الآية ١٢٨ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٢٨ من سورة البقرة

رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةًۭ مُّسْلِمَةًۭ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ ۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 204 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٢٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٢٨ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قوله تعالى حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل ، عليهما السلام : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم ) قال ابن جرير : يعنيان بذلك ، واجعلنا مستسلمين لأمرك ، خاضعين لطاعتك ، لا نشرك معك في الطاعة أحدا سواك ، ولا في العبادة غيرك .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا إسماعيل بن رجاء بن حيان الحصني القرشي ، حدثنا معقل بن عبيد الله ، عن عبد الكريم : ( واجعلنا مسلمين لك ) قال : مخلصين لك ، ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) قال : مخلصة .

وقال أيضا : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا المقدمي ، حدثنا سعيد بن عامر ، عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية ( واجعلنا مسلمين ) قال : كانا مسلمين ، ولكنهما سألاه الثبات .

وقال عكرمة : ( ربنا واجعلنا مسلمين لك ) قال الله : قد فعلت .

( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) قال الله : قد فعلت .

وقال السدي : ( ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ) يعنيان العرب .

قال ابن جرير : والصواب أنه يعم العرب وغيرهم ; لأن من ذرية إبراهيم بني إسرائيل ، وقد قال الله تعالى : ( ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون ) [ الأعراف : 159 ] قلت : وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي ; فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عداهم ، والسياق إنما هو في العرب ; ولهذا قال بعده : ( ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) الآية ، والمراد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد بعث فيهم كما قال تعالى : ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) [ الجمعة : 2 ] ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود ، لقوله تعالى : ( قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا ) [ الأعراف : 158 ] ، وغير ذلك من الأدلة القاطعة .

وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ، عليهما السلام ، كما أخبر الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين ، في قوله : ( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ) [ الفرقان : 74 ] .

وهذا القدر مرغوب فيه شرعا ، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له ; ولهذا لما قال الله تعالى لإبراهيم ، عليه السلام : ( إني جاعلك للناس إماما ) قال : ( ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين ) وهو قوله : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ) [ إبراهيم : 35 ] .

وقد ثبت في صحيح مسلم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به ، أو ولد صالح يدعو له " " وأرنا مناسكنا " قال ابن جريج ، عن عطاء ( وأرنا مناسكنا ) أخرجها لنا ، علمناها .

وقال مجاهد ( وأرنا مناسكنا ) مذابحنا .

وروي عن عطاء أيضا ، وقتادة نحو ذلك .

وقال سعيد بن منصور : حدثنا عتاب بن بشير ، عن خصيف ، عن مجاهد ، قال : قال إبراهيم : " أرنا مناسكنا " فأتاه جبرائيل ، فأتى به البيت ، فقال : ارفع القواعد .

فرفع القواعد وأتم البنيان ، ثم أخذ بيده فأخرجه فانطلق به إلى الصفا ، قال : هذا من شعائر الله .

ثم انطلق به إلى المروة ، فقال : وهذا من شعائر الله ؟

.

ثم انطلق به نحو منى ، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة ، فقال : كبر وارمه .

فكبر ورماه .

ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى ، فلما جاز به جبريل وإبراهيم قال له : كبر وارمه .

فكبر ورماه .

فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئا فلم يستطع ، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام ، فقال : هذا المشعر الحرام .

فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به عرفات .

قال : قد عرفت ما أريتك ؟

قالها : ثلاث مرار .

قال : نعم .

وروي عن أبي مجلز وقتادة نحو ذلك .

وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا حماد بن سلمة ، عن أبي العاصم الغنوي ، عن أبي الطفيل ، عن ابن عباس ، قال : إن إبراهيم لما أري أوامر المناسك ، عرض له الشيطان عند المسعى ، فسابقه إبراهيم ، ثم انطلق به جبريل حتى أتى به منى ، فقال : مناخ الناس هذا .

فلما انتهى إلى جمرة العقبة تعرض له الشيطان ، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، ثم أتى به الجمرة الوسطى ، فعرض له الشيطان فرماه بسبع حصيات ، حتى ذهب ، ثم أتى به الجمرة القصوى ، فعرض له الشيطان ، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب ، فأتى به جمعا .

فقال : هذا المشعر .

ثم أتى به عرفة .

فقال : هذه عرفة .

فقال له جبريل : أعرفت ؟

.

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك } وَهَذَا أَيْضًا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره عَنْ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَنَّهُمَا كَانَا يَرْفَعَانِ الْقَوَاعِد مِنْ الْبَيْت وَهُمَا يَقُولَانِ : { رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك } يَعْنِيَانِ بِذَلِكَ : وَاجْعَلْنَا مُسْتَسْلِمَيْنِ لِأَمْرِك خَاضِعَيْنِ لِطَاعَتِك , لَا نُشْرِك مَعَك فِي الطَّاعَة أَحَدًا سِوَاك , وَلَا فِي الْعِبَادَة غَيْرك .

وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْإِسْلَام الْخُضُوع لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ .

وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَمَّا قَوْله : { وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك } فَإِنَّهُمَا خَصَّا بِذَلِكَ بَعْض الذُّرِّيَّة ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ كَانَ أَعْلَم إبْرَاهِيم خَلِيله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل مَسْأَلَته هَذِهِ أَنَّ مِنْ ذُرِّيَّته مَنْ لَا يَنَال عَهْده لِظُلْمِهِ وَفُجُوره , فَخَصَّا بِالدَّعْوَةِ بَعْض ذُرِّيَّتهمَا .

وَقَدْ قِيلَ إنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْعَرَب .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1699 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك } يَعْنِيَانِ الْعَرَب .

وَهَذَا قَوْل يَدُلّ ظَاهِر الْكِتَاب عَلَى خِلَافه ; لِأَنَّ ظَاهِره يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا دَعَوْا اللَّه أَنْ يَجْعَل مِنْ ذُرِّيَّتهمَا أَهْل طَاعَته وَوِلَايَته والمستجيبين لِأَمْرِهِ , وَقَدْ كَانَ فِي وَلَد إبْرَاهِيم الْعَرَب وَغَيْر الْعَرَب , وَالْمُسْتَجِيب لِأَمْرِ اللَّه وَالْخَاضِع لَهُ بِالطَّاعَةِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ ; فَلَا وَجْه لِقَوْلِ مَنْ قَالَ : عَنَى إبْرَاهِيم بِدُعَائِهِ ذَلِكَ فَرِيقًا مِنْ وَلَده بِأَعْيَانِهِمْ دُون غَيْرهمْ إلَّا التَّحَكُّم الَّذِي لَا يَعْجِز عَنْهُ أَحَد .

وَأَمَّا الْأُمَّة فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهَا الْجَمَاعَة مِنْ النَّاس , مِنْ قَوْل اللَّه : { وَمِنْ قَوْم مُوسَى أُمَّة يَهْدُونَ بِالْحَقِّ } .

7 159 وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } .

اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } بِمَعْنَى رُؤْيَة الْعَيْن , أَيْ أَظْهَرَهَا لِأَعْيُنِنَا حَتَّى نَرَاهَا .

وَذَلِكَ قِرَاءَة عَامَّة أَهْل الْحِجَاز وَالْكُوفَة , وَكَانَ بَعْض مَنْ يُوَجِّه تَأْوِيل ذَلِكَ إلَى هَذَا التَّأْوِيل يُسَكِّن الرَّاء مِنْ " أَرِنَا " , غَيْر أَنَّهُ يُشِمّهَا كَسْرَة .

وَاخْتَلَفَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة وَقُرَّاء هَذِهِ الْقِرَاءَة فِي تَأْوِيل قَوْله : { مَنَاسِكنَا } فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ مَنَاسِك الْحَجّ وَمَعَالِمه .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1700 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } فَأَرَاهُمَا اللَّه مَنَاسِكهمَا الطَّوَاف بِالْبَيْتِ , وَالسَّعْي بَيْن الصَّفَا وَالْمَرْوَة , وَالْإِفَاضَة مِنْ عَرَفَات , وَالْإِفَاضَة مِنْ جَمْع , وَرَمْي الْجِمَار , حَتَّى أَكْمَلَ اللَّه الدِّين أَوْ دِينه .

1701 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } قَالَ : أَرِنَا نُسُكنَا وَحَجّنَا .

1702 - حَدَّثَنَا مُوسَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل مِنْ بُنْيَان الْبَيْت أَمَرَهُ اللَّه أَنْ يُنَادِي فَقَالَ : { وَأَذِّنْ فِي النَّاس بِالْحَجِّ } فَنَادَى بَيْن أَخْشَبَيْ مَكَّة : يَا أَيّهَا النَّاس إنَّ اللَّه يَأْمُركُمْ أَنْ تَحُجُّوا بَيْته .

قَالَ : فَوَقِرَتْ فِي قَلْب كُلّ مُؤْمِن , فَأَجَابَهُ كُلّ مَنْ سَمِعَهُ مِنْ جَبَل أَوْ شَجَر أَوْ دَابَّة : لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ !

فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ : لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ !

وَأَتَاهُ مَنْ أَتَاهُ .

فَأَمَرَهُ اللَّه أَنْ يَخْرُج إلَى عَرَفَات وَنَعَتَهَا فَخَرَجَ ; فَلَمَّا بَلَغَ الشَّجَرَة عِنْد الْعَقَبَة اسْتَقْبَلَهُ الشَّيْطَان , فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات يُكَبِّر مَعَ كُلّ حَصَاة , فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَة الثَّانِيَة أَيْضًا , فَصَدَّهُ فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ , فَطَارَ فَوَقَعَ عَلَى الْجَمْرَة الثَّالِثَة , فَرَمَاهُ وَكَبَّرَ .

فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيقهُ , وَلَمْ يَدْرِ إبْرَاهِيم أَيْنَ يَذْهَب , انْطَلَقَ حَتَّى أَتَى ذَا الْمَجَاز , فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ فَلَمْ يَعْرِفهُ جَازَ فَلِذَلِك سُمِّيَ ذَا الْمَجَاز .

ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى وَقَعَ بِعَرَفَاتِ , فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهَا عَرَفَ النَّعْت , قَالَ : قَدْ عَرَفْت !

فَسُمِّيَتْ عَرَفَات .

فَوَقَفَ إبْرَاهِيم بِعَرَفَاتِ .

حَتَّى إذَا أَمْسَى ازْدَلَفَ إلَى جَمْع , فَسُمِّيَتْ الْمُزْدَلِفَة .

فَوَقَفَ بِجَمْعِ .

ثُمَّ أَقَبْل حَتَّى أَتَى الشَّيْطَان حَيْثُ لَقِيَهُ أَوَّل مَرَّة فَرَمَاهُ بِسَبْعِ حَصَيَات سَبْع مَرَّات , ثُمَّ أَقَامَ بِمِنَى حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْحَجّ وَأَمْره .

وَذَلِكَ قَوْله : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } .

وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَرَأَ هَذِهِ الْقِرَاءَة : الْمَنَاسِك الْمَذَابِح .

فَكَانَ تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة عَلَى قَوْل مَنْ قَالَ ذَلِكَ : وَأَرِنَا كَيْف نَنْسَك لَك يَا رَبّنَا نَسَائِكنَا فَنَذْبَحهَا لَك .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1703 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } قَالَ : ذَبْحنَا .

* حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء , قَالَ : مَذَابِحنَا .

1704 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَحِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله .

* حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد مِثْله .

1705 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ عَطَاء : سَمِعْت عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } قَالَ : أَرِنَا مَذَابِحنَا .

وَقَالَ آخَرُونَ : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } بِتَسْكِينِ الرَّاء .

وَزَعَمُوا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَعَلِّمْنَا وَدُلَّنَا عَلَيْهَا , لَا أَنَّ مَعْنَاهَا أَرِنَاهَا بِالْأَبْصَارِ .

وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ نَظِير قَوْل حَطَائِط بْن يَعْفُر أَخِي الْأَسْوَد بْن يَعْفُر : أَرِينِي جَوَادًا مَاتَ هَزْلًا لِأَنَّنِي أَرَى مَا تَرَيْنَ أَوْ بَخِيلًا مُخَلَّدًا يَعْنِي بِقَوْلِهِ أَرِينِي : دُلِّينِي عَلَيْهِ وَعَرِّفِينِي مَكَانه , وَلَمْ يَعْنِ بِهِ رُؤْيَة الْعَيْن .

وَهَذِهِ قِرَاءَة رُوِيَتْ عَنْ بَعْض الْمُتَقَدِّمِينَ .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1706 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ عَطَاء : { أَرِنَا مَنَاسِكنَا } أَخْرَجَهَا لَنَا , عَلِّمْنَاهَا .

1707 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ ابْن الْمُسَيِّب : قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : لَمَّا فَرَغَ إبْرَاهِيم مِنْ بِنَاء الْبَيْت , قَالَ : فَعَلْت أَيْ رَبّ فَأَرِنَا مَنَاسِكنَا , أَبْرِزْهَا لَنَا , عَلِّمْنَاهَا !

فَبَعَثَ اللَّه جِبْرِيل فَحَجّ بِهِ .

وَالْقَوْل وَاحِد , فَمَنْ كَسَرَ الرَّاء جَعَلَ عَلَامَة الْجَزْم سُقُوط الْيَاء الَّتِي فِي قَوْل الْقَائِل أَرِنِيهِ , وَأَقَرَّ الرَّاء مَكْسُورَة كَمَا كَانَتْ قَبْل الْجَزْم .

وَمَنْ سَكَّنَ الرَّاء مِنْ " أَرِنَا " تَوَهَّمَ أَنَّ إعْرَاب الْحَرْف فِي الرَّاء فَسَكَّنَهَا فِي الْجَزْم كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي لَمْ يَكُنْ وَلَمْ يَكُ .

وَسَوَاء كَانَ ذَلِكَ مِنْ رُؤْيَة الْعَيْن , أَوْ مِنْ رُؤْيَة الْقَلْب .

وَلَا مَعْنَى لِفَرْقِ مَنْ فَرَّقَ بَيْن رُؤْيَة الْعَيْن فِي ذَلِكَ وَرُؤْيَة الْقَلْب .

وَأَمَّا الْمَنَاسِك فَإِنَّهَا جَمْع " مَنْسَك " , وَهُوَ الْمَوْضِع الَّذِي يَنْسَك لِلَّهِ فِيهِ , وَيَتَقَرَّب إلَيْهِ فِيهِ بِمَا يُرْضِيه مِنْ عَمَل صَالِح إمَّا بِذَبْحِ ذَبِيحَة لَهُ , وَإِمَّا بِصَلَاةِ أَوْ طَوَاف أَوْ سَعْي , وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ الْأَعْمَال الصَّالِحَة ; وَلِذَلِكَ قِيلَ لِمَشَاعِر الْحَجّ مَنَاسِكه , لِأَنَّهَا أَمَارَات وَعَلَامَات يَعْتَادهَا النَّاس , وَيَتَرَدَّدُونَ إلَيْهَا .

وَأَصْل الْمَنْسَك فِي كَلَام الْعَرَب : الْمَوْضِع الْمُعْتَاد الَّذِي يَعْتَادهُ الرَّجُل وَيَأْلَفهُ , يُقَال : لِفُلَانِ مَنْسَك , وَذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ مَوْضِع يَعْتَادهُ لِخَيْرِ أَوْ شَرّ ; وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْمَنَاسِك مَنَاسِك , لِأَنَّهَا تُعْتَاد وَيَتَرَدَّد إلَيْهَا بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَة , وَبِالْأَعْمَالِ الَّتِي يُتَقَرَّب بِهَا إلَى اللَّه .

وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى النُّسُك : عِبَادَة اللَّه , وَأَنَّ النَّاسِك إنَّمَا سُمِّيَ نَاسِكًا بِعِبَادَةِ رَبّه , فَتَأَوَّلَ قَائِل هَذِهِ الْمَقَالَة قَوْله : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } وَعَلِّمْنَا عِبَادَتك كَيْف نَعْبُدك , وَأَيْنَ نَعْبُدك , وَمَا يُرْضِيك عَنَّا فَنَفْعَلهُ .

وَهَذَا الْقَوْل وَإِنْ كَانَ مَذْهَبًا يَحْتَمِلهُ الْكَلَام , فَإِنَّ الْغَالِب عَلَى مَعْنَى الْمَنَاسِك مَا وَصَفْنَا قَبْل مِنْ أَنَّهَا مَنَاسِك الْحَجّ الَّتِي ذَكَرْنَا مَعْنَاهَا .

وَخَرَجَ هَذَا الْكَلَام مِنْ قَوْل إبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل عَلَى وَجْه الْمَسْأَلَة مِنْهُمَا رَبّهمَا لِأَنْفُسِهِمَا , وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُمَا مَسْأَلَة رَبّهمَا لِأَنْفُسِهِمَا وَذُرِّيَّتهمَا الْمُسْلِمِينَ , فَلَمَّا ضَمَّا ذُرِّيَّتهمَا الْمُسْلِمَيْنِ إلَى أَنْفُسهمَا صَارَا كَالْمُخْبِرَيْنِ عَنْ أَنْفُسهمْ بِذَلِكَ .

وَإِنَّمَا قُلْنَا إنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لِتَقَدُّمِ الدُّعَاء مِنْهُمَا لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ ذُرِّيَّتهمَا قَبْل فِي أَوَّل الْآيَة , وَتَأَخُّره بَعْد فِي الْآيَة الْأُخْرَى .

فَأَمَّا الَّذِي فِي أَوَّل الْآيَة فَقَوْلهمَا : { رَبّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَك وَمِنْ ذُرِّيَّتنَا أُمَّة مُسْلِمَة لَك } .

ثُمَّ جَمَعَا أَنْفُسهمَا وَالْأُمَّة الْمُسْلِمَة مِنْ ذُرِّيَّتهمَا فِي مَسْأَلَتهمَا رَبّهمَا أَنْ يُرِيهِمْ مَنَاسِكهمْ فَقَالَا : { وَأَرِنَا مَنَاسِكنَا } .

وَأَمَّا الَّتِي فِي الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا : { رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ } فَجَعَلَا الْمَسْأَلَة لِذُرِّيَّتِهِمَا خَاصَّة .

وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة ابْن مَسْعُود : " وَأَرِهِمْ مَنَاسِكهمْ " , يَعْنِي بِذَلِكَ : وَأَرِ ذُرِّيَّتنَا الْمُسْلِمَة مَنَاسِكهمْ .

وَتُبْ عَلَيْنَا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَتُبْ عَلَيْنَا } .

أَمَّا التَّوْبَة فَأَصْلهَا الْأَوْبَة مِنْ مَكْرُوه إلَى مَحْبُوب , فَتَوْبَة الْعَبْد إلَى رَبّه : أَوْبَته مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه مِنْهُ بِالنَّدَمِ عَلَيْهِ وَالْإِقْلَاع عَنْهُ , وَالْعَزْم عَلَى تَرْك الْعَوْد فِيهِ .

وَتَوْبَة الرَّبّ عَلَى عَبْده : عَوْده عَلَيْهِ بِالْعَفْوِ لَهُ عَنْ جُرْمه وَالصَّفْع لَهُ عَنْ عُقُوبَة ذَنْبه , مَغْفِرَة لَهُ مِنْهُ , وَتَفَضُّلًا عَلَيْهِ .

فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَهَلْ كَانَ لَهُمَا ذُنُوب فَاحْتَاجَا إلَى مَسْأَلَة رَبّهمَا التَّوْبَة ؟

قِيلَ : إنَّهُ لَيْسَ أَحَد مِنْ خَلْق اللَّه إلَّا وَلَهُ مِنْ الْعَمَل فِيمَا بَيْنه وَبَيْن رَبّه مَا يَجِب عَلَيْهِ الْإِنَابَة مِنْهُ وَالتَّوْبَة .

فَجَائِز أَنْ يَكُون مَا كَانَ مِنْ قَبْلهمَا مَا قَالَا مِنْ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا خَصَّا بِهِ الْحَال الَّتِي كَانَا عَلَيْهَا مِنْ رَفْع قَوَاعِد الْبَيْت , لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ أَحْرَى الْأَمَاكِن أَنْ يَسْتَجِيب اللَّه فِيهَا دُعَاءَهُمَا , وَلِيَجْعَلَا مَا فَعَلَا مِنْ ذَلِكَ سُنَّة يُقْتَدَى بِهَا بَعْدهمَا , وَتَتَّخِذ النَّاس تِلْكَ الْبُقْعَة بَعْدهمَا مَوْضِع تَنَصُّل مِنْ الذُّنُوب إلَى اللَّه .

وَجَائِز أَنْ يَكُونَا عَنَيَا بِقَوْلِهِمَا : { وَتُبْ عَلَيْنَا } وَتُبْ عَلَى الظَّلَمَة مِنْ أَوْلَادنَا وَذُرِّيَّتنَا , الَّذِينَ أَعْلَمْتنَا أَمْرهمْ مِنْ ظُلْمهمْ وَشِرْكهمْ , حَتَّى يُنِيبُوا إلَى طَاعَتك .

فَيَكُون ظَاهِر الْكَلَام عَلَى الدُّعَاء لِأَنْفُسِهِمَا , وَالْمَعْنِيّ بِهِ ذُرِّيَّتهمَا , كَمَا يُقَال : أَكَرَمَنِي فُلَان فِي وَلَدِي وَأَهْلِي , وَبَرَّنِي فُلَان : إذَا بَرَّ وَلَده .

إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَأَمَّا قَوْله : { إنَّك أَنْت التَّوَّاب الرَّحِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : إنَّك أَنْت الْعَائِد عَلَى عِبَادك بِالْفَضْلِ وَالْمُتَفَضِّل عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ وَالْغُفْرَان , الرَّحِيم بِهِمْ , الْمُسْتَنْقِذ مَنْ تُشَاء مِنْهُمْ بِرَحْمَتِك مِنْ هَلَكَته , الْمُنْجِي مَنْ تُرِيد نَجَاته مِنْهُمْ بِرَأْفَتِك مِنْ سَخَطك .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيمقوله تعالى : ربنا واجعلنا مسلمين لك أي صيرنا ، ومسلمين مفعول ثان ، سألا التثبيت والدوام .

والإسلام في هذا الموضع : الإيمان والأعمال جميعا ، ومنه قوله تعالى : إن الدين عند الله الإسلام ففي هذا دليل لمن قال : إن الإيمان والإسلام شيء واحد ، وعضدوا هذا بقوله تعالى في الآية الأخرى : فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين .

وقرأ ابن عباس وعوف الأعرابي " مسلمين " على الجمع .قوله تعالى : ومن ذريتنا أمة مسلمة لك أي ومن ذريتنا فاجعل ، فيقال : إنه لم يدع [ ص: 121 ] نبي إلا لنفسه ولأمته إلا إبراهيم فإنه دعا مع دعائه لنفسه ولأمته ولهذه الأمة .

ومن في قوله : ومن ذريتنا للتبعيض ; لأن الله تعالى قد كان أعلمه أن منهم ظالمين .

وحكى الطبري : أنه أراد بقوله ومن ذريتنا العرب خاصة .

قال السهيلي : وذريتهما العرب ; لأنهم بنو نبت بن إسماعيل ، أو بنو تيمن بن إسماعيل ، ويقال : قيدر بن نبت بن إسماعيل .

أما العدنانية فمن نبت ، وأما القحطانية فمن قيدر بن نبت بن إسماعيل ، أو تيمن على أحد القولين .

قال ابن عطية : وهذا ضعيف ; لأن دعوته ظهرت في العرب وفيمن آمن من غيرهم .

والأمة : الجماعة هنا ، وتكون واحدا إذا كان يقتدى به في الخير ، ومنه قوله تعالى : إن إبراهيم كان أمة قانتا لله ، وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل : ( يبعث أمة وحده ) لأنه لم يشرك في دينه غيره ، والله أعلم .

وقد يطلق لفظ الأمة على غير هذا المعنى ، ومنه قوله تعالى :إنا وجدنا آباءنا على أمة أي على دين وملة ، ومنه قوله تعالى : إن هذه أمتكم أمة واحدة .

وقد تكون بمعنى الحين والزمان ، ومنه قوله تعالى وادكر بعد أمة أي بعد حين وزمان .

ويقال : هذه أمة زيد ، أي أم زيد .

والأمة أيضا : القامة ، يقال : فلان حسن الأمة ، أي حسن القامة ، قال [ هو الأعشى ] :وإن معاوية الأكرمين حسان الوجوه طوال الأمموقيل : الأمة الشجة التي تبلغ أم الدماغ ، يقال : رجل مأموم وأميم .قوله تعالى : وأرنا مناسكنا أرنا من رؤية البصر ، فتتعدى إلى مفعولين ، وقيل : من رؤية القلب ، ويلزم قائله أن يتعدى الفعل منه إلى ثلاثة مفاعيل .

قال ابن عطية : وينفصل بأنه يوجد معدى بالهمزة من رؤية القلب إلى مفعولين [ كغير المعدى ] قال حطائط بن يعفر أخو الأسود بن يعفر :أريني جوادا مات هزلا لأنني أرى ما ترين أو بخيلا مخلداوقرأ عمر بن عبد العزيز وقتادة وابن كثير وابن محيصن والسدي وروح عن يعقوب ورويس والسوسي " أرنا " بسكون الراء في القرآن ، واختاره أبو حاتم .

وقرأ أبو عمرو باختلاس كسرة الراء ، والباقون بكسرها ، واختاره أبو عبيد .

وأصله أرئنا بالهمز ، فمن قرأ بالسكون قال : ذهبت الهمزة وذهبت حركتها وبقيت الراء ساكنة على حالها ، واستدل بقول الشاعر : [ ص: 122 ]أرنا إداوة عبد الله نملؤها من ماء زمزم إن القوم قد ظمئواومن كسر فإنه نقل حركة الهمزة المحذوفة إلى الراء وأبو عمرو طلب الخفة .

وعن شجاع بن أبي نصر وكان أمينا صادقا أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فذاكره أشياء من حروف أبي عمرو فلم يرد عليه إلا حرفين : هذا ، والآخر " ما ننسخ من آية أو ننسأها " مهموزا .قوله تعالى : مناسكنا يقال : إن أصل النسك في اللغة الغسل ، يقال منه : نسك ثوبه إذا غسله .

وهو في الشرع اسم للعبادة ، يقال : رجل ناسك إذا كان عابدا .واختلف العلماء في المراد بالمناسك هنا ، فقيل : مناسك الحج ومعالمه ، قاله قتادة والسدي .

وقال مجاهد وعطاء وابن جريج : المناسك المذابح ، أي مواضع الذبح .

وقيل : جميع المتعبدات .

وكل ما يتعبد به إلى الله تعالى يقال له منسك ومنسك .

والناسك : العابد .

قال النحاس : يقال نسك ينسك ، فكان يجب أن يقال على هذا : منسك ، إلا أنه ليس في كلام العرب مفعل .

وعن زهير بن محمد قال : لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت الحرام قال : أي رب ، قد فرغت فأرنا مناسكنا ، فبعث الله تعالى إليه جبريل فحج به ، حتى إذا رجع من عرفة وجاء يوم النحر عرض له إبليس ، فقال له : أحصبه ، فحصبه بسبع حصيات ، ثم الغد ثم اليوم الثالث ، ثم علا ثبيرا فقال : يا عباد الله ، أجيبوا ، فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان ، فقال : لبيك ، اللهم لبيك ، قال : ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدا ، لولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها .

وأول من أجابه أهل اليمن .وعن أبي مجلز قال : لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل عليه السلام فأراه الطواف بالبيت - قال : وأحسبه قال : " والصفا والمروة - ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان ، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات ، فرمى وكبر ، وقال لإبراهيم : ارم وكبر ، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان .

ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى ، فعرض لهما الشيطان ، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات ، وقال : ارم وكبر ، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان .

ثم أتيا الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان ، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات وقال : ارم وكبر ، فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أفل الشيطان .

ثم أتى به جمعا فقال : ها هنا يجمع الناس الصلوات .

ثم أتى به عرفات فقال : عرفت ؟

فقال نعم ، فمن ثم سمي عرفات .

وروي أنه قال له : عرفت ، عرفت ، عرفت ؟

أي منى والجمع وهذا ، فقال نعم ، فسمي ذلك المكان عرفات .

وعن خصيف بن عبد الرحمن أن مجاهدا [ ص: 123 ] حدثه قال : لما قال إبراهيم عليه السلام : وأرنا مناسكنا أي الصفا والمروة ، وهما من شعائر الله بنص القرآن ، ثم خرج به جبريل ، فلما مر بجمرة العقبة إذا إبليس عليها ، فقال له جبريل : كبر وارمه ، فارتفع إبليس إلى الوسطى ، فقال جبريل : كبر وارمه ، ثم في الجمرة القصوى كذلك .

ثم انطلق به إلى المشعر الحرام ، ثم أتى به عرفة فقال له : هل عرفت ما أريتك ؟

قال نعم ، فسميت عرفات لذلك فيما قيل ، قال : فأذن في الناس بالحج ، قال : كيف أقول ؟

قال قل : يا أيها الناس ، أجيبوا ربكم ، ثلاث مرات ، ففعل ، فقالوا : لبيك ، اللهم لبيك .

قال : فمن أجاب يومئذ فهو حاج .

وفي رواية أخرى : أنه حين نادى استدار فدعا في كل وجه ، فلبى الناس من كل مشرق ومغرب ، وتطأطأت الجبال حتى بعد صوته .

وقال محمد بن إسحاق : لما فرغ إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله عليه من بناء البيت الحرام جاءه جبريل عليه السلام فقال له : طف به سبعا ، فطاف به سبعا هو وإسماعيل عليهما السلام ، يستلمان الأركان كلها في كل طواف ، فلما أكملا سبعا صليا خلف المقام ركعتين .

قال : فقام جبريل فأراه المناسك كلها : الصفا والمروة ومنى والمزدلفة .

قال : فلما دخل منى وهبط من العقبة تمثل له إبليس .

.

.

.

، فذكر نحو ما تقدم .

قال ابن إسحاق : وبلغني أن آدم عليه السلام كان يستلم الأركان كلها قبل إبراهيم عليه السلام .

وقال : حج إسحاق وسارة من الشام ، وكان إبراهيم عليه السلام يحجه كل سنة على البراق ، وحجته بعد ذلك الأنبياء والأمم .

وروى محمد بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : كان النبي من الأنبياء إذا هلكت أمته لحق مكة فتعبد بها هو ومن آمن معه حتى يموتوا فمات بها نوح وهود وصالح وقبورهم بين زمزم والحجر .وذكر ابن وهب أن شعيبا مات بمكة هو ومن معه من المؤمنين ، فقبورهم في غربي مكة بين دار الندوة وبين بني سهم .

وقال ابن عباس : في المسجد الحرام قبران ليس فيه غيرهما ، قبر إسماعيل وقبر شعيب عليهما السلام ، فقبر إسماعيل في الحجر ، وقبر شعيب مقابل الحجر الأسود .

وقال عبد الله بن ضمرة السلولي : ما بين الركن والمقام إلى زمزم قبور تسعة وتسعين نبيا جاءوا حجاجا فقبروا هنالك ، صلوات الله عليهم أجمعين .قوله تعالى : وتب علينااختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام : وتب علينا وهم أنبياء معصومون ، فقالت طائفة : طلبا التثبيت والدوام ، لا أنهما كان لهما ذنب .قلت : وهذا حسن ، وأحسن منه أنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت أرادا أن يبينا للناس ويعرفاهم أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة .

وقيل : [ ص: 124 ] المعنى وتب على الظلمة منا .

وقد مضى الكلام في عصمة الأنبياء عليهم السلام في قصة آدم عليه السلام .

وتقدم القول في معنى قوله : إنك أنت التواب الرحيم فأغنى عن إعادته .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ودعوا لأنفسهما, وذريتهما بالإسلام, الذي حقيقته, خضوع القلب, وانقياده لربه المتضمن لانقياد الجوارح.

{ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا } أي: عَلِّمْنَاهَا على وجه الإراءة والمشاهدة, ليكون أبلغ.

ويحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها, كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعم من ذلك وهو الدين كله, والعبادات كلها, كما يدل عليه عموم اللفظ, لأن النسك: التعبد, ولكن غلب على متعبدات الحج, تغليبا عرفيا، فيكون حاصل دعائهما, يرجع إلى التوفيق للعلم النافع, والعمل الصالح، ولما كان العبد - مهما كان - لا بد أن يعتريه التقصير, ويحتاج إلى التوبة قالا: { وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{ربنا واجعلنا مسلمين لك} موحدين مطيعين مخلصين خاضعين لك.

{ومن ذريتنا} أي أولادنا.

{أمة} جماعة والأمة أتباع الأنبياء.

{مسلمة لك} خاضعة لك.

{وأرنا} علمنا وعرفنا، قرأ ابن كثير ساكنة الراء و أبو عمرو بالاختلاس والباقون بكسرها ووافق ابن عامر و أبو بكر في الاسكان في حم السجدة، وأصله أرئنا فحذفت الهمزة طلباً للخفة ونقلت حركتها إلى الراء، ومن سكنها قال: ذهبت الهمزة فذهبت حركتها.

{مناسكنا} شرائع ديننا وألام حجنا، وقيل: مواضع حجنا، وقال مجاهد: "مذابحنا، والنسك الذبيحة"، وقيل: متعبداتنا.

وأصل النسك العبادة، والناسك العابد فأجاب الله تعالى دعاءهما فبعث جبريل فأراهما المناسك في يوم عرفة فلما بلغ عرفات قال: عرفت يا إبراهيم؟

قال: نعم فسمى الوقت عرفة والموضع عرفات.

{وتب علينا} تجاوز عنا.

{إنك أنت التواب الرحيم }.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ربنا واجعلنا مسلمَيْن» منقادين «لك و» اجعل «من ذرِّيتنا» أولادنا «أمة» جماعة «مسلمة لك» ومن للتبعيض وأتى به لتقدم قوله لا ينال عهدي الظالمين «وأرنا» علِّمنا «مناسكنا» شرائع عبادتنا أو حجنا «وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم» سألاه التوبة مع عصمتهما تواضعا وتعليما لذريتهما.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ربنا واجعلنا ثابتَيْن على الإسلام، منقادَيْن لأحكامك، واجعل من ذريتنا أمة منقادة لك، بالإيمان، وبصِّرْنا بمعالم عبادتنا لك، وتجاوز عن ذنوبنا.

إنك أنت كثير التوبة والرحمة لعبادك.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن جملة من الدعوات الخاشعات ، التي توجه بها إبراهيم وإسماعيل إلى الله - تعالى - فقال : ( رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ) :مسلمين من الإِسلام ، وهو الخضوع والإِذعان ، وقد كانا خاضعين لله مذعنين في كل حال ، وإنما طلبا الثبات والدوام على ذلك ، والإِسلام الذي هو الخضوع لله بحق إنما يتحقق بعقيدة التوحيد ، وتحرى ما رسمه الشارع في العبادات والمعاملات ، والإِخلاص في أداء ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه .وقوله : ( وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) معناه : واجعل يا ربنا من ذريتنا أمة مخلصة وجهها إليك ، مذعنة لأوامرك ونواهيك .ومن ( من ) للتبعيض ، أو للتعيين كقوله : ( وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ مِنْكُمْ ) وإنما خص الذرية بالدعاء لأنهم أحق بالشفقة ، ولأنهم إذا صلحوا صلح بهم الأتباع؛ ولأن صلاح الذرية مرغوب فيه طبعاً ، والدعاء لهم بالصلاح مرغب فيه شرعاً ، وقد حكى القرآن من دعاء الصالحين قوله - تعالى - :( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ) ( وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ) أي : علمنا شرائع ديننا وأعمال حجنا ، كالطواف والسعي والوقوف .

أو متعبداتنا التي تقام فيها شرائعنا ، كمنى ، وعرفات ، وتحوهما .والمناسك : جمع منسك - بفتح السين وكسرها - بمعنى الفعل وبمعنى الموضع من النسك - مثلثة النون وبضمها وضم السين - وهو غاية العبادة والطاعة ، وشاعت تسمية أعمال الحج بالمناسك كالطواف والسعي وغيرهما .( وَتُبْ عَلَيْنَآ ) تسند التوبة إلى العبد فيقال : تاب فلان إلى الله ومعناها الندم على ما لابس من الذنب ، والإِقلاع عنه ، والعزم على عدم العود إليه ، ورد المظالم إن استطاع ، أو نية ردها إن لم يستطع وتسند إلى الله فيقال : تاب الله على فلان ، ومعناها حينئذ توفيقه إلى التوبة ، أو قبولها منه .

فمعنى ( وَتُبْ عَلَيْنَآ ) وفقنا للتوبة أو تقبلها منا .والتوبة تكون من الكبائر والصغائر ، وتكون من ترك ما هو أولى أو من تقصير يؤدي إلى خطأ في الاجتهاد ، وعلى أحد هذين الوجهين ، تحمل التوبة التي يسأل الأنبياء والمرسلون ربهم قبولها أو التوفيق لها .( إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم ) التواب : كثير القبول لتوبة المنيبين إليه ، وقبول توبتهم يقتضي عدم مؤاخذتهم بما يأتونه من سيئات ، ثم بعد تخلصهم من عقوبة الخطيئة أو المعاتبة عليها ينتظرون من رحمة الله أن تحفهم بإحسان .وإبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - قد طلبا قبول توبتهما صراحة في قولهما ( وَتُبْ عَلَيْنَآ ) ولوحا إلى طلب الرحمة بذكر اسمه الرحيم ، إذ الرحمة صفة من أثرها الإِحسان ، فكأنهما قالا : تب علينا وارحمنا ، وهذا من أكمل آداب الدعاء وأرجاها للقبول عند الله تعالى .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من الأمور التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وهو أنهما عند بناء البيت ذكرا ثلاثة من الدعاء ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ ﴾ حكاية حال ماضية والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس، والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة، ومنه أقعدك الله أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك ورفع الأساس البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه، ومعنى رفع القواعد رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات والله أعلم.

المسألة الثانية: الأكثرون من أهل الأخبار على أن هذا البيت كان موجوداً قبل إبراهيم عليه السلام على ما روينا من الأحاديث فيه واحتجوا بقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت ﴾ فإن هذا صريح في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم عليه السلام رفعها وعمرها.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أنه هل كان إسماعيل عليه السلام شريكاً لإبراهيم عليه السلام في رفع قواعد البيت وبنائه؟

قال الأكثرون: إنه كان شريكاً له في ذلك والتقدير وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت والدليل عليه أنه تعالى عطف إسماعيل على إبراهيم فلابد وأن يكون ذلك العطف في فعل من الأفعال التي سلف ذكرها ولم يتقدم إلا ذكر رفع قواعد البيت موجب أن يكون إسماعيل معطوفاً على إبراهيم في ذلك، ثم ان اشتراكهما في ذلك يحتمل وجهين.

أحدهما: أن يشتركا في البناء ورفع الجدران.

والثاني: أن يكون أحدهما بانياً للبيت والآخر يرفع إليه الحجر والطين، ويهيئ له الآلات والأدوات، وعلى الوجهين تصح إضافة الرفع إليهما، وإن كان الوجه الأول أدخل في الحقيقة ومن الناس من قال: إن إسماعيل في ذلك الوقت كان طفلاً صغيراً وروي معناه عن علي رضي الله عنه، وأنه لما بنى البيت خرج وخلف إسماعيل وهاجر فقالا: إلى من تكلنا؟

فقال إبراهيم: إلى الله فعطش إسماعيل فلم ير شيئاً من الماء فناداهما جبريل عليه السلام وفحص الأرض بأصبعه فنبعت زمزم وهؤلاء جعلوا الوقف على قوله: ﴿ مِنَ البيت ﴾ ثم ابتدؤا: وإسماعيل ربنا تقبل منا طاعتنا ببناء هذا البيت فعلى هذا التقدير يكون إسماعيل شريكاً في الدعاء لا في البناء، وهذا التأويل ضعيف لأن قوله: ﴿ تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ ليس فيه ما يدل على أنه تعالى ماذا يقبل فوجب صرفه إلى المذكور السابق وهو رفع البيت فإذا لم يكن ذلك من فعله كيف يدعو الله بأن يتقبله منه، فإذن هذا القول على خلاف ظاهر القرآن فوجب رده والله أعلم.

المسألة الرابعة: إنما قال: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت ﴾ ولم يقل يرفع قواعد البيت لأن في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام من تفخيم الشأن ما ليس في العبارة الأخرى، واعلم أن الله تعالى حكى عنهما بعد ذلك ثلاثة أنواع من الدعاء.

النوع الأول: في قوله تعالى: ﴿ تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في تفسير قوله: ﴿ تَقَبَّلْ مِنَّا ﴾ فقال المتكلمون: كل عمل يقبله الله تعالى فهو يثيب صاحبه ويرضاه منه، والذي لا يثيبه عليه ولا يرضاه منه فهو المردود، فهاهنا عبر عن أحد المتلازمين باسم الآخر، فذكر لفظ القبول وأراد به الثواب والرضا لأن التقبل هو أن يقبل الرجل ما يهدى إليه، فشبه الفعل من العبد بالعطية، والرضا من الله بالقبول توسعاً.

وقال العارفون: فرق بين القبول والتقبل فإن التقبل عبارة عن أن يتكلف الإنسان في قبوله وذلك إنما يكون حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل فهذا اعتراف منهما بالتقصير في العمل، واعتراف بالعجز والانكسار، وأيضاً فلم يكن المقصود إعطاء الثواب عليه، لأن كون الفعل واقعاً موقع القبول من المخدوم ألذ عند الخادم العاقل من إعطاء الثواب عليه وتمام تحقيقه سيأتي في تفسير المحبة في قوله تعالى: ﴿ والذين ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ  ﴾ والله أعلم.

المسألة الثانية: إنهم بعد أن أتوا بتلك العبادة مخلصين تضرعوا إلى الله تعالى في قبولها وطلبوا الثواب عليها على ما قاله المتكلمون، ولو كان ترتيب الثواب على الفعل المقرون بالإخلاص واجباً على الله تعالى، لما كان في هذا الدعاء والتضرع فائدة، فإنه يجري مجرى أن الإنسان يتضرع إلى الله فيقول: يا إلهي اجعل النار حارة والجمد بارداً بل ذلك الدعاء أحسن لأنه لا استبعاد عند المتكلم في صيرورة النار حال بقائها على صورتها في الإشراق والاشتعال باردة، والجمد حال بقائه على صورته في الإنجماد والبياض حاراً ويستحيل عند المعتزلة أن لا يترتب الثواب على مثل هذا الفعل فوجب أن يكون الدعاء هاهنا أقبح فلما لم يكن كذلك علمنا أنه لا يجب للعبد على الله شيء أصلاً والله أعلم.

المسألة الثانية: إنما عقب هذا الدعاء بقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ كأنه يقول: تسمع دعاءنا وتضرعنا، وتعلم ما في قلبنا من الإخلاص وترك الالتفات إلى أحد سواك.

فإن قيل: قوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ السميع العليم ﴾ يفيد الحصر وليس الأمر كذلك، فإن غيره قد يكون سميعاً.

قلنا: إنه سبحانه لكماله في هذه الصفة يكون كأنه هو المختص بها دون غيره.

النوع الثاني: من الدعاء قوله: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا في مسألة خلق الأعمال بقوله: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ فإن الإسلام إما أن يكون المراد منه الدين والاعتقاد، أو الاستسلام والانقياد، وكيف كان فقد رغبا في أن يجعلهما بهذه الصفة: وجعلهما بهذه الصفة لا معنى له إلا خلق ذلك فيهما، فإن الجعل عبارة عن الخلق، قال الله تعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ فدل هذا على أن الإسلام مخلوق لله تعالى، فإن قيل: هذه الآية متروكة الظاهر لأنها تقتضي أنهما وقت السؤال غير مسلمين، إذ لو كانا مسلمين لكان طلب أن يجعلهما مسلمين طلباً لتحصيل الحاصل وإنه باطل، لكن المسلمين أجمعوا على أنهما كانا في ذلك الوقت مسلمين، ولأن صدور هذا الدعاء منهما لا يصلح إلا بعد أن كانا مسلمين، وإذا ثبت أن الآية متروكة الظاهر لم يجز التمسك بها، سلمنا أنها ليست متروكة الظاهر، لكن لا نسلم أن الجعل عبارة عن الخلق والإيجاد، بل له معانٍ أخر سوى الخلق.

أحدها: جعل بمعنى صير، قال الله تعالى: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً والنوم سُبَاتاً وَجَعَلَ النهار نُشُوراً  ﴾ .

وثانيها: جعل بمعنى وهب، نقول: جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس.

وثالثها: جعل بمعنى الوصف للشيء والحكم به كقوله تعالى: ﴿ وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا  ﴾ ، وقال: ﴿ وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَاء الجن  ﴾ .

ورابعها: جعله كذلك بمعنى الأمر كقوله تعالى: ﴿ وجعلناهم أَئِمَّةً  ﴾ يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال: ﴿ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا  ﴾ فهو بالأمر.

وخامسها: أن يجعله بمعنى التعليم كقوله: جعلته كاتباً وشاعراً إذا علمته ذلك.

وسادسها: البيان والدلالة تقول: جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك، إذا ثبت ذلك فنقول: لم لا يجوز أن يكون المراد وصفهما بالإسلام والحكم لهما بذلك كما يقال: جعلني فلان لصاً وجعلني فاضلاً أديباً إذا وصفه بذلك، سلمنا أن المراد من الجعل الخلق، لكن لم لا يجوز أن يكون المراد منه خلق الألطاف الداعية لهما إلى الإسلام وتوفيقهما لذلك فمن وفقه الله لهذه الأمور حتى يفعلها فقد جعله مسلماً له، ومثاله: من يؤدب ابنه حتى يصير أديباً فيجوز أن يقال: صيرتك أديباً وجعلتك أديباً، وفي خلاف ذلك يقال: جعل ابنه لصاً محتالاً، سلمنا أن ظاهر الآية يقتضي كونه تعالى خالقاً للإسلام، لكنه على خلاف الدلائل العقلية فوجب ترك القول به، وإنما قلنا: أنه على خلاف الدلائل العقلية لأنه لو كان فعل العبد خلقاً لله تعالى لما استحق العبد به مدحاً ولا ذماً، ولا ثواباً ولا عقاباً، ولوجب أن يكون الله تعالى هو المسلم المطيع لا العبد.

والجواب: قوله: الآية متروكة الظاهر، قلنا: لا نسلم وبيانه من وجوه: الأول: أن الإسلام عرض قائم بالقلب وأنه لا يبقى زمانين فقوله: ﴿ واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ أي اخلق هذا العرض فينافي الزمان المستقبل دائماً، وطلب تحصيله في الزمان المستقبل لا ينافي حصوله في الحال.

الثاني: أن يكون المراد منه الزيادة في الإسلام كقوله: ﴿ لِيَزْدَادُواْ إيمانا مَّعَ إيمانهم  ﴾ ، ﴿ والذين اهتدوا زَادَهُمْ هُدًى  ﴾ وقال إبراهيم: ﴿ ولكن لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  ﴾ فكأنهما دعواه بزيادة اليقين والتصديق، وطلب الزيادة لا ينافي حصول الأصل في الحال.

الثالث: أن الإسلام إذا أطلق يفيد الإيمان والاعتقاد، فأما إذا أضيف بحرف اللام كقوله: ﴿ مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ فالمراد الاستسلام له والانقياد والرضا بكل ما قدر وترك المنازعة في أحكام الله تعالى وأقضيته، فلقد كانا عارفين مسلمين لكن لعله بقي في قلوبهما نوع من المنازعة الحاصلة بسبب البشرية فأراد أن يزيل الله ذلك عنهما بالكلية ليحصل لهما مقام الرضا بالقضاء على سبيل الكمال، فثبت بهذه الوجوه أن الآية ليست متروكة الظاهر، قوله: يحمل الجعل على الحكم بذلك، قلنا: هذا مدفوع من وجوه: أحدها: أن الموصوف إذا حصلت الصفة له فلا فائدة في الصفة، وإذا لم يكن المطلوب بالدعاء هو مجرد الوصف وجب حمله على تحصيل الصفة، ولا يقال: وصفه تعالى بذلك ثناء ومدح وهو مرغوب فيه، قلنا: نعم لكن الرغبة في تحصيل نفس الشيء أكثر من الرغبة في تحصيل الوصف به والحكم به، فكان حمله على الأول أولى.

وثانيها: أنه متى حصل الإسلام فيهما فقد استحقا التسمية بذلك والله تعالى لا يجوز عليه الكذب، فكان ذلك الوصف حاصلاً وأي فائدة في طلبه بالدعاء.

وثالثها: أنه لو كان المراد به التسمية لوجب أن كل من سمى إبراهيم مسلماً جاز أن يقال جعله مسلماً، أما قوله: يحمل ذلك على فعل الألطاف، قلنا: هذا أيضاً مدفوع من وجوه: أحدها: أن لفظ الجعل مضاف إلى الإسلام فصرفه عنه إلى غيره ترك للظاهر.

وثانيها: أن تلك الألطاف قد فعلها الله تعالى وأوجدها وأخرجها إلى الوجود على مذهب المعتزلة، فطلبها يكون طلباً لتحصيل الحاصل وأنه غير جائز.

وثالثها: أن تلك الألطاف إما أن يكون لها أثر في ترجيح جانب الفعل على الترك أو لا يكون، فإن لم يكن لها أثر في هذا الترجيح لم يكن ذلك لطفاً وإن كان لها أثر في الترجيح فنقول: متى حصل الرجحان فقد حصل الوجوب وذلك لأن مع حصول ذلك القدر من الترجيح إما أن يجب الفعل أو يمتنع أو لا يجب ولا يمتنع، فإن وجب فهو المطلوب، وإن امتنع فهو مانع لا مرجح، وإن لم يجب ولا يمتنع فحينئذ يمكن وقوع الفعل معه تارة ولا وقوعه أخرى فاختصاص وقت الوقوع بالوقوع إما أن يكون لانضمام أمر إليه لأجله تميز ذلك الوقت بالوقوع أو ليس كذلك فإن كان الأول كان المرجح مجموع اللطف مع هذه الضميمة الزائدة فلم يكن لهذا اللطف أثر في الترجيح أصلاً وقد فرضناه كذلك هذا خلف، وإن كان الثاني لزم رجحان أحد طرفي الممكن المساوي على الآخر من غير مرجح وهو محال، فثبت أن القول بهذا اللطف غير معقول، قوله: الدلائل العقلية دلت على امتناع وقوع فعل العبد بخلق الله تعالى وهو فصل المدح والذم، قلنا: إنه معارض بسؤال العلم وسؤال الداعي على ما تقدم تقريره مراراً وأطواراً والله أعلم.

واعلم أن السؤال المشهور في هذه الآية من أنهما لما كانا مسلمين فكيف طلبا الاسلام؟

قد أدرجناه في هذه المسألة وذكرنا عنه أجوبة شافية كافية والحمد لله على ذلك، ثم إن الذي يدل من جهة العقل على أن صيرورتهما مسلمين له سبحانه لا يكون إلا منه سبحانه وتعالى ما ذكرنا أن القدرة الصالحة للإسلام هل هي صالحة لتركه أم لا؟

فإن لم تكن صالحة لتركه فتلك القدرة موجبة فخلق تلك القدرة الموجبة فيهما جعلهما مسلمين، وإن كانت صالحة لتركه فهو باطل ومع تسليم إمكانه فالمقصود حاصل أما بطلانه فلان الترك عبارة عن بقاء الشيء على عدمه الأصل والعدم نفي محض فيستحيل أن يكون للقدرة فيه أثر ولأنه عدم باق والباقي لا يكون متعلق القدرة فثبت بهذا أنه لا قدرة على ذلك العدم المستمر، فإذن لا قدرة إلا على الوجود، فالقدرة غير صالحة إلا للوجود، وأما أن بتقدير تسليم كون القدرة صالحة للوجود والعدم فالمقصود حاصل، فلأن تلك القدرة الصالحة لا تختص بطرف الوجود إلا لمرجح، ويجب انتهاء المرجحات إلى فعل الله تعالى قطعاً للتسلسل، وعند حصول المرجح من الله تعالى يجب وقوع الفعل، فثبت أن قوله: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ هو الذي يصح على قوانين الدلائل العقلية.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ يفيد الحصر أي نكون مسلمين لك لا لغيرك وهذا يدل على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلماً لاحكام الله تعالى وقضائه وقدره، وأن لا يكون ملتفت الخاطر إلى شيء سواه، وهذا هو المراد من قول إبراهيم عليه السلام في موضع آخر: ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين  ﴾ ثم هاهنا قولان: أحدهما: ﴿ رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ أي موحدين مخلصين لا نعبد إلا إياك.

والثاني: قائمين بجميع شرائع الإسلام وهو الأوجه لعمومه.

المسألة الثالثة: أما إن العبد لا يخاطب الله تعالى وقت الدعاء إلا بقوله: ربنا فسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى في تفسير قوله: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ في شرائط الدعاء.

أما قوله تعالى: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ فالمعنى: واجعل من أولادنا و(من) للتبعيض وخص بعضهم لأنه تعالى أعلمهما أن في ذريتهما الظالم بقوله تعالى: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين  ﴾ ومن الناس من قال: أراد به العرب لأنهم من ذريتهما، و ﴿ أمة ﴾ قيل هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم بدليل قوله: ﴿ وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: قد بينا أن قوله: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين ﴾ كما يدل على أن في ذريته من يكون ظالماً فكذلك يوجد فيهم من لا يكون ظالماً، فإذن كون بعض ذريته أمة مسلمة صار معلوماً بتلك الآية فما الفائدة في طلبه بالدعاء مرة أخرى؟

الجواب: تلك الدلالة ما كانت قاطعة، والشفيق بسوء الظن مولع.

السؤال الثاني: لم خص ذريتهما بالدعاء أليس أن هذا يجري مجرى البخل في الدعاء؟

والجواب: الذرية أحق بالشفقة والمصلحة قال الله تعالى: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وتابعهم على الخيرات، ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد كيف يتسببون إلى سداد من وراءهم.

السؤال الثالث: الظاهر أن الله تعالى لو رد هذا الدعاء لصرح بذلك الرد فلما لم يصرح بالرد علمنا أنه أجابه إليه، وحينئذ يتوجه الإشكال، فإن في زمان أجداد محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد من العرب مسلماً، ولم يكن أحد سوى العرب من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.

والجواب: قال القفال: أنه لم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً، ولم تزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية: زيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة، ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعامر ابن الظرب كانوا على دين الإسلام يقرون بالإبداء والإعادة، والثواب والعقاب، ويوحدون الله تعالى، ولا يأكلون الميتة، ولا يعبدون الأوثان.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في ﴿ أَرِنَا ﴾ قولان، الأول: معناه علمنا شرائع حجنا إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعوا الناس إلى حجه، فعلمنا شرائعه وما ينبغي لنا أن نأتيه فيه من عمل وقول مجاز هذا من رؤية العلم، قال الله تعالى: ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل  ﴾ ، ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأصحاب الفيل  ﴾ .

الثاني: أظهرها لأعيننا حتى نراها.

قال الحسن: إن جبريل عليه السلام أرى إبراهيم المناسك كلها، حتى بلغ عرفات، فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟

قال: نعم فسميت عرفات فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمره جبريل عليه السلام أن يرميه بسبع حصيات ففعل، فذهب الشيطان ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع كل ذلك يأمره جبريل عليه السلام برمي الحصيات.

وههنا قول ثالث وهو أن المراد العلم والرؤية معاً.

وهو قول القاضي لأن الحج لايتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وهذا ضعيف، لأنه يقتضي حمل اللفظ على الحقيقة والمجاز معاً وأنه جائز، فبقي القول المعتبر وهو القولان الأولان، فمن قال بالقول الثاني قال: إن المناسك هي المواقف والمواضع التي يقام فيها شرائع الحج كمنى وعرفات والمزدلفة ونحوها، ومن قال بالأول قال: إن المناسك هي أعمال الحج كالطواف والسعي والوقوف.

المسألة الثانية: النسك هو التعبد، يقال للعابد ناسك ثم سمي الذبح نسكاً والذبيحة نسيكة، وسمي أعمال الحج مناسك.

قال عليه السلام: «خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا» والمواضع التي تقام فيها شرائع الحج تسمى: مناسك أيضاً، ويقال: المنسك بفتح السين بمعنى الفعل، وبكسر السين بمعنى المواضع، كالمسجد والمشرق والمغرب، قال الله تعالى: ﴿ لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً هُمْ نَاسِكُوهُ  ﴾ قرئ بالفتح والكسر، وظاهر الكلام يدل على الفعل، وكذلك قوله عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» أمرهم بأن يتعلموا أفعاله في الحج لا أنه أراد: خذوا عني مواضع نسككم إذا عرفت هذا فنقول: إن حملنا المناسك على مناسك الحج، فإن حملناها على الأفعال فالإراءة لتعريف تلك الأعمال، وإن حملناها على المواضع فالإراءة لتعريف البقاع ومن المفسرين من حمل المناسك على الذبيحة فقط، وهو خطأ، لأن الذبيحة إنما تسمى نسكاً لدخولها تحت التعبد، ولذلك لا يسمون ما يذبح للأكل بذلك فما لأجله سميت الذبيحة نسكاً، وهو كونه عملاً من أعمال الحج قائم في سائر الأعمال، فوجب دخول الكل فيه وإن حملنا المناسك على ما يرجع إليه أصل هذه اللفظة من العبادة والتقرب إلى الله تعالى، واللزوم لما يرضيه وجعل ذلك عاماً لكل ما شرعه الله تعالى لإبراهيم عليه السلام فقوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ أي علمنا كيف نعبدك، وأين نعبدك وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك به كما يخدم العبد مولاه.

المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو في بعض الروايات ﴿ أَرِنَا ﴾ بإسكان الراء في كل القرآن، ووافقهما عاصم وابن عامر في حرف واحد، في حم السجدة ﴿ أَرِنَا الذين أضلانا  ﴾ وقرأ أبو عمرو في بعض الروايات الظاهرة عنه باختلاس كسرة الراء من غير إشباع في كل القرآن، والباقون بالكسرة مشبعة، وأصله أرئنا بالهمزة المكسورة، نقلت كسرة الهمزة إلى الراء وحذفت الهمزة وهو الاختيار لأن أكثر القراء عليه، ولأنه سقطت الهمزة فلا ينبغي أن تسكن الراء لئلا يجحف بالكلمة وتذهب الدلالة على الهمزة، وأما التسكين فعلى حذف الهمزة وحركتها وعلى التشبيه بما سكن كقولهم: فخذ وكبد، وأما الاختلاس فلطلب الخفة وبقاء الدلالة على حذف الهمزة.

أما قوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: احتج من جوز الذنب على الأنبياء بهذه الآية قال: لأن التوبة مشروطة بتقدم الذنب، فلولا تقدم الذنب وإلا لكان طلب التوبة طلباً للمحال، وأما المعتزلة فقالوا: إنا نجوز الصغيرة على الأنبياء فكانت هذه التوبة توبة من الصغيرة، ولقائل أن يقول: إن الصغائر قد صارت مكفرة بثواب فاعلها وإذا صارت مكفرة فالتوبة عنها محال، لأن تأثير التوبة في إزالتها وإزالة الزائل محال.

وههنا أجوبة أخر تصلح لمن جوز الصغائر ولمن لم يجوزها، وهي من وجوه: أولها: يجوز أن يأتي بصورة التوبة تشدداً في الإنصراف عن المعصية، لأن من تصور نفسه بصورة النادم العازم على التحرز الشديد، كان أقرب إلى ترك المعاصي، فيكون ذلك لطفاً داعياً إلى ترك المعاصي.

وثانيها: أن العبد وإن اجتهد في طاعة ربه فإنه لاينفك عن التقصير من بعض الوجوه: إما على سبيل السهو، أو على سبيل ترك الأولى، فكان هذا الدعاء لأجل ذلك.

وثالثها: أنه تعالى لما أعلم إبراهيم عليه السلام أن في ذريته من يكون ظالماً عاصياً، لا جرم سأل هاهنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة فقال: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ أي على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه فقد يقول: أجرمت وعصيت وأذنبت فاقبل عذري ويكون مراده: إن ولدي أذنب فاقبل عذره، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، والذي يقوي هذا التأويل وجوه: الأول: ما حكى الله تعالى في سورة إبراهيم أنه قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَٰذَا ٱلْبَلَدَ ءَامِنًا وَٱجْنُبْنِى وَبَنِىَّ أَن نَّعْبُدَ ٱلْأَصْنَامَ  رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى: ومن عصاني فإنك قادر على أن تتوب عليه إن تاب، وتغفر له ما سلف من ذنوبه.

الثاني: ذكر أن في قراءة عبد الله: وأرهم مناسكهم وتب عليهم.

الثالث: أنه قال عطفاً على هذا: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ .

الرابع: تأولوا قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خلقناكم ثُمَّ صورناكم  ﴾ بجعل خلقه إياه خلقاً لهم إذ كانوا منه، فكذلك لا يبعد أن يكون قوله: ﴿ أَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ أي أر ذريتنا.

المسألة الثانية: احتج الأصحاب بقوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ على أن فعل العبد خلق لله تعالى، قالوا لأنه عليه السلام طلب من الله تعالى أن يتوب عليه، فلو كانت التوبة مخلوقة للعبد، لكان طلبها من الله تعالى محالاً وجهلاً، قالت المعتزلة: هذا معارض بما أن الله تعالى طلب التوبة منا.

فقال: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلَى الله تَوْبَةً نَّصُوحاً  ﴾ ولو كانت فعلاً لله تعالى، لكان طلبها من العبد محالاً وجهلاً، وإذا ثبت ذلك حمل قوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ على التوفيق وفعل الألطاف أو على قبول التوبة من العبد، قال الأصحاب: الترجيح معنا لأن دليل العقل يعضد قولنا من وجوه: أولها: أنه متى لم يخلق الله تعالى داعية موجبة للتوبة استحال حصول التوبة، فكانت التوبة من الله تعالى لا من العبد، وتقرير دليل الداعي قد تقدم غير مرة.

وثانيها: أن التوبة على ما لخصه الشيخ الغزالي رحمه الله: عبارة عن مجموع أمور ثلاثة مرتبة: علم وحال وعمل، فالعلم أول والحال ثانٍ وهو موجب العلم والعمل ثالث وهو موجب الحال، أما العلم فهو معرفة عظم ضرر الذنوب، يتولد من هذه المعرفة تألم القلب بسبب فوت المنفعة وحصول المضرة، وهذا التألم هو المسمى بالندم ثم يتولد من هذا الندم صفة تسمى: إرادة ولها تعلق بالحال والماضي والمستقبل، أما تعلقه بالحال فهو الترك للذنب الذي كان ملابساً له، وأما بالاستقبال فبالعزم على ترك ذلك الفعل المفوت للمحبوب إلى آخر العمر، وأما في الماضي فبتلافي ما فات بالجبر والقضاء إن كان قابلاً للجبر فالعلم هو الأول وهو مطلع هذه الخيرات وأعني بهذا العلم الإيمان واليقين، فإن الإيمان عبارة عن التصديق بأن الذنوب سموم مهلكة واليقين عبارة عن تأكد هذا التصديق وانتفاء الشك عنه واستيلائه على القلب، ثم إن هذا اليقين مهما استولى على القلب اشتعل نار الندم فيتألم به القلب حيث يبصر بإشراق نور الإيمان، أنه صار محجوباً عن محبوبه كمن يشرق عليه نور الشمس وقد كان في ظلمة فرأى محبوبه قد أشرف على الهلاك فتشتعل نيران الحب في قلبه فيتولد من تلك الحالة إرادته للانتهاض للتدارك إذا عرفت هذا فنقول: إن ترتب الفعل على الإرادة ضروري لأن الإرادة الجازمة الخالية عن المعارض لابد وأن يترتب عليها الفعل وترتب الإرادة على تألم القلب أيضاً ضروري، فإن من تألم قلبه بسبب مشاهدة أمر مكروه لابد وأن يحصل في قلبه إرادة الدفع وترتب ذلك الألم على العلم بكون ذلك الشيء جالباً للمضار، ودفعاً للمنافع أيضاً أمر ضروري، فكل هذه المراتب ضرورية فكيف تحصل تحت الاختبار والتكلف.

بقي أن يقال: الداخل تحت التكليف هو العلم، إلا أن فيه أيضاً إشكالاً، لأن ذلك العلم إما أن يكون ضرورياً أو نظرياً، فإن كان ضرورياً لم يكن داخلاً تحت الاختبار والتكليف أيضاً، وإن كان نظرياً فهو مستنتج عن العلوم الضرورية.

فمجموع تلك العلوم الضرورية المنتجة للعلم النظري الأول، إما أن يكون كافياً في ذلك الانتاج أو غيره كاف، فإن كان كافياً كان ترتب ذلك العلم النظري المستنتج أولاً على تلك العلوم الضرورية واجباً، والذي يجب ترتبه على ما يكون خارجاً عن الاختيار، كان أيضاً خارجاً عن الاختيار، وإن لم يكن كافياً فلابد من شيء آخر، فذلك الآخر إن كان من العلوم الضرورية فهو إن كان حاصلاً فالذي فرضناه غير كاف، وقد كان كافياً، هذا خلف، وإن كان من العلوم النظرية افتقر أول العلوم النظرية إلى علم نظري آخر قبله فلم يكن أول العلوم النظرية أولاً للعلوم النظرية، وهذا خلف.

ثم الكلام في ذلك الأول كما فيما قبله فيلزم التسلسل وهو محال، فثبت بما ذكرنا آخراً أن قوله تعالى: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ محمول على ظاهره، وهو الحق المطابق للدلائل العقلية وأن سائر الآيات المعارضة لهذه الآية أولى بالتأويل.

أما قوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم ﴾ فقد تقدم ذكره.

النوع الثالث: قوله: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ واعلم أنه لا شبهة في أن قوله: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً ﴾ يريد من أراد بقوله: ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ لأنه المذكور من قبل ووصفه لذريته بذلك لا يليق إلا بأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فعطف عليه بقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ وهذا الدعاء يفيد كمال حال ذريته من وجهين.

أحدهما: أن يكون فيهم رسول يكمل لهم الدين والشرع ويدعوهم إلى ما يثبتون به على الإسلام.

والثاني: أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه: أحدها: ليكون محلهم ورتبتهم في العز والدين أعظم، لأن الرسول والمرسل إليه إذا كانا معاً من ذريته، كان أشرف لطلبته إذا أجيب إليها.

وثانيها: أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته.

وثالثها: أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم، إذا ثبت هذا فنقول: إذا كان مراد إبراهيم عليه السلام عمارة الدين في الحال وفي المستقبل، وكان قد غلب على ظنه أن ذلك إنما يتم ويكمل بأن يكون القوم من ذريته حسن منه أن يريد ذلك ليجتمع له بذلك نهاية المراد في الدين، وينضاف إليه السرور العظيم بأن يكون هذا الأمر في ذريته لأن لا عز ولا شرف أعلى من هذه الرتبة.

وأما إن الرسول هو محمد صلى الله عليه وسلم فيدل عليه وجوه: أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة.

وثانيها: ما روي عنه عليه السلام أنه قال: «أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى» وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى عليه السلام ما ذكر في سورة الصف من قوله: ﴿ مُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ  ﴾ .

وثالثها: أن إبراهيم عليه السلام إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمداً صلى الله عليه وسلم.

وههنا سؤال وهو أنه يقال: ما الحكمة في ذكر إبراهيم عليه السلام مع محمد صلى الله عليه وسلم في باب الصلاة حيث يقال: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم؟

وأجابوا عنه من وجوه، أولها: أن إبراهيم عليه السلام دعا لمحمد عليه السلام حيث قال: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك ﴾ فلما وجب للخليل على الحبيب حق دعائه له قضى الله تعالى عنه حقه بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة.

وثانيها: أن إبراهيم عليه السلام سأل ذلك ربه بقوله: ﴿ واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِي الأخرين  ﴾ يعني ابق لي ثناء حسناً في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فأجابه الله تعالى إليه وقرن ذكره بذكر حبيبه إبقاء للثناء الحسن عليه في أمته.

وثالثها: أن إبراهيم كان أب الملة لقوله: ﴿ مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم  ﴾ ومحمد كان أب الرحمة، وفي قراءة ابن مسعود: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو أب لهم) وقال في قصته: ﴿ بالمؤمنين رَءوفٌ رَّحِيمٌ  ﴾ وقال عليه السلام: «إنما أنا لكم مثل الوالد» يعني في الرأفة والرحمة، فلما وجب لكل واحد منهم حق الأبوة من وجه قرب بين ذكرهما في باب الثناء والصلاة.

ورابعها: أن إبراهيم عليه السلام كان منادي الشريعة في الحج: ﴿ وَأَذّن فِي الناس بالحج  ﴾ وكان محمد عليه السلام منادي الدين: ﴿ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِى للإيمان  ﴾ فجمع الله تعالى بينهما في الذكر الجميل.

واعلم أنه تعالى لما طلب بعثة رسول منهم إليهم، ذكر لذلك الرسول صفات.

أولها: قوله: ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك ﴾ وفيه وجهان الأول: أنها الفرقان الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لأن الذي كان يتلوه عليهم ليس إلا ذلك، فوجب حمله عليه.

الثاني: يجوز أن تكون الآيات هي الأعلام الدالة على وجود الصانع وصفاته سبحانه وتعالى، ومعنى تلاوته إياها عليهم: أنه كان يذكرهم بها ويدعوهم إليها ويحملهم على الإيمان بها.

وثانيها: قوله: ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب ﴾ والمراد أنه يأمرهم بتلاوة الكتاب ويعلمهم معاني الكتاب وحقائقه، وذلك لأن التلاوة مطلوبة لوجوه: منها بقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً عن التحريف والتصحيف، ومنها أن يكون لفظه ونظمه معجزاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، ومنها أن يكون في تلاوته نوع عبادة وطاعة، ومنها أن تكون قراءته في الصلوات وسائر العبادات نوع عبادة، فهذا حكم التلاوة إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأشرف تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام، فإن الله تعالى وصف القرآن بكونه هدى ونوراً لما فيه من المعاني والحكم والأسرار، فلما ذكر الله تعالى أولاً أمر التلاوة ذكر بعده تعليم حقائقه وأسراره فقال: ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب ﴾ .

الصفة الثالثة: من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (والحكمة) أي ويعلمهم الحكمة.

واعلم أن الحكمة هي: الإصابة في القول والعمل، ولا يسمى حكيماً إلا من اجتمع له الأمران وقيل: أصلها من أحكمت الشيء أي رددته، فكأن الحكمة هي التي ترد عن الجهل والخطأ، وذلك إنما يكون بما ذكرنا من الإصابة في القول والفعل، ووضع كل شيء موضعه.

قال القفال: وعبر بعض الفلاسفة عن الحكمة بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية.

واختلف المفسرون في المراد بالحكمة هاهنا على وجوه: أحدها: قال ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟

قال: معرفة الدين، والفقه فيه، والاتباع له.

وثانيها: قال الشافعي رضي الله عنه: الحكمة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو قول قتادة، قال أصحاب الشافعي رضي الله عنه: والدليل عليه أنه تعالى ذكر تلاوة الكتاب أولاً وتعليمه ثانياً ثم عطف عليه الحكمة فوجب أن يكون المراد من الحكمة شيئاً خارجاً عن الكتاب، وليس ذلك إلا سنة الرسول عليه السلام.

فإن قيل: لم لا يجوز حمله على تعليم الدلائل العقلية على التوحيد والعدل والنبوة؟

قلنا: لأن العقول مستقبلة بذلك فحمل هذا اللفظ على ما لا يستفاد من الشرع أولى.

وثالثها: الحكمة هي الفصل بين الحق والباطل، وهو مصدر بمعنى الحكم، كالقعدة والجلسة.

والمعنى: يعلمهم كتابك الذي تنزله عليهم، وفصل أقضيتك وأحكامك التي تعلمه إياها، ومثال هذا: الخبر والخبرة، والعذر والعذرة، والغل والغلة، والذل والذلة.

ورابعها: ويعلمهم الكتاب أراد به الآيات المحكمة.

(والحكمة) أراد بها الآيات المتشابهات.

وخامسها: ﴿ يَعْلِمُهُمْ الكتاب ﴾ أي يعلمهم ما فيه من الأحكام.

(والحكمة) أراد بها أنه يعلمهم حكمة تلك الشرائع وما فيها من وجوه المصالح والمنافع، ومن الناس من قال: الكل صفات الكتاب كأنه تعالى وصفه بأنه آيات، وبأنه كتاب، وبأنه حكمة.

الصفة الرابعة: من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم: قوله: ﴿ ويزكيهم ﴾ واعلم أن كمال حال الإنسان في أمرين: أحدهما: أن يعرف الحق لذاته.

والثاني: أن يعرف الخير لأجل العمل به، فإن أخل بشيء من هذين الأمرين لم يكن طاهراً عن الرذائل والنقائص، ولم يكن زكياً عنها، فلما ذكر صفات الفضل والكمال أردفها بذكر التزكية عن الرذائل والنقائص، فقال: (ويزكيهم) واعلم أن الرسول لا قدرة له على التصرف في بواطن المكلفين، وبتقدير أن تحصل له هذه القدرة لكنه لا يتصرف فيها وإلا لكان ذلك الزكاء حاصلاً فيهم على سبيل الجبر لا على سبيل الاختيار، فإذن هذه التزكية لها تفسيران: الأول: ما يفعله سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة، حتى يكون ذلك كالسبب لطهارتهم، وتلك الأمور ما كان يفعله عليه السلام من الوعد والإيعاد، والوعظ والتذكير، وتكرير ذلك عليهم، ومن التشبث بأمور الدنيا إلى أن يؤمنوا ويصلحوا، فقد كان عليه السلام يفعل من هذا الجنس أشياء كثيرة ليقوي بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدحه تعالى بأنه على خلق عظيم، وأنه أوتي مكارم الأخلاق.

الثاني: يزكيهم، يشهد لهم بأنهم أزكياء يوم القيامة إذا شهد على كل نفس بما كسبت، كتزكية المزكي الشهود، والأول أجود لأنه أدخل في مشاكلة مراده بالدعاء، لأن مراده أن يتكامل لهذه الذرية الفوز بالجنة، وذلك لا يتم إلا بتعليم الكتاب والحكمة، ثم بالترغيب الشديد في العمل والترهيب عن الاخلال بالعمل وهو التزكية، هذا هو الكلام الملخص في هذه الآية، وللمفسرين فيه عبارات: أحدها: قال الحسن: يزكيهم: يطهرهم من شركهم، فدلت الآية على أنه سيكون في ذرية إسماعيل جهال لا حكمة فيهم ولا كتاب، وأن الشرك ينجسهم، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولاً منهم يطهرهم ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم.

وثانيها: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص عن ابن عباس.

وثالثها: ويزكيهم عن الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبائث  ﴾ واعلم أنه عليه السلام لما ذكر هذه الدعوات ختمها بالثناء على الله تعالى فقال: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ والعزيز: هو القادر الذي لا يغلب، والحكيم هو العالم الذي لا يجهل شيئاً، وإذا كان عالماً قادراً كان ما يفعله صواباً ومبرأ عن العبث والسفه، ولولا كونه كذلك لما صح منه إجابة الدعاء ولا بعثة الرسل، ولا إنزال الكتاب، واعلم أن العزيز من صفات الذات إذا أريد اقتداره على الأشياء وامتناعه من الهضم والذلة، لأنه إذا كان منزهاً عن الحاجات لم تلحقه ذلة المحتاج، ولا يجوز أن يمنع من مراده حتى يلحقه اهتضام، فهو عزيز لا محالة، وأما الحكيم فإذا أريد به معنى العليم فهو من صفات الذات، فإذا أريد بالعزة كمال العزة وهو الامتناع من استيلاء الغير عليه، وأريد بالحكمة أفعال الحكمة لم يكن العزيز والحكيم من صفات الذات بل من صفات الفعل والفرق بين هذين النوعين من الصفات وجوه: أحدها: أن صفات الذات أزلية، وصفات الفعل ليست كذلك.

وثانيها: أن صفات الذات لا يمكن أن تصدق نقائضها في شيء من الأوقات، وصفات الفعل ليست كذلك.

وثالثها: أن صفات الفعل أمور نسبية يعتبر في تحققها صدور الآثار عن الفاعل، وصفات الذات ليست كذلك، واحتج النظام على أنه تعالى غير قادر على القبيح بأن قال: الإله يجب أن يكون حكيماً لذاته، وإذا كان حكيماً لذاته لم يكن القبيح مقدوراً، والحكمة لذاتها تنافي فعل القبيح، فالإله يستحيل منه فعل القبيح، وما كان محال لم يكن مقدوراً، إنما قلنا: الإله يجب أن يكون حكيماً لأنه لو لم يجب ذلك لجاز تبدله بنقيضه، فحينئذ يلزم أن يكون الإله إلهاً مع عدم الحكمة وذلك بالاتفاق محال، وأما أن الحكمة تنافي فعل السفه فذلك أيضاً معلوم بالبديهة، وأما أن مستلزم المنافي مناف فمعلوم بالبديهة، فإذن الإلهية لا يمكن تقريرها مع فعل السفه، وأما أن المحال غير مقدور فبين، فثبت أن الإله لا يقدر على فعل القبيح.

والجواب عنه: أما على مذهبنا فليس شيء من الأفعال سفهاً منه فزال السؤال، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يَرْفَعُ ﴾ حكاية حال ماضية.

و ﴿ القواعد ﴾ جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها الثابتة.

ومنه قعّدك الله، أي أسأل الله أن يقعدك أي يثبتك.

ورفع الأساس: البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت عن هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع وتطاولت بعد التقاصر.

ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأنّ كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه.

ومعنى رفع القواعد: رفعها بالبناء لأنه إذا وضع سافاً فوق ساف فقد رفع السافات.

ويجوز أن يكون المعنى: وإذ يرفع إبراهيم ما قعد من البيت أي استوطأ يعني جعل هيئته القاعدة المستوطئة مرتفعة عالية بالبناء، وروي: أنه كان مؤسساً قبل إبراهيم فبنى على الأساس.

وروي: أن الله تعالى أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد: شرقي وغربي، وقال لآدم عليه السلام: أهبطت لك ما يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه آدم من أرض الهند إليه ماشياً، وتلقته الملائكة فقالوا: بَرَّ حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة فهو البيت المعمور، ثم إن الله تعالى أمر إبراهيم ببنائه وعرّفه جبريل مكانه.

وقيل: بعث الله سحابةً أظلته: ونودي: أن ابن على ظلها لا تزد ولا تنقص.

وقيل: بناه من خمسة أجبل طورسينا، وطورزيتا، ولبنان، والجودي، وأسسه من حراء.

وجاءه جبريل بالحجر الأسود من السماء.

وقيل: تمخض أبو قبيس فانشق عنه، وقد خبئ فيه في أيام الطوفان وكان ياقوتة بيضاء من الجنة، فلما لمسته الحيض في الجاهلية اسودّ.

وقيل: كان إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ﴿ رَبَّنَا ﴾ أي يقولان ربنا.

وهذا الفعل في محل النصب على الحال، وقد أظهره عبد الله في قراءته، ومعناه: يرفعانها قائلين ربنا ﴿ إِنَّكَ أَنتَ السميع ﴾ لدعائنا ﴿ العليم ﴾ بضمائرنا ونياتنا.

فإن قلت: هلا قيل: قواعد البيت، وأي فرق بين العبارتين؟

قلت: في إبهام القواعد وتبيينها بعد الإبهام ما ليس في إضافتها لما في الإيضاح بعد الإبهام من تفخيم لشأن المبين ﴿ مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ مخلصين لك أوجهنا، من قوله: ﴿ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 112] أو مستسلمين.

يقال: أسلم له وسلم واستسلم، إذا خضع وأذعن.

والمعنى: زدنا إخلاصاً أو إذعاناً لك.

وقرئ: ﴿ مسلمين ﴾ على الجمع، كأنهما أرادا أنفسهما وهاجر، أو أجريا التثنية على حكم الجمع لأنها منه ﴿ وَمِن ذُرّيَّتِنَا ﴾ واجعل من ذرّيتنا ﴿ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ و ﴿ مِنَ ﴾ للتبعيض أو للتبيين، كقوله: ﴿ وَعَدَ الله الذين ءامَنُواْ مِنْكُمْ ﴾ [النور: 55] .

فإن قلت: لم خصّا ذرّيتهما بالدعاء؟

قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة.

﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾ [التحريم: 6] ، ولأنّ أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم وشايعوهم على الخير.

ألا ترى أن المقدّمين من العلماء والكبراء إذا كانوا على السداد، كيف يتسببون لسداد من وراءهم؟

وقيل: أراد بالأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَرِنَا ﴾ منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرّف.

ولذلك لم يتجاوز مفعولين، أي وبصرنا متعبداتنا في الحج، أو وعرفناها.

وقيل: مذابحنا.

وقرئ: (وأرْنا) بسكون الراء قياساً على فخذ في فخذ.

وقد استرذلت، لأن الكسرة منقولة من الهمزة الساقطة دليل عليها، فإسقاطها إجحاف.

وقرأ أبو عمرو بإشمام الكسرة.

وقرأ عبد الله: ﴿ وأرهم مناسكهم ﴾ .

﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا ﴾ ما فرط منا من الصغائر أو استتاباً لذرّيتهما ﴿ وابعث فِيهِمْ ﴾ في الأمة المسلمة ﴿ رَسُولاً مّنْهُمْ ﴾ من أنفسهم.

وروى أنه قيل له: قد استجيب لك وهو في آخر الزمان، فبعث الله فيهم محمداً صلى الله عليه وسلم.

قال عليه الصلاة والسلام: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى أخي عيسى ورؤيا أمي» ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءاياتك ﴾ يقرأ عليهم ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل وحدانيتك وصدق أنبيائك ﴿ وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب ﴾ القرآن ﴿ والحكمة ﴾ الشريعة وبيان الأحكام ﴿ وَيُزَكّيهِمْ ﴾ ويطهرهم من الشرك وسائر الأرجاس، كقوله: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث ﴾ [الاعراف: 157] .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ مُخْلِصَيْنِ لَكَ، مِن أسْلَمَ وجْهَهُ، أوْ مُسْتَسْلِمَيْنِ مِن أُسْلِمَ إذا اسْتَسْلَمَ وانْقادَ، والمُرادُ طَلَبُ الزِّيادَةِ في الإخْلاصِ والإذْعانِ، أوِ الثَّباتِ عَلَيْهِ.

وقُرِئَ « مُسْلِمِينَ» عَلى أنَّ المُرادَ أنْفَسَهُما وهاجَرَ.

أوْ أنَّ التَّثْنِيَةَ مِن مَراتِبِ الجَمْعِ.

﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ أيْ واجْعَلْ بَعْضَ ذُرِّيَّتِنا، وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، ولِأنَّهم إذا صَلَحُوا صَلَحَ بِهِمُ الأتْباعُ، وخَصّا بَعْضَهم لِما أُعْلِما أنَّ في ذُرِّيَّتِهِما ظَلَمَةً، وعَلِما أنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ لا تَقْتَضِي الِاتِّفاقَ عَلى الإخْلاصِ والإقْبالِ الكُلِّيِّ عَلى اللَّهِ تَعالى، فَإنَّهُ مِمّا يُشَوِّشُ المَعاشَ، ولِذَلِكَ قِيلَ: لَوْلا الحَمْقى لَخُرِّبَتِ الدُّنْيا، وقِيلَ: أرادَ بِالأُمَّةِ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ  ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن لِلتَّبْيِينِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ قُدِّمَ عَلى المُبِينِ وفَصَلَ بِهِ بَيْنَ العاطِفِ والمَعْطُوفِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ ومِنَ الأرْضِ مِثْلَهُنَّ ﴾ .

﴿ وَأرِنا ﴾ مِن رَأى بِمَعْنى أبْصَرَ، أوْ عَرَفَ، ولِذَلِكَ لَمْ يَتَجاوَزْ مَفْعُولَيْنِ ﴿ مَناسِكَنا ﴾ مُتَعَبَّداتِنا في الحَجِّ، أوْ مَذابِحَنا.

والنُّسُكُ في الأصْلِ غايَةُ العِبادَةِ، وشاعَ في الحَجِّ لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ والبُعْدِ عَنِ العادَةِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والسُّوسِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو ويَعْقُوبَ « أرِنا»، قِياسًا عَلى فَخْذٍ في فَخِذٍ، وفِيهِ إجْحافٌ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ دَلِيلٌ عَلَيْها.

وقَرَأ الدُّورِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو بِالِاخْتِلاسِ ﴿ وَتُبْ عَلَيْنا ﴾ اسْتِتابَةً لِذُرِّيَّتِهِما، أوْ عَمّا فَرَطَ مِنهُما سَهْوًا.

ولَعَلَّهُما قالا هَضْمًا لِأنْفُسِهِما وإرْشادًا لِذَرِّيَّتِهِما ﴿ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ لِمَن تابَ.

﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ ﴾ في الأُمَّةِ المُسْلِمَةِ ﴿ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ ولَمْ يَبْعَثْ مِن ذُرِّيَّتِهِما غَيْرَ مُحَمَّدٍ  ، فَهو المُجابُ بِهِ دَعْوَتُهُما كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي» .

﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ﴾ يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ ويُبَلِّغُهم ما تُوحِي إلَيْهِ مِن دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ.

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ ﴾ القُرْآنَ.

﴿ والحِكْمَةَ ﴾ ما تَكْمُلُ بِهِ نُفُوسُهم مِنَ المَعارِفِ والأحْكامِ.

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ عَنِ الشِّرْكِ والمَعاصِي ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ ﴾ الَّذِي لا يُقْهَرُ ولا يُغْلَبُ عَلى ما يُرِيدُ ﴿ الحَكِيمُ ﴾ المُحْكِمُ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ربنا واجعلنا مسلمين لك} مخلصين لك أو جهنا من قوله أسلم وجهه لله أو مستسلمين يقال أسلم له واستسلم إذا خضع وأذعن والمعنى زدنا إخلاصاً وإذعاناً لك {وَمِن ذُرّيَّتِنَا} واجعل من ذريتنا {أُمَّةً مُّسْلِمَةً لك} ومن للتبعيض أو للنبيين وقيل أراد بالأمة أمة محمد عليه السلام وإنما خصا بالدعاء ذريتهما لأنهم أولى بالشفقة كقوله تعالى {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} {وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} منقول من رأى بمعنى أبصر أو عرف ولذا لم يتجاوز مفعولين أي وبصرنا متعبداتنا في الحج أو عرفناها وواحد المناسك منسك بفتح السين وكسرها وهو المتعبد ولهذا قيل للعابد ناسك وأرنا مكي قاسه على فخذ فى فخذ وأبو عمر ويشم الكسرة {وَتُبْ عَلَيْنَا} ما فرط منا من التقصير

البقرة (١٢٨ _ ١٣٢)

أو استتاباً لذريتهما {إِنَّكَ أَنتَ التواب الرحيم}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ أيْ مُنْقادَيْنِ قائِمَيْنِ بِشَرائِعِ الإسْلامِ، أوْ مُخْلِصَيْنِ مُوَحِّدَيْنِ لَكَ، فَمُسْلِمَيْنِ إمّا مِنِ اسْتَسْلَمَ إذا انْقادَ أوْ مِن أسْلَمَ وجْهَهُ إذا أخْلَصَ نَفْسَهُ، أوْ قَصْدَهُ، ولِكُلٍّ مِنَ المَعْنَيَيْنِ عَرْضٌ عَرِيضٌ، فالمُرادُ طَلَبُ الزِّيادَةِ فِيهِما، أوِ الثَّباتُ عَلَيْهِما، والأوَّلُ أوْلى نَظَرًا إلى مَنصِبِهِما، وإنْ كانَ الثّانِي أوْلى بِالنَّظَرِ إلى أنَّهُ أتَمُّ في إظْهارِ الِانْقِطاعِ إلَيْهِ جَلَّ جَلالُهُ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (مُسْلِمِينَ) بِصِيغَةِ الجَمْعِ عَلى أنَّ المُرادَ أنْفُسُهُما، والمَوْجُودُ مِن أهْلِهِما كَهاجَرَ، وهَذا أوْلى مِن جَعْلِ لَفْظِ الجَمْعِ مُرادًا بِهِ التَّثْنِيَةُ، وقَدْ قِيلَ بِهِ هُنا، ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِنا ﴾ عَطْفٌ عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (اجْعَلْنا) وهو في مَحَلِّ المَفْعُولِ الأوَّلِ، و ﴿ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي، مَعْطُوفٌ عَلى ﴿ مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ ولَوِ اعْتُبِرَ حَذْفُ الجَعْلِ فَلا بُدَّ أنْ يُحْمَلَ عَلى مَعْنى التَّصْيِيرِ، لا الإيجادِ، لِأنَّهُ وإنْ صَحَّ مِن جِهَةِ المَعْنى، إلّا أنَّ الأوَّلَ لا يَدُلُّ عَلَيْهِ، وإنَّما خَصّا الذُّرِّيَّةَ بِالدُّعاءِ لِأنَّهم أحَقُّ بِالشَّفَقَةِ، كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُوا أنْفُسَكم وأهْلِيكم نارًا ﴾ ولِأنَّهم أوْلادُ الأنْبِياءِ وبِصَلاحِهِمْ صَلاحُ كُلِّ النّاسِ، فَكانَ الِاهْتِمامُ بِصَلاحِهِمْ أكْثَرَ، وخَصّا البَعْضَ لِما عَلِما مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ومِن ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وظالِمٌ لِنَفْسِهِ ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ بِاعْتِبارِ السِّياقِ إنَّ في ذُرِّيَّتِهِما ظَلَمَةً، وأنَّ الحِكْمَةَ الإلَهِيَّةَ تَسْتَدْعِي الِانْقِسامَ، إذْ لَوْلاهُ ما دارَتْ أفْلاكُ الأسْماءِ، ولا كانَ ما كانَ مِن أمْلاكِ السَّماءِ، والمُرادُ مِنَ الأُمَّةِ الجَماعَةُ، أوِ الجِيلُ، وخَصَّها بَعْضُهم بِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وحُمِلَ التَّنْكِيرُ عَلى التَّنْوِيعِ، واسْتُدِلَّ عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: (وابْعَثْ) إلَخْ، ولا يَخْفى أنَّهُ صَرْفٌ لِلَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ، واسْتِدْلالٌ بِما لا يَدُلُّ، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ (أُمَّةً) المَفْعُولَ الأوَّلَ، (ومِن ذُرِّيَّتِنا) حالٌ، لِأنَّهُ نَعْتٌ نَكِرَةٌ تَقَدَّمَ عَلَيْها، (ومُسْلِمَةً)، المَفْعُولُ الثّانِي، وكانَ الأصْلُ: واجْعَلْ أُمَّةً مِن ذُرِّيَّتِنا مُسْلِمَةً لَكَ، فالواوُ داخِلَةٌ في الأصْلِ عَلى (أُمَّةً)، وقَدْ فُصِلَ بَيْنَهُما بِالجارِّ والمَجْرُورِ، (ومِن) عِنْدَ بَعْضِهِمْ عَلى هَذا بَيانِيَّةٌ عَلى حَدِّ ﴿ وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ ﴾ ونَظَرَ فِيهِ أبُو حَيّانَ بِأنَّ أبا عَلِيٍّ وغَيْرَهُ مَنَعُوا أنْ يُفْصَلَ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ بِالظَّرْفِ، والفَصْلُ بِالحالِ أبْعَدُ مِنَ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ، وجَعَلُوا ما ورَدَ مِن ذَلِكَ ضَرُورَةً وبِأنَّ كَوْنَ (مِن) لِلتَّبْيِينِ مِمّا يَأْباهُ الأصْحابُ، ويَتَأوَّلُونَ ما فُهِمَ ذَلِكَ مِن ظاهِرِهِ، ولا يَخْفى أنَّ المَسْألَةَ خِلافِيَّةٌ، وما ذَكَرَهُ مَذْهَبُ البَعْضِ، وهو لا يَقُومُ حُجَّةً عَلى البَعْضِ الآخَرِ، ﴿ وأرِنا مَناسِكَنا ﴾ قالَ قَتادَةُ: مَعالِمُ الحَجِّ، وقالَ عَطاءٌ وجُرَيْجٌ: مَواضِعُ الذَّبْحِ، وقِيلَ: أعْمالُنا الَّتِي نَعْمَلُها إذا حَجَجْنا، فالمَنسَكُ بِفَتْحِ السِّينِ، والكَسْرِ شاذٌّ، إمّا مَصْدَرٌ أوْ مَكانٌ، وأصْلُ النُّسُكِ بِضَمَّتَيْنِ غايَةُ العِبادَةِ وشاعَ في الحَجِّ، لِما فِيهِ مِنَ الكُلْفَةِ غالِبًا، والبُعْدِ عَنِ العادَةِ، (وأرِنا) مِن رَأى البَصَرِيَّةِ ولِهَمْزَةِ الأفْعالِ تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، أوْ مِن رَأى القَلْبِيَّةِ بِمَعْنى عَرَفَ، لا عَلِمَ، وإلّا لَتَعَدَّتْ إلى ثَلاثَةٍ، وأنْكَرَ ابْنُ الحاجِبِ، وتَبِعَهُ أبُو حَيّانَ ثُبُوتَ رَأْيٍ بِمَعْنى عَرَفَ، وذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في المُفَصَّلِ، والرّاغِبُ فِي مُفْرَداتِهِ، وهُما مِنَ الثِّقاتِ، فَلا عِبْرَةَ بِإنْكارِهِما، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ (وأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ) بِإعادَةِ الضَّمِيرِ إلى الذُّرِّيَّةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ويَعْقُوبُ (وأرْنا) بِسُكُونِ الرّاءِ، وقَدْ شُبِّهَ فِيهِ المُنْفَصِلُ بِالمُتَّصِلِ، فَعُومِلَ مُعامَلَةَ (فَخُذْ)، في إسْكانِهِ لِلتَّخْفِيفِ، وقَدِ اسْتَعْمَلَتْهُ العَرَبُ كَذَلِكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ: أرِنا إداوَةَ عَبْدِ اللَّهِ نَمْلَؤُها مِن ماءِ زَمْزَمَ إنَّ القَوْمَ قَدْ ظَمِئُوا وقَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ: إنَّ هَذِهِ القِراءَةَ قَدِ اسْتُرْذِلَتْ لِأنَّ الكَسْرَةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الهَمْزَةِ السّاقِطَةِ دَلِيلٌ عَلَيْها، فَإسْقاطُها إجْحافٌ مِمّا لا يَنْبَغِي، لِأنَّ القِراءَةَ مِنَ المُتَواتِراتِ، ومِثْلُها أيْضًا مَوْجُودٌ في كَلامِ العَرَبِ العَرْباءِ، ﴿ وتُبْ عَلَيْنا ﴾ أيْ وفِّقْنا لِلتَّوْبَةِ، أوِ اقْبَلْها مِنّا، والتَّوْبَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ التّائِبِينَ، فَتَوْبَةُ سائِرِ المُسْلِمِينَ النَّدَمُ والعَزْمُ عَلى عَدَمِ العَوْدِ، ورَدُّ المَظالِمِ، إذا أمْكَنَ، ونِيَّةُ الرَّدِّ إذا لَمْ يُمْكِنْ، وتَوْبَةُ الخَواصِّ الرُّجُوعُ عَنِ المَكْرُوهاتِ مِن خَواطِرِ السُّوءِ، والفُتُورِ في الأعْمالِ، والإتْيانِ بِالعِبادَةِ عَلى غَيْرِ وجْهِ الكَمالِ، وتَوْبَةُ خَواصِّ الخَواصِّ لِرَفْعِ الدَّرَجاتِ والتَّرَقِّي في المَقاماتِ، فَإنْ كانَ إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ طَلَبا التَّوْبَةَ لِأنْفُسِهِما خاصَّةً، فالمُرادُ بِها ما هو مِن تَوْبَةِ القِسْمِ الأخِيرِ، وإنْ كانَ الضَّمِيرُ شامِلًا لَهُما، ولِلذُّرِّيَّةِ كانَ الدُّعاءُ بِها مُنْصَرِفًا لِمَن هو مِن أهْلِها، مِمَّنْ يَصِحُّ صُدُورُ الذَّنْبِ المُخِلِّ بِمَرْتَبَةِ النُّبُوَّةِ مِنهُ، وإنْ قِيلَ: إنَّ الطَّلَبَ لِلذُّرِّيَّةِ فَقَطْ، وارْتُكِبَ التَّجَوُّزُ في النِّسْبَةِ إجْراءً لِلْوَلَدِ مَجْرى النَّفْسِ بِعَلاقَةِ البَعْضِيَّةِ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى الإجابَةِ، أوْ في الطَّرَفِ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الفَرْعِ بِاسْمِ الأصْلِ أوْ قِيلَ: بِحَذْفِ المُضافِ أيْ عَلى عُصاتِنا زالَ الإشْكالُ كَما إذا قُلْنا: إنَّ ذَلِكَ عَمّا فَرَطَ مِنهُما مِنَ الصَّغائِرِ سَهْوًا، والقَوْلُ بِأنَّهُما لَمْ يَقْصِدا الطَّلَبَ حَقِيقَةً وإنَّما ذَكَرا ذَلِكَ لِلتَّشْرِيعِ، وتَعْلِيمِ النّاسِ إنَّ تِلْكَ المَواضِعَ مَواضِعُ التَّنَصُّلِ، وطَلَبِ التَّوْبَةِ مِنَ الذُّنُوبِ، بَعِيدٌ جِدًّا، وجَعْلُ الطَّلَبِ لِلتَّثْبِيتِ لا أراهُ هُنا يُجْدِي نَفْعًا، كَما لا يَخْفى، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ (وتُبْ عَلَيْهِمْ) بِضَمِيرِ جَمْعِ الغَيْبَةِ أيْضًا، ﴿ إنَّكَ أنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلدُّعاءِ، ومَزِيدُ اسْتِدْعاءٍ لِلْإجابَةِ، وتَقْدِيمُ التَّوْبَةِ لِلْمُجاوَرَةِ، وتَأْخِيرُ الرَّحْمَةِ لِعُمُومِها، ولِكَوْنِها أنْسَبَ بِالفَواصِلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ، يعني يبني إبراهيم القواعد، يعني أساس البيت، أي الكعبة.

والقواعد جماعة واحدها قاعدة.

وَإِسْماعِيلَ، يعني إِسماعيل يعينه.

قال مقاتل: وفي الآية تقديم وتأخير، معناه وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت.

ويقال: إن إبراهيم كان يبني البيت وإسماعيل يعينه، والملائكة يناولون الحجر من إسماعيل، وكانوا ينقلون الحجر من خمسة أجبل: طور سيناء وطور زيتاء والجودي ولبنان وحراء فلما فرغا من البناء، قالا رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا يعني أعمالنا.

إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أي السميع لدعائنا بنياتنا.

وفي الآية دليل: أن الإنسان إذا عمل خيراً ينبغي أن يدعو الله بالقبول، ويقال: ينبغي أن يكون خوف الإنسان على قبول العمل بعد الفراغ أشد من شغله بالعمل، لأن الله تعالى قال: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27] .

وروي في الخبر أن إبراهيم وإسماعيل- عليهما السلام- لما فرغا من البناء، جثيا على الركب وتضرعا وسألا القبول، فقال جبريل لإبراهيم: قد أجيب لك، فاسأل شيئاً آخر، فقالا: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ، أي مخلصين لك، ويقال: واجعلنا مثبتين على الإسلام، ويقال: مطيعين لك، ويقال: أمتنا على الإسلام.

وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، أي اجعل بعض ذريتنا من يخلص لك، ويثبت على الإسلام.

ثم قال: وَأَرِنا مَناسِكَنا.

أي علمنا أمور مناسكنا.

وقال القتبي: الرؤية المعاينة كقوله عز وجل: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ [الزمر: 60] ، وقوله: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ [الإنسان: 20] .

ويقال: تذكر الرؤية ويراد بها العلم كقوله تعالى: أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا [الأنبياء: 30] وكقوله: أَرِنا مَناسِكَنا، أي عملنا.

وكقوله لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ.

قرأ ابن كثير ومن تابعه من أهل مكة وَأَرِنا بجزم الراء في جميع القرآن، والباقون بكسر الراء، وهما لغتان والكسر أظهر وأفصح.

وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ- أي مطيعين وموحدين وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ، أي جماعة موحدة مطيعة لك.

ويقال: أشكل عليهما موضع البيت، فبعث الله تعالى سحابة فقالت له: ابن بخيالي، فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت بخيال السحابة.

ثم قال تعالى وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا أي تجاوز عنا الزلة، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ بعبادك.

رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ.

قال مقاتل: لأن إبراهيم علم أن في ذريته من يكون كفاراً، فسأل الله تعالى أن يبعث فيهم رسولاً فقال: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ، يعني القرآن.

وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ، أي القرآن وَالْحِكْمَةَ ، أي مواعظ القرآن من الحلال والحرام.

ويقال: علم التفسير.

وَيُزَكِّيهِمْ أي يطهرهم من الكفر والشرك.

ويقال: يأمرهم بالزكاة ليطهر أموالهم.

قال مقاتل: استجاب الله دعاءه في سورة الجمعة.

وهو قوله تعالى: هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [الجمعة: 2] وروي عن رسول الله  أنه قال: «أَنَا دَعْوَةُ أبِي إبْرَاهِيمَ وَبُشْرَى عِيسَى عليهما السلام» .

وهي قوله: وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [الصف: 6]- ثم قال تعالى: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، أي المنيع الذي لا يغلبه شيء، ويقال: العزيز الذي لا يعجزه شيء عما أراد.

ويقال: العزيز بالنقمة، ينتقم ممن عصاه متى شاء، الحكيم في أمره الذي يكون عمله موافقا للعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

هذا القول من إِبراهيم «١» .

قال ع «٢» : فكأنَّ إِبراهيم دعا للمؤمنين، وعلى الكافرين، وفي «مختصر الطبريِّ» : وقرأ بعضهم، «فأُمْتِعْهُ» بالجزم، والقَطْع على الدعاء «٣» ، ورآه دعاءً من إِبراهيم، وروي ذلك عن أبي العالية، كان ابنُ عبَّاس يقول: ذلك قولُ إبراهيم، سأل ربَّه أنَّ من كَفَر به، فأمتعه قليلاً يقول: فارزقه قليلاً، ثم اضطره إِلى عذاب النارِ، أي: أَلْجِئْهُ.

انتهى، وعلى هذِهِ القراءةِ يجيءُ قولُ ابن عبّاس، لا على قراءة الجمهور، وقَلِيلًا: معناه: مُدَّة العُمُر لأن متاع الدنيا قليلٌ.

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)

وقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ...

الآية: القواعدُ: جمع قاعدةٍ، وهي الأساس.

ص «٤» : القواعدُ، قال الكسائيُّ والفَرَّاء: هي الجُدُر، وقال أبو عُبَيْدة: هي الأساس.

انتهى.

واختلفوا في قصص البَيْت، فقيل: إِن آدم أمر بِبِنَائِهِ، ثم دثر، ودرس حتى دلَّ عليه

إبراهيم، فرفع قواعده، وقيل: إِن إبراهيم ابتدأ بناءه بأمر اللَّه، وقيل غير هذا.

ع «١» : والذي يصحُّ من هذا كلِّه أن اللَّه سبحانه أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، / ٣٥ ب وجَائِزٌ قِدَمُهُ، وجَائز أن يكون ذلك ابتداءً، ولا يرجح شيء من ذلك إِلا بسند يقطع العُذْر.

وَإِسْماعِيلُ: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، والتقديرُ: يقولاَنِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، أي: السميع لدعائنا، العليمُ بنيَّاتنا، وخصَّا هاتين الصفتين لتناسبهما مع حالهما، وقولهما: اجْعَلْنا بمعنى: صيِّرنا مُسْلِمَيْن، وكذلك كانا، وإنما أرادا التثبيتَ والدوامَ، والإِسلام في هذا الموضعِ.

الإِيمانُ والأعمالُ جميعاً، «ومِنْ» في قوله: وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا للتبعيض لأن اللَّه تعالى قد كان أعلمه أنَّ منهم ظالمين، والأُمَّة: الجماعةُ، وَأَرِنا قالتْ طائفةٌ: من رؤية البصَرِ، وقالت طائفةٌ: من رؤية القلبِ، وهذا لا يصحُّ، قال قتادة: المناسكُ معالم الحجِّ، واختلف في معنى طلبهم التوبةَ، وهم أنبياء معصومُونَ، فقالتْ طائفةٌ: طلبا التثْبيتَ والدوامَ، وقيل: أرادا من بعدهما مِنَ الذُّرِّيَّة، وقيل، وهو الأحسن إِنهما لما عرفا المناسكَ، وبنيا البيتَ، أرادا أن يسنا للناس أنَّ تلك المواطنَ مكانُ التنصُّل من الذنوبِ، وطلبِ التوبة.

وقال الطبريُّ: إِنه ليس أحد من خلق اللَّه إِلا بينه وبين اللَّه معانٍ يحب أنْ تكون أحسن ممَّا هي، وأجمعت الأمة على عصْمة الأنبياء في معنى التبليغ، ومن الكبائر ومن الصغائر الَّتي فيها رذيلةٌ، واختلف في غير ذلك من الصغائر، والذي أقول به أنهم معصومُونَ من الجميع «٢» ، وأنّ قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «إنِّي لأَتُوبُ فِي اليَوْمِ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ سَبْعِينَ

مَرَّةً» ، إِنَّما هُوَ رُجُوعُهُ مِنْ حَالَةٍ إلى أَرْفَعَ مِنْهَا لِتَزَيُّدِ علومه، وإطلاعه على أمر ربه، فهو يتوب من منزلة إلى أعلى، والتوبةُ هنا لُغَوِيَّةٌ، وقوله: رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ ...

الآية: هذا هو الذي أراد النبيّ صلّى الله عليه وسلم بقوله: «أَنَا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وبشرى عيسى» ، ومعنى مِنْهُمْ، أي: يعرفُوهُ، ويتحقَّقوا فضلَه، ويشفق عليهم، ويحرص.

ت: وقد تواتَرَتْ أخبار نبيِّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وبعثته في الكتب السالفة، وعَلِمَ بذلك الأحْبارُ، وأخبروا به، وبتعيين الزَّمَن الذي يبعث فيه.

وقد روى البيهقيّ أحمد بن الحسين «١» ...

وغيره عن طلحة بن عُبَيْد اللَّه «١» - رضي اللَّه عنه- قَالَ: «حَضَرْتُ سُوقَ بصرى، فَإِذَا رَاهِبٌ في صومعة، يقول: سَلُوا أَهْلَ هَذَا المَوْسِمِ، أفيهِمْ مَنْ هو مِنْ هذا الحَرَمِ؟

قَالَ:

قُلْتُ: أَنَا، فما تَشَاءُ؟

قَالَ: هَلْ ظَهَرَ أَحْمَدُ بَعْدُ؟

قُلْتُ: ومَنْ أَحْمَدُ؟

قَالَ: أحمدُ بْنُ عبدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، هَذَا شَهْرُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، وَهُوَ خَاتَمُ الأَنْبِيَاءِ، مَخْرَجُهُ مِنَ الحَرَمِ، وَمُهَاجَرُهُ إلى نَخْلٍ وَسِبَاخٍ، إِذَا كَانَ، فَلاَ تُسْبَقَنَّ إِلَيْهِ، فَوَضَعَ فِي قَلْبِي مَا قَالَ، وَأَسْرَعْتُ اللَّحَاق بِمَكَّةَ، فَسَأَلْتَ، هَلْ ظَهَرَ بَعْدِي أَمْرٌ؟

فَقَالُوا: مُحَمَّدٌ الأُمِّيُّ قَدْ تَنَبَّأَ، وَتَبِعَهُ أبو بَكْرِ بْنُ أبِي قُحَافَةَ، فَمَشَيْتُ إلى أَبِي بَكْرٍ، وَأَدْخَلَنِي إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمْتُ» «٢» ، وقد روى العُذْرِيُّ وغيره عن أبي بكر- رضي اللَّه عنه- أنَّه قَالَ: «لقيتُ شيخاً باليمن، فقال لي: أنْتَ حَرَمِيٌّ، فقلت: نعم، فقال: وأحسبكَ قُرَشِيًّا، قلت: نعم، قال: بَقِيَتْ لِي فيكَ واحدةٌ، اكشف لي عن بَطْنك، قُلْتُ: لا أفعل، أو تخبرني لِمَ ذلك، قال: أجدُ في العلْمِ الصحيحِ أن نبيًّا يبعثُ في الحرمين يقارنه على أمره فتًى وكَهْل، أمَّا الفتى، فخوَّاض غمراتٍ، ودفَّاع مُعْضِلاَتٍ، وأما الكَهْل، فأبيضُ نحيفٌ على بطنه شَامَةٌ، وعلى فَخِذِهِ اليسرى علامةٌ، وما عليك أنْ تريني ما سألتُكَ عَنْه، فقد تكامَلَتْ فيك الصِّفَةُ، إِلا/ ما خَفِيَ علَيَّ؟

قال أبو بكر: فكَشَفْتُ له عَنْ بطني، فرأى شامَةً سوداء فوق سُرَّتي، فقالَ: أَنْتَ هو وربِّ الكعبة، إِني متقدِّم إِليك في أمْرٍ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟

قال: إِيَّاكَ، والمَيْلَ عن الهدى،

وعليك بالتمسُّك بالطريقةِ الوسطى، وخَفِ اللَّه فيما خَوَّلَكَ، وأعطى، قال أبو بكر: فلمَّا ودعتُهُ، قال: أَتَحْمِلُ عنِّي إِلى ذلك النبيِّ أبياتاً، قلت: نعم، فأنشأ الشيخ يَقُولُ: [الطويل]

أَلَمْ تَرَ أَنِّي قَدْ سَئِمْتُ مُعَاشِرِي ...

وَنَفْسِي وَقَدْ أَصْبَحْتُ فِي الحَيِّ عَاهِنَا

حَيِيتُ وَفِي الأَيَّامِ لِلْمَرْءِ عِبْرَةٌ ...

ثَلاَثَ مِئينَ بَعْدَ تِسْعِينَ آمِنَا

وَقَدْ خَمَدَتْ مِنِّي شَرَارَةُ قُوَّتِي ...

وَأُلْفِيتُ شَيْخاً لاَ أُطِيقُ الشِّوَاحِنَا

وَأَنْتَ وَرَبِّ الَبْيتِ تَأْتِي مُحَمَّداً ...

لِعَامِكَ هَذَا قَدْ أَقَامَ البَرَاهِنَا

فَحَيِّ رَسُولَ اللَّهِ عَنِّي فَإِنَّنِي ...

على دِينِهِ أَحْيَا وَإِنْ كُنْتُ قَاطِنَا

قال أبو بكر: فحفظْتُ شعره، وقدمت مكّة، وقد بعث النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فجاءني صناديد «١» قُرَيْشٍ، وقالوا: يا أبا بكْرٍ، يتيمُ أَبِي طالِبٍ، يَزْعُم أنه نبيٌّ، قال: فجئت إلى منزل النبيّ صلّى الله عليه وسلم فقرعْتُ علَيْه، فخرَجَ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، فُقِدْتَ مِنْ مَنَازِلِ قَوْمِكَ، وَتَرَكْتَ دِينَ آبَائِكَ؟

فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكَ، وَإِلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ، فَآمِنْ بِاللَّهِ، فَقُلْتُ وَمَا دَلِيلُكَ؟

قَالَ: الشَّيْخُ الَّراهِبُ الَّذِي لَقِيتَهُ بِاليَمَنِ، قُلْتُ: وَكَمْ مِنْ شَيْخٍ لَقِيتُ!

قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ أُرِيدُ، إِنَّمَا أُرِيدُ الشَّيْخَ الَّذِي أَفَادَكَ الأَبْيَاتَ، قُلْتُ: وَمَنْ أَخْبَرَكَ بِهَا؟

قَالَ: الرُّوحُ الأمِينُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي الأَنْبِيَاءَ قَبْلِي، قُلْتُ: مُدَّ يَمِينَكَ، أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فانصرفت وَمَا بَيْنَ لاَبَتَيْهَا أَشَدُّ مِنْ رسول الله صلّى الله عليه وسلم فَرَحاً بِإِسْلاَمِي» .

انتهى من تأليف ابن القَطَّان في «الآيات والمعجزات» .

ويَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ، أي: آيات القرآن، والْكِتابَ: القرآن، قال قتادة:

وَالْحِكْمَةَ السنة «٢» ، وروى ابن وهْب «٣» عن مالكٍ أن الْحِكْمَةَ: الفقْهُ في الدين «٤» ، والفهم الذي هو سجيَّة ونور من الله تعالى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

القَواعِدُ: أساسُ البَيْتِ، واحِدُها: قاعِدَةٌ.

فَأمّا قَواعِدُ النِّساءِ؛ فَواحِدَتُها: قاعِدٌ، وهي العَجُوزُ.

﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ﴾ أيْ: يَقُولانِ: رَبَّنا، فَحَذَفَ ذَلِكَ، كَقَوْلِهِ: ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

أرادَ: يَقُولُونَ.

و(السَّمِيعُ) بِمَعْنى: السّامِعُ، لَكِنَّهُ أبْلُغُ، لِأنَّ بِناءَ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ.

قالَ الخَطّابِيُّ: ويَكُونُ السَّماعُ بِمَعْنى القَبُولِ والإجابَةِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ  : «:"أعُوذُ بِكَ مِن دُعاءٍ لا يُسْمَعُ"» أيْ: لا يُسْتَجابُ.

وقَوْلُ المُصَلِّي: سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمِدَهُ، أيْ: قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَن حَمَدَهُ.

وأنْشَدُوا: دَعَوْتُ اللَّهَ حَتّى خِفْتُ أنْ لا يَكُونَ اللَّهُ يَسْمَعُ ما أقُولُ الإشارَةُ إلى بِناءِ البَيْتِ.

رَوى أنَسٌ «عَنِ النَّبِيِّ  ، قالَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تَحُجُّ إلى البَيْتِ قَبْلَ آَدَمَ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا أُهْبِطَ آَدَمُ؛ قالَ اللَّهُ تَعالى: يا آَدَمُ اذْهَبْ فابْنِ لِي بَيْتًا فَطُفْ بِهِ، واذْكُرْنِي حَوْلَهُ كَما رَأيْتَ مَلائِكَتِي تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي.

فَأقْبَلَ يَسْعى حَتّى انْتَهى إلى البَيْتِ الحَرامِ، وبَناهُ مِن خَمْسَةِ أجُبِلٍ: مِن لِبْنانَ، وطُورِ سَيْناءَ، وطُورِ زِيتا، والجُودِيِّ، وحِراءَ، فَكانَ آَدَمُ أوَّلَ مَن أسَّسَ البَيْتَ، وطافَ بِهِ، ولَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ الطُّوفانَ، فَدَرَسَ مَوْضِعَ البَيْتِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَمّا أمَرَ اللَّهُ تَعالى إبْراهِيمَ بِبِناءِ البَيْتِ؛ ضاقَ بِهِ ذَرْعًا، ولَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَصْنَعُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ كَهَيْئَةِ السَّحابَةِ، فِيها رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ عَلِّمْ عَلى ظِلِّي، فَلَمّا عَلَّمَ ارْتَفَعَتْ.

وفي رِوايَةٍ أنَّهُ كانَ يَبْنِي عَلَيْها كُلَّ يَوْمٍ، قالَ: وحَفَرَ إبْراهِيمُ مِن تَحْتِ السِّكِّينَةِ، فَأبْدى عَنْ قَواعِدَ، ما تُحَرِّكُ القاعِدَةَ مِنها دُونَ ثَلاثِينَ رَجُلًا.

فَلَمّا بَلَغَ مَوْضِعَ الحَجَرِ، قالَ لِإسْماعِيلَ: التَمِسْ لِي حَجَرًا، فَذَهَبَ يَطْلُبُ حَجَرًا، فَجاءَ جِبْرِيلُ بِالحَجَرِ الأسْوَدِ، فَوَضَعَهُ، فَلَمّا جاءَ إسْماعِيلُ، قالَ: مَن جاءَكَ بِهَذا الحَجَرِ؟

قالَ: جاءَ بِهِ مَن لَمْ يَتَّكِلْ عَلى بِنائِي وبِنائِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو العالِيَةِ: رَفَعا القَواعِدَ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ قَبْلَ ذَلِكَ.

وقالَ السُّدِّيُّ: لَمّا أمَرَهُ اللَّهُ بِبِناءِ البَيْتِ؛ لَمْ يَدْرِ أيْنَ يَبْنِي، فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُ رِيحًا، فَكَنَسَتْ حَوْلَ الكَعْبَةِ عَنِ الأساسِ الأوَّلِ الَّذِي كانَ البَيْتُ عَلَيْهِ قَبْلَ الطُّوفانِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المُسْلِمُ في اللُّغَةِ: الَّذِي قَدِ اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ، وخَضَعَ.

والمَناسِكُ: المُتَعَبِّداتُ.

فَكُلُّ مُتَعَبَّدٍ مَنسَكٌ ومَنسِكٌ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعابِدِ: ناسِكٌ.

وتُسَمّى الذَّبِيحَةُ المُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ، عَزَّ وجَلَّ: النَّسِيكَةُ.

وكَأنَّ الأصْلَ في النُّسُكِ إنَّما هو مِنَ الذَّبِيحَةِ لِلَّهِ تَعالى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأرِنا مَناسِكَنا ﴾ أيْ: مَذابِحُنا.

قالَهُ مُجاهِدٌ.

وقالَ غَيْرُهُ: هي جَمِيعُ أفْعالِ الحَجِّ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: (وَأرِنا) بِجَزْمِ الرّاءِ.

و ﴿ رَبِّ أرِنِي  ﴾ .

و ﴿ أرِنا اللَّذَيْنِ أضَلانا  ﴾ .

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ (أرِنا) بِكَسْرِ الرّاءِ في جَمِيعِ ذَلِكَ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وابْنِ عامِرٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما أسْكَنا الرّاءَ مِن (أرِنا اللَّذَيْنِ) وحْدَها.

قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: (أرِنا) وكَثِيرٌ مِنَ العَرَبِ يَجْزِمُ الرّاءَ، فَيَقُولُ: (أرْنا مَناسِكَنا) وقَرَأ بِها بَعْضُ الثِّقاتِ.

وأنْشَدَ بَعْضُهُمْ: قالَتْ سُلَيْمى اشْتَرِ لَنا دَقِيقًا ∗∗∗ واشْتَرِ فَعَجِّلْ خادِمًا لَبِيقًا وَأنْشَدَنِي الكِسائِيُّ: ومَن يَتَّقِ فَإنَّ اللَّهَ مَعَهُ ∗∗∗ ورِزْقُ اللَّهِ مُؤْتابٌ وغادِي قالَ قَتادَةُ: أراهُما اللَّهُ مَناسِكَهُما: المَوْقِفُ بِعَرَفاتٍ، والإفاضَةُ مِن جَمْعٍ، ورَمْيُ الجِمارِ، والطَّوافُ، والسَّعْيُ.

وقالَ أبُو مِجْلَزٍ لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِنَ البَيْتِ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَأراهُ الطَّوافَ، ثُمَّ أتى بِهِ جَمْرَةُ العَقَبَةَ، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمُ سَبْعًا، وقالَ لَهُ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى غابَ الشَّيْطانُ.

ثُمَّ أتى بِهِ جَمْرَةَ الوُسْطى، فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمَ سَبْعَ حَصَياتٍ، فَقالَ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى غابَ الشَّيْطانُ.

ثُمَّ أتى بِهِ الجَمْرَةَ القُصْوى، فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمَ سَبْعَ حَصَياتٍ.

فَقالَ لَهُ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى غابَ الشَّيْطانُ، ثُمَّ أتى بِهِ مِنى، فَقالَ: هاهُنا يَحْلِقُ النّاسُ رُؤُوسَهم، ثُمَّ أتى بِهِ جَمْعًا، فَقالَ: هاهُنا يُجْمَعُ النّاسُ، ثُمَّ أتى بِهِ عَرَفَةَ، فَقالَ: أعَرَفْتَ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ عَرَفاتٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ في الهاءِ والمِيمِ مِن (فِيهِمْ) قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى الذُّرِّيَّةِ، قالَهُ مُقاتِلٌ والفَرّاءُ.

والثّانِي: عَلى أهْلِ مَكَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ ﴾ والمُرادُ بِالرَّسُولِ: مُحَمَّدٌ  .

وقَدْ رَوى أبُو أُمامَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، «أنَّهُ قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ!

ما كانَ بَدْءُ أمْرِكَ؟

قالَ: "دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى، ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ خَرَجَ مِنها نُورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ"» والكِتابُ: القُرْآَنُ.

والحِكْمَةُ: السُّنَّةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

ورُوِيَ عَنْهُ: الحِكْمَةُ: الفِقْهُ والحَلالُ والحَرامُ، ومَواعِظُ القُرْآَنِ.

وسُمِّيَتِ الحِكْمَةُ حِكْمَةً، لِأنَّها تَمْنَعُ مِنَ الجَهْلِ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: يَأْخُذُ الزَّكاةَ مِنهم فَيُطَهِّرُهم بِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والفَرّاءُ.

والثّانِي: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: يَدْعُوهم إلى ما يَصِيرُونَ بِهِ أزْكِياءَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ ﴾ قالَ الخَطّابِيُّ: العِزُّ في كَلامِ العَرَبِ عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ.

أحَدُها: بِمَعْنى الغَلَبَةِ، يَقُولُونَ: مَن عَزَّ بَزَّ.

أيْ: مَن غَلَبَ سَلَبَ.

يُقالُ مِنهُ: عَزَّ يَعُزُّ، بِضَمِّ العَيْنِ مَن يَعُزُّ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَزَّنِي في الخِطابِ  ﴾ .

والثّانِي: بِمَعْنى الشِّدَّةِ والقُوَّةِ، يُقالُ مِنهُ: عَزَّ يَعَزُّ، بِفَتْحِ العَيْنِ مَن يَعَزُّ.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى نَفّاسَةِ القِدْرِ، يُقالُ مِنهُ: عَزَّ يَعِزُّ بِكَسْرِ العَيْنِ، مَن يَعِزُّ.

ويَتَناوَلُ مَعْنى العَزِيزِ عَلى أنَّهُ الَّذِي لا يُعادِلُهُ شَيْءٌ، ولا مِثْلَ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وتُبْ عَلَيْنا إنَّكَ أنْتَ التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهم يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ﴾ المَعْنى: واذْكُرْ "إذْ"، و"القَواعِدُ": جَمْعُ قاعِدَةٍ وهي الأساسُ، وقالَ الفَرّاءُ: هي الجُدُرُ، وفي هَذا تَجَوُّزٌ، والقَواعِدُ مِنَ النِساءِ جَمْعُ قاعِدٍ، وهي الَّتِي قَعَدَتْ عَنِ الوَلَدِ، وحُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ لِأنَّهُ لا دُخُولَ لِلْمُذَكَّرِ فِيهِ، هَذا قَوْلُ بَعْضِ النُحاةِ، وقَدْ شَذَّ حَذْفُها مَعَ اشْتِراكِ المُذَكِّرِ بِقَوْلِهِمْ: ناقَةٌ ضامِرٌ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ أنَّهُ مَتى حُذِفَتْ تاءُ التَأْنِيثِ زالَ الجَرْيُ عَلى الفِعْلِ وكانَ ذَلِكَ عَلى النَسَبِ.

و"البَيْتِ" هُنا الكَعْبَةُ بِإجْماعٍ، واخْتَلَفَ بَعْضُ رُواةِ القِصَصِ، فَقِيلَ: إنَّ آدَمَ أمَرَ بِبِنائِهِ فَبَناهُ، ثُمَّ دُثِرَ ودُرِسَ حَتّى دَلَّ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ فَرَفَعَ قَواعِدَهُ، وقِيلَ: إنَّ آدَمَ هَبَطَ بِهِ مِنَ الجَنَّةِ، وقِيلَ: إنَّهُ لَمّا اسْتَوْحَشَ في الأرْضِ حِينَ نَقُصَ طُولُهُ وفَقَدَ أصْواتَ المَلائِكَةِ أُهْبِطَ إلَيْهِ وهو كالدُرَّةِ، وقِيلَ: كالياقُوتَةِ، وقِيلَ: إنَّ البَيْتَ كانَ رَبْوَةً حَمْراءَ، وقِيلَ: بَيْضاءَ ومِن تَحْتِهِ دُحِيَتِ الأرْضُ، وإنَّ إبْراهِيمَ ابْتَدَأ بِناءَهُ بِأمْرِ اللهِ ورَفَعَ قَواعِدَهُ.

والَّذِي يَصِحُّ مِن هَذا كُلِّهِ أنَّ اللهَ أمَرَ إبْراهِيمَ بِرَفْعِ قَواعِدِ البَيْتِ، وجائِزٌ قِدَمُهُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ ابْتِداءً، ولا يُرَجَّحُ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ إلّا بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.

وَقالَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ مَعًا، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: رَفَعَها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ طِفْلٌ صَغِيرٌ، ولا يَصِحُّ هَذا عن عَلِيِّ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَّ الآيَةَ والآثارَ تَرُدُّهُ.

و"إسْماعِيلُ" عُطِفَ عَلى " إبْراهِيمُ "، وقِيلَ: هو مَقْطُوعٌ عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ فِيما بَعْدُ.

قالَ الماوَرْدِيُّ: "إسْماعِيلُ" أصْلُهُ اسْمَعْ يا ءايِلُ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وتَقْدِيرُ الكَلامِ: يَقُولانِ: "رَبَّنا تَقَبَّلْ"، وهي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ كَذَلِكَ بِثُبُوتِ "يَقُولانِ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: وإسْماعِيلُ يَقُولُ: رَبَّنا وحُذِفَ لِدَلالَةِ الظاهِرِ عَلَيْهِ، وكُلُّ هَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ لَمْ يَكُنْ طِفْلًا في ذَلِكَ الوَقْتِ.

وخُصًّا هاتَيْنِ الصِفَتَيْنِ لِتَناسُبِهِما مَعَ حالِهِما، أيْ السَمِيعُ لِدُعائِنا والعَلِيمُ بِنِيّاتِنا، وقَوْلُهُما: "اجْعَلْنا": بِمَعْنى صَيِّرْنا، تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، و"مُسْلِمَيْنِ" هو المَفْعُولُ الثانِي، وكَذَلِكَ كانا، فَإنَّما أرادا التَثْبِيتَ والدَوامَ.

والإسْلامُ في هَذا المَوْضِعِ الإيمانُ والأعْمالُ جَمِيعًا.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَوْفُ: "مُسْلِمِينَ" عَلى الجَمْعِ، و"مِن" في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا ﴾ ، لِلتَّبْعِيضِ، وخَصَّ مِنَ الذُرِّيَّةِ بَعْضًا؛ لِأنَّ اللهَ تَعالى قَدْ كانَ أعْلَمَهُ أنَّ مِنهم ظالِمِينَ.

والأُمَّةُ الجَماعَةُ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّهُ أرادَ بِذَلِكَ العَرَبَ خاصَّةً، هو ضَعِيفٌ، لِأنَّ دَعْوَتَهُ ظَهَرَتْ في العَرَبِ وفِيمَن آمَنَ مِن غَيْرِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "أرِنا" بِكَسْرِ الراءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "أرِنا" بِإسْكانِ الراءِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو بَيْنَ الإسْكانِ والكَسْرِ اخْتِلاسًا، والأصْلُ أرْئِينا، حُذِفَتِ الياءُ لِلْجَزْمِ، ونُقِلَتْ حَرَكَةُ الهَمْزَةِ إلى الراءِ، وحُذِفَتْ تَخْفِيفًا، واسْتَثْقَلَ بَعْدُ مَن سَكَّنَ الراءَ الكَسْرَةَ كَما اسْتُثْقِلَتْ في "فَخِذٍ"، وهُنا مِنَ الإجْحافِ ما لَيْسَ في "فَخْذٍ".

وقالَتْ طائِفَةٌ: "أرِنا" مِن رُؤْيَةِ البَصَرِ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، وهو الأصَحُّ، ويَلْزَمُ قائِلُهُ أنْ يَتَعَدّى الفِعْلُ مِنهُ إلى ثَلاثَةِ مَفاعِيلَ، ويَنْفَصِلُ عنهُ بِأنَّهُ يُوجَدُ مَعَدًّى بِالهَمْزَةِ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ كَغَيْرِ المُعَدّى، قالَ حَطائِطُ بْنُ يَعْفُرَ أخُو الأُسُودِ بْنِ يَعْفُرَ: أرِينِي جَوادًا ماتَ هَزْلًا لِأنَّنِي أرى ما تَرَيْنَ أو بَخِيلًا مُخَلَّدًا وقالَ قَتادَةُ: المَناسِكُ مَعالِمُ الحَجِّ.

ورُوِيَ عن عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ ودَعا بِهَذِهِ الدَعْوَةِ بَعَثَ اللهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: المَناسِكُ المَذابِحُ أيْ مَواضِعُ الذَبْحِ، وقالَ فَرِيقٌ مِنَ العُلَماءِ: المَناسِكُ العِباداتُ كُلُّها ومِنهُ الناسِكُ أيِ العابِدُ.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَأرِهِمْ مَناسِكَهُمْ" كَأنَّهُ يُرِيدُ الذُرِّيَّةَ.

والتَوْبَةُ الرُجُوعُ، وعَرَّفَهُ شَرْعًا مِنَ الشَرِّ إلى الخَيْرِ، وتَوْبَةُ اللهِ عَلى العَبْدِ رُجُوعُهُ بِهِ وهِدايَتُهُ لَهُ.

واخْتُلِفَ في مَعْنى طَلَبِهِمُ التَوْبَةَ وهم أنْبِياءُ مَعْصُومُونَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: طَلَبا التَثْبِيتَ والدَوامَ، وقِيلَ: أرادا مِن بَعْدِهِما مِنَ الذُرِّيَّةِ، كَما تَقُولُ: بَرَّنِي فُلانٌ وأكْرَمَنِي وأنْتَ تُرِيدُ في ولَدِكَ وذُرِّيَّتِكَ، وقِيلَ: -وَهُوَ الأحْسَنُ عِنْدِي- إنَّهُما لَمّا عَرَفا المَناسِكَ وبَنَيا البَيْتَ وأطاعا، أرادا أنْ يَسُنّا لِلنّاسِ أنَّ ذَلِكَ المَوْقِفَ وتِلْكَ المَواضِعَ مَكانُ التَنَصُّلِ مِنَ الذُنُوبِ وطَلَبُ التَوْبَةِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِن خَلْقِ اللهِ تَعالى إلّا وبَيْنَهُ وبَيْنَ اللهِ تَعالى مَعانٍ يَجِبُ أنْ تَكُونَ أحْسَنَ مِمّا هي.

وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى عِصْمَةِ الأنْبِياءِ في مَعْنى التَبْلِيغِ، ومِنَ الكَبائِرِ، ومِنَ الصَغائِرِ الَّتِي فِيها رَذِيلَةٌ.

واخْتُلِفَ في غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الصَغائِرِ، والَّذِي أقُولُ بِهِ: أنَّهم مَعْصُومُونَ مِنَ الجَمِيعِ، وأنَّ قَوْلَ النَبِيِّ  : «إنِّي لَأتُوبَ إلى اللهِ في اليَوْمِ وأسْتَغْفِرُهُ سَبْعِينَ مَرَّةً»، إنَّما هو رُجُوعُهُ مِن حالَةٍ إلى أرْفَعَ مِنها لِتَزِيدَ عُلُومُهُ واطِّلاعُهُ عَلى أمْرِ اللهِ، فَهو يَتَرَتَّبُ مِنَ المَنزِلَةِ الأُولى إلى الأُخْرى، والتَوْبَةُ هُنا لُغَوِيَّةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ ﴾ الآيَةُ، هَذا هو الَّذِي أرادَ النَبِيُّ  بِقَوْلِهِ: «أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبُشْرى عِيسى».

ومَعْنى "مِنهُمْ": أنْ يُعَرِّفُوهُ ويَتَحَقَّقُوا فَضْلَهُ، ويُشْفِقَ عَلَيْهِمْ ويَحْرِصَ، و"يَتْلُوَ" في مَوْضِعِ نَصْبِ نَعْتٍ لِرَسُولٍ أيْ تالِيًا عَلَيْهِمْ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، والآياتُ: آياتُ القُرْآنِ، و"الكِتابُ": القُرْآنُ، ونَسَبَ التَعْلِيمَ إلى النَبِيِّ  مِن حَيْثُ هو يُعْطِي الأُمُورَ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها ويَعْلَمُ طُرُقَ النَظَرِ بِما يُلْقِيهِ اللهُ إلَيْهِ ويُوحِيهِ.

وقالَ قَتادَةُ: "الحِكْمَةُ": السُنَّةُ وبَيانُ النَبِيِّ  الشَرائِعَ.

ورَوى ابْنُ وهْبٍ عن مالِكٍ، أنَّ الحِكْمَةَ الفِقْهُ في الدِينِ والفَهْمُ الَّذِي هو سَجِيَّةٌ ونُورٌ مِنَ اللهِ تَعالى، و"يُزَكِّيهِمْ" مَعْناهُ: يُطَهِّرُهم ويُنَمِّيهِمْ بِالخَيْرِ، ومَعْنى الزَكاةِ لا يُخْرِجُ عَنِ التَطْهِيرِ أوِ التَنْمِيَةِ، و"العَزِيزُ" الَّذِي يَغْلِبُ ويَتِمُّ مُرادُهُ ولا يَرُدُّ، و"الحَكِيمُ" المُصِيبُ مَواقِعَ الفِعْلِ المُحْكَمِ لَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

فائدة تكرير النداء بقوله: ﴿ ربنا ﴾ إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هاته الدعوات مقصودة بالذات، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء فجملة النداء معترضة بين المعطوف هنا والمعطوف عليه في قوله الآتي: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ [البقرة: 129].

والمراد بمسلميْن لك المنقادان إلى الله تعالى إذ الإسلام الانقياد، ولما كان الانقياد للخالق بحق يشمل الإيمان بوجوده وأن لا يشرك في عبادته غيره ومعرفة صفاته التي دل عليها فعله كانت حقيقة الإسلام ملازمة لحقيقة الإيمان والتوحيد، ووجه تسمية ذلك إسلاماً سيأتي عند قوله: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ [البقرة: 132]، وأما قوله تعالى: ﴿ قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ﴾ [الحجرات: 14] فإنه فكك بينهما لأن إسلامهم كان عن خوف لا عن اعتقاد، فالإيمان والإسلام متغايران مفهوماً وبينهما عموم وخصوص وجهي في الماصدق، فالتوحيد في زمن الفترة إيمان لا يترقب منه انقياد إذ الانقياد إنما يحصل بالأعمال، وانقياد المغلوب المكره إسلام لم ينشأ عن اعتقاد إيمان، إلا أن صورتي الانفراد في الإيمان والإسلام نادرتان.

ألهم الله إبراهيم اسم الإسلام ثم ادخره بعده للدين المحمدي فنُسي هذا الاسم بعد إبراهيم ولم يلقب به دين آخر لأن الله أراد أن يكون الدين المحمدي إتماماً للحنيفية دين إبراهيم وسيجيء بيان لهذا عند قوله تعالى: ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ﴾ في سورة آل عمران (67).

ومعنى طلب أن يجعلهما مسلمين هو طلب الزيادة في ما هما عليه من الإسلام وطلب الدوام عليه، لأن الله قد جعلهما مسلمين من قبل كما دل عليه قوله: ﴿ إذ قال له ربه أسلم ﴾ [البقرة: 131] الآية.

وقوله: ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ يتعين أن يكون ﴿ من ذريتنا ﴾ و ﴿ مسلمة ﴾ معمولين لفعل ﴿ واجعلنا ﴾ بطريق العطف، وهذا دعاء ببقاء دينهما في ذريتهما، و(من) في قوله: ﴿ ومن ذريتنا ﴾ للتبعيض، وإنما سألا ذلك لبعض الذرية جمعاً بين الحرص على حصول الفضيلة للذرية وبين الأدب في الدعاء لأن نبوءة إبراهيم تقتضي علمه بأنه ستكون ذريته أمماً كثيرة وأن حكمة الله في هذا العالم جرت على أنه لا يخلو من اشتماله على الأخيار والأشرار فدعا الله بالممكن عادة، وهذا من أدب الدعاء وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ قال ومن ذريتي ﴾ [البقرة: 124].

ومن هنا ابتدئ التعريض بالمشركين الذين أعرضوا عن التوحيد واتبعوا الشرك، والتمهيد لشرف الدين المحمدي.

والأمة اسم مشترك يطلق على معان كثيرة والمراد منها هنا الجماعة العظيمة التي يجمعها جامع له بال من نسب أو دين أو زمان، ويقال أمة محمد مثلاً للمسلمين لأنهم اجتمعوا على الإيمان بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وهي بزنة فُعله وهذه الزنة تدل على المفعول مثل لقطة وضحكة وقدوة، فالأمة بمعنى مأمومة اشتقت من الأم بفتح الهمزة وهو القصد، لأن الأمة تقصدها الفرق العديدة التي تجمعها جامعة الأمة كلها، مثل الأمة العربية لأنها ترجع إليا قبائل العرب، والأمة الإسلامية لأنها ترجع إليها المذاهب الإسلامية، وأما قوله تعالى: ﴿ وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ﴾ [الأنعام: 38] فهو في معنى التشبيه البليغ أي كأمم إذا تدبرتم في حكمة إتقان خلقهم ونظام أحوالهم وجدتموه كأمم أمثالكم لأن هذا الاعتبار كان الناس في غفلة عنه.

وقد استجيبت دعوة إبراهيم في المسلمين من العرب الذين تلاحقوا بالإسلام قبل الهجرة وبعدها حتى أسلم كل العرب إلا قبائل قليلة لا تنخرم بهم جامعة الأمة، وقد أشار إلى هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ [البقرة: 129]، وأما من أسلموا من بني إسرائيل مثل عبد الله بن سلام فلم يلتئم منهم عدد أمة.

وقوله: ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ سؤال لإرشادهم لكيفية الحج الذي أمرا به من قبل أمراً مجملاً، ففعل ﴿ أرنا ﴾ هو من رأى العرفانية وهو استعمال ثابت لفعل الرؤية كما جزم به الراغب في «المفردات» والزمخشري في «المفصل» وتعدت بالهمز إلى مفعولين.

وحق رأى أن يتعدى إلى مفعول واحد لأن أصله هو الرؤية البصرية ثم استعمل مجازاً في العلم بجعل العلم اليقيني شبيهاً برؤية البصر، فإذا دخل عليه همز التعدية تعدى إلى مفعولين وأما تعدية أرى إلى ثلاثة مفاعيل فهو خلاف الأصل وهو استعمال خاص وذلك إذا أراد المتكلم الإخبار عن معرفة صفة من صفات ذات فيذكر اسم الذات أولاً ويعلم أن ذلك لا يفيد مراده فيكمله بذكر حال لازمة إتماماً للفائدة فيقول رأيت الهلال طالعاً مثلاً ثم يقول: أراني فلان الهلال طالعاً، وكذلك فعل علم وأخواته من باب ظن كله ومثله باب كان وأخواتها، ألا ترى أنك لو عدلت عن المفعول الثاني في باب ظن أو عن الخبر في باب كان إلى الإتيان بمصدر في موضع الاسم في أفعال هذين البابين لاستغنيت عن الخبر والمفعول الثاني فتقول كان حضور فلان أي حصل وعلمت مجيء صاحبك وظننت طلوع الشمس وقد رُوي قولُ الفِنْد الزِّمّاني: عَسَى أن يُرجِعَ الأيّا *** مُ قَوْماً كالذي كانوا وقال حَطائط بن يَعْفُر: أَرِيني جَواداً مات هُزْلاً لعلَّني *** أَرى ما ترين أو بخيلاً مُخَلَّدا فإن جملة مات هزلاً ليست خبراً عن جواداً إذ المبتدأ لايكون نكرة، وبهذا يتبين أن الصواب أن يعد الخبر في باب كان والمفعول الثاني في باب ظن أحوالاً لازمة لتمام الفائدة وأن إطلاق اسم الخبر أو المفعول على ذلك المنصوب تسامح وعبارة قديمة.

وقرأ ابن كثير ويعقوب ﴿ وأرْنا ﴾ بسكون الراء للتخفيف وقرأه أبو عمرو باختلاس كسرة الراء تخفيفاً أيضاً، وجملة ﴿ إنك أنت التواب الرحيم ﴾ تعليل لجمل الدعاء.

والمناسك جمع منسك وهو اسم مكان من نسك نَسكاً من باب نصر أي تعبد أو من نسك بضم السين نساكة بمعنى ذبح تقرباً، والأظهر هو الأول لأنه الذي يحق طلب التوفيق له وسيأتي في قوله تعالى: ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ [البقرة: 200].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أيْ أمَرْنا.

والثّانِي: أيْ أوْحَيْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ.

﴿ أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: مِنَ الأصْنامِ.

والثّانِي: مِنَ الكُفّارِ.

والثّالِثُ: مِنَ الأنْجاسِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَيْتِيَ ﴾ يُرِيدُ البَيْتَ الحَرامَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَمْ يَكُنْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ، قَبْلَ بِناءِ البَيْتِ بَيْتٌ يُطَهَّرُ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ: وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ أنِ ابْنِيا بَيْتِي مُطَهَّرًا، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنْ طَهِّرا مَكانَ البَيْتِ.

﴿ لِلطّائِفِينَ ﴾ فِيهِمْ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الغُرَباءُ الَّذِينَ يَأْتُونَ البَيْتَ مِن غُرْبَةٍ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ يَطُوفُونَ بِالبَيْتِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ والعاكِفِينَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم أهْلُ البَلَدِ الحَرامِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُعْتَكِفُونَ وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المُصَلُّونَ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُجاوِرُونَ لِلْبَيْتِ الحَرامِ بِغَيْرِ طَوافٍ، وغَيْرِ اعْتِكافٍ، ولا صَلاةٍ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.

﴿ والرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴾ يُرِيدُ أهْلَ الصَّلاةِ، لِأنَّها تَجْمَعُ رُكُوعًا وسُجُودًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا ﴾ يَعْنِي مَكَّةَ ﴿ وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ ﴾ لِيُجْمَعَ لِأهْلِهِ الأمْنُ والخِصْبُ، فَيَكُونُوا في رَغَدٍ مِنَ العَيْشِ.

﴿ مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ مُتَّصِلًا بِسُؤالِهِ، أنْ يَجْعَلَهُ بَلَدًا آمِنًا، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ﴾ أنَّ فِيهِمْ ظالِمًا هو بِالعِقابِ أحَقُّ مِنَ الثَّوابِ، فَلَمْ يَسْألْ أهْلَ المَعاصِي سُؤالَ أهْلِ الطّاعاتِ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ سُؤالُهُ كانَ عامًّا مُرْسَلًا، وأنَّ اللَّهَ تَعالى خَصَّ الإجابَةَ لِمَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ حالِ الكافِرِينَ، بِأنْ قالَ: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ﴾ يَعْنِي في الدُّنْيا.

﴿ ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ ﴾ يَعْنِي بِذُنُوبِهِ إنْ ماتَ عَلى كُفْرِهِ.

واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، هَلْ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا بِسُؤالِ إبْراهِيمَ أوْ كانَتْ فِيهِ كَذَلِكَ؟

عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لَمْ تَزَلْ حَرَمًا مِنَ الجَبابِرَةِ والمُسَلَّطِينَ، ومِنَ الخُسُوفِ والزَّلازِلِ، وإنَّما سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ: أنْ يَجْعَلَهُ آمِنًا مِنَ الجَدْبِ والقَحْطِ، وأنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ، لِرِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ المَقْبُرِيِّ، قالَ: سَمِعْتُ أبا شُرَيْحٍ الخُزاعِيَّ يَقُولُ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ  لَمّا افْتَتَحَ مَكَّةَ، قَتَلَتْ خُزاعَةُ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ  خَطِيبًا فَقالَ: (يَأيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ فَهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَسْفِكَ فِيها دَمًا أوْ يُعَضِّدَ بِها شَجَرًا، وأنَّها لا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي ولَمْ تَحِلَّ لِي إلّا هَذِهِ السّاعَةَ غَضَبًا عَلى أهْلِها، ألا وهي قَدْ رَجَعَتْ عَلى حالِها بِالأمْسِ، ألا لِيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ.

فَمَن قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قَتَلَ بِها فَقُولُوا: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أحَلَّها لِرَسُولِهِ ولَمْ يُحِلَّها لَكَ» .والثّانِي: أنَّ مَكَّةَ كانَتْ حَلالًا قَبْلَ دَعْوَةِ إبْراهِيمَ، كَسائِرِ البِلادِ، وأنَّها بِدَعْوَتِهِ صارَتْ حَرَمًا آمِنًا، وبِتَحْرِيمِهِ لَها، كَما صارَتِ المَدِينَةُ بِتَحْرِيمِ رَسُولِ اللَّهِ  حَرامًا، بَعْدَ أنْ كانَتْ حَلالًا، لِرِوايَةِ أشْعَبَ، عَنْ نافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (إنَّ إبْراهِيمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ وخَلِيلَهُ، وإنِّي عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها عَضاها وصَيْدُها، لا يُحْمَلُ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا يُقْطَعُ مِنها شَجَرٌ لَعَلَفٍ).» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ﴾ أوَّلُ مَن دَلَّهُ اللَّهُ تَعالى عَلى مَكانِ البَيْتِ إبْراهِيمُ، وهو أوَّلُ مَن بَناهُ مَعَ إسْماعِيلَ، وأوَّلُ مَن حَجَّهُ، وإنَّما كانُوا قَبْلُ يُصَلُّونَ نَحْوَهُ، ولا يَعْرِفُونَ مَكانَهُ.

والقَواعِدُ مِنَ البَيْتِ واحِدَتُها قاعِدَةٌ، وهي كالأساسِ لِما فَوْقَها.

﴿ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ﴾ والمَعْنى: يَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا، كَما قالَ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِن كُلِّ بابٍ ﴾ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ يَقُولُونَ: سَلامٌ عَلَيْكُمْ، وهي كَذَلِكَ في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ( وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ ويَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا ) وتَفْسِيرُ (إسْماعِيلَ): اسْمَعْ يا اللَّهُ، لِأنَّ إيلَ بِالسُّرْيانِيَّةِ هو اللَّهُ، لِأنَّ إبْراهِيمَ لَمّا دَعا رَبَّهُ قالَ: اسْمَعْ يا إيلُ، فَلَمّا أجابَهُ ورَزَقَهُ بِما دَعا مِنَ الوَلَدِ، سَمّى بِما دَعا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ عَلى التَّثْنِيَةِ، وقَرَأ عَوْفٌ الأعْرابِيُّ: مُسْلِمَيْنِ لَكَ عَلى الجَمْعِ.

وَيُقالُ: أنَّهُ لَمْ يَدْعُ نَبِيٌّ إلّا لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ إلّا إبْراهِيمَ فَإنَّهُ دَعا مَعَ دُعائِهِ لِنَفْسِهِ ولِأُمَّتِهِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ والمُسْلِمُ هو الَّذِي اسْتَسْلَمَ لِأمْرِ اللَّهِ وخَضَعَ لَهُ، وهو في الدِّينِ القابِلُ لِأوامِرِ اللَّهِ سِرًّا وجَهْرًا.

﴿ وَأرِنا مَناسِكَنا ﴾ أيْ عَرِّفْنا مَناسِكَنا، وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها مَناسِكُ الحَجِّ ومَعالِمِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ والسُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّها مَناسِكُ الذَّبائِحِ الَّتِي تُنْسَكُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ.

والمَناسِكُ جَمْعُ مَنسَكٍ، واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَتِهِ مَنسَكًا عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ مُعْتادٌ ويَتَرَدَّدُ النّاسُ إلَيْهِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، مِن قَوْلِهِمْ: إنَّ لِفُلانٍ مَنسَكًا، إذا كانَ لَهُ مَوْضِعٌ مُعْتادٌ لِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، فَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ مَناسِكُ الحَجِّ لِاعْتِيادِها.

والثّانِي: أنَّ النُّسُكَ عِبادَةُ اللَّهِ تَعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَ الزّاهِدُ ناسِكًا لِعِبادَةِ رَبِّهِ، فَسُمِّيَتْ هَذِهِ مَناسِكَ لِأنَّها عِباداتٌ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن عبد الكريم في قوله تعالى ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين ﴾ قال: مخلصين.

أخرج ابن أبي حاتم عن سلام بن أبي مطيع في هذه الآية قال: كانا مسلمين ولكن سألاه الثبات.

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ﴾ يعنيان العرب.

وأما قوله تعالى: ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ .

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم والأزرقي عن مجاهد قال: قال إبراهيم عليه السلام: رب أرنا مناسكنا.

فاتاه جبريل فأتى به البيت فقال: ارفع القواعد.

فرفع القواعد وأتم البنيان، ثم أخذ بيده فأخرجه، فانطلق به إلى الصفا قال: هذا من شعائر الله، ثم انطلق به إلى المروة فقال: وهذا من شعائر الله، ثم انطلق به نحو منى، فلما كان من العقبة إذا إبليس قائم عند الشجرة فقال: كبر وارمه.

فكبر ورماه، ثم انطلق إبليس فقام عند الجمرة الوسطى، فلما حاذى به جبريل وإبراهيم قال له: كبر وارمه.

فكبر ورمى، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة القصوى، فقال له جبريل: كبر وارمه.

فكبر ورمى، فذهب إبليس وكان الخبيث أراد أن يدخل في الحج شيئاً فلم يستطع، فأخذ بيد إبراهيم حتى أتى به المشعر الحرام، فقال: هذا المشعر الحرام، ثم ذهب حتى أتى به عرفات قال: قد عرفت ما أريتك؟

قالها ثلاث مرات.

قال: نعم.

قال: فأذن في الناس بالحج.

قال: وكيف أؤذن؟

قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم ثلاث مرات، فأجاب العباد لبيك اللهم ربنا لبيك، فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج.

وأخرج ابن جرير من طريق ابن المسيب عن علي قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلت أي رب فأرنا مناسكنا، أبرزها لنا، علمناها، فبعث الله جبريل فحج به.

وأخرج سعيد بن منصور الأزرقي عن مجاهد قال: حج إبراهيم وإسمعيل وهما ماشيان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان المقام في أصل الكعبة، فقام عليه إبراهيم فتفرجت عنه هذه الجبال أبو قبيس وصاحبه إلى ما بينه وبين عرفات، فأراه مناسكه حتى انتهى إليه، فقال: عرفت؟

قال: نعم.

فسميت عرفات.

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي مجلز في قوله: ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ﴾ [ البقرة: 127] قال: لما فرغ إبراهيم من البيت جاءه جبريل أراه الطواف بالبيت والصفا والمروة، ثم انطلقا إلى العقبة فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، فرمى وكبَّر وقال لإِبراهيم: ارم وكبر مع كل رمية حتى أمَلَّ الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات فرميا وكبرا مع كل رمية حتى املَّ الشيطان، ثم أتيا الجمرة القصوى فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل سبع حصيات وأعطى إبراهيم سبع حصيات، وقال: ارم وكبر.

فرميا وكبرا مع كل رمية حتى أقل، ثم أتى به إلى منى فقال: هاهنا يحلق الناس رؤوسهم، ثم أتى به جمعاً فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاة، ثم أتى به عرفات فقال: عرفت...؟

قال: نعم.

فمن ثم سميت عرفات.

واخرج الأزرقي عن زهير بن محمد قال: لما فرغ إبراهيم من البيت الحرام قال: أي رب قد فعلت فأرنا مناسكنا، فبعث الله إليه جبريل فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس فقال: احصب.

فحصب سبع حصيات، ثم الغد ثم اليوم الثالث فملأ ما بين الجبلين، ثم علا على منبر فقال: يا عباد الله أجيبوا ربكم، فسمع دعوته من بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قالوا: لبيك اللهم لبيك.

قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها.

قال: وأول من أجاب حين أذن بالحج أهل اليمن.

وأخرج الأزرقي عن مجاهد في قوله: ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ قال: مذابحنا.

وأخرج الجندي عن مجاهد قال: قال الله لإِبراهيم عليه السلام «قم فابن لي بيتاً.

قال: أي رب أين...؟

قال: سأخبرك» فبعث الله إليه سحابة لها رأس فقالت: يا إبراهيم إن ربك يأمرك أن تخط قدر هذه السحابة.

قال: فجعل إبراهيم ينظر إلى السحابة ويخط.

فقالت: قد فعلت؟

قال: نعم.

فارتفعت السحابة فحفر إبراهيم فأبرز عن أساس نابت من الأرض فبنى إبراهيم، فلما فرغ قال: أي رب قد فعلت فأرنا مناسكنا.

فبعث الله إليه جبريل يحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس فقال له جبريل: احصب.

فحصب بسبع حصيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث فالرابع، ثم قال: أعل ثبيراً.

فعلا ثبيراً فقال: أي عباد الله أجيبوا، أي عباد الله أطيعوا الله.

فسمع دعوته ما بين الأبحر ممن في قلبه مثقال ذرة من الإِيمان، قالوا: لبيك أطعناك اللهم أطعناك، وهي التي أتى الله إبراهيم في المناسك: لبيك اللهم لبيك، ولم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج ابن خزيمة والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس رفعه قال: لما أتى إبراهيم خليل الله المناسك عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات حتى ساخ في الأرض، قال ابن عباس: الشيطان ترجمون، وملة أبيكم إبراهيم تتبعون.

وأخرج الطيالسي وأحمد وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس قال: إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابق إبراهيم فسبقه إبراهيم، ثم انطلق به جبريل حتى أراه مِنى فقال: هذا مناخ الناس.

فلما انتهى إلى جمرة العقبة فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة الوسطى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة القصوى فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حصيات حتى ذهب، فأتى به جمعاً فقال: هذا المشعر.

ثم أتى به عرفة فقال: هذه عرفة.

فقال له جبريل: أعرفت؟

قال: نعم.

ولذلك سميت عرفة.

أتدري كيف كانت التلبية؟: أن إبراهيم لما أمر أن يؤذن في الناس بالحج، أمرت الجبال فخفضت رؤوسها ورفعت له القرى، فأذن في الناس بالحج.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ قال: أراهما الله مناسكهما.

الموقف بعرفات، والإِفاضة من جمع، ورمي الجمار والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ أي: مطيعين مستسلمين منقادين لحكمك (١) قال ابن الأنباري: يقال: فلان مسلم، وفيه قولان: أحدهما: أنه المستسلم لأمر الله.

والثاني: هو المخلص لله العبادة، من قولهم: سَلَّمَ لفلان الشيءَ، أي: خَلَّصَه له، وسَلِمَ له الشيءُ، أي: خَلَصَ (٢) ﴿ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ  ﴾ ، معناه: خالصًا لرجل، وأنشد على أنَّ المسلم بمعنى المستسلم لأمر الله قولَ الشاعر: فقلنا أسْلِمُوا إنّا أخوكم (٣) (٤) أراد: استسلموا.

قالوا: فالمسلم الذي يعتقد الاستسلامَ لله تعالى والإيمانَ به محمودٌ، والمسلمُ الذي يستسلم خوفًا من القتل مذمومٌ، من ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا  ﴾ (٥) (٦) قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ الأمَّةُ في اللغة تكون على وجوه، قال أبو العباس: الأمَّةُ تأويلها: الجماعة من كل شيء، من ذلك: أمة محمد  ، ويقال: إنما فلان أمةٌ وَحْدَه، أي يَسُدُّ مَسَدَّ جَمَاعةٍ، ومنه يقال: فلان حسن الأُمَّة، إذا مُدِحَ بالتمامِ واستجماعِ الخُلُقِ على الاستواء (٧) قال الأعشى (٨) وإنَّ معاويةَ الأكْرَمِين ...

حسَانُ الوُجُوهِ طِوالُ الأُمَمْ (٩) ومنه سميت الأمّ؛ لأنها المحتويةُ على الولد، ومنها يخرج، ومن ذلك قوله: ﴿ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ  ﴾ أَيْ: مجمع الحلال والحرام.

والإمام مأخوذ من هذا؛ لأن عليه تجتمع (١٠) (١١) ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ  ﴾ ، أي: بعد حين من الدهر (١٢) (١٣) (١٤) قال الشنفرى [[هو ثابت بن أوس الأزدي، شاعر جاهلي، تقدمت ترجمته [البقرة: 30].]]: وأمَّ عيال قد شَهِدتُ تَقُوتُهم ...

إذا أحْتَرتْهُمْ (١٥) (١٦) يعني: تأبط شرّا، والأَمَم: القريب المجتمع، وأمَّه: إذا قَصَدَ الاجتماع معه (١٧) وقال أبو إسحاق: الأمة في اللغة أشياء، الأمة: القرن من الناس، يقال: قد مضت أمم أي: قرون، والأمة: الدِّين، ومنه قوله: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً  ﴾ ، أي: كانوا على دين واحد، والأمة: القامة وأنشد: ..........

طوال الأمم (١٨) والأمة: الرجل الذي لا نظير له، ومنه قوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ (١٩) قال: وأصل هذا الباب كله من القصد، يقال: أممت الشيء إذا قصدته، فمعنى الأمة في القرن من الناس: الذين يقصدهم مقصدًا واحدًا، ومعنى الأمة في الدين: إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه؛ ولذلك سميت النعمة أمة، ومعنى الأمة في الرجل: الذي لا نظير له: أن قصده منفرد من قصد سائر الناس (٢٠) (٢١) قال الأزهري: والأمة فيما فسّروا يقع على الكفار والمؤمنين (٢٢)  : كل من أرسل إليه (٢٣) (٢٤) قال ابن الأنباري: والأمة أيضًا أتباع الأنبياء، من قولهم: نحن أمة محمد  .

قال ابن عباس: ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا ﴾ يريد: أمةَ محمَّدٍ  ﴿ أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ ﴾ يريد: المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (٢٥) ﴿ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .

(أرنا) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون منقولًا من رأيت الذي يراد بها إدراك البصر، نقلت بالهمزة فتعدت إلى مفعولين، والتقدير: حذف المضاف، كأنه قال: أرنا مواضع مناسكنا، والمناسك: جمع منسك، وهو مصدر، جُمع لاختلاف ضروبه، والمعنى: عَرِّفْنا هذه المواضع التي تتعلق النسك بها؛ لنفعله ونقضي نسكنا فيها (٢٦) والوجه الآخر: أن يكون أرنا منقولًا من رأيت، الذي لا يراد به رؤية العين ولكن التوقيف على الأمر، وضرب من العلم.

وإلى هذا ذهب أبو عبيدة في تأويل الآية فقال: (وأرنا مناسكنا) أي: عَلِّمْنا، وأنشد: أريني جوادًا مات هَزْلًا لأَنني ...

أرى ما تَرَيْنَ أو بخيلًا مُخَلَّدا (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقال أبو إسحاق: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ معناه: عرِّفنا متعبداتنا، وكلُّ متعبدٍ فهو منسِك ومنسَك، ومن هذا قيل للعابد: ناسك، ويقال للذبيحة المتقرب بها إلى الله: نسيكة، وإنما سمي الذبيحة نَسِيكة (٣٠) ﴿ مَنَاسِكَنَا ﴾ يحتمل أن يكون جمع مَنْسَك الذي هو المصدر، فيكون على تقدير حذف المضاف كما ذكرنا، ويحتمل أن يكون جمع منسك الذي هو الموضع، فلا يكون فيه حذف.

ونسك في اللغة على معنيين: أحدهما: ذَبَح، والآخر: عَبَدَ، فلا يُدرى (٣١) (٣٢) وفي قوله: (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} قراءتان: كسر الراء، وإسكانها (٣٣) قال أبو إسحاق: والأجود الكسر؛ لأن الأصل أَرْئنا، فالكسرة في الراء إنما هي كسرة همزة، أُلقيت فَطُرحت حركتها على الراء، فالكسرة دليلُ الهمزة، وحذفُها قبيحٌ، وهو جائزٌ على بُعدٍ؛ لأن الكسرةَ والضمةَ تُحذفانِ استثقالًا (٣٤) (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ ﴾ قال ابن عباس: أي: الراجع بأوليائه وأهل طاعته (٣٦) (٣٧) (١) "تفسير الثعلبي" 1/ 1185، "تفسير البغوي" 1/ 150.

(٢) نقله في "تهذيب اللغة" 2/ 1745، وعنه في "لسان العرب" 4/ 2080.

(٣) في (ش): (باحركم).

(٤) البيت لعباس بن مرداس، في "ديوانه" ص 52، "لسان العرب" 1/ 41 "المعجم المفصل" 3/ 326.

(٥) في (م)، (ش): (لن).

(٦) ينظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1745، "لسان العرب" 4/ 2080.

(٧) "تهذيب اللغة" 1/ 202 - 206، "لسان العرب" 1/ 135 (أمم).

(٨) هو أبو بصير ميمون بن قيس، تقدمت ترجمته.

(٩) البيت للأعشى في "ديوانه" ص 199، "تهذيب اللغة" 1/ 204، "لسان العرب" 1/ 135، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 282، "الأمالي" لأبي علي القالي 1/ 25، "المعجم المفصل" 7/ 29.

(١٠) في (أ): (يجتمع)، وفي (م): (مجتمع).

(١١) "لسان العرب" 1/ 133 - 134 (أمم).

(١٢) "المفردات" للراغب الأصفهاني ص 33.

(١٣) "لسان العرب" 1/ 137 (أم).

(١٤) "لسان العرب" 1/ 133 (أمم).

(١٥) في (ش): (أخترتهم)، وفي (أ) لعلها كذلك.

(١٦) البيت للشنفرى في "ديوانه" ص 35، "تهذيب اللغة" 1/ 203 وروايته: إذا حَتَرَتْهم أتْفَهَتْ وأقَلَّتِ، "لسان العرب" 2/ 769 (مادة: حتر)، 1/ 137 (مادة: أمم)، "المعجم المفصل" 1/ 552.

(١٧) ينظر: "تهذيب اللغة" 1/ 202 - 203، "لسان العرب" 1/ 135 (أمم).

(١٨) هذه قطعة من البيت المذكور في الصفحة السابقة.

(١٩) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 183، وزاد من المعاني: الأمة: بمعنى النعمة والخير.

(٢٠) بتصرف من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 283، ونقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 204 (أم).

(٢١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 284.

(٢٢) "تهذيب اللغة" 1/ 204.

(٢٣) ساقط من (ش).

(٢٤) نقله في "تهذيب اللغة" 1/ 205.

(٢٥) لم أجده ولعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في المقدمة.

(٢٦) في (م): (فيه)، وفي (ش): (بها).

(٢٧) البيت لحاتم الطائي، في "ديوانه" ص 40، ولحطائط بن يعفر، "مجاز القرآن" 1/ 55، "الحجة" 2/ 225، "شرح أبيات المغني" 1/ 219، وفي "خزانة الأدب" 1/ 406، ولدريد في "لسان العرب" 1/ 158، ولمعن بن أوس في "ديوانه" ص 39.

قال: العيني 1/ 329: أقول قائله هو حاتم بن عدي الطائي، كذا قالت جماعة من النحاة.

ينظر: "المعجم المفصل" 2/ 202، وتحقيق أحمد شاكر لكتاب "الشعر والشعراء" 1/ 248.

(٢٨) ما تقدم من "الحجة" 2/ 224 - 225 بتصرف واختصار.

(٢٩) "مجاز القرآن" 1/ 55.

(٣٠) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 209، وقال بعده: وكان الأصل في النسك إنما هو من الذبيحة لله جل وعز.

(٣١) في (ش): (ندري).

(٣٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3562 (نسو).

(٣٣) قرأ ابن كثير والسوسي ويعقوب بإسكان الراء، وقرأ الدوري عن أبي عمرو بإخفاء كسرتها: أي: اختلاسها، والباقون بالكسرة الكاملة على الأصل.

ينظر: "السبعة" ص 170، "الحجة" 2/ 224، "البدور الزاهرة" ص 50.

(٣٤) بتصرف من "معاني القرآن" 1/ 209، وفيه: (والأجود الكسر، وإنما أسكن أبو عمرو لأنه جعله بمنزلة فخذ وعضد، وهذا ليس بمنزلة فخذ ولا عضد؛ لأن الأصل ...).

(٣٥) في (ش): (وهذا).

(٣٦) في (أ)، (ش): (طاعة).

(٣٧) لعله من رواية عطاء التي تقدم ذكرها.

وينظر: "تفسير القرطبي" 2/ 1200.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ﴾ على حذف القول أي يقولان ذلك ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ علمنا موضع الحج وقيل: العبادات ﴿ فِيهِمْ ﴾ أي في ذرّيتنا ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ هو محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: أنا دعوة أبي إبراهيم والضمير المجرور لذرية إبراهيم وإسماعيل وهم العرب الذين من نسل عدنان، وأما الذين من قحطان فاختلف هل هم من ذرية إسماعيل أم لا؟!

﴿ آيَاتِكَ ﴾ هنا القرآن ﴿ والحكمة ﴾ هنا هي السنة ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ أي يطهرهم من الكفر والذنوب.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرنا ﴾ وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال "فخذ".

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف ﴿ ويعلمهم ﴾ بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع.

وروى ابن رومي عن ابن عباس ﴿ يكلمنا ﴾ و ﴿ تعدنا ﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿ في أعينكم ﴾ ﴿ وأسلحتكم ﴾ ﴿ وأمتعتكم ﴾ و ﴿ أوصى ﴾ من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ وصى ﴾ بالتشديد.

﴿ شهداء إذ ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ شهداء يذ ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.

الوقوف: ﴿ وإسماعيل ﴾ (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿ منا ﴾ (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿ العليم ﴾ (ه) ﴿ مسلمة لك ﴾ (ص) لعطف المتفقين ﴿ علينا ﴾ (ط) وقد ذكر ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ ويزكيهم ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ نفسه ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿ في الدنيا ﴾ (ج) لعطف الجملتين ﴿ الصالحين ﴾ (ه) ﴿ أسلم ﴾ (ط) لأن قوله "قال" عامل "إذ" وإلا وجب أن يقال "فقال" وإلا انقطع النظم ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ويعقوب ﴾ (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿ مسلمون ﴾ (ط) لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ الموت ﴾ (لا) لأن "إذ" بدل من "إذ" الأولى و "إذ" الأولى ظرف ﴿ شهدا ﴾ و "اذ" الثانية ظرف ﴿ حضر ﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿ قالوا ﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿ بعدي ﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿ من بعدي ﴾ (ط) ﴿ واحداً ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ قد خلت ﴾ (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ عليها ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم  لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟

فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً ويضجون بالتلبية ضجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له "محمد" وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي  وهو أبوه يقال له "إبراهيم"، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فَيَفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس.

وروي أن الله  أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي.

وقال لآدم: أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور.

ثم إن الله  أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه.

وعن علي  : البيت المعمور بيت في السماء يقال له "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً.

وعن عبد الله بن عمر أن النبي  قال "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي" وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك.

وأما قصة إسماعيل  وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله  قال "لم يكذب إبراهيم  قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك.

فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر.

قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم.

فقالت: خيراً كفى الله يد الفاجر وأخدم خادماً" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.

قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب.

وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة.

فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفىَ إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟

فقالت له ولك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟

قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.

ثم رجعت فانطلق إبراهيم  حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ﴾ حتى بلغ ﴿ يشكرون  ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي  "فلذلك سعى الناس بينهما" .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّض وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف.

قال ابن عباس: قال النبي  : "يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" .

قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله.

وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.

فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟

قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء.

قالوا: نعم.

قال ابن عباس: قال النبي  : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" .

فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟

قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: أوصاك بشيء؟

قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها.

وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟

وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يثبت عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟

قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير.

قال: فأوصاك بشيء؟

قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك.

ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك.

قال: وتعينني؟

قال: وأعينك.

قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾ وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله  يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله  أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله  فوضعه.

واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله  بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم  ، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي "أنه  قال لعائشة لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض وجعلت لها بابين شرقياً وغربياً" ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش.

ولنعد إلى المقصود فنقول ﴿ يرفع ﴾ حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن إبراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث.

وإنما لم يقل "قواعد البيت" ليكون الكلام مبنياً على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله  حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة؛ الأول: قولهما ﴿ تقبل منا ﴾ وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله  أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله  عليه ورضاه به بالقبول.

وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقاً، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضماً وتواضعاً واستقصاراً.

وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما ﴿ إنك أنت السميع ﴾ يعني سماع إجابة العليم بنياتنا.

النوع الثاني ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط.

وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب.

وقوله ﴿ واجعلنا ﴾ إما معطوف على ﴿ تقبل ﴾ وقوله ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ ﴿ ربنا ﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا.

﴿ ومن ذريتنا ﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ ومن ذريتي  ﴾ .

والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد  ﴿ مسلمة ﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً.

وقيل: أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي.

طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة.

فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً.

وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم.

ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة.

ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله  على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿ وأرنا ﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً.

فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج.

قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟

قال: نعم، فسميت عرفات.

فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات.

وقيل: المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح.

غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح.

فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال  "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟

﴿ وتب علينا ﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما.

قال  "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة" وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم.

وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولاً ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعاً من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم.

وأما الرسول فهو محمد  بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله  في موضع آخر ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين  ﴾ ولقوله  "أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي" أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله  في سورة الصف ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين.

وههنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ فلا جرم قضى الله  حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين  ﴾ أي أبق لي ثناءً حسناً في أمة محمد  ، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه.

ومنها أن إبراهيم أبو الملة ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ومحمد  أبو الرحمة ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  ﴾ "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" يعني في الرأفة والرحمة، فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية.

ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة ﴿ وأذن في الناس بالحج  ﴾ ومحمد منادي الدين ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان  ﴾ ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان.

ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ثم إن إبراهيم  ذكر لذلك الرسول صفات أولاها ﴿ يتلو عليهم آياتك ﴾ فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره "أوتيت القرآن ومثله معه" وثانيتها "ويعلمهم الكتاب" أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام.

وثالثتها قوله ﴿ والحكمة ﴾ أي ويعلمهم الحكمة.

وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعاً، فلا يسمى حكيماً إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله  "تخلقوا بأخلاق الله" وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟

قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له.

وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله  لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئاً خارجاً عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى.

وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم.

وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات.

وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح.

ورابعتها ﴿ ويزكيهم ﴾ لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية.

فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي  سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق.

وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث  ﴾ وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ القادر الذي لا يغلب ﴿ الحكيم ﴾ العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿ ومن يرغب ﴾ الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد.

يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده.

ومحل ﴿ من سفه ﴾ الرفع على البدل من الضمير في ﴿ يرغب ﴾ وذلك أنه غير موجب مثل "هل جاءك أحد إلا زيد" وسفه الإما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث "الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس" لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة.

وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله  وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد  .

وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها.

وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو "زيد ظني مقيم" أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو "غبن رأيه وألم رأسه" وهذا عند الكوفيين.

فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة.

وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص.

فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد  ناسخاً لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضاً راغباً عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد  ؟

قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد  من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم  .

والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد  راغباً عنها لأنه أمر باتباعها ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون.

فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت.

ثم إنه  لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال ﴿ ولقد اصطفيناه في الدنيا ﴾ أي أخترناه للرسالة من دون الخليقة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق.

ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل ﴿ اصطفينا ﴾ في ﴿ إذ قال ﴾ أي اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله ﴿ إذ قال له ربه ﴾ من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه.

ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم "نطق الحال" قال  ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ فجعل دلالة البرهان كلاماً، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ أو المقصود الانقياد لأوامر الله  والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان.

وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح وإن إبراهيم  كان عارفاً بالله  بقلبه فكلفه الله  بعد ذلك بعمل الجوارح.

وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد  عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ والأول طريق حسن ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق  ﴾ لكن الطريق الثاني أحسن ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ ومن هنا يعرف أكملية محمد  .

وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة.

وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ فألف إبليس دليل عدم الاستقامة ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ تركيب الخلة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً  ﴾ ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر ﴿ وكان من الكافرين  ﴾ اسم الشدة ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد  ﴾ ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم  واسطة في الطريقة ﴿ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد  خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل "أول ما خلق الله  نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر" محمد  أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم  أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعاً للصلاة على محمد "اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره.

ولنعد إلى ما كنا فيه ﴿ ووصى ﴾ التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم.

أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه.

وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية.

والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله ﴿ وجعلها كلمة باقية  ﴾ إلى قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني  ﴾ وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحاً في قوله ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي.

وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد.

ومنها أنه خص نبيه بذلك في آخر عمره مع أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك.

ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.

وقرئ يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلاً لكل منهما ﴿ يا بني ﴾ أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء ﴿ إن الله اصطفى لكم الدين ﴾ استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به ﴿ فلا تموتن ﴾ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو "لا تصل إلا وأنت خاشع" لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته.

والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله  "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد.

فكان موتهم لا على حال الإسلام موتاً لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم.

﴿ أم كنتم شهداء ﴾ يحتمل أن تكون "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد  ؟

ويحتمل كون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ قيل: أي إن أوائلكم من بنيإسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن "أم" المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتاً لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه  نص على بطلانها بقوله ﴿ إذ قال لبنيه ﴾ إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون "أم" منقطعة كأنه استفهم أولاً على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاماً ثانياً لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكداً لذلك الإنكار ﴿ ما تعبدون ﴾ أي شيء تعبدون.

و "ما" عام لأولي العلم وغيرهم، "ومن" مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء "من" لما يعقل.

و "من" خصص "ما" بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول "ما زيد" تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب  لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضاً على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوماً صالحين، و ﴿ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ﴾ عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال  "عم الرجل صنو أبيه" أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة.

وأيضاً أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء.

ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله  إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم.

وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضاً إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته.

وأيضاً لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ إلهاً واحداً ﴾ بدل من ﴿ إله آبائك ﴾ مثل ﴿ بالناصية ناصية كاذبة  ﴾ أو نصب على الاختصاص والمدح ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالاً من فاعل ﴿ نعبد ﴾ أو من مفعوله لرجوع الضمير في ﴿ له ﴾ إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على ﴿ نعبد ﴾ أو جملة معترضة مؤكدة ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، ﴿ خلت ﴾ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل ﴿ لها ما كسبت ﴾ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم ﴿ ولا تسئلون عما كانوا يعملون ﴾ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياماً معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل.

وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال  "يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ثم الآية تدل على أن للعبد كسباً ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلاً، لأنه لو كان موحداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله  ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادراً عليه؟

وأيضاً الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسباً له وإن وقع بالقدرتين معاً فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله  ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد.

وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله  فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب.

وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير.

ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله  هو الخالق للكل بمعنى أنه  هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة.

وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب.

فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوباً إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك.

التأويل: من قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ﴿ وإذ ابتلى ﴾ الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات.

وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ وعداوة غير الخليل ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين  ﴾ ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد ﴿ فلما أسلما وتله للجبين  ﴾ بخلاف ما قال نوح ﴿ إن ابني من أهلي  ﴾ فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به ﴿ وإذ جعلنا البيت  ﴾ بيت القلب كما جاء "أن الله  أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟

فقال: فرغ لي قلبك" أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان.

وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ واتخذوا  ﴾ عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿ من مقام إبراهيم  ﴾ وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ في الميثاق ﴿ أن طهرا ﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿ للطائفين  ﴾ وهي واردات الأحوال ﴿ والعاكفين  ﴾ وهي الملكات والمقامات ﴿ والركع السجود  ﴾ وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل.

وجملة هذه الصفات العبودية ﴿ وإذ قال إبراهيم  ﴾ الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله  ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ منوراً بنور جواب ﴿ بلى ﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها.

فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي.

ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كله ملته.

وفي الآيات إشارة إلى أنه  إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ﴾ .

قيل: الابتلاء والامتحان في الشاهد: استفادة علم خَفِيَ عليه من الممتحن والمبتلى به، ليقع عنه علم ما كان ملتبساً عليه.

وفي الغائب لا يحتمل ذلك؛ إِذ الله - عز وجل - عالم في الأَزل بما كان، وبما يكون في أَوقاته أبداً.

ثم يرجع الابتلاء منه إلى وجوه: أَحدها: أَن يخرج مخرج الأَمر بالشيء أَو النهي عنه، لكن الذي ذكر يظهر بالأمر والنهي؛ فسمي ابتلاء من الله  .

والثاني: ليكون ما قد علم الله أَنه يوجد موجوداً، وليكون ما قد علم أنه سيكونُ كائناً.

وعلى هذا يخرج قوله: ﴿ حَتَّىٰ نَعْلَمَ ٱلْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ  ﴾ ، حتى نعلمه موجوداً، كما علم أَنه يوجد؛ كما قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ  ﴾ ، علم الغيبَ، علم أنه مُوجَدٌ.

وَعلم الشهادةَ، عَلِم به موجوداً، حتى يوجد الذي علم أَنه يجاهد منهم - مجاهداً، و[الذي] يصبر منهم صابراً.

ثم اختلف في الكلمات التي ابتلاه بها: فقال بعضهم: الكلمات: هي التي ذكرت في سورة الأَنعام، وهو قوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً  ﴾ ، ورأَى القمر بازغاً، ورأَى الشمس بازغة، هي الحجج التي أَقامها على قومه بقوله: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ  ﴾ .

وقيل: ابتلاه بعشر ففعلهن: خمسةً في الرأْس، وخمسة في الجسد.

لكن في هذا ليس كبيرُ حكمةٍ؛ إِذ يفعل هذا كل واحد، ولكنَّ الحكمة فيه هي: ما قيل: إن ابتلاءه بالنار، حيث أُلْقي فيها، فصبر، حتى قال له جبريل: "أَتستعين بي؟

قال: أَمَّا منْك فلا".

وابتلي بإسكان ذريته الوادي، الذي لا ماءَ فيه، ولا زرع، ولا غرس.

وابتُلي بالهجرة مِن عِندهم، وتركهم هنالك - وهم صغار - ولا ماءَ معهم، ولا زرع، ولا غرس.

وابتلي بالهجرة إلى الشام.

وابتلي بذبح ولده.

ابتلى بأَشياءَ لم يبتل أَحد من الأَنبياء بمثله، فصبر على ذلك.

ففي مثل هذا يكون وجه الحكمة.

وفيه لغة أُخرى: ﴿ وَإِذِ ٱبْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ ﴾ بالرفع ﴿ رَبُّهُ ﴾ بنصب الباء.

ومعناه - والله أعلم -: أَنه سأَل ربه بكلمات فأعطاهن.

وهو تأْويل مقاتل.

وهو أَن قال: اجعلني للناس إِماماً.

قال: نعم.

قال: ﴿ وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ ، قال: نعم قال: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

قال نعم.

قال: و ﴿ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .

قال: نعم.

قال: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

قال نعم.

مثل هذا: سأَل ربه هذا فأَعطاهن إياه.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً ﴾ .

يحتمل: جعله رسولاً يقتدى به؛ لأَن أَهل الأديان - مع اختلافهم - يدينون به، ويقرون نبوته.

ويحتمل: إماماً من الإمامة والخلافة.

وقوله: ﴿ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ .

فإن قيل: كيف كان قوله: ﴿ قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ جواباً لقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ وكانت الرسالة في ذريته؛ كقوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ  ﴾ ؟

يحتمل قوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِي ﴾ : أَحب أَن تكون الرسالة تدوم في ذريته أَبداً؛ حتى لا تكون بين الرسل فترات؛ فأُخبر أَن في ذريته من هو ظالم، فلا ينال الظالم عهده.

ويحتمل: أَن يكون سؤالهُ جعلَ الرسالة في أَولاد إِسماعيل؛ لأَن العرب من أَولاد إسماعيل -  - فأخبر أَن في أَولاده من هو ظالم؛ فلا يناله.

والعهدُ: ما ذكرنا، هو الرسالة والوحي.

وقال الحسن: لا ينال الظالم في الآخرة العهدَ.

ويحتمل: أَن يكون المراد من ذلك: وذريتي، فأخبر أَن فيهم من لا يصلح لذلك.

ويحتمل: أَن يريد به الإمامَة لاَ النبوة، وقد كانت هي في نسل كل الفرق، والنبوةُ كانت فيهم.

ويحمل: أَن يكون قصدَ خصوصاً من ذريته، ممن علم الله أَن فيهم من لا يصلح لذلك.

ولا يحتمل: أن يريد به الإمامَة لا النبوة وقد ذكر، أَو قال الإنسان: قيل له: إِنه من ذريتك لكن لا ينال من ذكر؛ ولهذا خص بالدعاءِ من آمن منهم دون من كفر.

وقوله: ﴿ وَإِذْ جَعَلْنَا ٱلْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ ﴾ .

قيل: المثابة.

المجمع.

وقيل: المثابة: المرجع، يثوبون: يرجعون.

وقيل: يحجون.

وقوله: ﴿ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً ﴾ .

هو فعل العباد؛ لأَنهم يأْمنون ويثوبون.

أَخبر أَنه جعل ذلك؛ ففيه دلالة خلق أَفعال العباد.

ثم بين فيه - عز وجل - شدة اشتياق الناس إليها، وتمنيهم الحضور بها، مع احتمال الشدائد والمشقة، وتحمل المؤن، مع بعد المسافة والخطرات؛ فدل أَن الله  - بلطفه وكرمه - حبب ذلك إلى قلوب الخلق، وأَنه جعل من آيات الربوبية والوحدانية، وتدبير سماوى، لا من تدبير البشرية.

وفيه دلالة نبوة محمد  ؛ إِذ أَخبر عما قد كان؛ فثبت أَنه أَخبر عن الله عز وجل.

وقوله: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لمن دخله من عذاب الآخرة.

وقيل: ﴿ وَأَمْناً ﴾ لكل مجترم آوى به، وآوى إليه من القتل، وغيره؛ كقوله: ﴿ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِناً  ﴾ عن كل ما ارتكب.

وأما عندنا: فإنه إن قتل قتيلاً، ثم التجأَ إِليه، فإِنه لا يقتل ما دام فيه؛ لأَنه لا يقتل للكفر هنالك.

فعلى ذلك القصاص؛ لقوله: ﴿ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ ٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ  ﴾ ، وما روي عن رسول الله  أَنه قال: "إِنَّ مَكَّةَ حَرامٌ بِتَحْرِيم الله إِيَّاهَا يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاواتِ وَالأَرْض، لَمْ تَحِلَّ لأَحِدٍ قَبْلي وَلاَ تَحلُّ لأحد بَعْدِي.

وَإِنَّما أُحلَّتْ لِي سَاعَةً مِن نَهَارٍ.

لاَ يُخْتلَى خَلاَهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ يُنَفَّر صَيْدهَا" وما روي عن ابن عمر -  - أنه قال: "لو ظفرت بقاتل عمرَ في الحرم ما قتلته" وإِذا قتل في الحرم يقتل به هنالك.

والوجه فيه: أَن إِقامة مثله عليه فيما يرتكبه في الحرم أحق؛ إذ هي كفارة؛ لينزجر عما ارتكب، وأَحق ما يقع فيه الزجر بمثله، ما هو فيه من المكان.

وإذا قتل في غير الحرم، التجأ إلى الحرم - قال أَبو حنيفة - رحمه الله - لا يخرج من الحرم.

وأَبو يوسف - رحمه الله - جعل ذلك للسلطان، ذهب إلى أَنه قال: ﴿ وَأَخْرِجُوهُمْ مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَٱلْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ ٱلْقَتْلِ ﴾ ، كما قال: ﴿ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَٱقْتُلُوهُمْ ﴾ ، فأوجب الإخراج، من حيث أخرج، كما أوجب القتل من حيث قتل.

[و] قيل: لم يُخرَج من الحرم إذا لم يخرج منه، كما لم يُقتل في الحرم إذا لم يقتُل فيه.

أَو نقول بالإخراج للقتل، قَصْد ما لم يَسُغْ فعله فيه كان كالصيد يخرج، يلزم فيه ما يجب بالقتل؛ فمثله في موضع الحظر.

وبعد فإِنه لو أخرج لم يأمن بالحرم، بل زيد في عقوبته؛ إِذ الإخراج عقوبة، فقد زيد عليه، مع ما لم يجز في الكفار - الذين نهوا عن قتلهم - إِخراجهم للقتل، كذلك القاتل.

وذهب الآخر: إلى أنه يُخْرج؛ لإقامة الحد عند أبي حنيفة - رحمه الله - وإن لم يرتكب فيه.

وإِخراج المرتكب له، أَقل في الحكم من إِقامته عليه.

غير أنه غلط؛ لأَنَّ إِخراجه للقتل يرفع من الحد؛ لأَنه يصل إلى قتله، ولما في القتل عقوبة واحدة، وفي الإخراج عقوبتان.

ثم لم يلزمه العقوبة الواحدة - وهي القتل - إِذا لم يقتل فيه كان من ألا يلزمه العقوبتان أَحق.

وقوله: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ .

اختلف في ﴿ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ : منهم من جعل الحرم كله مقامه - يصلى إليه - لمقامه هنالك بأَولاده.

ومنهم من جعل المسجد مقامه؛ لأَنه كان مكان عبادته فهو المصلى.

ومنهم من جعل ما ظهر من مقامه - وهو موضع ركوبه ونزوله - لما روي عن رسول الله  : "أَنه لما قدم مكة قام إلى الركن اليماني، فقال عمر: يار سول الله!

أَلا تتخذ مقامَ إبراهيم مصلى؟!

فأَنزل الله -  -: ﴿ وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ " .

وعندنا: القبلةٌ البيتُ؛ كقوله -  -: ﴿ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ  ﴾ وقوله: ﴿ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلْكَعْبَةَ ٱلْبَيْتَ ٱلْحَرَامَ قِيَٰماً لِّلنَّاسِ  ﴾ أي: مقاماً لقيام العبادات.

وقوله: ﴿ وَعَهِدْنَآ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ ﴾ .

فيه الأمر ببنائه.

وقوله: ﴿ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ .

يحتمل التطهير لوجهين: أَحدهما: عن الأَصنام والأَوثان التي كانت هنالك، وعبادةِ غير الله والأَنجاسِ.

ويحتمل: التطهير عن كل أَنواع الأَقذار، وعن كل أَنواع المكاسب، على ما روي في جملة المساجد.

وقوله: ﴿ لِلطَّائِفِينَ وَٱلْعَاكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ .

قيل: الطائف: هو القادم؛ سمي طائفاً لدخوله بطوافه.

وقيل: الاستحبابُ الطوافُ؛ لذلك قال أَصحابنا - رحمهم الله - الطوافُ للقادم أَفضل من الصلاة.

والصلاة للمقيم أَفضل.

والعاكفُ: المقيمُ.

﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ منهما جميعاً.

وقيل: العاكفون: المجاورون؛ يعني: من أهل مكة والقادمين إليها.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ ٱجْعَلْ هَـٰذَا بَلَداً آمِناً ﴾ .

قد ذكرنا الوجه في قوله: ﴿ آمِناً ﴾ .

وقوله: ﴿ وَٱرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ ٱلثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ ﴾ .

لما علم أَن المكان ليس بمكان ثمرٍ ولا عُشب دَعَا، وَسأَل ربه: أن يرزق أَهله عَطفاً على أَهله، وعلى كل من ينتاب إليه من الآفاق.

ثم خص المؤمنين بذلك؛ لوجوه: أَحدها: أَنه لما أَمرهما بتطهير البيت عن الأَصنام والأَوثان ظن أَنه لا يجعل لسوى أَهل الإيمان هنالك مقاماً؛ فخص لهم بالدعاءِ، وسؤال الرزق.

والثاني: أَنه أَراد أَن يجعل آية من آيات الله؛ ليرغِّب الكفار إلى دين الله، فيصيروا أُمة واحدة؛ فكان كقوله: ﴿ وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ...

﴾ الآية [الزخرف: 33].

ووجه آخر قيل: لما كان قيل له: ﴿ لاَ يَنَالُ عَهْدِي ٱلظَّالِمِينَ ﴾ فلعله خشي أَن يخرج ذلك مخرج المعونة لهم على ما فيه العصيان.

وفي ذلك: أن لا بأْس ببيع الطعام من الكفرة.

ولا يصير ذلك كالمعونة على ما هم عليه.

ويحتمل الدعاءُ المبهم للكفرة: القبحَ؛ إذ ذلك اسم من يعبد غير الله.

وقوله: ﴿ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ﴾ .

بالنعم؛ لأن الدنيا دار محنة، لا توجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق، ولا إلى الولي من العدو في الدنيا.

وأما الآخرةُ فهي دار جزاء، ليست بدار محنة؛ فيوجب النظر إلى المستحق للنعم من غير المستحق.

ومعنى قوله: ﴿ قَلِيلاً ﴾ لأن الدنيا كلها قليلٌ.

ثم الامتحان على وجهين: امتحانٌ بالنعم، وامتحان بالشدائد.

وقد قرئ: "فأَمْتِعْه" على معنى دعاءِ إِبراهيم -  - "ومن كفر فأمتِعْه" بالجزم.

فإن قيل: لم لا كان تفاضل الامتحان بتفاضل النعم.

وإنما يعقل فضل الامتحان بفضل العقل، ويعلم أَن المؤمن هو المفضَّل بالعقل.

كيف لا وقع فضل ما به يمتحن - وهو النعم - لأَن العقل الذي به يدرك الحق واحد، لا تفاضل فيه لأَحد.

ثم العقل الذي به يمتحن واحد؛ فهما متساويان - فيما به دَرْكُ الحق - إلا أَن أَحدهما يدركه فيتبعه، والآخر يدركه فيعانده.

فهو - من حيث معرفته - ذو عقل، أَعرض عنه؛ فيسمى معانداً، إذ من لا عقل له يُسمى مجنوناً.

وقوله: ﴿ ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ﴾ .

ذكر الاضطرار، وهو كقوله: ﴿ خُذُوهُ فَٱعْتِلُوهُ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلْجَحِيمِ  ﴾ وهو السوق، وكقوله: ﴿ وَنَسُوقُ ٱلْمُجْرِمِينَ  ﴾ إِنهم يساقون إليها، ويُدَعُّون، لا أنهم يأْتونها طوعاً واختياراً.

وقوله: ﴿ وَبِئْسَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .

أي: بئس ما صاروا إليه.

وقوله: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَٰهِيمُ ٱلْقَوَاعِدَ مِنَ ٱلْبَيْتِ وَإِسْمَٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّآ ﴾ .

أُمِرَا برفع البيت وببنائه؛ فَفَعلا، ثم سأَلا ربهما: أَن يتقبل منهما.

فهكذا الواجب على كل مأْمور بعبادةٍ، أَو قُربة - إذا فرغ منها، وأَداها - أَن يتضرع إلى الله، ويبتهل؛ ليقبل منه، وأَلا يرد عليه؛ ليضيع سعيه.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ لدعائهم.

﴿ ٱلْعَلِيمُ ﴾ بما نَوَوْا وأَضمروا.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ﴾ .

والإسلام قد ذكرنا فيما تقدم أَنه يتوجه إلى وجوه: أَحدها: هو الخضوع له والتذلل.

والثاني: هو الإخلاص.

ثم اخْتَلَفَ أَهل الكلام في الإسلام: فقال بعضهم: إِنه يتجدد في كل وقت؛ لذلك سأَلوا ذلك، وهو كقوله -  - ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ معناه: آمنوا بالله في حادث الوقت؛ لأَنه تارك فعل الكفر في كل وقت؛ فبترك الكفر يتجدد له الإيمان.

وعلى ذلك: يخرج تأْويلنا في الزيادة بقولهم: زادتهم إيماناً يتجدد له، ويزداد في حادث الوقت.

وقال آخرون: كان سؤالهم الإسلام سؤال الثبات عليه والدوام.

وقد ذكرنا أَن العصمة لا ترفع خوف الزوال.

ومثل هذا: الدعاء والسؤال - على قول المعتزلة - يكون عبثاً؛ لأَنه لا يملك إِعطاءَ ما سأَلوا عندهم؛ بل هم الذين يملكون ذلك، فيَخرج السؤال في هذا - عندهم - مخرج اللعب والعبث، فنعوذ بالله من السرف في القول والزيغ عن الهدى.

ثم الإيمان: هو التصديق والتصديق بالقلب يتجدد في كل وقت، فلا وقت يخلو القلب عنه في حال سكونٍ، أَو حال حركةٍ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ﴾ .

يحتمل: أَن الأُمةَ المسلمة هي أُمةُ محمد  ؛ وذلك: أَنَّه لم يكن من أَولاد إِسماعيل رسولٌ سوى محمد  ، فسألا: أَن يجعل من ذريتهما رسولاً، وأُمه مسلمة، خالصة له.

وإنما الرسل كانوا من أَولاد إِسحاق ومن نسله، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ .

وقيل: في قوله: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ : يريد الإِراءَة إلى يوم القيامة، يدل على قراءَة عبد الله: "وأَرهم مناسكهم"، وفي قراءَة غيره على ضم الرؤية إلى نفسه.

والمنسكُ: هو القربة.

وأَفعالُ الحج سميت مناسكاً.

ثم لا يحتمل: أَن يسأَلا ذلك، من غير أَمر سبق منه - عز وجل بذلك؛ لأَنه ليس من الحكمة سؤال: إِيجاب فضل عبادة، أَو قربة بغير أَمر؛ فدل أَنه قد سبق منه بذلك أَمر، لكنه لم يبين لهما، فسأَلا: تعليم ماهيتها وكيفيتها، فعلمهما جبريل ذلك.

ففيه: دلالة تأْخير البيان عن وقت قرع السمع الخطاب؛ أَلا ترى أَنه أَمر بالنداء للحج ولم يعلم.

والثاني: أَن آدم والملائكة قد كانوا حجوا هذا البيت قبل إبراهيم -  - فدل أَن الأَمر به قد سبق.

والثالث: قوله - في نفس الحج -: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً  ﴾ .

ثم لا يحتمل: لزوم الكلفة بالخروج قبل وجوب الحج؛ لما لم يأْمر بفعل ما له إيجاب الحقوق والفرائض.

لكنها أوجبت شكراً لما أَنعم عليه؛ فدل أَن الحج كان واجباً قبل الخروج، وقد تأَخر الإمكان؛ فمثله البيان، والله أعلم.

واحتج بقوله: ﴿ أَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ  ﴾ : أَن ظاهره يوجب خضوعاً، لزم به ما أَداه السمع على تأَخر ما بينه، وكذلك الزكاةُ، وكذا ظاهرُ قوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

واحتج أَيضاً بقول القائل وسؤاله رسولَ الله  عن أَوقات الصلاة ففعله في يومين، وقد كان يمكنه تعليمه وقت السؤال، لكنه أَخر؛ فدل أَن البيان يجوز تأَخره عن وقت قرع الخطابِ السمعَ.

ثم في تأْخير البيان محنة المخاطب به؛ أَمر في تعلم العلم وطلب مراد ما تضمن الخطاب، والله أعلم.

وذكر في أَمر الحج - عند كل نسك من المناسك - معاني لها، لكنها ذكرت الأَحوالِ كانت في شأْن آدم وأَمر إبراهيم، وأَمر محمد - عليهم الصلاة والسلام - وقد كان الحج قبلهم.

وقد ذكر في أَمر الرَّمَل أَنه كان من رسول الله  ومن معه؛ ليُعلِم به قوتهم؛ حتى قال عمر -  -: "علام أَهز كتفي، وليس أَحد إِزاءَه؟!

لكني أَتبع رسول الله،  " أَو كما قال، رحمه الله .

وقد ذكر ذلك في قصة إبراهيم  : أَنه رمل، ولم يكن في وقته من كان الفعلُ لأَجله، وكذلك غيرُه من الأَنبياء، صلى الله عليهم وسلم.

إلا أَنَّا نقول: جعل الله كذلك؛ لعلمه بالحاجة إلى ذلك في وقت قد جعل ذلك نسكاً، فحفظ ذلك على حق النسك، وإن لم يكن المعنى مقارناً له في كل وقت، على ما قيل: "إِن صلة الرحم تزيد في العمر" - بمعنى جعل الله أَجله ذلك بما علم أَنه يصل الرحم - فيكون صرف العمر إلى تلك المدة لذلك.

وكما يكتب شقيّاً أَو سعيداً في الأَزل للوقت الذي فيه يكون كذلك، ونحو ذلك، والله الموفق.

ثم الأَصل: أَن الله - جل ثناؤه - جعل على عباده في كل الأنواع التي يتقلب فيها البشر للمعاش، أَو لأَنواع اللذات؛ لتكون العبادة منهم في كل نوع مقابل ما يختار صاحب ذلك شكراً لما مكن من مثله، لما يتلذذ به ويتعيش؛ إِذ كل لذة، وكل ما يتعيش به نعمة خصَّ الله بها صاحبها، بلا تقدُّم سببٍ يستوجبها العبد؛ فلزمه - في الحكمة - الشكر لمن أَسدى إليه تلك النعمة.

وعلى ذلك: نجد التقلب - من حال القيام، إلى حال القعود، والاضطجاع - أَمراً عامّاً في البشر، من أَنواع اللذات، فمثله يكون العبادة بذلك النوع عامة، نحو الصلوات.

وعلى ذلك: معنى الرق، والعبودةُ لازم لا يفارق، فمثله الاعتراف به، والاعتقاد دائم لا محالة لا يخلو منه وقت.

وعلى ذلك: أَمر إِعطاءِ النفس شهواتها، من المطاعم ونحو ذلك؛ لا يعم الأَوقات عموم التقلب من حال إلى حال؛ إذ لا يخلو عنها المرءُ وإن كانت مختلفة.

فجعلت عبادة الصيام في خاص الأَوقات.

ثم لم يمتد ما بين الأَوقات امتداداً متراخياً، فعلى ذلك: جعل العفو عن الصيام، لم يجعل كذلك، بل في سنة، مع ما قد يدخل الصيام في كثير من الأُمور.

ثم للناس في الأَموال معاش، وبها تلذذ: لكن منها قوت لا بد منه؛ فالاتفاق بمثله لازمم، لا يحتمل جعل القربة فيه، سوى أَن جعل ذلك لعينه قربة؛ إذ فرض على المرء الاستمتاع به.

ومنها فضْل، به جعلت قرب التصدق؛ لأَنه له بحق التلذذ، لا بحق ما لا بد منه.

وكذلك نوع تقلب الأَحوال في النفس التي هى بحق الضرورة، لم يجعل لمثل ذلك فضل قربة يؤديها سوى ما به حياته.

وذلك يجعل بحكم الفرض عليه ولا ندبه.

وكذلك أَمر الصيام: لم يجعل عما لا بد منه للقوة، ولكن فضل قوة في الاحتمال.

لكن الزكاة هي من حقوق ما يجوز أَن يكون هي لغير من عليه، ففرض عليه البذل إلى غيره.

وحقوق الأَفعال لا تحتمل أَن يصير السبب الذي له به يجب أَن يكون لغيره فيجب عليه؛ فجعل فرض ذلك الفعل في نفسه.

وهي تجب للأَحوال لوجهين: أَحدهما: أَن فيها حقوقاً شائعة، على نحو النفقات، فأخرت هي إلى الحول؛ تخفيفاً، أَو لما هي تجب فيما له حكم الفضل.

والفضل: ما يفضل عن الحاجة.

والحاجات تتجدَّد في أَوقات - لا أَنها تتتابعُ - لا يظهر في مثله الفضل إِلا بمدةٍ بينةٍ أكثرها حول.

ثم فَرْضُ الحجِّ جُعِل في العمر مرة؛ لأَنه في حق الأَسفار المديدة، التي لا يختار مثلها للذات إلا في النوادر، فلم يوجَب مثلُه إلا خاصّاً؛ فأُوجب في جميع العمر مرة.

وقد أَوجب في الأَموال في كل سنة؛ لأَن أَرباب الأَموال قد يتقلبون في البلاد النائية رغبة في فضول اللذات؛ فلذلك يجوز فرض مثل ذلك.

وعلى ذلك أَمر الجهاد - على أن الجهاد كالذي لا بد من الأَقوات - إذ في ترك ذلك خوف غلبة الأَعداءِ، وفيها تلف الأَبدان والأَديان، والأَموال ففرض على قدر ما فرض من الأَقوات؛ لما بينت من الخلل، ثم كانت أَحوال أَهل السفر تكون على غير المعروف من أَحوال المقيمين - في حق الرَّزانة والوقار، وحق الانبساط والنشاط - فعلى ذلك: فرائض الأَمرين - نحو الجهاد - فيه أَنواع: ما عُدَّ في غيره من اللعب، وكذلك أَمر الحج.

وعلى مثل هذا يخرج رمي الجمار والرمَل والسعي ونحو ذلك.

فجعل ذلك في حق الأَسفار سُنَّة، وإن كان مثل ذلك عُدَّ في غير ذلك عبثا؛ إِذ قد بينا مخرج العبادات، على ما عليه أَحوال العباد بأَنفسهم، لولا العبادات، والله أعلم.

ثم جعل ذلك في أَمكنة متباعدة الأَطراف؛ إِذ هو بحق أَمر الأَسفار يجب في المعهود؛ فجعل في النسك، بنفسه بالذي به يقطع الأَسفار، ولا قوة إلا بالله.

ووجه آخر: من المعتبرات: أَن العبادات جعلت أَنواعاً: منها ما يبلغ القيام بحقها العامَ فصاعداً، وهذه لم يجز أَن يجعل وقتها ينقص عن احتمال فعلها.

ولا وقت من طريق الإشارة أجمع لمختلف الأَحوال بعد سقوط اعتبار العمر من السنة.

ثم لأَن فعل الحج قد يمتد ذلك، ويجاوز، لم يجعل ذلك وقتاً له، وإنما جعل العمر، لما كان لا وقت يشار إليه إلا وجميع ما فيه مما يحتمله العام الآخر، وما تقدمه وما تأَخره، ثم في العمر أَحوال، لا تحتمل إِضافتها إلى الأَعوام؛ لأَن ما يضاف إلى عام فذلك لكل عام.

وليس ما يضاف إلى العمر موجوداً بحق الأَعوام.

فجعل ذلك وقته، والله أعلم.

ثم الزكاة هي تجب للأَموال؛ صوناً لها؛ لكسب عدد، وفضل غنى، ولكن على ذلك تكتب لأَحوال الحياة لا لما يخلف؛ فلم يمتد أَمرها إلى العمر؛ على أَنها جعلت حقّاً للفقراء.

ومتى أُريد جعل الوقت له العمر يصير لغيره، ويجب فيه ما يجب في الأَول؛ فتبطل الزكاة ويبقى الفقراء بلا عيش؛ إذ الله - بفضله - قدر أَقوات الخلق، ثم فضل الخلق في الأَملاك، حتى كان بعضهم بحيث لا يملك شيئاً، وبعضهم يجاوز ما ينالُ أَضعافَ عمره.

ثبت أَن ذلك له بما يقتضى به كفاية الفقراء؛ فلا بد أَن يجعل لذلك مدة يتوسع في ذلك الفريقان جميعاً.

ثم كانت الأَقوات - التي هي مجهولة للخلق جميعاً - تتجدد في كل عام على ذلك؛ إذ جعلت أقوات الفقراء في أموال الأَغنياء، جعلت في كل عام.

على أَنه إِذ جعلت أَقوات الخلق في بركات السماء والأَرض، جعلها الله متجددة بتجدد الأَعوام، ولا قوة إلا بالله.

والصلاة والصيام عبادتان تلزم قوى الأَبدان، فعلى ما يختلف قواهما، اختلف في الأَمر بهما والترك، وفي أَنواع الرخص.

لكن الصلاة ليس فيها مكابدة الشهوات، ولا مدافعة اللذات؛ إِذ لا سبيل إلى مثلها متتابعاً لما يصير اللذة أَلما، والشهوة وجعاً؛ فيبطل حق التتابع؛ وقدر المفروض من الصلوات لا يشتغل عما يقوم بها النفس.

والصيام يضاد ذلك، ويضر في البدن.

فجعل عبادة الصلوات في كل يوم، وعبادة الصيام في أَوقات متراخية؛ إذ هي تضاد معنى المجعول له الأغذية بين إِقامة الأَبدان، وفي الصيام خوف فنائها؛ لذلك استعين بطول الاغتذاء على أَوقات الصيام، ولا قوة إلا بالله.

وإن شئت قلت: إن الله أَنعم على البشر بما هو غذاء وقوام، وبما هو لذة وشهوة، ثم أَنعم عليهم بما هو لهم ربه رفعة وجاه عند الخلق - وهي الأَموال - فأَلزمهم في كل نوع من هذه الأَنواع عباداتٍ.

وعلى ذلك: وقع كل نوع منها لفوت النعمة، التي هي المرغوبة المختارة في الطبيعة، وإلى ما يدوم تلك يدعو العقل ببذل ما ينقطع منه، ثم جعلت قوى النفس بشهواتها، ونعم الأَموال بأَنواع الكد والجهد.

فعلى ذلك: خفف حقوق الأَموال؛ فلم يجعل إلا في الفضل الذي لا اختيار لهم ألا يبلغوا بالجهد ذلك، ففي ذلك جعلت الحقوق على ما يحتمل الوسع لهم من الترتيب، مع اليسر الذي أَخبر الله أَنه يريد بهم ذلك، لا العسر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

دل سؤال التوبة أَن الأَنبياء - عليهم السلام - قد يكون منهم الزلات والعثرات، على غير قصد منهم.

ثم فيه الدليل على أَن العبد قد يُسْأَل عن زلة لم يتعمدها ولم يقصدها؛ لأَنهم سأَلوا التوبة مجملاً.

ولو كان سبق منهم شيء علموا به وعرفوه لذكروه؛ فدل سؤالهم التوبة مجملاً على أَن العبد مسئول عن زلات لم يتعمدها.

وقوله: ﴿ رَبَّنَا وَٱبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من المسلمين: لأَنه أَخبر أَن عهده لا يناله الظالم.

ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : من جنسهم، من البشر؛ لأَنه أَقرب إلى المعرفة والصدق ممن كان من غير جنسهم، كقوله  : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَٰهُ مَلَكاً لَّجَعَلْنَٰهُ رَجُلاً...

﴾ الآية [الأنعام: 9].

ويحتمل ﴿ رَسُولاً مِّنْهُمْ ﴾ : أي من قومهم، ومن جنسهم، وبلسانهم، لا من غيرهم، ولا بغير لسانهم - والله أعلم - كقوله: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَٰتِكَ ﴾ .

قيل: الآيات هي الحجج.

وقيل: الآيات هي الدين.

ويحتمل: يدعوهم إلى توحيدك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

يعني القرآن: ما أَمرهم به، ونهاهم عنه، ونحو ذلك.

وقوله: ﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

قيل: الفقه، يقول: يعلمهم الكتاب وما فيه من الفقه.

وقيل: الحكمة ما فيه من الأَحكام من الحلال والحرام.

وقيل: الحكمة: هي السنة ها هنا.

وقيل: الحكمة: هي الإصابة.

وبعض هذا قريب من بعض، وبالله التوفيق.

وقال الحسن: الحكمة: هي القرآن؛ أَعاد القول به.

يعني تكراراً.

وقال ابن عباس -  -: الحكمة: الفقه.

وقوله: ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾ .

قال ابن عباس -  : يأْخذ زكاة أَموالهم - فذلك يزكيهم - كقوله: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا  ﴾ .

وقيل: يزكيهم إلى ما به زكاة أَنفسهم.

وقيل: يزكيهم بعمل الصالح.

فإن قال لنا قائل ممن ينتحل مذهب الاعتزال: أَليس الله - عز وجل - أَضاف التزكية والهداية إلى رسوله، ولم يكن منه - حقيقة - فعل التزكية والهداية، ولا خلق ذلك منه - كيف لا قلتم أيضاً - فيما أَضاف ذلك إلى نفسه: أَن ليس فيه منه خلق ذلك، ولا حقيقة سوى الدعاء والبيان، على ما لم يكن في إضافة ذلك إلى رسول الله سوى الدعاء والبيان؟!

قيل: كذلك على ما قلتم: أَنه أَضاف ذلك إلى رسوله بقوله: ﴿ وَتُزَكِّيهِمْ  ﴾ ، وبقوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَتَهْدِيۤ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ  ﴾ ، غير أَنه جعل إلى نفسه فضْلَ هدايةٍ، لم يجعل ذلك لرسوله  وأَثبت زيادة تزكيةٍ، لم يثبت ذلك لرسوله  ؛ كقوله: ﴿ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنكُمْ مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ  ﴾ .

فدل إضافة تلك الزيادة إلى نفسه على: أَنَّ له فضلَ فعلٍ، ليس ذلك لرسوله، وهو خلق فعل الاهتداء، وفعل التزكية، وبالله التوفيق.

وبعد: فإن الرسول لا يحتمل أَن يملك قدرة فعل أَحد يُقدره عليه لو أَراده بما أَقدرهم الله على الفعل، حتى قدَروا؛ فجاز أَن يكون له عليه قدرة.

وفي تحقيقها جواز خلق ذلك له، ومثله في رسول الله  لا يحتمل، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ إِنَّكَ أَنتَ ٱلعَزِيزُ ٱلحَكِيمُ ﴾ .

أي: لا شيء يعجزه، والعزيز بذاته، وكل شيء دونَه غيرُ عزيز، ذليل.

وقيل: العزيز: المنيع.

وقيل: العزيز: المنتقم من أَعدائه.

والحكيم: هو المصيب في فعله.

والحكيمُ في أَمره ونهيه.

والحكيم هو الذي أَحكم كل شيء جعله دليلاً على وحدانيته.

ثم ذكر بعض المفسرين علل المناسك فقال: سميت العرفات عرفات؛ لما قيل له: عرَفتَ,.

ومِنىً؛ لما قيل له: تمنَّهُ.

ورَمى الجمار؛ لما استقبل لإبراهيم الشيطان فرمى.

فهذه العلل لا تطمئن بها القلوب وتنفر عنها الطباع، أَلا ترى أَنه ذكر في قصة آدم فعل ذلك جملةً؛ فزال المعنى الذي ذكر في إِبراهيم  ؟!

ثم قد ذكر في الخبر أَن الملائكة قالت لآدم: حججناها قبلك بأَلفي عام؛ فثبت أَنهم قد فعلوا هذا كله.

ثم يمكن نصب الحكمة فيه من طريق العقل، وهو أَن الحج قصد لزيارة ذلك المكان؛ فأَمر بمختلف الأَفعال الواقع بها الزيارة.

كالصلاة: إنها الخضوع لعينة؛ ولذلك أَمر فيها بإحضار الأَفعال المختلفة من حال الخضوع.

ثم المرءُ قد يخضع مرة بالقيام، ومرة بالركوع، ومرة بالسجود.

أَمر بإحضار مختلف الأَفعال التي فيها الزورة.

غير أَن الصلاة تخالف الحج؛ فلأَن أَفعالها فعل المعاش أَمر فيها بإِحضار حالة تذكره الخضوع، والوقوف لله، مفرقاً بين تلك الحالة وحالة المعاش؛ ولهذا تُقْضَى في كل مكان.

ثم أَفعال الحج في ظاهرها إلى أَفعال المعاش، وما إليه وَقع القصد - لا عينها - غير أن فيه تكلف المعاش؛ ولهذا ما لا يقضى في كل مكان.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ربنا واجعلنا مُستَسلِمَين لأمرك، خاضعَين لك، لا نشرك معك أحدًا، واجعل من ذريتنا أمة مستسلمة لك، وعرِّفنا عبادتك كيف تكون، وتجاوز عن سيئاتنا وتقصيرنا في طاعتك؛ إنك أنت التواب على من تاب من عبادك، الرحيم بهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.bXbVv"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذكر الله تعالى العرب أولًا بنعمته عليهم بهذا ﴿ الْبَيْتَ  ﴾ أن جعله مثابة للناس وأمنًا، وبدعاء إبراهيم  لبلد البيت واستجابة الله تعالى دعاءه إذ جعله بلدًا آمنًا تجبى إليه الثمرات من البلاد البعيدة فيتمتع أهله بها، وهي نعم يعرفونها لا ينكرها أحد، وانتقل منها إلى التذكير بالنعم المعنوية فذكر عهده إلى إبراهيم وإسماعيل بأن يطهرا بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود لينبههم بإضافة البيت إلى نفسه أنه لا يليق أن يعبد فيه غيره وبتطهيره لأجل الطواف والاعتكاف والصلاة أنه يجب تنزيهه عن الأصنام والتماثيل وعبادتها الفاسدة وعن سائر الأعمال الذميمة كطواف العريان، وكانوا يفعلونه.

ثم ذكرهم بعد هذا بأن إبراهيم هو الذي بنى هذا البيت بمساعدة ابنه إسماعيل، وذكر لهم من دعائهما هنالك ما يرشدهم إلى العبادة الصحيحة والدين الحق ويجذبهم إلى الاقتداء بذلك السلف الصالح الذين ينتمون إليه ويفاخرون به، فإن قريشًا كانت تنتسب إلى إبراهيم وإسماعيل بحق وتدعي على أنها على ملة إبراهيم، ولذلك كانت ترى أنها أهدى من الفرس والروم.

وسائر العرب تبع لقريش.

قوله تعالى ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ  ﴾ ظاهر في أنهما هما اللذان بنيا هذا البيت لعبادة الله تعالى في تلك البلاد الوثنية، ولكن القصاصين ومن تبعهم من المفسرين جاءونا من ذلك بغير ما قصه الله تعالى علينا وتفننوا في رواياتهم عن قدم البيت وعن حج آدم ومن بعده من الأنبياء إليه وعن ارتفاعه إلى السماء في وقت الطوفان ثم نزوله مرة أخرى، وهذه الروايات يناقض أو يعارض بعضها بعضًا فهي فاسدة في تناقضها، وفاسدة في عدم صحة أسانيدها، وفاسدة في مخالفتها لظاهر القرآن ولم يستح بعض الناس من إدخالها في تفسير القرآن وإلصاقها به وهو بريء منها.

ومن ذلك زعمهم أن الكعبة نزلت من السماء في زمن آدم ووصفهم حج آدم إليها وتعارفه بحواء في عرفة بعد أن كانت قد ضلت عنه بعد هبوطهما من الجنة، وحاولوا تأكيد ذلك بتزوير قبر لها في جدة، وزعمهم أنها هبطت مرة أخرى إلى الأرض بعد ارتفاعها بسبب الطوفان وحليت بالحجر الأسود، وأن هذا الحجر كان ياقوتة بيضاء -وقيل زمردة- من يواقيت الجنة أو زمردها وأنها كانت مودعة في باطن جبل أبي قبيس فتمخض الجبل فولدها، وأن الحجر إنما أسود لملامسة النساء الحِيض له وقيل لاستلام المذنبين إياه، وكل هذه الروايات خرافات إسرائيلية بثها زنادقة اليهود في المسلمين ليشوهوا عليهم دينهم وينفروا أهل الكتاب منه.

لو كان أولئك القصاصون يعرفون "الألماس" لقالوا إن الحجر الأسود منه، لأنه أبهج الجواهر منظرًا وأكثرها بهاء، وقد أراد هؤلاء أن يزينوا الدين ويرقشوه برواياتهم هذه ولكنها إذا راقت للبله من العامة فإنها لا تروق لأهل العقل والعلم الذين يعلمون أن الشريف هذا الضرب من الشرف المعنوي هو ما شرفه الله تعالى، فشرف هذا البيت إنما هو بتسمية الله تعالى إياه بيته، وجعله موضعًا لضروب من عبادته لا تكون في غيره كما تقدم، لا بكون أحجاره تفضل سائر الأحجار، ولا بكون موقعه يفضل سائر المواقع، ولا بكونه من السماء، ولا بأنه من عالم الضياء، وكذلك شرف الأنبياء على غيرهم من البشر ليس لمزية في أجسامهم ولا في ملابسهم، وإنما هو لاصطفاء الله تعالى إياهم، وتخصيصهم بالنبوة التي هي أمر معنوي، وقد كان أهل الدنيا أحسن زينة وأكثر نعمة منهم.

ومن مباحث اللفظ في الجملة أن القواعد جمع قاعدة وهي ما يقعد ويقوم عليه البناء من الأساس أو من الساقات، ورفعها إعلاء البناء عليها أو إعلاؤها نفسها على الخلاف و ﴿ مِنَ الْبَيْتِ  ﴾ قال (الجلال) إنه متعلق بيرفع.

وهذا إنما يصح إذا أريد بالبيت العرصة أو البقعة التي وقع فيها البناء، والأكثرون على أن ﴿ مِنَ  ﴾ للبيان وعليه يكون البيت بمعنى نفس البناء والجدران، وهناك قول ثالث وهو أن ﴿ مِنَ  ﴾ للتبعيض بناء على أن البيت مجموع العرصة والبناء.

وفي الكلام نكتة لطيفة وهي أن ذكر القواعد أولًا ينبه الذهن ويحركه إلى طلب معرفة القواعد ما هي وقواعد أي شيء هي؟

فإذا جاء البيان بعد ذلك كان أحسن وقعًا في النفس، وأشد تمكنًا في الذهن، وأما النكتة في تأخير ذكر إسماعيل عن المفعول مع أن الظاهر أن يقال: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت: في الإلماع إلى كون المأمور من الله ببناء البيت هو إبراهيم وإنما كان إسماعيل مساعدًا له وقد ورد أنه كان يناوله الحجارة.

وقوله تعالى ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا  ﴾ إلخ حكاية لدعاء إبراهيم وإسماعيل عند البناء وهو أنهما كانا يقون ذلك، حذف القول للإيجار الذي عهد من القرآن في خطاب العرب كما تقدم، وجملة القول بيان لحالهم وقتئذٍ.

وتقبل الله العمل قبله ورضي به ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ  ﴾ لأقوالنا ﴿ الْعَلِيمُ  ﴾ بأعمالنا وبنيتنا فيها.

﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ  ﴾ المُسْلم والمسلِّم والمُسْتَسْلِم واحد، وهو المنقاد الخاضع، والمراد بالكلمة ما يشمل التوحيد والإخلاص لله تعالى في الاعتقاد والعمل جميعًا.

ومعنى الأول-أي الإخلاص في الاعتقاد- أن لا يتوجه المسلم بقلبه إلا إلى الله ولا يستعين بأحد فيما وراء الأسباب الظاهرة إلا بالله، ومعنى الثاني أن يقصد بعمله مرضاة الله تعالى لا اتباع الهوى وإرضاء الشهوة، وإنما يرضيه تعالى منا أن نزكي نفوسنا بمكارم الأخلاق، ونرقي عقولنا بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبرهان، فبذلك نكون محل عنايته تعالى ومستودع معرفته وموضع كرامته، ومن يقصد بأعماله إرضاء شهوته واتباع هواه لا يزيد نفسه إلا خبثًا، وبذلك يكون بعيدًا عن الإسلام ويصدق عليه قوله تعالى ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا  ﴾ .

وقد يقال: إن الإنسان يندفع لمعظم الأعمال بسائق طلب المنفعة واللذة، وهو سائق فطري، فكيف ينافيه الإسلام وهو دين الفطرة؟.

ومثاله طلب الغذاء لقوام الجسم يسوق إليه التلذذ بالطعام، ومثل ذلك طلب اللذات العقلية والأدبية فكيف يمكن أن يكون ما يطلب للذة خالصًا لله وحده؟؟

والجواب إن الإسلام قد حل هذه المسألة حلًا لا يجده الإنسان في ديانة أخرى، ذلك أن لم يحرم علينا إلا ما هو ضار بنا، ولم يوجب علينا إلا ما هو نافع لنا، وقد أباح لنا ما لا ضرر في فعله ولا في تركه من ضروب الزينة واللذة إذا قصد بها مجرد اللذة، وأما إذا قصد بها مع اللذة غرض صحيح وفعلت بنية صالحة فهي في حكم الطاعات التي يثاب عليها، ومن نية المرء الصالحة في الزينة والطيب أن يسر إخوانه بلقائه، وأن يظهر نعم الله عليه، وأن يتقرب إلى امرأته ويدخل السرور عليها، وإنما الهوى المذموم في الإسلام هو الهوى الباطل كأن يتزين الرجل ويتطيب للمفاخرة والمباهاة أو ليستميل إليه النساء الأجنبيات عنه، وبذلك تكون الزينة مذمومة شرعًا"وإنما الأعمال بالنيات".

دعا هذان النبيان العظيمان لأنفسهما بحقيقة الإسلام ثم دعوا بذلك لذريتهما فقالا ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ أي واجعل من ذريتنا أمة مسلمة لك كإسلامنا ليستمر الإسلام لك بقوة الأمة وتعاون الجماعة.

وأضافا الذرية إلى ضمير الاثنين للدلالة على أن المراد الذرية التي تنسب إليهما معًا وهي ما يكون من ولد إسماعيل، فاللفظ ظاهر في هذا المعنى، ويرجحه الحال والمحل الذي كانا فيه، وعزم إبراهيم على أن يدع إسماعيل في بلاد العرب داعيًا إلى توحيد الله، وإسلام القلب إليه، ويرجع هو إلى بلاد الشام، وكذلك الدعاء لهذه الذرية بأن يبعث الله فيهم رسولًا منهم كما سيأتي.

وقد استجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وولده عليهما السلام، وجعل في ذريتهما أمة الإسلام، وبعث فيها منها خاتم النبيين  ، وإلى هذا الدعاء الإشارة بقوله تعالى في سورة الحج ﴿ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ  ﴾ وعلم مما تقدم أن المراد بالإسلام معناه الذي شرحناه، فمن قام به هذا المعنى فهو المسلم في عرف القرآن، وليس المراد به اسم في حكم الجامد يطلق على أمة مخصوصة حتى يكون كل من يولد فيها أوي يقبل لقبها مسلمًا ذلك الذي نطق به القرآن، ويكون من الذين تنالهم دعوة إبراهيم  ، وقد جرى إبراهيم وولده على سنة الفطرة في هذا الدعاء أيضًا فخصاه ببعض الذرية لأنه قد يكون منها من لا يتناول الإسلام.

﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا  ﴾ أي علمنا إياها علمًا يكون كالرؤية البصرية في الجلاء والوضوح، والمناسك جمع منسك بفتح السين في الأفصح من النسك "بضمتين" ومعناه غاية العبادة، وغلب استعمال النسك في عبادة الحج خاصة، والمناسك في معاملته أو أعماله ﴿ وَتُبْ عَلَيْنَا  ﴾ أي وفقنا للتوبة لنتوب ونرجع إليك من كل حال أو عمل يشغلنا عنك.

ويدل عليه قوله تعالى ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا  ﴾ أو المعنى اقبل توبتنا، ومنه الحديث: "ويتوب الله على من تاب"، وتاب "بالمثناة" كثاب "بالمثلثة" ومعناه رجع ويقال: تاب العبد إلى ربه أي رجع إليه لأن اقتراف الذنب إعراض عن الله أي عن طريق دينه وموجبات رضوانه، ويقال: تاب الله على العبد: لأن التوبة من الله تتضمن معنى الرحمة والعطف كأن الرحمة الإلهية تنحرف عن المذنب باقترافه أسباب العقوبة فإذا تاب عادت إليه، وعطف ربه عليه، والتوبة تختلف باختلاف درجات الناس فعبدك يتوب إليك من ترك ما أمرته بفعله، أو فعل ما أمرته بتركه، وصديقك يتوب إليك ويعتذر إذا هو قصر في عمل لك فيه فائدة عما في إمكانه واستطاعته، وولدك يتوب إذا قصر في أدب من الآداب التي ترشده إليها ليكون في نفسه عزيزًا كريمًا.

وكذلك تختلف توبات التائبين إلى الله تعالى باختلاف درجاتهم في معرفته، وفهم أسرار شريعته، فعامة المؤمنين لا يعرفون من موجبات سخط الله تعالى وأسباب عقوبته إلا المعاصي التي شددت الشريعة في النهي عنها، وإذا تابوا من عمل سيء فإنما يتوبون منها وخواص المؤمنين يعرفون أن لكل عمل سيء لوثة في النفس تبعد بها عن الكمال، ولكل عمل صالح أثرًا فيها يقربها من الله وصفاته، فالتقصير في الصالحات يعد عند هؤلاء من الذنوب التي تهبط بالنفس وتبعدها عن الله تعالى، فهي إذا قصرت فيها تتوب، وإذا شمرت لا تأمن النقائص والعيوب، ويختلف اتهام هؤلاء الأبرار لأنفسهم باختلاف معرفتهم بكمال الله  ومعنى القرب منه واستحقاق رضوانه ولذلك قال بعض العارفين: حسنات الأبرار سيئات المقربين، ومن هنا نفهم معنى التوبة التي طلبها إبراهيم وإسماعيل، عليهما وعلى آلهما الصلاة والتسليم ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ أي إنك أنت وحدك الكثير التوب على عبادك وإن كثر تحولهم عن سبيلك بتوفيقهم للتوبة وقبول توبتهم منهم أيها الرحيم بالتائبين.

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ  ﴾ أي من أنفسهم، ويتضمن هذا الدعاء لهم بالارتقاء الذي يؤهلهم ويعدهم لظهور النبي منهم.

وقد أجاب الله تعالى هذه الدعوة بخاتم النبيين والمرسلين  كما ورد في حديث أحمد: "أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى .."إلخ، ثم وصف هذا الرسول بقوله ﴿ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ  ﴾ الدالة على وحدانيتك وتنزيهك وعظمة شأنك، والدالة على صدق رسلك إلى خلقك، فالمراد بالآيات الآيات الكونية والعقلية، أو المراد آيات الوحي التي تنزلها عليه فتكون دليلًا على صدقه، ومشتملة على تفصيل آيات الله في خلقه، كبراهين التوحيد والتنويه، ودلائل النبوة والبعث وتلاوتها ذكرها المرة بعد المرة لترسخ في النفس، وتؤثر في القلب.

﴿ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ  ﴾ فسّروا الكتاب بالقرآن والحكمة بالسنة، والثاني غير مسلم على عمومه، أما الأول فله وجه، وعليه يكون المراد بالآيات فيما سبق دلائل العقائد وبراهينها، كما تقدم قيما سبق، دون الوحي وإلا كان مكررًا.

وفيه وجه ثان وهو أن المراد بالكتاب مصدر كتب يقال: كتب كتابًا وكتابة: وإنما الدعاء لأمة أمية لا بد في إصلاحها وتهذيبها من تعليمها الكتابة، وقد كانت الأمم المجاورة لها من أهل الكتاب فلا يتيسر لها اللحاق بها أو سبقها حتى تكون من الكاتبين مثلها.

وأما الحكمة فهي في كل شيء معرفة سره وفائدته والمراد بها أسرار الأحكام الدينية والشرائع ومقاصدها، وقد بيّن النبي  ذلك بسيرته في المسلمين، وما فيها من الفقه في الدين، فإن أرادوا من السنة هذا المعنى في تفسير الحكمة فهو مسلم، وهو الذي كان يفهم من اسمها في الصدر الأول، وإن أرادوا بالسنة ما يفسرها به أهل الأصول والمحدثون فلا تصح على إطلاقها فالحكمة مأخوذة من الحَكمَة "بالتحريك" وهي ما أحاط بحنكي الفرس من اللجام وفيها العذاران، وفي ذلك معنى ما يضبط به الشيء، ومن ذلك إحكام الأمر وإتقانه.

وما كل من يروي الأحاديث يحقق له هذا المعنى، ولكن الذي يتفقه في الدين ويفهم أسراره ومقاصده، يصح أن يقال إنه قد أوتي الحكمة التي قال الله فيها ﴿ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا  ﴾ ولن يكون أحد داخلًا في دعوة إبراهيم حتى يقبل تعليم الحكمة من هذا النبي الكريم.

علم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام أن تعليم الكتاب والحكمة لا يكفي في إصلاح الأمم وإسعادها، بل لابد أن يقرن التعليم بالتربية على الفضائل والحمل على الأعمال الصالحة بحسن الأسوة والسياسة فقالا ﴿ وَيُزَكِّيهِمْ  ﴾ أي يطهر نفوسهم من الأخلاق الذميمة، وينزع منها تلك العادات الرديئة، ويعودها الأعمال الحسنة التي تطبع في النفوس ملكات الخير، ويبغض إليها الأعمال القبيحة التي تغريها بالشر ثم ختما الدعاء بهذا الثناء ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  ﴾ العزيز هو القوي الغالب على أمره فلا ينال بضيم، ولا يغلب على أمر، والحكيم هو الذي يضع الأشياء أحسن وضع، ويتقن العمل ويحسن الصنع، والسر في ذكر هذين الوصفين هنا إزالة ما ربما يعلق بالذهن، أو يسبق إلى الوهم، من أن هذه الأمور التي دعي بها للعرب منافية لطبائعهم، بعيدة عن أحوالهم ومعايشهم، فإنهم جمدوا على بداوتهم، وألفوا غلظتهم وخشونتهم، فهم أعداء العلم والحكمة، خصماء التهذيب والتربية، لا يخضعون لنظام ولا يؤخذون بالأحكام، ولا استعداد فيهم للمدينة والحضارة، التي هي أثر تعليم الكتاب والحكمة وتزكية أفراد الأمة، فكان يتوقع أن يقول قائل: من يقدر أن يغير طباع هذه الأمة المعروفة بالخشونة والقسوة، فيجعلها من أهل العلم والمدنية والحكمة؟

لولا أن علم أن المدعو المسؤول هو العزيز لا مرد لأمره، والحكيم الذي لا معقب لحكمته.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده