الآية ١٥٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٥٥ من سورة البقرة

وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍۢ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍۢ مِّنَ ٱلْأَمْوَٰلِ وَٱلْأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِ ۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ ١٥٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أخبر تعالى أنه يبتلي عباده [ المؤمنين ] أي : يختبرهم ويمتحنهم ، كما قال تعالى : ( ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم ) [ محمد : 31 ] فتارة بالسراء ، وتارة بالضراء من خوف وجوع ، كما قال تعالى : ( فأذاقها الله لباس الجوع والخوف ) [ النحل : 112 ] فإن الجائع والخائف كل منهما يظهر ذلك عليه ; ولهذا قال : لباس الجوع والخوف .

وقال هاهنا ( بشيء من الخوف والجوع ) أي : بقليل من ذلك ( ونقص من الأموال ) أي : ذهاب بعضها ) والأنفس ) كموت الأصحاب والأقارب والأحباب ) والثمرات ) أي : لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها .

كما قال بعض السلف : فكانت بعض النخيل لا تثمر غير واحدة .

وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده ، فمن صبر أثابه [ الله ] ومن قنط أحل [ الله ] به عقابه .

ولهذا قال : ( وبشر الصابرين ) وقد حكى بعض المفسرين أن المراد من الخوف هاهنا : خوف الله ، وبالجوع : صيام رمضان ، ونقص الأموال : الزكاة ، والأنفس : الأمراض ، والثمرات : الأولاد .

وفي هذا نظر ، والله أعلم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) قال أبو جعفر: وهذا إخبار من الله تعالى ذكره أتباعَ رَسوله صلى الله عليه وسلم، أنه مبتليهم وممتحنهم بشدائد من الأمور، ليعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه, كما ابتلاهم فامتحنهم بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة, وكما امتحن أصفياءَه قَبلهم.

ووَعدهم ذلك في آية أخرى فقال لهم: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [سورة البقرة: 214]، وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس وغيرُه يقول.

2325- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس قوله: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع "، ونحو هذا, قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاء, وأنه مبتليهم فيها, وأمرَهم بالصبر وبَشّرهم فقال: " وبشر الصابرين "، ثم أخبرهم أنه فعل هكذا بأنبيائه وصَفوته، لتطيب أنفسهم فقال: مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا .

* * * ومعنى قوله: " وَلنبلونكم "، ولنختبرنكم.

وقد أتينا على البيان عن أن معنى " الابتلاء " الاختبار، فيما مضى قبل.

(6) * * * وقوله: " بشيء من الخوف "، يعني من الخوف من العدو، وبالجوع -وهو القحط- يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وبسَنة تُصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتتعذر المطالب عليكم، (7) فتنقص لذلك أموالكم, وحروبٌ تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار, فينقص لها عددكم, وموتُ ذراريكم وأولادكم, وجُدوب تحدُث, فتنقص لها ثماركم.

كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم, فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيكم فيه, ويُعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه والشك والارتياب.

كل ذلك خطابٌ منه لأتباع رَسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كما: 2326- حدثني هارون بن إدريس الكوفيّ الأصم قال، حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي, عن عبد الملك، عن عطاء في قوله: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع " قال، هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.

(8) * * * وإنما قال تعالى ذكره: " بشيء من الخوف " ولم يقل بأشياء، لاختلاف أنواع ما أعلم عبادَه أنه مُمتحنهم به.

فلما كان ذلك مختلفًا - وكانت " مِن " تَدلّ على أنّ كل نوع منها مُضمر " شيء "، فإنّ معنى ذلك: ولنبلونكم بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع، وبشيء من نقص الأموال - اكتفى بدلالة ذكر " الشيء " في أوله، من إعادته مع كل نوع منها.

ففعل تعالى ذكره كل ذلك بهم، وامتحنهم بضروب المحَن، كما:- 2327- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, &; 3-221 &; عن أبيه, عن الربيع في قوله: " ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات " قال، قد كان ذلك, وسيكونُ ما هو أشد من ذلك.

قال الله عند ذلك: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .

* * * ثم قال تعالى ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا محمد، بشّر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم به، (9) والحافظين أنفسهم عن التقدم على نَهْيي عما أنهاهم عنه, والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم به، (10) القائلين إذا أصابتهم مصيبة: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ .

فأمره الله تعالى ذكره بأن يخصّ -بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد- أهلَ الصبر، الذين وصف الله صفتهم.

* * * وأصل " التبشير ": إخبار الرجل الرجلَ الخبرَ، يَسرّه أو يسوءه، لم يسبقه به إلى غيره (11) ----------------- الهوامش : (6) انظر ما سلف 2 : 48 ، 49 ، ثم هذا الجزء 3 : 7 .

(7) في المطبوعة : "وتعذر المطالب" والصواب ما أثبت .

(8) الخبر : 2326- سبق هذا الإسناد : 1455 ، ولما نعرف شيخ الطبري فيه .

(9) في المطبوعة : "بما امتحنتهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(10) في المطبوعة : "بما ابتليتهم" ، والسياق يقتضي ما أثبت .

(11) انظر ما سلف 1 : 383/2 : 393 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرينقوله تعالى : " ولنبلونكم " هذه الواو مفتوحة عند سيبويه لالتقاء الساكنين .

وقال غيره : لما ضمت إلى النون الثقيلة بني الفعل فصار بمنزلة خمسة عشر .

والبلاء يكون حسنا ويكون سيئا .

وأصله المحنة ، وقد تقدم .

والمعنى لأمتحننكم لنعلم المجاهد والصابر علم معاينة حتى يقع عليه الجزاء ، كما تقدم .

وقيل : إنما ابتلوا بهذا ليكون آية لمن بعدهم فيعلموا أنهم إنما صبروا على هذا حين وضح لهم الحق .

وقيل : أعلمهم بهذا ليكونوا على يقين منه أنه يصيبهم ، فيوطنوا أنفسهم عليه فيكونوا أبعد لهم من الجزع ، وفيه تعجيل ثواب الله تعالى على العز وتوطين النفس .قوله تعالى : بشيء لفظ مفرد ومعناه الجمع .

وقرأ الضحاك " بأشياء " على الجمع .

وقرأ الجمهور بالتوحيد ، أي بشيء من هذا وشيء من هذا ، فاكتفى بالأول إيجازا : من الخوف أي خوف العدو والفزع في القتال ، قاله ابن عباس .

وقال الشافعي : هو خوف الله عز وجل .

والجوع يعني المجاعة بالجدب والقحط ، في قول ابن عباس .

وقال الشافعي : هو الجوع في شهر رمضان .

ونقص من الأموال بسبب الاشتغال بقتال الكفار .

وقيل : بالجوائح المتلفة .

وقال الشافعي : بالزكاة المفروضة .

والأنفس قال ابن عباس : بالقتل والموت في الجهاد .

وقال الشافعي : يعني بالأمراض .

والثمرات قال الشافعي : المراد [ ص: 163 ] موت الأولاد ، وولد الرجل ثمرة قلبه ، كما جاء في الخبر ، على ما يأتي .

وقال ابن عباس : المراد قلة النبات وانقطاع البركات .قوله تعالى : وبشر الصابرين أي بالثواب على الصبر .

والصبر أصله الحبس ، وثوابه غير مقدر ، وقد تقدم .

لكن لا يكون ذلك إلا بالصبر عند الصدمة الأولى ، كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنما الصبر عند الصدمة الأولى .

وأخرجه مسلم أتم منه ، أي إنما الصبر الشاق على النفس الذي يعظم الثواب عليه إنما هو عند هجوم المصيبة وحرارتها ، فإنه يدل على قوة القلب وتثبته في مقام الصبر ، وأما إذا بردت حرارة المصيبة فكل أحد يصبر إذ ذاك ، ولذلك قيل : يجب على كل عاقل أن يلتزم عند المصيبة ما لا بد للأحمق منه بعد ثلاث .

وقال سهل بن عبد الله التستري : لما قال تعالى : وبشر الصابرين صار الصبر عيشا .

والصبر صبران : صبر عن معصية الله ، فهذا مجاهد ، وصبر على طاعة الله ، فهذا عابد .

فإذا صبر عن معصية الله وصبر على طاعة الله أورثه الله الرضا بقضائه وعلامة الرضا سكون القلب بما ورد على النفس من المكروهات والمحبوبات .

وقال الخواص : الصبر الثبات على أحكام الكتاب والسنة .

وقال رويم : الصبر ترك الشكوى .

وقال ذو النون المصري : الصبر هو الاستعانة بالله تعالى .

وقال الأستاذ أبو علي : الصبر حده ألا تعترض على التقدير ، فأما إظهار البلوى على غير وجه الشكوى فلا ينافي الصبر ، قال الله تعالى في قصة أيوب : إنا وجدناه صابرا نعم العبد مع ما أخبر عنه أنه قال : مسني الضر .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أخبر تعالى أنه لا بد أن يبتلي عباده بالمحن, ليتبين الصادق من الكاذب, والجازع من الصابر, وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان, ولم يحصل معها محنة, لحصل الاختلاط الذي هو فساد, وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر.

هذه فائدة المحن, لا إزالة ما مع المؤمنين من الإيمان, ولا ردهم عن دينهم, فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، فأخبر في هذه الآية أنه سيبتلي عباده { بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ } من الأعداء { وَالْجُوعِ } أي: بشيء يسير منهما؛ لأنه لو ابتلاهم بالخوف كله, أو الجوع, لهلكوا, والمحن تمحص لا تهلك.

{ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ } وهذا يشمل جميع النقص المعتري للأموال من جوائح سماوية, وغرق, وضياع, وأخذ الظلمة للأموال من الملوك الظلمة, وقطاع الطريق وغير ذلك.

{ وَالْأَنْفُسِ } أي: ذهاب الأحباب من الأولاد, والأقارب, والأصحاب, ومن أنواع الأمراض في بدن العبد, أو بدن من يحبه، { وَالثَّمَرَاتِ } أي: الحبوب, وثمار النخيل, والأشجار كلها, والخضر بِبَرْد, أو بَرَدٍ, أو حرق, أو آفة سماوية, من جراد ونحوه.

فهذه الأمور, لا بد أن تقع, لأن العليم الخبير, أخبر بها, فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس قسمين: جازعين وصابرين، فالجازع, حصلت له المصيبتان, فوات المحبوب, وهو وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها, وهو الأجر بامتثال أمر الله بالصبر، ففاز بالخسارة والحرمان, ونقص ما معه من الإيمان، وفاته الصبر والرضا والشكران, وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.

وأما من وفقه الله للصبر عند وجود هذه المصائب, فحبس نفسه عن التسخط, قولا وفعلا, واحتسب أجرها عند الله, وعلم أن ما يدركه من الأجر بصبره أعظم من المصيبة التي حصلت له, بل المصيبة تكون نعمة في حقه, لأنها صارت طريقا لحصول ما هو خير له وأنفع منها, فقد امتثل أمر الله, وفاز بالثواب، فلهذا قال تعالى: { وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ } أي: بشرهم بأنهم يوفون أجرهم بغير حساب.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {ولنبلونكم} أي ولنختبرنكم يا أمة محمد، واللام لجواب القسم تقديره والله لبيلونكم والابتلاء من الله لإظهار المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً لم يكن عالماً به.

{بشيء من الخوف} قال ابن عباس: "يعني خوف العدو".

{والجوع} يعني القحط.

{ونقص من الأموال} بالخسران والهلاك.

{والأنفس} يعني بالقتل والموت وقيل بالمرض والشيب.

{والثمرات} يعني الجوائح في الثمار، وحكي عن الشافعي أنه قال: "الخوف خوف الله تعالى، والجوع صيام رمضان، ونقص من الأموال أداء الزكاة والصدقات، والأنفس الأمراض، والثمرات موت الأولاد لأن ولد الرجل ثمرة قلبه".

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا الحسن بن موسى أخبرنا حماد بن سلمة عن أبي سنان قال: دفنت ابني سناناً وأبو طلحة الخولاني على شفير القبر فلما أردت الخروج أخذ بيدي فأخرجني فقال: ألا أبشرك؟: حدثني الضحاك بن عزرب عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته أقبضتم ولد عبدي؟

قالوا نعم، قال أقبضتم ثمرة فؤاده؟

قالوا نعم، فماذا قال عبدي؟

قالوا استرجع وحمدك قال: ابنوا له بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد".

{وبشر الصابرين} على البلايا والرزايا.

ثم وصفهم فقال:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولنبلونكم بشيء من الخوف» للعدو «والجوع» القحط «ونقص من الأموال» بالهلاك «والأنفس» بالقتل والموت والأمراض «والثمرات» بالحوائج أي لنختبرنكم فننظر أتصبرون أم لا «وبشر الصابرين» على البلاء بالجنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولنختبرنكم بشيء يسير من الخوف، ومن الجوع، وبنقص من الأموال بتعسر الحصول عليها، أو ذهابها، ومن الأنفس: بالموت أو الشهادة في سبيل الله، وبنقص من ثمرات النخيل والأعناب والحبوب، بقلَّة ناتجها أو فسادها.

وبشِّر -أيها النبي- الصابرين على هذا وأمثاله بما يفرحهم ويَسُرُّهم من حسن العاقبة في الدنيا والآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن طلب - سبحانه - من عباده أن يستعينوا بالصبر والصلاة على احتمال المكاره ، أردف ذلك بذكر بعض المواطن التي لا يمر فيها الإِنسان بسلامة إلا إذا اعتصم بعرى الصبر فقال - تعالى - ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال والأنفس والثمرات ) .وقوله : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) من البلو والبلاء وهو الامتحان والاختبار ، وهو جواب لقسم محذوف والتقدير : والله لنبلونكم .وقوله : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ) عطف على قوله : ( استعينوا ) الخ ، عطف المضمون على المضمون ، والجامع أن مضمون الأول طلب الصبر ، ومضمون الثانية بيان مواطنه ، والمراد : ولنعاملنكم معاملة المختبر والمبتلي لأحوالكم :والتنوين في قوله : ( بِشَيْءٍ ) للتقليل .

أي بقليل من كل واحد من هذه البلايا والمحن وهي الخوف وما عطف عليه .وإنما قلل - كما قال الزمخشري - ليؤذن أن كل بلاء وإن جل ففوقه ما يقل إليه وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم ، وأنه - سبحانه - يبتليهم من هذه المصائب بقدر ما يمتاز به الصابرون من غير الصابرين .و ( الخوف ) غم يلحق النفس لتوقع مكروه ، ومن أشد ما تضطرب له النفوس من الخوف ، خشيتها أن تقع تحت يد عدو لا هم له إلا إيذاؤها بما تكره .و ( والجوع ) ضد الشبع ، والمراد منه القحط ، وتعذر تحصيل القوت ، والحاجة الملحة إلى طعام .و ( الأموال ) جمع مال ، وهو ما يملك مما له قيمة ، وجرى للعرب عرف باستعماله في النعم خاصة - وهي الإِبل والبقر والغنم - .و ( والثمرات ) : جمع ثمرة وهي حمل الشجر ، وقد تطلق على الشجر سوالنبات نفسه .والمعنى : ولنصيبنكم بشيء من الخوف وبشيء من الجوع ، وبشيء من النقص في الأنفس والأموال والثمرات ، ليظهر هل تصبرون أو لا تصبرون ، فنرتب الثواب على الصبر والثبات على الطاعة ، ونرتب العقاب على الجزع وعدم التسليم لأمر الله - تعالى - .ولقد حدث للمسلمين الأولين خوف شديد بسبب تألب أعدائهم عليهم كما حصل في غزوة الأحزاب .

وحدث لهم جوع أليم بسبب هجرتهم من أوطانهم ، وقلة ذات يدهم حتى لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يشد الحجر على بطنه .

وحدث لهم نقص في أموالهم بسبب اشتغالهم بإعلاء كلمة الله .

وحدث لهم نقص في أنفسهم بسبب قتالهم لأعدائهم .

ولكن كل هذه الآلام لم تزدهم إلا إيماناً وتسليماً لقضاء الله وقدره ، واستمساكاً بتعاليم دينهم .وهذا البلاء وتلك الآلام لا بد منها ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة ، كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف ، إذ العقائد الرخيصة التي لا يؤد أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم تركها عند الصدمة الأولى ، وليعلم من جاء بعدهم من المؤمنين إذا ما أصابهم مثل هذه الأمور أن ما أصابهم ليس لنقصان من درجاتهم ، وحط من مراتبهم ، فقد أصيب بمثل ذلك أو أكثر من هم أفضل منهم وهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .قال الإِمام الرازي : وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الابتلاء .

أي الإِخبار به قبل وقوعه : ففيها وجوه .أحدها : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع وأسهل عليهم بعد الورود .وثانيها : أنهم إذا علموا أنه ستصل إلأيهم تلك المحن اشتد خوفهم ، فيصير ذلك الخوف تعجيلا للابتلاء ، فيستحقون به مزيد الثواب .وثالثها : أن الكفار إذا شاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه ، مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع - يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله .

ومن الملعوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره ، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب : كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب .ورابعها : أنه - تعالى - أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه .

فكان إخباراً عن الغيب فكان معجزاً .وخامسها : أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً في المال وسعة الرزق ، فإذا اختبره - سبحانه - بنزول هذه المحن ، فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق .وسادسها : أن إِخلاص الإِنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله - تعالى - أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه .

فكانت الحكمة في هذا الابتلاء ذلك .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن القفال رحمه الله قال: هذا متعلق بقوله: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة  ﴾ أي استعينوا بالصبر والصلاة فإنا نبلوكم بالخوف وبكذا وفيه مسائل: المسألة الأولى: فإن قيل إنه تعالى قال: ﴿ واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ  ﴾ والشكر يوجب المزيد على ما قال: ﴿ لَئِن شَكَرْتُمْ لازِيدَنَّكُمْ ﴾ فكيف أردفه بقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف ﴾ .

والجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى أخبر أن إكمال الشرائع إتمام النعمة، فكان ذلك موجباً للشكر، ثم أخبر أن القيام بتلك الشرائع لا يمكن إلا بتحمل المحن، فلا جرم أمر فيها بالصبر.

الثاني: أنه تعالى أنعم أولاً فأمر بالشكر، ثم ابتلى وأمر بالصبر، لينال الرجل درجة الشاكرين والصابرين معاً، فيكمل إيمانه على ما قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر».

المسألة الثانية؛ روي عن عطاء والربيع بن أنس أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة.

المسألة الثالثة: أما أن الإبتلاء كيف يصح على الله تبارك وتعالى فقد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا ابتلى إبراهيم رَبُّهُ  ﴾ وأما الحكمة في تقديم تعريف هذا الإبتلاء ففيها وجوه: أحدها: ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكون ذلك أبعد لهم عن الجزع، وأسهل عليهم بعد الورود.

وثانيها: أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المحن، اشتد خوفهم، فيصير ذلك الخوف تعجيلاً للابتلاء، فيستحقون به مزيد الثواب.

وثالثها: أن الكفار إذا شاهدوا محمداً وأصحابه مقيمين على دينهم مستقرين عليه مع ما كانوا عليه من نهاية الضر والمحنة والجوع، يعلمون أن القوم إنما اختاروا هذا الدين لقطعهم بصحته، فيدعوهم ذلك إلى مزيد التأمل في دلائله، ومن المعلوم الظاهر أن التبع إذا عرفوا أن المتبوع في أعظم المحن بسبب المذهب الذي ينصره، ثم رأوه مع ذلك مصراً على ذلك المذهب كان ذلك أدعى لهم إلى اتباعه مما إذا رأوه مرفه الحال لا كلفة عليه في ذلك المذهب.

ورابعها: أنه تعالى أخبر بوقوع ذلك الابتلاء قبل وقوعه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه فكان ذلك إخباراً عن الغيب فكان معجزاً.

وخامسها: أن من المنافقين من أظهر متابعة الرسول طمعاً منه في المال وسعة الرزق فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق عن الموافق لأن المنافق إذا سمع ذلك نفر منه وترك دينه فكان في هذا الإختبار هذه الفائدة.

وسادسها: أن إخلاص الإنسان حالة البلاء ورجوعه إلى باب الله تعالى أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه، فكانت الحكمة في هذا الإبتلاء ذلك.

المسألة الرابعة: إنما قال بشيء على الوحدان، ولم يقل بأشياء على الجمع لوجهين: الأول: لئلا يوهم بأشياء من كل واحد، فيدل على ضروب الخوف والتقدير بشيء من كذا وشيء من كذا.

الثاني: معناه بشيء قليل من هذه الأشياء.

المسألة الخامسة: اعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال وإلى ما كان موجوداً في الماضي وإلى ما سيوجد في المستقبل، فإذا خطر ببالك موجود فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً وإن كان موجوداً في الحال: يسمى ذوقاً ووجداً وإنما سمي وجداً لأنها حالة تجدها من نفسك وإن كان قد خطر ببالك وجود شيء في الاستقبال وغلب ذلك على قلبك، سمي انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقا، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً، والإرتياح رجاء، فالخوف هو تألم القلب لإنتظار ما هو مكروه عنده، والرجاء هو ارتياح القلب لإنتظار ما هو محبوب عنده، وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت: قال القفال رحمه الله: أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان، قال الله تعالى: ﴿ هُنَالِكَ ابتلى المؤمنون وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً  ﴾ وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لقلة أموالهم، حتى أنه عليه السلام كان يشد الحجر على بطنه، وروى أبو الهيثم بن التيهان أنه عليه السلام لما خرج التقى مع أبي بكر قال: ما أخرجك؟

قال: الجوع.

قال: أخرجني ما أخرجك: وأما النقص في الأموال والأنفس فقد يحصل ذلك عند محاربة العدو بأن ينفق الإنسان ماله في الاستعداد للجهاد وقد يقتل، فهناك يحصل النقص في المال والنفس وقال الله تعالى: ﴿ وجاهدوا بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ  ﴾ وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد قال الله تعالى: ﴿ ذلك بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ الله  ﴾ وقد يكون النقص في النفس بموت بعض الإخوان والأقارب على ما هو التأويل في قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجدب وقد يكون بترك عمارة الضياع للإشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنفاق على من كان يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوفود، هذا آخر كلام القفال رحمه الله، قال الشافعي رضي الله عنه: الخوف: خوف الله، والجوع: صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات: موت الأولاد ثم إنه تعالى لما ذكر هذه الأشياء بين جملة الصابرين على هذه الأمور بقوله تعالى: ﴿ وَبَشّرِ الصابرين ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الصبر واجب على هذه الأمور إذا كان من قبله تعالى لأنه يعلم أن كل ذلك عدل وحكمة، فأما من لم يكن محققاً في الإيمان كان كمن قال فيه: ﴿ وَمِنَ الناس مَن يَعْبُدُ الله على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطمأن بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقلب على وَجْهِهِ خَسِرَ الدنيا والآخرة  ﴾ .

فأما ما يكون من جانب الظلمة فلا يجب الصبر عليه مثاله: أن المراهق يلزمه أن يصبر على ما يفعله به أبوه من التأديب، ولو فعله به غيره، لكان له أن يمانع بل يحارب، وكذا في العبد مع مولاه فما يدبر تعالى عباده عليه ليس ذلك إلا حكمة وصواباً بخلاف ما يفعل العباد من الظلم.

المسألة الثانية: الخطاب في ﴿ وَبَشِّرِ ﴾ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتأتى منه البشارة.

المسألة الثالثة: قال الشيخ الغزالي رحمه الله: اعلم أن الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم والملائكة، أما في البهائم فلنقصانها، وأما في الملائكة فلكمالها، بيانه أن البهائم سلطت عليها الشهوات، وليس لشهواتها عقل يعارضها، حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً، وأما الملائكة فإنهم جردوا للشوق إلى حضرة الربوبية والإبتهاج بدرجة القرب منها ولم يسلط عليهم شهوة صارفة عنها، حتى تحتاج إلى مصادمة ما يصرفها عن حضرة الجلال بجند آخر، وأما الإنسان فإنه خلق في ابتداء الصبا ناقصاً مثل البهيمة، ولم يخلق فيه إلا شهوة الغذاء الذي هو محتاج إليه، ثم يظهر فيه شهوة اللعب، ثم شهوة النكاح، وليس له قوة الصبر ألبتة، إذ الصبر عبارة عن ثبات جند في مقابلة جند آخر، قام القتال بينهما لتضاد مطالبهما أما البالغ فإن فيه شهوة تدعوه إلى طلب اللذات العاجلة، والإعراض عن الدار الآخرة، وعقلاً يدعوه إلى الإعراض عنها، وطلب اللذات الروحانية الباقية، فإذا عرف العقل أن الاشتغال بطلب هذه اللذات العاجلة، عن الوصول إلى تلك اللذات الباقية، صارت داعية العقل صادة ومانعة لداعية الشهوة من العمل، فيسمى ذلك الصد والمنع صبراً، ثم اعلم أن الصبر ضربان.

أحدهما: بدني، كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليه، وهو إما بالفعل كتعاطي الأعمال الشاقة أو بالاحتمال كالصبر على الضرب الشديد والألم العظيم.

والثاني: هو الصبر النفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الشهوة ومشتهيات الطبع، ثم هذا الضرب إن كان صبراً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان على احتمال مكروه اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي عليه الصبر، فإن كان في مصيبة اقتصر عليه باسم الصبر ويضاده حالة تسمى الجزع والهلع، وهو إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب وغيرها وإن كان في حال الغنى يسمى ضبط النفس ويضاده حالة تسمى: البطر.

وإن كان في حرب ومقاتلة يسمى: شجاعة، ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى: حلماً، ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من نوائب الزمان مضجرة سمي: سعة الصدر، ويضاده الضجر والندم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام يسمى: كتمان النفس ويسمى صاحبه: كتوماً، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً، ويضاده الحرص وإن كان على قدر يسير من المال سمي بالقناعة ويضاده الشره وقد جمع الله تعالى أقسام ذلك وسمي الكل صبراً فقال: ﴿ الصابرين فِي البأساء ﴾ أي المصيبة.

﴿ والضرآء ﴾ أي الفقر: ﴿ وَحِينَ البأس ﴾ أي المحاربة: ﴿ أولئك الذين صَدَقُواْ وأولئك هُمُ المتقون  ﴾ قال القفال رحمه الله ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك لأن ذلك غير ممكن، إنما الصبر هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، فإذا كظم الحزن وكف النفس عن إبراز آثاره كان صاحبه صابراً، وإن ظهر دمع عين أو تغير لون، قال عليه السلام: «الصبر عند الصدمة الأولى» وهو كذلك، لأن من ظهر منه في الإبتداء ما لا يعد معه من الصابرين ثم صبر، فذلك يسمى سلوا وهو مما لابد منه قال الحسن: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه والله أعلم.

المسألة الرابعة: في فضيلة الصبر قد وصف الله تعالى الصابرين بأوصاف وذكر الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال: ﴿ وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا  ﴾ وقال: ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى على بَنِى إسراءيل بِمَا صَبَرُواْ  ﴾ وقال: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الذين صَبَرُواْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقال: ﴿ أولئك يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ فما من طاعة إلا وأجرها مقدراً إلا الصبر، ولأجل كون الصوم من الصبر قال تعالى: ﴿ الصوم لِى ﴾ فإضافة إلى نفسه، ووعد الصابرين بأنه معهم فقال: ﴿ واصبروا إِنَّ الله مَعَ الصابرين  ﴾ وعلق النصرة على الصبر فقال: ﴿ بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُمْ مّن فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ ءالافٍ مّنَ الملائكة  ﴾ وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم فقال: ﴿ أولئك عَلَيْهِمْ صلوات مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وأولئك هُمُ المهتدون  ﴾ .

وأما الأخبار فقال عليه الصلاة والسلام: «الصبر نصف الإيمان».

وتقريره أن الإيمان لا يتم إلا بعد ترك ما لا ينبغي من الأقوال والأعمال والعقائد، وبحصول ما ينبغي، فالاستمرار على ترك ما لا ينبغي هو الصبر وهو النصف الآخر، فعلى مقتضى هذا الكلام يجب أن يكون الإيمان كله صبراً إلا أن ترك ما لا ينبغي وفعل ما ينبغي قد يكون مطابقاً للشهوة، فلا يحتاج فيه إلى الصبر، وقد يكون مخالفاً للشهوة فيحتاج فيه إلى الصبر، فلا جرم جعل الصبر نصف الإيمان، وقال عليه السلام: «من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر ومن أعطى حظه منهما لم يبال ما فاته من قيام الليل وصيام النهار».

وقال عليه السلام: «الإيمان هو الصبر» وهذا شبه قوله عليه السلام: «الحج عرفة».

المسألة الخامسة: في بيان أن الصبر أفضل أم الشكر؟

قال الشيخ الغزالي رحمه الله: دلالة الأخبار على فضيلة الصبر أشد قال عليه السلام: «من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر» وقال: «يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين، ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له: أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر؟

فيقول: نعم يا رب فيقول الله تعالى: لقد أنعمت عليك فشكرت، وابتليتك فصبرت، لأضعفن لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين».

وأما قوله عليه السلام: «الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر» فهو دليل على فضل الصبر، لأن هذا إنما يذكر في معرض المبالغة، وهي لا تحصل إلا إذا كان المشبه به أعظم درجة من المشبه كقوله عليه السلام: «شارب الخمر كعابد الوثن» وأيضاً روي أن سليمان عليه السلام يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه، وآخر الصحابة دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه، وفي الخير أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد وأول من يدخله أهل البلاء وأمامهم أيوب عليه السلام.

المسألة السادسة: دلت هذه الآية على أمور.

أحدها: أن هذه المحن لا يجب أن تكون عقوبات لأنه تعالى وعد بها المؤمنين من الرسول وأصحابه.

وثانيها: أن هذه المحن إذا قارنها الصبر أفادت درجة عالية في الدين.

وثالثها: أن كل هذه المحن من الله تعالى خلاف قول الثنوية الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر، وخلاف قول المنجمين الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوستها.

ورابعها: أنها تدل على أن الغذاء لا يفيد الشبع، وشرب الماء لا يفيد الري، بل كل ذلك يحصل بما أجرى الله العادة به عند هذه الأسباب، لأن قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم ﴾ صريح في إضافة هذه الأمور إلى الله تعالى وقول من قال: إنه تعالى لما خلق أسبابها صح منه هذا القول ضعيف لأنه مجاز والعدول إلى المجاز لا يمكن إلا بعد تعذر الحقيقة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم ﴾ ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟

﴿ بِشَيْءٍ ﴾ بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه ﴿ وَبَشّرِ الصابرين ﴾ المسترجعين عند البلاء؛ لأنّ الاسترجاع تسليم وإذعان.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه» .

وروي: أنه طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» فقيل: أمصيبة هي؟

قال: «نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» ، وإنما قلل في قوله: (بشيء) ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه، وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليوطنوا عليه نفوسهم.

(نقص) عطف على (شيء) أو على الخوف، بمعنى: وشيء من نقص الأموال.

والخطاب في (بشر) لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه البشارة.

وعن الشافعي رحمه الله في الخوف: خوف الله.

والجوع: صيام شهر رمضان؛ والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات؛ موت الأولاد.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضّتم ولد عبدي؟

فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟

فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟

فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» .

والصلاة: الحنو والتعطف، فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة.

كقوله تعالى: ﴿ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ [الحديد: 27] ، ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117] .

والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة.

ورحمة أيّ رحمة.

﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون ﴾ لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله.

والصفا والمروة: علمان للجبلين، كالصمان والمقطم، والشعائر: جمع شعيرة وهي العلامة، أي من أعلام مناسكه ومتعبداته، والحج: للقصد.

والاعتمار: الزيارة، فغلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان.

وأصل ﴿ يَطَّوَّفَ ﴾ يتطوّف فأدغم.

وقرئ: ﴿ أن يطوف ﴾ من طاف.

فإن قلت: كيف قيل إنهما من شعائر الله ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟

قلت: كان على الصفا أساف، وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، يروى: أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدّة عُبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن لا يكون عيهم جناح في ذلك، فرفع عنهم الجناح.

واختلف في السعي، فمن قائل: هو تطوّع بدليل رفع الجناح وما فيه من التخيير بين الفعل والترك، كقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ [البقرة: 230] ، وغير ذلك، ولقوله: ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ كقوله: ﴿ فمن تطوّع خيراً فهو خير له ﴾ [البقرة: 184] .

ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما).

وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه واجب وليس بركن وعلى تاركه دم.

وعند الأوّلين لا شيء عليه.

وعند مالك والشافعي: هو ركن، لقوله عليه السلام: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» وقرئ: ﴿ ومن يطوّع ﴾ .

بمعنى: ومن يتطوع، فأدغم.

وفي قراءة عبد الله: ﴿ ومن يتطوع بخير ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ ولَنُصِيبَنَّكم إصابَةَ مَن يَخْتَبِرُ لِأحْوالِكُمْ، هَلْ تَصْبِرُونَ عَلى البَلاءِ وتَسْتَسْلِمُونَ لِلْقَضاءِ؟

﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ﴾ أيْ بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما قَلَّلَهُ بِالإضافَةِ إلى ما وقاهم مِنهُ لِيُخَفِّفَ عَلَيْهِمْ ويُرِيَهم أنَّ رَحْمَتَهُ لا تُفارِقُهُمْ، أوْ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُصِيبُ بِهِ مُعانَدِيهِمْ في الآخِرَةِ، وإنَّما أخْبَرَهم بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهم ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ ﴾ عَطْفُ شَيْءٍ أوِ الخَوْفِ، وعَنِ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الخَوْفُ: خَوْفُ اللَّهِ، والجُوعُ: صَوْمُ رَمَضانَ، والنَّقْصُ: مِنَ الأمْوالِ الصَّدَقاتُ والزَّكَواتُ، ومِنَ الأنْفُسِ: الأمْراضُ، ومِنَ الثَّمَراتِ: مَوْتُ الأوْلادِ.

وَعَنِ النَّبِيِّ  «إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: أقَبَضْتُمْ رُوحَ ولَدِ عَبْدِي؟

فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ: أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ، فَيَقُولُونَ نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ماذا قالَ عَبْدِي؟

فَيَقُولُونَ: حَمَدَكَ واسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ» .

﴿ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولنبلونكم} ولنصيبنكم بدلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون على ما أنتم عليه من الطاعة أم لا {بِشَىْءٍ} بقليل من كل واحدة من هذه البلايا وطرف منه وقلل ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل اليه ويريهم أن رحمته معهم في كل حال وأعلمهم بوقوع البلواء قبل وقوعها ليوطنو نفوسهم عليها {مِّنَ الخوف} خوف الله والعدو {والجوع} أي القحط أو صوم شهر رمضان {وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال} بموت المواشي أو الزكاة وهو عطف على شيء وعلى الخوف أى وشئ من نقص الأموال {والأنفس} بالقتل والموت أو بالمرض والشيب {والثمرات} ثمرات الحرث أو موت الأولاد لأن الولد ثمرة الفؤاد {وَبَشِّرِ الصابرين} على هذه البلايا أو المسترجعين عند البلايا لأن الاسترجاع تسليم وإذعان وفي الحديث من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفا صالحا يرضاه وطفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إنا لله وإنا إليه راجعون فقيل أمصيبة هي قال نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو مصيبة والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يأتى منه البشارة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واسْتَعِينُوا ﴾ إلَخْ عَطْفَ المَضْمُونِ عَلى المَضْمُونِ، والجامِعُ أنَّ مَضْمُونَ الأُولى طَلَبُ الصَّبْرِ، ومَضْمُونَ الثّانِيَةَ بَيانُ مَواطِنِهِ، والمُرادُ لَنُعامِلَنَّكم مُعامَلَةَ المُبْتَلى والمُخْتَبَرِ، فَفي الكَلامِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ؛ لِأنَّ الِابْتِلاءَ حَقِيقَةٌ لِتَحْصِيلِ العِلْمِ، وهو مُحالٌ مِنَ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ - والخِطابُ عامٌّ لِسائِرِ المُؤْمِنِينَ - وقِيلَ: لِلصَّحابَةِ فَقَطْ، وقِيلَ: لِأهْلِ مَكَّةَ فَقَطْ.

﴿ بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ﴾ أيْ: بِقَلِيلٍ مِن ذَلِكَ، والقِلَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِما حَفِظَهم عَنْهُ مِمّا لَمْ يَقَعْ بِهِمْ، وأخْبَرَهم - سُبْحانَهُ - بِهِ قَبْلَ وقَوْعِهِ لِيُوَطِّنُوا عَلَيْهِ نُفُوسَهُمْ، فَإنَّ مُفاجَأةَ المَكْرُوهِ أشَدُّ، ويَزْدادُ يَقِينُهم عِنْدَ مُشاهَدَتِهِمْ لَهُ حَسْبَما أخْبَرَ بِهِ، ولِيَعْلَمُوا أنَّهُ شَيْءٌ يَسِيرٌ لَهُ عاقِبَةٌ مَحْمُودَةٌ.

﴿ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ ﴾ عَطْفٌ إمّا عَلى ( شَيْءٍ ) ويُؤَيِّدُهُ التَّوافُقُ في التَّنْكِيرِ ومَجِيءُ البَيانِ بَعْدَ كُلّ وإمّا عَلى ( الخَوْفِ ) ويُؤَيِّدُهُ قُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ ودُخُولُهُ تَحْتَ شَيْء والمُرادُ مِنَ الخَوْفِ خَوْفُ العَدُوِّ ومِنَ الجُوعِ القَحْطُ إقامَةً لِلْمُسَبِّبِ مَقامَ السَّبَبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، ومِن نَقْصِ ( الأمْوالِ ) هَلاكُ المَواشِي، ومِن نَقْصِ (الأنْفُسِ ) ذَهابُ الأحِبَّةِ بِالقَتْلِ والمَوْتِ، ومَن نَقْصِ ( الثَّمَراتِ ) تَلَفُها بِالجَوائِحِ، ونَصَّ عَلَيْها مَعَ أنَّها مِنَ ( الأمْوالِ )؛ لِأنَّها قَدْ لا تَكُونُ مَمْلُوكَةً، وقالَ الإمامُ الشّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ -: ( الخَوْفُ ) خَوْفُ اللَّهِ تَعالى ( والجُوعِ ) صَوْمُ رَمَضانَ، والنَّقْصُ مِنَ ( الأمْوالِ ) الزِّكْواتُ والصَّدَقاتُ، ومِنَ ( الأنْفُسِ ) الأمْراضُ، ومِنَ ( الثَّمَراتِ ) مَوْتُ الأوْلادِ، وإطْلاقُ الثَّمَرَةِ عَلى الوَلَدِ مَجازٌ مَشْهُورٌ؛ لِأنَّ الثَّمَرَةَ كُلُّ ما يُسْتَفادُ ويُحَصَّلُ، كَما يُقالُ: ثَمَرَةُ العِلْمِ العَمَلُ.

وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي مُوسى، وحَسَّنَهُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ، قالَ اللَّهُ - تَعالى - لِلْمَلائِكَةِ: أقَبَضْتُمْ ولَدَ عَبْدِي؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ.

فَيَقُولُ: أقَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ قَلْبِهِ؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعالى -: ماذا قالَ عَبْدِي؟

فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ - تَعالى -: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسُمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ“،» واعْتَرِضُ ما قالَهُ الإمامُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ فَرْضِيَّةِ الصَّوْمِ والزَّكاةِ بِأنَّ خَوْفَ اللَّهِ - تَعالى - لَمْ تَزَلْ قُلُوبُ المُؤْمِنِينَ مَشْحُونَةً بِهِ قَبْلَ نُزُولِ الآيَةِ، وكَذا الأمْراضُ ومَوْتُ الأوْلادِ مَوْجُودانِ قَبْلُ، فَلا مَعْنًى لِلْوَعْدِ بِالِابْتِلاءِ بِذَلِكَ، وكَذا لا مَعْنًى لِلتَّعْبِيرِ عَنِ الزَّكاةِ - وهي النُّمُوُّ والزِّيادَةُ - بِالنَّقْصِ، وأُجِيبَ بِأنَّ كَوْنَ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مَشْحُونَةً بِالخَوْفِ قَبْلُ لا يُنافِي ابْتِلاءَهم في الِاسْتِقْبالِ بِخَوْفٍ آخَرَ، فَإنَّ الخَوْفَ يَتَضاعَفُ بِنُزُولِ الآياتِ، وكَذا الأمْراضُ، ومَوْتُ الأوْلادِ أُمُورٌ مُتَجَدِّدَةٌ يَصِحُّ الِابْتِلاءُ بِها في الآتِي مِنَ الأزْمانِ، والتَّعْبِيرُ عَنِ الزَّكاةِ بِالنَّقْصِ لِكَوْنِها نَقْصًا صُورَةٌ - وإنْ كانَتْ زِيادَةً مَعْنًى - فَعِنْدَ الِابْتِلاءِ سَمّاها نَقْصًا، وعِنْدَ الأمْرِ بِالأداءِ سَمّاها زَكاةً يَسْهُلُ أداؤُها ﴿ وبَشِّرِ الصّابِرِينَ ﴾ 155 خِطابٌ لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أوْ لِكُلِّ مَن تَتَأتّى مِنهُ البِشارَةُ، والجُمْلَةُ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها، عَطْفَ المَضْمُونِ عَلى المَضْمُونِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى الخَبَرِيَّةِ والإنْشائِيَّةِ، والجامِعُ ظاهِرٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: الِابْتِلاءُ حاصِلٌ لَكم - وكَذا البِشارَةُ - ولَكِنْ لِمَن صَبَرَ مِنكُمْ، وقِيلَ: عَلى مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أنْذِرِ الجازِعِينَ وبَشِّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ، يعني المؤمنين بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ.

يقول: لنختبرنكم بخوف العدو، وهو الخوف الذي أصابهم يوم الخندق، حتى بلغت القلوب الحناجر والجوع وهو القحط الذي أصابهم، فكان يمضي على أحدهم أياماً لا يجد طعاماً.

وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ، يعني ذهاب أموالهم، ويقال موت الماشية.

وَالْأَنْفُسِ، يعني الموت والقتل والأمراض.

وَالثَّمَراتِ نقصان الثمرات، فلا تخرج الثمرات كما كانت تخرج أو تصيبها الآفة.

ويقال: موت الثمرات هو موت الولد وهو ثمرة القلب.

ثم قال: وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، يعني الذين يصبرون على هذه المصائب والشدائد التي ذكرنا.

ثم وصفهم فقال تعالى: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ صبروا ولم يجزعوا، وقالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ، يعني يقولون: نحن عبيد الله وفي ملكه إن عشنا فعليه أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردنا وإليه راجعون بعد الموت، ونحن راضون بحكمه.

أُولئِكَ، يعني أهل هذه الصفة عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ.

والصلاة من الله تعالى على ثلاثة أشياء: توفيق الطاعة والعصمة عن المعصية ومغفرة الذنوب جميعاً، فبالصلاة الواحدة تتكون لهم هذه الأشياء الثلاثة، فقد وعد لهم الصلوات الكثيرة، ومقدار ذلك لا يعلمه إلا الله.

ثم قال: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ، أي الموفقون للاسترجاع.

وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: لم يكن الاسترجاع إلا لهذه الأمة، ألا ترى أن يعقوب-  - قال: يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ [يوسف: 84] فلو كان له الاسترجاع، لقال ذلك وروي عن عثمان بن عطاء، عن أبيه أنه قال: قال رسول الله  : «مَنْ ذَكَرَ مُصِيبَةً أَوْ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ فَاسْتَرْجَعَ، جَدَّدَ الله ثَوَابَهُ كَيَوْمِ أُصِيبَ بِهَا» .

وعن عطاء بن أبي رباح قال: قال رسول الله  : «مَنْ أَصَابَتْهُ مُصِيبَةٌ فَلْيَتَذَكَّرْ مُصِيبَتَهُ فِيَّ، فَإِنَّهَا مِنْ أعْظَمِ المَصَائِبِ» .

وروي هذان الحديثان، عن علي بن أبي طالب، عن رسول الله  أيضاً.

وروي عن عمر بن الخطاب-  - أنه قال: نعم العدلان ونعم العلاوة فالعدلان قوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ، والعلاوة قوله تعالى: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وَاشْكُرُوا لِي، أي: نعمي وأيادِيَّ، وَلا تَكْفُرُونِ: أي: نعمي وأياديَّ.

ت: وعن جابر قَالَ: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ مِنْ نِعْمَةٍ، فَقَالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ إِلاَّ وَقَدْ أدى شُكْرَهَا، فَإِنْ قالها الثانيةَ، جدَّد اللَّهُ لها ثوابَهَا، فَإن قالها الثالثةَ، غفر اللَّه له ذُنوبَه» رواه الحاكمُ في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيح»

.

انتهى من «السِّلاح» .

وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ، أي: بمعونته وإنجاده.

وقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ ...

الآية: سببها أن الناس قالوا فيمن قتل ببدر وأُحُدٍ من المؤمنين: مَاتَ فلانٌ، ماتَ فلانٌ، فكره اللَّه سبحانه أن تُحَطَّ منزلةُ الشهداءِ إِلى منزلة غيرهم، فنزلَتْ هذه الآية، وأيضاً: فإِن المؤمنين صَعْبٌ عليهم فراقُ إِخوانهم وقراباتِهِمْ، فنزلَتِ الآيةُ مسلِّية لهم، تعظِّم منزلة الشهداءِ، وتخبر عن حقيقةِ حالِهِمْ، فصاروا مغبوطين لا محزوناً لهم ويظهر ذلك من حديث أُمِّ حارثَةَ في السِّيَرِ.

ت: وخرَّجه البخاريُّ في «صحيحه» عن أنسٍ، قال: «أُصِيبَ حارثةُ يوم بَدْر أصابه غَرْبُ «٢» سَهْمٍ، وهو غلامٌ، فجاءَتْ أُمُّهُ إِلى النبيِّ صلّى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله/، قد

عَرَفْتَ مَنْزِلَةَ حَارِثَةَ مِنِّي، فَإِنْ يَكُ فِي الجَنَّةِ أَصْبِرْ، وَأَحْتَسِب، وَإِن تَكُن الأخرى، ترى مَا أَصْنَعُ، فَقَالَ: وَيْحَكِ، أَوَ هُبِلْتِ، أَو جَنَّةٌ وَاحِدَةٌ هَيَ إنَّهَا جِنَانٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى ...

» الحديثَ «١» .

انتهى.

ع «٢» : والفرق بين الشهيدِ وغيرهِ إِنما هو الرِّزْقُ، وذلك أنَّ اللَّه تعالى فضَّلهم بدوام حالِهِمُ التي كانَتْ في الدنيا فرزَقهُم.

ت: وللشهيدِ أحوالٌ شريفةٌ منها ما خرَّجه الترمذيُّ وابن ماجة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «لِلشَّهِيدِ عِنْد اللَّهِ سِتُّ خِصَالٍ: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دَفْعَةٍ، ويرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَيَأْمَنُ مِنَ الفَزَعِ الأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ على رَأْسِهِ تَاجُ الوَقَارِ، اليَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا، ومَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ الْعِينِ، وَيَشْفَعُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أقْرِبَائِهِ» .

قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ غريبٌ، زاد ابن ماجَة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» «٣» ، قال القرطبيُّ في «تذكرته» «٤» : هكذا وقع في نسخ الترمذيِّ وابن ماجة: «ستَّ خِصَالٍ» وهي في متن الحديث سَبْعٌ، وعلى ما في ابن ماجة: «ويحلى حُلَّةَ الإِيمَانِ» تكون ثمانياً، وكذا ذكره أبو بكر أحمد بن سَلْمَان النَّجَّاد «٥» بسنده عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم قال: «لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ ثَمَانِ خِصَالٍ» انتهى.

وخرّج الترمذيّ، والنسائيّ عنه صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «الشَّهِيدُ لاَ يَجِدُ أَلَمَ القَتْلِ إلاَّ كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ أَلَمَ القَرْصَةِ» «٦» انتهى.

ع «١» : روي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أنَّ أرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِنْ ثَمَرِ الجَنَّةِ» «٢» ، وروي: «أَنَّهُمْ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ» ، ورويَ: «أنهم في قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ» ، إِلى كثير من هذا، ولا محالة أنها أحوالٌ لِطَوَائِفَ، أو للجميع في أوقات متغايرة.

ت: وكذا ذكر شَبِيبُ بن إِبراهيم في كتاب «الإِفصاح» أنَّ المنعَّمين على جهاتٍ مختلفةٍ بحسب مقاماتهم وتفاوتهم في أعمالهم، قال صاحب «التذكرة» : وهذا قول حَسَنٌ، وبه يجمع بين الأخبار حتى لا تتدافع.

انتهى.

قال ع «٣» : وجمهور العلماء على أنهم في الجَنَّة ويؤيّده قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لأمِّ حَارِثَةَ: «إِنَّهُ فِي الفِرْدَوْسِ الأعلى» .

وقال مجاهد: هم خارجُ الجَنَّةِ ويعلَّقون من شجرِهَا «٤» ، وفي «مختصر الطبريِّ» ، قال: ونهى عزَّ وجَلَّ أنْ يقال لِمَنْ يقتلُ في سبيلِ اللَّهِ أموات، وأعلم سبحانه أنه أحياء،

ولكنْ لا شعورَ لَنَا بذلك إذ لا نُشَاهِدُ باطنَ أمرهم، وخُصُّوا مِنْ بين سائر المُؤمنين، بأنهم في البَرْزَخِ يرزَقُون من مطاعِم الجَنَّة ما يُرْزَقُ المؤمنون من أهْل الجنة على أنه قد ورد في الحديثِ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ يُعَلَّقُ فِي شَجَرِ الجَنَّةِ» ، ومعنى: «يُعَلَّق» : يأكل ومنه قوله: ما ذقْتُ عَلاقاً، أي: مأكلاً، فقد عم المؤمنين بأنهم يرزقُونَ في البرزخ من رزق الجنة، ولكن لا يمتنعُ أن يخصَّ الشهداء من ذلك بقَدْر لا يناله غيرهم، واللَّه أعلم.

انتهى.

وروى النسائيُّ أن رجلاً قال: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا بَالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُون فِي قُبُورِهِمُ إِلاَّ الشَّهِيدَ؟

قَالَ: كفى بِبَارِقَةِ السُّيُوفِ على رَأْسِهِ فِتْنَةً» «١» .

انتهى.

ت: وحديثُ: «إِنَّمَا نَسَمَةُ المُؤْمِنِ طَائِرٌ» خرَّجه مالك رحمه اللَّه.

قال الدَّاووديُّ: وحديث مالكٍ، هذا أصحُّ ما جاء في الأرواح، والذي روي أنها تجعل في حواصِلِ طيرٍ لا يصحُّ في النقل.

انتهى.

قال أبو عمر بن عبد البر في «التمهيد» «٢» : والأشبه قولُ من قال: كَطَيْرٍ أو كصُوَرِ طيرٍ لموافقته لحديثِ «الموطَّإ» ، هذا/ وأسند أبو عمر هذه الأحاديثَ، ولم يذكر مطعناً في ٤٠ أإسنادها.

انتهى.

ثم أعلمهم تعالى أن الدنيا دارُ بلاءٍ ومحنةٍ، ثم وعد على الصَّبْر، فقال:

وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ أي: نمتحنكم بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ، أي: من الأعداء في الحروبِ، وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ أي بالجوانحِ «٣» ، والمصائبِ، وَالْأَنْفُسِ بالموت، والقَتْل، وَالثَّمَراتِ بالعَاهَاتِ، والمرادُ بشيءٍ من هذا وشيءٍ من هذا، واكتفى بالأول إِيجازاً، ثم وصف سبحانه الصابرين الَّذين بشَّرهم بقوله: الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فجعل سبحانه هذه الكلماتِ ملجأً لذوي المصائبِ لما جمعتْ من المعاني المباركةِ من توحِيدِ اللَّهِ سبحانه، والإِقرار له بالعبودية، والبعثِ من القبور، واليقين

بأنَّ رجوع الأمر كلِّه إِليه كما هو له، قال الفَخْرُ «١» : قال أبو بَكْرٍ الوَرَّاق «٢» : إِنَّا لِلَّهِ:

إقرارٌ منَّا له بالمُلْكِ، وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ إِقرارٌ على أنفسنا بالهلاكِ.

واعلم أن قوله: إِنَّا لِلَّهِ يدلُّ على كونه راضيًا بكلِّ ما نَزَلَ به، ووردَتْ أخبارٌ كثيرة في هذا الباب عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم، فمنِ استرجع عند المصيبة، جَبَر اللَّه مصيبته، وأحْسَنَ عقباه، وجعل له خَلَفاً صالحاً يرضَاهُ.

انتهى.

وروي: «أنّ مصباح رسول الله صلّى الله عليه وسلم انطفأ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَقَالَ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، فَقِيلَ: أَمُصِيبَةٌ هِيَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: نَعَمْ كُلُّ مَا آذَى المُؤْمِنَ، فَهُوَ مُصِيبَةٌ» «٣» .

قال النوويُّ «٤» : ورُوِّينَا في «كتاب ابن السُّنِّيِّ» «٥» عن أبي هريرة، قال: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ليسترجعْ أحدُكُمْ في كلِّ شيء، حتى في شِسْعِ «٦» نَعْلِه فَإِنها من المصائِبِ» «٧» .

انتهى من «الحلية» .

وقوله تعالى: أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ ...

الآية: نِعَمٌ من اللَّه تعالى على الصابرين المسترجعين، وصلوات اللَّه على عبده: عفْوُهُ، ورحمتُه، وبركته، وتشريفه إِياه في الدنيا والآخرة، وكرَّر الرحْمَة، وهي من أعظم أجزاء الصلاة، لمَّا اختلف اللَّفْظ تأكيداً منه تعالى وشهد لهم بالاهتداء.

ت: وفي «صحيح البخاري» : وقال عُمَرُ: نِعْمَ العدلان، ونَعْمُ العِلاَوة «١» الَّذين إذا أصابتهم مصيبةٌ، قالوا: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ ...

إلى الْمُهْتَدُونَ «٢» ، قال النوويُّ في «الحلية» «٣» : ورُوِّينا في سنن ابن ماجة، والبيهقيِّ بإِسناد حَسَنٍ عن عمرو بن حزم «٤» عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَزِّي أَخَاهُ بِمُصِيبَةٍ إلّا كساه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُلَلِ الكَرَامَةِ يَوْم القِيَامَةِ» «٥» ، ورُوِّينا في كتاب الترمذيِّ، والسنن الكَبيِرِ للبيهقيِّ عن ابن مسعود عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عزى مُصَابًا، فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ» إسناده ضعيف «٦» ، وروّينا في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قالَ الفَرّاءُ: "مَن" تَدُلُّ عَلى أنَّ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنها شَيْئًا مُضْمَرًا، فَتَقْدِيرُهُ: بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ، وشَيْءٍ مِنَ الجُوعِ، وشَيْءٍ مِن نَقْصِ الأمْوالِ.

وَفِيمَن أُرِيدَ في هَذِهِ الآَيَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أصْحابُ النَّبِيِّ خاصَّةً، قالَهُ عَطاءٌ.

والثّانِي: أنَّهم أهْلُ مَكَّةَ.

والثّالِثُ: أنَّ هَذا يَكُونُ في آَخِرِ الزَّمانِ.

قالَ كَعْبٌ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ إلّا ثَمَرَةً.

والرّابِعُ: أنَّ الآَيَةَ عَلى عُمُومِها.

فَأمّا الخَوْفُ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وهو الفَزَعُ في القِتالِ.

والجُوعُ: المَجاعَةُ الَّتِي أصابَتْ أهْلَ مَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ.

ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ: ذَهابُ أمْوالِهِمْ، والأنْفُسِ بِالمَوْتِ والقَتْلِ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، والثَّمَراتُ لَمْ تُخْرُجْ كَما كانَتْ تَخْرُجُ.

وحَكى أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ عَنْ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ الخَوْفَ في الجِهادِ، والجُوعِ في فَرْضِ الصَّوْمِ، ونَقْصِ الأمْوالِ: ما فُرِضَ فِيها مِنَ الزَّكاةِ والحَجِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ.

والأنْفُسِ: ما يُسْتَشْهَدُ مِنها في القِتالِ، والثَّمَراتُ: ما فُرِضَ فِيها مِنَ الصَّدَقاتِ.

﴿ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ﴾ عَلى هَذِهِ البَلاوِي بِالجَنَّةِ.

واعْلَمْ أنَّهُ إنَّما أخْبَرَهم بِما سَيُصِيبُهم، لِيُوَطِّنُوا أنْفُسَهم عَلى الصَّبْرِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ أبْعَدَ بِهِمْ مِنَ الجَزَعِ.

﴿ قالُوا إنّا لِلَّهِ ﴾ يُرِيدُونَ: نَحْنُ عَبِيدُهُ يَفْعَلُ بِنا ما يَشاءُ ﴿ وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ يُرِيدُونَ: نَحْنُ مُقِرُّونَ بِالبَعْثِ والجَزاءِ عَلى أعْمالِنا، والثَّوابِ عَلى صَبْرِنا.

قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهم ﴿ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ ﴾ ولَوْ أُعْطِيها الأنْبِياءُ لَأُعْطِيها يَعْقُوبُ، ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِهِ: ﴿ يا أسَفى عَلى يُوسُفَ ﴾ قالَ الفَرّاءُ: ولِلْعَرَبِ في المُصِيبَةِ ثَلاثُ لُغاتٍ: مُصِيبَةٌ، ومُصابَةٌ، ومُصْوِبَةٌ، زَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّهُ سَمِعَ أعْرابِيًّا يَقُولُ: جَبَرَ اللَّهُ مُصْوِبَتَكَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكم واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَبْرِ والصَلاةِ إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ونَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَمَراتِ وبَشِّرِ الصابِرِينَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ ﴾ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُونِي بِالطاعَةِ أذْكُرُكم بِالثَوابِ والمَغْفِرَةِ.

أيِ اذْكُرُونِي عِنْدَ كُلِّ أُمُورِكم فَيَحْمِلُكم خَوْفِي عَلى الطاعَةِ فَأذْكُرُكم حِينَئِذٍ بِالثَوابِ.

وقالَ الرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: المَعْنى: اذْكُرُونِي بِالدُعاءِ والتَسْبِيحِ ونَحْوِهِ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: ابْنُ آدَمَ: اذْكُرْنِي في الرَخاءِ أذْكُرُكَ في الشِدَّةِ»، وفي حَدِيثٍ آخَرَ: «إنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ: وإذا ذَكَرَنِي عَبْدِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ مِنهم»، ورُوِيَ: إنَّ الكافِرَ إذا ذَكَرَ اللهَ ذَكَرَهُ اللهُ بِاللَعْنَةِ والخُلُودِ في النارِ، وكَذَلِكَ العُصاةُ يَأْخُذُونَ بِحَظٍّ مِن هَذا المَعْنى، ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى أوحى إلى مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ: "قُلْ لِلْعاصِينَ لا يَذْكُرُونِي".

﴿ واشْكُرُوا لِي ﴾ واشْكُرُونِي بِمَعْنًى واحِدٍ، ولِي: أشْهَرُ وأفْصَحُ مَعَ الشُكْرِ.

ومَعْناهُ: نِعَمِي وأيادِيِّ، وكَذَلِكَ إذا قُلْتَ: شَكَرْتُكَ فالمَعْنى: شَكَرْتُ صَنِيعَكَ وذَكَرْتُهُ، فَحُذِفَ المُضافُ إذْ مَعْنى الشُكْرِ ذِكْرُ اليَدِ وذِكْرُ مُسْدِيها مَعًا، فَما حُذِفَ مِن ذَلِكَ فَهو اخْتِصارٌ لِدَلالَةِ ما بَقِيَ عَلى ما حُذِفَ.

و"تَكْفُرُونِ" أيْ نِعَمِي وأيادِيَّ، وانْحَذَفَتْ نُونُ الجَماعَةِ لِلْجَزْمِ، وهَذِهِ نُونُ المُتَكَلِّمِ، وحُذِفَتِ الياءُ الَّتِي بَعْدَها تَخْفِيفًا لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ، ولَوْ كانَ نَهْيًا عَنِ الكُفْرِ ضِدُّ الإيمانِ لَكانَ "وَلا تَكْفُرُوا" بِغَيْرِ النُونِ.

و"يا" حَرْفُ نِداءٍ، و"أيْ" مُنادى، و"ها" تَنْبِيهٌ، وتَجْلِبُ "أيْ" فِيما فِيهِ الألِفُ واللامُ، لِأنَّ في حَرْفِ النِداءِ تَعْرِيفًا ما فَلَوْ لَمْ تُجْلَبْ "أيْ" لاجْتَمَعَ تَعْرِيفانِ.

وقالَ قَوْمٌ: "الصَبْرُ": الصَوْمُ، ومِنهُ قِيلَ لِرَمَضانَ: شَهْرُ الصَبْرِ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى الِاسْتِعانَةِ بِالصَبْرِ والصَلاةِ.

واخْتِصارُهُ أنَّهُما رادِعانِ عَنِ المَعاصِي.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ اللهَ مَعَ الصابِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: بِمَعُونَتِهِ وإنْجادِهِ، فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، كَما «قالَ رَسُولُ اللهِ  لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ».

وكَما قالَ: «ارْمُوا وأنا مَعَ بَنِي فُلانٍ» الحَدِيثُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللهِ ﴾ الآيَةُ.

سَبَبُها أنَّ الناسَ قالُوا فِيمَن قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ: ماتَ فُلانٌ، وماتَ فُلانٌ.

فَكَرِهَ اللهُ أنَّ تُحَطَّ مَنزِلَةُ الشُهَداءِ إلى مَنزِلَةِ غَيْرِهِمْ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وأيْضًا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ صَعُبَ عَلَيْهِمْ فِراقُ إخْوانِهِمْ وقَراباتِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُسَلِّيَةً لَهُمْ، تُعَظِّمُ مَنزِلَةَ الشُهَداءِ، وتُخْبِرُ عن حَقِيقَةِ حالِهِمْ، فَصارُوا مَغْبُوطِينَ لا مَحْزُونًا لَهُمْ، ويُبَيِّنُ ذَلِكَ مِن حَدِيثِ أُمِّ حارِثَةَ في السَيْرِ.

والفَرْقُ بَيْنَ الشَهِيدِ وغَيْرِهِ إنَّما هو الرِزْقُ، وذَلِكَ أنَّ اللهَ تَعالى فَضَّلَهم بِدَوامِ حالِهِمُ الَّتِي كانَتْ في الدُنْيا فَرَزَقَهُمْ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  في ذَلِكَ «أنَّ أرْواحَ الشُهَداءِ في حَواصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ تُعَلَّقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ»، ورُوِيَ أنَّهم في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ إلى كَثِيرٍ مِن هَذا ولا مَحالَةَ أنَّها أحْوالٌ لِطَوائِفَ، أو لِلْجَمِيعِ في أوقاتٍ مُتَغايِرَةٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ عَلى أنَّهم في الجَنَّةِ، ويُؤَيِّدُهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  لِأُمِّ حارِثَةَ: إنَّهُ في الفِرْدَوْسِ الأعْلى»، وقالَ مُجاهِدٌ: هم خارِجُ الجَنَّةِ، ويُعَلَّقُونَ مِن شَجَرِها.

و"أمْواتٌ" رُفِعَ بِإضْمارِ الِابْتِداءِ، والتَقْدِيرُ: هم أمْواتٌ، ولا يَجُوزُ إعْمالُ القَوْلِ فِيهِ، لِأنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ تَناسُبٌ، كَما يَصِحُّ في قَوْلِكَ: قُلْتُ كَلامًا وحُجَّةً.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ ﴾ ، أيْ قَبْلَ أنْ نُشْعِرَكم.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ" الآيَةُ.

أمَرَ تَعالى بِالِاسْتِعانَةِ بِالصَبْرِ والصَلاةِ وأخْبَرَ أنَّهُ مَعَ الصابِرِينَ، ثُمَّ اقْتَضَتِ الآيَةُ بَعْدَها مِن فَضْلِ الشُهَداءِ ما يُقَوِّي الصَبْرَ عَلَيْهِمْ ويُخَفِّفُ المُصِيبَةَ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ مِن هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي لا تُتَلَقّى إلّا بِالصَبْرِ، أشْياءٌ تُعْلِمُ أنَّ الدُنْيا دارَ بَلاءٍ ومِحَنٍ، أيْ فَلا تُنْكِرُوا فِراقَ الإخْوانِ والقَرابَةِ، ثُمَّ وعَدَ الصابِرِينَ أجْرًا.

وقالَ عَطاءٌ، والجُمْهُورٌ، إنَّ الخِطابَ في هَذِهِ الآيَةِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  ، وقِيلَ: الخِطابُ لِقُرَيْشٍ وحَلَّ ذَلِكَ بِهِمْ، فَهي آيَةٌ لِلنَّبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والأوَّلُ أظْهَرُ.

﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ ﴾ مَعْناهُ: لَنَمْتَحِنَنَّكُمْ، وحُرِّكَتِ الواوُ لِالتِقاءِ الساكِنَيْنِ، وقِيلَ: الفِعْلُ مَبْنِيٌّ وهو مَعَ النُونِ الثَقِيلَةِ بِمَنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَرَ.

و"الخَوْفِ": يَعْنِي مِنَ الأعْداءِ في الحُرُوبِ، و"الجُوعِ": الجَدْبُ والسِنَةُ، وأمّا الحاجَةُ إلى الأكْلِ فَإنَّما اسْمُها الغَرْثُ، وقَدِ اسْتَعْمَلَ فِيهِ المُحْدَثُونَ الجُوعَ اتِّساعًا، ونَقْصُ الأمْوالِ: بِالجَوائِحِ والمَصائِبِ.

و"الأنْفُسِ": بِالمَوْتِ والقَتْلِ.

و"الثَمَراتِ": بِالعاهاتِ ونَزْعِ البَرَكَةِ.

فالمُرادُ: بِشَيْءٍ مِن هَذا، وشَيْءٍ مِن هَذا، فاكْتَفى بِالأوَّلِ إيجازًا ولِذَلِكَ وحَّدَ.

وقَرَأ الضَحّاكُ "بِأشْياءَ" عَلى الجَمْعِ، والمَعْنى قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِن بَعْضٍ.

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّما المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ مُؤَنُ الجِهادِ وكُلَفُهُ، فالخَوْفُ مِنَ العَدُوِّ، والجُوعُ بِهِ وبِالأسْفارِ إلَيْهِ، ونَقْصُ الأمْوالِ بِالنَفَقاتِ فِيهِ، والأنْفُسُ بِالقَتْلِ، والثَمَراتُ بِإصابَةِ العَدُوِّ لَها، أو بِالغَفْلَةِ عنها بِسَبَبِ الجِهادِ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى الصابِرِينَ الَّذِينَ بَشَّرَهم بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ ﴾ الآيَةُ، وجَعَلَ هَذِهِ الكَلِماتِ مَلْجَأً لِذَوِي المَصائِبِ، وعِصْمَةً لِلْمُمْتَحِنِينَ، لِما جَمَعَتْ مِنَ المَعانِي المُبارَكَةِ وذَلِكَ: تَوْحِيدُ اللهِ، والإقْرارُ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ، والبَعْثُ مِنَ القُبُورِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لَمْ يُعْطَ هَذِهِ الكَلِماتِ نَبِيٌّ قَبْلَ نَبِيِّنا، ولَوْ عَرَفَها يَعْقُوبُ لَما قالَ: يا أسَفا عَلى يُوسُفَ، ورُوِيَ «أنَّ مِصْباحَ رَسُولِ اللهِ  انْطَفَأ ذاتَ لَيْلَةٍ فَقالَ: ﴿ إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ ، فَقِيلَ: أمُصِيبَةٌ هي يا رَسُولَ اللهِ؟

قالَ: "نَعَمْ.

كُلُّ ما آذى المُؤْمِنَ فَهي مُصِيبَةٌ».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ ﴾ الآيَةُ، نَعَمْ مِنَ اللهِ عَلى الصابِرِينَ المُسْتَرْجِعِينَ.

وصَلَواتُ اللهِ عَلى عَبْدِهِ: عَفْوُهُ ورَحْمَتُهُ، وبَرَكَتُهُ، وتَشْرِيفُهُ إيّاهُ في الدُنْيا والآخِرَةِ، وكَرَّرَ الرَحْمَةَ لَمّا اخْتُلِفَ اللَفْظُ تَأْكِيدًا، وهي مِن أعْظَمِ أجْزاءِ الصَلاةِ مِنهُ تَعالى.

وشَهِدَ لَهم بِالِاهْتِداءِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: نِعْمَ العَدْلانِ، ونِعْمَ العِلاوَةُ.

أرادَ بِالعَدْلَيْنِ الصَلاةَ والرَحْمَةَ، وبِالعِلاوَةِ الِاهْتِداءُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف: ولنبلونكم وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف والجوع وَنَقْصٍ مِّنَ الاموال والانفس والثمرات } على قوله: ﴿ استعينوا بالصبر والصلوات ﴾ [البقرة: 153] عَطْفَ المقصد على المقدمة كما أشرنا إليه قبل، ولك أن تجعل قوله: ﴿ ونبلونكم ﴾ عطفاً على قوله: ﴿ ولأُتم نعمتي عليكم ﴾ [البقرة: 150] الآيات ليُعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقيناً بأن اتِّباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حُظوظ في الدنيا، وينجر لهم من ذلك ثواب، ولذلك جاء بعده ﴿ وبشر الصابرين ﴾ وجعل قوله: ﴿ يأيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلوات ﴾ [البقرة: 153] الآية بين هذين المتعاطفين ليكون نصيحة لعلاج الأمرين تمام النعمة والهدى والابتلاء، ثم أعيد عليه ما يصير الجميع خبراً بقوله: ﴿ وبشر الصابرين ﴾ .

وجيءَ بكلمة (شيءٍ) تهويناً للخبر المفجع، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة، كما في قوله: ﴿ فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ﴾ [النحل: 112] ولذلك جاء هنا بكلمة (شيءٍ) وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن، وهو أن استعار لها اللباس الملازم لللاَّبس، لأن كلمة (شيء) من أسماء الأجناس العالية العامَّة، فإذا أضيفت إلى اسم جنس أو بينت به علم أن المتكلم ما زاد كلمة (شيء) قبل اسم ذلك الجنس إلاّ لقصد التقليل لأن الاقتصار على اسم الجنس الذي ذكره المتكلم بعدها لو شاء المتكلم لأغنى غَناءَها، فما ذكر كلمة شيء إلاّ والقصد أن يدل على أن تنكير اسم الجنس ليس للتعظيم ولا للتنويع، فبقي له الدلالة على التحقير وهذا كقول السّريّ مخاطباً لأبي إسحاق الصابي: فشيئاً من دَممِ العُنْقُو *** دِ أَجعله مكان دَمي () فقول الله تعالى: ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ عُدول عن أن يقول بخوف وجوع أما لو ذكر لفظ شيء مع غير اسممِ جنسسٍ كما إذا أُتبع بوصف أو لم يتبع أو أضيف لغير اسم جنس فهو حينئذٍ يدل على مطلق التنويع نحو قول قُحَيط العِجْلي: فلا تَطْمَعْ أَبَيْتَ اللعْنَ فيها *** ومَنْعُكها بشيء يستطاع فقد فسره المرزوقي وغيره بأن معنى بشيء بمَعْنًى من المعاني من غلبة أو معازَّةٍ أو فداء أو نحو ذلك اه.

وقد يكون بيان هذه الكلمة محذوفاً لدلالة المقام، كقوله تعالى: ﴿ فمن عفى له من أخيه شيء ﴾ [البقرة: 178] فهو الدية على بعض التفاسير أو هو العفو على تفسير آخر، وقول عمر بن أبي ربيعة: ومِنْ ماليءٍ عينيه من شيءٍ غيرهِ *** إذَا راح نحو الجمرَةِ البيضُ كالدمى أي من محاسن امرأة غير امرأته.

وقول أبي حَيَّة النُّمَيْري: إذا ما تقاضَى المرءَ يومٌ وليلةٌ *** تَقاضَاه شيءٌ لا يَمَلُّ التقاضيا أي شيء من الزمان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً ﴾ [آل عمران: 10] أي من الغَنَاء.

وكَأَنَّ مراعاة هذين الاستعمالين في كلمة شيء هو الذي دعَا الشيخَ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» إلى الحكم بحسن وقع كلمة شيء في بيت ابن أبي ربيعة وبيتتِ أبي حية النميري، وبِقلَّتها وتضاؤُلها في قول أبي الطيب: لو الفَلكُ الدوَّار أبْغَضْتَ سَعْيَهُ *** لعَوَّقَهُ شيءٌ عن الدَّوَرَانِ لأنها في بيت أبي الطيب لا يتعلق بها معنى التقليل كما هو ظاهر ولا التنويع لقلة جدوى التنويع هنا إذ لا يجهل أحد أن معوِّقَ الفلك لا بد أن يكون شيئاً.

والمراد بالخوف والجوع وما عطف عليهما معانيها المتبادرة وهي ما أصاب المسلمين من القلة وتألب المشركين عليهم بعد الهجرة، كما وقع في يوم الأحزاب إذ جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وأما الجوع فكما أصابهم من قلة الأزواد في بعض الغزوات، ونقص الأموال ما ينشأ عن قلة العناية بنخيلهم في خروجهم إلى الغزو، ونقص الأنفس يكون بقلة الولادة لبعدهم عن نسائهم كما قال النابغة: شعب العلافيات بين فروجهم *** والمحصنات عوازب الأطهار وكما قال الأعشى يمدح هوذة بن علي صاحب اليمامة بكثرة غزواته: أفى كل عام أنت حاشم غزوة *** تَشُد لأقصاها عزيم عزائكا مورِّثةٍ مالاً وفي المَجْدِ رِفْعَةً *** لما ضاع فيها من قُروء نسائك وكذلك نقص الأنفس بالاستشهاد في سبيل الله، وما يصيبهم في خلال ذلك وفيما بعده من مصائب ترجع إلى هاته الأمور.

والكلام على الأموال يأتي عند قوله تعالى: ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [البقرة: 188] في هذه السورة وعند قوله: ﴿ إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ﴾ [آل عمران: 10] في سورة آل عمران.

وجملة: ﴿ وبشر الصابرين ﴾ معطوفة على ﴿ ولنبلونكم ﴾ ، والخطاب للرسول عليه السلام بمناسبة أنه ممن شمله قوله: ﴿ ولنبلونكم ﴾ وهو عطف إنشاء على خبر ولا ضير فيه عند من تحقق أساليب العرب ورأى في كلامهم كثرة عطف الخبر على الإنشاء وعكسه.

وأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة التبشير على لسان الرسول تكريماً لشأنه، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته، فلذلك كان من لطائف القرآن إسنادُ البلوى إلى الله بدون واسطة الرسول، وإسنادُ البِشارة بالخير الآتي من قِبَل الله إلى الرسول.

والكلام على الصبر وفضائله تقدم في قوله تعالى: ﴿ واستعينوا بالصبر والصلوات ﴾ [البقرة: 45].

ووصفُ الصابرين بأنهم: ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا ﴾ الخ لإفادة أن صبرهم أكمل الصبر إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى إذ يعلمون عند المصيبة أنهم مِلْك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء فلا يجزعون مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك، فالمراد من القول هنا القولُ المطابق للاعتقاد إذ الكلام إنما وُضع للصدق، وإنما يكون ذلك القول معتبراً إذا كان تعبيراً عما في الضمير فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها فضل وإنما هو كالذي ينعق بما لا يَسْمَع، وقد علَّمهم الله هذه الكلمة الجامعة لتكون شعارهم عند المصيبة، لأن الاعتقاد يقوى بالتصريح لأن استحضار النفس للمدرَكات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحِسّ، ولأن في تصريحهم بذلك إعلاناً لهذا الاعتقاد وتعليماً له للناس.

والمصيبة يأتي الكلام عليها عند قوله تعالى: ﴿ فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي ﴾ [النساء: 72] في سورة النساء.

والتوكيد بإنّ في قولهم: ﴿ إنا لله ﴾ لأن المقام مقام اهتمام، ولأنه ينزل المصاب فيه منزلة المنكر كونه مِلْكاً لله تعالى وعبداً له إذ تنسيه المصيبة ذلك ويحول هولها بينه وبين رشده، واللام فيه للملك.

والإتيان باسم الإشارة في قوله: ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ﴾ للتنبيه على أن المشار إليه هو ذلك الموصوف بجميع الصفات السابقة على اسم الإشارة، وأن الحكم الذي يرد بعد اسم الإشارة مترتب على تلك الأوصاف مثل: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] وهذا بيان لجزاء صبرهم.

والصلوات هنا مجاز في التزكيات والمغفرات ولذلك عطفت عليها الرحمة التي هي من معاني الصلاة مجازاً في مثل قوله تعالى: ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي ﴾ [الأحزاب: 56].

وحقيقة الصلاة في كلام العرب أنها أقوال تنبئ عن محبة الخير لأحد، ولذلك كان أشهر معانيها هو الدعاء وقد تقدم ذلك في قوله تعالى: ﴿ ويقيمون الصلاة ﴾ [البقرة: 3] ولأجل ذلك كان إسناد هذا الفعل لمن لا يُطلب الخير إلاّ منه متعيناً للمجاز في لازم المعنى وهو حصول الخير، فكانت الصلاة إذا أسندت إلى الله أو أضيفت إليه دالةً على الرحمة وإيصال ما به النفع من رحمة أو مغفرة أو تزكية.

وقوله: ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ بيان لفضيلة صفتهم إذا اهتدوا لِمَا هو حقُّ كل عبْد عارف فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجباً عن التحقق في مقام الصبر، لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون المصائب سبباً في اعتراضهم على الله أو كفرهم به أو قول ما لا يليق أو شكهم في صحة ما هم عليه من الإسلام، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضيَّ للَّه لما لَحِقَنا عذاب ومصيبة، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذَّرنا الله أمْرَهم بقوله: ﴿ وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ﴾ [الأعراف: 131] وقال في المنافقين: ﴿ وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ﴾ [النساء: 78]، والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة، وأما مصائب الدنيا فمسببة عن أسباب دنيوية، تعرض لعروض سببها، وقد يجعل الله سبب المصيبة عقوبة لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة، وقد تكون لرفع درجات النفس، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلاّ الله تعالى وقد يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها، ولله تعالى في الحالين لُطف ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ، لِما تَقَدَّمَ مِن دُعاءِ النَّبِيِّ  أنْ يَجْعَلَها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ حِينَ قَحِطُوا سَبْعَ سِنِينَ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى مُجِيبًا لِدُعاءِ نَبِيِّهِ: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ ﴾ الخَوْفُ يَعْنِي الفَزَعَ في القِتالِ، والجُوعُ يَعْنِي المَجاعَةَ بِالجَدْبِ.

﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الأمْوالِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: نَقْصُها بِالجَوائِحِ المُتْلِفَةِ.

والثّانِي: زِيادَةُ النَّفَقَةِ في الجَدْبِ.

﴿ والأنْفُسِ ﴾ يَعْنِي ونَقْصَ الأنْفُسِ بِالقَتْلِ والمَوْتِ.

﴿ والثَّمَراتِ ﴾ قِلَّةُ النَّباتِ وارْتِفاعُ البَرَكاتِ.

﴿ وَبَشِّرِ الصّابِرِينَ ﴾ يَحْتَمِلُ ثَلاثَةَ أوْجُهٍ: أحَدُها: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الجِهادِ بِالنَّصْرِ.

والثّانِي: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى الطّاعَةِ بِالجَزاءِ.

والثّالِثُ: وبَشِّرِ الصّابِرِينَ عَلى المَصائِبِ بِالثَّوابِ، وهو أشْبَهُ لِقَوْلِهِ مِن بَعْدُ: ﴿ الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ يَعْنِي: إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ في نَفْسٍ أوْ أهْلٍ أوْ مالٍ قالُوا: إنّا لِلَّهِ: أيْ نُفُوسُنا وأهْلُونا وأمْوالُنا لِلَّهِ، لا يَظْلِمُنا فِيما يَصْنَعُهُ بِنا ﴿ وَإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ ﴾ يَعْنِي بِالبَعْثِ في ثَوابِ المُحْسِنِ ومُعاقَبَةِ المُسِيءِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى في هَؤُلاءِ: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ ﴾ الصَّلاةُ اسْمٌ مُشْتَرَكُ المَعْنى فَهي مِنَ اللَّهِ تَعالى الرَّحْمَةُ، ومِنَ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ، ومِنَ النّاسِ الدُّعاءُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ وقالَ الشّاعِرُ: صَلّى عَلى يَحْيى وأشْياعِهِ رَبٌّ كَرِيمٌ وشَفِيعٌ مُطاعُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ﴾ أيْ رَحْمَةٌ، وذَكَرَ ذَلِكَ بِلَفْظِ الجَمْعِ لِأنَّ بَعْضَها يَتْلُو بَعْضًا.

ثُمَّ قالَ: ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ فَأعادَها مَعَ اخْتِلافِها لِلَّفْظَيْنِ لِأنَّهُ أوْكَدُ وأبْلَغُ كَما قالَ: ﴿ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ ﴾ وجْهانِ مُحْتَمَلانِ: أحَدُهُما: المُهْتَدُونَ إلى تَسْهِيلِ المَصائِبِ وتَخْفِيفِ الحُزْنِ.

والثّانِي: المُهْتَدُونَ إلى اسْتِحْقاقِ الثَّوابِ وإجْزالِ الأجْرِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولنبلونكم...

﴾ الآية.

قال: أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال: ﴿ وبشر الصابرين ﴾ .

وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبل الهدى.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه» .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿ ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ﴾ قال: هم أصحاب محمد عليه السلام.

وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن جويبر قال: كتب رجل إلى الضحاك يسأله عن هذه الآية ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ أخاصة هي أم عامة؟

فقال: هي لمن أخذ بالتقوى، وأدى الفرائض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ ولنبلونكم ﴾ قال: ولنبتلينكم يعني المؤمنين ﴿ وبشر الصابرين ﴾ قال: على أمر الله في المصائب، يعني بشرهم بالجنة ﴿ أولئك عليهم ﴾ يعني على من صبر على أمر الله عند المصيبة ﴿ صلوات ﴾ يعني مغفرة ﴿ من ربهم ورحمة ﴾ يعني رحمة لهم وأمنة من العذاب ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ يعني من المهتدين بالاسترجاع عند المصيبة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله: ونقص من الثمرات.

قال: يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق رجاء بن حيوة عن كعب.

مثله.

وأخرج الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «اعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ » .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي في شعب الإِيمان عن سعيد بن جبير قال: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة شيئاً لم تعطه الأنبياء قبلهم، ولو أعطيها الأنبياء لأعطيها يعقوب إذ يقول: يا أسفى على يوسف ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ لفظ البيهقي قال: لم يعط أحد من الأمم الاسترجاع غير هذه الأمة، أما سمعت قول يعقوب؟: يا أسفي على يوسف.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ قال: من استطاع أن يستوجب لله في مصيبته ثلاثاً الصلاة والرحمة والهدى فليفعل ولا قوة إلا بالله، فإنه من استوجب على الله حقاً بحق أحقه الله له، ووجد الله وفياً.

وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي الدنيا في كتاب العزاء وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب قال: نعم العدلان ونعم العلاوة ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ﴾ نعم العدلان ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ نعم العلاوة.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو قال: أربع من كن فيه بنى الله له بيتاً في الجنة: من كان عصمة أمره لا إله إلا الله، وإذا أصابته مصيبة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وإذا أعطي شيئاً قال: الحمد لله، وإذا أذنب ذنباً قال: استغفر الله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صبر على المصيبة حتى يردها بحسن عزائها كتب الله له ثلثمائة درجة، ما بين الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن يونس بن يزيد قال: سألت ربيعة بن أبي عبد الرحمن ما منتهى الصبر؟

قال: يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الاعتبار عن عمر بن عبد العزيز.

أن سليمان بن عبد الملك قال له عند موت ابنه: أيصبر المؤمن حتى لا يجد لمصيبته ألماً؟

قال: يا أمير المؤمنين لا يستوي عندك ما تحب وما تكره، ولكن الصبر معول المؤمن.

وأخرج أحمد وابن ماجة والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسين بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيذكرها وإن طال عهدها، فيحدث لذلك استرجاعاً إلا حدد الله له عند ذلك فأعطاه مثل أجرها يوم أصيب» .

وأخرج سعيد بن منصور والعقيلي في الضعفاء من حديث عائشة.

مثله.

وأخرج الحكيم الترمذي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من نعمة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الحمد إلا جدد الله له ثوابها، وما من مصيبة وإن تقادم عهدها فيجدد لها العبد الاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها وأجرها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن سعيد بن المسيب رفعه «من استرجع بعد أربعين سنة أعطاه الله ثواب مصيبته يوم أصيبها» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن كعب قال: ما من رجل تصيبه مصيبة فيذكرها بعد أربعين سنة فيسترجع إلا أجرى الله له أجرها تلك الساعة، كما أنه لو استرجع يوم أصيب.

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن أم سلمة قالت: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لقد سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم قولاً سررت به قال: «لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته، ثم يقول: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا فعل ذلك به.

قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفي أبو سلمة استرجعت، فقلت: اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها، ثم رجعت إلى نفسي وقلت من أين لي خير من أبي سلمة؟

فأبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج مسلم عن أم سلمة قالت «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها إلا آجره الله في مصيبته وأخلف له خيراً منها.

قالت: فلما توفي أبو سلمة قلت كما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخلف الله لي خيراً منه، رسول الله صلى الله عليه وسلم» .

وأخرج أحمد والترمذي وحسنه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟

فيقولون: نعم.

فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟

فيقولون: نعم.

فيقول: ماذا قال عبدي؟

فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله، ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بيت الحمد» .

وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للموت فزعاً، فإذا أتى أحدكم وفاة أخيه فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون وإنا إلى ربنا لمنقلبون» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن أبي بكر بن أبي مريم سمعت أشياخنا يقولون: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أهل المصيبة لتنزل بهم فيجزعون وتسور عنهم فيمر بها مار من الناس، فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فيكون فيها أعظم أجراً من أهلها» .

وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن أبي أمامة قال: «انقطع قبال النبي صلى الله عليه وسلم فاسترجع فقالوا: مصيبة يا رسول الله؟

فقال: ما أصاب المؤمن مما يكره فهو مصيبة» .

وأخرج البزار بسند ضعيف والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا انقطع شسع أحدكم فليسترجع فإنها من المصائب» .

وأخرج البزار بسند ضعيف عن شداد بن أوس مرفوعاً.

مثله.

وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء عن شهر بن حوشب رفعه قال: «من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: من انقطع شسعه فليقل إنا لله وإنا إليه راجعون، فإنها مصيبة.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن عوف بن عبد الله قال: كان ابن مسعود يمشي فانقطع شسعه فاسترجع فقيل: يسترجع على مثل هذا؟

قال: مصيبة.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن أبي شيبة وهناد وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن عمر بن الخطاب.

إنه انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقيل له: ما لك؟!

فقال: انقطع شسعي فساءني، وما ساءك فهو لك مصيبة.

وأخرج ابن أبي الدنيا في الأمل والديلمي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً اتخذ قبالاً من حديد فقال: أما أنت أطلت الأمل، إن أحدكم إذا انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون كان عليه من ربه الصلاة والهدى والرحمة، وذلك خير له من الدنيا» .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في العزاء عن عكرمة قال: «طفئ سراج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقيل: يا رسول الله أمصيبة هي؟

قال: نعم، وكل ما يؤذي المؤمن فهو مصيبة له وأجر» .

وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: «بلغني أن المصباح طفئ فاسترجع النبي صلى الله عليه وسلم قال: كل ما ساءك مصيبة» .

وأخرج الطبراني وسمويه في فوائده عن أبي أمامة قال: «خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فانقطع شسع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

فقال له رجل: هذا الشسع؟!

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها مصيبة» .

وأخرج ابن السني في عمل يوم وليلة عن أبي ادريس الخولاني قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يمشي هو وأصحابه إذا انقطع شسعه فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال: ومصيبة هذه؟!

قال: نعم، كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة» .

وأخرج الديلمي عن عائشة قالت «أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لدغته شوكة في ابهامه، فجعل يسترجع منها ويمسحها، فلما سمعت استرجاعه دنوت منه فنظرت، فإذا أثر حقير فضحكت!، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أكل هذا الاسترجاع من أجل هذه الشوكة؟!

فتبسم ثم ضرب على منكبي فقال: يا عائشة إن الله عز وجل إذا أراد أن يجعل الصغير كبيراً جعله، وإذا أراد أن يجعل الكبير صغيراً جعله» .

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: إذا فاتتك صلاة في جماعة فاسترجع، فإنها مصيبة.

وأخرج عبد بن حميد عن سواد بن داود.

أن سعيد بن المسيب جاء وقد فاتته الصلاة في الجماعة، فاسترجع حتى سمع صوته خارجاً من المسجد.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصبر عند الصدمة الأولى، والعبرة لا يملكها ابن آدم صبابة المرء إلى أخيه» .

وأخرج ابن سعد عن خيثمة قال: لما جاء عبد الله بن مسعود نعي أخيه عتبة دمعت عيناه فقال: إن هذه رحمة جعلها الله لا يملكها ابن آدم.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة تبكي على صبي لها فقال لها: اتقي الله واصبري.

فقالت: وما تبالي أنت مصيبتي؟

فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد عليه بوابين فقالت: لم أعرفك يا رسول الله!

فقال: إنما الصبر عند أوّل صدمة» .

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما مسلمين مضى لهما ثلاثة من أولادهما لم يبلغوا حنثاً كانوا لهما حصناً حصيناً من النار.

قال: أبو ذر مضى لي اثنان.

قال: واثنان.

قال أبو المنذر سيد القراء: مضى لي واحد يا رسول الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وواحد وذلك في الصدمة الأولى» .

وأخرج عبد بن حميد عن كريب بن حسان قال: توفي رجل منا فوجد به أبوه أشد الوجد، فقال له رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له حوشب: ألا أحدثكم بمثلها شهدتها من النبي صلى الله عليه وسلم، كان رجل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ابن له توفي، فوجد به أبوه أشد الوجد.

قال النبي صلى الله عليه وسلم «ما فعل فلان؟

قالوا: يا رسول الله توفي ابنه الذي كان يختلف معه إليك.

فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأجرى الغلمان جرياً، يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأنشط الغلمان نشاطاً، يا فلان أيسرك أن ابنك عندك كأجود الكهول كهلاً، أو يقال لك أدخل الجنة ثواب ما أخذ معك» .

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والنسائي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: «كان رجل يختلف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه بني له فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم: أتحبه؟

قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحبك الله كما أحبه.

ففقده رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعل ابن فلان؟

قالوا: مات.

قال: فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أما تحب أن لا تأتي باباً من أبواب الجنة تستفتحه إلا جاء يسعى حتى يفتحه لك؟

قالوا: يا رسول الله أله وحده أم لكلنا؟

قال: بل لكلكم» .

وأخرج البخاري عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما لعبدي المؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا، ثم احتسبه إلا الجنة» .

وأخرج مالك في الموطأ والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما يزال المؤمن يصاب في ولده وحاجته حتى يلقى الله وليست له خطيئة» .

وأخرج أحمد والطبراني عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على الله وجبت له الجنة» .

وأخرج البزار والحاكم وصححه عن بريدة قال: «كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه أن امرأة من الأنصار مات ابن لها فجزعت عليه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أصحابه، فلما دخل عليها قال: أما أنه قد بلغني أنك جزعت؟

فقالت: ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟!

فقال: إنما الرقوب التي يعيش ولدها، إنه لا يموت لامرأة مسلمة ثلاثة من الولد فتحتسبهم إلا وجبت لها الجنة.

فقال عمر: واثنين؟

قال: واثنين» .

وأخرج مالك في الموطأ عن أبي النضر السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فيحتسبهم إلا كانوا له جنة من النار.

فقالت امرأة: أو اثنان...؟

قال: أو اثنان» .

وأخرج أحمد والبيهقي في شعب الإِيمان عن جابر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات له ثلاثة من الولد فاحتسبهم دخل الجنة.

فقالت امرأة: واثنين...؟

قال: واثنين» .

وأخرج أحمد عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلمين يتوفى لهما ثلاثة إلا أدخلهما الله الجنة بفضل رحمته إياهم.

فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو اثنان...؟

قال: أو اثنان.

قالوا: أو واحد...؟

قال أو واحد.

ثم قال: والذي نفسي بيده إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة إذا احتسبته» .

وأخرج الطبراني عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من دفن ثلاثة فصبر عليهم واحتسب وجبت له الجنة.

فقالت أم أيمن: واثنين...؟

قال: واثنين.

قالت: أو واحد...؟

فسكت ثم قال: وواحد» .

وأخرج أحمد وابن قانع في معجم الصحابة وابن منده في المعرفة عن حوشب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مات له ولد فصبر واحتسب قيل له: ادخل الجنة بفضل ما أخذنا منك» .

وأخرج النسائي وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان لا إله إلا الله، والله أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، والولد الصالح يتوفى للمرء فيحتسبه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في العزاء والبيهقي عن أنس قال: «توفي ابن لعثمان بن مظعون فاشتد حزنه عليه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن للجنة ثمانية أبواب وللنار سبعة أبواب، أفما يسرك أن لا تأتي باباً منها إلا وجدت ابنك إلى جنبك، آخذاً بحجزتك يشفع لك إلى ربك؟

قال: بلى.

قال المسلمون: يا رسول الله ولنا في افراطنا ما لعثمان؟

قال: نعم، لمن صبر منكم واحتسب» .

وأخرج النسائي عن ابن عمرو قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يرضى لعبده المؤمن إذا ذهب بصفيه من أهل الأرض فصبر واحتسب بثواب دون الجنة» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الخدري «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قسم الله العقل على ثلاثة أجزاء، فمن كن فيه فهو العاقل ومن لم يكن فيه فلا عقل له: حسن المعرفة بالله، وحسن الطاعة لله، وحسن الصبر لله» .

وأخرج ابن سعد عن مطرف بن عبد الله بن الشخير.

أنه مات ابنه عبد الله فخرج وهو مترجل في ثياب حسنة، فقيل له في ذلك؟

فقال: قد وعدني الله على مصيبتين ثلاث خصال، كل خصلة منها أحب إليّ من الدنيا كلها.

قال الله: ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة ﴾ إلى قوله: ﴿ المهتدون ﴾ أفأستكين لها بعد هذا؟

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ النون فيه للتأكيد، واللام جواب قسم محذوف، وفتحت الواو لالتقاء الساكنين في قول سيبويه، وقال غيره: إنّها مبنية على الفتح (١) ومعنى ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي: نعاملكم معاملة المبتلي؛ لأن الله تعالى يعلم عواقب الأمور، فلا يحتاج إلى الابتلاء ليعرف العاقبة، ولكنه يعاملهم معاملة من يبتلي، فمن صبر أثابه على صبره، ومن لم يصبر لم يستحقّ الثواب، فيكون في ذلك إلزام الحجة (٢) وقوله تعالى: ﴿ بِشَيْءٍ ﴾ ولم يقل: بأشياء، وقد ذكر بعده ما هو أشياء لمكان (من)، والمعنى: بشيء من الخوف وشيء (٣) (٤) قال ابن عباس: ﴿ مِنَ الْخَوْفِ ﴾ يعني خوف العدو (٥) ﴿ وَالْجُوعِ ﴾ يعني: المجاعة والقحط، ﴿ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ ﴾ يعني: الخسران والنقصان في المال وهلاك المواشي، ﴿ وَالْأَنْفُسِ ﴾ يعني: الموت والقتل.

وقيل: المرض.

وقيل: الشيب، ﴿ وَالثَّمَرَاتِ ﴾ يعني: الجوائح، وأن لا تخرج الثمرة كما كانت تخرج (٦) قال أبو إسحاق وابن الأنباري: تأويل الآية: ولَنبلونّكم بشيء من الخوف والجوع لتصبروا عليه، فيكون صبركم داعيًا من يخالفكم من الكفار إلى أتباعكم والدخول فيما أنتم عليه، وذلك أنهم يقولون: لم يصبر هؤلاء القوم على هذا الدين الذي امتُحِنوا فيه بما امتُحِنوا ونالتهم فيه الشدائد إلا بعد ما قامت براهينُ صحته عندهم، ولم يداخلهم ريب في أنه هو الحق، فيكون ذلك أدعى إلى الإسلام (٧) قال أبو بكر: وقيل في الآية: ولنختبرنّكم (٨) (٩) وقال الشافعي  : يعني بالخوف: خوف الله عز وجل، وبالجوع: صيام شهر رمضان، وبنقص من الأموال: أداء الزكوات والصدقات، والأنفس: الأمراض، والثمرات: موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة قلبه (١٠)  الولد ثمرة القلب [[رواه البزار عن ابن عمر، وفيه: أبو مهدي سعيد بن سنان، وهو ضعيف متروك، ينظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي 8/ 155، وينظر: "كنز العمال" 16/ 284، برقم 44485.

وقد أخرج الترمذي في كتاب الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب 3/ 332، (1021) عن أبي موسى الأشعري، قال: قال رسول الله  : "إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: أقبضتم ولد عبدي؟

قالوا: نعم، قال: أقبضتم ثمرة فؤاده؟

قالوا: نعم، قال: فماذا قال عبدي؟، قالوا: حمدك واسترجع، قال: ابنوا له بيتًا في الجنة، وسموه بيت الحمد" وقال: هذا حديث حسن، ورواه عبد بن حميد [برقم 551]، وأبو نعيم في "زوائده على الزهد" لابن المبارك ص 108، وابن حبان في "صحيحه" 7/ 210، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، والبغوي في "تفسيره" 1/ 130، قال ابن حجر في "الكاف الشاف" ص 12 - 13.

أخرجه أحمد [4/ 415] وغيره من حديث أبي موسى، وصححه ابن حبان، ورواه البيهقي في الشعب مرفوعًا وموقوفًا وقال الألباني في "السلسلة الصحيحة" برقم 1408.

الحديث بمجموع طرقه حسن على أقل الأحوال.]] في بعض الأحاديث.

وفي قوله: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ دليل على أن من صبر على هذه المصائب أعطاه الله تعالى في العاجل والآجل ما هو أعمّ نفعًا له.

(١) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 230، وعنده: وقال غيره من أصحابه، وتتمة كلامه: وقد قال سيبويه في لام يفعل، لأنها مع ذلك قد تبنى على الفتحة، فالذين قالوا من أصحابه: إنها مبنية على الفتح غير خارجين من قول له، وكلا القولين جائز.

ينظر: "الكتاب لسيبويه" 3/ 518 - 521.

(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 41، "تفسير البغوي" 1/ 169.

(٣) في (م)، (ش): (شيئًا).

(٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 2312، "تفسير الطبري" 3/ 41، "البحر المحيط" 1/ 450، وقال: أفرده ليدل على التقليل؛ إذ لو جمعه فقال: بأشياء، لاحتمل أن تكون ضروبًا من كل واحد مما بعده.

(٥) ذكره عن ابن عباس: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، والواحدي في "الوسيط" 1/ 236، و"البغوي" 1/ 169، "تفسير القرطبي" 2/ 159.

(٦) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، وقد ذكر هذا بتمامه: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، وينظر: "تفسير البغوي" 1/ 169، "البحر المحيط" 1/ 450، (٧) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 231.

(٨) في (ش): (لنختبرنكم).

(٩) في (م): (ولكن).

(١٠) ذكره عن الشافعي: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1274، والبغوي 1/ 169، والرازي 4/ 167، وأبو حيان في "البحر" 1/ 450، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 211، قائلًا: وقد حكى بعض المفسرين، ثم قال: وفي هذا نظر.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ استعينوا بالصبر والصلاوة إِنَّ الله مَعَ الصابرين ﴾ أي بمعونته ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ الله أموات ﴾ قيل إنها نزلت في الشهداء المقتولين في غزوة بدر، وكانوا أربعة عشر رجلاً لما قتلوا حزن عليهم أقاربهم، فنزلت الآية مبنية لمنزلة الشهداء عند الله وتسلية لأقاربهم، ولا يخصها نزولها فيهم بل حكمها على العموم في الشهداء ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ أي نختبركم، وحيث ما جاء الاختبار في حق الله فمعناه: أن يظهر في الوجود ما في علمه، لتقوم الحجة على العبد، وليس كاختبار الناس بعضهم بعضاً، لأنه الله يعلم ما كان وما يكون، والخطاب بهذا الابتلاء للمسلمين، وقيل: لكفار قريش، والأول أظهر لقوله بعد هذا ﴿ وَبَشِّرِ الصابرين ﴾ ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ الخوف ﴾ من الأعداء ﴿ والجوع ﴾ بالجدب ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ الأموال ﴾ بالخسارة ﴿ والأنفس والثمرات ﴾ بالجوائح، وقيل ذلك كله بسبب الجهاد.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إنا لله ﴾ بالإمالة فيهما: قتيبة ونصير.

وإنما جازت مع امتناعها في الحروف لكثرة استعمال كلمة الاسترجاع.

الوقوف: ﴿ والصلاة ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ لا ﴿ أموات ﴾ ط ﴿ لا تشعرون ﴾ ه ﴿ والثمرات ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ لا لأن صفتهم ﴿ مصيبة ﴾ لا لأن "قالوا" جواب "إذا" ﴿ راجعون ﴾ ط لأن "أولئك" مبتدأ على الأصح ومن ابتداء بالذين فخبره "أولئك" مع ما يتلوه ووقف على الصابرين ولم يقف على ﴿ راجعون ﴾ ﴿ المهتدون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما أوجب بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ﴾ جميع الطاعات ورغب بقوله ﴿ ولا تكفرون ﴾ عن جميع المنهيات فإن الشكر بالحقيقة صرف العبد جميع ما أنعم الله  به عليه إلى ما أعطاه لأجله، ندب إلى الاستعانة على تلك الوظائف بالصبر والصلاة.

فالصبر قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله  ، والصلاة إذا اشتملت على مواجب الخشوع والتذلل للمعبود والتدبر لآيات الوعد والوعيد والترغيب والترهيب، انجر ذلك إلى أداء حقوق سائر الطاعات والاجتناب عن جميع الفواحش والمنكرات ﴿ إن الله مع الصابرين ﴾ بالنصر والتأييد ومزيد التوفيق والتسديد ﴿ ويزيد الله الذين اهتدوا هدى  ﴾ وقيل: الصبر الصوم.

وقيل: الجهاد بدليل قوله ﴿ ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ﴾ أي هم أموات بل هم أحياء.

وعلى الوجه الأول كأنه قيل: استعينوا بالصبر والصلاة في إقامة ديني وسلوك سبيلي، فإن احتجتم في ذلك إلى مجاهدة عدوّي بأموالكم وأنفسكم فتلفت فإن قتلاكم أحياء عندي، من قتله محبته فديته رؤيته.

ثم إن أكثر المفسرين على أنهم أحياء في الحال، فمن الجائز أن يجمع الله  من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم وإن كانت في حجم الذرة فيرى معظم جسد الشهيد ميتاً فلا يحس بحياته وإليه الإشارة بقوله ﴿ ولكن لا تشعرون ﴾ ومما يؤيد هذا القول الآيات الدالة على إثبات عذاب القبر ﴿ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً  ﴾ ﴿ أغرقوا فأدخلوا ناراً  ﴾ والفاء للتعقيب وقال  "القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفرة النيران" .

ولم يزل أرباب القلوب يزورون قبور الشهداء ويعظمونها.

وقيل: المعنى لا تسموهم بالأموات وقولوا لهم الشهداء الأحياء.

أو المراد: قولوا لهم أحياء في الدين وإنهم على هدى ونور من ربهم لا كما يزعم المشركون أنهم ليسوا من الدين في شيء أو لا تقولوا مثل ما يقول منكرو البعث إنهم لا ينشرون وقد ضيعوا أعمارهم، ولكنهم سيحيون فيثابون وينعمون في الجنة.

وعلى هذه الوجوه لا يبقى لتخصيص الشهداء بكونهم أحياء فائدة وكذا لقوله مع المؤمنين ولكن لا تشعرون.

وقيل: إن الثواب وكذا العقاب للروح لا للقالب، لأنه مدرك للجزئيات أيضاً فلا يمتنع أن يتألم ويلتذ.

ثم إنه  يرد الروح إلى البدن في القيامة الكبرى حتى يضم الأحوال الجسمانية إلى الإدراكات الروحانية.

عن ابن عباس أن الآية نزلت في شهداء بدر وكانوا أربعة عشر، ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار.

وعن كعب بن مالك أن رسول الله  قال: "إن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تعلق من ثمر الجنة" أي تأكل ﴿ ولنبوكم ﴾ ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من أداء حقوق الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه، أم تنقلبون على أعقابكم وتظهرون الجزع على استرداد ما يدكم فيه يد المستعير؟

أمر أولاً بالشكر على إكمال الشرائع، ثم بالصبر على التكاليف الدينية، ثم حض على التثبت عند طروق النوائب وبروق المصائب، ومعنى ﴿ بشيء ﴾ بيان من هذه الأشياء وأيضاً لو قال "بأشياء" لأوهم أن من كل واحد من الخوف وغيره ضروباً وليس بمراد.

وفيه أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل هو بالنسبة إليه، وفيه أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم.

واعلم أن كل ما يلاقيك من مكروه ومحبوب فإذا خطر ببالك وهو قد مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان في الحال سمي ذوقاً ووجداً لأنها حالة تجدها من نفسك، وإن تعلق بالاستقبال وغلب خطوره على قلبك سمي انتظاراً وتوقعاً، فإن كان المنتظر مكروهاً حصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً والارتياح رجاء.

وأما الجوع فالمراد منه القحط وتعذر تحصيل القوت.

عن عطاء والربيع بن أنس: أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي  بعد الهجرة وقد حصل لهم عند مكاشفة العرب خوف شديد بسبب الدين، فكانوا لا يأمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم وقد كان من الخوف في وقعة الأحزاب ما كان ﴿ هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديداً  ﴾ وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي إلى المدينة لقلة أموالهم حتى إنه  كان يشد الحجر على بطنه.

وقد روي أنه  خرج ذات يوم فالتقى مع أبي بكر فقال: ما أخرجك؟

قال: الجوع.

قال: أخرجني ما أخرجك وكانوا ينفقون أموالهم في الاستعداد للجهاد ثم يقتلون.

فهناك يحصل النقص في المال والنفس، وقد يحصل الجوع في سفر الجهاد عند فناء الزاد ﴿ ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ﴾ إلى قوله ﴿ إلا كتب لهم به عملٌ صالح  ﴾ وقد يكون النقص في النفس بموت الإخوان والأخدان.

وإما نقص الثمرات فقد يكون بالجدوب وقد يكون بترك عمارة الضياع للاشتغال بالجهاد.

وعن الشافعي: الخوف خوف الله، والجوع صيام شهر رمضان، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات، ومن الأنفس الأمراض، ومن الثمرات موت الأولاد.

قال  "إذا مات ولد العبد قال الله  للملائكة أقبضتم ولد عبدي؟

فيقولون: نعم.

فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟

فيقولون: نعم.

فيقول الله  : ماذا قال عبدي؟

فيقولون: حمدك واسترجع فيقول الله: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد" ﴿ ونقص ﴾ عطف على ﴿ شيء ﴾ ويحتمل أن يعطف على الخوف بمعنى وشيء من نقص الأموال.

و الخطاب في ﴿ وبشر ﴾ لرسول الله  ، أو لكل من يتأتى منه البشارة.

قال الإمام الغزالي رحمه الله : الصبر من خواص الإنسان ولا يتصور ذلك في البهائم لنقصانها، فليس لشهواتها عقل يعارضها حتى يسمى ثبات تلك القوة في مقابلة مقتضى الشهوة صبراً، ولا في الملائكة فليس لعقلهم شهوة تصرفهم عن الاشتغال بخدمة الكبير المتعال وتمنعهم عن الاستغراق في مطالعة حضرة ذي الجلال.

وأما الإنسان فإنه في الصبا بمنزلة البهيمة ليس له إلا شهوة الغذاء، ثم شهوة اللعب بعد حين، ثم شهوة النكاح لكنه إذا بلغ انضم له مع الشهوة الباعثة على اللذات العاجلة عقل يدعوه إلى الإعراض عنها والإقبال على تحصيل السعادات الباقية، فيقع بين داعيتي العقل والشهوة تضاد قصد العقل إياها هو المعنى بالصبر.

وإنه ضربان: بدني فعلاً كتعاطي الأعمال الشاقة، أو انفعالاً كالثبات على الآلام، ونفساني وهو منع النفس عن مقتضيات الطبع، فإن كان حبساً عن شهوة البطن والفرج سمي عفة، وإن كان احتمال مكروه، فإن كان من مصيبة خص باسم الصبر ويضاده حالة هي الجزع وهي إطلاق داعي الهوى في رفع الصوت وضرب الخد وشق الجيب ونحوها، وإن كان في حال الغنى سمي ضبط النفس، ويضاده حالة البطر.

وإن كان في حال مبارزة الأقران سمي شجاعة ويضاده الجبن، وإن كان في كظم الغيظ والغضب يسمى حلماً ويضاده النزق، وإن كان في نائبة من النوائب سمي سعة الصدر ويضاده الضجر وضيق الصدر، وإن كان في إخفاء كلام يسمى كتمان النفس، وإن كان عن فضول العيش سمي زهداً وضده الحرص، وإن كان على قدر يسير من المال سمي قناعه ويضاده الشره.

وليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه ولا أن لا يكره ذلك فإنه غير ممكن، وإنما الصبر على المصيبة هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع.

ولا بأس بظهور الدمع وتغير اللون فإن رسول الله  بكى على إبراهيم ابنه فقيل له في ذلك فقال: إنها رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.

ثم قال: العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا.

ثم الصبر عند الصدمة الأولى وإلا سمي سلواً وهو مما لا بد منه ولهذا قيل: لو كلف الناس إدامة الجزع لم يقدروا عليه.

وقد وصف الله  الصبر في القرآن في نيف وسبعين موضعاً وأضاف أكثر الخيرات إليه فقال ﴿ وجعلنا منهم أئمةً يهدون بأمرنا لما صبروا  ﴾ ﴿ وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا  ﴾ ﴿ ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب  ﴾ فما من طاعةٍ إلا وأجرها مقدر إلا الصبر، ولأن الصوم من الصبر قال  في الحديث القدسي "الصوم لي" فأضافه إلى نفسه ووعد الصابرين بأنه معهم فقال ﴿ واصبروا إن الله مع الصابرين  ﴾ وعلق النصرة بالصبر فقال ﴿ إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة  ﴾ وجمع للصابرين أموراً لم يجمعها لغيرهم ﴿ أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ﴾ وقال  "الصبر نصف الإيمان" لأن الإيمان لا يتم إلا بترك ما لا ينبغي، والإتيان بما ينبغي والاستمرار على كل منهما إنما يتأتى بالصبر.

فكل الإيمان صبر إلا أن كل واحدٍ منهما قد يكون مطابقاً لمقتضى الشهوة فلا يحتاج فيه إلى الصبر، فلهذا عاد إلى النصف.

وقد جاء "الإيمان هو الصبر" وذلك كقوله "الحج عرفة" وعن النبي  "من أفضل ما أوتيتم اليقين وعزيمة الصبر" وقال: "يؤتى بأشكر أهل الأرض فيجزيه الله جزاء الشاكرين ويؤتى بأصبر أهل الأرض فيقال له أترضى أن نجزيك كما جزينا هذا الشاكر فيقول نعم يا رب فيقول  لقد أنعمت عليه فشكر وابتليتك فصبرت لأضعفنّ لك الأجر فيعطى أضعاف جزاء الشاكرين" ومن فضيلة الصبر أن قال  : "الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر" فإن المشبه به يجب أن يكون أقوى كما قال "شارب الخمر كعابد الوثن" وروي أن سليمان يدخل الجنة بعد الأنبياء بأربعين خريفاً لمكان ملكه، وآخر أصحابي دخولاً الجنة عبد الرحمن بن عوف لمكان غناه.

وفي الخبر: أبواب الجنة كلها مصراعان إلا باب الصبر فإنه مصراع واحد.

وأول من يدخله أهل البلاء إمامهم أيوب.

ثم إن الله  بيّن أن الإنسان كيف يكون صابراً وأنه متى يستحق البشارة فقال ﴿ الذين إذا أصابتهم مصيبة ﴾ هي من الصفات الغالية التي لا تكاد تستعمل موصوفاتها وتختص من بين ما يصيب الإنسان بحالة مكروهة كالنازلة والواقعة والملمة، وإنما نكرت لتشمل كل مضرة تناله من قبل الأسباب السماوية والأرضية المنتهية إلى مسبب الأسباب بواسطة ظاهرة أو خفية ﴿ قالوا: إنا لله ﴾ إقرار بالعبودية ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ تفويض للأمر إليه كما يقال: إن الملك والدولة رجع إلى فلان لا يراد الانتقال بل القدرة وترك المنازعة ﴿ إنا لله ﴾ اعتراف منا له بالملك ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إقرار على أنفسنا بالهلك ﴿ إنا لله ﴾ إشارة إلى المبدأ ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ تصريح بالمعاد.

﴿ إنا لله ﴾ إعلام بالفناء فيه ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إشعار بالبقاء به.

﴿ إنا لله ﴾ إيمان بقضائه ﴿ وإنا إليه راجعون ﴾ إيمان بقدره.

واعلم أن الرضا بالقضاء إنما يحصل للعبد من الله  بطريقين: الصرف أو الجذب أما الصرف فمتى مال قلبه إلى شيء والتفت خاطره إليه جعله  منشأ للآفات لينصرف وجه قلبه من عالم الحدوث إلى جانب القدس، كما أن آدم لما تعلق قلبه بالجنة جعلها محنة عليه حتى زالت الجنة فبقي آدم مع ذكر الله.

ولما استأنس يعقوب بيوسف أوقع الفراق بينهما فبقي يعقوب مع ذكر الحق.

ولما طمع محمد  من أهل مكة في النصرة والإعانة صاروا من أشد الناس بغضاً له فأخرجوه.

وقد لا يجعل ذلك الشيء بلاء ولكن يرفعه من البين حتى لا يبقى لا البلاء ولا الرحمة، فحينئذ يرجع العبد إلى الله.

وقد يتوقع العبد من جانب خيراً فيعطيه الله  ذلك بلا واسطة فيستحي العبد فيرجع إلى الله.

وأما الجذب فجذبة من جذبات الرحمن توازي عمل الثقلين.

ومن جذبه الحق إلى نفسه صار مغلوباً لأن الحق غالب فتصير الربوبية غالبة على العبودية، والحقيقة مستعلية على المجاز، كالعبد الداخل على السلطان المهيب ينصرف فكره إليه ويشتغل بالكلية عمن سواه ويصير فانياً عن نفسه وعن حظوظها فيحصل له مرتبة الرضا بأقضية الحق  من غير أن يبقى في طاعته شبهة المنازعة.

عن النبي  "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه" وروي أنه طفئ سراج رسول الله  فقال ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ فقيل: أمصيبة هي؟

قال: نعم.

كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة.

وعن أم سلمة أن أبا سلمة حدثها أن رسول الله  قال "ما من مسلم يصاب بمصيبة فيفزع إلى ما أمر الله به" من قوله : " ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ اللهم عندك احتسبت مصيبتي فأجرني منها وعوّضني خيراً منها ألا أجره الله عليها وعوضه خيراً منها" .

قالت: فلما توفي أبو سلمة ذكرت هذا الحديث وقلت: هذا القول فعوّضني الله محمداً  .

وعن ابن عباس: أخبر الله  أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند مصيبته كتب الله  له ثلاث خصال: الصلاة من الله والرحمة وتحقيق سبيل الهدى.

وعن عمر قال: نعم العدلان ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ ﴿ أولئك عليهم صلواتٌ من ربهم ورحمة ﴾ ونعم العلاوة ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ .

قيل: الصلوات من الله الثناء والمدح والتعظيم، والرحمة النعم العاجلة والآجلة.

وقيل: الصلاة الحنو والتعطف وضعت موضع الرأفة كقوله ﴿ رأفة ورحمة ﴾ ﴿ رؤف رحيم ﴾ والمعنى عليهم رأفة بعد رأفة ورحمة أيّ رحمة ﴿ وأولئك هم المهتدون ﴾ لطريق الصواب والفائزون بالكرامة والثواب، أو هم المستمسكون بآدابه المستنون بما ألزم وأمر وفي الآية حكمان: فرض ونفل.

فالفرض هو التسليم لأمر الله  والرضا بقضائه والصبر على أداء فرائضه لا يصرفه عنها مصائب الدنيا، والنفل قوله ﴿ إنا لله وإنا إليه راجعون ﴾ فإن في إظهاره فوائد منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها غيظ الكفار وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله  والثبات على طاعته.

وأما الحكمة في تقديم تعريف الابتلاء فهي أن يوطنوا نفوسهم لهذه المصائب إذا وردت فتكون أبعد من الجزع.

وأيضاً إذا علموا أنه سيصل إليهم تلك المحن اشتد حزنهم فيكون ذلك الحزن تعجيلاً للابتلاء فيستحقون بذلك مزيد الثواب.

وأيضاً إذا أخبروا بوقوع هذا الابتلاء ثم وقع كان ذلك إخباراً بالغيب فيكون معجزةً.

وأيضاً فيه تنفير وتمييز له عن الموافق.

كما أن الحكمة في نفس الابتلاء أيضاً ذلك.

دعوى الإخاء علـى الإخاء كثيـرة *** بـل فـي الشـدائد تعـرف الإخــوان إذا قلت أهدى الهجر إن خلل البلى *** يقولون لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت كربـي دائـمُ قالـت إنمــا *** يعدّ محبــاً مــن يــدوم لــه الكــرب وإن قلت ما أذنبت قالـت مجيبــةً *** حيــاتـك ذنـب لا يقـــاس بــه ذنـب <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلاَةِ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

قد ذكرنا تأويل هذه الآية فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن العرب كانت تعرف الموتى من انقطع ذكره، إذا لم يبق له أحد يذكر به من نحو الولد وغيره فيقولون عند موت هؤلاء: إن ذكرهم قد انقطع، فأخبر الله  نبيه  أنهم مذكورون في ملأ الملائكة.

وقال الحسن: إن أرواح المؤمنين تعرض على الجنان، وتعرض أرواح الكفرة على النيران، فيكون لأرواح الشهداء فضل لذة ما لا يكون لغيرهم من الأرواح.

ويكون لأرواح آل فرعون فضل ألم بعرضها على النار ما لا يكون لغيرهم من الكفرة ذلك، فاستوجبوا اسم الحياة بفضل لذة ما يجدون من اللذة على غيرهم.

أخبر عز وجل: أن أرواح الشهداء في الغيب تتلذذ مثل تلذذهم على ما كانت عليه في الأجساد في دنياهم هذه.

وقيل: إن الشهيد حي عند ربه، كما عرف في اللغة: أن الشهيد هو الحاضر، أخبر عز وجل أنهم حضور عند ربهم وإن غابوا عنكم.

وقيل: إن الحياة والموت على ضروب: فمنها: الحياة الطبيعية، والحياة العرضية، والموت الطبيعي، والموت العرضي.

فالحياة العرضية هي اليقظة، وهي الحياة بالدين، كقوله: ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَٰهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي ٱلنَّاسِ  ﴾ ، وكقوله في الحياة بالعلم، إنه ميت بالجهل.

والحياة الطبيعية: هي التي بها قوام النفس.

والموت الطبيعي: هو الذي به فوات النفس.

والشهادة: هي التي بها اكتساب الحياة في الآخرة سمى به ﴿ حَيَٰوةٌ ﴾ .

والله أعلم.

ويحتمل قوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ ﴾ ، أي لا تقولوا ﴿ أَمْوَاتٌ ﴾ ، لما ينفر طبعكم عن الموت، ولكن قولوا ﴿ أَحْيَاءٌ ﴾ لترغب أنفسكم في الجهاد، إذ هو يرد بحياة الدنيا والدين، مع ما يحتمل أن يكون الله بفضله يجعل لهم ما كان لهم لو كانوا أحياء يعملون.

فكأنهم أحياء فيما جعلت لهم حياة الدنيا.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ ﴾ وما ذكر فيه تذكير من الله عز وجل للخلق؛ لئلا يجزعوا على ما يصيبهم من أنواع ما ذكر، من المصائب.

وفي كل نوع ما ذكر من المصائب إضمار "شيء"، من نحو ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ ﴾ و ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ ﴾ والله أعلم؛ لأن الله عز وجل أخبر في غير آية من القرآن: أنه خلقهم للموت والفناء، وأن ما أعطاهم من الدنيا والزينة فيها كله للفناء والفوات بقوله: ﴿ خَلَقَ ٱلْمَوْتَ وَٱلْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً  ﴾ وقال: ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً  وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً  ﴾ .

أخبر أن الدنيا وزينتها للفناء، فمن عرف أن ذلك كله [لما ذكرنا يحق عليه ما يصيبه من الأمراض والأوجاع والنقص في الأموال والأنفس وما ذكر إذ ذلك كله] دون ما ذكر، وليعلموا أن ما أعطاهم من الحياة والصحة والسلامة لم يكن أعطاهم لحق لهم، بل للإفضال والإحسان، وقد جعل ذلك لمدة لا للأبد، فكأنها في غير تلك المدة لغيرهم لا لهم، فعرفوا به منته لوقت وحقه وقت الأخذ.

ثم يحتمل ما ذكر من الخوف وجهين: على جهة العبادة من نحو الأمر بمجاهدة العدو والقتال معه.

ويحتمل لا على جهة العبادة، وكذلك الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة، وهو الصوم.

ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين، وكذلك قوله: ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ وَٱلأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَاتِ ﴾ ، يحتمل: ﴿ وَنَقْصٍ مِّنَ ٱلأَمَوَالِ ﴾ يمتحنهم بأداء الزكاة والصدقة.

ويحتمل الهلاك بنفسها، وكذلك ﴿ وَٱلأَنفُسِ ﴾ يحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما.

وكذلك ﴿ وَٱلثَّمَرَاتِ ﴾ .

ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره؛ لأنهم كلهم عبيده، له أن يمتحنهم بأجمعهم بجميع أنواع المحن، لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم أن كل ذلك إنما خلق للفناء، فالبعض منه كذلك، ليخف ذلك عليهم.

والله أعلم.

ثم أمر نبيه  أن يبشر الذين صبروا على المصائب التي امتحنهم بها عز وجل، ولم يجزعوا عليها، وقالوا: ﴿ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ .

فيه الإقرار بوحدانيته عز وجل، وبالبعث بعد الموت.

وقيل: إن هذا الحرف خص به هذه الأمة دون غيرها من الأمم؛ لأنه لم يذكر هذا الحرف عن الأمم السالفة؛ ألا ترى أن يعقوب -  - على كثرة ما أصابه من المحن والمصائب والحزن على يوسف لم يذكر هذا الحرف عنه، ولكن قال: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ  ﴾ ولو كان لهم هذا لظهر منهم على ما ظهر غيره؛ فدل أنه مخصوص لهذه الأمة.

والله أعلم.

وروي عن ابن عباس، رضي الله  عنه، أنه قال: "من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضى به" ثم الصبر: هو حبس النفس عن الجزع على ما يفوت؛ إذ هو كله لله عز وجل مستعار عند الخلق، والجزع على فوت ما لغيره محال؛ ألا ترى إلى قوله عز وجل: ﴿ لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ  ﴾ .

نهانا أن نحزن على ما يفوت عنا؛ إذ هو في الحقيقة ليس لنا، وأن نفرح بما أتانا؛ إذ هو في الحقيقة لغيرها.

والله الموفق.

وقوله: ﴿ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ وَٱلْجُوعِ ﴾ ، فهو على إضمار "الشيء" في كل حرف، إذ هو بحق العطف على ما تقدم؛ فكأنه قال: بشيء من الخوف، وبشيء من الجوع.

ولا قوة إلا بالله.

ثم يتوجه ما أخبر من البلوى إلى وجهين: أحدهما: أن يبلوه بعبادة فيها ما ذكر.

والثاني: أن يبلوه بالذي ذكر لا على عبادة يدفع إليه؛ وذلك نحو أن يبلوه بالجهاد، وفيه الخوف، أو يبلوه بأنواع أوصاب تحل به، فيخاف عند ذلك على نفسه.

والجوع: أن يبلوه بالصيام الذي فيه ذلك، أو بقلّة الإتراب وغلاء الأسعار.

ونقص من الأموال: يكون في الجهاد، والحج، والزكوات، والمؤن المجعولة في الأموال، ويكون في الخسران في التجارات، وما يلحق أنواع المكاسب من الحوائج.

والأنفس: يكون بالجهاد، ومحاربة الأعداء، ويكون بأنواع الأمراض.

والثمرات: ترجع إلى قلة الإنزال، وقصور الأيدي عما به ينال، ومفارقة الأوطان للجهاد والحج ونحو ذلك مما فيه.

ثم الله  وتعالى أخبر أنه يبلوهم بشيء مما ذكرنا، لا بالكل.

دل أنه - عز وجل - لم يقطع عليهم كل المخارج، بل جعل لهم في كل نوع من ذلك مسلكاً وإن كان في ذلك نقصاً وضرراً، وجائز بلوغ ذلك تمام ما في كل نوع، لكنه بلطفه قرب إليهم فيما خوفهم وجه الرجاء، وعلى ذلك جميع الفعال ذي المحن أنها مقرونة بالخوف والرجاء، وكذلك هم في أنفسهم.

ولا قوة إلا بالله.

ثم إن الله دلهم على ما عليهم من الحق فيما أخبر أنه يبلوهم به بحرف البشارة والوعد الجزيل الذي يسهل بمثله البذل لمن لا حق له، فكيف ومن له كليته ذلك؛ فقال الله  : ﴿ وَبَشِّرِ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

ثم وصف الصابرين فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للَّهِ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ هدى الله عبده إلى الاعتماد بحرف التوحيد عند المصيبة؛ إذ جعل التوحيد داخلاً في ذلك الحرف.

وفيه التبري من أن يكون له في حكم الله تدبيراً ورأى، وبذل النفس له وما للنفس ليحكم فيها بما شاء.

وقوله: ﴿ إِنَّا للَّهِ ﴾ ، كأنه قال: ما لنا فيما ليس لنا حكم ولا تدبير، وأبداً يكون الحكم في كل ملك لمن يملكه.

وبمثل هذا يقدر على كف الأنفس عن الجزع وحملها على ما يكره.

وقوله: ﴿ وَإِنَّـآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴾ ، فكأنه يقول إذ إليه مرجعنا، لا فرق أن نرجع إليه جملة أو بالتفاريق، بل في التفريق علينا الإبقاء وفضل القبول منا البعض دون الكل.

وفي ذلك تذكير النفس عاقبتها ليكون كمن تقدم شيئاً مما به قوامه إلى مكان قراره، وقد انتهى الخبر بالبلوغ.

فمعلوم أن ذلك أطيب لنفسه، وأسكن بقلبه من أن يكون جميع ذلك معه.

وبالله التوفيق.

وجملة ذلك أن هذه الدنيا أنشئت لا لها ولكن ليكتسب بها الآخرة، وجعل كل شيء منها زائلاً فانيا لينال به الدائم الباقي.

فهذا لأن حق كل فيما يصيبه أن يرى الذي أنشىء وما له يسعى، فيعلم أنه بلغ في تجارته غايتها من الربح، وأنه باع الشيء الفاني بالباقي، مع ما كان كل شيء من الدنيا مأوى بآفات الفناء والهلاك، فأبدل المأوى بالذي لا آفة فيه.

فيجب في التدبير ألا يعد ذا مصيبة، بل هو أعلى السرور وأرفع الربح، لكن البشر جبل على طباع نافرة عن كل ألم جاهل بالعواقب التي لعلها يرغب فيها كل أحد، لا أن ينفر عنها.

والله المستعان.

فإن قال قائل: هذا الاسترجاع خص به هذه الأمة؛ إذ قال يعقوب: ﴿ يَٰأَسَفَىٰ عَلَى يُوسُفَ  ﴾ الآية.

فهو والله أعلم، إن كان فهو موضع التلقين والتعليم أن قولوا ذلك، لا أن هذا المعنى مما يحتمل أن يكون يعقوب لا يحققه، بل حققه بقوله: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى ٱللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّمَآ أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى ٱللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ  ﴾ .

{ ﴿ يٰبَنِيَّ ٱذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ ٱللَّهِ إِلاَّ ٱلْقَوْمُ ٱلْكَافِرُونَ  ﴾ وهو مع ذلك قد كان بما أخبره يوسف، وبما أوحى إليه أنه قد علم أنه لم يهلك بعد، ولم يوجد منه إلى حيث يرجع هو إليه من البعث بعد الموت.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ﴾ ، قيل: الصلاة من الله عز وجل يحتمل وجوهاً: يحتمل: الرحمة والمغفرة.

ويحتمل: الصلاة منه - مباهاته الملائكة؛ جواباً لهم لما قالو: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ  ﴾ ، كيف قلتم هذا؟

وفيهم من يقول كذا.

وقيل: الصلاة منه: الثناء عليهم.

وأي كرامة تبلغ كرامة ثناء الله عليهم.

[وقوله ﴿ وَرَحْمَةٌ ﴾ قال بعضهم الرحمة والصلاة واحد وهو على التكرار، وقيل: الرحمة: النعمة وهي الجنة].

وقوله: ﴿ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ .

شهد الله عز وجل بالاهتداء لمن فوض أمره إلى الله  ، ويسلم لقضائه وتقديره السابق وهو كائن لا محالة؛ كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتَٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٌ  ﴾ .

قال الشيخ - رحمه الله -: قوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ ﴾ يبلوهم بالذي كان به عالماً ليكون به ما علمه يكون بالأمر والنهي بحق المحنة، وهو كما يستخبر عما هو به خبير، مع كانت المحنة في الشاهد لاستخراج الخفيات يكون بالأمر والنهي، فاستعملت في الأمر والنهي، وإن كان لا يخفى عليه شيء، بل هو كما قال: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ  ﴾ .

ثم له جعل الغيب شاهداً، فجرت به المحنة، ليعلم ما قد علمه غائباً شاهداً، إذ هو موصوف بذلك في الأزل.

وبالله التوفيق.

ثم كان العبد بجميع ما هو له من السعة والسلامة فهو لله في الحقيقة، لكنه بفضله وكرمه يعامل عبيده معاملة من ليس له ما كان يطلب منه ويأمره به، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً  ﴾ ليكون ذلك أطيب لأنفسهم وأرغب لهم في البذل لما طلب منهم، وإن كان له أخذ ذلك منهم بلا شيء يعدهم عليه، فعلى ذلك قال - عز وجل -: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾ بالذي ذكر، يدلهم على أن ذلك منه؛ ليعلموا أنه فيما كان وعد الاشتراء منهم، وطلب منهم البذل بجزيل العوض لهم، فيخف ذلك عليهم وتطيب به أنفسهم، وأن يكون يذكر أولا أنه يبتليهم بالذي ذكر ليطيبوا أنفسهم به، ولا يتكلفوا ذلك من قلوبهم، فيضجرون عند الابتلاء بذلك، وكذا كل خلاف للطبع إذا كان عن رياضته إياه وإشعاره به قبل النزول، كان ذلك أيسر عليه من أن يأتيه ذلك من حيث لم يعلم به، مع ما كان في ذلك خطر بالقلوب نسبة مثله إلى الخلق والتشاؤم بهم، فقدم الله في ذلك البيان ليعلموا أن ذلك بالذي جرى به الوعد، وذلك كقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي ٱلأَرْضِ وَلاَ فِيۤ أَنفُسِكُمْ  ﴾ ، الآية، فبين أن ذلك مكتوب عليهم لتطيب الأنفس وتطمئن القلوب عليه.

والأصل في هذا: أن جميع ما ذكر البلوى به في التحقيق ليس بحق للعبد، بل هو امتنان من الله وإفضال منه، وأنه لم ينشئه ولا أحياه نشوء الأبدية ولا حياة السرمدية، فعلى ذلك جميع ما أنعم عليه، وإذا سكن العبد على هذا الذي جبل عليه أمر نفسه وما ملك عليه سهل عليه ذهابه، وطابت به نفسه، مع ما يعلم أنه أنعم عليه لوقت، ثم هو نعمة على غيره ولغيره، فيكون المأخوذ منه في الحقيقة لغيره، وإن كان الله عز وجل ذكره في الابتلاء والمصائب، فهو على ما أخبرت من كرمه فيما يعامل عبيده عز وجل.

ولا قوة إلا بالله.

ثم بين الله عز وجل ما يكرمهم؛ إذا خضعوا لحكمه ورضوا لقضائه، مع ما دل عليه أيضاً بقوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ...

﴾ الآية [الأحزاب: 36] ، فقال: ﴿ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُهْتَدُونَ ﴾ ، وقال في موضع آخر: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ  ﴾ ، فكان من فضله أن سمى ما وعدهم على الصبر أجراً، ومعلوم أن كان ذلك حقّاً لله عليهم، بالسابق من نعمه، مع عظم مننه، لكنه سمى ما أفضل به أجراً له، مع ما كان العبد يعمل لنفسه، ولا يحتمل أن يستحق به الأجر لولا الإنعام منه جل ثناؤه.

ثم وعد له في حال فعله بخصال ثلاثة: إحداها: أن عليه صلاته.

وصلاته تحتمل مباهاته الملائكة تعظيماً لما بذل عبده له، وخضع لحكمه عليه، وهو أن قالوا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ...

﴾ الآية [البقرة: 30]، فيخبرهم أن هذا قد سبح حضرة المصيبة، وخضع لحكمه عليه فيها بالاسترجاع.

ويحتمل: مغفرته وإيجاب الثواب الجزيل له بقوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ  ﴾ ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَآ آتَاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ  يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضْلٍ  ﴾ وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ  ﴾ إلى ما ذكر من الإفضال.

والله الموفق.

ويحتمل ثناؤه ذكرهم في أخبار عباده، كقوله: ﴿ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمْوَاتاً...

﴾ الآية [آل عمران: 169].

مع ما يرجى له من زيادة الهدى في الدنيا بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ جَاهَدُواْ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ ٱهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ  ﴾ .

والثانية: الرحمة.

قد يرجع [إلى ما ذكرنا، وجائز أن تكون] رحمته هي التي أكرمته بذلك الاسترجاع.

ويحتمل: النعمة، أو رحمة يلقيها في قلوب العباد حتى يحبونه بها، أو خلف يعطيه في الدنيا.

والثالثة: ثم شهد الله لهم بالهداية وذلك يحتمل: أن يكونوا اهتدوا لدينه، ولما من عليهم في المصيبة من التسليم لله.

ويحتمل: الاهتداء لطريق الجنة على ما بينه أنه وعد الشهداء.

ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِٱللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ  ﴾ للاسترجاع.

وقد روي عن نبي الله  أنه قال: "لم يعط الاسترجاع من كان قبلكم" ، فهو على ما بينا من القول به، وأما حق التسليم فقد كان في توقيت وقت الصبر، ثم روي عن رسول الله  أنه قال: "الصبر عند الصدمة الأولى" .

وقد روي عن أنس،  ، أن رسول الله صلى الله  عليه وسلم أنه قال: "ما من مصيبة وإن طال عهدها فيجدد لها العبد بالاسترجاع إلا جدد الله له ثوابها كلما استرجع" فلعل هذا لمن أحسن القبول وقت المصيبة، أو رجع عما كان فرط منه وتاب.

والأول فى غير ذلك.

والله الموفق.

ثم في الآية وجوه من المعتبر: أحدها: ما يلزم العبد من المصائب، وما يستوجبه إذا وفى بما عليه.

والثاني: في ذلك بيان أن الصحة، والأمن، وحفظ المقدر لأحد ليس بلازم في الحكمة، لكنها إنعام من الله، وله الابتلاء بأخذه؛ إذ لو كان عليه الأول لم يكن يلزمه الشكر في ذلك.

والله الموفق.

والثالث: أن الله  ذكر أنه بَلاَ العباد بالذي ذكر، ومعلوم أن ذلك يجري على أيدي العباد بهم، فأضاف ذلك إلى نفسه.

ثبت أن له في ذلك تدبيراً حتى يبلوهم به.

والله أعلم.

وفيه أن الله  قال: ونبلوكم بكذا، ولم يكن كان يومئذ ثم كان ذلك، وكذلك قوله: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم...

﴾ الآية [البقرة: 214]، ثم بلوا بذلك ليعلم أن رسول الله  علم بذلك بالله، وتبين أيضاً أنه بموضع البشارة بما يعظم على الخلق ويقتضي القرار في الطبع، لم يحتمل أن يجيزهم به لولا الأمر به وطاعة الله في ذلك.

وأيضاً أنه ذكر الخوف فيعلم أن الخوف من الخلق لا يوهن الاعتقاد، وكذلك قوله: ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ  ﴾ فعلى ذلك الرجاء والطمع وجملته أن أمر الدنيا محمول كله على أسباب، لا أنها توجب ولكن الله  أجرى أحكامه عليها، فيكون الخوف والرجاء في التحقيق من الله  أن يكون جعل ذلك سبباً.

والله الموفق.

وأيضاً: أن يعلم أن المصائب في الدنيا ليست كلها عقيب الآثام، بل لله  الابتلاء بالحسنات والسيئات، أيضاً لا يدل على وهن عقد المصائب، ولا زلة بلى بها.

وعلى ذلك أمر الأنبياء والرسل، عليهم السلام، ولكن على وجهين: أحدهما: أن يكون لله  يريد أن يحمى وليه لذات الدنيا لينالها موفرة في الآخرة.

والثاني: أن يكون لهم بعده زلات لا يسلم عنها البشر، فيبتلوا، فيبعثوا يوم القيامة ولا زلة بقيت مما يجزيهم تلك.

ولا قوة إلا بالله.

وإنما كذلك جعلت لمحنة.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولنَمْتحِننّكم بأنواع من المصائب؛ بشيء من الخوف من أعدائكم، وبالجوع لقلة الطعام، وبنقص في الأموال لذهابها أو مشقة الحصول عليها، وبنقص في الأنفس بسبب الآفات التي تهلك الناس، أو بالشهادة في سبيل والله، وبنقص من الثمرات التي تنبتها الأرض، وبشّر -أيها النبي- الصابرين على تلك المصائب بما يسرهم في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.OZa0x"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

ذهب الذين ينظرون من القرآن في جمله وآياته مفككة منفصلًا بعضها عن بعض التماسًا لسبب النزول في كل آية أو جملة أو كلمة ولا ينظرون إليه في سياق جمله وكمال نظمه، إلى أن الأمر بالاستعانة في قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ  ﴾ هو للاستعانة على أمر الآخرة واستعداد لها، وأن المراد بالصبر فيه الصبر عن المعاصي وحظوظ النفس، واعتمده البيضاوي وغيره ، أو على الطاعات وبهذا صرح (الجلال).

ونحن نسأل الله تعالى الصبر على احتمال مثل هذا الكلام!!.

والتحقيق أنه عام في كل عمل نفسي أو بدني أو ترك يشق على النفس، كما يدل عليه حذف متعلقه، والمعنى استعينوا على إقامة دينكم والدفاع عنه وعلى سائر ما يشق عليكم من مصائب الحياة بالصبر وتوطين النفس على احتمال المكارة وبالصلاة التي تكبر بها الثقة بالله  وتصغر بمناجاته فيها كل المشاق وأعمها المصائب المذكورة في الآيات بعده ولا سيما الأعمال العامة النفع كالجهاد المشار إليه في الآية التالية.

ذكر الله تعالي افتتان الناس بتحويل القبلة، وتقدم شرح ما دلت عليه الآيات من عظم أمر تلك الفتنة، وإزالة شبه الفاتنين والمفتونين، وإقامة الحجج علي المشاغبين، وحكم التحويل وفوائده للمؤمنين، ومنها إتمام النعمة، والبشارة بالاستيلاء علي مكة، وكون ذلك طريقًا للهداية، لما في الفتن من التمحيص الذي يتميز به المؤمن الصادق، من المسلم المنافق، فهي تظهر الثابت علي الحق المطمئن به، وتفضح المنافق المرائي فيه بما تظهر من زلزاله واضطرابه فيما لديه، أو انقلابه ناكصًا علي عقبيه، ثم شبه هذه النعمة التامة بالنعمة الكبرى وهي إرسال الرسول فيهم، يعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وفي ذلك من التثبيت في مقاومة الفتنة، وتأكيد أمر القبلة، ما يليق بتلك الحالة.

وقفى ذلك بالأمر بذكره وشكره على هذه النعم للإيذان بأن تحويل القبلة الذي صوره السفهاء من الناس بصورة النقمة، هو في نفسه أجل منه وأكبر نعمة.

لا جرم أن تلك النعم التي يجب ذكرها وشكرها للمنعم جل شأنه كانت تقرن بضروب من البلاء وأنواع من المصائب، أكبرها ما يلاقيه أهل الحق من مقاومة الباطل وأحزابه، وأصغرها ما لا يسلم منه أحد في ماله وأهله وأحبابه، أليس من النسب القريب بين الكلام، ومن كمال الإرشاد في هذا المقام، أن يرد بعد الأمر بالشكر، أمر آخر بالصبر، وأن يعد الله المؤمنين بالجزاء على هذا كما وعدهم بالجزاء على ذاك؟

بلي.

.

إن هذه الآيات متصلة بما قبلها، متممة للإرشاد فيها، وقد هدي سبحانه بلطفه إلى علاج الداء قبل بيانه، فأمر بالاستعانة على ما يلاقيه المؤمنون بالصبر والصلاة، ووعد على ذلك بمعونته الإلهية، ثم أشعرهم بما يلاقونه في سبيل الحق والدعوة إلي الدين والمدافعة عنه وعن أنفسهم.

فهو  يأمرهم بالصبر على ذلك كله، لا أن الآية في الانقطاع إلى العبادة والصبر على الطاعة مطلقًا بحيث يكون القاعد عن الجهاد بنفسه وماله، أو السعي لعياله -اعتكافًا في مسجد أو انزواء في خلوة- عاملًا بها.

كان المؤمنون في قلة من العَدد والعُدد، وكانت الأمم كلها مناوئة لهم، فالمشركون أخرجوهم من ديارهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم، ويصدون الناس عنهم، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم وأموالهم وما فتئوا يغيرون عليهم، ويصدون الناس عنهم، ثم كانوا يلاقون في مهاجرهم ما يلاقون من عداوة أهل الكتاب ومكرهم، ومن مراوغة المنافقين وكيدهم، فأمرهم الله تعالى أن يستعينوا في مقاومة ذلك كله وفي سائر ما يعرض لهم من المصائب بالصبر والصلاة.

أما الصبر فقد ذكر في القرآن سبعين مرة ولم تذكر فضيلة أخري فيه بهذا المقدار، وهذا يدل على عظم أمره، وقد جعل التواصي به في سورة العصر مقرونًا بالتواصي بالحق، إذ لا بد للداعي إلي الحق منه.

والمراد بالصبر في هذه الآيات كلها ملكة الثبات والاحتمال التي تهون علي صاحبها كل ما يلاقيه في سبيل تأييد الحق ونصر الفضيلة.

فضيلة هي أم الفضائل التي تربي ملكات الخير في النفس، فما من فضيلة إلا وهي محتاجة إليها.

وإنما يظهر الصبر في ثبات الإنسان على عمل اختياري يقصد به إثبات حق أو إزالة باطل أو الدعوة إلى عقيدة، أو تأييد فضيلة، أو إيجاد وسيلة إلي عمل عظيم، لأن أمثال هذه الكليات التي تتعلق بالمصالح العامة هي التي تقابل من الناس بالمقاومة والمحادة التي يعوز فيها الصبر، ويعز معها الثبات على احتمال المكاره، ومصارعة الشدائد، فالثابت على العمل في مثل هذه الحال هو الصابر وإن كان في أول الأمر متكلفًا، ومتي رسخت الملكة يسمي صاحبها صبورًا وصبارًا.

وليس كل محتمل للمكروه من الصابرين الذين أخبر الله في هذه الآية أنه معهم وبشرهم في الآية الآتية، وأثنى عليهم في آيات كثيرة، بل لا بد من العمل للحق والثبات فيه كما قدمناه لأن الفضائل لا تتحقق إلا بما يصدر عنها من الأعمال الاختيارية التي هي مناط الجزاء، بل الصبر نفسه ملكة اكتسابية ولذلك أمر الله تعالي به، وإنما يكون الامتثال بتعويد النفس احتمال المكاره والشدائد في سبيل الحق.

وعلى ذلك جري النبي  وأصحابه عليهم الرضوان، حتى فازوا بعاقبة الصبر المحمودة ونصرهم الله تعالي مع قلتهم وضعفهم على جميع الأمم مع قوتها وكثرتها، وإنما كان ذلك بالصبر، لأن الله تعالي جعله سببًا للنجاة من الخسر، كما جاء في سورة العصر.

المتحمل للمكروه مع السآمة والضجر لا يعد صابرًا، وهذا هو شأن منتحلي العلم ومدعي الصلاح في هذا الزمان، تراهم أضعف الناس قلوبًا وأشدهم اضطرابًا إذا عرض لهم شيء علي غير ما يهوون، علي أن عنوان صلاحهم واستمساكهم بعروة الدين هو جرس الذكر وحركات الأعضاء في الصلاة، وما كان للمصلي ولا للذاكر أن يكون ضعيف القلب عادم الثقة بالله تعالي وهو جل ثناؤه يبرئ المصلين من الجزع الذي هو ضد الصبر بقوله ﴿ إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا  إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا  إِلاَّ الْمُصَلِّينَ  ﴾ إلخ وقد جعل ذكره مع الثبات في البأساء في قرن إذ قال ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ  ﴾ وقد قرن في الآية التي نفسرها الصلاة بالصبر وجعل الأمرين معًا ذريعة الاستعانة علي ما يلاقي المؤمنون في طريق الحق من الشدائد.

ولو كان هؤلاء الأدعياء مصلين لكانوا من الصابرين، وإنما تلك حركات تعودوها فهم يكررونها ساهين عنها، أو يقصدون بها قلوب الناس يبتغون عندها المكانة الرفيعة بالدين، لما يترتب على ذلك من المنافع والفوائد الدنيوية التي لا يعقلون سواها.

فيجب على كل مؤمن أن يعود نفسه احتمال المكاره، ويحاول تحصيل ملكة الصبر عندما تعرض له أسبابه، فمن لم يستعن على عمله بالصبر، لا يتم له أمر، ولا يثبت على عمل، ولا سيما الأعمال العظيمة كتربية الأمم والانتقال بها من حال إلى حال، لذلك تري كثيرين يشرعون في الأعمال العظيمة فيعوزهم الصبر فيقفون عند الخطوة الثانية.

ومن يزعم أنه عاجز عن تحصيل هذه الملكة فهو خائن لنفسه جاهل بما أودع الله فيه من الاستعداد، فهو باحتقاره لنفسه محتقر نعمة الله تعالي عليه، وهو بهذا الإحساس بالعجز قد سجل علي نفسه الحرمان من جميع الفضائل.

وجه الحاجة إلى الاستعانة بالصبر على تأييد الحق والقيام بأعبائه ظاهر جلي.

وأما الحاجة إلى الاستعانة بالصلاة فوجهها محجوب لا يكاد ينكشف إلا للمصلين الذين هم في صلاتهم خاشعون.

تلك الصلاة التي أكثر من ذكرها الكتاب العزيز ووصف ذويها بفضلى الصفات وهي التوجه إلي الله تعالي ومناجاته وحضور القلب معه سبحانه واستغراقه في الشعور بهيبته وجلاله وكمال سلطانه.

تلك الصلاة التي قال فيها جل ذكره ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ  ﴾ وقال فيها ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ  ﴾ وليست هي الصورة المعهودة من القيام والركوع والسجود والتلاوة باللسان خاصة، التي يسهل علي كل صبي مميز أن يتعودها، والتي نشاهد من المعتادين لها الإصرار على الفواحش والمنكرات، واجتراح الآثام والسيئات، وأي قيمة لتلك الحركات الخفيفة في نفسها حتي يصفها رب العزة والجلال بالكبر إلا علي الخاشعين؟

إنما جعلت تلك الحركات والأقوال صورة للصلاة لتكون وسيلة لتذكير الغافلين، وتنبيه الذاهلين، ودافعًا يدفع المصلي إلى ذلك التوجه المقصود الذي يملأ القلب بعظمة الله وسلطانه حتى يستسهل في سبيله كل صعب، ويستخف بكل كرب، ويسهل عليه عند ذلك احتمال كل بلاء، ومقاومة كل عناء، فإنه لا يتصور شيئًا يعترض في سبيله إلا ويري سيده ومولاه أكبر منه، فهو لا يزال يقول: الله أكبر.

حتى لا يبقى في نفسه شيء كبير إلا ما كان مرضيًا لله العلي الكبير، الذي يلجأ إليه في الحوادث، ويفزع إليه عند الكوارث.

ثم قال: ﴿ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ ولم يقل معكم ليفيد أن معونته إنما تمدهم إذا صار الصبر وصفًا لازمًا لهم، وقالوا إن المعية هنا معية المعونة.

فالصابرون موعودون من الله تعالي بالمعونة والظفر، ومن كان الله معينه وناصره فلا يغلبه شيء.

إن من سنة الله تعالي أن الأعمال العظيمة لا تتم ولا ينجح صاحبها إلا بالثبات والاستمرار، وهذا إنما يكون بالصبر، فمن صبر فهو على سنة الله والله معه بما جعل الصبر سببًا للظفر، لأنه يولد الثبات والاستمرار الذي هو شرط النجاح، ومن لم يصبر فليس الله معه، لأنه تنكب سنته، ولن يثبت فيبلغ غايته.

علم الله تعالي ما سيلاقيه المؤمنون في الدعوة إلي دينه وتقريره وإقامته من المقاومات وتثبيط الهمم وما يقوله لهم الناس في ذلك وما يقول الضعفاء في أنفسهم: كيف تبذل هذه النفوس وتستهدف للقتل بمخالفة الأمم كلها؟

وما الغاية من قتل الإنسان نفسه لأجل تعزيز رجل في دعوته؟

وغير ذلك مما كانوا يسمعونه من المنافقين والكافرين، وربما أثر في نفوس بعض الضعفاء فاستبطأوا النصر، فعلَّمهم الله  ما يستعينون به على مجاهدة الخواطر والهواجس، ومقاومة الشبهات والوساوس، فأمر أولًا بالاستعانة بالصبر والصلاة.

ثم ذكر أعظم شيء يستعان عليه بذلك وهو القتل في سبيل دعوة الحق وحمايته -ذكره مدرجًا في سياق تقرير حقيقة ودفع شبهة- فقال ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ  ﴾ أي لا تقولوا في شأنهم: هم أموات.

وقالوا إن اللام في ﴿ لِمَنْ  ﴾ للتعليل لا للتبليغ والمعني ظاهر والتركيب مألوف ﴿ بَلْ  ﴾ هم ﴿ أَحْيَاءٌ  ﴾ في عالم غير عالمكم ﴿ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ  ﴾ بحياتهم إذ ليست في عالم الحس الذي يدرك بالمشاعر، ثم لا بد أن تكون هذه الحياة حياة خاصة غير التي يعتقدها جميع المليين في جميع الموتى من بقاء أرواحهم بعد مفارقة أشباحهم، ولذلك ذهب بعض الناس إلي أن حياة الشهداء تتعلق بهذه الأجساد وإن فنيت أو احترقت أو أكلتها السباع أو الحيتان، وقالوا إنها حياة لا نعرفها، ونحن نقول مثلهم إننا لا نعرفها ونزيد إننا لا نثبت ما لا نعرف.

وقال بعضهم إنها حياة يجعل الله بها الروح في جسم آخر يتمتع به ويرزق.

ورووا في هذا روايات منها الحديث الذي أشار إليه المفسر (الجلال) وهو"إن أرواح الشهداء عند الله في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة"وقيل إنها حياة الذكر الحسن والثناء بعد الموت.

وقيل إن المراد بالموت والحياة الضلال والهدي.

روي هذا الأصم أي لا تقولوا إن باذل روحه في سبيل الله ضال بل هو مهتد.

وقيل إنها حياة روحانية محضة.

وقيل إن المراد أنهم سيحيون في الآخرة وأن الموت ليس عدمًا كما يزعم بعض المشركين.

فالآية عند هؤلاء على حد ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ  وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ  ﴾ أي أن مصيرهم إلي ذلك.

وقال بعض العلماء الباحثين في الروح: إن الروح إنما تقوم بجسم لطيف "أثيري" في صورة هذا الجسم المركب الذي يكون عليه الإنسان في الدنيا، وبواسطة ذلك الجسم الأثيري تجول الروح في هذا الجسم المادي، فإذا مات المرء وخرجت روحه فإنما تخرج بالجسم الأثيري وتبقي معه، وهو جسم لا يتغير ولا يتبدل ولا يتحلل.

وأما هذا الجسم المحسوس فإنه يتحلل ويتبدل في كل بضع سنين ..

ويقرب هذا القول من مذهب المالكية، فقد روي عن مالك رحمه الله تعالي أنه قال: إن الروح صورة كالجسد.

أي لها صورة، وما الصورة إلا عرض، وجوهر هذا العرض هو الذي سماه العلماء بالأثير.

وإذا كان من خواص الأثير النفوذ في الأجسام اللطيفة والكثيفة كما يقولون حتى إنه هو الذي ينقل النور من الشمس إلي طبقة الهواء فلا مانع أن تتعلق به الروح المطلقة في الآخرة ثم هو يحل بها جسمًا آخر تنعم به وترزق سواء كان جسم طير أو غيره.

وقد قال تعالي في آية أخري ﴿ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  ﴾ وهذا القول يقرب معني الآية من العلم.

والمعتقد عندي في هذه الحياة هو أنها حياة غيبية تمتاز بها أرواح الشهداء على سائر أرواح الناس، بها يرزقون وينعمون، ولكننا لا نعرف حقيقتها ولا حقيقة الرزق الذي يكون بها، ولا نبحث عن ذلك لأنه من عالم الغيب الذي نؤمن به ونفوض الأمر فيه إلي الله تعالي.

ذكر الله تعالي فضل الشهادة التي استهدف لها المؤمنون في سبيل الدعوة إلي الحق والدفاع عنه، ثم ذكر مجموع المصائب التي يبلوهم ويمتحنهم بها والتي لا تنافي ما وعدهم به من نعم الدنيا فقال ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ  ﴾ أي ولنمتحننكم ببعض ضروب الخوف من الأعداء وغيره من المصائب البشرية المعتادة في المعايش، وأكد هذا بصيغة القسم لتوطين الأنفس عليه فعلمهم به أن مجرد الانتساب إلي الإيمان، لا يقتضي سعة الرزق وقوة السلطان، وانتفاء المخاوف والأحزان، بل يجري ذلك بسنن الله تعالي في الخلق كما أن من سنن الخلق وقوع المصائب بأسبابها.

وإنما المؤمن الموفق من يستفيد من مجاري الأقدار، إذ يتربى ويتأدب بمقاومة الشدائد والأخطار، ومن لم تعلمه الحوادث، وتهذبه الكوارث، فهو جاهل بهدي الدين، متبع غير سبيل المؤمنين، غير معتبر بقوله تعالى بعد ذكر هذا البلاء المبين ﴿ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ  ﴾ فإنه تعالى أراد أن ينبهنا بهذا إلى أن هذه العقيدة هي التي تكتسب بها ملكة الصبر التي يقرن بها الظفر ويكون صاحبها أهلًا لأن يبشر باحتمال البلاء والاستفادة بحسن العاقبة في الأمور كلها.

فالبشارة في الآية عامة ولم يذكر المبشر به إيذانًا بذلك وهو إيجاز لا يعهد مثله في غير القرآن الحكيم، فأنت ترى أنه لو أريد ذكر ما يبشرون به لخرج الكلام إلي تطويل لا حاجة إليه كبيان عاقبة من يقع في كل نوع من أنواع المخاوف فيصابرها وينجح في أعقابها وهي كثيرة، وهكذا الخوف المشار إليه في الآية -وأعداء الإسلام علي ما كانوا عليه من الكثرة والقوة- ظاهر لا يخفى، علي أن بعضهم فسره بالخوف من الله تعالي وهو باطل لأن هذا من أعظم ثمرات الإيمان، لا من مصائب الامتحان، فهو نعمة تعين على الصبر لا مصيبة يطلب الصبر عليها أو فيها لأجل تهوين خطبها.

وأما الجوع فقد قالوا إنه ما يكون من الجدب والقحط.

وليس هذا هو المراد في الآية المسوقة لبيان ما يلاقي المؤمنون في سبيل الإيمان ولا وقع للصحابة في ذلك العهد، وإنما هو أحدهم فيفصل من أهله وعشيرته ويخرج في الغالب صفر اليدين، ولذلك كان الفقر عامًا في المسلمين من أول عهدهم إلى ما بعد فتح مكة، ومن هذا التفسير يفهم المراد من نقص الأموال وهي الأنعام التي كانت معظم ما يتموله العرب.

وأما الثمرات فهي على أصلها، وكان معظمها ثمرات النخيل.

وقيل هي الولد ثمر القلب كما يقولون في المجاز المشهور.

وقد بلغ من جوع المسلمين أن كانوا يتبلغون بثمرات يسيرة ولا سيما في غزوتي الأحزاب وتبوك.

وأما نقص الأنفس فهو ما كان من القتل والموتان من اجتواء المدينة، فقد كانت عند هجرتهم إليها بلد وباء وحُمّى ثم حسن مناخها.

ثم وصف الصابرين المستحقين للبشارة بقوله ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ  ﴾ أي قالوا معبرين به عن حالهم ومقتضى إيمانهم، وليس المراد بالقول مجرد النطق بهذه الكلمة علي أن يحفظوها حفظًا، ويلفظوها لفظًا، وإن كانوا لا يعقلون لها معني وإنما المراد التلبس بمعناها والتحقق في الإيمان بأنهم من خلق الله وملك الله وإلي الله يرجعون، فهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ولا يفعل إلا ما سبقت به الحكمة، وارتضاه النظام الإلهي المعبر عنه بالسنة.

بحيث ينطلق اللسان بالكلمة بدافع الشعور بهذا المعنى وتمكنه من النفس، فأصحاب هذا الاعتقاد والشعور هم الجديرون بالصبر إيمانًا وتسليمًا بحيث لا يملك الجزع نفوسهم ولا تقعد المصائب هممهم، بل تزيدهم ثباتًا ومثابرة فيكونون هم الفائزين.

ولا ينافي الصبر والتثبيت ما يكون من حزن الإنسان عند نزول المصيبة بل ذلك من الرحمة ورقة القلب، ولو فقد الإنسان هذه الرحمة لكان قاسيًا لا يرجى خيره ولا يؤمن شره، وإنما الجزع المذموم هو الذي يحمل صاحبه علي ترك الأعمال المشروعة لأجل المصيبة، والأخذ بعادات وأعمال مذمومة ضارة ينهى عنها الشرع، ويستقبحها العقل، كما نشاهد من جماهير الناس في المصائب والنوائب.

وقد ورد في الصحيحين أن النبي  بكى عندما حضر ولده إبراهيم  الموت وقيل له أليس: قد نهيتنا عن ذلك؟

فأخبر أنها الرحمة وقال: "إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون".

وفائدة الإخبار بالبلاء قبل وقوعه توطين النفس عليه واستعدادها لتحمله والاستفادة منه.

"ما مَنْ دهي بالأمر كالمعتد" هذا إن لم يقترن بالخبر إرشاد وتعليم، فكيف إذا اقترنت به هداية العزيز العليم؟

ذكر البلاء وبشر الصابرين عليه وذكر الوصف الذي يستحقون به البشارة وختم القول ببيان الجزاء المبشر به بالإجمال فقال ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ  ﴾ أي أولئك الصابرون المحتسبون عليهم من ربهم الرؤوف الرحيم ما يحول دون تبريح المصائب بهم من أنواع صلواته العامة ورحمته الخاصة، فأما الصلوات فالمراد بها أنواع التكريم والنجاح، وإعلاء المنزلة عند الله والناس، وعن ابن عباس: إنها المغفرة لذنوبهم.

وأما الرحمة فهي ما يكون لهم في نفس المصيبة من حسن العزاء، وبرد الرضى والتسليم للقضاء.

فهي رحمة خاصة يحسد الملحدون عليها المؤمنين، فإن الكافر المحروم من هذه الرحمة في المصيبة تضيق عليه الدنيا بما رحبت، حتى أنه ليبخع نفسه إذ لم يعد له رجاء في الأسباب التي يعرفها، وينتحر بيده ويكون من الهالكين.

﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ  ﴾ أي إلى ما ينبغي عمله في أوقات المصائب والشدائد، إذ لا يستحوذ الجزع علي نفوسهم، ولا يذهب البلاء بالأمل من قلوبهم، فيكونون هم الفائزين بخير الدنيا والراحة فيها، المستعدين لسعادة الآخرة بعلو النفس وتزكيتها بمكارم الأخلاق وصالح الأعمال، دون أهل الجزع وضعف الإيمان، كما تدل عليه الجملة الاسمية المعرفة الطرفين المؤكدة بضمير الفصل.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله