الآية ١٥٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٥٩ من سورة البقرة

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِى ٱلْكِتَـٰبِ ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّـٰعِنُونَ ١٥٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 124 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٥٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٥٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب ، من بعد ما بينه الله تعالى لعباده في كتبه ، التي أنزلها على رسله .

قال أبو العالية : نزلت في أهل الكتاب ، كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك ، فكما أن العالم يستغفر له كل شيء ، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء ، فهؤلاء بخلاف العلماء [ الذين يكتمون ] فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون .

وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضا ، عن أبي هريرة ، وغيره : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سئل عن علم فكتمه ، ألجم يوم القيامة بلجام من نار " .

والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال : لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحدا شيئا : ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ) الآية .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثنا عمار بن محمد ، عن ليث بن أبي سليم ، عن المنهال بن عمرو ، عن زاذان أبي عمر عن البراء بن عازب ، قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة ، فقال : " إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه ، فيسمع كل دابة غير الثقلين ، فتلعنه كل دابة سمعت صوته ، فذلك قول الله تعالى : ( أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ) يعني : دواب الأرض " .

[ ورواه ابن ماجه عن محمد بن الصباح عن عمار بن محمد به ] .

وقال عطاء بن أبي رباح : كل دابة والجن والإنس .

وقال مجاهد : إذا أجدبت الأرض قالت البهائم : هذا من أجل عصاة بني آدم ، لعن الله عصاة بني آدم .

وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، وقتادة ( ويلعنهم اللاعنون ) يعني تلعنهم ملائكة الله ، والمؤمنون .

[ وقد جاء في الحديث ، أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان ، وجاء في هذه الآية : أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون ، واللاعنون أيضا ، وهم كل فصيح وأعجمي إما بلسان المقال ، أو الحال ، أو لو كان له عقل ، أو يوم القيامة ، والله أعلم ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (58) " إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا منَ البينات ", علماءَ اليهود وأحبارَها، وعلماءَ النصارى, لكتمانهم الناسَ أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم, وتركهم اتباعه وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

* * * و " البينات " التي أنـزلها الله: (59) ما بيّن من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وصفته، في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أنّ أهلهما يجدون صفته فيهما.

* * * ويعني تعالى ذكره ب " الهدى " ما أوضح لَهم من أمره في الكتب التي أنـزلها على أنبيائهم, فقال تعالى ذكره: إنّ الذين يكتمون الناسَ الذي أنـزلنا في كتبهم من البيان من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته، وصحة الملة التي أرسلته بها وحقِّيَّتها، فلا يخبرونهم به، ولا يعلنون من تبييني ذلك للناس وإيضاحِيه لهم، (60) في الكتاب الذي أنـزلته إلى أنبيائهم أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ * إِلا الَّذِينَ تَابُوا الآية.

كما:- 2370- حدثنا أبو كريب قال، وحدثنا يونس بن بكير -وحدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة- قالا جميعًا، حدثنا محمد بن إسحاق قال، حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت قال، حدثني سعيد بن جبير, أو عكرمة, عن ابن عباس قال: سألَ مُعاذ بن جبل أخو بنى سَلِمة، وسعد بن مُعاذ أخو بني عبد الأشهل، وخارجة بن زيد أخو بني الحارث بن الخزرج, نفرًا من أحبار يَهود - قال أبو كريب: عما في التوراة, وقال ابن حميد: عن بَعض مَا في التوراة - فكتموهم إياه, وأبوْا أن يُخبروهم عنه, فأنـزل الله تعالى ذكره فيهم: " إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم الله وَيَلعنهم اللاعنون ".

(61) 2371- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله: " إنّ الذين يَكتمونَ مَا أنـزلنا من البينات والهدى " قال، هم أهل الكتاب.

2372- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

2373- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه عن الربيع في قوله: " إنّ الذين يكتمون ما أنـزلنا من البينات والهدى " قال، كتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم، وهم يجدونه مكتوبًا عندهم, فكتموه حسدًا وبغيًا.

2374- حدثنا بشر بن معاذ: قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " إنّ الذين يَكتمون مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب "، أولئكَ أهلُ الكتاب، كتموا الإسلام وهو دين الله, وكتموا محمدًا صلى الله عليه وسلم, وهم يَجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

2374م- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " إنّ الذين يَكتمونَ ما أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد مَا بيَّناه للناس في الكتاب "، زعموا أن رجلا من اليهود كان له صديقٌ من الأنصار يُقال له ثَعلبة بن غَنَمة، (62) قال له: هل تجدون محمدًا عندكم؟

قال: لا!

= قال: مُحمد: " البينات ".

(63) * * * القول في تأويل قوله تعالى : مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ [قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " من بعد ما بيناه للناس "]، (64) بعضَ الناس، لأن العلم بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ومَبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم, وإياهم عَنى تعالى ذكره بقوله: " للناس في الكتاب "، ويعني بذلك: التوراة والإنجيل.

* * * وهذه الآية وإن كانت نـزلت في خاصٍّ من الناس, فإنها معنيٌّ بها كل كاتمٍ علمًا فرضَ الله تعالى بيانه للناس.

وذلك نظير الخبر الذي رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال 2375- من سُئل عَن علم يَعلمهُ فكتمه, ألجِمَ يوم القيامة بلجام من نار." (65) * * * وكان أبو هريرة يقول ما:- 2376- حدثنا به نصر بن علي الجهضمي قال، حدثنا حاتم بن وردان قال، حدثنا أيوب السختياني, عن أبي هريرة قال، لولا آيةٌ من كتاب الله ما حدَّثتكم!

وتلا " إنّ الذين يكتمونَ مَا أنـزلنا من البينات والهدى من بَعد ما بيَّناه للناس في الكتاب أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون "، (66) 2377- حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال، حدثنا أبو زرعة وَهْب الله بن راشد، عن يونس قال، قال ابن شهاب, قال ابن المسيب: قال أبو هريرة: لولا آيتان أنـزلهما الله في كتابه ما حدَّثت شيئًا: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ إلى آخر الآية، والآية الأخرى: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ إلى آخر الآية [سورة آل عمران: 187].

(67) * * * القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ (159) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك يَلعنهم الله "، هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزلهُ الله من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفَته وأمر دينه، أنه الحق -من بعد ما بيَّنه الله لهم في كتبهم- يلعنهم بكتمانهم ذلك، وتركهم تَبيينه للناس.

* * * و " اللعنة "" الفَعْلة ", من " لعنه الله " بمعنى أقصاه وأبعده وأسْحَقه.

وأصل " اللعن ": الطرْد، (68) كما قال الشماخ بن ضرار, وذكر ماءً ورَد عليه: ذَعَــرْتُ بِـهِ القَطَـا وَنَفَيْـتُ عَنْـهُ مَقَــامَ الـذِّئْبِ كَـــالرَّجُلِ الَّلعِيـــنِ (69) يعني: مقامَ الذئب الطريد.

و " اللعين " من نعت " الذئب ", وإنما أراد: مقام الذئب الطريد واللعين كالرَّجل.

(70) * * * فمعنى الآية إذًا: أولئك يُبعدهم الله منه ومن رحمته, ويسألُ ربَّهم اللاعنون أنْ يلعنهم، لأن لعنةَ بني آدم وسائر خَلق الله مَا لَعنوا أن يقولوا: " اللهم العنه " إذْ كان معنى " اللعن " هو ما وصفنا من الإقصاء والإبعاد.

وإنما قلنا إن لعنة اللاعنين هي ما وصفنا: من مسألتهم رَبَّهم أن يَلعَنهم, وقولهم: " لعنه الله " أو " عليه لعنة الله "، لأن:- 2378- محمد بن خالد بن خِداش ويعقوب بن إبراهيم حدثاني قالا حدثنا إسماعيل بن علية, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون "، البهائم, قال: إذا أسنَتَتِ السَّنة، (71) قالت البهائم: هذا من أجل عُصَاة بني آدم, لعنَ الله عُصَاة بني آدم!

* * * ثم اختلف أهل التأويل فيمن عنى الله تعالى ذكره ب " اللاعنين ".

فقال بعضهم: عنى بذلك دوابَّ الأرض وهَوامَّها.

* ذكر من قال ذلك: 2379- حدثنا محمد بن حميد قال، حدثنا جرير, عن منصور, عن مجاهد قال: تلعنهم دوابُّ الأرض، وما شاءَ الله من الخنافس والعقارب تقول: نُمْنَعَ القطرَ بذنوبهم.

2380- حدثنا ابن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن قال، حدثنا سفيان, عن منصور, عن مجاهد: " أولئك يَلعنهم الله ويَلعنهم اللاعنون " قال، دواب الأرض، العقاربُ والخنافس، يقولون: مُنِعنا القطرَ بخطايا بني آدم.

2381- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا حكام, عن عمرو، عن منصور, عن مجاهد: " ويلعنهم اللاعنون " قال، تلعنهم الهوامّ ودواب الأرض، تقول: أمسك القطرُ عنا بخطايا بني آدم.

2382- حدثنا مُشرف بن أبان الحطاب البغدادي قال، حدثنا وكيع, عن سفيان, عن خصيف, عن عكرمة في قوله: " أولئك يَلعنهم اللهُ ويَلعنهم اللاعنون " قال، يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقاربُ، يقولون: مُنعنا القطرَ بذنوب بني آدم.

(72) 2383- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " ويلعنهم اللاعنون " قال، اللاعنون: البهائم.

2383م- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " ويلعنهم اللاعنون "، البهائمُ، تلعن عُصاةَ بَني آدم حين أمسك الله عنهم بذنوب بني آدم المطر، فتخرج البهائم فتلعنهم.

2384- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مسلم بن خالد, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " أولئك يَلعنهم الله &;ويَلعنهم اللاعنون "، البهائم: الإبل والبقرُ والغنم, فتلعن عُصاةَ بني آدم إذا أجدبت الأرض.

* * * فإن قال لنا قائل: ومَا وَجْهُ الذين وجَّهوا تأويلَ قوله: " ويلعنهم اللاعنون "، إلى أن اللاعنين هم الخنافسُ والعقارب ونحو ذلك من هَوامِّ الأرض, وقد علمتَ أنّها إذا جَمعتْ مَا كان من نَوع البهائم وغير بني آدم، (73) فإنما تجمعه بغير " الياء والنون " وغير " الواو والنون ", وإنما تجمعه ب " التاء ", وما خالفَ ما ذكرنا, فتقول: " اللاعنات " ونحو ذلك؟

قيل: الأمر وإن كان كذلك, فإنّ من شأن العرَب إذا وصفت شيئًا من البهائم أو غيرها - مما حُكم جَمعه أن يكون ب " التاء " وبغير صورة جمع ذُكْرَانِ بني آدم - بما هُو منْ صفة الآدميين، أن يجمعوه جمع ذكورهم, كما قال تعالى ذكره: وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا [سورة فصلت: 21]، فأخرج خطابهم على مثال خطاب بني آدم، إذ كلَّمتهم وكلَّموها, وكما قال: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ [سورة النمل: 18]، وكما قال: وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [سورة يوسف: 4].

* * * وقال آخرون: عنى الله تعالى ذكره بقوله: " ويَلعنهم اللاعنون "، الملائكة والمؤمنين.

* ذكر من قال ذلك: 2385- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة: " ويَلعنهم اللاعنون "، قال، يَقول: اللاعنون من ملائكة الله ومن المؤمنين.

(74) 2386- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " ويلعنهم اللاعنون "، الملائكة.

2387- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس قال: " اللاعنون "، من ملائكة الله والمؤمنين.

* * * وقال آخرون: يعني ب " اللاعنين "، كل ما عدا بني آدم والجنّ.

* ذكر من قال ذلك: 2388- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويلعنهم اللاعنون " قال، قال البراء بن عازب: إنّ الكافر إذا وُضع في قبره أتته دَابة كأن عينيها قِدْران من نُحاس، معها عمود من حديد, فتضربه ضربة بين كتفيه، فيصيح، فلا يسمع أحد صوته إلا لعنه, ولا يبقى شَيء إلا سمع صوته, إلا الثقلين الجن والإنس.

2389- حدثنا المثنى قال, حدثنا إسحاق قال, حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: " أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون " قال، الكافر إذا وضع في حفرته، ضُرب ضربة بمطرق (75) فيصيح صيحةً، يسمع صَوْته كل شيء إلا الثقلين الجن والإنس، فلا يسمع صيحته شَيء إلا لعنه.

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة عندنا قول من قال: " اللاعنون "، الملائكةُ والمؤمنون.

لأن الله تعالى ذكره قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحلّ بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين, فقال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، (76) فكذلك &; 3-258 &; اللعنة التي أخبر الله تعالى ذكره أنها حَالَّة بالفريق الآخر: الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس، (77) هي لعنة الله، ولعنة الذين أخبر أن لعنتهم حالّة بالذين كفروا وماتوا وهم كفار، (78) وهم " اللاعنون ", لأن الفريقين جميعًا أهلُ كفر.

* * * وأما قول من قال إن " اللاعنين " هم الخنافس والعقارب وما أشبه ذلك من دبيب الأرض وهَوامِّها، (79) فإنه قول لا تدرك حَقيقته إلا بخبر عن الله أن ذلك من فعلها تَقوم به الحجة, ولا خبرَ بذلك عن نبي الله صلى الله عليه وسلم, فيجوز أن يقال إنّ ذلك كذلك.

وإذْ كان ذلك كذلك, فالصواب من القول فيما قالوه أن يقال: إن الدليل من ظاهر كتاب الله موجودٌ بخلاف [قول] أهل التأويل، (80) وهو ما وصفنا.

فإنْ كان جائزًا أن تكون البهائم وسائرُ خلق الله، تَلعن الذين يَكتمون ما أنـزل الله في كتابه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ونبوّته, بعد علمهم به, وتلعن معهم جميع الظَّلمة - فغير جائز قطعُ الشهادة في أن الله عنى ب " اللاعنين " البهائمَ والهوامَّ ودَبيب الأرض, إلا بخبر للعذر قاطع.

ولا خبرَ بذلك، وظاهر كتابا لله الذي ذكرناه دالٌّ على خلافه.

(81) ------------- الهوامش : (58) في المطبوعة : يقول : "إن الذين يكتمون .

.

.

" ، وهو خطأ ناسخ ، صوابه ما أثبت .

(59) في المطبوعة : "من البينات" ، كأنه متصل بالكلام قبله ، وهو لا يستقيم ، وكأن الصواب ما أثبت .

(60) كان في المطبوعة"ولا يعلمون من تبييني ذلك للناس وإيضاحي لهم" ، وهي عبارة لا تستقيم وسياق معنى الآية يقتضي ما أثبت ، من جعل"يعلمون""يعلنونه" ، وزيادة"بعد" ، وجعل"إيضاحي""إيضاحيه" .

(61) الأثر رقم : 2370- في سيرة ابن هشام 2 : 200 كما في رواية ابن حميد .

(62) في سيرة ابن هشام ، وغيرها بالغين المعجمة غير مضبوط باللفظ ، ولكن ابن حجر ضبطه في الإصابة ، وقال : "بفتح المهملة والنون" ، ولم يذكر شكًا ولا اختلافًا في ضبطه بالغين المعجمة .

(63) قوله : "قال : محمد البينات" من تفسير السدي ، ليس من الخطاب بين ثعلبة بن غنمة واليهودي .

ويعني أن البينات التي يكتمونها هي محمد صلى الله عليه وسلم ، أي صفته ونعته في كتابهم .

(64) الزيادة بين القوسين لا بد منها ، وقد استظهرتها من نهج أبي جعفر في جميع تفسيره .

وهذا سقط من الناسخ بلا ريب .

(65) الحديث : 2375- هذا حديث صحيح .

ذكره الطبري هنا معلقًا دون إسناد .

وقد رواه أحمد في المسند : 7561 ، من حديث أبي هريرة .

وخرجناه في شرح المسند ، وفي صحيح ابن حبان بتحقيقنا ، رقم : 95 .

(66) الحديث : 2376- نصر بن علي بن نصر بن علي الجهضمي : ثقة ، من شيوخ أصحاب الكتب الستة .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/106 ، وابن أبي حاتم 4/1/471 .

حاتم بن وردان السعدي : ثقة ، روى له الشيخان .

مترجم في التهذيب ، والكبير 2/1/72 ، وابن أبي حاتم 1/2/260 .

أيوب السختياني : مضى في : 2039 .

ولكن روايته هنا عن أبي هريرة منقطعة ، فإنه ولد سنة 66 ، وأبو هريرة مات سنة 59 أو نحوها .

ومعنى الحديث صحيح ثابت عن أبي هريرة ، بروايات أخر متصلة ، كما سنذكر في الحديث بعده .

(67) الحديث : 2377- محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : الإمام الحافظ المصري ، فقيه عصره ، قال ابن خزيمة : "ما رأيت في فقهاء الإسلام أعرف بأقاويل الصحابة والتابعين - منه" .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3/2/300-301 ، وتذكرة الحفاظ 2 : 115-116 .

أبو زرعة وهب الله بن راشد المصري ، مؤذن الفسطاط : ثقة ، قال أبو حاتم : "محله الصدق" .

ترجمه ابن أبي حاتم 4/2/27 ، وقال : "روى عنه عبد الرحمن ، ومحمد ، وسعد ، بنو عبد الله بن عبد الحكم" .

وترجم أيضًا في لسان الميزان 6 : 235 ، ونقل عن ابن يونس ، أنه مات في ربيع الأول سنة 211"وكانت القضاة تقبله" ، وروى عنه عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم .

في فتوح مصر مرارًا ، منها في ص : 182 س 3-4 : "حدثنا وهب الله بن راشد ، أخبرنا يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب .

.

.

" .

وهذا الإسناد ثابت في تاريخ ولاة مصر للكندي ، ص 33 ، عن علي بن قديد ، عن عبد الرحمن : "حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد" .

وذكره الدولابي في الكنى والأسماء 1 : 182 ، وروى : "حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، والربيع بن سليمان الجيزى ، قالا : حدثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد ، إلخ" .

ورواية الربيع الجيزى عنه ، ثابتة في كتاب الولاة ، ص 313 ، أيضًا .

وهذا الاسم"وهب الله" : من نادر الأسماء ، لم أره -فيما رأيت- إلا لهذا الشيخ ، ولم يذكره أصحاب المشتبه ، بل لم يذكره الزبيدي في شرح القاموس ، على سعة اطلاعه .

واشتبه أمره على ناسخي الطبري أو طابعيه ، فثبت في المطبوعة هكذا : "ثنا أبو زرعة وعبد الله بن راشد"؛ فحرفوا"وهب الله" إلى"وعبد الله" - فجعلوه راويين!

يونس : هو ابن يزيد الأيلي ، وهو ثقة ، عرف بالراوية عن الزهري وملازمته .

قال أحمد بن صالح : "نحن لا نقدم في الزهري أحدًا على يونس" ، وقال : "كان الزهري إذا قدم أيلة نزل على يونس ، وإذا سار إلى المدينة زامله يونس" .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4/2/406 ، وابن أبي حاتم 4/2/247-249 ، وابن سعد 7/2/206 .

وهذا الحديث جزء من حديث مطول ، رواه مسلم 2 : 261-262 ، من طريق ابن وهب ، عن يونس ، عن ابن شهاب -فذكر حديثًا عن عائشة- ثم : "قال ابن شهاب : وقال ابن المسيب : إن أبا هريرة قال .

.

.

" .

ورواه عبد الرزاق في تفسيره ، ص 14-15 ، عن معمر ، عن الزهري ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، بنحوه مطولا .

ورواه أحمد في المسند : 7691 ، عن عبد الرزاق .

ورواه البخاري 5 : 21 (فتح) ، بنحوه ، من رواية إبراهيم بن سعد ، عن الزهري ، عن الأعرج .

ورواه البخاري أيضًا 1 : 190-191 (فتح) من رواية مالك ، عن الزهري ، عن الأعرج وكذلك رواه ابن سعد 2/2/118 ، وأحمد في المسند : 7274- كلاهما من طريق مالك .

وروى الحاكم في المستدرك 2 : 271 ، نحوه مختصرًا ، من طريق أبي أسامة ، عن طلحة بن عمرو ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي هريرة ، وقال : "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي .

(68) انظر ما سلف 2 : 328 .

(69) سلف تخريجه وشرحه في 2 : 328 .

وفي التعليق هناك خطأ صوابه"مجاز القرآن : 46" .

(70) كان في المطبوعة : "الطريد واللعين" ، والصواب طرح الواو .

(71) أسنتت الأرض والسنة : أجدبت ، وعام مسنت مجدب .

والسنة : القحط والجدب .

وكان في المطبوعة : "أسنت" ، والصواب ما أثبت .

وفي الدر المنثور 1 : 162 : "إذا اشتدت السنة" .

(72) الخبر : 2382- مشرف بن أبان الحطاب البغدادي : ثبت هنا على الصواب ، كما ظهر في : 1951 .

وقد مضى ذلك مغلوطًا"بشر بن أبان" : 1383 .

(73) الضمير في قوله : "أنها إذا جمعت" ، للعرب ، وإن لم يجر لها ذكر في الكلام .

(74) في المطبوعة : "يزيد بن زريع عن قتادة" بإسقاط"قال حدثنا سعيد" ، والصواب ما أثبته ، وهو إسناد دائر في التفسير أقربه رقم : 2374 .

(75) المطرق والمطرقة : وهي أداة الحداد التي يضرب بها الحديد .

(76) هي الآية رقم : 161 ، تأتي بعد قليل .

(77) في المطبوعة : "من بعد ما بيناه للناس" ، وهو سهو ناسخ .

(78) في المطبوعة : "هي لعنة الله التي أخبر أن لعنتهم حالة .

.

.

" ، والصواب ما أثبت .

(79) كل ماش على وجه الأرض يقال له : دابة ودبيب .

(80) ما بين القوسين زيادة ، أخشى أن تكون سقطت من ناسخ .

(81) في المطبوعة : "وكتاب الله الذي ذكرناه" ، وهو كلام لا يقال .

والصواب ما أثبت .

والذي ذكره آنفًا : "إن الدليل من ظاهر كتاب الله .

.

.

" .

هذا ، ورد قول هؤلاء القائلين بما قالوه ، مبين لك عن نهج الطبري وتفسيره ، وكاشف لك عن طريقته في رد الأخبار التي رواها عن التابعين ، في كل ما يحتاج إلى خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاطع بالبيان عما ذكروه .

والطبري قد يذكر مثل هذه الأخبار ، ثم لا يذكر حجته في ردها ، لأنه كره إعادة القول وتريده فيما جعله أصلا في التفسير ، كما بين ذلك في"رسالة التفسير" ، ثم في تفسيره بعد ، ورد أشباهه في مواضع متفرقة منه .

أما إذا كان في شيء من ذلك خبر قاطع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإنه لا يدع ذكره ، فإذا لم يذكر -فيما أشبه ذلك- خبرًا عن رسول الله ، فاعلم أنه يدع لقارئ كتابه علم الوجه الذي يرد به هذا القول .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنونوفيه سبع مسائل :الأولى : أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى ملعون .

واختلفوا من المراد بذلك ، فقيل : أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد كتم اليهود أمر الرجم .

وقيل : المراد كل من كتم الحق ، فهي عامة في كل من كتم علما من دين الله يحتاج إلى بثه ، وذلك مفسر في قوله صلى الله عليه وسلم : من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار .

رواه أبو هريرة وعمرو بن العاص أخرجه ابن ماجه .

ويعارضه قول عبد الله بن [ ص: 173 ] مسعود : ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة .

وقال عليه السلام : حدث الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله .

وهذا محمول على بعض العلوم ، كعلم الكلام أو ما لا يستوي في فهمه جميع العوام ، فحكم العالم أن يحدث بما يفهم عنه ، وينزل كل إنسان منزلته ، والله تعالى أعلم .الثانية : هذه الآية هي التي أراد أبو هريرة رضي الله عنه في قوله : لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدثتكم حديثا .

وبها استدل العلماء على وجوب تبليغ العلم الحق ، وتبيان العلم على الجملة ، دون أخذ الأجرة عليه ، إذ لا يستحق الأجرة على ما عليه فعله ، كما لا يستحق الأجرة على الإسلام ، وقد مضى القول في هذا .وتحقيق الآية هو : أن العالم إذا قصد كتمان العلم عصى ، وإذا لم يقصده لم يلزمه التبليغ إذا عرف أنه مع غيره .

وأما من سئل فقد وجب عليه التبليغ لهذه الآية وللحديث .

أما أنه لا يجوز تعليم الكافر القرآن والعلم حتى يسلم ، وكذلك لا يجوز تعليم المبتدع الجدال والحجاج ليجادل به أهل الحق ، ولا يعلم الخصم على خصمه حجة يقطع بها ماله ، ولا السلطان تأويلا يتطرق به إلى مكاره الرعية ، ولا ينشر الرخص في السفهاء فيجعلوا ذلك طريقا إلى ارتكاب المحظورات ، وترك الواجبات ونحو ذلك .

يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تمنعوا الحكمة أهلها فتظلموهم ولا تضعوها في غير أهلها فتظلموها .

وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا تعلقوا الدر في أعناق الخنازير ، يريد تعليم الفقه من ليس من أهله .

وقد قال سحنون : [ ص: 174 ] إن حديث أبي هريرة وعمرو بن العاص إنما جاء في الشهادة .

قال ابن العربي : والصحيح خلافه ; لأن في الحديث ( من سئل عن علم ) ولم يقل عن شهادة ، والبقاء على الظاهر حتى يرد عليه ما يزيله ، والله أعلم .الثالثة : قوله تعالى : من البينات والهدى يعم المنصوص عليه والمستنبط ، لشمول اسم الهدى للجميع .

وفيه دليل على وجوب العمل بقول الواحد ; لأنه لا يجب عليه البيان إلا وقد وجب قبول قوله ، وقال : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فحكم بوقوع البيان بخبرهم .فإن قيل : إنه يجوز أن يكون كل واحد منهم منهيا عن الكتمان ومأمورا بالبيان ليكثر المخبرون ويتواتر بهم الخبر .

قلنا : هذا غلط ; لأنهم لم ينهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم التواطؤ عليه ، ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان فلا يكون خبرهم موجبا للعلم ، والله تعالى أعلم .الرابعة : لما قال : من البينات والهدى دل على أن ما كان من غير ذلك جائز كتمه ، لا سيما إن كان مع ذلك خوف فإن ذلك آكد في الكتمان .

وقد ترك أبو هريرة ذلك حين خاف فقال : حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاءين ، فأما أحدهما فبثثته ، وأما الآخر فلو بثثته قطع هذا البلعوم .

أخرجه البخاري .

قال أبو عبد الله : البلعوم مجرى الطعام .

قال علماؤنا : وهذا الذي لم يبثه أبو هريرة وخاف على نفسه فيه الفتنة أو القتل إنما هو مما يتعلق بأمر الفتن والنص على أعيان المرتدين والمنافقين ، ونحو هذا مما لا يتعلق بالبينات والهدى ، والله تعالى أعلم .الخامسة : قوله تعالى : من بعد ما بيناه الكناية في بيناه ترجع إلى ما أنزل من البينات والهدى .

والكتاب : اسم جنس ، فالمراد جميع الكتب المنزلة .السادسة : قوله تعالى : أولئك يلعنهم الله أي يتبرأ منهم ويبعدهم من ثوابه ويقول لهم : عليكم لعنتي ، كما قال للعين : وإن عليك لعنتي .

وأصل اللعن في اللغة الإبعاد والطرد ، وقد تقدم .[ ص: 175 ] السابعة : قوله تعالى : ويلعنهم اللاعنون قال قتادة والربيع : المراد ب اللاعنون الملائكة والمؤمنون .

قال ابن عطية : وهذا واضح جار على مقتضى الكلام .

وقال مجاهد وعكرمة : هم الحشرات والبهائم يصيبهم الجدب بذنوب علماء السوء الكاتمين فيلعنونهم .

قال الزجاج : والصواب قول من قال : اللاعنون الملائكة والمؤمنون ، فأما أن يكون ذلك لدواب الأرض فلا يوقف على حقيقته إلا بنص أو خبر لازم ولم نجد من ذينك شيئا .قلت : قد جاء بذلك خبر رواه البراء بن عازب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون قال : ( دواب الأرض ) .

أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح أنبأنا عمار بن محمد عن ليث عن أبي المنهال عن زاذان عن البراء إسناد حسن .فإن قيل : كيف جمع من لا يعقل جمع من يعقل ؟

قيل : لأنه أسند إليهم فعل من يعقل ، كما قال : رأيتهم لي ساجدين ولم يقل ساجدات ، وقد قال : لم شهدتم علينا ، وقال : وتراهم ينظرون إليك ، ومثله كثير ، وسيأتي إن شاء الله تعالى .

وقال البراء بن عازب وابن عباس : اللاعنون كل المخلوقات ما عدا الثقلين : الجن والإنس ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الكافر إذا ضرب في قبره فصاح سمعه الكل إلا الثقلين ولعنه كل سامع .

وقال ابن مسعود والسدي : ( هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة إلى السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت فيه أهلا لذلك ، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده [ ص: 176 ] أهلا فتنطلق فتقع على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله تعالى ، فهو قوله : ويلعنهم اللاعنون فمن مات منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت فيمن بقي من اليهود ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذه الآية وإن كانت نازلة في أهل الكتاب, وما كتموا من شأن الرسول صلى الله عليه وسلم وصفاته, فإن حكمها عام لكل من اتصف بكتمان ما أنزل الله { مِنَ الْبَيِّنَاتِ } الدالات على الحق المظهرات له، { وَالْهُدَى } وهو العلم الذي تحصل به الهداية إلى الصراط المستقيم, ويتبين به طريق أهل النعيم, من طريق أهل الجحيم، فإن الله أخذ الميثاق على أهل العلم, بأن يبينوا الناس ما منّ الله به عليهم من علم الكتاب ولا يكتموه، فمن نبذ ذلك وجمع بين المفسدتين, كتم ما أنزل الله, والغش لعباد الله، فأولئك { يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ } أي: يبعدهم ويطردهم عن قربه ورحمته.

{ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ } وهم جميع الخليقة, فتقع عليهم اللعنة من جميع الخليقة, لسعيهم في غش الخلق وفساد أديانهم, وإبعادهم من رحمة الله, فجوزوا من جنس عملهم، كما أن معلم الناس الخير, يصلي الله عليه وملائكته, حتى الحوت في جوف الماء, لسعيه في مصلحة الخلق, وإصلاح أديانهم, وقربهم من رحمة الله, فجوزي من جنس عمله، فالكاتم لما أنزل الله, مضاد لأمر الله, مشاق لله, يبين الله الآيات للناس ويوضحها، وهذا يطمسها فهذا عليه هذا الوعيد الشديد.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب} نزلت في علماء اليهود كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وآية الرجم وغيرهما من الأحكام التي كانت في التوراة.

{أولئك يلعنهم الله} وأصل اللعن الطرد والبعد.

{ويلعنهم اللاعنون} أي يسألون الله أن يلعنهم ويقولون: اللهم العنهم.

واختلفوا في هؤلاء اللاعنين، قال ابن عباس: "جميع الخلائق إلا الجن والإنس"، وقال قتادة: "هم الملائكة".

وقال عطاء: "الجن والإنس"، وقال الحسن: "جميع عباد الله".

قال ابن مسعود: "ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا رجعت تلك اللعنة على اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وصفته".

وقال مجاهد: "اللاعنون البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسك المطر وقالت هذا من شؤم ذنوب بني آدم".

ثم استثنى:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

ونزل في اليهود: «إن الذين يكتمون» الناس «ما أنزلنا من البينات والهدى» كآية الرجم ونعت محمد «من بعد ما بيَّناه للناس في الكتاب» التوراة «أولئك يلعنهم الله» يبعدهم من رحمته «ويلعنهم اللاعنون» الملائكة والمؤمنون أو كل شيء بالدعاء عليهم باللعنة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يُخْفون ما أنزلنا من الآيات الواضحات الدالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به، وهم أحبار اليهود وعلماء النصارى وغيرهم ممن يكتم ما أنزل الله من بعد ما أظهرناه للناس في التوراة والإنجيل، أولئك يطردهم الله من رحمته، ويدعو عليهم باللعنة جميع الخليقة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حض - سبحانه - على إظهار الحق وبيانه ، وتوعد بالعقاب الشديد من يعمل على إخفائه وكتمانه .فقال - تعالى :( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات .

.

.

)قال الآلوسي : أخرج جماعة عن ابن عباس قال : سأل معاذ بن جبل ، وسعد بن معاذ ، وخارجه بن زيد نفراً من أحبار يهود عما في التوراة من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعض الأحكام فكتموا ، فأنزل الله - تعالى - فيهم هذه الآية ( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ) .

.

.

إلخ .والكتم والكتمان : إخفاء الشيء قصداً مع مسيس الحاجة إليه وتحقق الداعي إلى إظهاره .

وكتم ما أنزل الله يتناول إخفاء ما أنزله ، وعدم ذكره للناس وإزالته عن موضعه ووضع شيء آخر موضعه ، كما يتناول تحريفه بالتأويل الفاسد عن معناه الصحيح جرياً مع الأهواء ، وقد فعل أهل الكتاب ولا سيما اليهود - كل ذلك .

فقد كانوا يعرفون مما بين أيديهم من آيات أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حق ، ولكنهم كتموا هذه المعرفة حسداً له على ما آتاه الله من فضله ، كما أنهم حرفوا كلام الله وأولوه تأويلا فاسداً تبعاً لأهوائهم .والمراد " بما أنزلنا " ما اشتملت عليه الكتب السماوية السابقة على القرآن من صفات النبي صلى الله عليه وسلم ومن هداية وأحكام .والمراد بالكتاب جنس الكتب ، فيصح حمله على جميع الكتب التي أنزلت على الرسل - عليهم السلام - وقيل : المراد به التوراة .و ( البينات ) جمع بينه ، والمراد بها الآيات الدالة على المقاصد الصحيحة بوضوح ، وهي ما نزل على الأنبياء من طريق الوحي .والمراد ب ( والهدى ) ما يهدي إلى الرشد مطلقاً فهو أعم من البينات ، إذ يشمل المعاني المستمدة من الآيات البينات عن طريق الاستنباط ، والاجتهاد القائم على الأصول المحكمة .و " اللعن " الطرد والإِبعاد من الرحمة .

يقال : لعنه ، أي " طرده وأبعده ساخطاً عليه ، فهو لعين وملعون .والمعنى : إن الذين يخفون عن قصد وتعمد وسوء نية ما أنزل الله على رسله من آيات واضحة دالة على الحق ، ومن علم نافع يهدي إلى الرشد ، من بعد ما شرحناه وأظهرناه للناس في كتاب يتلى ، أولئك الذين فعلوا ذلك ( يَلعَنُهُمُ الله ) بأن يبعدهم عن رحمته ( وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون ) أي ويلعنهم كل من تتأتى منه اللعنة - كالملائكة والمؤمنين - بالدعاء عليهم بالطرد من رحمة الله لكتمانهم لما أمر الله بإظهاره .وجملة ( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ .

.

.

) إلخ ، مستأنفة لبيان سوء عاقبة الكاتمين لما أمر اله بإظهاره ، وأكدت " بإن " للاهتمام بهذا الخبر الذي ألقى على مسامع الناس .وعبر في ( يَكْتُمُونَ ) بالفعل المضارع ، للدلالة على أنهم في الحال كاتمون للبينات والهدى ، ولو وقع بلفظ الماضي لتوهم السامع أن المقصود به قوم مضوا ، مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين .وقوله : ( مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الكتاب ) متعلق بيكتمون ، وقد دلت هذه الجملة الكريمة على أن معصيتهم بالكتمان في أحط الدركات وأقبحها؛ لأنهم عمدوا إلى ما أنزل الله من هدى ، وجعله بينا للناس في كتاب يقرأ ، فكتموه قصداً مع تحقق المقتضى لإِظهاره ، وإنما يفعل ذلك من بلغ الغاية في سفاهة الرأي ، وخبث الطوية .واللام في قوله : ( لِلنَّاسِ ) للتعليل ، أي : بيناه في الكتاب لأجل أن ينتفع به الناس ، وفي هذا زياد تشنيع عليهم فيما أتوه من كتمان ، لأن فعلهم هذا مع أنه كتمان للحق ، فهو في الوقت نفسه اعتداء على مستحقه الذي هو في أشد الحاجة إليه .وقوله : ( أولئك يَلعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون ) يفيد نهاية الغضب عليهم ، حتى لكأنهم تحولوا إلى ملعنة ينصب عليها اللعن من كل مصدر ، ويتوجه إليها من كل من يستطيع اللعن ويؤديه .والآية الكريمة وإن كانت نزلت في أهل الكتاب بسبب كتمانهم للحق ، إلا أن وعيدها يتناول كل من كتم علماً نافعاً ، أو غير ذلك من الأمور التي يقضي الدين بإظهارها ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ومن شواهد هذا العموم ما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة قال : إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة ولولا آيتان في كتاب ما حدثت حديثاً ثم تلا قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات ) إلى قوله : ( الرَّحِيمُ ) .قال ابن كثير : وقد ورد في الحديث المسند من طرائق يشد بعضها بعضاً عن أبي هريرة وغيره ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار " .هذا ، وينبغي أن يعلم أن الإِسلام وإن كان ينهى نهياً قاطعاً عن كتم العلم الذي فيه منفعة للناس ، إلا أنه يوجب على أتباعه - وخصوصاً العلماء - أن يحسنوا ما ينشرونه على الناس من علم ، ففي الحديث الشريف : " حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله " .كما أنه يوجب عليهم أن يضعوا العلم في موضعه المناسب لمقتضى حال المخاطبين ، فليس كل ما يعلم يقال ، بل أحياناً يكون إخفاء بعض الأحكام مناسباً لأن إظهاره قد يستعمله الطغاة والسفهاء فيما يؤذي الناس ، وفي صحيح البخاري أن الحجاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الرعاة واستاقوا الإِبل ، حيث قطع النبي صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة حتى ماتوا .

فلما بلغ الحسن البصري ذلك قال : وددت أنه لم يحدثه؟؟

أنهم يتلقفون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه ذريعة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم .ومما يشهد بفقه بعض العلماء وحسن إدراكهم ، ووضعهم العلم في موضعه المناسب : ما جاء في بعض الكتب أن سلطان قرطبة سأل يحيى بن يحيى الليثي عن حكم يوم أفطره في رمضان عامداً لأن شهوته غلبته على وطء بعض جواريه ، فأفتاه بأن من الواجب عليه أن يصوم ستين يوماً ، وكان بعض الفقهاء جالساً فلم يجترئ على مخالفة يحيى .فلما انفض المجلس قيل له : لم خصصت الحكم بأحد المخيرات وكتمت العتق والإِطعام؟

فقال - رحمه الله - لو فتحنا هذا الباب لو طئ كل يوم وأعتق أو أطعم ، فحملته على الأصعب لئلا يعود .فالإِمام يحيى عند ما كتم عن السلطان الكفارتين الأخريين - وهما الأعتاق والإِطعام - لا يعتبر مسيئاً؛ لأنه قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حرمة فريضة الصوم .وهكذا نرى أن إظهار العلم عند تحقق المقتضى لإِظهاره ، ووضعه في موضعه اللائق به بدون خشية أو تحريف يدل على قوة الإِيمان ، وحسن الصلة بالله - تعالى - : ( ذلك فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ) وبعد هذا الوعيد الشديد لأولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره ، أورد القرآن في أعقاب ذلك آية تفتح لهم نافذة الأمل ، وتبين لهم أنهم إذا تابوا وأنابوا قبل الله توبتهم ورحمهم ،

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

المسألة الأولى: في قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ قولان.

أحدهما: أنه كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين.

والثاني: أنه ليس يجري على ظاهره في العموم ثم من هؤلاء من زعم أنه في اليهود خاصة قال ابن عباس: إن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الأحكام، فكتموا، فنزلت الآية وقيل: نزلت في أهل الكتاب من اليهود والنصارى عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والربيع والسدي والأصم.

والأول أقرب إلى الصواب لوجوه: أحدها: أن اللفظ عام والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين لايقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

وثانيها: أنه ثبت أيضاً في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف.

وثالثها: أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: من زعم أن محمداً عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى ﴾ فحملت الآية على العموم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة.

وتلا: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى ﴾ واحتج من خص الآية بأهل الكتاب، أن الكتمان لا يصح إلا منهم في شرع نبوة محمد عليه الصلاة والسلام، فأما القرآن فإنه متواتر، فلا يصح كتمانه، قلنا: القرآن قبل صيرورته متواتراً يصح كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه عند الواحد صح كتمانه وكذا القول فيما يحتاج المكلف إليه من الدلائل العقلية.

المسألة الثانية: قال القاضي: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه، وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً، فلما كان ما أنزله الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان، كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان، إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها، وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر، لأن الكتمان مما يشق على النفس.

المسألة الثالثة: هذه الآية تدل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وَإِذ أَخَذَ الله ميثاق الذين أُوتُواْ الكتاب لَتُبَيّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ  ﴾ وقريب منهما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا  ﴾ فهذه الآية كلها موجبة لإظهار علوم الدين تنبيهاً للناس وزاجرة عن كتمانها، ونظيرها في بيان العلم وإن لم يكن فيها ذكر الوعيد لكاتمه قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلّ فِرْقَةٍ مّنْهُمْ طَائِفَةٌ لّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ  ﴾ وروى حجاج عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كتم علماً يعلمه جاء يوم القيامة ملجماً بلجام من نار».

أما قوله تعالى: ﴿ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات ﴾ فالمراد كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً وحياً دون أدلة العقول، وقوله تعالى: ﴿ والهدى ﴾ يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأنا بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ  ﴾ أن الهدى عبارة عن الدلائل فيعم الكل فإن قيل: فقد قال: ﴿ والهدى مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب ﴾ فعاد إلى الوجه الأول قلنا: الأول هو التنزيل والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد.

واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد والإجماع والقياس حجة فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور فقد دل عليه الكتاب فكان كتمانه داخلاً تحت الآية فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية وجمع بين الأمرين في الوعيد، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجاً إليها ثم تركها أو كتم شيئاً من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه فقد لحقه الوعيد العظيم.

المسألة الرابعة: هذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين وهذا لأنه إذا أظهر البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه فلم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقيين إظهاره مرة أخرى.

المسألة الخامسة: من الناس من يحتج بهذه الآيات في قبول خبر الواحد فقال: دلت هذه الآيات على أن إظهار هذه الأحكام واجب، ولو لم يجب العمل بها لم يكن إظهارها واجباً وتمام التقرير فيه قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ  ﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان ومأموراً بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟

قلنا: هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان إلا وهم ممن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الكتمان جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم.

المسألة السادسة: احتجوا بهذه الآية على أنه لا يجوز أخذ الأجرة على التعليم لأن الآية لما دلت على وجوب ذلك التعليم كان أخذ الأجرة عليه أخذاً للأجرة على أداء الواجب وأنه غير جائز ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا  ﴾ وظاهر ذلك بمنع أخذ الأجرة على الإظهار وعلى الكتمان جميعاً لأن قوله: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا  ﴾ مانع أخذ البدل عليه من جميع الوجوه.

أما قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ مَا بيناه لِلنَّاسِ فِي الكتاب ﴾ قيل في التوراة والإنجيل من صفة محمد صلى الله عليه وسلم، ومن الأحكام، وقيل: أراد بالمنزل الأول ما في كتب المتقدمين، والثاني: ما في القرآن.

أما قوله تعالى: ﴿ أولئك يَلْعَنُهُمُ الله ﴾ فاللعنة في أصل اللغة هي الإبعاد وفي عرف الشرع الإبعاد من الثواب.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون ﴾ فيجب أن يحمل على من للعنة تأثير، وقد اتفقوا على أن الملائكة والأنبياء والصالحين كذلك فهم داخلون تحت هذا العموم لا محالة، ويؤكده قوله تعالى: ﴿ إِن الذين كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ أولئك عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ  ﴾ والناس ذكروا وجوهاً أخر.

أحدها: أن اللاعنين هم دواب الأرض وهوامها، فإنها تقول: منعنا القطر بمعاصي بني آدم عن مجاهد وعكرمة وإنما قال: ﴿ اللاعنون ﴾ ولم يقل اللاعنات لأنه تعالى وصفها بصفة من يعقل فجمعها جمع من يعقل كقوله: ﴿ والشمس والقمر رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ  ﴾ و ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ و ﴿ قَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا  ﴾ ، ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ .

وثانيها: كل شيء سوى الثقلين الجن والإنس، فإن قيل: كيف يصح اللعن من البهائم والجمادات؟

قلنا: على وجهين: الأول: على سبيل المبالغة، وهو أنها لو كانت عاقلة لكانت تلعنهم.

الثاني: أنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه.

وثالثها: أن أهل النار يلعنونهم أيضاً حيث كتموهم الدين، فهو على العموم.

ورابعها: قال ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله سبحانه وتعالى.

وخامسها: عن ابن عباس: إن لهم لعنتين: لعنة الله.

ولعنة الخلائق.

قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل: ما دينك؟

ومن نبيك؟

ومن ربك؟

فيقول: ما أدري فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين الإنس والجن، فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه، ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت، كذلك كنت في الدنيا.

وسادسها: قال أبو مسلم: (اللاعنون) هم الذين آمنوا به، ومعنى اللعن منهم: مباعدة الملعون ومشاقته ومخالفته مع السخط عليه والبراءة منه.

قال القاضي: دلت الآية على أن هذا الكتمان من الكبائر لأنه تعالى أوجب فيه اللعن، ويدل على أن أحداً من الأنبياء لم يكتم ما حمل من الرسالة وإلا كان داخلاً في الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ من أحبار اليهود ﴿ مَا أَنَزَلْنَا ﴾ فِي التوراة ﴿ مِنَ البينات ﴾ من الآيات الشاهدة على أمر محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ والهدى ﴾ والهداية بوصفه إلى اتباعه والإيمان به ﴿ مِنْ بَعْدَمَا بيناه ﴾ ولخصناه ﴿ لِلنَّاسِ فِي الكتاب ﴾ في التوراة، لم ندع فيه موضع إشكال ولا اشتباه على أحد منهم، فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولَبَّسوا على الناس ﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون ﴾ الذين يتأتى منهم اللعن عليهم وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ كَأحْبارِ اليَهُودِ.

﴿ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ ﴾ كالآياتِ الشّاهِدَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ  .

﴿ والهُدى ﴾ وما يَهْدِي إلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ والإيمانِ بِهِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ ﴾ لَخَّصْناهُ.

﴿ فِي الكِتابِ ﴾ في التَّوْراةِ.

﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ.

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ عَنِ الكِتْمانِ وسائِرِ ما يَجِبُ أنْ يُتابَ عَنْهُ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا بِالتَّدارُكِ.

﴿ وَبَيَّنُوا ﴾ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِمْ لِتَتِمَّ تَوْبَتُهم.

وقِيلَ ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ لِيَمْحُوا بِهِ سِمَةَ الكُفْرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ أضْرابُهم ﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالقَبُولِ والمَغْفِرَةِ.

﴿ وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ وإفاضَةِ الرَّحْمَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ} من أحبار اليهود {مَا أَنَزَلْنَا} في التوراة {مِنَ البينات} من الآيات الشاهدة على أمر محمد عليه السلام {والهدى} الهداية إلى الإسلام بوصفه عليه السلام {مِن بَعْدِ مَا بيناه} أوضحناه {لِلنَّاسِ فِي الكتاب} في التوراة لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين فكتموه {أولئك يَلْعَنُهُمُ الله وَيَلْعَنُهُمُ اللاعنون} الذين يتأتى منهم اللعن وهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ما أنْزَلْنا ﴾ عَلى الأنْبِياءِ ﴿ مِنَ البَيِّناتِ ﴾ أيِ: الآياتِ الواضِحَةِ الدّالَّةِ عَلى الحَقِّ، ومِن ذَلِكَ ما أنْزَلْناهُ عَلى مُوسى وعِيسى - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في أمْرِ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - .

﴿ والهُدى ﴾ عَطَفَ عَلى البَيِّناتِ والمُرادُ بِهِ ما يَهْدِي إلى الرُّشْدِ مُطْلَقًا، ومِنهُ ما يَهْدِي إلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - والإيمانُ بِهِ وهي الآياتُ الشّاهِدَةُ عَلى صِدْقِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - والعَطْفُ بِاعْتِبارِ التَّغايُرِ في المَفْهُومِ كَجاءَنِي الآكِلُ فالشّارِبُ، وقِيلَ: إنَّهُ عَطْفٌ عَلى ما أنْزَلْنا إلَخْ، والمُرادُ بِالأوَّلِ الأدِلَّةُ النَّقْلِيَّةُ، وبِالثّانِي ما يَدْخُلُ فِيهِ الأدِلَّةُ العَقْلِيَّةُ، أوِ المُرادُ بِالأوَّلِ التَّنْزِيلُ، وبِالثّانِي ما يَقْتَضِيهِ مِنَ الفَوائِدِ، ولا يَخْفى أنَّهُ تَكَلُّفٌ يَأْبى عَنْهُ قُرْبُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ والتَّبْيِينُ الدّالُّ عَلى كَمالِ الوُضُوحِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ ﴾ أيْ: شَرَحْناهُ وأظْهَرْناهُ لَهم والظَّرْفُ مُتَعَلِّقٌ بِـ ( يَكْتُمُونَ ) واللّامُ في (النّاسِ) صِلَةُ بَيَّنّا أوْ لامِ الأجَلِ، والمُرادُ بِهِمُ الجِنْسُ أوْ الِاسْتِغْراقُ، وفي تَقْيِيدِ الكِتْمانِ بِالظَّرْفِ إشارَةٌ إلى شَناعَةِ حالِهِمْ، بِأنَّهم يَكْتُمُونَ ما وضُحَ لِلنّاسِ وإلى عِظَمِ الإثْمِ بِأنَّهم يَكْتُمُونَ ما فِيهِ النَّفْعَ العامَّ ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ بَيَّناهُ وتَعَلُّقُ جارَّيْنِ بِفِعْلٍ واحِدٍ عِنْدَ اخْتِلافِ المَعْنى مِمّا لا رَيْبَ في جَوازِهِ، أوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ حالًا مِن مَفْعُولِهِ، والمُرادُ بِهِ الجِنْسُ، وقِيلَ: التَّوْراةُ، وقِيلَ: هي والإنْجِيلُ، وقِيلَ: القُرْآنُ، والمُرادُ مِنَ النّاسِ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -، ومِنَ النّاسِ مِن حَمْلِ ( البَيِّناتِ ) عَلى ما في القُرْآنِ وعُلِّقَ ( مِن بَعْدِ ) بِـ ( أنْزَلَنا ) وفُسِّرَ ( الكِتابُ ) بِالتَّوْراةِ، ( والكِتْمانُ ) بِعَدَمِ الِاعْتِرافِ بِالحَقِّيَّةِ، ولَعَلَّ ما ذَهَبْنا إلَيْهِ أوْلى مِن جَمِيعِ ذَلِكَ.

﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ﴾ أيْ: يُبْعِدُهم عَنْ رَحْمَتِهِ ويُذِيقُهم ألِيمَ نِقْمَتِهِ والِالتِفاتُ إلى الغَيْبَةِ بِإظْهارِ اسْمِ الذّاتِ لِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ، والإشْعارِ بِأنَّ مَبْدَأ صُدُورِ اللَّعْنِ صِفَةُ الجَلالِ المُغايِرَةُ لِما هو مَبْدَأُ الإنْزالِ والتَّبْيِينِ مِن صِفَةِ الجَمالِ، ولَمْ يُؤْتَ بِالفاءِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي خَبَرُ المَوْصُولِ، كَما أُتِيَ بِهِ فِيما بَعْدُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ مَعَ أنَّ المَوْصُولَ مُتَضَمِّنٌ لِمَعْنى الشَّرْطِ وقَصْدِ السَّبَبِيَّةِ في المَوْضِعَيْنِ، ولِذا أوْرَدَ اسْمَ الإشارَةَ الَّذِي تَعْلِيقُ الحُكْمِ بِهِ كَتَعْلِيقِهِ بِالمُشْتَقِّ، قِيلَ: لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ ( لَعْنَهم ) إنَّما هو بِهَذا السَّبَبِ بِناءً عَلى أنَّ (فاءَ السَّبَبِيَّةِ ) في الأصْلِ لِكَوْنِهِ ( فاءَ التَّعْقِيبِ ) يُفِيدُ أنَّ حُصُولَ المُسَبَّبِ بَعْدَ السَّبَبِ بِلا تَراخٍ، وقَدْ يُقْصَدُ مِنهُ ذَلِكَ بِمَعُونَةِ المَقامِ، كَما في الآيَةِ بَعْدُ، ولَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ لَهُ أسْبابٌ جَمَّةٌ، وبِهَذا عُلِمَ أنَّ اسْمَ الإشارَةِ لا يُغْنِي عَنِ الفاءِ؛ لِأنَّهُ يُشْعِرُ بِالسَّبَبِيَّةِ، ولا يُشْعِرُ بِالتَّعْقِيبِ المُوهِمِ لِلِانْحِصارِ بِناءً عَلى امْتِناعِ التَّوارُدِ.

﴿ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ 159 أيْ: مَن يَتَأتّى مِنهُ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ، فالمُرادُ بِـ ( اللّاعِنُونَ ) مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ، ولَيْسَ عَلى حَدِّ مَن قَتَلَ قَتِيلًا في المَشْهُورِ، والِاسْتِغْراقُ عُرْفِيٌّ؛ أيْ كُلُّ فَرْدٍ مِمّا يَتَناوَلُهُ اللَّفْظُ بِحَسَبِ مُتَفاهِمِ العُرْفِ، ولَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ حَتّى يُرَدَّ أنَّهُ لا يَلْعَنُهم كُلُّ لاعِنٍ في الدُّنْيا، ويَحْتاجُ إلى التَّخْصِيصِ، وإنَّما أعادَ الفِعْلَ؛ لِأنَّ لَعْنَةَ اللّاعِنِينَ بِمَعْنى الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بِالإبْعادِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ - تَعالى - .

ورَوى البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ مُجاهِدٍ تَفْسِيرَ اللّاعِنِينَ بِدَوابِّ الأرْضِ، حَتّى العَقارِبِ والخَنافِسِ، ولَعَلَّ الجَمْعَ حِينَئِذٍ عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ ، واسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ إظْهارِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ وحُرْمَةِ كِتْمانِهِ، لَكِنِ اشْتَرَطُوا لِذَلِكَ أنْ لا يَخْشى العالِمُ عَلى نَفْسِهِ، وأنْ يَكُونَ مُتَعَيِّنًا، وإلّا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ الكَتْمُ إلّا إنْ سُئِلَ فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الجَوابُ ما لَمْ يَكُنْ إثْمُهُ أكْبَرَ مِن نَفْعِهِ قالُوا: وفِيها دَلِيلٌ أيْضًا عَلى وُجُوبِ قَبُولِ خَبَرِ الواحِدِ؛ لِأنَّهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ البَيانُ إلّا وقَدْ وجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ، وقَدْ يُسْتَدَلُّ بِها عَلى عَدَمِ وُجُوبِ ذَلِكَ عَلى النِّساءِ بِناءً عَلى أنَّهُنَّ لا يَدْخُلْنَ في خِطابِ الرِّجالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مآ أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ نزلت في شأن رؤساء اليهود، منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وابن صوريا، يقول: يكتمون ما أنزلنا في التوراة من البينات: الحلال والحرام وآية الرجم.

وَالْهُدى، يعني أمر محمد  مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، أي في التوراة.

ويقال: في القرآن أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، أي يخذلهم الله ويلعنهم اللاعنون قال ابن عباس: وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، سئل من ربك وما دينك؟

فيقول: لا أدري.

فيقال له: ما دريت فهكذا كنت في الدنيا، ثم يضربه ضربة يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، فلا يسمع صوته شيء إلا يلعنه.

فذلك قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا تلاعن اثنان، فإن كان أحدهما مستحقاً للعنة رجعت اللعنة إليه، وإن لم يكن يستحق أحدهما اللعنة ارتفعت اللعنة إلى السماء، فلم تجد هناك موضعاً فتنحدر فترجع إلى الذي تكلم بها إن كان أهلاً لذلك وَإِنَّ لم يكن أهلاً لذلك رجعت إلى الكفار، وفي بعض الروايات إلى اليهود.

فذلك قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.

ثم استثنى التائبين من اللعنة، فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِن الكفر واليهودية وَأَصْلَحُوا أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم.

ويقال: معناه وأصلحوا لمن أفسد من السفلة، وبينوا صفته في كتبهم.

قوله: فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ، أي أتجاوز عنهم.

وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ المتجاوز لمن تاب ورجع فتقبل توبته.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ، فاسعوا» ، صحَّحه الدارقطنيُّ «١» ويعضِّده المعنى، فإنه شعار، أي: معلم لا يخلو عنه الحجُّ والعمرة، فكان ركناً كالطواف.

انتهى.

وَمَنْ تَطَوَّعَ: أي: زاد بِرًّا بعد الواجبِ في جميع الأعمال، وقال بعضهم: معناه:

من تطوَّع بحجٍّ أو عمرةٍ بعد حجَّةِ الفريضةِ، ومعنى شاكِرٌ، أي: يبذل الثوابَ والجزاءَ، عَلِيمٌ: بالنيات والأعمال لا يضيعُ معه لعاملٍ عمل.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنا ...

الآيةَ: المراد ب «الذين» : أحبار اليهود «٢» ، ورهبانُ النصارى الذين كتموا أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم وتتناول الآية بَعْدُ كلَّ من كتم علمًا من دين اللَّه يُحْتَاجُ إلى بَثِّهِ، وذلك مفسّر في قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القيامة بلجام من النّار» «٣» .

قال ابن العربيِّ «١» : وللآية تحقيقٌ، وهو أن العَالِمَ إِذا قصد الكتمانَ، عصى، وإِذا لم يقصده، لم يلزمْهُ التبليغُ، إذا عرف أن معه غيره، وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدِّثان بكلِّ ما سمعا من النبيِّ صلّى الله عليه وسلم إِلاَّ عند الحاجةِ، وكان الزُّبَيْرُ أقلَّهم حديثاً، ثم قال ابنُ العَرَبِيِّ: فأما من سئل، فقد وجَبَ عليه التبليغُ لهذه الآية، وأما إِن لم يُسْأل، فلا يلزمُ التبليغ إِلا في القرآن وحْده، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم في فضيلةِ التبْلِيغِ بأنَّه قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» «٢» انتهى من «أحكام القرآن» .

والْبَيِّناتِ وَالْهُدى: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم ثم يعمُّ بعدُ كلَّ ما يكتم من خير، وفِي الْكِتابِ يراد به التوراةُ والإنجيلُ، ويدخل القرآن في عموم الآية.

واختلف في «اللاَّعِنينَ» .

فقال قتادة، والربيع: الملائِكةُ والمؤمنون «١» ، وهذا ظاهرٌ واضحٌ، وقيل: الحشرات والبهائمُ «٢» ، وقيل: جميع المخلوقات ما عدا الثقلين الجنّ

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ ﴾ فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ رِجالًا مِنَ الأنْصارِ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ لِمَناةَ في الجاهِلِيَّةِ - ومَناةَ: صَنَمٌ كانَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ!

إنّا كُنّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ تَعْظِيمًا لِمَناةَ، فَهَلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ أنْ نَطُوفَ بِهِما؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ عُرْوَةُ عَنْ عائِشَةَ.

والثّانِي: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، لِأنَّهُ كانَ عَلى الصَّفا تَماثِيلٌ وأصْنامٌ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ الشَّعْبِيُّ: كانَ وثَنٌ عَلى الصَّفا يُدْعى: إسافَ، ووَثَنٌ عَلى المَرْوَةَ يُدْعى: نائِلَةَ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُما ويُمَسِّحُونَهُما، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَفُّوا عَنِ السَّعْيِ بَيْنَهُما، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّالِثُ: «أنَّ الصَّحابَةَ قالَتْ لِلنَّبِيِّ  : إنّا كُنّا نَطُوفُ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ، ولَمْ يَذْكُرْهُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، فَهَلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ أنْ لا نَطُوفُ بِهِما؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.

قالَ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: الصَّفا في اللُّغَةِ: الحِجارَةُ الصَّلْبَةُ الصَّلْدَةُ الَّتِي لا تُنْبِتُ شَيْئًا، وهو جَمْعٌ، واحِدُهُ صَفاةً وصَفًّا، مِثْلُ: حَصاةً وحَصًى.

والمَرْوَةُ: الحِجارَةُ اللَّيِّنَةُ، وهَذانَ المَوْضِعانِ مِن شَعائِرِ اللَّهِ، أيْ: مِن أعْلامِ مُتَعَبَّداتِهِ.

وواحِدُ الشَّعائِرِ: شَعِيرَةٌ.

والشَّعائِرُ: كُلُّ ما كانَ مِن مَوْقِفٍ أوْ سَعْيٍ أوْ ذَبْحٍ.

والشَّعائِرُ: مَن شَعَرَتْ بِالشَّيْءِ: إذا عَلِمَتْ بِهِ، فَسُمِّيَتِ الأعْلامُ الَّتِي هي مُتَعَبَّداتِ اللَّهِ: شَعائِرُ اللَّهِ.

والحَجُّ في اللُّغَةِ: القَصْدُ، وكَذَلِكَ كَلُّ قاصِدٍ شَيْئًا فَقَدِ اعْتَمَرَهُ.

والجَناحُ: الإثْمُ، أُخِذَ مِن جَنَحَ: إذا مالَ وعَدَلَ، وأصْلُهُ مِن جَناحِ الطّائِرِ، وإنَّما اجْتَنَبَ المُسْلِمُونَ الطَّوافَ بَيْنَهُما، لِمَكانِ الأوْثانِ، فَقِيلَ لَهُمْ: إنَّ نَصْبَ الأوْثانِ بَيْنَهُما قَبْلَ الإسْلامِ لا يُوجِبُ اجْتِنابَهُما، فَأعْلَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أنَّهُ لا جَناحَ في التَّطَوُّفِ بِهِما، وأنَّ مَن تَطَوَّعَ بِذَلِكَ فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ.

والشُّكْرُ مِنَ اللَّهِ: المُجازاةُ والثَّناءُ الجَمِيلُ، والجُمْهُورُ قَرَؤُوا (وَمَن تَطَوَّعَ) بِالتّاءِ ونَصْبِ العَيْنِ.

مِنهُمُ: ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ "يَطَوَّعْ" بِالياءِ وجَزْمِ العَيْنِ.

وكَذَلِكَ خِلافُهم في الَّتِي بَعْدَها بِآَياتٍ.

* فَصْلٌ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ إمامِنا أحْمَدَ في السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةَ، فَنَقَلَ الأثْرَمُ أنَّ مَن تَرَكَ السَّعْيَ لَمْ يُجِزْهُ حَجُّهُ.

ونَقَلَ أبُو طالِبٍ لا شَيْءَ في تَرْكِهِ عَمْدًا أوْ سَهْوًا، ولا يَنْبَغِي أنْ يَتْرُكَهُ.

ونَقَلَ المَيْمُونِيُّ أنَّهُ تَطَوُّعٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ قالَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في رُؤَساءِ اليَهُودِ، كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ في التَّوْراةِ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى، فالبَيِّناتُ: الحَلالُ والحَرامُ والحُدُودُ والفَرائِضُ.

والهُدى: نَعْتُ النَّبِيِّ وصِفَتُهُ ﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: لِبَنِي إسْرائِيلَ.

وفي الكِتابِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ التَّوْراةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ، قالَهُ قَتادَةُ.

﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الكَلِمَتَيْنِ ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أصْلُ اللَّعْنِ في اللُّغَةِ: الطَّرْدُ، ولَعَنَ اللَّهُ إبْلِيسَ، أيْ: طَرَدَهُ، ثُمَّ انْتَقَلَ ذَلِكَ فَصارَ قَوْلًا.

قالَ الشَّمّاخُ وذَكَرَ ماءً: ذَعَرْتُ بِهِ القَطا ونَفَيْتُ عَنْهُ مَقامَ الذِّئْبِ كالرَّجُلِ اللَّعِينِ أيِ: الطَّرِيدُ.

وفي اللّاعِنِينَ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِمْ: دَوابُّ الأرْضِ، رَواهُ البَراءُ عَنِ النَّبِيِّ  وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ.

قالَ مُجاهِدٌ: يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِكم، فَيَلْعَنُونَهم.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ، قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ قالَهُ عَطاءٌ.

* فَصْلٌ وَهَذِهِ الآَيَةُ تُوجِبُ إظْهارَ عُلُومِ الدِّينِ، مَنصُوصَةٌ كانَتْ أوْ مُسْتَنْبَطَةٌ، وتَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى ذَلِكَ، إذْ غَيْرُ جائِزٍ اسْتِحْقاقُ الأجْرِ عَلى ما يَجِبُ فِعْلُهُ، وقَدْ رَوى الأعْرَجُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ قالَ: إنَّكم تَقُولُونَ: أكْثَرَ أبُو هُرَيْرَةَ عَلى النَّبِيِّ  ، واللَّهُ المَوْعِدُ، وايْمُ اللَّهِ: لَوْلا آَيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ أحَدًا بِشَيْءٍ أبَدًا، ثُمَّ تَلا ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا ﴾ إلى آَخِرِها.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللهِ شاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِنَ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ الصَفا والمَرْوَةَ ﴾ : جَبِيلانِ بِمَكَّةَ.

و"الصَفا" جُمِعَ صَفاةٌ، وقِيلَ هُوَ: اسْمٌ مُفْرَدٌ جَمْعُهُ صَفًى وأصْفاءُ، وهي الصَخْرَةُ العَظِيمَةُ، قالَ الراجِزُ: ......................................

مَواقِعُ الطَيْرِ عَلى الصَفى وقِيلَ: مِن شُرُوطِ الصَفّا البَياضُ والصَلابَةُ.

و"المَرْوَةَ": واحِدَةُ المَرْوِ، وهي الحِجارَةُ الصِغارُ الَّتِي فِيها لِينٌ.

ومِنهُ قَوْلُ الَّذِي أصابَ شاتَهُ المَوْتُ مِنَ الصَحابَةِ: فَذَكَّيْتَها بِمَرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الأمِينِ: أخْرِجْنِي إلى أخِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَمَرْوَةٌ كَسَرَتْ مَرْوَةَ، وصَمْصامَةٌ قَطَعَتْ صَمْصامَةَ، وقَدْ قِيلَ في المُرُوِ: إنَّها الصِلابُ، قالَ الشاعِرُ: وتَوَلّى الأرْضَ خُفًّا ذابِلًا ∗∗∗ فَإذا ما صادَفَ المَرْوَ رَضَخْ والصَحِيحُ أنَّ المَرْوَ الحِجارَةُ صَلِيبُها ورِخْوُها الَّذِي يَتَشَظّى وتَرِقُّ حاشِيَتُهُ وفي هَذا يُقالُ المَرْوُ أكْثَرُ، وقَدْ يُقالُ في الصَلِيبِ، وتَأمَّلْ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ: حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ بِصَفا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وجُبَيْلُ الصَفا بِمَكَّةَ صَلِيبٌ، وجُبَيْلُ المَرْوَةَ إلى اللِينِ ماهِقُ، فَبِذَلِكَ سُمِّيا.

قالَ قَوْمٌ: ذَكَرَ الصَفا لِأنَّ آدَمَ وقَفَ عَلَيْهِ، ووَقَفَتْ حَوّاءُ ١ عَلى المَرْوَةِ فَأُنِّثَتْ لِذَلِكَ.

وَقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ عَلى الصَفا صَنَمٌ يُدْعى إسافًا وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعى نائِلَةَ فاطَّرَدَ ذَلِكَ في التَذْكِيرِ والتَأْنِيثِ، وقُدِّمَ المُذَكَّرُ.

و ﴿ مِن شَعائِرِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: مِن مَعالِمِهِ ومَواضِعِ عِبادَتِهِ، وهي جَمْعُ شُعَيْرَةَ أو شُعارَةَ.

وقالَ مُجاهِدٌ: ذَلِكَ راجِعٌ إلى القَوْلِ، أيْ مِمّا أشْعَرَكُمُ اللهُ بِفَضْلِهِ، مَأْخُوذٌ مِن تَشَعَّرْتُ إذا تَحَسَّسْتُ، وشَعُرَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما يَلِي الجَسَدَ مِنَ الثِيابِ، والشِعارُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعْرِ.

ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ هو الشاعِرُ.

و"حَجَّ" مَعْناهُ: قَصَدَ وتَكَرَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سَبَّ الزَبْرَقانِ المُزَعْفَرا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: يَحُجُّ مَأْمُومَةً في قَعْرِها لَجَفٌ ∗∗∗......................................

و"اعْتَمَرَ" زارَ وتَكَرَّرَ، مَأْخُوذٌ مَن عَمَّرْتُ المَوْضِعَ.

والـ "جُناحَ": الإثْمُ والمَيْلُ عَنِ الحَقِّ والطاعَةِ.

ومِنَ اللَفْظَةِ الجَناحُ لِأنَّهُ في شِقٍّ، ومِنهُ قِيلَ لِلْخِباءِ: جُناحٌ لِتَمايُلِهِ وكَوْنِهِ كَذِي أجْنِحَةٍ، ومِنهُ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها  ﴾ .

وَ"يَطَّوَّفَ" أصْلُهُ يَتَطَوَّفُ، سَكَنَتِ التاءُ وأُدْغِمَتْ في الطاءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أنْ يُطافَ"، وأصْلُهُ يَطْتُوفُ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا فَجاءَ يَطْتافُ، أُدْغِمَتِ التاءُ بَعْدَ الإسْكانِ في الطاءِ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ إدْغامَ الثانِي في الأوَّلِ كَما جاءَ في "مُدَّكِرٍ"، ومَن لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ قالَ: قُلِبَتِ التاءُ طاءً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الطاءُ في الطاءِ، وفي هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأصْلِيَّ أُدْغِمَ في الزائِدِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهم قَرَؤُوا: "ألّا يَطَّوَّفَ" وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "ألّا يَطَّوَّفَ"، وقِيلَ: "ألّا يَطُوفَ" بِضَمِّ الطاءِ وسُكُونِ الواوِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي الأمْرَ بِما عَهِدَ مِنَ الطَوافِ بِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ ، لَيْسَ المَقْصِدُ مِنهُ إباحَةَ الطَوافِ لِمَن شاءَ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الأمْرِ لا يَسْتَقِيمُ، وإنَّما المَقْصِدُ مِنهُ رَفْعُ ما وقَعَ في نُفُوسِ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ مِن أنَّ الطَوافَ بَيْنَهُما فِيهِ حَرَجٌ، وإعْلامُهم أنَّ ما وقَعَ في نُفُوسِهِمْ غَيْرُ صَوابٍ.

واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ.

فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَعْرِفُ وتَطُوفُ بَيْنَهُما في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِن تِهامَةٍ لا تَطُوفُ بَيْنَهُما في الجاهِلِيَّةِ لِذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحَرَّجُوا مِنَ الطَوافِ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ ذَلِكَ في الأنْصارِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَهِلُّونَ لِمَناةَ الَّتِي كانَتْ بِالمُشَلَّلِ حَذْوَ قَدِيدٍ، ويُعَظِّمُونَها، فَكانُوا لا يَطُوفُونَ بَيْنَ إسافَ ونائِلَةَ إجْلالًا لِتِلْكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحَرَّجُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّ العَرَبَ الَّتِي كانَتْ تَطُوفُ هُنالِكَ، كانَتْ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ السَعْيَ إجْلالًا لِإسافَ ونائِلَةَ، وكانَ الساعِي يَتَمَسَّحُ بِإسافَ، فَإذا بَلَغَ المَرْوَةَ تَمَسَّحَ بِنائِلَةَ، وكَذَلِكَ حَتّى تَتِمَّ أشْواطُهُ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَرِهُوا السَعْيَ هُنالِكَ إذْ كانَ بِسَبَبِ الصَنَمَيْنِ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ.

فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ أنَّ ذَلِكَ فَرْضُ رُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ لا يَجْزِي تارِكَهُ أو ناسِيهِ إلّا العَوْدَةُ، ومَذْهَبُ الثَوْرِيِّ وأصْحابُ الرَأْيِ أنَّ الدَمَ يَجْزِي تارِكَهُ، وإنْ عادَ فَحَسَنٌ، فَهو عِنْدُهم نَدْبٌ.

ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أشْواطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإنْ تَرَكَ ثَلاثَةً فَأقَلَّ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَوْطٍ إطْعامُ مِسْكِينٍ.

وقالَ عَطاءٌ: لَيْسَ عَلى تارِكِهِ شَيْءٌ لا دَمٌ ولا غَيْرُهُ، واحْتَجَّ عَطاءٌ بِما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما"، وهي قِراءَةٌ خالَفَتْ مَصاحِفَ الإسْلامِ، وقَدْ أنْكَرَتْها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في قَوْلِها لِعُرْوَةَ حِينَ قالَ لَها: أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ فَما نَرى عَلى أحَدٍ شَيْئًا ألّا يَطُوفَ بِهِما) قالَتْ: يا عُرْيَةُ كَلّا، لَوْ كانَ ذَلِكَ لَقالَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطُوفَ بِهِما.

وأيْضًا فَإنَّ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْجِعُ إلى مَعْنى "أنْ يَطُوفَ" وتَكُونُ "لا" زائِدَةَ صِلَةٍ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ  ﴾ ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهم ∗∗∗ والطَيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرَ أيْ: وعُمَرُ.

وكَقَوْلِ الآخَرِ: وما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا ∗∗∗......................................

ومَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ في العُمْرَةِ أنَّها سَنَةٌ، إلّا ابْنُ حَبِيبٍ فَإنَّهُ قالَ بِوُجُوبِها.

وقَرَأ قَوْمٌ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "وَمَن يَطَّوَّعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الِاسْتِقْبالِ والشَرْطِ، والجَوابُ في قَوْلِهِ: "فَإنَّ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ: "تَطَوَّعَ" عَلى بابِهِ في المُضِيِّ فَـ "مِن" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي.

ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَإنَّ" لِلْإبْهامِ الَّذِي في "مِن".

حَكاهُ مَكِّيٌّ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ "تَطَوَّعَ" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ و"مَن" شَرْطِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" بِمَعْنى الَّذِي والفِعْلُ صِلَةٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والفاءُ مُؤْذِنَةٌ أنَّ الثانِي وجَبَ لِوُجُوبِ الأوَّلِ.

ومَن قالَ بِوُجُوبِ السَعْيِ قالَ: مَعْنى "تَطَوَّعَ" أيْ زادَ بِرًّا بَعْدَ الواجِبِ فَجَعَلَهُ عامًّا في الأعْمالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: مَن تَطَوَّعَ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الفَرِيضَةِ.

ومَن لَمْ يُوجِبِ السَعْيَ قالَ: المَعْنى مَن تَطَوَّعَ بِالسَعْيِ بَيْنَهُما.

وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ".

وَمَعْنى "شاكِرٌ": أيْ يَبْذُلُ الثَوابَ والجَزاءَ، "عَلِيمٌ" بِالنِيّاتِ والأعْمالِ، لا يَضِيعُ مَعَهُ لِعامِلِ بِرٍّ -وَلا غَيْرُهُ- عَمَلٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالَّذِينِ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ مُعَيَّنَيْنِ مِنهم سَألَهم قَوْمٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ  عَمّا في كُتُبِهِمْ مِن أمْرِهِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتْ.

وتَتَناوَلُ الآيَةُ بَعْدُ، كُلَّ مَن كَتَمَ عِلْمًا مِن دِينِ اللهِ يَحْتاجُ إلى بَثِّهِ، وذَلِكَ مُفَسَّرٌ في قَوْلِ النَبِيِّ  : «مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ».

وهَذا إذا كانَ لا يَخافُ ولا ضَرَرَ عَلَيْهِ في بَثِّهِ.

وهَذِهِ الآيَةُ أرادَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قَوْلِهِ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكم حَدِيثًا، وقَدْ تَرَكَ أبُو هُرَيْرَةَ ذَلِكَ حِينَ خافَ فَقالَ: حَفِظْتُ عن رَسُولِ اللهِ  وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ، وهَذِهِ الآيَةُ أرادَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قَوْلِهِ: لَأحُدِّثَنَّكم حَدِيثًا لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمُوهُ.

ومَن رَوى في كَلامِ عُثْمانَ: لَوْلا أنَّهُ في كِتابِ اللهِ.

فالمَعْنى غَيْرُ هَذا.

و ﴿ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ أمْرُ مُحَمَّدٍ  .

ثُمَّ يَعُمُّ بَعْدَ كُلِّ ما يَكْتُمُ مِن خَيْرٍ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مِن بَعْدِ ما بَيَّنَهُ" عَلى الإفْرادِ.

و ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِحُكْمِ سَبَبِ الآيَةِ، وأنَّها في أمْرِ مُحَمَّدٍ  ، ثُمَّ يَدْخُلُ القُرْآنُ مَعَ تَعْمِيمِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى اللَعْنَةِ، واخْتُلِفَ في اللاعِنِينَ، فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، وهَذا ظاهِرٌ واضِحٌ جارٍ عَلى مُقْتَضى الكَلامِ.

وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ يُصِيبُهُمُ الجَدْبُ بِذُنُوبِ عُلَماءِ السُوءِ الكاتِمِينَ فَيَلْعَنُونَهُمْ، وذَكَرُوا بِالواوِ والنُونِ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم أُسْنِدَ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَن يَعْقِلُ، كَما قالَ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ  ﴾ .

وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: اللاعِنُونَ" كُلُّ المَخْلُوقاتِ ما عَدا الثَقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ  قالَ: « "إنَّ الكافِرَ إذا ضُرِبَ في قَبْرِهِ فَصاحَ؛ سَمِعَهُ الكُلُّ إلّا الثَقَلَيْنِ فَلَعَنَهُ كُلُّ سامِعٍ».

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُرادُ بِها ما قالَ النَبِيُّ  : «إنَّ كُلَّ مُتَلاعِنَيْنَ إنِ اسْتَحَقّا اللَعْنَةَ وإلّا انْصَرَفَتْ عَلى اليَهُود»، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ، ولا تَثْبُتُ إلّا بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.

ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى التائِبِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَوْبَةِ.

و"أصْلَحُوا" أيْ في أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ "وَبَيَّنُوا"، قالَ مَن فَسَّرَ الآيَةَ عَلى العُمُومِ: مَعْناهُ بَيَّنُوا تَوْبَتَهم بِمُبْرِزِ العَمَلِ والبُرُوعِ فِيهِ، ومَن فَسَّرَها عَلى أنَّها في كاتِمِي أمْرِ مُحَمَّدٍ قالَ: المَعْنى بَيَّنُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  فَتَجِيءُ الآيَةُ فِيمَن أسَلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى تَوْبَةِ اللهِ عَلى عَبْدِهِ، وأنَّها رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود بالكلام إلى مهيعه الذي فصل عنه بما اعترض من شرع السعي بين الصفا والمروة كما علمته آنفاً.

قال المفسرون إن هاته الآية نزلت في علماء اليهود في كتمهم دلائل صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته وصفات دينه الموجودة في التوراة وفي كتمهم آية الرجم، وهو يقتضي أن اسم الموصول للعهد فإن الموصول يأتي لما يأتي له المعرف باللام وعليه فلا عموم هنا، وأنا أرى أن يكون اسم الموصول هنا للجنس فهو كالمعرف بلام الاستغراق فيعم ويكون من العام الوارد على سبب خاص ولا يخصص بسببه ولكنه يتناول أفراد سببه تناولاً أولياً أقوى من دلالته على بقية الأفراد الصالح هو للدلالة عليها لأن دلالة العام على صورة السبب قطعية ودلالته على غيرها مما يشمله مفهوم العام دلالة ظنية، فمناسبة وقع هاته الآية بعد التي قبلها أن ما قبلها كان من الأفانين القرآنية المتفننة على ذكر ما قابل به اليهود دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتشبيههم فيها بحال سلفهم في مقابلة دعوة أنبيائهم من قبل إلى مبلغ قوله تعالى: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ﴾ [البقرة: 75] إلى قوله: ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ﴾ [البقرة: 101] الآية وما قابل به أشباههم من النصارى ومن المشركين الدعوة الإسلامية، ثم أفضى ذلك إلى الإنحاء على المشركين قلة وفائهم بوصايا إبراهيم الذي يفتخرون بأنهم من ذريته وأنهم سدنة بيته فقال: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ [البقرة: 114] الآيات، فنوه بإبراهيم وبالكعبة واستقبالها وشعائرها وتخلل ذلك رد ما صدر عن اليهود من إنكار استقبال الكعبة إلى قوله: ﴿ وإن فريقاً منهم ايكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146] (يريد علماءهم) ثم عقب ذلك بتكملة فضائل الكعبة وشعائرها، فلما تم جميع ذلك عطف الكلام إلى تفصيل ما رماهم به إجمالاً في قوله تعالى: ﴿ إن فريقاً منهم ﴾ فقال: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا ﴾ الخ، وهذه طريقة في الخطابة هي إيفاء الغرض المقصود حقه وتقصير الاستطراد والاعتراض الواقعين في أثنائه ثم الرجوع إلى ما يهم الرجوع إليه من تفصيل استطراد أو اعتراض تخلل الغرض المقصود.

فجملة: ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ الخ استئنافُ كلام يعرف منه السامع تفصيل ما تقدم له إجماله، والتوكيد بإنَّ لمجرد الاهتمام بهذا الخبر.

والكتم والكتمان عدم الإخبار بما من شأنه أن يُخْبَر به من حادثثٍ مسموع أو مرئي ومنه كتم السر وهو الخبر الذي تخبر به غيرك وتأمره بأن يكتمه فلا يخبره غيره.

وعبر في: ﴿ يكتمون ﴾ بالفعل المضارع للدلالة على أنهم في الحال كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع بلفظ الماضي لتوهم السامع أن المعني به قوم مضوا مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين.

ويعلم حكم الماضين والآتين بدلالة لحن الخطاب لمساواتهم في ذلك.

والمراد بما أنزلنا ما اشتملت عليه التوراة من الدلائل والإرشاد، والمراد بالكتاب التوراة.

والبينات جمع بينة وهي الحجة وشمل ذلك ما هو من أصول الشريعة مما يكون دليلاً على أحكام كثيرة، ويشمل الأدلة المرشدة إلى الصفات الإلهية وأحوال الرسل وأخذ العهد عليهم في اتباع كل رسول جاء بدلائل صدق لا سيما الرسول المبعوث في إخوة إسرائيل وهم العرب الذين ظهرت بعثته بينهم وانتشرت منهم، والهدى هو ما به الهدى أي الإرشاد إلى طريق الخير فيشمل آيات الأحكام التي بها صلاح الناس في أنفسهم وصلاحهم في مجتمعهم.

والكتمان يكون بإلغاء الحفظ والتدريس والتعليم، ويكون بإزالته من الكتاب أصلاً وهو ظاهره قال تعالى: ﴿ وتخفون كثيراً ﴾ [الأنعام: 91]، يكون بالتأويلات البعيدة عن مراد الشارع لأن إخفاء المعنى كتمان له، وحذف متعلق ﴿ يكتمون ﴾ الدال على المكتوم عنه للتعميم أي يكتمون ذلك عن كل أحد ليتأتى نسيانه وإضاعته.

وقوله: ﴿ من بعد ﴾ متعلق ب (يكتمون) وذكر هذا الظرف لزيادة التفظيع لحال الكتمان وذلك أنهم كتموا البينات والهدى مع انتفاء العذر في ذلك لأنهم لو كتموا ما لم يبين لهم لكان لهم بعض العذر أن يقولوا كتمناه لعدم اتضاح معناه فكيف وهو قد بين ووضح في التوراة.

واللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ لام التعليل أي بيناه في الكتاب لأجل الناس أي أردنا إعلانه وإشاعته أي جعلناه بيناً، وفي هذا زيادة تشنيع عليهم فيما أتوه من الكتمان وهو أنه مع كونه كتماناً للحق وحرماناً منه هو اعتداء على مستحقه الذي جعل لأجله ففعلهم هذا تضليل وظلم.

والتعريف في (الناس) للاستغراق لأن الله أنزل الشرائع لهدي الناس كلهم وهو استغراق عرفي أي الناس المشرع لهم.

وقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى ﴿ الذين يكتمون ﴾ وسط اسم الإشارة بين اسم ﴿ إنَّ ﴾ وخبرها للتنبيه على أن الحكم الوارد بعد ذلك قد صاروا أحرياء به لأجل تلك الصفات التي ذكرت قبله بحيث إن تلك الصفات جعلتهم كالمشاهدين للسامع فأشير إليهم وهو في الحقيقة إشارة إلى أوصافهم، فمن أجل ذلك أفادت الإشارة التنبيه على أن تلك الأوصاف هي سبب الحكم وهو إيماء للعلة على حد: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].

واختير اسم إشارة البعيد ليكون أبعث للسامع على التأمل منهم والالتفات إليهم أو لأن اسم الإشارة بهذه الصيغة هو الأكثر استعمالاً في كلامهم.

وقد اجتمع في الآية إيماآن إلى وجه ترتب اللعن على الكتمان وهما الإيماء بالموصول إلى وجه بناء الخبر أي علته وسببه، والإيماء باسم الإشارة للتنبيه على أحرويتهم بذلك، فكان تأكيد الإيماء إلى التعليل قائماً مقام التنصيص على العلة.

واللعن الإبعاد عن الرحمة مع إذلال وغضب، وأثره يظهر في الآخرة بالحرمان من الجنة وبالعذاب في جهنم، وأما لعن الناس إياهم فهو الدعاء منهم بأن يبعدهم الله عن رحمته على الوجه المذكور، واختير الفعل المضارع للدلالة على التجدد مع العلم بأنه لعنهم أيضاً فيما مضى إذ كل سامع يعلم أنه لا وجه لتخصيص لعنهم بالزمن المستقبل.

وكذلك القول في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ ، وكرر فعل ﴿ يلعنهم ﴾ مع إغناء حرف العطف عن تكريره لاختلاف معنى اللعنين فإن اللعن من الله الإبعاد عن الرحمة واللعن من البشر الدعاء عليهم عكس ما وقع في ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ [الأحزاب: 56] لأن التحقيق أن صلاة الله والملائكة واحدة وهي الذكر الحسن.

والتعريف في: ﴿ اللاعنون ﴾ للاستغراق وهو استغراق عرفي أي يلعنهم كل لاعن، والمراد باللاعنين المتدينون الذين ينكرون المنكر وأصحابَه ويغضبون لله تعالى ويطلعون على كتمان هؤلاء فهم يلعنونهم بالتعيين وإن لم يطلعوا على تعيينهم فهم يلعنونهم بالعنوان العام أي حين يلعنون كل من كتم آيات الكتاب حين يتلون التوراة.

6 ولقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يبينوا التوراة ولا يخفوها كما قال: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ [آل عمران: 187].

وقد جاء ذكر اللعنة على إضاعة عهد الله في التوراة مرات وأشهرها العهد الذي أخذه موسى على بني إسرائيل في (حوريب) حسبما جاء في سفر الخروج في الإصحاح الرابع والعشرين، والعهد الذي أخذه عليهم في (مؤاب) وهو الذي فيه اللعنة على من تركه وهو في سفر التثنية في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين ومنه: «أنتم واقفون اليوم جميعكم أما الرب إلهكم...

لكي تدخلوا في عهد الرب وقسمه لئلا يكون فيكم اليوم منصرف عن الرب...

فيكون متى يسمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه...

حينئذٍ يحل غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة هذا...

لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة».

وفي الإصحاح الثلاثين: «ومتى أتت عليك هذه الأمور البركة واللعنة جعلتهما قدامك» وفيه: «أشهد عليكم اليوم السماء والأرض قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة».

فقوله تعالى: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ تذكير لهم باللعنة المسطورة في التوراة فإن التوراة متلوة دائماً بينهم فكلما قرأ القارئون هذا الكلام تجددت لعنة المقصودين به، والذين كتموا ما أنزل من البينات والهدى هم أيضاً يقرأون التوراة فإذا قرأوا لعنة الكاتمين فقد لعنوا أنفسهم بألسنتهم فأما الذين يلعنون المجرمين والظالمين غير الكاتمين ما أنزل من البينات والهدى فهم غير مشمولين في هذا العموم وبذلك كان الاستغراق المستفاد من تعريف اللاعنون باللام استغراقاً عرفياً.

واعلم أن لام الاستغراق العرفي واسطة بين لام الحقيقة ولام الاستغراق الحقيقي.

وإنما عدل إلى التعريف مع أنه كالنكرة مبالغة في تحققه حتى كأنه صار معروفاً لأن المنكَّر مجهول، أو يكون التعريف للعهد أي يلعنهم الذين لعنوهم من الأنبياء الذين أوصوا بإعلان العهد وأن لا يكتموه.

ولما كان في صلة ﴿ الذين يكتمون ﴾ إيماء كما قدمناه فكل من يفعل فعلاً من قبيل مضمون الصلة من غير أولئك يكون حقيقاً بما تضمنه اسم الإشارة وخبره فإن من مقاصد القرآن في ذكر القصص الماضية أن يعتبر بها المسلمون في الخير والشر، وعن ابن عباس أن كل ما ذمّ الله أهلَ الكتاب عليه فالمسلمون محذَّرون من مثله، ولذا قال أبو هريرة لما قال الناسُ أكثر أبو هريرة من الرواية عن رسول الله فقال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً بعد أن قال الناس أكثر أبو هريرة: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ الآية وساق الحديث.

فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هُدى للناس لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيراً للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي تومئ إليه العلة أن يبث في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يُلقنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثوا الناس بما يفْهمون أتحبُّون أنْ يكذَّب اللَّهُ ورسولهُ " وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعَه.

وفي «صحيح البخاري» أن الحجَّاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الراعي واستاقوا الذود فقطع النبي صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا، فلما بلغ ذلك الحسن البصري قال وددت أنه لم يحدثه، أو يتلفقون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه معذرة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم، قال ابن عرفة في «التفسير»: لا يحل للعالم أن يذكر للظالم تأويلاً أو رخصة يتمادى منها إلى المفسدة كمن يذكر للظالم ما قال الغزالي في «الإحياء» من أن بيت المال إذا ضعف واضطر السلطان إلى ما يجهز به جيوش المسلمين لدفع الضرر عنهم فلا بأس أن يوظف على الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة، قال ابن عرفة وذكر هذه المظلمة مما يحدث ضرراً فادحاً في الناس.

وقد سأل سلطان قرطبة عبد الرحمن بن معاوية الداخل يحيى بن يحيى الليثي عن يوم أفطره في رمضان عامداً غلبته الشهوة على قربان بعض جواريه فيه فأفتاه بأنه يصوم ستين يوماً والفقهاء حاضرون ما اجترأوا على مخالفة يحيى فلما خرجوا سألوه لِمَ خصصته بأحد المخيرات فقال لو فتحنا له هذا الباب لوطئ كل يوم وأعتق أو أطعم فحملته على الأصعب لئلا يعود اه.

قلت فهو في كتمه عنه الكفارتين المخير فيهما قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حُرمة فريضة الصوم.

فالعالم إذا عين بشخصه لأن يبلغ علماً أو يبين شرعاً وجب عليه بيانه مثل الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبلاغ كتبه أو لدعوة قومهم، وإن لم يكن معيناً بشخصه فهو لا يخلو إما أن يكون ما يعلمه قد احتاجت الأمة إلى معرفته منه خاصة بحيث يتفرد بعلمه في صقع أو بلد حتى يتعذر على أناس طلب ذلك من غيره أو يتعسر بحيث إن لم يعلمها إياه ضلت مثل التوحيد وأصول الاعتقاد، فهذا يجب عليه بيانه وجوباً متعيناً عليه إن انفرد به في عصر أو بلد، أو كان هو أتقن للعلم فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم يتفهمون أو يتعلمون فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً».

وإن شاركه فيه غيره من أمثاله كان وجوبه على جميع الذين يعلمون ذلك على الكفاية، وإما أن يكون ما يعلمه من تفاصيل الأحكام وفوائدها التي تنفع الناس أو طائفة منهم، فإنما يجب عليه عيناً أو كفاية على الوجهين المتقدمين أن يبين ما دعت الحاجة إلى بيانه، ومما يعد قد دعت الحاجة إلى بيانه أن تعين له طائفة من الناس ليعلمهم فحينئذٍ يجب عليه أن يعلمهم ما يرى أن في علمهم به منفعة لهم وقدرة على فهمه وحسن وضعه، ولذلك وجب على العالم إذا جلس إليه الناس للتعلم أن يلقي إليهم من العلم ما لهم مقدرة على تلقيه وإدراكه، فظهر بهذا أن الكتمان مراتب كثيرة وأن أعلاها ما تضمنته هذه الآية، وبقية المراتب تؤخذ بالمقايسة، وهذا يجيء أيضاً في جواب العالم عما يلقى إليه من المسائل فإن كان قد انفرد بذلك أو كان قد عين للجواب مثل من يعين للفتوى في بعض الأقطار فعليه بيانه إذا علم احتياج السائل ويجيء في انفراده بالعلم أو تعيينه للجواب وفي عدم انفراده الوجهان السابقان في الوجوب العيني والوجوب الكفائي.

وفي غير هذا فهو في خيرة أو يجيب أو يترك.

وبهذا يكون تأويل الحديث الذي رواه أصحاب «السنن الأربعة» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " فخصص عمومه في الأشخاص والأحوال بتخصيصات دلت عليها الأدلة قد أشرنا إلى جماعها.

وذكر القرطبي عن سحنون أن الحديث وارد في كتمان الشاهد بحق شهادته.

والعهدة في وضع العالم نفسه في المنزلة اللائقة به من هذه المنازل المذكورة على ما يأنسه من نفسه في ذلك وما يستبرئ به لدينه وعرضه.

والعهدة في معرفة أحوال الطالبين والسائلين عليه ليجريها على ما يتعين إجراؤها عليه من الصور على ما يتوسمه من أحوالهم والأحوال المحيطة بهم، فإن أشكل عليه الأمر في حال نفسه أو حال سائله فليستشر أهل العلم والرأي في الدين.

ويجب أن لا يغفل عن حكمة العطف في قوله تعالى: ﴿ والهدى ﴾ حتى يكون ذلك ضابطاً لما يفضي إليه كتمان ما يكتم.

وقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ استثناء من ﴿ الذين يكتمون ﴾ أي فهم لا تلحقهم اللعنة، وهو استثناء حقيقي منصوب على تمام الكلام من ﴿ الذين يكتمون ما أنزلنا ﴾ الخ.

وشُرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم، فالتوبة هنا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه رجوع عن كتمانهم الشهادة له الواردة في كتبهم وإطلاق التوبة على الإيمان بعد الكفر وارد كثيراً لأن الإيمان هو توبة الكافر من كفره، وإنما زاد بعده ﴿ وأصلحوا وبينوا ﴾ لأن شرط كل توبة أن يتدارك التائب ما يمكن تداركه مما أضاعه بفعله الذي تاب عنه.

ولعل عطف ﴿ وبينوا ﴾ على ﴿ أصلحوا ﴾ عطف تفسير.

وقوله: ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ جملة مستأنفة لغير بيان بل لفائدة جديدة لأنه لما استثنى ﴿ الذين تابوا ﴾ فقد تم الكلام وعلم السامع أن من تابوا من الكاتمين لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون، وجيء باسم الإشارة مسند إليه يمثل النكتة التي تقدمت.

وقرنت الجملة بالفاء للدلالة على شيء زائد على مفاد الاستثناء وهو أن توبتهم يعقبها رضى الله عنهم.

وفي «صحيح البحاري» عن ابن مسعود قال رسول الله: " للَّهُ أَفْرَحُ بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده ".

فجاء في الآية نظم بديع تقديره إلاّ الذين تابوا انقطعت عنهم اللعنة فأتوب عليهم، أي أرضى، وزاد توسط اسم الإشارة للدلالة على التعليل وهو إيجاز بديع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا ﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ.

﴿ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ.

والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ.

﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.

﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ.

والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.

﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ.

والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ.

( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ  ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ.

﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ.

﴿ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ.

فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا  ﴾ .

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ.

والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ.

﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ.

والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل، وخارجة بن زيد أخو الحرث بن الخزرج، نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ قال: هم أهل الكتاب.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...

﴾ الآية.

قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهو دين الله، وكتموا محمداً، وهم ﴿ يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنحيل ﴾ [ الأعراف: 157] ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: من ملائكة الله المؤمنين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: هم أهل الكتاب كتموا محمداً ونعته، وهم يجدونه مكتوباً عندهم حسداً وبغياً.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: زعموا أن رجلاً من اليهود كان له صديق من الأنصار يقال له ثعلبة بن غنمة، قال له: هل تجدون محمداً عندكم؟

قال: لا.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله: ﴿ أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: الجن والإِنس، وكل دابة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني آدم.

فقالت: تحبس عنا الغيث بذنوبهم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: إن البهائم إذا اشتدت عليهم السنة قالت: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: دواب الأرض العقارب والخنافس يقولون: إنما منعنا القطر بذنوبهم فليعنونهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي جعفر في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: كل شيء حتى الخنفساء.

وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الكافر يضرب ضربتين بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ يعني دواب الأرض» .

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: قال البراء بن عازب: إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح لا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين الجن والإِنس.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: الكافر إذا وضع في حفرته ضرب ضربة بمطرق، فيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإِنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه.

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الوهاب بن عطاء في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون...

﴾ الآية.

قال: سمعت الكلبي يقول: هم اليهود.

قال: ومن لعن شيئاً ليس هو بأهل رجعت اللعنة على يهودي، فذلك قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ .

وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق محمد بن مروان، أخبرني الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود في هذه الآية قال: هو الرجل يلعن صاحبه في أمر يرى أن قد أتى إليه، فترتفع اللعنة في السماء سريعاً، فلا تجد صاحبها التي قيلت له أهلاً، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده لها أهلاً، فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ فمن تاب منهم ارتفعت عنهم اللعنة، فكانت فيمن بقي من اليهود وهو قوله: ﴿ إلا الذين تابوا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سئل عن علم عنده فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» .

وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» .

وأخرج ابن ماجة والمرهبي في فضل العلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» .

وأخرج ابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله» .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد آتاه الله علماً فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجماً بلجام من نار» .

واخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامه ملجماً بلجام من نار» .

وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو مثله.

وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان قال: علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحداً بشيء أبداً، ثم تلا هذه الآية ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى.....

﴾ الآية.

وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ إلى قوله: ﴿ اللاعنون ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا ﴾ قال: ذلك كفارة له.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا ﴾ قال: أصلحوا ما بينهم وبين الله ﴿ وبينوا ﴾ الذي جاءهم من الله ولم يكتموه ولم يجحدوا به.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أتوب عليهم ﴾ يعني أتجاوز عنهم.

أما قوله تعالى: ﴿ وأنا التوّاب ﴾ .

أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي زرعة عمرو بن جرير قال: إن أول شيء كتب أنا التواب أتوب على من تاب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ﴾ قال المفسرون: نزلت في علماء اليهود (١)  ونعته (٢) (٣) ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ ﴾ : لبني إسرائيل (٤) ﴿ فِي الْكِتَابِ ﴾ : في التوراة (٥) وقوله تعالى: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ اختلفوا في اللاعنين ههنا: فقال ابن عباس: كلّ شيء إلا الجنّ والإنس (٦) ﴿ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ  ﴾ ، و ﴿ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ  ﴾ ، ﴿ وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا  ﴾ ﴿ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ (٧) وقال قتادة: هم الملائكة (٨) وقال عطاء: الجنّ والإنسان (٩) وقال ابن مسعود: ما تلاعن اثنان من المسلمين إلا (١٠)  ، وصفته (١١) (١) ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 50، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 411، وذكره مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 1/ 80، ورواه الطبري 2/ 53، وابن أبي حاتم 1/ 268 عن ابن عباس.

(٢) في (ش): (وبعثه).

(٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1301، وقد ذكر هذا الفرق بين البينات والهدى أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 458، وقال: والبينات هي: الحجج الدالة على نبوته  ، والهدى: الأمر باتباعه، أو الهدى والبينات، والجمع بينهما توكيد، وهو ما أبان عن نبوته وهدى إلى اتباعه.

وقد بين الطبري في "تفسيره" 2/ 52 البينات بقوله: البينات التي أنزلها الله: ما بين من أمر نبوة محمد  ومبعثه وصفته في الكتابين اللذين أخبر الله تعالى ذكره أن أهلهما يجدون صفته فيهما.

ويعني -تعالى ذكره- بالهدى: ما أوضح لهم من أمره في الكتب التي أنزلها على أنبيائهم.

(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 53، قال: لأن العلم بنبوة محمد  وصفته ومبعثه لم يكن إلا عند أهل الكتاب دون غيرهم، ثم قال: وهذه الآية وان كانت في خاصّ من الناس فإنها معنيّ بها كلُّ كاتمٍ علمًا فرض الله تعالى بيانه للناس.

وينظر: "تفسير الثعلبى" 1/ 1301، "البحر المحيط" 1/ 458.

(٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 53، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 269، "تفسير الثعلبي" 1/ 1301، و"تفسير البغوي" 1/ 175، وروى "الطبري" 2/ 53، عن قتادة أن المراد: التوراة والإنجيل، وروى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 269 عن الحسن أن الكتاب: القرآن، قال: وروي عن ابن عباس مثل ذلك، وقال في "البحر المحيط" 1/ 458: والأولى والأظهر عموم الآية في الكاتمين، وفي الناس، وفي الكتاب.

(٦) نسبه إلى ابن عباس: الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 235، والثعلبي "في تفسيره" 1/ 1303، والفراء في "معاني القرآن" 1/ 95، والبغوي في "معالم التنزيل" 1/ 175، ورواه الطبري "في تفسيره" 2/ 56 عن البراء بن عازب، والضحاك، وقريب منه قول مجاهد وعكرمة حيث قالا: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: مُنِعْنا القطرَ بذنوب بني آدم.

ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 54 - 55، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 269، وقد رده الطبري: بأنه قول لا تدرك حقيقته إلا بخبر عن الله، ولا خبر.

(٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 55، والثعلبي 1/ 1305، والقرطبي 2/ 171.

(٨) رواه عنه الطبري 2/ 52 إلا أنه قال في رواية: اللاعنون من ملائكة الله، ومن المؤمنين، وروى ذلك 2/ 56 عن الربيع بن أنس، وكذا رواه ابن أبي حاتم 1/ 269، ورجحه الطبري؛ لأن الله قد وصف الكفار بأن اللعنة التي تحل بهم إنما هي من الله والملائكة والناس أجمعين، في قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .

وبنحوه قال الزجاج.

(٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1303، والبغوي 1/ 175، وعزاه في "الدر المنثور" 1/ 296 إلى عبد بن حميد.

(١٠) في (أ) زيادة في الحاشية: (وليس أحدهما بمستحق للعن رجعت).

(١١) أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 4/ 303 من طريق السدي الصغير، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود، وهذا إسناد واه، وذكره الثعلبي 1/ 1304 ولفظه: هو الرجل يلعن صاحبه فترتفع اللعنة في السماء ثم تنحدر فلا تجد صاحبها الذي قيلت له أهلًا لذلك، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده أهلا، فتنطلق فتقع على اليهود، فهو قوله عز وجل ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ .

فمن تاب منهم ارتفعت اللعنة عنه فكانت في من بقي من اليهود.

وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 235، "تفسير البغوي" 1/ 175.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب التوراة هنا ﴿ اللاعنون ﴾ الملائكة والمؤمنون، وقيل: المخلوقات إلا الثقلين، وقيل: البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ : أي شرط في توبتهم أن يبينوا لأنهم كتموا ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص، لأن المؤمنين هم الذين يعتد بلعنهم للكافرين، وقيل يلعنهم جميع الناس ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي في اللعنة، وقيل في النار ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ من أنظر إذا أخر، أي لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: ﴿ لا ينظر إليهم ﴾ إلاّ أن يتعدّى بإلى ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد، والآخر: أنه لا شريك له، والثالث: أنه لا يتبعض ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله؛ لا إله إلاّ هو.

وأعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات الأولى: توحيد عامة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي اشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.

الدرجة الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحداً سواه إذ ليس يرى فاعلاً إلاّ إياه ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة.

وهذا الذي تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ من يطوع ﴾ بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي.

الوقوف: ﴿ شعائر الله ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ بهما ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿ عليم ﴾ ، ﴿ في الكتاب ﴾ لا لأن "أولئك" خبر "إن" ﴿ اللاعنون ﴾ لا للاستثناء ﴿ أتوب عليهم ﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا لأن "خالدين" حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿ والملائكة ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ فيها ﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ ينظرون ﴾ ه.

التفسير: إن في تعليق الآية بما قبلها وجوهاً منها: أن السعي بين الصفا والمروة من شرائع إبراهيم  كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة الذي فيه إحياء شرع إبراهيم.

ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى.

ومنها أن أقسام التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير إلى ذلك بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي  ﴾ وثانيها ما ركز في العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً وذلك قوله ﴿ ولنبلونكم  ﴾ الآية، وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبداً محضاً وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميماً للأحكام واستيفاءً لجميع الأقسام.

والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين المعروفين بمكة - زادها الله شرفاً.

والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل "ما تندى صفاته" والجمع صفا مقصور وأصفاء وصفي على "فعول" وإذا نعتوا الصخرة قالوا "صفاة صفواء" وإذا ذكروا قالوا "صفا صفوان" قال  ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ وعن الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة.

والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة.

وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أوهما من متعبداته.

وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد  ولإبراهيم  قبل ذلك كما مر قوله ﴿ وأرنا مناسكنا  ﴾ وليس السعي عبادة تامة في نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضاً من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ والحج لغة القصد.

رجل محجوج أي مقصود وهو أيضاً كثرة الاختلاف والتردد، وحج فلان فلاناً إذا أطال الاختلاف إليه.

ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة للنسك.

والحاج يأتي البيت أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر.

ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها.

والاعتمار لغة الزيارة.

فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ينصرف.

والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف.

والجناح الحرج والإثم من قولهم "جنح لكذا" أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل.

أو لأن الناس يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله ﴿ لا جناح عليه ﴾ يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.

وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر.

فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم مقامه لقوله  "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت لقوله  ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله  ﴾ ولما ثبت أنه  سعى فيجب علينا اتباعه لقوله  ﴿ واتبعوه ﴾ ولقوله  "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.

وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم.

وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج دليل الإباحة لقوله بعد ذلك ﴿ ومن تطوع خيراً ﴾ أجاب الشافعي بما يروى أنه كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلةٍ وهما صنمان.

كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك فرفع عنهم الجناح.

فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه.

فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا غلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت "لا جناح عليه أن يطوّف بهما" وأصل "يطوف" "يتطوف" فأدغم كمن قرأ "يطوع" بالتشديد وأصله "يتطوع" والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير إيجاب عليك.

ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب.

وعن الحسن: المراد منه جميع الطاعات.

وهذا أولى لعموم اللفظ ﴿ فإن الله شاكر ﴾ ، أي مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكراً تشبيهاً بجزاء النعمة، وفيه تلطف العباد مثل ﴿ من ذا الذي يقرض الله  ﴾ كأنه يقول: إني وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح عليّ أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل.

﴿ عليم ﴾ بالسرائر فيوفي كل ذي حق حقه.

وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضاً يحتمل التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين.

وقيل: هم أهل الكتاب.

وقيل: اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته  ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله  فيعم الحكم حسب عموم الوصف.

ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان.

وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم.

عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً  كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله  يقول ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ﴾ فحملت الآية على العموم.

وعن أبي هريرة قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة وتلا ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً.

فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها.

وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس.

وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل.

والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل.

وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد.

ولقوله ﴿ من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور.

وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى.

وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟

وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم.

ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم.

واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب.

وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام.

والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس.

وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿ أولئك ﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿ يلعنهم الله ﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ ويلعنهم ﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿ اللاعنون ﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين.

وقيل: يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم.

واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير لأنه  وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين  ﴾ ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم  ﴾ ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم  ﴾ وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه.

وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها  ﴾ وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله  .

وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق.

قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟

فيقول: لا أدري.

فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت ﴿ إلا الذين ﴾ استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه.

وقد مر أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿ وبينوا ﴾ ما كتموه أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ويقتدى بهم غيرهم من المفسدين ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله ﴿ وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا ﴾ عام في كل من كان كذلك.

وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين.

ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره.

والمراد بالناس اللاعنين من يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضاً فيعم المؤمن والكافر.

وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا تأمل في حاله.

وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافراً وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال.

وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على الكفر لم يكن ملعوناً ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ﴿ خالدين فيها ﴾ في اللعنة.

وقيل: في النار.

وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً لمكانها.

والأول أولى لتقدم ذكره لفظاً، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ولأنها تصح في الحال والمآل جميعاً بخلاف النار فإنها في الاستقبال.

فمن فسر "الذين كفروا" بالكاتمين وجوّز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث الطويل وقد سلف مثل ذلك ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ بل يتشابه في الأوقات باقياً على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ إذا استنظروا من الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا الله  من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله.

التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى.

ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله  ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى  ﴾ .

ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة.

فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار.

أهوى هواها لمن قد كان ساكنها *** وليس في الدار لي هم ولا وطر حسبي الله ونعم الوكيل.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ هي الحجج، أي كتموا ما أنزل الله من الحجج التي كانت في كتبهم.

وقيل: كتموا ما بين في كتبهم من نعت محمد  وصفته.

وجائز أن يكون ﴿ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ما بين للخلق مما عليهم أن يأتوا ويتقوا من الأحكام من الحلال والحرام.

وقوله: ﴿ وَٱلْهُدَىٰ ﴾ .

قيل: الصواب والرشد.

وقيل: ﴿ وَٱلْهُدَىٰ ﴾ ما جاءت به أنبياؤهم من شأن محمد  [ودينه وأمروا من هديه من تصديقه وقيل: كتموا الإسلام ومن دين الله كتموا محمداً  ]، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.

[وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ ﴾ اختلف في الناس.

قيل: هم اليهود كتموا بعد ما بين لهم].

وقيل: بينا للمؤمنين ما كتمهم اليهود من نعته ودينه.

ويحتمل: البيان بالحجج والبراهين.

ويحتمل: البيان بالخبر، أخبر المؤمنين بذلك.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، قال بعض أهل الكلام: اللعن: هو الشتم من الله  ، لكنا لا نستحسن إضافة لفظ الشتم إليه؛ لأن المضاف إليه الشتم يكون مذموماً به في المعروف مما جبل عليه الخلق.

ونقول: اللعن: هو الطرد في اللغة، طردهم الله عز وجل عن أبواب الخير.

وقوله: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ ، يعني الداعين عليهم باللعن، سموا بذلك "اللاعنين".

ويحتمل: تستبعدهم عن الخيرات وأنواع البر.

وقيل: ﴿ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ هم البهائم، إذا قحطت السماء، وأسنت الأرض قالت البهائم: منعنا القطر بذنوب بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ ﴾ .

قيل: ﴿ تَابُواْ ﴾ عن الشرك، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ صفة محمد  .

وقيل: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ عن الكتمان، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا بالكتمان، ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ ما كتموا.

وقوله: ﴿ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ .

قيل: يتوب عليهم: يقبل توبة من يتوب.

وقيل: يتوب عليهم، أي: يوفقهم على التوبة.

وقيل: ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ : هو المتجاوز عن ذنبهم في هذا الموضع.

وقيل: الكاشف عن كربهم.

وقوله: ﴿ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .

قيل: لعنة الله، هو إدخاله إياهم النار وإخلادهم فيها.

ولعنة الملائكة قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ  ﴾ جواباً لما سألوهم من تخفيف العذاب، كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ  ﴾ ، وكقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ \[المؤمنون: 107\]، فتقول لهم الملائكة: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، هذا ما قيل من لعنة الملائكة.

وقيل: لعنة الناس أجمعين، أنهم لما طلبوا من أهل الجنة الماء بقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ  ﴾ هذا لعنة الناس.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ .

قيل: لا يقالون ولا يردون إلى ما تمنوا، كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ  ﴾ .

وقيل: لا ينظرون ولا يؤجلون.

وقيل: لا يناظرهم خزان النار بالعذاب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يخفون ما أنزلنا من البينات الدالة على صدق النبي وما جاء به، من اليهود والنصارى، من بعد ما أظهرناه للناس في كتبهم؛ أولئك يطردهم الله من رحمته، ويدعو عليهم الملائكة والأنبياء والناس أجمعون بالطرد من رحمته.

<div class="verse-tafsir" id="91.y46L9"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

كان علماء أهل الكتاب يكتمون بعض ما في كتبهم بعدم ذكر نصوصه للناس عند الحاجة إليه أو السؤال عنه كالبشارات بالنبي  وصفاته، وكحكم رجم الزاني الذي ورد ذكره في سورة المائدة، ويكتمون بعضه بتحريف الكلم عن مواضعه بالترجمة أو النطق أو حمله على غير معاينه بالتأويل إتباعًا لأهوائهم، كما فعلوا بلفظ "الفارقليط"، ففضحهم الله تعالى بهذه الآيات التي سجلت عليهم وعلى أمثالهم اللعنة العامة الدائمة، قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ  ﴾ .

هذه الآية عود إلى أصل السياق وهو معاداة النبي ومعاندته من الكفار عامة ومن اليهود خاصة، والكلام في القبلة إنما كان في معرض جحودهم وعداوتهم أيضًا، وجاء فيه أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقًا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون، ولم يذكر هناك وعيد هؤلاء الكاتمين لان ذكر الكتمان ورد مورد الاحتجاج عليهم، وتسلية للنبي والمؤمنين على إيذائهم، ثم عاد هنا فذكره، وهو عبارة عن إنكارهم إخبار أنبيائهم عنه وبشارتهم به  ، وجعلهم ذلك حجة سلبية على إنكار نبوته، إذ كانوا يقولون: إن الأنبياء يبشر بعضهم ببعض ولم يبشروا بأن سيبعث نبي من العرب أبناء إسماعيل، ولم يجيء بيان في كتبهم عن دينه وكتابه.

فالله تعالى يقول: إنهم يكتمون ما أنزل الله في شأن محمد  من بعد ما بينه لهم في الكتاب، وهو اسم جنس يشمل جميع كتب الأنبياء عندهم.

وقد اختلف الناس في صفة هذا الكتمان فقال بعضهم أنهم كانوا يحذفون أوصافه والبشارات فيه من كتبهم، وهو غير معقول، إذ لا يمكن أن يتواطأ أهل الكتاب على ذلك في جميع الأقطار، ولو فعله الذين كانوا في بلاد العرب لظهر اختلاف كتبهم مع كتب إخوانهم في الشام وأوروبة مثلًا.

ويذهب آخرون إلى أن الإنكار كان بالتحريف والتأويل وحمل الأوصاف التي وردت فيه والدلائل التي تثبت نبوته على غيره حتى إذا سئلوا: هل لهذا النبي ذكر في كتبكم؟

قالوا: لا.

على أن في كتبهم أوصافًا لا تنطبق إلا على نبي في بلاد العرب وأظهرها ما في التوراة وكتاب"أشعيا"فإنه لا يقبل التأويل إلا بغاية التحمل والتعسف.

وكذلك فعلوا بالدلائل على نبوة المسيح فإنهم أنكروا انطباقها عليه وزعموا إنها لغيره، ولا يزالون ينتظرون ذلك الغير.

وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم لم يقتصروا على كتمان الشهادة للنبي  بالتأويل بل كتموا ما في الكتاب من الهدى والإرشاد بضروب التأويل أيضًا حتى أفسدوا الدين وانحرفوا بالناس عن صراطه وذكر جزاءهم فقال ﴿ أُولَٰئِكَ  ﴾ أي الذين كتموا البيانات والهدى فحرموا النور السابق والنور اللاحق، أو الذين شانهم هذا الكتمان في الحال والاستقبال ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ  ﴾ أما لعن الله لهم فهو حرمانهم من رحمته الخاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة.

وأما لعن اللاعنين لهم فليس معناه أنه ينبغي أن يطلب لعنهم، وإنما معناه أنهم بفعلتهم هذه موضع لعنة اللاعنين الآتي ذكرهم في الآية الآتية ﴿ إِلا الَّذِينَ تَابُوا  ﴾ عن الكتمان ﴿ وَأَصْلَحُوا  ﴾ عملهم بالأخذ بتلك البيانات عن النبي ودينه والهدى الذي جاء به ﴿ وَبَيَّنُوا  ﴾ ما كانوا يكتمونه أو بينوا إصلاحهم، وجاهروا بعملهم الصالح وأظهروه للناس، فان بعض الناس يعرف الحق، ويعمل به ولكنه يكتم عمله ويسره موافقة للناس فيما هم لئلا يعيبوه، وهذا ضرب من الشرك الخفي وإيثار الخلق على الحق، لذلك اشترط في توبتهم إظهار إصلاحهم والمجاهرة بأعمالهم ليكونوا حجة على المنكرين، وقدوة صالحة لضعفاء التائبين.

﴿ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ  ﴾ أي أرجع وأعود عليهم بالرحمة والرأفة، بعد الحرمان المعبر عنه باللعنة.

وهذا من ألطف أنواع التأديب الإلهي، فإنه لم يذكر أنه يقبل توبتهم كما هو الواقع، بل أسند إلى ذاته العلية فعل التوبة الذي أسنده إليهم، وزاد على ذلك من تأنيسهم وترغيبهم أن قال ﴿ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  ﴾ يصف نفسه سبحانه بكثرة الرجوع والتوبة، للإيذان بالتكرار، كلما أذنب العبد وتاب، حتى لا ييأس من رحمة ربه، إذا هو عاد إلى ذنبه.

فأي ترغيب في ذلك أبلغ من هذا وأشد تأثيرًا منه لمن يشعر ويعقل؟

ثم إن العبرة في الآية هي إن حكمها عام وإن كان سببها خاصًا، فكل من يكتم آيات الله وهدايته عن الناس فهو مستحق لهذه اللعنة.

ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه، حاولوا التفصي منه، فقال بعضهم: إن الكتمان لا يتحقق إلا إذا سئل العالم عن حكم الله تعالى فكتمه، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل الله تعالى ودعوة الناس إليه وبيانه لهم، وإنما يجب على العالم إن يجيب إذا سئل عما يعلمه، وزاد بعضهم إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره.

وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم وقبل اليوم بقرون، وقد ردها أهل العلم الصحيح فقالوا: إن القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان، بل أمر ببيان هداه للناس، وبالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوعد من يترك هذه الفريضة وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل كقوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ  ﴾ إلخ وقوله ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ  ﴾ -إلى قوله في المتفرقين عن الحق- ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ  ﴾ وقوله ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ  ﴾ -إلى قوله في عصيانهم الذي هو سبب لعنتهم- ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ  ﴾ إلخ فأخبر تعالى أنه لعن الأمة كلها لتركهم التناهي عن المنكر.

نعم إن هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكن لا يكفي في كل قطر واحدٌ كما قال بعض الفقهاء، بل لا بد أن تقوم به أمة من الناس كما قال الله تعالى، لتكون لهم قوة ولنهيهم وأمرهم تأثير.

وذهب بعض المؤولين مذهبًا آخر هو أن هذا الوعيد مخصوص بالكافرين، فترك المؤمن فريضة من الفرائض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكسر لا يستحق به وعيد الكافرين فليحقه بالكفار.

وهذا كلام قد ألفته الأسماع، وأُخذ بالتسليم واستعمل في الإفحام والإقناع، فإن الذي يسمعه على علاته يرى نفسه ملزمًا برمي تاركي الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر بالكفر، وذلك مخالف للقواعد التي وضعوها للعقائد فلا يستطيع أن يقول ذلك.

ولكنه إذا عرض على الله في الآخرة وعلى كتابه في الدنيا يظهر أنه لا قيمة له، وإذا بحثت فيه يظهر له أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه، ودين الله يداس جهارًا بين يديه، ويرى البدع تمحو السنن، والضلال يغشي الهدى، ولا ينبض له عرق ولا ينفعل له وجدان، ولا يندفع لنصرته بيد ولا بلسان، هو هذا الذي إذا قيل له إن فلانًا يريد أن يصادرك في شيء من رزقك "كالجراية مثلًا" أو يحاول أن يتقدم عليك عند الأمراء والحكام، تجيش في صدره المراجل، ويضطرب باله، ويتألم قلبه، وربما تجافى جنبه عن مضجعه، وهجر الرقادُ عينيه، ثم إنه يجد ويجتهد ويعمل الفكر في استنباط الحيل وإحكام التدبير لمدافعة ذلك الخصم أو الإيقاع به، فهل يكون لدين الله تعالى في نفس مثل هذا قيمته؟

وهل يصدق أن الإيمان قد تمكن من قلبه، البرهان عليه قد حكم عقله، والإذعان إليه قد أثلج صدره؟

يسهل على من نظر في بعض كتب العقائد التي بنيت على أساس الجدل أن يجادل نفسه ويغشها بما يسليها به من الأماني التي يسميها إيمانًا، ولكنه لو حاسبها فناقشها الحساب ورجع إلى عقله ووجدانه لعلم أنه اتخذ إلهه هواه، وأنه يعبد شهوته من دون الله، وأن صفات المؤمنين التي سردها الكتاب سردًا، وأحصاها عدًا، -وأظهرها بذل المال والنفس في سبيل الله ونشر الدعوة وتأييد الحق- كلها بريئة منه، وأن صفات المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كلها راسخة فيه.

فليحاسب امرؤ نفسه قبل أن يحاسب، وليتب إلى الله قبل حلول الأجل، لعله يتوب عليه وهو التواب الرحيم.

﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ  ﴾ تقدم في الآية السابقة استحقاق اللعن للكافرين بكتمان الحق، واستثنى منهم الذين يتوبون، ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها بيان أولئك الملعونين وشرط استحقاق اللعن الأبدي الذي يلزمه الخلود في دار الهوان وهو أن يموتوا على كفرهم فأولئك تسجل عليهم اللعنة ويخلدون فيها لا تنفعهم معها شفاعة ولا وسيلة.

قال بعض المفسرين: إن المراد بالناس هنا المؤمنون كأن غيرهم ليسوا من الناس، وحجتهم أن حمله على ظاهره وهو العموم لا يصدق على أهل دين أولئك الكفار ومذاهبهم فإنهم لا يلعنونهم...

وهو احتجاج ضعيف، فإن أهل مذاهبهم إذا كانوا لا يلعنون الأشخاص الذين يعرفونهم منهم، فهم إذا شرحت لهم أحوالهم في كفرهم وإصرارهم على غيهم، وإعراضهم عن سعادتهم، وحال الداعي إلى الحق معهم، وذكر لهم كيف يشاقونه ويعاندونه، فهم يلعنونهم أو يرونهم محلًا للعنة ومستحقين لأشد العقوبة، فإن المراد أن هؤلاء الكافرين المصرين على كفرهم إلى الموت أهل اللعنة وموضوع لها من الله ومن عالم الملائكة الروحانيين، ومن الناس أجمعين، فإن الكافر من الناس إذا ذكر له الكفر وأهله وعنادهم واستكبارهم عن الحق لعنهم، ولكنه قد يخطئ في حمل صفات الكفر على أصحابها.

والنكتة في ذكر لعنة الملائكة والناس مع أن لعنة الله وحده كافية في خزيهم ونكالهم، هي بيان إن جميع من يعلم حالهم من العوالم العلوية والسفلية يراهم محلًا للعنة الله ومقته، فلا يرجى أن يرأف بهم رائف، ولا إن يشفع لهم شافع، لان اللعنة صبت عليهم باستحقاق عند جميع من يعقل ويعلم.

ومن حرمه سوء سعيه من رحمة الرؤوف الرحيم فماذا يرجو من سواه؟

﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ  ﴾ أي ماكثين في هذه اللعنة وما تقتضيه من شدة العذاب، لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا هم ينظرون أي يمهلون من"الإنظار"ليتوبوا ويصلحوا، أو لا ينظر إليهم نظر مغفرة ورحمة، وقالوا إن الخلود في اللعنة عبارة عن الخلود في أثرها وهو النار بقرينة ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل