الآية ١٢٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٣ من سورة البقرة

وَٱتَّقُوا۟ يَوْمًۭا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍۢ شَيْـًۭٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌۭ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَـٰعَةٌۭ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ١٢٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 91 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قد تقدم نظير هذه الآية في صدر السورة ، وكررت هاهنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعته واسمه وأمره وأمته .

يحذرهم من كتمان هذا ، وكتمان ما أنعم به عليهم ، وأمرهم أن يذكروا نعمة الله عليهم ، من النعم الدنيوية والدينية ، ولا يحسدوا بني عمهم من العرب على ما رزقهم الله من إرسال الرسول الخاتم منهم .

ولا يحملهم ذلك الحسد على مخالفته وتكذيبه ، والحيدة عن موافقته ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (123) قال أبو جعفر : وهذه الآية ترهيب من الله جل ثناؤه للذين سلفت عظته إياهم بما وعظهم به في الآية قبلها.

يقول الله لهم: واتقوا - يا معشر بني إسرائيل المبدلين كتابي وتنـزيلي ، المحرفين تأويله عن وجهه ، المكذبين برسولي محمد صلى الله عليه وسلم - عذاب يوم لا تقضي فيه نفس عن نفس شيئا ، ولا تغني عنها غناء ، أن تهلكوا على ما أنتم عليه من كفركم بي ، وتكذيبكم رسولي ، فتموتوا عليه، فإنه يوم لا يقبل من نفس فيما لزمها فدية ، ولا يشفع فيما وجب عليها من حق لها شافع ، ولا هي ينصرها ناصر من الله إذا انتقم منها بمعصيتها إياه.

(16) * * * وقد مضى البيان عن كل معاني هذه الآية في نظيرتها قبل ، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع.

(17) ------------ الهوامش : (16) في المطبوعة : "ولا هم ينصرهم" ، وهو خطأ ، صوابه ما أثبت .

(17) انظر ما سلف في هذا الجزء 2 : 26 - 36 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

تقدم تفسير هذه الأية

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى أن الذين آتاهم الكتاب, ومنَّ عليهم به منة مطلقة, أنهم { يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ } أي: يتبعونه حق اتباعه, والتلاوة: الاتباع، فيحلون حلاله, ويحرمون حرامه, ويعملون بمحكمه, ويؤمنون بمتشابهه، وهؤلاء هم السعداء من أهل الكتاب, الذين عرفوا نعمة الله وشكروها, وآمنوا بكل الرسل, ولم يفرقوا بين أحد منهم.

فهؤلاء, هم المؤمنون حقا, لا من قال منهم: { نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه } ولهذا توعدهم بقوله { وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون}.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«واتقوا» خافوا «يوما لا تجزي» تغني «نفس عن نفس» فيه «شيئا ولا يُقبل منها عدل» فداء «ولا تنفعها شفاعة ولا هم يُنصرون» يمنعون من عذاب الله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وخافوا أهوال يوم الحساب إذ لا تغني نفس عن نفس شيئًا، ولا يقبل الله منها فدية تنجيها من العذاب، ولا تنفعها وساطة، ولا أحد ينصرها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وكما بدأ القرآن حديثه مع اليهود بندائهم بأحب أسمائهم إليهم ، فقد اختتمه - أيضاً - بهذا النداء فقال :( يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ .

.

.

)في هاتين الآيتين تكرير لتذكير بني إسرائيل بما سبق أن ذكروا به في صدر الحديث معهم في هذه السورة ، وذلك لأهمية ما ناداهم من أجله وأهمية الشيء تقتضي تكرار الأمر به إبلاغاً في الحجة وتأكيداً للتذكرة .قال القاضي : ولما صدر القرآن قصة بني إسرائيل بذكر النعم والقيام بحقوقها والحذر من إضاعتها ، والخوف من الساعة وأهوالها ، كرر ذلك وختم به الكلام معهم ، مبالغاً في النصح وإيذاناً بأنه فذلكه القضية ، والمقصود من القصة .هذا وبعد أن ذكر الله - تعالى - في الآيات السابقة نعمه على بني إسرائيل ، وبين كيف كانوا يقابلون النعم بكفر وعناد ، ويأتون منكرات في الأقوال والأعمال ، وختم الحديث معهم بإنذار بالغ ، وتذكير بيوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئاً ، بعد كل ذلك واصل القرآن حديث عن قصة إبراهيم - عليه السلام - لأنهم هم والمشركون ينتمون إليه ويقرون بفضله ، فقال - تعالى - :( وَإِذِ ابتلى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه وتعالى لما استقصى في شرح وجوه نعمه على بني إسرائيل ثم في شرح قبائحهم في أديانهم وأعمالهم وختم هذا الفصل بما بدأ به وهو قوله: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ ﴾ شرع سبحانه هاهنا في نوع آخر من البيان وهو أن ذكر قصة إبراهيم عليه السلام وكيفية أحواله، والحكمة فيه أن إبراهيم عليه السلام شخص يعترف بفضله جميع الطوائف والملل، فالمشركين كانوا معترفين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده ومن ساكني حرمه وخادمي بيته.

وأهل الكتاب من اليهود والنصارى كانوا أيضاً مقرين بفضله متشرفين بأنهم من أولاده، فحكى الله سبحانه وتعالى عن إبراهيم عليه السلام أموراً توجب على المشركين وعلى اليهود والنصارى قبول قول محمد صلى الله عليه وسلم والاعتراف بدينه والانقياد لشرعه، وبيانه من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أمره ببعض التكاليف فلما وفى بها وخرج عن عهدتها لا جرم نال النبوة والإمامة وهذا مما ينبه اليهود والنصارى والمشركين على أن الخير لا يحصل في الدنيا والآخرة إلا بترك التمرد والعناد والانقياد لحكم الله تعالى وتكاليفه.

وثانيها: أنه تعالى حكى عنه أنه طلب الإمامة لأولاده فقال الله تعالى: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ فدل ذلك على أن منصب الإمامة والرياسة في الدين لا يصل إلى الظالمين، فهؤلاء متى أرادوا وجدان هذا المنصب وجب عليهم ترك اللجاج والتعصب للباطل.

وثالثها: أن الحج من خصائص دين محمد صلى الله عليه وسلم، فحكى الله تعالى ذلك عن إبراهيم ليكون ذلك كالحجة على اليهود والنصارى في وجوب الانقياد لذلك.

ورابعها: أن القبلة لما حولت إلى الكعبة شق ذلك على اليهود والنصارى، فبين الله تعالى أن هذا البيت قبلة إبراهيم الذي يعترفون بتعظيمه ووجوب الاقتداء به فكان ذلك مما يوجب زوال ذلك الغضب عن قلوبهم.

وخامسها: أن من المفسرين من فسر الكلمات التي ابتلى الله تعالى إبراهيم بها بأمور يرجع حاصلها إلى تنظيف البدن وذلك مما يوجب على المشركين اختيار هذه الطريقة لأنهم كانوا معترفين بفضل إبراهيم عليه السلام ويوجب عليهم ترك ما كانوا عليه من التلطخ بالدماء وترك النظافة ومن المفسرين من فسر تلك الكلمات بما أن إبراهيم عليه السلام صبر على ما ابتلى به في دين الله تعالى وهو النظر في الكواكب والقمر والشمس ومناظرة عبدة الأوثان، ثم الانقياد لأحكام الله تعالى في ذبح الولد والإلقاء في النار، وهذا يوجب على هؤلاء اليهود والنصارى والمشركين الذين يعترفون بفضله أن يتشبهوا به في ذلك ويسلكوا طريقته في ترك الحسد والحمية وكراهة الانقياد لمحمد صلى الله عليه وسلم، فهذه الوجوه التي لأجلها ذكر الله تعالى قصة إبراهيم عليه السلام.

واعلم أنه تعالى حكى عن إبراهيم عليه السلام أموراً يرجع بعضها إلى الأمور الشاقة التي كلفه بها، وبعضها يرجع إلى التشريفات العظيمة التي خصه الله بها، ونحن نأتي على تفسيرها إن شاء الله تعالى، وهذه الآية دالة على تكليف حصل بعده تشريف.

أما التكليف فقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف: العامل في ﴿ إِذَا ﴾ إما مضمر نحو: واذكر إذ ابتلى إبراهيم أو إذ ابتلاه كان كيت وكيت وإما ﴿ قَالَ إِنّى جاعلك ﴾ .

المسألة الثانية: أنه تعالى وصف تكليفه إياه ببلوى توسعاً لأن مثل هذا يكون منا على جهة البلوى والتجربة والمحنة من حيث لا يعرف ما يكون ممن يأمره، فلما كثر ذلك في العرف بيننا جاز أن يصف الله تعالى أمره ونهيه بذلك مجازاً لأنه تعالى لا يجوز عليه الاختبار والامتحان لأنه تعالى عالم بجميع المعلومات التي لا نهاية لها على سبيل التفصيل من الأزل إلى الأبد، وقال هشام ابن الحكم: إنه كان في الأزل عالماً بحقائق الأشياء وماهياتها فقط، فأما حدوث تلك الماهيات ودخولها في الوجود فهو تعالى لا يعلمها إلا عند وقوعها واحتج عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، قال: إنه تعالى صرح بأنه يبتلي عباده ويختبرهم وذكر نظيره في سائر الآيات كقوله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين  ﴾ وقال: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ وقال في هذه السورة بعد ذلك: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع  ﴾ وذكر أيضاً ما يؤكد هذا المذهب نحو قوله: ﴿ فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى  ﴾ وكلمة ﴿ لَعَلَّ ﴾ للترجي وقال: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ فهذه الآيات ونظائرها دالة على أنه سبحانه وتعالى لا يعلم وقوع الكائنات قبل وقوعها، أما العقل فدل على وجوه: أحدها: أنه تعالى لو كان عالماً بوقوع الأشياء قبل وقوعها لزم نفي القدرة عن الخالق وعن الخلق، وذلك محال فما أدى إليه مثله بيان الملازمة: أن ما علم الله تعالى وقوعه استحال أن لا يقع لأن العلم بوقوع الشيء وبلا وقوع ذلك الشيء متضادان والجمع بين الضدين محال، وكذلك ما علم الله أنه لا يقع كان وقوعه محالاً لعين هذه الدلالة، فلو كان الباري تعالى عالماً بجميع الأشياء الجزئية قبل وقوعها لكان بعضها واجب الوقوع وبعضها ممتنع الوقوع، ولا قدرة البتة لا على الواجب ولا على الممتنع فيلزم نفي القدرة على هذه الأشياء عن الخالق تعالى وعن الخلق وإنما قلنا: إن ذلك محال أما في حق الخالق فلأنه ثبت أن العالم محدث وله مؤثر وذلك المؤثر يجب أن يكون قادراً إذ لو كان موجباً لذاته لزم من قدمه قدم العالم أو من حدوث العالم حدوثه، وأما في حق الخلق فلأنا نجد من أنفسنا وجداناً ضرورياً كوننا متمكنين من الفعل والترك، على معنى أنا إن شئنا الفعل قدرنا عليه، وإن شئنا الترك قدرنا على الترك، فلو كان أحدهما واجباً والآخر ممتنعاً لما حصلت هذه المكنة التي يعرف ثبوتها بالضرورة.

وثانيها: أن تعلق العلم بأحد المعلومين مغاير لتعلقه بالمعلوم الآخر، ولذلك فإنه يصل منا تعقل أحد التعلقين مع الذهول عن التعلق الآخر، ولو كان التعلقان تعلقاً واحداً لاستحال ذلك، لأن الشيء الواحد يستحيل أن يكون معلوماً مذهولاً عنه، وإذا ثبت هذا فنقول: لو كان تعالى عالماً بجميع هذه الجزئيات، لكان له تعالى علوم غير متناهية، أو كان لعلمه تعلقات غير متناهية، وعلى التقديرين فيلزم حصول موجودات غير متناهية دفعة واحدة وذلك محال، لأن مجموع تلك الأشياء أزيد من ذلك المجموع بعينه عند نقصان عشرة منه، فالناقص متناه، والزائد زاد على المتناهي بتلك العشرة، والمتناهي إذا ضم إليه غير المتناهي كان الكل متناهياً، فإذاً وجود أمور غير متناهية محال، فإن قيل: الموجود هو العلم، فأما تلك التعلقات فهي أمور نسبية لا وجود لها في الأعيان، قلنا: العلم إنما يكون علماً لو كان متعلقاً بالمعلوم، فلو لم يكن ذلك التعلق حاصلاً في نفس الأمر لزم أن لا يكون العلم علماً في نفس الأمر وذلك محال.

وثالثها: أن هذه المعلومات التي لا نهاية لها، هل يعلم الله عددها أو لا يعلم، فإن علم عددها فهي متناهية، لأن كل ما له عدد معين فهو متناه، وإن لم يعلم الله تعالى عددها لم يكن عالماً بها على سبيل التفصيل، وكلامنا ليس إلا في العلم التفصيلي.

ورابعها: أن كل معلوم فهو متميز في الذهن عما عداه، وكل متميز عما عداه فإن ما عداه خارج عنه، وكل ما خرج عنه فهو متناه، فإذن كل معلوم فهو متناه، فإذن كل ما هو غير متناه استحال أن يكون معلوماً.

وخامسها: أن الشيء إنما يكون معلوماً لو كان للعلم تعلق به ونسبة إليه وانتساب الشيء إلى الشيء يعتبر تحققه في نفسه، فإنه إذا لم يكن للشيء في نفسه تعين استحال أن يكون لغيره إليه من حيث هو هو نسبة، والشيء المشخص قبل دخوله في الوجود لم يكن مشخصاً البتة، فاستحال كونه متعلق العلم، فإن قيل: يبطل هذا بالمحالات والمركبات دخولها في الوجود، فإنا نعلمها وإن لم يكن لها تعينات البتة، قلنا: هذا الذي أوردتموه نقض على كلامنا، وليس جواباً عن كلامنا، وذلك مما لا يزيل الشك والشبهة، قال هشام: فهذه الوجوه العقلية تدل على أنه لا حاجة إلى صرف هذه الآيات عن ظواهرها، واعلم أن هشاماً كان رئيس الرافضة، فلذلك ذهب قدماء الروافض إلى القول بالنداء، أما الجمهور من المسلمين فإنهم اتفقوا على أنه سبحانه وتعالى يعلم الجزئيات قبل وقوعها، واحتجوا عليها بأنها قبل وقوعها تصح أن تكون معلومة لله تعالى إنما قلنا أنها تصح أن تكون معلومة لأنا نعلمها قبل وقوعها فإنا نعلم أن الشمس غداً تطلع من مشرقها، والوقوع يدل على الإمكان، وإنما قلنا: أنه لما صح أن تكون معلومة وجب أن تكون معلومة لله تعالى، لأن تعلق علم الله تعالى بالمعلوم أمر ثبت له لذاته، فليس تعلقه ببعض ما يصح أن يعلم أولى من تعلقه بغيره، فلو حصل التخصيص لافتقر إلى مخصص، وذلك محال، فوجب أن لا يتعلق بشيء من المعلومات أصلاً وإن تعلق بالبعض فإنه يتعلق بكلها وهو المطلوب.

أما الشبهة الأولى: فالجواب عنها أن العلم بالوقوع تبع للوقوع، والوقوع تبع للقدرة، فالتابع لا ينافي المتبوع، فالعلم لازم لا يغني عن القدرة.

وأما الشبهة الثانية: فالجواب عنها: أنها منقوضة بمراتب الأعداد التي لا نهاية لها.

وأما الشبهة الثالثة: فالجواب عنها: أن الله تعالى لا يعلم عددها، ولا يلزم منه إثبات الجهل، لأن الجهل هو أن يكون لها عدد معين، ثم أن الله تعالى لا يعلم عددها، فأما إذا لم يكن في نفسها عدد، لم يلزم من قولنا: أن الله تعالى لا يعلم عددها إثبات الجهل.

وأما الشبهة الرابعة: فالجواب عنها: أنه ليس من شرط المعلوم أن يعلم العلم تميزه عن غيره، لأن العلم بتميزه عن غيره يتوقف على العلم بذلك الغير، فلو كان توقف العلم بالشيء على العلم بتميزه عن غيره، وثبت أن العلم بتميزه من غيره يوقف على العلم بغيره، لزم أن لا يعلم الإنسان شيئاً واحداً إلا إذا علم أموراً لا نهاية لها.

وأما الشبهة الخامسة: فالجواب عنها بالنقض الذي ذكرناه، وإذا انتقضت الشبهة سقطت، فيبقى ما ذكرناه من الدلالة على عموم عالمية الله تعالى سالماً عن المعارض، وبالله التوفيق.

المسألة الثالثة: اعلم أن الضمير لابد وأن يكون عائداً إلى مذكور سابق، فالضمير إما أن يكون متقدماً على المذكور لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متأخراً عنه لفظاً ومعنى، وإما أن يكون متقدماً لفظاً ومتأخراً معنى، وإما أن يكون بالعكس منه.

أما القسم الأول: وهو أن يكون متقدماً لفظاً ومعنى فالمهشور عند النحويين أنه غير جائز، وقال ابن جني بجوازه، واحتج عليه بالشعر والمعقول، أما الشعر فقوله: جزى ربه عني عدي بن حاتم *** جزاء الكلاب العاويات وقد فعل وأما المعقول فلأن الفاعل مؤثر والمفعول قابل وتعلق الفعل بهما شديد، فلا يبعد تقديم أي واحد منهما كان على الآخر في اللفظ، ثم أجمعنا على أنه لو قدم المنصوب على المرفوع في اللفظ فإنه جائز، فكذا إذا لم يقدم مع أن ذلك التقديم جائز.

القسم الثاني: وهو أن يكون الضمير متأخراً لفظاً ومعنى، وهذا لا نزاع في صحته، كقولك: ضرب زيد غلامه.

القسم الثالث: أن يكون الضمير متقدماً في اللفظ متأخراً في المعنى وهو كقولك: ضرب غلامه زيد، فهاهنا الضمير وإن كان متقدماً في اللفظ لكنه متأخر في المعنى، لأن المنصوب متأخر عن المرفوع في التقدير، فيصير كأنك قلت: زيد ضرب غلامه فلا جرم كان جائزاً.

القسم الرابع: أن يكون الضمير متقدماً في المعنى متأخراً في اللفظ، وهو كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ ﴾ فإن المرفوع مقدم في المعنى على المنصوب، فيصير التقدير: وإذ ابتلى ربه إبراهيم، إلا أن الأمر وإن كان كذلك بحسب المعنى لكن لما لم يكن الضمير متقدماً في اللفظ بل كان متأخراً لا جرم كان جائزاً حسناً.

المسألة الرابعة: قرأ ابن عامر: (إبراهام) بألف بين الهاء والميم، والباقون (إبراهيم) وهما لغتان، وقرأ ابن عباس وأبو حيوة رضي الله عنه (إبراهيم ربه) برفع إبراهيم ونصب ربه، والمعنى أنه دعاه بكلمات من الدعاء فعل المختبر هل يجيبه الله تعالى إليهن أم لا.

المسألة الخامسة: اختلف المفسرون في أن ظاهر اللفظ هل يدل على تلك الكلمات أم لا؟

فقال بعضهم: اللفظ يدل عليها وهي التي ذكرها الله تعالى من الإمامة وتطهير البيت ورفع قواعده والدعاء بإبعاث محمد صلى الله عليه وسلم، فإن هذه الأشياء أمور شاقة، أما الإمامة فلأن المراد منها هاهنا هو النبوة، وهذا التكليف يتضمن مشاق عظيمة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يلزمه أن يتحمل جميع المشاق والمتاعب في تبليغ الرسالة، وأن لا يخون في أداء شيء منها، ولو لزمه القتل بسبب ذلك ولا شك أن ذلك من أعظم المشاق، ولهذا قلنا: إن ثواب النبي أعظم من ثواب غيره، وأما بناء البيت وتطهيره ورفع قواعده، فمن وقف على ما روي في كيفية بنائه عرف شدة البلوى فيه، ثم أنه يتضمن إقامة المناسك، وقد امتحن الله الخليل عليه الصلاة والسلام بالشيطان في الموقف لرمي الجمار وغيره، وأما اشتغاله بالدعاء في أن يبعث الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم في آخر الزمان، فهذا مما يحتاج إليه إخلاص العمل لله تعالى، وإزالة الحسد عن القلب بالكلية، فثبت أن الأمور المذكورة عقيب هذه الآية: تكاليف شاقة شديدة، فأمكن أن يكون المراد من ابتلاء الله تعالى إياه بالكلمات هو ذلك، ثم الذي يدل على أن المراد ذلك أنه عقبه بذكره من غير فصل بحرف من حروف العطف فلم يقبل، وقال: إني جاعلك للناس إماماً، بل قال: ﴿ إنى جاعلك ﴾ فدل هذا على أن ذلك الابتلاء ليس إلا التكليف بهذه الأمور المذكورة، واعترض القاضي على هذا القول فقال: هذا إنما يجوز لو قال الله تعالى: وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: إني جاعلك للناس إماماً فأتمهن، إلا أنه ليس كذلك، بل ذكر قوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ بعد قوله: ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ وهذا يدل على أنه تعالى امتحنه بالكلمات وأتمها إبراهيم، ثم أنه تعالى قال له بعد ذلك: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ ويمكن أن يجاب عنه بأنه ليس المراد من الكلمات الإمامة فقط، بل الإمامة وبناء البيت وتطهيره والدعاء في بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، كأن الله تعالى ابتلاه بمجموع هذه الأشياء، فأخبر الله تعالى عنه أنه ابتلاه بأمور على الإجمال، ثم أخبر عنه أنه أتمها، ثم عقب ذلك بالشرح والتفصيل، وهذا مما لا يعد فيه.

القول الثاني: أن ظاهر الآية لا دلالة فيه على المراد بهذه الكلمات وهذا القول يحتمل وجهين، أحدهما: بكلمات كلفه الله بهن، وهي أوامره ونواهيه فكأنه تعالى قال: ﴿ وَإِذِ ابتلى إبراهيم رَبُّهُ بكلمات ﴾ مما شاء كلفه بالأمر بها.

والوجه الثاني: بكلمات تكون من إبراهيم يكلم بها قومه، أي يبلغهم إياها، والقائلون بالوجه الأول اختلفوا في أن ذلك التكليف بأي شيء كان على أقوال.

أحدها: قال ابن عباس: هي عشر خصال كانت فرضاً في شرعه وهي سنة في شرعنا، خمس في الرأس وخمس في الجسد، أما التي في الرأس: فالمضمضة، والإستنشاق وفرق الرأس، وقص الشارب، والسواك، وأما التي في البدن: فالختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، والاستنجاء بالماء.

وثانيها: قال بعضهم: ابتلاه بثلاثين خصلة من خصال الإسلام، عشر منها في سورة براءة: ﴿ التائبون العابدون  ﴾ إلى آخر الآية، وعشر منها في سورة الأحزاب: ﴿ إِنَّ المسلمين والمسلمات  ﴾ إلى آخر الآية، وعشر منها في المؤمنون: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ المؤمنون  ﴾ إلى قوله: ﴿ أولئك هُمُ الوارثون  ﴾ وروى عشر في: ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ على صَلاَتِهِمْ يُحَافِظُونَ  ﴾ فجعلها أربعين سهماً عن ابن عباس.

وثالثها: أمره بمناسك الحج، كالطواف والسعي والرمي والإحرام وهو قول قتادة وابن عباس.

ورابعها: ابتلاه بسبعة أشياء: بالشمس، والقمر، والكواكب، والختان على الكبر، والنار، وذبح الولد، والهجرة، فوفى بالكل فلهذا قال الله تعالى: ﴿ وإبراهيم الذي وفى  ﴾ عن الحسن.

وخامسها: أن المراد ما ذكره في قوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين  ﴾ .

وسادسها: المناظرات الكثيرة في التوحيد مع أبيه وقومه ومع نمرود والصلاة والزكاة والصوم، وقسم الغنائم، والضيافة، والصبر عليها، قال القفال رحمه الله: وجملة القول أن الابتلاء يتناول إلزام كل ما في فعله كلفة شدة ومشقة، فاللفظ يتناول مجموع هذه الأشياء ويتناول كل واحد منها، فلو ثبتت الرواية في الكل وجب القول بالكل، ولو ثبتت الرواية في البعض دون البعض فحينئذ يقع التعارض بين هذه الروايات، فوجب التوقف والله أعلم.

المسألة السادسة: قال القاضي: هذا الابتلاء إنما كان قبل النبوة، لأن الله تعالى نبه على أن قيامه عليه الصلاة والسلام بهن كالسبب لأن يجعله الله إماماً، والسبب مقدم على المسبب، فوجب كون هذا الابتلاء متقدماً في الوجود على صيرورته إماماً وهذا أيضاً ملائم لقضايا العقول، وذلك لأن الوفاء من شرائط النبوة لا يحصل إلا بالإعراض عن جميع ملاذ الدنيا وشهواتها وترك المداهنة مع الخلق وتقبيح ما هم عليه من الأديان الباطلة والعقائد الفاسدة، وتحمل الأذى من جميع أصناف الخلق، ولا شك أن هذا المعنى من أعظم المشاق وأجل المتاعب، ولهذا السبب يكون الرسول عليه الصلاة والسلام أعظم أجراً من أمته، وإذا كان كذلك فالله تعالى ابتلاه بالتكاليف الشاقة، فلما وفى عليه الصلاة والسلام بها لا جرم أعطاه خلعة النبوة والرسالة، وقال آخرون: إنه بعد النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام لا يعلم كونه مكلفاً بتلك التكاليف إلا من الوحي، فلابد من تقدم الوحي على معرفته بكونه كذلك، أجاب القاضي عنه بأنه يحتمل أنه تعالى أوحى إليه على لسان جبريل عليه السلام بهذه التكاليف الشاقة، فلما تمم ذلك جعله نبياً مبعوثاً إلى الخلق، إذا عرفت هذه المسألة فنقول قال القاضي: يجوز أن يكون المراد بالكلمات، ما ذكره الحسن من حديث الكوكب والشمس والقمر، فإنه عليه الصلاة والسلام ابتلاه الله بذلك قبل النبوة، أما ذبح الولد والهجرة والنار فكل ذلك كان بعد النبوة، وكذا الختان، فإنه عليه السلام يروي أنه ختن نفسه وكان سنه مائة وعشرين سنة، ثم قال: فإن قامت الدلالة السمعية القاهرة على أن المراد من الكلمات هذه الأشياء كان المراد من قوله: ﴿ أتمهن ﴾ أنه سبحانه علم من حاله أنه يتمهن ويقوم بهن بعد النبوة فلا جرم أعطاه خلعة الإمامة والنبوة.

المسألة السابعة: الضمير المستكن في ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ في إحدى القراءتين لإبراهيم بمعنى فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية، من غير تفريط وتوان.

ونحوه: ﴿ وإبراهيم الذي وفى ﴾ وفي الأخرى لله تعالى بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئاً.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ فالإمام اسم من يؤتم به كالإزار لما يؤتزر به، أي يأتمون بك في دينك.

وفيه مسائل: المسألة الأولى: قال أهل التحقيق: المراد من الإمام هاهنا النبي ويدل عليه وجوه: أحدها: أن قوله: ﴿ لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ يدل على أنه تعالى جعله إماماً لكل الناس والذي يكون كذلك لابد وأن يكون رسولاً من عند الله مستقلاً بالشرع لأنه لو كان تبعاً لرسول آخر لكان مأموماً لذلك الرسول لا إماماً له، فحينئذ يبطل العموم.

وثانيها: أن اللفظ يدل على أنه إمام في كل شيء والذي يكون كذلك لابد وأن يكون نبياً.

وثالثها: أن الأنبياء عليهم السلام أئمة من حيث يجب على الخلق اتباعهم، قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا  ﴾ والخلفاء أيضاً أئمة لأنهم رتبوا في المحل الذي يجب على الناس اتباعهم وقبول قولهم وأحكامهم والقضاة والفقهاء أيضاً أئمة لهذا المعنى، والذي يصلي بالناس يسمى أيضاً إماماً لأن من دخل في صلاته لزمه الائتمام به.

قال عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام إماماً ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا سجد فاسجدوا ولا تختلفوا على إمامكم».

فثبت بهذ أن اسم الإمام لمن استحق الاقتداء به في الدين وقد يسمى بذلك أيضاً من يؤتم به في الباطل، قال الله تعالى: ﴿ وجعلناهم أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار  ﴾ إلا أن اسم الإمام لا يتناوله على الإطلاق بل لا يستعمل فيه إلا مقيداً، فإنه لما ذكر أئمة الضلال قيده بقوله تعالى: ﴿ يَدْعُونَ إِلَى النار ﴾ كما أن اسم الإله لا يتناول إلا المعبود الحق، فأما المعبود الباطل فإنما يطلق عليه اسم الإله مع القيد، قال الله تعالى: ﴿ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءالِهَتَهُمُ التى يَدْعُونَ مِن دُونِ الله مِن شَيء  ﴾ وقال: ﴿ وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً  ﴾ إذا ثبت أن اسم الإمام يتناول ما ذكرناه، وثبت أن الأنبياء في أعلى مراتب الإمامة وجب حمل اللفظ هاهنا عليه، لأن الله تعالى ذكر لفظ الإمام هاهنا في معرض الامتنان، فلابد وأن تكون تلك النعمة من أعظم النعم ليحسن نسبة الامتنان فوجب حمل هذه الإمامة على النبوة.

المسألة الثانية: أن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم عليه الصلاة والسلام ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم عليه السلام، وقال الله تعالى في كتابه: ﴿ ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا  ﴾ وقال: ﴿ مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ وقال في آخر سورة الحج: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ  ﴾ وجميع أمة محمد عليه الصلاة والسلام يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم.

المسألة الثالثة: القائلون بأن الإمام لا يصير إماماً إلا بالنص تمسكوا بهذه الآية فقالوا: إنه تعالى بين أنه إنما صار إماماً بسبب التنصيص على إمامته ونظيره قوله تعالى: ﴿ إِنّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً  ﴾ فبين أنه لا يحصل له منصب الخلافة إلا بالتنصيص عليه وهذا ضعيف لأنا بينا أن المراد بالإمامة هاهنا النبوة، ثم إن سلمنا أن المراد منها مطلق الإمامة لكن الآية تدل على أن النص طريق الإمامة وذلك لا نزاع فيه، إنما النزاع في أنه هل تثبت الإمامة بغير النص، وليس في هذه الآية تعرض لهذه المسألة لا بالنفي ولا بالإثبات.

المسألة الرابعة: قوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ يدل على أنه عليه السلام كان معصوماً عن جميع الذنوب لأن الإمام هو الذي يؤتم به ويقتدى، فلو صدرت المعصية منه لوجب علينا الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب علينا فعل المعصية وذلك محال لأن كونه معصية عبارة عن كونه ممنوعاً من فعله وكونه واجباً عبارة عن كونه ممنوعاً من تركه والجميع محال.

أما قوله: ﴿ مِن ذُرّيَّتِى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الذرية: الأولاد وأولاد الأولاد للرجل وهو من ذرأ الله الخلق وتركوا همزها للخفة كما تركوا في البرية وفيه وجه آخر وهوأن تكون منسوبة إلى الذر.

المسألة الثانية: قوله؛ ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ عطف على الكاف كأنه قال: وجاعل بعض ذريتي كما يقال لك: سأكرمك، فتقول: وزيداً.

المسألة الثالثة: قال بعضهم: إنه تعالى أعلمه أن في ذريته أنبياء فأراد أن يعلم هل يكون ذلك في كلهم أو في بعضهم وهل يصلح جميعهم لهذا الأمر؟

فأعلمه الله تعالى أن فيهم ظالماً لا يصلح لذلك وقال آخرون: إنه عليه السلام ذكر ذلك على سبيل الاستعلام ولما لم يعلم على وجه المسألة، فأجابه الله تعالى صريحاً بأن النبوة لا تنال الظالمين منهم، فإن قيل: هل كان إبراهيم عليه السلام مأذوناً في قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ أو لم يكن مأذوناً فيه؟

فإن أذن الله تعالى في هذا الدعاء فلم رد دعاءه؟

وإن لم يأذن له فيه كان ذلك ذنباً، قلنا: قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ يدل على أنه عليه السلام طلب أن يكون بعض ذريته أئمة للناس، وقد حقق الله تعالى إجابة دعائه في المؤمنين من ذريته كاسماعيل وإسحاق ويعقوب ويوسف وموسى وهرون وداود وسليمان وأيوب ويونس وزكريا ويحيى وعيسى وجعل آخرهم محمداً صلى الله عليه وسلم من ذريته الذي هو أفضل الأنبياء والأئمة عليهم السلام.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ حمزة وحفص عن عاصم: ﴿ عَهْدِي ﴾ بإسكان الياء، والباقون بفتحها، وقرأ بعضهم: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمون ﴾ أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي.

المسألة الثانية: ذكروا في العهد وجوهاً: أحدها: أن هذا العهد هو الإمامة المذكورة فيما قبل، فإن كان المراد من تلك الإمامة هو النبوة فكذا وإلا فلا.

وثانيها: ﴿ عَهْدِي ﴾ أي رحمتي عن عطاء.

وثالثها: طاعتي عن الضحاك.

ورابعها: أماني عن أبي عبيد، والقول الأول أولى لأن قوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ طلب لتلك الإمامة التي وعده بها بقوله: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا ﴾ فقوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ لا يكون جواباً عن ذلك السؤال إلا إذا كان المراد بهذا العهد تلك الإمامة.

المسألة الثالثة: الآية دالة على أنه تعالى سيعطي بعض ولده ما سأل، ولولا ذلك لكان الجواب: لا، أو يقول: لا ينال عهدي ذريتك، فإن قيل: أفما كان إبراهيم عليه السلام عالماً بأن النبوة لا تليق بالظالمين، قلنا: بلى، ولكن لم يعلم حال ذريته، فبين الله تعالى أن فيهم من هذا حاله وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم.

المسألة الرابعة: الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من ثلاثة أوجه.

الأول: أن أبا بكر وعمر كانا كافرين، فقد كانا حال كفرهما ظالمين، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنهما لا ينالان عهد الإمامة البتة ولا في شيء من الأوقات ثبت أنهما لا يصلحان للإمامة.

الثاني: أن من كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين، فإذن ما لم يعرف أن أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما وذلك إنما يثبت في حق من تثبت عصمته ولما لم يكونا معصومين بالإتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتة.

الثالث: قالوا: كانا مشركين، وكل مشرك ظالم والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة، أما أنهما كانا مشركين فبالاتفاق، وأما أن المشرك ظالم فلقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ وأما أن الظالم لا يناله عهد الإمامة فلهذه الآية، لا يقال إنهما كانا ظالمين حال كفرهما، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم لأنا نقول الظالم من وجد منه الظلم، وقولنا: وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال بدليل أن هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين وما كان مشتركاً بين القسمين لايلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين، فلا يلزم من نفى كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية أن النائم يسمى مؤمناً والإيمان هو التصديق والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً، فدل على أنه يسمى مؤمناً لأن الإيمان كان حاصلاً قبل، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل، وأيضاً فالكلام عبارة عن حروف متوالية، والمشي عبارة عن حصولات متوالية في أحياز متعاقبة، فمجموع تلك الأشياء البتة لا وجود لها، فلو كان حصول المشتق منه شرطاً في كون الاسم المشتق حقيقة وجب أن يكون اسم المتكلم والماشي وأمثالهما حقيقة في شيء أصلاً، وأنه باطل قطعاً فدل هذا على أن حصول المشتق منه ليس شرطاً لكون الاسم المشتق حقيقة؟

والجواب: كل ما ذكرتموه معارض، بما أنه لو حلف لا يسلم على كافر فسلم على إنسان مؤمن في الحال إلا أنه كان كافراً قبل بسنين متطاولة فإنه لا يحنث، فدل على ما قلناه، ولأن التائب عن الكفر لا يسمى كافراً والتائب عن المعصية لا يسمى عاصياً، فكذا القول في نظائره، ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الذين ظَلَمُواْ  ﴾ فإنه نهى عن الركون إليهم حال إقامتهم على الظلم، وقوله: ﴿ مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ  ﴾ معناه: ما أقاموا على الإحسان، على أنا بينا أن المراد من الإمامة في هذه الآية: النبوة، فمن كفر بالله طرفة عين فإنه لا يصلح للنبوة.

المسألة الخامسة: قال الجمهور من الفقهاء والمتكلمين: الفاسق حال فسقه لا يجوز عقد الإمامة له، واختلفوا في أن الفسق الطارئ هل يبطل الإمامة أم لا؟

واحتج الجمهور على أن الفاسق لا يصلح أن تعقد له الإمامة بهذه الآية، ووجه الاستدلال بها من وجهين: الأول: ما بينا أن قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ جواب لقوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ وقوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَتِى ﴾ طلب للإمامة التي ذكرها الله تعالى، فوجب أن يكون المراد بهذا العهد هو الإمامة، ليكون الجواب مطابقاً للسؤال، فتصير الآية كأنه تعالى قال: لا ينال الإمامة الظالمين، وكل عاص فإنه ظالم لنفسه، فكانت الآية دالة على ما قلناه، فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي انتفاء كونهم ظالمين ظاهراً وباطناً ولا يصح ذلك في الأئمة والقضاة، قلنا: أما الشيعة فيستدلون بهذه الآية على صحة قولهم في وجوب العصمة ظاهراً وباطناً، وأما نحن فنقول: مقتضى الآية ذلك، إلا أنا تركنا اعتبار الباطن فتبقى العدالة الظاهرة معتبرة، فإن قيل: أليس أن يونس عليه السلام قال: ﴿ سبحانك إِنّى كُنتُ مِنَ الظالمين  ﴾ وقال آدم: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  ﴾ قلنا: المذكور في الآية هو الظلم المطلق، وهذا غير موجود في آدم ويونس عليهما السلام.

الوجه الثاني: أن العهد قد يستعمل في كتاب الله بمعنى الأمر، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان  ﴾ يعني ألم آمركم بهذا، وقال الله تعالى: ﴿ قَالُواْ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا  ﴾ يعني أمرنا، ومنه عهود الخلفاء إلى أمرائهم وقضاتهم إذا ثبت أن عهد الله هو أمره فنقول: لا يخلو قوله؛ ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ من أن يريد أن الظالمين غير مأمورين، وأن الظالمين لا يجوز أن يكونوا بمحل من يقبل منهم أوامر الله تعالى، ولما بطل الوجه الأول لاتفاق المسلمين على أن أوامر الله تعالى لازمة للظالمين كلزومها لغيرهم ثبت الوجه الآخر، وهو أنهم غير مؤتمنين على أوامر الله تعالى وغير مقتدى بهم فيها فلا يكونون أئمة في الدين، فثبت بدلالة الآية بطلان إمامة الفاسق، قال عليه السلام: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ودل أيضاً على أن الفاسق لا يكون حاكماً، وأن أحكامه لا تنفذ إذا ولي الحكم، وكذلك لا تقبل شهادته ولا خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا فتياه إذا أفتى، ولا يقدم للصلاة وإن كان هو بحيث لو اقتدي به فإنه لا تفسد صلاته، قال أبو بكر الرازي: ومن الناس من يظن أن مذهب أبي حنيفة أنه يجوز كون الفاسق إماماً وخليفة، ولا يجوز كون الفاسق قاضياً، قال: وهذا خطأ، ولم يفرق أبو حنيفة بين الخليفة والحاكم في أن شرط كل واحد منهما العدالة، وكيف يكون خليفة وروايته غير مقبولة، وأحكامه غير نافذة، وكيف يجوز أن يدعي ذلك على أبي حنيفة وقد أكرهه ابن هبيرة في أيام بني أمية على القضاء، وضربه فامتنع من ذلك فحبس، فلح ابن هبيرة وجعل يضربه كل يوم أسواطاً، فلما خيف عليه، قال له الفقهاء: تول له شيئاً من عمله أي شيء كان حتى يزول عنك الضرب، فتولي له عد أحمال التبن التي تدخل فخلاه، ثم دعاه المنصور إلى مثل ذلك حتى عد له اللبن الذي كان يضرب لسور مدينة المنصور إلى مثل ذلك وقصته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه وفتياه الناس سراً في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن الحسن، ثم قال: وإنما غلط من غلط في هذه الرواية أن قول أبي حنيفة: أن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه، وتولي القضاء من إمام جائر فإن أحكامه نافذة، والصلاة خلفه جائزة، لأن القاضي إذا كان عدلاً في نفسه ويمكنه تنفيذ الأحكام كانت أحكامه نافذة، فلا اعتبار في ذلك بمن ولاه، لأن الذي ولاه بمنزلة سائر أعوانه، وليس شرط أعوان القاضي أن يكون عدولاً ألا ترى أن أهل بلد لا سلطان عليهم لو اجتمعوا على الرضا بتولية رجل عدل منهم القضاء حتى يكونوا أعواناً له على من امتنع من قبول أحكامه لكان قضاؤه نافذاً وأن لم يكن له ولاية من جهة إمام ولا سلطان والله أعلم.

المسألة السادسة: الآية تدل على عصمة الأنبياء من وجهين: الأول: أنه قد ثبت أن المراد من هذا العهد: الإمامة.

ولا شك أن كل نبي إمام، فإن الإمام هو الذي يؤتم به، والنبي أولى الناس، وإذا دلت الآية على أن الإمام لا يكون فاسقاً، فبأن تدل على أن الرسول لا يجوز أن يكون فاسقاً فاعلاً للذنب والمعصية أولى.

الثاني: قال: ﴿ لاَ يَنَال عَهْدِي الظالمين ﴾ فهذا العهد إن كان هو النبوة؛ وجب أن تكون لا ينالها أحد من الظالمين وإن كان هو الإمامة، فكذلك لأن كل نبي لابد وأن يكون إماماً يؤتم به، وكل فاسق ظالم لنفسه فوجب أن لا تحصل النبوة لأحد من الفاسقين والله أعلم.

المسألة السابعة؛ اعلم أنه سبحانه بين أن له معك عهداً، ولك معه عهداً، وبين أنك متى تفي بعهدك، فإنه سبحانه يفي أيضاً بعهده فقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ ثم في سائر الآيات فإنه أفرد عهدك بالذكر، وأفرد عهد نفسه أيضاً بالذكر، أما عهدك فقال فيه: ﴿ والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عاهدوا  ﴾ وقال: ﴿ والذين هُمْ لأماناتهم وَعَهْدِهِمْ راعون  ﴾ وقال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بالعقود  ﴾ وقال: ﴿ لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله أَن تَقُولُواْ مَا لاَ تَفْعَلُونَ  ﴾ وأما عهده سبحانه وتعالى فقال فيه: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله  ﴾ ثم بين كيفية عهده إلى أبينا آدم فقال: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آدم من قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً  ﴾ ثم بين كيفية عهده إلينا فقال: ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى آدم وَإِذْ أَخَذ  ﴾ ثم بين كيفية عهده مع بني إسرائيل فقال: ﴿ إِنَّ الله عَهِدَ إِلَيْنَا أَلاَّ نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ  ﴾ ثم بين كيفية عهده مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ ثم بين في هذه الآية أن عهده لا يصل إلى الظالمين فقال: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ فهذه المبالغة الشديدة في هذه المعاهدة تقتضي البحث عن حقيقة هذه المعاهدة فنقول: العهد المأخوذ عليك ليس إلا عهد الخدمة والعبودية، والعهد الذي التزمه الله تعالى من جهته ليس إلا عهد الرحمة والربوبية، ثم إن العاقل إذا تأمل في حال هذه المعاهدة لم يجد من نفسه إلا نقض هذا العهد، ومن ربه إلا الوفاء بالعهد، فلنشرع في معاقد هذا الباب فنقول: أول إنعامه عليك إنعام الخلق والإيجاد والإحياء وإعطاء العقل والآلة والمقصود من كل ذلك اشتغالك بالطاعة والخدمة والعبودية على ما قال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ ونزه نفسه عن أن يكون هذا الخلق والإيجاد منه على سبيل العبث فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهَا لاَعِبِينَ  ﴾ ﴿ مَا خلقناهما إِلاَّ بالحق  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السماء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا باطلا ذلك ظَنُّ الذين كَفَرُواْ  ﴾ وقال: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خلقناكم عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ  ﴾ ثم بين على سبيل التفصيل ما هو الحكمة في الخلق والإيجاد فقال: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ فهو سبحانه وفى بعهد الربوبية حيث خلقك وأحياك وأنعم عليك بوجوه النعم وجعلك عاقلاً مميزاً فإذا لم تشتغل بخدمته وطاعته وعبوديته فقد نقضت عهد عبوديتك مع أن الله تعالى وفى بعهد ربوبيته.

وثانيها: أن عهد الربوبية يقتضي إعطاء التوفيق والهداية وعهد العبودية منك يقتضي الجد والاجتهاد في العمل، ثم إنه وفى بعهد الربوبية فإنه ما ترك ذرة من الذرات إلا وجعلها هادية لك إلى سبيل الحق: ﴿ وَإِن مِّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ  ﴾ وأنت ما وفيت البتة بعهد الطاعة والعبودية.

وثالثها: أن نعمة الله بالإيمان أعظم النعم، والدليل عليه أن هذه النعمة لو فاتتك لكنت أشقى الأشقياء أبد الآبدين ودهر الداهرين، ثم هذه النعمة من الله تعالى لقوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله  ﴾ ثم مع أن هذه النعمة منه فإنه يشكرك عليها وقال: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا  ﴾ فإذا كان الله تعالى يشكرك على هذه النعمة فبأن تشكره على ما أعطى من التوفيق والهداية كان أولى، ثم إنك ما أتيت إلا بالكفران على ما قال: ﴿ قُتِلَ الإنسان مَا أَكْفَرَهُ  ﴾ فهو تعالى وفى بعهده، وأنت نقضت عهدك.

ورابعها: أن تنفق نعمه في سيبل مرضاته، فعهده معك أن يعطيك أصناف النعم وقد فعل وعهدك معه أن تصرف نعمه في سبيل مرضاته وأنت ما فعلت ذلك: ﴿ كَلَّآ إِنَّ ٱلْإِنسَٰنَ لَيَطْغَىٰٓ  أَن رَّءَاهُ ٱسْتَغْنَىٰٓ  ﴾ .

وخامسها: أنعم عليك بأنواع النعم لتكون محسناً إلى الفقراء: ﴿ وَأَحْسِنُواْ إِنَّ الله يُحِبُّ المحسنين ﴾ ثم إنك توسلت به إلى إيذاء الناس وإيحاشهم: ﴿ الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل  ﴾ [النساء: 37].

وسادسها: أعطاك النعم العظيمة لتكون مقبلاً على حمده وأنت تحمد غيره فانظر إن السلطان العظيم لو أنعم عليك بخلعة نفيسة، ثم إنك في حضرته تعرض عنه وتبقى مشغولاً بخدمة بعض الأسقاط كيف تستوجب الأدب والمقت فكذا هاهنا، واعلم أنا لو اشتغلنا بشرح كيفية وفائه سبحانه بعهد الإحسان والربوبية وكيفية نقضنا لعهد الإخلاص والعبودية لما قدرنا على ذلك فإنا من أول الحياة إلى آخرها ما صرنا منفكين لحظة واحدة من أنواع نعمه على ظاهرنا وباطننا وكل واحدة من تلك النعم تستدعي شكراً على حدة وخدمة على حدة، ثم أنا ما أتينا بها بل ما تنبهنا لها وما عرفنا كيفيتها وكميتها، ثم إنه سبحانه على تزايد غفلتنا وتقصيرنا يزيد في أنواع النعم والرحمة والكرم، فكنا من أول عمرنا إلى آخره لا نزال نتزايد في درجات النقصان والتقصير واستحقاق الذم، وهو سبحانه لا يزال يزيد في الإحسان واللطف والكرم، واستحقاق الحمد والثناء فإنه كلما كان تقصيرنا أشد كان إنعامه علينا بعد ذلك أعظم وقعاً وكلما كان إنعامه علينا أكثر وقعاً، كان تقصيرنا في شكره أقبح وأسوأ، فلا تزال أفعالنا تزداد قبائح ومحاسن أفعاله على سبيل الدوام بحيث لا تفضي إلى الانقطاع ثم إنه قال في هذه الآية: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ وهذا تخويف شديد لكنا نقول: إلهنا صدر منك ما يليق بك من الكرم والعفو والرحمة والإحسان وصدر منا ما يليق بنا من الجهل والغدر والتقصير والكسل، فنسألك بك وبفضلك العميم أن تتجاوز عنا يا أرحم الراحمين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب ﴾ هم مؤمنون أهل الكتاب ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ لا يحرّفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ ﴾ بكتابهم دون المحرفين ﴿ وَمن يَكْفُرْ بِهِ ﴾ من المحرفين ﴿ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ حيث اشتروا الضلالة بالهدى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ لَمّا صَدَّرَ قِصَّتَهم بِالأمْرِ بِذِكْرِ النِّعَمِ، والقِيامِ بِحُقُوقِها، والحَذَرِ مِن إضاعَتِها، والخَوْفِ مِنَ السّاعَةِ وأهْوالِها، كَرَّرَ ذَلِكَ وخَتَمَ بِهِ الكَلامَ مَعَهم مُبالَغَةً في النُّصْحِ، وإيذانًا بِأنَّهُ فَذْلَكَةُ القَضِيَّةِ والمَقْصُودِ مِنَ القِصَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شفاعة وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ} هم رفع بالابتداء والخبر ينصرون والجمل الأربع وصف ليوما أي واتقوا يوماً لا تجزى فيه ولا يقبل فيه ولا ينفعها فيه ولا هم ينصرون فيه وتكرير هاتين الآيتين لتكرار المعاصي منهم وختم قصة بني إسرائيل بما بدأ به

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ تَكْرِيرٌ لِتَذْكِيرِ بَنِي إسْرائِيلَ، وإعادَةٌ لِتَحْذِيرِهِمْ لِلْمُبالَغَةِ في النُّصْحِ، ولِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ فَذْلَكَةُ القِصَّةِ، والمَقْصُودُ مِنها، وقَدْ تَفَنَّنَ في التَّعْبِيرِ، فَجاءَتِ الشَّفاعَةُ أوَّلًا بِلَفْظِ القَبُولِ مُتَقَدِّمَةً عَلى العَدْلِ، وهُنا بِلَفْظِ النَّفْعِ مُتَأخِّرَةً عَنْهُ، ولَعَلَّهُ كَما قِيلَ: إشارَةٌ إلى انْتِفاءِ أصْلِ الشَّيْءِ، وانْتِفاءِ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ، وأعْطى المُقَدَّمُ وُجُودًا تَقَدُّمَهُ ذِكْرًا، والمُتَأخِّرَ وُجُودًا تَأخُّرَهُ ذِكْرًا، وقِيلَ: إنَّ ما سَبَقَ كانَ لِلْأمْرِ بِالقِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ السّابِقَةِ، وما هُنا لِتَذْكِيرِ نِعْمَةٍ بِها فَضَّلَهم عَلى العالَمِينَ، وهي نِعْمَةُ الإيمانِ بِنَبِيِّ زَمانِهِمْ، وانْقِيادُهم لِأحْكامِهِ لِيَغْتَنِمُوها ويُؤْمِنُوا ويَكُونُوا مِنَ الفاضِلِينَ لا المَفْضُولِينَ، ولِيَتَّقُوا بِمُتابَعَتِهِ عَنْ أهْوالِ القِيامَةِ وخَوْفِها، كَما اتَّقَوْا بِمُتابَعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ وَاتَّقُوا يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ قد ذكرناها من قبل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عنهمْ خَوْفُ العدوِّ المضعف لليقين، وأما قوله تعالى: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ ...

[الحاقة: ٤٤] الآية، وقوله: إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ [الإسراء: ٧٥] ، فمعناه: أنّ هذا جزاء من فعل هذا، وجزاؤك لو كنت ممن يفعله، وهو صلّى الله عليه وسلم لا يفعله، وكذلك قوله تعالَى: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ [الأنعام: ١١٦] فالمراد غيره، كما قال:

إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا ...

الآية [آل عمران: ١٤٩] وقوله: فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ [الشورى: ٢٤] ، ولَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] وما أشبهه، فالمراد غيره، وأن هذا حال مَنْ أشرك، والنبيُّ صلّى الله عليه وسلم لا يَجُوزُ عليه هذا، وقوله تعالَى: اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ [الأحزاب: ١] ، فليس فيه أنه أطاعهم، واللَّه يَنْهَاهُ عما يشاء، ويأمره بما يشاء كما قال تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ...

[الأنعام: ٥٢] الآية، وما كان طَرَدَهُمْ- عليه السلام- ولا كَانَ من الظالمين.

انتهى من «الشِّفَا» «١» .

ص «٢» : وَلَئِنِ: هذه اللام هي الموطّئة والمؤذنة، وهي مشعرة بقسم مقدّر قبلها.

انتهى.

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (١٢١) يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)

وقوله تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ ...

الآية: قال قتادة: المراد ب «الَّذِينَ» في هذا الموضع: من أسلم من أمّة النبيّ صلّى الله عليه وسلم، والكتابُ على هذا: التأويل القرآن «٣» ، وقال ابنُ زَيْد: المراد مَنْ أسلم من بني إِسرائيل «٤» ، والكتاب على هذا التأويل: التوراة، وآتَيْناهُمُ: معناه: أعطيناهم، ويَتْلُونَهُ: معناه: يتبعونه حقَّ اتباعه بامتثال الأمر والنهي، قال أحمد بن نَصْر الدَّاوُودِيُّ: وهذا قول ابن عباس، قال عِكْرِمَةُ: يقال: فلانٌ يتلو فلاناً، أي: يتبعه ومنه: وَالْقَمَرِ إِذا تَلاها [الشمس: ٢] أي: تبعها.

انتهى.

وللَّه دَرُّ مَنِ اتبع كلامَ ربِّهِ، واقتفى سُنَّة نبيِّه، وإِن قلَّ عِلْمُهُ، قال القُضَاعِيُّ في اختصاره لِ «المدارك» : قال في ترجمة سُحْنُون «١» : كان سُحْنُون يقول: مَثَلُ العلْمِ القليلِ في الرجُلِ الصالحِ مَثَلُ العَيْنِ العَذْبَةِ في الأرض العَذْبة، يزرع علَيْها صاحبُها ما ينتفعُ به، ومَثَلُ العلْمِ الكثيرِ في الرجُلِ الطالحِ مَثَلُ العَيْن الخَرَّارة في السَّبِخَةِ تهرُّ الليلَ والنَّهارَ، ولا ينتفعُ بها.

انتهى.

وقيل: يَتْلُونَهُ: يقرءونه حقَّ قراءته، وهذا أيضاً يتضمَّن الاِتّباع والامتثال، وحَقَّ «٢» : مصدرٌ، وهو بمعنَى أفْعل، والضمير في «بِهِ» عائدٌ على «الكتاب» ، وقيل:

يعود على محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأن مُتَّبِعِي التوراةِ يجدُونه فيها، فيؤمنون به، والضميرُ في يَكْفُرْ بِهِ يحتمل من العود ما ذكر في الأول.

وقوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ...

الآية: تقدّم بيان نظيرها، ومعنى: لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ: أنه ليستْ ثَمَّ، وليس المعنى أنه يشفع فيهم أحَدَّ، فيردّ، وأما الشفاعةُ التي هي في تعجيلِ الحسَابِ، فليستْ بنافعة لهؤلاءِ الكَفَرة.

ت: ولم ينبِّه- رحمه اللَّه- على هذا في التي تقدَّمت أولَ السورة، وابْتَلى معناه: اختبر، وفي «مختَصَرِ الطَّبريِّ» : ابْتَلى، أي: اختبر، والاختبارُ من اللَّه عزَّ وجلَّ لعباده على علْمٍ منه سبحانه بباطِنِ أمرهم وظاهره، وإنما يبتليهم ليظهر منهم سابق علمه

فيهم، وقد روي ذلك عن عليٍّ- رضي اللَّه عنه- في قوله عز وجَلَّ: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ [محمد: ٣١] فقال رضي اللَّه عنه: إِن اللَّه عزَّ وجلَّ لم يزلْ عالماً بأخبارِهِمْ وخُبْرِهِمْ وما هُمْ عليه، وإن قوله: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ، أي: حتى نسوقَكُم إِلى سابقِ علْمِي فيكم.

انتهى، وهو كلام حسنٌ.

وقد نبه ع: على هذا المعنى فيما يأتي، والعقيدةُ أنَّ علمه سبحانه قديمٌ، عَلِمَ كلَّ شيء قبْلَ كونه، فجرى على قَدَرِهِ لا يكون من عباده قولٌ ولا عملٌ إلا وقد قضاه، وسبق علمه به سبحانه لا إله إلا هو.

وإِبْراهِيمَ: يقال: إِنَّ تفسيره بالعربيَّةِ أَبٌ رَحِيمٌ، واختلف أهل التأويل في «الكلمات» ، فقال ابن عَبَّاس: هي ثلاثُونَ سَهْماً هي الإسلام كلُّه، لم يتمَّه أحدٌ كاملاً إلا إبراهيمُ- عليه السلام- منْها في «براءة» : التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ ...

الآية [التوبة: ١١٢] ، وعشرة في «الأحزاب» : إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ...

الآية [الأحزاب: ٣٥] ، وعَشَرة في سَأَلَ سائِلٌ «١» [المعارج: ١] .

ت: وقيل غير هذا.

وفي «البخاريِّ» : أنه اختتن، وهو ابن ثمانينَ سنَةً بالقَدُومِ «٢» ، قال الراوي: فأوحى اللَّه إليه إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً والإِمام القُدْوة.

وإِنما سمِّيت هذه الخصالُ كلماتٍ لأنها/ اقترنتْ بها أوامر هي كلمات، وروي أن ٣٥ أ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ ﴾ .

اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ عَلى قَوْلَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ اليَهُودِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: في المُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ  ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ.

وفي الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآَنُ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ التَّوْراةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ ﴾ أيْ: يَعْمَلُونَ بِهِ حَقَّ عَمَلِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ في هاءِ "بِهِ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الكِتابِ.

والثّانِي: عَلى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ  وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ بَيانُهُ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ ﴾ والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ.

وفي إبْراهِيمَ سِتُّ لُغاتٍ.

أحَدُها: إبْراهِيمُ، وهي اللُّغَةُ الفاشِيَّةُ.

والثّانِيَةُ: إبْراهم.

والثّالِثَةُ: إبْراهَمْ والرّابِعَةُ: إبْراهِمْ، ذَكَرَهُنَّ الفَرّاءُ.

والخامِسَةُ: إبْراهامُ.

والسّادِسَةُ: إبَرَهَمُ.

قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: عُذْتُ بِما عاذَ بِهِ إبَرَهَمُ مُسْتَقْبِلُ الكَعْبَةِ وهْوَ قائِمٌ وَقالَ أيْضًا: نَحْنُ آَلُ اللَّهِ في كَعْبَتِهِ ∗∗∗ لَمْ يَزَلْ ذاكَ عَلى عَهْدِ إبَرِهِيمَ وَفِي الكَلِماتِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ.

أمّا الَّتِي في الرَّأْسِ؛ فالفَرْقُ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ.

وفي الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الأظافِرِ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِطابَةُ بِالماءِ، والخِتانُ، رَواهُ طاوُسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها عَشْرٌ، سِتٌّ في الإنْسانِ، وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ.

فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظافِرِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ، والغُسْلُ مِنَ الجَنابَةِ، والغَسْلُ يَوْمَ الجُمْعَةِ.

والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.

رَواهُ حَنَشُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّها المَناسِكُ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ، والشَّمْسِ، والقَمَرِ، والهِجْرَةِ، والنّارِ، وذَبْحِ ولَدِهِ، والخِتانِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّها كُلُّ مَسْألَةٍ في القُرْآَنِ، مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا  ﴾ .

ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ مُقاتِلٌ فَمَن قالَ: هي أفْعالٌ فَعَلَها؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: عَمِلَ بِهِنَّ.

ومَن قالَ: هي دَعَواتٌ ومَسائِلٌ؛ قالَ: مَعْنى فَأتَمَّهُنَّ: أجابَهُ اللَّهُ إلَيْهِنَّ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ قَرَأ: (إبْراهِيمُ) بِرَفْعِ المِيمِ (رَبَّهُ) بِنَصْبِ الباءِ، عَلى مَعْنى: اخْتَبَرَ رَبَّهُ هَلْ يَسْتَجِيبُ دُعاءَهُ، ويَتَّخِذُهُ خَلِيلًا أمْ لا؟

.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ في الذُّرِّيَّةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها فِعْلِيَّةٌ مِنَ الذَّرِّ، لِأنَّ اللَّهَ أخْرَجَ الخَلْقَ مِن صُلْبِ آَدَمَ كالذَّرِّ.

والثّانِي: أنَّ أصْلَها ذَرُّورَةٌ، عَلى وزْنِ: فَعْلُولَةٌ، ولَكِنْ لَمّا كَثُرَ التَّضْعِيفُ أُبْدِلَ مِنَ الرّاءِ الأخِيرَةِ ياءٌ، فَصارَتْ: ذُرْوِيَّةً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الواوُ في الياءِ، فَصارَتْ: ذُرِّيَّةً، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ، وصَوَّبَ الأوَّلَ.

وَفِي العَهْدِ هاهُنا سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الإمامَةُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الطّاعَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: الرَّحْمَةُ، قالَهُ عَطاءٌ وعِكْرِمَةُ.

والرّابِعُ: الدِّينُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والخامِسُ: النُّبُوَّةُ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والسّادِسُ: الأمانُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والسّابِعُ: المِيثاقُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

والأوَّلُ أصَحُّ.

وَفِي المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: العُصاةُ، قالَهُ عَطاءٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها عَدْلٌ ولا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظالِمِينَ ﴾ قَرَأ الحَسَنُ، وغَيْرُهُ "نِعْمَتِي" بِتَسْكِينِ الياءِ تَخْفِيفًا؛ لِأنَّ أصْلَها التَحْرِيكُ كَتَحْرِيكِ الضَمائِرِ: لَكَ وبِكَ، ثُمَّ حَذَفَها الحَسَنُ لِلِالتِقاءِ، وفي السَبْعَةِ مَن يُحَرِّكُ الياءَ، ومِنهم مَن يُسَكِّنُها.

وإنَّ قَدَّرْنا فَضِيلَةَ بَنِي إسْرائِيلَ مَخْصُوصَةً بِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ وغَيْرِ ذَلِكَ، فالعالَمُونَ عُمُومٌ مُطْلَقٌ، وإنَّ قَدَّرْنا تَفْضِيلَهم عَلى الإطْلاقِ فالعالِمُونَ عالِمُو زَمانِهِمْ لِأنَّ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  أفْضَلُ مِنهم بِالنَصِّ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ إلى قَوْلِهِ: "يُنْصَرُونَ" وَمَعْنى ( لا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ ) أيْ لَيْسَتْ ثُمَّ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّهُ يُشَفَّعُ فِيهِمْ أحَدٌ فَيُرِدُ، وإنَّما نَفى أنْ تَكُونَ ثَمَّ شَفاعَةٌ عَلى حَدِّ ما هي في الدُنْيا، وأمّا الشَفاعَةُ الَّتِي هي في تَعْجِيلِ الحِسابِ فَلَيْسَتْ بِنافِعَةٍ لِهَؤُلاءِ الكَفَرَةِ في خاصَّتِهِمْ، وأمّا الأخِيرَةُ الَّتِي هي بِإذْنٍ مِنَ اللهِ تَعالى في أهْلِ المَعاصِي مِنَ المُؤْمِنِينَ فَهي بَعْدَ أنْ أخَذَ العِقابُ حَقَّهُ، ولَيْسَ لِهَؤُلاءِ المُتَوَعِّدِينَ مِنَ الكُفّارِ مِنها شَيْءٌ.

والعامِلُ في "إذِ" فِعْلٌ، تَقْدِيرُهُ واذَّكَّرَ إذْ، و"ابْتَلى" مَعْناهُ اخْتَبَرَ، و"إبْراهِيمَ" يُقالُ: إنَّ تَفْسِيرَهُ بِالعَرَبِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في جَمِيعِ سُورَةِ البَقَرَةِ "أبْراهامُ".

وقُدِّمَ عَلى الفاعِلِ لِلِاهْتِمامِ إذْ كَوْنُ الرَبِّ مُبْتَلِيًا مَعْلُومٌ، فَإنَّما يَهْتَمُّ السامِعُ بِمَنِ ابْتَلى، وكَوْنُ ضَمِيرِ المَفْعُولِ مُتَّصِلًا بِالفاعِلِ مُوجِبٌ تَقْدِيمُ المَفْعُولِ، فَإنَّما بُنِيَ الكَلامُ عَلى هَذا الِاهْتِمامِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في الكَلِماتِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي ثَلاثُونَ سَهْمًا هي الإسْلامُ كُلُّهُ لَمْ يُتِمَّهُ أحَدٌ كامِلًا إلّا إبْراهِيمُ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْهِ، عَشْرَةٌ مِنها في بَراءَةَ: ﴿ التائِبُونَ العابِدُونَ  ﴾ الآيَةُ، وعَشْرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ  ﴾ ، وعَشْرَةٌ فِي: ﴿ سَألَ سائِلٌ  ﴾ .

وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا، وقَتادَةُ: الكَلِماتُ عَشْرُ خِصالٍ، خُمْسٌ مِنها في الرَأْسِ: المَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ، وقَصُّ الشارِبِ، والسِواكُ، وفَرْقُ الرَأْسِ، وقِيلَ بَدَلُ فَرْقِ الرَأْسِ: إعْفاءُ اللِحْيَةِ.

وخَمْسٌ في الجَسَدِ: تَقْلِيمُ الظُفْرِ وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، والِاسْتِنْجاءُ بِالماءِ، والِاخْتِتانُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي عَشَرَةُ خِصالٍ، سِتٌّ في البَدَنِ، وأرْبَعٌ في الحَجِّ: الخِتانُ، وحَلْقُ العانَةِ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشارِبِ، والغُسْلُ يَوْمُ الجُمْعَةِ، والطَوافُ بِالبَيْتِ، والسَعْيُ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.

وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: هي الخِلالُ السِتُّ الَّتِي امْتُحِنَ بِها: الكَوْكَبُ، والقَمَرُ، والشَمْسُ والنارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، وقِيلَ بَدَلُ الهِجْرَةِ: الذَبْحُ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: هي مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلَيْهِ أنْ تَطَهَّرَ فَتَمَضْمَضْ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فاسْتَنْشِقْ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فاسْتاكَ، ثُمَّ أنْ تَطَهَّرَ فَأخَذَ مِن شارِبِهِ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَفَرَقَ شَعْرَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فاسْتَنْجى، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَحَلَقَ عانَتَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَنَتَفَ إبِطَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ فَقَلَّمَ أظَفارَهُ، ثُمَّ أنَّ تَطَهَّرَ، فَأقْبَلَ عَلى جَسَدِهِ يَنْظُرُ ما يَصْنَعُ فاخْتُتِنَ بَعْدَ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، وفي البُخارِيِّ «أنَّهُ اخْتُتِنَ وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً بِالقُدُومِ».

وَقالَ الراوِي فَأوحى اللهُ إلَيْهِ: ﴿ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ يَأْتَمُّونَ بِكَ في هَذِهِ الخِصالِ، ويَقْتَدِي بِكَ الصالِحُونَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا أقْوى الأقْوالِ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ كُلِّها فَإبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ هو الَّذِي أتَمَّ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: إنَّ الكَلِماتِ هي أنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ بِأمْرٍ فَما هُوَ؟

قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُنِي إمامًا لِلنّاسِ، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وآمِنّا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وتُرِينا مَناسِكَنا وتَتُوبُ عَلَيْنا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: تَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا، قالَ اللهُ: نَعَمْ، قالَ إبْراهِيمُ: وتُرْزَقُ أهْلَهُ مِنَ الثَمَراتِ، قالَ اللهُ: نَعَمْ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَعَلى هَذا القَوْلِ فاللهُ تَعالى هو الَّذِي أتَمَّ، وقَدْ طَوَّلَ المُفَسِّرُونَ في هَذا، وذَكَرُوا أشْياءَ فِيها بَعْدُ فاخْتَصَرْتُها.

وإنَّما سُمِّيَتْ هَذِهِ الخِصالُ كَلِماتٍ لِأنَّها اقْتُرِنَتْ بِها أوامِرُ هي كَلِماتٌ.

ورُوِيَ أنَّ إبْراهِيمَ  لَمّا أتَمَّ هَذِهِ الكَلِماتِ، أو أتَمَّها اللهُ عَلَيْهِ؛ كَتَبَ اللهُ لَهُ البَراءَةَ مِنَ النارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى  ﴾ .

والإمامُ: القُدْوَةُ، ومِنهُ قِيلَ لِخَيْطِ البِناءِ إمامٌ، وهو هُنا اسْمٌ مُفْرَدٌ، وقِيلَ في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ: هو جَمْعٌ آمٌّ، وزْنُهُ فاعِلٌ أصْلُهُ آمَمَ، فَيَجِيءُ مِثْلَ قائِمٍ وقِيامٍ، وجائِعٍ وجِياعٍ، ونائِمٍ ونِيامٍ.

وجَعَلَ اللهُ تَعالى إبْراهِيمَ إمامًا لِأهْلِ طاعَتِهِ فَلِذَلِكَ اجْتَمَعَتِ الأُمَمُ عَلى الدَعْوى فِيهِ، وأعْلَمَ اللهُ تَعالى أنَّهُ كانَ حَنِيفًا، وقَوْلُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ هو عَلى جِهَةِ الدُعاءِ والرَغْبى إلى اللهِ، أيْ: ومِن ذُرِّيَّتِي يا رَبِّ فاجْعَلْ.

وقِيلَ: هَذا مِنهُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ عنهُمْ، أيْ ومِن ذُرِّيَّتِي يا رَبِّ ماذا يَكُونُ؟

والذُرِّيَّةُ مَأْخُوذَةٌ مِن ذَرا يَذْرُو، أو مِن ذَرى يَذْرِي، أو مِن ذَرْ يَذَرُ، أو مِن ذَرَأ يَذْرَأُ، وهي أفْعالٌ تَتَقارَبُ مَعانِيها، وقَدْ طَوَّلَ في تَعْلِيلِها أبُو الفَتْحِ وشَفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ لا يَنالُ عَهْدِي ﴾ أيْ: قالَ اللهُ.

والعَهْدُ فِيما قالَ مُجاهِدٌ: الإمامَةُ، وقالَ السُدِّيُّ: النُبُوءَةُ، وقالَ قَتادَةُ: الأمانُ مِن عَذابِ اللهِ، وقالَ الرَبِيعُ، والضَحّاكُ: العَهْدُ الدِينُ، دِينُ اللهِ تَعالى.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الآيَةِ: لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنْ تُطِيعَهُ، ونَصْبُ "الظالِمِينَ" لِأنَّ العَهْدَ يَنالُ كَما يُنالُ، وقَرَأ قَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، والأعْمَشُ: "الظالِمُونَ" بِالرَفْعِ.

وإذا أوَّلْنا العَهْدَ الدِينَ أوِ الأمانَ أو ألّا طاعَةَ لِظالِمٍ، فالظُلْمُ في الآيَةِ ظُلْمُ الكَفْرِ، لِأنَّ العاصِي المُؤْمِنَ يَنالُ الدِينَ والأُمّانَ مِن عَذابِ اللهِ، وتَلْزَمُ طاعَتَهُ إذا كانَ ذا أمْرٍ.

وإذا أوَّلْنا العَهْدَ النُبُوءَةَ أوِ الإمامَةَ في الدِينِ، فالظُلْمُ ظُلْمُ المَعاصِي فَما زادَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعيد نداء بني إسرائيل نداء التنبيه والإنذار والتذكير على طريقة التكرير في الغرض الذي سيق الكلام الماضي لأجله، فإنه ابتدأ نداءهم أولاً بمثل هاته الموعظة في ابتداء التذكير بأحوالهم الكثيرة خيرها وشرها عقب قوله: ﴿ وأنهم إليه راجعون ﴾ [البقرة: 46] فذكر مثل هاته الجملة هناك كذكر المطلوب في صناعة المنطق قبل إقامة البرهان وذكرها هنا كذكر النتيجة في المنطق عقب البرهان تأييداً لما تقدم وفذلكة له وهو من ضروب رد العجز على الصدر.

وقد أعيدت هذه الآية بالألفاظ التي ذكرت بها هنالك للتنبيه على نكتة التكرير للتذكير ولم يخالف بين الآيتين إلا من الترتيب بين العدل والشفاعة فهنالك قدمولا يقبل منها شفاعة [البقرة: 48] وأخر ﴿ ولا يؤخذ منها عدل ﴾ [البقرة: 48] وهنا قدم ﴿ ولا يقبل منها عدل ﴾ وأخر لفظ الشفاعة مسنداً إليه ﴿ تنفعها ﴾ وهو تفنن والتفنن في الكلام تنتفي به سآمة الإعادة مع حصول المقصود من التكرير.

وقد حصل مع التفنن نكتة لطيفة إذ جاءت الشفاعة في الآية السابقة مسنداً إليها المقبولية فقدمت على العدل بسبب نفي قبولها ونفي قبول الشفاعة لا يقتضي نفي أخذ الفداء فعطف نفي أخذ الفداء للاحتراس، وأما في هذه الآية فقدم الفداء لأنه أسند إليه المقبولية ونفي قبول الفداء لا يقتضي نفي نفع الشفاعة فعطف نفي نفع الشفاعة على نفي قبول الفداء للاحتراس أيضاً.

والحاصل أن الذي نفي عنه أن يكون مقبولاً قد جعل في الآيتين أولاً وذكر الآخر بعده.

وأما نفي القبول مرة عن الشفاعة ومرة عن العدل فلأن أحوال الأقوام في طلب الفكاك عن الجناة تختلف، فمرة يقدمون الفداء فإذا لم يقبل قدموا الشفعاء، ومرة يقدمون الشفعاء فإذا لم تقبل شفاعتهم عرضوا الفداء.

وقوله: ﴿ ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ﴾ مراد منه أنه لا عدل فيقبل ولا شفاعة شفيع يجدونه فتقبل شفاعته لأن دفع الفداء متعذر وتوسط الشفيع لمثلهم ممنوع إذ لا يشفع الشفيع إلا لمن أذن الله له.

قال ابن عرفة فيكون نفي نفع الشفاعة هنا من باب قوله: على لا حب لا يهتدى بمناره *** يريد أنها كناية عن نفي الموصوف بنفي صفته الملازمة له كقولهم: ولا ترى الضب بها ينجَحِر *** وهو ما يعبر عنه المناطقة بأن السالبة تصدق مع نفي الموضوع وإنما يكون ذلك بطريق الكناية وأما أن يكون استعمالاً في أصل العربية فلا والمناطقة تبعوا فيه أساليب اليونان.

والقول في بقية الآيات مستغنى عنه بما تقدم في نظيرتها.

وهنا ختم الحجاج مع أهل الكتاب في هذه السورة وذلك من براعة المقطع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ ﴾ فِيهِ مَحْذُوفٌ وتَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذا ابْتَلى يَعْنِي اخْتَبَرَ، وإبْراهِيمُ بِالسُّرْيانِيَّةِ أبٌ رَحِيمٌ، وفي الكَلِماتِ الَّتِي ابْتَلاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِها، ثَمانِيَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هي شَرائِعُ الإسْلامِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما ابْتَلى اللَّهُ أحَدًا بِهِنَّ، فَقامَ بِها كُلِّها، غَيْرَ إبْراهِيمَ، ابْتُلِيَ بِالإسْلامِ فَأتَمَّهُ، فَكَتَبَ اللَّهُ لَهُ البَراءَةَ فَقالَ: ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى  ﴾ قالَ: وهي ثَلاثُونَ سَهْمًا: عَشَرَةٌ مِنها في سُورَةِ بَراءَةٌ: ﴿ التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ السّائِحُونَ الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ  ﴾ .

وَعَشَرَةٌ في الأحْزابِ: ﴿ إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ والصّابِرِينَ والصّابِراتِ والخاشِعِينَ والخاشِعاتِ والمُتَصَدِّقِينَ والمُتَصَدِّقاتِ والصّائِمِينَ والصّائِماتِ والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا  ﴾ .

وعَشَرَةٌ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ: ﴿ قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم في صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ﴾ ﴿ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم فَإنَّهم غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ﴿ فَمَنِ ابْتَغى وراءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم لأماناتِهِمْ وعَهْدِهِمْ راعُونَ ﴾ ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ هُمُ الوارِثُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ .

وفي سُورَةِ (سَألَ سائِلٌ) مِن: ﴿ إلا المُصَلِّينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ  ﴾ ، إلى: ﴿ والَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ  ﴾ .

والقَوْلُ الثّانِي: إنَّها خِصالٌ مِن سُنَنِ الإسْلامِ، خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ، فَرَوى ابْنُ عَبّاسٍ في الرَّأْسِ: قَصُّ الشّارِبِ، والمَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرَّأْسِ.

وَفي الجَسَدِ تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ أثَرِ البَوْلِ والغائِطِ بِالماءِ.

وَهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والقَوْلُ الثّالِثُ: إنَّها عَشْرُ خِصالٍ، سِتٌّ في الإنْسانِ وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ، فالَّتِي في الإنْسانِ: حَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ.

والَّتِي في المَشاعِرِ: الطَّوافُ، والسَّعْيُ بَيْنالصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ.

رَوى ذَلِكَ الحَسَنُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقَوْلُ الرّابِعُ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِإبْراهِيمَ: إنِّي مُبْتَلِيكَ يا إبْراهِيمُ، قالَ: تَجْعَلُنِي لِلنّاسِ إمامًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: ومِن ذُرِّيَّتِي؟

قالَ: لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ، قالَ: تَجْعَلُ البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأمْنًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُنا مُسْلِمِينَ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَجْعَلُ هَذا البَلَدَ آمِنًا؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: وتَرْزُقُ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ؟

قالَ: نَعَمْ، فَهَذِهِ الكَلِماتُ الَّتِي ابْتَلى اللَّهُ بِها إبْراهِيمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والخامِسُ: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ خاصَّةً، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والقَوْلُ السّادِسُ: أنَّها الخِلالُ السِّتُّ: الكَواكِبُ، والقَمَرُ، والشَّمْسُ، والنّارُ، والهِجْرَةُ، والخِتانُ، الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ.

والقَوْلُ السّابِعُ: ما رَواهُ سَهْلُ بْنُ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ عَنْ أُمِّهِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ  يَقُولُ: (ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمّى اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ الَّذِي وفّى؟

لِأنَّهُ كانَ يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسى: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ)» .

والقَوْلُ الثّامِنُ: ما رَواهُ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « ﴿ وَإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى ﴾ قالَ: أتَدْرُونَ ما وفّى؟

قالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: وفّى عَمَلَ يَوْمٍ بِأرْبَعِ رَكَعاتٍ في النَّهارِ.

» ﴿ قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا ﴾ أيْ مَقْصُودًا مَتْبُوعًا، ومِنهُ إمامُ المُصَلِّينَ، وهو المَتْبُوعُ في الصَّلاةِ.

﴿ قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي ﴾ فاحْتَمَلَ ذَلِكَ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ طَمِعَ في الإمامَةِ لِذُرِّيَّتِهِ، فَسَألَ اللَّهَ تَعالى ذَلِكَ لَهم.

والثّانِي: أنَّهُ قالَ ذَلِكَ اسْتِخْبارًا عَنْ حالِهِمْ، هَلْ يَكُونُونَ أهْلَ طاعَةٍ فَيَصِيرُوا أئِمَّةً؟

فَأخْبَرَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ عاصِيًا وظالِمًا، لا يَسْتَحِقُّ الإمامَةَ، فَقالَ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ وفي هَذا العَهْدِ، سَبْعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ النُّبُوَّةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ الإمامَةُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإيمانُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الرَّحْمَةُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ.

والخامِسُ: أنَّهُ دِينُ اللَّهِ وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الجَزاءُ والثَّوابُ.

والسّابِعُ: أنَّهُ لا عَهْدَ عَلَيْكَ لِظالِمٍ أنَّهُ تُطِيعُهُ في ظُلْمِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

*** ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَجْمَعًا لِاجْتِماعِ النّاسِ عَلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ.

والثّانِي: مَرْجِعًا مِن قَوْلِهِمْ: قَدْ ثابَتِ العِلَّةُ إذا رَجَعَتْ.

وَقالَ الشّاعِرُ: مَثابًا لِأفْناءِ القَبائِلِ كُلِّها تُحِبُّ إلَيْها اليَعْمُلاتُ الذَّوامِلُ وَفِي رُجُوعِهِمْ إلَيْهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ المَرَّةَ بَعْدَ المَرَّةِ.

والثّانِي: أنَّهم في كُلِّ واحِدٍ مِن نُسُكَيِ الحَجِّ والعُمْرَةِ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ مِن حِلٍّ إلى حَرَمٍ; لِأنَّ الجَمْعَ في كُلِّ واحِدٍ مِنَ النُّسُكَيْنِ بَيْنَ الحِلِّ والحَرَمِ شَرْطٌ مُسْتَحَقٌّ.

قالَ تَعالى: ﴿ وَأمْنًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأمْنِهِ في الجاهِلِيَّةِ مِن مَغازِي العَرَبِ، لِقَوْلِهِ: ﴿ وَآمَنَهم مِن خَوْفٍ  ﴾ .

والثّانِي: لِأمْنِ الجُناةِ فِيهِ مِن إقامَةِ الحُدُودِ عَلَيْهِمْ حَتّى يَخْرُجُوا مِنهُ.

﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ رَوى حَمّادٌ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى ﴾ » بِكَسْرِ الخاءِ مِن قَوْلِهِ: واتَّخِذُوا عَلى وجْهِ الأمْرِ، وقَرَأ بَعْضُ أهْلِ المَدِينَةِ: ( واتَّخَذُوا ) بِفَتْحِ الخاءِ عَلى وجْهِ الخَبَرِ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَّفْسِيرِ في هَذا المَقامِ، الَّذِي أُمِرُوا بِاتِّخاذِهِ مُصَلًّى، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: الحَجُّ كُلُّهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَفَةُ ومُزْدَلِفَةُ والجِمارُ، وهو قَوْلُ عَطاءٍ والشَّعْبِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الحَرَمُ كُلُّهُ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الحَجَرُ الَّذِي في المَسْجِدِ، وهو مَقامُهُ المَعْرُوفُ، وهَذا أصَحُّ.

وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مُصَلًّى ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَدْعًى يُدْعى فِيهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ مُصَلًّى يُصَلّى عِنْدَهُ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ، وهو أظْهَرُ التَّأْوِيلَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ الذين أتيناهم الكتاب ﴾ قال: هم اليهود والنصارى.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يحلون حلاله ويحرمون حرامه، ولا يحرفونه عن مواضعه.

وأخرج أبو عبيد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والهروي في فضائله ن ابن عباس في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه، ثم قرأ ﴿ والقمر إذا تلاها ﴾ [ الشمس: 2] يقول: اتبعها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: إذا مر بذكر الجنة سأل الله الجنة، وإذا مر بذكر النار تعوّذ بالله من النار.

وأخرج الخطيب في كتاب الرواة عن مالك بسند فيه مجاهيل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير من طرق عن ابن مسعود قال: في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: أنّ يحل حلاله ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزل الله ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول منه شيئاً غير تأويله.

وفي لفظ: يتبعونه حق اتباعه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتكلمونه كما أنزل الله ولا يكتمونه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ﴾ قال: منهم أصحاب محمد الذين آمنوا بآيات الله وصدقوا بها.

قال: وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: والله إن حق تلاوته أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرفه عن مواضعه.

قال: وحدثنا عن عمر بن الخطاب قال: لقد مضى بنو إسرائيل وما يعني بما تسمعون غيركم.

وأخرج وكيع وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يعملون بمحكمه، ويؤمنون بمتشابهه، ويكلون ما أشكل عليهم إلى عالمه.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ يتلونه حق تلاوته ﴾ قال: يتبعونه حق اتباعه.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ ﴾ ليس على ظاهره من العموم (١) ﴿ وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ  ﴾ وقال: ﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا  ﴾ وهو من باب الخصوص، تأويله: ولا ينفعها (٢) (٣) (١) ينظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 472 - 473.

(٢) في (ش): (ولا تنفعها).

(٣) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 128.

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ الآية: تقدّم الكلام على نظيرتها ﴿ وَإِذِ ابتلى ﴾ أي اختبر، فالعامل في إذ فعل مضمر تقديره أذكر، وقوله: ﴿ بكلمات ﴾ قيل: مناسك الحج، وقيل: خصال الفطرة العشرة، وهي: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وإعفاء اللحية، وقص الأظافر، ونتف الإبطين، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، وقيل هي ثلاثون خصلة: عشرة ذكرت في براءة من قوله: التائبون العابدون، وعشرة في الأحزاب من قوله: إن المسلمين والمسلمات، وعشرة في المعارج من قوله: إلاّ المصلين ﴿ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ أي عمل بهن ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ استفهام أو رغبة ﴿ عَهْدِي ﴾ الإمامة ﴿ البيت ﴾ الكعبة ﴿ مَثَابَةً ﴾ اسم مكان من قولك: ثاب إذا رجع، لأنّ الناس يرجعون إليه عاماً بعد عام ﴿ واتخذوا ﴾ بالفتح إخبار عن المتبعين لإبراهيم عليه السلام، وبالكسر إخبار لهذه الأمّة، وافق قول عمر رضي الله عنه: لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، وقيل أمر لإبراهيم وشيعته، وقيل لبني إسرائيل فهو على هذا عطف على قوله: اذكروا نعمتي، وهذا بعيد ﴿ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ هو الحجر الذي صعد به حين بناء الكعبة، وقيل المسجد الحرام ﴿ مُصَلًّى ﴾ عبارة عن الأمر والوصية ﴿ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ عبارة عن بنيانه بنية خالصة كقولهم: أسس على التقوى، وقيل: المعنى طهراه عن عبادة الصنام ﴿ لِلطَّائِفِينَ ﴾ هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر ﴿ والعاكفين ﴾ هم المعتكفون في المسجد، وقيل: المصلون، وقيل: المجاورون من الغرباء، وقيل: أهل مكة، والعكوف في اللغة: اللزوم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي: نافع ويعقوب.

الباقون بضم التاء ورفع اللام على الخبر.

الوقوف: ﴿ ونذيراً ﴾ (لا) للعطف أي نذيراً وغير مسؤول إلا لمن قرأ ﴿ ولا تسئل ﴾ على النهي لاختلاف الجملتين ﴿ الجحيم ﴾ (ه) ﴿ ملتهم ﴾ (ط) ﴿ الهدى ﴾ (ط) ﴿ من العلم ﴾ (لا) لأن نفي الولاية والنصرة يتعلق بشرط اتباع أهوائهم فكان في الإطلاق حظر ﴿ نصير ﴾ (ه) ﴿ تلاوته ﴾ (ط) لأن ما بعدها مبتدأ آخر مع خبره.

وعندي أن الأصوب عدم الوقف لتكون الجملة أعني يتلونه حالاً من مفعول آتينا أو من فاعله مقدرة وقوله ﴿ أولئك يؤمنون به ﴾ الجملة خبر "الذين" لأن الإخبار عن أهل الكتاب مطلقاً بأنهم يتلونه حق تلاوته لا يصح، اللهم إلا أن يحمل الكتاب على القرآن كما يجيء ﴿ يؤمنون به ﴾ (ط) للابتداء بالشرط ﴿ الخاسرون ﴾ (ه) ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ينصرون ﴾ (ه).

التفسير: لما بين غاية إصرارهم على العناد وتصميمهم على الكفر بعد نزول ما يكفي في باب الاقتداء والاهتداء من الآيات البينات، أراد أن يسلي ويسري عن رسوله لئلا يضيق صدره فقال إنا أرسلناك يا محمد بالحق.

والصواب حسب ما تقتضيه الحكمة وهو أن لا يكون لك أن تجبرهم على الإيمان بل لا يتجاوز حالك عن أن تكون بشيراً لمن اتبعك بكل خبر ونذيراً لمن خالفك بكل سوء ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات  ﴾ فإنك غير مسؤول عن أصحاب الجحيم وهو من أسماء النار، وكل نار عظيمة في مهواة فهي جحيم من قوله  ﴿ قالوا ابنوا له بنياناً فألقوه في الجحيم  ﴾ والجاحم المكان الشديد الحر، وهذا كقوله ﴿ فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب  ﴾ وأما قراءة النهي فيروى أنه قال: ليت شعري ما فعل أبواي فنهي عن السؤال عن أحوال الكفرة والاهتمام بأعداء الله.

وفي هذه الرواية بُعْدٌ، لأن سياق الكلام ينبو عن ذلك، ولأنه  مع علمه الإجمالي بحال الكفار، كيف يتمنى ذلك؟

والأقرب أن معناه تعظيم ما وقع فيه الكفار من المحن كما إذا سألت عمن وقع في بلية فيقال لك لا تسأل عنه، فكان المسؤول يحرج أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، أو يرى أنك لا تقدر على استماع خبره لأنه يورث الوحشة والضجر.

وقوله ﴿ ولن ترضى ﴾ فيه إقناط لرسول الله  عن إسلامهم وأن القوم قد بلغوا من التصميم على ما هم فيه إلى حد لا يقنعون بالكفاف ولا يرضون رأساً برأس، بل يريدون منك عكس ما تطمع منهم زاعمين أن ملتهم التي حان نسخها هي الهدى ﴿ قل إن هدى الله ﴾ الذي هو الإسلام ﴿ هو الهدى ﴾ الحق ليس وراءه هدى لأنه ناسخ للأديان كلها ﴿ ولو اتبعت أهواءهم ﴾ مشتهياتهم وآراءهم الباطلة المنسوخة ﴿ بعد الذي جاءك من العلم ﴾ بأمر الديانة لوضوح البراهين وسطوع الدلائل ﴿ ما لك من الله ﴾ من عقابه وسخطه ﴿ من ولي ﴾ معين يعصمك ﴿ ولا نصير ﴾ يذب عنك.

قال أهل البرهان إنما لم يقل في هذه الآية ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ كما قال في آية القبلة على ما يجيء، لأن العلم في الآية الأولى علم كامل ليس وراءه علم وهو العلم بالله وبصفاته وأن الهدى هدى الله، فكأن لفظ "الذي" أليق لأنه في التعريف أبلغ، فإن "الذي" يعرفه صلته ولا يتنكر قط، ويلزمه الألف واللام.

بخلاف ما فإنه نكرة ولا يدخله الألف واللام وخصت آية القبلة "بما" و "من" التي لابتداء الغاية، لأن المراد هناك قليل من كثير العلم وهو العلم بالقبلة وليس الأول موقتاً بوقت أعني العلم بالله وبصفاته - فلم يحتج إلى زيادة من التوقيتية، وقريب من معنى القبلة ما في آل عمران ﴿ من بعدما جاءك من العلم  ﴾ فلهذا جاء بلفظ "ما" وزاد لفظة "من" وأما في سورة الرعد فإنه ﴿ ولئِن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم  ﴾ لأن العلم فيها هو الحكم العربي أي القرآن، فكأن بعضاً من الأول وهو العلم بالله وبصفاته فجاء لفظ "ما" ولم يزد لفظ "من" التوقيتية لأنه غير موقت والله أعلم بأسرار كلامه.

وفي الآية دليل على بطلان التقليد فيما إلى تحقيقه سبيل حتى لا يكون اتباع الهوى، وفيها أنه لا يجوز الوعيد إلا بعد نصب الأدلة على العلم بالمأمور به لقوله ﴿ بعدما جاءك من العلم ﴾ فلأن لا يجوز التوعد إلا بعد القدرة على المأمور به كان أولى، فبطل القول بتكليف ما لا يطاق.

وفيها أن الذي علم الله منه أنه لا يفعل الشيء يجوز منه أن يتوعده على فعله ونظيره وقوله ﴿ لئن أشركت ليحبطن عملك  ﴾ وإنما يحسن هذا الوعيد لاحتمال أن الصارف له عن ذلك الفعل هو هذا الوعيد أو هو أحد صوارفه، ولأن فيه زجراً شديداً لأمته لأنهم إذا علموا مآل حال النبي  لو فرض منه اتباع أهوائهم مع ما ورد في حقه ﴿ ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر  ﴾ ولم يبق لهم طمع في الخلاص لو وجد منهم ذلك ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ قيل: إنهم المؤمنون الذين آتاهم القرآن، لأن الكتاب الذي يمدح على تلاوته هو القرآن.

والأصح أنه لما قدم ذكر المعاندين من أهل الكتاب أراد أن يذكر مؤمنيهم.

ومعنى يتلونه حق تلاوته لا يحرفونه ولا يغيرون ما فيه من نعت رسول الله  ، أو يتبعون مقتضاه من غير تكاسل ومنع متمسكين بأحكامه من حلال وحرام وغيرهما، أو يخضعون عند تلاوته ويخشعون، أو يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، أولئك يؤمنون بكتابهم دون من ليس على حالهم ممن لا يتلو الكتاب حق تلاوته كما يستحق أن يتلى ﴿ ومن يكفر به ﴾ من المحرفين أو من الواضعين من حقه ﴿ فأولئك هم الخاسرون ﴾ حيث لم ينتفعوا بما يحق أن ينتفع به ويغتنم وروده فرجعوا منه بخفي حنين وفازوا بكل حين.

﴿ يا بني إسرائيل ﴾ الآيتان رجوع إلى أول القصة تذكيراً للنعم بعد تعداد مواجب النقم ليتنبه منهم من وفق للتنبه والله المستعان.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .

قيل: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ يا محمد؛ لتدعوَهم إلى الحق، وهو التوحيد.

وقيل: بالحق: بالقرآن.

وقيل: بالحق: بالحجج والآيات.

﴿ بَشِيراً ﴾ لمن أَطاعه بالجنة، ﴿ وَنَذِيراً ﴾ لمن عصاه وخالف أمره بالنار.

وقيل: بالحق الذي لله على الخلق، والحق الذي لبعضٍ على بعض؛ لتدعوهم إليه وتدلهم عليه.

وقوله: "ولا تَسْأَل عن أصحاب الجحيم".

وجائز أن يكون بمعنى: لا تَسْأَل بعد هذا عنهم.

ولم يُذكر أَنه سئل عنهم بعده؛ فيكون ذلك آية له بما هو خبر عن علم الغيب.

قيل: إن رسول الله  - قال: "ليت شعري!

ما فعل أَبواي؟" فأَنزل الله -  - هذه الآية.

وفيها لغتان: "لا تَسأل" بنصب التاءِ وهو ما ذكرنا.

ويحتمل وجهاً آخر: أَي لا تشتغل بأَصحاب الجحيم؛ فإن ذلك تكلفٌ منك وشُغل.

وفيها لغةٌ أُخرى برفع التاءِ: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ ٱلْجَحِيمِ ﴾ ، أَي: لا تُسأَل أنت يا محمد عن ذنوب أَصحاب الجحيم؛ وهو كقوله: ﴿ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَّا حُمِّلْتُمْ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ﴾ ونحوه.

وقوله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .

اختلف في الملة: قيل الملة: السنة؛ كقوله "بسم الله، وعلى ملة رسول الله"، وكقوله: ﴿ ٱتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً  ﴾ .

وقيل: الملة: الدين، كقوله  : "لا يتوارث أهل الملتين" وقيل: الملة هاهنا: القبلة، وهو كقوله: ﴿ وَلَئِنْ أَتَيْتَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ  ﴾ .

آيس - عز وجل - رسوله  عن اتباع أُولئك دينه وقبلته؛ لأَنهم يختارون الدين، والقبلة؛ بهوى أَنفسهم، لا بطلب الحق، وظهوره، ولزوم الحجة.

وذلك: أَن النصارى إنما اختاروا قبلتهم المشرق؛ لأَن مكان الجبل الذي كان فيه عيسى في ناحية المشرق بقوله: ﴿ إِذِ ٱنتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً  ﴾ .

واليهود اختاروا قبلتهم ناحية المغرب؛ لأَن موسى  كان بناحية المغرب لما أعطى الرسالة وكلمه ربه؛ كقوله: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ ٱلْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَى ٱلأَمْرَ  ﴾ .

وأما أهل الإسلام فإنما اختاروا الكعبة - شرفها الله - قبلة بالأَمر، لا اتباعاً لهواهم.

والعقل يوجب أن تكون الكعبة قبلة؛ إذ هي مقصد الخلق من آفاق الدنيا، فلما احتيج في الصلاة إلى التوجه إلى وجه كان أَحَق ذلك الموضع الذي جعل للخلق مقاصد أخرى.

ثم قوله  : ﴿ وَلَنْ تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلاَ ٱلنَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ .

أخبر - عز وجل - رسوله: أن ليس في وسعك إرضاءُ هؤلاء؛ لاختلافهم في الدعاوى في الملل.

فإن قيل: كيف نهى رسوله عن اتباع ملتهم على علم منه: أنه لا يتبع؟

قيل: لأن العصمة لا تزيل المحنة، ولا تدفعها، بل المحنة إنما تقع في العصمة لوجهين: أحدهما: أن عصمته لِمَا مضى لا توجب عصمته في الحادث.

والثاني: أَن أَحق مَنْ يُنهى عن الأَشياء مَنْ أُكرم بالعصمة؛ إذ على زَوال النهي يرتفع عنه جهة العصمة؛ لأَنه يصير برفع النهي مباحاً.

فلهذا دل القول على النهي عما فيه إرضاؤهم - وإن كان في الأصل معصوماً عنه - وبالله التوفيق.

وفي إزالة الأمر والنهي إِزالةُ فائدة العصمة؛ لأَن العصمة: هي أَن يعصم في الأمر حتى يؤديَه، وفي النهي، حتى ينتهيَ عنه، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ .

قيل: إن دين الله - الذي اختاره أَهلُ الإِسلام؛ بالأمر، واتباع الآيات، والحجج - هو الدين، لا كما اختار أُولئك بهوى أنفسهم، واستقبال الآيات والحجج بالرد، والإنكار، والمعاندة.

ويحتمل: أن يكون الخطابُ في قوله: ﴿ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُمْ بَعْدَ ٱلَّذِي جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ ﴾ والبيانُ لأَصحابهِ، ومن دخل في دينه وصدقه، لا هو.

وذلك كثير في القرآن؛ يخاطَبُ هو والمراد غيره.

وقوله: ﴿ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ ﴾ .

ظاهره: من ولي يتولى الدفاع عنك، ولا نصير يمنعك من العذاب.

ويحتمل: ينصرك فتغلب به سلطان الله فيما يريد تعذيبك.

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ ﴾ .

قيل: الكتابُ: أَراد به التوراةَ أَو الإنجيلَ.

وقيل: أَراد به القرآن.

ومن حمله على التوراةِ والإِنجيل قال: فيه إِضمار واوِ كأَنه قال: الذين آتيناهم الكتاب، ويتلونه حق تلاوته، أُولئك يؤمنون به، أَي: إذا تَلَوْا حق التلاوة؛ فحينئذ يؤمنون به.

وقيل: يتلونه حق تلاوته، يعني يعملون به حق عمله، ولا يكتمون نعته  ، ولا يحرفونه.

﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ﴾ .

وهم الذين أَسلموا منهم.

وقيل: يتبعونه حق اتباعه.

وهو واحد.

ومن حمله على القرآن، قالذين يتلونه حق تلاوته أَصحاب رسول الله  .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واجعلوا بينكم وبين عذاب يوم القيامة وقايةً؛ باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه، فإنه لا تُغْنِي -في ذلك اليوم- نفسٌ عن نفس شيئًا، ولا يُقْبل منها فيه أي فداء مهما عظم، ولا تنفعها فيه شفاعة من أحد مهما علا مكانه، وليس لها نصير ينصرها من دون الله.

<div class="verse-tafsir" id="91.A6Zr3"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الصلة بين قوله تعالى ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ  ﴾ الآية وبين ما قبلها واضحة جلية وهي أن هذه جاءت في موضع الاستدراك على ما سبقها من إيناس النبي والمؤمنين من أهل الكتاب، فقد علمنا أن آية ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى  ﴾ قد سلت ما كان يخالج النفوس من الرجاء بإيمان أهل الكتاب كلهم، وهذه الآية تنطق بأن منهم من يرجى إيمانه وهم الذين وصفهم بما هو علة الرجاء ومناط الأمل وهو تلاوة كتابهم، حق تلاوته، وعدم الجمود على الظواهر والتقاليد، والاكتفاء بالأماني والظنون، كأنه يقول: إن كانت نفسك تحدثك بأن أهل الكتاب أقرب إلى الإيمان بما جئت به لأنه يشبه ما عندهم ويصدق أنبياءهم وأصول شرائعهم من حيث يقتلع جذور دين الوثنيين ويمحوه محوًا فيكون الوثنيون أجدر من أهل الكتاب بمعاندتك ومجاحدتك -فأعلم أن هؤلاء قد ألحقوا بدينهم من التقاليد والمخترعات، وألصقوا به من البدع والعادات، ما غرهم في دينهم بغير فهم، وجعلهم يتعصبون له بغير عقل، فكانوا بذلك أبعد عن حقيقة الإيمان من أولئك الذين يعبدون الأوثان، وذلك أنهم اتخذوا الدين جنسية فليس لهم منه إلا الجمود على عادات صارت مميزة للمنتسبين إليه، ولكن لا يزال فيهم نفر يرجى منهم تدبر الشيء والتمييز بين الحق والباطل هم ﴿ الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ  ﴾ وهم ﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ  ﴾ أي يفهمون أسراره ويفقهون حكمة تشريعه، وفائدة التكليف به، لا يتقيدون في ذلك بآراء من سبقهم فيه، ولا بتحريفهم كلمة عن مواضعه، ﴿ أُولَئِكَ  ﴾ هم الذين يقدرون ما جئت به من الترقي في الدين، وإقامة قواعده على الأساس المتين، ﴿ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ  ﴾ بعد العلم بأنه الحق الذي يزيل ما بينهم من الخلاف ويهديهم إلى طريق السعادة ﴿ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ  ﴾ من الرؤساء المعاندين والمقلدين الجاهلين، وهم الأكثرون، ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ  ﴾ لهذه السعادة، المحرومون مما يكون للمؤمنين من المجد والسيادة، سواء كان كفرهم بتحريفه ليوافق مذاهبهم التقليدية، أم بإهماله اكتفاء بقول علمائهم، ويجوز أن يكون الضمير في قوله ﴿ بِهَ  ﴾ للهدى الذي ذكر في الآيات السابقة.

عبر عن التدبر والفهم بالتلاوة حق التلاوة ليرشدنا إلى أن ذلك هو المقصود من التلاوة التي يشترك فيها أهل الأهواء والبدع مع أهل العلم والفهم.

والتعبير يشعر بأن أولئك الذين حكم بنفي رضاهم عن النبي  نفيًا مؤكدًا لا حظ لهم من الكتاب إلا مجرد التلاوة وتحريك اللسان بالألفاظ، لا يعقلون عقائده، ولا يتدبرون حكمه ومواعظه، ولا يفقهون أحكامه وشرائعه، لأنهم استغنوا عنه بتقليد بعض الرؤساء والاكتفاء بما يقولون، فلا عجب إذا أعرضوا عما جاء به النبي ولا ضرر في إعراضهم.

وأما الآخرون فإنهم لتدبرهم وفهمهم أسرار الدين، وعلمهم بوجوب مطابقتها لمصالح العالمين، يعقلون أن ما جاء به هو الحق الذي يتفق مع مصلحة البشر في ترقية أرواحهم، وفي نظام معايشهم، فيؤمنون به، وإنما ينتفع بإيمان أمثالهم.

وجملة القول أن هذا التعبير أفاد حكمًا جديدًا وإرشادًا عظيمًا وهو أن الذي يتلو الكتاب لمجرد التلاوة مثله كمثل الحمار يحمل أسفارًا فلا حظ له من الإيمان بالكتاب لأنه لا يفهم أسراره، ولا يعرف هداية الله فيه.

وقراءة الألفاظ لا تفيد الهداية وإن كان القارئ يفهم مداولاتها كما يقول المفسر والمعلم لها لأن هذا الفهم من قبيل التصور وما التصور إلا خيال يلوح ويتراءى، ثم يغيب ويتنائ، وإنما الفهم فهم التصديق والإذغان ممن يتدبر الكتاب مستهديًا مسترشدًا ملاحظًا أنه مخاطب به من الله تعالى ليأخذ به فيهتدي ويرشد، والمقلدون محرومون من هذا فلا يخطر لهم ببال أنهم مطالبون بالاهتداء بكتاب الله تعالى وإنما الهداية عندهم محصورة في كلام رؤسائهم الدينيين، ولاسيما إذا كانوا ميتين.

وإذا كنا نعتبر بما قص الله تعالى علينا من خبر أهل الكتاب، كما قال ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ  ﴾ ، فإننا نعرف حكم أهل القرآن عنده تعالى مما ذكره عن أهل التوراة والإنجيل كما نعرفه من مثل قوله  ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا  ﴾ وقوله ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ فكل هذه الآيات والعبر لم تحل دون اتباع هذه الأمة سنن من قبلها شبرًا بشبر وذراعًا بذراع كما أنبئت للتحذير، والقرآن حجة عليها كما ورد في الحديث: "والقرآن حجة لك أو عليك".

ولا شك أن من يتلو ألفاظ القرآن وهو معرض عن هدايته غير معتبر بوعده ووعيده فهو كالمستهزئ بربه.

وإذا سأل سائل عن قول العلماء: إن القرآن يتعبد بتلاوته.فالجواب: نعم، ولكنهم لم يقولوا إنه أنزل لذلك، وكيف يقولون ذلك والله الذي أنزله يقول إنه أنزله ﴿ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ  ﴾ فالقرآن وكذلك السنة يصرحان في مواضع كثيرة بخلاف هذا القول إذا أخذ على إطلاقه وجعل معناه أو من معناه أن الله تعالى يطالب عباده بقراءة القرآن بدون تدبر ولا تذكر.

وقد جاء من الأحاديث ما يصف حال قوم يأتون بعد"يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم"، وقد سماهم شرار الخلق، فهؤلاء الأشرار قد اتخذوا القرآن من الأغاني والمطربات، وإذا طالبت أحدهم بالفهم والتدبر أخذته العزة بالإثم واحتج عليك بكلمة قالها فلان أو حلم رآه فلان، وهكذا انقلب على المسلمين وضع الدين، ثم هم يتعجبون مع ذلك كيف حرموا من وعد الله في قوله ﴿ وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آَبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ  أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ  ﴾ .

أرأيتم، مثلًا، رجلًا يرسل كتابًا آخر فيقرأه المرسل إليه هَذْرَمةً أو يترنم به ولا يلتفت إلى معناه ولا يكلف نفسه إجابة ما طلب فيه ثم يسأل الرسول أو غيره: ماذا قال صاحب الكتاب فيه وماذا يريد منه؟

أيرضى المرسل من المرسل إليه بهذا، أم يراه استهزاءً به؟

فالمثل ظاهر وإن كان الحق لا يقاس على الخلق، فإن الكتاب لا يرسل لأجل ورقة، ولا لأجل نقوشه ولا لأجل أن تكيف الأصوات حروفه وكلمه، ولكن ليعلم مراد المرسل منه ويعمل به.

إن الاستهداء بالقرآن، واجب على كل مكلف في زمان ومكان، فعلى كل قارئ أن يتلو القرآن بالتدبر وأن يطالب نفسه بفهمه والعمل به، ولا شك أن من له معرفة ولو قليلة باللغة العربية فإنه يفهم من القرآن ما يهتدي به، ومن كان أميًا أو عجميًا فإنه ينبغي له أن يسأل القارئين أن يقرؤوا له القرآن ويفهموه معناه، وقد تقدم التنبيه على هذا في مقدمة تفسير سورة الفاتحة.

وأنا أعتقد أنه يجب على كل مسلم أن يقرأ القرآن أو يسمعه كله ولو مرة واحدة في عمره، ومن فوائد ذلك أن يأمن من إنكار شيء منه إذا عرض عليه أو سمعه مع التشكيك فيه.

أقام الله تعالى الحجج الدامغة على أهل الكتاب ثم ناداهم ودعاهم إلى ترك أسباب الغرور المانع من الإيمان فقال ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ وقد سبق التذكير بهذه النعمة في أول المحاجة، ثم أعيد هنا للمناسبة الظاهرة، وهي أنه بعد ما ذكر أن الإعراض عن تدبر الكتاب والتفقه فيه هو كفر به، وذكرهم بأنه لا يليق بم كرمه ربه وفضله على غيره من الشعوب بإيتائه الكتاب أن يكون حظه منه كحظ الحمار يحمل أسفارًا.

فإذا كان ابتدأ العظة والدعوة بذكر هذا التفضيل لتتوجه إليه الأنظار وتصغي إليها الأسماع كما تقدم في تفسير الآية الأولى"٤٧"فلا غرو أن يذكر هذا التفضيل ثانيًا بعد التوبيخ والتقريع، لإزالة ما ربما يحدثه ذلك من الاستياء الذي يتوقع أن يكون من أسباب التنفير عما في الآية التالية، وليس هذا من التكرار الذي يتحاماه البلغاء وإنما هو من إعادة الشيء لإفادة ما لا يستفاد بدونه.

كأن هذه الآية تمهيدًا لما بعدها وهو فذلكة القصة، والمقصود إقامة الحجة.

ذلك قوله تعالى ﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا  ﴾ فلا ينفعكم يوم القيامة أن تعتذروا عن الإعراض عن فهم كتاب الله بأن بعض سلفكم كانوا يفهمونه ويتدبرونه، وأنكم استغنيتم بتدبرهم وفهمهم عن أن تفهموا وتتدبروا، فإنه يوم لا يغني فيه أحد عن أحد شيئًا.

ويؤيد الآية حديث الصحيحين "يا فاطمة يا بنت محمد سليني من مالي ما شئت، لا أغني عنك من الله شيئًا "إلخ وإذا كان لا يجزي فهم سلفكم عنكم أنكم أعرضتم عن هداية كتابه فلا تنفعكم شفاعتهم أيضًا، كما أنه لا يقبل منكم عدل وفداء تفتدون به وتجعلونه معادلًا لما فرطتم فيه كما قال ﴿ وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ وكانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ عدلًا عما فرطوا فيه وبشفاعة أنبيائهم فأخبرهم الله تعالى أنه لا يقوم مقام الاهتداء بكتابه شيء آخر، ثم قطع حبل رجائه من كل ناصر ينصرهم فقال ﴿ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ  ﴾ ، أي أنه لا يأتيهم نصر من هاتين الجهتين ولا من غيرهما.

وقد تقدم في تفسير الآيات الأولى ما يغني عن الإطالة هنا وليس في هذه زيادة في المعنى إلا أن التعبير قد اختلف تفننًا، ففي الآية الأولى تقدم ذكر الشفاعة منفية القبول، وتأخر ذكر العدل غير مأخوذ، وفي هذه الآية نفى قبول العدل أولًا ثم نفى نفع الشفاعة ثانيًا.

وكأنه يشير بهذا التفنن إلى أنه لا فرق بين الفداء والشفاعة في الجواز والمنع فمن منع العوض في الآخرة لزمه منع الشفاعة فإن جوزها جوزه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله