الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٥٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 181 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٥٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، أخبرنا إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : قلت : أرأيت قول الله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) قلت : فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما ؟
فقالت عائشة : بئسما قلت يا ابن أختي ، إنها لو كانت على ما أولتها عليه كانت : فلا جناح عليه ألا يطوف بهما ، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية ، التي كانوا يعبدونها عند المشلل .
وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة ، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا رسول الله ، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية .
فأنزل الله عز وجل : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) إلى قوله : ( فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما ، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما .
أخرجاه في الصحيحين .
وفي رواية عن الزهري أنه قال : فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال : إن هذا العلم ، ما كنت سمعته ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : إن الناس إلا من ذكرت عائشة كانوا يقولون : إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية .
وقال آخرون من الأنصار : إنما أمرنا بالطواف بالبيت ، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة ، فأنزل الله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) قال أبو بكر بن عبد الرحمن : فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء .
ورواه البخاري من حديث مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة بنحو ما تقدم .
ثم قال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف ، حدثنا سفيان ، عن عاصم بن سليمان قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة قال : كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما ، فأنزل الله عز وجل : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) .
وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال : كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله ، وكانت بينهما آلهة ، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الطواف بينهما ، فنزلت هذه الآية .
وقال الشعبي : كان إساف على الصفا ، وكانت نائلة على المروة ، وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما ، فنزلت هذه الآية .
قلت : وذكر ابن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين ، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس ، فلما طال عهدهما عبدا ، ثم حولا إلى الصفا والمروة ، فنصبا هنالك ، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما ، ولهذا يقول أبو طالب ، في قصيدته المشهورة : وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم بمفضى السيول من إساف ونائل وفي صحيح مسلم [ من ] حديث جابر الطويل ، وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من طوافه بالبيت ، عاد إلى الركن فاستلمه ، ثم خرج من باب الصفا ، وهو يقول : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله ) ثم قال : " أبدأ بما بدأ الله به " .
وفي رواية النسائي : " ابدءوا بما بدأ الله به " .
وقال الإمام أحمد : حدثنا شريح ، حدثنا عبد الله بن المؤمل ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن صفية بنت شيبة ، عن حبيبة بنت أبي تجراة قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة ، والناس بين يديه ، وهو وراءهم ، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره ، وهو يقول : " اسعوا ، فإن الله كتب عليكم السعي " .
ثم رواه الإمام أحمد ، عن عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن واصل مولى أبي عيينة عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة ، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول : " كتب عليكم السعي ، فاسعوا " .
وقد استدل بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج ، كما هو مذهب الشافعي ، ومن وافقه [ ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك ] .
وقيل : إنه واجب ، وليس بركن [ فإن تركه عمدا أو سهوا جبره بدم وهو رواية عن أحمد وبه تقول طائفة وقيل : بل مستحب ، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين ، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس ، وحكي عن مالك في العتبية ، قال القرطبي : واحتجوا بقوله : ( فمن تطوع خيرا ) ] .
وقيل : بل مستحب .
والقول الأول أرجح ، لأنه عليه السلام طاف بينهما ، وقال : " لتأخذوا عني مناسككم " .
فكل ما فعله في حجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج ، إلا ما خرج بدليل ، والله أعلم [ وقد تقدم قوله عليه السلام : " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " ] .
فقد بين الله تعالى أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله ، أي : مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج ، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها ، لما نفد ماؤها وزادها ، حين تركهما إبراهيم عليه السلام هنالك ليس عندهما أحد من الناس ، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك ، ونفد ما عندها قامت تطلب الغوث من الله ، عز وجل ، فلم تزل تردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله ، عز وجل ، حتى كشف الله كربتها ، وآنس غربتها ، وفرج شدتها ، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم ، وشفاء سقم ، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه ، وأن يلتجئ إلى الله ، عز وجل ، ليزيح ما هو به من النقائص والعيوب ، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته عليه إلى مماته ، وأن يحوله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي ، إلى حال الكمال والغفران والسداد والاستقامة ، كما فعل بهاجر عليها السلام .
وقوله : ( فمن تطوع خيرا ) قيل : زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنة وتاسعة ونحو ذلك .
وقيل : يطوف بينهما في حجة تطوع ، أو عمرة تطوع .
وقيل : المراد تطوع خيرا في سائر العبادات .
حكى ذلك [ فخر الدين ] الرازي ، وعزى الثالث إلى الحسن البصري ، والله أعلم .
وقوله : ( فإن الله شاكر عليم ) أي : يثيب على القليل بالكثير ) عليم ) بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و ( لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما ) [ النساء : 40 ] .
إن الصفا والمروة من شعائر الله القول في تأويل قوله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } والصفا : جمع صفاة , وهي الصخرة الملساء , ومنه قول الطرماح : أبى لي ذو القوى والطول ألا يؤبس حافر أبدا صفاتي وقد قالوا إن الصفا واحد , وأنه يثنى صفوان ويجمع أصفاء وصفيا وصفيا ; واستشهدوا على ذلك بقول الراجز : كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفي وقالوا : هو نظير عصا وعصي ورحا ورحي وأرحاء .
وأما المروة فإنها الحصاة الصغيرة يجمع قليلها مروات , وكثيرها المرو مثل تمرة وتمرات وتمر .
قال الأعشى ميمون بن قيس : وترى بالأرض خفا زائلا فإذا ما صادف المرو رضح يعني بالمرو : الصخر الصغار .
ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي : حتى كأن للحوادث مروة بصفا المشرق كل يوم تقرع ويقال " المشقر " .
وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : { إن الصفا والمروة } في هذا الموضع : الجبلين المسميين بهذين الاسمين اللذين في حرمه دون سائر الصفا والمرو ; ولذلك أدخل فيهما الألف واللام , ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين دون سائر الصفا والمرو .
وأما قوله : { من شعائر الله } فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلما ومشعرا يعبدونه عندها , إما بالدعاء وإما بالذكر وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها ; ومنه قول الكميت : نقتلهم جيلا فجيلا تراهم شعائر قربان بهم يتقرب وكان مجاهد يقول في الشعائر بما : 1935 - حدثني به محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } قال : من الخبر الذي أخبركم عنه * - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مثله .
فكأن مجاهدا كان يرى أن الشعائر إنما هو جمع شعيرة من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم في الطواف بهما , فمعناه إعلامهم ذلك ; وذلك تأويل من المفهوم بعيد .
وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم , وأمر بها خليله إبراهيم صلى الله عليه وسلم , إذ سأله أن يريه مناسك الحج .
وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر , فإنه مراد به الأمر لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيم عليه السلام فقال له : { ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا } 16 123 وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماما لمن بعده .
فإذا كان صحيحا أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج , فمعلوم أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم قد عمل به وسنه لمن بعده , وقد أمر نبينا صلى الله عليه وسلم أمته باتباعه فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم .فمن حج البيت أو اعتمر القول في تأويل قوله تعالى : { فمن حج البيت أو اعتمر } يعني تعالى ذكره : { فمن حج البيت } فمن أتاه عائدا إليه بعد بدء , وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاج إليه ; ومنه قول الشاعر : وأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون بيت الزبرقان المزعفرا يعني بقوله يحجون : يكثرون التردد إليه لسؤدده ورياسته .
وإنما قيل للحاج حاج لأنه يأتي البيت قبل التعريف ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد التعريف , ثم ينصرف عنه إلى منى , ثم يعود إليه لطواف الصدر , فلتكراره العود إليه مرة بعد أخرى قيل له حاج .
وأما المعتمر فإنما قيل له معتمر لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه .
وإنما يعني تعالى ذكره بقوله : { أو اعتمر } أو اعتمر البيت , ويعني بالاعتمار الزيارة , فكل قاصد لشيء فهو له معتمر ومنه قول العجاج : لقد سما ابن معمر حين اعتمر مغزى بعيدا من بعيد وضبر يعني بقوله " حين اعتمر " : حين قصده وأمه .فلا جناح عليه أن يطوف بهما القول في تأويل قوله تعالى : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } .
يعني تعالى ذكره بقوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يقول : فلا حرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما .
فإن قال قائل : وما وجه هذا الكلام , وقد قلت لنا إن قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما ؟
فكيف يكون أمرا بالطواف , ثم يقال : لا جناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما ؟
وإنما يوضع الجناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج والأمر بالطواف بهما , والترخيص في الطواف بهما غير جائز اجتماعهما في حال واحدة ؟
قيل : إن ذلك بخلاف ما إليه ذهب , وإنما معنى ذلك عند أقوام أن النبي صلى الله عليه وسلم لما اعتمر عمرة القضية تخوف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا : وكيف نطوف بهما , وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله شرك ؟
ففي طوافنا بهذين الحجرين أحد ذلك , لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما , وقد جاء الله بالإسلام اليوم ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له .
فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } يعني أن الطواف بهما , فترك ذكر الطواف بهما اكتفاء بذكرهما عنه .
وإذ كان معلوما عند المخاطبين به أن معناه : من معالم الله التي جعلها علما لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر , فمن حج البيت أو اعتمر فلا يتخوفن الطواف بهما , من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما , من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما , فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرا , وأنتم تطوفون بهما إيمانا وتصديقا لرسولي وطاعة لأمري , فلا جناح عليكم في الطواف بهما .
والجناح : الإثم .
كما : 1936 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } يقول : ليس عليه إثم ولكن له أجر .
وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين .
ذكر الأخبار التي رويت بذلك : 1937 - حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال : ثنا يزيد بن زريع , قال : ثنا داود , عن الشعبي : أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إسافا , ووثنا على المروة يسمى نائلة ; فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين ; فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان , قال المسلمون : إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين , وليس الطواف بهما من الشعائر .
قال : فأنزل الله : إنهما من الشعائر { فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } 1938 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عامر , قال : كان صنم بالصفا يدعى إسافا , ووثن بالمروة يدعى نائلة .
ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب وزاد فيه , قال : فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه , وأنث المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا .
1939 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن داود بن أبي هند , عن الشعبي , وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب , عن يزيد , وزاد فيه قال : فجعله الله تطوع خير .
1940 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن أبي زائدة , قال : أخبرني عاصم الأحول , قال : قلت لأنس بن مالك : أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية ؟
فقال : نعم كنا نكره الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } * - حدثني علي بن سهل الرملي , قال : ثنا مؤمل بن إسماعيل , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة , فقال : كانتا من مشاعر الجاهلية , فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما , فنزلت : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } 1941 - حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث , قال : حدثني أبو الحسين المعلم , قال : ثنا سنان أبو معاوية , عن جابر الجعفي , عن عمرو بن حبشي , قال : قلت لابن عمر : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : انطلق إلى ابن عباس فاسأله , فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم !
فأتيته فسألته , فقال : إنه كان عندهما أصنام , فلما حرمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } 1942 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : حدثني معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } وذلك أن ناسا كانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة , فأخبر الله أنهما من شعائره , والطواف بينهما أحب إليه , فمضت السنة بالطواف بينهما .
1943 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : زعم أبو مالك عن ابن عباس أنه كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة , وكانت بينهما آلهة , فلما جاء الإسلام وظهر قال المسلمون : يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة , فإنه شرك كنا نفعله في الجاهلية !
فأنزل الله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } 1944 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } قال : قالت الأنصار : إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية .
فأنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } * - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد نحوه .
1945 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : كان أهل الجاهلية قد وضعوا على كل واحد منهما صنما يعظمونهما ; فلما أسلم المسلمون كرهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين , فقال الله تعالى : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } وقرأ : { ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب } 22 32 وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , قال قلت لأنس : الصفا والمروة أكنتم تكرهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نهيتم عنها ؟
قال : نعم حتى نزلت : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , قال : أخبرنا عاصم , قال : سمعت أنس بن مالك يقول : إن الصفا والمروة من مشاعر قريش في الجاهلية , فلما كان الإسلام تركناهما .
وقال آخرون : بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية في سبب قوم كانوا في الجاهلية لا يسعون بينهما فلما جاء الإسلام تخوفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوفونه في الجاهلية .
ذكر من قال ذلك : 1946 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , عن سعيد , عن قتادة قوله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية , فكان حي من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما , فأخبرهم الله أن الصفا والمروة من شعائر الله , وكان من سنة إبراهيم وإسماعيل الطواف بينهما .
* - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة , قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة , فأنزل الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } 1947 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني الليث , قال : حدثني عقيل , عن ابن شهاب , قال : حدثني عروة بن الزبير , قال : سألت عائشة فقلت لها : أرأيت قول الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } ؟
وقلت لعائشة : والله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة !
فقالت عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختي , إن هذه الآية لو كانت كما أولتها كانت لا جناح عليه أن لا يطوف بهما , ولكنها إنما أنزلت في الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدون بالمشلل وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة , فلما سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ; أنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } .
قالت عائشة : ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما , فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما 1948 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر , عن الزهري , عن عروة , عن عائشة , قالت : كان رجال من الأنصار ممن يهل لمناة في الجاهلية ومناة صنم بين مكة والمدينة , قالوا : يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيما لمناة , فهل علينا من حرج أن نطوف بهما ؟
فأنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال عروة : فقلت لعائشة : ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة , قال الله : { فلا جناح عليه } قالت : يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ؟
قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام , فقال : هذا العلم !
قال أبو بكر : ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة , قيل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة , وإن الله قد ذكر الطواف بالبيت , ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما ؟
فأنزل الله تعالى ذكره : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية كلها .
قال أبو بكر : فأسمع أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما فيمن طاف وفيمن لم يطف .
1949 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا معمر عن قتادة , قال : كان ناس من أهل تهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة , فأنزل الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال : إن الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله , كما جعل الطواف بالبيت من شعائره .
فأما قوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فجائز أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي , وبعضهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية على ما روي عن عائشة .
وأي الأمرين كان من ذلك فليس في قول الله تعالى ذكره : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } الآية , دلالة على أنه عنى به وضع الحرج عمن طاف بهما , من أجل أن الطواف بهما كان غير جائز بحظر الله ذلك ثم جعل الطواف بهما رخصة لإجماع الجميع , على أن الله تعالى ذكره لم يحظر ذلك في وقت , ثم رخص فيه بقوله : { فلا جناح عليه أن يطوف بهما } .
وإنما الاختلاف في ذلك بين أهل العلم على أوجه ; فرأى بعضهم أن تارك الطواف بينهما تارك من مناسك حجه ما لا يجزيه منه غير قضائه بعينه , كما لا يجزي تارك الطواف الذي هو طواف الإفاضة إلا قضاؤه بعينه , وقالوا : هما طوافان أمر الله بأحدهما بالبيت , والآخر بين الصفا والمروة .
ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يجزيه من تركه فدية , ورأوا أن حكم الطواف بهما حكم رمي بعض الجمرات , والوقوف بالمشعر , وطواف الصدر , وما أشبه ذلك مما يجزي تاركه من تركه فدية ولا يلزمه العود لقضائه بعينه .
ورأى آخرون أن الطواف بهما تطوع , إن فعله صاحبه كان محسنا , وإن تركه تارك لم يلزمه بتركه شيء .
والله تعالى أعلم .
ذكر من قال : إن السعي بين الصفا والمروة واجب ولا يجزي منه فدية ومن تركه فعليه العودة .
1950 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , عن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة قالت : لعمري ما حج من لم يسع بين الصفا والمروة , لأن الله قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } 1951 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال مالك بن أنس : من نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة فليرجع فليسع , وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرة والهدي .
وكان الشافعي يقول : على من ترك السعي بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده العود إلى مكة حتى يطوف بينهما لا يجزيه غير ذلك .
حدثنا بذلك عنه الربيع .
ذكر من قال : يجزي منه دم وليس عليه عود لقضائه : قال الثوري بما : 1952 - حدثني به علي بن سهل , عن زيد بن أبي الزرقاء عنه , وأبو حنيفة , وأبو يوسف , ومحمد : إن عاد تارك الطواف بينهما لقضائه فحسن , وإن لم يعد فعليه دم .
ذكر من قال : الطواف بينهما تطوع ولا شيء على من تركه , ومن كان يقرأ : { فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما } 1953 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا ابن جريج , قال : قال عطاء : لو أن حاجا أفاض بعدما رمى جمرة العقبة فطاف بالبيت ولم يسع , فأصابها - يعني امرأته - لم يكن عليه شيء , لا حج ولا عمرة ; من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود : " فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " فعاودته بعد ذلك , فقلت : إنه قد ترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم , قال : ألا تسمعه يقول : فمن تطوع خيرا فأبى أن يجعل عليه شيئا ؟
1954 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا عبد الملك , عن عطاء , عن ابن عباس أنه كان يقرأ : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } الآية , { فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما } 1955 - حدثني علي بن سهل , قال : ثنا مؤمل , قال : ثنا سفيان , عن عاصم , قال سمعت أنسا يقول : الطواف بينهما تطوع .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد , قال : أخبرنا عاصم الأحول , قال : قال أنس بن مالك : هما تطوع .
1956 - حدثني محمد بن عمرو : قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد نحوه .
1957 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } قال : فلم يحرج من لم يطف بهما .
1958 - حدثنا المثنى , قال : ثنا حجاج قال : ثنا أحمد , عن عيسى بن قيس , عن عطاء , عن عبد الله بن الزبير , قال : هما تطوع * - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن عاصم , قال : قلت لأنس بن مالك : السعي بين الصفا والمروة تطوع ؟
قال : تطوع .
والصواب من القول في ذلك عندنا أن الطواف بهما فرض واجب , وأن على من تركه العود لقضائه ناسيا كان أو عامدا لأنه لا يجزيه غير ذلك , لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه حج بالناس فكان مما علمهم من مناسك حجهم الطواف بهما .
ذكر الرواية عنه بذلك : 1959 - حدثني يوسف بن سلمان , قال : ثنا حاتم بن إسماعيل , قال : ثنا جعفر بن محمد , عن أبيه , عن جابر قال : لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجه , قال : " { إن الصفا والمروة من شعائر الله } ابدءوا بما بدأ الله بذكره " فبدأ بالصفا فرقي عليه .
1960 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا محمود بن ميمون أبو الحسن , عن أبي بكر بن عياش , عن ابن عطاء عن أبيه , عن ابن عباس : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { إن الصفا والمروة من شعائر الله } , فأتى الصفا فبدأ بها , فقام عليها ثم أتى المروة فقام عليها وطاف وسعى .
فإذا كان صحيحا بإجماع الجميع من الأمة أن الطواف بهما على تعليم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم وعمله في حجه وعمرته , وكان بيانه صلى الله عليه وسلم لأمته جمل ما نص الله في كتابه وفرضه في تنزيله , وأمر به مما لم يدرك علمه إلا ببيانه لازما العمل به أمته كما قد بينا في كتابنا " كتاب البيان عن أصول الأحكام " إذا اختلفت الأمة في وجوبه , ثم كان مختلفا في الطواف بينهما هل هو واجب أو غير واجب ; كان بينا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر لما وصفنا , وكذلك وجوب العود لقضاء الطواف بين الصفا والمروة , لما كان مختلفا فيما على من تركه مع إجماع جميعهم , على أن ذلك مما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علمهم مناسك حجهم , كما طاف بالبيت وعلمه أمته في حجهم وعمرتهم , إذ علمهم مناسك حجهم وعمرتهم , وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تجزي منه فدية ولا بدل , ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه ; كان نظيرا له الطواف بالصفا والمروة , ولا تجزي منه فدية ولا جزاء , ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه , إذ كانا كلاهما طوافين أحدهما بالبيت والآخر بالصفا والمروة .
ومن فرق بين حكمهما عكس عليه القول فيه , ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما , فإن اعتل بقراءة من قرأ : " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " قيل : ذلك خلاف ما في مصاحف المسلمين غير جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها .
وسواء قرأ ذلك كذلك قارئ , أو قرأ قارئ : { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } 22 29 فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا به .
فإن جاءت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف كانت الأخرى نظيرتها وإلا كان مجيز إحداهما إذا منع الأخرى متحكما , والتحكم لا يعجز عنه أحد .
وقد روي إنكار هذه القراءة وأن يكون التنزيل بها عن عائشة .
1961 - حدثني يونس بن عبد الأعلى , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني مالك بن أنس , عن هشام بن عروة , عن أبيه قال : قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأنا يومئذ حديث السن : أرأيت قول الله عز وجل : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } فما نرى على أحد شيئا أن لا يطوف بهما ؟
فقالت عائشة : كلا لو كانت كما تقول كانت وفلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " , إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد , وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة ; فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك , فأنزل الله : { إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما } وقد يحتمل قراءة من قرأ : { فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما } أن تكون " لا " التي مع " أن " صلة في الكلام , إذ كان قد تقدمها جحد في الكلام قبلها , وهو قوله : { فلا جناح عليه } فيكون نظير قول الله تعالى ذكره : { قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } 7 12 بمعنى ما منعك أن تسجد , وكما قال الشاعر : ما كان يرضى رسول الله فعلهما والطيبان أبو بكر ولا عمر ولو كان رسم المصحف كذلك لم يكن فيه لمحتج حجة مع احتمال الكلام ما وصفنا لما بينا أن ذلك مما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته في مناسكهم على ما ذكرنا , ولدلالة القياس على صحته , فكيف وهو خلاف رسوم مصاحف المسلمين , ومما لو قرأه اليوم قارئ كان مستحقا العقوبة لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه ؟ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم القول في تأويل قوله تعالى : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } اختلف القراء في قراءة ذلك , فقرأته عامة قراء أهل المدينة والبصرة : { ومن تطوع خيرا } على لفظ المضي بالتاء وفتح العين .
وقرأته عامة قراء الكوفيين : { ومن يطوع خيرا } بالياء وجزم العين وتشديد الطاء , بمعنى : ومن يتطوع .
وذكر أنها في قراءة عبد الله : " ومن يتطوع " .
فقرأ ذلك قراء أهل الكوفة على ما وصفنا اعتبارا بالذي ذكرنا من قراءة عبد الله سوى عاصم فإنه وافق المدنيين , فشددوا الطاء طلبا لإدغام التاء في الطاء .
وكلتا القراءتين معروفة صحيحة متفق معنياهما غير مختلفين , لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل , فبأي القراءتين قرأ ذلك قارئ فمصيب .
ومعنى ذلك : ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه , فإن الله شاكر له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه فمجازيه به , عليم بما قصد وأراد بتطوعي بما تطوع به وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله : { فمن تطوع خيرا } هو ما وصفنا دون قول من زعم أنه معني به : فمن تطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة ; لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعا بالسعي بينهما إلا في حج تطوع أو عمرة تطوع لما وصفنا قبل ; وإذ كان ذلك كذلك كان معلوما أنه إنما عنى بالتطوع بذلك التطوع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة .
وأما الذين زعموا أن الطواف بهما تطوع لا واجب , فإن الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم : فمن تطوع بالطواف بهما فإن الله شاكر ; لأن للحاج والمعتمر على قولهم الطواف بهما إن شاء وترك الطواف , فيكون معنى الكلام على تأويلهم : فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة , فإن الله شاكر تطوعه ذلك , عليم بما أراد ونوى الطائف بهما كذلك .
كما : 1962 - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , قال : ثنا عيسى , عن ابن أبي نجيح عن مجاهد : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } قال : من تطوع خيرا فهو خير له , تطوع رسول الله فكانت من السنن .
وقال آخرون : معنى ذلك : ومن تطوع خيرا فاعتمر .
ذكر من قال ذلك : 1963 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم } من تطوع خيرا فاعتمر فإن الله شاكر عليم ; قال : فالحج فريضة , والعمرة تطوع , ليست العمرة واجبة على أحد من الناس .
قوله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم فيه تسع مسائل :الأولى : روى البخاري عن عاصم بن سليمان قال : سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة فقال : كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية ، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما ، فأنزل الله عز وجل إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما وخرج الترمذي عن عروة قال : قلت لعائشة ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئا ، وما أبالي ألا أطوف بينهما .
فقالت : بئس ما قلت يا ابن أختي !
طاف [ ص: 167 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون ، وإنما كان من أهل لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة ، فأنزل الله تعالى : فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ولو كانت كما تقول لكانت : " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " قال الزهري : فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك وقال : إن هذا لعلم ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يقولون : إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية .
وقال آخرون من الأنصار : إنما أمرنا بالطواف [ بالبيت ] ولم نؤمر به بين الصفا والمروة ، فأنزل الله تعالى : إن الصفا والمروة من شعائر الله قال أبو بكر بن عبد الرحمن : فأراها قد نزلت في هؤلاء وهؤلاء .
قال : " هذا حديث حسن صحيح " .
أخرجه البخاري بمعناه ، وفيه بعد قوله فأنزل الله تعالى إن الصفا والمروة من شعائر الله : قالت عائشة وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما ، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال : إن هذا لعلم ما كنت سمعته ، ولقد سمعت رجالا من أهل العلم يذكرون أن الناس - إلا من ذكرت عائشة - ممن كان يهل بمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة ، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت ولم يذكر الصفا والمروة في القرآن قالوا : يا رسول الله ، كنا نطوف بالصفا والمروة ، وإن الله أنزل الطواف بالبيت فلم يذكر الصفا ، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا والمروة ؟
فأنزل الله عز وجل : إن الصفا والمروة من شعائر الله الآية .
قال أبو بكر : فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما : في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا في الجاهلية بالصفا والمروة ، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإسلام ، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت ، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت " .
وروى الترمذي عن عاصم بن سليمان الأحول قال : سألت أنس بن مالك عن الصفا والمروة فقال : كانا من شعائر الجاهلية ، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما ، فأنزل الله عز وجل : إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما [ ص: 168 ] قال : هما تطوع ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم قال : هذا حديث حسن صحيح .
خرجه البخاري أيضا .
وعن ابن عباس قال كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل كله بين الصفا والمروة وكان بينهما آلهة ، فلما ظهر الإسلام قال المسلمون : يا رسول الله ، لا نطوف بين الصفا والمروة فإنهما شرك ، فنزلت .
وقال الشعبي : كان على الصفا في الجاهلية صنم يسمى " إسافا " وعلى المروة صنم يسمى " نائلة " فكانوا يمسحونهما إذا طافوا ، فامتنع المسلمون من الطواف بينهما من أجل ذلك ، فنزلت الآية .الثانية : أصل الصفا في اللغة الحجر الأملس ، وهو هنا جبل بمكة معروف ، وكذلك المروة جبل أيضا ، ولذلك أخرجهما بلفظ التعريف .
وذكر الصفا لأن آدم المصطفى صلى الله عليه وسلم وقف عليه فسمي به ، ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة ، فأنث لذلك ، والله أعلم .
وقال الشعبي : كان على الصفا صنم يسمى [ إسافا ] وعلى المروة صنم يدعى [ نائلة ] فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث وقدم المذكر ، وهذا حسن ; لأن الأحاديث المذكورة تدل على هذا المعنى .
وما كان كراهة من كره الطواف بينهما إلا من أجل هذا ، حتى رفع الله الحرج في ذلك .
وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله حجرين فوضعهما على الصفا والمروة ليعتبر بهما ، فلما طالت المدة عبدا من دون الله ، والله تعالى أعلم .
والصفا ( مقصور ) : جمع صفاة ، وهي الحجارة الملس .
وقيل : الصفا اسم مفرد ، وجمعه صفي ( بضم الصاد ) وأصفاء على مثل أرحاء .
قال الراجز [ هو الأخيل ] :كأن متنيه من النفي مواقع الطير على الصفيوقيل : من شروط الصفا البياض والصلابة ، واشتقاقه من صفا يصفو ، أي خلص من التراب والطين .
والمروة ( واحدة المرو ) وهي الحجارة الصغار التي فيها لين .
وقد قيل إنها الصلاب .
والصحيح أن المرو الحجارة صليبها ورخوها الذي يتشظى وترق حاشيته ، وفي هذا يقال : المرو أكثر ويقال في الصليب .
قال الشاعر :وتولى الأرض خفا ذابلا فإذا ما صادف المرو رضخ[ ص: 169 ] وقال أبو ذؤيب :حتى كأن للحوادث مروة بصفا المشقر كل يوم تقرعوقد قيل : إنها الحجارة السود .
وقيل : حجارة بيض براقة تكون فيها النار .الثالثة : من شعائر الله أي من معالمه ومواضع عباداته ، وهي جمع شعيرة .
والشعائر : المتعبدات التي أشعرها الله تعالى ، أي جعلها أعلاما للناس ، من الموقف والسعي والنحر .
والشعار : العلامة ، يقال : أشعر الهدي أعلمه بغرز حديدة في سنامه ، من قولك : أشعرت أي أعلمت ، وقال الكميت :نقتلهم جيلا فجيلا تراهم شعائر قربان بهم يتقربالرابعة : قوله تعالى : فمن حج البيت أي قصد .
وأصل الحج القصد ، قال الشاعر :فأشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفراالسب : لفظ مشترك .
قال أبو عبيدة : السب ( بالكسر ) الكثير السباب .
وسبك أيضا الذي يسابك ، قال الشاعر [ هو عبد الرحمن بن حسان ] :لا تسبنني فلست بسبي إن سبي من الرجال الكريموالسب أيضا الخمار ، وكذلك العمامة ، قال المخبل السعدي :يحجون سب الزبرقان المزعفراوالسب أيضا الحبل في لغة هذيل ، قال أبو ذؤيب :تدلى عليها بين سب وخيطة بجرداء مثل الوكف يكبو غرابهاوالسبوب : الحبال .
والسب : شقة كتان رقيقة ، والسبيبة مثله ، والجمع السبوب والسبائب ، قاله الجوهري .
وحج الطبيب الشجة إذا سبرها بالميل ، قال الشاعر [ هو عذار بن درة الطائي ] :يحج مأمومة في قعرها لجف[ ص: 170 ] اللجف : الخسف .
تلجفت البئر : انخسف أسفلها .
ثم اختص هذا الاسم بالقصد إلى البيت الحرام لأفعال مخصوصة .الخامسة : قوله تعالى : أو اعتمر أي زار والعمرة : الزيارة ، قال الشاعر [ هو العجاج ] :لقد سما ابن معمر حين اعتمر مغزى بعيدا من بعيد وضبرالسادسة : قوله تعالى : فلا جناح عليه أي لا إثم .
وأصله من الجنوح وهو الميل ، ومنه الجوانح للأعضاء لاعوجاجها .
وقد تقدم تأويل عائشة لهذه الآية .
قال ابن العربي : " وتحقيق القول فيه أن قول القائل : لا جناح عليك أن تفعل ، إباحة الفعل .
وقوله : لا جناح عليك ألا تفعل ، إباحة لترك الفعل ، فلما سمع عروة قول الله تعالى : فلا جناح عليه أن يطوف بهما قال : هذا دليل على أن ترك الطواف جائز ، ثم رأى الشريعة مطبقة على أن الطواف لا رخصة في تركه فطلب الجمع بين هذين المتعارضين .
فقالت له عائشة : ليس قوله : فلا جناح عليه أن يطوف بهما دليلا على ترك الطواف ، إنما كان يكون دليلا على تركه لو كان " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف ، ولا فيه دليل عليه ، وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان يتحرج منه في الجاهلية ، أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصدا للأصنام التي كانت فيه ، فأعلمهم الله سبحانه أن الطواف ليس بمحظور إذا لم يقصد الطائف قصدا باطلا " .فإن قيل : فقد روى عطاء عن ابن عباس أنه قرأ " فلا جناح عليه ألا يطوف بهما " وهي قراءة ابن مسعود ، ويروى أنها في مصحف أبي كذلك ، ويروى عن أنس مثل هذا .
والجواب أن ذلك خلاف ما في المصحف ، ولا يترك ما قد ثبت في المصحف إلى قراءة لا يدرى أصحت أم لا ، وكان عطاء يكثر الإرسال عن ابن عباس من غير سماع .
والرواية في هذا عن أنس قد قيل إنها ليست بالمضبوطة ، أو تكون " لا " زائدة للتوكيد ، كما قال :وما ألوم البيض ألا تسخرا لما رأين الشمط القفندراالسابعة : روى الترمذي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم مكة فطاف بالبيت سبعا فقرأ : واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى وصلى خلف المقام ، ثم أتى الحجر فاستلمه ثم قال : ( نبدأ بما بدأ الله به ) فبدأ بالصفا وقال إن الصفا والمروة من شعائر الله قال : هذا [ ص: 171 ] حديث حسن صحيح ، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يبدأ بالصفا قبل المروة ، فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يجزه ويبدأ بالصفا .الثامنة : واختلف العلماء في وجوب السعي بين الصفا والمروة ، فقال الشافعي وابن حنبل : هو ركن ، وهو المشهور من مذهب مالك ، لقوله عليه السلام : اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي .
خرجه الدارقطني .
وكتب بمعنى أوجب ، لقوله تعالى : كتب عليكم الصيام وقوله عليه السلام : خمس صلوات كتبهن الله على العباد .
وخرج ابن ماجه عن أم ولد لشيبة قالت : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى بين الصفا والمروة وهو يقول : لا يقطع الأبطح إلا شدا فمن تركه أو شوطا منه ناسيا أو عامدا رجع من بلده أو من حيث ذكر إلى مكة فيطوف ويسعى ، لأن السعي لا يكون إلا متصلا بالطواف .
وسواء عند مالك كان ذلك في حج أو عمرة وإن لم يكن في العمرة فرضا ، فإن كان قد أصاب النساء فعليه عمرة وهدي عند مالك مع تمام مناسكه .
وقال الشافعي : عليه هدي ، ولا معنى للعمرة إذا رجع وطاف وسعى .
وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والشعبي : ليس بواجب ، فإن تركه أحد من الحاج حتى يرجع إلى بلاده جبره بالدم ; لأنه سنة من سنن الحج .
وهو قول مالك في العتبية .
وروي عن ابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك وابن سيرين أنه تطوع ، لقوله تعالى : ومن تطوع خيرا .
وقرأ حمزة والكسائي " يطوع " مضارع مجزوم ، وكذلك فمن تطوع خيرا فهو خير له الباقون تطوع ماض ، وهو ما يأتيه المؤمن من قبل نفسه فمن أتى بشيء من النوافل فإن الله يشكره .
وشكر الله للعبد إثابته على الطاعة .
والصحيح ما ذهب إليه الشافعي رحمه الله تعالى لما ذكرنا ، وقوله عليه السلام : خذوا عني مناسككم فصار بيانا لمجمل الحج ، فالواجب أن يكون فرضا ، كبيانه لعدد الركعات ، وما كان مثل ذلك إذا لم يتفق على أنه سنة أو تطوع .[ ص: 172 ] وقال طليب : رأى ابن عباس قوما يطوفون بين الصفا والمروة فقال : هذا ما أورثتكم أمكم أم إسماعيل .قلت : وهذا ثابت في صحيح البخاري على ما يأتي بيانه في سورة " إبراهيم " .التاسعة : ولا يجوز أن يطوف أحد بالبيت ولا بين الصفا والمروة راكبا إلا من عذر ، فإن طاف معذورا فعليه دم ، وإن طاف غير معذور أعاد إن كان بحضرة البيت ، وإن غاب عنه أهدى .
إنما قلنا ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف بنفسه وقال : خذوا عني مناسككم .
وإنما جوزنا ذلك من العذر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم طاف على بعيره واستلم الركن بمحجنه وقال لعائشة وقد قالت له : إني أشتكي ، فقال : طوفي من وراء الناس وأنت راكبة .
وفرق أصحابنا بين أن يطوف على بعير أو يطوف على ظهر إنسان ، فإن طاف على ظهر إنسان لم يجزه ; لأنه حينئذ لا يكون طائفا ، وإنما الطائف الحامل .
وإذا طاف على بعير يكون هو الطائف .
قال ابن خويز منداد : وهذه تفرقة اختيار ، وأما الإجزاء فيجزئ ، ألا ترى أنه لو أغمي عليه فطيف به محمولا ، أو وقف به بعرفات محمولا كان مجزئا عنه .
يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان { مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } أي أعلام دينه الظاهرة, التي تعبد الله بها عباده, وإذا كانا من شعائر الله, فقد أمر الله بتعظيم شعائره فقال: { وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ } فدل مجموع النصين أنهما من شعائر الله, وأن تعظيم شعائره, من تقوى القلوب.
والتقوى واجبة على كل مكلف, وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة, كما عليه الجمهور, ودلت عليه الأحاديث النبوية وفعله النبي صلى الله عليه وسلم وقال: " خذوا عني مناسككم " { فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } هذا دفع لوهم من توهم وتحرج من المسلمين عن الطواف بينهما, لكونهما في الجاهلية تعبد عندهما الأصنام، فنفى تعالى الجناح لدفع هذا الوهم, لا لأنه غير لازم.
ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما في الحج والعمرة, أنه لا يتطوع بالسعي مفردا إلا مع انضمامه لحج أو عمرة، بخلاف الطواف بالبيت, فإنه يشرع مع العمرة والحج, وهو عبادة مفردة.
فأما السعي والوقوف بعرفة ومزدلفة, ورمي الجمار فإنها تتبع النسك، فلو فعلت غير تابعة للنسك, كانت بدعة, لأن البدعة نوعان: نوع يتعبد لله بعبادة, لم يشرعها أصلا، ونوع يتعبد له بعبادة قد شرعها على صفة مخصوصة, فتفعل على غير تلك الصفة, وهذا منه.
وقوله: { وَمَنْ تَطَوَّعَ } أي: فعل طاعة مخلصا بها لله تعالى { خَيْرًا } من حج وعمرة, وطواف, وصلاة, وصوم وغير ذلك { فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ } فدل هذا, على أنه كلما ازداد العبد من طاعة الله, ازداد خيره وكماله, ودرجته عند الله, لزيادة إيمانه.
ودل تقييد التطوع بالخير, أن من تطوع بالبدع, التي لم يشرعها الله ولا رسوله, أنه لا يحصل له إلا العناء, وليس بخير له, بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم مشروعية العمل.
{ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ } الشاكر والشكور, من أسماء الله تعالى, الذي يقبل من عباده اليسير من العمل, ويجازيهم عليه, العظيم من الأجر, الذي إذا قام عبده بأوامره, وامتثل طاعته, أعانه على ذلك, وأثنى عليه ومدحه, وجازاه في قلبه نورا وإيمانا, وسعة, وفي بدنه قوة ونشاطا, وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء, وفي أعماله زيادة توفيق.
ثم بعد ذلك, يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا, لم تنقصه هذه الأمور.
ومن شكره لعبده, أن من ترك شيئا لله, أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا, تقرب منه ذراعا, ومن تقرب منه ذراعا, تقرب منه باعا, ومن أتاه يمشي, أتاه هرولة, ومن عامله, ربح عليه أضعافا مضاعفة.
ومع أنه شاكر, فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل, بحسب نيته وإيمانه وتقواه, ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد, فلا يضيعها, بل يجدونها أوفر ما كانت, على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم.
قوله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الصفا: جمع صفاة وهي الصخور الصلبة الملساء، يقال: صفاة وصفا، مثل: حصاة وحصى ونواة ونوى، والمروة: الحجر الرخو، وجمعها مروات، وجمع الكثير مرو، مثل: تمرة وتمرات وتمر.
وإنما عنى الله بهما الجبلين المعروفين بمكة في طرفي المسعى، ولذلك أدخل فيهما الألف واللام، وشعائر الله أعلام دينه، أصلها من الإشعار وهو الإعلام واحدتها شعيرة وكل ما كان معلماً لقربان يتقرب به إلى الله تعالى من صلاة ودعاء وذبيحة فهو شعيرة فالمطاف والموقف والنحر كلها شعائر الله ومثلها المشاعر، والمراد بالشعائر ها هنا: المناسك التي جعلها الله أعلاماً لطاعته؛ فالصفا والمروة منها حتى يطاف بهما جميعاً.
{فمن حج البيت أو اعتمر} فالحج في اللغة: القصد، والعمرة: الزيارة، وفي الحج والعمرة المشروعين قصد وزيارة.
{فلا جناح عليه} أي لا إثم عليه، وأصله من جنح أي مال عن القصد.
{أن يطوف بهما} أي يدور بهما، وأصله يتطوف أدغمت التاء في الطاء.
وسبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان أساف ونائلة، وكان أساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيماً للصنمين ويتمسحون بهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله.
واختلف أهل العلم في حكم هذه الآية ووجوب السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة: فذهب جماعة إلى وجوبه وهو قول ابن عامر وجابر وعائشة وبه قال الحسن وإليه ذهب مالك والشافعي، وذهب قوم إلى أنه تطوع وهو قول ابن عباس وبه قال ابن سيرين ومجاهد وإليه ذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي، وقال الثوري وأصحاب الرأي على من تركه دم.
واحتج من أوجبه بما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الكسائي الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم أخبرنا الربيع عن سليمان أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الله بن مؤمل العائذي عن عمرو بن عبد الرحمن بن محيصن عن عطاء بن أبي رباح عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني بنت أبي تجراة - اسمها حبيبة إحدى نساء بني عبد الدار - قالت: "دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة فرأيته يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي حتى لأقول إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"".
أخبرنا أبو الحسن محمد بن محمد السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن هشان بن عروة عن أبيه أنه قال: "قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت قول الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما} فما أرى على أحد شيئاً ألا يطوف بهما، قالت عائشة: كلا لو كانت كما تقول كانت {فلا جناح عليه أن يطوف بهما} إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار كانوا يهلون لمناة وكانت مناة حذو قديد فأنزل الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله} الآية".
قال عاصم: "قلت لأنس بن مالك أكنتم تكرهون السعي بين الصفا والمروة؟
قال: نعم، لأنها كانت من شعائر الجاهلية حتى أنزل الله تعالى {إن الصفا والمروة من شعائر الله}".
أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خرج من المسجد وهو يريد الصفا يقول: "نبدأ بما بدأ الله تعالى به، فبدأ بالصفا""..
وقال كان إذا وقف على الصفا يكبر ثلاثاً ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وله الملك وله الحمد وهوعلى كل شيء قدير.
يصنع ذلك ثلاث مرات ويدعو ويصنع على المروة مثل ذلك.
كان إذا نزل من الصفا مشى حتى إذا انصبت قدماه في بطن الوادي يسعى حتى يخرج منه.
قال مجاهد رحمه الله: "حج موسى عليه السلام على جمل أحمر وعليه عباءتان قطوانيتان، فطاف البيت ثم صعد الصفا ودعا ثم هبط إلى السعي وهو يلبي فيقول لبيك اللهم لبيك، فقال الله تعالى لبيك عبدي وأنا معك فخر موسى عليه السلام ساجداً".
قوله تعالى: {ومن تطوع خيراً} قرأ حمزة والكسائي بالياء وتشديد الطاء وجزم العين وكذلك الثانية {فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا} [184-البقرة] بمعنى يتطوع، ووافق يعقوب في الأولى وقرأ الباقون بالتاء وفتح العين على الماضي وقال مجاهد: "معناه فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة"، وقال مقاتل والكلبي: "فمن تطوع: أي زاد في الطواف بعد الواجب".
وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد أداء الحجة الواجبة عليه، وقال الحسن وغيره: "أراد سائر الأعمال يعني فعل غير المفترض عليه من زكاة وصلاة وطواف وغيرها من أنواع الطاعات".
{فإن الله شاكر} مجاز لعبده بعمله.
والشكر من الله تعالى أن يعطي لعبده فوق ما يستحق.
يشكر اليسير ويعطي الكثير.
{عليم} بنيته.
(إن الصفا والمروة) جبلان بمكة (من شعائر الله) أعلام دينه جمع شعيرة (فمن حج البيت أو اعتمر) أي تلبس بالحج أو العمرة وأصلهما القصد والزيارة (فلا جناح عليه) إثم عليه (أن يطوف) فيه إدغام التاء في الأصل في الطاء (بهما) بأن يسعى بينهما سبعا، نزلت لما كره المسلمون ذلك لأن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بهما وعليهما صنمان يمسحونهما، وعن ابن عباس أن السعي غير فرض لما أفاده رفع الإثم من التخيير وقال الشافعي وغيره ركن، وبين صلى الله عليه وسلم فرضيته بقوله "" إن الله كتب عليكم السعي "" رواه البيهقي وغيره "" وقال ابدءوا بما بدأ الله به "" يعني الصفا رواه مسلم (ومن تطوع) وفي قراءة بالتحتية وتشديد الطاء مجزوما وفيه إدغام التاء فيها (خيرا) أي بخير أي عمل ما لم يجب عليه من طواف وغيره (فإن الله شاكر) لعمله بالإثابة عليه (عليم) به.
إن الصفا والمروة- وهما جبلان صغيران قرب الكعبة من جهة الشرق- من معالم دين الله الظاهرة التي تعبَّد الله عباده بالسعي بينهما.
فمَن قصد الكعبة حاجًّا أو معتمرًا، فلا إثم عليه ولا حرج في أن يسعى بينهما، بل يجب عليه ذلك، ومن فعل الطاعات طواعية من نفسه مخلصًا بها لله تعالى، فإن الله تعالى شاكر يثيب على القليل بالكثير، عليم بأعمال عباده فلا يضعها، ولا يبخس أحدًا مثقال ذرة.
ثم تحدث - سبحانه - عن شعيرة من شعائر الحج فقال :( إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ .
.
.
)قال الآلوسي : بعد أن أشار - سبحانه - فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالج الحج ، فكأنه جمع بين الحج والغزو ، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال ، وقيل لما ذكر الصبر عقبة ببحث الحج لما فثيه من الأمور إليه .و ( الصفا ) في اللغة : الحجر الأملس ، مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص ، واحده صفاة فهو مثل حصى وحصاة ونوى ونواة .و ( المروة ) في أصل اللغة : الحجر الأبيض اللين ، وقيل : الحصاة الصغيرة .
وهما - أي الصفا والمروة - قد جعلا علمين لجبلين معروفين بمكة كانا على بعد ما يقرب من ألف ذراع من المسجد الحرام .
والألف واللام فيهما للتعريف لا للجنس .
ومع توسعة المسجد الحرام صارا متصلين به .و ( شَعَآئِرِ ) جمع شعيرة ، من الإِشعار بمعنى الإِعلام ، ومنه قولك شعرت بكذا ، أي : علمت به .وكون الصفا والمروة من شعائر الله ، ي : أعلام دينه ومتعبداته .
تعبدنا الله بالسعي بينهما في الحج والعمرة .وشعائر الحج : معالمه الظاهرة للحواس ، التي جعلها الله أعلاما لطاعته ، ومواضع نسكه وعباداته ، كالمطاف والمسعى والموقف والمرمى والمنحر .وتطلق الشعائر على العبادات التي تعبدنا الله بها في هذه المواضع ، لكونها علامات على الخضوع والطاعة والتسليم لله - تعالى - .وأكدت الجملة الكريمة بأن لأن بعض المسلمين كانوا مترددين في كون السعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ، وكانوا يظنون أن السعي بينهما من أحوال الجاهلية ، كما سنبين بعد قليل .وقوله : ( فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) تفريع على كونهما من شعائر الله وأن السعي بينهما في الحج والعمرة من المناسك .
والحج لغة : القصد مطلقاً أو إلى معظم .
وشرعا : القصد إلى البيت الحرام في زمان معين بأعمال مخصوصة .و ( اعتمر ) أي : زار .
والعمرة الزيارة مأخوذة من العمارة كأن الزائر يعمر البيت الحرام بزيارته .
وشرعا الزيارة لبيت الله المعظم بأعمال مخصوصة وهي : الإِحرام والطواف والسعي بين الصفا والمروة .و ( جُنَاحَ ) - بضم الجيم - الإِثم والحرج مشتق من جنح إذا مال عن القصد ، وسمى الإِثم به للميل فيه من الحق إلى الباطل .و ( يَطَّوَّفَ ) أصلها يتطوف ، فأبدلت التاء طاء ، وأدغمت في الطاء فصارت " يطوف والتطوف بالشيء كالطواف به ، ومعناه : الإِلمام بالشيء والمشي حوله .وقد فسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الطواف بالنسبة للكعبة بالدوران حولها سبعة أشواط .
وفسره بالنسبة للصفا والمروة بالسعي بينهما سبعة أشواط كذلك .و " من " في قوله : ( فَمَنْ حَجَّ ) شرطية ، " وحج " في محل جزم بالشرط ، و ( البيت ) منصوب على المفعولية ، وجملة " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " جواب الشرط .والمعنى : إن الصفا والمروة من شعائر الله ، أي : من المواضع التي يقام فيهما أمر من أمور دينه وهو السعي بينهما ( فَمَنْ حَجَّ البيت ) أي : قصده بالأفعال المعينة التي شرعها الله ( أَوِ اعتمر ) أي : أتى بالعمرة كما بينتها تعاليم الإِسلام " فلا جناح عليه أن يطوف بهما " أي : فلا إثم ولا حرج ولا مؤاخذة عليه في الطواف بهما ، لأنهما مطلوبان للشارع ، ومعدودان من الطاعات .وهنا قد يقول قائل : إن بعض الذين يقرءون هذه الآية قد يشكل عليهم فهمها وذلك لأن قوله - تعالى - : ( إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله ) يدل على أن الطواف بهما مطلوب شرعاً طلبا أقل درجاته الندب ، وقوله - تعالى - ( فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ) يقتضي رفع الأثم عن المتطوف بهما ، والتعبير برفع الإِثم عن الشيء يأتي في مقام الدالة على إباحته ، وإذن فما الأمر الداعي إلى أن يقال في هذه الشعيرة : لا إثم على من يفعلها بعد التصريح بأنها من شعائر الله؟
وللإِجابة على هذا القول نقول .
إن الوقوف على سبب نزول الآية الكريمة يرفع هذا الاستشكال .
وقد روى العلماء في سبب نزولها عدة روايات منها : ما رواه البخاري عن عروة بن الزبير قال : سألت عائشة - رضي الله عنها - قلت لها : أرأيت قوله - تعالى - : ( إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَآئِرِ الله فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا .
.
.
) فوالله ، ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟
قالت بئس ما قلت يا ابن أختي!!
إن هذه الآية لو كانت كما أولتها لكانت : لا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكن الآية أنزلت في الأنصار .
كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية ، التي كانوا يعبدونها عند المشلل .
فكان من أهل يتحرج أن يتطوف بالصفا والمروة .
فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟
فقالوا : يا رسول الله : إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .قالت عائشة : وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما .وهناك رواية لمسلم عن عروة عن عائشة تشبه ما جاء في رواية البخاري ، وهناك رواية للنسائي عن زيد بن حارثة قال : كان على الصفا والمروة صتمان من نحاس يقال لهما " إساف ونائلة " كان المشركون إذا طافوا تمسحوا بهما .وهناك رواية للطبراني وابن أبي حاتم بإسناد حسن من حديث ابن عباس قال : قالت الأنصار : إن السعي بن الصفا والمروة من أمر الجاهلية فأنزل الله هذه الآية .فيؤخذ من هذه الروايات أن بعض المسلمين كانوا يتحرجون من السعي بين الصفا والمروة لأسباب من أهمها أن هذا السعي كان من شعائرهم في الجاهلية فقد كانوا يهلون - أي يحرمون - لمناة ، ثم يسعون بينهما ليتمسحوا بصنمين عليهما ، وهم لا يريدون أن يعملوا في الإِسلام شيئا مما كان من أمر الجاهلية لأن دين الإِسلام الذي خالط أعماق قلوبهم هز أرواحهم هزاً قوياً وجعلهم ينظرون بجفوة وازدراء واحتراس إلى كل ما كانوا عليه في الجاهلية من أعمال تتنافى مع تعاليم دينهم الجديد ، فنزلة هذه الآية الكريمة لتزيل التحرج الذي كان يتردد في صدورهم من السعي بين الصفا والمروة .وهذا يدل على قوة إيمانهم ، وصفاء يقينهم ، وتحرزهم من كل قول أو عمل يشم منه رائحة التعارض مع العقيدة التي جعلتهم يخلصون عبادتهم لله الواحد القهار .وقوله ( وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) تذييل قصد منه الإِتيان بحكم كلي في أفعال الخيرات كلها ، وقيل إنه تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعي بين الصفا والمروة .و ( تَطَوَّعَ ) من التطوع وهو فعل الطاعة فريضة كانت أو نافلة ، وقيل هو التطوع بالنفل خاصة .( شَاكِرٌ ) من الشكر ، والشاكر في اللغة هو المظهر للإِنعام عليه ، وذلك محال في حق الله - تعالى - ، إذ هو المنعم على خلقه ، فوجب حمل شكر الله لعباده على معنى مجازاتهم على ما يعملون من خيرات ، وإثابتهم على ذلك بالثواب الجزيل .قال الإِمام الرازي : وإنما سمي - سبحانه - المجازاة على الطاعة شكراً لوجوه :الأول : أن اللفظ خرج مخرج التلطف مع العباد مبالغة في الإِحسان إليهم ، كما في قوله - تعالى - : ( مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً ) وهو - سبحانه - لا يستقرض من عوز ، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل : من ذا الذي يعمل عمل المقرض .
بأن يقدم فياخذ أضعاف ما قدم .الثاني : أن الشكر لما كان مقابلا للإِنعام أو الجزاء عليه ، سمي كل ما كان جزاء شكراً على سبيل التشبيه .الثالث : كأنه يقول : أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك ، إلا أني أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل .وبالجملة فالمقصود أن طاعة العبد مقبولة عند الله ، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات .و ( وَمَن ) شرطية .و ( تَطَوَّعَ ) فعل الشرط ، و ( خَيْراً ) منصوب على نزل الخافض ، وأصله بخير؛ لأن تطوع يتعدى بالباء ولا يتعدى بنفسه ثم حذفت الباء في نظم الكلام نحو : تمرون الديار فلم تعوجوا .
أو هو منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف أي : تطوعاًَ خيراً ، وجملة ( فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ ) دليل على جواب الشرط ، إذ التقدير ، ومن تطوع خيراً جوزي فإن الله شاكر عليم .والمعنى : ومن تطوع بالخيرات وأنواع الطاعات ، أو من أتى بالحج أو العمرة طاعة لله ، أو من أتى بهما مرة بعد مرة زيادة على المقروض أو الواجب عليه ، فاز بالثواب الجزيل ، والنعيم المقيم؛ لأن من صفاته - سبحانه - مجازاة من يحسنون العمل ، وهو عليم بكل ما يصدر عن عباده ، ولن يضيع أجر من أحسن عملا .هذا ، وقد اختلفت أقوال الفقهاء في حكم السعي بين الصفا والمروة .فمنهم من يرى أنه من أركان الحج كالإِحرام والطواف والوقوف بعرفة .
وإلى هذا الرأي ذهب الشافعي وأحمد بن حنبل ومالك في أشهر الروايتين عنه ومن حججهم أنه من أفعال الحج ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد اهتم به وبادر إليه ، فقد روى الشيخان عن عمرو بن دينار قال : سألنا ابن عمر عن رجل طاف بالبيت العمرة ، ولم يطف بين الصفا والمروة أيأتي امرأته؟
فقال : قدم النبي صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت سبعاً وصلى خلف المقام ركعتين ، وطاف بين الصفا والمروة .
وقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة .ومنهم من يرى أنه واجب يجبر بالدم ، وإلى هذا الرأي ذهب الحنفية ومن حججهم أنه لم يثبت بدليل قطعى فلا يكون ركنا .ومنهم من يرى غير ذلك كما هو موضح في كتب الفقه .
وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه: أحدها: أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد صلى الله عليه وسلم وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال: ﴿ وَلأُتِمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ ﴾ وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعى هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية.
وثانيها: أنه تعالى لما قال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مّنَ الخوف والجوع ﴾ إلى قوله: ﴿ وَبَشّرِ الصابرين ﴾ قال: ﴿ إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله ﴾ وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لابد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات.
وثالثها: أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة.
أحدها: ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولاً وهو قوله: ﴿ اذْكُرُونِى أَذْكُرْكُمْ واشكروا لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ ﴾ فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول.
وثانيها: ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الإبتلاء والامتحان على ما قال: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع ﴾ فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً.
وثالثها: الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكراً لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم.
المسألة الثانية: اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله: قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي، ورحا وأرحاء قال الراجز: كأن متنيه من النفي *** مواقع الطير من الصفي وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير: إنا إذا قرع العدو صفاتنا *** لاقوا لنا حجراً أصم صلودا وفي كتاب الخليل: الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس، وإذا نعتوا الصخرة قالوا: صفاة صفواء، وإذا ذكروا قالوا: صفا صفوان.
فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل: من الحجارة ما كان أبيض أملس صلباً شديد الصلابة، وقاله غير: هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب: حتى كأني للحوادث مروة *** بصفا المشاعر كل يوم يقرع وأما ﴿ شعائر الله ﴾ فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علماً من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، قال الله تعالى: ﴿ والبدن جعلناها لَكُمْ مّن شعائر الله ﴾ أي علامة للقربة، وقال: ﴿ ذلك وَمَن يُعَظّمْ شعائر الله ﴾ وشعائر الحج: معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام: وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علماً على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك: شعرت بكذا، أي علمت.
المسألة الثالثة: الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك، أو نحملها على مواضع العبادات والنسك، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف، لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه، وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال: ﴿ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا ﴾ واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضاً من أبعاض الحج، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال: ﴿ فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ .
المسألة الرابعة: الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل عليه السلام أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه غياث المستغيثين، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين.
المسألة الخامسة: ذكر القفال في لفظ الحج أقوالاً.
الأول: الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر.
الثاني: قال قطرب: الحج الحلق يقال: احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى: حج فلان أي حلق، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى: ﴿ لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَاء الله ءامِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ ﴾ أي حجاجاً وعُمّاراً، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق.
الثالث: قال قوم الحج القصد، يقال: رجل محجوج، ومكان محجوج إذا كان مقصوداً، ومن ذلك محجة الطريق، فكان البيت لما كان مقصوداً بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجاً، قال القفال: والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه.
وأما العمرة فقال أهل اللغة: الاعتمار هو القصد والزيارة، قال الأعشى: وجاشت النفس لما جاء جمعهم *** وراكب جاء من تثليث معتمر وقال قطرب: العمرة في كلام عبد القيس: المسجد، والبيعة، والكنيسة، قال القفال: ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ينصرف كالزائر، وأما الجناح فهو من قولهم: جنح إلى كذا أي مال إليه، قال الله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فاجنح لَهَا ﴾ وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع: جوانح لاعوجاجها، وجناح الطائر من هذا، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضاً فمعنى: لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، ومنهم من قال: بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به.
وقوله: ﴿ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال: ﴿ يا أيها المدثر ﴾ ، ﴿ يا أيها المزمل ﴾ أي المتدثر والمتزمل، ويقال: طاف وأطاف بمعنى واحد.
المسألة السادسة: ظاهر قوله تعالى: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ ﴾ أنه لا إثم عليه، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر، إذا عرفت هذا فنقول: مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن، ويقوم الدم مقامه، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه: أحدها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو، ذلك غير واجب قلنا: لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله: ﴿ فاسعوا إلى ذِكْرِ الله ﴾ والعدو فيه غير واجب، وقال الله تعالى: ﴿ وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى ﴾ وليس المراد منه العدو، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية، سلمنا أنه يدل على العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة، فيبقى أصل المشي واجباً.
وثانيها: ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال: «إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به» فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر، أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿ واتبعوه ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى ﴾ وقوله: ﴿ لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ وأما الخبر فقوله عليه السلام: «خذوا عني مناسككم» والأمر للوجوب.
وثالثها: أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركناً كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين.
أحدهما: هذه الآية وهي قوله: ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ وهذا لا يقال في الواجبات.
ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ فبين أنه تطوع وليس بواجب.
وثانيهما: قوله: الحج عرفة ومن أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، ترك العمل به في بعض الأشياء، فيبقى معمولاً به في السعي والجواب عن الأول من وجوه: الأول: ما بينا أن قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ ﴾ والقصر عند أبي حنيفة واجب، مع أنه قال فيه: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ فكذا هاهنا.
الثاني: أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما، وعندنا الأول غير واجب، وإنما الثاني هو الواجب.
الثالث: قال ابن عباس: كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم، أو دم البراغيث عندنا، فقيل: لا جناح عليك أن تصلي فيه، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة.
الرابع: روي عن عروة أنه قال لعائشة: إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما، فقالت: بئس ما قلت لو كان كذلك لقال: أن لا يطوف بهما، ثم حكى ما تقدم من الصنمين، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين، فإن قالوا: قرأ ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) واللفظ أيضاً محتمل له كقوله: ﴿ يُبَيّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ أي أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: ﴿ أَن تَقُولُواْ يَوْمَ القيامة ﴾ معناه: أن لا تقولوا، قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواتراً.
الخامس: كما أن قوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ لا يطلق على الواجب، فكذلك لا يطلق على المندوب، ولا شك في أن السعي مندوب، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها.
وأما التمسك بقوله: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ فضعيف، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولاً، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئاً آخر قال الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ ثم قال: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ﴾ فأوجب عليهم الطعام، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيراً، فكذا هاهنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفاً إلى شيء آخر وهو من وجهين.
أحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر.
الثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعاً وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول: ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قراءة حمزة وعاصم والكسائي (يطوع) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع، إلا أن التاء أدغمت في الطاء لتقاربهما، وهذا أحسن لأن المعنى على الاستقبال والشرط والجزاء الأحسن فيهما الاستقبال، وإن كان يجوز أن يقال من أتاني أكرمته فيوقع الماضي موقع المستقبل في الجزاء، إلا أن اللفظ إذا كان يوافق المعنى كان أحسن، وأما الباقون من القراء فقرؤا (تطوع) على وزن تفعل ماضياً وهذه القراءة تحتمل أمرين.
أحدهما: أن يكون موضع (تطوع) جزماً.
الثاني: أن لا يجعل (من) للجزاء، ولكن يكون بمنزلة (الذي) ويكون مبتدأ والفاء مع ما بعدها في موضع رفع لكونها خبر المبتدأ الموصول والمعنى فيه معنى مبتدأ الخبر، إلا أن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة، أفادت أن الثاني إنما وجب لوجوب الأول كقوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ فما مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها خبر له، ونظيره قوله: ﴿ والذين يُنْفِقُونَ أموالهم ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ الله مِنْهُ ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً ﴾ وقوله: ﴿ مَن جَاءَ بالحسنة فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ ونذكر هذه المسألة إن شاء الله عند قوله: ﴿ الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرًّا وَعَلاَنِيَةً ﴾ .
المسألة الثانية؛ قال أبو مسلم: (تطوع) تفعل من الطاعة وسواء قول القائل: طاع وتطوع، كما يقال: حال وتحول وقال وتقول وطاف وتطوف وتفعل بمعنى فعل كثيراً، والطوع هو الانقياد، والطوع ما ترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك.
المسألة الثالثة: الذين قالوا: السعي واجب، فسروا هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب ومنهم من فسره بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة وقال الحسن: المراد منه جميع الطاعات وهذا أولى لأنه أوفق لعموم اللفظ.
أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ فاعلم أن الشاكر في اللغة هو المظهر للأنعام عليه، وذلك في حق الله تعالى محال، فالشاكر في حقه تعالى مجاز، ومعناه المجازي على الطاعة: وإنما سمي المجازاة على الطاعة شكراً لوجوه: الأول: أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد مبالغة في الإحسان إليهم، كما قال تعالى: ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا ﴾ وهو تعالى لا يستقرض من عوض، ولكنه تلطف في الاستدعاء كأنه قيل: من ذا الذي يعمل عمل المقرض بأن يقدم فيأخذ أضعاف ما قدم.
الثاني: أن الشكر لما كان مقابلاً الإنعام أو الجزاء عليه سمي كل ما كان جزاء شكراً على سبيل التشبيه.
الثالث: كأنه يقول: أنا وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع بحيث لو صح على أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل وبالجملة فالمقصود بيان أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات.
وأما قوله: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ فالمعنى أنه يعلم قدر الجزاء فلا يبخس المستحق حقه لأنه تعالى عالم بقدره وعالم بما يزيد عليه من التفضل، وهو أليق بالكلام ليكون لقوله تعالى: ﴿ عَلِيمٌ ﴾ تعلق بشاكر ويحتمل أنه يريد أنه عليم بما يأتي العبد فيقوم بحقه من العبادة والإخلاص وما يفعله لا على هذا الحد، وذلك ترغيب في أداء ما يجب على شروطه، وتحذير من خلاف ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم ﴾ ولنصيبنكم بذلك إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟
﴿ بِشَيْءٍ ﴾ بقليل من كل واحد من هذه البلايا وطرف منه ﴿ وَبَشّرِ الصابرين ﴾ المسترجعين عند البلاء؛ لأنّ الاسترجاع تسليم وإذعان.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته وأحسن عقباه وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه» .
وروي: أنه طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إنا لله وإنا إليه راجعون» فقيل: أمصيبة هي؟
قال: «نعم كل شيء يؤذي المؤمن فهو له مصيبة» ، وإنما قلل في قوله: (بشيء) ليؤذن أن كل بلاء أصاب الإنسان وإن جل ففوقه ما يقل إليه، وليخفف عليهم ويريهم أن رحمته معهم في كل حال لا تزايلهم وإنما وعدهم ذلك قبل كونه ليوطنوا عليه نفوسهم.
(نقص) عطف على (شيء) أو على الخوف، بمعنى: وشيء من نقص الأموال.
والخطاب في (بشر) لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لكل من يتأتى منه البشارة.
وعن الشافعي رحمه الله في الخوف: خوف الله.
والجوع: صيام شهر رمضان؛ والنقص من الأموال: الزكوات والصدقات، ومن الأنفس: الأمراض، ومن الثمرات؛ موت الأولاد.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: أقبضّتم ولد عبدي؟
فيقولون: نعم، فيقول: أقبضتم ثمرة قلبه؟
فيقولون: نعم، فيقول الله تعالى: ماذا قال عبدي؟
فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد» .
والصلاة: الحنو والتعطف، فوضعت موضع الرأفة وجمع بينها وبين الرحمة.
كقوله تعالى: ﴿ رَأْفَةً وَرَحْمَةً ﴾ [الحديد: 27] ، ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ [التوبة: 117] .
والمعنى: عليهم رأفة بعد رأفة.
ورحمة أيّ رحمة.
﴿ وَأُولَئِكَ هُمُ المهتدون ﴾ لطريق الصواب حيث استرجعوا وسلموا لأمر الله.
والصفا والمروة: علمان للجبلين، كالصمان والمقطم، والشعائر: جمع شعيرة وهي العلامة، أي من أعلام مناسكه ومتعبداته، والحج: للقصد.
والاعتمار: الزيارة، فغلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان.
وأصل ﴿ يَطَّوَّفَ ﴾ يتطوّف فأدغم.
وقرئ: ﴿ أن يطوف ﴾ من طاف.
فإن قلت: كيف قيل إنهما من شعائر الله ثم قيل لا جناح عليه أن يطوف بهما؟
قلت: كان على الصفا أساف، وعلى المروة نائلة، وهما صنمان، يروى: أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة، فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدّة عُبدا من دون الله، فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن لا يكون عيهم جناح في ذلك، فرفع عنهم الجناح.
واختلف في السعي، فمن قائل: هو تطوّع بدليل رفع الجناح وما فيه من التخيير بين الفعل والترك، كقوله: ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا ﴾ [البقرة: 230] ، وغير ذلك، ولقوله: ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ كقوله: ﴿ فمن تطوّع خيراً فهو خير له ﴾ [البقرة: 184] .
ويروى ذلك عن أنس وابن عباس وابن الزبير، وتنصره قراءة ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما).
وعن أبي حنيفة رحمه الله: أنه واجب وليس بركن وعلى تاركه دم.
وعند الأوّلين لا شيء عليه.
وعند مالك والشافعي: هو ركن، لقوله عليه السلام: «اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي» وقرئ: ﴿ ومن يطوّع ﴾ .
بمعنى: ومن يتطوع، فأدغم.
وفي قراءة عبد الله: ﴿ ومن يتطوع بخير ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ ﴾ هُما عَلَما جَبَلَيْنِ بِمَكَّةَ.
مِن شَعائِرِ اللَّهِ مِن أعْلامِ مَناسِكِهِ، جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهي العَلامَةُ، ﴿ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ ﴾ الحَجُّ لُغَةُ القَصْدِ، والِاعْتِمارُ الزِّيارَةُ.
فَغَلَبا شَرْعًا عَلى قَصْدِ البَيْتِ وزِيارَتِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ.
﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ كانَ إسافُ عَلى الصَّفا ونائِلَةُ عَلى المَرْوَةِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا سَعَوْا مَسَحُوهُما.
فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وكُسِرَتِ الأصْنامُ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُما لِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ.
والإجْماعُ عَلى أنَّهُ مَشْرُوعٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، وإنَّما الخِلافُ في وُجُوبِهِ.
فَعَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سُنَّةٌ، وبِهِ قالَ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم لِقَوْلِهِ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ﴾ فَإنَّهُ يُفْهَمُ مِنهُ التَّخْيِيرُ وهو ضَعِيفٌ، لِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ الدّاخِلِ في مَعْنى الوُجُوبِ، فَلا يَدْفَعُهُ.
وعَنْ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ واجِبٌ، يُجْبَرُ بِالدَّمِ.
وعَنْ مالِكٍ والشّافِعِيِّ رَحِمَهُما اللَّهُ أنَّهُ رُكْنٌ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «اسْعُوا فَإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ» .
﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ أيْ فَعَلَ طاعَةً فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا، أوْ زادَ عَلى ما فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، أوْ طَوافٍ أوْ تَطَوَّعَ بِالسَّعْيِ إنْ قُلْنا إنَّهُ سُنَّةٌ.
و ﴿ خَيْرًا ﴾ نُصِبَ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أوْ بِحَذْفِ الجارِّ وإيصالِ الفِعْلِ إلَيْهِ، أوْ بِتَعْدِيَةِ الفِعْلِ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى أتى أوْ فَعَلَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ يَطَّوَّعُ، وأصْلُهُ يَتَطَوَّعُ فَأُدْغِمَ مِثْلَ يَطَّوَّفُ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ مُثِيبٌ عَلى الطّاعَةِ لا تَخْفى عَلَيْهِ.
{إِنَّ الصفا والمروة} هما علمان للجبلين {مِن شعائر الله} من
البقرة (١٥٨ _ ١٦٢)
أعلام مناسكه متعبداته جمع شعيرة وهي العلامة {فَمَنْ حَجَّ البيت} قصد الكعبة {أَوِ اعتمر} زار الكعبة فالحج القصد والاعتمار الزيارة ثم غلبا على قصد البيت زيارته للنسكين المعروفين وهما في المعاني كالنجم والبيت في الأعيان {فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ} فلا إثم عليه {أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا} أي يتطوف فأدغم التاء في الطاء وأصل الطوف المشي حول الشئ والمراد هنا السعي بينهما قيل كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلة هما ضمان يروى أنهما كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله وكان أهل الجاهلية إذا سعو امسحوا هما فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية فرفع عنهم الجناح بقوله فلا جناح وهو دليل على أنه
ليس بركن كما قال مالك والشافعي رحمهما الله تعالى وكذا قوله {وَمَن تَطَوَّعَ خيرا} أى بالطواف بهما وهو كذلك مشعر بأنه ليس بركن ومن يطوع حمزة وعلي أي يتطوع فأدغم التاء في الطاء {فَإِنَّ الله شَاكِرٌ} مجاز على القليل كثيراً {عَلِيمٌ} بالأشياء صغيراً أو كبيراً
﴿ إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ لَمّا أشارَ - سُبْحانَهُ - فِيما تَقَدَّمَ إلى الجِهادِ عَقِبَ ذَلِكَ بِبَيانِ مَعالِمِ الحَجِّ، فَكَأنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الحَجِّ والغَزْوِ، وفِيهِما شِقُّ الأنْفُسِ وتَلَفُ الأمْوالِ، وقِيلَ: لَمّا ذَكَرَ الصَّبْرَ عَقَّبَهُ بِبَحْثِ الحَجِّ لِما فِيهِ مِنَ الأُمُورِ المُحْتاجَةِ إلَيْهِ، و الصَّفا في الأصْلِ الحَجَرُ الأمْلَسُ، مَأْخُوذٌ مِن صَفا يَصْفُو إذا خَلُصَ، واحِدُهُ صَفاةٌ، كَحَصى وحَصاةٍ، ونَوى ونَواةٍ.
وقِيلَ: إنَّ ( الصَّفا ) واحِدٌ.
قالَ المُبَرِّدُ: وهو كُلُّ حَجَرٍ لا يُخالِطُهُ غَيْرُهُ مِن طِينٍ أوْ تُرابٍ، وأصْلُهُ مِنَ الواوِ؛ لِأنَّكَ تَقُولُ في تَثْنِيَتِهِ صَفْوانٌ، ولا يَجُوزُ إمالَتُهُ، والمَرْوَة في الأصْلِ الحَجَرُ الأبْيَضُ اللَّيِّنُ، والمَرْوُ لُغَةٌ فِيهِ، وقِيلَ: هو جَمْعٌ مِثْلُ تَمْرَةٍ وتَمْرٍ، ثُمَّ صارا في العُرْفِ عَلَمَيْنِ لِمَوْضِعَيْنِ مَعْرُوفَيْنِ بِمَكَّةَ لِلْغَلَبَةِ، واللّامُ لازِمَةٌ فِيهِما.
وقِيلَ: سُمِّيَ ( الصَّفا )؛ لِأنَّهُ جَلَسَ عَلَيْهِ آدَمُ صَفِيُّ اللَّهِ تَعالى، وسُمِّيَ ( المَرْوَةَ )؛ لِأنَّهُ جَلَسَتْ عَلَيْهِ امْرَأتُهُ حَوّاءُ، والشَّعائِر جَمْعُ شَعِيرَةٍ أوْ شِعارَةٍ، وهي العَلامَةُ، والمُرادُ بِهِما أعْلامُ المُتَعَبِّداتِ أوِ العِباداتُ الحُجِّيَّةُ، وقِيلَ: المَعْنى إنَّ الطَّوافَ بَيْنَ هَذَيْنَ الجَبَلَيْنِ مِن عَلاماتِ دِينِ اللَّهِ تَعالى، أوْ أنَّهُما مِنَ المَواضِعِ الَّتِي يُقامُ فِيها دِينُهُ، أوْ مِن عَلاماتِهِ الَّتِي تُعُبِّدَ بِالسَّعْيِ بَيْنَهُما، لا مِن عَلاماتِ الجاهِلِيَّةِ.
﴿ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ ﴾ الحَجُّ لُغَةً القَصْدُ مُطْلَقًا أوْ إلى مُعْظَمٍ، وقَيَّدَهُ بَعْضُهم بِكَوْنِهِ عَلى وجْهِ التَّكْرارِ، والعُمْرَةُ الزِّيارَةُ أخْذًا مِنَ العِمارَةِ، كَأنَّ الزّائِرَ يَعْمُرُ المَكانَ بِزِيارَتِهِ، فَغَلَبا شَرْعًا عَلى المَقْصِدِ المُتَعَلِّقِ بِالبَيْتِ وزِيارَتِهِ عَلى الوَجْهَيْنِ المَخْصُوصَيْنِ، والبَيْت خارِجٌ مِنَ المَفْهُومِ، والنِّسْبَةُ مَأْخُوذَةٌ فِيهِ، فَلا بُدَّ مِن ذِكْرِهِ، فَلا يَرِدُ أنَّ البَيْتَ مَأْخُوذٌ في مَفْهُومِهِما، فَيَكْفِي مَن حَجَّ أوِ اعْتَمَرَ، ولا حاجَةَ إلى أنْ يَتَكَلَّفَ بِأنَّهُ مَأْخُوذٌ في مَفْهُومِ الِاسْمَيْنِ خارِجٌ عَنْ مَفْهُومِ الفِعْلَيْنِ، وعَلى تَقْدِيرِ أخْذِهِ في مَفْهُومِهِما يُعْتَبَرُ التَّجْرِيدُ لِيَظْهَرَ شَرَفُ البَيْتِ.
﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ أيْ: لا إثْمَ عَلَيْهِ في أنْ يَطَّوَّفَ.
وأصْلُ الجُناحِ المَيْلُ، ومِنهُ ﴿ وإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ ﴾ وسُمِّيَ الِاسْمُ بِهِ؛ لِأنَّهُ مَيْلٌ مِنَ الحَقِّ إلى الباطِلِ، وأصْلُ يَطَّوَّفُ يَتَطَوَّفُ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ، وسَبَبُ النُّزُولِ ما صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ كانَ عَلى الصَّفا صَنَمٌ عَلى صُورَةِ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ إسافٌ، وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ عَلى صُورَةِ امْرَأةٍ تُدْعى نائِلَةُ، زَعَمَ أهْلُ الكِتابِ أنَّهُما زَنَيا في الكَعْبَةِ، فَمَسَخَهُما اللَّهُ - تَعالى - حَجَرَيْنِ، فَوُضِعا عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ لِيُعْتَبَرَ بِهِما، فَلَمّا طالَتِ المُدَّةُ عُبِدا مِن دُونِ اللَّهِ - تَعالى - فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا طافُوا بَيْنَهُما مَسَحُوا الوَثَنَيْنِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وكُسِّرَتِ الأصْنامُ كَرِهَ المُسْلِمُونَ الطَّوافَ بَيْنَهُما لِأجْلِ الصَّنَمَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - هَذِهِ الآيَةَ، ومِنهُ يُعْلَمُ دَفْعُ ما يَتَراءى أنَّهُ لا يَتَصَوَّرُ فائِدَةٌ في نَفْيِ الجُناحِ بَعْدَ إثْباتِ أنَّهُما مِنَ الشَّعائِرِ، بَلْ رُبَّما لا يَتَلازَمانِ؛ إذْ أدْنى مَراتِبِ الأوَّلِ النَّدْبُ، وغايَةُ الثّانِي الإباحَةُ، وقَدْ وقَعَ الإجْماعُ عَلى مَشْرُوعِيَّةِ الطَّوافِ بَيْنَهُما في الحَجِّ والعُمْرَةِ لِدَلالَةِ نَفْيِ الجُناحِ عَلَيْهِ قَطْعًا، لَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في الوُجُوبِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ سَنَةٌ، وبِهِ قالَ أنَسٌ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ الزُّبَيْرِ؛ لِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ يَدُلُّ عَلى الجَوازِ، والمُتَبادِرُ مِنهُ عَدَمُ اللُّزُومِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا ﴾ ولَيْسَ مُباحًا بِالِاتِّفاقِ، ولِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ فَيَكُونُ مَندُوبًا، وضُعِّفَ بِأنَّ نَفْيَ الجُناحِ وإنْ دَلَّ عَلى الجَوازِ المُتَبادَرِ مِنهُ عَدَمُ اللُّزُومِ، إلّا أنَّهُ يُجامِعُ الوُجُوبَ، فَلا يَدْفَعُهُ ولا يَنْفِيهِ، والمَقْصُودُ ذَلِكَ، فَلَعَلَّ هَهُنا دَلِيلًا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ ولَعَلَّ هَذا كَقَوْلِكَ لِمَن عَلَيْهِ صَلاةُ الظُّهْرِ مَثَلًا، وظَنَّ أنَّهُ لا يَجُوزُ فِعْلُها عِنْدَ الغُرُوبِ، فَسَألَ عَنْ ذَلِكَ: لا جُناحَ عَلَيْكَ إنْ صَلَّيْتَها في هَذا الوَقْتِ، فَإنَّهُ جَوابٌ صَحِيحٌ، ولا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ صَلاةِ الظُّهْرِ.
وعَنِ الشّافِعِيِّ ومالِكٍ: إنَّهُ رُكْنٌ - وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ أحْمَدَ - واحْتَجُّوا بِما أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ - تَعالى - كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فاسْعُوا“».
ومَذْهَبُ إمامِنا أبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ واجِبٌ يُجْبَرُ بِالدَّمِ؛ لِأنَّ الآيَةَ لا تَدُلُّ إلّا عَلى نَفْيِ الإثْمِ المُسْتَلْزِمِ لِلْجَوازِ، والرُّكْنِيَّةُ لا تَثْبُتُ إلّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ ولَمْ يُوجَدْ، والحَدِيثُ إنَّما يُفِيدُ حُصُولَ الحُكْمِ مُعَلَّلًا ومُقَرَّرًا في الذِّهْنِ، ولا يَدُلُّ عَلى بُلُوغِهِ غايَةُ الوُجُوبِ بِحَيْثُ يَفُوتُ الجَوازُ بِفَوْتِهِ لِتَتَحَقُّقِ الرُّكْنِيَّةِ، وهو ظَنِّيُ السَّنَدِ، وإنْ فُرِضَ قَطْعِيَّ الدَّلالَةِ، فَلا يَدُلُّ عَلى الفَرْضِيَّةِ، وما رَوى مُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: ”لَعَمْرِي ما أتَمَّ اللَّهُ - تَعالى - حَجَّ مَن لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولا عُمْرَتَهُ“، لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلى الفَرْضِيَّةِ أيْضًا سَلَّمْنا لَكِنَّهُ مَذْهَبٌ لَها، والمَسْألَةُ اجْتِهادِيَّةٌ، فَلا تُلْزِمُ بِهِ عَلى أنَّهُ مُعارِضٌ بِما أخْرَجَهُ الشَّعْبِيُّ، «عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطّائِيِّ، أنَّهُ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِالمُزْدَلِفَةِ، فَقُلْتُ: ”يا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ مِن جَبَلِ طَيٍّ، ما تَرَكْتُ جَبَلًا إلّا وقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِن حَجٍّ؟
فَقالَ: مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ، وقَدْ أدْرَكَ عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أوْ نَهارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وقَضى تَفَثَهُ“».
فَأخْبَرَ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - بِتَمامِ حَجِّهِ، ولَيْسَ فِيهِ السَّعْيُ بَيْنَهُما، ولَوْ كانَ مِن فُرُوضِهِ لِبَيْنِهِ لِلسّائِلِ لِعِلْمِهِ بِجَهْلِهِ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُبَيٌّ: ( أنْ لا يَطُوفَ ) ولا تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ ناصِرَةً لِلْقَوْلِ الأوَّلِ؛ لِأنَّها شاذَّةٌ لا عَمَلَ بِها مَعَ ما يُعارِضُها ولِاحْتِمالِ أنَّ ( لا ) زائِدَةٌ كَما يَقْتَضِيهِ السِّياقُ.
﴿ ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ أيْ: مِنِ انْقادَ انْقِيادًا خَيْرًا أوْ بِخَيْرٍ، أوْ آتِيًا بِخَيْرٍ، فَرْضًا كانَ أوْ نَفْلًا، وهو عَطْفٌ عَلى ﴿ فَمَن حَجَّ ﴾ إلَخْ مُؤَكِّدٌ أمْرَ الحَجِّ والعُمْرَةِ والطَّوافِ تَأْكِيدَ الحُكْمِ الكُلِّيِّ لِلْجُزْئِيِّ، أوْ مَن تَبَرَّعَ تَبَرُّعًا خَيْرًا أوْ بِخَيْرٍ، أوْ آتِيًا بِخَيْرٍ مِن حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ أوْ طَوافٍ لِقَرِينَةِ المَساقِ، وعَلَيْهِ تَكُونُ الجُمْلَةُ مَسُوقَةً لِإفادَةِ شَرْعِيَّةِ التَّنَفُّلِ بِالأُمُورِ الثَّلاثَةِ، وفائِدَةُ ( خَيْرًا ) عَلى الوَجْهَيْنِ، مَعَ أنَّ التَّطَوُّعَ لا يَكُونُ إلّا كَذَلِكَ التَّنْصِيصِ بِعُمُومِ الحُكْمِ بِأنَّ مَن فَعَلَ خَيْرًا أيْ خَيْرٌ كانَ يُثابُ عَلَيْهِ، أوْ مَن تَبَرَّعَ تَبَرُّعًا خَيْرًا أوْ بِخَيْرٍ أوْ آتِيًا بِخَيْرٍ مِنَ السَّعْيِ فَقَطْ بِناءً عَلى أنَّهُ سُنَّةٌ، والجُمْلَةُ حِينَئِذٍ تَكْمِيلٌ لِدَفْعِ ما يَتَوَهَّمُ مِن نَفْيِ الجُناحِ مِنَ الإباحَةِ، وفائِدَةُ القَيْدِ التَّنْصِيصُ بِخَيْرِيَّةِ الطَّوافِ دَفْعًا لِحَرَجِ المُسْلِمِينَ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ: ( ومَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ ) وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ويَعْقُوبُ: ( يَطَّوَّعْ ) عَلى صِيغَةِ المُضارِعِ المَجْزُومِ لِتَضَمُّنِ ( مَن ) مَعْنى الشَّرْطِ وأصْلُهُ ( يَتَطَوَّعُ ) فَأُدْغِمَ.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ ﴾ أيْ: مَجازٌ عَلى الطّاعَةِ بِالثَّوابِ، وفي التَّعْبِيرِ بِهِ مُبالَغَةٌ في الإحْسانِ إلى العِبادِ.
﴿ عَلِيمٌ ﴾ 158: مُبالِغٌ في العِلْمِ بِالأشْياءِ، فَيَعْلَمُ مَقادِيرَ أعْمالِهِمْ وكَيْفِيّاتِها، فَلا يَنْقُصُ مِن أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وبِهَذا ظَهَرَ وجْهُ تَأْخِيرِ هَذِهِ الصِّفَةِ عَمّا قَبْلَها، ومَن قالَ: أتى بِالصِّفَتَيْنِ هَهُنا؛ لِأنَّ التَّطَوُّعَ بِالخَيْرِ يَتَضَمَّنُ الفِعْلَ والقَصْدَ، فَناسَبَ ذِكْرَ الشُّكْرِ بِاعْتِبارِ الفِعْلِ، وذِكْرَ العِلْمِ بِاعْتِبارِ القَصْدِ، وأخَّرَ صِفَةَ العِلْمِ، وإنْ كانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلى الشُّكْرِ، كَما أنَّ النِّيَّةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى الفِعْلِ لِتُواخِيَ رُءُوسَ الآيِ لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ عِلَّةٌ لِجَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ قائِمٌ مَقامَهُ، كَأنَّهُ قِيلَ: ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا جازاهُ اللَّهُ - تَعالى - أوْ أثابَهُ، فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ أخْرَجَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ نَفَرًا مِن أحْبارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ، وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ - تَعالى - فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، وعَنْ قَتادَةَ أنَّها نَزَلَتْ في الكاتِمِينَ مِنَ اليَهُودِ والنَّصارى.
وقِيلَ: نَزَلَتْ في كُلٍّ مَن كَتَمَ شَيْئًا مِن أحْكامِ الدِّينِ لِعُمُومِ الحُكْمِ لِلْكُلِّ، فَقَدْ رَوى البُخارِيُّ وابْنُ ماجَهْ وغَيْرُهُما عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ قالَ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ - تَعالى - ما حَدَّثْتُ أحَدًا بِشَيْءٍ أبَدًا، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ،وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ“،» والأقْرَبُ أنَّها نَزَلَتْ في اليَهُودِ والحُكْمُ عامٌّ، كَما تَدُلُّ عَلَيْهِ الأخْبارُ، وكَوْنُها نَزَلَتْ في اليَهُودِ لا يَقْتَضِي الخُصُوصَ، فَإنَّ العِبْرَةَ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، فالمَوْصُولُ لِلِاسْتِغْراقِ ويَدْخُلُ فِيهِ مَن ذَكَرَ دُخُولًا أوَّلِيًّا، والكَتْمُ والكِتْمانُ تَرْكُ إظْهارِ الشَّيْءِ قَصْدًا مَعَ مَساسِ الحاجَةِ إلَيْهِ، وتَحَقُّقِ الدّاعِي إلى إظْهارِهِ، وذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِمُجَرَّدِ سِتْرِهِ وإخْفائِهِ، وقَدْ يَكُونُ بِإزالَتِهِ، ووَضْعِ شَيْءٍ آخَرَ مَوْضِعَهُ واليَهُودُ - قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى - ارْتَكَبُوا كِلا الأمْرَيْنِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ، قال أهل اللغة: الصفا الحجارة الصلبة التي لا تنبت بها شيء.
والواحدة: صفاة.
يقال: حصى وحصاة.
والمروة: الحجارة اللينة.
والشعائر: علامة متعبداته.
واحدها شعيرة.
يعني أن الطواف بالصفا والمروة من أمور المناسك، فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما.
روي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ: فَلاَ جناح عليه أن لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا.
وروي عن ابن عباس، وأنس بن مالك أنهما كانا يقرآن كذلك.
ومعنى ذلك، أن من حج البيت أو اعتمر فترك السعي، لا يفسد حجه ولا عمرته، ولكن يجب عليه جبر النقصان وهو إراقة الدم، وفي مصحف الإمام فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما بحذف كلمة (لا) .
وذلك أن أهل الجاهلية كان لهم صنمان على الصفا والمروة: أحدهما يقال له (اساف) والآخر (نائلة) ، وكان المشركون يطوفون بين الصفا والمروة ويستلمون الصنمين.
فلما قدم النبيّ بعمرة القضاء، كان الأنصار لا يسعون فيما بين الصفا والمروة ويقولون: السعي فيما بينهما من أمر المشركين فنزلت هذه الآية.
ويقال: إن النبيّ لما فتح مكة، طاف بالبيت والمسلمون معه، فلما سعى بين الصفا والمروة، رفع المسلمون أزرهم، وشمروا قمصهم كيلا يصيب ثيابهم ذينك الصنمين، فنزل قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ يعني من أمور المناسك.
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما، يعني لو أصاب ثيابه من ذلك لا يضره ولا إثم عليه فخرج عمر فتناول المعول وكسر الصنمين.
قال الفقيه: حدّثنا الفقيه أبو جعفر قال: حدّثنا علي بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الفضل، عن يعلى بن منبه، عن صالح بن حيان، عن أبي بريدة، عن أبيه قال: دخل جبريل- - المسجد، فبصر بالنبي نائماً في ظل الكعبة فأيقظه فقام وهو ينفض رأسه ولحيته من التراب، فانطلق به نحو باب بني شيبة فلقيهما ميكائيل.
فقال جبريل لميكائيل: ما يمنعك أن تصافح النبي ؟
فقال: أجد من يده ريح نحاس.
فقال جبريل للنبي أفعلت ذلك؟
وكان النبي نسي ذلك ثم ذكر فقال: «صَدَقَ أَخِي، مَرَرْتُ أوَلَ أَمْسٍ عَلَى إِساف وَنَائِلَةَ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى أَحَدِهِما وَقُلْتُ: إنَّ قَوْماً رَضُوا بِكُمَا آلِهَةً مَعَ الله هُمْ قَوْمُ سُوءٍ» .
قال صالح: قلت لأبي بريدة: وما أساف ونائلة؟
قال: كانا إنسانين من قريش يطوفان بالكعبة، فوجدا فيها خلوة فراود أحدهما صاحبه، فمسخهما الله تعالى نحاساً، فجاءت بهما قريش وقالوا: لولا أن الله رضي بأن نعبد هذين الإنسانين ما مسخهما نحاساً.
وأساف كان رجلاً ونائلة كانت امرأة.
قال الزجاج: الجناح في اللغة: أخذ من جنح إذا مال وعدل عن المقصد.
وأصل ذلك من جناح الطير.
قوله تعالى: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً.
قرأ حمزة والكسائي يَطَوَّعْ بالياء وجزم العين، لأن الأصل يتطوع فأدغمت التاء في الطاء وشددت.
وقرأ الباقون تَطَوَّعَ على معنى الماضي والمراد به الاستقبال، يعني إذا زاد في الطواف حول البيت على ما هو واجب عليه، فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ يقبل منهم، عَلِيمٌ بنياتهم وبما نووا وقال القتبي: يطوف أصله يتطوف فأدغمت التاء في الطاء.
ويقال: الجناح: الإثم.
ويقال إن الله شاكر عليم يقبل اليسير ويعطي الجزيل ويقال: إن الله شاكر بقبول أعمالكم عليم بالثواب.
ويقال: الطواف للغرباء أفضل من الصلاة، لأنهم يقدرون على الصلاة إذا رجعوا إلى منازلهم، ولا يمكنهم الطواف إلا في ذلك الوقت، فالله تعالى قد حثّ على الطواف بقوله: وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
<div class="verse-tafsir"
كتاب الترمذيِّ أيضاً عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ عزى ثكلى، كُسِيَ بِرِدَاءٍ فِي الجَنَّةِ» .
قال الترمذيُّ ليس إِسناده بالقَوِيِّ «١» .
انتهى.
قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ: الصَّفَا: جمع صَفَاةٍ، وهي الصَّخْرة العَظيمة، والمَرْوَة واحدةُ المَرْوِ، وهي الحجارة الصِّغَار الَّتي فيها لين، ومِنْ شَعائِرِ اللَّهِ معناه: معالمه، ومواضع عبادته، وقال مجاهدٌ: ذلك راجعٌ إِلى القول، أي:
مما أشعركم اللَّه بفضله: مأخوذٌ من شَعَرْتُ، إِذا تحسّست «٢» .
وحَجَّ: معناه: قصد، وتكرّر، واعْتَمَرَ: زار وتكرّر مأخوذ من عمرت ٤٠ ب الموضعَ، والجُنَاحُ: الإِثمُ، والمَيْلُ عن الحقِّ والطاعةِ، ومن اللفظةِ الجناح/ لأنه في شِقٍّ ومنه: وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها [الأنفال: ٦١] ، ويَطَّوَّفَ: أصله يتطوَّف، فقوله: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ ...
الآيةَ: خبر يقتضي الأمر بما عهد من الطواف بهما، وقوله: فَلا جُناحَ ليس المقصودُ منه إباحة الطوافِ لمن شاءه لأن ذلك بعد الأمر لا يستقيمُ، وإِنما المقصودُ رفْعُ ما وقع في نفوسِ قومٍ من العربِ من أنَّ الطوَافَ بينهما فيه حرجٌ، وإِعلامهم أن ما وقع في نفوسهم غيرُ صوابٍ، وفي الصحيح عن عائشة- رضي الله
عنها-: «أنَّ ذَلِكَ فِي الأنْصارِ» .
ومذهبُ مالكٍ والشافعيِّ «١» أنَّ السعْيَ بينهما فرضٌ لا يجزىء تاركه، إِلاَّ العودة، قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» «٢» والدليلُ على ركنيَّته ما رُويَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنّه قال: «إنّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: «أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ لِمَناةَ في الجاهِلِيَّةِ - ومَناةَ: صَنَمٌ كانَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ!
إنّا كُنّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ تَعْظِيمًا لِمَناةَ، فَهَلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ أنْ نَطُوفَ بِهِما؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ.
والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الصَّفا تَماثِيلٌ وأصْنامٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ وثَنٌ عَلى الصَّفا يُدْعى: إسافَ، ووَثَنٌ عَلى المَرْوَةَ يُدْعى: نائِلَةَ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُما ويُمَسِّحُونَهُما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفُّوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
والثّالِثُ: «أنَّ الصَّحابَةَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ : إنّا كُنّا نَطُوفُ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، فَهَلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ أنْ لا نَطُوفُ بِهِما؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
قالَ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: الصَّفا في اللُّغَةِ: الحِجارَةُ الصَّلْبَةُ الصَّلْدَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وهو جَمْعٌ، واحِدُهُ صَفاةً وصَفًّا، مِثْلُ: حَصاةً وحَصًى.
والمَرْوَةُ: الحِجارَةُ اللَّيِّنَةُ، وهَذانَ المَوْضِعانِ مِن شَعائِرِ اللَّهِ، أيْ: مِن أعْلامِ مُتَعَبَّداتِهِ.
وواحِدُ الشَّعائِرِ: شَعِيرَةٌ.
والشَّعائِرُ: كُلُّ ما كانَ مِن مَوْقِفٍ أوْ سَعْيٍ أوْ ذَبْحٍ.
والشَّعائِرُ: مَن شَعَرَتْ بِالشَّيْءِ: إذا عَلِمَتْ بِهِ، فَسُمِّيَتِ الأعْلامُ الَّتِي هي مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ: شَعائِرُ اللَّهِ.
والحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، وكَذَلِكَ كَلُّ قاصِدٍ شَيْئًا فَقَدِ اعْتَمَرَهُ.
والجَناحُ: الإثْمُ، أُخِذَ مِن جَنَحَ: إذا مالَ وعَدَلَ، وأصْلُهُ مِن جَناحِ الطّائِرِ، وإنَّما اجْتَنَبَ المُسْلِمُونَ الطَّوافَ بَيْنَهُما، لِمَكانِ الأوْثانِ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ نَصْبَ الأوْثانِ بَيْنَهُما قَبْلَ الإسْلامِ لا يُوجِبُ اجْتِنابَهُما، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا جَناحَ في التَّطَوُّفِ بِهِما، وأنَّ مَن تَطَوَّعَ بِذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.
والشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ: المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ، والجُمْهُورُ قَرَؤُوا (وَمَن تَطَوَّعَ) بِالتّاءِ ونَصْبِ العَيْنِ.
مِنهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "يَطَوَّعْ" بِالياءِ وجَزْمِ العَيْنِ.
وكَذَلِكَ خِلافُهم في الَّتِي بَعْدَها بِآَياتٍ.
* فَصْلٌ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ إمامِنا أحْمَدَ في السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، فَنَقَلَ الأثْرَمُ أنَّ مَن تَرَكَ السَّعْيَ لَمْ يُجِزْهُ حَجُّهُ.
ونَقَلَ أبُو طالِبٍ لا شَيْءَ في تَرْكِهِ عَمْدًا أوْ سَهْوًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَهُ.
ونَقَلَ المَيْمُونِيُّ أنَّهُ تَطَوُّعٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ، كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، فالبَيِّناتُ: الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ والفَرائِضُ.
والهُدى: نَعْتُ النَّبِيِّ وصِفَتُهُ ﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لِبَنِي إسْرائِيلَ.
وفي الكِتابِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الكَلِمَتَيْنِ ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ اللَّعْنِ في اللُّغَةِ: الطَّرْدُ، ولَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ، أيْ: طَرَدَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ فَصارَ قَوْلًا.
قالَ الشَّمّاخُ وذَكَرَ ماءً: ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ أيِ: الطَّرِيدُ.
وفي اللّاعِنِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِمْ: دَوابُّ الأرْضِ، رَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِكم، فَيَلْعَنُونَهم.
والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ قالَهُ عَطاءٌ.
* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ تُوجِبُ إظْهارَ عُلُومِ الدِّينِ، مَنصُوصَةٌ كانَتْ أوْ مُسْتَنْبَطَةٌ، وتَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى ذَلِكَ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ اسْتِحْقاقُ الأجْرِ عَلى ما يَجِبُ فِعْلُهُ، وقَدْ رَوى الأعْرَجُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّكم تَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلى النَّبِيِّ ، واللَّهُ المَوْعِدُ، وايْمُ اللَّهِ: لَوْلا آَيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ أحَدًا بِشَيْءٍ أبَدًا، ثُمَّ تَلا ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا ﴾ إلى آَخِرِها.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللهِ شاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِنَ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ الصَفا والمَرْوَةَ ﴾ : جَبِيلانِ بِمَكَّةَ.
و"الصَفا" جُمِعَ صَفاةٌ، وقِيلَ هُوَ: اسْمٌ مُفْرَدٌ جَمْعُهُ صَفًى وأصْفاءُ، وهي الصَخْرَةُ العَظِيمَةُ، قالَ الراجِزُ: ......................................
مَواقِعُ الطَيْرِ عَلى الصَفى وقِيلَ: مِن شُرُوطِ الصَفّا البَياضُ والصَلابَةُ.
و"المَرْوَةَ": واحِدَةُ المَرْوِ، وهي الحِجارَةُ الصِغارُ الَّتِي فِيها لِينٌ.
ومِنهُ قَوْلُ الَّذِي أصابَ شاتَهُ المَوْتُ مِنَ الصَحابَةِ: فَذَكَّيْتَها بِمَرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الأمِينِ: أخْرِجْنِي إلى أخِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَمَرْوَةٌ كَسَرَتْ مَرْوَةَ، وصَمْصامَةٌ قَطَعَتْ صَمْصامَةَ، وقَدْ قِيلَ في المُرُوِ: إنَّها الصِلابُ، قالَ الشاعِرُ: وتَوَلّى الأرْضَ خُفًّا ذابِلًا ∗∗∗ فَإذا ما صادَفَ المَرْوَ رَضَخْ والصَحِيحُ أنَّ المَرْوَ الحِجارَةُ صَلِيبُها ورِخْوُها الَّذِي يَتَشَظّى وتَرِقُّ حاشِيَتُهُ وفي هَذا يُقالُ المَرْوُ أكْثَرُ، وقَدْ يُقالُ في الصَلِيبِ، وتَأمَّلْ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ: حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ بِصَفا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وجُبَيْلُ الصَفا بِمَكَّةَ صَلِيبٌ، وجُبَيْلُ المَرْوَةَ إلى اللِينِ ماهِقُ، فَبِذَلِكَ سُمِّيا.
قالَ قَوْمٌ: ذَكَرَ الصَفا لِأنَّ آدَمَ وقَفَ عَلَيْهِ، ووَقَفَتْ حَوّاءُ ١ عَلى المَرْوَةِ فَأُنِّثَتْ لِذَلِكَ.
وَقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ عَلى الصَفا صَنَمٌ يُدْعى إسافًا وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعى نائِلَةَ فاطَّرَدَ ذَلِكَ في التَذْكِيرِ والتَأْنِيثِ، وقُدِّمَ المُذَكَّرُ.
و ﴿ مِن شَعائِرِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: مِن مَعالِمِهِ ومَواضِعِ عِبادَتِهِ، وهي جَمْعُ شُعَيْرَةَ أو شُعارَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ذَلِكَ راجِعٌ إلى القَوْلِ، أيْ مِمّا أشْعَرَكُمُ اللهُ بِفَضْلِهِ، مَأْخُوذٌ مِن تَشَعَّرْتُ إذا تَحَسَّسْتُ، وشَعُرَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما يَلِي الجَسَدَ مِنَ الثِيابِ، والشِعارُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعْرِ.
ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ هو الشاعِرُ.
و"حَجَّ" مَعْناهُ: قَصَدَ وتَكَرَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سَبَّ الزَبْرَقانِ المُزَعْفَرا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: يَحُجُّ مَأْمُومَةً في قَعْرِها لَجَفٌ ∗∗∗......................................
و"اعْتَمَرَ" زارَ وتَكَرَّرَ، مَأْخُوذٌ مَن عَمَّرْتُ المَوْضِعَ.
والـ "جُناحَ": الإثْمُ والمَيْلُ عَنِ الحَقِّ والطاعَةِ.
ومِنَ اللَفْظَةِ الجَناحُ لِأنَّهُ في شِقٍّ، ومِنهُ قِيلَ لِلْخِباءِ: جُناحٌ لِتَمايُلِهِ وكَوْنِهِ كَذِي أجْنِحَةٍ، ومِنهُ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ .
وَ"يَطَّوَّفَ" أصْلُهُ يَتَطَوَّفُ، سَكَنَتِ التاءُ وأُدْغِمَتْ في الطاءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أنْ يُطافَ"، وأصْلُهُ يَطْتُوفُ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا فَجاءَ يَطْتافُ، أُدْغِمَتِ التاءُ بَعْدَ الإسْكانِ في الطاءِ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ إدْغامَ الثانِي في الأوَّلِ كَما جاءَ في "مُدَّكِرٍ"، ومَن لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ قالَ: قُلِبَتِ التاءُ طاءً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الطاءُ في الطاءِ، وفي هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأصْلِيَّ أُدْغِمَ في الزائِدِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهم قَرَؤُوا: "ألّا يَطَّوَّفَ" وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "ألّا يَطَّوَّفَ"، وقِيلَ: "ألّا يَطُوفَ" بِضَمِّ الطاءِ وسُكُونِ الواوِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي الأمْرَ بِما عَهِدَ مِنَ الطَوافِ بِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ ، لَيْسَ المَقْصِدُ مِنهُ إباحَةَ الطَوافِ لِمَن شاءَ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الأمْرِ لا يَسْتَقِيمُ، وإنَّما المَقْصِدُ مِنهُ رَفْعُ ما وقَعَ في نُفُوسِ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ مِن أنَّ الطَوافَ بَيْنَهُما فِيهِ حَرَجٌ، وإعْلامُهم أنَّ ما وقَعَ في نُفُوسِهِمْ غَيْرُ صَوابٍ.
واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ.
فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَعْرِفُ وتَطُوفُ بَيْنَهُما في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِن تِهامَةٍ لا تَطُوفُ بَيْنَهُما في الجاهِلِيَّةِ لِذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحَرَّجُوا مِنَ الطَوافِ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ ذَلِكَ في الأنْصارِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَهِلُّونَ لِمَناةَ الَّتِي كانَتْ بِالمُشَلَّلِ حَذْوَ قَدِيدٍ، ويُعَظِّمُونَها، فَكانُوا لا يَطُوفُونَ بَيْنَ إسافَ ونائِلَةَ إجْلالًا لِتِلْكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحَرَّجُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّ العَرَبَ الَّتِي كانَتْ تَطُوفُ هُنالِكَ، كانَتْ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ السَعْيَ إجْلالًا لِإسافَ ونائِلَةَ، وكانَ الساعِي يَتَمَسَّحُ بِإسافَ، فَإذا بَلَغَ المَرْوَةَ تَمَسَّحَ بِنائِلَةَ، وكَذَلِكَ حَتّى تَتِمَّ أشْواطُهُ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَرِهُوا السَعْيَ هُنالِكَ إذْ كانَ بِسَبَبِ الصَنَمَيْنِ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ.
فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ أنَّ ذَلِكَ فَرْضُ رُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ لا يَجْزِي تارِكَهُ أو ناسِيهِ إلّا العَوْدَةُ، ومَذْهَبُ الثَوْرِيِّ وأصْحابُ الرَأْيِ أنَّ الدَمَ يَجْزِي تارِكَهُ، وإنْ عادَ فَحَسَنٌ، فَهو عِنْدُهم نَدْبٌ.
ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أشْواطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإنْ تَرَكَ ثَلاثَةً فَأقَلَّ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَوْطٍ إطْعامُ مِسْكِينٍ.
وقالَ عَطاءٌ: لَيْسَ عَلى تارِكِهِ شَيْءٌ لا دَمٌ ولا غَيْرُهُ، واحْتَجَّ عَطاءٌ بِما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما"، وهي قِراءَةٌ خالَفَتْ مَصاحِفَ الإسْلامِ، وقَدْ أنْكَرَتْها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في قَوْلِها لِعُرْوَةَ حِينَ قالَ لَها: أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ فَما نَرى عَلى أحَدٍ شَيْئًا ألّا يَطُوفَ بِهِما) قالَتْ: يا عُرْيَةُ كَلّا، لَوْ كانَ ذَلِكَ لَقالَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطُوفَ بِهِما.
وأيْضًا فَإنَّ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْجِعُ إلى مَعْنى "أنْ يَطُوفَ" وتَكُونُ "لا" زائِدَةَ صِلَةٍ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهم ∗∗∗ والطَيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرَ أيْ: وعُمَرُ.
وكَقَوْلِ الآخَرِ: وما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا ∗∗∗......................................
ومَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ في العُمْرَةِ أنَّها سَنَةٌ، إلّا ابْنُ حَبِيبٍ فَإنَّهُ قالَ بِوُجُوبِها.
وقَرَأ قَوْمٌ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "وَمَن يَطَّوَّعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الِاسْتِقْبالِ والشَرْطِ، والجَوابُ في قَوْلِهِ: "فَإنَّ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ: "تَطَوَّعَ" عَلى بابِهِ في المُضِيِّ فَـ "مِن" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي.
ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَإنَّ" لِلْإبْهامِ الَّذِي في "مِن".
حَكاهُ مَكِّيٌّ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ "تَطَوَّعَ" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ و"مَن" شَرْطِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" بِمَعْنى الَّذِي والفِعْلُ صِلَةٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والفاءُ مُؤْذِنَةٌ أنَّ الثانِي وجَبَ لِوُجُوبِ الأوَّلِ.
ومَن قالَ بِوُجُوبِ السَعْيِ قالَ: مَعْنى "تَطَوَّعَ" أيْ زادَ بِرًّا بَعْدَ الواجِبِ فَجَعَلَهُ عامًّا في الأعْمالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: مَن تَطَوَّعَ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الفَرِيضَةِ.
ومَن لَمْ يُوجِبِ السَعْيَ قالَ: المَعْنى مَن تَطَوَّعَ بِالسَعْيِ بَيْنَهُما.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ".
وَمَعْنى "شاكِرٌ": أيْ يَبْذُلُ الثَوابَ والجَزاءَ، "عَلِيمٌ" بِالنِيّاتِ والأعْمالِ، لا يَضِيعُ مَعَهُ لِعامِلِ بِرٍّ -وَلا غَيْرُهُ- عَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالَّذِينِ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ مُعَيَّنَيْنِ مِنهم سَألَهم قَوْمٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ عَمّا في كُتُبِهِمْ مِن أمْرِهِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتْ.
وتَتَناوَلُ الآيَةُ بَعْدُ، كُلَّ مَن كَتَمَ عِلْمًا مِن دِينِ اللهِ يَحْتاجُ إلى بَثِّهِ، وذَلِكَ مُفَسَّرٌ في قَوْلِ النَبِيِّ : «مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ».
وهَذا إذا كانَ لا يَخافُ ولا ضَرَرَ عَلَيْهِ في بَثِّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أرادَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قَوْلِهِ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكم حَدِيثًا، وقَدْ تَرَكَ أبُو هُرَيْرَةَ ذَلِكَ حِينَ خافَ فَقالَ: حَفِظْتُ عن رَسُولِ اللهِ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ، وهَذِهِ الآيَةُ أرادَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قَوْلِهِ: لَأحُدِّثَنَّكم حَدِيثًا لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمُوهُ.
ومَن رَوى في كَلامِ عُثْمانَ: لَوْلا أنَّهُ في كِتابِ اللهِ.
فالمَعْنى غَيْرُ هَذا.
و ﴿ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ أمْرُ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ يَعُمُّ بَعْدَ كُلِّ ما يَكْتُمُ مِن خَيْرٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مِن بَعْدِ ما بَيَّنَهُ" عَلى الإفْرادِ.
و ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِحُكْمِ سَبَبِ الآيَةِ، وأنَّها في أمْرِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ يَدْخُلُ القُرْآنُ مَعَ تَعْمِيمِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى اللَعْنَةِ، واخْتُلِفَ في اللاعِنِينَ، فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، وهَذا ظاهِرٌ واضِحٌ جارٍ عَلى مُقْتَضى الكَلامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ يُصِيبُهُمُ الجَدْبُ بِذُنُوبِ عُلَماءِ السُوءِ الكاتِمِينَ فَيَلْعَنُونَهُمْ، وذَكَرُوا بِالواوِ والنُونِ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم أُسْنِدَ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَن يَعْقِلُ، كَما قالَ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ .
وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: اللاعِنُونَ" كُلُّ المَخْلُوقاتِ ما عَدا الثَقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إنَّ الكافِرَ إذا ضُرِبَ في قَبْرِهِ فَصاحَ؛ سَمِعَهُ الكُلُّ إلّا الثَقَلَيْنِ فَلَعَنَهُ كُلُّ سامِعٍ».
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُرادُ بِها ما قالَ النَبِيُّ : «إنَّ كُلَّ مُتَلاعِنَيْنَ إنِ اسْتَحَقّا اللَعْنَةَ وإلّا انْصَرَفَتْ عَلى اليَهُود»، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ، ولا تَثْبُتُ إلّا بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى التائِبِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَوْبَةِ.
و"أصْلَحُوا" أيْ في أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ "وَبَيَّنُوا"، قالَ مَن فَسَّرَ الآيَةَ عَلى العُمُومِ: مَعْناهُ بَيَّنُوا تَوْبَتَهم بِمُبْرِزِ العَمَلِ والبُرُوعِ فِيهِ، ومَن فَسَّرَها عَلى أنَّها في كاتِمِي أمْرِ مُحَمَّدٍ قالَ: المَعْنى بَيَّنُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ فَتَجِيءُ الآيَةُ فِيمَن أسَلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى تَوْبَةِ اللهِ عَلى عَبْدِهِ، وأنَّها رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
هذا كلام وقع معترضاً بين محاجة أهل الكتاب والمشركين في أمر القبلة، نزل هذا بسبب تردد واضطراب بين المسلمين في أمر السعي بين الصفا والمروة وذلك عام حجة الوداع، كما جاء في حديث عائشة الآتي، فهذه الآية نزلت بعد الآيات التي قبلها وبعد الآيات التي نقرؤها بعدَها، لأن الحج لم يكن قد فُرِض، وهي من الآيات التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بإلحاقها ببعض السُّوَر التي نزلت قبل نزولها بمدة، والمناسبةُ بينها وبين ما قبلها هو أن العدول عن السعي بين الصفا والمروة يشبه فعل من عبر عنهم بالسفهاء من القبلة وإنكار العدول عن استقبال بيت المقدس، فموقع هذه الآية بعد إلحاقها بهذا المكان موقعُ الاعتراض في أثناء الاعتراض، فقد كان السعي بين الصفا والمروة من أعمال الحج من زمن إبراهيم عليه السلام تذكيراً بنعمة الله على هاجر وابنها إسماعيل إذ أنقذه الله من العطش كما في حديث البخاري في كتاب بدء الخلق عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أن هاجر أم إسماعيل لما تركها إبراهيم بموضع مكة ومعها ابنها وهو رضيع وترك لها جِراباً من تمر وسِقاءً فيه ماء، فلما نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظُر إليه يَتَلَوَّى فانطلقتْ كراهيةَ أن تنظُرَ إليه فوجدت الصفا أقرب جبل يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً فهبطت من الصفا وأتت المروة فقامت عليها فنظرت هل ترى أحداً فلم ترَ أحداً ففعلت ذلك سبع مرات، قال ابن عباس فقال النبي صلى الله عليه وسلم فلذلك سَعَى الناسُ بينهما، فسَمِعَت صوتاً فقالت في نفسها صه ثم تسمَّعَتْ فسَمِعَتْ أيضاً فقالت قد أَسْمَعْتَ إن كان عندَكَ غُواث، فإذا هي بالمَلك عند موضع زمزم فبحثَ بعقبه حتى ظهر الماء فشربت وأرضعَتْ ولَدَها»، فيحتمل أن إبراهيم سَعَى بين الصفا والمروة تذكُّراً لشكر النعمة وأمَرَ به إسماعيل، ويحتمل أن إسماعيل ألحقهُ بأفعال الحج، أو أن من جاء من أبنائه فَعَل ذلك فتقرر في الشعائر عند قريش لا محالة.
وقد كان حوالي الكعبة في الجاهلية حجران كانا من جملة الأصنام التي جاء بها عَمْرو ابن لُحَيَ إلى مكة فعبدها العرب إحداهما يسمى إِسَافاً والآخر يُسمى نَائِلَةَ، كان أحدهما موضوعاً قرب جدارِ الكعبة والآخر موضوعاً قرب زمزم، ثم نقلوا الذي قرب الكعبة إلى جهة زمزم، وكان العرب يذبحون لهما، فلما جَدَّد عبد المطلب احتفار زمزم بعد أن دثَرَتْها جُرْهُمُ حين خروجِهم من مكة وبنَى سقاية زمزم نقل ذينك الصنمين فوضع إِسافاً على الصفا ونائلةَ على المروة، وجعل المشركون بعد ذلك أصناماً صغيرة وتماثيل بين الجبلين في طريق المسعى، فتوهم العرب الذين جاءوا من بعد ذلك أن السعي بين الصفا والمروة طواف بالصنمين، وكانت الأوس والخزرج وغسان يعبدون مناة وهو صنم بالمُشَلَّللِ قُرْب قُدَيْد فكانوا لا يسعون بين الصفا والمروة تحرجاً من أن يطوفوا بغير صنمهم، في البخاري فيما علَّقه عن معمر إلى عائشة قالت «كان رجال من الأنصار مِمَّن كان يُهل لمناة قالوا يا نبيء الله كُنا لا نطوف بين الصفا والمروة «تعظيماً لمناة».
فلما فتحت مكة وأزيلت الأصنام وأبيح الطواف بالبيت وحج المسلمون مع أبي بكر وسعت قريش بين الصفا والمروة تحرج الأنصار من السعي بين الصفا والمروة وسأل جمع منهم النبي صلى الله عليه وسلم هل علينا من حرج أن نطوف بين الصفا والمروة فأنزل الله هذه الآية.
وقد روى مالك رحمهُ الله في «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير قال قلت لعائشة وأنا يومئذٍ حديث السن أرأيتتِ قولَ الله تعالى: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ ، فما على الرجُل شيء أن لا يَطَّوَّف بهما فقالت عائشة كَلاَّ لو كان كما تقول لكانت فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، إنما أنزلت هاته الآية في الأنصار كانوا يُهلون لمناة وكانت مناةُ حذوَ قُديد وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله عن ذلك فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة ﴾ » الآية.
وفي البخاري عن أنس كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية فلما جاء الإسلام أمسكْنا عنهما فأنزل الله ﴿ إن الصفا والمروة ﴾ ، وفيه كلام معمر المتقدم أنهم كانوا في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة.
فتأكيد الجملة بإنَّ لأن المخاطبين مترددون في كونهما من شعائر الله وهم أَمْيَلُ إلى اعتقاد أن السعي بينهما من أحوال الجاهلية، وفي «أسباب النزول» للواحدي أن سؤالهم كان عام حجة الوداع، وبذلك كله يظهر أن هذه الآية نزلت بعد نزول آية تحويل القبلة بسنين فوضعها في هذا الموضع لمراعاة المناسبة مع الآيات الواردة في اضطراب الفرق في أمر القبلة والمناسك.
والصفا والمروة اسمان لجُبَيْلَين متقابلين فأما الصفا فهو رأس نهاية جبل أبي قبيس، وأما المَرْوَة فرأس هو منتهى جبلُ قعَيقِعَان.
وسُمي الصفا لأن حجارته من الصَّفا وهو الحجر الأملس الصُّلْب، وسميت المَروةُ مَروةً لأن حجارها من المَرْو وهي الحجارة البيضاء اللينة التي توري النار ويذبح بها لأن شَذْرها يخرج قطعاً محددة الأطراف وهي تضرب بحجارة من الصفا فتتشقق قال أبو ذؤيب: حتى كأنِّي للحَوَادِث مَرْوَة *** بِصَفَا المُشقَّرِ كلَّ يوم تفرع وكأن الله تعالى لطف بأهل بمكة فجعل لهم جبلاً من المروة للانتفاع به في اقتداحهم وفي ذبائحهم، وجعل قبالته الصفا للانتفاع به في بنائهم.
والصفا والمروة بقرب المسجد الحرام وبينهما مسافة سبعمائة وسبعين ذراعاً وطريق السعي بينهما يمر حذو جدار المسجد الحرام، والصفا قريب من باب يسمى باب الصفا من أبواب المسجد الحرام ويصعد الساعي إلى الصفا والمروة بمثل المدرجة.
والشعائر جمع شعيرة بفتح الشين وشعارة بكسر الشين بمعنى العلامة مشتق من شعر إذا علم وفطن، وهي فعيلة بمعنى مفعولة أي معلم بها ومنه قولهم أشعر البعير إذا جعل له سمة في سنامه بأنه معد للهدي.
فالشعائر ما جعل علامة على أداء عمل من عمل الحج والعمرة وهي المواضع المعظمة مثل المواقيت التي يقع عندها الإحرام، ومنها الكعبة والمسجد الحرام والمقام والصفا والمروة وعرفة والمشعر الحرام بمزدلفة ومنى والجمار.
ومعنى وصف الصفا والمروة بأنهما من شعائر الله أن الله جعلهما علامتين على مكان عبادة كتسمية مواقيت الحج مواقيت فوصفهما بذلك تصريح بأن السعي بينهما عبادة إذ لا تتعلق بهما عبادة جعلا علامة عليها غير السعي بينهما، وإضافتهما إلى الله لأنهما علامتان على عبادته أو لأنه جعلهما كذلك.
وقوله: ﴿ فمن حج البيت ﴾ تفريع على كونهما من شعائر الله، وأن السعي بينهما في الحج والعمرة من المناسك فلا يريبه ما حصل فيهما من صُنع الجاهلية لأن الشيء المقدس لا يزيل تقديسه ما يحف به من سيء العوارض، ولذلك نبه بقوله ﴿ فلا جناح ﴾ على نفي ما اختلج في نفوسهم بعد الإسلام كما في حديث عروة عن عائشة رضي الله عنها.
والجناح بضم الجيم الإثم مشتق من جنح إذا مال لأن الإثم يميل به المرء عن طريق الخير، فاعتبروا فيه المَيل عن الخير عكس اعتبارهم في حنف أنه ميل عن الشر إلى الخير.
والحج اسم في اللغة للقصد وفي العرف غلب على قصد البيت الحرام الذي بمكة لعبادة الله تعالى فيه بالطواف والوقوف بعرفة والإحراممِ ولذلك صار بالإطلاق حقيقة عرفية في هذا المعنى جِنْساً بالغلبة كالعَلَم بالغلبة ولذلك قال في «الكشاف» «وهما (أي الحج والعُمرة) في المعاني كالنجْم والبيت في الذَّوات»، فلا يحتاج إلى ذكر مضاف إليه إلاّ في مقام الاعتناء بالتنصيص ولذلك ورد في القرآن مقطوعاً عن الإضافة نحو ﴿ الحجُّ أَشْهُرٌ معلومات ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ [البقرة: 197]، وورد مضافاً في قوله: ﴿ ولله على الناس حج البيت ﴾ [آل عمران: 97] لأنه مقام ابتداء تشريع فهو مقام بيان وإطناب.
وفِعْل حَج بمعنى قصد لم ينقطع عن الإطلاق على القصد في كلام العرب فلذلك كان ذكر المفعول لزيادة البيان.
وأما صحة قولك حج فلان وقوله صلى الله عليه وسلم " إن الله كتب عليكم الحج فحُجُّوا " بدون ذكر المفعول فذلك حذفٌ للتعويل على القرينة فغلبة إطلاق الفعل على قصد البيت أقل من غلبة إطلاق اسم الحج على ذلك القصد.
والعمرة اسم لزيارة البيت الحرام في غير وقت الحج أو في وقته بدون حضور عرفة فالعمرة بالنسبة إلى الحج مثل صلاة الفذ بالنسبة لصلاة الجماعة، وهي بصيغة الاسم علم الغلبة على زيارة الكعبة، وفعلُها غلب على تلك الزيارة تبعاً لغلبة الاسم فساواه فيها ولذلك لم يذكر المفعول هنا ولم يسمع.
والغلبة على كل حال لا تمنع من الإطلاق الآخر نادراً.
ونفي الجناح عن الذي يطوف بين الصفا والمروة لا يدل على أكثر من كونه غير منهي عنه فيصدق بالمباح والمندوب، والواجب والرُّكننِ، لأن المأذون فيه يصدق بجميع المذكورات فيُحتاج في إثبات حكمه إلى دليل آخر ولذلك قالت عائشة لعروة «لو كان كما تقول لقال فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما»، قال ابن العربي في «أحكام القرآن» إن قول القائل لا جناج عليك أن تفعل إباحة للفعل وقوله لا جناح عليك أن لا تفعل إباحة لترك الفعل فلم يأت هذا اللفظ لإباحة ترك الطواف ولا فيه دليل عليه وإنما جاء لإفادة إباحة الطواف لمن كان تحرج منه في الجاهلية أو لمن كان يطوف به في الجاهلية قصداً للأصنام التي كانت فيه اه.
ومراده أَنَّ لا جناح عليك أن تفعل نص في نفي الإثم عن الفاعل وهو صادق بالإباحة والندب والوجوب فهو في واحد منها مجمل، بخلاف لا جناح عليك أن لا تفعل فهو نص في نفي الإثم التالي وهو صادق بحرمة الفعل وكراهيته فهو في أحدهما مجمل، نعم إن التصدي للإِخبار بنفي الإثم عن فاعل شيء يبدو منه أن ذلك الفعل مظنة لأن يكون ممنوعاً هذا عرف استعمال الكلام فقولك لا جناح عليك في فعل كذا ظاهر في الإباحة بمعنى استواء الوجهين دون الندب والوجوب إذ لا يعمد أحد إلى واجب أو فرض أو مندوب فيقول فيه إنه لا جناح عليكم في فعله، فمن أجْل ذلك فهم عروة بن الزبير من الآية عدم فرضية السعي، ولقد أصاب فهماً من حيث استعمال اللغة لأنه من أهل اللسان، غير أن هنا سبباً دعا للتعبير بنفي الإثم عن الساعي وهو ظن كثير من المسلمين أن في ذلك إثماً، فصار الداعي لنفي الإثم عن الساعي هو مقابلة الظن بما يدل على نقيضه مع العلم بانتفاء احتمال قصد الإباحة بمعنى استواء الطرفين بما هو معلوم من أوامر الشريعة اللاحقة بنزول الآية أو السابقة لها، ولهذا قال عروة فيما رواه " وأنا يومئذٍ حديثُ السن " يريد أنه لا علم له بالسنن وأسبابا النزول، وليس مراده من حداثة سنه جهلَه باللغة لأن اللغة يستوي في إدراك مفاداتها الحديث والكبير، ولهذا أيضاً قالت له عائشة «بئسما قلتَ يا ابنَ أختي» تريد ذَم كلامه من جهة ما أداه إليه من سوء فهم مقصد القرآن لو دام على فهمه ذلك، على عادتهم في الصراحة في قول الحق، فصار ظاهر الآية بحسب المتعارف مؤولاً بمعرفة سبب التصدي لنفي الإثم عن الطائف بين الصفا والمروة.
فالجناح المنفي في الآية جُناح عَرَض للسعي بين الصفا والمروة في وقت نصب إساف ونائلةَ عليهما وليس لذات السعي، فلما زال سببه زال الجناح كما في قوله تعالى: ﴿ فلا جناح عليهما أن يُصلحا بينهما صلحاً والصلح خير ﴾ [النساء: 128] فنفى الجناح عن التصالح وأثبت له أنه خير فالجناح المنفي عن الصلح ما عَرَض قبله من أسباب النشوز والإعراضضِ، ومثله قوله: ﴿ فمن خاف من موس جنفاً أو إثماً فأصلح بينهم فلا إثم عليه ﴾ [البقرة: 182] مع أن الإصلاح بينهم مرغب فيه وإنما المراد لا إثم عليه فيما نقصَ من حق أحد الجانبين وهو إثم عارض.
والآية تدل على وجوب السعي بين الصفا والمروة بالإخبار عنهما بأنهما من شعائر الله فلأجل هذا اختلفت المذاهب في حكم السعي فذهب مالك رحمه الله في أَشْهَر الروايتين عنه إلى أنه فرض من أركان الحج وهو قول الشافعي وأحمد والجمهور، ووجهه أنه من أفعال الحج وقد اهتم به النبي صلى الله عليه وسلم وبادر إليه كما في حديث «الصحيحين» و«الموطأ» فلما تردد فعله بين السنية والفرضية قال مالك بأنه فرض قضاء لحق الاحتياط ولأنه فعل بسائر البدن من خصائص الحج ليس له مثيل مفروض فيُقاس على الوقوف وطواف الإفاضة والإحراممِ، بخلاف ركعتي الطواف فإنهما فعل ليس من خصائص الحج لأنه صلاة، وبخلاف ترك لبس المخيط فإنه تَرْك، وبخلاف رَمي الجمار فإنه فعل بعضو وهو اليد.
وقولي ليس له مثيل مفروض لإخراج طواف القودم فإنه وإن كان فعلاً بجميع البدن إلا أنه به مثيل مفروض وهو الإفاضة فأغنى عن جعله فرضاً، ولقوله في الحديث: " اسْعَوْا فإن الله كتب عليكم السعي " والأمرُ ظاهر في الوجوب، والأصل أن الفرض والواجب مترادفان عندنا في الحج، فالواجب دون الفرض لكن الوجوب الذي هو مدلول الأمر مساوٍ للفرض.
وذهب أبو حنيفة إلى أنه واجب ينجبر بالنسك واحتج الحنفية لذلك بأنه لم يثبت بدليل قطعي في الدلالة فلا يكون فرضاً بل واجباً لأن الآية قطعية المتن فقط والحديث ظني فيهما، والجواب أن مجموع الظواهر من القول والفعل يدل على الفرضية وإلاّ فالوقوف بعرفة لا دليل على فرضيته وكذلك الإحرام فمتى يثبت هذا النوع المسمى عندهم بالفرض؟
وذهب جماعة من السلف إلى أنه سنة.
وقوله: ﴿ ومن تطوع خيراً فإن الله شاكر عليم ﴾ تذييل لما أفادته الآية من الحث على السعي بين الصفا والمروة بمفاد قوله: ﴿ من شعائر الله ﴾ ، والمقصد من هذا التذييل الإتيان بحكم كلي في أفعال الخيرات كلها من فرائض ونوافل أو نوافل فقط فليس المقصود من ﴿ خيراً ﴾ خصوص السعي لأن خيراً نكرة في سياق الشرط فهي عامة ولهذا عطفت الجملة بالواو دون الفاء لئلا يكون الخير قاصراً على الطواف بين الصفا والمروة بخلاف قوله تعالى في آية الصيام في قوله: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فديةٌ طعام مسكين فمن تطوع خيراً فهو خيرٌ له ﴾ [البقرة: 184] لأنه أريد هنالك بيان أن الصوم مع وجود الرخصة في الفطر أفضلُ من تركه أو أن الزيادة على إطعام مسكين أفضل من الاقتصار عليه كما سيأتي.
وتطوَّع يطلق بمعنى فعل طاعة وتكلفها، ويطلق مطاوعَ طوَّعه أي جعله مطيعاً فيدل على معنى التبرع غالباً لأن التبرع زائد في الطاعة.
وعلى الوجهين فانتصاب ﴿ خيراً ﴾ على نزع الخافض أي تطوع بخير أو بتضمين ﴿ تطوع ﴾ معنى فَعَل أو أتى.
ولما كانت الجملة تذييلاً فليس فيها دلالة على أن السعي من التطوع أي من المندوبات لأنها لإفادة حكم كلي بعد ذكر تشريع عظيم، على أن ﴿ تطوع ﴾ لا يتعين لكونه بمعنى تبرع بل يحتمل معنى أتى بطاعة أو تكلف طاعة.
وقرأ الجمهور: ﴿ ومن تطوع ﴾ بصيغة الماضي، وقرأه حمزة والكسائي ويعقوب وخلَف ﴿ يَطَّوَّع ﴾ بصيغة المضارع وياء الغيبة وجزم العين.
و ﴿ مَنْ ﴾ هنا شرطية بدليل الفاء في جوابها.
وقوله: ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ دليل الجواب إذ التقدير ومن تطوع خيراً جوزي به لأن الله شاكر أي لا يضيع أجر محسن، عليم لا يخفى عنه إحسانه، وذكر الوصفين لأن ترك الثواب عن الإحسان لا يكون إلاّ عن جحود للفضيلة أو جهل بها فلذلك نفيا بقوله: ﴿ شاكر عليم ﴾ والأظهر عندي أن ﴿ شاكر ﴾ هنا استعارة تمثيلية شبه شأن الله في جزاء العبد على الطاعة بحال الشاكر لمن أسدي إليه نعمة، وفائدة هذا التشبيه تمثيل تعجيل الثواب وتحقيقه لأن حال المحسن إليه أن يبادر بشكر المحسن.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ أمّا الصَّفا والمَرْوَةَ فَهُما مُبْتَدَأُ السَّعْيِ ومُنْتَهاهُ.
وَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّفا: الحِجارَةُ البِيضُ، والمَرْوَةُ الحِجارَةُ السُّودُ.
واشْتِقاقُ الصَّفا مِن قَوْلِهِمْ: صَفا يَصْفُو إذا خَلُصَ، وهو جَمْعٌ واحِدُهُ صَفاةٌ.
والثّانِي: أنَّ الصَّفا: الحِجارَةُ الصُّلْبَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، والمَرْوَةَ الحِجارَةُ الرَّخْوَةُ، وهَذا أظْهَرُ القَوْلَيْنِ في اللُّغَةِ.
يَدُلُّ عَلى الصَّفا قَوْلُ الطِّرِمّاحِ: أبَتْ لِي قُوَّتِي والطُّولُ ألّا يُؤَيِّسَ حافِرًا أبَدًا صَفاتِي وَيَدُلُّ عَلى المَرْوَةِ قَوْلُ الكُمَيْتِ: ويُوَلِّي الأرْضَ خُفًّا ذابِلًا ∗∗∗ فَإذا ما صادَفَ المَرْوَ رَضَخْ وَحُكِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: نَزَلَ آدَمُ عَلى الصَّفا، وحَوّاءُ عَلى المَرْوَةِ، فَسُمِّيَ الصَّفّا باسْمِ آدَمَ المُصْطَفى وسُمِّيَتِ المَرْوَةُ بِاسْمِ المَرْأةِ.
وَقِيلَ: إنَّ اسْمَ الصَّفا ذُكِّرَ بِإسافٍ وهو صَنَمٌ كانَ عَلَيْهِ مُذَكَّرَ الِاسْمِ، وأُنِّثَتِ المَرْوَةُ بِنائِلَةَ وهو صَنَمٌ كانَ عَلَيْهِ مُؤَنَّثَ الِاسْمِ.
وَفي قَوْلِهِ: ﴿ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مَعالِمِ اللَّهِ الَّتِي جَعَلَها لِعِبادِهِ مَعْلَمًا، ومِنهُ قَوْلُ الكُمَيْتِ: نُقَتِّلُهم جِيلًا فَجِيلًا تَراهُمُ ∗∗∗ شَعائِرَ قُرْبانٍ بِها يُتَقَرَّبُ والثّانِي: إنَّ الشَّعائِرَ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وهو الخَبَرُ الَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وهي مِن إشْعارِ اللَّهِ عِبادَهُ أمْرَ الصَّفا والمَرْوَةِ وما عَلَيْهِمْ مِنَ الطَّوافِ بِهِما، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ ﴾ أمّا الحَجُّ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ القَصْدُ، سُمِّيَ بِهِ النُّسُكُ لِأنَّ البَيْتَ مَقْصُودٌ فِيهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سَبَّ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: يَحُجُّونَ أيْ يُكْثِرُونَ التَّرَدُّدَ إلَيْهِ لِسُؤْدَدِهِ ورِياسَتِهِ، فَسُمِّيَ الحَجُّ حَجًّا لِأنَّ الحاجَّ يَأْتِي قِبَلَ البَيْتِ ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ لِطَوافِ الإفاضَةِ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلى مِنًى ويَعُودُ إلَيْهِ لِطَوافِ الصَّدْرِ، فَلِتَكَرُّرِ العَوْدِ إلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى قِيلَ لَهُ: حاجٌّ.
وَأمّا العُمْرَةُ فَفِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها القَصْدُ أيْضًا، وكُلُّ قاصِدٍ لِشَيْءٍ فَهو مُعْتَمِرٌ، قالَ العَجّاجُ: لَقَدْ غَزا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ∗∗∗ مَغْزًى بَعِيدًا مِن بَعِيدٍ وصَبَرْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: حِينَ اعْتَمَرَ، أيْ حِينَ قَصَدَ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها الزِّيارَةُ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: وجاشَتِ النَّفْسُ لَمّا جاءَ فَلُّهم ∗∗∗ وراكِبٌ جاءَ مِن (تَثْلِيثٍ) مُعْتَمِرا أيْ زائِرًا.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ ورَفْعُ الجُناحِ مِن أحْكامِ المَباحِثِ دُونَ الواجِباتِ.
فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ عَلى أنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ غَيْرُ واجِبٍ في الحَجِّ والعُمْرَةِ مَنسَكًا بِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ ورَفْعُ الجُناحِ مِن أحْكامِ المُباحاتِ دُونَ الواجِباتِ.
والثّانِي: أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ مَسْعُودٍ قَرَآ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ وذَهَبَ الشّافِعِيُّ، ومالِكٌ، وفُقَهاءُ الحَرَمَيْنِ، إلى وُجُوبِ السَّعْيِ في النُّسُكَيْنِ تَمَسُّكًا بِفَحْوى الخِطابِ ونَصِّ السُّنَّةِ، ولَيْسَ في قَوْلِهِ: ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ دَلِيلٌ عَلى إباحَتِهِ دُونَ وُجُوبِهِ، لِخُرُوجِهِ عَلى سَبَبٍ، وهو أنَّ الصَّفا كانَ عَلَيْهِ في الجاهِلِيَّةِ صَنَمٌ اسْمُهُ إسافٌ، وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ اسْمُهُ نائِلَةُ، فَكانَتِ الجاهِلِيَّةُ إذا سَعَتْ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ طافُوا حَوْلَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِإسافٍ ونائِلَةَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ وأُلْغِيَتِ الأصْنامُ تَكَرَّهَ المُسْلِمُونَ أنْ يُوافِقُوا الجاهِلِيَّةَ في الطَّوافِ حَوْلَ الصَّفا والمَرْوَةِ، مُجانَبَةً لِما كانُوا عَلَيْهِ مِن تَعْظِيمِ إسافٍ ونائِلَةَ، فَأباحَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ لَهم في الإسْلامِ لِاخْتِلافِ القَصْدِ فَقالَ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ وأمّا قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ ، فَلا حُجَّةَ فِيها عَلى سُقُوطِ فَرْضِ السَّعْيِ بَيْنَهُما لِأنَّ لا صِلَةَ في الكَلامِ إذا تَقَدَّمَها جَحْدٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ ﴾ بِمَعْنى ما مَنَعَكَ أنْ تَسْجُدَ، وكَما قالَ الشّاعِرُ: ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللَّهِ فِعْلَهُمُ ∗∗∗ والطَّيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ومَن تَطَوَّعَ بِالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وهَذا قَوْلُ مَن أسْقَطَ وُجُوبَ السَّعْيِ.
والثّانِي: ومَن تَطَوَّعَ بِالزِّيادَةِ عَلى الواجِبِ، وهَذا قَوْلُ مَن أوْجَبَ السَّعْيَ.
والثّالِثُ: ومَن تَطَوَّعَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ بَعْدَ أداءِ فَرْضِهِما.
﴿ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: شاكِرٌ لِلْعَمَلِ عَلِيمٌ بِالقَصْدِ.
والثّانِي: شاكِرٌ لِلْقَلِيلِ عَلِيمٌ بِالثَّوابِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج مالك في الموطأ وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن أبي داود وابن الأنباري في المصاحف معاً وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن عائشة «أن عروة قال لها: أرأيت قول الله تعالى ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ﴾ فما أرى على أحد جناحاً أن يطوّف بهما؟
فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي، إنها لو كانت على ما أوّلتها كانت فلا جناح عليه أن لا يطوّف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله...
﴾ الآية.
قالت عائشة: ثم قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما» .
وأخرج عبد بن حميد والبخاري والترمذي وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم وابن السكن والبيهقي عن أنس.
أنه سئل عن الصفا والمروة قال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإِسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ .
وأخرج الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدمنا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت الشياطين في الجاهلية تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، فكانت فيها آلهة لهم أصنام، فلما جاء الإِسلام قال المسلمون: يا رسول الله ألا نطوف بين الصفا والمروة فإنه شيء كنا نصنعه في الجاهلية؟
فأنزل الله: ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ﴾ يقول: ليس عليه اثم ولكن له أجر.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس قال: قالت الأنصار: إن السعي بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن عمرو بن حبيش قال: سألت ابن عمر عن قوله: ﴿ إن الصفا والمروة...
﴾ الآية.
فقال: انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد.
فأتيته فسألته فقال: إنه كان عندهما أصنام، فلما أسلموا امسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت ﴿ إن الصفا والمروة...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله...
﴾ الآية.
وذلك أن ناساً تحرجوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره الطواف بينهما أحب إليه، فمضت السنة بالطواف بينهما.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عامر الشعبي قال: «كان وثن بالصفا يدعى أساف ووثن بالمروة يدعى نائلة، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما ويمسحون الوثنين، فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين وليس الطواف بهما من الشعائر!
فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة...
﴾ الآية.
فذكر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأُنِّثَتْ المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثاً» .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: قالت الأنصار إنما السعي بين هذين الحجرين من عمل أهل الجاهلية، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ قال: من الخير الذي أخبرتكم عنه فلم يحرج من لم يطف بهما ﴿ ومن تطوّع خيراً فهو خير له ﴾ فتطوّع رسول الله صلى الله عليه وسلم فكانت من السنن، فكان عطاء يقول: يبدل مكانه سبعين بالكعبة إن شاء.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: كان ناس من أهل تهامة في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ وكان من سنة إبراهيم وإسمعيل الطواف بينهما.
وأخرج عبد بن حميد ومسلم والترمذي وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في سننه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية، ومناة صنم بين مكة والمدينة.
قالوا: يا نبي الله إنا كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟
فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله...
﴾ الآية.
قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة!
قال الله: ﴿ فلا جناح عليه أن يطوف بهما ﴾ فقالت: يا ابن أختي ألا ترى أنه يقول ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام فقال: هذا العلم.
قال أبو بكر: ولقد سمعت رجالاً من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله الطواف بالبيت ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وأن الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟
فأنزل الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله...
﴾ الآية كلها.
قال أبو بكر: فاسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، فيمن طاف وفيمن لمن يطف.
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد ومسلم وابن ماجة وابن جرير عن عائشة قالت: لعمري ما أتم الله حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته، ولأن الله قال: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد ومسلم عن أنس قال: كانت الأنصار يكرهون السعي بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ فالطواف بينهما تطوّع.
وأخرج أبو عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي داود في المصاحف وابن المنذر وابن الأنباري عن ابن عباس.
أنه كان يقرأ ﴿ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عطاء قال: في مصحف ابن مسعود ﴿ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن حماد قال: وجدت في مصحف أبي ﴿ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود عن مجاهد.
أنه كان يقرأ ﴿ فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ﴾ .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن ابن عباس.
أنه قرأ ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف ﴾ مثقلة، فمن ترك فلا بأس.
وأخرج سعيد بن منصور والحاكم وصححه عن ابن عباس.
أنه أتاه رجل فقال: أبدأ بالصفا قبل المروة، وأصلي قبل أن أطوف، أو أطوف قبل.
وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟
فقال ابن عباس: خذوا ذلك من كتاب الله فإنه أجدر أن يحفظ، قال الله: ﴿ إن الصفا والمروة من شعائر الله ﴾ فالصفا قبل المروة، وقال: ﴿ لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ [ البقرة: 196] فالذبح قبل الحلق.
وقال: ﴿ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ﴾ [ الحج: 26] والطواف قبل الصلاة.
وأخرج وكيع عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس لم بدئ بالصفا قبل المروة؟
قال: لأن الله قال: إن الصفا والمروة من شعائر الله.
وأخرج مسلم والترمذي وابن جرير والبيهقي في سننه عن جابر قال لما دنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصفا في حجته قال: «إن الصفا والمروة من شعائر الله، ابدأوا بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقي عليه» .
وأخرج الشافعي وابن سعد وأحمد وابن المنذر وابن قانع والبيهقي عن حبيبة بنت أبي بحران قالت «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه وهو وراءهم وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: اسعوا فإن الله عز وجل كتب عليكم السعي» .
وأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: «سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا» .
وأخرج وكيع عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: سألت ابن عباس عن السعي بين الصفا والمروة قال: فعله إبراهيم عليه السلام.
وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي الطفيل قال: «قلت لابن عباس يزعم قومك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سعى بين الصفا والمروة وإن ذلك سنة، قال: صدقوا أن إبراهيم لما أمر بالمناسك اعترض عليه الشيطان عند المسعى، فسابقه فسبقه إبراهيم» .
وأخرج الحاكم عن ابن عباس.
أنه رآهم يطوفون بين الصفا والمروة فقال: هذا مما أورثتكم أم إسماعيل.
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن سعيد بن جبير قال: أقبل إبراهيم ومعه هاجر وإسمعيل عليهم السلام، فوضعهم عند البيت فقالت: الله أمرك بهذا؟
قال: نعم.
قال: فعطش الصبي فنظرت فإذا أقرب الجبال إليها الصفا، فسعت فرقت عليه، فنظرت فلم تر شيئاً، ثم نظرت فإذا أقرب الجبال إليها المروة، فنظرت فلم تر شيئاً، قال: فهي أول من سعى بين الصفا والمروة، ثم أقبلت فسمعت حفيفاً أمامها قال: قد أسمع فإن يكن عندك غياث فهلم، فإذا جبريل أمامها يركض زمزم بعقبه فنبع الماء، فجاءت بشيء لها تقري فيه الماء فقال لها: تخافين العطش؟
هذا بلد ضيفان الله لا تخافون العطش.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه والبيهقي في شعب الإِيمان عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار لاقامة ذكر الله لا لغيره» .
وأخرج الأزرقي عن أبي هريرة قال: السنة في الطواف بين الصفا والمروة أن ينزل من الصفا، ثم يمشي حتى يأتي بطن المسيل، فإذا جاءه سعى حتى يظهر منه، ثم يمشي حتى يأتي المروة.
وأخرج الأزرقي من طريق مسروق عن ابن مسعود أنه خرج إلى الصفا فقام إلى صدع فيه فلبى فقلت له: إن ناساً ينهون عن الإِهلال هاهنا قال: ولكني آمرك به هل تدري ما الإِهلال؟
إنما هي استجابة موسى لربه، فلما أتى الوادي رمل وقال: رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم.
وأخرج الطبراني والبيهقي في سننه عن ابن مسعود.
أنه قام على الصدع الذي في الصفا وقال: هذا، والذي لا إله غيره مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.
أما قوله تعالى: ﴿ ومن تطوّع خيراً ﴾ .
أخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءة عبد الله ﴿ ومن تطوع بخير ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر «أنه كان يدعو على الصفا والمروة يكبر ثلاثاً، سبع مرات يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
وكان يدعو بدعاء كثير حتى يبطئنا وإنا لشباب، وكان من دعائه: اللهم اجعلني ممن يحبك ويحب ملائكتك ويحب رسلك ويحب عبادك الصالحين، اللهم حببني إليك، وإلى ملائكتك، وإلى رسلك، وإلى عبادك الصالحين، اللهم يسرني لليسرى، وجنبني للعسرى، واغفر لي في الآخرة والأولى، واجعلني من الأئمة المتقين ومن ورثة جنة النعيم، واغفر لي خطيئتي يوم الدين.
اللهم إنك قلت ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ ، وإنك لا تخلف الميعاد.
اللهم إذ هديتني للإِسلام فلا تنزعه مني ولا تنزعني منه حتى توفاني على الإِسلام وقد رضيت عني.
اللهم لا تقدمني للعذاب ولا تؤخرني لسيء الفتن» .
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن عمر بن الخطاب قال: من قدم منكم حاجاً فليبدأ بالبيت فليطف به سبعاً، ثم ليصل ركعتين عند مقام إبراهيم، ثم ليأت الصفا فليقم عليه مستقبل الكعبة، ثم ليكبر سبعاً بين كل تكبيرتين حمد الله وثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ويسأله لنفسه، وعلى المروة مثل ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن ابن عباس قال: ترفع الأيدي في سبعة مواطن: إذا قام إلى الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وفي عرفات، وفي جمع، وعند الجمرات.
وأخرج الشافعي في الأم عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ترفع الأيدي في الصلاة، وإذا رأى البيت، وعلى الصفا والمروة، وعلى عرفات وبجمع، وعند الجمرتين، وعلى الميت» .
أما قوله تعالى ﴿ فإن الله شاكر عليم ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن قتادة قال: لا شيء أشكر من الله، ولا أجزي بخير من الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ الآية، الصفا: جمع صفاة، وهي: الحجارة.
قال أبو العباس: الصفا: كلُّ حجر لا يخلطه غيره، من طين أو تراب يتصل به، واشتقاقه من صفا يصفو إذا خَلَص (١) (٢) قال الأعشى: وتُوَلّي الأرضَ خُفًّا ذابلًا ...
فإذا ما صادف المَروَ رَضَحْ (٣) وهما اسمان لجبلين معروفين بمكة (٤) وشعائر الله: واحدتها شعيرة.
قال المفسرون وأهل اللغة جميعًا: شعائر الله: متعبداته التي أشعرها الله، أي: جعلها أعلامًا لنا، وهي كلّ ما كان من مَشعر، أو موقف، أو مسعًى، أو منحر (٥) (٦) ويحتمل أن تكون الشعائر مشتقة من الإشعار الذي هو (٧) (٨) شَعَائرَ قُربانٍ بهم يُتَقَرَّبُ (٩) ويحتمل أن يكون من الإعلام بالشيء (١٠) ﴿ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ .
قال: يعني: منْ الخبر الذي أخبركم عنه (١١) (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ ﴾ قال الليث: أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه.
وقال يعقوب والزجاج: أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه.
(١٣) وقال كثير من أهل اللغة: أصل الحجّ: إطالة الاختلاف إلى الشيء.
واختار ابن جرير هذا القول، قال: لأن الحاجّ يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه للطواف يوم النحر، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصَّدَر؛ فلتكرارِهِ (١٤) (١٥) وكلهم احتجوا بقول المخبّل القُريعي (١٦) يحجُّون سِبَّ (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) وكأنّ عافيةَ النسور عليهمُ ...
حُجٌّ بأسفلِ ذي المَجَاز نُزُولُ (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ أَوِ اعْتَمَرَ ﴾ قال الزجاج: قَصد (٢٣) (٢٤) وراكبٌ جاء من تثليثَ معتمرُ قال الأزهري: وقد يقال: الاعتمار (٢٥) لقد سما ابنُ مَعْمَرٍ (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ الجناح: الإثم، وأصله: من الجنوح، الذي هو الميل، يقال: جَنَحَ: مال، ومنه قوله: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ ﴾ وقيل للأضلاع: جوانح؛ لاعوجاجها.
قال ابن دريد: معنى ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: لا ميل إلى مأثم.
وجناح الطائر من هذا؛ لأنه يميل في أحد شقّيه، ليس على مستوى خلقته، فمعنى الجناح: الميل عن الحق.
وقال أبو علي الجرجاني: معنى ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ أينما ذكر في القرآن: لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، هذا هو الأصل، ثم صار معناه: لا حرج عليه، ولا ذنب عليه (٢٩) قال ابن عباس: كان على الصفا صنم، وعلى المروة صنم، وكان أهل الجاهلية يطوفون بينهما، ويمسحونهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما؛ لأجل الصنمين؛ فأنزل الله عز وجل هذه الآية، منبهًا لهم (٣٠) (٣١) فالآية تدلّ بظاهرها على إباحة ما كرهوه، ولكن السنّة أوجبت الطواف بينهما والسعي، وهو قوله : "يا أيها الناس كُتِبَ عليكم السعيُ فاسعَوا" (٣٢) وهو مذهب الشافعي، (٣٣) (٣٤) لما دنا من الصفا في حجته قرأ: " ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ ابدأوا (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ فيه وجهان من القراءة (٣٧) أحدهما: ﴿ تَطَوَّعَ ﴾ على تَفَعَّل ماضيًا وهذه القراءة تحتمل أمرين (٣٨) أحدهما: أن يكون موضع تطوَّع جزمًا، وتجعل (مَن) للجزاء، وتكون الفاء مع ما بعدها من قوله: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ في موضع جزم؛ لوقوعها موقع الفعل المجزوم، والفعل الذي هو ﴿ تَطَوَّعَ ﴾ على لفظ المثال الماضي، والمراد به المستقبل، كقولك: إن أتيتني أتيتك.
الثاني: أن لا تجعل (مَن) للجزاء، ولكن تكون بمنزلة الذي، وتكون (٣٩) ﴿ تَطَوَّعَ ﴾ ، والفاء مع ما بعدها في موضع رفع، من حيث كان خبر المبتدأ الموصول، والمعنى فيه معنى الجزاء؛ لأن هذه الفاء إذا دخلت في خبر الموصول أو النكرة الموصوفة؛ آذنت أنّ الثاني إنما وجب لوجوب الأول، كقوله: ﴿ وَمَا بِكُم مِن نِّعمَةٍ فَمِنَ اَللهِ ﴾ وما: مبتدأ موصول، والفاء مع ما بعدها جواب له، وفيه معنى للجزاء؛ لأن تقديره: ما ثبت بكم من نعمة، أو ما دام بكم من نعمة فمن ابتداء الله إياكم بها، فسبب ثبات (٤٠) (٤١) ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ﴾ .
وعلى هذا كل ما في القرآن من هذا الضرب، كقوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ﴾ ، ﴿ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ ﴾ ، ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ ، ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾ .
ونذكر هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾ .
الوجه الثاني من القراءة: (يَطَّوَّعْ) بالياء وجزم العين، وتقديره: يتطوع إلا أنّ التاء أُدغم في الطاء لتقاربهما، وهذا حسن؛ لأن المعنى على الاستقبال، والشرط والجزاء الأحسن فيهما (٤٢) (٤٣) وأما التفسير: فقال مجاهد: ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ بالطواف بهما (٤٤) وقال مقاتل والكلبي: ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ فزاد في الطواف بعد الواجب (٤٥) ومنهم من حمل هذا النوع على العمرة، وهو قول ابن زيد (٤٦) وقال الحسن: ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ يعنى به: الدين كلّه، أي: فعل غير المفترض عليه، من طواف وصلاة وزكاة ونوع من أنواع الطاعات (٤٧) وهذا أحسن هذه الأقاويل؛ لأن قوله ﴿ وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ صيغته تدلّ على العموم (٤٨) وقوله تعالى ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ أي: مُجازٍ بعمله ﴿ عَلِيمٌ ﴾ بنيته (٤٩) قال أهل المعاني: وحقيقة الشاكر في اللغة: هو المظهر للإنعام عليه، والله تعالى لا تلحقه المنافع والمضارّ، فالشاكر في وصفه مجازٍ، ومعناه: المجازي على الطاعة بالثواب، إلا أن اللفظ خرج مخرج التلطف للعباد، مظاهرة في الإحسان إليهم، كما قال: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ ﴾ ، وهو تعالى لا يستقرض من عوزة ولكنه تلطّف (٥٠) (٥١) (١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 43، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233، "تفسير الثعلبي" 1/ 1282، "المفردات" ص 286، "البحر المحيط" 1/ 454، وذكر أبو حيان == قولين، فقال: وقد قيل: إنه الحجر الأملس، وقيل: هو الصخرة العظيمة، والقول المذكور أعلاه قال: إنه الذي يدل عليه الاشتقاق.
وينظر: "اللسان" 4/ 2468 (صفا).
(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 43 - 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233،"تفسير الثعلبي" 1/ 1283، "البحر المحيط" 1/ 454، وذكر في "البحر" أقوالا أخر هي: الحجارة الصلبة، أو الصغار المرهفة الأطراف، أو الحجارة السود، أو الحجارة البيض، أو الحجارة البيض الصلبة.
(٣) البيت في مدح إياس بن قبيصة الطائي، ينظر: "ديوان الأعشى الكبير" ص40، وفيه: (مجمرًا) بدل (ذابلًا)، وفي "تفسير الطبري" 2/ 43، "تفسير الثعلبي" 1/ 1283، "تفسير القرطبي" 2/ 180.
يصف الشاعر خف ناقته بأنه إذا وطئ المرو -وهي الحجارة الصغيرة- تكسرت من تحت خفها الأحجار، ورضح الحصى: كسرها.
(٤) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1283.
(٥) سقطت مشعر من (أ)، (ش) كما أن فيها تقديمًا وتأخيراً بين المذكورات.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233، وينظر "البحر المحيط" 1/ 454.
(٧) في (ش): (هي).
(٨) في (ش): (من أسنامها).
(٩) وشطره الأول: نُقَتِّلهُم جيلًا فجيلًا، تَرَاهُمُ ينظر: "القصائد الهاشميات" للكميت بن زيد ص 21، في "مجاز القرآن" 1/ 146، "تفسير الطبري" 2/ 44، "تفسير الثعلبي" 1/ 1284، "تفسير القرطبي" 2/ 165.
(١٠) ينظر: "مجاز القرآن" 1/ 146، "تفسير الطبري" 2/ 44، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 233، "تهذيب اللغة" 2/ 1884 وما بعدها، "تفسير الثعلبي" 1/ 1284، "المفردات" ص 265، "تفسير البغوي" 1/ 172.
(١١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 44، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1284.
(١٢) قال الطبري في "تفسيره" 3/ 227: وذلك تأويل من المفهوم بعيد، وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله: (إن الصفا)، عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحج التي سنها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم إذ سأله أن يريه مناسك الحج، وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 234.
(١٤) في (م): (فلتكرار) (١٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 44 - 45، "المفردات" ص 115، "اللسان" 2/ 181 - 778 (حجج).
(١٦) هو المخبل بن ربيعة بن عوف قتال بن أنف الناقة بن قريع، أبو يزيد، شاعر فحل، هاجر وابنه إلى البصرة، وولده كثير بالأحساء، وهم شعراء، وله شعر كثير جيد، هجا به الزبرقان وغيره، وكان يمدح بني قريع ويذكر أيام سعد.
ينظر: "طبقات ابن سلام" ص 61، "الشعر والشعراء" 269.
(١٧) في (ش): (سب الزعفران الزبرقان المزعفرًا).
(١٨) صدر البيت: وأشهد من عوف حُلُولًا كثيرةً ينظر في نسبته إليه "إصلاح المنطق" ص 372، "تفسير الطبري" 2/ 44، "البيان والتبيين" 3/ 97، "تفسير الثعلبي" 1/ 1286، "تفسير السمعاني" 2/ 106، "تفسير القرطبي" 2/ 165، وروي (المعصفرا) بدل (المزعفرا).
وقوله: يحجون أي: يزورون.
والسِبّ: العمامة، وقيل: الاست.
والزبرقان: هو حصين بن بدر == الفزاري من سادات العرب.
والحلول: الأحياء المجتمعة.
ينظر: "اتفاق المباني وافتراق المعاني" 1/ 206، "البيان والتبيين" 3/ 97.
(١٩) ذكر في "اللسان" 2/ 779 "حجج"، أن الكسائي لا يفرق بين الحِج والحَج، وغيره يقول: الحَج حَج البيت، والحِج عمل السنة.
(٢٠) في (ش)، (م): (ذو).
(٢١) البيت لجرير يهجو الأخطل في "ديوانه"، ص104، "لسان العرب" 2/ 778، وقال: والمشهور في روايات البيت: حِجّ، بالكسر، وهو اسم الحاج.
(٢٢) ينظر فيما تقدم "اللسان" 2/ 778 - 779 (حجج).
(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 234.
(٢٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 45، "المفردات" ص 350.
(٢٥) في (م): (للاعتمار).
(٢٦) في (ش): (معتمر).
(٢٧) البيت للعجاج يمدح عمر بن عبيد الله التميمي، في "ديوانه" ص 19، "تفسير == الطبري" 2/ 45، "تهذيب اللغة" 3/ 2566 (عمر)، "تفسير الثعلبي" 1/ 1186، "القرطبي" 2/ 166، قوله: مغزى: أي غزوًا.
ومعنى: ضبر الجواد: تهيأ للوثوب بقوائمه أو جمع قوائمه ليثب ثم وثب.
ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 234.
(٢٨) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1286.
(٢٩) ينظر في معنى الجناح: "تفسير الطبري" 2/ 45، الثعلبي 1/ 1289، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 46، "المفردات" ص107، "تفسير القرطبي" 2/ 166، "اللسان" 2/ 697 - 698 (جنح).
(٣٠) سقطت من (م).
(٣١) رواه الطبري من طريق عمرو بن حبشي عن ابن عباس 2/ 46، وضعفه أحمد شاكر، ورواه ابن أبي حاتم 1/ 267، وذكره الثعلبي 1/ 1290، والواحدي في "أسباب النزول" ص 49.
وبمعنى هذا ذكر الطبري آثارًا كثيرة عن: أنس، وابن عباس، وابن عمر، والسدي، والشعبي، وابن زيد، ومجاهد.
وحديث أنس، رواه البخاري (1648) كتاب الحج، باب: ما جاء في السعي بين الصفا والمروة، ولم يذكر المؤلف -رحمه الله- السبب الآخر الذي روته عائشة، وهو أن الأنصار كان يُهّلون قبل أن يسلموا لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المشلل، وكان من أهلّ منها تحرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا النبي عن ذلك، فقالوا: يا رسول الله: إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة؟
فأنزل الله الآية.
وهذا رواه البخاري في الحج، باب: وجوب الصفا والمروه "فتح الباري" 3/ 497، ومسلم (1277) كتاب الحج، باب: بيان أن السعي بين الصفا والمروة ركن لا يصح الحج إلا به.
(٣٢) أخرجه الإمام أحمد في "المسند" 6/ 422، حديث (26917)، وابن خزيمة في "صحيحه" 4/ 232 برقم (2764)، والدارقطني في "سننه" 2/ 255 - 256، والطبراني في "الكبير" 24/ 255، والحاكم 6/ 421، والحديث صححه الحافظ المزي، وابن عبد الهادي كما في "الإرواء" 4/ 270، وقواه الحافظ في "الفتح" 3/ 498، وصححه الألباني في "الإرواء" 4/ 270.
(٣٣) ينظر: "المجموع شرح المهذب" 8/ 63، "تفسير الثعلبي" 1/ 1295، وقد اختلف العلماء في السعي: فمنهم من قال بركنيته، وهذا قول عائشة وعروة ومالك والشافعي، ومنهم من قال بسنيته، روي ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير == ومجاهد وعطاء وابن سيرين، وهو رواية عن أحمد.
ومنهم من قال: إنه واجب وليس بركن، وإذا تركه جبره بدم، وهو مذهب الحسن وأبي حنيفة وصاحبيه والثوري.
ينظر "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 18، "تفسير الطبري" 2/ 49، "المغني" 5/ 238، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 48، "تفسير القرطبي" 2/ 167، "تفسير ابن كثير" 1/ 213.
(٣٤) ينظر: "المغني" لابن قدامة 5/ 237.
(٣٥) في (م): (فابدأوا).
(٣٦) جزء من حديث جابر الطويل في صفة حجة النبي ، أخرجه مسلم (1218) كتاب: الحج، باب: حجة النبي .
(٣٧) قرأ حمزة والكسائي وخلف: (يَطَّوَّعْ) بالياء التحتية، وتشديد الطاء، وإسكان العين على الاستقبال، والباقون: بالتاء الفوقية، وتخفيف الطاء، وفتح العين.
ينظر "السبعة" ص 172، "النشر" 2/ 223.
(٣٨) في (م): (وجهين).
(٣٩) الأفعال السابقة في (ش) بالفاء (تجعل يكون ويكون).
(٤٠) في (ش): (ابتدا).
(٤١) زيادة يقتضيها الكلام، من كلام أبي على الفارسي في "الحجة" 2/ 246.
(٤٢) في (ش): (في هذا).
(٤٣) ما تقدم من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 245 - 248 بتصرف واختصار.
(٤٤) "تفسير مجاهد" ص 92، ورواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 50، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 292 إلى: سيعد بن منصور، وعبد بن حميد، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 268 عن أنس قوله: والطواف بهما تطوع، وكذا روي عن ابن عباس، وعزاه في "الدر": إلى عبد بن حميد، وأبي عبيد في "فضائله"، وابن أبي داود في "المصاحف".
(٤٥) "تفسير مقاتل" 1/ 152، وذكره عنهما الثعلبي 1/ 1300، والبغوي 1/ 175.
(٤٦) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 52، وذكره الثعلبي 1/ 1301.
(٤٧) ذكره الثعلبي 1/ 1301، والبغوي في "معالم التنزيل" 1/ 175.
(٤٨) رجح الطبري في "تفسيره" 2/ 51 - 52 أن معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قضاء حجته الواجبة عليه.
(٤٩) "تفسير الثعلبي" 1/ 1301.
(٥٠) في (م): (اللطف).
(٥١) وقال الزجاجي في "اشتقاق أسماء الله" ص 87: فلما كان الله عز وجل يجازي عباده على أفعالهم ويثيبهم على أقل القليل منها، ولا يضيع لديه تبارك وتعالى لهم عمل عامل، كان شاكرا لذلك لهم، أي: مقابلًا له بالجزاء والثواب.
وقال الشيخ السعدي في "تفسيره" ص 77: الشاكر والشكور من أسماء الله تعالى: الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره وامتثل طاعته أعانه عليه وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورًا وإيمانًا وسعة، وفي بدنه قوةً ونشاطًا، وفي جميع أحواله قلادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق، ثم بعد ذلك يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملًا موفرًا، لم تنقصه هذه الأمور، ومن شكره لعبده أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرًا منه، ومن تقرب منه شبرًا تقرب منه ذراعًا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الصفا والمروة ﴾ جبلان صغيران بمكة ﴿ مِن شَعَآئِرِ الله ﴾ أي معالم دينه واحدها شعيرة أو شعارة ﴿ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ ﴾ إباحة للسعي بين الصفا والمروة، والسعي بينهما واجب عند مالك والشافعي، وإنما جاء بلفظ يقتضي الإباحة؛ لأن بعض الصحابة امتنعوا من السعي بينهما، لأنه كان في الجاهلية على الصفا صنم يقال له أساف، وعلى المروة صنم يقال له نائلة، فخافوا أن يكون السعي بينهما تعظيماً للصنمين، فرفع الله ما وقع في نفوسهم من ذلك، ثم إنّ السعي بينهما للسنّة، قالت عائشة رضي الله عنها، سن رسول الله صلى الله عليه وسلم السعي بين الصفا والمروة، وليس لأحد تركه، وقيل: إن الوجوب يؤخذ من قوله: ﴿ شَعَآئِرِ الله ﴾ وهذا ضعيف؛ لأنّ شعائر الله: منها واجبة، ومنها مندوبة، وقد قيل: إنّ السعي مندوب ﴿ يَطَّوَّفَ ﴾ أصله يتطوف ثم أدغمت التاء في الطاء وهذا الطواف يراد به السعي سبعة أشواط ﴿ وَمَن تَطَوَّعَ ﴾ عاماً في أفعال البر، وخاصة في الوجوب من السنة أو معنى التطوّع بحجة بعد حج الفريضة.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من يطوع ﴾ بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي.
الوقوف: ﴿ شعائر الله ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ بهما ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿ عليم ﴾ ، ﴿ في الكتاب ﴾ لا لأن "أولئك" خبر "إن" ﴿ اللاعنون ﴾ لا للاستثناء ﴿ أتوب عليهم ﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا لأن "خالدين" حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿ والملائكة ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ فيها ﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ ينظرون ﴾ ه.
التفسير: إن في تعليق الآية بما قبلها وجوهاً منها: أن السعي بين الصفا والمروة من شرائع إبراهيم كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة الذي فيه إحياء شرع إبراهيم.
ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى.
ومنها أن أقسام التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير إلى ذلك بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ﴾ وثانيها ما ركز في العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً وذلك قوله ﴿ ولنبلونكم ﴾ الآية، وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبداً محضاً وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميماً للأحكام واستيفاءً لجميع الأقسام.
والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين المعروفين بمكة - زادها الله شرفاً.
والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل "ما تندى صفاته" والجمع صفا مقصور وأصفاء وصفي على "فعول" وإذا نعتوا الصخرة قالوا "صفاة صفواء" وإذا ذكروا قالوا "صفا صفوان" قال ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ وعن الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة.
والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة.
وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أوهما من متعبداته.
وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد ولإبراهيم قبل ذلك كما مر قوله ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ وليس السعي عبادة تامة في نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضاً من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ والحج لغة القصد.
رجل محجوج أي مقصود وهو أيضاً كثرة الاختلاف والتردد، وحج فلان فلاناً إذا أطال الاختلاف إليه.
ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة للنسك.
والحاج يأتي البيت أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر.
ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها.
والاعتمار لغة الزيارة.
فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ينصرف.
والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف.
والجناح الحرج والإثم من قولهم "جنح لكذا" أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل.
أو لأن الناس يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله ﴿ لا جناح عليه ﴾ يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.
وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر.
فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم مقامه لقوله "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت لقوله ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ ولما ثبت أنه سعى فيجب علينا اتباعه لقوله ﴿ واتبعوه ﴾ ولقوله "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.
وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم.
وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج دليل الإباحة لقوله بعد ذلك ﴿ ومن تطوع خيراً ﴾ أجاب الشافعي بما يروى أنه كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلةٍ وهما صنمان.
كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك فرفع عنهم الجناح.
فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه.
فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا غلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت "لا جناح عليه أن يطوّف بهما" وأصل "يطوف" "يتطوف" فأدغم كمن قرأ "يطوع" بالتشديد وأصله "يتطوع" والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير إيجاب عليك.
ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب.
وعن الحسن: المراد منه جميع الطاعات.
وهذا أولى لعموم اللفظ ﴿ فإن الله شاكر ﴾ ، أي مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكراً تشبيهاً بجزاء النعمة، وفيه تلطف العباد مثل ﴿ من ذا الذي يقرض الله ﴾ كأنه يقول: إني وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح عليّ أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل.
﴿ عليم ﴾ بالسرائر فيوفي كل ذي حق حقه.
وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضاً يحتمل التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين.
وقيل: هم أهل الكتاب.
وقيل: اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله فيعم الحكم حسب عموم الوصف.
ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان.
وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم.
عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله يقول ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ﴾ فحملت الآية على العموم.
وعن أبي هريرة قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة وتلا ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً.
فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها.
وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس.
وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل.
والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل.
وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد.
ولقوله ﴿ من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور.
وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى.
وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟
وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم.
ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم.
واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب.
وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام.
والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس.
وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿ أولئك ﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿ يلعنهم الله ﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ ويلعنهم ﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿ اللاعنون ﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين.
وقيل: يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم.
واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير لأنه وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم ﴾ وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه.
وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله .
وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق.
قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟
فيقول: لا أدري.
فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت ﴿ إلا الذين ﴾ استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه.
وقد مر أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿ وبينوا ﴾ ما كتموه أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ويقتدى بهم غيرهم من المفسدين ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله ﴿ وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا ﴾ عام في كل من كان كذلك.
وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين.
ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره.
والمراد بالناس اللاعنين من يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضاً فيعم المؤمن والكافر.
وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا تأمل في حاله.
وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافراً وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال.
وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على الكفر لم يكن ملعوناً ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ﴿ خالدين فيها ﴾ في اللعنة.
وقيل: في النار.
وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً لمكانها.
والأول أولى لتقدم ذكره لفظاً، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ولأنها تصح في الحال والمآل جميعاً بخلاف النار فإنها في الاستقبال.
فمن فسر "الذين كفروا" بالكاتمين وجوّز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث الطويل وقد سلف مثل ذلك ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ بل يتشابه في الأوقات باقياً على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ إذا استنظروا من الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا الله من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله.
التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى.
ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ﴾ .
ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة.
فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار.
أهوى هواها لمن قد كان ساكنها *** وليس في الدار لي هم ولا وطر حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قال دل: قوله: ﴿ إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .
دل أن صعودهما من اللازم في نسكه، وكذلك صعد رسول الله الصفا وقال: "نبدأ بما بدأ الله" ، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ مَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا ﴾ الآية، ولم يقل: بينهما.
فمن لم يصعد الصفا والمروة فلم يطف بهما، مع ما قال الله : ﴿ يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ ٱللَّهِ ﴾ ، وفي ترك صعودهما إحلال شعائر الله، إذ قد بين الله أنهما ﴿ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ ﴾ .
وما روي أن رسول الله طاف بينهما على ناقته، ومعلوم أن ناقته لا تصعدهما، فهو عندنا للعذر فعل ذلك، وإلا فإنه قد روي عن النبي : أنه صعدهما واستقبل البيت وقال: "نبدأ بما بدأ الله" .
دليل ذلك ما روي عن ابن عباس، ، أنه طاف بينهما على ناقته وبالبيت لعُذر به.
ولا يحتمل أيضاً أن يكون بغير عذر وهو الملقب بالسعي؛ لما فيه من فعل السعي، والراكب لا يسعى.
وقال الشافعي: روي عن جابر بن عبد الله: "أن رسول الله طاف بالبيت وبين الصفا والمروة على ناقته ليرى الناس" .
وقال: خبر جابر أولى من خبر ابن جبير؛ فكأنه وقع عنده أنه عن ابن جبير.
وذلك عن ابن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنه، وهو أولى؛ لأن العذر كامن لا يعرف بالنظر من بعد، وإنما يعرف بالتأمل، أو بالخبر من عند ذي العذر، وعلى هذا خرج خبر ابن عباس، ، على أن خبر جابر لو صح على ما يروى فهو لما ذكر أنه "يرى الناس" فكأنه أراد أن يعلمهم، وذلك كالتعليم منه، والتعليم عليه لازم، فهو بتركه يلام عليه، فذلك عذر.
والله أعلم.
والثاني: أنه يجوز أن يكون فعله ذلك ليس هو فعل ما كان عليه، أنه كيف كان يفعله؟
فكان ذلك لمكان الدلالة للخلق بذلك هو الأمر المتوارث من صنيع الحج والعمرة، أن الأولى يفعلون ما يفعل الحاج، لا على فعل الحج، ولكن على التعليم؛ فعلى ذلك أمر المروى عنه .
والله أعلم.
ثم اختلف في الطواف بينهما بعد ما قبل: إن الجناح فيه لوجهين: أحدهما: ما قيل: كان بالصفا صنم وبالمروة صنم فيخرجوا لمكانهما.
وقيل: كان بينهما أصنام، لذلك كان يخرجهم.
ثم قال الشافعي: إن السعي بينهما مفروض، حتى لو ترك الحاج خطوة منه وأتى أقصى بلاد المسلمين أمر بالعود ليضع قدمه موضعها ويخطو تلك الخطوة.
واحتج بما روت صفية بنت فلان أنها سمعت امرأة سألت رسول الله عن ذلك، فقال: "إن الله كتب عليكم السعي بين الصفا والمروة فاسعوا" .
وهو يأتي مرة بقبول المراسيل لتوهم الغلط، ومرة يحتج بامرأة لا يعرف ولا يذكر اسمها.
والوجه فيه إن ثبت وصح أن الكتاب يحتمل غير ما قاله.
وهو أن يقال: ﴿ كُتِبَ ﴾ أي حكم، كقوله: ﴿ ٱلنَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِٱلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُوْلُواْ ٱلأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ وَٱلْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ كِتَٰبَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَٰلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَٰلِكُمْ مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَٰفِحِينَ ﴾ ، قيل: به حكم الله عليكم.
وقال آخرون: ليس بفرض ولا لازم.
واحتجوا بما ذكر في حرف أُبيّ: "لا جناح عليه أن لا يطوف بينهما"، ولا يذكر ذلك في شيء واجب.
والثاني: إن هذه اللفظة لفظة رخصة، ولا يرخص بترك ما هو فرض أو لازم.
ثم الجواب عن الحرف الأول أن اللاآت ربما تزاد وتنقص، ولا يوجب زيادتها ونقصانها تغير حكمها، كقوله: ﴿ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ ﴾ أي: لا تضلوا.
ومثل هذا كثير في القرآن.
والثاني: ما ذكرنا أن المسلمين كانوا يتحرجون عن الطواف بينهما لمكان الأصنام.
فبين عز وجل أن لا حرج عليهم في ذلك، لا أن ليس الجناح يدفع الحرج في تركه.
وأما عندنا: فهو لازم؛ لأنه نوع ما لا يتبرع به، والأصل عندنا: أن ما لا يتبرع به يخرج الأمر به مخرج الوجوب واللزوم؛ كالطواف، وسجدة التلاوة، وكالوتر، والأضحية وغيره.
وقد روي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: "ما تم حج امرىء قط إلا بالسعي".
فهو وصف [بالنقصان لا وصف] بالفساد، وفرق بين التمام من النقص وبين الجواز من الفساد.
وقوله: ﴿ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ .
قيل: ﴿ شَاكِرٌ ﴾ ، أي يجزيهم جزاء الخطير بعمل اليسير.
وقيل: يقبل القليل ويعطي الجزيل.
وهو واحد.
عامل الله عز وجل بكرمه ولطفه عباده معاملة من لاحق له في أموالهم وأنفسهم؛ حيث وعد قبول اليسير من العمل، وإعطاء الجزيل من الثواب؛ وحيث طلب منهم الإقراض، ووعد لهم العظيم من الجزاء، كمن لا حق له فيها، بقوله: ﴿ وَأَقْرِضُواْ ٱللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً ﴾ ، وحيث خرج القول منه في الابتلاء والامتحان مخرج الاعتذار لهم كأن لا حق له فيه، بقوله: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ ٱلْخَوْفِ...
﴾ ، ثم بشرهم بالجنة بما صبروا على أخذ ما له أخذه، وذلك من غاية اللطف والكرم.
<div class="verse-tafsir"
إن الجبلين المعروفين بالصفا والمروة قرب الكعبة من معالم الشريعة الظاهرة، فمن قصد البيت لأداء نسك الحج أو نسك العمرة؛ فلا إثم عليه أن يسعى بينهما.
وفى نفي الإثم هنا طمأنةٌ لمن تَحَرَّج من المسلمين من السعي بينهما اعتقادًا أنَّه من أمر الجاهلية، وقد بيَّن تعالى أن ذلك من مناسك الحج.
ومن فعَلَ المستحبات من الطاعات متطوعًا بها مخلصًا؛ فإن الله شاكر له، يقبلها منه، ويجازيه عليها، وهو العليم بمن يفعل الخير، ويستحق الثواب.
<div class="verse-tafsir" id="91.0rywp"
علم مما تقدم أن مسألة تحويل القبلة جاءت في معرض الكلام عن معاندة المشركين وأهل الكتاب للنبي ، فكان التحويل شبهة من شبهاتهم، وتقدم أن من لوازم حكم تحويل القبلة إلي البيت الحرام، توجيه قلوب المؤمنين إلي الاستيلاء عليه -كما يوجهون إليه وجوههم- لأجل تطهيره من الشرك والآثام، كما عهد الله إلي أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وإلا كانوا راضين باستقبال الأصنام، وأن في طي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُم]] بشارة بهذا الاستيلاء، مفيدة للأمل والرجاء وقد علم الله المؤمنين بعد هذه البشارة ما يستعينون به علي الوصول إليها هي وسائر مقاصد الدين من الصبر والصلاة، وأشعرهم بما يلاقون في سبيل الحق من المصائب والشدائد، فكان من المناسب بعد هذا أن يذكر شيئًا يؤكد تلك البشارة ويقوي ذلك الأمل فذكر شعيرة من شعائر الحج هي السعي بين الصفا والمروة.
فكان ذكرها تصريحًا ضمنيًا بأن سيأخذون مكة ويقيمون مناسك إبراهيم فيها، وتتم بذلك لهم النعمة والهداية، وهو قوله إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا ]] فهذه الآية ليست منقطعة عن السياق السابق لإفادة حكم جديد لا علاقة له بما قبله كما توهم، بل هي من تتمة الموضوع ومرتبطة به أشد الارتباط، من حيث هي تأكيد للبشارة، ومن حيث إن الحكم الذي فيها من مناسك الحج التي كان عليها إبراهيم الذي أحيا النبي ملته وجعلت الصلاة إلي قبلته.
كأنه قال: لا تلوينكم قوة المشركين في مكة، وكثرة الأصنام على الكعبة، والصفا والمروة، عن القصد إلى تطهير البيت الحرام، وإحياء تلك الشعائر العظام، كما لا يلوينكم عن استقبال البيت تَقَوُّل أهل الكتاب والمشركين ولا زلزال مرضى القلوب من المنافقين، بل ثقوا بوعد الله، واستعينوا بالصبر والصلاة.
الصفا والمروة جبلان أو علما جبلين بمكة والمسافة بينهما ٧٦٠ ذراعًا ونصف، والصفا تجاه البيت الحرام.
وقد علتهما المباني وصار ما بينهما سوقًا.
والشعيرة والشعار والشعارة تطلق على المكان أو الشيء الذي يشعر بأمر له شأن.
وأطلق على معالم الحج ومواضع النسك وتسمي مشاعر -جمع مشعر- وعلى العمل الاجتماعي المخصوص الذي هو عبادة ونسك، ففي آية أخري لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ]] وهي مناسك الحج ومعالمه.
ومنه إشعار الهدي وهو جرح ما يهدى إلى الحرم من الإبل في صفحه سنامه ليعلم أنه نسك.
ويشعر البقر أيضًا دون الغنم.
ومن شواهده في اللغة شعار الحرب وهو ما يتعارف به الجيش.
ولقد رمى رجل جمرة فأصابت جبهة عمر فقال رجل شعرت جبهة أمير المؤمنين يريد جرحت، سمي الجرح بذلك لأنه علامة.
وقال عند ذلك رجل لهبي: سيقتل أمير المؤمنين.
وكان ما قال.
فأما كون المواضع كالصفا والمروة من علامات دين الله أو أعلام دينه فظاهر وأما كون المناسك والأعمال شعائر وعلامات فوجهه أن القيام بها علامة علي الخضوع لله تعالي وعبادته إيمانًا وتسليمًا.
فالشعائر إذن لا تطلق إلا علي الأعمال المشروعة التي فيها تعبد لله تعالى، ولذلك غلب استعمال الشعائر في أعمال الحج لأنها تعبدية، قال في الصحاح: الشعائر أعمال الحج وكل ما جعل علمًا لطاعة الله .
وقال الزجاج في قوله تعالي لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ]] أي جميع متعبداته التي أشعرها الله أي جعلها أعلامًا لنا: إلخ فهو يريد أن الشعائر من أشعره بالشيء أعلمه به.
وقد صرح بذلك، ولكنه لا يدل بهذا علي معنى التعبد إذ قد أعلمنا الله تعالى بالأحكام التي لا تعبد فيها أيضًا، والشعائر لم تطلق في القرآن إلا على مناسك الحج الاجتماعية، وألحق بها بعضهم ما في معناها من عبادات الإسلام الاجتماعية كالأذان وصلاة الجمعة والعيدين.
في الأحكام التي شرعها الله تعالي نوع يسمى بالشعائر ومنها ما لا يسمى بذلك كأحكام المعاملات كافة، لأنها شرعت لمصالح البشر فلها علل وأسباب يسهل على كل إنسان أن يفهمها، فهذا أحد أقسام الشرائع.
والقسم الثاني هو ما تعبدنا الله تعالي به كالصلاة على وجه مخصوص، وكالتوجه فيها إلى مكان مخصوص سماه الله بيته مع أنه من خلقه كسائر العالم.
فهذا شيء شرعه الله وتعبدنا به لعلمه بأن فيه مصلحة لنا ولكننا نحن لا نفهم سر ذلك تمام الفهم من كل وجه.
والسعي بين الصفا والمروة من هذا النوع التعبدي، فهو مطلوب بقوله تعالى فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا]] حج البيت قصده للنسك والإتيان بالمناسك المعروفة هنالك، والاعتمار مناسك العمرة وهي دون مناسك الحج فليس في العمرة وقوف بعرفة ولا مبيت بمزدلفة ولا رمي جمار في منى.
والجُناح بالضم الميل إلى الإثم كجنوح السفينة إلى وحل ترتطم فيه، والإثم نفسه.
وأصله من جناح الطائر.
ويطوف بتشديد الواو من التطوف وهو تكرار الطواف أو تكلفه.
والمعني فليس عليه شيء من جنس الجناح -وهو الميل والانحراف عن جادة النسك- في التطوف بهما.
وهذا التطوف هو الذي عرف في الاصطلاح بالسعي بين الصفا والمروة وفسرته السنة بالعمل، وهو من مناسك الحج بالإجماع والعمل المتواتر، وإذ كان مشروعًا فسواء كان ركنًا كما يقول مالك والشافعي وغيرهما أو واجبًا كما يقول الحنفية، أو مندوبًا كما روي عن أحمد.
وقالوا في حكمة التعبير عنه بنفي الجناح الذي يصدق بالمباح: إنه للإشارة إلى تخطئة المشركين الذي كانوا ينكرون كون الصفا والمروة من الشعائر، وأن السعي بينها من مناسك إبراهيم، فهو لا ينافي الطلب جزمًا.
وكذلك قول تعالي وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا]] في هذا التطوف أو غيره أو كرر الحج أو العمرة فزاد علي الفريضة، أي تحمله طوعًا -كما قال الراغب- فإن التطوع في اللغة الإتيان بما في الطوع أو بالطاعة أو تكلفها أو الإكثار منها.
وأطلق على التبرع بالخير لأنه طوع لا كره ولا إكراه فيه، وعلي الإكثار من الطاعة بالزيادة علي الواجب، ومنه قوله في حديث الأعرابي "إلا أَن تطوع"، أي تزيد علي الفريضة فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ]] أي فإن الله يثيبه لأنه شاكر يجزي علي الإحسان، عليهم بمن يستحق الجزاء.
وصف الباري تعالى بالشاكر لا يظهر على حقيقته فلا بد من حمله على المجاز.
فالشكر في اللغة مقابلة النعمة والإحسان، بالثناء والعرفان، وشكر الناس لله في اصطلاح الشرع عبارة عن صرف نعمه فيما خلقت لأجله، وكلاهما لا يظهر بالنسبة إلي الله تعالى إذ لا يمكن لأحد عنده يد أو يناله من أحد نعمة يشكرها له بهذا المعنى.
فالمعنى إذًا أن الله تعالى قادر علي إثابة المحسنين وأنه لا يضيع أجر العاملين، فبهذا المعنى سميت مقابلة العامل بالجزاء الذي يستحقه شكرًا، وسمى الله تعالى نفسه شاكرًا.
والنكتة في اختيار هذا التعبير تعليمنا الأدب فقد علمنا بهذا أدبًا من أكمل الآداب بما سمى إحسانه وإنعامه علي العاملين شكرًا مع أن عملهم لا ينفعه ولا يدفع عنه ضرًا فيكون إنعامًا عليه ويدًا عنده، وإنما منفعته لهم فهو في الحقيقة من نعمه عليهم إذ هداهم إليه، وأقدرهم عليه، فهل يليق بمن يفهم هذا الخطاب الأعلى، أن يرى نعم الله عليه لا تعد ولا تحصى، وهو لا يشكره ولا يستعمل نعمه فيما سيقت لأجله؟
ثم هل يليق به أن يرى بعض الناس يسدي إليه معروفًا ثم لا يشكره له ولا يكافئه عليه، وإن كان هو فوق صاحب المعروف رتبة وأعلى منه طبقة؟
كيف وقد سمي الله تعالي جَدُّه وجل ثناؤه إنعامه على من يحسنون إلى أنفسهم وإلى الناس شكرًا، والله الخالق وهم المخلوقون، وهو الغني الحميد وهم الفقراء المعوزون؟
شكر النعمة والمكافأة على المعروف من أركان العمران، وترك الشكر والمكافأة مفسدة لا تضاهيها مفسدة، إذ هي مدعاة ترك المعروف كما أن الشكر مدعاة المزيد، ولذلك أوجب الله تعالى علينا شكره، وجعل في ذلك مصلحتنا ومنفعتنا، لأن كفران نعمه بإهمالها أو بعدم استعمالها فيما خلقت لأجله أو بعدم ملاحظة أنها من فضله وكرمه تعالى، كل ذلك من أسباب الشقاء والبلاء.
وأما تركنا شكر الناس وتقدير أعمالهم قدرها سواء كان عملهم النافع موجهًا إلينا أو إلى غيرنا من الخلق، فهو جناية منا على الناس وعلى أنفسنا، لأن صانع المعروف إذا لم يلق إلا الكفران فإن الناس يتركون عمل المعروف في الغالب، فنحرم منه ونقع مع الأكثرين في ضده فنكون من الخاسرين.
وإنما قلنا "في الغالب" لأن في الناس من يصنع المعروف ويسعى في الخير رغبة في الخير والمعروف وطلبًا للكمال، ولكن أصحاب هذه النفوس الكبيرة والأخلاق العالية التي لا ينظر ذووها إلى مقابلة الناس لأعمالهم بالشكر، ولا يصدهم عن الصنيعة جهل الناس بقيمة صنيعتهم، قلما تلد القرون واحدًا منهم، ثم إن كفران النعم لا بد أن يؤثر في نفس من عساه يوجد منهم فإن لم يكن أثره ترك السعي والعمل، كان الفتور والوني فيه، وإذا لم يدع المعروف فاعله لكفران الناس لسعيه تركه لليأس من فائدته، أو للحذر من سوء مغبته، إذ الحاسدون من الأشرار، يسعون دائمًا في إيذاء الأخيار، كذلك الشكر يؤثر في إنهاض همة أعلياء الهمة من المخلصين في أعمالهم الذين لا يريدون عليها جزاء ولا شكورًا، ذلك أنهم يرون عملهم الخير نافعًا فيزيدون منه كما أنهم إذا رأوه ضائعًا يكفون عنه.
ويروون في هذا حديثًا ارتقى به بعضهم إلى درجة الحسن وهو: "عجبت لمحمد كيف يسمن من أذنيه".
أي كان إذا ذكرت أعماله الشريفة وسعيه في الخير المطلق يسر ويسمن -هذا هو أخلص المخلصين، الفاني في الله تعالى لا يبتغي بعمله غير مرضاته، فكيف لا يكون غيره أجدر بذلك ممن إذا سلم من الانبعاث إلى الخير بباعث الشكر والثناء فلا يكاد يسلم من حب الثناء لذاته فضلًا عن مقت الكفران والكنود؟
<div class="verse-tafsir"