الآية ١١٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١١٠ من سورة البقرة

وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ۚ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍۢ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌۭ ١١٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 80 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١١٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١١٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) يحث تعالى على الاشتغال بما ينفعهم وتعود عليهم عاقبته يوم القيامة ، من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، حتى يمكن لهم الله النصر في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ( يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار ) [ غافر : 52 ] ، ولهذا قال تعالى : ( إن الله بما تعملون بصير ) يعني : أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل ، ولا يضيع لديه ، سواء كان خيرا أو شرا ، فإنه سيجازي كل عامل بعمله .

وقال أبو جعفر بن جرير في قوله تعالى : ( إن الله بما تعملون بصير ) وهذا الخبر من الله للذين خاطبهم بهذه الآيات من المؤمنين ، أنهم مهما فعلوا من خير أو شر ، سرا أو علانية ، فهو به بصير لا يخفى عليه منه شيء ، فيجزيهم بالإحسان خيرا ، وبالإساءة مثلها .

وهذا الكلام وإن كان خرج مخرج الخبر ، فإن فيه وعدا ووعيدا وأمرا وزجرا .

وذلك أنه أعلم القوم أنه بصير بجميع أعمالهم ليجدوا في طاعته إذ كان ذلك مدخرا لهم عنده ، حتى يثيبهم عليه ، كما قال : ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ) وليحذروا معصيته .

قال : وأما قوله : ( بصير ) فإنه مبصر صرف إلى " بصير " كما صرف مبدع إلى " بديع " ، ومؤلم إلى " أليم " ، والله أعلم .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا ابن بكير ، حدثني ابن لهيعة ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر ، قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفسر في هذه الآية ( سميع بصير ) يقول : بكل شيء بصير .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة } قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى إقَامَة الصَّلَاة وَأَنَّهَا أَدَاؤُهَا بِحُدُودِهَا وَفُرُوضهَا , وَعَلَى تَأْوِيل الصَّلَاة وَمَا أَصْلهَا , وَعَلَى مَعْنَى إيتَاء الزَّكَاة وَأَنَّهُ إعْطَاؤُهَا بِطِيبِ نَفْس عَلَى مَا فُرِضَتْ وَوَجَبَتْ , وَعَلَى مَعْنَى الزَّكَاة وَاخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِيهَا , وَالشَّوَاهِد الدَّالَّة عَلَى صِحَّة الْقَوْل الَّذِي اخْتَرْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا قَوْله : { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْد اللَّه } فَإِنَّهُ يَعْنِي جَلّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَمَهْمَا تَعْمَلُوا مِنْ عَمَل صَالِح فِي أَيَّام حَيَاتكُمْ فَتُقَدِّمُوهُ قَبْل وَفَاتكُمْ ذُخْرًا لِأَنْفُسِكُمْ فِي مُعَادكُمْ , تَجِدُوا ثَوَابه عِنْد رَبّكُمْ يَوْم الْقِيَامَة , فَيُجَازِيكُمْ بِهِ .

وَالْخَيْر : هُوَ الْعَمَل الَّذِي يَرْضَاهُ اللَّه .

وَإِنَّمَا قَالَ : { تَجِدُوهُ } وَالْمَعْنَى : تَجِدُوا ثَوَابه .

كَمَا : 1491 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن .

قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { تَجِدُوهُ } يَعْنِي : تَجِدُوا ثَوَابه عِنْد اللَّه .

قَالَ أَبُو جَعْفَر : لِاسْتِغْنَاءِ سَامِعِي ذَلِكَ بِدَلِيلِ ظَاهِر عَلَى مَعْنَى الْمُرَاد مِنْهُ , كَمَا قَالَ عُمَر بْن لَجَأ : وَسَبَّحَتْ الْمَدِينَة لَا تَلُمْهَا رَأَتْ قَمَرًا بِسُوقِهِمْ نَهَارَا وَإِنَّمَا أَرَادَ : وَسَبَّحَ أَهْل الْمَدِينَة .

وَإِنَّمَا أَمَرَهُمْ جَلّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ إقَام الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَتَقْدِيم الْخَيْرَات لِأَنْفُسِهِمْ , لِيَطْهُرُوا بِذَلِكَ مِنْ الْخَطَأ الَّذِي سَلَف مِنْهُمْ فِي اسْتِنْصَاحهمْ الْيَهُود , وَرُكُون مَنْ كَانَ رَكَنَ مِنْهُمْ إلَيْهِمْ , وَجَفَاء مَنْ كَانَ جَفَا مِنْهُمْ فِي خِطَابه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { رَاعِنَا } إذْ كَانَتْ إقَامَة الصَّلَوَات كَفَّارَة لِلذُّنُوبِ , وَإِيتَاء الزَّكَاة تَطْهِيرًا لِلنَّفُوسِ وَالْأَبْدَان مِنْ أَدْنَاس الْآثَام , وَفِي تَقْدِيم الْخَيْرَات إدْرَاك الْفَوْز بِرِضْوَانِ اللَّه .

إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّه بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير } .

وَهَذَا خَبَر مِنْ اللَّه جَلّ ثَنَاؤُهُ لِلَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَات مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ مَهْمَا فَعَلُوا مِنْ خَيْر وَشَرّ سِرًّا وَعَلَانِيَة , فَهُوَ بِهِ بَصِير لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْء , فَيَجْزِيهِمْ بِالْإِحْسَانِ جَزَاءَهُ وَبِالْإِسَاءَةِ مِثْلهَا .

وَهَذَا الْكَلَام وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر , فَإِنَّ فِيهِ وَعْدًا وَوَعِيدًا , وَأَمْرًا وَزَجْرًا ; وَذَلِكَ أَنَّهُ أَعْلَم الْقَوْم أَنَّهُ بَصِير بِجَمِيعِ أَعْمَالهمْ لِيَجِدُوا فِي طَاعَته , إذْ كَانَ ذَلِكَ مَذْخُورًا لَهُمْ عِنْده حَتَّى يُثِيبهُمْ عَلَيْهِ , كَمَا قَالَ : { وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْر تَجِدُوهُ عِنْد اللَّه } وَلْيَحْذَرُوا مَعْصِيَته , إذْ كَانَ مُطَلِّعًا عَلَى رَاكِبهَا بَعْد تَقَدُّمه إلَيْهِ فِيهَا بِالْوَعِيدِ عَلَيْهَا .

وَمَا أَوْعَدَ عَلَيْهِ رَبّنَا جَلّ ثَنَاؤُهُ فَمَنْهِيّ عَنْهُ , وَمَا وَعَدَ عَلَيْهِ فَمَأْمُور بِهِ .

وَأَمَّا قَوْله : { بَصِير } فَإِنَّهُ مُبْصِر صُرِفَ إلَى بَصِير , كَمَا صُرِفَ مُبْدِع إلَى بَدِيع , وَمُؤْلِم إلَى أَلِيم .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة تقدم .

والحمد لله تعالى .قوله تعالى : وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله جاء في الحديث أن العبد إذا مات قال الناس ما خلف وقالت الملائكة ما قدم .

وخرج البخاري والنسائي عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله .

قالوا : يا رسول الله ، ما منا من أحد إلا ماله أحب إليه من مال وارثه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس منكم من أحد إلا مال [ ص: 71 ] وارثه أحب إليه من ماله .

مالك ما قدمت ومال وارثك ما أخرت ، لفظ النسائي .

ولفظ البخاري : قال عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله قالوا : يا رسول الله ، ما منا أحد إلا ماله أحب إليه ، قال : فإن ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر .

وجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه مر ببقيع الغرقد فقال : السلام عليكم أهل القبور ، أخبار ما عندنا أن نساءكم قد تزوجن ، ودوركم قد سكنت ، وأموالكم قد قسمت .

فأجابه هاتف : يا ابن الخطاب أخبار ما عندنا أن ما قدمناه وجدناه ، وما أنفقناه فقد ربحناه ، وما خلفناه فقد خسرناه .

ولقد أحسن القائل :قدم لنفسك قبل موتك صالحا واعمل فليس إلى الخلود سبيلوقال آخر :قدم لنفسك توبة مرجوة قبل الممات وقبل حبس الألسنوقال آخر :ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا والقوم حولك يضحكون سرورافاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا في يوم موتك ضاحكا مسروراوقال آخر :سابق إلى الخير وبادر به فإنما خلفك ما تعلموقدم الخير فكل امرئ على الذي قدمه يقدموأحسن من هذا كله قول أبي العتاهية :اسعد بمالك في حياتك إنما يبقى وراءك مصلح أو مفسدوإذا تركت لمفسد لم يبقه وأخو الصلاح قليله يتزيدوإن استطعت فكن لنفسك وارثا إن المورث نفسه لمسددإن الله بما تعملون بصير تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فدل على أن النسخ لا يكون لأقل مصلحة لكم من الأول; لأن فضله تعالى يزداد خصوصا على هذه الأمة ، التي سهل عليها دينها غاية التسهيل.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا} تسلفوا.

{لأنفسكم من خير} طاعة وعمل صالح.

{تجدوه عند الله} وقيل: أراد بالخير المال كقوله تعالى: {إن ترك خيراً} [180-البقرة] وأراد من زكاة وصدقة تجدوه عند الله حتى الثمرة واللقمة مثل أحد.

{إن الله بما تعملون بصير}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وما تقدموا لأنفسكم من خير» طاعة كصلة وصدقة «تجدوه» أي ثوابه «عند الله إن الله بما تعملون بصير» فيجازيكم به.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واشتغلوا -أيها المؤمنون- بأداء الصلاة على وجهها الصحيح، وإعطاء الزكاة المفروضة.

واعلموا أنَّ كل خير تقدمونه لأنفسكم تجدون ثوابه عند الله في الآخرة.

إنه تعالى بصير بكل أعمالكم، وسيجازيكم عليها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قد أمرهم - سبحانه - في هذه الآية بالمواظبة على عمودي الإِسلام وهما العبادة البدنية التي تؤكد حسن صلة العبد بخالقه وهي الصلاة والعبادة المالية التي تؤلف بين قلوب الموسرين والمعسرين وهي الزكاة .وجاءت جملة ( وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله ) بعد ذلك ، لترغبهم في فعل الخير على وجه عام ، ولتحثهم على التزود من الأعمال الصالحة سواء أكانت فرضاً أم نفلا .وقال ( لأَنْفُسِكُم ) للإِشعار بأن ما يقدمه المؤمن من خير إنما يعود نفعه إليه ، وأنه سيجد عند الله نظير ذلك الثواب الجزيل ، والأجر العظيم ، وفي قوله ، عند الله ، إشارة إلى ضخامة الثواب ، لأنه صادر من الغني الحميد .وجاءت جملة ( إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) لتأكيد ذلك الوعد ، فقد دلت على أن الله - تعالى - لا يخفى عليه عمل عامل قليلا كان أو كثيرا .

وإذا كان عالماً محيطاً بكل عمل يصدر من الإِنسان ، كانت الأعمال محفوظة عنده - تعالى - ، فلا يضيع منها عمل دون أن يلقى العامل جزاءه يوم الدين .وفي إعادة ذكر اسم الجلالة في هذه الجملة مع تقدم ذكره في قوله : ( تَجِدُوهُ عِندَ الله ) إشعار باستقلال هذه الجملة ، وبشدة الاهتمام بالمعنى الذي تضمنته .كذلك من فوائد إظهار اسم الجلالة في مقام يجوز فيه الإِضمار ، أن تكون الجملة كحكمة تقال عند كل مناسبة ، بخلاف ما لو أتى بدل الاسم الظاهر بالضمير فإن إلقاءه عند المناسبة يستدعي أن تذكر الجملة السابقة معها حتى يعرف المراد من الضمير .ثم حكى القرآن لوناً من ألوان المزاعم الباطلة التي درج عليها أهل الكتاب ، ورد عليها بما يبطلها فقال :( وَأَقِيمُواْ الصلاة .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى أمر بالعفو والصفح عن اليهود، ثم عقبه بقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ تنبيهاً على أنه كما ألزمهم لحظ الغير وصلاحه العفو والصفح، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم وصلاحها القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات.

ثم قال بعده: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ ﴾ والأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وبين تعالى أنهم يجدونه وليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى ولأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه وجزائه، ثم قال: ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أي أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿ وافعلوا الخير لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

روى أنهم طعنوا في النسخ فقالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟

فنزلت.

وقرئ: ﴿ ما ننسخ من آية ﴾ وما نُنسخ، بضم النون، من أنسخ، أو ننسأها.

وقرئ: ﴿ ننسها ﴾ و ﴿ ننسها ﴾ بالتشديد، و ﴿ تنسها ﴾ ، و ﴿ تنسها ﴾ ، على خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقرأ عبد الله: ﴿ ما ننسك من آية أو ننسخها ﴾ وقرأ حذيفة: ﴿ ما ننسخ من آية أو ننسكها ﴾ .

ونسخ الآية: إزالتها بإبدال أخرى مكانها وإنساخها: الأمر بنسخها، وهو أن يأمر جبريل عليه السلام بأن يجعلها منسوخة بالإعلام بنسخها.

ونسؤها، تأخيرها وإذهابها.

لا إلى بدل.

وإنساؤها أن يذهب بحفظها عن القلوب.

والمعنى أن كل آية يذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معاً، أو من إزالة أحدهما إلى بدل أو غير بدل ﴿ نَأْتِ ﴾ بآية خير منها للعباد، أي بآية العمل بها أكثر للثواب أو مثلها في ذلك ﴿ على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الخير، وما هو خير منه، وعلى مثله في الخير ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والارض ﴾ فهو يملك أموركم يدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ.

لما بين لهم أنه مالك أمورهم ومدبرها على حسب مصالحهم من نسخ الآيات وغيره، وقررهم على ذلك بقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ ﴾ أراد أن يوصيهم بالثقة به فيما هو أصلح لهم مما يتعبدهم به وينزل عليهم وأن لا يقترحوا على رسولهم ما اقترحه آباء اليهود على موسى عليه السلام من الأشياء التي كانت عاقبتها وبالاً عليهم كقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها ﴾ [الأعراف: 138] ، ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ، وغير ذلك ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ الكفر بالإيمان ﴾ ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السبيل ﴾ .

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلاً، فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟

قالوا: شديد.

قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد ما عشت.

فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.

وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً.

ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبراه فقال: «أصبتما خيراً وأفلحتما» فنزلت.

فإن قلت: بم تعلق قوله: ﴿ مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ؟

قلت: فيه وجهان: أحدهما أن يتعلق بوَدَّ، على معنى أنهم تمنوا أن ترتدوا عن دينكم وتمنيهم ذلك من عند أنفسهم ومن قبل شهوتهم، لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودّوا ذلك من بعد ما تبين لهم أنكم على الحق، فكيف يكون تمنيهم من قبل الحق؟

وإما أن يتعلق بحسدا، أي حسداً متبالغاً منبعثاً من أصل أنفسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح عما يكون منهم من الجهل والعداوة ﴿ حتى يَأْتِىَ الله بِأَمْرِهِ ﴾ الذي هو قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إِنَّ الله على كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ مّنْ خَيْرٍ ﴾ من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما ﴿ تَجِدُوهُ عِندَ الله ﴾ تجدوا ثوابه عند الله ﴿ إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ عالم لا يضيع عنده عمل عامل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي أحْبارَهم.

﴿ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ ﴾ أنْ يَرُدُّوكُمْ، فَإنَّ لَوْ تَنُوبُ عَنْ أنْ في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ: ﴿ مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا ﴾ مُرْتَدِّينَ، وهو حالٌ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ ﴿ حَسَدًا ﴾ عِلَّةُ ودَّ.

﴿ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِوَدَّ، أيْ تَمَنَّوْا ذَلِكَ مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ وتَشَهِّيهِمْ، لا مِن قِبَلِ التَّدَيُّنِ والمَيْلِ مَعَ الحَقِّ.

أوْ بِحَسَدًا أيْ حَسَدًا بالِغًا مُنْبَعِثًا مِن أصْلِ نُفُوسِهِمْ ﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ ﴾ بِالمُعْجِزاتِ والنُّعُوتِ المَذْكُورَةِ في التَّوْراةِ.

﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ العَفْوُ تَرْكُ عُقُوبَةِ المُذْنِبِ، والصَّفْحُ تُرْكُ تَثْرِيبِهِ.

﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ الَّذِي هو الإذْنُ في قِتالِهِمْ وضَرْبِ الجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، أوْ قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّهُ مَنسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ، وفِيهِ نَظَرٌ إذِ الأمْرُ غَيْرُ مُطْلَقٍ ﴿ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الِانْتِقامِ مِنهم.

﴿ وَأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ عَطْفٌ عَلى فاعْفُوا كَأنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ والمُخالَفَةِ واللَّجَأِ إلى اللَّهِ تَعالى بِالعِبادَةِ والبِرِّ ﴿ وَما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ ﴾ كَصَلاةٍ وصَدَقَةٍ.

وقُرِئَ « تُقْدِمُوا» مِن أقْدَمَ ﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ ثَوابَهُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ لا يَضِيعُ عِنْدَهُ عَمَلٌ.

وقُرِئَ بِالياءِ فَيَكُونُ وعِيدًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)

{وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وَمَا تُقَدّمُواْ لأَنْفُسِكُم مّنْ خَيْرٍ} من حسنة صلاة أو صدقة أو غيرهما {تَجِدُوهُ عِندَ الله} تجدوا ثوابه عنده {إِنَّ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} فلا يضيع عنده عمل عامل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ فاعْفُوا ﴾ كَأنَّهُ سُبْحانَهُ أمَرَهم بِالمُخالَفَةِ، والِالتِجاءِ إلَيْهِ تَعالى بِالعِبادَةِ البَدَنِيَّةِ والمالِيَّةِ لِأنَّها تَدْفَعُ عَنْهم ما يَكْرَهُونَ، وقَوْلُ الطَّبَرِيِّ: إنَّهم أُمِرُوا هُنا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ لِيُحْبِطَ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى قَوْلِ اليَهُودِ (راعِنا) مُنْحَطٌّ عَنْ دَرَجَةِ الِاعْتِبارِ.

﴿ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ ﴾ أيْ أيِّ خَيْرٍ كانَ، وفي ذَلِكَ تَوْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، والصَّلاةِ، والزَّكاةِ، وتَرْغِيبٌ إلَيْهِ، واللّامُ نَفْعِيَّةٌ، وتَخْصِيصُ الخَيْرِ بِالصَّلاةِ والصَّدَقَةِ خِلافُ الظّاهِرِ، وقُرِئَ (تَقْدَمُوا) مِن قَدِمَ مِنَ السَّفَرِ، وأقْدَمَهُ غَيْرُهُ جَعَلَهُ قادِمًا، وهي قَرِيبٌ مِنَ الأُولى، لا مِنَ الإقْدامِ ضِدِّ الإحْجامِ.

﴿ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أيْ تَجِدُوا ثَوابَهُ لَدَيْهِ سُبْحانَهُ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، وقِيلَ: الظّاهِرُ أنَّ المُرادَ تَجِدُوهُ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى، واللَّهُ تَعالى عالِمٌ بِهِ، إلّا أنَّهُ بالِغٌ في كَمالِ عِلْمِهِ، فَجَعَلَ ثُبُوتَهُ في عِلْمِهِ بِمَنزِلَةِ ثُبُوتِ نَفْسِهِ عِنْدَهُ، وقَدْ أكَّدَ تِلْكَ المُبالَغَةَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ حَيْثُ جَعَلَ جَمِيعَ ما يَعْمَلُونَ مُبْصَرًا لَهُ تَعالى، فَعَبَّرَ عَنْ عِلْمِهِ تَعالى بِالبَصَرِ مَعَ أنَّ قَلِيلًا مِمّا يَعْمَلُونَ مِنَ المُبْصَراتِ، وكَأنَّهُ لِهَذا فَسَّرَ الزَّمَخْشَرِيُّ البَصِيرَ بِالعالِمِ، وأمّا قَوْلُ العَلّامَةِ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى نَفْيِ الصِّفاتِ، وأنَّهُ لَيْسَ مَعْنى السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ تَعالى إلّا تَعَلُّقُ ذاتِهِ بِالمَعْلُوماتِ، فَفِيهِ أنَّ التَّفْسِيرَ لا يُفِيدُ إلّا أنَّ المُرادَ مِنَ البَصِيرِ ها هُنا العالِمُ، ولا دِلالَةَ عَلى كَوْنِهِ الذّاتَ، أوْ زائِدًا عَلَيْهِ، ولا عَلى أنَّ لَيْسَ مَعْنى السَّمْعِ والبَصَرِ في حَقِّهِ تَعالى سِوى التَّعَلُّقِ المَذْكُورِ، وقُرِئَ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ، والضَّمِيرُ حِينَئِذٍ كِنايَةٌ عَنْ كَثِيرٍ، أوْ عَنْ أهْلِ الكِتابِ، فَيَكُونُ تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ تَعالى ﴿ فاعْفُوا ﴾ إلَخْ، مُؤَكِّدًا لِمَضْمُونِ الغايَةِ، والمُناسِبُ أنْ يَكُونَ وعِيدًا لِأُولَئِكَ، لِيَكُونَ تَسْلِيَةً وتَوْطِينًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالعَفْوِ والصَّفْحِ، وإزالَةً لِاسْتِبْطاءِ إتْيانِ الأمْرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ كِنايَةً عَنِ المُؤْمِنِينَ المُخاطَبِينَ بِالخِطاباتِ المُتَقَدِّمَةِ، والكَلامُ وعِيدٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويُسْتَفادُ مِنَ الِالتِفاتِ الواقِعِ مِن صَرْفِ الكَلامِ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ، وهو النُّكْتَةُ الخاصَّةُ بِهَذا الِالتِفاتِ، ولا يَخْفى أنَّهُ كَلامٌ لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، أي أقروا بالصلاة وأدوها في مواقيتها بركوعها وسجودها وخشوعها، وَآتُوا الزَّكاةَ، أي وأعطوا الزكاة المفروضة وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ، أي ما تصدقتم من صدقة وعملتم من العمل الصالح، تجدوه عند الله محفوظاً يجزيكم به.

ونظير هذا ما قال في آية أخرى يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً [آل عمران: 30] ، وقال في آية أخرى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ [الزلزلة: 7] .

وروي أنه مكتوب في بعض الكتب: يا بني آدم، ضع كنزك عندي لا سرق ولا حرق ولا فساد، تجده حين تكون أحوج إليه.

ثم قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ، يعني عالم بأعمالكم يجازيكم بالخير خيراً وبالشر شراً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

[الصافات: ٥٥] وقال حَسَّانُ بنُ ثابتٍ في رثاء النبيِّ صلّى الله عليه وسلم [الكامل] :

يَا وَيْحَ أَنْصَارِ النَّبِيِّ وَرَهْطِه ...

بَعْدَ المُغَيَّبِ فِي سَوَاءِ المُلْحَدِ «١»

والسبيلُ: عبارة عن الشريعة التي أنزلها الله تعالى لعباده.

وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)

وقوله تعالى: وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً ...

الآيةَ: قال ابنُ عَبَّاس: المراد ابنا أَخْطَبَ حُيَيٌّ وأَبُو يَاسِرً، أي: وأتباعهما «٢» ، واختلف في سبب هذه الآيةِ، فقيل: إن حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمَانِ «٣» ، وعمّار بن ياسر «٤» أتيا بيت

المِدْرَاس «١» ، فأراد اليهودُ صرْفَهما عن دينهما، فثبتا عليه، ونزلت الآية، وقيل: إن هذه الآية تابعةٌ في المعنى لما تقدَّم من نَهْيِ اللَّه عزَّ وجلَّ عن متابعة أقوال اليهود في: راعِنا [البقرة: ١٠٤] وغيره، وأنهم لا يودُّون أن ينزل على المؤمنين خيْرٌ، ويودُّون أن يردوهم كفاراً من بعد ما تبيَّن لهم الحق، وهو نبوءة محمّد صلّى الله عليه وسلم.

ت: وقد جاءَتْ أحاديث صحيحةٌ في النهيِ عن الحسدِ، فمنْها حديثُ مالكٍ في الموطَّإ عن أنس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلم قال: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَكُونُوا عِبَاد اللَّهِ إخْوَاناً، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهُجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ» «٢» وأسند أبو عمر بن عبد البَرِّ عن الزُّبَيْر، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، حَالِقَتَا الدِّينِ، لاَ حَالِقَتَا الشَّعْرِ» «٣» .

انتهى من «التمهيد» .

والعَفْوُ: تركُ العُقُوبةِ، والصفْح: الإِعراض عن المُذْنِبِ كأنَّه يولي صفحة العُنُق، قال ابنُ عَبَّاس: هذه الآية منسوخةٌ بقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ [التوبة: ٢٩] الآيةَ إلى قوله: صاغِرُونَ «١» .

وقيل: بقوله: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ «٢» [التوبة: ٥] ، وقال قوم: ليس هذا حدَّ المنسوخِ لأن هذا في نفْس الأمر كان التوقيفَ على مدَّته.

ت: وينبغي للمؤمن أَن يتأدَّب بآداب هذه الآية، وفي الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَال: «أَلاَ أَدُلُّكُمْ على مَا يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ الدَّرَجَاتِ» ؟

قَالُوا: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:

«تَحْلُمُ على مَنْ جَهِلَ عَلَيْكَ، وَتَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَكَ، وَتُعْطِي مَنْ حَرَمَكَ، وَتَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ» خرَّجه النسائيُّ «٣» .

انتهى من «الكوكب الدرِّيِّ» لأبي العبَّاس أحمد بن سعيد التُّجِيبِيِّ.

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: مقتضاه في هذا الموضِعِ: وَعْدٌ للمؤمنين.

وقوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ ...

الآية: قال الطبريُّ «٤» : إِنما أمر اللَّه المؤمنين هنا بالصَّلاة والزَّكاة ليحطَّ ما تقدَّم من ميلهم إِلى قول اليهودِ: راعِنا [البقرة: ١٠٤] لأنَّ ذلك نَهْيٌ عن نوعه، وقوله: تَجِدُوهُ، أي: تجدوا ثوابه، وروى ابن المبارك في «رَقَائِقِهِ» بسنده قال: «جَاءَ رجل من الأنصار إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم فقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَالِي لاَ أُحِبُّ المَوْتَ؟

فَقَالَ: هَلْ لَكَ مَالٌ؟

قَالَ: نَعَمْ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَقَدِّمْ مَالَكَ بَيْنَ يديك فإنّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَجِدُوهُ ﴾ أيْ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَأقِيمُوا الصَلاةَ وآتُوا الزَكاةَ وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ إنَّ اللهِ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أو نَصارى تِلْكَ أمانِيُّهم قُلْ هاتُوا بُرْهانَكم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ فَلَهُ أجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ مِنَ الفُقَهاءِ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ( وأقِيمُوا الصَلاةَ ) عُمُومٌ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ، والمُرَجِّحُ أنَّ ذَلِكَ عُمُومٌ مِن وجْهٍ، ومُجْمَلٌ مِن وجْهٍ، فَعُمُومٌ مِن حَيْثُ الصَلاةُ الدُعاءُ، فَحَمْلُهُ عَلى مُقْتَضاهُ مُمْكِنٌ، وخَصَّصَهُ الشَرْعُ بِهَيْئاتٍ وأفْعالٍ وأقْوالٍ، ومُجْمَلٌ مِن حَيْثُ الأوقاتُ وعَدَدُ الرَكَعاتِ لا يُفْهَمُ مِنَ اللَفْظِ، بَلِ السامِعُ فِيهِ مُفْتَقِرٌ إلى التَفْسِيرِ، وهَذا كُلُّهُ في أقِيمُوا الصَلاةَ، وأمّا الزَكاةُ فَمُجْمَلَةٌ لا غَيْرَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: إنَّما أمَرَ اللهُ هُنا بِالصَلاةِ والزَكاةِ لِتَحُطَّ ما تَقَدَّمَ مِن مَيْلِهِمْ إلى أقْوالِ اليَهُودِ: "راعِنا" لِأنَّ ذَلِكَ نَهْيٌ عن نَوْعِهِ، ثُمَّ أُمِرَ المُؤْمِنُونَ بِما يَحُطُّهُ.

والخَيْرُ المُقَدِّمُ مُنْقَضٍ لِأنَّهُ فَعَلَ، فَمَعْنى "تَجِدُوهُ": تَجِدُوا ثَوابَهُ وجَزاءَهُ، وذَلِكَ بِمَنزِلَةِ وُجُودِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ، خَبَرٌ في اللَفْظِ مَعْناهُ الوَعْدُ والوَعِيدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ ﴾ مَعْناهُ: قالَ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ هُودًا، وقالَ النَصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصارى، فَجَمَعَ قَوْلَهُمْ، ودَلَّ تَفْرِيقُ نَوْعَيْهِمْ عَلى تَفَرُّقِ قَوْلَيْهِمْ، وهَذا هو الإيجازُ واللَفُّ، وهُودٌ: جَمْعُ هائِدٍ، مِثْلُ عائِدٍ وعُودٍ.

ومَعْناهُ التائِبُ الراجِعُ، ومِثْلُهُ في الجَمْعِ: بازِلٌ وبَزْلٌ، وحائِلٌ وحَوْلٌ، وبائِرٌ وبُورٌ، وقِيلَ: هو مَصْدَرٌ يُوصَفُ بِهِ الواحِدُ والجَمْعُ كَفَطَرَ وعَدَلَ ورَضا.

وقالَ الفَرّاءُ: أصْلُهُ يَهُودِيٌّ حُذِفَتْ ياءاهُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا"، وكَذَّبَهُمُ اللهُ تَعالى، وجَعَلَ قَوْلَهم أُمْنِيَةً، وقَدْ قَطَعُوا قَبْلُ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ  ﴾ ، وأمَرَ مُحَمَّدٌ  بِدُعائِهِمْ إلى إظْهارِ البُرْهانِ.

وقِيلَ: إنَّ الهاءَ في "هاتُوا" أصْلِيَّةٌ مِن "هاتا، يُهاتِي"، وأُمِيتُ تَصْرِيفُ هَذِهِ اللَفْظَةِ كُلِّهِ إلّا الأمْرُ مِنهُ، وقِيلَ: هي عِوَضٌ مِن هَمْزَةِ آتى، وقِيلَ: ها تَنْبِيهٌ، وأُلْزِمَتْ هَمْزَةُ آتى الحَذْفَ.

والبُرْهانُ: الدَلِيلُ الَّذِي يُوقِعُ اليَقِينَ.

قالَ الطَبَرِيُّ: طَلَبُ الدَلِيلِ هُنا يَقْضِي بِإثْباتِ النَظَرِ، ويَرُدُّ عَلى مَن يَنْفِيهِ، وقَوْلُ اليَهُودِ: "لَنْ" نَفْيٌ حَسُنَتْ بَعْدَهُ "بَلى" إذْ هي رَدٌّ بِالإيجابِ في جَوابِ النَفْيِ، حَرْفٌ مُرْتَجَلٌ لِذَلِكَ، وقِيلَ: هي "بَلْ" زِيدَتْ عَلَيْها الياءُ لِتُزِيلَها عَلى حَدِّ النَسَقِ الَّذِي في "بَلْ".

و"أسْلَمَ" مَعْناهُ: اسْتَسْلَمَ وخَضَعَ ودانَ، ومِنهُ قَوْلُ زِيدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: وأسْلَمْتُ وجْهِي لِمَن أسْلَمَتْ لَهُ المُزْنُ تَحْمِلُ عَذْبًا زُلالًا وخُصَّ الوَجْهُ بِالذِكْرِ لِكَوْنِهِ أشْرَفَ ما يُرى مِنَ الإنْسانِ ومَوْضِعَ الحَواسِّ، وفِيهِ يَظْهَرُ العِزُّ والذُلُّ، ولِذَلِكَ يُقالُ: وجْهُ الأمْرِ، أيْ مُعْظَمُهُ وأشْرَفُهُ، قالَ الأعْشى: أُؤَوِّلُ الحُكْمَ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ لَيْسَ قَضائِي بِالهَوى الجائِرِ ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ الوَجْهُ في هَذِهِ الآيَةِ، المَقْصِدَ، ﴿ وَهُوَ مُحْسِنٌ ﴾ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الحالِ، وعادَ الضَمِيرُ في "لَهُ" عَلى لَفْظِ "مَن" وكَذَلِكَ في قَوْلِهِ: "أجْرُهُ"، وعادَ في "عَلَيْهِمْ" عَلى المَعْنى، وكَذَلِكَ في "يَحْزَنُونَ".

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "فَلا خَوْفَ" دُونَ تَنْوِينٍ في الفاءِ المَرْفُوعَةِ، فَقِيلَ: ذَلِكَ تَخْفِيفٌ، وقِيلَ: المُرادُ فَلا الخَوْفُ، فَحُذِفَتِ الألِفُ واللامُ.

والخَوْفُ: هو لِما يُتَوَقَّعُ، والحُزْنُ: هو لِما قَدْ وقَعَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اليَهُودُ ﴾ الآيَةُ، مَعْناهُ ادَّعى كُلُّ فَرِيقٍ أنَّهُ أحَقُّ بِرَحْمَةِ اللهِ مِنَ الآخَرِ.

وسَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ أنَّ نَصارى نَجْرانَ اجْتَمَعُوا مَعَ يَهُودِ المَدِينَةِ عِنْدَ النَبِيِّ  ، فَتَسابُّوا، وكَفَرَ اليَهُودُ بِعِيسى وبِمِلَّتِهِ وبِالإنْجِيلِ، وكَفَرَ النَصارى بِمُوسى وبِالتَوْراةِ، وفي هَذا مِن فِعْلِهِمْ كَفَرَ كُلُّ طائِفَةٍ بِكِتابِها، لِأنَّ الإنْجِيلَ يَتَضَمَّنُ صِدْقَ مُوسى وتَقْرِيرَ التَوْراةِ، والتَوْراةُ تَتَضَمَّنُ التَبْشِيرَ بِعِيسى وصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ، وكِلاهُما تَضَمَّنَ صِدْقَ مُحَمَّدٍ  .

فَعَنَّفَهُمُ اللهُ تَعالى عَلى كَذِبِهِمْ، وفي كُتُبِهِمْ خِلافَ ما قالُوا.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَهم يَتْلُونَ الكِتابَ ﴾ ، تَنْبِيهٌ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  عَلى مُلازَمَةِ القُرْآنِ والوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ، كَما قالَ الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ في عُمْرَ بْنِ الخَطّابِ وكانَ وقّافًا عِنْدَ كِتابِ اللهِ.

والكِتابُ الَّذِي يَتْلُونَهُ قِيلَ: التَوْراةُ والإنْجِيلُ، فالألِفُ واللامُ لِلْجِنْسِ، وقِيلَ: التَوْراةُ لِأنَّ النَصارى تَمْتَثِلُها، فالألِفُ واللامُ لِلْعَهْدِ.

اخْتَلَفَ مَنِ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَعْلَمُونَ ﴾ فَقالَ الجُمْهُورُ: عَنى بِذَلِكَ كُفّارَ العَرَبِ ؛ لِأنَّهم لا كِتابَ لَهُمْ، وقالَ عَطاءٌ: المُرادُ أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَصارى، وقالَ قَوْمٌ: المُرادُ اليَهُودُ، وكَأنَّهُ أُعِيدَ قَوْلُهُمْ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وأخْبَرَهم تَعالى بِأنَّهُ ﴿ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ ، والمَعْنى بِأنْ يُثِيبَ مَن كانَ عَلى شَيْءٍ أيَّ شَيْءٍ حَقٍّ، ويُعاقِبُ مَن كانَ عَلى غَيْرِ شَيْءٍ.

وقالَ الزَجّاجُ: المَعْنى يُرِيهِمْ عِيانًا مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ومَن يَدْخُلُ النارَ.

و ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ سُمِّي بِقِيامِ الناسِ مِنَ القُبُورِ، إذْ ذَلِكَ مَبْدَأٌ لِجَمِيعِ ما في اليَوْمِ، وفي الِاسْتِمْرارِ بَعْدَهُ.

وقَوْلُهُ: "كانُوا" بِصِيغَةِ الماضِي حَسَنٌ عَلى مُراعاةِ الحُكْمِ، ولَيْسَ هَذا مِن وضْعِ الماضِي مَوْضِعَ المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ اخْتِلافَهم لَيْسَ في ذَلِكَ اليَوْمِ بَلْ في الدُنْيا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

مناسبته لما قبله أن ما تقدم إخبار عن حسد أهل الكتاب وخاصة اليهود منهم، وآخرتها شبهة النسخ، فجيء في هذه الآية بتصريح بمفهوم قوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [البقرة: 105] الآية لأنهم إذا لم يودوا مجيء هذا الدين الذي اتبعه المسلمون فهم يودون بقاء من أسلم على كفره ويودون أن يرجع بعد إسلامه إلى الكفر.

وقد استطرد بينه وبين الآية السابقة بقوله: ﴿ ما ننسخ ﴾ [البقرة: 106] الآيات للوجوه المتقدمة، فلأجل ذلك فصلت هاته الجملة لكونها من الجملة التي قبلها بمنزلة البيان إذ هي بيان لمنطوقها ولمفهومها.

وفي «تفسير ابن عطية» و«الكشاف» و«أسباب النزول» للواحدي أن حذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر أتيا بيت المدراس وفيه فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس وغيرهما من اليهود فقالوا لحذيفة وعمار: «ألم تروا ما أصابكم يوم أحد ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير ونحن أهدى منكم» فردا عليهم وثبتا على الإسلام.

والود تقدم في الآية السالفة.

وإنما أسند هذا الحكم أي الكثير منهم وقد أسند قوله: ﴿ ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ﴾ [البقرة: 105] إلى جميعهم لأن تمنيهم أن لا ينزل دين إلى المسلمين يستلزم تمنيهم أن يتبع المشركون دين اليهود أو النصارى حتى يعم ذلك الدين جميع بلاد العرب فلما جاء الإسلام شرقت لذلك صدورهم جميعاً فأما علماؤهم وأحبارهم فخابوا وعلموا أن ما صار إليه المسلمون خير مما كانوا عليه من الإشراك لأنهم صاروا إلى توحيد الله والإيمان بأنبيائه ورسله وكتبه وفي ذلك إيمان بموسى وعيسى وإن لم يتبعوا ديننا، فهم لا يودون رجوع المسلمين إلى الشرك القديم لأن في مودة ذلك تمني الكفر وهو رضي به.

وأما عامة اليهود وجهلتهم فقد بلغ بهم الحسد والغيظ إلى مودة أن يرجع المسلمون إلى الشرك ولا يبقوا على هذه الحالة الحسنة الموافقة لدين موسى في معظمه نكاية بالمسلمين وبالنبيء صلى الله عليه وسلم قال تعالى: ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلاً ﴾ [النساء: 51] وفي هذا المعنى المكتنز ما يدلكم على وجه التعبير بِ ﴿ يردونكم ﴾ دون لو كفرتم ليشار إلى أن ودادتهم أن يرجع المسلمون إلى الشرك لأن الرد إنما يكون إلى أمر سابق ولو قيل لو كفرتم لكان فيه بعض العذر لأهل الكتاب لاحتماله أنهم يودون مصير المسلمين إلى اليهودية.

وبه يظهر وجه مجيء ﴿ كفاراً ﴾ معمولاً لمعمول ﴿ ود كثير ﴾ ليشار إلى أنهم ودوا أن يرجع المسلمون كفاراً بالله أي كفارا كفراً متفقاً عليه حتى عند أهل الكتاب وهو الإشراك فليس ذلك من التعبير عن ما صْدق ما ودوه بل هو من التعبير عن مفهوم ما ودوه، وبه يظهر أيضاً وجه قوله تعالى: ﴿ من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ فإنه تبيُّنُ أن ما عليه المسلمون حق من جهة التوحيد والإيمان بالرسل بخلاف الشرك، أو من بعد ما تبين لهم صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهم إذا كان المراد بالكثير منهم خاصة علمائهم والله مطلع عليهم.

و ﴿ لو ﴾ هنا بمعنى أن المصدرية ولذلك يؤول ما بعدها بمصدر.

و ﴿ حسداً ﴾ حال من ضمير ﴿ وَدَّ ﴾ أي إن هذا الود لا سبب له إلا الحسد لا الرغبة في الكفر.

وقوله: ﴿ من عند أنفسهم ﴾ جيء فيه بمن الابتدائية للإشارة إلى تأصل هذا الحسد فيهم وصدوره عن نفوسهم.

وأُكد ذلك بكلمة (عند) الدالةِ على الاستقرار ليزداد بيانُ تمكنه وهو متعلق بحسداً لا بقوله: ﴿ ود ﴾ .

وإنّما أمر المسلمون بالعفو والصفح عنهم في هذا الموضع خاصة لأن ما حكى عن أهل الكتاب هنا مما يثير غضب المسلمين لشدة كراهيتهم للكفر قال تعالى: ﴿ وكره إليكم الكفر ﴾ [الحجرات: 7] فلا جرم أن كان من يود لهم ذلك يعدونه أكبر أعدائهم فلما كان هذا الخبر مثيراً للغضب خيف أن يفتكوا باليهود وذلك ما لا يريده الله منهم لأن الله أراد منهم أن يكونوا مستودع عفو وحلم حتى يكونوا قدوة في الفضائل.

والعفو ترك عقوبة المذنب.

والصفح بفتح الصاد مصدر صفح صفحاً إذا أعرض لأن الإنسان إذا أعرض عن شيءٍ ولاه من صفحة وجهه، وصفح وجهه أي جانبه وعرضه وهو مجاز في عدم مواجهته بذكر ذلك الذنب أي عدم لومه وتثريبه عليه وهو أبلغ من العفو كما نقل عن الراغب ولذلك عطف الأمر به على الأمر بالعفو لأن الأمر بالعفو لا يستلزمه ولم يستغن باصفحوا لقصد التدريج في أمرهم بما قد يخالف ما تميل إليه أنفسهم من الانتقام تلطفاً من الله مع المسلمين في حملهم على مكارم الأخلاق.

وقوله: ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ أي حتى يجيء ما فيه شفاء غليلكم قيل هو إجلاء بني النضير وقتل قريظة، وقيل الأمر بقتال الكتابيين أو ضرب الجزية.

والظاهر أنه غاية مبهمة للعفو والصفح تطميناً لخواطر المأمورين حتى لا ييأسوا من ذهاب أذى المجرمين لهم بطلاً وهذا أسلوب مسلوك في حمل الشخص على شيء لا يلائمه كقول الناس حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً فإذا جاء أمر الله بترك العفو انتهت الغاية، ومن ذلك إجلاء بني النضير.

ولعل في قوله: ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تعليماً للمسلمين فضيلة العفو أي فإن الله قدير على كل شيء وهو يعفو ويصفح وفي الحديث الصحيح «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله عز وجل يدعون له نداً وهو يرزقهم» ، أو أراد أنه على كل شيء قدير فلو شاء لأهلكهم الآن ولكنه لحكمته أمركم بالعفو عنهم وكل ذلك يرجع إلى الائتساء بصنع الله تعالى وقد قيل: إن الحكمة كلها هي التشبه بالخالق بقدر الطاقة البشرية.

فجملة ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ تذييل مسوق مساق التعليل، وجملة ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ إلى قوله: ﴿ وقالوا لن يدخل ﴾ [البقرة: 111] تفريع مع اعتراض فإن الجملة المعترضة هي الواقعة بين جملتين شديدتي الاتصال من حيث الغرض المسوق له الكلام والاعتراض هو مجيء ما لم يسق غرض الكلام له ولكن للكلام والغرض به علاقة وتكميلاً وقد جاء التفريع بالفاء هنا في معنى تفريع الكلام على الكلام لا تفريع معنى المدلول على المدلول لأن معنى العفو لا يتفرع عن ود أهل الكتاب ولكن الأمر به تفرع عن ذكر هذا الود الذي هو أذى وتجيء الجملة المعترضة بالواو وبالفاء بأن يكون المعطوف اعتراضاً.

وقد جوزه صاحب «الكشاف» عند قوله تعالى: ﴿ فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون ﴾ في سورة النحل (43)، وجوزه ابن هشام في «مغني اللبيب» واحتج له بقوله تعالى: ﴿ فالله أولى بهما ﴾ [النساء: 135] على قول ونقل بعض تلامذة الزمخشري أنه سئل عن قوله تعالى في سورة عبس (11 13) ﴿ إنها تذكرة فمن شاء ذكره في صحف مكرمة ﴾ أنه قال لا يصح أن تكون جملة ﴿ فمن شاء ذكره ﴾ اعتراضاً لأن الاعتراض لا يكون مع الفاء ورده صاحب «الكشاف» بأنه لا يصح عنه لمنافاته كلامه في آية سورة النحل.

وقوله تعالى: ﴿ وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ أريد به الأمر بالثبات على الإسلام فإن الصلاة والزكاة ركناه فالأمر بهما يستلزم الأمر بالدوام على ما أنتم عليه على طريق الكناية.

وقوله: ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ﴾ مناسب للأمر بالثبات على الإسلام وللأمر بالعفو والصفح.

وفيه تعريض باليهود بأنهم لا يقدرون قدر عفوكم وصفحكم ولكنه لا يضيع عند الله ولذلك اقتصر على قوله: ﴿ عند الله ﴾ قال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوائزه *** لا يذهب العرف بين الله والناس وقوله تعالى: ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ تذييل لما قبله.

والبصير العليم كما تقدم، وهو كناية عن عدم إضاعة جزاء المحسن والمسيء لأن العليم القدير إذا علم شيئاً فهو يرتب عليه ما يناسبه إذ لا يذهله جهل ولا يعوزه عجز، وفي هذا وعد لهم يتضمن وعيداً لغيرهم لأنه إذا كان بصيراً بما يعمل المسلمون كان بصيراً بما يعمل غيرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا ﴾ سَبَبُ نُزُولِها، ما رُوِيَ أنَّ نَفَرًا مِنَ اليَهُودِ، مِنهم فِنْحاصُ، وزَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، دَعَوْا حُذَيْفَةَ وعَمّارًا إلى دِينِهِما، وقالُوا: نَحْنُ أهْدى مِنكم سَبِيلًا، فَقالَ لَهم عَمّارٌ: وكَيْفَ نَقْضُ العَهْدِ عِنْدَكُمْ؟

قالُوا: شَدِيدٌ، قالَ عَمّارٌ: فَإنِّي عاهَدْتُ رَبِّي ألّا أكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ أبَدًا، ولا أتَّبِعَ دِينًا غَيْرَ دِينِهِ، فَقالَتِ اليَهُودُ: أمّا عَمّارٌ فَقَدْ صَبَأ وضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، فَكَيْفَ أنْتَ يا حُذَيْفَةُ؟

فَقالَ حُذَيْفَةُ: اللَّهُ رَبِّي، ومُحَمَّدٌ نَبِيِّي، والقُرْآنُ إمامِي، أُطِيعُ رَبِّي، وأقْتَدِي بِرَسُولِي، وأعْمَلُ بِكِتابِ رَبِّي.

فَقالا: وإلَهِ مُوسى، لَقَدْ أُشْرِبَتْ قُلُوبُكُما حُبَّ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هَذِهِ الآيَةَ.

﴿ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لِلْيَهُودِ، أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ صادِقٌ، وأنَّ الإسْلامَ دِينُ حَقٍّ.

﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فاعْفُوا، أيِ اتْرُكُوا اليَهُودَ، واصْفَحُوا عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ ﴾ يَعْنِي ما أذِنَ بِهِ في (بَنِي قُرَيْظَةَ)، مِنَ القَتْلِ والسَّبْيِ، وفي (بَنِي النَّضِيرِ) مِنَ الجَلاءِ والنَّفْيِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن اسحق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: «قال رافع بن حريملة ووهب بن زيد لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا محمد ائتنا بكتاب تنزله علينا من السماء نقرأه، أو فجر لنا أنهاراً نتبعك ونصدقك، فأنزل الله في ذلك ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم ﴾ إلى قوله: ﴿ سواء السبيل ﴾ وكان حيي بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب من أشد اليهود حسداً للعرب إذ خصهم الله برسوله، وكانا جاهدين في رد الناس عن الإِسلام ما استطاعا، فأنزل الله فيهما ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: قال رجل «يا رسول الله لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أعطيتم خير، كانت بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزياً في الدنيا، وإن لم يكفرها كانت له خزياً في الآخرة، وقد أعطاكم الله خيراً من ذلك قال: ﴿ ومن يعمل سوءاً أو يظلم نفسه ﴾ [ النساء: 110] الآية، والصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن.

فأنزل الله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم...

﴾ الآية.» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن السدي قال: سألت العرب محمداً صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم بالله فيروه جهرة، فنزلت هذه الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: «سألت قريش محمداً صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم الصفا ذهباً.

فقال: نعم، وهو كالمائدة لبني إسرائيل إن كفرتم، فأبوا ورجعوا.

فأنزل الله: ﴿ أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل ﴾ أن يريهم الله جهرة» .

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ ومن يتبدل الكفر بالإِيمان ﴾ يقول: يتبدل الشدة بالرخاء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ فقد ضل سواء السبيل ﴾ قال: عدل عن السبيل.

وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل عن كعب بن مالك قال: «كان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، ففيهم أنزل الله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ [ آل عمران: 186] الآية.

وفيهم أنزل الله: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً ﴾ الآيه» .

وأخرج البخاري ومسلم وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في الدلائل عن أسامة بن زيد قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله ويصبرون على الأذى قال الله: ﴿ ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيراً ﴾ [ آل عمران: 186] وقال: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتأوّل في العفو ما أمره الله به حتى أذن الله فيهم بقتل، فقتل الله به من قتل من صناديد قريش» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الزهري وقتادة في قوله: ﴿ ودّ كثير من أهل الكتاب ﴾ قالا: كعب بن الأشرف.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ حسداً من عند أنفسهم ﴾ قال: من قبل أنفسهم ﴿ من بعد ما تبين لهم الحق ﴾ يقول: يتبين لهم أن محمداً رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ من بعد تبين لهم الحق ﴾ قال: من بعد ما تبين لهم أن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل نعته وأمره ونبوته، ومن بعد ما تبين لهم أن الإِسلام دين الله الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ قال: أمر الله نبيه أن يعفو عنهم ويصفح حتى يأتي الله بأمره، فأنزل الله في براءة وأمره فقال: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 29] الآية.

فنسختها هذه الآية، وأمره الله فيها بقتال أهل الكتاب حتى يسلموا أو يقروا بالجزية.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ وقوله: ﴿ وأعرض عن المشركين ﴾ [ الأنعام: 106] ونحو هذا في العفو عن المشركين قال: نسخ ذلك كله بقوله: ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 29] وقوله: ﴿ اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ﴾ [ التوبة: 5] .

وأخرج ابن جرير والنحاس في تاريخه عن السدي في قوله: ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ قال: هي منسوخه نسختها ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ﴾ [ التوبة: 29] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وما تقدموا لأنفسكم من خير ﴾ يعني من الأعمال من الخير في الدنيا.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ تجدوه عند الله ﴾ قال: تجدوا ثوابه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ ﴾ أي تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم لهم: ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ [النساء: 153] ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الكتاب ﴾ أي تمنوا، ونزلت الآية في حيي بن أخطب وأمية بن ياسر، وأشباههما من اليهود، الذين كانوا يحرصون على فتنة المسلمين، ويطمعون أن يردّوهم عن الإسلام ﴿ حَسَداً ﴾ مفعول من أجله، أو مصدر في موضع الحال، والعامل في ما قبله، فيجب وصله معه، وقيل: هو مصدر، والعامل فيه محذوف تقديره: يحسدونكم حسداً، فعلى هذا يوقف على ما قبله، والأوّل أظهر وأرجح ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ يتعلق بحسداً، وقيل: بيودّ ﴿ فاعفوا ﴾ منسوخ بالسيف ﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ يعني إباحة قتالهم أو وصول آجالهم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: قد سلفت.

الوقوف: ﴿ كفاراً ﴾ (ج) لأن ﴿ حسداً ﴾ مصدر محذوف أي يحسدون حسداً، أو حال أو مفعول له وهو أوجه والوصل أجوز ﴿ الحق ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ بأمره ﴾ (ط) ﴿ قدير ﴾ (ه) ﴿ الزكاة ﴾ (ط) لأن ما للشرط والشرط مصدر ﴿ عند الله ﴾ (ط) ﴿ بصير ﴾ (ه) ﴿ أو نصارى ﴾ (ط) ﴿ أمانيهم ﴾ (ط) ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ عند ربه ﴾ (ص) لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ يحزنون ﴾ (ه) ﴿ النصارى على شيء ﴾ (ص) لا لعطف الجملتين المتفقتين ﴿ على شيء ﴾ (ص) لأن الواو للحال ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ مثل قولهم ﴾ (ج) لأن ﴿ فالله ﴾ مبتدأ مع فاء التعقيب ﴿ يختلفون ﴾ (ه).

التفسير: هذا نوع آخر من مكايد اليهود.

روي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر بعد وقعة أحد: ألم تروا ما أصابكم، ولو كنتم على الحق ما هزمتم فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم وأفضل ونحن أهدى منكم سبيلاً.

فقال عمار: كيف نقض العهد فيكم؟

قالوا شديد.

قال: فإني قد عاهدت أن لا أكفر بمحمد  ما عشت.

فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.

وقال حذيفة: وأما أنا فقد رضيت بالله رباً وبمحمد نبياً وبالإسلام ديناً وبالقرآن إماماً وبالكعبة قبلة وبالمؤمنين إخواناً.

ثم أتيا رسول الله  وأخبراه فقال: أصبتما خيراً وأفلحتما فنزلت.

و ﴿ كفاراً ﴾ نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ لـ "يردون" على أنه بمعنى "صير" والحسد من أقبح الخصال الذميمة قال  "الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب" وقال: "إن لنعم الله أعداء قيل: وما أولئك؟

قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله" وقال "ستة يدخلون النار قبل الحساب: الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر، والتجار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهالة، والعلماء بالحسد" وروي أن موسى لما ذهب إلى ربه رأى في ظل العرش رجلاً يغتبط بمكانه فقال: إن هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه فلم يخبره باسمه وقال: أحدثك من عمله ثلاثاً: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، وكان لا يعق والديه، ولا يمشي بالنميمة، ويحكى أن عبد الله بن عون دخل على الفضل بن المهلب، وكان يومئذ على واسط فقال: إني أريد أن أعظك بشيء: إياك والكبر فإنه أول ذنب عصى الله به إبليس ثم قرأ ﴿ فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ وإياك والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، أمكنه الله من جنة عرضها السموات والأرض فأكل منها فأخرجه الله ثم تلا ﴿ اهبطا منها  ﴾ وإياك والحسد فإنه قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ ﴿ واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق  ﴾ وقال ابن الزبير: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة، وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار؟

واعلم أنه إذا أنعم الله على أخيك بنعمة فإن أردت زوالها فهذا هو الحسد المحرم الذي ذم الله  صاحبه في هذه الآية وغيرها ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله  ﴾ ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم  ﴾ ﴿ ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا  ﴾ وإن اشتهيت لنفسك مثلها فهذا هو الغبطة والمنافسة المشتقة من النفاسة وليست بحرام لقوله  ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون  ﴾ ﴿ سابقوا إلى مغفرة من ربكم  ﴾ وقال  "لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وأنفقه في سبيل الله، ورجل آتاه الله علماً فهو يعمل به ويعلم الناس" وهذا يدل على أن الحسد قد يطلق على المنافسة، وقد تكون واجبة إذا كانت النعمة دينية واجبة كالإيمان والصلاة والزكاة، وقد تكون مندوبة في نحو الإنفاق في سبيل الله وتشهي العلم والتعليم، وقد تكون مباحة.

وللحسد مراتب أربع: الأولى، أن يحب زوال النعمة عنه وإن لم تحصل له وهذه أخبث.

الثانية: أن يحب زوالها عنه إليه كرغبته في داره الحسنة أو امرأته أو ولايته فالمطلوب بالذات حصولها له، فأما زوالها عن غيره فمطلوب بالعرض.

الثالثة: أن لا يشتهي زوالها بل يشتهي لنفسه مثلها، فإن عجز عن مثلها أحب زوالها كيلا يظهر التفاوت بينهما.

الرابعة: أن يشتهي لنفسه مثلها فإن لم يحصل فلا يحب زوالها عنه.

وهذا الأخير هو المعفو عنه إن كان في الدنيا، والمندوب إليه إن كان في الدين، والثالثة منها مذموم وغير مذموم، والثانية أخف والأولى أخبث قال  : ﴿ ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض  ﴾ تمنيه لمثل ذلك غير مذموم وتمنيه لعين ذلك مذموم.

وأسباب الحسد سبعة: أولها العداوة والبغضاء، فإن من آذاه إنسان أبغضه قلبه وغضب عليه وتولد منه الحقد المنشئ للتشفي والانتقام، فإن عجز المبغض عن أن يتشفى منه بنفسه أحب أن يتشفى منه الزمان كما قال عز من قائل ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها  ﴾ .

وربما أفضى هذا الحسد إلى التنازع والتقاتل، وثانيها التعزز فإن واحداً من أمثاله إذا نال منصباً عالياً فترفع عليه وهو لا يمكنه تحمل ذلك، أراد زوال ذلك المنصب عنه.

وليس من غرضه أن يتكبر بل غرضه أن يدفع كبره فإنه قد رضي بمساواته.

وثالثها: أن يكون في طبعه أن يستخدم غيره فيريد زوال النعمة من ذلك الغير ليقدر على ذلك الغرض ﴿ وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم  ﴾ ﴿ أهؤلاء منَّ الله عليهم من بيننا  ﴾ كالاستحقار لهم والأنفة منهم.

ورابعها: التعجب ﴿ أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم  ﴾ وخامسها: الخوف من فوت المقاصد وذلك يتحقق من المتزاحمين على مقصود واحد، كتحاسد الضرائر في التزاحم على مقاصد الزوجية، وتحاسد الإخوة في التزاحم على نيل المنزلة عند الأبوين، وتحاسد الوعاظ المتزاحمين على أهل بلدة.

وسادسها: حب الرياسة كمن يريد أن يكون عديم النظير في فن من الفنون، فإنه لو سمع بنظير له في أقصى العالم ساءه ذلك وأحب موته، فإن الكمال محبوب لذاته وضد المحبوب مكروه.

ومن جملة أنواع الكمال التفرد بالكمال لكن هذا يمتنع حصوله إلا لله  ، ومن طمع في المحال خاب وخسر.

وسابعها: شح النفس بالخير على عباد الله، فإنك تجد من لا يشتغل برياسة ولا تكبر ولا طلب مال إذا وصف عنده حسن حال عبد من عباد الله شق عليه ذلك، وإذا وصف اضطراب أمور الناس وإدبارهم فرح به، فهو أبداً يحب الإدبار لغيره ويبخل بنعمة الله على عباده كأنهم يأخذون ذلك من ملكه وخزائنه، وهذا ليس له سبب ظاهر سوى خبث النفس كما قيل: البخيل من بخل بمال غيره.

وقد يجتمع بعض هذه الأسباب فيعظم الحسد ويتقوى بحسبه، وقلما يقع التحاسد إلا في الأمور الدنيوية، لأن الدنيا لا تفي بالمتزاحمين.

وأما الآخرة فلا ضيق فيها فلهذا لا يكون تحاسد بين أرباب الدين وأصحاب اليقين، وإنما يكونون بلقاء إخوانهم مستأنسين وببقاء أقرانهم فرحين ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخواناً على سرر متقابلين  ﴾ وأما علاج الحسد فأمران: العلم والعمل.

أما العلم ففيه مقامان: إجمالي وهو أن يعلم أن الكل بقضاء الله وقدره، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا يرده كراهية كاره ولا يجره إرادة مريد.

وتفصيلي وهو العلم بأن الحسد قذى في عين الإيمان حيث كره حكم الله وقسمته في عباده وغش للإخوان، وعذاب أليم، وحزن مقيم، ومورث للوسواس، ومكدر للحواس.

ولا ضرر على المحسود في دنياه لأن النعمة لا تزول عنه بحسدك، ولا في دينه بل ينتفع به لأنه مظلوم من جهتك فيثيبه الله على ذلك.

وقد ينتفع في دنياه أيضاً من جهة أنك عدوه، ولا يزال يزيد غمومك وأحزانك إلى أن يقضي بك إلى الدنف والتلف.

اصبر على مضض الحسو *** د فـإن صبــرك قائلــه النــار تـأكـل نفسـها *** إن لــم تجـد مـا تأكلـه وقد يستدل بحسد الحاسد على كونه مخصوصاً من الله  بمزيد الفضائل.

لا مات أعداؤك بل خلـدوا *** حتى يروا منك الـذي يكمد لا زلت محسوداً على نعمة *** فإنما الكامـل مـن يحسـد والحاسد مذموم بين الخلق، ملعون عند الخالق، مشكور عند إبليس وأصدقائه، مدحور عند الخالق وأوليائه، فهل هو إلا كمن رمى حجراً إلى عدو ليصيب به مقتله فلا يصيبه بل يرجع على حدقته اليمنى فيقلعها، فيزداد غضبه فيعود ثانياً فيرميه أشد من الأول فيرجع على عينه الأخرى فيعميه فيزداد غيظه، فيعود ثالثاً فيرجع على رأسه فيشدخه، وعدوه سالم في كل الأحوال وقد عاد عليه الوبال وأعداؤه حواليه يفرحون ويضحكون؟

هذا له في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.

وأما العمل فهو أن يأتي بالأفعال المضادة لمقتضيات الحسد، فإن بعثه الحسد على القدح فيه كلف لسانه المدح له، وإن حمله على التكبر عليه كلف نفسه التواضع له، وإن حمله على قطع أسباب الخير سعى في إيصال الخير إليه حتى يصير المحسود محبوباً محباً له، ﴿ فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم  ﴾ ، وذلك التكلف يصير بالآخرة طبعاً والله الموفق.

واعلم أن النفرة القائمة بقلب الحاسد من المحسود أمر غير داخل في وسعه، فكيف يعاقب عليه؟

وإنما الاخل تحت التكليف رضاه بتلك النفرة ثم إظهار آثارها من القدح فيه والقصد إلى إزالة النعمة عنه وجر أسباب المحنة إليه، ثم إن اليهود كانوا يريدون رجوع المؤمنين عن الإيمان من بعدما تبين لهم أن الإيمان صواب وحق، فألقوا إليهم ضربين من الشبهة لعلمهم أن المحق لا يعدل عن الحق إلا بالشبهة أحدهما ما يتصل بالدنيا وهو قولهم لهم قد علمتم ما نزل بكم من إخراجكم من دياركم وذهاب أموالكم واستمرار الخوف عليكم، فاتركوا إيمانكم الذي ساقكم إلى هذه.

الثاني في باب الدين بالقدح في المعجزات وتحريف التوراة.

قوله ﴿ من عند أنفسهم ﴾ إما أن يتعلق بـ ﴿ ود ﴾ أي تمنوا ذلك من قبل شهوتهم لا من قبل التدين والميل مع الحق، لأنهم ودوا ذلك من بعدما تبين لهم أنكم على الحق، وإما أن يتعلق بـ ﴿ حسداً ﴾ أي منبعثاً من أصل نفوسهم ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ فاسلكوا معهم سبيل العفو والصفح بترك المقابلة والإعراض عن الجواب، لأن ذلك أقرب إلى تسكين الثائرة لا دائماً بل ﴿ حتى يأتي الله بأمره ﴾ عن الحسن أنه المجازاة يوم القيامة، وقيل قوة الإسلام وكثرة المسلمين، والأكثرون على أنه الأمر بالقتال فعنده يتعين إما الإسلام وإما قبول الجزية، وتحمل الذل والصغار.

والآية منسوخة لأن الآية التي علق بها غير معلومة شرعاً فليس كقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل  ﴾ بل يحل محل قوله ﴿ فاعفوا واصفحوا ﴾ إلى أن أنسخه عنكم.

عن الباقر  : إنه لم يؤمر رسول الله  بقتال حتى نزل جبريل بقوله ﴿ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظُلموا  ﴾ وقلده سيفاً فكان أول قتال قتال أصحاب عبد الله بن جحش ببطن نخل وبعده غزوة بدر.

فإن قيل: كيف يعفون ويصفحون والكفار حينئذ أصحاب قوة وشوكة، والصفح لا يكون إلا عن قدرة؟

قلنا: إن الرجل من المسلمين كان ينال الأذى فيقدر على بعض التشفي والإستعانة بسائر أصحابه، فأمروا أن لا يهيجوا قتالاً وفتنة.

وأيضاً القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين  ﴾ وأيضاً جعل الصابر إلى القوة قوياً ليظهره على الدين كله.

وقيل: المراد بالعفو والصفح حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد، وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة.

وكذا لو قيل: المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذلالهم بضرب الجزية عليهم ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ فهو يقدر على الانتقام منهم ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم بالعفو والصفح، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع، فعمم بعدما خص تنبيهاً على أن الثواب لا يختص بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه، لأن وجدان عين تلك الأشياء غير مطلوب ﴿ إن الله بما تعملون بصير ﴾ لا يخفى عليه شيء من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء ﴿ وقالوا لن يدخل الجنة ﴾ نوع آخر من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في ﴿ وقالوا ﴾ لهم والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصارى، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله ﴿ وقالوا كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا  ﴾ والهود جمعم هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ، والعائذ الحديثة النتاج من النوق، والبازل الذي خرج نابه، ووحد اسم "كان" حملاً على لفظ "من" وجمع خبره حملاً على المعنى ومثله ﴿ فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم  ﴾ ﴿ تلك أمانيهم ﴾ على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم، يريد أن أمانيهم جميعاً في البطلان مثل هذه وهي قولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أو أشير بتلك إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية، وودادتهم أن يردوهم كفاراً أمنية، وقولهم ﴿ لن يدخل الجنة ﴾ أمنية أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم، وقوله ﴿ قل هاتوا برهانكم ﴾ متصل بقوله ﴿ لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى ﴾ و ﴿ تلك أمانيهم ﴾ اعتراض على هذا.

وهات الشيء اسم فعل معناه أعط، ويتصرف فيه بحسب المأمور هات، هاتيا، هاتوا، هاتي، هاتين، وقيل: الصحيح أنه ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة، وأصله آت من الإيتاء.

برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعواكم، وفيه دليل واضح على أن المدعي نفياً أو إثباتاً لا بدل له من برهان وإلا فدعواه باطلة.

مـن ادعـى شيئاً بلا شـاهد *** لا بـد أن تبطـل دعــواه ﴿ بلى ﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وقوله ﴿ من أسلم ﴾ إلى آخره جملة شرطية مستأنفة، ويجوز أن يكون ﴿ من أسلم ﴾ فاعلاً لفعل محذوف أي بلى يدخلها من أسلم ويكون قوله ﴿ فله أجره ﴾ كلاماً معطوفاً على يدخلها ﴿ من أسلم ﴾ وفيه إشارة إلى أن لهؤلاء الداخلين برهاناً وهو استسلام النفس وانقيادها لطاعة الله مع الإحسان وفيه ترغيب لهم في الإسلام وبيان لمفارقة حالهم حال من يدخل الجنة كأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم عليه لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله وأحسنتم فلكم الجنة وإنما خص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء من حيث إنه معدن الحواس وينبوع الفكر والتخييل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى، ولأن الوجه قد يكنى به عن النفس والذات ﴿ كل شيء هالك إلا وجهه  ﴾ ﴿ إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى  ﴾ ولأن أعظم العبادات السجدة وهي إنما تحصل بالوجه.

وهذا الإسلام أخص من الإسلام الذي ورد في الحديث "الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله  وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً" لأن هذا عبارة عن الإذعان الكلي بجميع القوى والجوارح في كل الأحوال والأوقات، وهو الإسلام الذي أمر به إبراهيم  ﴿ إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين  ﴾ ويؤكد ذلك قوله ﴿ لله ﴾ أي خالصاً له لا يشوبه شرك فلا يكون عابداً مع الله غيره ولا معلقاً رجاءه بغيره، وزاد التأكيد بقوله ﴿ وهو محسن ﴾ أي حال كونه محسناً في عمله، ومعنى الإحسان هو الذي في الحديث "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" ولا ريب أن العبادة على هذا الوجه لا تصدر إلا عن صدق النية وصفاء الطوية، فإن مثول العبد بين يدي مولاه يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فلا يقع قصده فيما هو فيه إلا لوجه الله فلا يصدر عنه شيء من السيئات، وأما الطاعات والمباحات فتكون مقتضية لتزايد الحسنات ورفع الدرجات في الخبر "من تطيب لله جاء يوم القيامة وريحه أطيب من ريح المسك، ومن تطيب لغير الله جاء يوم القيامة وريحه أنتن من الجيفة" وذلك أن المتطيب إن كان قصده التنعم واستيفاء اللذات أو التودد إلى النسوان كان المتطيب معصية، وإن كان قصده إقامة السنة ودفع الروائح المؤذية عن عباد الله وتعظيم المسجد فهو عين الطاعة، وكذا الكلام في المناكح والمطاعم والمشارب.

والضابط أن كل ما فعلته لداعي الحق فهو العمل الحق، وكل ما عملته لغير الله فحلالها حساب وحرامها عذاب، روي أن رجلاً في بني إسرائيل مر بكثبان من رمل في مجاعة فقال في نفسه: لو كان هذا الرمل طعاماً لقسمته بين الناس.

فأوحى الله  إلى نبيه قل له: إن الله قد صدقك وشكر حسن نيتك وأعطاك ثواب ما لو كان طعاماً فتصدقت به.

وليس النية أن يقول في نفسه أو بلسانه عند تدريسه أو تجارته "نويت أن أدرس لله أو أتجر لله" هيهات أنها لحديث نفس أو لسان وما ذاك إلا كقول الفارغ "نويت أن أعشق" وأما النية فهي انبعاث النفس وميلها إلى سلوك طريق الحق في كل فعل، فاجتهد في تصيير ذلك ملكة لنفسك.

"وللناس فيما يعشقون مذاهب" *** فمنهم من يعمل لباعث الخوف من النار فله ذلك، ومنهم من يعمل لباعث الطمع في الجنة وهم أكثر أهل الجنة لقصور هممهم عن طموح ما فوقها من الكمالات واللذات الحقيقيات أكثر أهل الجنة البله" ومنهم من يعمل لله فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، ولما جمع الله  أهل الكتابين في الآية المتقدمة، فصل بينهما وبين قول كل فريق في حق الآخر، والظاهر حمل لفظي اليهود والنصارى على العموم وإن كان السبب خاصاً لأن هذا اعتقاد كل واحد من كل من الطائفتين في حق الأخرى.

روي أن وفد نجران لما قدموا على رسول الله  أتاهم أحبار اليهود فتناظروا حتى ارتفعت أصواتهم فقالت اليهود: ما أنتم على شيء من الدين وكفروا بعيسى والإنجيل.

وقالت النصارى لهم نحوه، وكفروا بموسى والتوراة.

ومعنى ﴿ على شيء ﴾ أي شيء يصح ويعتد به، وفيه مبالغة عظيمة كقول العرب "أقل من لا شيء" عن ابن عباس: والله صدقوا.

قلت: وذلك أن الإيمان بالله إنما يعتد به إذا كان مؤمناً برسوله وبكل ما أنزله ﴿ وهم يتلون الكتاب ﴾ الواو للحال والكتاب للجنس أي قالوا ذلك وحالهم أنهم من أهل العلم والتلاوة للكتب، وحق من حمل التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله أن يؤمن بالباقي ولا يكفر به، لأن جميع الكتب السماوية متواردة في تصديق بعضها بعضاً ﴿ كذلك ﴾ الكاف للتشبيه و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى المذكور أي قولاً مثل الذي سمعت به ﴿ قال الذين لا يعلمون ﴾ و ﴿ مثل قولهم ﴾ مكرر للتأكيد ولطول الكلام بالموصول والصلة.

والمراد بالذين لا يعلمون الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب كعبدة الأصنام القائلين إن المسلمين ليسوا على شيء وفيه توبيخ عظيم لهم حيث نظموا أنفسهم مع علمهم في سلك من لا يعلم فقالوا قولاً عن التشهي والعصبية مثلهم ﴿ فالله يحكم بينهم ﴾ أي بين اليهود والنصارى يوم القيامة.

عن الحسن: يكذبهم جميعاً ويدخلهم النار ويجوز أن يرجع الضمير إلى الكافرين الذين يعلمون والذين لا يعلمون وإلى المسلمين، ويحكم بين المحق والمبطل فيما اختلفوا فيه، فينتصر من الظالم المكذب للمظلوم المكذب، أو يريهم من يدخل الجنة عياناً ويدخل النار عياناً أعاذنا الله  منها.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا ﴾ .

قال بعض أهل الكلام: ﴿ مَا نَنسَخْ ﴾ من اللوح المحفوظ ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ : نَدعُها في اللوح.

وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ أي نرفع بآيةٍ أُخرى أو نتركها في الآخرى.

وقيل: ﴿ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ ﴾ فنرفع حكمها، والعملَ بها، ﴿ أَوْ نُنسِهَا ﴾ أَي: نترك قراءتها وتلاوتها.

فيجوز رفع عينها، ويجوز رفع حكمها وإبقاء عينها؛ لأَوجه: أَحدها: ظهور المنسخ؛ فبطل قول من أَنْكر النسخ؛ إذ وجد.

ومن أَنكر ذلك فإنما أَنكر لجهل بالمنسوخ؛ لأَن النسخ بيان الحكم إلى وقت، ليس على البداءِ، على ما قالت اليهود.

والثاني: أَن للتلاوة فيها فضلاً - كما للعمل - فيجوز رفع فضل العمل، وبقاءُ فضل التلاوة.

والثالث: على جعل الأَول في حالة الاضطرار، والثاني في وقت السعة، كقوله: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةُ  ﴾ .

ثم يجوز أَن يرفع عينُها فيُنْسى ذكرُها، كما رُوي عن عمر -  - أنه قال: "كنا نعدل سورة الأَحزاب بسورة البقرة، حتى رفع منها آيات، منها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" وأَما قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ﴾ .

فاختلف فيه: قيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ أي: أخفَّ وأَهونَ على الأَبدان؛ كقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ  ﴾ ، إن الأمر بالصوم كان لوقت دون وقت؛ إذ رجع الحكم عند الطاقة إلى غَيره.

وكذا ما كان من الحكم في تحريم الأَكل عند النوم والجماع، وكذا تحريم الميتة: لو لم يرد فيهما الإباحة والحل عند الضرورة لكُنَّا نعرفه بالحرمة، وذلك أَخف وأَهون، والله أعلم.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في الثواب في العاقبة.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ في المنفعة ﴿ أَوْ مِثْلِهَا ﴾ في المنفعة.

وقيل: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وهو أَن يظهر لكم به الخير في حق الاتباع.

والمثلُ: في حق الأَمر؛ فيشترك أَصحاب المنكرين للنسخ في حق الائتمار بالمثل، ويفضلونهم بظهور الأَخير.

وهو كالصلاة إلى بيت المقدس؛ كان لهم مثلُ ما لليهود في حق الائتمار ما كان ظهر لهم الأَخير في وقت ظهور الأَمر، وأَبهم الخير.

وظهر عنده فيمن أَبى: أَن اتباعه لم يكن لأَجل حق المتابعة، بل لما كان عنده الحجة.

فأَما من جعله خيراً على البدل فاستدل بها الآخر رخصة وإباحة، والإباحة ورودها للتخفيف.

ومن استدل على أَن النسخ - أَبداً - يَرِدُ على ما هو أَغلظ، عورض بقوله: ﴿ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي ٱلْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ ٱلْمَوْتُ  ﴾ ، فأبدل بعقوبة أَشد من الأَول - وهو الرجم - بقوله: "خذوا عني، خذوا عني".

ويحتمل قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ وجهاً آخر: وهو آيةٌ والآيات هي الحجج؛ فيكون معناه: ما نرفع من حجة فننفيها عن الأَبصار، إلا نأْت بخير منها يعني أقوى منها في إلزام الحجة، أَو مثلها.

ولا شك أن ما يعترض هو أقوى حالة الاعتراض في لزوم الحجة على ما غاب عن الأَبصار؛ فيكون قوله: ﴿ نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا ﴾ على هذا الوزن، أي: نأْت بحجة هي أقوى وأكثر من الأُولى، أَو مثلها في القوة.

فإن قيل: ما الحكمة في النسخ؟

وما وجهُه؟

قيل: محنة يمتحن بها الخلق، ولله أَن يمتحن خلقه بما يشاءُ، في أَي وقت شاء: يأْمر بأَمرٍ في وقت، ثم ينهى عن ذلك، ويأْمر بآخر.

وليس في ذلك خروج عن الحكمة، ولا كان ذلك منه لبداءٍ يبدو له، بل لم يزل عالما بما كان ويكون، حكيماً يحكم بالحق والعدل؛ فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

يحتمل: أن يكون الخطاب له -  - والمرادُ بالخطابِ الذين سبق ذكْرُهم في قوله: ﴿ مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ...

 ﴾ .

إنه قادر على إنزال الخير على من يشاء، واختصاصِ بعضٍ على بعض، وتفضِيلِ بعضهم على بعض.

ويحتمل: أَن يكون المراد في الخطاب له - عليه الصلاة والسلام - على حقيقة العلم على التذكير والتنبيه، أي: تعلم أنت أَن الله على كل شىء قدير، وهو كقوله: ﴿ فَٱعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ ٱللَّهُ  ﴾ .

على حقيقة العلم له.

ويحتمل: على الإعلام والإخبار لقومه، وقد ذكرنا.

وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .

أي: من كان يملك ملك السماوات والأرض، يملك تخصيص بعض على بعض، وتفضيلهم فيها، ويحكم فيها بما يشاء، ويُحْدِث من الأَمر ما أَراد، والله أعلم.

ويحتمل: نزوله على أَثر نوازلَ لم تذكر فيه، وذلك في القرآن كثير، وإنما يقال هذا الحرف عند ضيق القلب؛ تسكيناً له.

ومعنى تخصيص السَّماوات والأرض بالملك له؛ لمنتهى علم الخلق بهما، وإن كان له ملك الدنيا والآخرة، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

يدل هذا على أَنه خرج على أَثر نوازل وإن لم تذكر.

وقوله: ﴿ أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ ﴾ .

سؤالَ تعنت: لن نؤمن لك - تعنتاً - حتى نرى الله جهرة.

وقيل: إنهم سأَلوا ذلك رسول الله  كما سأَل قوم موسى موسى.

وقيل: سأَلوا رسول الله  أَن يجعل الصفا - لهم - ذهباً إن كان ما يقوله حقّاً.

وقيل: سؤالهم: ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  ﴾ ، وكانوا يسأَلون سؤال تعنت، لا سؤال استرشاد واهتداء.

وقوله: ﴿ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلإِيمَانِ ﴾ .

قيل: اختار الكفر بالإيمان.

وقيل: ومن يختر شدة الآخرة على رخائها وسعتها.

وفي حرف ابن مسعود -  -: "ومن يشتر الكفر بالإيمان" وذلك كله واحد.

وقوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ﴾ .

قيل: عدل عن الطريق.

وقيل: عدل عن قصد الطريق.

وقيل: أَخطأَ قصد طريق الهدى، وكله واحد.

وقوله: ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً ﴾ .

إنهم كانوا يجهدون كل جهدهم حتى يصرفوا ويردوا أَصحاب محمد  عن دين الله - الإسلام - إلى ما هم عليه؛ كقوله  : ﴿ وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ...

﴾ الآية [آل عمران: 149].

وذلك - والله أعلم - لخوفِ فوت رياستهم التي كانت لهم، وذهاب منافعهم التي ينالون من الأَتباع والسفلة، فودُّوا ردَّهم وصرفهم إلى دينهم.

ثم احتجت المعتزلة علينا بظاهر قوله  : ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ ، قالوا: دلت الآية على أَن الحسد ليس من عند الله بما نفاه - عز وجل - عنه، وأَضافه إلى أَنفسهم بقوله: ﴿ حَسَداً مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

قيل: صدقتم في زعمكم بأَن الحسد ليس من عند الله، وكذلك نقول، ولا نجيز إضافة الحسد إليه بحال ولكن نقول: خلق فعل الحسد من الخلق، وكذلك يقال في الأَنجاس، والأَقذار، والحيَّات والعقارب ونحوها: إِنه لا يجوز أن تضاف إلى الله  فيقال: يا خالق الأَنجاس والحيات والعقارب، وإن كان ذلك كله خلقه، وهو خالق كل شيء.

فعلى ذلك، نقول بخلق فعل الحسد، وفعل الكفر من العبد، ولا نجوِّز أن يضاف إلى الله  .

ثم يقولون في الطاعات والخيرات كلها: إنها من عند الله، غير مخلوقة، فلئن كانت العلة في الذي لا يكون مخلوقاً، أنه ليس هو من عنده لوجب القول بخلقه ما هو من عنده، ثم لم يقولوا به؛ فَبان أَن ما يقولون فاسد، باطل، ليس بشيء.

ثم جهة الحسد ما ذكرنا أنهم أَحبوا أَن تكون الرسالةُ فيهم، أَو أَن يكون من عنده سعَةٌ؛ كقوله: ﴿ لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ ٱلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ  ﴾ ؛ فبهذين الوجهين يخرج حسدهم.

قوله: ﴿ مِّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ ﴾ .

أى: من قِبَلِها، لا أَن الله -  - أَمرهم.

وليس يضاف إلى الله -  - بأَنه من عنده بما يخلق، ولكن بما يأمر أو يلزم.

أَلاَ ترى أَن الأَنجاس كلها، والخبائث، والشياطين، كلهم مخلوقة وإن لم يجز نسبتها إلى الله -  - بمعنى أنه مِن عنده؟

كذلك ما ذكر من الحسد.

على أَنه معلوم أَنهم لم يكونوا يدعون مِن دون الله خَلْقاً فبذلك الوجه ينكر عليهم، بل كانوا يدعون الأَمر في كل ما نُسب إلى الله  ؛ فعلى ذلك ورد العقاب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ ﴾ .

أي: بين لهم في التوراة أن محمداً  نبي، وأَن دينه الإسلام؛ كقوله: ﴿ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَٱعْفُواْ وَٱصْفَحُواْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ .

يحتمل: النهي عن مكافأَة ما يؤذونه في الدُّنيا، ثم لم ينسخ.

وقيل: فيه نهي عن قتالهم، حتى يأْتي أَمر الله في ذلك، ثم جاءَ بقوله: ﴿ قَاتِلُواْ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ...

﴾ الآية [التوبة: 29].

وقيل: حتى يأتي الله بأمره، أي: بعذابه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .

من التعذيب والانتقام، وبكل شيء.

ولم ينسخ هذا.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَاةَ ﴾ .

كرر الله - عز وجل - الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة، في القرآن تكراراً كثيراً، حتى كانت لا تخلو سورة إلا وذكرهما فيها - في غير موضع - وذلك لعظم شأْنهما، وأَمرهما، وعلو منزلتهما عند الله، وفضل قدرهما.

وعلى ذلك جعلهما شريعة في الرسل السالفة، صلوات الله عليهم.

أَلا ترى إلى قول إبراهيم -  -: ﴿ رَبِّ ٱجْعَلْنِي مُقِيمَ ٱلصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَتِي  ﴾ .

وقوله لموسى وهارون: ﴿ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلاَةَ  ﴾ .

وقول عيسى: ﴿ وَأَوْصَانِي بِٱلصَّلاَةِ وَٱلزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ  ﴾ .

وذلك - والله أعلم - أَن الصلاة قُربة فيما بين العبد وبين ربه، تجمع جميع أفعال الخير، وفيها غاية منتهى الخضوع له، والطاعة: من القيام بين يديه، والمناجاة فيه، والركوع له، والسجود على الأَرض، وتعفير الوجه فيها حتى لو أَن أَحداً ممن خلص دينه لله لو أُعطى ما في الدنيا على أَن يعفِّر وجهه في الأَرض لأَحد من الخلق ما فعل، وبالله التوفيق.

والزكاةُ فيما بين العبد وبين الخلق؛ لتآلف القلوب واجتماعها، وفيها إظهار الشفقة لهم والرحمة.

لذلك عظَّم الله شَأْنهما، وشرف أَمرهما، وأَعلى منزلتهما؛ وعلى ذلك قرنهما بالإيمان في المواضع كلها، وأَثبت بين الخلق الأُخوّة بهما بقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَإِخْوَٰنُكُمْ فِي ٱلدِّينِ  ﴾ .

ثم هما تكرمان بالعقل؛ لأَن الصلاة تجمع جميع أَنواع خيرات الأَفعال، وفيها غايةُ الخضوع له، والخشوع - على ما ذكرنا - وذلك مما يوجبه العقل، وإن لم يرد فيه السمع.

وكذلك الزكاة: فيها تزكية الأَنفس وتطهيرها، وذلك مما في العقل واجب.

فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها؟

قيل: إظهار ما أَنعم الله [على العبد]، من الأَموال والسَّعة فيها، وما أَعطاهم من سلامة الجوارح عن جميع الآفات، يخرج مخرج الأَمر بأَداءِ شكر ما أَنعم عليهم عز وجل.

فإن قيل: ما الحكمة في وجوبها فيما أُعْطي منهما، يعني من النفس، والمال دون غيره؟

قيل: لأَن الوُجوب من غيره يخرج مخرج المعاوضة والمبادلة، لا مخرج أَداءِ الشكر، والله أعلم.

ثم الحكمة في: إيجاب الصلاة والزكاة، وغيرهما من العبادات أَن الله -  - إذ عمهم بنعمه فيما فضلهم بالجوهر، وسخر لهم جميعَ ما في الأرض، وبسط عليهم النعم، حتى صار كل منهم لا يُبصر غير نعمه، من استحقاق منهم شيئاً من ذلك - لزمهم الشكر عليها.

ثم كانت الصلاة تجمع استعمال جميع الجوارح فيما لله فيها القيام بها شكراً له، مع ما فيها توقف أَحوال نفسه بالاختيار بما هي عليه بالاضطراب والخلقة والقلب بالنية، والخوف والرجاء، وإحضار الذهن والعقل بالتعظيم والتبجيل؛ فيكون كل شيء منه في شكره؛ لما له فيه من سبوغ النعمة، والله أعلم.

وكذلك بالأموال فضلوا - في هذه الدنيا - واستمتعوا بلذيذ العيش؛ فأمروا بالإِخراج لله، مع ما إذ سخرت هذه الأَرض - بما فيها - لجميع البشر، ألزم من ذلك صلةَ من لم يملك، ليستووا في الاستمتاع بالتسخير لهم، من الوجه الذي عَلِم الله لهم فى ذلك صلاح الدارين، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنْفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ ﴾ .

الآية تخرج على خلاف قول المتعزلة؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب كبيرة ثم أَقام الصلاة وآتى الزكاة، وجاهد في سبيل الله، وحج بيت الله الحرام، فقدم خيراتٍ كثيرةً - فإنه لا يجد مما قدم شيئاً، ولكن يجد ما قدم من شر.

وذلك ليس من فعل الكريم والجواد، ولا كذلك وصف الله نفسه، بل وصف نفسه على خلاف ما وَصفوا هم، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ  ﴾ .

وهم يقولون: لا يتقبل عنهم ما قدموا من الخيرات، ولا يتجاوز عن سيئاتهم، وذلك سرف في القول؛ فنعوذ بالله من السرف في القول، والحكم على الله، وبالله العصمة والتوفيق.

وقوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ .

بما قدمتم من الخير والشر؛ تنبيه منه عز وجل ليكونوا على حَذرٍ من الشر، وترغيب منه لهم بالخيرات.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أدّوا الصلاة تامة بأركانها وواجباتها وسننها، وأخرجوا زكاة أموالكم إلى مستحقيها، ومهما تعملوا من عمل صالح في حياتكم، فتقدموه قبل مماتكم ذخرًا لأنفسكم؛ تجدوا ثوابه عند ربكم يوم القيامة، فيجازيكم به، إن الله بما تعملون بصير فيجازي كلا بعمله.

<div class="verse-tafsir" id="91.9LKOR"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

بين الله تعالى في الآية الأولى من هاتين الآيتين أن أهل الكتاب المتعصبين لدينهم من حيث هو جنسية لهم تقوم بها منافع جنسهم لم يكتفوا بكفرهم بالنبي  والكيد له ونقض ما عاهدهم عليه حسدًا له ولقومه على نعمة النبوة، بل هم يزيدون على ذلك ما قصه تعالى بقوله ﴿ وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ فهو بيان لما يضمرونه وما تكنه صدورهم للمسلمين من الحسد على نعمة الإسلام التي عرفوا أنها الحق وأن وراءها السعادة في الدارين، ولكنهم شق عليهم أن يتبعوهم فتمنوا أن يُحْرَموا هذه النعمة ويرجعوا كفارًا كما كانوا، وذلك شأن الحاسد يتمنى أن يسلب محسوده النعمة ولو لم تكن ضارة به فكيف إذا كان يعلم أن تلك النعمة إذا تمت وثبتت يكون من أثرها سيادة المحسود عليه وإدخاله تحت سلطانه، كما كان يتوقع علماء يهود في عصر التنزيل، وقد جاء هذا التنبيه تتمة لقوله تعالى قبل آيات ﴿ مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ  ﴾ وقد بين الله لنا ما كان من محاولة أهل الكتاب وتحيلهم على تشكيك المسلمين في دينهم كقول بعضهم لبعض بأن يؤمنوا أول النهار ويكفروا آخره لعل ضعفاء الإيمان يرجعون عن الإسلام اقتداء بهم كما سيأتي في سورة آل عمران، وفي هذه الآية وما بعدها إشارة إلى أن لذلك بعض الأثر في نفوس بعض المسلمين.

وفائدة هذا التنبيه أو التنبيهات أن يعلم المسلمون أن ما يبدو من أهل الكتاب أحيانًا من إلقاء التبعة على الإسلام وتشكيك المسلمين فيه إنما هو مكر السوء يبعث عليه الحسد لا النصح الذي يبعث عليه الاعتقاد.

وقال ﴿ حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ  ﴾ ليبين أن حسدهم لم يكن عن شبهة دينية أو غيره على حق يعتقدونه، وإنما هو خبث النفوس وفساد الأخلاق والجمود على الباطل وإن ظهر لصاحبه الحق، ولذلك قفاه بقوله ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ  ﴾ أي بالآيات التي جاء بها النبي  وبانطباق ما يحفظون من بشارات كتبهم بنبي آخر الزمان  .

ثم أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق فقال: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا  ﴾ ولم يقل فاعفوا واصفحوا عنهم لإرادة العموم، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا  ﴾ .

وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قتلهم هم أصحاب القدرة والشوكة، لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل، للقوي الجاهل.

وفي إنزال المؤمنين، على ضعفهم، منزل الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما يثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل فإن الحق هو الذي يصرع الباطل كما قلنا غير مرة، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه.

ثم قال تعالى ﴿ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ  ﴾ فوعدهم بأن سيمدهم بمعونته، ويؤيدهم بنصره، ثم أحالهم بقوله ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ على قدرته النافذة التي لا يشذ عنها في العالمين تأييدًا للوعد وكشفًا لشبهة من عساه يقول: أَنَّى لهذه الشرذمة القليلة العدد، الضعيفة القوى، أن تنتحل لنفسها وصف الملوك العالين وتقف مع الأمم القوية موقف العافين القادرين؟

فجاء الجواب يقول لمثل هذا المشتبه: إن الذي أوقفها هذا الموقف، ومنحها هذا الوصف، هو القادر على أن يهبها من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى، وهو ما يؤيد به سبحانه من يقوم بالحق ويثبت عليه ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ  ﴾ وقد فعل.

ثم بعد الوعد بالنصر والإرشاد إلى الاعتماد فيه على القدرة دلهم على بعض وسائل تحققه وهي الصلاة التي توثق عروة الإيمان وتعلي الهمة وترفع النفس بمناجاة الله العلي الكبير، وتؤلف بين القلوب بالاجتماع لها، والتعارف في مساجدها، والزكاة التي تصل بين الأغنياء والفقراء فتتكون باتصالهم وحدة الأمة حتى تكون كجسم واحد، فقال ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ  ﴾ ولم تذكر إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في موضع من الكتاب الحكيم إلا والمقام يقتضي الذكر لبيان فائدة خاصة لهذا الأمر لا يمكن أن تستفاد من ذكرهما في موضع آخر.

وقد تقدم أن إقامة الصلاة ليست عبارة عن أدائها مطلقًا، وإنما هي عبارة عن القيام بحقوقها الروحية في صورتها العملية وذلك بالتوجه إلى الله تعالى ومناجاته والانقطاع إليه عما عداه وإشعار القلب عظمته وكبرياءه فبهذا الشعور ينمو الإيمان وتقوي الثقة بالله، وتتنزه النفس أن تأتي الفواحش والمنكرات، وتستنير البصيرة فتكون أقوى نفاذًا في الحق وأشد بعدًا عن الأهواء، فنفوس المصلين جديرة بالنصر لما تعطيها الصلاة من القوة المعنوية ومن الثقة بقدرة الله تعالى، فإذا كان قوله تعالى بعد الوعد بالنصر ﴿ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ  ﴾ دليلًا أيد به الوعد فقوله ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ  ﴾ هداية إلى طريق الاقتناع التام بهذا الدليل حتى يكون وجدانًا للنفس لا تزلزله الشبهات، ولا تؤثر فيه المشاغبات والمجادلات.

وقد مضت سنة القرآن بقرن الزكاة بالصلاة لأن الصلاة لإصلاح نفوس الأفراد، والزكاة لإصلاح شؤون الاجتماع.

ثم إن فيها من معنى العباد ما في الصلاة فإن المال -كما يقولون- شقيق الروح فمن جاد به ابتغاء مرضاة الله تعالى كان بذله مزيدًا في إيمانه فهي إصلاح روحي أيضًا.

وبعد أن أمر الصلاة والزكاة في سياق كشف شبهة من يشتبه من ضعفاء الإيمان في نصر الله المؤمنين، وجعل السلطان لهم على الكافرين، وبيان أن إقامة هذين الركنين من وسائل النصر والسلطان في الدنيا بَيّنَ لهم أنها من أسباب السعادة في الآخرة فقال ﴿ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ  ﴾ ولكن البيان جاء في صورة عامة وهذا من الأسباب التي لا نكاد نجد لها في غير القرآن نظيرًا.

ينتقل من بيان حكم إلى آخر فيكون الثاني قائمًا بنفسه وشاملًا للأول بعمومه وتكون صلة العموم والخصوص هي الرابط في النظم.

وقوله تعالى ﴿ تَجِدُوهُ  ﴾ هو كقوله ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ  ﴾ وقالوا إن المراد بأنه يرى ويجد جزاءه، ولكن لما كان الجزاء مبنيًا على أثر العمل في نفس العامل وارتقائها به كان الجزاء بمثابة العمل نفسه، ووصل الوعد بالجزاء على العمل بما يبعث المؤمن على الإحسان فيه ويدل على تحققه فقال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  ﴾ فلا يخفى عليه منه شيء فتخافوا أن ينقصكم من أجوركم شيئًا.

هذه الآيات هي آخر ما أدب الله تعالى به المؤمنين في هذا المقام على ما يخامر البعض منهم وما يعن له من الشبه في مستقبل الإسلام وتأييده تعالى لنبيه وإعزازه لحزبه، وكان أولها قوله  ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا  ﴾ وكان منشأ تلك الخواطر هو ما يرونه في التنزيل المرة بعد المرة وما يشاهدونه من عمل النبي  من الجزم بأن الأسباب مقرونة بمسبباتها وأن حوادث الكون جارية على سنن مطردة، وما كان هذا الفريق من المؤمنين يعلم قبل إعلام الله تعالى إياهم بأن الإيمان الصحيح الذي يتوكل صاحبه بعد اتخاذ الأسباب والوسائل على القدرة الإلهية والعناية الغيبية، وعمل الصالحات الذي يصلح النفوس، ويؤلف مع الاعتقاد بين القلوب، هما أكبر أسباب القوة، وأقرب وسائل السيادة والسعادة، وقد جاء هذا الإرشاد والتأديب في سياق الكلام على أهل الكتاب لأن مكرهم السيء كان مثارًا لبعض الخواطر في المسلمين، فالكلام تأديب للمؤمنين ورد على اليهود.

ثم انتقل إلى الكلام على أهل الكتاب عامة وما يلام عليه الفريقان منهم -اليهود والنصارى- فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر