَّها دُعاءُ الوَلَدِ لِلرَّحْمَنِ وهو مِن دَعا بِمَعْنى سُمِّيَ المُتَعَدِّيَ إلى مَفْعُولَيْنِ، وإنَّما اقْتَصَرَ عَلى المَفْعُولِ الثّانِي لِيُحِيطَ بِكُلِّ ما دُعِيَ لَهُ ولَدًا، أوْ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي مُطاوِعُهُ ادَّعى إلى فُلانٍ إذا انْتَسَبَ إلَيْهِ.

﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ ولا يَنْطَلِبُ لَهُ لَوْ طَلَبَ مَثَلًا لَهُ لِأنَّهُ مُسْتَحِيلٌ، ولَعَلَّ تَرْتِيبَ الحُكْمِ بِصِفَةِ الرَّحْمانِيَّةِ لِلْإشْعارِ بِأنَّ كُلَّ ما عَداهُ نِعْمَةٌ ومُنْعَمٌ عَلَيْهِ فَلا يُجانِسُ مَن هو مَبْدَأُ النِّعَمِ كُلِّها ومُولِي أُصُولِها وفُرُوعِها، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يَتَّخِذَهُ ولَدًا ثُمَّ صَرَّحَ بِهِ في قَوْلِهِ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَمَا يَنبَغِى للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً} انبغى مطاوع بغى إذا طلب أي ما يتأتي له اتخاذ الولد وما يتطلب لو طلب مثلاً لأنه محال غير داخل تحت الصحة وهذا لأن اتخاذ الولد لحاجة ومجانسة وهو منزه عنهما وفي اختصاص الرحمن وتكريره مرات بيان أنه الرحمن وحده لا يستحق هذا الاسم غيره لأن أصول النعم وفروعها منه فلينكشف عن بصرك غطاؤه فانت وجميع ما عندك عطاؤه فمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه واخرجه بذلك عن

مريم (٩٨ - ٩٣)

استحقاق اسم الرحمن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ﴾ بِتَقْدِيرِ اللّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ.

ومَحَلُّهُ بَعْدَ الحَذْفِ نَصْبٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وجَرٌّ عِنْدَ الخَلِيلِ والكِسائِيِّ، وهو عِلَّةٌ لِلْعِلِّيَّةِ الَّتِي تَضَمَّنَها (مِنهُ) لَكِنْ بِاعْتِبارِ ما تَدُلُّ عَلَيْهِ الحالُ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ وقِيلَ: عِلَّةٌ لِتَكادَ إلَخْ، واعْتُرِضَ بِأنَّ كَوْنَ (تَكادُ) إلَخْ مُعَلَّلًا بِذَلِكَ قَدْ عُلِمَ مِن (إدًّا) فَيَلْزَمُ التَّكْرارُ.

وأُجِيبُ بِما لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ.

وقِيلَ: عِلَّةٌ لِهَذا وهو عِلَّةٌ لِلْخُرُورِ، وقِيلَ: لَيْسَ هُناكَ لامٌ مُقَدَّرَةٌ بَلْ إنَّ وما بَعْدَها في تَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في مِنهُ كَما في قَوْلِهِ: عَلى حالَةٍ لَوْ أنَّ في القَوْمِ حاتِمًا عَلى جُودِهِ لَضَنَّ بِالماءِ حاتِمِ يُجَرُّ حاتِمٌ بِالإبْدالِ مِنَ الهاءِ في جُودِهِ، واسْتَبْعَدَهُ أبُو حَيّانَ لِلْفَصْلِ بِجُمْلَتَيْنِ بَيْنَ البَدَلِ والمُبْدَلِ مِنهُ، وقِيلَ: المَصْدَرُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ مَحْذُوفٌ أيْ المُوجِبُ لِذَلِكَ دُعاؤُهم لِلرَّحْمَنِ ولَدًا وفِيهِ بَحْثٌ.

وقِيلَ: هو مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ فاعِلُ هَذا ويُعْتَبَرُ مَصْدَرًا مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ أيْ هَدَّها دُعاؤُهم لِلرَّحْمَنِ ولَدًا.

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّ فِيهِ بُعْدًا لِأنَّ الظّاهِرَ كَوْنُ هَذا المَصْدَرِ تَأْكِيدِيًّا والمَصْدَرُ التَّأْكِيدِيُّ لا يَعْمَلُ ولَوْ فُرِضَ غَيْرُ تَأْكِيدِيٍّ لَمْ يَعْمَلْ بِقِياسٍ إلّا إذا كانَ أمْرًا كَضَرْبًا زَيْدًا أوْ بَعْدَ اسْتِفْهامٍ كاضْرِبا زَيْدًا وما هُنا لَيْسَ أحَدُ الأمْرَيْنِ وما جاءَ عامِلًا ولَيْسَ أحَدُهُما كَقَوْلِهِ: وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلى مَطِيِّهِمْ نادِرٌ.

والتِزامُ كَوْنِ ما هُنا مِنَ النّادِرِ لا يَدْفَعُ البُعْدَ.

ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أدَقُّ الأوْجَهِ وأوْلاها فَتَدَبَّرْ واللَّهُ تَعالى الهادِي إلى سَواءِ السَّبِيلِ.

و(ولَدًا) عِنْدَ الأكْثَرِينَ بِمَعْنى سُمُوًّا.

والدُّعاءُ بِمَعْنى التَّسْمِيَةِ يَتَعَدّى لِمَفْعُولَيْنِ بِنَفْسِهِ كَما في قَوْلِهِ: دَعَتْنِي أخاها أُمُّ عَمْرٍو ولَمْ أكُنْ ∗∗∗ أخاها ولَمْ أرْضَعْ لَها بِلَبانِ وقَدْ يَتَعَدّى لِلثّانِي بِالباءِ فَيُقالُ دَعَوْتُ ولَدِي بِزَيْدٍ واقْتَصَرَ هُنا عَلى الثّانِي وحُذِفَ الأوَّلُ دَلالَةً عَلى العُمُومِ والإحاطَةِ لِكُلِّ ما دَعا لَهُ عَزَّ وجَلَّ ولَدًا مِن عِيسى وعُزَيْرٌ عَلَيْهِما السَّلامُ وغَيْرُهُما.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مِن دَعا بِمَعْنى نَسَبَ الَّذِي مُطاوِعُهُ ما في قَوْلِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ( «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ» ) وقَوْلِ الشّاعِرِ: إنّا بَنِي نَهْشَلٍ لا نُدْعى لِأبٍ ∗∗∗ عَنْهُ ولا هو بِالأبْناءِ يَشْرِينا فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، والجارُّ والمَجْرُورُ جُوِّزَ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن (ولَدًا) وأنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِما عِنْدَهُ، وجُمْلَةُ (ما يَنْبَغِي) حالٌ مِن فاعِلِ (دَعَوْا)، وقِيلَ: مِن فاعِلِ (قالُوا)، (ويَنْبَغِي) مُضارِعُ انْبَغى مُطاوِعُ بَغى بِمَعْنى طَلَبَ وقَدْ سُمِعَ ماضِيهِ فَهو فِعْلٌ مُتَصَرِّفٌ في الجُمْلَةِ، وعَدَّهُ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي لا تَتَصَرَّفُ وغَلَّطَهُ في ذَلِكَ أبُو حَيّانَ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مُرادُهُ أنَّهُ لا يَتَصَرَّفُ تامًّا، و(أنْ يَتَّخِذَ) في تَأْوِيلِ مَصْدَرِ فاعِلِهِ، والمُرادُ لا يَلِيقُ بِهِ سُبْحانَهُ اتِّخاذُ الوَلَدِ ولا يَتَطَلَّبُ لَهُ عَزَّ وجَلَّ لِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ في نَفْسِهِ لِاقْتِضائِهِ الجُزْئِيَّةِ أوِ المُجانَسَةِ واسْتِحالَةِ كُلِّ ظاهِرَةٍ، ووَضْعُ الرَّحْمَنِ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ الحُكْمِ بِالتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ كُلَّ ما سِواهُ تَعالى إمّا نِعْمَةٌ أوْ مُنْعِمٌ عَلَيْهِ وأيْنَ ذَلِكَ مِمَّنْ هو مَبْدَأُ النِّعَمِ ومَوالِي أُصُولِها وفُرُوعِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: لاَّ يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً يعني: من جاء بلا إله إلا الله، وقال سفيان الثوري: «إلا من قدم عملاً صالحاً» .

قوله عز وجل: وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً يعني: اليهود والنصارى لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا يعني: قلتم قولاً عظيماً منكراً، ويقال: كذباً وزوراً.

قال عز وجل: تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ يعني: يتشققن من قولهم وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ يعني: تتصدع الأرض وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا يعني: تصير الجبال كسراً أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمنِ وَلَداً يعني: بأن قالوا لله ولد.

روي عن بعض الصحابة أنه قال: «كان بنو آدم لا يأتون شجرة إلا أصابوا منها منفعة، حتى قالت فجرة بني آدم: اتَّخذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً، فاقشعرّت الأرض وهلك الشجر» .

وقرأ نافع والكسائي يَكَادُ بالياء على لفظ التذكير، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ التأنيث لأن الفعل مقدم، فيجوز كلاهما.

وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وعاصم في رواية حفص تتفطّرن بالتاءين والباقون بالنون، ومعناهما واحد مثل: ينشق وتنشق.

قال الله عزّ وجلّ: وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً يعني: ما اتخذ الله عز وجل ولداً إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً يعني: أقر بالعبودية له يعني: الملائكة وعيسى وعزيرا عليهم السلام وغيرهم لَقَدْ أَحْصاهُمْ يعني: حفظ عليهم أعمالهم ليجازيهم بها وَعَدَّهُمْ عَدًّا يعني: علم عددهم، ويقال: أَحْصاهُمْ أي: حفظ أعمالهم فيجازيهم وَعَدَّهُمْ عَدًّا أي: علم عدد أنفاسهم وحركاتهم وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً يعني: وحيداً بغير مال ولا ولد.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

يُحِبُّ» قال: فقيل «١» : يا رسول اللهِ، مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟

قَالَ: «مَنْ لاَ يَمُوتُ حَتَّى يَمْلأَ اللهُ سَمْعَهُ مِمَّا يَكْرَهُ» .

انتهى.

قال ع «٢» : وفي حَدِيثِ أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ عَبْدٍ إلاَّ وَلَهُ في السَّمَاء صِيتٌ، فَإنْ كَانَ حَسَناً، وُضِعَ فِي الأَرْضِ حَسَناً، وإنْ كَانَ سَيِّئاً وُضِعَ في الأَرْضِ سَيِّئاً» «٣» .

ت: وهذا الحديثُ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ في كتاب «الزهد» .

وقوله تعالى: فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ أَيْ: القرآن لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ أيْ: بالجنة، والنَّعِيم الدائم، والعزّ في الدنيا.

وقَوْماً لُدًّا هم: قريشٌ، ومعناه: مُجَادِلِينَ مُخَاصِمِينَ، والأَلَدُّ: المُخَاصِمُ المبالِغُ في ذلك، ثم مثَّل لهم بإهلاَكِ مَنْ قبلهم إذْ كانوا أَشَدَّ مِنْهُم، وأَلَدَّ وأَعْظَم قدْراً، و «الركز» :

الصَّوْتُ الخَفِيّ.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا ﴾ يَعْنِي: اليَهُودُ والنَّصارى، ومَن زَعَمَ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا ﴾ ؛ أيْ: شَيْئًا عَظِيمًا مِنَ الكُفْرِ.

قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإدُّ والنُّكْرُ: الأمْرُ المُتَناهِي العِظَمِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( تَكادُ ) بِالتّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ والكِسائِيُّ: ( يَكادُ ) بِالياءِ.

وقَرَآ جَمِيعًا: ( يَتَفَطَّرْنَ ) بِالياءِ والتّاءِ مُشَدَّدَةَ الطّاءِ، وافَقَهُما ابْنُ كَثِيرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ في ( يَتَفَطَّرْنَ ) .

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( يَنْفَطِرْنَ ) بِالنُّونِ.

وقَرَأ حَمْزَةُ وابْنُ عامِرٍ في ( مَرْيَمَ ) مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي ( عسق: ٥ ) مِثْلَ ابْنِ كَثِيرٍ.

ومَعْنى ( يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ ): يُقارِبْنَ الِانْشِقاقَ مِن قَوْلِكم.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَدًّا ﴾ ؛ أيْ: سُقُوطًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ دَعَوْا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: مِن أنْ دَعَوْا، ولِأنْ دَعَوْا.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: أنْ جَعَلُوا، ولَيْسَ هو مِن دُعاءِ الصَّوْتِ، وأنْشَدَ: ألا رُبَّ مَن تَدْعُو نَصِيحًا وإنْ تَغِبْ تَجِدْهُ بِغَيْبٍ غَيْرَ مُنْتَصِحِ الصَّدْرِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ ؛ أيْ: ما يَصْلُحُ لَهُ ولا يَلِيقُ بِهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ؛ لِأنَّ الوَلَدَ يَقْتَضِي مُجانَسَةً، وكُلُّ مُتَّخِذٍ ولَدًا يَتَّخِذُهُ مِن جِنْسِهِ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يُجانِسَ شَيْئًا أوْ يُجانِسَهُ، فَمُحالٌ في حَقِّهِ اتِّخاذُ الوَلَدِ.

﴿ إنْ كُلُّ ﴾ ؛ أيْ: ما كُلُّ، ﴿ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَّحْمَنِ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ، ﴿ عَبْدًا ﴾ ذَلِيلًا خاضِعًا.

والمَعْنى: أنَّ عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ عَبِيدٌ لَهُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّ الوالِدَ إذا اشْتَرى ولَدَهُ، لَمْ يَبْقَ مُلْكُهُ عَلَيْهِ، وإنَّما يُعْتَقُ بِنَفْسِ الشِّراءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى نَفى البُنُوَّةَ لِأجْلِ العُبُودِيَّةِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَجْتَمِعُ بُنُوَّةٌ ورِقٌّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أحْصاهُمْ ﴾ ؛ أيْ: عَلِمَ عَدَدَهم، ﴿ وَعَدَّهم عَدًّا ﴾ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ مَبْلَغُ جَمِيعِهِمْ مِن كَثْرَتِهِمْ، ﴿ وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا ﴾ بِلا مال ولا نَصِيرٍ يَمْنَعُهُ.

فَإنْ قِيلَ: لِأيَّةِ عِلَّةٍ وحَّدَ في " الرَّحْمَنِ " و" آتِيهِ "، وجَمَعَ في العائِدِ في " أحْصاهم، وعَدَّهم " .

فالجَوابُ: أنَّ لِكُلِّ لَفْظٍ تَوْحِيدًا وتَأْوِيلَ جَمْعٍ، فالتَّوْحِيدُ مَحْمُولٌ عَلى اللَّفْظِ، والجَمْعُ مَصْرُوفٌ إلى التَّأْوِيلِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَقالُوا اتَّخَذَ الرَحْمَنُ ولَدًا ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا ﴾ ﴿ تَكادُ السَماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ وتَنْشَقُّ الأرْضُ وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا ﴾ ﴿ أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا ﴾ ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ إلا آتِي الرَحْمَنِ عَبْدًا ﴾ ﴿ لَقَدْ أحْصاهم وعَدَّهم عَدًّا ﴾ ﴿ وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا ﴾ الضَمِيرُ في "قالُوا" لِلْكُفّارِ مِنَ العَرَبِ في قَوْلِهِمْ: لِلْمَلائِكَةِ بَناتُ اللهِ، ولِلنَّصارى، ولِكُلِّ مَن كَفَرَ بِهَذا النَوْعِ مِنَ الكُفْرِ، وقَوْلُهُ: ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ ﴾ - بَعْدَ الكِنايَةِ عنهم - بِمَعْنى: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ، و"الإدُّ": الأمْرُ الشَنِيعُ الصَعْبُ، وهي الدَواهِي والشُنَعُ العَظِيمَةُ، «وَيُرْوى عَنِ النَبِيِّ  أنَّ هَذِهِ المَقالَةَ أوَّلُ ما قِيلَتْ في العالَمِ شاكَ الشَجَرُ واسْتَعَرَتْ جَهَنَّمُ وغَضِبَتِ المَلائِكَةُ».

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "إدًّا" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ: "أدًّا" بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، ويُقالُ: إدٌّ، وأدٌّ، وآدٍّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ هُنا، وفي "عسق": "تَكادُ" بِالتاءِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِياءٍ وتاءٍ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّها، ورَواها حَفْصٌ عن عاصِمْ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمْ - في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ: "تَكادُ" بِالتاءِ "يَنْفَطِرْنَ" بِياءٍ ونُونٍ وكَسْرِ الطاءِ، وقَرَأ نافِعٌ، والكِسائِيُّ: "يَكادُ" بِالياءِ وإزالَةِ عَلامَةِ التَأْنِيثِ "يَتَفَطَّرْنَ" بِالياءِ والتاءِ وشَدِّ الطاءِ وفَتْحِها في المَوْضِعَيْنِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وابْنُ عامِرٍ في مَرْيَمَ مِثْلَ أبِي عَمْرٍو، وفي "عسق" مِثْلِ ابْنِ كَثِيرٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ، والأخْفَشِ: "يَكادُ" بِمَعْنى: يُرِيدُ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أكادُ أُخْفِيها  ﴾ وأنْشَدَ عَلى أنَّ "كادَ" بِمَعْنى "أرادَ" قَوْلَ الشاعِرِ: كادَتْ وكِدْتُ وتِلْكَ خَيْرُ إرادَةٍ لَوْ عادَ مِن زَمَنِ الصَبابَةِ ما مَضى قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا حَجَّةَ في هَذا البَيْتِ، وهَذا قَوْلُ قَلِقٍ.

وقالَ الجُمْهُورُ: إنَّما هي اسْتِعارَةٌ لِشُنْعَةِ الأمْرِ، أيْ: هَذا حَقُّهُ لَوْ فَهِمَتِ الجَماداتُ قَدْرَهُ، وهَذا المَعْنى مَهِيعٌ لِلْعَرَبِ، فَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: لِما أتى خَبَرُ الزُبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالِ الخُشَّعِ ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: ألَمْ تَرَ صَدْعًا في السَماءِ مُبَيِّنًا ∗∗∗ عَلى ابْنٍ لِبَنِي الحارِثِ بْنِ هِشامٍ؟

وقالَ الآخَرُ: وأصْبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ∗∗∗ كَأنَّ الأرْضَ لَيْسَ بِها هُشامُ و"الِانْفِطارُ": الِانْشِقاقُ عَلى رُتْبَةٍ غَيْرِ مَقْصُودَةٍ، و"الهَدُّ": الِانْهِدامُ والتَفَرُّقُ في سُرْعَةٍ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: كادَ أعْداءُ اللهِ أنْ يُقِيمُوا عَلَيْنا الساعَةَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أنْ يَتَّخِذَ ولَدًا ﴾ نَفْيٌ عَلى جِهَةِ التَنْزِيهِ لَهُ عن ذَلِكَ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذا المَعْنى وأقْسامُ هَذا اللَفْظِ في هَذِهِ السُورَةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنْ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ.

"إنْ" نافِيَةٌ بِمَعْنى "ما"، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "آتِي الرَحْمَنِ" بِالإضافَةِ، وقَرَأ طَلْحَةُ: "آتٍ الرَحْمَنَ" بِتَنْوِينٍ "آتٍ" والنَصْبِ فِي النُونِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَما آتِي الرَحْمَنِ"، واسْتَدَلَّ بَعْضُ الناسِ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الوَلَدَ لا يَكُونُ عَبْدًا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا انْتِزاعٌ بَعِيدٌ، و"عَبْدًا" حالٌ.

ثُمْ أخْبَرَ تَعالى عن إحاطَتِهِ ومَعْرِفَتِهِ بِعَبِيدِهِ، فَذَكَرَ "الإحْصاءَ"، ثُمْ كَرَّرَ المَعْنى بِغَيْرِ اللَفْظِ، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ كَتَبَهم وعْدَّهُمْ"، وفي مُصْحَفِ أبِيٍّ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَقَدْ أحْصاهم فَأجْمَلَهم عَدَدًا".

وقَوْلُهُ: "عَدًّا" تَأْكِيدٌ لِلْفِعْلِ وتَحْقِيقٌ لَهُ.

وقَوْلُهُ: "فَرْدًا" يَتَضَمَّنُ مَعْنى قِلَّةِ النَصْرِ والحَوَلِ والقُوَّةِ، لا مُجِيرَ لَهُ مِمّا يُرِيدُ اللهُ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَحْمَنُ وُدًّا ﴾ .

ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إلى أنَّ هَذا هو القَبُولُ الَّذِي يَضَعُهُ اللهُ لِمَن يُحِبُّهُ مِن عِبادِهِ حَسْبَ ما في الحَدِيثِ المَأْثُورِ، وقالَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّها بِمَنزِلَةِ قَوْلِ النَبِيِّ  : «مِن أسَرَّ سَرِيرَةً ألْبَسُهُ اللهُ رِداءَها»، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ رَسُولَ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ وسَلَّمَ: «ما مِن عَبْدٍ إلّا ولَهُ في السَماءِ صَيْتٌ، فَإنْ كانَ حَسَنًا وُضِعَ في الأرْضِ حَسَنًا، وإنْ سَيِّئًا وُضِعَ كَذَلِكَ».

«وَقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا هاجَرَ مِن مَكَّةَ اسْتَوْحَشَ بِالمَدِينَةِ، فَشَكا ذَلِكَ إلى النَبِيِّ  ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في ذَلِكَ»، أيْ: سَتَسْتَقِرُّ نُفُوسُ المُؤْمِنِينَ ويَوَدُّونَ حالَهم ومَنزِلَتَهُمْ، وذَكَرَ النِقاشُ أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، قالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: لا يُوجَدُ مُؤْمِنٌ إلّا وهو يُحِبُّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ وأهْلَ بَيْتِهِ رَضِيَ اللهُ عنهم.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وُدًّا" بِضَمِّ الواوِ، وقَرَأ أبُو الحارِثِ الحَنَفِيُّ بِفَتْحِ الواوِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتَحْتَمِلُ الآيَةُ أنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِما قَبْلَها في المَعْنى، أيْ إنَّ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى لَمّا أخْبَرَ عن إتْيانِ كُلُّ مَن في السَماواتِ والأرْضِ في حالَةِ العُبُودِيَّةِ والِانْفِرادِ، آنَسَ المُؤْمِنِينَ بِأنَّهُ سَيَجْعَلُ لَهم في ذَلِكَ اليَوْمِ وُدًّا وهو ما يُظْهِرُ عَلَيْهِمْ مِن كَرامَتِهِ؛ لَأنَّ مَحَبَّةَ اللهِ لِلْعَبْدِ هي ما يُظْهِرُ عَلَيْهِ مِن نِعَمِهِ وأماراتِ غُفْرانُهُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على جملة ﴿ ويقول الإنسان أإذا ما مت ﴾ [مريم: 66] أو على جملة ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ [مريم: 81] إتماماً لحكاية أقوالهم، وهو القول بأن لله ولداً، وهو قول المشركين: الملائكة بنات الله.

وقد تقدم في سورة النحل وغيرها؛ فصريح الكلام رد على المشركين، وكنايته تعريض بالنّصارى الذين شابهوا المشركين في نسبة الولد إلى الله، فهو تكملة للإبطال الذي في قوله تعالى آنفاً: ﴿ ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه ﴾ [مريم: 35] الخ.

والضمير عائد إلى المشركين، فيفهم منه أنّ المقصود من حكاية قولهم ليس مجرد الإخبار عنهم، أو تعليم دينهم ولكن تفظيع قولهم وتشنيعه، وإنما قالوا ذلك تأييداً لعبادتهم الملائكة والجن واعتقادهم شفعاء لهم.

وذكر ﴿ الرّحمان ﴾ هنا حكاية لقولهم بالمعنى، وهم لا يذكرون اسم الرحمان ولا يُقرون به، وقد أنكروه كما حكى الله عنهم: ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان ﴾ [الفرقان: 60]، فهم إنما يقولون: ﴿ اتخذ الله ولداً ﴾ كما حكي عنهم في آيات كثيرة منها آية سورة الكهف (4).

فذكر الرحمن } هنا وضع للمرادف في موضع مرادفه، فذكر اسم ﴿ الرحمان ﴾ لقصد إغاظتهم بذكر اسم أنكروه.

وفيه أيضاً إيماء إلى اختلال قولهم لمنافاة وصف الرحمان اتخاذ الولد كما سيأتي في قوله: ﴿ وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولداً ﴾ .

والخطاب في ﴿ لقد جئتم ﴾ للذين قالوا اتخذ الرحمان ولداً، فهو التفات لقصد إبلاغهم التوبيخ على وجه شديد الصراحة لا يلتبس فيه المراد، كما تقدم في قوله آنفاً: ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ [مريم: 71] فلا يحسن تقدير: قل لقد جئتم.

وجملة ﴿ لقد جئتم شيئاً إدّاً ﴾ مستأنفة لبيان ما اقتضته جملة ﴿ وقالوا اتّخذ الرحمان ولداً ﴾ من التشنيع والتفظيع.

وقرأ نافع والكسائي بياء تحتية على عدم الاعتداد بالتأنيث، وذلك جائز في الاستعمال إذا لم يكن الفعل رافعاً لضمير مؤنث متصل، وقرأ البقية: ﴿ تكاد ﴾ بالتاء المثناة الفوقية، وهو الوجه الآخر.

والتفطر: الانشقاق، والجمع بينه وبين ﴿ وتنشق الأرض ﴾ تفنّن في استعمال المترادف لدفع ثقل تكرير اللفظ.

والخرور: السقوط.

ومن في قوله: ﴿ منه ﴾ للتعليل، والضمير المجرور بمن عائد إلى ﴿ شيئاً إداً ﴾ ، أو إلى القول المستفاد من والكلام جار على المبالغة في التهويل من فظاعة هذا القول بحيث إنه يبلغ إلى الجمادات العظيمة فيُغيّر كيانها.

وقرأ نافع، وابن كثير، وحفص عن عاصم، والكسائي: يتفطرن بمثناة تحتية بعدها تاء فوقية.

وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وأبو جعفر، ويعقوب، وخلف، وأبو بكر عن عاصم، بتحتية بعدها نون، من الانفطار.

والوجهان مطاوع فطَر المضاعف أو فطر المجرد، ولا يكاد ينضبط الفرق بين البنيتين في الاستعمال.

ولعلّ محاولة التّفرقة بينهما كما في الكشاف } و«الشافية» لا يطرد، قال تعالى: ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ﴾ [الفرقان: 25]، وقال: ﴿ إذا السماء انشقت ﴾ [الانشقاق: 1]، وقرئ في هذه الآية: والهدّ: هدم البناء.

وانتصب هَدّاً} على المفعولية المطلقة لبيان نوع الخرور، أي سقوط الهَدم، وهو أن يتساقط شظايا وقطعاً.

و ﴿ أن دَعوا للرحمان ولداً ﴾ متعلّق بكل مِن والمقصود منه تأكيد ما أفيد من قوله: منه } ، وزيادةُ بياننٍ لمعادِ الضمير المجرور في قوله ﴿ منه ﴾ اعتناء ببيانه.

ومعنى ﴿ دَعَوا ﴾ : نسبوا، كقوله تعالى: ﴿ ادعوهم لآبائهم ﴾ [الأحزاب: 5]، ومنه يقال: ادّعى إلى بني فلان، أي انتسب.

قال بَشامة بن حَزْن النهشلي: إنّا بني نَهشل لا نَدّعي لأب *** عنه ولا هو بالأبناء يشرينا وجملة ﴿ وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً ﴾ عطف على جملة: ومعنى ما ينبغي} ما يتأتّى، أو ما يجوز.

وأصل الانبغاء: أنّه مطاوع فعل بغى الذي بمعنى طلَب.

ومعنى، مطاوعِته: التأثّر بما طُلب منه، أي استجابةُ الطلب.

نقل الطيبي عن الزمخشري أنه قال في «كتاب سيبويه»: كل فعل فيه علاج يأتي مطاوعُه على الانفعال كصَرف وطلب وعلم، وما ليس فيه علاج كعَدم وفقد لا يتأتى في مطاوعه الانفعال البتة» اه.

فبان أن أصل معنى ﴿ ينبغي ﴾ يستجيب الطلب.

ولما كان الطلب مختلف المعاني باختلاف المطلوب لزم أن يكون معنى ﴿ ينبغي ﴾ مختلفاً بحسب المقام فيستعمل بمعنى: يتأتى، ويمكن، ويستقيم، ويليق، وأكثر تلك الإطلاقات أصله من قبيل الكناية واشتهرت فقامت مقام التصريح.

والمعنى في هذه الآية: وما يجوز أن يتّخذ الرحمان ولداً، بناء على أن المستحيل لو طلب حصوله لما تأتّى لأنه مستحيل لا تتعلّق به القدرة، لا لأنّ الله عاجز عنه، ونحوُ قوله: ﴿ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ [الفرقان: 18] يفيد معنى: لا يستقيم لنا، أو لا يُخوّل لنا أن نتخذ أولياء غيرك، ونحو قوله: ﴿ لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ﴾ [يس: 40] يفيد معنى لا تسْتطيع.

ونحو ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ [يس: 69] يفيد معنى: أنه لا يليق به، ونحو: ﴿ وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي ﴾ [ص: 35] يفيد معنى: لا يستجاب طلبه لطالبه إن طلبه، وفرقٌ بين قولك: ينبغي لك أن لا تفعل هذا، وبين لا ينبغي لك أن تفعل كذا، أي ما يجوز لِجلال الله أن يتخذ ولداً لأنّ جميع الموجودات غيرَ ذاته تعالى يجب أن تكون مستوية في المخلوقية له والعبودية له.

وذلك ينافي البُنوة لأن بُنوة الإله جزء من الإلهية، وهو أحد الوجهين في تفسير قوله تعالى: ﴿ قل إن كان للرّحمان ولد فأنا أول العابدين ﴾ [الزخرف: 81]، أي لو كان له ولد لعبدتُه قبلكم.

ومعنى ﴿ آتي الرحمان عبداً ﴾ : الإتيان المجازي، وهو الإقرار والاعتراف، مثل: باء بكذا، أصله رجع، واستعمل بمعنى اعترَف.

و ﴿ عبداً ﴾ حال، أي معترف لله بالإلهية غير مستقل عنه في شيء في حال كونه عبداً.

ويجوز جعل ﴿ آتي الرحمان ﴾ بمعنى صائر إليه بعد الموت، ويكون المعنى أنّه يحيا عبداً ويحشر عبداً بحيث لا تشوبه نسبة البنوة في الدنيا ولا في الآخرة.

وتكرير اسم ﴿ الرّحمان ﴾ في هذه الآية أربع مرات إيماء إلى أن وصف الرحمان الثابت لله، والذي لا ينكر المشركون ثبوت حقيقته لله وإن أنكروا لفظه، ينافي ادعاء الولد له لأنّ الرحمان وصف يدلّ على عموم الرّحمة وتكثرها.

ومعنى ذلك: أنّها شاملة لكل موجود، فذلك يقتضي أن كل موجود مفتقر إلى رحمة الله تعالى، ولا يتقوم ذلك إلا بتحقق العبودية فيه.

لأنه لو كان بعض الموجودات ابناً لله تعالى لاستغنى عن رحمته لأنه يكون بالبنوة مساوياً له في الإلهية المقتضية الغنى المطلقَ، ولأن اتخاذ الابن يتطلّبُ به متخذُه برّ الابن به ورحمته له، وذلك ينافي كون الله مفيض كلّ رحمة.

فذكر هذا الوصف عند قوله: ﴿ وقالوا اتخذ الرحمان ولداً ﴾ وقوله ﴿ أن دعوا للرحمان ولداً ﴾ تسجيل لغباوتهم.

وذكره عند قوله: ﴿ وما ينبغي للرحمان أن يتّخذ ولداً ﴾ إيماء إلى دليل عدم لياقة اتخاذ الابن بالله.

وذكرُه عند قوله: ﴿ إلا آتي الرحمان عبداً ﴾ استدلال على احتياج جميع الموجودات إليه وإقرارها له بملكه إياها.

وجملة ﴿ لقد أحصاهم ﴾ عطف على جملة ﴿ لقد جئتم شيئاً إدّاً ﴾ ، مستأنفة ابتدائية لتهديد القائلين هذه المقالة.

فضمائر الجمع عائدة إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ وقالوا اتخذ الرحمان ولداً ﴾ وما بعده.

وليس عائداً على ﴿ من في السماوات والأرض ﴾ ، أي لقد علم الله كل من قال ذلك وعدّهم فلا ينفلت أحد منهم من عقابه.

ومعنى ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ إبطال ما لأجله قالوا اتخذ الله ولداً، لأنهم زعموا ذلك موجب عبادتهم للملائكة والجنّ ليكونوا شفعاءهم عند الله، فأيْأسهم الله من ذلك بأن كل واحد يأتي يوم القيامة مفرداً لا نصير له كما في قوله في الآية السالفة: <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

﴿ شَيْئًا إدًّا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مُنْكَرًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: عَظِيمًا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قالَ الرّاجِزُ: ؎ في لَهَثٍ مِنهُ وحَبْكٍ إدٍّ <div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد جئتم شيئاً إدّاً ﴾ قال: قولاً عظيماً.

وفي قوله: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه ﴾ الآية.

قال: إن الشرك فزعت منه السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق، إلا الثقلين، وكادت تزول منه لعظمة الله: وكما لا ينفع مع الشرك إحسان المشرك، كذلك نرجو أن يغفر الله ذنوب الموحدين.

وفي قوله: ﴿ وتخر الجبال هدّاً ﴾ قال: هدماً.

وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من طريق عون، عن ابن مسعود قال: إن الجبل لينادي الجبل باسمه يا فلان، هل مر بك اليوم أحد ذكر الله؟

فإذا قال نعم، استبشر.

قال عون: أفيسمعن الزور إذا قيل، ولا يسمعن الخير؟!

هي للخير اسمع.

وقرأ ﴿ وقالوا اتخذ الرحمن ولداً ﴾ الآيات.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة، عن محمد بن المنكدر قال: بلغني أن الجبلين إذا أصبحا، نادى أحدهما صاحبه يناديه باسمه فيقول: أي فلان، هل مر بك ذاكر لله؟

فيقول: نعم.

فيقول: لقد أقر الله عينك، ولكن ما مر بي ذاكر لله عز وجل اليوم.

وأخرج الحاكم وصححه، عن أبي أمامة: أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قرأ ﴿ تكاد السموات ينفطرن ﴾ بالياء والنون ﴿ وتخر الجبال ﴾ بالتاء.

وأخرج ابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿ يتفطرن منه ﴾ قال: الانفطار الانشقاق.

وأخرج أبو الشيخ، عن الضحاك في قوله: ﴿ تكاد السماوات يتفطرن منه ﴾ قال: يتشققن من عظمة الله.

وأخرج ابن المنذر، عن هرون قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ تكاد السماوات يتفطرن ﴾ بالياء.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن مردويه، عن عبدالله بن عوف: إنه لما هاجر إلى المدينة؛ وجد في نفسه على فراق أصحابه بمكة منهم: شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ .

وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن البراء قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعليّ: قل: اللهم اجعل لي عندك عهداً، واجعل لي عندك ودّاً، واجعل لي في صدور المؤمنين مودة» فأنزل الله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ قال: فنزلت في علي.

وأخرج الطبراني وابن مردويه، عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ قال: محبة في قلوب المؤمنين.

وأخرج الحكيم الترمذي وابن مردويه، «عن علي قال: سألت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عن قوله: ﴿ سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ ما هو؟

قال: المحبة، في قلوب المؤمنين، والملائكة المقربين.

يا علي، إن الله أعطى المؤمن ثلاثاً.

المنة والمحبة والحلاوة والمهابة في صدور الصالحين» .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ قال: محبة في الناس في الدنيا.

وأخرج هناد، عن الضحاك ﴿ سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ قال: محبة في صدور المؤمنين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﴿ سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ قال: يحبهم ويحبونه.

وأخرج عبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أحب الله عبداً، نادى جبريل: إني قد أحببت فلاناً، فأحبه.

فينادي في السماء، ثم تنزل له المحبة في أهل الأرض، فذلك قول الله: ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ وإذا أبغض الله عبداً، نادى جبريل: إني قد أبغضت فلاناً، فينادي في أهل السماء، ثم تنزل له البغضاء في أهل الأرض» .

وأخرج ابن مردويه، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «إن العبد ليلتمس مرضاة الله، فلا يزال كذلك، فيقول الله لجبريل: إن عبدي فلاناً يلتمس أن يرضيني، فرضائي عليه، فيقول جبريل: رحمة الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله الذين يلونهم، حتى يقوله: أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض , قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي الآية التي أنزل الله في كتابه ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ وإن العبد ليلتمس سخط الله، فيقول الله: يا جبريل، إن فلاناً يسخطني، ألا وإن غضبي عليه؛ فيقول جبريل: غضب الله على فلان، ويقوله حملة العرش، ويقوله من دونهم، حتى يقوله أهل السموات السبع، ثم يهبط إلى الأرض» .

وأخرج عبد بن حميد، عن كعب قال: أجد في التوراة: أنه لم تكن محبة لأحد من أهل الأرض، حتى تكون بدؤها من الله تعالى؛ ينزلها على أهل الأرض، ثم قرأت القرآن فوجدت فيه ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ .

وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، عن ابن عباس بسند ضعيف: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله أعطى المؤمن ثلاثة: المقة والملاحة والمودة والمحبة في صدور المؤمنين» ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً ﴾ .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كتب أبو الدرداء إلى مسلمة بن مخلد سلام عليك أما بعد: فإن العبد إذا عمل بطاعة الله أحبه الله، فإذا أحبه الله حببه إلى عباده، وإن العبد إذا عمل بمعصية الله أبغضه الله، فإذا أبغضه الله بغضه إلى عباده.

وأخرج الحكيم الترمذي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل عبد صيت، فإن كان صالحاً وضع في الأرض، وإن كان سيئاً وضع في الأرض» .

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن المقة من الله، والصيت من السماء، فإذا أحب الله عبداً قال لجبريل: إني أحب فلاناً، فينادي جبريل: إن ربكم يحب فلاناً فأحبوه، فتنزل له المحبة في الأرض، وإذا أبغض عبداً قال لجبريل: إني أبغض فلاناً، فأبغضه، فينادي جبريل: إن ربكم يبغض فلاناً فابغضوه، فيجري له البغض في الأرض» .

وأخرج ابن جرير، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وتنذر به قوماً لداً ﴾ قال: فجاراً.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ لداً ﴾ قال: صماً.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الضحاك في قوله: ﴿ لداً ﴾ قال: خصماء.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن قتادة في قوله: ﴿ قوماً لداً ﴾ قال: جدلاً بالباطل.

وأخرج ابن أبي حاتم، عن قتادة ﴿ قوماً لداً ﴾ قال: هم قريش.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد ﴿ لداً ﴾ قال: لا يستقيمون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قال الله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا ﴾ أي: لا يليق به اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقتضي مجانسة وكل من اتخذ ولدًا اتخذه من جنسه والله تعالى منزه من أن يجانس شيئًا أو يجانسه شيء، محال في وصفه اتخاذ الولد، وقال المفسرون في قوله: ﴿ وَمَا يَنْبَغِي ﴾ (وما يصلح) (١) قوله تعالى: ﴿ إِنْ كُلُّ ﴾ أي: ما كل ﴿ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ ﴾ من فيها من الملائكة ﴿ الْأَرْضِ ﴾ من فيها من الخلق ﴿ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ ﴾ إلا يأتيه يوم ﴿ عَبْدًا ﴾ ذليلًا خاضعًا منقادًا يعني: أن الخلق عبيده، وأن عيسى وعزيرًا من جملة العبيد، وانتصب ﴿ عَبْدًا ﴾ على الحال ﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴾ أي: عرف عددهم ﴿ وَعَدَّهُمْ عَدًّا ﴾ لا يخفى عليه مبلغ جمعهم، ولا واحد منهم مع كثرتهم ﴿ وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ﴾ بلا مال ولا معه شيء من الدنيا (٢) (٣) (١) "جامع البيان" 16/ 131، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "زاد المسير" 5/ 265، "فتح القدير" 3/ 503.

(٢) "بحر العلوم" 2/ 334، "زاد المسير" 5/ 265، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 160.

(٣) "جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 257/ 5، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ شَيْئاً إِدّاً ﴾ أي شيئاً صعباً ﴿ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ ﴾ أي يتشققن من قول الكفار: اتخذ الله ولداً ﴿ هَدّاً ﴾ أي انهداماً ﴿ أَن دَعَوْا ﴾ أي من أجل أن دعوا ﴿ للرحمن وَلَداً ﴾ وقرئ وُلْدا بضم الواو وإسكان اللام، وهي لغة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أئذا ﴾ مثل ﴿ أئنكم ﴾ في "الأنعام" ﴿ يذكر ﴾ من الذكر: ابن عامر ونافع وعاصم وسهل وروح والمعدل عن زيد.

والآخرون بتشديد الذال من التذكر مدغماً.

﴿ ثم ننجي ﴾ من الإنجاء: عليّ وروح والمعدل عن زيد.

الآخرون بالتشديد ﴿ خير مقاماً ﴾ بضم الميم: ابن كثير.

الباقون بفتحها.

﴿ رياً ﴾ بالتشديد أبو جعفر ونافع عن ورش وابن ذكوان والأعشى وحمزة في الوقف، وعن حمزة أيضاً بالهمزة في الوقف ليدل على أصل اللغة.

الآخرون بهمز بعدها يا ﴿ وولداً ﴾ وما بعده بضم الواو سكون اللام: حمزة وعليّ.

الآخرون بفتحهما ﴿ يكاد ﴾ على التذكير: نافع وعليّ ﴿ ينفطرن ﴾ من الانفطار: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وخلف وابن عامر والمفضل وأبو بكر وحماد والخزاز عن هبيرة.

الباقون ﴿ يتفطرن ﴾ من التفطر.

الوقوف: ﴿ حياً ﴾ ه ﴿ شيئاً ﴾ ه ﴿ جثياً ﴾ ه ج للآية وللعطف ﴿ عتياً ﴾ ه ج لذلك ﴿ صلياً ﴾ ه ﴿ واردها ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتصال المعنى ﴿ مقضياً ﴾ ه تقريباً للنجاة من الورود مع أن "ثم" لترتيب الأخبار ﴿ جثياً ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ لا لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ ندياً ﴾ ه ﴿ ورئياً ﴾ ه ﴿ مدّاً ﴾ ه لأن "حتى" لانتهاء مدد الضلالة أو لابتداء الرؤية وجواب "إذا" محذوف وهو "آمنوا" ﴿ الساعة ﴾ ط لابتداء التهديد ﴿ جنداً ﴾ ه ﴿ هدى ﴾ ه ﴿ مرداً ﴾ ه ﴿ وولداً ﴾ ه ط لأبتداء الاستفهام للتقريع ﴿ عهداً ﴾ ط ه للردع ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ مداً ﴾ ه لا للعطف ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ عزاً ﴾ ه ﴿ كلاً ﴾ ط ﴿ ضدّاً ﴾ ه ﴿ أزاً ﴾ ه لا للتعجيل ﴿ عليهم ﴾ ط ﴿ عدّاً ﴾ ه ط ﴿ وفداً ﴾ ه ط ﴿ ورداً ﴾ ه لئلا تشتبه الجملة بالوصف لهم ﴿ عهداً ﴾ ه م حذرا من إيهام العطف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ إدّاً ﴾ ه لا لأن ما بعده صفة ﴿ هداً ﴾ ه لا لأن التقدير لأن دعوا ﴿ ولداً ﴾ ه ج لاحتمال ما بعده الحال والاستئناف ﴿ ولداً ﴾ ه ط ﴿ عبداً ﴾ ه ط ﴿ فرداً ﴾ ه ﴿ ودّاً ﴾ ه ﴿ من قرن ﴾ ط ﴿ ركزاً ﴾ ه.

التفسير: لما أمر نبيه  وأمته بالتبعية أن يعبدوا الله ويصطبروا لعبادته كان لمنكر أن يعترض بأن هذه العبادات لا منفعة فيها في الدنيا لأنها مشقة ولا في الآخرة لاستبعاد حشر الأجساد إلى حالها، فلا جرم حكى قول المنكر ليجيب عن ذلك فقال: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ وهو للجنس لأن هذ الاستغراب مركوز في الطباع قبل النظر في الدليل، أو لأن هذا القول إذا صدر عن بعض الأفراد صح إسناده إلى بني نوعه لأنه منهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحد منهم.

وقيل: المراد بالإنسان ههنا شخص معين هو أبو جهل أو أبي بن خلف.

وقيل: بعض الجنس هم الكفرة.

وانتصب "إذا" بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أخرج ﴾ المذكور لا نفسه لأن ما بدعه لام الابتداء لا يعمل فيما قبله.

لا تقول: اليوم لزيد قائم.

وإنما جاز الجمع بين حرف الاستقبال وبين لام الابتداء المفيدة للحال، لأن اللام ههنا خلصت لأجل التأكيد كما خلصت الهمزة في "يا الله" للتعويض، واضمحل عنها معنى التعريف.

و"ما" في "إذا" ما للتوكيد أيضاً وكأنهم قالوا مستنكرين: أحقاً أنا سنخرج أحياء حين تمكن فينا الفناء بالموت؟

والمراد بالخروج إما الخروج من الأرض أو الخروج من حال الفناء أو الندور من قوله: "خرج فلان عالماً" إذا كان نادراً في العلم فكأنه قال على سبيل الهزء: سأخرج حياً نادراً.

وإنما قدم الظرف وأولى حرف الإنكار من قبل أن ما بعد الموت هو وقت كون الحياة منكرة ومنه جاء الإنكار كقولك لمن أساء إلى محسنه "أحين تمت عليك نعمة فلان أسأت إليه"؟!

ولما كان الإنسان لا يصدر عنه هذا الإنكار إلا إذا لم يتذكر أو لم يذكر النشأة الأولى قال  منبهاً على ذلك ﴿ أو لا يذكر ﴾ وههنا إضمار تقديره أيقول ذلك ولا يذكر.

وزعم جار الله أن الواو عطفت لا يذكر على يقول في قوله: ﴿ ويقول الإنسان ﴾ ووسطت همزة الإنكار بين المعطوف عليه وحرف الجر.

قال العقلاء: لو اجتمعت الخلائق على إيراد حجة في البعث أوجز من هذه لم يقدروا عليها، لأن خلق الذات مع الصفات أصعب من تغيير الذات في أطوار الصفات، وهذا معلوم لكل صانع يتكرر عنه عمل، لأن الأول لم يستقر بعد في خزانة خيال.

والثاني قد ارتسم واستقر وثبت له مثال واحتذاء.

وإذا كان حال من يتفاوت في قدرته الصعب والسهل كذلك، فما الظن بمن لا يتوقف مقدوره إلا على مجرد تعلق الإرادة الأزلية به؟

وفي قوله: ﴿ ولم يك شيئاً ﴾ بحث قد مر في أول السورة مثله.

وحين نبه على النكتة الضرورية أكدها بالإقسام قائلاً ﴿ فوربك لنحشرنهم ﴾ الفاء للاستئناف وهو يفيد الإعراض عن قصة والشروع في أخرى عقيبها والواو للقسم وشرف المقسم به دليل كمال العناية بالمقسم عليه، وإضافة القسم إلى المخاطب وهو رسول الله  بإجماع المفسرين تفخيم لشأنه ورفع من مقداره، والواو في ﴿ والشياطين ﴾ إما للعطف وإما بمعنى مع بناء على أن كل كافر مقرون مع شيطانه في سلسلة، وإذا حشر جميع الناس حشراً واحداً وفيهم الكفرة مقرونين بالشياطين فقد حشروا مع الشياطين بل الكفرة، وإن كان الضمير عائداً إلى منكري البعث فقط فلا إشكال.

وكذا في قوله: ﴿ لنحضرنهم حول جهنم جثياً ﴾ أي جثياً على الركب غير مشاة على أقدامهم لما يدهشهم من شدة الأمر التي لا يطيقون معها القيام على الأرجل، أو على العادة المعهودة في مواقف مطالبات الملوك ومقاولاتهم.

﴿ ثم لننزعن ﴾ لنميزن ﴿ من كل شيعة ﴾ طائفة شاعت أي تبعت غاوياً من الغواة، وقد سبق تفسيره في الأنعام.

﴿ أيهم أشد ﴾ قرىء بالنصب وهو ظاهر، وأما المقتصرون على الضم فذهب سيبويه إلى أنها مبنية كيلا يلزم خلاف القياس من وجهين: أحدهما إعراب أيّ مع أن من حق الموصول أن يبنى، والآخر حذف المبتدأ مع الأصل فيه أن يكون مذكوراً والتقدير: أيهم هو أشد.

وذهب الخليل إلى أنها معربة ولكنها لم تنصب على أن تكون مفعول ﴿ لننزعن ﴾ بل رفعت بتقدير الحكاية أي من كل شيعة مقول فيم أيهم أشد، فيكون من كل شيعة مفعول ﴿ لننزعن ﴾ كقولك "أكلت من كل طعام" أي بعضاً من كل.

ويجوز أن يقدّر لننزعن الذين يقال فيهم أيهم أشد، قال سيبويه: لو جاز "اضرب أيهم" أفضل على الحكاية لجاز "اضرب الفاسق الخبيث" أي الذي يقال له الفاسق الخبيث وهذا باب قلما يصار إليه في سعة الكلام.

ومذهب يونس في مثله أن الفعل الذي قبل "أيّ" معلق عن العمل، ويجيز التعليق في غير أفعال القلوب.

ثم إن علقت قوله: ﴿ على الرحمن ﴾ بـ ﴿ أشد ﴾ كقولهم: "هو أشد على خصمه" فظاهر، وإن علقته بالمصدر فذلك لا سبيل إليه عند النحويين لأن المصدر لا يعمل فيما قبله.

فالوجه أن يقال: إنه بيان للمحذوف فكأنه سئل إن عتوَّه على من؟

فقيل: على الرحمن.

وكذا الكلام في ﴿ أولى بها صلياً ﴾ تعلق المجرور بأفعل من غير تأويل أو بـ ﴿ صلياً ﴾ على التأويل.

صلى فلان النار يصلى صلياً إذا احترق.

أخبر أوّلاً أنه يميز من كل فرقة ضالة من هو أضل ثم بين بقوله: ﴿ ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صلياً ﴾ أنه يطرحهم أي أهل الضلال البعيد في النار على الترتيب يقدم أولاهم بالعذاب فأولاهم، ولا ريب أن الضال المضل يكون أولى بالتقدم من الضال، وكذا الكافر المعاند بالنسبة إلى المقلد وإن كانوا جميعاً مشتركين في شدة العتوّ.

ويجوز أن يراد بالذين هم أولى المنتزعين كما هم كأنه قال: ثم لنحن أعلم بتصلية هؤلاء وأنهم أولى بالصلى لكون دركاتهم أسفل.

﴿ وإن منكم ﴾ الخطاب للناس من غير التفات، أو للإنسان المذكور فيكون التفاتاً، وعلى التقديرين فإن أريد الجنس كأنه لم يكن في قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً ﴾ إشكال.

ولكنه يشكل بأن المؤمنين كيف يردون النار؟

وأجيب بما روي عن جابر بن عبد الله أنه سأل رسول الله  عن ذلك فقال: "إذا دخل أهل الجنة قال بعضهم لبعض: أليس وعدنا ربنا أن نرد النار؟

فيقال لهم: قد وردتموها وهي خامدة" .

وعنه أيضاً  أن رسول الله  قال: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم حتى إن للناس ضجيجاً من بردها" .

وأما قوله: ﴿ أولئك عنها مبعدون ﴾ فالمراد عن عذابها.

وعن ابن عباس: يردونها كأنها إهالة.

ومنهم من لم يفسر الورود ههنا بالدخول لأن ابن عباس قال: قد يرد الشيء الشيء ولم يدخله كقوله  : ﴿ لما ورد ماء مدين  ﴾ ومعلوم أن موسى لم يدخل الماء ولكنه قرب منه.

ويقال: وردت القافلة البلد إذا قربت منه، فالمراد بالورود جثوهم حولها وعن ابن مسعود والحسن وقتادة: هو الجواز على الصراط لأن الصراط ممدود عليها.

وعن مجاهد: هو مس الحمى جسده في الدنيا قال  : "الحمى من فيح جهنم" وفي رواية "الحمى حظ كل مؤمن من النار" .

وإن أريد بالناس أو بالإنسان الكفرة فلا إشكال في ورودهم النار ولكنه لا يطابقه قوله: ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ ووجه بأنه أراد أن المتقين يساقون إلى الجنة عقيب ورود الكفار لا أنهم يوردونها يتخلصون.

أسئلة: كيف يندفع عنهم ضرر النار عند من فسر الورود بالدخول؟

زعم بعضهم أن البقعة المسماة بجهنم لا يمتنع أن يكون في خلالها مواضع خالية عن النار أشباه الطرق إلى دركات جهنم، والمؤمنون يردون تلك المواضع.

والأصح أنه  يزيل عنها طبيعة الإحراق بالنسبة إلى المؤمنين وهو على كل شيء قدير، ولهذا لا تضر النار الملائكة الموكلين بالعذاب.

ما الفائدة في إيراد المؤمنين النار إذا لم يعذبوا بها؟

فيه وجوه منها: أن يزدادوا سروراً إذا رأوا الخلاص منها.

ومنها افتصاح الكافرين إذا اطلع المؤمنون عليهم.

ومنها أن المؤمنين يوبخون الكفار ويسخرون منهم كما سخروا في الدنيا.

ومنها أن يزيد التذاذهم بالجنة فبضدها تتبيّن الأشياء.

هل ثبت في الأخبار كيفية دخول النار ثم خروج المتقين منها؟

قد ثبت أن الحاسبة تكون في الأرض أو في موضعها لقوله: ﴿ يوم تبدل الأرض غير الأرض  ﴾ وجهنم قريبة من الأرض والجنة في السماء.

فالاجتماع يكون في موضع الحساب ثم يدخلون من ذلك الموضع إلى جهنم، ثم يرفع الله أهل الجنة ويبقى أهل النار فيها.

قلت: هذا على رأي الفلاسفة الإسلاميين ظاهر، فالمحاسبة تكون في الأرض ومرور الكل يكون على كرة النار، ثم يرفع أهل الكمال إلى السماء ويبقى الكفرة في النار ويؤيده قوله: ﴿ كان ﴾ أي الورود ﴿ على ربك حتماً ﴾ أي محتوماً مصدر بمعنى المفعول ﴿ مقضياً ﴾ قضى به وعزم أن لا يكون غيره، وذلك أن العبور من جميع الجوانب على كرة النار.

وأجمعت المعتزلة بذلك على أن العقاب واجب على الله عقلاً.

وقال الأشاعرة: شبه بالواجب من قبل استحالة يطرق الخلف إليه.

وقد سبق أن المتقي عند المعتزلة من يجتنب المعاصي كلها، وعند غيرهم هو الذي اجتنب الشرك فقط، وقد يهدم بالآية قاعدة القائل بمنزلة بين المنزلتين.

وأجيب أن تنجية المتقين أعم من أن تكون إلى الجنة أو إلى غيرها، هب أن تنجيتهم إلى الجنة إلا أن الذي طاعته ومعصيته سيان غير داخل في المتقين ولا في الظالمين فيبقى حكمة مسكوتاً عنه.

ومن المعتزلة من تمسك بالوعيد بقوله: ﴿ ونذر الظالمين ﴾ ومنع أن الصيغة للعموم، ولو سلم فمخصص بآيات الوعد لما ردّ على منكري البعث وقرر كيفية الحشر.

قال: ﴿ وإذا تتلى عليهم آياتنا ﴾ الآية، والمراد أنهم عارضوا حجة الله بكلام أعوج فقالوا: لو كنتم على الحق وكنا على الباطل لكان حالكم في الدنيا أطيب من حالنا ولم يكن بالعكس، لأن الحكيم لا يليق به أن يهين أولياءه ويعز أعداءه.

يروى أنهم كانوا يرجلون شعورهم ويدهنون ويتطيبون ويتزينون ثم يدّعون مفتخرين على فقراء المسلمين أنهم أكرم على الله عز وجل منهم قال جار الله: معنى بينات مرتلات الألفاظ ملخصات المعاني مبينات المقاصد، إما محكمات أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو بتبيين الرسول قولاً أو فعلاً، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على ما معارضتها، أو حججاً وبراهين، وعلى التقادير تكون حالاً مؤكدة كقوله: ﴿ وهو الحق مصدقاً  ﴾ لأن آيات الله لا تكون إلا بهذه الأوصاف.

ومعنى ﴿ للذين آمنوا ﴾ أنهم يخاطبونهم بذلك أو يفوهون به لأجلهم في شأنهم.

والمقام بالضم موضع الإقامة أي المنزل، وبالفتح موضع القيام، والنديّ المجلس ومجتمع القوم حيث ينتدون.

قوله: ﴿ أيّ الفريقين ﴾ يعني المؤمنين بالآيات والجاحدين لها من الكلام المنصف على زعمهم، والمقصود نحن أوفر حظاً على ما يظهر منا في أحوال قيامنا وقعودنا، وحسن الحال في الدنيا ظاهر على الفضل والرفعة وضده أمارة على النقص والضعة، فأجابهم الله  بقول: ﴿ وكم أهلكنا ﴾ أي كثيراً من المرات أهلكنا قبلهم أهل عصر و"من" بيان المهلك.

ويجوز أن تكون زائدة للتأكيد و"كم" استفهامية لتقرير التكثير، أو خبرية عند من يجوّز زيادتها في الموجب.

و ﴿ هم أحسن ﴾ في محل النصب صفة لـ "كم" أو الجر صفة ﴿ قرن ﴾ والأثاث متاع البيت وقد مر في النحل في قوله: ﴿ أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ قال الجوهري: من همز ﴿ رئياً ﴾ جعله من رأيت وهو ما رأته العين من حال حسنة وكسوة ظاهرة، ومن لم يهمزه فإما أن يكون على تخفيف الهمزة أي قلب الهمزة ياء وأدغم، أو يكون من "رويت ألوانهم وجلودهم رياً" أي امتلأت وحسنت.

وقال جار الله: الري هو المنظر والهيئة "فعل" بمعنى "مفعول".

وقرىء بهمز قبله ياء على القلب كقولهم "راء" في "رأي".

وقرىء بالزاي المنقوطة واشتقاقه من الزي بالفتح وهو الجمع لأن الزي محاسن مجموعة.

وفي الآية حذف التقدير أحسن من هؤلاء، والحاصل أنه  أهلك من كان أكثر مالاً وجمالاً منهم وذلك دليل على إفساد إحدى مقدمتيهم وهي أن كل من وجد الدنيا كان حبيب الله، أو على فساد المقدمة الأخرى وهي أن كل من كان حبيباً لله فإنه لا يوصل إليه غماً.

ثم بين أن مآل الضال إلى الخزي والنكال وإن طالت مدته وكثرت عدته، وقوله: ﴿ فليمدد له الرحمن ﴾ خبر مخرج على لفظ الأمر إيذاناً بوجوب الإمهال وأنه مفعول لا محالة لتنقطع معاذيرالضال ويقال له يوم القيامة ﴿ أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر  ﴾ أو ليزدادوا إثماً كقوله ﴿ إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً  ﴾ أو هو في معنى الدعاء بأن يمهله الله عز وجل وينفس في مدة حياته.

والغاية أحد الأمرين المذكورين أي انقطاع العذر أو ازدياد الإثم.

أما قوله: ﴿ حتى إذا رأوا ﴾ إلى آخر.

فقد قال في الكشاف: إنه يحتمل أن يكون متصلاً بقوله: ﴿ أي الفريقين ﴾ إلى آخره، وما بينهما اعتراض قالوا: أي الفريقين خير مقاماً وأحسن ندياً حتى إذا رأوا ما يوعدون.

والمعنى لا يزالون يتفوّهون بهذا القول مولعين به إلى أن يشاهدوا الموعود رأي عين ﴿ أما العذاب ﴾ في الدنيا وهو غلبة المسلمين بالقتل والأسر وتغير أحوالهم من العز إلى الذل ومن الغنى إلى الفقر، وأما يوم القيامة، ويحتمل أن تتصل بما يليها والمراد أنهم لا ينفكون عن ضلالتهم وسوء مقالتهم إلى أن يعاينوا عذاب الدنيا، أو الساعة ومقدماتها.

وقوله: ﴿ فسيعلمون من هو شر مكاناً وأضعف جنداً ﴾ في مقابلة قولهم: ﴿ خير مقاماً وأحسن ندياً ﴾ لأن مقامهم هو مكانهم والنديّ المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم، والجند الأعوان، ولا ريب أن مكان القتل والأسر شر مكان في الدنيا ومكان عذاب النار شر مكان في الآخرة.

ولا شك أيضاً أنه لو كان لهم في الوقتين ناصر لم يلحقهم من الخزي والنكال ما لحقهم.

وحين بيّن حال أهل الضلال أراد أن يبين حال أهل الكمال فقال: ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وذلك أن بعض الاهتداء يجر إلى البعض الآخر كالإيمان يجر إلى الإخلاص فيه كما أن بعض الغواية يجر إلى بعضها.

ومنها من فسر الزيادة بالعبادات المرتبة على الإيمان.

والواو في ﴿ ويزيد ﴾ للاستئناف.

وقد تكلف جار الله فقال: إنه للعطف على معنى ﴿ فليمدد ﴾ أي يزيد في ضلال الضال بخذلانه ويزيد المهتدين هداية بتوفيقه.

وقد مر في سورة الكهف أن الباقيات الصالحات فسرها الأكثرون بجميع الأعمال الصالحات المؤدية إلى السعادات الباقيات.

وفسرها بعضهم بما هي أعظم ثواباً منها كالصلوات الخمس وغيرها.

وقوله: ﴿ خير ﴾ يقتضي غيراً يكون مشاركاً له في أصل الخيرية ويكون هذا خيراً منه، فإن قدرنا ذلك شيئاً فيه خيرية كبعض الأعمال الدنيوية المباحة أو كسائر الأعمال الصالحة عند من يفسر الباقيات بمعنى الأخص فظاهر أنها خير ﴿ ثواباً وخير مرداً ﴾ أي مرجعاً وعاقبة أو منفعة من قولهم: "هل لهذا الأمر مرد" إن قدرنا ذلك شيئاً لا ثواب فيه ولا خيرية كما زعم جار الله أن المراد هي خير ثواباً من مفاخرات الكفار، فيكون إطلاق الثواب على عقاب الكفار من قبيل التهكم ومن باب قولهم: "تحية بينهم ضرب وجيع".

ويكون وجه التفضيل في الخير ما قيل في قولهم: "الصيف أحر من الشتاء" أي هو أبلغ في حره من الشتاء في برده، ثم أردف مقالتهم الحمقاء بأخرى مثلها قائلا على سبيل التعجب ﴿ أفرأيت ﴾ كأنه قال: أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك.

وإنما استعملوا "أرأيت" بمعنى "أخبر" لأن رؤية الشيء من أسباب صحة الخبر عنه.

عن الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، والمشهور أنها في العاص بن وائل.

قال خباب بن الأرث: كان لي عليه دين فاقتضيته، وقيل: صاع له حلياً فاقتضاه الأجر فقال: إنكم تزعمون أنكم تبعثون وأن في الجنة ذهباً وفضة وحريراً، فأنا أقضيك، ثم فإني أوتي مالاً وولداً حينئذٍ.

من قرأ ﴿ ولداً ﴾ بفتحتين فظاهر، ومن قرأ بالضم فالسكون، فإما جمع ولد كاسد في أسداً، أو بمعنى الولد كالعرب والعرب، فأنكر الله  عليه بقوله مستفهماً ﴿ أطلع الغيب ﴾ من قولهم "اطلع الجبل" أي ارتقى إلى أعلاه، ولاختيار هذه الكلمة شأن كأنه قال: أو قد بلغ من عظمة شأنه أن ارتقى إلى عالم الغيب الذي تفرد به علام الغيوب ﴿ أم اتخذ عند الرحمن عهداً ﴾ عن الكلبي: هل عهد الله إليه أن يؤتيه ذلك.

وعن قتادة: هل له عمل صالح قدمه فهو يرجو بذلك ما يقول: وقيل: العهد كلمة الشهادة ﴿ كلا ﴾ ردع وتنبيه على الخطأ فيما تصوره لنفسه وتمناه وفي قوله: ﴿ سنكتب ﴾ بسين التسويف مع أن الحفظة يكتبون ما قاله في الحلل دليل على أن السين جرد ههنا لمعنى الوعيد، أو أراد سيظهر له نبأ الكتابة بالتعذيب والانتصار يؤيده قوله: ﴿ ونمد له ﴾ أي نطوّل له ﴿ من العذاب ﴾ ما يستأهله أمثاله من المستهزئين أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد.

مده وأمده معنى.

ثم أكد المدد بالمصدر وهو مؤذن بفرط الغضب أعاذنا الله منه، ثم عكس استهزاءه بقوله: ﴿ ونرثه ما يقول ﴾ أي نمنع عنه منتهى ما زعم أنه يناله في الآخرة من المال والولد لأنه تألى على الله في قوله: ﴿ لأوتين ﴾ ومن يتأل على الله يكذبه لأن ذلك غاية الجراءة ونهاية الأشعبية.

والمراد هب أنا أعطيناه ما اشتهاه أما نرثه منه في العاقبة ﴿ ويأتينا ﴾ غداً ﴿ فرداً ﴾ بلا مال ولا ولد.

وكلام صاحب الكشاف في الوجهين ملخبط فليتأمل فيه.

وكذا في قوله: ﴿ فرداً ﴾ على الأول حال مقدرة نحو ﴿ فادخلوها خالدين  ﴾ لأنه وغيره سواء في إتيانه فرداً حين يأتي، ثم يتفاوتون بعد ذلك.

وذلك أن الخلود لا يتحقق إلا بعد الدخول، أما انفراده فمحقق في حالة الإتيان وتفاوت الحال بعد ذلك، واشتراك الكل في الإتيان منفرداً لا مدخل له في المقصود فلا أدري ما حمله على هذا التكلف.

قال: ويحتمل أن هذا القول: إنما يقوله ما دام حياً فإذا قبضناه حلنا بينه وبين أن يقوله، ويأتينا منفرداً عنه غير قائل له، أو أراد أن هذا القول لا ننساه ولا نلغيه بل نثبته في صحيفته لنضرب به وجهه في الموقف ونعيره به، ويأتينا على فقره ومسكنته فرداً من المال والولد لم نعطه سؤله ومتمناه، فيجتمع عليه خطبان تبعه قوله وفقد سؤله.

وحين فرغ من الرد على منكري البعث شرع في الرد على عبدة الأصنام فبين أوّلاً عرضهم وذلك أن يتعززوا بآلهتهم وينتفعون بشفاعتهم، ثم أنكر عليهم وردعهم بقوله: ﴿ كلا ﴾ ثم أخبر عن مآل حالهم بقوله ﴿ سيكفرون ﴾ فإن كان الضمير للمعبودين فهم إما الملائكة كقوله: ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن  ﴾ وإما الأصنام فلا يبعد أن ينطق الله الجماد بذلك كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن كان الضمير للعابدين فهو كقوله: ﴿ وألقوا إليهم القول إنهم لكاذبون  ﴾ وإن {الأنعام: 23] أما الضمير في يكونون فللمعبودين، وقوله: ﴿ عليهم ﴾ في مقابلة قوله: ﴿ لهم عزاً ﴾ وضد العز الهوان كأنه قيل: ويكونون عليهم ذلاً لهم عزاً ويحتمل أن يراد بالضد العون لأنه يضاد العدو، ووحد لاتفاق كلمتهم وفرط تضامهم وتوافقهم كقوله  : " وهم يد على من سواهم" ومعنا كون الآلهة أضداداً أي أعواناً عليهم أنهم وقود النار وأن المشركين عذبوا بسبب عبادتها، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿ يكونون ﴾ للمشركين أي يكون المشركون كفرة بآلهتهم وأعداء لهم بعد أن كانوا يعبدونها.

وحيث بيّن مذاهب الفرق الضالة أراد أن يبين منشأها فقال: ﴿ ألم تر أنا أرسلنا ﴾ الآية.

والأز الهز والتهييج.

قالت: الأشاعرة: في الآية دلالة على أنه  مريد لجميع الكائنات لأن قول القائل: "أرسلت فلاناً على فلان" يفيد أنه سلطه عليه منه قوله  : " سم الله وأرسل كلبك عليه" ويؤيده قوله: ﴿ تؤزهم ﴾ أي تغريهم على المعاصي وتحثهم عليها بالوسواس والتسويلات.

وقالت المعتزلة: أراد بهذا الإرسال التخلية بينهم وبينهم كما إذا لم يمنع الرجل من دخول بيت جيرانه.

وحاصل كلامهم أنه أرسل الأنبياء وأرسل الشياطين، ثم خلى بين المكلفين وبين الأنبياء والشياطين إلا أنه خص أولياءه بمزيد الألطاف حتى قبلوا قول الأنبياء، ومنع أعداءه تلك الألطاف وهو المسمى بالخذلان فقبلوا قول الشياطين.

ولما كان هذا الإرسال سبباً لهلاك الكفارة عداه بـ "على" لا بــ"إلى" قلت: لا يخفى أن استناد الكل إلى الله  فنزاع الفريقين لفظيّ أو قريب منه.

﴿ فلا تعجل عليهم ﴾ يقال: عجلت عليه بكذا إذا استعجل منه أي لا تعجل عليهم بأن يهلكوا فتستريح أنت والمسلمون من شرورهم فليس بينك وبين ما تطلب من هلاكهم إلا أيام محصورة وأنفاس معدودة.

قال ابن عباس: نزلت في المستهزئين وهم خمسة رهط.

وعنه أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، وآخر العدد فراق أهلك، وآخر العدد دخول قبرك.

وعن ابن السماك أنه كان عن المأمون فقرأها فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد ولم يكن لها مدد فما أسرع ما تنفد.

وقال بعضهم: إن الحبيب من الأحباب مختلس *** لا يمنع الموت بواب ولا جرس وكيف يفرح بالدنيا ولذتها *** فتى يعد عليه اللفظ والنفس ثم لما قرر أمر الحشر وأجاب عن شبه منكريه أراد أن يشرح حال المكلفين وقتئذٍ فقال: ﴿ يوم نحشر ﴾ وانتصابه بمضمر متقدم أو متأخر أي اذكر يوم كذا وكذا ونفعل بالفريقين ما لا يحيط به الوصف.

ويجوز أن ينتصب ﴿ بلا يملكون ﴾ خص المتقون بالجمع إلى محل كرامة الرحمن وافدين.

يقال: وفد فلان على الأمير وفادة أي ورد رسولاً فهو وافد والجمع وفد كصاحب وصحب.

عن علي  أن النبي  قال: "ما يحشرون على أرجلهم ولكنهم على نوق رحالهم ذهب وعلى نجائب سروجها ياقوت" .

وخص المجرمون بالسوق إلى جهنم ورداً أي وهم الذين يردون الماء، وفيه من الإهانة ما فيه كأنهم نعم عطاش تساق إلى الماء.

وقال جار الله: حقيقة الورد المسير إلى الماء فسمي به الواردون.

قال بعض العلماء: في الآية دلالة على أن أهوال يوم القيامة تختص بالمجرمين لأن المتقين من الابتداء يحشرون على هذا النوع من الكرامة فكيف ينالهم بعد ذلك شدة؟

قلت: يحتمل أن يكون الحشر إلى الرحمن غير الحشر إلى الموقف، فيراد بالحشر إلى الرحمن أي إلى دار كرامته وسوقهم إلى الجنة لقوله: ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً  ﴾ وهذا بعد امتياز الفريقين، فالأمن الكلي فيما بعد هذه الحالة لا ينافي الخوف والدهشة فيما قبلها كما ورد في حديث الشفاعة وغيره.

وقوله: ﴿ إلى الرحمن ﴾ دون أن يقول إلينا من وضع الظاهر موضع المضمر، وفيه من البشارة ما فيه ولا يلزم منه التجسم للتأويل الذي ذكرناه، والضمير في ﴿ لا يملكون ﴾ للمكلفين المذكورين بقسمهم وفاعله ﴿ من اتخذ ﴾ على البدلية لأنه في معنى الجمع.

ويجوز أن تكون الواو علامة للجمع كالتي في "أكلوني البراغيث" فيكون ﴿ من اتخذ ﴾ فاعلاً والاستثناء مفرغاً.

ويجوز أن ينتصب ﴿ من اتخذ ﴾ على الاستثناء أو على تقدير حذف المضاف أي إلا شفاعة.

من اتخذه واختلف المفسرون في الشفاعة فقيل: لا يملكون أن يشفعوا لغيرهم.

وقيل: لا يملك غيرهم أن يشفعوا لهم.

واتخاذ العهد الاستظهار بالأيمان والعمل، أو بكلمة الشهادة وحدها والأول يناسب أصول المعتزلة، والثاني يناسب أصول الأشاعرة.

وعن ابن مسعود أن النبي  قال لأصحابه ذات يوم: "أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند الله عهداً قالوا: وكيف ذلك؟

قال: يقول كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمداً عبدك ورسولك فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد، فإذا قال ذلك طبع عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الرحمن عهد فيدخلون الجنة" ويجوز أن يكون من عهد الأمير إلى فلان بكذا إذا أمره به أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة المأذون له فيها كقوله: ﴿ وكم من ملك في السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن يأذن الله  ﴾ .

وحين رد على عبدة الأوثان عاد إلى الرد على من أثبت له ولداً من اليهود والنصارى والعرب، ومنهم من خص الآية بالرد على العرب القائلين بأن الملائكة بنات الله لأن الرد على النصارى تقدم في أول السورة.

وفي قوله: ﴿ لقد جئتم ﴾ التفات من الغيبة إلى المخاطبة تسجيلاً عليهم بالجراءة والتعرض لسخطه.

والأد الأمر العجيب أو المنكر، والتركيب يدل على الشدة والثقل ومنه أدت الناقة تؤد إذا رجعت الحنين في جوفها.

ويقال: فطره بالتخفيف إذا شقه، ومطاوعه انفطر وبالتشديد للتكثير، ومطاوعه تفطر وهذا البناء للتكثير.

وانتصب ﴿ هذا ﴾ إما على المصدر لأن الخرور في معناه، وإما لأن التقدير يهد هداً، أو على الحال أي مهدودة، أو على العلة أي لأنها تهد.

ومحل ﴿ أن دعوا ﴾ إما مجرور بدلاً من الهاء في ﴿ منه ﴾ وإما منصوب بنزع الخافض أي هدّاً لأن دعوا، علل الخرور بالهد والهد بالدعاء، وإما مرفوع بأنه فاعل هد أي هدها الدعاء، وخير الوجوه أوسطها كما في الوقوف والدعاء.

أما بمعنى التسمية فيكون المفعول الأول متروكاً طلباً للعموم والإحاطة بكل ما دعي ولداً له، وإما بمعنى النسبة أي نسبوا إلى الرحمن ولداً.

﴿ وما ينبغي ﴾ لا يصح ولا يستقيم وهو في الأصل مطاوع بغى إذا طلب، وإنما لا يصير مطلوباً لأنه محال.

أما الولادة المعروفة فلا مقال في استحالتها، وأما التبني فلأن القديم لا جنس له حتى يميل طبعه إليه ميل الوالد إلى الولد لمن أضاف إليه ولداً فقد جعله كبعض خلقه وأخرجه بذلك عن استحقاق اسم الرحمن المختص به، فليس أصول النعم وفروعها إلا منه كما قيل: لينكشف عن بصرك غطاؤه فأنت وجميع ما عندك عطاؤه، وهذا من فوائد تكرير هذا الاسم في هذا المقام.

سؤال: كيف تؤثر هذه الكلمة في الجمادات حتى تنفطر وتنشق وتخر؟

أجيب بأنه  كأنه يقول: كدت أفعل هذا بالسموات والأرض والجبال عند دعائهم الولد لي غضباً مني على من تفوّه بها لولا حلمي، أو هو تصوير لأثر هذه الكلمة في الدنيا، أو المراد أن هذا الاعتقاد يوجب أن تكون هذه الأجرام على ما ترى من النظام كقوله: ﴿ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا  ﴾ وقال أبو مسلم: أراد أن هذه الأجرام كانت ممن يعقل كادت تفعل ذلك.

ثم بين أن العابدين والمعبودين في السموات أو في الأرضين كلهم تحت قهره وتسخيره في الدنيا وفي الآخرة وأنه محيط بجهل أحوالهم وتفاصيلها فقال: ﴿ إن كل ﴾ "إن" نافية أي ليس فرد من أفراد الخلائق ﴿ إلا أتى الرحمن ﴾ إلا وهو ملتجىء إلى ربوبيته مقر بعبوديته.

ثم أجمل حال المؤمنين بما لا مزيد عليه في باب الكرامة قائلاً ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ أي سيحدث لهم في القلوب مودّة من غير ما سبب من الأسباب المعهودة كقرابة أو اصطناع وذلك كما يقذف في قلوب أعدائهم الرعب.

والسين إما لأن السورة مكية وكان المؤمنون حينئذ ممقوتين بين الكفرة فوعدهم الله المودة بين الناس عند إظهار الإسلام، وإما أن يكون ذلك يوم القيامة يحببهم إلى خلقه بما يعرض من حسناتهم.

وعن النبي  قال لعلي: "يا عليّ قل اللَّهم اجعل لي عندك عهداً واجعل لي في صدور المؤمنين مودّة" ، فأنزل الله  هذه الآية.

وعن ابن عباس: يعني يحبهم الله ويحببهم إلى خلقه.

وعن رسول الله  يقول الله عز وجل: " يا جبرائيل قد أحببت فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء: إن الله قد أحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض" وعن قتادة: ما أقبل العبد إلى الله عز وجل إلا أقبل الله بقلوب العباد إليه.

وعن كعب قال: مكتوب في التوراة: لا محبة لأحد في الأرض حتى يكون ابتداؤها من الله  ينزلها على أهل السماء ثم على أهل الأرض، وتصديق ذلك في القرآن ﴿ سيجعل لهم الرحمن ودّاً ﴾ هذا قول جمهور المفسرين.

وعن أبي مسلم أن المراد أنه سهب لهم في الجنة ما يحبون، واستعمال المصدر بمعنى المفعول كثير.

وإنما صار إلى هذا القول لأن المسلم التقي يبغضه الكفار وقد يبغضه المسلمون أكثرهم، وقد يحصل مثل هذه المحبة للكفار والفساق فيكونون مرزوقين بميل الناس إلى اختلاطهم ومحبتهم فكيف يمكن جعله إنعاماً في حق المؤمنين.

وأيضاً إن محبتهم في قلوبهم من فعلهم لا من فعل الله، فحمل الكلام على إعطاء المنافع به أولى.

وأجيب بأن المراد محبة الملائكة والأنبياء والصالحين ومثل هذه لا تحصل للكافر والفاسق، وبأنه محمول على فعل الألطاف وخلق داعية إكرامه في قلوبهم.

ثم عظم شأن ما في هذه السورة من التوحيد والنبوة وبيان الحشر والرد على الفرق الضالة قائلاً: ﴿ فإنما يسرناه ﴾ كأنه قال: بلغ هذا المنزل أو بشر به وأنذر فإنما أنزلناه بلسانك أي بلغتك وسهلناه وفصلناه لتبشر به وتنذر.

واللد جمع الألد الشديد الخصومة بالباطل كقوله في "البقرة" ﴿ وهو ألد الخصام  ﴾ يريد أهل مكة.

ثم ختم السورة بما هو غاية في الإنذار ونهاية في التخويف لأنبائه عن انقضاء القرون الخالية بالفناء أو بالإفناء بحيث لم يبق منهم شخص يرى ولا صوت يسمع فيعلم منه أن مآل الباقين أيضاً إلى ذلك فيجتهدوا في تحصيل الزاد للمعاد ولا يصرفوا همتهم إلى ما هو بصدد الزوال والنفاد.

والركز الصوت الخفي وركز الرمح تغيب طرفه في الأرض والركاز المال المدفون.

التأويل: ﴿ ويقول ﴾ النفس الإنسانية لجهلها بالحقائق إذا مات عن الصفات البشرية ﴿ أخرج حياً ﴾ بالصفات الروحانية.

﴿ ولنحشرهم والشياطين ﴾ فلكل شخص قرين من الشياطين ﴿ ثم لنحضرنهم حول جهنم ﴾ القهر والطبيعة ﴿ وإن منكم ﴾ من الأنبياء والأولياء والمؤمنين والكافرين إلا هو وارد هاوية الهوى بقدم الطبيعة ﴿ حتماً مقضياً ﴾ لأن حكمته الأزلية اقتضت خلق هذا النوع المركب من العلوي والسفلي ﴿ ثم ننجي الذين اتقوا ﴾ الهوى يقدم الشريعة على طريق الطريقة للوصول إلى الحقيقة ﴿ آياتنا ﴾ من الحقائق والأسرار ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ستروا الحق ﴿ للذين آمنوا ﴾ تحقيقاً وإيقاناً ﴿ وكم أهلكنا ﴾ بحب الدنيا والإغراق في بحر الشهوات والإحراق بنار المناصب للعرضيات ﴿ أما العذاب ﴾ وهو الموت على الإنكار والغفلة ﴿ وإما الساعة ﴾ وهي الإماتة عن الصفات البشرية عند قيام قيامة الشوق والمحبة.

﴿ فسيعلمون ﴾ حزب الله من حزب الشيطان ﴿ ويزيد الله ﴾ بالترقي من الإيمان إلى الإيقان إلى العيان ﴿ أن دعوا للرحمن ولداً ﴾ من فوائد ذكر اسم الرحمن ههنا أن الرحمانية أمهلتهم حتى قالوا ما قالوا وإلا فالألوهية مقتضية لإعدامهم في الحال ﴿ وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً ﴾ عن مشيئة وإرادة بخلافهم في الدنيا فإنهم يظنون أن لهم إرادة واختياراً.

﴿ فإنما يسرنا ﴾ فيه أنه لولا تيسير الله درايته على قلب النبي  وإلا فكيف يسع ظروف الحروف المحدثة المتناهية حقائق كلامه الأزلية غير المتناهية ﴿ وكم أهلكنا ﴾ في تيه الضلالة ﴿ أو تسمع لهم ركزاً ﴾ بالثناء الحسن عليهم والله أعلم بالصواب.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ : قال بعضهم: الآية في مشركي العرب؛ لأنهم هم الذين قالوا: الملائكة بنات الله، لكن أهل التأويل قالوا أيضاً: ﴿ وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ وَقَالَتْ ٱلنَّصَارَى ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ  ﴾ ، فهو في كل من قال ذلك.

ثم قوله: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ يخرج على الإضمار حين أخبر عنهم أنهم ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ أن قل لهم يا محمد: ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ أي: عظيماً منكراً.

أو أن يكونوا لما قالوا ذلك أقبل عليهم فقال لهم: لقد جئتم شيئاً عظيماً منكراً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ تَكَادُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ ٱلأَرْضُ وَتَخِرُّ ٱلْجِبَالُ هَدّاً * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَـٰنِ وَلَداً ﴾ قال بعضهم: مثل هذا إنما يقال على المبالغة في العظيم من الأمور والنهاية من الضيق والشدة على التمثيل.

يقول الرجل لآخر: أظلمت الدنيا عليه وضاقت عليه الأرض بما رحبت ونحوه، على الإبلاغ في الضيق والشدة؛ فعلى ذلك هذا ذكر على الإبلاغ والنهاية في العظيم من القول لما قالوا عنه  ، ثم جعل مثل ما قالوا في العظيم لله بما يعظم من المحسوسات في العقول، وهو ما ذكر من انفطار السّموات وانشقاق الأرض وهدّ الجبال، وهنّ أصلب الأشياء وأشدها؛ ليعرفوا عظم ما قالوا فيه، وهكذا تعرف الأمور الغائبة التي سبيل معرفتها الاستدلال بالمحسوسات من الأشياء المشاهدات منها.

وجائز أن يكون ما ذكر من انشقاق الأرض وهدّ الجبال وانفطار السماء على حقيقة ما ذكر يكون فيها وإن لم يشاهد ذلك منها ولم يحس، كقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً  ﴾ .

وقال قائلون: ذكر هذا في أهل السّماوات فثبت أنهم يكونون كما ذكر بما قالوا تعظيماً لذلك وإنكاراً، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ ، أي: ما ينبغي له ولد ﴿ إِن كُلُّ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً ﴾ ، وفي الشاهد لا أحد يتخذ الولد من عبيده، فكيف ينبغي لمن له ملك السماوات والأرض وكلهم عبيده - أن يتخذ ولداً من عبيده.

﴿ وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَـٰنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ ، وأسباب الأولاد التي بها يتخذ الولد ليست فيه؛ لأن في الشاهد إنما يتخذ الولد لثلاث، وقد ذكرناها في غير موضع، فإن كان الله -  - يتعالى عن ذلك كله، لم ينبغ له أن يتخذ الولد.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِلاَّ آتِي ٱلرَّحْمَـٰنِ عَبْداً ﴾ في الآخرة، أي: كلهم يقرون بالعبودية له يومئذ.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ : يحتمل قوله: ﴿ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً ﴾ من عدّ أنفسهم وإحصائه، أي: لا يخفى عليه شيء.

أو أن يكون على الوعيد أن يحصى أقوالهم وأفعالهم بما سلط عليهم من الملائكة ما يراقبون ذلك منهم، كقوله: ﴿ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ  ﴾ ، وقوله: ﴿ كِرَاماً كَاتِبِينَ  ﴾ قال أبو عوسجة: الضدّ: الخصم، والإدّ السوق الشديد، وقوله: ﴿ شَيْئاً إِدّاً ﴾ ، أي: شديداً، والورد، أي: يوردهم إياها، أي: يدخلهم، وقال: الورد: النصيب من الماء، وقوله: ﴿ هَدّاً ﴾ أي: صوتاً يهدّ، أي: يهدم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وما يستقيم أن يتخذ الرحمن ولدًا لتنزّهه عن ذلك.

<div class="verse-tafsir" id="91.JnB7E"

مزيد من التفاسير لسورة مريم

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده