الآية ١٣٢ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٣٢ من سورة البقرة

وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَٰهِـۧمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَـٰبَنِىَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ١٣٢

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 112 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٣٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٣٢ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب ) أي : وصى بهذه الملة وهي الإسلام لله [ أو يعود الضمير على الكلمة وهي قوله : ( أسلمت لرب العالمين ) ] .

لحرصهم عليها ومحبتهم لها حافظوا عليها إلى حين الوفاة ووصوا أبناءهم بها من بعدهم ; كقوله تعالى : ( وجعلها كلمة باقية في عقبه ) [ الزخرف : 28 ] وقد قرأ بعض السلف " ويعقوب " بالنصب عطفا على بنيه ، كأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب بن إسحاق وكان حاضرا ذلك ، وقد ادعى القشيري ، فيما حكاه القرطبي عنه أن يعقوب إنما ولد بعد وفاة إبراهيم ، ويحتاج مثل هذا إلى دليل صحيح ; والظاهر ، والله أعلم ، أن إسحاق ولد له يعقوب في حياة الخليل وسارة ; لأن البشارة وقعت بهما في قوله : ( فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب ) [ هود : 71 ] وقد قرئ بنصب يعقوب هاهنا على نزع الخافض ، فلو لم يوجد يعقوب في حياتهما لما كان لذكره من بين ذرية إسحاق كبير فائدة ، وأيضا فقد قال الله تعالى في سورة العنكبوت : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين ) [ الآية : 27 ] وقال في الآية الأخرى : ( ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ) [ الأنبياء : 72 ] وهذا يقتضي أنه وجد في حياته ، وأيضا فإنه باني بيت المقدس ، كما نطقت بذلك الكتب المتقدمة ، وثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر قلت : يا رسول الله ، أي مسجد وضع أول ؟

قال : " المسجد الحرام " ، قلت : ثم أي ؟

قال : " بيت المقدس " .

قلت : كم بينهما ؟

قال : " أربعون سنة " الحديث .

فزعم ابن حبان أن بين سليمان الذي اعتقد أنه باني بيت المقدس وإنما كان جدده بعد خرابه وزخرفه وبين إبراهيم أربعين سنة ، وهذا مما أنكر على ابن حبان ، فإن المدة بينهما تزيد على ألوف سنين ، والله أعلم ، وأيضا فإن ذكر وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريبا ، وهذا يدل على أنه هاهنا من جملة الموصين .

وقوله : ( يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) أي : أحسنوا في حال الحياة والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه .

فإن المرء يموت غالبا على ما كان عليه ، ويبعث على ما مات عليه .

وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه .

ومن نوى صالحا ثبت عليه .

وهذا لا يعارض ما جاء ، في الحديث [ الصحيح ] " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها .

وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا باع أو ذراع ، فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها " ; لأنه قد جاء في بعض روايات هذا الحديث : " فيعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس ، ويعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس .

وقد قال الله تعالى : ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) [ الليل : 5 - 10 ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب } / يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَوَصَّى بِهَا } وَوَصَّى بِهَذِهِ الْكَلِمَة ; أَعْنِي بِالْكَلِمَةِ قَوْله : { أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } وَهِيَ الْإِسْلَام الَّذِي أَمَرَ بِهِ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُوَ إخْلَاص الْعِبَادَة وَالتَّوْحِيد لِلَّهِ , وَخُضُوع الْقَلْب وَالْجَوَارِح لَهُ .

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ } عَهِدَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُمْ بِهِ .

وَأَمَّا قَوْله : { وَيَعْقُوب } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَوَصَّى بِذَلِكَ أَيْضًا يَعْقُوب بَنِيهِ .

كَمَا : 1722 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب } يَقُول : وَوَصَّى بِهَا يَعْقُوب بَنِيهِ بَعْد إبْرَاهِيم .

1723 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ } وَصَّاهُمْ بِالْإِسْلَامِ , وَوَصَّى يَعْقُوب بِمِثْلِ ذَلِكَ .

وَقَالَ بَعْضهمْ : قَوْله : { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ } خَبَر مُنْقِض , وَقَوْله : { وَيَعْقُوب } خَبَر مُبْتَدَأ , فَإِنَّهُ قَالَ : وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ بِأَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ , وَوَصَّى يَعْقُوب بَنِيهِ أَنَّ : { يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .

وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ; وَلِأَنَّ الَّذِي أَوْصَى بِهِ يَعْقُوب بَنِيهِ نَظِير الَّذِي أَوْصَى بِهِ إبْرَاهِيم بَنِيهِ مِنْ الْحَثّ عَلَى طَاعَة اللَّه وَالْخُضُوع لَهُ وَالْإِسْلَام .

فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَإِنْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْت مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب أَنَّ يَا بَنِيَّ , فَمَا بَال " أَنَّ " مَحْذُوفَة مِنْ الْكَلَام ؟

قِيلَ : لِأَنَّ الْوَصِيَّة قَوْل فَحُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا , وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَوْ جَاءَ بِلَفْظِ الْقَوْل لَمْ تَحْسُن مَعَهُ " أَنَّ " , وَإِنَّمَا كَانَ يُقَال : وَقَالَ إبْرَاهِيم لِبَنِيهِ وَيَعْقُوب : " يَا بَنِيَّ " , فَلَمَّا كَانَتْ الْوَصِيَّة قَوْلًا حُمِلَتْ عَلَى مَعْنَاهَا دُون قَوْلهَا , فَحُذِفَتْ " أَنَّ " الَّتِي تَحْسُن مَعَهَا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ } 4 11 وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر : إنِّي سَأُبْدِي لَك فِيمَا أُبْدِي لِي شَجَنَانِ شَجَن بِنَجْدِ وَشَجَن لِي بِبِلَادِ السِّنْد فَحُذِفَتْ " أَنَّ " إذْ كَانَ الْإِبْدَاء بِاللِّسَانِ فِي الْمَعْنَى قَوْلًا , فَحَمَلَهُ عَلَى مَعْنَاهُ دُون لَفْظه .

وَقَدْ قَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : إنَّمَا حُذِفَتْ " أَنَّ " مِنْ قَوْله : { وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب } بِاكْتِفَاءِ النِّدَاء , يَعْنِي بِالنِّدَاءِ قَوْله : " يَا بَنِيَّ " , وَزَعَمَ أَنَّ عِلَّته فِي ذَلِكَ أَنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب الِاكْتِفَاء بِالْأَدَوَاتِ عَنْ " أَنَّ " كَقَوْلِهِمْ : نَادَيْت هَلْ قُمْت ؟

وَنَادَيْت أَيْنَ زَيْد ؟

قَالَ : وَرُبَّمَا أَدْخَلُوهَا مَعَ الْأَدَوَات فَقَالُوا : نَادَيْت أَنْ هَلْ قُمْت ؟

وَقَدْ قَرَأَ عَهِدَ إلَيْهِمْ عَهْدًا بَعْد عَهْد , وَأَوْصَى وَصِيَّة بَعْد وَصِيَّة .

يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين } .

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين } إنَّ اللَّه اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّين الَّذِي عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ .

وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلِف وَاللَّام فِي " الدِّين " , لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدهمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ كَانُوا قَدْ عَرَفُوهُ بِوَصِيَّتِهِمَا إيَّاهُمْ بِهِ وَوَصِيَّتهمَا إلَيْهِمْ فِيهِ , ثُمَّ قَالَا لَهُمْ بَعْد أَنْ عَرَّفَاهُمُوهُ : إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ هَذَا الدِّين الَّذِي قَدْ عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ , فَاتَّقُوا اللَّه أَنْ تَمُوتُوا إلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ .

الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } .

إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوْ إلَى بَنِي آدَم الْمَوْت وَالْحَيَاة فَيَنْهَى أَحَدهمْ أَنْ يَمُوت إلَّا عَلَى حَالَة دُون حَالَة ؟

قِيلَ لَهُ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي ظَنَنْت , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أَيْ فَلَا تُفَارِقُوا هَذَا الدِّين وَهُوَ الْإِسْلَام أَيَّام حَيَاتكُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيه مَنِيَّته , فَلِذَلِك قَالَا لَهُمْ : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار , فَلَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَام فَتَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْر الدِّين الَّذِي اصْطَفَاهُ لَكُمْ رَبّكُمْ فَتَمُوتُوا وَرَبّكُمْ سَاخِط عَلَيْكُمْ فَتَهْلَكُوا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يابني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون قوله تعالى : ووصى بها إبراهيم أي بالملة ، وقيل : بالكلمة التي هي قوله : " أسلمت لرب العالمين " وهو أصوب ; لأنه أقرب مذكور ، أي قولوا أسلمنا .

ووصى وأوصى لغتان لقريش وغيرهم بمعنى ، مثل كرمنا وأكرمنا ، وقرئ بهما .

وفي مصحف عبد الله " ووصى " ، وفي مصحف عثمان " وأوصى " وهي قراءة أهل المدينة والشام .

الباقون " ووصى " وفيه معنى التكثير .

" وإبراهيم " رفع بفعله ، " ويعقوب " عطف عليه ، وقيل : هو مقطوع مستأنف ، والمعنى : وأوصى يعقوب وقال يا بني إن الله اصطفى لكم الدين ، فيكون إبراهيم قد وصى بنيه ، ثم وصى بعده يعقوب بنيه .وبنو إبراهيم : إسماعيل ، وأمه هاجر القبطية ، وهو أكبر ولده ، نقله إبراهيم إلى مكة وهو [ ص: 128 ] رضيع .

وقيل : كان له سنتان ، وقيل : كان له أربع عشرة سنة ، والأول أصح ، على ما يأتي في سورة إبراهيم بيانه إن شاء الله تعالى ، وولد قبل أخيه إسحاق بأربع عشرة سنة ، ومات وله مائة وسبع وثلاثون سنة .

وقيل : مائة وثلاثون .

وكان سنه لما مات أبوه إبراهيم عليهما السلام تسعا وثمانين سنة ، وهو الذبيح في قول .

وإسحاق أمه سارة ، وهو الذبيح في قول آخر ، وهو الأصح ، على ما يأتي بيانه في سورة " والصافات " إن شاء الله .

ومن ولده الروم واليونان والأرمن ومن يجري مجراهم وبنو إسرائيل .

وعاش إسحاق مائة وثمانين سنة ، ومات بالأرض المقدسة ودفن عند أبيه إبراهيم الخليل عليهما السلام .

ثم لما توفيت سارة تزوج إبراهيم عليه السلام قنطورا بنت يقطن الكنعانية ، فولدت له مدين ، ومداين ، ونهشان ، وزمران ، ونشيق ، وشيوخ ، ثم توفي عليه السلام .

وكان بين وفاته وبين مولد النبي صلى الله عليه وسلم نحو من ألفي سنة وستمائة سنة واليهود ينقصون من ذلك نحوا من أربعمائة سنة .

وسيأتي ذكر أولاد يعقوب في سورة " يوسف " إن شاء الله تعالى .

وقرأ عمرو بن فائد الأسواري وإسماعيل بن عبد الله المكي : ويعقوب بالنصب عطفا على بنيه ، فيكون يعقوب داخلا فيمن أوصى .

قال القشيري : وقرئ يعقوب بالنصب عطفا على بنيه وهو بعيد ; لأن يعقوب لم يكن فيما بين أولاد إبراهيم لما وصاهم ، ولم ينقل أن يعقوب أدرك جده إبراهيم ، وإنما ولد بعد موت إبراهيم ، وأن يعقوب أوصى بنيه أيضا كما فعل إبراهيم .

وسيأتي تسمية أولاد يعقوب إن شاء الله تعالى .قال الكلبي : لما دخل يعقوب إلى مصر رآهم يعبدون الأوثان والنيران والبقر ، فجمع ولده وخاف عليهم وقال : ما تعبدون من بعدي ؟ويقال : إنما سمي يعقوب لأنه كان هو والعيص توأمين ، فخرج من بطن أمه آخذا بعقب أخيه العيص .

وفي ذلك نظر ; لأن هذا اشتقاق عربي ، ويعقوب اسم أعجمي ، وإن كان قد وافق العربية في التسمية به كذكر الحجل .

عاش عليه السلام مائة وسبعا وأربعين سنة ومات بمصر ، وأوصى أن يحمل إلى الأرض المقدسة ، ويدفن عند أبيه إسحاق ، فحمله يوسف ودفنه عنده .قوله تعالى : يا بني معناه أن يا بني ، وكذلك هو في قراءة أبي وابن مسعود والضحاك .

قال الفراء : ألغيت أن لأن التوصية كالقول ، وكل كلام يرجع إلى القول جاز فيه دخول أن وجاز فيه إلغاؤها .

قال : وقول النحويين إنما أراد " أن " فألغيت ليس بشيء .

النحاس : يا بني نداء مضاف ، وهذه ياء النفس لا يجوز هنا إلا فتحها ; لأنها لو سكنت لالتقى ساكنان ، [ ص: 129 ] ومثله بمصرخي .

إن الله كسرت إن لأن أوصى وقال واحد .

وقيل : على إضمار القول .

اصطفى اختار .

قال الراجز :يا بن ملوك ورثوا الأملاكا خلافة الله التي أعطاكا لك اصطفاها ولها اصطفاكالكم الدين أي الإسلام ، والألف واللام في " الدين " للعهد ; لأنهم قد كانوا عرفوه .

فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون إيجاز بليغ .

والمعنى : الزموا الإسلام ودوموا عليه ولا تفارقوه حتى تموتوا .

فأتى بلفظ موجز يتضمن المقصود ، ويتضمن وعظا وتذكيرا بالموت ، وذلك أن المرء يتحقق أنه يموت ولا يدري متى ، فإذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إلا وهو عليه ، فقد توجه الخطاب من وقت الأمر دائبا لازما .

لا نهي تموتن في موضع جزم بالنهي ، أكد بالنون الثقيلة ، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين .

إلا وأنتم مسلمون ابتداء وخبر في موضع الحال ، أي محسنون بربكم الظن ، وقيل مخلصون ، وقيل مفوضون ، وقيل مؤمنون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ورثه في ذريته, ووصاهم به, وجعلها كلمة باقية في عقبه, وتوارثت فيهم, حتى وصلت ليعقوب فوصى بها بنيه.

فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص, فيجب عليكم كمال الانقياد, واتباع خاتم الأنبياء قال: { يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ } أي: اختاره وتخيره لكم, رحمة بكم, وإحسانا إليكم, فقوموا به, واتصفوا بشرائعه, وانصبغوا بأخلاقه, حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه, لأن من عاش على شيء, مات عليه, ومن مات على شيء, بعث عليه.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب} قرأ أهل المدينة والشام: ((وأوصى)) بالألف، وكذلك هو في مصاحفهم، وقرأ الباقون: ((ووصى)) مشدداً، وهما لغتان مثل (أنزل) و(نَزَّل).

معناه ووصى بها إبراهيم بنيه ووصى يعقوب بنيه، قال الكلبي ومقاتل: "يعني بكلمة الإخلاص لا إله إلا الله"، قال أبو عبيدة: "إن شئت رددت الكناية إلى الملة لأنه ذكر ملة إبراهيم، وإن شئت رددتها إلى الوصية: أي وصى إبراهيم بنيه الثمانية".

إسماعيل وأمه هاجر القبطية، وإسحاق وأمه سارة، وستة أمهم قنطورة بنت يقطن الكنعانية تزوجها إبراهيم بعد وفاة سارة ويعقوب، سمي بذلك لأنه والعيص كانا توأمين فتقدم عيص في الخروج من بطن أمه وخرج يعقوب على أثره آخذاً بعقبه" قال ابن عباس.

وقيل: سمي يعقوب لكثرة عقبه يعني: ووصى أيضاً يعقوب بنيه الاثنى عشر.

{يا بني} معناه أن يا بني.

{إن الله اصطفى} اختار.

{لكم الدين} أي دين الإسلام.

{فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} مؤمنون، وقيل: مخلصون، وقيل: مفوضون.

والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما نهوا في الحقيقة عن ترك الإسلام، داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون، وعن الفضيل بن عياض رحمه الله أنه قال: "(إلا وأنتم مسلمون) أي محسنون بربكم الظن".

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح أنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي أنا علي بن الجعد أنا أبو جعفر الرازي عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول: "لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ووصَّى» وفي قراءة أوصى «بها» بالملة «إبراهيم بنيه ويعقوب» بنيه قال: «يا بني إن الله اصطفى لكم الدين» دين الإسلام «فلا تموتنَّ إلا وأنتم مسلمون» نهى عن ترك الإسلام وأمر بالثبات عليه إلى مصادفة الموت.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وحثَّ إبراهيمُ ويعقوبُ أبناءهما على الثبات على الإسلام قائلَيْن: يا أبناءنا إن الله اختار لكم هذا الدين- وهو دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم- فلا تفارقوه أيام حياتكم، ولا يأتكم الموت إلا وأنتم عليه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

فقال - سبحانه - : ( ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ) .الضمير في " بها " يعود إلى الملة ذكرت قبل ذلك في قوله تعالى : ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ) والمعنى : ووصى إبراهيم بنيه باتباع ملته ويعقوب كذلك أوصى بنيه باتباعها ، فقال كل منهما لأبنائه : يا بني إن الله اصطفى لكم دين الإِسلام ، الذي لا يقبل الله دينا سواه ( فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ) أي : فاثبتوا على الإِسلام .

واستقيموا على أمره حتى يدرككم الموت وأنتم مقيمون على هذا الدين الحنيف .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع السادس من الأمور المستحسنة التي حكاها الله عن إبراهيم وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ نافع وابن عامر (وأوصى) بالألف وكذلك هو في مصاحف المدينة والشام والباقون بغير ألف بالتشديد وكذلك هو في مصاحفهم والمعنى واحد إلا أن في (وصى) دليل مبالغة وتكثير.

المسألة الثانية: الضمير في (بها) إلى أي شيء يعود؟

فيه قولان: الأول: أنه عائد إلى قوله: ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين  ﴾ على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِۦٓ إِنَّنِى بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ  إِلَّا ٱلَّذِى فَطَرَنِى فَإِنَّهُۥ سَيَهْدِينِ  ﴾ وقوله: ﴿ كَلِمَةً باقية ﴾ دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة.

القول الثاني: أنه عائد إلى الملة في قوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم  ﴾ قال القاضي وهذا القول أولى من الأول من وجهين: الأول: أن ذلك غير مصرح به ورد الإضمار إلى المصرح بذكره إذا أمكن أولى من رده إلى المدلول والمفهوم.

الثاني: أن الملة أجمع من تلك الكلمة ومعلوم أنه ما وصى ولده إلا بما يجمع فيهم الفلاح والفوز بالآخرة، والشهادة وحدها لا تقتضي ذلك.

المسألة الثالثة: اعلم أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين.

أحدها: أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتماً بهذا الأمر متشدداً فيه، كان القول إلى قبوله أقرب.

وثانيها: أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره.

وثالثها: أنه عمم بهذه الوصية جميع بنيه ولم يخص أحداً منهم بهذه الوصية، وذلك أيضاً يدل على شدة الاهتمام.

ورابعها: أنه عليه السلام أطلق هذه الوصية غير مقيدة بزمان معين ومكان معين، ثم زجرهم أبلغ الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضاً على شدة الاهتمام بهذا الأمر.

وخامسها: أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضاً على شدة الاهتمال بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبداً إلى الإسلام والدين.

أما قوله: ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ ففيه قولان: الأول: وهو الأشهر أنه معطوف على إبراهيم، والمعنى أنه وصى كوصية إبراهيم.

والثاني: قرئ ﴿ وَيَعْقُوبَ ﴾ بالنصب عطفاً على بنيه، ومعناه: وصى إبراهيم بنيه، ونافلته يعقوب، أما قوله: ﴿ يا بُنى ﴾ فهو على إضمار القول عند البصريين، وعند الكوفيين يتعلق بوصى لأنه في معنى القول، وفي قراءة أبي وابن مسعود، أن يا بني.

أما قوله: ﴿ اصطفى لَكُمُ الدين ﴾ فالمراد أنه تعالى استخلصه بأن أقام عليه الدلائل الظاهرة الجلية ودعاكم إليه ومنعكم عن غيره.

أما قوله: ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ فالمراد بعثهم على الإسلام، وذلك لأن الرجل إذا لم يأمن الموت في كل طرفة عين، ثم إنه أمر بأن يأتي بالشيء قبل الموت صار مأموراً به في كل حال، لأنه يخشى إن لم يبادر إليه أن تعاجله المنية فيفوته الظفر بالنجاة ويخاف الهلاك فيصير مدخلاً نفسه في الخطر والغرور.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

قرئ: (وأوصى)، وهي في مصاحف أهل الحجاز والشام.

والضمير في ﴿ بِهَآ ﴾ لقوله: ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبّ العالمين ﴾ على تأويل الكلمة والجملة، ونحوه رجوع الضمير في قوله: ﴿ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً باقية ﴾ [الزخرف: 28] إلى قوله: ﴿ إِنَّنِى بَرَاء مّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الذى فَطَرَنِى ﴾ [الزخرف: 26- 27] وقوله: (كلمة باقية).

دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة ﴿ وَيَعْقُوبُ ﴾ عطف على إبراهيم، داخل في حكمه.

والمعنى: ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً.

وقرئ: ﴿ ويعقوب ﴾ ، بالنصب عطفاً على بنيه.

ومعناه ووصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب ﴿ أَوْ يا بني ﴾ على إضمار القول عند البصريين.

وعند الكوفيين يتعلق بوصى، لأنه في معنى القول.

ونحوه قول القائل: رَجْلاَنِ مِنْ ضَبَّةَ أخْبَرَانَا ** إنّا رَأَيْنَا رَجُلاً عُرْيَانَا بكسر الهمزة: فهو بتقدير القول عندنا.

وعندهم يتعلق بفعل الإخبار.

وفي قراءة أبيّ وابن مسعود: ﴿ أن يا بنيَّ ﴾ ﴿ اصطفى لَكُمُ الدين ﴾ أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام.

ووفقكم للأخذ به ﴿ فَلاَ تَمُوتُنَّ ﴾ معناه فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا، كقولك: لا تصلّ إلا وأنت خاشع، فلا تنهاه عن الصلاة، ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته.

فإن قلت: فأي نكتة في إدخال حرف النهي على الصلاة وليس بمنهى عنها؟

قلت: النكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة، فكأنه قال: أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة.

ألا ترى إلى قوله عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» فإنه كالتصريح بقولك لجار المسجد: لا تصلِّ إلا في المسجد: وكذلك المعنى في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه، وأنه ليس بموت السعداء، وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم.

وتقول في الأمر أيضاً: مت وأنت شهيد.

وليس مرادك الأمر بالموت.

ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات؛ وإنما أمرته بالموت اعتداداً منك بميتته، وإظهاراً لفضلها على غيرها، وأنها حقيقة بأن يحث عليها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ﴾ التَّوْصِيَةُ هي التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وقُرْبَةٌ، وأصْلُها الوَصْلُ يُقالُ: وصّاهُ إذا وصَلَهُ، وفَصّاهُ: إذا فَصَلَهُ، كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فِعْلَهُ بِفِعْلِ المُوصى، والضَّمِيرُ في بِها لِلْمِلَّةِ، أوْ لِقَوْلِهِ أسْلَمْتُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ أوِ الجُمْلَةِ وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ « ووَصّى» والأوَّلُ أبْلَغُ ويَعْقُوبُ عَطَفَ عَلى إبْراهِيمَ، أيْ ووَصّى هو أيْضًا بِها بَنِيهِ.

وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مِمَّنْ وصّاهُ إبْراهِيمُ ﴿ يا بَنِيَّ ﴾ .

عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، مُتَعَلِّقٌ بِوَصّى عِنْدَ الكُوفِيِّينَ لِأنَّهُ نَوْعٌ مِنهُ ونَظِيرُهُ: رَجُلانِ مِن ضَبَّةَ أخْبَرانا...

أنّا رَأيْنا رَجُلًا عُرْيانا بِالكَسْرِ، وبَنُو إبْراهِيمَ كانُوا أرْبَعَةً: إسْماعِيلَ وإسْحاقَ ومَدْيَنَ ومُدانَ.

وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ.

وقِيلَ: أرْبَعَةَ عَشَرَ: وَبَنُو يَعْقُوبَ اثْنا عَشْرَ: رُوبِيلُ وشَمْعُونُ ولاوِي ويَهُوذا ويَشُسُوخُورُ وزُبُولُونُ ونِفْتُونِي ودُونُ وكُوذا وأُوشِيرُ وبِنْيامِينُ ويُوسُفُ ﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ دِينَ الإسْلامِ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ظاهِرُهُ النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ حالِ الإسْلامِ، والمَقْصُودُ هو النَّهْيُ عَنْ أنْ يَكُونُوا عَلى خِلافِ تِلْكَ الحالِ إذا ماتُوا، والأمْرُ بِالثَّباتِ عَلى الإسْلامِ كَقَوْلِكَ: لا تُصَلِّ إلّا وأنْتَ خاشِعٌ، وتَغْيِيرُ العِبارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ مِن حَقِّهِ أنْ لا يَحِلَّ بِهِمْ، ونَظِيرُهُ في الأمْرِ مُتْ وأنْتَ شَهِيدٌ.

وَرُوِيَ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ  : ألَسْتَ تَعْلَمُ أنَّ يَعْقُوبَ أوْصى بَنِيهِ بِاليَهُودِيَّةِ يَوْمَ ماتَ فَنَزَلَتْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)

{ووصى} وأوصى مدني وشامي {بِهَا} بالملة أو بالكلمة وهي أسلمت لرب العالمين {إبراهيم بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ} هو معطوف على إبراهيم داخل في حكمه والمعنى ووصى بها يعقوب بنيه أيضاً {يَا بَنِىَّ}

على إضمار القول {إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين} أي أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام ووفقكم للأخذ به {فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال

البقرة (١٢٣ _ ١٣٦)

الإسلام إذا ماتوا كقولك لا تصلّ إلا وأنت خاشع فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ﴾ مَدْحٌ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِتَكْمِيلِهِ غَيْرَهُ إثْرَ مَدْحِهِ بِكَمالِهِ في نَفْسِهِ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِوُجُودِ الرَّغْبَةِ في مِلَّتِهِ، والتَّوْصِيَةُ التَّقَدُّمُ إلى الغَيْرِ بِفِعْلٍ فِيهِ صَلاحٌ وقُرْبَةٌ، سَواءٌ كانَ حالَةُ الِاحْتِضارِ أوَّلًا، وسَواءٌ كانَ ذَلِكَ التَّقَدُّمُ بِالقَوْلِ، أوِ الدِّلالَةِ، وإنْ كانَ الشّائِعُ في العُرْفِ اسْتِعْمالُها في القَوْلِ المَخْصُوصِ حالَةَ الِاحْتِضارِ، وأصْلُها الوَصْلُ مِن قَوْلِهِمْ: أرْضٌ واصِيَةٌ، أيْ مُتَّصِلَةُ النَّباتِ، ويُقالُ: وصّاهُ إذا وصَلَهُ، وفَصّاهُ إذا فَصَلَهُ، كَأنَّ المُوصِيَ يَصِلُ فَعْلُهُ بِفِعْلِ الوَصِيِّ، والضَّمِيرُ في (بِها) إمّا لِلْمِلَّةِ، أوْ لِقَوْلِهِ: أسْلَمْتُ عَلى تَأْوِيلِ الكَلِمَةِ، أوِ الجُمْلَةِ، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ كَوْنُ المَرْجِعِ مَذْكُورًا صَرِيحًا، وكَذا تَرْكُ المُضْمَرِ إلى المُظْهَرِ، وعَطْفُ (يَعْقُوبَ) عَلَيْهِ فَإنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ شُرُوعٌ في كَلامٍ آخَرَ لِبَيانِ تَواصِي الأنْبِياءِ بِاسْتِمْساكِ الدِّينِ الحَقِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أحْكامِ الأُصُولِ والفُرُوعِ، لِيَتَوارَثُوا المِلَّةَ القَوِيمَةَ، والشَّرْعَ المُسْتَقِيمَ نَسْلًا بَعْدَ نَسْلٍ، وذَكَرَ يَعْقُوبُ الدِّينَ في تَوْصِيَتِهِ لِبَنِيهِ، وهو والمِلَّةُ أخَوانِ، ولَوْ كانَ الضَّمِيرُ لِلثّانِي لَكانَ الإسْلامُ بَدَلَهُ، ويُؤَيِّدُ الثّانِيَ كَوْنُ المُوصى بِهِ مُطابِقًا في اللَّفْظِ لِأسْلَمْتُ، وقُرِّبَ المَعْطُوفُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مَعْطُوفًا عَلى قالَ أسْلَمْتُ، أيْ ما اكْتَفى بِالِامْتِثالِ بَلْ ضَمَّ تَوْصِيَةَ بَنِيهِ بِالسَّلامِ بِخِلافِ التَّقْدِيرِ الأوَّلِ، فَإنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى (مَن يَرْغَبُ)، لِأنَّهُ كَما أشَرْنا إلَيْهِ في مَعْنى النَّفْيِ، وخَصَّ البَنِينَ لِأنَّهُ عَلَيْهِمْ أشْفَقَ، وهم بِقَبُولِ وصِيَّتِهِ أجْدَرُ، ولِأنَّ النَّفْعَ بِهِمْ أكْثَرُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ (أوْصى)، ولا دِلالَةَ فِيها عَلى التَّكْثِيرِ كالأُولى الدّالَّةِ عَلَيْهِ لِصِيغَةِ التَّفْعِيلِ.

﴿ ويَعْقُوبُ ﴾ عُطِفَ عَلى إبْراهِيمَ، ورَفْعُهُ عَلى الِابْتِداءِ، وحُذِفَ الخَبَرُ، أيْ يَعْقُوبُ كَذَلِكَ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ، وجَعْلُهُ فاعِلًا لِوَصّى مُضْمَرًا بَعِيدٌ، وقُرِئَ بِالنَّصْبِ، فَيَكُونُ عَطْفًا عَلى بَنِيهِ، والمُرادُ بِهِمْ أبْناءُ الصُّلْبِ، وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ كانَ نافِلَةً، وإنَّما سُمِّيَ يَعْقُوبَ لِأنَّهُ وعِيصًا كانا تَوْأمَيْنِ فَتَقَدَّمَ عِيصٌ وخَرَجَ يَعْقُوبُ عَلى أثَرِهِ آخِذًا بِعَقِبِهِ، كَذا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولا أظُنُّ صِحَّتَهُ، ﴿ يا بَنِيَّ ﴾ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، ويُقَدَّرُ بِصِيغَةِ الإفْرادِ عَلى تَقْدِيرِ نَصْبِ يَعْقُوبَ، أيْ قالَ أوْ قائِلًا، وبِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ عَلى تَقْدِيرِ الرَّفْعِ، ووُقُوعُ الجُمْلَةِ بَعْدَ القَوْلِ مَشْرُوطٌ بِأنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ الحِكايَةِ، والكَلامُ المَحْكِيُّ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ إبْراهِيمَ ويَعْقُوبَ، وإنْ كانَ المُخاطَبُونَ في الحالَيْنِ مُتَغايِرَيْنِ، وذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى عَدَمِ الإضْمارِ، لِأنَّ التَّوْصِيَةَ لِاشْتِمالِها عَلى مَعْنى القَوْلِ بَلْ هي القَوْلُ المَخْصُوصُ كانَ حُكْمُها حُكْمَهُ، فَيَجُوزُ وُقُوعُ الجُمْلَةِ في حَيِّزِ مَفْعُولِها، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: (أنْ يا بَنِيَّ)، ولا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى تَقْدِيرِ القَوْلِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، بَلْ لا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَهم عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ كَلامُ بَعْضِ المُحَقِّقِينَ، وبَنُو إبْراهِيمَ عَلى ما في الإتْقانِ اثْنا عَشَرَ وهُمْ: إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومَدْيَنُ، وزَمْزانُ، وسَرْحٌ، ونَقْشٌ، ونَقْشانُ، وأُمَيْمٌ، وكَيْسانُ، وسَوْرَجُ، ولَوْطانُ، ونافِسُ، وبَنُو يَعْقُوبَ أيْضًا كَذَلِكَ، وهم يُوسُفُ، ورُوبِيلُ، وشَمْعُونُ، ولاوِي، ويَهُوذا، ودانِي، وتَفْتانِي، وكادُ، وأسْبَرُ، وإيساجِرُ، ورايْكُونُ، وبِنْيامِينُ.

﴿ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ أيْ جَعَلَ لَكُمُ الدِّينَ الَّذِي هو صَفْوَةُ الأدْيانِ بِأنْ شَرَعَهُ لَكُمْ، ووَفَّقَكم لِلْأخْذِ بِهِ، والمُرادُ بِهِ دِينُ الإسْلامِ الَّذِي بِهِ الإخْلاصُ لِلَّهِ تَعالى، والِانْقِيادُ لَهُ، ولَيْسَ المُرادُ ما يَتَراءى مِن أنَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَهُ صَفْوَةَ الأدْيانِ لَكُمْ، لِأنَّ هَذا الدِّينَ صَفْوَةٌ في نَفْسِهِ، لا اخْتِصاصَ لَهُ بِأحَدٍ، ولَيْسَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُهُ، ومِن هُنا يُعْلَمُ أنَّ الإسْلامَ يُطْلَقُ عَلى غَيْرِ دِينِنا، لَكِنَّ العُرْفَ خَصَّصَهُ بِهِ، وزَعَمَ بَعْضُهم عَدَمَ الإطْلاقِ، وألَّفَ في ذَلِكَ رِسالَةً تَكَلَّفَ بِها غايَةَ التَّكَلُّفِ: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ نَهْيٌ عَنِ الِاتِّصافِ بِخِلافِ حالِ الإسْلامِ وقْتَ المَوْتِ، والمَفْهُومُ مِنَ الآيَةِ، فَظاهِرًا النَّهْيُ عَنِ المَوْتِ عَلى خِلافِ تِلْكَ الحالِ، ولَيْسَ بِمَقْصُودٍ، لِأنَّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ، وإنَّما المَقْدُورُ قَيْدُهُ، فَيَعُودُ النَّهْيُ إلَيْهِ، كَما سَمِعْتَ، لِما أنَّ الِامْتِناعَ عَنِ الِاتِّصافِ بِتِلْكَ الحالِ يَسْتَتْبِعُ الِامْتِناعَ عَنِ المَوْتِ في تِلْكَ الحالِ، فَأمّا أنْ يُقالَ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ المَوْضُوعُ لِلْأوَّلِ في الثّانِي فَيَكُونُ مَجازًا، أوْ يُقالُ: اسْتُعْمِلَ اللَّفْظُ في مَعْناهُ لِيَنْتَقِلَ مِنهُ إلى مَلْزُومِهِ، فَيَكُونُ كِنايَةً، وقالَ الفاضِلُ اليَمَنِيُّ: إنَّ هَذا كِنايَةٌ بِنَفْيِ الذّاتِ عَنْ نَفْيِ الحالِ، عَلى عَكْسِ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ مِن أنَّهُ كِنايَةٌ بِنَفْيِ الحالِ عَنْ نَفْيِ الذّاتِ، وفِيهِ أنَّ نَفْيَ الذّاتِ إنَّما يَصِيرُ كِنايَةً عَنْ نَفْيِ جَمِيعِ الصِّفاتِ، لا عَنْ صِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ، فافْهَمْ، والمُرادُ مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُشِيرُ إلَيْهِ ذَلِكَ النَّهْيُ الثَّباتُ عَلى الإسْلامِ، لِأنَّهُ اللّازِمُ لَهُ، والمَقْصُودُ مِنَ التَّوْصِيَةِ، ولِأنَّ أصْلَ الإسْلامِ كانَ حاصِلًا لَهُمْ، وإنَّما أُدْخِلَ حَرْفُ النَّفْيِ عَلى الفِعْلِ مَعَ أنَّهُ لَيْسَ مَنهِيًّا عَنْهُ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّ مَوْتَهم لا عَلى الإسْلامِ مَوْتٌ لا خَيْرَ فِيهِ، وأنَّ حَقَّهُ أنْ لا يَحِلَّ بِهِمْ، وأنَّهُ يَجِبُ أنْ يَحْذَرُوهُ غايَةَ الحَذَرِ، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ الإسْلامَ المَأْمُورَ بِهِ هُنا ما يَكُونُ بِالقَلْبِ دُونَ العَمَلِ بِالجَوارِحِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَكادُ يُمْكِنُ عِنْدَ المَوْتِ، ولِهَذا ورَدَ في الحَدِيثِ: «(اللَّهُمَّ مَن أحْيَيْتَهُ مِنّا فَأحْيِهِ عَلى الإسْلامِ، ومَن تَوَفَّيْتَهُ مِنّا فَتَوَفَّهُ عَلى الإيمانِ)،» ولا يَخْفى ما فِيهِ،

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ، قال ابن عباس: يعني أخلص.

ويقال: معناه قُلْ لا إله إِلا الله.

ويقال: معناه استقم على ما أنت عليه.

ويقال: حين خرج من السرب، نظر إلى الكوكب والقمر والشمس، فابتلي بذلك فألهمه الله تعالى الإخلاص، فقال: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [الأنعام: 79] الآية.

فهذا معنى قوله أَسْلِمْ أي أخلص دينك لله ف قالَ إبراهيم  : أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، أي أخلصت ديني لرب العالمين.

ويقال: فوّض أمرك إلى الله فقال فوضت أمري إلى الله.

وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ، أي بشهادة أن لا إله إلا الله.

قرأ نافع وابن عامر وَأَوْصَى وقرأ الباقون وَوَصَّى وهو أبلغ من أوصى، لأنه لا يكون إلا لمرات كثيرة.

وقوله بِها، يرجع إلى الملة، والملة هي السنة والمذهب.

ويقال: إنه جمع بنيه عند موته، لأنه خشي عليهم كيد إبليس فجمعهم وأوصاهم بأن يثبتوا على الإسلام.

قال مقاتل: وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ الأربعة: إسماعيل وإسحاق ومدين ومداين، ثم أوصى بها يعقوب بنيه، وهم اثني عشر ابناً، وذلك حين دخل مصر فرآهم يعبدون الأصنام، فأوصى بنيه بأن يثبتوا على الإسلام وكانوا اثنا عشر ابناً: روبيل وشمعون ويهوذا ولاوي ونفتال وريالون ويشجر ودان واشترفياحان وحان ويوسف وبنيامين.

قال الله تعالى: يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ، أي اختار لكم دين الإسلام فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ، يعني اثبتوا على الإسلام وكونوا بحال لو أدرككم الموت يدرككم على الإسلام، وأنتم مخلصون بالتوحيد.

فقالت اليهود للنبي  : ألست تعلم أن يعقوب  يوم مات أوصى بنيه بدين اليهودية؟.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ت: ونقل عِيَاضٌ في «مداركه» عن مالك أن الْحِكْمَةَ نورٌ يقذفه اللَّه في قلب العبد، وقال أيضاً: يقع في قلبي أنَّ الْحِكْمَةَ الفقْهُ في دين اللَّه، وأمر يدخلُه اللَّه القلُوبَ من رحمته وفَضْله، وقال أيضاً: الْحِكْمَةَ التفكُّر في أمر اللَّه، والاتِّباعُ له، والفقْه في الدِّين، والعمل به.

انتهى.

وقد أشار ع: إلى هذا عند قوله تعالى: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ «١» [البقرة: ٢٦٩] .

ت: والظاهر أن المراد ب الْحِكْمَةَ هنا: ما قاله قتادة، فتأمَّله.

وَيُزَكِّيهِمْ: معناه يطَهِّرهم، وينمِّيهم بالخَيْر، والْعَزِيزُ: الّذي يغلب، ويتم مراده، والْحَكِيمُ: المصيب مواقع الفعل، المحكم لها.

وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣)

وقوله تعالى: وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ ...

الآية: «من» : استفهام، والمعنى:

ومن يزهد منها، ويربأ بنفسه عنها إِلا مَنْ سفه نفسه، والملَّة: الشريعة والطريقَةُ، وسَفِهَ من السَّفَه الَّذي معناه الرِّقَّة والْخِفَّة، واصطفى من الصَّفْوَة، معناه: تخيَّر الأصفى، ومعنى هذا الاِصطفاءِ أنه نبأه، واتَّخذه خليلاً.

وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ: قيل: المعنى أنه في عمل الآخرة لمن الصالحين، فالكلام على حذف مضافٍ، إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ كان هذا القول من اللَّه تعالى حين ابتلاه بالكوكبِ والقمرِ والشمس والإِسلامُ هنا على أتمِّ وجوهِهِ، والضميرُ في «بِهَا» عائدٌ على كلمته التي هي أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ، وقيلَ: على الملة، والأول أصوبُ لأنه أقرب مذكور.

وَيَعْقُوبُ: قيل: عطْفٌ على إِبْراهِيمُ، وقيل: مقطوعٌ منفردٌ بقوله: يَا بَنِيَّ، والتقدير: ويعقوب قال: يا بنيّ/.

٣٦ ب

واصْطَفى هنا: معناه: تخيَّر صفوةَ الأديان.

وقوله: فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ: إِيجاز بليغ، وذلك أنَّ المقصود من أمرهم بالإِسلام الدوامُ علَيْه، فأتى بلفظ موجَزٍ يقتضي المقصودَ، ويتضمَّن وعظاً وتذكيراً بالموت، وذلك أن المرء يتحقَّق أنه يموت، ولا يدري متى، فإِذا أمر بأمر لا يأتيه الموت إِلاَّ وهو عليه، فقد توجَّه من وقت الأمر دائباً لازماً.

وقوله تعالى: أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ هذا الخطابُ لليهودِ والنصارَى الذين انتحلوا الأنبياءَ- صلوات اللَّه عليهم- ونَسَبوهم إِلَى اليهوديَّة والنصرانية، فردَّ اللَّه عليهم وكذَّبهم، وأعلمهم أنهم كانُوا على الحنيفيَّة الإِسلامِ، وقال لهم على جهة التقريرِ والتوبيخ: أَشهدتُّمْ يعقوبَ بما أوصى، فتدَّعُونَ عنْ علْمٍ أَم لم تشهدوا، بل أنتم تفترُونَ، «وأم» «١» : للاستفهامِ في صدرِ الكلامِ، لغةٌ يمانيَةٌ، وحكى الطبريُّ أنَّ «أَمْ» يستفهم

بها في وسط كلامٍ قد تقدَّمَ صدره، وهذا منه، وشُهَداءَ: جمع شاهدٍ، أي: حاضر، ومعنى الآية حضر يعقوب مقدّمات الموت.

ومِنْ بَعْدِي، أي: من بَعْدِ مَوْتِي، ودخل إِسماعيل في الآباء لأنه عَمَّ.

وقد أطلق النبيُّ صلّى الله عليه وسلم على العَبَّاس اسم الأب، فقال: «هذا بقية آبائي» «١» ، وقال:

«رُدُّوا عَلَيَّ أَبِي» الحَدِيثَ «٢» ، وقال: «أَنَا ابن الذِّبِيحَيْنِ» «٣» ، على القول الشهيرِ في أنَّ إِسحاق هو الذبيحُ.

ت: وفي تشهيره نظَرٌ، بل الراجحُ أنه إِسماعيل على ما هو معلومٌ في موضعه، وسيأتي إِنْ شاء الله تعالى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ دَعا ابْنَيْ أخِيهِ مُهاجِرًا وسَلَمَةَ إلى الإسْلامِ، فَأسْلَمَ سَلَمَةُ، ورَغِبَ عَنِ الإسْلامِ مُهاجِرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

قالَ الزَّجّاجُ: و "مِن" لَفْظِها لَفْظُ الِاسْتِفْهامِ، ومَعْناها التَّقْرِيرُ والتَّوْبِيخُ.

والمَعْنى: ما يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلّا مِن سَفِهَ نَفْسَهُ.

ويُقالُ: رَغِبْتُ في الشَّيْءِ: إذا أرَدْتُهُ.

ورَغِبْتُ عَنْهُ: إذا تَرَكْتُهُ.

ومِلَّةُ إبْراهِيمَ: دِينُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: إلّا مِن سَفِهَ نَفْسَهُ، قالَهُ الأخْفَشُ ويُونُسُ.

قالَ يُونُسَ: ولِذَلِكَ تَعَدّى إلى النَّفْسِ فَنَصَبَها، وقالَ الأخْفَشُ: نُصِبَتِ النَّفْسُ لِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ المَعْنى: إلّا مَن سَفِهَ في نَفْسِهِ.

قالَ الشّاعِرُ: نُغالِي اللَّحْمَ لِلْأضْيافِ نِيئًا ونُرَخِّصُهُ إذا نَضِجَ القُدُورَ والثّانِي: إلّا مَن أهْلَكَ نَفْسَهُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: إلّا مَن سَفِهَتْ نَفْسُهُ، كَما يُقالُ: غَبَنَ فُلانٌ رَأْيَهُ، وهَذا مَذْهَبُ الفَرّاءِ وابْنِ قُتَيْبَةَ.

قالَ الفَرّاءُ: نَقَلَ الفِعْلَ عَنِ النَّفْسِ إلى ضَمِيرِ "مَن" ونُصِبَتِ النَّفْسُ عَلى التَّشْبِيهِ بِالتَّفْسِيرِ، كَما يُقالُ: ضِقْتُ بِالأمْرِ ذَرْعًا، يُرِيدُونَ: ضاقَ ذَرْعِي بِهِ، ومِثْلُهُ: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا  ﴾ .

والرّابِعُ: إلّا مَن جَهِلَ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُفَكِّرْ فِيها، وهو اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمِنَ الصّالِحِي الحالِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.

وقالَ الزَّجّاجُ: الصّالِحُ في الآَخِرَةِ: الفائِزُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ ﴾ وذَلِكَ حِينَ وُقُوعِ الِاصْطِفاءِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا رَأى الكَوْكَبَ والقَمَرَ والشَّمْسَ، قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ، أيْ: أخْلِصْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصّى ﴾ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وأهْلُ المَدِينَةِ: (وَأوْصى) بِألِفٍ، مَعَ تَخْفِيفِ الصّادِ، والباقُونَ بِغَيْرِ ألِفٍ مُشَدَّدَةِ الصّادِ، وهَذا لِاخْتِلافِ المَصاحِفِ.

أخْبَرَنا ابْنُ ناصِرٍ، قالَ: أخْبَرَنا ثابِتٌ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ قُشَيْشٍ، قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ حَيُّويَهْ، قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ الأنْبارِيِّ، قالَ: أخْبَرْنا ثَعْلَبٌ، قالَ: أمْلى عَلَيَّ خَلَفُ بْنُ هِشامٍ البَزّارُ قالَ: اخْتَلَفَ مُصْحَفا أهْلِ المَدِينَةِ وأهْلِ العِراقِ في اثْنَيْ عَشَرَ حَرْفًا: كَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: (وَأوْصى) وأهْلُ العِراقِ: (وَوَصّى) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: سارَعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكم [ آَلِ عِمْرانَ: ١٣٣ ] .

بِغَيْرِ واوٍ، وأهْلُ العِراقِ: (وَسارَعُوا) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: يَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا [ المائِدَةِ: ٥٦ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (وَيَقُولُ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: مِن يَرْتَدِدْ [ المائِدَةِ: ٥٧ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (مَن يَرْتَدُّ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا [ التَّوْبَةِ: ١٠٨ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (والَّذِينَ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: خَيْرًا مِنهُما مُنْقَلِبًا [ الكَهْفِ: ٣٧ ] .

وأهْلُ العِراقِ (مِنها) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: فَتَوَكُّل عَلى العَزِيزِ الرَّحِيمِ [ الشُّعَراءِ: ٢١٧ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (وَتَوَكَّلْ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: وأنْ يَظْهَرَ في الأرْضِ الفَسادُ [ المُؤْمِنِ: ٢٦ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (أوْ أنْ يُظْهِرَ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ في "حم عسق": (بِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ) بِغَيْرِ فاءٍ، وأهْلُ العِراقِ: (فَبِما) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ ما تَشْتَهِيه الأنْف [ الزُّخْرُفِ: ٧١ ] .

بِالهاءِ.

وأهْلُ العِراقِ: (ما تَشْتَهِي) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: فَإنَّ اللَّهَ الغَنِيَّ الحَمِيدَ [ الحَدِيدِ: ٢٦ ] وأهْلُ العِراقِ: (إنَّ اللَّهَ هو الغَنِيُّ الحَمِيدُ) وكَتَبَ أهْلُ المَدِينَةِ: فُلًّا يَخافُ عُقْباها [ الشَّمْسِ: ١٥ ] .

وأهْلُ العِراقِ: (وَلا يَخافُ) .

وَوَصّى أبْلَغُ مَن أوْصى، لِأنَّها تَكُونُ لِمَرّاتٍ كَثِيرَةٍ، وهاءُ "بِها" تَعُودُ عَلى المَسْألَةِ.

قالَهُ عِكْرِمَةُ والزَّجّاجُ.

قالَ مُقاتِلٌ: وبَنُوهُ أرْبَعَةٌ: إسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ومَدِينُ، ومَدائِنُ.

وذَكَرَ غَيْرُ مُقاتِلٍ أنَّهم ثَمانِيَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ يُرِيدُ: الزَمُوا الإسْلامَ، فَإذا أدْرَكَكُمُ المَوْتُ صادَفَكم عَلَيْهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عن مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُنْيا وإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ﴿ وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ويَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِينَ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ "مَنِ" اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، و"يَرْغَبُ" خَبَرُهُ، والمَعْنى يَزْهَدُ فِيها ويَرْبَأُ بِنَفْسِهِ عنها، والمِلَّةُ: الشَرِيعَةُ والطَرِيقَةُ، و"سَفِهَ" مِنَ السَفَهِ الَّذِي مَعْناهُ الرِقَّةُ والخِفَّةُ.

واخْتُلِفَ في نَصْبِ "نَفْسَهُ" فَقالَ الزَجّاجُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى جَهِلَ، وعَدّاهُ بِالمَعْنى، وقالَ غَيْرُهُ: "سَفِهَ" بِمَعْنى أُهْلِكَ.

وحَكى ثَعْلَبٌ، والمُبَرِّدُ: أنْ "سَفِهَ" بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى كَسَفَهٍ بِفَتْحِ الفاءِ وشَدِّها، وحُكِيَ عن أبِي الخَطّابِ أنَّها لُغَةٌ.

وقالَ الفَرّاءُ: نَصْبُها عَلى التَمْيِيزِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّ السَفَهَ يَتَعَلَّقُ بِالنَفْسِ والرَأْيِ والخُلُقِ، فَكَأنَّهُ مَيَّزَها بَيْنَ هَذِهِ، ورَأْيِي أنَّ هَذا التَعْرِيفَ لَيْسَ بِمَحْضٍ لِأنَّ الضَمِيرَ فِيهِ الإبْهامُ الَّذِي في "مَن"، فَكَأنَّ الكَلامَ: إلّا مَن سَفِهَ نَفْسًا.

وقالَ البَصْرِيُّونَ: لا يَجُوزُ التَمْيِيزُ مَعَ هَذا التَعْرِيفِ، وإنَّما النَصْبُ عَلى تَقْدِيرِ حَذْفِ "فِي"، فَلَمّا انْحَذَفَ حَرْفُ الجَرِّ قَوِيَ الفِعْلُ، وهَذا يَجْرِي عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ فِيما حَكاهُ مِن قَوْلِهِمْ: ضَرَبَ فَلانٌ الظَهْرَ والبَطْنَ أيْ في الظَهْرِ والبَطْنِ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ التَقْدِيرَ "إلّا مَن سَفِهَ قَوْله نَفْسَهُ"، عَلى أنَّ نَفْسَهُ تَأْكِيدٌ، حُذِفَ المُؤَكَّدُ وأُقِيمَ التَوْكِيدُ مَقامَهُ قِياسًا عَلى النَعْتِ والمَنعُوتِ، وهَذا قَوْلٌ مُتَحامِلٌ.

واصْطَفى: افْتَعَلَ مِنَ الصَفْوَةِ، مَعْناهُ: تَخَيَّرَ الأصْفى، وأُبْدِلَتِ التاءُ طاءً لِتَناسُبِها مَعَ الصادِ في الإطْباقِ.

ومَعْنى هَذا الِاصْطِفاءِ أنَّهُ نَبَّأهُ واتَّخَذَهُ خَلِيلًا، و ﴿ فِي الآخِرَةِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ باسِمِ فاعِلٍ مُقَدَّرٍ مِنَ الصَلاحِ، ولا يَصْلُحُ تَعَلُّقُهُ بِـ "الصالِحِينَ" لِأنَّ الصِلَةَ لا تَتَقَدَّمُ المَوْصُولَ، هَذا عَلى أنْ تَكُونَ الألِفُ واللامُ بِمَعْنى الَّذِي، وقالَ بَعْضُهُمُ: الألِفُ واللامُ هُنا لِلتَّعْرِيفِ، ويَسْتَقِيمُ الكَلامُ، وقِيلَ: المَعْنى أنَّهُ في عَمَلِ الآخِرَةِ ﴿ لَمِنَ الصالِحِينَ ﴾ ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أسْلِمْ ﴾ ، العامِلُ في ( إذِ اصْطَفَيْناهُ )، وكانَ هَذا القَوْلُ مِنَ اللهِ حِينَ ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ والقَمَرِ والشَمْسِ.

والإسْلامُ هُنا عَلى أتَمِّ وُجُوهِهِ.

وَقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ: "وَأوصى".

وقَرَأ الباقُونَ ووَصّى، والمَعْنى واحِدٌ، إلّا أنَّ وصّى يَقْتَضِي التَكْثِيرَ، والضَمِيرُ في "بِها" عائِدٌ عَلى كَلِمَتِهِ الَّتِي هِيَ: ﴿ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ ﴾ ، وقِيلَ: عَلى المِلَّةِ المُتَقَدِّمَةِ، والأوَّلُ أصْوَبُ لِأنَّهُ أقْرَبُ مَذْكُورٍ.

وقَرَأ عَمْرُو بْنُ فائِدٍ الأسْوارِيُّ: ويَعْقُوبَ بِالنَصْبِ عَلى أنَّ يَعْقُوبَ داخِلٌ فِيمَن أوصى.

واخْتُلِفَ في إعْرابِ رَفْعِهِ، فَقالَ قَوْمٌ مِنَ النُحاةِ: التَقْدِيرُ، ويَعْقُوبُ أوصى بَنِيهِ أيْضًا، فَهو عَطْفٌ عَلى " إبْراهِيمُ ".

وقالَ بَعْضُهُمْ: هو مَقْطُوعٌ مُنْفَرِدٌ بِقَوْلِهِ: "يا بَنِيَّ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ "وَيَعْقُوبَ قالَ: يا بَنِيَّ".

واصْطَفى هُنا مَعْناهُ تَخَيَّرَ صَفْوَةَ الأدْيانِ، والألِفُ واللامُ في "الدِينَ" لِلْعَهْدِ لِأنَّهم قَدْ كانُوا عَرَفُوهُ.

وكُسِرَتْ "إنَّ بَعْدَ وصّى"؛ لِأنَّها بِمَعْنى القَوْلِ، ولِذَلِكَ سَقَطَتْ "أنِ" الَّتِي تَقْتَضِيها "أوصى" في قَوْلِهِ: "أنْ يا بَنِيَّ".

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والضَحّاكُ: "أنْ يا بَنِيَّ" بِثُبُوتٍ أنْ.

وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ إيجازٌ بَلِيغٌ، وذَلِكَ أنَّ المَقْصُودَ مِنهُ أمْرُهم بِالإسْلامِ والدَوامِ عَلَيْهِ فَأتى ذَلِكَ بِلَفْظٍ مُوجَزٍ يَقْتَضِي المَقْصُودَ ويَتَضَمَّنُ وعْظًا وتَذْكِيرًا بِالمَوْتِ، وذَلِكَ أنَّ المَرْءَ يَتَحَقَّقُ أنَّهُ يَمُوتُ ولا يَدْرِي مَتى، فَإذا أمَرَ بِأمْرٍ لا يَأْتِيهِ المَوْتُ إلّا وهو عَلَيْهِ فَقَدْ تُوَجِّهَ مِن وقْتِ الأمْرِ دائِبًا لازِمًا.

وحَكى سِيبَوَيْهِ -فِيما يُشْبِهُ هَذا المَعْنى- قَوْلَهُمْ: لا أُرِيَنَّكَ هاهُنا، ولَيْسَ إلى المَأْمُورِ أنْ يَحْجُبَ إدْراكَ الأمْرِ عنهُ، فَإنَّما المَقْصُودُ: اذْهَبْ وزِلْ عن هاهُنا، فَجاءَ بِالمَقْصُودِ بِلَفْظٍ يَزِيدُ مَعْنى الغَضَبِ والكَراهِيَةِ.

﴿ وَأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ ابْتِداءٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان من شأن أهل الحق والحكمةِ أن يكونوا حريصين على صلاح أنفسهم وصلاح أمتهم كان من مكملات ذلك أن يحرِصوا على دوام الحق في الناس متَّبَعاً مشهوراً فكان من سننهم التوصية لمن يظنونهم خلفاً عنهم في الناس بأن لا يحيدوا عن طريق الحق ولا يفرطوا فيما حصل لهم منه، فإن حصوله بمجاهدة نفوس ومرور أزمان فكان لذلك أمراً نفيساً يجدر أن يحتفظ به.

والإيصاء أمر أو نهي يتعلق بصلاح المخاطب خصوصاً أو عموماً، وفي فوته ضر، فالوصية أبلغ من مطلق أمر ونهي فلا تطلق إلا في حيث يخاف الفوات إِما بالنسبة للموصى ولذلك كثر الإيصاء عند توقع الموت كما سيأتي عند قوله تعالى: ﴿ أم كنتم شهداء إِذ حضر يعقوب الموت إِذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي ﴾ [البقرة: 133]، وفي حديث العرباض: «وعظنا رسول الله موعظة وَجِلَتْ منها القلوبُ وذَرَفَتْ منها العيون فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مُوَدِّععٍ فأَوْصنا» الحديث، وإِما بالنسبة إلى الموصَى كالوصية عند السفر في حديث معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لليَمن: " كان آخر ما أوصاني رسول الله حين وضعتُ رِجلي في الغَرْز أن قال حَسِّنْ خُلُقَك للناس "، وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له أوصني قال: " لا تغضب " فوصية إبراهيم ويعقوب إِما عند الموت كما تشعر به الآية الآتية: ﴿ إِذ حضر يعقوب الموت ﴾ [البقرة: 133] وإِما في مظان خشية الفوات.

والضمير المجرور بالباء عائد على الملة أو على الكلمة أي قوله: ﴿ أسلمت لرب العالمين ﴾ [البقرة: 131] فإن كان بالملة فالمعنى أنه أوصى أن يلازموا ما كانوا عليه معه في حياته، وإن كان الثاني فالمعنى أنه أوصى بهذا الكلام الذي هو شعار جامع لمعاني ما في الملة.

وبنو إبراهيم ثمانية: إسماعيل وهو أكبر بنيه وأمه هاجر، وإسحاق وأمه سارة وهو ثاني بنيه، ومديان، ومدان، وزمران، ويقشان، وبشباق، وشوح، وهؤلاء أمهم قطورة التي تزوجها إبراهيم بعد موت سارة، وليس لغير إسماعيل وإسحاق خبر مفصل في التوراة سوى أن ظاهر التوراة أن مديان هو جد أمة مدين أصحاب الأيكة وأن موسى عليه السلام لما خرج خائفاً من مصر نزل أرض مديان وأن يثرون أو رعوئيل (هو شعيب) كان كاهن أهل مدين.

وأما يعقوب فهو ابن إسحاق من زوجه رفقة الأرامية تزوجها سنة ست وثلاثين وثمانمائة وألف قبل المسيح في حياة جده إبراهيم فكان في زمن إبراهيم رجلاً ولقب بإسرائيل وهو جد جميع بني إسرائيل ومات يعقوب بأرض مصر سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف قبل المسيح ودفن بمغارة المكفلية بأرض كنعان (بلد الخليل) حيث دفن جده وأبوه عليهم السلام.

وعطف يعقوب على إبراهيم هنا إدماج مقصود به تذكير بني إسرائيل (الذي هو يعقوب) بوصية جدهم فكما عرض بالمشركين في إعراضهم عن دين أوصى به أبوهم عرض باليهود كذلك لأنهم لما انتسبوا إلى إسرائيل وهو يعقوب الذي هو جامع نسبهم بعد إبراهيم لتقام الحجة عليهم بحق اتباعهم الإسلام.

وقوله: ﴿ يا بني ﴾ إلخ حكاية صيغة وصية إبراهيم وسيجيء ذكر وصية يعقوب.

ولماكان فعل (أوصى) متضمناً للقول صح مجيء جملة بعده من شأنها أن تصلح لحكاية الوصية لتفسر جملة (أوصى)، وإنما لم يؤت بأن التفسيرية التي كثر مجيئها بعد جملة فيها معنى القول دون حروفه، لأن أن التفسيرية تحتمل أن يكون ما بعدها محكياً بلفظه أو بمعناه والأكثر أن يحكى بالمعنى، فلما أريد هنا التنصيص على أن هذه الجملة حكاية لقول إبراهيم بنصه (ما عدا مخالفة المفردات العربية) عوملت معاملة فعل القول نفسه فإنه لا تجيء بعده أن التفسيرية بحال، ولهذا يقول البصريون في هذه الآية إنه مقدر قول محذوف خلافاً للكوفيين القائلين بأن وصى ونحوه ناصب للجملة المقولة، ويشبه أن يكون الخلاف بينهم لفظياً.

و ﴿ اصطفى لكم ﴾ اختار لكم الدين أي الدين الكامل، وفيه إشارة إلى أنه اختاره لهم من بين الأديان وأنه فضلهم به لأن اصطفى لك يدل على أنه ادخره لأجله، وأراد به دين الحنيفية المسمى بالإسلام فلذلك قال: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ .

ومعنى ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ النهي عن مفارقة الإسلام أعني ملة إبراهيم في جميع أوقات حياتهم، وذلك كناية عن ملازمته مدة الحياة لأن الحي لا يدري متى يأتيه الموت فَنَهْيُ أحدٍ عن أن يموت غير مسلم أمر بالاتصاف بالإسلام في جميع أوقات الحياة فالمراد من مثل هذا النهي شدة الحرص على تلك المنهي.

وللعرب في النهي المراد منه النهي عن لازمه طرق ثلاثة: الأول: أن يجعلوا المنهي عنه مما لا قدرة للمخاطب على اجتنابه فيدلوا بذلك على أن المراد نفي لازمه مثل قولهم لا تنس كذا أي لا ترتكب أسباب النسيان، ومثل قولهم: لا أعرفنك تفعل كذا أي لا تفعل فأعرفك لأن معرفة المتكلم لا ينهى عنها المخاطب، وفي الحديث: «فلا يذادن أقوام عن حوضي»، الثاني: أن يكون المنهي عنه مقدوراً للمخاطب ولا يريد المتكلم النهي عنه ولكن عما يتصل به أو يقارنه فيجعل النهي في اللفظ عن شيء ويقيده بمقارنه للعلم بأن المنهي عنه مضطر لإيقاعه فإذا أوقعه اضطر لإيقاع مقارنه نحو قولك لا أراك بثياب مشوهة، ومنه قوله تعالى: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ ، الثالث: أن يكون المنهي عنه ممكن الحصول ويجعله مفيداً مع احتمال المقام لأن يكون النهي عن الأمرين إذا اجتمعا ولو لم يفعل أحدهما نحو لا تجئني سائلاً وأنت تريد أن لا يسألك فإما أن يجيء ولا يسأل وإما أن لا يجيء بالمرة، وفي الثانية إثبات أن بني إبراهيم ويعقوب كانوا على ملة الإسلام وأن الإسلام جاء بما كان عليه إبراهيم وبنوه حين لم يكن لأحد سلطان عليهم، وفيه إيماء إلى أن ما طرأ على بنيه بعد ذاك من الشرائع إنما اقتضته أحوال عرضت وهي دون الكمال الذي كان عليه إبراهيم ولهذا قال تعالى: ﴿ إن الدين عند الله الإسلام ﴾ [آل عمران: 19] وقال: ﴿ وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ﴾ [الحج: 78].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ سَفَّهَ نَفْسَهُ، أيْ فَعَلَ بِها مِنَ السَّفَهِ ما صارَ بِهِ سَفِيهًا، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.

والثّانِي: أنَّها بِمَعْنى سَفَهٍ في نَفْسِهِ، فَحَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ كَما حُذِفَ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكاحِ ﴾ أيْ عَلى عُقْدَةِ النِّكاحِ، وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ.

والثّالِثُ: أنَّها بِمَعْنى أهْلَكَ نَفْسَهُ وأوْبَقَها، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ.

قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ: سَفِهَ بِكَسْرِ الفاءِ يَتَعَدّى، وسَفُهَ بِضَمِّ الفاءِ لا يَتَعَدّى.

﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْناهُ في الدُّنْيا ﴾ أيِ اخْتَرْناهُ، ولَفْظُهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّفْوَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى: اخْتَرْناهُ في الدُّنْيا لِلرِّسالَةِ.

﴿ وَإنَّهُ في الآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ ﴾ لِنَفْسِهِ في إنْجائِها مِنَ الهَلَكَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ ﴾ الهاءُ كِنايَةٌ تَرْجِعُ إلى المِلَّةِ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ ﴾ ووَصّى أبْلَغُ مِن أوْصى، لِأنَّ أوْصى يَجُوزُ أنْ يَكُونَ قالَهُ مَرَّةً واحِدَةً، ووَصّى لا يَكُونُ إلّا مِرارًا.

﴿ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ والمَعْنى أنَّ إبْراهِيمَ وصّى، ثُمَّ وصّى بَعْدَهُ يَعْقُوبُ بَنِيهِ، فَقالا جَمِيعًا: ﴿ يا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ ﴾ يَعْنِي اخْتارَ لَكُمُ الدِّينَ، أيِ الإسْلامِ، ﴿ فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يُنْهَوْنَ عَنِ المَوْتِ ولَيْسَ مِن فِعْلِهِمْ، وإنَّما يُماتُونَ؟

قِيلَ: هَذا في سَعَةِ اللُّغَةِ مَفْهُومُ المَعْنى، لِأنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إلى مُفارَقَةِ الإسْلامِ، لا إلى المَوْتِ، ومَعْناهُ: الزَمُوا الإسْلامَ ولا تُفارِقُوهُ إلى المَوْتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أسد بن يزيد قال: في مصحف عثمان ﴿ ووصَّى ﴾ بغير ألف.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ ووصى بها إبراهيم بنيه ﴾ قال: وصاهم بالإِسلام، ووصى يعقوب بنيه مثل ذلك.

وأخرج الثعلبي عن فضيل بن عياض في قوله: ﴿ فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ أي محسنون بربكم الظن.

وأخرج ابن سعد عن الكلبي قال: ولد لإِبراهيم إسماعيل وهو أكبر ولده وأمه هاجر وهي قبطية، وإسحق وأمه سارة، ومدن ومدين، وبيشان وزمران، وأشبق وشوح وأمهم قنطوراء من العرب العاربة، فأما بيشان فلحق بنوه بمكة وأقام مدين بأرض مدين فسميت به، ومضى سائرهم في البلاد وقالوا لإِبراهيم: يا أبانا أنزلت إسماعيل وإسحق معك وأمرتنا أن ننزل أرض الغربة والوحشة؟

قال: بذلك أمرت.

فعلمهم اسماً من أسماء الله، فكانوا يستسقون به ويستنصرون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَوَصَّى ﴾ يقال: وصَّى يُوَصّي توصية (١) والوصاة: اسم من التوصية، يقوم مقام المصدر، يقال: وصَّاه وصاةً، كما يقال: كلَّمه كلامًا، قال الله تعالى: ﴿ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا  ﴾ ، قال الشاعر: ألا مَنْ مبلغٌ عَنِّي يزيدًا ...

وَصاةً من أخي ثقةٍ وَدودِ (٢) المصدر من هذا الباب ينقسمُ إلى: تفعيل وتفعلة وفِعَّال ومُفَعَّل، قال الله تعالى: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا  ﴾ وقال: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى  ﴾ .

وقال: ﴿ وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا  ﴾ .

وقال: ﴿ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ  ﴾ .

وفيما جاء على فِعال وهو اسم ينوب عن المصدر كما ذكرنا، إلا أن العربَ تُؤْثِر التَّفْعِلة على التفعيل في ذوات الأربعة، يقولون: وصَّيْتُه توصيةً، وصفّيْتُه تصفيةً.

قال الله تعالى: ﴿ وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ  ﴾ .

وقال: ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً  ﴾ .

والعلةُ فيه ما ذكرنا، واشتقاقُ التوصية من قول العرب: وصَى الشيء، إذا اتصل، قال أبو عُبيد (٣) وصى الليل بالأيامِ حتى صلاتُنا ...

مُقاسمةٌ يشتَقُّ أنصافَها السَّفْرُ (٤) وفلاة واصية: تتصلُ بفَلاةٍ أخرى، وقال ذو الرمة: بين الرَّجَا والرَّجَا من جنبِ واصيةٍ ...

يَهْمَاءُ خابطُها بالخوفِ مَكْعُومُ (٥) (٦) الأصمعي: وَصَى الشيءُ يَصي، إذا اتصلَ، ووَصَاه غيرُه يَصِيه، إذا وَصَلَه، لازمٌ وواقع (٧) (٨)  : (وصيٌّ) (٩) (١٠)  وسببه وسمته، وسميت الوصيّةُ وصيةً؛ لاتصالها بأمر الميت، وقيل: لأنَّ الموصَى وصَلَها إلى الموصي إليه (١١) وفي هذا الحرف قراءتان: وصَّى، وأوصى (١٢) ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ  ﴾ ومثال الإفعال: قوله: ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ  ﴾ وقوله: ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ  ﴾ (١٣) (١٤) وقوله تعالى: (بِهَا) اختلفوا في هذه الكناية، فقال بعضُهم: إنهَّا ترجع إلى الوصية؛ لأنه ذكر الفعلَ، والفعلُ يدُلُّ على المصدرِ وعلى الاسمِ منه، كقول الشاعر: إذا نُهِيَ السفيهُ جرى إليه (١٥) أي: إلى السَّفَهِ، فدل السفيهُ على السَّفَهِ.

وهذا قولُ أبي عبيدة، قال: وإن شئت رددتها إلى الملة؛ لأنه قد ذكر ملة إبراهيم (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) ﴿ وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ  ﴾ يعنى: الجنة لم يسبق لها ذكر، وقال: ﴿ حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ  ﴾ يعني: الشمس.

وقال طرفة (٢٠) على مثلها أمضي إذا قال صاحبي ...

ألا ليتني أَفْدِيكَ منها وأَفْتَدي (٢١) أي: من الفلاة، وقال بعضهم: رجعت الكناية إلى كلمةٍ سبقت، وهو قوله: ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ يَا بَنِيَّ ﴾ قيل: أراد أن يا بني، فحذف (أن) كأنه قال: وصَّاهم أن يا بني، وكذلك هو في قراءة أُبي وابن مسعود، بإثبات أن (٢٣) (٢٤) ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ  ﴾ ، ولم يقل: أن للذكر، كأنّ معناه: قال الله: للذكر، فجرى الوصية على معنى القول.

قال: وأنشدني الكسائي: إني سأبدي لك فيما أبدي لي شَجَنان شجن بنجد وشَجَنٌ لي ببلاد السند (٢٥) ولم يقل: أن لي؛ لأن الإبداء بلسانه في معنى القول، قال: ومثله قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ  ﴾ ، لأن العِدَةَ قولٌ، وإذا جعلت الوصية بمعنى القول لا يحسن أن يقال: أراد أن يا بني فحذف؛ لأنه لا يحتاج إلى إضمار أن مع القول (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ﴾ قال أبو إسحاق: إنما كسرت (إنّ) لأن معنى وصى وأوصى: قول، والمعنى: قال لهم: إن الله اصطفى (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى ﴾ يريد: دين الإسلام دين الحنيفية، والألف واللام فيه للعهد لا للجنس؛ لأنه لم يختر جميع الجنس من الدين، إنما اختار دين الإسلام على سائر الأديان (٢٩) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ قال الفراء في كتاب المصادر: مات يموت مَوتًا ومِيتةً ومَمَاتًا، والمَوتَةُ: المرَّةُ، ويقال: أرض مَواتٌ، وهو مصدر، ووَقَعَ في الناس مُواتٌ ومُوْتانٌ، ويقال: فلان يبيعُ الحيوان والموتانَ، إذا كان يبيع ما سوى الحيوان، ورجل مَوْتانُ النفس إذا لم يكن حيَّ القلب (٣٠) (٣١) ووقع النهي في ظاهرِ الكلام على الموت، وإنما نهُوا في الحقيقة عن ترك الإسلام؛ لئلَّا يصادفهم الموت وهم (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (١) المادة المذكورة في "الحجة" لأبي علي الفارسي 2/ 227 - 228، "اللسان" 8/ 4853 - 4854 (وصى).

(٢) البيت بلا نسبة في "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "لسان العرب" 8/ 4854 (وصى)، "المعجم المفصل" 2/ 256.

(٣) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى).

(٤) ينظر: "ديوانه" ص 590، "لسان العرب" 8/ 4854، "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "ديوان الأدب" 3/ 257، "أساس البلاغة" (وصى)، "المعجم المفصل" 3/ 282، ورواية " التهذيب" (نَصِي) بدل (وصى).

(٥) ينظر: "ديوانه" ص407، "تهذيب اللغة" 4/ 3920، "لسان العرب" 3/ 1605، 7/ 3891، 8/ 4854، "المعجم المفصل" 7/ 218، ورواية "التهذيب"، و"اللسان" معكوم.

(٦) في (ش): (معكوم).

(٧) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى).

(٨) المصدر السابق.

(٩) لم أجد في النصوص ما يدل على وصف علي -  - بالوصي سواء بالمفهوم الذي ذكره المؤلف أو بمفهوم الرافضة.

وقد بين شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى 4/ 77 أن الرافضة خرج أولهم في زمن علي -  - صاروا يدعون أنه خُص بأسرار من العلوم والوصية حتى كان يسأله عن ذلك خواص أصحابه فيخبرهم بانتفاء ذلك ..

وقد خرج أصحاب الصحيح كلام علي هذا من غير وجه مثل ما في الصحيح عن أبي جحيفة، قال: سألت عليًا، هل عندكم شيء ليس في القرآن؟

فقال: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ماعندنا إلا ما في القرآن إلا فهمًا يعطيه الله لرجل في كتابه، وما في الصحيفة.

قلت: وما في هذه الصحيفة؟

قال.

العقل وفكاك الأسير.

(١٠) ذكره في "تهذيب اللغة" 4/ 3902 (وصى).

(١١) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3902، "لسان العرب" 8/ 4854 (وصى).

(١٢) قرأ نافع وابن عامر: (وأَوْصَى) بها وقرأ الباقون من السبعة: (وَوَصَّى).

ينظر: "السبعة" ص 170، "الحجة" لأبي علي 2/ 227، "الحجة" لابن خالويه ص 89.

(١٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1203.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 397.

(١٥) تمام البيت: وخالف والسفيه إلى خلاف.

لم ينسب البيت لقائل.

أنشده الفراء في "معاني القرآن" 1/ 248، وثعلب في "مجالسه" 1/ 60، وذكره في "خزانة الأدب" 4/ 335، وفي "الخصائص" 3/ 49، وفي "همع الهوامع" 1/ 264.

(١٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، ونقله البغوي في "تفسيره" 1/ 153، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211.

(١٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، وذكره ولم ينسبه أبو حيان في "البحر" 1/ 397، والسمين في "الدر المصون" 1/ 376.

(١٨) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1203، والواحدي في "البسيط" 1/ 1204، والبغوي في "تفسيره" 1/ 153.

(١٩) "تفسير مقاتل" 1/ 140، "تفسير الثعلبي" 1/ 1203، "تفسير البغوي" 1/ 153.

(٢٠) هو: طرفة بن العبد بن سفيان البكري، تقدمت ترجمته.

(٢١) ينظر: "ديوانه" ص 29، "تفسير الثعلبي" 1/ 1204 "الإنصاف" لابن الأنباري ص 85، "الدرر اللوامع على همع الهوامع" 2/ 269، والهاء في قوله: (منها) تعود إلى مضمر، وهي الصحراء المهلكة، وهو الشاهد حيث عادت على غير مذكور.

(٢٢) كذا في "البحر المحيط" 1/ 398.

(٢٣) كذا في "معاني القرآن" للفراء 1/ 80، "تفسير الثعلبي" 1/ 1207، "شواذ القراءة" ص 32، "تفسير القرطبي" 2/ 125.

(٢٤) في (م): كأنها (الغاوه).

(٢٥) الرجز ذكره الفراء، عن الكسائي في "معاني القرآن" 1/ 80، وهو بلا نسبة في "تفسير الطبري" 1/ 561، "تفسير الثعلبي" 1/ 1207، "المخصص" 12/ 223، "مقاييس اللغة" 3/ 249.

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 80 (٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 211.

(٢٨) ذكره في "الوسيط" 1/ 216، "تفسير ابن عباس" ص 19.

(٢٩) "البحر المحيط" 1/ 399.

(٣٠) في نسخة (أ) زيادة ليست في النسخ لعلها حاشية من الكاتب وهي قوله: ومن العرب من يقولُ: مُتُّ، ومِتُّ، ويَمَات ويموتُ، والمَمَات من مصادر الموت أيضًا، والجارية تأخذها المُوْتَةُ كأنه سُكْرٌ وضرب من الجنون.

ومؤتةُ، مهموزة، الأرض التي قتل بها جعفر بن أبي طالب،  .

(٣١) ينظر: "تهذيب اللغة" 4/ 3321، "لسان العرب" 7/ 4296 (مات).

(٣٢) زيادة من (م).

(٣٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212، "البحر المحيط" 1/ 399.

(٣٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 212.

(٣٥) المصدر السابق.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ منصوب على التشبيه بالمفعول به، وقيل: الأصل؛ في نفسه ثم حذف الجار فانتصب وقيل: تمييز ﴿ ووصى بِهَآ ﴾ أي بالكلمة والملة ﴿ وَيَعْقُوبُ ﴾ : بالرفع عطف على إبراهيم، فهو موصي، وقرئ بالنصب عطفاً على نبيه فهو موصى.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أرنا ﴾ وبابه ساكنة الراء: ابن كثير ورويس قياساً على كسرة فخذ إذ تسكن فيقال "فخذ".

وقرأ أبو عمرو بالاختلاس طلباً للخفة وحذراً من الإجحاف ﴿ ويعلمهم ﴾ بالاختلاس: ابن عباس، وكذلك كل فعل مستقبل مجموع حيث وقع.

وروى ابن رومي عن ابن عباس ﴿ يكلمنا ﴾ و ﴿ تعدنا ﴾ وكل كلمة تضمنت جمعين من الأسماء باختلاس مثل ﴿ في أعينكم ﴾ ﴿ وأسلحتكم ﴾ ﴿ وأمتعتكم ﴾ و ﴿ أوصى ﴾ من الإيصاء: أبو جعفر ونافع وابن عامر.

الباقون ﴿ وصى ﴾ بالتشديد.

﴿ شهداء إذ ﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

والباقون ﴿ شهداء يذ ﴾ وكذلك ما أشبهه في كل القرآن.

الوقوف: ﴿ وإسماعيل ﴾ (ط) لإضمار القول أي يقولان ومحله نصب على الحال ﴿ منا ﴾ (ط) للابتداء بأن ولجواز الوصل وجه لطيف على تقدير فإنك أو لأنك ﴿ العليم ﴾ (ه) ﴿ مسلمة لك ﴾ (ص) لعطف المتفقين ﴿ علينا ﴾ (ط) وقد ذكر ﴿ الرحيم ﴾ (ه) ﴿ ويزكيهم ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ نفسه ﴾ (ط) للفصل بين الاستفهام والإخبار ﴿ في الدنيا ﴾ (ج) لعطف الجملتين ﴿ الصالحين ﴾ (ه) ﴿ أسلم ﴾ (ط) لأن قوله "قال" عامل "إذ" وإلا وجب أن يقال "فقال" وإلا انقطع النظم ﴿ العالمين ﴾ (ه) ﴿ ويعقوب ﴾ (ط) لإرادة القول على الأصح، ومن وصل جعل الوصية في معنى القول ﴿ مسلمون ﴾ (ط) لأن "أم" بمعنى همزة الاستفهام للإنكار ﴿ الموت ﴾ (لا) لأن "إذ" بدل من "إذ" الأولى و "إذ" الأولى ظرف ﴿ شهدا ﴾ و "اذ" الثانية ظرف ﴿ حضر ﴾ ومن قطعها عن الأول فوقف على الموت وجعل ﴿ قالوا ﴾ عاملاً ولم يقف على ﴿ بعدي ﴾ فله وجه لا يتضح لأن الإنكار متوجه على قولهم: إن يعقوب أوصى بنيه باليهودية لا على أن يعقوب قد مات ﴿ من بعدي ﴾ (ط) ﴿ واحداً ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين والوصل أجوز على جعل الواو حالاً ﴿ مسلمون ﴾ (ه) ﴿ قد خلت ﴾ (ج) لأن ما بعدها تصلح صفة للأمة وتصلح استئنافاً وهو واضح لعطف ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ عليها ﴿ ولكم ما كسبتم ﴾ (ج) لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ يعلمون ﴾ (ه).

التفسير: عن وهب بن منبه قال: إن آدم  لما أهبط إلى الأرض استوحش منها لما رأى من سعتها، ولأنه لم ير فيها أحداً غيره فقال: يا رب أما لأرضك عامر يسبحك فيها ويقدس لك غيري؟

فقال الله: إني سأجعل فيها من ذريتك من يسبح بحمدي ويقدس لي، وسأجعل فيها بيوتاً ترفع لذكري وسأبوئك منها بيتاً أختاره لنفسي وأخصه بكرامتي وأوثره على بيوت الأرض كلها باسمي وأسميه بيتي، أعظمه بعظمتي وأحوطه بحرمتي، وأضعه في البقعة التي اخترت لنفسي، فإني اخترت مكانه يوم خلقت السموات والأرض، أجعل ذلك البيت لك ولمن بعدك حرماً وأمناً أحرم بحرمته ما فوقه وما تحته وما حوله، فمن حرمه بحرمتي فقد عظم حرمتي، ومن أحله فقد أباح حرمتي، ومن أمن أهله استوجب بذلك أماني، ومن أخافهم فقد جفاني، ومن عظم شأنه فقد عظم في عيني، ومن تهاون به فقد صغر في عيني، سكانها جيراني، وعمارها وفدي، وزوارها أضيافي، أجعله أوّل بيت وضع للناس، وأعمره بأهل السماء والأرض، يأتونه أفواجاً شعثاً غبراً على كل ضامر يأتين من كل فج عميق، يعجون بالتكبير عجيجاً ويضجون بالتلبية ضجيجاً، فمن اعتمره لا يريد غيري فقد زارني وضافني ووفد عليّ ونزل بي فحق علي أن ألحقه بكرامتي وحق على الكريم أن يكرم وفده وأضيافه وزواره وأن يسعف كل واحد منهم بحاجته، تعمره يا آدم ما كنت حياً ثم يعمره من بعدك الأمم في القرون والأنبياء من ولدك أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن ونبياً بعد نبي حتى ينتهي بعد ذلك إلى نبي من ولدك يقال له "محمد" وهو خاتم النبيين فأجعله من عماره، وسكانه وحماته وولاته، يكون أميني عليه ما دام حياً، فإذا انقلب إلي وجدني وقد ذخرت له من أجره ما يتمكن به من القربة إلي والوسيلة عندي وأجعل اسم ذلك البيت وشرفه وذكره ومجده وسناه ومكرمته لنبي من ولدك يكون قبل هذا النبي  وهو أبوه يقال له "إبراهيم"، أرفع به قواعده وأقضي على يديه عمارته، وأعلمه مشاعره ومناسكه، وأجعله أمة واحدة قانتاً قائماً بأمري داعياً إلى سبيلي، أجتبيه وأهديه إلى صراط مستقيم، أبتليه فيصبر وأعافيه فيشكر وآمره فيفعل وينذر لي فَيَفي، أستجيب دعاءه في ولده وذريته من بعده، وأشفعه فيهم وأجعلهم أهل ذلك البيت وحماته وسقاته وخدمه وخزانه وحجابه حتى يبدلوا ويغيروا وأجعل إبراهيم إمام ذلك البيت وأهل تلك الشريعة، يأتم به من حضر تلك المواطن من جميع الخلق الجن والإنس.

وروي أن الله  أنزل البيت ياقوتة من يواقيت الجنة له بابان من زمرد شرقي وغربي.

وقال لآدم: أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، فتوجه إليه آدم من أرض الهند ماشياً وتلقته الملائكة فقالوا: برّ حجك يا آدم لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام.

وحج آدم أربعين حجة من أرض الهند إلى مكة على رجليه، فكان على ذلك إلى أن رفعه الله أيام الطوفان إلى السماء الرابعة، فهو البيت المعمور.

ثم إن الله  أمر إبراهيم ببنائه وعرفه جبرائيل مكانه.

وعن علي  : البيت المعمور بيت في السماء يقال له "الضراح" وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفاً من الملائكة لا يعودون فيه أبداً.

وعن عبد الله بن عمر أن النبي  قال "الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة طمس الله نورهما ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب وما مسهما ذو عاهة ولا سقيم إلا شفي" وعن ابن عباس أنه كان أشد بياضاً من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك.

وأما قصة إسماعيل  وأمه، فعن أبي هريرة أن رسول الله  قال "لم يكذب إبراهيم  قط إلا ثلاث كذبات ثنتين في ذات الله قوله ﴿ إني سقيم  ﴾ وقوله ﴿ بل فعله كبيرهم هذا  ﴾ وواحدة في شأن سارة فإنه قدم أرض جبار ومعه سارة وكانت أحسن الناس فقال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك فإن سألك فأخبريه أنك أختي فإنك أختي في الإسلام فإني لا أعلم في الأرض مسلماً غيري وغيرك.

فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار فأتاه فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلا لك، فأرسل إليها فأتى بها وقام إبراهيم إلى الصلاة، فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت، فعاد فقبضت يده أشد من القبضة الأولى فقال لها مثل ذلك، فعاد فقبضت يده أشد من القبضتين الأولتين فقال: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرك ففعلت فأطلقت يده ودعا الذي جاء بها فقال له: إنك إنما جئتني بشيطان ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي وأعطها هاجر.

قال: فأقبلت تمشي فلما رآها إبراهيم انصرف فقال: مهيم.

فقالت: خيراً كفى الله يد الفاجر وأخدم خادماً" قال أبو هريرة: فتلك أمكم يا بني ماء السماء.

قلت: وذلك أنها ملكتها سارة إبراهيم فولدت له إسماعيل أبا العرب.

وأما تتمة القصة، بعد أن غارت سارة على هاجر حيث لم يكن لسارة من إبراهيم ولد فإنها ولدت إسحق بعد ولادة هاجر إسماعيل بأربع عشرة سنة.

فقد روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أول ما اتخذت النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقاً لتعفي أثرها على سارة، ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء، فوضعهما هناك ووضع عندهما جراباً فيه تمر وسقاء فيه ماء، ثم قفىَ إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟

فقالت له ولك مراراً وجعل لا يلتفت إليها فقالت له: الله أمرك بهذا؟

قال: نعم، قالت: إذن لا يضيعنا.

ثم رجعت فانطلق إبراهيم  حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات فرفع يديه فقال ﴿ ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع ﴾ حتى بلغ ﴿ يشكرون  ﴾ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر إليه يتلوى فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً ففعلت ذلك سبع مرات.

قال ابن عباس: قال النبي  "فلذلك سعى الناس بينهما" .

فلما أشرفت على المروة سمعت صوتاً فقالت: صه تريد نفسها، ثم تسمعت فسمعت صوتاً أيضاً فقالت: قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه - أو قال بجناحه - حتى ظهر الماء، فجعلت تحوّض وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد أن تغرف.

قال ابن عباس: قال النبي  : "يرحم الله أم إسماعيل لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عيناً معيناً" .

قال: فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ههنا بيتاً لله يبنيه هذا الغلام وأبوه وإن الله لا يضيع أهله.

وكان البيت مرتفعاً من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله، فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم مقبلين من طريق كداء فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائراً عائفاً فقالوا: إن هذا الطائر ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء.

فأرسلوا جرياً أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا وأخبروهم، فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟

قالت: نعم ولكن لا حق لكم في الماء.

قالوا: نعم.

قال ابن عباس: قال النبي  : " فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الإنس" .

فنزلوا وأرسلوا إلى أهاليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم، وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب الغلام، فلما أدرك الغلام زوجوه امرأة منهم.

وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته عنه فقالت: خرج يبتغي لنا، ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بشر، نحن في ضيق وشدة وشكت.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يغير عتبة بابه، فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئاً فقال: هل جاءكم من أحد؟

قالت: نعم، جاءنا شيخ كذا وكذا فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة قال: أوصاك بشيء؟

قالت: نعم، أمرني أن أقرأ عليك السلام ويقول: غير عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وقد أمرني أن أفارقك الحقي بأهلك فطلقها.

وتزوج منهم أخرى فلبث عنهم إبراهيم ما شاء الله أن يلبث، ثم أتاهم بعد ذلك فلم يجده فدخل على امرأته فسأل عنه قالت: خرج يبتغي لنا قال: كيف أنتم؟

وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت: نحن بخير وسعة وأثنت على الله عز وجل.

قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي  وقولي له يثبت عتبة بابه.

فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟

قالت: نعم، أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير.

قال: فأوصاك بشيء؟

قالت: نعم، يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك.

قال: ذاك أبي وأنت العتبة أمرني أن أمسكك.

ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلاً له تحت دوحة قريباً من زمزم، فلما رآه قام إليه وصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد ثم قال: يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر قال: فاصنع ما أمرك ربك.

قال: وتعينني؟

قال: وأعينك.

قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتاً ههنا وأشار إلى أكمة مرتفعة على ما حولها، فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء إبراهيم بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿ ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ﴾ وعن علي كرم الله وجهه أنه مر عليه الدهر بعد بناء إبراهيم فانهدم فبنته العمالقة، ومر عليه الدهر فانهدم فبناه قريش ورسول الله  يومئذ شاب، فلما أرادوا أن يرفعوا الحجر الأسود اختصموا فيه فقالوا: يحكم بيننا أول رجل يخرج من هذه السكة، وكان رسول الله  أول من خرج عليهم فقضى بينهم أن يجعلوا الحجر في مرط ثم يرفعه جميع القبائل فرفعوه فأخذه رسول الله  فوضعه.

واعلم أن للبيت أربعة أركان: ركنان يمانيان وركنان شاميان، وكان لاصقاً بالأرض، وله بابان شرقي وغربي فذكر أن السيل هدمه قبل مبعث رسول الله  بعشر سنين فأعادت قريش عمارته على الهيئة التي هي عليها اليوم، ولم يجدوا من النذور والهدايا والأموال الطيبة ما يفي بالنفقة فتركوا من جانب الحجر بعض البيت وخلفوا الركنين الشاميين عن قواعد إبراهيم  ، وضيقوا عرض الجدار من الأسود إلى الشامي الذي يليه فبقي من الأساس شبه الدكان مرتفعاً وهو الذي يسمى الشاذروان، وروي "أنه  قال لعائشة لولا حدثان قومك بالشرك لهدمت البيت ولبنيته على قواعد إبراهيم فألصقته بالأرض وجعلت لها بابين شرقياً وغربياً" ثم إن ابن الزبير هدمه أيام ولايته وبناه على قواعد إبراهيم، ثم لما استولى عليه الحجاج هدمه وأعاده على الصورة التي هو عليها اليوم وهي بناء قريش.

ولنعد إلى المقصود فنقول ﴿ يرفع ﴾ حكاية حال ماضية، والقواعد جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه وهي صفة غالبة معناها الثابتة، ورفع الأساس البناء عليها لأنها إذا بنى عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، ويجوز أن يكون المراد بها سافات البناء لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه ويوضع فوقه فيرتفع كل منها بسبب وضع الآخر عليه، ورفع القواعد صريح فيما ذهب إليه الأكثرون من أن القواعد كانت موجودة وأن إبراهيم عمّرها ورفعها كما مر في الأحاديث.

وإنما لم يقل "قواعد البيت" ليكون الكلام مبنياً على تبيين بعد إبهام ففيه تفخيم لشأن المبين، ثم إن الله  حكى عنهما ثلاثة أنواع من الدعاء في تلك الحالة؛ الأول: قولهما ﴿ تقبل منا ﴾ وقبول الله عمل العبد عبارة عن كون العمل بحيث يرضاه الله  أو يثبت عليه، والأول ألذ عند العارفين من الثاني، شبه الفعل من العبد بالهدية، وإثابة الله  عليه ورضاه به بالقبول.

وقيل: إن بين القبول والتقبل فرقاً، فالتقبل عبارة عن تكلف القبول وذلك حيث يكون العمل ناقصاً لا يستحق أن يقبل، فاختير تقبل هضماً وتواضعاً واستقصاراً.

وقد يستدل بهذا على أن الفعل المقرون بالإخلاص لا يجب ترتب الثواب عليه وإلا لم يكن في طلبه فائدة، ويحتمل أن يقال: الطلب متوجه إلى جعله من جملة الأفعال المقرونة بالإخلاص، فكنى بطلب القبول عن ذلك ويؤكده قولهما ﴿ إنك أنت السميع ﴾ يعني سماع إجابة العليم بنياتنا.

النوع الثاني ﴿ ربنا واجعلنا مسلمين لك ﴾ فإن أريد بالإسلام الدين والاعتقاد توجه الطلب إلى الثبات والدوام أي ثبتنا على ذلك وإلا كان تحصيلاً للحاصل بالنسبة إليهما وقتئذ، وإن أريد الاستسلام والخضوع والإذعان الكلي والرضا بكل ما قدر وأمر فتوجه الطلب إلى هذه الأمور أنفسها غير مفيد لأنها أمور خارجة عن الضبط لا تتيسر إلا بمجرد تيسير الله وتوفيقه بخلاف أصل الإسلام الذي وقع به التكليف فإنه مضبوط.

وقد يظن أن للعبد اختياراً فيه وإن كان اختياره على تقدير ثبوته ينتهي إلى مسبب الأسباب.

وقوله ﴿ واجعلنا ﴾ إما معطوف على ﴿ تقبل ﴾ وقوله ﴿ إنك أنت السميع العليم ﴾ ﴿ ربنا ﴾ اعتراض للتأكيد وإما معطوف على محذوف أي ربنا افعل هذا واجعلنا.

﴿ ومن ذريتنا ﴾ من للتبعيض كما في قوله ﴿ ومن ذريتي  ﴾ .

والأمة الجماعة من الناس، وقيل أراد أمة محمد  ﴿ مسلمة ﴾ يحتمل ههنا أصل الإسلام والزيادة عليه أيضاً.

وقيل: أسلم مطلقاً يفيد الإيمان والاعتقاد ومعدى باللام معناه الاستسلام والانقياد الكلي.

طلب الإسلام لهم بعد ما طلب لهم الإمامة إظهاراً للشفقة.

فالشفيق بسوء الظن مولع، ويحتمل أن يكون هذا الدعاء بياناً لما أجمل هناك فيكونان واحداً.

وتخصيص الذرية بالدعاء من بين الخلائق لأنهم أحق بالنصيحة وأقوم ﴿ قوا أنفسكم وأهليكم ناراً  ﴾ ولأنهم أئمة بصلاحهم يصلح غيرهم وفي سدادهم يكون سداد من وراءهم.

ولقد استجاب الله دعاءه فلم يزل في ذريتهما من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً، ولم يزل الرسل من ذرية إبراهيم، وقد كان في الجاهلية زيد بن عمرو ابن نفيل وقس بن ساعدة.

ويقال عبد المطلب بن هاشم جد رسول الله  على دين الحق قائلين بالإبداء والإعادة والثواب والعقاب يوحدون الله ولا يأكلون الميتة ولا يعبدون الأوثان ﴿ وأرنا ﴾ إن كان منقولاً عن رؤية العلم فمعناه علمنا أن شرائع حجنا كيف هي إذ أمرتنا ببناء البيت لنحجه وندعو الناس إلى حجه، وإن كان منقولاً عن رؤية البصر - وهو الأظهر - ولذلك لم يتجاوز مفعولين ظاهراً.

فالمعنى بصرنا متعبداتنا في الحج.

قال الحسن: إن جبريل أرى إبراهيم المناسك كلها حتى بلغ عرفات فقال: يا إبراهيم أعرفت ما أريتك من المناسك؟

قال: نعم، فسميت عرفات.

فلما كان يوم النحر أراد أن يزور البيت عرض له إبليس فسد عليه الطريق، فأمر جبريل أن يرميه بسبع حصيات ففعل فذهب الشيطان، ثم عرض له في اليوم الثاني والثالث والرابع وكل ذلك يأمره جبريل برمي الحصيات.

وقيل: المراد العلم والرؤية معاً لأن الحج لا يتم إلا بأمور بعضها يعلم ولا يرى، وبعضها لا يتم الغرض منه إلا بالرؤية، فوجب حمل اللفظ على الأمرين جميعاً وليس ببعيد، فإن اللفظ المشترك يصح إطلاقه على معنييه معاً وكذلك مدلولا الحقيقة والمجاز يصح إرادتهما معاً من لفظ واحد كالعقد والوطء من النكاح.

غاية ما في الباب أن يكون هذا الإطلاق مجازاً، ومن الناس من يحمل المناسك على المذابح.

فقد يسمى الذبح للتقرب نسكاً والذبيحة نسيكة، وليس لهذا التخصيص وجه فإن الذبح إنما يسمى نسكاً لدخوله تحت أصل معنى النسك وهو التعبد، فحمل المناسك على جميع أعمال الحج أولى قال  "خذوا عني مناسككم لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا" بل لا يبعد أن يحمل على جميع ما شرعه الله لإبراهيم أي علمنا كيف نعبدك ومتى وأين نعبدك، وبماذا نتقرب إليك حتى نخدمك بذلك خدمة العبد لمولاه؟

﴿ وتب علينا ﴾ التوبة منهما محمولة على ما عسى أن يكون فرط منهما من الصغائر عند من يجوّزها على الأنبياء، وعلى ترك الأولى ونحو ذلك عند غيرهم، ويمكن أن تكون التوبة منهما تصويراً لأنفسهما بصورة النادم العازم على التحرز تشدداً في الانصراف عما لا يليق بهما.

قال  "يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم مائة مرة" وأيضاً لعلهما استتابا لذريتهما لعلمهما بأن فيهم ظالمين لقوله  ﴿ لا ينال عهدي الظالمين ﴾ وذلك لغاية شفقتهما عليهم.

وباقي مباحث التوبة، قد مر في قصة آدم فليتذكر النوع الثالث ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم ﴾ وفيه أمران: الأول: أن يبعث في تلك الأمة رسولاً ليبين لهم الشرع القويم وينهج الصراط المستقيم، والثاني: أن يكون ذلك الرسول منهم لا من غيرهم لأن الرسول والمرسل إليهم إذا كانوا جميعاً من ذريته كان رتبته أجل، ولأنه إذا كان منهم عرفوا مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته، ولأنه إذا كان منهم كان أحرص عليهم وأشفق من أجنبي لو أرسل إليهم.

وأما الرسول فهو محمد  بإجماع المفسرين وهو حجة ولقوله  في موضع آخر ﴿ لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين  ﴾ ولقوله  "أنا دعوة إبراهيم وبشرى عيسى ورؤيا أمي" أما الدعوة فهذه، وأما البشارة فقوله  في سورة الصف ﴿ ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد  ﴾ وأما الرؤيا فما رأت آمنة وهي حامل أنه خرج منها نور أضاء ما بين الخافقين.

وههنا نكتة وهي أن الخليل لما دعا للحبيب بقوله ﴿ ربنا وابعث فيهم رسولاً ﴾ فلا جرم قضى الله  حق الحبيب للخليل بأن أجرى ذكره على ألسنة أمته إلى يوم القيامة يقولون في صلاتهم: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم.

ولهذا الذكر مناسبات أخر منها: أن الخليل دعا لنفسه بقوله ﴿ واجعل لي لسان صدق في الآخرين  ﴾ أي أبق لي ثناءً حسناً في أمة محمد  ، فأجابه الله تعالى وقرن ذكره بذكر حبيبه.

ومنها أن إبراهيم أبو الملة ﴿ ملة أبيكم إبراهيم  ﴾ ومحمد  أبو الرحمة ﴿ بالمؤمنين رءوف رحيم  ﴾ ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم  ﴾ "إنما أنا لكم مثل الوالد لولده" يعني في الرأفة والرحمة، فلما ثبت لكل منهما الأبوة قرن بين ذكرهما في التحية.

ومنها أن إبراهيم منادي الشريعة ﴿ وأذن في الناس بالحج  ﴾ ومحمد منادي الدين ﴿ سمعنا منادياً ينادي للإيمان  ﴾ ومنها أنه كان أول الأنبياء بعد الطوفان، ومحمد خاتم النبيين ورسول آخر الزمان.

ومنها إن الخليل تبرأ عن سائر الأديان ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ والحبيب تنزه عن جميع الأكوان ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ ثم إن إبراهيم  ذكر لذلك الرسول صفات أولاها ﴿ يتلو عليهم آياتك ﴾ فهو الفرقان المتلو عليهم، أو جميع ما بلغه من دلائل التوحيد وغيره "أوتيت القرآن ومثله معه" وثانيتها "ويعلمهم الكتاب" أي معانيه وحقائقه، وذلك أن التلاوة وإن كانت مطلوبة لبقاء لفظها على ألسنة أهل التواتر فيبقى مصوناً من التحريف، ولأن لفظه ونظمه معجز وفي تلاوته نوع عبادة ولا سيما في الصلوات إلا أن الحكمة العظمى والمقصود الأسنى تعليم ما فيه من الدلائل والأحكام.

وثالثتها قوله ﴿ والحكمة ﴾ أي ويعلمهم الحكمة.

وقيل: هي الإصابة في القول والعمل جميعاً، فلا يسمى حكيماً إلا وقد اجتمع فيه الأمران فيضع كل شيء موضعه ولهذا عبر عنها بعض الحكماء بأنها التشبه بالإله بقدر الطاقة البشرية، ويناسبه قوله  "تخلقوا بأخلاق الله" وعن ابن وهب قلت لمالك: ما الحكمة؟

قال: معرفة الدين والفقه فيه والاتباع له.

وعن قتادة وإليه ذهب الشافعي: هي سنة رسول الله  لأنه ذكر تلاوة الكتاب ثم تعليمه ثم عطف عليه الحكمة فيكون شيئاً خارجاً عنهما وليس ذلك إلا سنة الرسول، فإن الدلائل العقلية الدالة على التوحيد والنبوة وما يتلوهما مستقلة بالفهم فحمل اللفظ على ما لا يستفاد إلا من الشرع أولى.

وقيل: هي الفصل بين الحق والباطل من الحكم.

وقيل: المراد بالكتاب الآيات المحكمات، وبالحكمة المتشابهات.

وقيل: هي ما في أحكام الكتاب من الحكم والمصالح.

ورابعتها ﴿ ويزكيهم ﴾ لأن الإرشاد يتم بأمرين: التحلية والتخلية.

فكما يجب على المعلم التنبيه على نعوت الكمال ليحظى المتعلم بها، يجب عليه التحذير عن النقصان ليتحرز عنها وذلك بنحو ما يفعله النبي  سوى التلاوة وتعليم الكتاب والحكمة من الوعد والإيعاد والوعظ والتذكير والتشبث بأمور الدنيا لتتقوى بها دواعيهم إلى الإيمان والعمل الصالح، ولذلك مدح بأنه على خلق عظيم وأنه أوتي مكارم الأخلاق.

وقيل: يزكيهم يطهرهم عن الشرك وسائر الأرجاس كقوله ﴿ ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث  ﴾ وقيل: يشهد لهم بأنهم عدول يوم القيامة ﴿ ويكون الرسول عليكم شهيداً  ﴾ وعن ابن عباس: التزكية هي الطاعة لله والإخلاص ﴿ إنك أنت العزيز ﴾ القادر الذي لا يغلب ﴿ الحكيم ﴾ العالم الذي لا يفعل إلا على وفق المصالح، وإذا كان كذلك صح منه إجابة الدعاء وبعثة الرسل وإنزال الكتب ﴿ ومن يرغب ﴾ الاستفهام فيه لتقرير النفي أي لا يرغب أحد.

يقال: رغب عن الأمر إذا كرهه ورغب فيه إذا أراده.

ومحل ﴿ من سفه ﴾ الرفع على البدل من الضمير في ﴿ يرغب ﴾ وذلك أنه غير موجب مثل "هل جاءك أحد إلا زيد" وسفه الإما متعد: ومعنى سفه نفسه امتهنها واستخفها فأصل السفه الخفة وفي الحديث "الكبر أن نسفه الحق وتغمص الناس" لأنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة.

وعن الحسن: إلا من جهل نفسه فلم يفكر فيها، فيستدل بما يجده فيها من آثار الصنع على وحدانية الله  وحكمته ويرتقي إلى صحة نبوة محمد  .

وعن أبي عبيدة: أهلك نفسه وأوبقها.

وقيل: أضل نفسه وإما لازم فمعناه سفه في نفسه فحذف الجار نحو "زيد ظني مقيم" أي في ظني وقيل: نصب على التمييز نحو "غبن رأيه وألم رأسه" وهذا عند الكوفيين.

فإن التمييز عندهم يجوز أن يكون معرفة.

وفيه توبيخ لليهود والنصارى ومشركي العرب وتعجيب من حالهم، فإن أعظم مفاخرهم وفضائلهم الانتماء إلى إبراهيم، ثم إنهم لا يؤمنون بالرسول الذي هو دعوته ومطلوبه بالتضرع والإخلاص.

فإن قيل: ملة إبراهيم عين ملة محمد في الأصول والفروع، أو هما متحدتان في الأصول كالتوحيد والنبوة، وأصول مكارم الأخلاق ولكنهما مختلفتان في فروع الأعمال ولا سبيل إلى الأول وإلا لم يكن شرع محمد  ناسخاً لسائر الشرائع ولا إلى الثاني لأنه يلزم أن يكون محمد أيضاً راغباً عن ملة إبراهيم، ولأن الاعتراف بالأصول لا يقتضي الاعتراف بنبوة محمد  ؟

قلنا: المختار اتحاد الملتين في الأصول فقط، لكن نبوة محمد  من جملة الأصول التي مهدها إبراهيم  .

والمراد بملة إبراهيم في الآية أصولها التي لا تختلف بمر الأعصار وكر الدهور، فلا يلزم أن يكون محمد  راغباً عنها لأنه أمر باتباعها ﴿ ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ روي أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجراً إلى الإسلام فقال لهما: قد علمنا أن الله قال في التوراة: إني باعث من ولد إسماعيل نبياً اسمه أحمد، فمن آمن به فقد اهتدى ورشد، ومن لم يؤمن به فهو ملعون.

فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت.

ثم إنه  لما سفه من يرغب عن ملة إبراهيم بين السبب في ذلك فقال ﴿ ولقد اصطفيناه في الدنيا ﴾ أي أخترناه للرسالة من دون الخليقة وعرفناه الملة الجامعة للتوحيد والعدل والإمامة الباقية إلى قيام الساعة حتى نال منزلة الخلة ﴿ وإنه في الآخرة لمن الصالحين ﴾ فيلزمه ما يلزمهم من الكرامة وحسن الثواب فليتحقق كل ذي لب أن الراغب عن سيرة من هو فائز بسعادة الدارين لا رأي له والله الموفق.

ثم بين سبب الاصطفاء فأعمل ﴿ اصطفينا ﴾ في ﴿ إذ قال ﴾ أي اخترناه في ذلك الوقت، ويجوز أن ينتصب بإضمار "اذكر" استشهاداً على ما ذكر من حاله كأنه قيل له: اذكر الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله ﴿ إذ قال له ربه ﴾ من باب الالتفات، ولولا ذلك لكان حقه أن يقال: إذ قلنا له، والأكثرون على أنه تعالى قال له ذلك قبل النبوة وقبل البلوغ وذلك عند استدلاله بالكوكب والقمر والشمس واطلاعه على أمارة الحدوث فيها، فلما عرف ربه قال له أسلم، فإنه لا يجوز أن يقول له قبل أن عرف ربه.

ويحتمل أن يكون ذلك قبل الاستدلال، ولا يكون المراد منه نفس القول بل دلالة الدليل عليه كقولهم "نطق الحال" قال  ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون  ﴾ فجعل دلالة البرهان كلاماً، ويحتمل أن يكون هذا بعد النبوة والمراد استقامته على الإسلام وثباته عليه كقوله ﴿ فاستقم كما أمرت  ﴾ أو المقصود الانقياد لأوامر الله  والمسارعة إلى تلقيها بالقبول وترك الاعتراض بالقلب واللسان.

وقيل: الإيمان صفة القلب والإسلام صفة الجوارح وإن إبراهيم  كان عارفاً بالله  بقلبه فكلفه الله  بعد ذلك بعمل الجوارح.

وفي تخصيص لفظ الرب بهذا الموضع بل بأكثر قصص إبراهيم إشارة إلى أن طريق عرفانه النظر في المربوبات فلا جرم وصل إلى الرب، وطريق عرفان محمد  عكس ذلك الترتيب فلا جرم بدأ من الله ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ والأول طريق حسن ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق  ﴾ لكن الطريق الثاني أحسن ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد  ﴾ ومن هنا يعرف أكملية محمد  .

وإني وإن كنت الأخير زمانه *** لآت بما لم يستطعه الأوائل فألف إبراهيم دلالة على استقامة سيرته، وميم محمد دليل على أنه مكمل الأوضاع وبه ابتدأ الأمر من حيث انتهى فتمت دائرة النبوة وحصلت الخاتمة.

وكما أن ألف إبراهيم دليل على وجود الاستقامة ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا  ﴾ فألف إبليس دليل عدم الاستقامة ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر  ﴾ والوجود خير والعدم شر فحصل من خاء الخير مع لام الابتلاء ﴿ وإذ ابتلى إبراهيم ربه  ﴾ تركيب الخلة ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلاً  ﴾ ومن شين الشر مع دال الدوام على الكفر ﴿ وكان من الكافرين  ﴾ اسم الشدة ﴿ والكافرون لهم عذاب شديد  ﴾ ثم إن الخلة مأخوذة من التخلل بين الشيئين ومنه الخلال فلا جرم كان إبراهيم  واسطة في الطريقة ﴿ أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً  ﴾ والمحبة مأخوذة من الحبة وهو خالص كل شيء وداخله، ومنه حبة القلب فلا جرم كان محمد  خاتم النبيين وحبيب رب العالمين وزبدة الكائنات وغاية الحركات، لولاك لما خلقت الأفلاك، أول الفكر آخر العمل "أول ما خلق الله  نوري، أنا أول من ينشق عنه قبر، آدم ومن دونه تحت لوائي، أنا سيد المرسلين ولا فخر" محمد  أبو الحقيقة وإن كان إبراهيم  أبا الطريقة، والحقيقة لكونها مقصودة بالذات أقوى من الطريقة، لا جرم وقع الصلاة على إبراهيم في الصلاة تبعاً للصلاة على محمد "اللهم صلَّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم" وأن الصلاة لا تصح بدون الصلاة على محمد بخلاف الصلاة على غيره.

ولنعد إلى ما كنا فيه ﴿ ووصى ﴾ التوصية من جملة الأمور المستحسنة التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم.

أوصيته بكذا ووصيته بمعنى، وأصله من وصيت الشيء بكذا بالتخفيف إذا وصلته إليه.

وأرض واصية متصلة النبات، فالموصي يصل القربة الحاصلة له بعد الموت إلى القربات الحاصلة له في الحياة ويحمد الموصي على هذا الوصل بسبب الوصية.

والضمير في (بها) قيل: يعود إلى الكلمة أو الجملة وهي أسلمت لرب العالمين، ونحوه رجوع الضمير في قوله ﴿ وجعلها كلمة باقية  ﴾ إلى قوله ﴿ إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني  ﴾ وقيل: الأولى أن يرجع إلى الملة لأنها مذكورة صريحاً في قوله ﴿ ومن يرغب عن ملة إبراهيم ﴾ ولأن الوصية بالملة جامعة لجميع أسباب الفلاح بخلاف الوصية بالشهادة وحدها اللهم إلا أن يحمل الإسلام على الانقياد الكلي.

وفي الآية دقائق مرعية في قبول الدين منها: أنه لم يقل وأمر بها لأن الوصية عند أمارات الموت وعند ذلك يكون الاهتمام بالأمور أشد.

ومنها أنه خص نبيه بذلك في آخر عمره مع أنه كان يدعو كل الناس إلى الدين، فدل على أنه لا شيء عنده أهم من ذلك.

ومنها التعميم لجميع الأبناء وأنه لم يقيد الوصية بزمان أو مكان ولم يخلطها بشيء آخر، ثم نهاهم أن يموتوا غير مسلمين وكل هذه دلائل شدة الاهتمام بالأمور وهو المشهود له بالفضل وحسن السيرة، فيجب قبول قوله لكل عاقل وكذلك وصى بها يعقوب بنيه.

وقرئ يعقوب بالنصب فمعناه وصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب قائلاً لكل منهما ﴿ يا بني ﴾ أصله يا بنون فأضيف إلى ياء المتكلم فسقطت النون وصار الواو ياء لأجل النصب فأدغم الياء في الياء ﴿ إن الله اصطفى لكم الدين ﴾ استخلصه واختاره لكم بأن أقام عليه الدلائل الواضحة ودعاكم إليه ومنعكم من غيره ووفقكم للأخذ به ﴿ فلا تموتن ﴾ فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام نحو "لا تصل إلا وأنت خاشع" لا ينهاه عن نفس الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في صلاته.

والنكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة ومثله قوله  "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فإنه في قوة قوله لجار المسجد: لا تصل إلا في المسجد.

فكان موتهم لا على حال الإسلام موتاً لا خير فيه لأنه ليس بموت السعداء ومن حق هذا الموت أن لا يحل فيهم.

﴿ أم كنتم شهداء ﴾ يحتمل أن تكون "أم" منقطعة، ومعنى الهمزة فيها الإنكار لمجرد الحضور عند وفاته والخطاب للمؤمنين أي ما كنتم حاضرين حين احتضر يعقوب، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي، أو لأهل الكتاب المعاصرين كأنه قيل لهم: كيف تزعمون أن ما أنتم عليه دين الرسل ولم تشهدوا وصايا الأنبياء ولو شهدتم ذلك وسمعتم قولهم لنبيهم لظهر لكم حرصهم على ملة الإسلام والدين الحنيفي فرغبتم في دين محمد  ؟

ويحتمل كون "أم" متصلة على أن يقدر قبلها محذوف معناه، أتدعون على الأنبياء اليهودية ﴿ أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت ﴾ قيل: أي إن أوائلكم من بنيإسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد ودين الإسلام، فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء وفيه نظر، لأن "أم" المعادلة أحد الأمرين كائن فيها فقط، فإن كان الحضور ثابتاً لم تكن الدعوى ثابتة لكنها ثابتة ولهذا توجه الإنكار عليها، فالوجه أن يقال: المراد أن الحضور غير ثابت لتطاول الزمان، فإذن دعواهم يهودية الأنبياء دعوى بلا دليل فلا تسمع منهم على أنه  نص على بطلانها بقوله ﴿ إذ قال لبنيه ﴾ إلى آخره، ويتجه على هذا التقدير أن تكون "أم" منقطعة كأنه استفهم أولاً على سبيل الإنكار أي لم تدعون، ثم استأنف استفهاماً ثانياً لتقرير النفي أي ما كنتم شهداء أو لتقرير الإثبات على أن أوائلهم قد شهدوا فيكون مؤكداً لذلك الإنكار ﴿ ما تعبدون ﴾ أي شيء تعبدون.

و "ما" عام لأولي العلم وغيرهم، "ومن" مختص بأولي العلم ولهذا قال العلماء "من" لما يعقل.

و "من" خصص "ما" بغير أولي العقل قال: المراد السؤال عن صفة المعبود كما تقول "ما زيد" تريد أفقيه أم طبيب روي أن يعقوب  لما دخل مصر رأى أهلها يعبدون الأوثان والنيران فخاف على بنيه بعد وفاته فقال لهم هذا القول تحريضاً على التمسك بعبادة الله لا أنهم كانوا يعبدون غير الله، لأن مبادرتهم إلى الاعتراف بالتوحيد تنافي ذلك، ولأن المشهور من أمر الأسباط أنهم كانوا قوماً صالحين، و ﴿ إبراهيم وإسماعيل وإسحق ﴾ عطف بيان لآبائك، وقدم إسماعيل لأنه أسن، وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العمل أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد هو الأخوة قال  "عم الرجل صنو أبيه" أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي النخلة.

وأيضاً أطلق اسم الأب على إبراهيم وهو جده فعن الشافعي أنه مجاز ولهذا قال: الإخوة والأخوات للأب والأم لا يسقطون بالجد، وإليه ذهب مالك وأبو يوسف ومحمد وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد، وقال أبو حنيفة: إنه حقيقة وإنهم يسقطون بالجد وهو قول أبي بكر وابن عباس وعائشة والحسن وطاوس وعطاء.

ثم التعليمية قالوا: لا طريق لنا إلى معرفة الله  إلا بتعليم الرسول والإمام لأنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل العقل عليه بل قالوا: نعبد الإله الذي أنت تعبده وآباؤك يعبدونه، فدل على أن طريق المعرفة هو التعليم.

وأجيب بمنع دلالة الآية على ذلك بل لعل المعرفة حلت لهم بالاستدلال إلا أنهم اختصروا الكلام فتركوا شرح صفات الله وبيان ذلك، وأيضاً إنه أقرب إلى سكون نفس يعقوب فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على مثل طريقتك من اليقين بالله والإخلاص له في عبادته.

وأيضاً لعل مرادهم نعبد الإله الذي دل عليه وجودك ووجود آبائك كقوله ﴿ اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم  ﴾ ﴿ إلهاً واحداً ﴾ بدل من ﴿ إله آبائك ﴾ مثل ﴿ بالناصية ناصية كاذبة  ﴾ أو نصب على الاختصاص والمدح ﴿ ونحن له مسلمون ﴾ مذعنون أو مخلصون التوحيد ومحله النصب حالاً من فاعل ﴿ نعبد ﴾ أو من مفعوله لرجوع الضمير في ﴿ له ﴾ إليه، ويجوز أن يكون جملة معطوفة على ﴿ نعبد ﴾ أو جملة معترضة مؤكدة ﴿ تلك ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون، ﴿ خلت ﴾ مضت وانقرضت والغرض أنه لم يبق منهم أثر سوى ما عملوا، ولهذا قيل ﴿ لها ما كسبت ﴾ أي ثوابه يريد أني اقتصصت عليكم أخبارهم وما كانوا عليه من الدعوة إلى الإسلام فليس لكم نفع في سيرتهم دون أن تفعلوا ما فعلوه، فإن أنتم فعلتم ذلك فزتم كما فازوا، وإن أبيتم خسرتم أنتم دونهم ﴿ ولا تسئلون عما كانوا يعملون ﴾ لا تؤاخذون بسيئاتهم كما لا ينفعكم حسناتهم، وفيه تكذيب لليهود حيث قالوا إنهم يعذبون أياماً معدودة لكفر آبائهم باتخاذ العجل.

وفي الآية وعيد شديد للأبناء إذا لم يعملوا بعمل الآباء قال  "يا صفية عمة محمد يا فاطمة بنت محمد ائتوني يوم القيامة بأعمالكم لا بأنسابكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً" "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" ثم الآية تدل على أن للعبد كسباً ولكن الأئمة اختلفوا في تفسيره، فالأشعري على أنه لا تأثير لقدرة العبد في مقدور أصلاً، لأنه لو كان موحداً لأفعاله لكان عالماً بتفاصيل فعله وليس كذلك، ولما وقع إلا ما أراده العبد وليس كذلك، بل المقدور والقدرة كلاهما واقع بقدرة الله  ، لكن الشيء الذي حصل بخلق الله وهو متعلق القدرة الحادثة هو الكسب، واعترض عليه بأن مقدور العبد إذا كان واقعاً بخلق الله تعالى، فإذا خلقه فيه استحال من العبد أن لا يتصف حينئذ به، وإذا لم يخلقه فيه استحال أن يتصف به، فأي معنى لكون العبد قادراً عليه؟

وأيضاً الذي هو مكتسب العبد إما أن يكون واقعاً بقدرة الله فلا أثر للعبد فلا يكون مكتسباً له وإن وقع بالقدرتين معاً فلا تكون قدرة الله تعالى مستقلة، والمفروض بالخلاف، فبقي أن يكون بقدرة العبد، وعن القاضي: أن ذات الفعل واقعة بقدرة الله  ثم يحصل لذلك الفعل صفة طاعة أو صفة معصية، فهذه الصفة تقع بقدرة العبد.

وضعف بأن المحرم من الجلوس في الدار المغصوبة ليس إلا شغل تلك الأحياز، فهذا الشغل إن حصل بفعل الله  فعين المنهي عنه قد خلقه الله فيه وهذا تكليف ما لا يطاق، وإن حصل بقدرة العبد فهو المطلوب.

وزعم الأستاذ أبو إسحق الإسفرايني أن ذات الفعل تقع بالقدرتين، وزيف بأن قدرة الله مستقلة بالتأثير.

ومنهم من زعم أن القدرة الحادثة مع الداعي توجب الفعل، فالله  هو الخالق للكل بمعنى أنه  هو الذي وضع الأسباب المؤدية إلى دخول هذه الأفعال في الوجود، والعبد هو المكتسب بمعنى أن المؤثر في وقوع فعله هو القدرة والداعية القائمتان به، وإلى هذا ذهب إمام الحرمين وهو مناسب لقول الفلاسفة.

وزعم جمهور المعتزلة أن القدرة مع الداعي لا توجب الفعل بل العبد قادر على الفعل والترك متمكن منهما إن شاء فعل وإن شاء ترك وهذا هو الفعل والكسب.

فهذا تقرير المذاهب، وقول الأشعري أقرب إلى الأدب، وقول إمام الحرمين أقرب إلى التحقيق لأن نسبة الأثر إلى المؤثر القريب لا تنافي كون ذلك المؤثر منسوباً إلى أثر آخر بعيد، ثم إلى أبعد إلى أن ينتهي إلى مسبب الأسباب وفاعل الكل ومبدأ المبادئ وإليك الاختيار بعقلك دون هواك.

التأويل: من قوله ﴿ وإذ ابتلى ﴾ البلاء للولاء كاللهب للذهب فأصدقهم ولاء أشدهم بلاء ﴿ وإذ ابتلى ﴾ الخليل بكلمات هي أحكام النبوة الخصال العشر في جسده ولوازم الرسالة الصبر عند صدمات المكروهات وفقدان المألوفات.

وموجبات الخلة التبري عما سوى الخليل ﴿ إني بريء مما تشركون  ﴾ وعداوة غير الخليل ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين  ﴾ ورفع الوسائط حيث قال له جبريل في الهواء هل لك من حاجة؟

فقال: أما إليك فلا والتسليم أسلمت لرب العالمين، والرضا بما أمر به عند ذبح الولد ﴿ فلما أسلما وتله للجبين  ﴾ بخلاف ما قال نوح ﴿ إن ابني من أهلي  ﴾ فلا جرم زيد له في الاصطفاء وشرف بكرامة الإمامة والاقتداء به ﴿ وإذ جعلنا البيت  ﴾ بيت القلب كما جاء "أن الله  أوحى إلى داود فرغ لي بيتاً أسكن فيه فقال: وكيف يا رب؟

فقال: فرغ لي قلبك" أي جعلنا القلب الإنساني مثابة للناس ترجعون إليه يا طلابي وزواري كما ترجعون إلى الكعبة في الصورة، ومأمناً للسالك من تصرفات الشيطان ومكايده حين بلغ منزل القلب، لأن القلب خزانة الحق محروسة من دخول الشيطان.

وإنما جولان لص الشيطان في ميادين الصدور كقوله ﴿ يوسوس في صدور الناس  ﴾ ﴿ واتخذوا  ﴾ عند الوصول إلى كعبة القلب ﴿ من مقام إبراهيم  ﴾ وهو الخلة قبلة توجهكم ليكون قصدكم إلي لا إلى غيري كما قال إبراهيم ﴿ إني ذاهب إلى ربي سيهدين  ﴾ ﴿ وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل  ﴾ في الميثاق ﴿ أن طهرا ﴾ القلب من أدناس تعلقات الكونين وأوضار ملاحظة الأغيار ﴿ للطائفين  ﴾ وهي واردات الأحوال ﴿ والعاكفين  ﴾ وهي الملكات والمقامات ﴿ والركع السجود  ﴾ وهي صفات القلب المطهرة من الإرادة والصدق والإخلاص والتواضع والخوف والرجاء والتسليم والرضا والتوكل.

وجملة هذه الصفات العبودية ﴿ وإذ قال إبراهيم  ﴾ الآية لما أهبط آدم الروح إلى الأرض الجسد وفقد ما كان يجد من روائح ألطاف الحق في جنة حظيرة القدس استوحش، فأنزل الله  ياقوتة القلب من جنة حظيرة القدس له بابان شرقي إلى حظيرة رب العالمين تطلع منها شوارق الألطاف، وباب غربي إلى عالم الجسد وفيه قناديل العقل، وأنزل حجر الذرة المخاطبة بخطاب ﴿ ألست بربكم  ﴾ منوراً بنور جواب ﴿ بلى ﴾ قد ألقم كتاب العهد يوم الميثاق وهو يمين الله في أرضه، فلما كان طوفان آفات الصفات البشرية من الطفولية إلى البلوغ، وفار تنور الشهوات رفع بيت معمور القلب إلى السماء الرابعة يعني حجب أستار خواص العناصر الأربع، وخبئ حجر الذرة في أبي قبيس صفات النفس، فلما أمر إبراهيم الروح بعد البلوغ ببناء بيت القلب وعمارته من خمس أجبل أركان الإسلام وقد اهتدى إلى موضع بيت القلب بدلالة بيت السكينة ﴿ هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين  ﴾ فجعل إسماعيل النفس المطمئنة يجيء بأحجار أعمال الشريعة من جبال أركان الإسلام ويناولها إبراهيم الروح وهو يبني إلى أن بلغ موضع الحجر فنودي من أبي قبيس الهوى إن لك عندي وديعة فخذها.

فخلص حجر الذرة من أستار صفات النفس والهوى فوضعه مكانه، وكان أبيض فلما لمسته حيض اللذات الدنيوية ومشركو الشهوات النفسانية في جاهلية الطفولية اسودَّ، فلما فرغا من رفع قواعد بيت القلب سألا ربهما الاستسلام لأحكامه الظاهرة الشرعية والباطنة التي جف القلم بها في الأزل، وكذا لذريتهما المتولدات من الصفات الروحانية والنفسانية وأن يبعث فيهم رسولاً منهم لا من الخارج، فمن لم يكن له في القلب رسول وارد من الحق وهو السر لم يسمع كلام الرسول لخارجي.

ثم إن إبراهيم الروح يوصي لمتولداته من القلب وصفاته والسر وصفاته والنفس وصفاتها والقوى البشرية والحواس الخمس والأعضاء والجوارح كله ملته.

وفي الآيات إشارة إلى أنه  إذا تجلى لروح عبد مخلص متضرع إليه محب له، ظهرت آثار أنوار تجليه على قلبه وسره ونفسه وقواه وحواسه وجميع أعضائه ويخضعون له بكليتهم فيعبدون إلهاً أحداً لا متفرقاً من الهوى والدنيا والآخرة والله ولي التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ ﴾ .

ثم اختلف في الملة؛ قيل: الملة: الدين.

وقيل: الملة السنة.

وقيل: الإسلام.

وكله واحد.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ .

بما يعمل من عمل السفه.

ويحتمل: ﴿ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾ أي بنفسه؛ فكان انتصابه لانتزاع حرف الخافض.

وقيل: جهل نفسه فيضعها في غير موضعها.

وقوله: ﴿ وَلَقَدِ ٱصْطَفَيْنَاهُ فِي ٱلدُّنْيَا ﴾ .

بالنبوة والرسالة والعصمة.

ويحتمل: ما جزاهم في الدنيا بثناء حسن لم ينقص من جزائهم في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ فِي ٱلآخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ .

فى المنزلة والثواب.

ويحتمل: ﴿ لَمِنَ ٱلصَّالِحِينَ ﴾ : لمن المرسلين.

ويحتمل: أَن يكو بشِّره في الدنيا؛ أَنه كان من الصالحين في الآخرة؛ فيكون - في ذلك - وعدٌ له بصلاح الخاتمة، كما وعد محمداً  مغفرة ما تقدم من الذنب وما تأَخر.

وفي ذلك أيضاً: وعد بصلاح الخاتمة - والله أعلم - فأَخبر بما كان بشَّره.

ويجوز: تفاضُلهم في الآخرة، على ما كانوا عليه.

وقوله: ﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

قيل: أَخْلِصْ.

ويحتمل: أَن يكون أَمراً بابتداءِ إِسلام، على ما ذكرنا من تجدده في كل وقت يهمد.

ثم يحتمل: أَن يكون وحياً أوحى إليه، أَن قل كذا، فقال به.

فإِن كان وحياً فهو على أَن يُسلم نفسه لله.

ويحتمل: أَن يكون إِسلام القلب - بتغاضي الخلقة بالإسلام - فإن كان على هذا؛ فهو على الإسلام دون توحيده.

ويحتمل: أَن يكون إٍسلام خِلقة؛ كقوله: ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَىٰ  ﴾ ، بالخلْقة.

وعلى ذلك يخرج قوله لإبراهيم: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ  ﴾ ؛ فدعاهم، فأَجابوه في أَصلاب آبائهم إِجابة الخِلقة وقت كونهم.

وقيل: يحتمل: أَن يكون أَمر بابتداءِ الإسلام، كقوله: ﴿ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ ٱلْلَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً ...

 ﴾ إلى آخره.

ثم قال: ﴿ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ حَنِيفاً  ﴾ يكون جواب قوله: ﴿ أَسْلِمْ ﴾ والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ ﴾ .

يعني بالملة.

والملةُ تحتمل ما ذكرنا.

وقوله ﴿ وَوَصَّىٰ بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .

وهو الإسلام؛ ردّاً على قول أولئك الكفرة: إِن إبراهيم كان على دينهم؛ لأَن اليهود زعمت أَنه كان على دينهم يهوديّاً.

وقالت النصارى: بل كان على النصرانية.

وعلى ذلك قالوا لغيرهم: ﴿ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُواْ  ﴾ .

فلما ادَّعى كلُّ واحد من الفريقين: أَنه كان على دينهم، أَكذبهم الله - عز وجل - في قولهم، ورد عليهم في ذلك فقال: قل يا محمد: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً  ﴾ ؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ ٱصْطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ ﴾ .

أَخبر - عز وجل - أَن دينه كان دينَ الإسلام، وهو الذي اصطفاه له، لا الدين الذي اختاروا هم من اليهودية والنصرانية؛ لقوله  : ﴿ أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تَمَنَّىٰ  فَلِلَّهِ ٱلآخِرَةُ وٱلأُولَىٰ  ﴾ أي ليس له.

وقوله: ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ ٱلْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهاً وَاحِداً ﴾ .

يقول أَكنتم شهداءَ إِذ حضر يعقوب الموت؟!

أَي: ما كنتم شهداءَ حين حضر يعقوب الموت.

قيل: ويحتمل: أَن اليهود قالوا للنبي  : أَلست تعلم أَن يعقوب يوم مات أوصى بَنِيه بدين اليهودية؟

فأَنزل الله  : ﴿ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَآءَ ﴾ أَي: أَكنتم شهداءَ وصية يعقوب بنيه؟!

أَي: لم تشهدوا وصيته، فكيف قلتم ذلك؟!

ثم أَخبر - عز وجل - عن وصية يعقوبَ بنيه فقال: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ...

﴾ الآية.

وقوله: ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ﴾ .

يعني: مخلصين بالتوحيد، وبجميع الكتب والرسل، ليس كاليهود والنصارى يؤمنون ببعضٍ ويكفرون ببعضٍ، ثم يدعون: أَن ذلك دين إبراهيم، ودين بنيه.

ثم في الآية دلالة رسالة محمد  ؛ لأَنه أخبر عن الأَخبار التي قالوا، من غير نظر منه في كتبهم، ولا سماع منهم، ولا تعلم، دل: أَنه بالله علم، وعنه أَخْبر.

وقوله: ﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ .

كان - والله أعلم - لما ادعَوْا أَن إِبراهيم ومن ذكر من الأَنبياءِ كانوا على دينهم؛ فقال عند ذلك: لا تُسْأَلون أَنتم عن دينهم وأَعمالهم، ولا هم يُسْأَلون عن دينكم وأَعمالكم، بل كلٌّ يُسْأَل عن دينه وما يعمل به.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ووصّى إبراهيمُ أبناءه بهذه الكلمة: ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ، ووصّى بها كذلك يعقوبُ أبناءه؛ قالا مناديين أبناءهما: إن الله اختار لكم دين الإسلام، فاستمسكوا به حتَّى يأتيكم الموت، وأنتم مسلمون لله ظاهرًا وباطنًا.

<div class="verse-tafsir" id="91.KqOxX"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

الكلام في هذه الآيات متصل بما سبقه من ابتداء قوله ﴿ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ  ﴾ فقد ذكر أنه تعالى ابتلى إبراهيم بكلمات فأتمهن وأنه جعله إمامًا للناس وجعل من ذريته أئمة وأنه عهد إليه ببناء بيته وتطهيره لعبادته ففعل، وكان يومئذٍ يدعو بما علم منه ما هي ملته، وإن هي إلا توحيد الله وإسلام القلب إليه والإخلاص له بالأعمال، وتعظيم البيت بتطهيره وإقامة المناسك فيه عن بصيرة بأسرارها تجعل المعنى المتصور كالمحسوس المبصر.

ثم قال بعد هذا ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ أي امتهنها واستخف بها.

كأنه تعالى يقول: هذه هي ملة أبيكم إبراهيم الذي تنسبون إليه وتفخرون به، فكيف ترغبون عنها وتنتحلون لأنفسكم أولياء لا يملكون نفعًا ولا ضرًا ولا يملكون موتًا ولا حياة ولا نشورًا لا بالذات ولا بالوساطة.

قال ﴿ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا  ﴾ بهذه الملة فجعلناه إمامًا للناس وجعلنا في ذريته الكتاب والنبوة ﴿ وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  ﴾ لجوار الله بعمله بهذه الملة ودعوته إليها وإرشاده الناس بها.

فملة جعلت لإبراهيم هذه المكانة عند الله تعالى في الدنيا والآخرة لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، وجنى على إدراك عقله، فاستحب العمى على الهدى، وإن خسر الآخرة والأولى.

ومن مباحث اللفظ في الآية قول الجلال في تفسير آية ﴿ سَفِهَ نَفْسَهُ  ﴾ أي جهل أنها مخلوقة لله.

ولم يقل بهذا أحد من المفسرين الذين يعتد بهم، والسياق لا يقتضيه، وسفه يستعمل لازمًا ومتعديًا ومعنى المعتدي استخف وامتهن وأخره "الجلال" وهو الراجح.

وفي الكشاف أن "نفسه" تمييز لفاعل "سفه" ولا يمنع من ذلك الإضافة إلى الضمير لأنه تعريف لفظي والمعنى أنه لا يرغب عن ذلك إلا من سفهت نفسه أي حمقت.

وقدم هذا القول كأنه رجحه على ما قبله.

﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ  ﴾ أي اصطفاه إذ دعاه إلى الإسلام بما أراه من آياته، ونصب له من بيناته، فأجاب الدعوة و ﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ  ﴾ و"الجلال" قدر كلمة "اذكر" متعلقًا للظرف "إذا" كما هي عادته في مثله وإن وجد في الكلام ما يتعلق به كقوله هنا ﴿ اصْطَفَيْنَاهُ  ﴾ وقد نشأ إبراهيم  في قوم يعبدون الكواكب ويتخذون الأصنام، فأراه الله حجته، وأنار بصيرته فنفذت أشعتها من العالم الشمسي، وأدركت أن لجميع العالمين ربًا واحدًا منفردًا بالخلق والتدبير، وحاجه قومه فبهرهم ببرهانه، وأفحمهم ببيانه، وقد قص الله تعالى خبره معهم في سورة الأنعام وسيأتي تفسير الآيات إن شاء الله تعالى.

﴿ وَوَصَّى بِهَا  ﴾ أي بالملة أو الخصلة التي ذكرت أخيرًا ﴿ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ  ﴾ بنيه أيضًا إذ قال كل منهما لولده ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ  ﴾ أي اختاره لكم بهدايتكم إليه وجعل الوحي فيكم ﴿ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي فحافظوا على الإسلام لله والإخلاص في الانقياد إليه بحيث لا تتركون ذلك لحظة واحدة لئلا تموتوا فيها فتموتوا غير مسلمين، فإن الإنسان لا يضمن حياته بين الشهيق والزفير.

ويتضمن هذا النهي إرشاد من كان منحرفًا عن الإسلام إلى عدم اليأس، وأن يبادر بالرجوع إليه والاعتصام بحبله لئلا يموت على غيره.

وفي هذه الآية انتقال إلى إشراك أهل الكتاب وغيرهم من العالمين مع العرب في التذكير والإرشاد إلى الإسلام ولذلك ذكرت وصية يعقوب، واختلف الأسلوب، فقد كان جاريًا على طريقة الإيجاز، فانتقل إلى طريقة الإطناب والإلحاح، لما تقدم الإلماع إليه من مراعاة "الأولى" في خطاب العرب و"الثانية" في خطاب أهل الكتاب، الذين لا يكتفون بالإشارة والعبارة المختصرة لجمود أذهانهم واعتيادهم على التأويل والتحريف.

وفصل بين العاطف والمعطوف بالمفعول ولم يقل: ووصى بها إبراهيم ويعقوب بنيهما، لئلا يتوهم أن الوصية كانت منهما في وقت واحد أو أنها خاصة بأبنائها معًا وهم أولاد يعقوب على نحو ما تقدم في تفسير ﴿ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ  ﴾ .

ذكر ملة إبراهيم وحُكْم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية حفيده يعقوب بنيه أيضًا، وذلك يشعر بأن بني إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق.

وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة.

ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال ﴿ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ  ﴾ عرفوا الإله بالإضافة إلى آبائه لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السموات والأرض وحده، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا ﴿ آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ  رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ  ﴾ وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آبائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب كما في حديث "عم الرجل صنو أبيه".

والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقًا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافًا لجمهور الأصوليين ﴿ إِلَهًا وَاحِدًا  ﴾ أي نعبده حال كونه إلهًا واحدًا، أو نخص بالعبادة إلهًا واحدًا لا نشرك معه أحدًا بدعاء ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات ﴿ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ  ﴾ أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف "له".

خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة وإسلام القلب لله تعالى والإخلاص له.

وتكرار لفظ ﴿ الإِسْلامُ  ﴾ في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين، ذلك أن العرب كانت تدعي لها دينًا خاصًا بها وأنه الحق، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب، ومنهم من كان ينتمي إلى إبراهيم، على وثنيتهم، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعي دينًا خاصًا به وأنه الحق، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين الله تعالى واحد في حقيقته، وروحه التوحيد والاستسلام لله تعالى والخضوع والإذعان لهداية الأنبياء، وبهذا كان يوصي أولئك النبيون أبناءهم وأممهم.

فتبين أن دين الله تعالى واحد في كل أمة وعلى لسان كل نبي، ولذلك قال في آية أخرى ﴿ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ  ﴾ فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرؤوسين والرؤساء، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه، والقلبي وهو الإسلام والإخلاص لله في جميع الأعمال.

وعلم من هذا أن لفظ الإسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم، فمن لم يكن متحققًا بهذا المعنى فليس بمسلم، أي ليس على دين الله القيم الذي كان عليه جميع أنبياء الله.

وأما لفظ الإسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى.

ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعًا مستسلمًا لدين الله مخلصًا له أعماله، بل يطلقونه أيضًا على من ابتدع فيه ما ليس منه أو ما ينافيه، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه.

ومعنى الإسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين، ويعترف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين، وهو الذي دعا إليه النبي  ، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها.

وبهذا يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن ﴿ أَمْ  ﴾ تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيًا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الإشعار بالانتقال، ففيها معنى الإضراب.

﴿ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ .جاءت هذه الآية الكريمة بعد الكلام عن وصية إبراهيم لبنيه وإسماعيل وإسحاق ويعقوب لبنيهم استدراكًا على ما عساه يقع في أذهان ذراري هؤلاء الأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام من أن هذا السلف الذي له عند الله هذه المكانة يشفع لهم فينجون ويسعدون يوم القيامة بمجرد الانتساب إليهم.

فبين الله في هذه الآيات أن سنته في عباده أن لا يجزي أحد إلا بكسبه وعمله، ولا يسأل إلا عن كسبه وعمله.

وقد بيّن في سورة النجم أن هذه القضية من أصول الدين العامة التي جاء بها الأنبياء من قبل ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى  وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى  أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى  وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى  ﴾ إلخ، وبيّن في آيات متعددة، في سور متفرقة أن المرسلين لم يرسلوا إلا مبشرين ومنذرين، فمن آمن بهم وعمل بما يرشدون إليه كان ناجيًا وإن بعد عنهم في النسب، ومن أعرض عن هديهم كان هالكًا وإن أدلى إليهم بأقرب سبب، ﴿ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ  ﴾ وإذا لم تنتفع بهم ذرياتهم الذين لم يقتدوا بهم فكيف ينتفع بهم أولئك البعداء الذين ليس بينهم وبينهم صلة إلا الأقوال الكاذبة التي يعبر عنها أهل هذا العصر "بالمحسوبية" ويقولون في مخاطبة أصحاب القبور عند الاستغاثة بهم: "المحسوب كالمنسوب" وما أحسن قول الإمام الغزالي: "إذا كان الجائع يشبع إذا أكل والده دونه، والظمآن يروى بشرب والده وإن لم يشرب، فالعاصي ينجو بصلاح والده "والآيات التي تؤيد هذه الآية كثيرة جدًا فهي أصل من أصول الدين الإلهي لا يفيد معها تأويل المغرورين، ولا غرور الجاهلين.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله