الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٦٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 83 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٦٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه فقال : ( إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ) أي : رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أعمالهم وأحوالهم وبينوا للناس ما كانوا كتموه ( فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) وفي هذا دلالة على أن الداعية إلى كفر ، أو بدعة إذا تاب إلى الله تاب الله عليه .
وقد ورد أن الأمم السابقة لم تكن التوبة تقبل من مثل هؤلاء منهم ، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلوات الله وسلامه عليه .
ثم أخبر تعالى عمن كفر به واستمر به الحال إلى مماته بأن ( عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها ) أي : في اللعنة التابعة لهم إلى يوم القيامة ثم المصاحبة لهم في نار جهنم التي ( لا يخفف عنهم العذاب ) فيها ، أي : لا ينقص عما هم فيه ( ولا هم ينظرون ) أي : لا يغير عنهم ساعة واحدة ، ولا يفتر ، بل هو متواصل دائم ، فنعوذ بالله من ذلك .
وقال أبو العالية وقتادة : إن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ، ثم تلعنه الملائكة ، ثم يلعنه الناس أجمعون .
القول في تأويل قوله تعالى : إِلا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: أن الله واللاعنين يَلعنون الكاتمين الناس ما علموا من أمر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصفته ونعته في الكتاب الذي أنـزله الله وبَيَّنه للناس, إلا من أناب من كتمانه ذلك منهم؛ ورَاجع التوبة بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم, والإقرار به وبنبوّته, وتصديقه فيما جاء به من عند الله، وبيان ما أنـزل الله في كتبه التي أنـزل إلى أنبيائه، من الأمر باتباعه؛ وأصلح حالَ نفسه بالتقرب إلى الله من صَالح الأعمال بما يُرضيه عنه؛ وبيَّن الذي عَلم من وَحي الله الذي أنـزله إلى أنبيائه وعهد إليهم في كتبه فلم يكتمه، وأظهرَه فلم يُخفِه =" فأولئك ", يعني: هؤلاء الذين فَعلوا هذا الذي وصفت منهم, هم الذين أتوب عليهم, فأجعلهم من أهل الإياب إلى طاعتي، والإنابة إلى مَرضَاتي.
ثم قال تعالى ذكره: " وَأنا التواب الرحيم "، يقول: وأنا الذي أرجع بقلوب عبيدي المنصرفة عنّى إليَّ, والرادُّها بعد إدبارها عَن طاعتي إلى طلب محبتي, والرحيم بالمقبلين بعد إقبالهم إليَّ، أتغمدهم مني بعفو، وأصفح عن عظيم ما كانوا اجترموا فيما بيني وبينهم، بفضل رحمتي لهم.
* * * فإن قال قائل: وكيف يُتاب على من تاب؟
وما وَجه قوله: " إلا الذينَ تابوا فأولئك أتوب عليهم "؟
وهل يكون تائبٌ إلا وهو مَتُوب عليه، أو متوب عليه إلا وهو تائب؟
قيل: ذلك مما لا يكون أحدُهما إلا والآخر معه, فسواء قيل: إلا الذين تِيبَ عليهم فتابوا - أو قيل: إلا الذين تابوا فإني أتوب عليهم.
وقد بيَّنا وَجه ذلك &; 3-260 &; فيما جاء من الكلام هذا المجيء، في نظيره فيما مضى من كتابنا هذا, فكرهنا إعادته في هذا الموضع.
(82) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 2390- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة في قوله: " إلا الذين تابوا وأصلحوا وبَيَّنوا "، يقول: أصلحوا فيما بينهم وبين الله, وبيَّنوا الذي جاءهم من الله, فلم يكتموه ولم يجحدوا به: أولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم.
2391- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " إلا الذين تَابوا وأصلحوا وبَينوا " قال، بيّنوا ما في كتاب الله للمؤمنين, وما سألوهم عنه من أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
وهذا كله في يهود.
* * * قال أبو جعفر: وقد زعم بعضهم أن معنى قوله: " وبيَّنوا "، إنما هو: وبينوا التوبة بإخلاص العمل.
ودليل ظاهر الكتاب والتنـزيل بخلافه.
لأن القوم إنما عوتبوا قبل هذه الآية، (83) على كتمانهم ما أنـزلَ الله تعالى ذكره وبينه في كتابه، في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، ثم استثنى منهم تعالى ذكره الذين يبينون أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ودينه، فيتوبون مما كانوا عليه من الجحود والكتمان, فأخرجهم من عِداد مَنْ يَلعنه الله ويَلعنه اللاعنون (84) = ولم يكن العتاب على تركهم تبيين التوبة بإخلاص العمل.
والذين استثنى اللهُ من الذين يكتمون ما أنـزل الله من البينات والهدى من بعد &; 3-261 &; ما بيَّنه للناس في الكتاب، (85) عبدُ الله بن سلام وذَووه من أهل الكتاب، (86) الذين أسلموا فحسن إسلامهم، واتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم.
----------- الهوامش : (82) انظر ما سلف 2 : 549 .
(83) في المطبوعة : "في مثل هذه الآية" ، وهو خطأ ، والصواب ما أثبت .
(84) في المطبوعة : "فأخرجهم من عذاب من يلعنه الله" ، وهو تصحيف ، صوابه ما أثبت .
(85) في المطبوعة : "من بعد ما بيناه للناس" ، وهو خطأ وسهو .
(86) قوله : "وذووه" ، أي أصحابه وأهل ملته ، بإضافة"ذو" إلى الضمير ، وللنحاة فيه قول كثير ، وزعموا أن ذلك يكون في ضرورة الشعر ، وليس كذلك ، بل هو آت في النثر قديمًا ، بمثل ما استعمله الطبري .
قوله تعالى : إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيمقوله تعالى : إلا الذين تابوا استثنى تعالى التائبين الصالحين لأعمالهم وأقوالهم المنيبين لتوبتهم .
ولا يكفي في التوبة عند علمائنا قول القائل : قد تبت ، حتى يظهر منه في الثاني خلاف الأول ، فإن كان مرتدا رجع إلى الإسلام مظهرا شرائعه ، وإن كان من أهل المعاصي ظهر منه العمل الصالح ، وجانب أهل الفساد والأحوال التي كان عليها ، وإن كان من أهل الأوثان جانبهم وخالط أهل الإسلام ، وهكذا يظهر عكس ما كان عليه .
وسيأتي بيان التوبة وأحكامها في " النساء " إن شاء الله تعالى .وقال بعض العلماء في قوله : وبينوا أي بكسر الخمر وإراقتها .
وقيل : بينوا يعني ما في التوراة من نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ووجوب اتباعه .
والعموم أولى على ما بيناه ، أي بينوا خلاف ما كانوا عليه ، والله تعالى أعلم .
فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم تقدم والحمد لله .
{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا } أي رجعوا عما هم عليه من الذنوب, ندما وإقلاعا, وعزما على عدم المعاودة { وَأَصْلَحُوا } ما فسد من أعمالهم، فلا يكفي ترك القبيح حتى يحصل فعل الحسن.
ولا يكفي ذلك في الكاتم أيضا, حتى يبين ما كتمه, ويبدي ضد ما أخفى، فهذا يتوب الله عليه, لأن توبة الله غير محجوب عنها، فمن أتى بسبب التوبة, تاب الله عليه, لأنه { التَّوَّابُ } أي: الرجاع على عباده بالعفو والصفح, بعد الذنب إذا تابوا, وبالإحسان والنعم بعد المنع, إذا رجعوا، { الرَّحِيمُ } الذي اتصف بالرحمة العظيمة, التي وسعت كل شيء ومن رحمته أن وفقهم للتوبة والإنابة فتابوا وأنابوا, ثم رحمهم بأن قبل ذلك منهم, لطفا وكرما, هذا حكم التائب من الذنب.
فقال: {إلا الذين تابوا} من الكفر.
{وأصلحوا} أسلموا وأصلحوا الأعمال فيما بينهم وبين ربهم.
{وبينوا} ما كتموا.
{فأولئك أتوب عليهم } أتجاوز عنهم وأقبل توبتهم.
{وأنا التواب} الرجاع بقلوب عبادي المنصرفة عني إلي.
{الرحيم} بهم بعد إقبالهم علي.
«إلا الذين تابوا» رجعوا عن ذلك «وأصلحوا» عملهم «وبيَّنوا» ما كتموا «فأولئك أتوب عليهم» أقبل توبتهم «وأنا التواب الرحيم» بالمؤمنين.
إلا الذين رجعوا مستغفرين الله من خطاياهم، وأصلحوا ما أفسدوه، وبَيَّنوا ما كتموه، فأولئك أقبل توبتهم وأجازيهم بالمغفرة، وأنا التواب على من تاب من عبادي، الرحيم بهم؛ إذ وفقتُهم للتوبة وقبلتها منهم.
فقال - تعالى - : ( إِلاَّ الذين تَابُواْ ) أي : رجعوا عن الكتمان وعن سائر ما يجب أن يتاب عنه ، وندموا على ما صدر عنهم ( وَأَصْلَحُواْ ) ما أفسده بالكتمان بكل وسيلة ممكنة ( وَبَيَّنُواْ ) للناس حقيقة ما كتموه ( فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ) أي : أقبل توبتهم ، وأفيض عليهم من رحمتي ومغفرتي ، ( وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ) أي : المبالغ في قبول التوبة ونشر الرحمة .
اعلم أنه تعالى لما بين عظيم الوعيد في الذين يكتمون ما أنزل الله كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال، فبين تعالى أنهم إذا تابوا تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعيد، وقد ذكرنا أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لا لغرض سواه، لأن من ترك رد الوديعة ثم ندم عليه لأن الناس ذموه، أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً، وكذلك لو عزم على رد كل وديعة، والقيام بكل واجب، لكي تقبل شهادته، أو يمدح بالثناء عليه لم يكن تائباً، وهذا معنى الإخلاص في التوبة ثم بين تعالى أنه لابد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده مثلاً لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه يلزمه إزالة تلك الشبهة، ثم بين ثالثاً أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان، وهو البيان وهو المراد بقوله: ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ فدلت هذه الآية على أن التوبة لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي وبفعل كل ما ينبغي، قالت المعتزلة: الآية تدل على أن التوبة عن بعض المعاصي مع الإصرار على البعض لا تصح، لأن قوله: ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ عام في الكل.
والجواب عنه: أن اللفظ المطلق يكفي في صدقه حصول فرد واحد من أفراده.
قال أصحابنا: تدل الآية على أن قبول التوبة غير واجب عقلاً، لأنه تعالى ذكر ذلك في معرض المدح والثناء على نفسه ولو كان كذلك واجباً لما حسن هذا المدح ومعنى: ﴿ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ أقبل توبتهم وقبول التوبة يتضمن إزالة عقاب ما تاب منها فإن قيل: هلا قلتم أن معنى ﴿ فأولئك أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ هو قبول التوبة بمعنى المجازاة والثواب كما تقولون في قبول الطاعة قلنا: الطاعة إنما أفاد قبولها استحقاق الثواب، لأنه لا يستحق بها سواه وهو الغرض بفعلها وليس كذلك التوبة لأنها موضوعة لاسقاط العقاب، وهو الغرض بفعلها، وإن كان لابد من أن يستحق بها الثواب إذا لم يكن مخطئاً، ومعنى قوله: ﴿ وَأَنَا التواب ﴾ القابل لتوبة كل ذي توبة فهو مبالغة في هذا الباب، ومعنى الرحيم عقيب ذلك: التنبيه على أنه لرحمته بالمكلفين من عباده، يقبل توبتهم بعد التفريط العظيم منهم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم، وتداركوا ما فرط منهم ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ ما بينه الله في كتابهم فكتموه، أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليمحوا سمة الكفر عنهم، ويعرفوا بضدّ ما كانوا يعرفون به، ويقتدي بهم غيرهم من المفسدين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ كَأحْبارِ اليَهُودِ.
﴿ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ ﴾ كالآياتِ الشّاهِدَةِ عَلى أمْرِ مُحَمَّدٍ .
﴿ والهُدى ﴾ وما يَهْدِي إلى وُجُوبِ اتِّباعِهِ والإيمانِ بِهِ.
﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ ﴾ لَخَّصْناهُ.
﴿ فِي الكِتابِ ﴾ في التَّوْراةِ.
﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ أيِ الَّذِينَ يَتَأتّى مِنهُمُ اللَّعْنُ عَلَيْهِمْ مِنَ المَلائِكَةِ والثَّقَلَيْنِ.
﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ عَنِ الكِتْمانِ وسائِرِ ما يَجِبُ أنْ يُتابَ عَنْهُ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا بِالتَّدارُكِ.
﴿ وَبَيَّنُوا ﴾ ما بَيَّنَهُ اللَّهُ في كِتابِهِمْ لِتَتِمَّ تَوْبَتُهم.
وقِيلَ ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ لِيَمْحُوا بِهِ سِمَةَ الكُفْرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ ويَقْتَدِيَ بِهِمْ أضْرابُهم ﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالقَبُولِ والمَغْفِرَةِ.
﴿ وَأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ ﴾ المُبالِغُ في قَبُولِ التَّوْبَةِ وإفاضَةِ الرَّحْمَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{إِلاَّ الذين تَابُواْ} عن الكتمان وترك الإيمان {وَأَصْلَحُواْ} ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم {وَبَيَّنُواْ} وأظهروا ما كتموا {فأولئك أَتُوبُ عَلَيْهِمْ} أقبل توبتهم {وَأَنَا التواب الرحيم}
﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ أيْ: رَجَعُوا عَنِ الكِتْمانِ أوْ عَنْهُ، وعَنْ سائِرِ ما يَجِبُ أنْ يُتابَ عَنْهُ بِناءً عَلى أنَّ حَذْفَ المَعْمُولِ يُفِيدُ العُمُومَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ التَّوْبَةَ عَنِ الكِتْمانِ فَقَطْ لا يُوجِبُ صَرْفَ اللَّعْنِ عَنْهم ما لَمْ يَتُوبُوا عَنِ الجَمِيعِ، فَإنَّ لِلَعْنِهِمْ أسْبابًا جَمَّةً.
﴿ وأصْلَحُوا ﴾ ما أفْسَدُوا بِالتَّدارُكِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِحُقُوقِ الحَقِّ والخَلْقِ، ومِن ذَلِكَ أنْ يُصْلِحُوا قَوْمَهم بِالإرْشادِ إلى الإسْلامِ بَعْدَ الإضْلالِ، وأنْ يُزِيلُوا الكَلامَ المُحَرَّفَ، ويَكْتُبُوا مَكانَهُ ما كانُوا أزالُوهُ عِنْدَ التَّحْرِيفِ.
﴿ وبَيَّنُوا ﴾ أيْ: أظْهَرُوا ما بَيَّنَهُ اللَّهُ - تَعالى - لِلنّاسِ مُعايَنَةً وبِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ تَتِمُّ التَّوْبَةُ، وقِيلَ: أظْهَرُوا ما أحْدَثُوهُ مِنَ التَّوْبَةِ لِيَمْحُوا سِمَةَ الكُفْرِ عَنْ أنْفُسِهِمْ، ويَقْتَدِي بِهِمْ أضْرابُهُمْ، فَإنَّ إظْهارَ التَّوْبَةِ مِمَّنْ يُقْتَدى بِهِ شَرْطٌ فِيها عَلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ بَعْضُ الآثارِ، وفِيهِ أنَّ الصَّحِيحَ أنَّ إظْهارَ التَّوْبَةِ إنَّما هو لِدَفْعِ مَعْصِيَةِ المُتابَعَةِ، ولَيْسَ شَرْطًا في التَّوْبَةِ عَنْ أصْلِ المَعْصِيَةِ، فَهو داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأصْلَحُوا ﴾ .
﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ بِالقَبُولِ وإفاضَةِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.
﴿وأنا التَّوّابُ الرَّحِيمُ 160﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ تَذْيِيلٌ لَهُ، والِالتِفاتُ إلى التَّكَلُّمِ لِلِافْتِنانِ مَعَ ما فِيهِ مِنَ الرَّمْزِ إلى اخْتِلافِ مَبْدَأٍ، فَعَلَيْهِ السّابِقُ واللّاحِقُ.
﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ : المَوْصُولُ لِلْعَهْدِ كَما هو الأصْلُ، والمُرادُ بِهِ الَّذِينَ كَتَمُوا، وعَبَّرَ عَنِ الكِتْمانِ بِالكُفْرِ نَعْيًا عَلَيْهِمْ بِهِ، والجُمْلَةُ عَدِيلَةٌ لِما فِيها.
( إلّا ) ولَمْ تُعْطَفْ عَلَيْها إشارَةً إلى كَمالِ التَّبايُنِ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ، والآيَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلى الجَمْعِ والتَّفْرِيقِ جَمْعَ الكاتِمِينَ في حُكْمٍ واحِدٍ، وهو أنَّهم مَلْعُونُونَ، ثُمَّ فَرَّقَ فَقالَ: أمّا الَّذِينَ تابُوا فَقَدْ تابَ اللَّهُ - تَعالى - عَلَيْهِمْ، وأزالَ عَنْهم عُقُوبَةَ اللَّعْنَةِ، وأمّا الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكِتْمانِ ولَمْ يَتُوبُوا عَنْهُ فَقَدِ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْهِمُ اللَّعْنَةُ، ولَمْ تَزُلْ عَنْهم.
وأوْرَدَ كَلِمَةَ الِاسْتِثْناءِ في الجُمْلَةِ الأوْلى، مَعَ أنَّهُ لَيْسَ لِلْإخْراجِ عَنِ الحُكْمِ السّابِقِ، بَلْ هو بِمَعْنى ( لَكِنْ ) لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ التَّوْبَةَ صارَتْ مُكَفِّرَةً لِلَّعْنِ عَنْهُمْ، فَكَأنَّهم لَمْ يُباشَرُوا ولَمْ يَدْخُلُوا تَحْتَهُ - قالَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ - وفِيهِ ارْتِكابُ خِلافِ الظّاهِرِ في الِاسْتِثْناءِ، ولِهَذا قالَ البَعْضُ: إنَّ المُرادَ بِالجُمْلَةِ المُسْتَثْنى مِنها بَيانُ دَوامِ اللَّعْنِ واسْتِمْرارُهُ، وعَلَيْهِ يَدُورُ الِاسْتِثْناءُ المُتَّصِلُ، وجُمْلَةُ ( إنْ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلَخْ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَحْقِيقِ بَقاءِ اللَّعْنِ فِيما وراءَ الِاسْتِثْناءِ، وتَأْكِيدِ دَوامِهِ واسْتِمْرارِهِ عَلى غَيْرِ التّائِبِينَ، والِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِ الكُفْرِ في الصِّلَةِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِعَدَمِ التَّوْبَةِ والإصْلاحِ، والتَّبْيِينُ مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ وُجُودَ الكُفْرِ مُسْتَلْزِمٌ لِعَدَمِها جَمِيعِها، كَما أنَّ وُجُودَها مُسْتَلْزِمٌ لِلْإيمانِ المُوجِبِ لِعَدَمِ الكُفْرِ، ولِذا لَمْ يُصَرِّحْ بِالإيمانِ في صِفاتِ التّائِبِينَ، والفَرْقُ بَيْنَ الدَّوامَيْنِ أنَّ الأوَّلَ تُجَدُّدِيٌّ، والثّانِي ثُبُوتِيٌّ، ولا يَخْفى أنَّ هَذا أوْفَقُ بِظاهِرِ اللَّفْظِ، وما ذَكَرَهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أجْزَلُ مَعْنًى وأعْلى كَعْبًا وأدَقُّ نَظَرًا، وقِيلَ: المَوْصُولُ عامٌّ للَّذِينَ كَتَمُوا وغَيْرَهم كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ الصِّلَةِ، والآيَةُ مِن بابِ التَّذْيِيلِ، فَيَدْخُلُ الكاتِمُونَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى الكِتْمانِ دُخُولًا أوَّلِيًّا، واعْتُرِضَ بِأنَّ تَقْيِيدَ الوَعِيدِ بِعَدَمِ التَّخْفِيفِ أعْدَلُ شاهِدٍ عَلى أنَّ الآيَةَ في شَأْنِ الكاتِمِينَ الَّذِينَ ماتُوا عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم أشَدُّ الكَفَرَةِ وأخْبَثُهُمْ، فَإنَّ الوَعِيدَ في حَقِّ الكَفَرَةِ مُطْلَقُ الخُلُودِ في النّارِ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ هَذا في حَيِّزِ المَنعِ، بَلْ ما مِن كافِرٍ جَهَنَّمِيٍّ إلّا وحالُهُ يَوْمَ القِيامَةِ طِبْقُ ما ذُكِرَ في الآيَةِ، ولا أظُنُّكَ في مِرْيَةٍ مِن ذَلِكَ بَعْدَ سَماعِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ المُجْرِمِينَ في عَذابِ جَهَنَّمَ خالِدُونَ ﴾ ﴿ لا يُفَتَّرُ عَنْهم وهم فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ فَلا يَبْعُدُ القَوْلُ بِحُسْنِ هَذا القِيلِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الإمامُ، وكَلامُ الطِّيبِيِّ يُشِيرُ إلى حُسْنِهِ وطِيبِهِ فَتَدَبَّرْ.
<div class="verse-tafsir"
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مآ أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ نزلت في شأن رؤساء اليهود، منهم كعب بن الأشرف ومالك بن الصيف وابن صوريا، يقول: يكتمون ما أنزلنا في التوراة من البينات: الحلال والحرام وآية الرجم.
وَالْهُدى، يعني أمر محمد مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ، أي في التوراة.
ويقال: في القرآن أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، أي يخذلهم الله ويلعنهم اللاعنون قال ابن عباس: وذلك أن الكافر إذا وضع في قبره، سئل من ربك وما دينك؟
فيقول: لا أدري.
فيقال له: ما دريت فهكذا كنت في الدنيا، ثم يضربه ضربة يصيح منها صيحة يسمعه كل شيء إلا الثقلين، فلا يسمع صوته شيء إلا يلعنه.
فذلك قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ وروي عن ابن مسعود أنه قال: إذا تلاعن اثنان، فإن كان أحدهما مستحقاً للعنة رجعت اللعنة إليه، وإن لم يكن يستحق أحدهما اللعنة ارتفعت اللعنة إلى السماء، فلم تجد هناك موضعاً فتنحدر فترجع إلى الذي تكلم بها إن كان أهلاً لذلك وَإِنَّ لم يكن أهلاً لذلك رجعت إلى الكفار، وفي بعض الروايات إلى اليهود.
فذلك قوله تعالى: وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ.
ثم استثنى التائبين من اللعنة، فقال تعالى: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِن الكفر واليهودية وَأَصْلَحُوا أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم.
ويقال: معناه وأصلحوا لمن أفسد من السفلة، وبينوا صفته في كتبهم.
قوله: فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ، أي أتجاوز عنهم.
وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ المتجاوز لمن تاب ورجع فتقبل توبته.
<div class="verse-tafsir"
اللَّهَ كَتَبَ عَلَيكُمُ السَّعْيَ، فاسعوا» ، صحَّحه الدارقطنيُّ «١» ويعضِّده المعنى، فإنه شعار، أي: معلم لا يخلو عنه الحجُّ والعمرة، فكان ركناً كالطواف.
انتهى.
وَمَنْ تَطَوَّعَ: أي: زاد بِرًّا بعد الواجبِ في جميع الأعمال، وقال بعضهم: معناه:
من تطوَّع بحجٍّ أو عمرةٍ بعد حجَّةِ الفريضةِ، ومعنى شاكِرٌ، أي: يبذل الثوابَ والجزاءَ، عَلِيمٌ: بالنيات والأعمال لا يضيعُ معه لعاملٍ عمل.
وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنْزَلْنا ...
الآيةَ: المراد ب «الذين» : أحبار اليهود «٢» ، ورهبانُ النصارى الذين كتموا أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم وتتناول الآية بَعْدُ كلَّ من كتم علمًا من دين اللَّه يُحْتَاجُ إلى بَثِّهِ، وذلك مفسّر في قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ، فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القيامة بلجام من النّار» «٣» .
قال ابن العربيِّ «١» : وللآية تحقيقٌ، وهو أن العَالِمَ إِذا قصد الكتمانَ، عصى، وإِذا لم يقصده، لم يلزمْهُ التبليغُ، إذا عرف أن معه غيره، وقد كان أبو بكر وعمر لا يحدِّثان بكلِّ ما سمعا من النبيِّ صلّى الله عليه وسلم إِلاَّ عند الحاجةِ، وكان الزُّبَيْرُ أقلَّهم حديثاً، ثم قال ابنُ العَرَبِيِّ: فأما من سئل، فقد وجَبَ عليه التبليغُ لهذه الآية، وأما إِن لم يُسْأل، فلا يلزمُ التبليغ إِلا في القرآن وحْده، وقد ثَبَتَ عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم في فضيلةِ التبْلِيغِ بأنَّه قال: «نَضَّرَ اللَّهُ امرأ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا» «٢» انتهى من «أحكام القرآن» .
والْبَيِّناتِ وَالْهُدى: أمر محمّد صلّى الله عليه وسلم ثم يعمُّ بعدُ كلَّ ما يكتم من خير، وفِي الْكِتابِ يراد به التوراةُ والإنجيلُ، ويدخل القرآن في عموم الآية.
واختلف في «اللاَّعِنينَ» .
فقال قتادة، والربيع: الملائِكةُ والمؤمنون «١» ، وهذا ظاهرٌ واضحٌ، وقيل: الحشرات والبهائمُ «٢» ، وقيل: جميع المخلوقات ما عدا الثقلين الجنّ
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ .
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إلّا الَّذِينَ تابُوا مِنَ اليَهُودِ وأصْلَحُوا أعْمالَهم، وبَيَّنُوا صِفَةَ رَسُولِ اللَّهِ في كِتابِهِمْ.
* فَصْلٌ وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الآَيَةَ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ مَنسُوخَةٌ بِالاسْتِثْناءِ في هَذِهِ، وهَذا لَيْسَ بِنَسْخٍ، لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ إخْراجُ بَعْضِ ما شَمِلَهُ اللَّفْظُ، وذَلِكَ يَقْتَضِي التَّخْصِيصُ دُونَ النَّسْخِ، ومِمّا يُحَقِّقُ هَذا أنَّ النّاسِخَ والمَنسُوخَ لا يُمْكِنُ العَمَلُ بِأحَدِهِما إلّا بِتَرْكِ العَمَلِ بِالآَخَرِ، وهاهُنا يُمْكِنُ العَمَلُ بِالمُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللهِ شاكِرٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى مِنَ بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ ﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ وأنا التَوّابُ الرَحِيمُ ﴾ ﴿ الصَفا والمَرْوَةَ ﴾ : جَبِيلانِ بِمَكَّةَ.
و"الصَفا" جُمِعَ صَفاةٌ، وقِيلَ هُوَ: اسْمٌ مُفْرَدٌ جَمْعُهُ صَفًى وأصْفاءُ، وهي الصَخْرَةُ العَظِيمَةُ، قالَ الراجِزُ: ......................................
مَواقِعُ الطَيْرِ عَلى الصَفى وقِيلَ: مِن شُرُوطِ الصَفّا البَياضُ والصَلابَةُ.
و"المَرْوَةَ": واحِدَةُ المَرْوِ، وهي الحِجارَةُ الصِغارُ الَّتِي فِيها لِينٌ.
ومِنهُ قَوْلُ الَّذِي أصابَ شاتَهُ المَوْتُ مِنَ الصَحابَةِ: فَذَكَّيْتَها بِمَرْوَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الأمِينِ: أخْرِجْنِي إلى أخِي، فَإنْ قَتَلَنِي فَمَرْوَةٌ كَسَرَتْ مَرْوَةَ، وصَمْصامَةٌ قَطَعَتْ صَمْصامَةَ، وقَدْ قِيلَ في المُرُوِ: إنَّها الصِلابُ، قالَ الشاعِرُ: وتَوَلّى الأرْضَ خُفًّا ذابِلًا ∗∗∗ فَإذا ما صادَفَ المَرْوَ رَضَخْ والصَحِيحُ أنَّ المَرْوَ الحِجارَةُ صَلِيبُها ورِخْوُها الَّذِي يَتَشَظّى وتَرِقُّ حاشِيَتُهُ وفي هَذا يُقالُ المَرْوُ أكْثَرُ، وقَدْ يُقالُ في الصَلِيبِ، وتَأمَّلْ قَوْلَ أبِي ذُؤَيْبٍ: حَتّى كَأنِّي لِلْحَوادِثِ مَرْوَةٌ ∗∗∗ بِصَفا المُشَقَّرِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ وجُبَيْلُ الصَفا بِمَكَّةَ صَلِيبٌ، وجُبَيْلُ المَرْوَةَ إلى اللِينِ ماهِقُ، فَبِذَلِكَ سُمِّيا.
قالَ قَوْمٌ: ذَكَرَ الصَفا لِأنَّ آدَمَ وقَفَ عَلَيْهِ، ووَقَفَتْ حَوّاءُ ١ عَلى المَرْوَةِ فَأُنِّثَتْ لِذَلِكَ.
وَقالَ الشَعْبِيُّ: كانَ عَلى الصَفا صَنَمٌ يُدْعى إسافًا وعَلى المَرْوَةِ صَنَمٌ يُدْعى نائِلَةَ فاطَّرَدَ ذَلِكَ في التَذْكِيرِ والتَأْنِيثِ، وقُدِّمَ المُذَكَّرُ.
و ﴿ مِن شَعائِرِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: مِن مَعالِمِهِ ومَواضِعِ عِبادَتِهِ، وهي جَمْعُ شُعَيْرَةَ أو شُعارَةَ.
وقالَ مُجاهِدٌ: ذَلِكَ راجِعٌ إلى القَوْلِ، أيْ مِمّا أشْعَرَكُمُ اللهُ بِفَضْلِهِ، مَأْخُوذٌ مِن تَشَعَّرْتُ إذا تَحَسَّسْتُ، وشَعُرَتْ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعارِ وهو ما يَلِي الجَسَدَ مِنَ الثِيابِ، والشِعارُ مَأْخُوذٌ مِنَ الشِعْرِ.
ومِن هَذِهِ اللَفْظَةِ هو الشاعِرُ.
و"حَجَّ" مَعْناهُ: قَصَدَ وتَكَرَّرَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وأشْهَدُ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثِيرَةً ∗∗∗ يَحُجُّونَ سَبَّ الزَبْرَقانِ المُزَعْفَرا ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: يَحُجُّ مَأْمُومَةً في قَعْرِها لَجَفٌ ∗∗∗......................................
و"اعْتَمَرَ" زارَ وتَكَرَّرَ، مَأْخُوذٌ مَن عَمَّرْتُ المَوْضِعَ.
والـ "جُناحَ": الإثْمُ والمَيْلُ عَنِ الحَقِّ والطاعَةِ.
ومِنَ اللَفْظَةِ الجَناحُ لِأنَّهُ في شِقٍّ، ومِنهُ قِيلَ لِلْخِباءِ: جُناحٌ لِتَمايُلِهِ وكَوْنِهِ كَذِي أجْنِحَةٍ، ومِنهُ: ﴿ وَإنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فاجْنَحْ لَها ﴾ .
وَ"يَطَّوَّفَ" أصْلُهُ يَتَطَوَّفُ، سَكَنَتِ التاءُ وأُدْغِمَتْ في الطاءِ، وقَرَأ أبُو السَمالِ: "أنْ يُطافَ"، وأصْلُهُ يَطْتُوفُ، تَحَرَّكَتِ الواوُ وانْفَتَحَ ما قَبْلَها فانْقَلَبَتْ ألِفًا فَجاءَ يَطْتافُ، أُدْغِمَتِ التاءُ بَعْدَ الإسْكانِ في الطاءِ عَلى مَذْهَبِ مَن أجازَ إدْغامَ الثانِي في الأوَّلِ كَما جاءَ في "مُدَّكِرٍ"، ومَن لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ قالَ: قُلِبَتِ التاءُ طاءً، ثُمَّ أُدْغِمَتِ الطاءُ في الطاءِ، وفي هَذا نَظَرٌ، لِأنَّ الأصْلِيَّ أُدْغِمَ في الزائِدِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأنَسِ بْنِ مالِكٍ، وشَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّهم قَرَؤُوا: "ألّا يَطَّوَّفَ" وكَذَلِكَ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ "ألّا يَطَّوَّفَ"، وقِيلَ: "ألّا يَطُوفَ" بِضَمِّ الطاءِ وسُكُونِ الواوِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ إنَّ الصَفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللهِ ﴾ خَبَرٌ يَقْتَضِي الأمْرَ بِما عَهِدَ مِنَ الطَوافِ بِهِما، وقَوْلُهُ: ﴿ فَلا جُناحَ ﴾ ، لَيْسَ المَقْصِدُ مِنهُ إباحَةَ الطَوافِ لِمَن شاءَ لِأنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الأمْرِ لا يَسْتَقِيمُ، وإنَّما المَقْصِدُ مِنهُ رَفْعُ ما وقَعَ في نُفُوسِ قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ مِن أنَّ الطَوافَ بَيْنَهُما فِيهِ حَرَجٌ، وإعْلامُهم أنَّ ما وقَعَ في نُفُوسِهِمْ غَيْرُ صَوابٍ.
واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ.
فَرُوِيَ أنَّ الجِنَّ كانَتْ تَعْرِفُ وتَطُوفُ بَيْنَهُما في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَتْ طائِفَةٌ مِن تِهامَةٍ لا تَطُوفُ بَيْنَهُما في الجاهِلِيَّةِ لِذَلِكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحَرَّجُوا مِنَ الطَوافِ، ورُوِيَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها أنَّ ذَلِكَ في الأنْصارِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَهِلُّونَ لِمَناةَ الَّتِي كانَتْ بِالمُشَلَّلِ حَذْوَ قَدِيدٍ، ويُعَظِّمُونَها، فَكانُوا لا يَطُوفُونَ بَيْنَ إسافَ ونائِلَةَ إجْلالًا لِتِلْكَ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ تَحَرَّجُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
ورُوِيَ عَنِ الشَعْبِيِّ أنَّ العَرَبَ الَّتِي كانَتْ تَطُوفُ هُنالِكَ، كانَتْ تَعْتَقِدُ ذَلِكَ السَعْيَ إجْلالًا لِإسافَ ونائِلَةَ، وكانَ الساعِي يَتَمَسَّحُ بِإسافَ، فَإذا بَلَغَ المَرْوَةَ تَمَسَّحَ بِنائِلَةَ، وكَذَلِكَ حَتّى تَتِمَّ أشْواطُهُ فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ كَرِهُوا السَعْيَ هُنالِكَ إذْ كانَ بِسَبَبِ الصَنَمَيْنِ واخْتَلَفَ العُلَماءُ فِيالسَعْيِ بَيْنَ الصَفا والمَرْوَةَ.
فَمَذْهَبُ مالِكٍ والشافِعِيِّ أنَّ ذَلِكَ فَرْضُ رُكْنٍ مِن أرْكانِ الحَجِّ لا يَجْزِي تارِكَهُ أو ناسِيهِ إلّا العَوْدَةُ، ومَذْهَبُ الثَوْرِيِّ وأصْحابُ الرَأْيِ أنَّ الدَمَ يَجْزِي تارِكَهُ، وإنْ عادَ فَحَسَنٌ، فَهو عِنْدُهم نَدْبٌ.
ورُوِيَ عن أبِي حَنِيفَةَ: إنْ تَرَكَ أكْثَرَ مِن ثَلاثَةِ أشْواطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وإنْ تَرَكَ ثَلاثَةً فَأقَلَّ فَعَلَيْهِ لِكُلِّ شَوْطٍ إطْعامُ مِسْكِينٍ.
وقالَ عَطاءٌ: لَيْسَ عَلى تارِكِهِ شَيْءٌ لا دَمٌ ولا غَيْرُهُ، واحْتَجَّ عَطاءٌ بِما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما"، وهي قِراءَةٌ خالَفَتْ مَصاحِفَ الإسْلامِ، وقَدْ أنْكَرَتْها عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها في قَوْلِها لِعُرْوَةَ حِينَ قالَ لَها: أرَأيْتَ قَوْلَ اللهِ: ﴿ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما ﴾ فَما نَرى عَلى أحَدٍ شَيْئًا ألّا يَطُوفَ بِهِما) قالَتْ: يا عُرْيَةُ كَلّا، لَوْ كانَ ذَلِكَ لَقالَ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطُوفَ بِهِما.
وأيْضًا فَإنَّ ما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْجِعُ إلى مَعْنى "أنْ يَطُوفَ" وتَكُونُ "لا" زائِدَةَ صِلَةٍ في الكَلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿ ما مَنَعَكَ ألا تَسْجُدَ ﴾ ، وكَقَوْلِ الشاعِرِ: ما كانَ يَرْضى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهم ∗∗∗ والطَيِّبانِ أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرَ أيْ: وعُمَرُ.
وكَقَوْلِ الآخَرِ: وما ألُومُ البِيضَ ألّا تَسْخَرا ∗∗∗......................................
ومَذْهَبُ مالِكٍ وأصْحابِهِ في العُمْرَةِ أنَّها سَنَةٌ، إلّا ابْنُ حَبِيبٍ فَإنَّهُ قالَ بِوُجُوبِها.
وقَرَأ قَوْمٌ مِنَ السَبْعَةِ وغَيْرِهِمْ: "وَمَن يَطَّوَّعُ" بِالياءِ مِن تَحْتٍ عَلى الِاسْتِقْبالِ والشَرْطِ، والجَوابُ في قَوْلِهِ: "فَإنَّ".
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ، وعاصِمٌ: "تَطَوَّعَ" عَلى بابِهِ في المُضِيِّ فَـ "مِن" عَلى هَذِهِ القِراءَةِ بِمَعْنى الَّذِي.
ودَخَلَتِ الفاءُ في قَوْلِهِ: "فَإنَّ" لِلْإبْهامِ الَّذِي في "مِن".
حَكاهُ مَكِّيٌّ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يُحْتَمَلُ "تَطَوَّعَ" أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ جَزْمٍ و"مَن" شَرْطِيَّةٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ "مَن" بِمَعْنى الَّذِي والفِعْلُ صِلَةٌ لا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الإعْرابِ، والفاءُ مُؤْذِنَةٌ أنَّ الثانِي وجَبَ لِوُجُوبِ الأوَّلِ.
ومَن قالَ بِوُجُوبِ السَعْيِ قالَ: مَعْنى "تَطَوَّعَ" أيْ زادَ بِرًّا بَعْدَ الواجِبِ فَجَعَلَهُ عامًّا في الأعْمالِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: مَعْناهُ: مَن تَطَوَّعَ بِحَجٍّ أو عُمْرَةٍ بَعْدَ حَجَّةِ الفَرِيضَةِ.
ومَن لَمْ يُوجِبِ السَعْيَ قالَ: المَعْنى مَن تَطَوَّعَ بِالسَعْيِ بَيْنَهُما.
وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "فَمَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ".
وَمَعْنى "شاكِرٌ": أيْ يَبْذُلُ الثَوابَ والجَزاءَ، "عَلِيمٌ" بِالنِيّاتِ والأعْمالِ، لا يَضِيعُ مَعَهُ لِعامِلِ بِرٍّ -وَلا غَيْرُهُ- عَمَلٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ الآيَةُ، المُرادُ بِالَّذِينِ: أحْبارُ اليَهُودِ ورُهْبانُ النَصارى الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ ، قالَ الطَبَرِيُّ: وقَدْ رُوِيَ أنَّ مُعَيَّنَيْنِ مِنهم سَألَهم قَوْمٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ عَمّا في كُتُبِهِمْ مِن أمْرِهِ، فَكَتَمُوا، فَنَزَلَتْ.
وتَتَناوَلُ الآيَةُ بَعْدُ، كُلَّ مَن كَتَمَ عِلْمًا مِن دِينِ اللهِ يَحْتاجُ إلى بَثِّهِ، وذَلِكَ مُفَسَّرٌ في قَوْلِ النَبِيِّ : «مَن سُئِلَ عن عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ».
وهَذا إذا كانَ لا يَخافُ ولا ضَرَرَ عَلَيْهِ في بَثِّهِ.
وهَذِهِ الآيَةُ أرادَ أبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قَوْلِهِ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكم حَدِيثًا، وقَدْ تَرَكَ أبُو هُرَيْرَةَ ذَلِكَ حِينَ خافَ فَقالَ: حَفِظْتُ عن رَسُولِ اللهِ وِعاءَيْنِ: أمّا أحَدُهُما فَبَثَثْتُهُ، وأمّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذا البُلْعُومُ، وهَذِهِ الآيَةُ أرادَ عُثْمانُ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قَوْلِهِ: لَأحُدِّثَنَّكم حَدِيثًا لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللهِ ما حَدَّثْتُكُمُوهُ.
ومَن رَوى في كَلامِ عُثْمانَ: لَوْلا أنَّهُ في كِتابِ اللهِ.
فالمَعْنى غَيْرُ هَذا.
و ﴿ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ أمْرُ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ يَعُمُّ بَعْدَ كُلِّ ما يَكْتُمُ مِن خَيْرٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: "مِن بَعْدِ ما بَيَّنَهُ" عَلى الإفْرادِ.
و ﴿ فِي الكِتابِ ﴾ يُرادُ بِهِ التَوْراةُ والإنْجِيلُ بِحُكْمِ سَبَبِ الآيَةِ، وأنَّها في أمْرِ مُحَمَّدٍ ، ثُمَّ يَدْخُلُ القُرْآنُ مَعَ تَعْمِيمِ الآيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى اللَعْنَةِ، واخْتُلِفَ في اللاعِنِينَ، فَقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: المَلائِكَةُ والمُؤْمِنُونَ، وهَذا ظاهِرٌ واضِحٌ جارٍ عَلى مُقْتَضى الكَلامِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: هُمُ الحَشَراتُ والبَهائِمُ يُصِيبُهُمُ الجَدْبُ بِذُنُوبِ عُلَماءِ السُوءِ الكاتِمِينَ فَيَلْعَنُونَهُمْ، وذَكَرُوا بِالواوِ والنُونِ كَمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم أُسْنِدَ إلَيْهِمْ فِعْلُ مَن يَعْقِلُ، كَما قالَ: ﴿ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ ﴾ .
وقالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: اللاعِنُونَ" كُلُّ المَخْلُوقاتِ ما عَدا الثَقَلَيْنِ الجِنِّ والإنْسِ، وذَلِكَ أنَّ النَبِيَّ قالَ: « "إنَّ الكافِرَ إذا ضُرِبَ في قَبْرِهِ فَصاحَ؛ سَمِعَهُ الكُلُّ إلّا الثَقَلَيْنِ فَلَعَنَهُ كُلُّ سامِعٍ».
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: المُرادُ بِها ما قالَ النَبِيُّ : «إنَّ كُلَّ مُتَلاعِنَيْنَ إنِ اسْتَحَقّا اللَعْنَةَ وإلّا انْصَرَفَتْ عَلى اليَهُود»، وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ لا يَقْتَضِيها اللَفْظُ، ولا تَثْبُتُ إلّا بِسَنَدٍ يَقْطَعُ العُذْرَ.
ثُمَّ اسْتَثْنى اللهُ تَعالى التائِبِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى التَوْبَةِ.
و"أصْلَحُوا" أيْ في أعْمالِهِمْ وأقْوالِهِمْ "وَبَيَّنُوا"، قالَ مَن فَسَّرَ الآيَةَ عَلى العُمُومِ: مَعْناهُ بَيَّنُوا تَوْبَتَهم بِمُبْرِزِ العَمَلِ والبُرُوعِ فِيهِ، ومَن فَسَّرَها عَلى أنَّها في كاتِمِي أمْرِ مُحَمَّدٍ قالَ: المَعْنى بَيَّنُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ فَتَجِيءُ الآيَةُ فِيمَن أسَلَمَ مِنَ اليَهُودِ والنَصارى، وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنى تَوْبَةِ اللهِ عَلى عَبْدِهِ، وأنَّها رُجُوعُهُ بِهِ عَنِ المَعْصِيَةِ إلى الطاعَةِ.
<div class="verse-tafsir"
عود بالكلام إلى مهيعه الذي فصل عنه بما اعترض من شرع السعي بين الصفا والمروة كما علمته آنفاً.
قال المفسرون إن هاته الآية نزلت في علماء اليهود في كتمهم دلائل صدق النبي محمد صلى الله عليه وسلم وصفاته وصفات دينه الموجودة في التوراة وفي كتمهم آية الرجم، وهو يقتضي أن اسم الموصول للعهد فإن الموصول يأتي لما يأتي له المعرف باللام وعليه فلا عموم هنا، وأنا أرى أن يكون اسم الموصول هنا للجنس فهو كالمعرف بلام الاستغراق فيعم ويكون من العام الوارد على سبب خاص ولا يخصص بسببه ولكنه يتناول أفراد سببه تناولاً أولياً أقوى من دلالته على بقية الأفراد الصالح هو للدلالة عليها لأن دلالة العام على صورة السبب قطعية ودلالته على غيرها مما يشمله مفهوم العام دلالة ظنية، فمناسبة وقع هاته الآية بعد التي قبلها أن ما قبلها كان من الأفانين القرآنية المتفننة على ذكر ما قابل به اليهود دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وتشبيههم فيها بحال سلفهم في مقابلة دعوة أنبيائهم من قبل إلى مبلغ قوله تعالى: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ﴾ [البقرة: 75] إلى قوله: ﴿ ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب ﴾ [البقرة: 101] الآية وما قابل به أشباههم من النصارى ومن المشركين الدعوة الإسلامية، ثم أفضى ذلك إلى الإنحاء على المشركين قلة وفائهم بوصايا إبراهيم الذي يفتخرون بأنهم من ذريته وأنهم سدنة بيته فقال: ﴿ ومن أظلم ممن منع مساجد الله ﴾ [البقرة: 114] الآيات، فنوه بإبراهيم وبالكعبة واستقبالها وشعائرها وتخلل ذلك رد ما صدر عن اليهود من إنكار استقبال الكعبة إلى قوله: ﴿ وإن فريقاً منهم ايكتمون الحق وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 146] (يريد علماءهم) ثم عقب ذلك بتكملة فضائل الكعبة وشعائرها، فلما تم جميع ذلك عطف الكلام إلى تفصيل ما رماهم به إجمالاً في قوله تعالى: ﴿ إن فريقاً منهم ﴾ فقال: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا ﴾ الخ، وهذه طريقة في الخطابة هي إيفاء الغرض المقصود حقه وتقصير الاستطراد والاعتراض الواقعين في أثنائه ثم الرجوع إلى ما يهم الرجوع إليه من تفصيل استطراد أو اعتراض تخلل الغرض المقصود.
فجملة: ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ الخ استئنافُ كلام يعرف منه السامع تفصيل ما تقدم له إجماله، والتوكيد بإنَّ لمجرد الاهتمام بهذا الخبر.
والكتم والكتمان عدم الإخبار بما من شأنه أن يُخْبَر به من حادثثٍ مسموع أو مرئي ومنه كتم السر وهو الخبر الذي تخبر به غيرك وتأمره بأن يكتمه فلا يخبره غيره.
وعبر في: ﴿ يكتمون ﴾ بالفعل المضارع للدلالة على أنهم في الحال كاتمون للبينات والهدى، ولو وقع بلفظ الماضي لتوهم السامع أن المعني به قوم مضوا مع أن المقصود إقامة الحجة على الحاضرين.
ويعلم حكم الماضين والآتين بدلالة لحن الخطاب لمساواتهم في ذلك.
والمراد بما أنزلنا ما اشتملت عليه التوراة من الدلائل والإرشاد، والمراد بالكتاب التوراة.
والبينات جمع بينة وهي الحجة وشمل ذلك ما هو من أصول الشريعة مما يكون دليلاً على أحكام كثيرة، ويشمل الأدلة المرشدة إلى الصفات الإلهية وأحوال الرسل وأخذ العهد عليهم في اتباع كل رسول جاء بدلائل صدق لا سيما الرسول المبعوث في إخوة إسرائيل وهم العرب الذين ظهرت بعثته بينهم وانتشرت منهم، والهدى هو ما به الهدى أي الإرشاد إلى طريق الخير فيشمل آيات الأحكام التي بها صلاح الناس في أنفسهم وصلاحهم في مجتمعهم.
والكتمان يكون بإلغاء الحفظ والتدريس والتعليم، ويكون بإزالته من الكتاب أصلاً وهو ظاهره قال تعالى: ﴿ وتخفون كثيراً ﴾ [الأنعام: 91]، يكون بالتأويلات البعيدة عن مراد الشارع لأن إخفاء المعنى كتمان له، وحذف متعلق ﴿ يكتمون ﴾ الدال على المكتوم عنه للتعميم أي يكتمون ذلك عن كل أحد ليتأتى نسيانه وإضاعته.
وقوله: ﴿ من بعد ﴾ متعلق ب (يكتمون) وذكر هذا الظرف لزيادة التفظيع لحال الكتمان وذلك أنهم كتموا البينات والهدى مع انتفاء العذر في ذلك لأنهم لو كتموا ما لم يبين لهم لكان لهم بعض العذر أن يقولوا كتمناه لعدم اتضاح معناه فكيف وهو قد بين ووضح في التوراة.
واللام في قوله: ﴿ للناس ﴾ لام التعليل أي بيناه في الكتاب لأجل الناس أي أردنا إعلانه وإشاعته أي جعلناه بيناً، وفي هذا زيادة تشنيع عليهم فيما أتوه من الكتمان وهو أنه مع كونه كتماناً للحق وحرماناً منه هو اعتداء على مستحقه الذي جعل لأجله ففعلهم هذا تضليل وظلم.
والتعريف في (الناس) للاستغراق لأن الله أنزل الشرائع لهدي الناس كلهم وهو استغراق عرفي أي الناس المشرع لهم.
وقوله: ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى ﴿ الذين يكتمون ﴾ وسط اسم الإشارة بين اسم ﴿ إنَّ ﴾ وخبرها للتنبيه على أن الحكم الوارد بعد ذلك قد صاروا أحرياء به لأجل تلك الصفات التي ذكرت قبله بحيث إن تلك الصفات جعلتهم كالمشاهدين للسامع فأشير إليهم وهو في الحقيقة إشارة إلى أوصافهم، فمن أجل ذلك أفادت الإشارة التنبيه على أن تلك الأوصاف هي سبب الحكم وهو إيماء للعلة على حد: ﴿ أولئك على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5].
واختير اسم إشارة البعيد ليكون أبعث للسامع على التأمل منهم والالتفات إليهم أو لأن اسم الإشارة بهذه الصيغة هو الأكثر استعمالاً في كلامهم.
وقد اجتمع في الآية إيماآن إلى وجه ترتب اللعن على الكتمان وهما الإيماء بالموصول إلى وجه بناء الخبر أي علته وسببه، والإيماء باسم الإشارة للتنبيه على أحرويتهم بذلك، فكان تأكيد الإيماء إلى التعليل قائماً مقام التنصيص على العلة.
واللعن الإبعاد عن الرحمة مع إذلال وغضب، وأثره يظهر في الآخرة بالحرمان من الجنة وبالعذاب في جهنم، وأما لعن الناس إياهم فهو الدعاء منهم بأن يبعدهم الله عن رحمته على الوجه المذكور، واختير الفعل المضارع للدلالة على التجدد مع العلم بأنه لعنهم أيضاً فيما مضى إذ كل سامع يعلم أنه لا وجه لتخصيص لعنهم بالزمن المستقبل.
وكذلك القول في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ ، وكرر فعل ﴿ يلعنهم ﴾ مع إغناء حرف العطف عن تكريره لاختلاف معنى اللعنين فإن اللعن من الله الإبعاد عن الرحمة واللعن من البشر الدعاء عليهم عكس ما وقع في ﴿ إن الله وملائكته يصلون ﴾ [الأحزاب: 56] لأن التحقيق أن صلاة الله والملائكة واحدة وهي الذكر الحسن.
والتعريف في: ﴿ اللاعنون ﴾ للاستغراق وهو استغراق عرفي أي يلعنهم كل لاعن، والمراد باللاعنين المتدينون الذين ينكرون المنكر وأصحابَه ويغضبون لله تعالى ويطلعون على كتمان هؤلاء فهم يلعنونهم بالتعيين وإن لم يطلعوا على تعيينهم فهم يلعنونهم بالعنوان العام أي حين يلعنون كل من كتم آيات الكتاب حين يتلون التوراة.
6 ولقد أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل أن يبينوا التوراة ولا يخفوها كما قال: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ﴾ [آل عمران: 187].
وقد جاء ذكر اللعنة على إضاعة عهد الله في التوراة مرات وأشهرها العهد الذي أخذه موسى على بني إسرائيل في (حوريب) حسبما جاء في سفر الخروج في الإصحاح الرابع والعشرين، والعهد الذي أخذه عليهم في (مؤاب) وهو الذي فيه اللعنة على من تركه وهو في سفر التثنية في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين ومنه: «أنتم واقفون اليوم جميعكم أما الرب إلهكم...
لكي تدخلوا في عهد الرب وقسمه لئلا يكون فيكم اليوم منصرف عن الرب...
فيكون متى يسمع كلام هذه اللعنة يتبرك في قلبه...
حينئذٍ يحل غضب الرب وغيرته على ذلك الرجل فتحل عليه كل اللعنات المكتوبة في هذا الكتاب ويمحو الرب اسمه من تحت السماء ويفرزه الرب للشر من جميع أسباط إسرائيل حسب جميع لعنات العهد المكتوبة في كتاب الشريعة هذا...
لنعمل بجميع كلمات هذه الشريعة».
وفي الإصحاح الثلاثين: «ومتى أتت عليك هذه الأمور البركة واللعنة جعلتهما قدامك» وفيه: «أشهد عليكم اليوم السماء والأرض قد جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة».
فقوله تعالى: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ تذكير لهم باللعنة المسطورة في التوراة فإن التوراة متلوة دائماً بينهم فكلما قرأ القارئون هذا الكلام تجددت لعنة المقصودين به، والذين كتموا ما أنزل من البينات والهدى هم أيضاً يقرأون التوراة فإذا قرأوا لعنة الكاتمين فقد لعنوا أنفسهم بألسنتهم فأما الذين يلعنون المجرمين والظالمين غير الكاتمين ما أنزل من البينات والهدى فهم غير مشمولين في هذا العموم وبذلك كان الاستغراق المستفاد من تعريف اللاعنون باللام استغراقاً عرفياً.
واعلم أن لام الاستغراق العرفي واسطة بين لام الحقيقة ولام الاستغراق الحقيقي.
وإنما عدل إلى التعريف مع أنه كالنكرة مبالغة في تحققه حتى كأنه صار معروفاً لأن المنكَّر مجهول، أو يكون التعريف للعهد أي يلعنهم الذين لعنوهم من الأنبياء الذين أوصوا بإعلان العهد وأن لا يكتموه.
ولما كان في صلة ﴿ الذين يكتمون ﴾ إيماء كما قدمناه فكل من يفعل فعلاً من قبيل مضمون الصلة من غير أولئك يكون حقيقاً بما تضمنه اسم الإشارة وخبره فإن من مقاصد القرآن في ذكر القصص الماضية أن يعتبر بها المسلمون في الخير والشر، وعن ابن عباس أن كل ما ذمّ الله أهلَ الكتاب عليه فالمسلمون محذَّرون من مثله، ولذا قال أبو هريرة لما قال الناسُ أكثر أبو هريرة من الرواية عن رسول الله فقال: لولا آية في كتاب الله ما حدثتكم حديثاً بعد أن قال الناس أكثر أبو هريرة: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ الآية وساق الحديث.
فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هُدى للناس لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة سواء في ذلك العلم الذي بلغ إليه بطريق الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة والعلم الذي يحصل عن نظر كالاجتهادات إذا بلغت مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيراً للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي تومئ إليه العلة أن يبث في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يُلقنها وهو لا يحسن تنزيلها ولا تأويلها، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " حدثوا الناس بما يفْهمون أتحبُّون أنْ يكذَّب اللَّهُ ورسولهُ " وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعَه.
وفي «صحيح البخاري» أن الحجَّاج قال لأنس بن مالك حدثني بأشد عقوبة عاقبها النبي فذكر له أنس حديث العرنيين الذين قتلوا الراعي واستاقوا الذود فقطع النبي صلى الله عليه وسلم أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم في الحرة يستقون فلا يسقون حتى ماتوا، فلما بلغ ذلك الحسن البصري قال وددت أنه لم يحدثه، أو يتلفقون من ظاهره ما يوافق هواهم فيجعلونه معذرة لهم فيما يعاملون به الناس من الظلم، قال ابن عرفة في «التفسير»: لا يحل للعالم أن يذكر للظالم تأويلاً أو رخصة يتمادى منها إلى المفسدة كمن يذكر للظالم ما قال الغزالي في «الإحياء» من أن بيت المال إذا ضعف واضطر السلطان إلى ما يجهز به جيوش المسلمين لدفع الضرر عنهم فلا بأس أن يوظف على الناس العشر أو غيره لإقامة الجيش وسد الخلة، قال ابن عرفة وذكر هذه المظلمة مما يحدث ضرراً فادحاً في الناس.
وقد سأل سلطان قرطبة عبد الرحمن بن معاوية الداخل يحيى بن يحيى الليثي عن يوم أفطره في رمضان عامداً غلبته الشهوة على قربان بعض جواريه فيه فأفتاه بأنه يصوم ستين يوماً والفقهاء حاضرون ما اجترأوا على مخالفة يحيى فلما خرجوا سألوه لِمَ خصصته بأحد المخيرات فقال لو فتحنا له هذا الباب لوطئ كل يوم وأعتق أو أطعم فحملته على الأصعب لئلا يعود اه.
قلت فهو في كتمه عنه الكفارتين المخير فيهما قد أعمل دليل دفع مفسدة الجرأة على حُرمة فريضة الصوم.
فالعالم إذا عين بشخصه لأن يبلغ علماً أو يبين شرعاً وجب عليه بيانه مثل الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لإبلاغ كتبه أو لدعوة قومهم، وإن لم يكن معيناً بشخصه فهو لا يخلو إما أن يكون ما يعلمه قد احتاجت الأمة إلى معرفته منه خاصة بحيث يتفرد بعلمه في صقع أو بلد حتى يتعذر على أناس طلب ذلك من غيره أو يتعسر بحيث إن لم يعلمها إياه ضلت مثل التوحيد وأصول الاعتقاد، فهذا يجب عليه بيانه وجوباً متعيناً عليه إن انفرد به في عصر أو بلد، أو كان هو أتقن للعلم فقد روى الترمذي وابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: «إن الناس لكم تبع وإن رجالاً يأتونكم يتفهمون أو يتعلمون فإذا جاءوكم فاستوصوا بهم خيراً».
وإن شاركه فيه غيره من أمثاله كان وجوبه على جميع الذين يعلمون ذلك على الكفاية، وإما أن يكون ما يعلمه من تفاصيل الأحكام وفوائدها التي تنفع الناس أو طائفة منهم، فإنما يجب عليه عيناً أو كفاية على الوجهين المتقدمين أن يبين ما دعت الحاجة إلى بيانه، ومما يعد قد دعت الحاجة إلى بيانه أن تعين له طائفة من الناس ليعلمهم فحينئذٍ يجب عليه أن يعلمهم ما يرى أن في علمهم به منفعة لهم وقدرة على فهمه وحسن وضعه، ولذلك وجب على العالم إذا جلس إليه الناس للتعلم أن يلقي إليهم من العلم ما لهم مقدرة على تلقيه وإدراكه، فظهر بهذا أن الكتمان مراتب كثيرة وأن أعلاها ما تضمنته هذه الآية، وبقية المراتب تؤخذ بالمقايسة، وهذا يجيء أيضاً في جواب العالم عما يلقى إليه من المسائل فإن كان قد انفرد بذلك أو كان قد عين للجواب مثل من يعين للفتوى في بعض الأقطار فعليه بيانه إذا علم احتياج السائل ويجيء في انفراده بالعلم أو تعيينه للجواب وفي عدم انفراده الوجهان السابقان في الوجوب العيني والوجوب الكفائي.
وفي غير هذا فهو في خيرة أو يجيب أو يترك.
وبهذا يكون تأويل الحديث الذي رواه أصحاب «السنن الأربعة» أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة " فخصص عمومه في الأشخاص والأحوال بتخصيصات دلت عليها الأدلة قد أشرنا إلى جماعها.
وذكر القرطبي عن سحنون أن الحديث وارد في كتمان الشاهد بحق شهادته.
والعهدة في وضع العالم نفسه في المنزلة اللائقة به من هذه المنازل المذكورة على ما يأنسه من نفسه في ذلك وما يستبرئ به لدينه وعرضه.
والعهدة في معرفة أحوال الطالبين والسائلين عليه ليجريها على ما يتعين إجراؤها عليه من الصور على ما يتوسمه من أحوالهم والأحوال المحيطة بهم، فإن أشكل عليه الأمر في حال نفسه أو حال سائله فليستشر أهل العلم والرأي في الدين.
ويجب أن لا يغفل عن حكمة العطف في قوله تعالى: ﴿ والهدى ﴾ حتى يكون ذلك ضابطاً لما يفضي إليه كتمان ما يكتم.
وقوله: ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ استثناء من ﴿ الذين يكتمون ﴾ أي فهم لا تلحقهم اللعنة، وهو استثناء حقيقي منصوب على تمام الكلام من ﴿ الذين يكتمون ما أنزلنا ﴾ الخ.
وشُرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم، فالتوبة هنا الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم فإنه رجوع عن كتمانهم الشهادة له الواردة في كتبهم وإطلاق التوبة على الإيمان بعد الكفر وارد كثيراً لأن الإيمان هو توبة الكافر من كفره، وإنما زاد بعده ﴿ وأصلحوا وبينوا ﴾ لأن شرط كل توبة أن يتدارك التائب ما يمكن تداركه مما أضاعه بفعله الذي تاب عنه.
ولعل عطف ﴿ وبينوا ﴾ على ﴿ أصلحوا ﴾ عطف تفسير.
وقوله: ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ جملة مستأنفة لغير بيان بل لفائدة جديدة لأنه لما استثنى ﴿ الذين تابوا ﴾ فقد تم الكلام وعلم السامع أن من تابوا من الكاتمين لا يلعنهم الله ولا يلعنهم اللاعنون، وجيء باسم الإشارة مسند إليه يمثل النكتة التي تقدمت.
وقرنت الجملة بالفاء للدلالة على شيء زائد على مفاد الاستثناء وهو أن توبتهم يعقبها رضى الله عنهم.
وفي «صحيح البحاري» عن ابن مسعود قال رسول الله: " للَّهُ أَفْرَحُ بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله، قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده ".
فجاء في الآية نظم بديع تقديره إلاّ الذين تابوا انقطعت عنهم اللعنة فأتوب عليهم، أي أرضى، وزاد توسط اسم الإشارة للدلالة على التعليل وهو إيجاز بديع.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا ﴾ قِيلَ: هم رُؤَساءُ اليَهُودِ، كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وابْنُ صُورِيا، وزَيْدُ بْنُ التّابُوتِ، هُمُ الَّذِينَ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ.
﴿ مِنَ البَيِّناتِ والهُدى ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ البَيِّناتِ هي الحُجَجُ الدّالَّةُ عَلى نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ، والهُدى: الأمْرُ بِاتِّباعِهِ.
والثّانِي: أنَّ البَيِّناتِ والهُدى واحِدٌ، والجَمْعُ بَيْنَهُما تَأْكِيدٌ، وذَلِكَ ما أبانَ عَنْ نُبُوَّتِهِ وهَدى إلى اتِّباعِهِ.
﴿ مِن بَعْدِ ما بَيَّنّاهُ لِلنّاسِ في الكِتابِ ﴾ يَعْنِي القُرْآنَ.
﴿ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ ﴾ فِيهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهم كُلُّ شَيْءٍ في الأرْضِ مِن حَيَوانٍ وجَمادٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ الإنْسَ والجِنَّ، وهَذا قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ والبَراءِ بْنِ عازِبٍ.
والثّانِي: اللّاعِنُونَ: الِاثْنانِ إذا تَلاعَنا لَحِقَتِ اللَّعْنَةُ مُسْتَحِقَّها مِنهُما، فَإنْ لَمْ يَسْتَحِقَّها واحِدٌ مِنهُما رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى اليَهُودِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُمُ البَهائِمُ، إذا يَبِسَتِ الأرْضُ قالَتِ البَهائِمُ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ.
والرّابِعُ: أنَّهُمُ المُؤْمِنُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ، والمَلائِكَةُ يَلْعَنُونَ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ.
﴿ إلا الَّذِينَ تابُوا ﴾ يَعْنِي بِالإسْلامِ مِن كُفْرِهِمْ ﴿ وَأصْلَحُوا ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إصْلاحُ سَرائِرِهِمْ وأعْمالِهِمْ.
والثّانِي: أصْلَحُوا قَوْمَهم بِإرْشادِهِمْ إلى الإسْلامِ.
( وبَيَّنُوا ) يَعْنِي ما في التَّوْراةِ مِن نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ ووُجُوبِ اتِّباعِهِ ﴿ فَأُولَئِكَ أتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ والتَّوْبَةُ مِنَ العِبادِ: الرُّجُوعُ عَنِ الذَّنْبِ، والتَّوْبَةُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: قَبُولُها مِن عِبادِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وماتُوا وهم كُفّارٌ ﴾ وإنَّما شَرَطَ المَوْتَ عَلى الكُفْرِ لِأنَّ حُكْمَهُ يَسْتَقِرُّ بِالمَوْتِ عَلَيْهِ ويَرْتَفِعُ بِالتَّوْبَةِ مِنهُ.
﴿ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ واللَّعْنَةُ مِنَ العِبادِ: الطَّرْدُ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى: العَذابُ.
﴿ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) بِالرَّفْعِ، وتَأْوِيلُها: أُولَئِكَ جَزاؤُهم أنْ يَلْعَنَهُمُ اللَّهُ وتَلْعَنَهُمُ المَلائِكَةُ ويَلْعَنَهُمُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
فَإنْ قِيلَ: فَلَيْسَ يَلْعَنُهم جَمِيعُ النّاسِ لِأنَّ قَوْمَهم لا يَلْعَنُونَهُمْ، قِيلَ: عَنْ هَذا جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّعْنَةَ مِن أكْثَرِ النّاسِ يُطْلَقُ عَلَيْها لَعْنَةُ جَمِيعِ النّاسِ، فَغَلَبَ حُكْمُ الأكْثَرِ عَلى الأقَلِّ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ يَوْمُ القِيامَةِ يَلْعَنُهم قَوْمُهم مَعَ جَمِيعِ النّاسِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكم بِبَعْضٍ ويَلْعَنُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴾ .
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ العَذابُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: لا يُخَفَّفُ بِالتَّقْلِيلِ والِاسْتِراحَةِ.
والثّانِي: لا يُخَفَّفُ بِالصَّبْرِ عَلَيْهِ والِاحْتِمالِ لَهُ.
﴿ وَلا هم يُنْظَرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لا يُؤَخَّرُونَ عَنْهُ ولا يُمْهَلُونَ.
والثّانِي: لا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِمْ فَيَرْحَمَهم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: سأل معاذ بن جبل أخو بني سلمة، وسعد بن معاذ أخو بني الأشهل، وخارجة بن زيد أخو الحرث بن الخزرج، نفراً من أحبار اليهود عن بعض ما في التوراة، فكتموهم إياه وأبوا أن يخبروهم، فأنزل الله فيهم ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ قال: هم أهل الكتاب.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى...
﴾ الآية.
قال: أولئك أهل الكتاب كتموا الإِسلام وهو دين الله، وكتموا محمداً، وهم ﴿ يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنحيل ﴾ [ الأعراف: 157] ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: من ملائكة الله المؤمنين.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في الآية قال: هم أهل الكتاب كتموا محمداً ونعته، وهم يجدونه مكتوباً عندهم حسداً وبغياً.
وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: زعموا أن رجلاً من اليهود كان له صديق من الأنصار يقال له ثعلبة بن غنمة، قال له: هل تجدون محمداً عندكم؟
قال: لا.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء في قوله: ﴿ أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: الجن والإِنس، وكل دابة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: إذا أجدبت البهائم دعت على فجار بني آدم.
فقالت: تحبس عنا الغيث بذنوبهم.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: إن البهائم إذا اشتدت عليهم السنة قالت: هذا من أجل عصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وأبو نعيم في الحلية والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: دواب الأرض العقارب والخنافس يقولون: إنما منعنا القطر بذنوبهم فليعنونهم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: يلعنهم كل شيء حتى الخنافس والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بني آدم.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي جعفر في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: كل شيء حتى الخنفساء.
وأخرج ابن ماجة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن البراء بن عازب قال: كنا في جنازة مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن الكافر يضرب ضربتين بين عينيه فيسمعه كل دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ يعني دواب الأرض» .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: قال البراء بن عازب: إن الكافر إذا وضع في قبره أتته دابة كأن عينيها قدران من نحاس معها عمود من حديد، فتضربه ضربة بين كتفيه فيصيح لا يسمع أحد صوته إلا لعنه، ولا يبقى شيء إلا سمع صوته إلا الثقلين الجن والإِنس.
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ قال: الكافر إذا وضع في حفرته ضرب ضربة بمطرق، فيصيح صيحة يسمع صوته كل شيء إلا الثقلين الجن والإِنس، فلا يسمع صيحته شيء إلا لعنه.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الوهاب بن عطاء في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون...
﴾ الآية.
قال: سمعت الكلبي يقول: هم اليهود.
قال: ومن لعن شيئاً ليس هو بأهل رجعت اللعنة على يهودي، فذلك قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق محمد بن مروان، أخبرني الكلبي عن أبي صالح عن ابن مسعود في هذه الآية قال: هو الرجل يلعن صاحبه في أمر يرى أن قد أتى إليه، فترتفع اللعنة في السماء سريعاً، فلا تجد صاحبها التي قيلت له أهلاً، فترجع إلى الذي تكلم بها فلا تجده لها أهلاً، فتنطلق فتقع على اليهود فهو قوله: ﴿ ويلعنهم اللاعنون ﴾ فمن تاب منهم ارتفعت عنهم اللعنة، فكانت فيمن بقي من اليهود وهو قوله: ﴿ إلا الذين تابوا...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي وابن ماجة والحاكم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من سئل عن علم عنده فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة» .
وأخرج ابن ماجة عن أنس بن مالك «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار» .
وأخرج ابن ماجة والمرهبي في فضل العلم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كتم علماً مما ينفع الله به الناس في أمر الدين ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار» .
وأخرج ابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا لعن آخر هذه الأمة أولها، فمن كتم حديثاً فقد كتم ما أنزل الله» .
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد آتاه الله علماً فكتمه لقي الله يوم القيامة ملجماً بلجام من نار» .
واخرج أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سئل عن علم فكتمه جاء يوم القيامه ملجماً بلجام من نار» .
وأخرج الطبراني من حديث ابن عمر وابن عمرو مثله.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «مثل الذي يتعلم العلم ثم لا يحدث به كمثل الذي يكنز الكنز فلا ينفق منه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن سلمان قال: علم لا يقال به ككنز لا ينفق منه.
وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد والبخاري وابن ماجة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة قال: لولا آية في كتاب الله ما حدثت أحداً بشيء أبداً، ثم تلا هذه الآية ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى.....
﴾ الآية.
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ إلى قوله: ﴿ اللاعنون ﴾ ثم استثنى فقال: ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا...
﴾ الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا ﴾ قال: ذلك كفارة له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا ﴾ قال: أصلحوا ما بينهم وبين الله ﴿ وبينوا ﴾ الذي جاءهم من الله ولم يكتموه ولم يجحدوا به.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ أتوب عليهم ﴾ يعني أتجاوز عنهم.
أما قوله تعالى: ﴿ وأنا التوّاب ﴾ .
أخرج سعيد بن منصور وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن أبي زرعة عمرو بن جرير قال: إن أول شيء كتب أنا التواب أتوب على من تاب.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ معنى (١) (٢) (٣) ومعنى قوله تعالى: ﴿ وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾ بعد قوله: ﴿ تَابُوا ﴾ إزالة الإبهام: أن التوبة مما سلف من الكتمان تكفي، ومعنى ﴿ وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ﴾ أي: أصلحوا السريرة بإظهار أمر محمد (٤) (١) في (أ)، (م): (يعنى).
(٢) في (أ)، (م): (للتخصيص).
(٣) "البحر المحيط" 1/ 459.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 57، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 270، "تفسير البغوي" 1/ 175، "تفسير القرطبي" 2/ 172.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ أمر محمد صلى الله عليه وسلم في الكتاب التوراة هنا ﴿ اللاعنون ﴾ الملائكة والمؤمنون، وقيل: المخلوقات إلا الثقلين، وقيل: البهائم لما يصيبهم من الجدب لذنوب الكاتمين للحق ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ : أي شرط في توبتهم أن يبينوا لأنهم كتموا ﴿ والناس أَجْمَعِينَ ﴾ هم المؤمنون فهو عموم يراد به الخصوص، لأن المؤمنين هم الذين يعتد بلعنهم للكافرين، وقيل يلعنهم جميع الناس ﴿ خالدين فِيهَا ﴾ أي في اللعنة، وقيل في النار ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ من أنظر إذا أخر، أي لا يؤخرون عن العذاب ولا يمهلون أو من نظر لقوله: ﴿ لا ينظر إليهم ﴾ إلاّ أن يتعدّى بإلى ﴿ وإلهكم إله واحد ﴾ الواحد له ثلاثة معان كلها صحيحة في حق الله تعالى: أحدها: أنه لا ثاني له فهو نفي للعدد، والآخر: أنه لا شريك له، والثالث: أنه لا يتبعض ولا ينقسم، وقد فسر المراد به هنا في قوله؛ لا إله إلاّ هو.
وأعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات الأولى: توحيد عامة المسلمين وهو الذي يعصم النفس من الهلك في الدنيا، وينجي من الخلود في النار في الآخرة، وهو نفي اشركاء والأنداد، والصاحبة والأولاد، والأشباه والأضداد.
الدرجة الثانية: توحيد الخاصة، وهو أن يرى الأفعال كلها صادرة من الله وحده ويشاهد ذلك بطريق المكاشفة لا بطريق الاستدلال الحاصل لكل مؤمن، وإنما مقام الخاص في التوحيد يغني في القلب بعلم ضروري لا يحتاج إلى دليل، وثمرة هذا العلم الانقطاع إلى الله والتوكل عليه وحده واطراح جميع الخلق، فلا يرجو إلا الله، ولا يخاف أحداً سواه إذ ليس يرى فاعلاً إلاّ إياه ويرى جميع الخلق في قبضة القهر ليس بيدهم شيء من الأمر، فيطرح الأسباب وينبذ الأرباب، والدرجة الثالثة: ألا يرى في الوجود إلا الله وحده فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومة.
وهذا الذي تسميه الصوفية مقام الفناء بمعنى الغيبة عن الخلق حتى أنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده: أي يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ من يطوع ﴾ بتشديد الطاء والجزم: حمزة وعلي وخلف وزيد ورويس الباقون: بالتاء والتخفيف وفتح الآخر على المضي.
الوقوف: ﴿ شعائر الله ﴾ ج للشرط مع فاء التعقيب ﴿ بهما ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب كونهما من شعائر الله فكان استئناف حكم ﴿ عليم ﴾ ، ﴿ في الكتاب ﴾ لا لأن "أولئك" خبر "إن" ﴿ اللاعنون ﴾ لا للاستثناء ﴿ أتوب عليهم ﴾ ج لاحتمال الواو للاستئناف والحال ﴿ الرحيم ﴾ ه ﴿ أجمعين ﴾ لا لأن "خالدين" حال عامله معنى الفعل في اللعنة أي لعنهم الله حتى قرأ الحسن ﴿ والملائكة ﴾ وما بعده بالرفع ﴿ فيها ﴾ ج لأن ما بعده حال بعد حال واستئناف إخبار ﴿ ينظرون ﴾ ه.
التفسير: إن في تعليق الآية بما قبلها وجوهاً منها: أن السعي بين الصفا والمروة من شرائع إبراهيم كما مر في قصة هاجر، فذكر عقيب تحويل القبلة الذي فيه إحياء شرع إبراهيم.
ومنها أنه من آثار هاجر وإسماعيل، وفيه تذكير لما جرى عليهما من البلوى وحسن عاقبتهما، فناسب أن يردف آية الابتلاء ليعلم أن من صبر على البلوى نال الدرجة العليا في الدنيا والعقبى.
ومنها أن أقسام التكاليف ثلاثة: أولها ما يهتدي العقل إلى حسنه كشكر المنعم وذكره وأشير إلى ذلك بقوله ﴿ فاذكروني أذكركم واشكروا لي ﴾ وثانيها ما ركز في العقول قبحه والنفور عنه كالآلام والفقر والمحن فإنه تعالى يتألم منه إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه وهي الابتلاء والامتحان فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصواباً وذلك قوله ﴿ ولنبلونكم ﴾ الآية، وثالثها ما ليس يهتدي العقل إلى حسنه ولا إلى قبحه بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة فيأتي به تعبداً محضاً وهو أكثر أفعال الحج من السعي ورمي الجمار ونحوهما، فذكرت طرق من هذا القسم عقيب القسمين الأولين تتميماً للأحكام واستيفاءً لجميع الأقسام.
والصفا والمروة هكذا باللام علمان للجبلين المعروفين بمكة - زادها الله شرفاً.
والصفاة في اللغة صخرة ملساء وفي المثل "ما تندى صفاته" والجمع صفا مقصور وأصفاء وصفي على "فعول" وإذا نعتوا الصخرة قالوا "صفاة صفواء" وإذا ذكروا قالوا "صفا صفوان" قال ﴿ كمثل صفوان عليه تراب ﴾ وعن الأصمعي: المرو حجارة بيض براقة يقدح منها النار، الواحدة مروة.
والشعائر جمع شعيرة وهي العلامة.
وذلك أن السعي بين الجبلين من أعلام دين الله، أوهما من متعبداته.
وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد ولإبراهيم قبل ذلك كما مر قوله ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ وليس السعي عبادة تامة في نفسه وإنما يصير عبادة إذا كان بعضاً من أبعاض الحج فلهذا قرن بقوله ﴿ فمن حج البيت أو اعتمر ﴾ والحج لغة القصد.
رجل محجوج أي مقصود وهو أيضاً كثرة الاختلاف والتردد، وحج فلان فلاناً إذا أطال الاختلاف إليه.
ثم غلب استعماله في القصد إلى مكة للنسك.
والحاج يأتي البيت أولاً ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر.
ومنه محجة الطريق لكثرة تردد الناس فيها.
والاعتمار لغة الزيارة.
فالمعتمر يطوف بالبيت ويسعى بين الصفا والمروة ثم ينصرف كالزائر يزور ثم ينصرف.
والعمرة اسم من الاعتمار غلبت على النسك المعروف.
والجناح الحرج والإثم من قولهم "جنح لكذا" أي مال إليه، كأن صاحبه مال إلى الباطل.
أو لأن الناس يميلون إلى صاحبه بالمطالبة ثم قوله ﴿ لا جناح عليه ﴾ يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح.
وظاهر الآية لا يدل على أحد الثلاثة بالتعيين فلهذا اختلف العلماء في أن السعي واجب أم لا، متمسكين بدلائل أخر.
فعن الشافعي أنه ركن ولا يقوم الدم مقامه لقوله "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا" وليس المراد منه العدو بل الجد والاجتهاد في ذلك المشي بحيث لا يفوت لقوله ﴿ فاسعوا إلى ذكر الله ﴾ ولما ثبت أنه سعى فيجب علينا اتباعه لقوله ﴿ واتبعوه ﴾ ولقوله "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.
وعن أبي حنيفة أنه ليس بركن ولكنه واجب وعلى تاركه دم.
وعن ابن الزبير وابن عباس وأنس: أنه تطوع وليس على تاركه شيء لأن رفع الحرج دليل الإباحة لقوله بعد ذلك ﴿ ومن تطوع خيراً ﴾ أجاب الشافعي بما يروى أنه كان على الصفا أساف وعلى المروة نائلةٍ وهما صنمان.
كانا رجلاً وامرأة زنيا في الكعبة فمسخا حجرين فوضعا عليهما ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون الله فكان أهل الجاهلية إذا سعوا مسحوهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان كره المسلمون الطواف بينهما لأجل فعل الجاهلية وأن يكون عليهم جناح في ذلك فرفع عنهم الجناح.
فالإباحة تنصرف إلى وجود الصنمين حال السعي لا إلى نفس السعي كما لو كان على الثوب نجاسة يسيرة عند أبي حنيفة، أو دم البراغيث عندنا، فيقال: لا جناح عليك أن تصلي فيه.
فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا غلى نفس الصلاة، ولهذا قال عروة لعائشة: أرى أنه ما على أحد من جناح أن يطوف بالصفا والمروة، قالت: بئسما قلت يا ابن أختي، إن هذه لو كانت على ما أولتها كانت "لا جناح عليه أن يطوّف بهما" وأصل "يطوف" "يتطوف" فأدغم كمن قرأ "يطوع" بالتشديد وأصله "يتطوع" والتطوع ما ترغب من ذات نفسك من غير إيجاب عليك.
ومن قال: إن السعي واجب فسر هذا التطوع بالسعي الزائد على قدر الواجب.
وعن الحسن: المراد منه جميع الطاعات.
وهذا أولى لعموم اللفظ ﴿ فإن الله شاكر ﴾ ، أي مجازيهم على الطاعة سمي جزاء الطاعة شكراً تشبيهاً بجزاء النعمة، وفيه تلطف العباد مثل ﴿ من ذا الذي يقرض الله ﴾ كأنه يقول: إني وإن كنت غنياً عن طاعتك إلا أني أجعل لها من الموقع ما لو صح عليّ أن أنتفع بها لما ازداد وقعه على ما حصل.
﴿ عليم ﴾ بالسرائر فيوفي كل ذي حق حقه.
وهو وعد ليناسب قرنية الشكر وإن كان أيضاً يحتمل التحذير من الإخلال بوظائف الإخلاص في العبادة ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ كلام مستأنف يتناول كل من كتم شيئاً من الدين.
وقيل: هم أهل الكتاب.
وقيل: اليهود خاصة لما روي عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار سألوا نفراً من اليهود عما في التوراة من صفته ومن الأحكام فكتموا فنزلت، والأول أولى لعموم اللفظ، ولأن خصوص السبب لا يوجب خصوص الحكم، ولأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية فلا ريب أن كتمان الدين يناسب استحقاق اللعن من الله فيعم الحكم حسب عموم الوصف.
ولا يخفى أنَّ القرآن قبل صيرورته متواتراً يمكن كتمانه، والمجمل من القرآن إذا كان بيانه بخبر الواحد يجري فيه الكتمان.
وكذا القول فيما يحتاج إليه المكلف من الدلائل العقلية، ولأن جماعة من الصحابة حملوه على العموم.
عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمداً كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله والله يقول ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ﴾ فحملت الآية على العموم.
وعن أبي هريرة قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة وتلا ﴿ إن الذين يكتمون ﴾ قال بعض المحققين: الكتمان ترك إظهار الشيء مع الحاجة إليه وحصول الداعي إلى إظهاره لأنه متى لم يكن كذلك لا يعد كتماناً.
فلما كان ما أنزل الله من البينات والهدى من أشد ما يحتاج إليه في الدين، وصف من علمه ولم يظهره بالكتمان كما يوصف أحدنا في أمور الدنيا بالكتمان إذا كانت مما تقوى الدواعي على إظهارها.
وعلى هذا الوجه يمدح من يقدر على كتمان السر لأن الكتمان مما يشق على النفس.
وفي الآية دليل على أن ما يتصل بالدين ويحتاج إليه المكلف لا يجوز أن يكتم، ومن كتمه فقد عظمت خطيئته، والمراد بالبينات كل ما أنزله على الأنبياء كتاباً ووحياً دون أدلة العقل.
والهدى يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، لأن الهدى الدلالة فيعم الكل.
وبعبارة أخرى الأول هو التنزيل، والثاني ما يقتضيه التنزيل من الفوائد.
ولقوله ﴿ من بعد ما بيناه للناس في الكتاب ﴾ فيشمل كون خبر الواحد والإجماع والقياس حجة لأن الكتاب دل على هذه الأمور.
وهذا الإظهار فرض على الكفاية لا على التعيين، لأنه إذا أظهره البعض صار بحيث يتمكن كل أحد من الوصول إليه ولم يبق مكتوماً، وإذا خرج عن حد الكتمان لم يجب على الباقين إظهاره مرة أخرى.
وقيل: لم لا يجوز أن يكون كل واحد منهياً عن الكتمان مأمور بالبيان ليكثر المخبرون فيتواتر الخبر؟
وأجيب بأن هذا غلط لأنهم ما نهوا عن الكتمان، إلا وهم فمن يجوز عليهم الكتمان ومن جاز منهم التواطؤ على الوضع والافتراء، فلا يكون خبرهم موجباً للعلم.
ومن الناس من يحتج بالآية على وجوب قبول خبر الواحد لأن وجوب الإظهار دل على وجوب العمل بالذي أظهر لا سيما وقد قال ﴿ إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا ﴾ فحكم بوقوع البيان بخبرهم.
واستدل بالآية أيضاً على عدم جواز أخذ الأجرة على التعليم لأنها دلت على وجوب التعليم ولا أجرة على أداء الواجب.
وقيل في الكتاب أي في التوراة والإنجيل من نعت الرسول ومن الأحكام.
والمعنى أنا لخصناه بحيث لم ندع فيه موضع إشكال فعمدوا إلى ذلك المبين الملخص فكتموه ولبسوا على الناس.
وقيل: أراد بالمنزل الأول كتب الأولين وبالهدى القرآن ﴿ أولئك ﴾ تبعيد لهم عن درجة الاعتبار ﴿ يلعنهم الله ﴾ يبعدهم عن كل خير ﴿ ويلعنهم ﴾ يدعو عليهم باللعن ﴿ اللاعنون ﴾ الذين يتأتى منهم اللعن ويعتدّ بلعنهم من الملائكة وصالحي الثقلين.
وقيل: يدخل فيهم دواب الأرض وهوامها فإنها تقول: منعنا القطر بشؤم معاصي بني آدم.
واللاعنون دون اللاعنات تغليب للعقلاء: وإذا قيل: هم الهوام فقط فالتذكير لأنه وصفهم بصفات العقلاء مثل ﴿ والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين ﴾ ﴿ يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ﴾ ﴿ وقالوا لجلودهم لم شهدتم ﴾ وقيل: كل شيء سوى الثقلين بتقدير أنها لو كانت عاقلة كانت تلعنهم، أو لأنها في الآخرة إذا أعيدت وجعلت من العقلاء فإنها تلعن من فعل ذلك في الدنيا ومات عليه.
وقيل: إن أهل النار يلعنونهم أيضاً لأنهم كتموهم الدين ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ وعن ابن مسعود: إذا تلاعن المتلاعنان وقعت اللعنة على المستحق، فإن لم يكن مستحق رجعت على اليهود الذين كتموا ما أنزل الله .
وعن ابن عباس: أن لهم لعنتين: لعنة الله ولعنة الخلائق.
قال: وذلك إذا وضع الرجل في قبره فيسأل ما دينك ومن نبيك ومن ربك؟
فيقول: لا أدري.
فيضرب ضربة يسمعها كل شيء إلا الثقلين فلا يسمع شيء صوته إلا لعنه ويقول له الملك: لا دريت ولا تليت ﴿ إلا الذين ﴾ استثناء منهم، وفيه من الرحمة ما فيه.
وقد مر أن التوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح لقبحه لا لغرض سواه، فإن من ترك رد الوديعة ثم ندم لأن الناس لاموه أو لأن الحاكم رد شهادته لم يكن تائباً ﴿ وأصلحوا ﴾ ما أفسدوا من أحوالهم وتداركوا ما فرط منهم ﴿ وبينوا ﴾ ما كتموه أو بينوا للناس ما أحدثوه من توبتهم ليعرفوا بضد ما كانوا يعرفون به ويقتدى بهم غيرهم من المفسدين ﴿ فأولئك أتوب عليهم ﴾ أقبل توبتهم بأن أسقط عنهم تجملاً وأضع مكانه الثواب تفضلاً بدلالة قوله ﴿ وأنا التواب الرحيم إن الذين كفروا وماتوا ﴾ عام في كل من كان كذلك.
وقيل: مخصوص بهؤلاء الكاتمين.
ذكر لعنتهم أحياء ثم لعنتهم أمواتاً إذا لم يتوبوا على هذا القول يكون إطلاق الكفر عليهم - وهم من أصحاب الكبائر - مجازاً تغليظاً، أو يراد بالكفر جحود الحق وستره.
والمراد بالناس اللاعنين من يعتد بلعنه وهم المؤمنون أجمعون، وقيل: يوم القيامة يلعن بعض الكفار بعضاً فيعم المؤمن والكافر.
وقيل: لعن الجاهل والظالم مقرر في العقول حتى إن الظالم قد يلعن نفسه إذا تأمل في حاله.
وقيل: وقوع اللعن محمول على استحقاق اللعن، على من مات كافراً وإن زال التكليف عنه بالموت على أن الكافر إذا جن لم يكن زوال التكليف عنه بالجنون مسقطاً للعنه والبراءة منه، وكذلك سبيل ما يوجب المدح والموالاة من الإيمان والصلاح إذا مات صاحبه أو جن لا يغير حكمه عما كان عليه قبل حدوث الحال.
وفي الآية دليل على أن الأمور بخواتيمها، وأنه إذا كفر ومات لا على الكفر لم يكن ملعوناً ضرورة انتفاء المشروط بانتفاء الشرط ﴿ خالدين فيها ﴾ في اللعنة.
وقيل: في النار.
وأضمرت وإن لم يجر لها ذكر تفخيماً لشأنها وتهويلاً لمكانها.
والأول أولى لتقدم ذكره لفظاً، ولأن اللعنة تشمل النار وزيادة، ولأنها تصح في الحال والمآل جميعاً بخلاف النار فإنها في الاستقبال.
فمن فسر "الذين كفروا" بالكاتمين وجوّز الخلاص على صاحب الكبيرة فسر الخلود بالمكث الطويل وقد سلف مثل ذلك ﴿ لا يخفف عنهم العذاب ﴾ بل يتشابه في الأوقات باقياً على المبلغ الذي أتيح له حسب ما استحقه ﴿ ولا هم ينظرون ﴾ إذا استنظروا من الإنظار الإمهال، أو لا ينظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة أعاذنا الله من تلك الحالة بعميم فضله وجسيم طوله.
التأويل: الصفا للسر، والمروة للروح، والسالك بينهما يسعى.
ففي صفا السر يقطع التعلقات عن الكونين وهو التعظيم لأمر الله، وفي مروة الروح يوصل الخير إلى أهله وعياله ونفسه لمراقبة أحوال الباطن ومزاولة أعمال الظاهر وهو الشفقة على خلق الله، ومعنى سبع مرات أن تصل بركات سعيه إلى سبعة آرابه في الظاهر وإلى سبعة أطواره في الباطن وإلى سبعة أقاليم العالم لقوله ﴿ وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ﴾ .
ومن كمال رأفته بأهل محبته أن جعل آثار أقدامهم أشرف الأمكنة، وساعات أيامهم أعز الأزمنة.
فإلى تلك المعاهد والأطلال تشد الرحال، وتلك المشاهد والآثار تعظم وتزار.
أهوى هواها لمن قد كان ساكنها *** وليس في الدار لي هم ولا وطر حسبي الله ونعم الوكيل.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَٱلْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ .
قيل: ﴿ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ هي الحجج، أي كتموا ما أنزل الله من الحجج التي كانت في كتبهم.
وقيل: كتموا ما بين في كتبهم من نعت محمد وصفته.
وجائز أن يكون ﴿ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ ما بين للخلق مما عليهم أن يأتوا ويتقوا من الأحكام من الحلال والحرام.
وقوله: ﴿ وَٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قيل: الصواب والرشد.
وقيل: ﴿ وَٱلْهُدَىٰ ﴾ ما جاءت به أنبياؤهم من شأن محمد [ودينه وأمروا من هديه من تصديقه وقيل: كتموا الإسلام ومن دين الله كتموا محمداً ]، وهم يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
[وقوله: ﴿ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلْكِتَابِ ﴾ اختلف في الناس.
قيل: هم اليهود كتموا بعد ما بين لهم].
وقيل: بينا للمؤمنين ما كتمهم اليهود من نعته ودينه.
ويحتمل: البيان بالحجج والبراهين.
ويحتمل: البيان بالخبر، أخبر المؤمنين بذلك.
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ يَلعَنُهُمُ ٱللَّهُ ﴾ ، قال بعض أهل الكلام: اللعن: هو الشتم من الله ، لكنا لا نستحسن إضافة لفظ الشتم إليه؛ لأن المضاف إليه الشتم يكون مذموماً به في المعروف مما جبل عليه الخلق.
ونقول: اللعن: هو الطرد في اللغة، طردهم الله عز وجل عن أبواب الخير.
وقوله: ﴿ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ ، يعني الداعين عليهم باللعن، سموا بذلك "اللاعنين".
ويحتمل: تستبعدهم عن الخيرات وأنواع البر.
وقيل: ﴿ ٱللاَّعِنُونَ ﴾ هم البهائم، إذا قحطت السماء، وأسنت الأرض قالت البهائم: منعنا القطر بذنوب بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ ﴾ .
قيل: ﴿ تَابُواْ ﴾ عن الشرك، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ صفة محمد .
وقيل: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ عن الكتمان، و ﴿ وَأَصْلَحُواْ ﴾ ما أفسدوا بالكتمان، ﴿ وَبَيَّنُواْ ﴾ ما كتموا.
وقوله: ﴿ فَأُوْلَـئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ .
قيل: يتوب عليهم: يقبل توبة من يتوب.
وقيل: يتوب عليهم، أي: يوفقهم على التوبة.
وقيل: ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ : هو المتجاوز عن ذنبهم في هذا الموضع.
وقيل: الكاشف عن كربهم.
وقوله: ﴿ إِن الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ ٱللَّهِ وَٱلْمَلاۤئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ .
قيل: لعنة الله، هو إدخاله إياهم النار وإخلادهم فيها.
ولعنة الملائكة قوله: ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ جواباً لما سألوهم من تخفيف العذاب، كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُواْ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، وكقوله: ﴿ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ ﴾ \[المؤمنون: 107\]، فتقول لهم الملائكة: ﴿ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\]، هذا ما قيل من لعنة الملائكة.
وقيل: لعنة الناس أجمعين، أنهم لما طلبوا من أهل الجنة الماء بقوله: ﴿ وَنَادَىٰ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ أَصْحَابَ ٱلْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالُوۤاْ إِنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ هذا لعنة الناس.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنْظَرُونَ ﴾ .
قيل: لا يقالون ولا يردون إلى ما تمنوا، كقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ .
وقيل: لا ينظرون ولا يؤجلون.
وقيل: لا يناظرهم خزان النار بالعذاب.
<div class="verse-tafsir"
إلا الذين رجعوا إلى الله نادمين على كتمان تلك الآيات الواضحات، وأصلحوا أعمالهم الظاهرة والباطنة، وبيَّنوا ما كتموه من الحق والهدى، فأولئك أقبل رجوعهم إلى طاعتي، وأنا التواب على من تاب من العباد، الرحيم بهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.rZJ2G"
كان علماء أهل الكتاب يكتمون بعض ما في كتبهم بعدم ذكر نصوصه للناس عند الحاجة إليه أو السؤال عنه كالبشارات بالنبي وصفاته، وكحكم رجم الزاني الذي ورد ذكره في سورة المائدة، ويكتمون بعضه بتحريف الكلم عن مواضعه بالترجمة أو النطق أو حمله على غير معاينه بالتأويل إتباعًا لأهوائهم، كما فعلوا بلفظ "الفارقليط"، ففضحهم الله تعالى بهذه الآيات التي سجلت عليهم وعلى أمثالهم اللعنة العامة الدائمة، قال ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ﴾ .
هذه الآية عود إلى أصل السياق وهو معاداة النبي ومعاندته من الكفار عامة ومن اليهود خاصة، والكلام في القبلة إنما كان في معرض جحودهم وعداوتهم أيضًا، وجاء فيه أنهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وأن فريقًا منهم يكتمون الحق وهم يعلمون، ولم يذكر هناك وعيد هؤلاء الكاتمين لان ذكر الكتمان ورد مورد الاحتجاج عليهم، وتسلية للنبي والمؤمنين على إيذائهم، ثم عاد هنا فذكره، وهو عبارة عن إنكارهم إخبار أنبيائهم عنه وبشارتهم به ، وجعلهم ذلك حجة سلبية على إنكار نبوته، إذ كانوا يقولون: إن الأنبياء يبشر بعضهم ببعض ولم يبشروا بأن سيبعث نبي من العرب أبناء إسماعيل، ولم يجيء بيان في كتبهم عن دينه وكتابه.
فالله تعالى يقول: إنهم يكتمون ما أنزل الله في شأن محمد من بعد ما بينه لهم في الكتاب، وهو اسم جنس يشمل جميع كتب الأنبياء عندهم.
وقد اختلف الناس في صفة هذا الكتمان فقال بعضهم أنهم كانوا يحذفون أوصافه والبشارات فيه من كتبهم، وهو غير معقول، إذ لا يمكن أن يتواطأ أهل الكتاب على ذلك في جميع الأقطار، ولو فعله الذين كانوا في بلاد العرب لظهر اختلاف كتبهم مع كتب إخوانهم في الشام وأوروبة مثلًا.
ويذهب آخرون إلى أن الإنكار كان بالتحريف والتأويل وحمل الأوصاف التي وردت فيه والدلائل التي تثبت نبوته على غيره حتى إذا سئلوا: هل لهذا النبي ذكر في كتبكم؟
قالوا: لا.
على أن في كتبهم أوصافًا لا تنطبق إلا على نبي في بلاد العرب وأظهرها ما في التوراة وكتاب"أشعيا"فإنه لا يقبل التأويل إلا بغاية التحمل والتعسف.
وكذلك فعلوا بالدلائل على نبوة المسيح فإنهم أنكروا انطباقها عليه وزعموا إنها لغيره، ولا يزالون ينتظرون ذلك الغير.
وقد بيّن الله تعالى في هذه الآية أنهم لم يقتصروا على كتمان الشهادة للنبي بالتأويل بل كتموا ما في الكتاب من الهدى والإرشاد بضروب التأويل أيضًا حتى أفسدوا الدين وانحرفوا بالناس عن صراطه وذكر جزاءهم فقال ﴿ أُولَٰئِكَ ﴾ أي الذين كتموا البيانات والهدى فحرموا النور السابق والنور اللاحق، أو الذين شانهم هذا الكتمان في الحال والاستقبال ﴿ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴾ أما لعن الله لهم فهو حرمانهم من رحمته الخاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة.
وأما لعن اللاعنين لهم فليس معناه أنه ينبغي أن يطلب لعنهم، وإنما معناه أنهم بفعلتهم هذه موضع لعنة اللاعنين الآتي ذكرهم في الآية الآتية ﴿ إِلا الَّذِينَ تَابُوا ﴾ عن الكتمان ﴿ وَأَصْلَحُوا ﴾ عملهم بالأخذ بتلك البيانات عن النبي ودينه والهدى الذي جاء به ﴿ وَبَيَّنُوا ﴾ ما كانوا يكتمونه أو بينوا إصلاحهم، وجاهروا بعملهم الصالح وأظهروه للناس، فان بعض الناس يعرف الحق، ويعمل به ولكنه يكتم عمله ويسره موافقة للناس فيما هم لئلا يعيبوه، وهذا ضرب من الشرك الخفي وإيثار الخلق على الحق، لذلك اشترط في توبتهم إظهار إصلاحهم والمجاهرة بأعمالهم ليكونوا حجة على المنكرين، وقدوة صالحة لضعفاء التائبين.
﴿ فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ﴾ أي أرجع وأعود عليهم بالرحمة والرأفة، بعد الحرمان المعبر عنه باللعنة.
وهذا من ألطف أنواع التأديب الإلهي، فإنه لم يذكر أنه يقبل توبتهم كما هو الواقع، بل أسند إلى ذاته العلية فعل التوبة الذي أسنده إليهم، وزاد على ذلك من تأنيسهم وترغيبهم أن قال ﴿ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴾ يصف نفسه سبحانه بكثرة الرجوع والتوبة، للإيذان بالتكرار، كلما أذنب العبد وتاب، حتى لا ييأس من رحمة ربه، إذا هو عاد إلى ذنبه.
فأي ترغيب في ذلك أبلغ من هذا وأشد تأثيرًا منه لمن يشعر ويعقل؟
ثم إن العبرة في الآية هي إن حكمها عام وإن كان سببها خاصًا، فكل من يكتم آيات الله وهدايته عن الناس فهو مستحق لهذه اللعنة.
ولما كان هذا الوعيد وأشباهه حجة على الذين لبسوا لباس الدين من المسلمين وانتحلوا الرئاسة لأنفسهم بعلمه، حاولوا التفصي منه، فقال بعضهم: إن الكتمان لا يتحقق إلا إذا سئل العالم عن حكم الله تعالى فكتمه، وأخذوا من هذا التأويل قاعدة هي أن العلماء لا يجب عليهم نشر ما أنزل الله تعالى ودعوة الناس إليه وبيانه لهم، وإنما يجب على العالم إن يجيب إذا سئل عما يعلمه، وزاد بعضهم إذا لم يكن هناك عالم غيره وإلا كان له أن يحيل على غيره.
وهذه القاعدة مسلمة عند أكثر المنتسبين إلى العلم اليوم وقبل اليوم بقرون، وقد ردها أهل العلم الصحيح فقالوا: إن القرآن الكريم لم يكتف بالوعيد على الكتمان، بل أمر ببيان هداه للناس، وبالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأوعد من يترك هذه الفريضة وذكر لهم العبر فيما حكاه عن الذين قصروا فيها من قبل كقوله تعالى ﴿ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ ﴾ إلخ وقوله ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ -إلى قوله في المتفرقين عن الحق- ﴿ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ وقوله ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﴾ -إلى قوله في عصيانهم الذي هو سبب لعنتهم- ﴿ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ إلخ فأخبر تعالى أنه لعن الأمة كلها لتركهم التناهي عن المنكر.
نعم إن هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ولكن لا يكفي في كل قطر واحدٌ كما قال بعض الفقهاء، بل لا بد أن تقوم به أمة من الناس كما قال الله تعالى، لتكون لهم قوة ولنهيهم وأمرهم تأثير.
وذهب بعض المؤولين مذهبًا آخر هو أن هذا الوعيد مخصوص بالكافرين، فترك المؤمن فريضة من الفرائض كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكسر لا يستحق به وعيد الكافرين فليحقه بالكفار.
وهذا كلام قد ألفته الأسماع، وأُخذ بالتسليم واستعمل في الإفحام والإقناع، فإن الذي يسمعه على علاته يرى نفسه ملزمًا برمي تاركي الأمر بالمعروف والدعوة إلى الخير والنهي عن المنكر بالكفر، وذلك مخالف للقواعد التي وضعوها للعقائد فلا يستطيع أن يقول ذلك.
ولكنه إذا عرض على الله في الآخرة وعلى كتابه في الدنيا يظهر أنه لا قيمة له، وإذا بحثت فيه يظهر له أن الذي يرى حرمات الله تنتهك أمام عينيه، ودين الله يداس جهارًا بين يديه، ويرى البدع تمحو السنن، والضلال يغشي الهدى، ولا ينبض له عرق ولا ينفعل له وجدان، ولا يندفع لنصرته بيد ولا بلسان، هو هذا الذي إذا قيل له إن فلانًا يريد أن يصادرك في شيء من رزقك "كالجراية مثلًا" أو يحاول أن يتقدم عليك عند الأمراء والحكام، تجيش في صدره المراجل، ويضطرب باله، ويتألم قلبه، وربما تجافى جنبه عن مضجعه، وهجر الرقادُ عينيه، ثم إنه يجد ويجتهد ويعمل الفكر في استنباط الحيل وإحكام التدبير لمدافعة ذلك الخصم أو الإيقاع به، فهل يكون لدين الله تعالى في نفس مثل هذا قيمته؟
وهل يصدق أن الإيمان قد تمكن من قلبه، البرهان عليه قد حكم عقله، والإذعان إليه قد أثلج صدره؟
يسهل على من نظر في بعض كتب العقائد التي بنيت على أساس الجدل أن يجادل نفسه ويغشها بما يسليها به من الأماني التي يسميها إيمانًا، ولكنه لو حاسبها فناقشها الحساب ورجع إلى عقله ووجدانه لعلم أنه اتخذ إلهه هواه، وأنه يعبد شهوته من دون الله، وأن صفات المؤمنين التي سردها الكتاب سردًا، وأحصاها عدًا، -وأظهرها بذل المال والنفس في سبيل الله ونشر الدعوة وتأييد الحق- كلها بريئة منه، وأن صفات المنافقين الذين يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم كلها راسخة فيه.
فليحاسب امرؤ نفسه قبل أن يحاسب، وليتب إلى الله قبل حلول الأجل، لعله يتوب عليه وهو التواب الرحيم.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ تقدم في الآية السابقة استحقاق اللعن للكافرين بكتمان الحق، واستثنى منهم الذين يتوبون، ثم ذكر في هذه الآية وما بعدها بيان أولئك الملعونين وشرط استحقاق اللعن الأبدي الذي يلزمه الخلود في دار الهوان وهو أن يموتوا على كفرهم فأولئك تسجل عليهم اللعنة ويخلدون فيها لا تنفعهم معها شفاعة ولا وسيلة.
قال بعض المفسرين: إن المراد بالناس هنا المؤمنون كأن غيرهم ليسوا من الناس، وحجتهم أن حمله على ظاهره وهو العموم لا يصدق على أهل دين أولئك الكفار ومذاهبهم فإنهم لا يلعنونهم...
وهو احتجاج ضعيف، فإن أهل مذاهبهم إذا كانوا لا يلعنون الأشخاص الذين يعرفونهم منهم، فهم إذا شرحت لهم أحوالهم في كفرهم وإصرارهم على غيهم، وإعراضهم عن سعادتهم، وحال الداعي إلى الحق معهم، وذكر لهم كيف يشاقونه ويعاندونه، فهم يلعنونهم أو يرونهم محلًا للعنة ومستحقين لأشد العقوبة، فإن المراد أن هؤلاء الكافرين المصرين على كفرهم إلى الموت أهل اللعنة وموضوع لها من الله ومن عالم الملائكة الروحانيين، ومن الناس أجمعين، فإن الكافر من الناس إذا ذكر له الكفر وأهله وعنادهم واستكبارهم عن الحق لعنهم، ولكنه قد يخطئ في حمل صفات الكفر على أصحابها.
والنكتة في ذكر لعنة الملائكة والناس مع أن لعنة الله وحده كافية في خزيهم ونكالهم، هي بيان إن جميع من يعلم حالهم من العوالم العلوية والسفلية يراهم محلًا للعنة الله ومقته، فلا يرجى أن يرأف بهم رائف، ولا إن يشفع لهم شافع، لان اللعنة صبت عليهم باستحقاق عند جميع من يعقل ويعلم.
ومن حرمه سوء سعيه من رحمة الرؤوف الرحيم فماذا يرجو من سواه؟
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ أي ماكثين في هذه اللعنة وما تقتضيه من شدة العذاب، لا يخرجون منها ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا هم ينظرون أي يمهلون من"الإنظار"ليتوبوا ويصلحوا، أو لا ينظر إليهم نظر مغفرة ورحمة، وقالوا إن الخلود في اللعنة عبارة عن الخلود في أثرها وهو النار بقرينة ﴿ لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"