الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٥٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 124 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله تعالى : ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ) يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون ، كما جاء في صحيح مسلم : " إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش ، فاطلع عليهم ربك اطلاعة ، فقال : ماذا تبغون ؟
فقالوا : يا ربنا ، وأي شيء نبغي ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟
ثم عاد إليهم بمثل هذا ، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا ، قالوا : نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا ، فنقاتل في سبيلك ، حتى نقتل فيك مرة أخرى ; لما يرون من ثواب الشهادة فيقول الرب جل جلاله : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون " .
وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد ، عن الإمام الشافعي ، عن الإمام مالك ، عن الزهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة ، حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه " .
ففيه دلالة لعموم المؤمنين أيضا ، وإن كان الشهداء قد خصصوا بالذكر في القرآن ، تشريفا لهم وتكريما وتعظيما .
القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (154) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر على طاعتي في جهاد عدوّكم، وترك معاصيَّ، وأداء سائر فرائضي عليكم, ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله: هو ميت, فإن الميت من خَلقي مَنْ سلبته حياتَه وأعدمتُه حواسَّه, فلا يلتذّ لذة ولا يُدرك نعيما، فإنّ من قُتل منكم ومن سائر خَلقي في سبيلي، أحياءٌ عندي، في حياة ونعيم، وعيش هَنِيّ، ورزق سنيّ, فَرحين بما آتيتهم من فضلي، وَحبوتهم به من كرامتي، كما:- 2317- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " بل أحياء " عند ربهم، يرزقون من ثمر الجنة، ويَجدون ريحها، وليسوا فيها.
2318- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
2319- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " ولا تقولوا لمن يقتل في سَبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون "، كنَّا نُحَدَّثَ (1) أن أرواح الشهداء تعارف في طَير بيض يأكلن من ثمار الجنة, وأن مساكنهم سِدرة المنتهى, وأن للمجاهد في سبيل الله ثلاثُ خصال من الخير: مَن قُتل في سبيل الله منهم صار حيًّا مرزوقًا, ومن غُلب آتاه الله أجرًا عظيمًا, ومن مات رَزَقه الله رزقًا حسنًا.
2320- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء " قال، أرواحُ الشهداء في صُوَر طير بيضٍ.
2321- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء "، في صُوَر طير خضر يطيرون في الجنه حيث شاءوا منها، يأكلون من حيث شاءوا.
2322- حدثني المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا عثمان بن غياث.
قال، سمعت عكرمة يقول في قوله: " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياءٌ ولكن لا تشعرون " قال، أرواح الشهداء في طير خُضر في الجنة.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: وما في قوله: " ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتٌ بل أحياء "، من خصوصية الخبر عن المقتول في سبيل الله الذي لم يعمَّ به غيره؟
وقد علمت تظاهُر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه وصف حال المؤمنين والكافرين بعد وفاتهم, فأخبر عن المؤمنين أنهم يفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى الجنة يَشمون منها رَوْحها, ويستعجلون الله قيام الساعة، ليصيروا إلى مساكنهم منها، ويجمع بينهم وبين أهاليهم وأولادهم فيها = وعن الكافرين أنهم يُفتح لهم من قبورهم أبوابٌ إلى النار يَنظرون إليها، ويصيبهم من نَتنها ومكروهها, ويُسلط عليهم فيها إلى قيام الساعة من يَقمَعُهم فيها, ويسألون الله فيها تأخيرَ قيام الساعة، حِذارًا من المصير إلى ما أعد الله لهم فيها، مع أشباه ذلك من الأخبار.
وإذا كانت الأخبار بذلك متظاهرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, فما الذي خُصَّ به القتيل في سبيل الله، مما لم يعم به سائر البشر غيره من الحياة، وسائرُ الكفار والمؤمنين غيرُه أحياءٌ في البرزخ, أما الكفار فمعذبون فيه بالمعيشة الضنك, وأما المؤمنون فمنعَّمون بالروح والريحان ونَسيم الجنان؟
قيل: إنّ الذي خَصّ الله به الشهداء في ذلك، وأفادَ المؤمنين بخبره عنهم تعالى ذكره، إعلامه إياهم أنهم مرزوقون من مآكل الجنة ومطاعمها في بَرْزَخِهم قَبل بعثهم, ومنعَّمون بالذي ينعم به داخلوها بعد البعث من سائر البشر، من لذيذ مطاعمها الذي لم يُطعمها الله أحدًا غيرَهم في برزخه قبل بعثه.
فذلك هو الفضيلة التي فضَّلهم بها وخصهم بها من غيرهم, والفائدة التي أفادَ المؤمنين بالخبر عنهم, فقال تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ [سورة آل عمران: 169-170]، وبمثل الذي قُلنا جاء الخبرُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2323- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عبد الرحيم بن سليمان, وَعَبدة بن سليمان, عن محمد بن إسحاق, عن الحارث بن فضيل, عن محمود بن لبيد, عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الشهداءُ على بَارق، نهر بباب الجنة، في قبة خضراء -وقال عبدة: في روضة خضراء- يخرُج عليهم رزقهم من الجنه بُكرة وَعشيًّا.
(2) 2324- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جابر بن نوح عن الإفريقي, عن ابن بشار السلمي -أو أبي بشار, شكّ أبو جعفر- قال: أرواح الشهداء في قباب بيض من قباب الجنة، في كل قبة زوجتان, رزقهم في كل يوم طلعت فيه الشمس ثَورٌ وحُوت, فأما الثور، ففيه طعم كلّ ثمرةٍ في الجنة, وأما الحوت ففيه طَعمُ كل شراب في الجنة.
(3) * * * قال أبو جعفر: فإن قال قائل: فإنّ الخبر عما ذكرت أن الله تعالى ذكرُه أفاد المؤمنين بخبره عن الشهداء من النعمة التي خصّهم بها في البرزخ غيرُ موجود في قوله: " ولا تَقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء "، وإنما فيه الخبرُ عن حَالهم، أمواتٌ هم أم أحياءٌ.
قيل: إنّ المقصود بذكر الخبر عن حياتهم، إنما هو الخبر عَمَّا هم فيه من النِّعمة, ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عبادَه عما خَصّ به الشهداء في قوله: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [سورة آل عمران: 169]، وعلموا حالهم بخبره ذلك، ثم كان المراد من الله تعالى ذكره في قوله: " ولا تقولوا لمنْ يُقتل في سبيل الله أموات بل أحياء "، نَهْيُ خَلقه عن أن يقولوا للشهداء أنهم موتى (4) = تَرَك إعادة ذكر ما قد بين لهم من خبرهم.
* * * وأما قوله: " ولكنْ لا تَشعرُون "، فإنه يعني به: ولكنكم لا تَرونهم فتعلموا أنهم أحياءٌ, وإنما تعلمون ذلك بخبري إياكم به.
* * * وإنما رفع قوله: " أمواتٌ" بإضمار مكنيّ عن أسماء " من يُقتل في سبيل الله "، ومعنى ذلك: ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله هم أموات.
ولا يجوز النصب في &; 3-219 &; " الأموات ", لأن القول لا يعمل فيهم، وكذلك قوله: " بل أحياء ", رفعٌ، بمعنى: هُمْ أحياء.
(5) ------------------- الهوامش : (1) في المطبوعة : "كما يحدث" ، والصواب ما أثبت .
(2) الحديث : 2323- عبدة بن سليمان الكلابي الكوفي : ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق .
مترجم في التهذيب ، وابن سعد 6 : 272 ، وابن أبي حاتم 3/1/89 .
الحارث بن فضيل الأنصاري المدني : ثقة ، وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما .
مترجم في التهذيب ، والكبير 1/2/277 ، وابن أبي حاتم 1/2/86 .
محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأشهلي ، الأوسي ، الأنصاري : صحابي على الراجح الذي جزم به البخاري ، مات سنة 96 أو 97 .
قال الواقدي : مات وهو ابن 99 سنة .
قال الحافظ في التهذيب : "على مقتضى قول الواقدي في سنة ، يكون له يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم 13 سنة .
وهذا يقوي قول من أثبت الصحبة" .
وروى البخاري في الكبير 4/1/402 ، بإسناد صحيح : "عن محمود بن لبيد قال ، أسرع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تقطعت نعالنا ، يوم مات سعد بن معاذ" .
وهذا حجة كافية في إثبات صحبته .
فقال ابن أبي حاتم 4/1/289-290 : "قال البخاري : له صحبة .
فخط أبي عليه ، وقال لا يعرف له صحبة"!
وهو نفي دون دليل ، لا يقوم أمام إثبات عن دليل صحيح .
ولذلك قال ابن عبد البر - كما في التهذيب : "قول البخاري أولى" .
وهو مترجم أيضًا في ابن سعد 5 : 55-56 .
والإصابة 6 : 66-67 .
والحديث رواه أحمد في المسند : 2390 ، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق ، بهذا الإسناد .
وكذلك رواه ابن حبان في صحيحه 7 : 69 (من مخطوطة الإحسان) ، من طريق يعقوب ، به .
ورواه الحاكم في المستدرك 2 : 74 ، من طريق يزيد بن هارون ، عن ابن إسحاق .
وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد على شرط مسلم ، ولم يخرجاه" .
ووافقه الذهبي .
وذكره ابن كثير في التفسير 2 : 292 ، عن رواية المسند .
قال : "تفرد به أحمد" .
ثم أشار إلى رواية الطبري هذه ، وقال : "وهو إسناد جيد" .
وهو في مجمع الزوائد 5 : 298 ، ونسبه لأحمد ، والطبراني ، وقال : "ورجال أحمد ثقات" .
وذكره السيوطي 2 : 96 .
وزاد نسبته لابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد ، وابن أبي حاتم ، وابن المنذر والبيهقي في البعث .
وقوله : "وقال عبدة .
.
.
" ، يريد أن"عبدة بن سليمان" قال : "في روضة" بدل"في قبة" .
ووقع في المطبوعة"أو قال عبدة" .
ووضع"أو" هنا بدل واو العطف - خطأ غير مستساغ .
ونرجح أنه من ناسخ أو طابع .
(3) الخبر : 2324- هذا خبر لا أدري ما هو؟!
ورأسه"ابن بشار السلمي؛ أو أبو بشار" - الذي شك فيه ابن جرير : لم أهتد إلى شيء يدل عليه .
وقد ذكره السيوطي 2 : 96 ، عن هذا الموضع من الطبري ، ثم لم يصنع شيئًا!
(4) سياق الكلام : ولكنه تعالى ذكره لما كان قد أنبأ عباده .
.
.
ترك أعادة ذكر .
.
.
" .
(5) في المطبوعة : "إنهم أحياء" ، والسياق يقتضي ما أثبت .
وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 93-94 ، فقد استوفى ما اختصره الطبري .
قوله تعالى : ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون هذا مثل قوله تعالى في الآية الأخرى : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [ ص: 162 ] وهناك يأتي الكلام في الشهداء وأحكامهم ، إن شاء الله تعالى .وإذا كان الله تعالى يحييهم بعد الموت ليرزقهم - على ما يأتي - فيجوز أن يحيي الكفار ليعذبهم ، ويكون فيه دليل على عذاب القبر .
والشهداء أحياء كما قال الله تعالى ، وليس معناه أنهم سيحيون ، إذ لو كان كذلك لم يكن بين الشهداء وبين غيرهم فرق إذ كل أحد سيحيا .
ويدل على هذا قوله تعالى : ولكن لا تشعرون والمؤمنون يشعرون أنهم سيحيون .
وارتفع أموات على إضمار مبتدأ ، وكذلك بل أحياء أي هم أموات وهم أحياء ، ولا يصح إعمال القول فيه لأنه ليس بينه وبينه تناسب ، كما يصح في قولك : قلت كلاما وحجة .
لما ذكر تبارك وتعالى, الأمر بالاستعانة بالصبر على جميع الأمور ذكر نموذجا مما يُستعان بالصبر عليه, وهو الجهاد في سبيله, وهو أفضل الطاعات البدنية, وأشقها على النفوس, لمشقته في نفسه, ولكونه مؤديا للقتل, وعدم الحياة, التي إنما يرغب الراغبون في هذه الدنيا لحصول الحياة ولوازمها، فكل ما يتصرفون به, فإنه سعيٌ لها, ودفعٌ لما يضادها.
ومن المعلوم أن المحبوب لا يتركه العاقل إلا لمحبوب أعلى منه وأعظم، فأخبر تعالى: أن من قتل في سبيله, بأن قاتل في سبيل الله, لتكون كلمة الله هي العليا, ودينه الظاهر, لا لغير ذلك من الأغراض, فإنه لم تفته الحياة المحبوبة, بل حصل له حياة أعظم وأكمل, مما تظنون وتحسبون.
فالشهداء { أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ } فهل أعظم من هذه الحياة المتضمنة للقرب من الله تعالى, وتمتعهم برزقه البدني في المأكولات والمشروبات اللذيذة, والرزق الروحي, وهو الفرح، والاستبشار وزوال كل خوف وحزن، وهذه حياة برزخية أكمل من الحياة الدنيا، بل قد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة, وتأكل من ثمارها, وتأوي إلى قناديل معلقة بالعرش.
وفي هذه الآية, أعظم حث على الجهاد في سبيل الله, وملازمة الصبر عليه، فلو شعر العباد بما للمقتولين في سبيل الله من الثواب لم يتخلف عنه أحد، ولكن عدم العلم اليقيني التام, هو الذي فتر العزائم, وزاد نوم النائم, وأفات الأجور العظيمة والغنائم، لم لا يكون كذلك والله تعالى قد: { اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } فوالله لو كان للإنسان ألف نفس, تذهب نفسا فنفسا في سبيل الله, لم يكن عظيما في جانب هذا الأجر العظيم، ولهذا لا يتمنى الشهداء بعدما عاينوا من ثواب الله وحسن جزائه إلا أن يردوا إلى الدنيا, حتى يقتلوا في سبيله مرة بعد مرة.
وفي الآية, دليل على نعيم البرزخ وعذابه, كما تكاثرت بذلك النصوص.
( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات ) نزلت في قتلى بدر من المسلمين وكانوا أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار كان الناس يقولون لمن يقتل في سبيل الله مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها فأنزل الله تعالى ( ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ) كما قال في شهداء أحد " ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون " ( 169 - آل عمران ) قال الحسن إن الشهداء أحياء عند الله تعالى تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدوة وعشية فيصل إليهم الوجع .
«ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله» هم «أموات بل» هم «أحياء» أرواحهم في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت لحديث بذلك «ولكن لا تشعرون» تعلمون ما هم فيه.
ولا تقولوا -أيها المؤمنون- فيمن يُقتلون مجاهدين في سبيل الله: هم أموات، بل هم أحياء حياة خاصة بهم في قبورهم، لا يعلم كيفيتها إلا الله - تعالى-، ولكنكم لا تُحسُّون بها.
وفي هذا دليل على نعيم القبر.
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتاً فقال : ( وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) .
قال ابن عباس - رضي الله عنهما - : نزلت هذه الآية في قتلى غزوة بدر ، قتل من المسلمين فيها أربعة عشر رجلا : ست من المهاجرين وثمانية من الأنصار وكان الناس يقولون .
مات فلان ومات فلان .
فنهى الله - تعالى - أن يقال فيهم : إنهم ماتوا .
وقيل إن الكفار والمنافقين قالوا : إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة ، فنزلت هذه الآية .
والسبيل : الطريق وسبيل الله : طريق مرضاته ، وإنما قيل للجهاد سبيل الله ، لأنه طريق إلى ثواب الله وإعلاء كلمته .
و ( أَمْوَاتٌ ) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي : لا تقربوا هم أموات وكذلك قوله ( أَحْيَاءٌ ) خبر لمبتدأ محذوف أي : هم أحياء .
قال الآلوسي : " والجملة معطوفة على ( وَلاَ تَقُولُواْ ) اضراب عنه ، وليس من عطف المفرد على المفرد ليكون في حيز القول ويصير المعنى بل قولوا أحياء ، لأن المقصود إثبات الحياة لهم لا أمرهم بأن يقولوا في شأنهم إنهم أحياء وإن كان ذلك أيضاً صحيحاً " .
أي : لا تقربوا أيها المؤمنون لمن يقتل من أجل إعلاء كلمة الله ونصرة دينه إنهم أموات ، بمعنى أنهم تلفت نفوسهم وعدموا الحياة ، وتصرمت عنهم اللذات ، وأضحوا كالجمادات كما يتبادر من معنى الميت ، بل هم أحياء - في عالم غير عالمكم كما قال - تعالى - ( وَلاَ تَحْسَبَنَّ الذين قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ .
فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ الله مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .
يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ الله وَفَضْلٍ وَأَنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المؤمنين ) وقوله : ( وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) أي : لا تحسون ولا تدركون حالهم بالمشاعر ، لأنها من شئون الغيب التي لا طريق للعلم بها إلا الوحي .
قال الآلوسي ما ملخصه : ثم إن نهى المؤمنين عن أن يقولوا في شأن الشهداء أموات ، إما أن يكون دفعاً لإِيهام مساواتهم لغيرهم في ذلك البرزخ .
.
.
وإما أن يكون صيانة لهم عن النطق بكلمة قالها أعداء الدين والمنافقون في شأن أولئك الكرام قاصدين بها أنهم حرموا من النعيم ولن يروه أبداً .
.
.
ثم قال : وقد اختلف في هذه الحياة التي يحياها أولئك الشهداء عند ربهم : فذهب كثير من السلف إلى أنها حقيقة بالروح والجسد ولكنها لا ندركها في هذه النشأة واستدلوا بسياق قوله - تعالى - : ( عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون ) وبأن الحياة الروحانية التي ليست بالجسد ليست من خواصهم فلا يكون لهم امتياز بذلك على من عداهم .
وذهب البعض إلى أنها روحانية وكونهم يرزقون ولا ينافي ذلك .
.
وذهب البلخي إلى نفي الحياة عنهم وقال؛ معنى ( بَلْ أَحْيَاءٌ ) إنهم يحبون يوم القيامة فيجزون أحسن الجزاء .
فالآية على حد قوله - تعالى - ( إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ .
وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ ) وذهب بعضهم إلى إثبات الحياة الحكمية لهم بسبب ما نالوا من الذكر الجميل والثناء الجليل ، كما روى عن علي أنه قال : " هلك خزان الأموال والعلماء باقون ما بقي الدهر ، أعيانهم مفقودة وآثارهم في القلوب موجودة " .
ثم قال : " ولا يخفى أن هذه الأقوال - ما عدا الأولين - في غاية الضعف ، بل نهاية البطلان ، والمشهور ترجيح القول الأول " .
والذي نراه أن الآية الكريمة قد نبهتنا إلى أن للشهداء مزية تجعلهم مفضلين عمن سواهم من كثير من الناس ، وهي أنهم في حياة سارة ، ونعيم مقيم عند ربهم ، وهه الحياة الممتازة تسمو بهم عن أن يقال فيهم كما يقال في غيرهم إنهم أموات وإن كان المعنى اللغوي لللموت حاصلا لهم ، ونحن نؤمن بهذه الحياة السارة لهم عند ربهم ونعتقد صحتها كما ذكرها الله - تعالى - إلا أننا نفوض كيفيتها وكنهها إليه - سبحانه - إذ لا يمكن إدراكها إلا من طريق الوحي ، كما قال - تعالى - : ( وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ) أي : لا تشعرون بحياتهم بعد مفارقتهم لهذه الدنيا ، لأنها حياة من نوع معين لا يعلمها إلا علام الغيوب .
اعلم أن هذه الآية نظيرة قوله في آل عمران: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ ووجه تعلق الآية بما قبلها كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم ففعلتم ذلك فتلفت نفوسكم فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم بل اعلموا أن قتلاكم أحياء عندي وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت الآية في قتلى بدر وقتل من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، فمن المهاجرين: عبيدة بن الحرث بن عبد المطلب، وعمر بن أبي وقاص، وذو الشمالين، وعمرو بن نفيلة، وعامر بن بكر، ومهجع بن عبد الله.
ومن الأنصار: سعيد بن خيثمة، وقيس بن عبد المنذر، وزيد بن الحرث، وتميم بن الهمام، ورافع بن المعلى، وحارثة بن سراقة، ومعوذ بن عفراء، وعوف بن عفراء، وكانوا يقولون: مات فلان ومات فلان فنهى الله تعالى أن يقال فيهم أنهم ماتوا.
وعن آخرين أن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلباً لمرضاة محمد من غير فائدة فنزلت هذه الآية.
المسألة الثانية: ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: لا تقولوا هم أموات.
المسألة الثالثة: في الآية أقوال: القول الأول: أنهم في الوقت أحياء كأن الله تعالى أحياهم لإيصال الثواب إليهم وهذا قول أكثر المفسرين وهذا دليل على أن المطيعين يصل ثوابهم إليهم وهم في القبور، فإن قيل: نحن نشاهد أجسادهم ميتة في القبور، فكيف يصح ما ذهبتم إليه؟
قلنا: أما عندنا فالبنية ليست شرطاً في الحياة ولا امتناع في أن يعيد الله الحياة إلى كل واحد من تلك الذرات والأجزاء الصغيرة من غير حاجة إلى التركيب والتأليف، وأما عند المعتزلة فلا يبعد أن يعيد الله الحياة إلى الأجزاء التي لابد منها في ماهية الحي ولا يعتبر بالأطراف، ويحتمل أيضاً أن يحييهم إذا لم يشاهدوا.
القول الثاني: قال الأصم: يعني لا تسموهم بالموتى وقولوا لهم الشهداء الأحياء ويحتمل أن المشركين قالوا: هم أموات في الدين كما قال الله تعالى: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه ﴾ فقال: ولا تقولوا للشهداء ما قاله المشركون، ولكن قولوا: هم أحياء في الدين ولكن لا يشعرون، يعني المشركون لا يعلمون أن من قتل على دين محمد عليه الصلاة والسلام حي في الدين، وعلى هدى من ربه ونور كما روي في بعض الحكايات أن رجلاً قال لرجل: ما مات رجل خلف مثلك، وحكى عن بقراط أنه كان يقول لتلامذته: موتوا بالإرادة تحيوا بالطبيعة أي بالروح.
القول الثالث: أن المشركين كانوا يقولون: إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم يقتلون أنفسهم ويخسرون حياتهم فيخرجون من الدنيا بلا فائدة ويضيعون أعمارهم إلى غير شيء، وهؤلاء الذين قالوا ذلك، يحتمل أنهم كانوا دهرية ينكرون المعاد، ويحتمل أنهم كانوا مؤمنين بالمعاد إلا أنهم كانوا منكرين لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فلذلك قالوا هذا الكلام، فقال الله تعالى: ولا تقولوا كما قال المشركون إنهم أموات لا ينشرون ولا ينتفعون بما تحملوا من الشدائد في الدنيا، ولكن اعلموا أنهم أحياء، أي سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة وتفسير قوله: ﴿ أَحْيَاء ﴾ بأنهم سيحيون غير بعيد، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ وَإِنَّ ٱلْفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ ﴾ وقال: ﴿ أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار ﴾ وقال: ﴿ فالذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جنات النعيم ﴾ على معنى أنهم سيصيرون كذلك وهذا القول اختيار الكعبي وأبي مسلم الأصفهاني واعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول، والذي يدل عليه وجوه: أحدها: الآيات الدالة على عذاب القبر، كقوله تعالى: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين ﴾ والموتتان لا تحصل إلا عند حصول الحياة في القبر، وقال الله تعالى: ﴿ أُغْرِقُواْ فَأُدْخِلُواْ نَاراً ﴾ والفاء للتعقيب، وقال: ﴿ النار يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة أَدْخِلُواْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب ﴾ وإذا ثبت عذاب القبر وجب القول بثواب القبر أيضاً لأن العذاب حق الله تعالى على العبد والثواب حق للعبد على الله تعالى، فاسقاط العقاب أحسن من إسقاط الثواب فحيثما أسقط العقاب إلى يوم القيامة بل حققه في القبر، كان ذلك في الثواب أولى.
وثانيها: أن المعنى لو كان على ما قيل في القول الثاني والثالث لم يكن لقوله: ﴿ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ﴾ معنى لأن الخطاب للمؤمنين وقد كانوا لا يعلمون أنهم سيحيون يوم القيامة، وأنهم ماتوا على هدى ونور، فعلم أن الأمر على ما قلنا من أن الله تعالى أحياهم في قبورهم.
وثالثها: أن قوله: ﴿ وَيَسْتَبْشِرُونَ بالذين لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم ﴾ دليل على حصول الحياة في البرزخ قبل البعث.
ورابعها: قوله عليه الصلاة والسلام: «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران».
والأخبار في ثواب القبر وعذابه كالمتواترة، وكان عليه الصلاة والسلام يقول في آخر صلاته: «وأعوذ بك من عذاب القبر».
وخامسها: أنه لو كان المراد من قوله: أنهم أحياء أنهم سيحيون، فحينئذ لا يبقى لتخصيصهم بهذا فائدة، أجاب عنه أبو مسلم بأنه تعالى إنما خصهم بالذكر لأن درجتهم في الجنة أرفع ومنزلتهم أعلى وأشرف لقوله تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فأولئك مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مّنَ النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ﴾ فأرادهم بالذكر تعظيماً.
واعلم أن هذا الجواب ضعيف وذلك لأن منزلة النبيين والصديقين أعظم مع أن الله تعالى ما خصهم بالذكر.
وسادسها: أن الناس يزورون قبور الشهداء ويعظمونها وذلك يدل من بعض الوجوه على ما ذكرناه، واحتج أبو مسلم على ترجيح قوله بأنه تعالى ذكر هذه الآية في آل عمران فقال: ﴿ بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ ﴾ وهذه العندية ليست بالمكان، بل بالكون في الجنة، ومعلوم أن أهل الثواب لا يدخلون الجنة إلا بعد القيامة.
والجواب: لا نسلم أن هذه العندية ليست إلا بالكون في الجنة بل بإعلاء الدرجات وإيصال البشارات إليه وهو في القبر أو في موضع آخر، واعلم أن في الآية قولاً آخر وهو: أن ثواب القبر وعذابه للروح لا للقالب، وهذا القول بناء على معرفة الروح، ولنشر إلى خلاصة حاصل قول هؤلاء فنقول: إنهم قالوا إن الإنسان لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل المحسوس، أما إنه لا يجوز أن يكون عبارة عن هذا الهيكل فلوجهين: الوجه الأول: أن أجزاء هذا الهيكل أبداً في النمو والذبول والزيادة والنقصان والاستكمال والذوبان ولا شك أن الإنسان من حيث هو أمر باق من أول عمره، والباقي غير ما هو غير باق، والمشار إليه عند كل أحد بقوله: ﴿ أَنَاْ ﴾ وجب أن يكون مغايراً لهذا الهيكل.
الوجه الثاني: أني أكون عالماً بأني أنا حال ما أكون غافلاً عن جميع أجزائي وأبعاضي، والمعلوم غير ما هو غير معلوم، فالذي أشير إليه بقولي (أنا) مغاير لهذه الأعضاء والأبعاض، وأما أن الإنسان غير محسوس فلأن المحسوس إنما هو السطح واللون، ولا شك أن الإنسان ليس هو مجرد اللون والسطح، ثم اختلفوا عند ذلك في أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله (أنا) أي شيء هو؟
والأقوال فيه كثيرة إلا أن أشدها تلخيصاً وتحصيلاً وجهان.
أحدهما: أن أجزاء جسمانية سارية في هذا الهيكل سريان النار في الفحم والدهن في السمسم وماء الورد في الورود والقائلون بهذا القول فريقان.
أحدهما: الذين اعتقدوا تماثل الأجسام فقالوا: إن تلك الأجسام مماثلة لسائر الأجزاء التي منها يتألف هذا الهيكل إلا أن القادر المختار سبحانه يبقي بعض الأجزاء من أول العمر إلى آخره فتلك الأجزاء هي التي يشير إليها كل أحد بقوله (أنا) ثم أن تلك الأجزاء حية بحياة يخلقها الله تعالى فيها فإذا زالت الحياة ماتت وهذا قول أكثر المتكلفين.
وثانيهما: الذين اعتقدوا اختلاف الأجسام وزعموا أن الأجسام التي هي باقية من أول العمر إلى آخر العمر أجسام مخالفة بالماهية والحقيقة للأجسام التي يتألف منها هذا الهيكل وتلك الأجسام حية لذاتها مدركة لذاتها، فإذا خالطت هذا البدن وصارت سارية في هذا الهيكل، سريان النار في الفحم صار هذا الهيكل مستطيراً بنور ذلك الروح متحركاً بتحركه، ثم إن هذا الهيكل أبداً في الذوبان والتحلل والتبدل، إلا أن تلك الأجزاء باقية بحالها، وإنما لا يعرض لها التحلل لأنها مخالفة بالماهية لهذه الأجسام البالية، فإذا فسد هذا القالب انفصلت تلك الأجسام اللطيفة النورانية إلى عالم السموات والقدس والطهار إن كانت من جملة السعداء، وإلى الجحيم وعالم الآفات إن كانت من جملة الأشقياء.
والقول الثاني: أن الذي يشير إليه كل احد بقوله: (أنا موجود) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز، وأنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم ولا يلزم من كونه كذلك أن يكون مثل الله تعالى لأن الاشتراك في السلوك لا يقتضي الاشتراك في الماهية، واحتجوا على ذلك بأن في المعلومات ما هو فرد حقاً فوجب أن يكون العلم به فرداً حقاً، فوجب أن يكون الموصوف بذلك العلم فرداً حقاً، وكل جسم وكل حال في الجسم فليس بفرد حقاً، فذلك الذي يصدق عليه منا أنه يعلم هذه المفردات، وجب أن لا يكون جسماً ولا جسمانياً أما أن في المعلومات ما هو فرد حقاً فلأنه لا شك في وجود شيء، فهذا الموجود إن كان فرداً حقاً فهو المطلوب، وإن كان مركباً فالمركب مركب على الفرد، فلابد من الفرد على كل الأحوال، وأما أنه إذا كان في المعلومات ما هو فرد كان في المعلوم ما هو فرد لأن العلم المتعلق بذلك الفرد إن كان منقسماً فكل واحد من أجزائه أو بعض أجزائه إما أن يكون علماً بذلك المعلوم وهو محال، لأنه يلزم أن يكون الجزء مساوياً للكل وهو محال، وإما أن لا يكون شيء من أجزائه علماً بذلك المعلوم، فعند اجتماع تلك الأجزاء إما أن يحدث زائد هو العلم بذلك المعلوم الفرد، فحينئذ يكون العلم بذلك المعلوم هو هذه الكيفية الحادثة لا تلك الأشياء التي فرضناها قبل ذلك ثم هذه الكيفية إن كانت منقسمة عاد الحديث فيه وإن لم تكن منقسمة فهو المطلوب، وأما إنه إذا كان في المعلوم علم لا يقبل القسمة كان الموصوف به أيضاً كذلك، فلأن الموصوف به لو كان قبل القسمة، لكان كل واحد من تلك الأجزاء أو شيء منها إن كان موصوفاً به بتمامه فحينئذ يكون العرض الواحد حالاً في أشياء كثيرة وهو محال، أو يتوزع أجزاء الحال على أجزاء المحل، فيقسم الحال وقد فرضنا أنه غير منقسم أو لا يتصف شيء من أجزاء المحل إلا بتمام الحال ولا شيء من أجزاء ذلك الحال، فحينئذ يكون ذلك المحل خالياً عن ذلك الحال وقد فرضناه موصوفاً به هذا خلف، وأما أن كل متحيز ينقسم فبالدلائل المذكورة في نفي الجوهر الفرد، قالوا: فثبت أن الذي يشير إليه كل أحد بقوله: (أنا موجود) ليس بمتحيز ولا قائم بالمتحيز ثم نقول: هذا الموجود لابد أن يكون مدركاً للجزئيات لأنه لا يمكنني أن أحكم على هذا الشخص المشار إليه بأنه إنسان وليس بفرس، والحاكم بشيء على شيء لابد وأن يحضر المقضي عليهما فهذا الشيء مدرك لهذا الجزئي وللإنسان الكلي حتى يمكنه أن يحكم بهذا الكلي على هذا الجزئي والمدرك للكليات هو النفس والمدرك للجزئيات أيضاً هو النفس، فكل من كان مدركاً للجزئيات فإنه لا يمتنع أن يلتذ ويتألم، قالوا: إذا ثبت هذا فنقول: هذه الأرواح بعد المفارقة تتألم وتلتذ إلى أن يردها الله تعالى إلى الأبدان يوم القيامة، فهناك يحصل الإلتذاذ والتألم للأبدان، فهذا قول قال به عالم من الناس قالوا: وهب أنه لم يقم برهان قاهر على القول به ولكن لم يقم دليل على فساده، فإنه مما يؤيد الشرع وينصر ظاهر القرآن ويزيل الشكوك والشبهات عما ورد في كتاب الله من ثواب القبر وعذابه فوجب المصير إليه فهذا هو الإشارة المختصرة في توجيه هذا القول، والله هو العالم بحقائق الأمور.
قالوا: ومما يؤكد هذا القول هو أن ثواب القبر وعذابه إما أن يصل إلى هذه البنية أو إلى جزء من أجزائها، والأول مكابرة لأنا نجد هذه البنية متفرقة متمزقة فكيف يمكن القول بوصول الثواب والعقاب إليها؟
فلم يبق إلا أن يقال: إن الله تعالى يحيي بعض تلك الأجزاء الصغيرة ويوصل الثواب والعقاب إليها، وإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يقال: الإنسان هو الروح فإنه لا يعرض له التفرق والتمزق فلا جرم يصل إليه الألم واللذة ثم إنه سبحانه وتعالى يرد الروح إلى البدن يوم القيامة الكبرى، حتى تنضم الأحوال الجسمانية إلى الأحوال الروحانية.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَعْرِفُونَهُ ﴾ يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفة جلية يميزون بينه وبين غيره بالوصف المعين المشخص ﴿ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ ﴾ لا يشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم.
وعن عمر رضي الله عنه أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنا أعلم به مني بابني.
قال: ولم؟
قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي.
فأما ولدي، فلعل والدته خانت، فقبل عمر رأسه.
وجاز الإضمار وإن لم يسبق له ذكر لأن الكلام يدل عليه ولا يلتبس على السامع.
ومثل هذا الإضمار فيه تفخيم وإشعار بأنه لشهرته وكونه علماً معلوماً بغير إعلام.
وقيل: الضمير للعلم أو القرآن أو تحويل القبلة.
وقوله: (كما يعرفون أبناءهم) يشهد للأول وينصره الحديث عن عبد الله بن سلام.
فإن قلت: لم اختص الأبناء؟
قلت: لأنّ الذكور أشهر وأعرف، وهم لصحبة الآباء ألزم، وبقلوبهم ألصق.
وقال ﴿ فريقاً منهم ﴾ استثناء لمن آمن منهم، أو لجهالهم الذين قال الله تعالى فيهم ﴿ وَمِنْهُمْ أُمّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الكتاب ﴾ [البقرة: 78] .
﴿ الحق مِن رَّبّكَ ﴾ يحتمل أن يكون الحق خبر مبتدأ محذوف.
أي هو الحق.
أو مبتدأ خبره (من ربك) وفيه وجهان: أن تكون اللام للعهد، والإشارة إلى الحق الذي عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو إلى الحق الذي في قوله ليكتمون الحق.
أي: هذا الذي يكتمونه هو الحق من ربك، وأن تكون للجنس على معنى الحق من الله لا من غيره.
يعني أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه، وما لم يثبت أنه من الله كالذي عليه أهل الكتاب فهو الباطل.
فإن قلت: إذا جعلت الحق خبر مبتدأ فما محل من ربك؟
قلت: يجوز أن يكون خبراً بعد خبر، وأن يكون حالاً.
وقرأ عليّ رضي الله عنه: ﴿ الحق من ربك ﴾ .
على الإبدال من الأوّل، أي يكتمون الحق، الحق من ربك، ﴿ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين ﴾ الشاكين في كتمانهم الحق مع علمهم، أوفي أنه من ربك ﴿ وَلِكُلٍ ﴾ من أهل الأديان المختلفة ﴿ وِجْهَةٌ ﴾ قبلة.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ ولكل قبلة ﴾ ﴿ هُوَ مُوَلّيهَا ﴾ وجهه، فحذف أحد المفعولين.
وقيل هو لله تعالى، أي الله موليها إياه.
وقرئ: ﴿ ولكل وجهة ﴾ على الإضافة.
والمعنى وكل وجهةٍ اللَّهُ موليها، فزيدت اللام لتقدم المفعول كقولك: لزيد ضربت ولزيد أبوه ضاربه.
وقرأ ابن عامر: ﴿ هو مولاها ﴾ أي هو مولى تلك الجهة وقد وليها.
والمعنى: لكل أمّة قبلة تتوجه إليها، منكم ومن غيركم ﴿ فَاسْتَبِقُوا ﴾ أنتم ﴿ الخَيْرَاتِ ﴾ واستبقوا إليها غيركم من أمر القبلة وغيره.
ومعنى آخر: وهو أن يراد: ولكل منكم يا أمة محمد وجهة أي جهة يصلّى إليها جنوبية أو شمالية أو شرقية أو غربية فاستبقوا الخيرات ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا ﴾ للجزاء من موافق ومخالف لا تعجزونه.
ويجوز أن يكون المعنى: فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت، أينما تكونوا من الجهات المختلفة يأت بكم الله جميعاً يجمعكم ويجعل صلواتكم كأنها إلى جهة واحدة، وكأنكم تصلون حاضري المسجد الحرام.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ ﴾ عَنِ المَعاصِي وحُظُوظِ النَّفْسِ، ﴿ والصَّلاةِ ﴾ الَّتِي هي أُمُّ العِباداتِ ومِعْراجُ المُؤْمِنِينَ، ومُناجاةُ رَبِّ العالَمِينَ.
﴿ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ ﴾ بِالنَّصْرِ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ.
﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ ﴾ أيْ هم أمْواتٌ ﴿ بَلْ أحْياءٌ ﴾ أيْ بَلْ هم أحْياءٌ.
﴿ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ما حالُهُمْ، وهو تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ حَياتَهم لَيْسَتْ بِالجَسَدِ ولا مِن جِنْسِ ما يُحَسُّ بِهِ مِنَ الحَيَواناتِ، وإنَّما هي أمْرٌ لا يُدْرَكُ بِالعَقْلِ بَلْ بِالوَحْيِ، وعَنِ الحَسَنِ: إنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرُّوحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الألَمُ والوَجَعُ.
والآيَةُ نَزَلَتْ في شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا أرْبَعَةَ عَشَرَ، وفِيها دَلالَةٌ عَلى أنَّ الأرْواحَ جَواهِرُ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها مُغايِرَةٌ لِما يُحَسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ تَبْقى بَعْدَ المَوْتِ دارِكَةً، وعَلَيْهِ جُمْهُورُ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ، وبِهِ نَطَقَتِ الآياتُ والسُّنَنُ، وعَلى هَذا فَتَخْصِيصُ الشُّهَداءِ لِاخْتِصاصِهِمْ بِالقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ومَزِيدِ البَهْجَةِ والكَرامَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله} نزلت فى شهداء
البقرة (١٥٤ _ ١٥٨)
بدر وكانوا أربعة عشر رجلاً {أَمْوَاتٌ} أي هم أمواتٍ {بَلْ أَحْيَاء} أي هم أحياء {وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ} لا تعلمون ذلك لأن حياة الشهيد لا تعلم حساً عن الحسن
رضى الله عنه أن الشهداء أحياء عند الله تعرض أرزاقهم على أرواحهم فيصل إليهم الروح والفرح كما تعرض النار على أرواح آل فرعون غدواً وعشيا فيصل اليهم الوجع وعن مجاهد ريحها وليسوا فيها
﴿ ولا تَقُولُوا ﴾ : عَطْفٌ عَلى ﴿ واسْتَعِينُوا ﴾ إلَخْ مَسُوقٌ لِبَيانِ أنَّهُ لا غائِلَةَ لِلْمَأْمُورِ بِهِ، وإنَّ الشَّهادَةَ الَّتِي رُبَّما يُؤَدِّي إلَيْها الصَّبْرُ حَياةٌ أبَدِيَّةٌ.
﴿ لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ أيْ: في طاعَتِهِ وإعْلاءِ كَلِمَتِهِ، وهُمُ الشُّهَداءُ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّبْلِيغِ؛ لِأنَّهم لَمْ يُبَلِّغُوا الشُّهَداءَ قَوْلَهم: ﴿ أمْواتٌ ﴾ أيْ هُمْ: أمْواتٌ.
﴿ بَلْ أحْياءٌ ﴾ أيْ: بَلْ هم أحْياءٌ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى لا تَقُولُوا إضْرابٌ عَنْهُ، ولَيْسَ مِن عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ؛ لِيَكُونَ في حَيِّزِ القَوْلِ، ويَصِيرُ المَعْنى بَلْ ( قُولُوا أحْياءً )؛ لِأنَّ المَقْصُودَ إثْباتُ الحَياةِ لَهم لا أمْرُهم بِأنْ يَقُولُوا في شَأْنِهِمْ أنَّهم أحْياءٌ، وإنْ كانَ ذَلِكَ أيْضًا صَحِيحًا.
﴿ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ أيْ: لا تُحِسُّونَ ولا تُدْرِكُونَ ما حالُهم بِالمَشاعِرِ؛ لِأنَّها مِن أحْوالِ البَرْزَخِ الَّتِي لا يُطَّلَعُ عَلَيْها، ولا طَرِيقَ لِلْعِلْمِ بِها إلّا بِالوَحْيِ، واخْتُلِفَ في هَذِهِ الحَياةِ، فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ إلى أنَّها حَقِيقِيَّةٌ بِالرُّوحِ والجَسَدِ، ولَكِنّا لا نُدْرِكُها في هَذِهِ النَّشْأةِ، واسْتَدَلُّوا بِسِياقِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ وبِأنَّ الحَياةَ الرُّوحانِيَّةَ الَّتِي لَيْسَتْ بِالجَسَدِ لَيْسَتْ مِن خَواصِّهِمْ، فَلا يَكُونُ لَهُمُ امْتِيازٌ بِذَلِكَ عَلى مَن عَداهُمْ، وذَهَبَ البَعْضُ إلى أنَّها رُوحانِيَّةٌ، وكَوْنُهم يُرْزَقُونَ لا يُنافِي ذَلِكَ؛ فَقَدْ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ الشُّهَداءَ أحْياءٌ عِنْدَ اللَّهِ - تَعالى - تُعْرَضُ أرْزاقُهم عَلى أرْواحِهِمْ، فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الرَّوْحُ والفَرَحُ، كَما تُعْرَضُ النّارُ عَلى أرْواحِ آلِ فِرْعَوْنَ غُدُوًّا وعَشِيًّا فَيَصِلُ إلَيْهِمُ الوَجَعُ، فَوُصُولُ هَذا الرُّوحِ إلى الرُّوحِ هو الرِّزْقُ والِامْتِيازُ لَيْسَ بِمُجَرَّدِ الحَياةِ، بَلْ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلَيْها مِنَ اخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ القُرْبِ مِنَ اللَّهِ - عَزَّ شَأْنُهُ - ومَزِيدُ البَهْجَةِ والكَرامَةِ.
وذَهَبَ البَلْخِيُّ إلى نَفْيِ الحَياةِ بِالفِعْلِ عَنْهم مُطْلَقًا، وأخْرَجَ الجُمْلَةَ الاسْمِيَّةَ الدّالَّةَ عَلى الِاسْتِمْرارِ المُسْتَوْعِبِ لِلْأزْمِنَةِ مِن وقْتِ القَتْلِ إلى ما لا آخِرَ لَهُ عَنْ ظاهِرِها.
وقالَ: مَعْنى ﴿ بَلْ أحْياءٌ ﴾ إنَّهم يَحْيَوْنَ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيُجْزَوْنَ أحْسَنَ الجَزاءِ، فالآيَةُ عَلى حَدِّ ﴿ إنَّ الأبْرارَ لَفي نَعِيمٍ ﴾ ﴿ وإنَّ الفُجّارَ لَفي جَحِيمٍ ﴾ وفائِدَةُ الإخْبارِ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلى المُشْرِكِينَ؛ حَيْثُ قالُوا: إنَّ أصْحابَ مُحَمَّدٍ يَقْتُلُونَ أنْفُسَهم ويَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيا بِلا فائِدَةٍ ويُضَيِّعُونَ أعْمارَهُمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَيْسَ الأمْرُ كَما زَعَمْتُمْ، بَلْ يَحْيَوْنَ ويَخْرُجُونَ، وذَهَبَ بَعْضُهم إلى إثْباتِ الحَياةِ الحُكَمِيَّةِ لَهم بِما نالُوا مِنَ الذِّكْرِ الجَمِيلِ والثَّناءِ الجَلِيلِ، كَما رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - هَلَكَ خُزّانُ الأمْوالِ والعُلَماءُ باقُونَ ما بَقِيَ الدَّهْرُ أعْيانُهم مَفْقُودَةٌ وآثارُهم في القُلُوبِ مَوْجُودَةٌ، وحُكِيَ عَنِ الأصَمِّ أنَّ المُرادَ بِالمَوْتِ والحَياةِ الضَّلالُ والهُدى؛ أيْ: لا تَقُولُوا هم أمْواتٌ في الدِّينِ ضالُّونَ عَنِ الصِّراطِ المُسْتَقِيمِ، بَلْ هم أحْياءٌ بِالطّاعَةِ قائِمُونَ بِأعْبائِها، ولا يَخْفى أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ - ما عَدا الأوَّلَيْنِ - في غايَةِ الضَّعْفِ، بَلْ نِهايَةِ البَطَلانِ، والمَشْهُورُ تَرْجِيحُ القَوْلِ الأوَّلِ، ونُسِبَ إلى ابْنِ عَبّاسِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والحَسَنِ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ وواصِلِ بْنِ عَطاءٍ والجِبّائِيِّ والرُّمّانِيِّ وجَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المُرادِ بِالجَسَدِ، فَقِيلَ: هو هَذا الجَسَدُ الَّذِي هُدِمَتْ بِنْيَتُهُ بِالقَتْلِ، ولا يَعْجَزُ اللَّهُ - تَعالى - أنْ يُحِلَّ بِهِ حَياةً تَكُونُ سَبَبَ الحِسِّ والإدْراكِ، وإنْ كُنّا نَراهُ رِمَّةً مَطْرُوحَةً عَلى الأرْضِ، لا يَتَصَرَّفُ ولا يُرى فِيهِ شَيْءٌ مِن عَلاماتِ الأحْياءِ، فَقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ: «إنَّ المُؤْمِنَ يُفْسَحُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، ويُقالُ لَهُ: نَمْ نَوْمَةَ العَرُوسِ» مَعَ أنّا لا نُشاهِدُ ذَلِكَ؛ إذِ البَرْزَخُ بَرْزَخٌ آخَرُ بِمَعْزِلٍ عَنْ أذْهانِنا وإدْراكِ قُوانا، وقِيلَ: جَسَدٌ آخَرُ عَلى صُورَةِ الطَّيْرِ تَتَعَلَّقُ الرُّوحُ فِيهِ، واسْتُدِلَّ بِما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ مُعَلَّقَةٌ في قَنادِيلِ الجَنَّةِ حَتّى يُرْجِعَها اللَّهُ - تَعالى - يَوْمَ القِيامَةِ» ”ولا يُعارِضُ هَذا ما أخْرَجَهُ مالِكٌ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - قالَ: «“إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ - أوْ شَجَرِ الجَنَّةِ -» ”.
ولا ما أخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا: «“إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ في حَواصِلِ طُيُورٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في أنْهارِ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ”؛» لِأنَّ كَوْنَها في الأجْوافِ أوْ في الحَواصِلِ يُجامِعُ كَوْنَها في تِلْكَ الصُّوَرِ؛ إذِ الرّائِي لا يَرى سِواها، وقِيلَ: جَسَدٌ آخَرُ عَلى صُوَرِ أبْدانِهِمْ في الدُّنْيا بِحَيْثُ لَوْ رَأى الرّائِي أحَدَهم لَقالَ: رَأيْتُ فُلانًا - وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ بَعْضُ الإمامِيَّةِ - واسْتَدَلُّوا بِما أخْرَجَهُ أبُو جَعْفَرٍ مُسْنَدًا إلى يُونُسَ بْنِ ظَبْيانَ، قالَ: كُنْتُ عِنْدَ أبِي عَبْدِ اللَّهِ جالِسًا، فَقالَ: ما تَقُولُ النّاسُ في أرْواحِ المُؤْمِنِينَ؟
قُلْتُ: يَقُولُونَ: في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ تَحْتَ العَرْشِ، فَقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ: سُبْحانَ اللَّهِ !
المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ - تَعالى - مِن أنْ يَجْعَلَ رُوحَهُ في حَوْصَلَةِ طائِرٍ أخْضَرَ يُؤْنِسُ المُؤْمِنَ إذا قَبَضَهُ اللَّهُ - تَعالى - صَيَّرَ رُوحَهُ في قالَبٍ كَقالَبِهِ في الدُّنْيا، فَيَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ، فَإذا قَدَمَ عَلَيْهِمُ القادِمُ عَرَفُوهُ بِتِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي كانَتْ في الدُّنْيا.
ووَجْهُ الِاسْتِدْلالِ إذا كانَ المُرادُ - بِالمُؤْمِنِينَ - الشُّهَداءَ ظاهِرٌ، وأمّا إذا كانَ المُرادُ بِهِمْ سائِرَ مَن آمَنَ، فَيُعْلَمُ مِنهُ حالُ الشُّهَداءِ، وأنَّ أرْواحَهم لَيْسَتْ في الحَواصِلِ بِطَرِيقِ الأوْلى، وعِنْدِي أنَّ الحَياةَ في البَرْزَخِ ثابِتَةً لِكُلِّ مَن يَمُوتُ مِن شَهِيدٍ وغَيْرِهِ، وأنَّ الأرْواحَ - وإنْ كانَتْ جَواهِرَ قائِمَةً بِأنْفُسِها - مُغايِرَةً لِما يُحِسُّ بِهِ مِنَ البَدَنِ، لَكِنْ لا مانِعَ مِن تَعَلُّقِها بِبَدَنٍ بَرْزَخِيٍّ مُغايِرٍ لِهَذا البَدَنِ الكَثِيفِ، ولَيْسَ ذَلِكَ مِنَ التَّناسُخِ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الضَّلالِ، وإنَّما يَكُونُ مِنهُ لَوْ لَمْ تَعُدْ إلى جِسْمِ نَفْسِها الَّذِي كانَتْ فِيهِ - والعَوْدُ حاصِلٌ في النَّشْأةِ الجِنانِيَّةِ - بَلْ لَوْ قُلْنا بِعَدَمِ عَوْدِها إلَيْهِ والتَزَمْنا العَوْدَ إلى جِسْمٍ مُشابِهٍ لَما كانَ في الدُّنْيا مُشْتَمِلٌ عَلى الأجْزاءِ النُّطْقِيَّةِ الأصْلِيَّةِ أوْ غَيْرِ مُشْتَمِلٍ، لا يَلْزَمُ ذَلِكَ التَّناسُخُ أيْضًا؛ لِأنَّهم قالُوهُ عَلى وجْهٍ نَفَوْا بِهِ الحَشْرَ والمَعادَ، وأثْبَتُوا فِيهِ سَرْمَدِيَّةَ عالَمِ الكَوْنِ والفَسادِ، وأنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ يَثْبُتُ لَها هَذا التَّعَلُّقُ عَلى وجْهٍ يَمْتازُونَ بِهِ عَمَّنْ عَداهم إمّا في أصْلِ التَّعَلُّقِ أوْ في نَفْسِ الحَياةِ بِناءً عَلى أنَّها مِنَ المُشَكِّكِ لا المُتَواطِئِ، أوْ في نَفْسِ المُتَعَلِّقِ بِهِ مَعَ ما يَنْضَمُّ إلى ذَلِكَ مِنَ البَهْجَةِ والسُّرُورِ والنَّعِيمِ اللّائِقِ بِهِمْ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ لِهاتِيكَ الأبْدانِ شَبَهًا تامًّا صُورِيًّا بِهَذِهِ الأبْدانِ، وأنَّ المَوادَّ مُخْتَلِفَةٌ والأجْزاءَ مُتَفاوِتَةٌ؛ إذْ فَرْقٌ بَيْنَ العالَمَيْنِ - وشَتّانٌ ما بَيْنَ البَرْزَخَيْنِ - ويُمْكِنُ حَمْلُ أحادِيثَ الطَّيْرِ عَلى تَشْبِيهِ هَذِهِ الأبْدانِ الغَضَّةِ الطَّرِيَّةِ بِسُرْعَةِ حَرَكَتِها وذَهابِها حَيْثُ شاءَتْ بِالطَّيْرِ الخُضْرِ، وتُحْمَلُ الصُّورَةُ عَلى الصِّفَةِ كَما حُمِلَتْ عَلى ذَلِكَ في حَدِيثِ: «“خُلِقَ آدَمُ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ» واسْتِبْعادُ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - ما تَقَدَّمَ مَحْمُولٌ عَلى ما يَفْهَمُهُ العامَّةُ مِن ظاهِرِ اللَّفْظِ، ولِمَزِيدِ الإيضاحِ اللّائِقِ بِعَوامِّ وقْتِهِ عَدَلَ عَنْهُ إلى عِبارَةٍ لا يَتَراءى مِنها شائِبَةُ اسْتِبْعادِ كَما يَتَراءى مِن ظاهِرِ الحَدِيثِ، حَتّى أنَّ بَعْضَ العُلَماءِ لِذَلِكَ حَمَلُوا ( في ) فِيهِ عَلى (عَلى) وهو إمّا تَجاهُلٌ أوْ جَهْلٌ بِأنَّ صِغَرَ المُتَعَلِّقِ أوْ ضِيقَهُ لَوْ كانَ مَوْجُودًا فِيما نَحْنُ فِيهِ لا يَضُرُّ الرُّوحَ شَيْئًا، ولا يُنافِي نَعِيمَها، أوْ ظَنَّ بِأنَّ لِتِلْكَ الصُّورَةِ رُوحًا غَيْرَ رُوحِ - الشَّهِيدِ - فَلا يُمْكِنُ أنْ تَتَعَلَّقَ بِها رُوحانِ، والأمْرُ عَلى خِلافِ ما يَظُنُّونَ، وإنْ شِئْتَ قُلْتَ بِتَمَثُّلِ الرُّوحِ نَفْسِها صُورَةً؛ لِأنَّ الأرْواحَ في غايَةِ اللَّطافَةِ، وفِيها قُوَّةُ التَّجَسُّدِ كَما يَشْعُرُ بِهِ ظُهُورُ الرُّوحِ الأمِينِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِصُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - .
وأمّا القَوْلُ بِحَياةِ هَذا الجَسَدِ الرَّمِيمِ مَعَ هَدْمِ بِنْيَتِهِ وتَفَرُّقِ أجْزائِهِ وذَهابِ هَيْئَتِهِ - وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعِيدًا عَنْ قُدْرَةِ مَن يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ - لَكِنْ لَيْسَ إلَيْهِ كَثِيرُ حاجَةٍ، ولا فِيهِ مَزِيدُ فَضْلٍ، ولا عَظِيمُ مِنَّةٍ، بَلْ لَيْسَ فِيهِ سِوى إيقاعِ ضَعْفَةِ المُؤْمِنِينَ بِالشُّكُوكِ والأوْهامِ وتَكْلِيفِهِمْ مِن غَيْرِ حاجَةٍ بِالإيمانِ بِما يُعِدُّونَ قائِلَهُ مِن سَفَهَةِ الأحْلامِ، وما يُحْكى مِن مُشاهَدَةِ بَعْضِ الشُّهَداءِ الَّذِينَ قُتِلُوا مُنْذُ مِئاتِ سِنِينَ، وأنَّهم إلى اليَوْمِ تَشْخَبُ جُرُوحُهم دَمًا إذا رُفِعَتِ العُصابَةِ عَنْها؛ فَلِذَلِكَ مِمّا رَواهُ هَيّانُ بْنُ بَيّانٍ، وما هو إلّا حَدِيثُ خُرافَةٍ، وكَلامٌ يَشْهَدُ عَلى مُصَدِّقِيهِ تَقْدِيمَ السَّخافَةِ.
هَذا ثُمَّ إنَّ نَهْيَ المُؤْمِنِينَ عَنْ أنْ يَقُولُوا في شَأْنِ الشُّهَداءِ أمْواتٌ، إمّا أنْ يَكُونَ دَفْعًا لِإيهامِ مُساواتِهِمْ لِغَيْرِهِمْ في ذَلِكَ البَرْزَخِ - وتِلْكَ خُصُوصِيَّةٌ لَهم وإنْ شارَكَهم في النَّعِيمِ - بَلْ وزادَ عَلَيْهِمْ بَعْضُ عِبادِ اللَّهِ - تَعالى - المُقَرَّبِينَ مِمَّنْ يُقالُ في حَقِّهِمْ ذَلِكَ، وإمّا أنْ يَكُونَ صِيانَةً لَهم عَنِ النُّطْقِ بِكَلِمَةٍ قالَها أعْداءُ الدِّينِ والمُنافِقُونَ في شَأْنِ أُولَئِكَ الكِرامِ قاصِدِينَ بِها أنَّهم حُرِمُوا مِنَ النَّعِيمِ ولَمْ يَرَوْهُ أبَدًا، ولَيْسَ في الآيَةِ نَهْيٌ عَنْ نِسْبَةِ المَوْتِ إلَيْهِمْ بِالكُلِّيَّةِ بِحَيْثُ إنَّهم ما ذاقُوا أصْلًا ولا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وإلّا لَقالَ تَعالى: ولا تَقُولُوا لِمَن يَقْتُلُ في سَبِيلِ اللَّهِ ماتُوا، فَحَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ إلى ما تَرى عُلِمَ أنَّهُمُ امْتازُوا بَعْدَ أنْ قُتِلُوا بِحَياةٍ لائِقَةٍ بِهِمْ مانِعَةٍ عَنْ أنْ يُقالَ في شَأْنِهِمْ: أمْوات وعَدَلَ سُبْحانَهُ عَنْ - قُتِلُوا - المُعَبَّرُ عَنْهُ في آلِ عِمْرانَ إلى ( يُقْتَلُ ) رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ في النَّهْيِ، وتَأْكِيدُ الفِعْلِ في تِلْكَ السُّورَةِ يَقُومُ مَقامَ هَذا العُدُولِ هُنا كَما قَرَّرَهُ بَعْضُ أحْبابِنا مِنَ الفُضَلاءِ المُعاصِرِينَ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما أخْرَجَهُ ابْنُ مَندَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في شُهَداءِ بَدْرٍ، وكانُوا عِدَّةَ لَيالِيهِ ثَمانِيَةً مِنَ الأنْصارِ وسِتَّةً مِنَ المُهاجِرِينَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ - .
<div class="verse-tafsir"
ثم قال عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، يعني صدّقوا بتوحيد الله تعالى.
وهذا نداء المدح، وقد ذكرنا قبل هذا أن النداء على ست مراتب.
وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: إذا سمعت الله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فَارْعَ له بسمعك فإنه أمر تؤمر به أو نهي تنهى عنه.
اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ على أداء الفرائض وبالصلاة خاصة.
قال الزجاج: استعينوا بالصبر على ما أنتم عليه وإن أصابكم مكروه.
وقال مجاهد: استعينوا بالصبر أي بالصوم والصلاة.
وقال الضحاك: استعينوا بالصبر على صوم شهر رمضان وعلى الصلوات الخمس.
ويقال: الصبر هو الصبر بعينه.
ذكر في هذه الآية الطاعة الظاهرة والطاعة الباطنة، فأمر بالصبر والصلاة، لأنه ليس شيء من الطاعة الظاهرة أشد من الصلاة على البدن، لأنه يجتمع فيها أنواع الطاعات: الخضوع والإقبال والسكون والتسبيح والقراءة فإذا تيسر عليه الصلاة تيسر عليه ما سوى ذلك.
وليس شيء من الطاعات الباطنة أشد من الصبر على البدن، فأمر الله بالصبر والصلاة لأنه حسن.
ثم قال: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، فالله تعالى مع كل أحد، ولكن خصّ الصابرين لكي يعلموا أن الله سبحانه وتعالى يفرج عنهم.
قوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ.
قال الضحاك: هم النفر الذين قتلوا عند بئر معونة.
وقال الكلبي: هم الذين قتلوا ببدر إذ قتل من المسلمين يومئذٍ أربعة عشر رجلاً ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين وكان الناس يقولون: مات فلان ومات فلان، فأنزل الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ لأنهم في الحكم كالأحياء، لأنه يجري ثوابهم إلى يوم القيامة، ولأنهم يسرحون في الجنة حيث شاؤوا.
كما قال في آية أخرى: عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ [آل عمران: 169] وَلكِنْ لاَّ تَشْعُرُونَ [البقرة: 154] .
<div class="verse-tafsir"
وَاشْكُرُوا لِي، أي: نعمي وأيادِيَّ، وَلا تَكْفُرُونِ: أي: نعمي وأياديَّ.
ت: وعن جابر قَالَ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أدى شُكْرَهَا، فَإِنْ قالها الثانيةَ، جدَّد اللَّهُ لها ثوابَهَا، فَإن قالها الثالثةَ، غفر اللَّه له ذُنوبَه» رواه الحاكمُ في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيح»
.
انتهى من «السِّلاح» .
وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، أي: بمعونته وإنجاده.
وقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ...
الآية: سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين: مَاتَ فلانٌ، ماتَ فلانٌ، فكره اللَّه سبحانه أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم، فنزلَتْ هذه الآية، وأيضاً: فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم، تعظِّم منزلة الشهداءِ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ.
ت: وخرَّجه البخاريُّ في «صحيحه» عن أنسٍ، قال: «أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ «٢» سَهْمٍ، وهو غلامٌ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله/، قد
عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِب، وَإِن تَكُن الأخرى، ترى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: وَيْحَكِ، أَوَ هُبِلْتِ، أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى ...
» الحديثَ «١» .
انتهى.
ع «٢» : والفرق بين الشهيدِ وغيرهِ إِنما هو الرِّزْقُ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم.
ت: وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، ويرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ» .
قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، زاد ابن ماجَة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» «٣» ، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٤» : هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة: «ستَّ خِصَالٍ» وهي في متن الحديث سَبْعٌ، وعلى ما في ابن ماجة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» تكون ثمانياً، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد «٥» بسنده عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ» انتهى.
وخرّج الترمذيّ، والنسائيّ عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ» «٦» انتهى.
ع «١» : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ» «٢» ، وروي: «أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ» ، ورويَ: «أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ» ، إِلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ، أو للجميع في أوقات متغايرة.
ت: وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب «الإِفصاح» أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال صاحب «التذكرة» : وهذا قول حَسَنٌ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع.
انتهى.
قال ع «٣» : وجمهور العلماء على أنهم في الجَنَّة ويؤيّده قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لأمِّ حَارِثَةَ: «إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى» .
وقال مجاهد: هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا «٤» ، وفي «مختصر الطبريِّ» ، قال: ونهى عزَّ وجَلَّ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أموات، وأعلم سبحانه أنه أحياء،
ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين، بأنهم في البَرْزَخِ يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة على أنه قد ورد في الحديثِ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ» ، ومعنى: «يُعَلَّق» : يأكل ومنه قوله: ما ذقْتُ عَلاقاً، أي: مأكلاً، فقد عم المؤمنين بأنهم يرزقُونَ في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم، واللَّه أعلم.
انتهى.
وروى النسائيُّ أن رجلاً قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ؟
قَالَ: كفى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ على رَأْسِهِ فِتْنَةً» «١» .
انتهى.
ت: وحديثُ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ» خرَّجه مالك رحمه اللَّه.
قال الدَّاووديُّ: وحديث مالكٍ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح، والذي روي أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ لا يصحُّ في النقل.
انتهى.
قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» «٢» : والأشبه قولُ من قال: كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ لموافقته لحديثِ «الموطَّإ» ، هذا/ وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ، ولم يذكر مطعناً في ٤٠ أإسنادها.
انتهى.
ثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ، ثم وعد على الصَّبْر، فقال:
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي: نمتحنكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، أي: من الأعداء في الحروبِ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي بالجوانحِ «٣» ، والمصائبِ، وَالْأَنْفُسِ بالموت، والقَتْل، وَالثَّمَراتِ بالعَاهَاتِ، والمرادُ بشيءٍ من هذا وشيءٍ من هذا، واكتفى بالأول إِيجازاً، ثم وصف سبحانه الصابرين الَّذين بشَّرهم بقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فجعل سبحانه هذه الكلماتِ ملجأً لذوي المصائبِ لما جمعتْ من المعاني المباركةِ من توحِيدِ اللَّهِ سبحانه، والإِقرار له بالعبودية، والبعثِ من القبور، واليقين
بأنَّ رجوع الأمر كلِّه إِليه كما هو له، قال الفَخْرُ «١» : قال أبو بَكْرٍ الوَرَّاق «٢» : إِنَّا لِلَّهِ:
إقرارٌ منَّا له بالمُلْكِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِقرارٌ على أنفسنا بالهلاكِ.
واعلم أن قوله: إِنَّا لِلَّهِ يدلُّ على كونه راضيًا بكلِّ ما نَزَلَ به، ووردَتْ أخبارٌ كثيرة في هذا الباب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فمنِ استرجع عند المصيبة، جَبَر اللَّه مصيبته، وأحْسَنَ عقباه، وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضَاهُ.
انتهى.
وروي: «أنّ مصباح رسول الله صلّى الله عليه وسلم انطفأ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فَقِيلَ: أَمُصِيبَةٌ هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: نَعَمْ كُلُّ مَا آذَى المُؤْمِنَ، فَهُوَ مُصِيبَةٌ» «٣» .
قال النوويُّ «٤» : ورُوِّينَا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» «٥» عن أبي هريرة، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليسترجعْ أحدُكُمْ في كلِّ شيء، حتى في شِسْعِ «٦» نَعْلِه فَإِنها من المصائِبِ» «٧» .
انتهى من «الحلية» .
وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...
الآية: نِعَمٌ من اللَّه تعالى على الصابرين المسترجعين، وصلوات اللَّه على عبده: عفْوُهُ، ورحمتُه، وبركته، وتشريفه إِياه في الدنيا والآخرة، وكرَّر الرحْمَة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لمَّا اختلف اللَّفْظ تأكيداً منه تعالى وشهد لهم بالاهتداء.
ت: وفي «صحيح البخاري» : وقال عُمَرُ: نِعْمَ العدلان، ونَعْمُ العِلاَوة «١» الَّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ...
إلى الْمُهْتَدُونَ «٢» ، قال النوويُّ في «الحلية» «٣» : ورُوِّينا في سنن ابن ماجة، والبيهقيِّ بإِسناد حَسَنٍ عن عمرو بن حزم «٤» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلّا كساه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ» «٥» ، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ، والسنن الكَبيِرِ للبيهقيِّ عن ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عزى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» إسناده ضعيف «٦» ، وروّينا في
سَبَبُ نُزُولِها أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِقَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ بِبَدْرٍ، ماتَ فُلانٌ بِأُحُدٍ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
ورَفَعَ الأمْواتَ بِإضْمارِ مُكَنّى مِن أسْمائِهِمْ، أيْ: لا تَقُولُوا: هم أمْواتٌ، ذَكَرَ نَحْوَهُ الفَرّاءُ.
فَإنْ قِيلَ: فَنَحْنُ نَراهم مَوْتى، فَما وجْهُ النَّهْيِ؟
فالجَوابُ أنَّ المَعْنى: لا تَقُولُوا: هم أمْواتٌ لا تَصِلُ أرْواحَهم إلى الجَنّاتِ، ولا تَنالُ مِن تُحَفِ اللَّهِ ما لا يَنالُهُ الأحْياءُ بَلْ هم أحْياءٌ، أرْواحُهم في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَسْرَحُ في الجَنَّةِ، فَهم أحْياءٌ مِن هَذِهِ الجِهَةِ، وإنْ كانُوا أمْواتًا مِن جِهَةِ خُرُوجِ الأرْواحِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ جَمِيعُ المُؤْمِنِينَ مُنَعَّمِينَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ؟
فَلِمَ خَصَصْتُمُ الشُّهَداءَ؟
فالجَوابُ: أنَّ الشُّهَداءَ فُضِّلُوا عَلى غَيْرِهِمْ بِأنَّهم مُرْزَقُونَ مِن مَطاعِمِ الجَنَّةِ ومَآَكِلِها، وغَيْرُهم مُنَعَّمٌ بِما دُونَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَمَراتِ وبَشِّرِ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُونِي بِالطاعَةِ أذْكُرُكم بِالثَوابِ والمَغْفِرَةِ.
أيِ اذْكُرُونِي عِنْدَ كُلِّ أُمُورِكم فَيَحْمِلُكم خَوْفِي عَلى الطاعَةِ فَأذْكُرُكم حِينَئِذٍ بِالثَوابِ.
وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: المَعْنى: اذْكُرُونِي بِالدُعاءِ والتَسْبِيحِ ونَحْوِهِ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ابْنُ آدَمَ: اذْكُرْنِي في الرَخاءِ أذْكُرُكَ في الشِدَّةِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: وإذا ذَكَرَنِي عَبْدِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنهم»، ورُوِيَ: إنَّ الكافِرَ إذا ذَكَرَ اللهَ ذَكَرَهُ اللهُ بِاللَعْنَةِ والخُلُودِ في النارِ، وكَذَلِكَ العُصاةُ يَأْخُذُونَ بِحَظٍّ مِن هَذا المَعْنى، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "قُلْ لِلْعاصِينَ لا يَذْكُرُونِي".
﴿ واشْكُرُوا لِي ﴾ واشْكُرُونِي بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِي: أشْهَرُ وأفْصَحُ مَعَ الشُكْرِ.
ومَعْناهُ: نِعَمِي وأيادِيِّ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: شَكَرْتُكَ فالمَعْنى: شَكَرْتُ صَنِيعَكَ وذَكَرْتُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ إذْ مَعْنى الشُكْرِ ذِكْرُ اليَدِ وذِكْرُ مُسْدِيها مَعًا، فَما حُذِفَ مِن ذَلِكَ فَهو اخْتِصارٌ لِدَلالَةِ ما بَقِيَ عَلى ما حُذِفَ.
و"تَكْفُرُونِ" أيْ نِعَمِي وأيادِيَّ، وانْحَذَفَتْ نُونُ الجَماعَةِ لِلْجَزْمِ، وهَذِهِ نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ الَّتِي بَعْدَها تَخْفِيفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، ولَوْ كانَ نَهْيًا عَنِ الكُفْرِ ضِدُّ الإيمانِ لَكانَ "وَلا تَكْفُرُوا" بِغَيْرِ النُونِ.
و"يا" حَرْفُ نِداءٍ، و"أيْ" مُنادى، و"ها" تَنْبِيهٌ، وتَجْلِبُ "أيْ" فِيما فِيهِ الألِفُ واللامُ، لِأنَّ في حَرْفِ النِداءِ تَعْرِيفًا ما فَلَوْ لَمْ تُجْلَبْ "أيْ" لاجْتَمَعَ تَعْرِيفانِ.
وقالَ قَوْمٌ: "الصَبْرُ": الصَوْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَبْرِ.
وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِعانَةِ بِالصَبْرِ والصَلاةِ.
واخْتِصارُهُ أنَّهُما رادِعانِ عَنِ المَعاصِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: بِمَعُونَتِهِ وإنْجادِهِ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ».
وكَما قالَ: «ارْمُوا وأنا مَعَ بَنِي فُلانٍ» الحَدِيثُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ.
سَبَبُها أنَّ الناسَ قالُوا فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ، وماتَ فُلانٌ.
فَكَرِهَ اللهُ أنَّ تُحَطَّ مَنزِلَةُ الشُهَداءِ إلى مَنزِلَةِ غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ صَعُبَ عَلَيْهِمْ فِراقُ إخْوانِهِمْ وقَراباتِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُسَلِّيَةً لَهُمْ، تُعَظِّمُ مَنزِلَةَ الشُهَداءِ، وتُخْبِرُ عن حَقِيقَةِ حالِهِمْ، فَصارُوا مَغْبُوطِينَ لا مَحْزُونًا لَهُمْ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ أُمِّ حارِثَةَ في السَيْرِ.
والفَرْقُ بَيْنَ الشَهِيدِ وغَيْرِهِ إنَّما هو الرِزْقُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى فَضَّلَهم بِدَوامِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُنْيا فَرَزَقَهُمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ في ذَلِكَ «أنَّ أرْواحَ الشُهَداءِ في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ أنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إلى كَثِيرٍ مِن هَذا ولا مَحالَةَ أنَّها أحْوالٌ لِطَوائِفَ، أو لِلْجَمِيعِ في أوقاتٍ مُتَغايِرَةٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ «قَوْلُ النَبِيِّ لِأُمِّ حارِثَةَ: إنَّهُ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى»، وقالَ مُجاهِدٌ: هم خارِجُ الجَنَّةِ، ويُعَلَّقُونَ مِن شَجَرِها.
و"أمْواتٌ" رُفِعَ بِإضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: هم أمْواتٌ، ولا يَجُوزُ إعْمالُ القَوْلِ فِيهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تَناسُبٌ، كَما يَصِحُّ في قَوْلِكَ: قُلْتُ كَلامًا وحُجَّةً.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ، أيْ قَبْلَ أنْ نُشْعِرَكم.
وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" الآيَةُ.
أمَرَ تَعالى بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَبْرِ والصَلاةِ وأخْبَرَ أنَّهُ مَعَ الصابِرِينَ، ثُمَّ اقْتَضَتِ الآيَةُ بَعْدَها مِن فَضْلِ الشُهَداءِ ما يُقَوِّي الصَبْرَ عَلَيْهِمْ ويُخَفِّفُ المُصِيبَةَ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تُتَلَقّى إلّا بِالصَبْرِ، أشْياءٌ تُعْلِمُ أنَّ الدُنْيا دارَ بَلاءٍ ومِحَنٍ، أيْ فَلا تُنْكِرُوا فِراقَ الإخْوانِ والقَرابَةِ، ثُمَّ وعَدَ الصابِرِينَ أجْرًا.
وقالَ عَطاءٌ، والجُمْهُورٌ، إنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، وقِيلَ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ وحَلَّ ذَلِكَ بِهِمْ، فَهي آيَةٌ لِلنَّبِيِّ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ.
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: لَنَمْتَحِنَنَّكُمْ، وحُرِّكَتِ الواوُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَبْنِيٌّ وهو مَعَ النُونِ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ.
و"الخَوْفِ": يَعْنِي مِنَ الأعْداءِ في الحُرُوبِ، و"الجُوعِ": الجَدْبُ والسِنَةُ، وأمّا الحاجَةُ إلى الأكْلِ فَإنَّما اسْمُها الغَرْثُ، وقَدِ اسْتَعْمَلَ فِيهِ المُحْدَثُونَ الجُوعَ اتِّساعًا، ونَقْصُ الأمْوالِ: بِالجَوائِحِ والمَصائِبِ.
و"الأنْفُسِ": بِالمَوْتِ والقَتْلِ.
و"الثَمَراتِ": بِالعاهاتِ ونَزْعِ البَرَكَةِ.
فالمُرادُ: بِشَيْءٍ مِن هَذا، وشَيْءٍ مِن هَذا، فاكْتَفى بِالأوَّلِ إيجازًا ولِذَلِكَ وحَّدَ.
وقَرَأ الضَحّاكُ "بِأشْياءَ" عَلى الجَمْعِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.
وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسُ بِالقَتْلِ، والثَمَراتُ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أو بِالغَفْلَةِ عنها بِسَبَبِ الجِهادِ.
ثُمَّ وصَفَ تَعالى الصابِرِينَ الَّذِينَ بَشَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ ﴾ الآيَةُ، وجَعَلَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأً لِذَوِي المَصائِبِ، وعِصْمَةً لِلْمُمْتَحِنِينَ، لِما جَمَعَتْ مِنَ المَعانِي المُبارَكَةِ وذَلِكَ: تَوْحِيدُ اللهِ، والإقْرارُ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُعْطَ هَذِهِ الكَلِماتِ نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنا، ولَوْ عَرَفَها يَعْقُوبُ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ، ورُوِيَ «أنَّ مِصْباحَ رَسُولِ اللهِ انْطَفَأ ذاتَ لَيْلَةٍ فَقالَ: ﴿ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ ، فَقِيلَ: أمُصِيبَةٌ هي يا رَسُولَ اللهِ؟
قالَ: "نَعَمْ.
كُلُّ ما آذى المُؤْمِنَ فَهي مُصِيبَةٌ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ ﴾ الآيَةُ، نَعَمْ مِنَ اللهِ عَلى الصابِرِينَ المُسْتَرْجِعِينَ.
وصَلَواتُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ: عَفْوُهُ ورَحْمَتُهُ، وبَرَكَتُهُ، وتَشْرِيفُهُ إيّاهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وكَرَّرَ الرَحْمَةَ لَمّا اخْتُلِفَ اللَفْظُ تَأْكِيدًا، وهي مِن أعْظَمِ أجْزاءِ الصَلاةِ مِنهُ تَعالى.
وشَهِدَ لَهم بِالِاهْتِداءِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: نِعْمَ العَدْلانِ، ونِعْمَ العِلاوَةُ.
أرادَ بِالعَدْلَيْنِ الصَلاةَ والرَحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ الِاهْتِداءُ.
<div class="verse-tafsir"
هذه جمل معترضة بين قوله تعالى: ﴿ وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ [البقرة: 150] وما اتصل به من تعليله بقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجة ﴾ [البقرة: 150] وما عطف عليه من قوله ﴿ ولأتم نعمتي عليكم ﴾ [البقرة: 150] إلى قوله: ﴿ واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ [البقرة: 152] وبين قوله: ﴿ ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ﴾ [البقرة: 177] لأن ذلك وقع تكملة لدفع المطاعن في شأن تحويل القبلة فله أشد اتصال بقوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجةً ﴾ المتصل بقوله: ﴿ وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره ﴾ [البقرة: 150].
وهو اعتراض مُطْنِبٌ ابتُدئ به إعداد المسلمين لما هم أهله من نصر دين الله شكراً له على خَولهم من النعم المعدودة في الآيات السالفة من جعلهم أمة وسطاً وشهداء على الناس، وتفضيلِهم بالتوجه إلى استقبال أفضل بقعة، وتأييدهم بأنهم على الحق في ذلك، وأمْرِهم بالاستخفاففِ بالظالمين وأَنْ لا يخشوهم، وتبْشيرهم بأنه أتم نعمته عليهم وهداهم، وامتن عليهم بأنه أرسل فيهم رسولاً منهم، وهداهم إلى الامتثال للأحكام العظيمة كالشكر والذكر، فإن الشكر والذكر بهما تهيئة النفوس إلى عظيم الأعمال، من أجل ذلك كله أَمرهم هنا بالصبر والصلاة، ونبههم إلى أنهما عون للنفس على عظيم الأعمال، فناسب تعقيبها بها، وأيضاً فإن ما ذكر من قوله: ﴿ لئلا يكون للناس عليكم حجةً ﴾ مشعر بأن أناساً متصدُّون لشغبهم وتشكيكهم والكيد لهم، فأُمروا بالاستعانة عليهم بالصبر والصلاة.
وكلها متماسكة متناسبة الانتقال عدا آية: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ إلى قوله: ﴿ شاكر عليم ﴾ [البقرة: 158] فسيأتي تبييننا لموقعها.
وافتُتح الكلام بالنداء لأن فيه إشعاراً بخبرٍ مهم عظيم، فإن شأن الأَخبار العظيمة التي تَهُول المخاطبَ أن يقدَّم قبلَها ما يهيءُ النفس لقبولها لتستأنس بها قبل أن تفْجَأَها.
وفي افتتاح هذا الخطاب بالاستعانة بالصبر إيذان بأنه سيُعقب بالنَّدْب إلى عمل عظيم وبلْوى شديدة، وذلك تهيئةٌ للجهاد، ولعله إعداد لغزوة بدر الكبرى، فإن ابتداء المغازي كان قُبيل زمن تحويل القبلة إذ كان تحويل القبلة في رجب أو شعبان من السنة الثانية للهجرة وكانت غزوة بُوَاطَ والعُشَيْرَةِ وبدْرٍ الأولى في ربيع وجمادى من السنة الثانية ولم يكن فيهما قتال، وكانت بَدْرٌ الكبرى في رمضان من السنة الثانية فكانت بعد تحويل القبلة بنحو شهرين.
وقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] أن ما وقع في حديث البراء بن عازب من قول الراوي أن ناساً قُتلوا قبل تحويل القبلة، أنه توهم من أحد الرواة عن البراء، فإن أَوَّلَ قَتْل في سبيل الله وقع في غزوة بدر وهي بعد تحويل القبلة بنحو شهرين، والأصح ما في حديث الترمذي عن ابن عباس قال «لما وُجِّه النبي إلى الكعبة قالوا يا رسول الله كيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس» الحديث فلم يقل: (الذين قتلوا).
فالوجه في تفسير هذه الآية أنها تهيئة للمسلمين للصبر على شدائد الحرب، وتحبيبٌ للشهادة إليهم.
ولذلك وقع التعبير بالمضارع في قوله: {لمن يقتل في سبيل الله المشعر بأنه أمرٌ مستقبل وهم الذين قتلوا في وقعة بدر بُعَيد نزول هذه الآية.
وقد تقدم القول في نظير هذه الآية عند قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلوات وإنها لكبيرة ﴾ [البقرة: 45] الآية إلاَّ أنا نقول هنا إن الله تعالى قال لبني إسرائيل: ﴿ إنها لكبيرة ﴾ علماً منه بضعف عزائمهم عن عظائم الأعمال وقال هنالك ﴿ إلاَّ على الخاشعين ﴾ ولم يذكر مثل هذا هنا، وفي هذا إيماء إلى أن المسلمين قد يُسر لهم ما يصعب على غيرهم، وأنهم الخاشعون الذين استثناهم الله هنالك، وزاد هنا فقال: ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ فبشرهم بأنهم ممن يمتثل هذا الأمر ويعد لذلك في زمرة الصابرين.
وقوله ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ تذييل في معنى التعليل أي اصبروا ليكون الله معكم لأنه مع الصابرين.
وقوله: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ﴾ عطف النهي على الأمر قبله لمناسبة التعرض للغزو مما يتوقع معه القتل في سبيل الله، فلما أمروا بالصبر عرفوا أن الموت في سبيل الله أقوى ما يصبرون عليه، ولكن نبه مع ذلك على أن هذا الصبر ينقلب شكراً عندما يَرى الشهيد كرامته بعد الشهادة، وعندما يوقن ذووه بمصيره من الحياة الأبدية، فقوله: ﴿ ولا تقولوا ﴾ نهي عن القول الناشئ عن اعتقاد، ذلك لأن الإنسان لا يقول إلاّ ما يَعتقد فالمعنى ولا تعتقدوا، والظاهر أن هذا تكميل لقوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ [البقرة: 143] كما تقدَّم من حديث البراء فإنه قال: " قتل أناس قبل تحويل القبلة " فأعقب قوله: ﴿ وما كان الله ليضيع إيمانكم ﴾ بأن فضيلة شهادتهم غير منقوصة.
وارتفع ﴿ أمواتٌ ﴾ على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي لا تقولوا هم أموات.
و ﴿ بل ﴾ للإضراب الإبطالي إبطالاً لمضمون المنهي عن قوله، والتقدير بل هم أحياء، وليس المعنى بل قُولوا هم أحياء لأن المراد إخبار المخاطبين هذا الخبرَ العظيمَ، فقوله: «أحْيَآء» هو خبر مبتدأ محذوف وهو كلام مستأنف بعد ﴿ بل ﴾ الإضرابية.
وإنما قال: ﴿ ولكن لا تشعرون ﴾ للإشارة إلى أنها حياةٌ غير جسمية ولا مادِّيَّة بل حياة روحية، لكنها زائدة على مطلق حياة الأرواح، فإن للأرواح كلها حياة وهي عدم الاضمحلال وقبول التجسد في الحَشْر مع إحساس ما بكونها آيلة إلى نعيم أو جحيم، وأما حياة الذين قتلوا في سبيل الله فهي حياة مشتملة على إدراكات التنعم بلذات الجنة والعوالم العلوية والانكشافات الكاملة، ولذلك ورد في الحديث " إن أرواح الشهداء تجعل في حواصل طيور خضر ترعى من ثمر الجنة وتشرب من مائها ".
والحكمة في ذلك أن اتصال اللذات بالأرواح متوقف على توسط الحواس الجسمانية، فلما انفصلت الروح عن الجسد عُوِّضت جسداً مناسباً للجنة ليكون وسيلة لنعميها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ ﴾ أمّا الصَّبْرُ هَهُنا فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الثَّباتُ عَلى أوامِرَ اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: الصِّيامُ المَقْصُودُ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى.
وَأمّا الِاسْتِعانَةُ بِالصَّلاةِ فَتَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الِاسْتِعانَةُ بِثَوابِها.
والثّانِي: الِاسْتِعانَةُ بِما يُتْلى في الصَّلاةِ لِيُعْرَفَ بِهِ فَضْلُ الطّاعَةِ فَيَكُونُ عَوْنًا عَلى امْتِثالِ الأوامِرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ لِقَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ، وماتَ فُلانٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ وفِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم لَيْسُوا أمْواتًا وإنْ كانَتْ أجْسامُهم أجْسامَ المَوْتى بَلْ هم عِنْدَ اللَّهِ أحْياءُ النُّفُوسِ مُنَعَّمُو الأجْسامِ.
والثّانِي: أنَّهم لَيْسُوا بِالضَّلالِ أمْواتًا بَلْ هم بِالطّاعَةِ والهُدى أحْياءٌ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ أوَمَن كانَ مَيْتًا فَأحْيَيْناهُ وجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ في النّاسِ كَمَن مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنها ﴾ فَجَعَلَ الضّالَّ مَيِّتًا، والمُهْتَدِيَ حَيًّا.
وَيَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا ثالِثًا: أنَّهم لَيْسُوا أمْواتًا بِانْقِطاعِ الذِّكْرِ عِنْدَ اللَّهِ وثُبُوتِ الأجْرِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن منده في المعرفة من طريق السدي الصغير عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: قتل تميم بن الحمام ببدر وفيه وفي غيره نزلت ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات...
﴾ الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ لمن يقتل في سبيل الله ﴾ قال: في طاعة الله، في قتال المشركين.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ﴾ قال: يقول: هم أحياء في صور طير خضر، يطيرون في الجنة حيث شاؤوا، ويأكلون من حيث شاؤوا.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن جرير عن عكرمة في قوله تعالى ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات...
﴾ الآية.
قال: أرواح الشهداء طير بيض فقاقيع في الجنة.
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في البعث والنشور عن كعب قال: جنة المأوى فيها طير خضر ترتقي فيها أرواح الشهداء في أجواف طير خضر، وأولاد المؤمنين الذين لم يبلغوا الحنث عصافير من عصافير الجنة ترعى وتسرح.
وأخرج عبد الرزاق عن معمرعن قتادة قال: «بلغنا أن أرواح الشهداء في صور طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وقال الكلبي عن النبي صلى الله عليه وسلم: في صورة طير بيض تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ﴾ قال: ذكر لنا أن أرواح الشهداء تعارف في طير بيض تأكل من ثمار الجنة، وان مساكنهم السدرة، وان الله أعطى المجاهد ثلاث خصال من الخير: من قتل في سبيل الله كان حياً مرزوقاً، ومن غلب آتاه الله أجراً عظيماً، ومن مات رزقه الله رزقاً حسناً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ بل أحياء ﴾ قال: كان يقول: من ثمر الجنة، ويجدون ريحها وليسوا فيها.
وأخرج مالك وأحمد والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تعلق من ثمر الجنة أو شجر الجنة» .
وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أرواح الشهداء في صور طير خضر معلقة في قناديل الجنة حتى يرجعها الله يوم القيامة» .
وأخرج النسائي والحاكم وصححه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بالرجل من أهل الجنة فيقول الله له: يا ابن آدم كيف وجدت منزلك؟
فيقول: أي رب خير منزل.
فيقول: سل وتمنّ.
فيقول: وما أسألك وأتمنى، أسألك أن تردني إلى الدنيا فاقتل في سبيل الله عشر مرات لما يرى من فضل الشهادة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ يرتفع بإضمار المكني، تقريره: لا تقولوا: هم أموات.
ولا يجوز إيقاع القول على الأسماء، لا يجوز أن تقول: قلتُ عبد الله قائمًا، وإنما يجوز إيقاع القول على (١) (٢) نزلت الآية في قتلى بدر من المسلمين، وذلك أن الناس كانوا يقولون لمن يقتل في سبيل الله: مات فلان، وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزل الله هذه الآية (٣) وقوله تعالى: ﴿ بَلْ أَحْيَاءٌ ﴾ أي: بل هم أحياء، والأحسن في حياة الشهداء، وكيفية وصفهم بها (٤) : "إن أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خُضْرِ، تسرَحُ في ثمار الجنة، وتشرب من أنهارها، وتأوي بالليل إلى قناديلَ من نورِ معلّقةِ بالعرش (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ أي: ما هم فيه من النعيم والكرامة، وقيل ﴿ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ أنهم أحياء (٦) فإن قيل: كيف لا يشعرون وقد أخبر الله بذلك؟
قلنا: أراد: لا يحسّون ذلك؛ لأنهم لا يشاهدون (٧) (٨) (٩) (١) من قوله: (الأسماء ..) ساقط من (ش).
(٢) بمعناه من كلام الفراء في "معاني القرآن" 93/ 1، "تفسير الطبري" 38/ 2 - 39، "المحرر الوجيز" 2/ 30 - 31، "البحر المحيط" 1/ 448.
(٣) ذكره مقاتل في "تفسيره" 1/ 150، وعدَّ أسماء القتلى، وأبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" 1/ 169، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1269، والواحدي في "أسباب النزول" ص 47 - 48، والحيري في "الكفاية" 1/ 87، والسمعاني 2/ 100، والماوردي مختصرا في "النكت والعيون" 1/ 209، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 384 لابن منده في المعرفة، من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، وهذه سلسلة الكذب.
وحكى ابن عطية في "المحرر" 2/ 30 - 31 في سببها، دون أن ينسبه إلى أحد، أن المؤمنين صعب عليهم فراق == إخوانهم وقراباتهم، فنزلت مسلية لهم، تعظم منزلة الشهداء، فصاروا مغبوطين لا محزونا عليهم.
ينظر: "العجاب" لابن حجر 1/ 403 - 405، "البحر المحيط" 1/ 448.
(٤) سقطت من (م).
(٥) أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود (1887) كتاب الإمارة، باب: بيان أن أرواح الشهداء في الجنة.
(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1270، "البحر المحيط" 1/ 448، وقال: ولكن لا تشعرون بكيفية حياتهم، ولو كان المعنى بأحياء: أنهم سيحيون يوم القيامة أو أنهم على هدى، فلا يقال فيه ولكن لا تشعرون؛ لأنهم قد شعروا به.
(٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 40.
(٨) في (ش): (فيقتضي).
(٩) عند قوله: ﴿ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ استعينوا بالصبر والصلاوة إِنَّ الله مَعَ الصابرين ﴾ أي بمعونته ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أموات ﴾ قيل إنها نزلت في الشهداء المقتولين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلاً لما قتلوا حزن عليهم أقاربهم، فنزلت الآية مبنية لمنزلة الشهداء عند الله وتسلية لأقاربهم، ولا يخصها نزولها فيهم بل حكمها على العموم في الشهداء ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي نختبركم، وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه: أن يظهر في الوجود ما في علمه، لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضاً، لأنه الله يعلم ما كان وما يكون، والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين، وقيل: لكفار قريش، والأول أظهر لقوله بعد هذا ﴿ وَبَشِّرِ الصابرين ﴾ ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف ﴾ من الأعداء ﴿ والجوع ﴾ بالجدب ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال ﴾ بالخسارة ﴿ والأنفس والثمرات ﴾ بالجوائح، وقيل ذلك كله بسبب الجهاد.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إنا لله ﴾ بالإمالة فيهما: قتيبة ونصير.
وإنما جازت مع امتناعها في الحروف لكثرة استعمال كلمة الاسترجاع.
الوقوف: ﴿ والصلاة ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ لا ﴿ أموات ﴾ ط ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ والثمرات ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ لا لأن صفتهم ﴿ مصيبة ﴾ لا لأن "قالوا" جواب "إذا" ﴿ راجعون ﴾ ط لأن "أولئك" مبتدأ على الأصح ومن ابتداء بالذين فخبره "أولئك" مع ما يتلوه ووقف على الصابرين ولم يقف على ﴿ راجعون ﴾ ﴿ المهتدون ﴾ ه.
التفسير: أنه لما أوجب بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ﴾ جميع الطاعات ورغب بقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عن جميع المنهيات فإن الشكر بالحقيقة صرف العبد جميع ما أنعم الله به عليه إلى ما أعطاه لأجله، ندب إلى الاستعانة على تلك الوظائف بالصبر والصلاة.
فالصبر قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله ، والصلاة إذا اشتملت على مواجب الخشوع والتذلل للمعبود والتدبر لآيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، انجر ذلك إلى أداء حقوق سائر الطاعات والاجتناب عن جميع الفواحش والمنكرات ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ بالنصر والتأييد ومزيد التوفيق والتسديد ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ﴾ وقيل: الصبر الصوم.
وقيل: الجهاد بدليل قوله ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ﴾ أي هم أموات بل هم أحياء.
وعلى الوجه الأول كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني وسلوك سبيلي، فإن احتجتم في ذلك إلى مجاهدة عدوّي بأموالكم وأنفسكم فتلفت فإن قتلاكم أحياء عندي، من قتله محبته فديته رؤيته.
ثم إن أكثر المفسرين على أنهم أحياء في الحال، فمن الجائز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة فيرى معظم جسد الشهيد ميتاً فلا يحس بحياته وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولكن لا تشعرون ﴾ ومما يؤيد هذا القول الآيات الدالة على إثبات عذاب القبر ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ﴾ ﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً ﴾ والفاء للتعقيب وقال "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفرة النيران" .
ولم يزل أرباب القلوب يزورون قبور الشهداء ويعظمونها.
وقيل: المعنى لا تسموهم بالأموات وقولوا لهم الشهداء الأحياء.
أو المراد: قولوا لهم أحياء في الدين وإنهم على هدى ونور من ربهم لا كما يزعم المشركون أنهم ليسوا من الدين في شيء أو لا تقولوا مثل ما يقول منكرو البعث إنهم لا ينشرون وقد ضيعوا أعمارهم، ولكنهم سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة.
وعلى هذه الوجوه لا يبقى لتخصيص الشهداء بكونهم أحياء فائدة وكذا لقوله مع المؤمنين ولكن لا تشعرون.
وقيل: إن الثواب وكذا العقاب للروح لا للقالب، لأنه مدرك للجزئيات أيضاً فلا يمتنع أن يتألم ويلتذ.
ثم إنه يرد الروح إلى البدن في القيامة الكبرى حتى يضم الأحوال الجسمانية إلى الإدراكات الروحانية.
عن ابن عباس أن الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.
وعن كعب بن مالك أن رسول الله قال: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة" أي تأكل ﴿ ولنبوكم ﴾ ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من أداء حقوق الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه، أم تنقلبون على أعقابكم وتظهرون الجزع على استرداد ما يدكم فيه يد المستعير؟
أمر أولاً بالشكر على إكمال الشرائع، ثم بالصبر على التكاليف الدينية، ثم حض على التثبت عند طروق النوائب وبروق المصائب، ومعنى ﴿ بشيء ﴾ بيان من هذه الأشياء وأيضاً لو قال "بأشياء" لأوهم أن من كل واحد من الخوف وغيره ضروباً وليس بمراد.
وفيه أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل هو بالنسبة إليه، وفيه أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم.
واعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فإذا خطر ببالك وهو قد مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان في الحال سمي ذوقاً ووجداً لأنها حالة تجدها من نفسك، وإن تعلق بالاستقبال وغلب خطوره على قلبك سمي انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً والارتياح رجاء.
وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت.
عن عطاء والربيع بن أنس: أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي بعد الهجرة وقد حصل لهم عند مكاشفة العرب خوف شديد بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ﴿ هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً ﴾ وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي إلى المدينة لقلة أموالهم حتى إنه كان يشد الحجر على بطنه.
وقد روي أنه خرج ذات يوم فالتقى مع أبي بكر فقال: ما أخرجك؟
قال: الجوع.
قال: أخرجني ما أخرجك وكانوا ينفقون أموالهم في الاستعداد للجهاد ثم يقتلون.
فهناك يحصل النقص في المال والنفس، وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا كتب لهم به عملٌ صالح ﴾ وقد يكون النقص في النفس بموت الإخوان والأخدان.
وإما نقص الثمرات فقد يكون بالجدوب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد.
وعن الشافعي: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد.
قال "إذا مات ولد العبد قال الله للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟
فيقولون: نعم.
فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟
فيقولون: نعم.
فيقول الله : ماذا قال عبدي؟
فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" ﴿ ونقص ﴾ عطف على ﴿ شيء ﴾ ويحتمل أن يعطف على الخوف بمعنى وشيء من نقص الأموال.
و الخطاب في ﴿ وبشر ﴾ لرسول الله ، أو لكل من يتأتى منه البشارة.
قال الإمام الغزالي رحمه الله : الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم لنقصانها، فليس لشهواتها عقل يعارضها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً، ولا في الملائكة فليس لعقلهم شهوة تصرفهم عن الاشتغال بخدمة الكبير المتعال وتمنعهم عن الاستغراق في مطالعة حضرة ذي الجلال.
وأما الإنسان فإنه في الصبا بمنزلة البهيمة ليس له إلا شهوة الغذاء، ثم شهوة اللعب بعد حين، ثم شهوة النكاح لكنه إذا بلغ انضم له مع الشهوة الباعثة على اللذات العاجلة عقل يدعوه إلى الإعراض عنها والإقبال على تحصيل السعادات الباقية، فيقع بين داعيتي العقل والشهوة تضاد قصد العقل إياها هو المعنى بالصبر.
وإنه ضربان: بدني فعلاً كتعاطي الأعمال الشاقة، أو انفعالاً كالثبات على الآلام، ونفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الطبع، فإن كان حبساً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان احتمال مكروه، فإن كان من مصيبة خص باسم الصبر ويضاده حالة هي الجزع وهي إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب ونحوها، وإن كان في حال الغنى سمي ضبط النفس، ويضاده حالة البطر.
وإن كان في حال مبارزة الأقران سمي شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى حلماً ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من النوائب سمي سعة الصدر ويضاده الضجر وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام يسمى كتمان النفس، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً وضده الحرص، وإن كان على قدر يسير من المال سمي قناعه ويضاده الشره.
وليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك فإنه غير ممكن، وإنما الصبر على المصيبة هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع.
ولا بأس بظهور الدمع وتغير اللون فإن رسول الله بكى على إبراهيم ابنه فقيل له في ذلك فقال: إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.
ثم الصبر عند الصدمة الأولى وإلا سمي سلواً وهو مما لا بد منه ولهذا قيل: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه.
وقد وصف الله الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال ﴿ وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا ﴾ ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ﴾ ﴿ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ فما من طاعةٍ إلا وأجرها مقدر إلا الصبر، ولأن الصوم من الصبر قال في الحديث القدسي "الصوم لي" فأضافه إلى نفسه ووعد الصابرين بأنه معهم فقال ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين ﴾ وعلق النصرة بالصبر فقال ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة ﴾ وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ وقال "الصبر نصف الإيمان" لأن الإيمان لا يتم إلا بترك ما لا ينبغي، والإتيان بما ينبغي والاستمرار على كل منهما إنما يتأتى بالصبر.
فكل الإيمان صبر إلا أن كل واحدٍ منهما قد يكون مطابقاً لمقتضى الشهوة فلا يحتاج فيه إلى الصبر، فلهذا عاد إلى النصف.
وقد جاء "الإيمان هو الصبر" وذلك كقوله "الحج عرفة" وعن النبي "من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر" وقال: "يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر فيقول نعم يا رب فيقول لقد أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفنّ لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين" ومن فضيلة الصبر أن قال : "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فإن المشبه به يجب أن يكون أقوى كما قال "شارب الخمر كعابد الوثن" وروي أن سليمان يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه، وآخر أصحابي دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه.
وفي الخبر: أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد.
وأول من يدخله أهل البلاء إمامهم أيوب.
ثم إن الله بيّن أن الإنسان كيف يكون صابراً وأنه متى يستحق البشارة فقال ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة ﴾ هي من الصفات الغالية التي لا تكاد تستعمل موصوفاتها وتختص من بين ما يصيب الإنسان بحالة مكروهة كالنازلة والواقعة والملمة، وإنما نكرت لتشمل كل مضرة تناله من قبل الأسباب السماوية والأرضية المنتهية إلى مسبب الأسباب بواسطة ظاهرة أو خفية ﴿ قالوا: إنا لله ﴾ إقرار بالعبودية ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ تفويض للأمر إليه كما يقال: إن الملك والدولة رجع إلى فلان لا يراد الانتقال بل القدرة وترك المنازعة ﴿ إنا لله ﴾ اعتراف منا له بالملك ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلك ﴿ إنا لله ﴾ إشارة إلى المبدأ ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ تصريح بالمعاد.
﴿ إنا لله ﴾ إعلام بالفناء فيه ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إشعار بالبقاء به.
﴿ إنا لله ﴾ إيمان بقضائه ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إيمان بقدره.
واعلم أن الرضا بالقضاء إنما يحصل للعبد من الله بطريقين: الصرف أو الجذب أما الصرف فمتى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إليه جعله منشأ للآفات لينصرف وجه قلبه من عالم الحدوث إلى جانب القدس، كما أن آدم لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة فبقي آدم مع ذكر الله.
ولما استأنس يعقوب بيوسف أوقع الفراق بينهما فبقي يعقوب مع ذكر الحق.
ولما طمع محمد من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس بغضاً له فأخرجوه.
وقد لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة، فحينئذ يرجع العبد إلى الله.
وقد يتوقع العبد من جانب خيراً فيعطيه الله ذلك بلا واسطة فيستحي العبد فيرجع إلى الله.
وأما الجذب فجذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.
ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب فتصير الربوبية غالبة على العبودية، والحقيقة مستعلية على المجاز، كالعبد الداخل على السلطان المهيب ينصرف فكره إليه ويشتغل بالكلية عمن سواه ويصير فانياً عن نفسه وعن حظوظها فيحصل له مرتبة الرضا بأقضية الحق من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة.
عن النبي "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه" وروي أنه طفئ سراج رسول الله فقال ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ فقيل: أمصيبة هي؟
قال: نعم.
كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة.
وعن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أن رسول الله قال "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به" من قوله : " ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني منها وعوّضني خيراً منها ألا أجره الله عليها وعوضه خيراً منها" .
قالت: فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت: هذا القول فعوّضني الله محمداً .
وعن ابن عباس: أخبر الله أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله له ثلاث خصال: الصلاة من الله والرحمة وتحقيق سبيل الهدى.
وعن عمر قال: نعم العدلان ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ ﴿ أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة ﴾ ونعم العلاوة ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ .
قيل: الصلوات من الله الثناء والمدح والتعظيم، والرحمة النعم العاجلة والآجلة.
وقيل: الصلاة الحنو والتعطف وضعت موضع الرأفة كقوله ﴿ رأفة ورحمة ﴾ ﴿ رؤف رحيم ﴾ والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة أيّ رحمة ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ لطريق الصواب والفائزون بالكرامة والثواب، أو هم المستمسكون بآدابه المستنون بما ألزم وأمر وفي الآية حكمان: فرض ونفل.
فالفرض هو التسليم لأمر الله والرضا بقضائه والصبر على أداء فرائضه لا يصرفه عنها مصائب الدنيا، والنفل قوله ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ فإن في إظهاره فوائد منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله والثبات على طاعته.
وأما الحكمة في تقديم تعريف الابتلاء فهي أن يوطنوا نفوسهم لهذه المصائب إذا وردت فتكون أبعد من الجزع.
وأيضاً إذا علموا أنه سيصل إليهم تلك المحن اشتد حزنهم فيكون ذلك الحزن تعجيلاً للابتلاء فيستحقون بذلك مزيد الثواب.
وأيضاً إذا أخبروا بوقوع هذا الابتلاء ثم وقع كان ذلك إخباراً بالغيب فيكون معجزةً.
وأيضاً فيه تنفير وتمييز له عن الموافق.
كما أن الحكمة في نفس الابتلاء أيضاً ذلك.
دعوى الإخاء علـى الإخاء كثيـرة *** بـل فـي الشـدائد تعـرف الإخــوان إذا قلت أهدى الهجر إن خلل البلى *** يقولون لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت كربـي دائـمُ قالـت إنمــا *** يعدّ محبــاً مــن يــدوم لــه الكــرب وإن قلت ما أذنبت قالـت مجيبــةً *** حيــاتـك ذنـب لا يقـــاس بــه ذنـب <div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .
قد ذكرنا تأويل هذه الآية فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: إن العرب كانت تعرف الموتى من انقطع ذكره، إذا لم يبق له أحد يذكر به من نحو الولد وغيره فيقولون عند موت هؤلاء: إن ذكرهم قد انقطع، فأخبر الله نبيه أنهم مذكورون في ملأ الملائكة.
وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين تعرض على الجنان، وتعرض أرواح الكفرة على النيران، فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لغيرهم من الأرواح.
ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم بعرضها على النار ما لا يكون لغيرهم من الكفرة ذلك، فاستوجبوا اسم الحياة بفضل لذة ما يجدون من اللذة على غيرهم.
أخبر عز وجل: أن أرواح الشهداء في الغيب تتلذذ مثل تلذذهم على ما كانت عليه في الأجساد في دنياهم هذه.
وقيل: إن الشهيد حي عند ربه، كما عرف في اللغة: أن الشهيد هو الحاضر، أخبر عز وجل أنهم حضور عند ربهم وإن غابوا عنكم.
وقيل: إن الحياة والموت على ضروب: فمنها: الحياة الطبيعية، والحياة العرضية، والموت الطبيعي، والموت العرضي.
فالحياة العرضية هي اليقظة، وهي الحياة بالدين، كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ ﴾ ، وكقوله في الحياة بالعلم، إنه ميت بالجهل.
والحياة الطبيعية: هي التي بها قوام النفس.
والموت الطبيعي: هو الذي به فوات النفس.
والشهادة: هي التي بها اكتساب الحياة في الآخرة سمى به ﴿ حَيَٰوةٌ ﴾ .
والله أعلم.
ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ ، أي لا تقولوا ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ ، لما ينفر طبعكم عن الموت، ولكن قولوا ﴿ أَحْيَاءٌ ﴾ لترغب أنفسكم في الجهاد، إذ هو يرد بحياة الدنيا والدين، مع ما يحتمل أن يكون الله بفضله يجعل لهم ما كان لهم لو كانوا أحياء يعملون.
فكأنهم أحياء فيما جعلت لهم حياة الدنيا.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ ﴾ وما ذكر فيه تذكير من الله عز وجل للخلق؛ لئلا يجزعوا على ما يصيبهم من أنواع ما ذكر، من المصائب.
وفي كل نوع ما ذكر من المصائب إضمار "شيء"، من نحو ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ ﴾ و ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ ﴾ والله أعلم؛ لأن الله عز وجل أخبر في غير آية من القرآن: أنه خلقهم للموت والفناء، وأن ما أعطاهم من الدنيا والزينة فيها كله للفناء والفوات بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ وقال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً ﴾ .
أخبر أن الدنيا وزينتها للفناء، فمن عرف أن ذلك كله [لما ذكرنا يحق عليه ما يصيبه من الأمراض والأوجاع والنقص في الأموال والأنفس وما ذكر إذ ذلك كله] دون ما ذكر، وليعلموا أن ما أعطاهم من الحياة والصحة والسلامة لم يكن أعطاهم لحق لهم، بل للإفضال والإحسان، وقد جعل ذلك لمدة لا للأبد، فكأنها في غير تلك المدة لغيرهم لا لهم، فعرفوا به منته لوقت وحقه وقت الأخذ.
ثم يحتمل ما ذكر من الخوف وجهين: على جهة العبادة من نحو الأمر بمجاهدة العدو والقتال معه.
ويحتمل لا على جهة العبادة، وكذلك الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة، وهو الصوم.
ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين، وكذلك قوله: ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ، يحتمل: ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ ﴾ يمتحنهم بأداء الزكاة والصدقة.
ويحتمل الهلاك بنفسها، وكذلك ﴿ وَٱلأَنفُسِ ﴾ يحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما.
وكذلك ﴿ وَٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .
ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره؛ لأنهم كلهم عبيده، له أن يمتحنهم بأجمعهم بجميع أنواع المحن، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم أن كل ذلك إنما خلق للفناء، فالبعض منه كذلك، ليخف ذلك عليهم.
والله أعلم.
ثم أمر نبيه أن يبشر الذين صبروا على المصائب التي امتحنهم بها عز وجل، ولم يجزعوا عليها، وقالوا: ﴿ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .
فيه الإقرار بوحدانيته عز وجل، وبالبعث بعد الموت.
وقيل: إن هذا الحرف خص به هذه الأمة دون غيرها من الأمم؛ لأنه لم يذكر هذا الحرف عن الأمم السالفة؛ ألا ترى أن يعقوب - - على كثرة ما أصابه من المحن والمصائب والحزن على يوسف لم يذكر هذا الحرف عنه، ولكن قال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ ولو كان لهم هذا لظهر منهم على ما ظهر غيره؛ فدل أنه مخصوص لهذه الأمة.
والله أعلم.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضى به" ثم الصبر: هو حبس النفس عن الجزع على ما يفوت؛ إذ هو كله لله عز وجل مستعار عند الخلق، والجزع على فوت ما لغيره محال؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ .
نهانا أن نحزن على ما يفوت عنا؛ إذ هو في الحقيقة ليس لنا، وأن نفرح بما أتانا؛ إذ هو في الحقيقة لغيرها.
والله الموفق.
وقوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ ﴾ ، فهو على إضمار "الشيء" في كل حرف، إذ هو بحق العطف على ما تقدم؛ فكأنه قال: بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع.
ولا قوة إلا بالله.
ثم يتوجه ما أخبر من البلوى إلى وجهين: أحدهما: أن يبلوه بعبادة فيها ما ذكر.
والثاني: أن يبلوه بالذي ذكر لا على عبادة يدفع إليه؛ وذلك نحو أن يبلوه بالجهاد، وفيه الخوف، أو يبلوه بأنواع أوصاب تحل به، فيخاف عند ذلك على نفسه.
والجوع: أن يبلوه بالصيام الذي فيه ذلك، أو بقلّة الإتراب وغلاء الأسعار.
ونقص من الأموال: يكون في الجهاد، والحج، والزكوات، والمؤن المجعولة في الأموال، ويكون في الخسران في التجارات، وما يلحق أنواع المكاسب من الحوائج.
والأنفس: يكون بالجهاد، ومحاربة الأعداء، ويكون بأنواع الأمراض.
والثمرات: ترجع إلى قلة الإنزال، وقصور الأيدي عما به ينال، ومفارقة الأوطان للجهاد والحج ونحو ذلك مما فيه.
ثم الله وتعالى أخبر أنه يبلوهم بشيء مما ذكرنا، لا بالكل.
دل أنه - عز وجل - لم يقطع عليهم كل المخارج، بل جعل لهم في كل نوع من ذلك مسلكاً وإن كان في ذلك نقصاً وضرراً، وجائز بلوغ ذلك تمام ما في كل نوع، لكنه بلطفه قرب إليهم فيما خوفهم وجه الرجاء، وعلى ذلك جميع الفعال ذي المحن أنها مقرونة بالخوف والرجاء، وكذلك هم في أنفسهم.
ولا قوة إلا بالله.
ثم إن الله دلهم على ما عليهم من الحق فيما أخبر أنه يبلوهم به بحرف البشارة والوعد الجزيل الذي يسهل بمثله البذل لمن لا حق له، فكيف ومن له كليته ذلك؛ فقال الله : ﴿ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .
ثم وصف الصابرين فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ هدى الله عبده إلى الاعتماد بحرف التوحيد عند المصيبة؛ إذ جعل التوحيد داخلاً في ذلك الحرف.
وفيه التبري من أن يكون له في حكم الله تدبيراً ورأى، وبذل النفس له وما للنفس ليحكم فيها بما شاء.
وقوله: ﴿ إِنَّا للَّهِ ﴾ ، كأنه قال: ما لنا فيما ليس لنا حكم ولا تدبير، وأبداً يكون الحكم في كل ملك لمن يملكه.
وبمثل هذا يقدر على كف الأنفس عن الجزع وحملها على ما يكره.
وقوله: ﴿ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ، فكأنه يقول إذ إليه مرجعنا، لا فرق أن نرجع إليه جملة أو بالتفاريق، بل في التفريق علينا الإبقاء وفضل القبول منا البعض دون الكل.
وفي ذلك تذكير النفس عاقبتها ليكون كمن تقدم شيئاً مما به قوامه إلى مكان قراره، وقد انتهى الخبر بالبلوغ.
فمعلوم أن ذلك أطيب لنفسه، وأسكن بقلبه من أن يكون جميع ذلك معه.
وبالله التوفيق.
وجملة ذلك أن هذه الدنيا أنشئت لا لها ولكن ليكتسب بها الآخرة، وجعل كل شيء منها زائلاً فانيا لينال به الدائم الباقي.
فهذا لأن حق كل فيما يصيبه أن يرى الذي أنشىء وما له يسعى، فيعلم أنه بلغ في تجارته غايتها من الربح، وأنه باع الشيء الفاني بالباقي، مع ما كان كل شيء من الدنيا مأوى بآفات الفناء والهلاك، فأبدل المأوى بالذي لا آفة فيه.
فيجب في التدبير ألا يعد ذا مصيبة، بل هو أعلى السرور وأرفع الربح، لكن البشر جبل على طباع نافرة عن كل ألم جاهل بالعواقب التي لعلها يرغب فيها كل أحد، لا أن ينفر عنها.
والله المستعان.
فإن قال قائل: هذا الاسترجاع خص به هذه الأمة؛ إذ قال يعقوب: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ ﴾ الآية.
فهو والله أعلم، إن كان فهو موضع التلقين والتعليم أن قولوا ذلك، لا أن هذا المعنى مما يحتمل أن يكون يعقوب لا يحققه، بل حققه بقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
{ ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ ﴾ وهو مع ذلك قد كان بما أخبره يوسف، وبما أوحى إليه أنه قد علم أنه لم يهلك بعد، ولم يوجد منه إلى حيث يرجع هو إليه من البعث بعد الموت.
ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ ، قيل: الصلاة من الله عز وجل يحتمل وجوهاً: يحتمل: الرحمة والمغفرة.
ويحتمل: الصلاة منه - مباهاته الملائكة؛ جواباً لهم لما قالو: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ ، كيف قلتم هذا؟
وفيهم من يقول كذا.
وقيل: الصلاة منه: الثناء عليهم.
وأي كرامة تبلغ كرامة ثناء الله عليهم.
[وقوله ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ قال بعضهم الرحمة والصلاة واحد وهو على التكرار، وقيل: الرحمة: النعمة وهي الجنة].
وقوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ .
شهد الله عز وجل بالاهتداء لمن فوض أمره إلى الله ، ويسلم لقضائه وتقديره السابق وهو كائن لا محالة؛ كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ .
قال الشيخ - رحمه الله -: قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ ﴾ يبلوهم بالذي كان به عالماً ليكون به ما علمه يكون بالأمر والنهي بحق المحنة، وهو كما يستخبر عما هو به خبير، مع كانت المحنة في الشاهد لاستخراج الخفيات يكون بالأمر والنهي، فاستعملت في الأمر والنهي، وإن كان لا يخفى عليه شيء، بل هو كما قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ﴾ .
ثم له جعل الغيب شاهداً، فجرت به المحنة، ليعلم ما قد علمه غائباً شاهداً، إذ هو موصوف بذلك في الأزل.
وبالله التوفيق.
ثم كان العبد بجميع ما هو له من السعة والسلامة فهو لله في الحقيقة، لكنه بفضله وكرمه يعامل عبيده معاملة من ليس له ما كان يطلب منه ويأمره به، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ليكون ذلك أطيب لأنفسهم وأرغب لهم في البذل لما طلب منهم، وإن كان له أخذ ذلك منهم بلا شيء يعدهم عليه، فعلى ذلك قال - عز وجل -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ بالذي ذكر، يدلهم على أن ذلك منه؛ ليعلموا أنه فيما كان وعد الاشتراء منهم، وطلب منهم البذل بجزيل العوض لهم، فيخف ذلك عليهم وتطيب به أنفسهم، وأن يكون يذكر أولا أنه يبتليهم بالذي ذكر ليطيبوا أنفسهم به، ولا يتكلفوا ذلك من قلوبهم، فيضجرون عند الابتلاء بذلك، وكذا كل خلاف للطبع إذا كان عن رياضته إياه وإشعاره به قبل النزول، كان ذلك أيسر عليه من أن يأتيه ذلك من حيث لم يعلم به، مع ما كان في ذلك خطر بالقلوب نسبة مثله إلى الخلق والتشاؤم بهم، فقدم الله في ذلك البيان ليعلموا أن ذلك بالذي جرى به الوعد، وذلك كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ ﴾ ، الآية، فبين أن ذلك مكتوب عليهم لتطيب الأنفس وتطمئن القلوب عليه.
والأصل في هذا: أن جميع ما ذكر البلوى به في التحقيق ليس بحق للعبد، بل هو امتنان من الله وإفضال منه، وأنه لم ينشئه ولا أحياه نشوء الأبدية ولا حياة السرمدية، فعلى ذلك جميع ما أنعم عليه، وإذا سكن العبد على هذا الذي جبل عليه أمر نفسه وما ملك عليه سهل عليه ذهابه، وطابت به نفسه، مع ما يعلم أنه أنعم عليه لوقت، ثم هو نعمة على غيره ولغيره، فيكون المأخوذ منه في الحقيقة لغيره، وإن كان الله عز وجل ذكره في الابتلاء والمصائب، فهو على ما أخبرت من كرمه فيما يعامل عبيده عز وجل.
ولا قوة إلا بالله.
ثم بين الله عز وجل ما يكرمهم؛ إذا خضعوا لحكمه ورضوا لقضائه، مع ما دل عليه أيضاً بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ...
﴾ الآية [الأحزاب: 36] ، فقال: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ ، فكان من فضله أن سمى ما وعدهم على الصبر أجراً، ومعلوم أن كان ذلك حقّاً لله عليهم، بالسابق من نعمه، مع عظم مننه، لكنه سمى ما أفضل به أجراً له، مع ما كان العبد يعمل لنفسه، ولا يحتمل أن يستحق به الأجر لولا الإنعام منه جل ثناؤه.
ثم وعد له في حال فعله بخصال ثلاثة: إحداها: أن عليه صلاته.
وصلاته تحتمل مباهاته الملائكة تعظيماً لما بذل عبده له، وخضع لحكمه عليه، وهو أن قالوا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ...
﴾ الآية [البقرة: 30]، فيخبرهم أن هذا قد سبح حضرة المصيبة، وخضع لحكمه عليه فيها بالاسترجاع.
ويحتمل: مغفرته وإيجاب الثواب الجزيل له بقوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ ﴾ وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ إلى ما ذكر من الإفضال.
والله الموفق.
ويحتمل ثناؤه ذكرهم في أخبار عباده، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...
﴾ الآية [آل عمران: 169].
مع ما يرجى له من زيادة الهدى في الدنيا بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾ .
والثانية: الرحمة.
قد يرجع [إلى ما ذكرنا، وجائز أن تكون] رحمته هي التي أكرمته بذلك الاسترجاع.
ويحتمل: النعمة، أو رحمة يلقيها في قلوب العباد حتى يحبونه بها، أو خلف يعطيه في الدنيا.
والثالثة: ثم شهد الله لهم بالهداية وذلك يحتمل: أن يكونوا اهتدوا لدينه، ولما من عليهم في المصيبة من التسليم لله.
ويحتمل: الاهتداء لطريق الجنة على ما بينه أنه وعد الشهداء.
ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ للاسترجاع.
وقد روي عن نبي الله أنه قال: "لم يعط الاسترجاع من كان قبلكم" ، فهو على ما بينا من القول به، وأما حق التسليم فقد كان في توقيت وقت الصبر، ثم روي عن رسول الله أنه قال: "الصبر عند الصدمة الأولى" .
وقد روي عن أنس، ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما من مصيبة وإن طال عهدها فيجدد لها العبد بالاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها كلما استرجع" فلعل هذا لمن أحسن القبول وقت المصيبة، أو رجع عما كان فرط منه وتاب.
والأول فى غير ذلك.
والله الموفق.
ثم في الآية وجوه من المعتبر: أحدها: ما يلزم العبد من المصائب، وما يستوجبه إذا وفى بما عليه.
والثاني: في ذلك بيان أن الصحة، والأمن، وحفظ المقدر لأحد ليس بلازم في الحكمة، لكنها إنعام من الله، وله الابتلاء بأخذه؛ إذ لو كان عليه الأول لم يكن يلزمه الشكر في ذلك.
والله الموفق.
والثالث: أن الله ذكر أنه بَلاَ العباد بالذي ذكر، ومعلوم أن ذلك يجري على أيدي العباد بهم، فأضاف ذلك إلى نفسه.
ثبت أن له في ذلك تدبيراً حتى يبلوهم به.
والله أعلم.
وفيه أن الله قال: ونبلوكم بكذا، ولم يكن كان يومئذ ثم كان ذلك، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم...
﴾ الآية [البقرة: 214]، ثم بلوا بذلك ليعلم أن رسول الله علم بذلك بالله، وتبين أيضاً أنه بموضع البشارة بما يعظم على الخلق ويقتضي القرار في الطبع، لم يحتمل أن يجيزهم به لولا الأمر به وطاعة الله في ذلك.
وأيضاً أنه ذكر الخوف فيعلم أن الخوف من الخلق لا يوهن الاعتقاد، وكذلك قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ فعلى ذلك الرجاء والطمع وجملته أن أمر الدنيا محمول كله على أسباب، لا أنها توجب ولكن الله أجرى أحكامه عليها، فيكون الخوف والرجاء في التحقيق من الله أن يكون جعل ذلك سبباً.
والله الموفق.
وأيضاً: أن يعلم أن المصائب في الدنيا ليست كلها عقيب الآثام، بل لله الابتلاء بالحسنات والسيئات، أيضاً لا يدل على وهن عقد المصائب، ولا زلة بلى بها.
وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل، عليهم السلام، ولكن على وجهين: أحدهما: أن يكون لله يريد أن يحمى وليه لذات الدنيا لينالها موفرة في الآخرة.
والثاني: أن يكون لهم بعده زلات لا يسلم عنها البشر، فيبتلوا، فيبعثوا يوم القيامة ولا زلة بقيت مما يجزيهم تلك.
ولا قوة إلا بالله.
وإنما كذلك جعلت لمحنة.
<div class="verse-tafsir"
ولا تقولوا -أيها المؤمنون- في شأن من يقتلون في الجهاد في سبيل الله: إنهم أموات ماتوا كما يموت غيرهم، بل هم أحياء عند ربهم، ولكن لا تدركون حياتهم؛ لأنها حياة خاصة لا سبيل لمعرفتها إلا بوحي من الله تعالى.
<div class="verse-tafsir" id="91.WrvkZ"
ذهب الذين ينظرون من القرآن في جمله وآياته مفككة منفصلًا بعضها عن بعض التماسًا لسبب النزول في كل آية أو جملة أو كلمة ولا ينظرون إليه في سياق جمله وكمال نظمه، إلى أن الأمر بالاستعانة في قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ ﴾ هو للاستعانة على أمر الآخرة واستعداد لها، وأن المراد بالصبر فيه الصبر عن المعاصي وحظوظ النفس، واعتمده البيضاوي وغيره ، أو على الطاعات وبهذا صرح (الجلال).
ونحن نسأل الله تعالى الصبر على احتمال مثل هذا الكلام!!.
والتحقيق أنه عام في كل عمل نفسي أو بدني أو ترك يشق على النفس، كما يدل عليه حذف متعلقه، والمعنى استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه وعلى سائر ما يشق عليكم من مصائب الحياة بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكارة وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله وتصغر بمناجاته فيها كل المشاق وأعمها المصائب المذكورة في الآيات بعده ولا سيما الأعمال العامة النفع كالجهاد المشار إليه في الآية التالية.
ذكر الله تعالي افتتان الناس بتحويل القبلة، وتقدم شرح ما دلت عليه الآيات من عظم أمر تلك الفتنة، وإزالة شبه الفاتنين والمفتونين، وإقامة الحجج علي المشاغبين، وحكم التحويل وفوائده للمؤمنين، ومنها إتمام النعمة، والبشارة بالاستيلاء علي مكة، وكون ذلك طريقًا للهداية، لما في الفتن من التمحيص الذي يتميز به المؤمن الصادق، من المسلم المنافق، فهي تظهر الثابت علي الحق المطمئن به، وتفضح المنافق المرائي فيه بما تظهر من زلزاله واضطرابه فيما لديه، أو انقلابه ناكصًا علي عقبيه، ثم شبه هذه النعمة التامة بالنعمة الكبرى وهي إرسال الرسول فيهم، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وفي ذلك من التثبيت في مقاومة الفتنة، وتأكيد أمر القبلة، ما يليق بتلك الحالة.
وقفى ذلك بالأمر بذكره وشكره على هذه النعم للإيذان بأن تحويل القبلة الذي صوره السفهاء من الناس بصورة النقمة، هو في نفسه أجل منه وأكبر نعمة.
لا جرم أن تلك النعم التي يجب ذكرها وشكرها للمنعم جل شأنه كانت تقرن بضروب من البلاء وأنواع من المصائب، أكبرها ما يلاقيه أهل الحق من مقاومة الباطل وأحزابه، وأصغرها ما لا يسلم منه أحد في ماله وأهله وأحبابه، أليس من النسب القريب بين الكلام، ومن كمال الإرشاد في هذا المقام، أن يرد بعد الأمر بالشكر، أمر آخر بالصبر، وأن يعد الله المؤمنين بالجزاء على هذا كما وعدهم بالجزاء على ذاك؟
بلي.
.
إن هذه الآيات متصلة بما قبلها، متممة للإرشاد فيها، وقد هدي سبحانه بلطفه إلى علاج الداء قبل بيانه، فأمر بالاستعانة على ما يلاقيه المؤمنون بالصبر والصلاة، ووعد على ذلك بمعونته الإلهية، ثم أشعرهم بما يلاقونه في سبيل الحق والدعوة إلي الدين والمدافعة عنه وعن أنفسهم.
فهو يأمرهم بالصبر على ذلك كله، لا أن الآية في الانقطاع إلى العبادة والصبر على الطاعة مطلقًا بحيث يكون القاعد عن الجهاد بنفسه وماله، أو السعي لعياله -اعتكافًا في مسجد أو انزواء في خلوة- عاملًا بها.
كان المؤمنون في قلة من العَدد والعُدد، وكانت الأمم كلها مناوئة لهم، فالمشركون أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم، ويصدون الناس عنهم، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم، ويصدون الناس عنهم، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم ما يلاقون من عداوة أهل الكتاب ومكرهم، ومن مراوغة المنافقين وكيدهم، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا في مقاومة ذلك كله وفي سائر ما يعرض لهم من المصائب بالصبر والصلاة.
أما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخري فيه بهذا المقدار، وهذا يدل على عظم أمره، وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقرونًا بالتواصي بالحق، إذ لا بد للداعي إلي الحق منه.
والمراد بالصبر في هذه الآيات كلها ملكة الثبات والاحتمال التي تهون علي صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة.
فضيلة هي أم الفضائل التي تربي ملكات الخير في النفس، فما من فضيلة إلا وهي محتاجة إليها.
وإنما يظهر الصبر في ثبات الإنسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو إزالة باطل أو الدعوة إلى عقيدة، أو تأييد فضيلة، أو إيجاد وسيلة إلي عمل عظيم، لأن أمثال هذه الكليات التي تتعلق بالمصالح العامة هي التي تقابل من الناس بالمقاومة والمحادة التي يعوز فيها الصبر، ويعز معها الثبات على احتمال المكاره، ومصارعة الشدائد، فالثابت على العمل في مثل هذه الحال هو الصابر وإن كان في أول الأمر متكلفًا، ومتي رسخت الملكة يسمي صاحبها صبورًا وصبارًا.
وليس كل محتمل للمكروه من الصابرين الذين أخبر الله في هذه الآية أنه معهم وبشرهم في الآية الآتية، وأثنى عليهم في آيات كثيرة، بل لا بد من العمل للحق والثبات فيه كما قدمناه لأن الفضائل لا تتحقق إلا بما يصدر عنها من الأعمال الاختيارية التي هي مناط الجزاء، بل الصبر نفسه ملكة اكتسابية ولذلك أمر الله تعالي به، وإنما يكون الامتثال بتعويد النفس احتمال المكاره والشدائد في سبيل الحق.
وعلى ذلك جري النبي وأصحابه عليهم الرضوان، حتى فازوا بعاقبة الصبر المحمودة ونصرهم الله تعالي مع قلتهم وضعفهم على جميع الأمم مع قوتها وكثرتها، وإنما كان ذلك بالصبر، لأن الله تعالي جعله سببًا للنجاة من الخسر، كما جاء في سورة العصر.
المتحمل للمكروه مع السآمة والضجر لا يعد صابرًا، وهذا هو شأن منتحلي العلم ومدعي الصلاح في هذا الزمان، تراهم أضعف الناس قلوبًا وأشدهم اضطرابًا إذا عرض لهم شيء علي غير ما يهوون، علي أن عنوان صلاحهم واستمساكهم بعروة الدين هو جرس الذكر وحركات الأعضاء في الصلاة، وما كان للمصلي ولا للذاكر أن يكون ضعيف القلب عادم الثقة بالله تعالي وهو جل ثناؤه يبرئ المصلين من الجزع الذي هو ضد الصبر بقوله ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلاَّ الْمُصَلِّينَ ﴾ إلخ وقد جعل ذكره مع الثبات في البأساء في قرن إذ قال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ وقد قرن في الآية التي نفسرها الصلاة بالصبر وجعل الأمرين معًا ذريعة الاستعانة علي ما يلاقي المؤمنون في طريق الحق من الشدائد.
ولو كان هؤلاء الأدعياء مصلين لكانوا من الصابرين، وإنما تلك حركات تعودوها فهم يكررونها ساهين عنها، أو يقصدون بها قلوب الناس يبتغون عندها المكانة الرفيعة بالدين، لما يترتب على ذلك من المنافع والفوائد الدنيوية التي لا يعقلون سواها.
فيجب على كل مؤمن أن يعود نفسه احتمال المكاره، ويحاول تحصيل ملكة الصبر عندما تعرض له أسبابه، فمن لم يستعن على عمله بالصبر، لا يتم له أمر، ولا يثبت على عمل، ولا سيما الأعمال العظيمة كتربية الأمم والانتقال بها من حال إلى حال، لذلك تري كثيرين يشرعون في الأعمال العظيمة فيعوزهم الصبر فيقفون عند الخطوة الثانية.
ومن يزعم أنه عاجز عن تحصيل هذه الملكة فهو خائن لنفسه جاهل بما أودع الله فيه من الاستعداد، فهو باحتقاره لنفسه محتقر نعمة الله تعالي عليه، وهو بهذا الإحساس بالعجز قد سجل علي نفسه الحرمان من جميع الفضائل.
وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصبر على تأييد الحق والقيام بأعبائه ظاهر جلي.
وأما الحاجة إلى الاستعانة بالصلاة فوجهها محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون.
تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلي الله تعالي ومناجاته وحضور القلب معه سبحانه واستغراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه.
تلك الصلاة التي قال فيها جل ذكره ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ وقال فيها ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ وليست هي الصورة المعهودة من القيام والركوع والسجود والتلاوة باللسان خاصة، التي يسهل علي كل صبي مميز أن يتعودها، والتي نشاهد من المعتادين لها الإصرار على الفواحش والمنكرات، واجتراح الآثام والسيئات، وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتي يصفها رب العزة والجلال بالكبر إلا علي الخاشعين؟
إنما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافلين، وتنبيه الذاهلين، ودافعًا يدفع المصلي إلى ذلك التوجه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة الله وسلطانه حتى يستسهل في سبيله كل صعب، ويستخف بكل كرب، ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء، ومقاومة كل عناء، فإنه لا يتصور شيئًا يعترض في سبيله إلا ويري سيده ومولاه أكبر منه، فهو لا يزال يقول: الله أكبر.
حتى لا يبقى في نفسه شيء كبير إلا ما كان مرضيًا لله العلي الكبير، الذي يلجأ إليه في الحوادث، ويفزع إليه عند الكوارث.
ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ ولم يقل معكم ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفًا لازمًا لهم، وقالوا إن المعية هنا معية المعونة.
فالصابرون موعودون من الله تعالي بالمعونة والظفر، ومن كان الله معينه وناصره فلا يغلبه شيء.
إن من سنة الله تعالي أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه بما جعل الصبر سببًا للظفر، لأنه يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.
علم الله تعالي ما سيلاقيه المؤمنون في الدعوة إلي دينه وتقريره وإقامته من المقاومات وتثبيط الهمم وما يقوله لهم الناس في ذلك وما يقول الضعفاء في أنفسهم: كيف تبذل هذه النفوس وتستهدف للقتل بمخالفة الأمم كلها؟
وما الغاية من قتل الإنسان نفسه لأجل تعزيز رجل في دعوته؟
وغير ذلك مما كانوا يسمعونه من المنافقين والكافرين، وربما أثر في نفوس بعض الضعفاء فاستبطأوا النصر، فعلَّمهم الله ما يستعينون به على مجاهدة الخواطر والهواجس، ومقاومة الشبهات والوساوس، فأمر أولًا بالاستعانة بالصبر والصلاة.
ثم ذكر أعظم شيء يستعان عليه بذلك وهو القتل في سبيل دعوة الحق وحمايته -ذكره مدرجًا في سياق تقرير حقيقة ودفع شبهة- فقال ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ أي لا تقولوا في شأنهم: هم أموات.
وقالوا إن اللام في ﴿ لِمَنْ ﴾ للتعليل لا للتبليغ والمعني ظاهر والتركيب مألوف ﴿ بَلْ ﴾ هم ﴿ أَحْيَاءٌ ﴾ في عالم غير عالمكم ﴿ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ بحياتهم إذ ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر، ثم لا بد أن تكون هذه الحياة حياة خاصة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم، ولذلك ذهب بعض الناس إلي أن حياة الشهداء تتعلق بهذه الأجساد وإن فنيت أو احترقت أو أكلتها السباع أو الحيتان، وقالوا إنها حياة لا نعرفها، ونحن نقول مثلهم إننا لا نعرفها ونزيد إننا لا نثبت ما لا نعرف.
وقال بعضهم إنها حياة يجعل الله بها الروح في جسم آخر يتمتع به ويرزق.
ورووا في هذا روايات منها الحديث الذي أشار إليه المفسر (الجلال) وهو"إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة"وقيل إنها حياة الذكر الحسن والثناء بعد الموت.
وقيل إن المراد بالموت والحياة الضلال والهدي.
روي هذا الأصم أي لا تقولوا إن باذل روحه في سبيل الله ضال بل هو مهتد.
وقيل إنها حياة روحانية محضة.
وقيل إن المراد أنهم سيحيون في الآخرة وأن الموت ليس عدمًا كما يزعم بعض المشركين.
فالآية عند هؤلاء على حد ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ ﴾ أي أن مصيرهم إلي ذلك.
وقال بعض العلماء الباحثين في الروح: إن الروح إنما تقوم بجسم لطيف "أثيري" في صورة هذا الجسم المركب الذي يكون عليه الإنسان في الدنيا، وبواسطة ذلك الجسم الأثيري تجول الروح في هذا الجسم المادي، فإذا مات المرء وخرجت روحه فإنما تخرج بالجسم الأثيري وتبقي معه، وهو جسم لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحلل.
وأما هذا الجسم المحسوس فإنه يتحلل ويتبدل في كل بضع سنين ..
ويقرب هذا القول من مذهب المالكية، فقد روي عن مالك رحمه الله تعالي أنه قال: إن الروح صورة كالجسد.
أي لها صورة، وما الصورة إلا عرض، وجوهر هذا العرض هو الذي سماه العلماء بالأثير.
وإذا كان من خواص الأثير النفوذ في الأجسام اللطيفة والكثيفة كما يقولون حتى إنه هو الذي ينقل النور من الشمس إلي طبقة الهواء فلا مانع أن تتعلق به الروح المطلقة في الآخرة ثم هو يحل بها جسمًا آخر تنعم به وترزق سواء كان جسم طير أو غيره.
وقد قال تعالي في آية أخري ﴿ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾ وهذا القول يقرب معني الآية من العلم.
والمعتقد عندي في هذه الحياة هو أنها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس، بها يرزقون وينعمون، ولكننا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها، ولا نبحث عن ذلك لأنه من عالم الغيب الذي نؤمن به ونفوض الأمر فيه إلي الله تعالي.
ذكر الله تعالي فضل الشهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدعوة إلي الحق والدفاع عنه، ثم ذكر مجموع المصائب التي يبلوهم ويمتحنهم بها والتي لا تنافي ما وعدهم به من نعم الدنيا فقال ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ أي ولنمتحننكم ببعض ضروب الخوف من الأعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الأنفس عليه فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلي الإيمان، لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان، وانتفاء المخاوف والأحزان، بل يجري ذلك بسنن الله تعالي في الخلق كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها.
وإنما المؤمن الموفق من يستفيد من مجاري الأقدار، إذ يتربى ويتأدب بمقاومة الشدائد والأخطار، ومن لم تعلمه الحوادث، وتهذبه الكوارث، فهو جاهل بهدي الدين، متبع غير سبيل المؤمنين، غير معتبر بقوله تعالى بعد ذكر هذا البلاء المبين ﴿ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ ﴾ فإنه تعالى أراد أن ينبهنا بهذا إلى أن هذه العقيدة هي التي تكتسب بها ملكة الصبر التي يقرن بها الظفر ويكون صاحبها أهلًا لأن يبشر باحتمال البلاء والاستفادة بحسن العاقبة في الأمور كلها.
فالبشارة في الآية عامة ولم يذكر المبشر به إيذانًا بذلك وهو إيجاز لا يعهد مثله في غير القرآن الحكيم، فأنت ترى أنه لو أريد ذكر ما يبشرون به لخرج الكلام إلي تطويل لا حاجة إليه كبيان عاقبة من يقع في كل نوع من أنواع المخاوف فيصابرها وينجح في أعقابها وهي كثيرة، وهكذا الخوف المشار إليه في الآية -وأعداء الإسلام علي ما كانوا عليه من الكثرة والقوة- ظاهر لا يخفى، علي أن بعضهم فسره بالخوف من الله تعالي وهو باطل لأن هذا من أعظم ثمرات الإيمان، لا من مصائب الامتحان، فهو نعمة تعين على الصبر لا مصيبة يطلب الصبر عليها أو فيها لأجل تهوين خطبها.
وأما الجوع فقد قالوا إنه ما يكون من الجدب والقحط.
وليس هذا هو المراد في الآية المسوقة لبيان ما يلاقي المؤمنون في سبيل الإيمان ولا وقع للصحابة في ذلك العهد، وإنما هو أحدهم فيفصل من أهله وعشيرته ويخرج في الغالب صفر اليدين، ولذلك كان الفقر عامًا في المسلمين من أول عهدهم إلى ما بعد فتح مكة، ومن هذا التفسير يفهم المراد من نقص الأموال وهي الأنعام التي كانت معظم ما يتموله العرب.
وأما الثمرات فهي على أصلها، وكان معظمها ثمرات النخيل.
وقيل هي الولد ثمر القلب كما يقولون في المجاز المشهور.
وقد بلغ من جوع المسلمين أن كانوا يتبلغون بثمرات يسيرة ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك.
وأما نقص الأنفس فهو ما كان من القتل والموتان من اجتواء المدينة، فقد كانت عند هجرتهم إليها بلد وباء وحُمّى ثم حسن مناخها.
ثم وصف الصابرين المستحقين للبشارة بقوله ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ أي قالوا معبرين به عن حالهم ومقتضى إيمانهم، وليس المراد بالقول مجرد النطق بهذه الكلمة علي أن يحفظوها حفظًا، ويلفظوها لفظًا، وإن كانوا لا يعقلون لها معني وإنما المراد التلبس بمعناها والتحقق في الإيمان بأنهم من خلق الله وملك الله وإلي الله يرجعون، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يفعل إلا ما سبقت به الحكمة، وارتضاه النظام الإلهي المعبر عنه بالسنة.
بحيث ينطلق اللسان بالكلمة بدافع الشعور بهذا المعنى وتمكنه من النفس، فأصحاب هذا الاعتقاد والشعور هم الجديرون بالصبر إيمانًا وتسليمًا بحيث لا يملك الجزع نفوسهم ولا تقعد المصائب هممهم، بل تزيدهم ثباتًا ومثابرة فيكونون هم الفائزين.
ولا ينافي الصبر والتثبيت ما يكون من حزن الإنسان عند نزول المصيبة بل ذلك من الرحمة ورقة القلب، ولو فقد الإنسان هذه الرحمة لكان قاسيًا لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، وإنما الجزع المذموم هو الذي يحمل صاحبه علي ترك الأعمال المشروعة لأجل المصيبة، والأخذ بعادات وأعمال مذمومة ضارة ينهى عنها الشرع، ويستقبحها العقل، كما نشاهد من جماهير الناس في المصائب والنوائب.
وقد ورد في الصحيحين أن النبي بكى عندما حضر ولده إبراهيم الموت وقيل له أليس: قد نهيتنا عن ذلك؟
فأخبر أنها الرحمة وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".
وفائدة الإخبار بالبلاء قبل وقوعه توطين النفس عليه واستعدادها لتحمله والاستفادة منه.
"ما مَنْ دهي بالأمر كالمعتد" هذا إن لم يقترن بالخبر إرشاد وتعليم، فكيف إذا اقترنت به هداية العزيز العليم؟
ذكر البلاء وبشر الصابرين عليه وذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة وختم القول ببيان الجزاء المبشر به بالإجمال فقال ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ أي أولئك الصابرون المحتسبون عليهم من ربهم الرؤوف الرحيم ما يحول دون تبريح المصائب بهم من أنواع صلواته العامة ورحمته الخاصة، فأما الصلوات فالمراد بها أنواع التكريم والنجاح، وإعلاء المنزلة عند الله والناس، وعن ابن عباس: إنها المغفرة لذنوبهم.
وأما الرحمة فهي ما يكون لهم في نفس المصيبة من حسن العزاء، وبرد الرضى والتسليم للقضاء.
فهي رحمة خاصة يحسد الملحدون عليها المؤمنين، فإن الكافر المحروم من هذه الرحمة في المصيبة تضيق عليه الدنيا بما رحبت، حتى أنه ليبخع نفسه إذ لم يعد له رجاء في الأسباب التي يعرفها، وينتحر بيده ويكون من الهالكين.
﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ ﴾ أي إلى ما ينبغي عمله في أوقات المصائب والشدائد، إذ لا يستحوذ الجزع علي نفوسهم، ولا يذهب البلاء بالأمل من قلوبهم، فيكونون هم الفائزين بخير الدنيا والراحة فيها، المستعدين لسعادة الآخرة بعلو النفس وتزكيتها بمكارم الأخلاق وصالح الأعمال، دون أهل الجزع وضعف الإيمان، كما تدل عليه الجملة الاسمية المعرفة الطرفين المؤكدة بضمير الفصل.
<div class="verse-tafsir"