الآية ١٧٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٤ من سورة البقرة

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَـٰبِ وَيَشْتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنًۭا قَلِيلًا ۙ أُو۟لَـٰٓئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَـٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 94 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى : ( إن الذين يكتمون ) [ مما يشهد له بالرسالة ] ( ما أنزل الله من الكتاب ) يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتبهم التي بأيديهم ، مما تشهد له بالرسالة والنبوة ، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف على تعظيمهم إياهم ، فخشوا لعنهم الله إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم ، فكتموا ذلك إبقاء على ما كان يحصل لهم من ذلك ، وهو نزر يسير ، فباعوا أنفسهم بذلك ، واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير ، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة ; أما في الدنيا فإن الله أظهر لعباده صدق رسوله ، بما نصبه وجعله معه من الآيات الظاهرات والدلائل القاطعات ، فصدقه الذين كانوا يخافون أن يتبعوه ، وصاروا عونا له على قتالهم ، وباءوا بغضب على غضب ، وذمهم الله في كتابه في غير موضع .

من ذلك هذه الآية الكريمة : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ) وهو عرض الحياة الدنيا ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) أي : إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق نارا تأجج في بطونهم يوم القيامة .

كما قال تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا ) [ النساء : 10 ] وفي الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة ، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " .

وقوله : ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) وذلك لأنه غضبان عليهم ، لأنهم كتموا وقد علموا ، فاستحقوا الغضب ، فلا ينظر إليهم ولا يزكيهم ، أي يثني عليهم ويمدحهم بل يعذبهم عذابا أليما .

وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه هاهنا [ الحديث الذي رواه مسلم أيضا من ] حديث الأعمش ، عن أبي حازم ، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله ، ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم [ ولهم عذاب أليم ] شيخ زان ، وملك كذاب ، وعائل مستكبر " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " إنّ الذينَ يَكتمون ما أنـزل الله من الكتاب "، أحبارَ اليهود الذين كتموا الناس أمرَ محمد صلى الله عليه وسلم ونبوّته, وهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة، برُشًى كانوا أُعطوها على ذلك، كما:- 2494- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال: حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب " الآية كلها، هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم وبَين لهم من الحق والهدى، من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وأمره.

2495- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه, عن الربيع في قوله: (إنّ الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب ويَشترون به ثمنًا قليلا) قال: هم أهل الكتاب، كتموا ما أنـزل الله عليهم من الحق والإسلامَ وشأنَ محمد صلى الله عليه وسلم.

2496- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط, عن السدي: " إن الذين يكتمون مَا أنـزل الله منَ الكتاب "، فهؤلاء اليهود، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم.

2497- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: " إنّ الذين يكتمونَ ما أنـزل الله من الكتاب "، والتي في"آل عمران إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا [سورة آل عمران: 77] نـزلتا جميعًا في يهود.

* * * وأما تأويل قوله: " ويَشترون به ثمنًا قليلا "، فإنه يعني: يبتاعون به." والهاء " التي في" به "، من ذكر " الكتمان ".

فمعناه: ابتاعوا بكتمانهم ما كتموا الناس من أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأمر نبوَّته ثمنًا قليلا.

وذلك أنّ الذي كانوا يُعطَوْن = على تحريفهم كتابَ الله وتأويلهِمُوه على غير وجهه، وكتمانهم الحق في ذلك = اليسيرَ من عرض الدنيا، كما:- 2498- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " ويشترون به ثمنًا قليلا " قال، كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم, وأخذوا عليه طمعًا قليلا فهو الثمن القليل.

* * * وقد بينت فيما مضى صفة " اشترائهم " ذلك، بما أغنى عن إعادته هاهنا.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (174) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك "، - هؤلاء الذين يكتمون ما أنـزل الله من الكتاب في شأن محمد صلى الله عليه وسلم بالخسيس من الرِّشوة يُعطَوْنها, فيحرِّفون لذلك آيات الله ويغيِّرون معانيها =" ما يأكلون في بطونهم " - بأكلهم ما أكلوا من الرُّشى على ذلك والجعالة، (31) وما أخذوا عليه من الأجر =" إلا النار " - يعني: إلا ما يوردهم النار ويُصْليهموها, كما قال تعالى ذكره: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا [سورة النساء: 10] معناه: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوردهم النار بأكلهم.

فاستغنى بذكر " النار " وفهم السامعين معنى الكلام، عن ذكر " ما يوردهم، أو يدخلهم ".

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: 2499- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " أولئك مَا يَأكلون في بُطونهم إلا النار "، يقول: ما أخذوا عليه من الأجر.

* * * فإن قال قائل: فهل يكون الأكل في غير البطن فيقال: " ما يأكلون في بطونهم "؟

قيل: قد تقول العرب: " جُعت في غير بطني, وشَبعتُ في غير بطني", فقيل: في بُطونهم لذلك، كما يقال: " فعل فُلان هذا نفسُه ".

وقد بينا ذلك في غير هذا الموضع، فيما مضى.

(32) وأما قوله: " ولا يُكلِّمهمُ الله يَومَ القيامة "، يقول: ولا يكلمهم بما يحبون ويشتهون, فأما بما يسُوءهم ويكرَهون، فإنه سيكلمهم.

لأنه قد أخبر تعالى ذكره أنه يقول لهم - إذا قالوا: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ الآيتين [سورة المؤمنون: 107-108].

* * * وأما قوله: " ولا يُزكِّيهم "، فإنه يعني: ولا يطهِّرهم من دَنس ذنوبهم وكفرهم، (33) " ولهم عذاب أليم "، يعني: مُوجع (34) ---------------- الهوامش : (31) الجعل (بضم فسكون) والجعالة (مثلثة الجيم) : أجر مشروط يجعل للقائل أو الفاعل شيئًا .

(32) انظر ما سلف 2 : 272 ، وهذا الجزء 3 : 159-160 .

(33) انظر ما سلف 1 : 573-574 ، وهذا الجزء 3 : 88 .

(34) انظر ما سلف 1 : 283 .

ثم 2 : 140 ، 377 ، 506 ، 540

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليمقوله تعالى : إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب يعني علماء اليهود ، كتموا ما أنزل الله في التوراة من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصحة رسالته ، ومعنى أنزل : أظهر ، كما قال تعالى : ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله أي سأظهر ، وقيل : هو على بابه من النزول ، أي ما أنزل به ملائكته على رسله .

ويشترون به أي بالمكتوم ثمنا قليلا يعني أخذ الرشاء ، وسماه قليلا لانقطاع مدته وسوء عاقبته ، وقيل : لأن ما كانوا يأخذونه من الرشاء كان قليلا .قلت : وهذه الآية وإن كانت في الأخبار فإنها تتناول من المسلمين من كتم الحق مختارا لذلك بسبب دنيا يصيبها ، وقد تقدم هذا المعنى .قوله تعالى : في بطونهم ذكر البطون دلالة وتأكيدا على حقيقة الأكل ، إذ قد يستعمل مجازا في مثل أكل فلان أرضي ونحوه ، وفي ذكر البطون أيضا تنبيه على جشعهم وأنهم باعوا آخرتهم بحظهم من المطعم الذي لا خطر له .ومعنى إلا النارأي إنه حرام يعذبهم الله عليه بالنار ، فسمي ما أكلوه من الرشاء نارا لأنه يؤديهم إلى النار ، هكذا قال أكثر المفسرين .

وقيل : أي إنه يعاقبهم على كتمانهم بأكل النار في جهنم حقيقة ، فأخبر عن المآل بالحال ، كما قال تعالى : إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا أي أن عاقبته تئول إلى ذلك ، ومنه قولهم :لدوا للموت وابنوا للخرابقال : فللموت ما تلد الوالدة[ ص: 221 ] آخر :ودورنا لخراب الدهر نبنيهاوهو في القرآن والشعر كثير .قوله تعالى : ولا يكلمهم الله يوم القيامة عبارة عن الغضب عليهم وإزالة الرضا عنهم ، يقال : فلان لا يكلم فلانا إذا غضب عليه ، وقال الطبري : المعنى ولا يكلمهم بما يحبونه ، وفي التنزيل اخسئوا فيها ولا تكلمون ، وقيل : المعنى ولا يرسل إليهم الملائكة بالتحية .

ولا يزكيهم أي لا يصلح أعمالهم الخبيثة فيطهرهم ، وقال الزجاج : لا يثني عليهم خيرا ولا يسميهم أزكياء .

أليم بمعنى مؤلم ، وقد تقدم ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم شيخ زان وملك كذاب وعائل مستكبر .

وإنما خص هؤلاء بأليم العذاب وشدة العقوبة لمحض المعاندة والاستخفاف الحامل لهم على تلك المعاصي ، إذ لم يحملهم على ذلك حاجة ، ولا دعتهم إليه ضرورة كما تدعو من لم يكن مثلهم ، ومعنى لا ينظر إليهم لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ، وسيأتي في " آل عمران " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا وعيد شديد لمن كتم ما أنزل الله على رسله, من العلم الذي أخذ الله الميثاق على أهله, أن يبينوه للناس ولا يكتموه، فمن تعوض عنه بالحطام الدنيوي, ونبذ أمر الله, فأولئك: { مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ } لأن هذا الثمن الذي اكتسبوه, إنما حصل لهم بأقبح المكاسب, وأعظم المحرمات, فكان جزاؤهم من جنس عملهم، { وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } بل قد سخط عليهم وأعرض عنهم، فهذا أعظم عليهم من عذاب النار، { وَلَا يُزَكِّيهِمْ } أي: لا يطهرهم من الأخلاق الرذيلة, وليس لهم أعمال تصلح للمدح والرضا والجزاء عليها، وإنما لم يزكهم لأنهم فعلوا أسباب عدم التزكية التي أعظم أسبابها العمل بكتاب الله, والاهتداء به, والدعوة إليه، فهؤلاء نبذوا كتاب الله, وأعرضوا عنه, واختاروا الضلالة على الهدى, والعذاب على المغفرة، فهؤلاء لا يصلح لهم إلا النار, فكيف يصبرون عليها, وأنى لهم الجَلَدُ عليها؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والمآكل وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فغيروها ثم أخرجوها إليهم فلما نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يتبعوه فأنزل الله تعالى ( إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ) يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته ( ويشترون به ) أي بالمكتوم ( ثمنا قليلا ) أي عوضا يسيرا يعني المآكل التي يصيبونها من سفلتهم ( أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ) يعني إلا ما يؤديهم إلى النار وهو الرشوة والحرام وثمن الدين فلما كان يفضي ذلك بهم إلى النار فكأنهم أكلوا النار وقيل معناه أنه يصير نارا في بطونهم ( ولا يكلمهم الله يوم القيامة ) أي لا يكلمهم بالرحمة وبما يسرهم إنما يكلمهم بالتوبيخ .

وقيل أراد به أنه يكون عليهم غضبان كما يقال فلان لا يكلم فلانا إذا كان عليه غضبان ( ولا يزكيهم ) أي لا يطهرهم من دنس الذنوب ( ولهم عذاب أليم ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب» المشتمل على نعت محمد صلى الله عليه وسلم وهم اليهود «ويشترون به ثمنا قليلا» من الدنيا يأخذونه بدله من سفلتهم فلا يظهرونه خوف فوته عليهم «أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار» لأنها مآلهم «ولا يكلمهم الله يوم القيامة» غضبا عليهم «ولا يزكيهم» يطهرهم من دنس الذنوب «ولهم عذاب اليم» مؤلم هو النار.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين يُخْفون ما أنزل الله في كتبه من صفة محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك من الحق، ويحرصون على أخذ عوض قليل من عرض الحياة الدنيا مقابل هذا الإخفاء، هؤلاء ما يأكلون في مقابلة كتمان الحق إلا نار جهنم تتأجج في بطونهم، ولا يكلمهم الله يوم القيامة لغضبه وسخطه عليهم، ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم، ولهم عذاب موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم تحدث القرآن عن سوء عاقبة الذين يكتمون ما أمر الله بإظهاره وتوعدهم بأقسى ألوان العذاب فقال - تعالى - :( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ .

.

.

)الكتم والكتمان : إخفاء الشيء قصداً مع تحقق الداعي إلى إظهاره .وقد تحدث القرآن - قبل هذه الآيات بقليل - في قوله تعالى - ( إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى ) عن المصيرر الأليم الذي توعد الله به أولئك الكاتمين لما أمر الله بإظهاره ، وأعاد الحديث عن سوء عاقبتهم هنا؛ لكي ينذرهم مرة بعد أخرى حتى يقلعوا عن هذه الرذيلة التي هي من أبشع الرذائل وأقبحها ، ولكي يغرس في قلوب الناس - وخصوصا العلماء - الشجاعة التي تجعلهم يجهرون بكملة الحق في وجوه الطغاة لا يخافون لومة لائم ، ويبلغون رسالات الله دون أن يخشوا أحداً سواه ، ويبينون للناس ما أمرهم الله ببيانه بطريقة سليمة أمينة خالية من التحريف الكاذب ، والتأويل الباطل .قال الإِمام الرازي : قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وأحبارهم .

كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم خافوا انطقاع تلك المنافع فكتموا أمره - عليه السلام - وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية .ثم قال الإِمام الرازي : والآية وإن نزلت في أهل الكتاب لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره ، إذ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " .والمراد بالكتاب ، التوراة ، أو جنس الكتب السماوية التي بشرت النبي صلى الله عليه وسلم .و ( مِنَ ) في قوله : ( مِنَ الكتاب ) بمعنى في أي : يكتمون ما أنزل الله في كتابه من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ونعته ووقت بعثته .وقيل للبيان ، وهي حال من العائد على الموصول والتقدير : أنزل الله حال كونه من الكتاب والعامل فيه أنزل .وقوله : ( وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ) معطوف على يكتمون .أي : يكتمون ما أنزل الله من الكتاب مما يشهد بصدق النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذون من سفلتهم في مقابل ذلك عرضاً قليلا من أعراض الدنيا .والضمير في قوله : ( بِهِ ) يعود إلى ما أنزل الله ، أو إلى الكتمان الذي يدل عليه الفعل ( يَكْتُمُونَ ) أو إلى الكتاب .ووصف هذا الثمن الذي يأخذونه في مقابل كتمانهم بالقلة ، لأن كل ما يؤخذ في مقابلة إخفاء شيء مما أنزله الله فهو قليل حتى ولو كان ملء الأرض ذهباً .وقوله - تعالى - : ( أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار ) وما عطف عليه ، بيان للعذاب المهين الذي أعدلهم بسبب كتمانهم لما أمر الله بإظهاره وبيعهم دينهم بدنياهم .أي : أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا ما يؤدي بهم إلى النار وبئس القرار كما قال - تعالى - في حق أكله مال اليتامى : ( إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً )وفي هذه الجملة الكريمة تمثيل لحالة أولئك الكفار الحاصلة من أكلهم ذلك الثمن القليل .المفضي بهم إلى النار ، بحالة من يأكل النار نفسها .

ووجه الشبه بين الحالتين : أنه يترتب على أكل ذلك المال الحرام من تقطيع الأمعاء وشدة الألم ، ما يترب على أكل النار ذاتها ، إلا أن العذاب الحاصل من أكل النار يقع عندما تمتلئ منها بطونهم ، والعذاب الحاصل من أكل المال الحرام يقع عند لقاء جزائه وهو الإِحراق بالنار .وجيء باسم الإِشارة في أول هذه الجملة لتمييز أولئك الكاتمين أكمل تمييز حتى لا يخفى أمرهم على أحد ، وللتنبيه على أن ما ذكر بعد اسم الإِشارة من عقوبات سببه ما فعلوه قبل ذلك من سيئات .وخص - سبحانه - بالذكر الأكل في بطونهم من بين وجوه انتفاعهم بما يأخذونه من مال حرام ، للإِشعار بسقوط همتهم ودناءة نفوسهم حتى إنهم ليخفون ما أمر الله بإظهاره من حقائق وهدايات ، نظير ملء بطونهم .وقوله : ( وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة ) أي : لا يكلمهم كلاما تطمئن به نفوسهم ، وتنشرح له صدورهم وإنما يكلمهم بما يخزيهم ويفجعهم بسبب سوء أعمالهم كقوله - لهم : ( اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ) أو أن نفي تكليمة لهم كتابه عن غضبه عليهم ، لأن من عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المضغوب عليه ولا يكلمونه ، كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث .وقوله : ( وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ) أي : ولا يطهرهم من دنس الكفر والذنوب بالمغفرة ، من التزكية بمعنى التطهي .

يقال : زكاة الله ، أي : طهره وأصلحه .وتستعمل التزكية بمعنى الثناء ، ومنه زكى الرجل صاحبه إذا وصفه بالأوصاف المحمودة وأثنى عليه .

فيكون معنى ( وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ) لا يثني عليهم - سبحانه - ومن لا يثني عليه الله فهو معذب .فهؤلاء الذين كتموا الحق نظير شيء قليل من حطام الدنيا ، فقدوا رضا الله عنهم وثناءه عليهم وتطهيره لهم .ثم ختم - سبحانه - الآية ببيان سوء منقلبهم ، وشدة ألم العذاب الذي ينالهم فقال - تعالى - ( وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) أي .

موجع مؤلم .قال الآلوسي : وقد جاءت هذه الأخبار مرتبة بحسب المعنى ، لأنه لما ذكر - سبحانه - استراءهم بذلك - الثمن القليل - وكان كناية عن مطاعمهم الخبيثة الفانية ، بدأ أولا في الخبر بقوله : ( مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار ) .

وابتني على كتمانهم واشترائهم بما أنزل الله ثمناً قليلاً ، أنهم شهود زور وأحبار سوء ، آذوا بهذه الشهادة الباطلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وألموه فقوبلوا بقوله - سبحانه - : ( وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ مسائل: المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف، وكعب بن أسد، ومالك بن الصيف، وحيي بن أخطب، وأبي ياسر بن أخطب، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية.

المسألة الثانية: اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون؟

فقيل: كانوا يكتمون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته والبشارة به، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم، وقال الحسن: كتموا الأحكام وهو قوله تعالى: ﴿ إِنَّ كَثِيراً مّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله  ﴾ .

المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الكتمان، فالمروى عن ابن عباس: أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل، وعند المتكلمين هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام، فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: الكناية في: به، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم.

المسألة الثانية: معنى قوله: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا ﴾ كقوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً  ﴾ وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان: أخذ الأموال بسبب ذلك، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمناً قليلاً.

المسألة الثالثة: إنما سماه قليلاً إما لأنه في نفسه قليل، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل.

المسألة الرابعة: من الناس من قال: كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم، وقال آخرون: بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها: قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: قال بعضهم: ذكر البطن هاهنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون: بل فيه فائدة فقوله: ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ أي ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه.

المسألة الثانية: قيل: إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيباً في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله: ﴿ إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً  ﴾ عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار، كما روي في حديث آخر الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم وقوله: ﴿ إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا  ﴾ أي عنباً فسماه بإسم ما يؤول إليه وقيل: إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم.

وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ﴾ فظاهره: أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم، وذكروا فيه ثلاثة أوجه: الأول: أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم، وذلك قوله: ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ  ﴾ وقوله: ﴿ فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين  ﴾ فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا: وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ  ﴾ الثاني: أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى: ﴿ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكوراً في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه، وضده في أعدائه، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث: أن قوله: ﴿ وَلاَ يُكَلّمُهُمُ ﴾ استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث.

وثالثها: قوله: ﴿ وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ وفيه وجوه: الأول: لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني: لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث: لا ينزلهم منازل الأزكياء.

ورابعها: قوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل: المسألة الأولى: أن علماء الأصول قالوا: العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يُزَكّيهِمْ ﴾ إشارة إلى الإهانة والاستخفاف، وقوله: ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيهاً على أن الإهانة أشق وأصعب.

المسألة الثانية: دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره.

المسألة الثالثة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئاً من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ملء بطونهم.

يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه ﴿ إِلاَّ النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبه عليه، فكأنه أكل النار، ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه.

قال: أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ وقال: يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا راد ثمن الإكاف، فسماه إكافاً لتلبسه بكونه ثمناً له ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ﴾ تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم.

وقيل: نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه.

وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ [المؤمنون: 108] .

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب.

وقيل: فما أصبرهم، فأي شيء صبرهم.

يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى.

وهذا أصل معنى فعل التعجب.

والذي روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على الله، فمعناه: ما أصبرك على عذاب الله ﴿ ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ ﴾ أي ذلك العذاب بسبب أنّ الله نزل ما نزل من الكتب بالحق ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا ﴾ في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لَفِى شِقَاقٍ ﴾ لفي خلاف ﴿ بَعِيدٍ ﴾ عن الحق، والكتاب للجنس، أو كفرهم ذلك بسبب أنّ الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه من المشركين- فقال بعضهم: سحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير- لفي شقاق بعيد.

يعني أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ عِوَضًا حَقِيرًا.

﴿ أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ إمّا في الحالِ، لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ أكَلَ النّارَ كَقَوْلِهِ: أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ...

بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ يَعْنِي الدِّيَةَ.

أوْ في المَآلِ أيْ لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّارَ.

ومَعْنى في بُطُونِهِمْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ.

يُقالُ أكَلَ في بَطْنِهِ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ كَقَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تُعْفُوا ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ عِبارَةُ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ حالَ مُقابَلِيهِمْ في الكَرامَةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ.

﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مُؤْلِمٌ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ في الدُّنْيا.

﴿ والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ ﴾ في الآخِرَةِ، بِكِتْمانِ الحَقِّ لِلْمَطامِعِ والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ ﴾ تَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ في الِالتِباسِ بِمُوجِباتِ النّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ.

وما تامَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وتَخْصِيصُها كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وما بَعْدَها الخَبَرُ، أوْ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب} في صفة محمد عليه السلام {وَيَشْتَرُونَ به ثمنا قليلا} أى عوضا أو إذ ثمن {أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ} ملء بطونهم تقول أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه {إِلاَّ النار} لأنه إذا أكل ما يتلبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار ومنه قولهم أكل فلان الدم إذا أكل الدية التي هي بدل منه قال ...

يأكلن كل ليلة إكافاً ...

أي ثمن إكاف فسماه إكافاً لتلبسه به بكونه ثمناً له {وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة} كلاما يسرهم ولكن بنحو قوله اخسؤا فيها ولا تكلمون {وَلاَ يُزَكّيهِمْ} ولا يطهرهم من دنس ذنوبهم أو لا يثني عليهم {وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} مؤلم فحرف النفي مع الفعل خبر أولئك وأولئك مع خبره خبران والجمل الثلاث معطوفة على خبر إن فقد صار لأن أربعة أخبار من الجمل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ المُشْتَمِلِ عَلى فُنُونِ الأحْكامِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها أحْكامُ المُحَلَّلاتِ والمُحَرَّماتِ، والآيَةُ نَزَلَتْ - كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - في عُلَماءِ اليَهُودِ كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمْ هَدايا، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهُمْ، فَلَمّا بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ كَتَمُوا وغَيَّرُوا صِفَتَهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - حَتّى لا يُتَّبَعَ، فَتَزُولُ رِياسَتُهم وتَنْقَطِعُ هَداياهم.

﴿ ويَشْتَرُونَ بِهِ ﴾ أيْ: يَأْخُذُونَ بَدَلَهُ في نَفْسِ الأمْرِ والضَّمِيرُ - لِلْكِتابِ - أوْ لِما أُنْزِلَ أوْ لِلْكِتْمانِ ﴿ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ أيْ: عِوَضًا حَقِيرًا.

﴿ أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ إمّا في الحالِ - كَما هو أصْلُ المُضارِعِ- لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِـ النّار وهو ( الرِّشا ) لكَوْنِها عُقُوبَةً لَها، فَيَكُونُ في الآيَةِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ بِأنَّ شَبَّهَ الهَيْئَةَ الحاصِلَةَ مِن أكْلِهِمْ ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ بِالهَيْئَةِ المُنْتَزَعَةِ مِن ( أكْلِهِمُ النّارَ ) مِن حَيْثُ إنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلى ( أكْلِ ) كُلٍّ مِنهُما مِن تَقَطُّعِ الأمْعاءِ والألَمِ ما يَتَرَتَّبُ عَلى الآخَرِ، فاسْتُعْمِلَ لَفْظُ المُشَبَّهِ بِهِ في المُشَبَّهِ، وإمّا في المَآلِ؛ أيْ: لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّار فالنّارُ في الِاحْتِمالَيْنِ مُسْتَعْمَلٌ في مَعْناهُ الحَقِيقِيِّ، وقِيلَ: إنَّها مَجازٌ عَنِ ( الرِّشا ) إذا أُرِيدَ الحالُ، والعَلاقَةُ السَّبَبِيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ وحَقِيقَةٌ إذا أُرِيدَ المَآلُ، ولا يَخْفى أنَّ الأوَّلَ هو الألْيَقُ بِمَقامِ الوَعِيدِ، والجارُّ والمَجْرُورُ حالٌ مُقَدَّرَةٌ؛ أيْ: ما يَأْكُلُونَ شَيْئًا حاصِلًا في بُطُونِهِمْ إلّا النّار إذِ الحُصُولُ في ( البَطْنِ ) لَيْسَ مُقارَنًا لِلْأكْلِ، وبِهَذا التَّقْدِيرِ يَنْدَفِعُ ضَعْفُ تَقْدِيمِ الحالِ عَلى الِاسْتِثْناءِ، ولا يَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِـ يَأْكُلُونَ والمُرادُ في طَرِيقِ بُطُونهمْ كَما اخْتارَهُ أبُو البَقاءِ والتَّقْيِيدُ ( بِالبُطُونِ ) لِإفادَةِ ( المَلْءِ ) لا لِلتَّأْكِيدِ كَما قِيلَ بِهِ، والظَّرْفِيَّةُ بِلَفْظَةِ ( في ) وإنْ لَمْ تَقْتَضِ اسْتِيعابَ المَظْرُوفِ الظَّرْفَ، لَكِنَّهُ شاعَ اسْتِعْمالُ ظَرْفِيَّةِ ( البَطْنِ ) في الِاسْتِيعابِ كَما شاعَ ظَرْفِيَّةُ بَعْضِهِ في عَدَمِهِ كَقَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكم تَعْفُوافَإنَّ زَمانَكم زَمَنٌ خَمِيصُ ﴿ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ أيْ: كَلامَ رَحْمَةٍ، كَما قالَ الحَسَنُ، فَلا يُنافِي سُؤالَهُ - سُبْحانَهُ - إيّاهُمْ، وقِيلَ: ﴿ لا يُكَلِّمُهُمْ ﴾ أصْلًا لِمَزِيدِ غَضَبِهِ - جَلَّ جَلالُهُ - عَلَيْهِمْ، والسُّؤالُ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ.

﴿ ولا يُزَكِّيهِمْ ﴾ أيْ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ الذُّنُوبِ، أوْ يُثْنِي عَلَيْهِمْ.

﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ 174﴾ أيْ: مُؤْلِمٌ، وقَدْ جاءَتْ هَذِهِ الأخْبارُ مُرَتَّبَةً بِحَسَبِ المَعْنى؛ لِأنَّهُ لَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - اشْتِراءَهم بِذَلِكَ ( الثَّمَنَ القَلِيلَ ) وكانَ كِنايَةً عَنْ مَطامِعِهِمُ الخَبِيثَةِ الفانِيَةِ بَدَأ أوَّلًا في الخَبَرِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ ثُمَّ قابَلَ ( كِتْمانُهُمُ الحَقَّ ) وعَدَمَ التَّكَلُّمِ بِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ﴾ تَعالى، وابْتَنى عَلى ( كِتْمانِهِمْ واشْتِرائِهِمْ بِما أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ثَمَنًا قَلِيلًا ) أنَّهم شُهُودُ زُورٍ وأحْبارُ سُوءٍ آذَوْا بِهَذِهِ الشَّهادَةِ الباطِلَةِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وآلَمُوهُ، فَقُوبِلُوا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ وبَدَأ أوَّلًا بِما يُقابِلُ فَرْدًا فَرْدًا، وثانِيًا بِما يُقابِلُ المَجْمُوعَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، نزلت في رؤساء اليهود كانوا يرجون أن يكون النبي-  - منهم، فلما كان من غيرهم خشوا بأن تذهب منافعهم من السفلة، فعمدوا إلى صفة النبي  فغيّروها.

ويقال: غيروا تأويلها فنزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، يعني في التوراة بكتمان صفة النبيّ  وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، يعني يختارون به عرضاً يسيراً من منافع الدنيا.

أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ، يعني يأكلون الحرام.

وإنما سمي الحرام ناراً، لأنه يستوجب به النار، كما قال في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] .

وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي لا يكلمهم بكلام الخير، لأنه يكلمهم بكلام العذاب حيث قال تعالى: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، أي ولا يطهرهم من الأعمال الخبيثة السيئة.

وقال الزجاج: ولا يزكيهم أي لا يثني عليهم خيراً، ومن لا يثني عليه فهو معذب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي وجيع يعني الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، وكذلك كل من كان عنده علم فاحتاج الناس إلى ذلك فكتمه، فهو من أهل هذه الآية.

وهذا كما روى أبو هريرة عن النبي  أنه قال: «مَنْ كَتَمَ عِلْماً، أَلْجَمَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» .

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ، يعني رؤساء اليهود الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى، يعني اختاروا الكفر على الإيمان وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ، يعني اختاروا النار على الجنة فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، يقول: فما الذي أجرأهم على فعل أهل النار؟

ويقال: معناه فما أبقاهم في النار؟

كما يقال: فما أصبر فلاناً على الحبس: أي أبقاه؟

ذلِكَ، أي ذلك العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، أي القرآن بِالْحَقِّ، أي بالعدل.

وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ، أي في القرآن لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، أي في ضلالة بيِّنة.

ويقال: معناه أن الله تعالى أنزل القرآن على محمد  بالعدل، فتركوا اتباعه وخالفوه فاستوجبوا بذلك العذاب.

ويقال: لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، أي في خلاف بعيد من الحق.

وذكر عن قتادة أنه قال: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، أي فما أجرأهم على العمل الذي يقرب إلى النار.

وروي عن مجاهد أنه قال: ما أعلمهم بعمل أهل النار.

ويريد ما أدومهم على عمل أهل النار.

وقال أبو عبيدة: ما الذي صيرهم ودعاهم إلى النار؟

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وابن الماجشون «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ...

الآية.

قال ابن عَبَّاس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمّد صلّى الله عليه وسلم، والْكِتابِ: التوراة والإِنجيل «٢» .

ع «٣» : وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ على مذمَّتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ «٤» بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره: سمى مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إِلى النار «٥» ، وقيل: يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً.

ت: وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين على تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه عزَّ وجلَّ «٦» ، وقد قال تعالى لنبيِّه- عليه السلام-:

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ...

[الأنعام: ٩٠] الآية، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «١» ، قال: «عَلَّمْتُ نَاساً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ، وَالقُرْآنَ، وأهدى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً، فَقُلْتُ:

لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم، فَلأسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أهدى إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ، فاقبلها» ، وَفِي روايةٍ: «فَقُلْتُ مَا ترى فِيهَا، يَا رَسُولَ اللَّهُ؟

قَالَ: جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا» «٢» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: قيل: هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالى يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره: المعنى: لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ.

وَلا يُزَكِّيهِمْ، أي: لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل: المعنى: لا يسمِّيهم أزكياء.

وقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: قال جمهور المفسِّرين: «ما» تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي: هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [عبس: ١٧] وأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم: ٣٨] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ .

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، كَتَمُوا اسْمَ النَّبِيِّ  ، وغَيَّرُوهُ في كِتابِهِمْ.

والثَّمَنُ القَلِيلُ: ما يُصِيبُونَهُ مِنِ اتِّباعِهِمْ مِنَ الدُّنْيا.

﴿ أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهُ يُعَذَّبُونَ بِهِ، فَكَأنَّهم يَأْكُلُونَ النّارَ.

﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ ﴾ هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُ الكُفّارَ ولا يُحاسِبُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ \[فِيهِ \] ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لا يُزَكِّي أعْمالَهم، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: لا يُطَهِّرُهم مِن دَنَسِ كُفْرِهِمْ وذُنُوبِهِمْ، قالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم واشْكُرُوا لِلَّهِ إنْ كُنْتُمْ إيّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَمَ ولَحْمَ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهِ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النارَ ولا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ الطَيِّبُ هُنا يَجْمَعُ الحَلالَ المُسْتَلِذَّ، والآيَةُ تُشِيرُ بِتَبْعِيضِ "مِن" إلى أنَّ الحَرامَ رِزْقٌ.

وحَضَّ تَعالى عَلى الشُكْرِ، والمَعْنى في كُلِّ حالَةٍ، و"إنْ" شَرْطٌ، والمُرادُ بِهَذا الشَرْطِ التَثْبِيتُ وهَزُّ النَفْسِ، كَما تَقُولُ: افْعَلْ كَذا إنْ كُنْتَ رَجُلًا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ﴾ ، "إنَّما" هُنا حاصِرَةٌ.

و"المَيْتَةَ" نُصِبَ بـِ "حَرُمَ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنِ القَعْقاعِ "المَيِّتَةَ" بِالتَشْدِيدِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ اللُغَوِيِّينَ: التَشْدِيدُ والتَخْفِيفُ مِن "مَيْتٍ" و"مَيِّتٍ" لُغَتانِ.

وقالَ أبُو حاتِمٍ، وغَيْرُهُ: ما قَدْ ماتَ فَيُقالانِ فِيهِ، وما لَمْ يَمُتْ بَعْدُ فَلا يُقالُ فِيهِ "مَيْتٌ" بِالتَخْفِيفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: هَكَذا هو اسْتِعْمالُ العَرَبِ، ويَشْهَدُ بِذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ: لَيْسَ مَن ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيِّتٍ إنَّما المَيِّتُ مَيِّتُ الأحْياءِ اسْتَراحَ: مِنَ الراحَةِ، وقِيلَ: مِنَ الرائِحَةِ.

ولَمْ يَقْرَأْ أحَدٌ بِتَخْفِيفٍ فِيما لَمْ يَمُتْ، إلّا ما رَوى البَزِّيُّ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ "وَما هو بِمَيِّتٍ" والمَشْهُورُ عنهُ التَثْقِيلُ، وأمّا قَوْلُ الشاعِرِ: إذا ما ماتَ مَيِّتٌ مِن تَمِيمٍ ∗∗∗ فَسَرَّكَ أنْ يَعِيشَ فَجِيءَ بِزادِ فالأبْلَغُ في الهِجاءِ أنْ يُرِيدَ المَيِّتَ حَقِيقَةً، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّهُ أرادَ مَن شارَفَ المَوْتَ، والأوَّلُ أشْهَرُ.

وقَرَأ قَوْمٌ "المَيْتَةُ" بِالرَفْعِ عَلى أنْ تَكُونَ "ما" بِمَعْنى الَّذِي وإنَّ عامِلَةٌ.

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ: "حَرَّمَ" عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ورَفْعِ ما ذُكِرَ تَحْرِيمُهُ، فَإنْ كانَتْ ما كافَّةً، فالمَيْتَةُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وإنْ كانَتْ بِمَعْنى الَّذِي فالمَيْتَةُ خَبَرٌ.

ولَفْظُ "المَيْتَةَ" عُمُومٌ، والمَعْنى مُخَصَّصٌ لِأنَّ الحُوتَ والجَرادَ لَمْ يَدْخُلْ قَطُّ في هَذا العُمُومِ.

و"المَيْتَةَ": ما ماتَ دُونَ ذَكاةٍ مِمّا لَهُ نَفْسٌ سائِلَةٌ، والطافِي مِنَ الحُوتِ، جَوَّزَهُ مالِكٌ وغَيْرُهُ، ومَنَعَهُ العِراقِيُّونَ.

وفي المَيِّتِ دُونَ تَسَبُّبٍ مِنَ الجَرادِ خِلافٌ.

مَنَعَهُ مالِكٌ، وجُمْهُورُ أصْحابِهِ، وجَوَّزَهُ ابْنُ نافِعٍ، وابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ.

وقالَ ابْنُ وهْبٍ: إنْ ضَمَّ في غَرائِرَ فَضَمُّهُ ذَكاتُهُ.

وقالَ ابْنُ القاسِمِ: لا، حَتّى يَصْنَعَ بِهِ شَيْءٌ يَمُوتُ مِنهُ كَقَطْعِ الرُؤُوسِ والأجْنِحَةِ والأرْجُلِ، أوِ الطَرْحِ في الماءِ، وقالَ سَحْنُونُ: لا يُطْرَحُ في ماءٍ بارِدٍ، وقالَ أشْهَبُ: إنْ ماتَ مِن قَطْعِ رَجْلٍ أو جَناحٍ لَمْ يُؤْكَلْ لِأنَّها حالَةٌ قَدْ يَعِيشُ بِها ويَنْسَلُّ.

و"الدَمَ" يُرادُ بِهِ المَسْفُوحُ، لِأنَّ ما خالَطَ اللَحْمَ فَغَيْرُ مُحَرَّمٍ بِإجْماعٍ.

وفي دَمِ الحُوتِ المُزايِلِ لِلْحُوتِ اخْتِلافٌ، رُوِيَ عَنِ القابِسِيِّ أنَّهُ طاهِرٌ، ويَلْزَمُ مِن طَهارَتِهِ أنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ.

وخُصَّ ذِكْرُ اللَحْمِ مِنَ الخِنْزِيرِ لِيَدُلَّ عَلى تَحْرِيمِ عَيْنِهِ؛ ذُكِّيَ أو لَمْ يُذْكَّ، ولِيَعُمَّ الشَحْمَ وما هُنالِكَ مِنَ الغَضارِيفِ وغَيْرِها، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى تَحْرِيمِ شَحْمِهِ.

وَفِي خِنْزِيرِ الماءِ كَراهِيَةُ أبِي مالِكٍ أنْ يُجِيبَ فِيهِ، وقالَ: أنْتُمْ تَقُولُونَ: خِنْزِيرًا.

وذَهَبَ أكْثَرُ اللُغَوِيِّينَ إلى أنَّ لَفْظَةَ الخِنْزِيرِ رُباعِيَّةٌ، وحَكى ابْنُ سِيدَهْ عن بَعْضِهِمْ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن خَزْرِ العَيْنِ لِأنَّهُ كَذَلِكَ يَنْظُرُ، فاللَفْظَةُ عَلى هَذا ثُلاثِيَّةٌ.

﴿ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ ﴾ ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: المُرادُ ما ذُبِحَ لِلْأنْصابِ والأوثانِ، و"أُهِلَّ" مَعْناهُ: صِيحَ، ومِنهُ اسْتِهْلالُ المَوْلُودِ، وجَرَتْ عادَةُ العَرَبِ بِالصِياحِ بِاسْمِ المَقْصُودِ بِالذَبِيحَةِ، وغَلَبَ ذَلِكَ في اسْتِعْمالِهِمْ حَتّى عَبَّرَ بِهِ عَنِ النِيَّةِ الَّتِي هي عِلَّةُ التَحْرِيمِ، ألا تَرى أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ راعى النِيَّةَ في الإبِلِ الَّتِي نَحَرَها غالِبُ أبُو الفَرَزْدَقِ، فَقالَ: إنَّها مِمّا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ، فَتَرَكَها الناسُ ورَأيْتُ في أخْبارِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ امْرَأةٍ مُتْرَفَةٍ صَنَعَتْ لِلِعَبِها عُرْسًا، فَذَبَحَتْ جَزُورًا، فَقالَ الحَسَنُ: لا يَحِلُّ أكْلُها، فَإنَّها إنَّما ذُبِحَتْ لِصَنَمٍ.

وفي ذَبِيحَةِ المَجُوسِيِّ اخْتِلافٌ، ومالكٌ لا يُجِيزُها البَتَّةَ.

وذَبِيحَةُ النَصْرانِيِّ واليَهُودِيِّ جائِزَةٌ.

واخْتُلِفَ فِيما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ كالطَرِيفِ والشَحْمِ وغَيْرِهِ بِالإجازَةِ والمَنعِ.

وقالَ ابْنُ حَبِيبٍ ؛ ما حَرُمَ عَلَيْهِمْ بِالكِتابِ فَلا يَحِلُّ لَنا مِن ذَبْحِهِمْ، وما حَرَّمُوهُ بِاجْتِهادِهِمْ فَذاكَ لَنا حَلالٌ.

وعِنْدَ مالِكٍ كَراهِيَةٌ فِيما سَمّى عَلَيْهِ الكِتابِيُّ المَسِيحَ أو ذَبَحَهُ لِكَنِيسَتِهِ، ولا يُبَلِّغُ بِذَلِكَ التَحْرِيمِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ ﴾ الآيَةُ، ضَمَّتِ النُونَ لِلِالتِقاءِ إتْباعًا لِلضَّمَّةِ في الطاءِ حَسَبَ قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وأبُو السَمالِ: "فَمَنِ اضْطُرَّ" بِكَسْرِ الطاءِ، وأصْلُهُ "اضْطَرَرَ" فَلَمّا أُدْغِمَ نُقِلَتْ حَرَكَةُ الراءِ إلى الطاءِ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "فَمَنِ اطُّرَّ" بِإدْغامِ الضادِ في الطاءِ، وكَذَلِكَ حَيْثُ ما وقَعَ في القُرْآنِ.

ومَعْنى "اضْطُرَّ": ضَمَّهُ عُدْمٌ وغَرْثٌ، هَذا هو الصَحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ العُلَماءِ والفُقَهاءِ.

وقِيلَ: مَعْناهُ أُكْرِهَ وغَلَبَ عَلى أكْلِ هَذِهِ المُحَرَّماتِ.

و" غَيْرَ باغٍ " في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والمَعْنى فِيما قالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ، وابْنُ زَيْدٍ، وعِكْرِمَةُ وغَيْرُهُمْ: غَيْرُ قاصِدٍ فَسادَ وتَعَدٍّ، بِأنْ يَجِدَ عن هَذِهِ المُحَرَّماتِ مَندُوحَةً ويَأْكُلَها، وهَؤُلاءِ يُجِيزُونَ الأكْلَ مِنها في كُلِّ سِفْرٍ مَعَ الضَرُورَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وغَيْرُهُما: المَعْنى غَيْرُ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ وعادَ عَلَيْهِمْ، فَيَدْخُلُ في الباغِي والمُعادِي قَطّاعُ السُبُلِ، والخارِجُ عَلى السُلْطانِ، والمُسافِرُ في قَطْعِ الرَحِمِ والغارَةِ عَلى المُسْلِمِينَ وما شاكَلَهُ، ولِغَيْرِ هَؤُلاءِ هي الرُخْصَةُ.

وقالَ السُدِّيُّ: " غَيْرَ باغٍ " أيْ غَيْرَ مُتَزَيِّدٍ عَلى حَدِّ إمْساكِ رَمَقِهِ، وإبْقاءِ قُوَّتِهِ، فَيَجِيءُ أكْلُهُ شَهْوَةً، "وَلا عادٍ" أيْ مُتَزَوِّدٍ.

وقالَ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: يَأْكُلُ المُضْطَرُّ شِبَعَهُ، وفي المُوَطَّأِ -وَهُوَ لِكَثِيرٍ مِنَ العُلَماءِ- أنَّهُ يَتَزَوَّدُ إذا خَشِيَ الضَرُورَةَ فِيما بَيْنَ يَدَيْهِ مِن مَفازَةٍ وقَفْرٍ.

وعادٍ مَعْناهُ: عائِدٌ، فَهو مِنَ المَقْلُوبِ كَشاكِي السِلاحِ، أصْلُهُ شائِكٌ، وكَهارٍ أصْلُهُ هائِرٌ، وكَلاثٍ أصْلُهُ لائِثٌ.

وَباغٍ أصْلُهُ باغِي، اسْتُثْقِلَتِ الكَسْرَةُ عَلى الياءِ فَسَكَنَتْ، والتَنْوِينُ ساكِنٌ، فَحُذِفَتِ الياءُ، والكَسْرَةُ تَدُلُّ عَلَيْها، ورَفَعَ اللهُ الإثْمَ لَمّا أحَلَّ المَيْتَةَ لِلْمُضْطَرِّ، لِأنَّ التَحْرِيمَ في الحَقِيقَةِ مُتَعَلَّقُهُ التَصَرُّفَ بِالأكْلِ، لا عَيْنَ المُحَرَّمِ، ويُطْلَقُ التَحْرِيمُ عَلى العَيْنِ تَجَوُّزًا.

ومَنَعَ قَوْمٌ التَزَوُّدَ مِنَ المَيْتَةِ وقالُوا: لَمّا اسْتَقَلَّتْ قُوَّةُ الآكِلِ صارَ كَمَن لَمْ تُصِبْهُ ضَرُورَةٌ قَبْلُ.

ومِنَ العُلَماءِ مَن يَرى أنَّ المَيْتَةَ مِنِ ابْنِ آدَمَ والخِنْزِيرِ لا تَكُونُ فِيها رُخْصَةَ اضْطِرارٍ لِأنَّهُما لا تَصِحُّ فِيهِما ذَكاةٌ بِوَجْهٍ، وإنَّما الرُخْصَةُ فِيما تَصِحُّ الذَكاةُ في نَوْعِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ﴾ الآيَةُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والسُدِّيُّ: المُرادُ أحْبارُ اليَهُودِ، الَّذِينَ كَتَمُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ  ، و"الكِتابُ": التَوْراةُ والإنْجِيلُ، والضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى "الكِتابِ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى "ما" وهو جُزْءٌ مِنَ الكِتابِ فِيهِ أمْرُ مُحَمَّدٍ  ، وفِيهِ وقْعُ الكَتْمِ لا في جَمِيعِ الكِتابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الكِتْمانِ.

والثَمَنُ القَلِيلُ: الدُنْيا والمَكاسِبُ، ووَصْفُ بِالقِلَّةِ لِانْقِضائِهِ ونَفادِهِ، وهَذِهِ الآيَةُ؛ وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في الأحْبارِ، فَإنَّها تَتَناوَلُ مِن عُلَماءِ المُسْلِمِينَ مَن كَتَمَ الحَقَّ مُخْتارًا لِذَلِكَ لِسَبَبِ دُنْيا يُصِيبُها.

وَذُكِرَتِ البُطُونُ في أكْلِهِمُ المُؤَدِّي إلى النارِ، دَلالَةً عَلى حَقِيقَةِ الأكْلِ، إذْ قَدْ يُسْتَعْمَلُ مَجازًا في مِثْلِ أكَلَ فُلانٌ أرْضِي ونَحْوَهُ، وفي ذِكْرِ البَطْنِ أيْضًا تَنْبِيهٌ عَلى مَذَمَّتِهِمْ، لِأنَّهم باعُوا آخِرَتَهم بِحَظِّهِمْ مِنَ المَطْعَمِ، الَّذِي لا خَطَرَ لَهُ، وعَلى هُجْنَتِهِمْ بِطاعَةِ بُطُونِهِمْ.

وقالَ الرَبِيعُ، وغَيْرُهُ: سُمِّيَ مَأْكُولُهم نارًا لِأنَّهُ يَؤُولُ بِهِمْ إلى النارِ، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ: إنَّ اللهَ تَعالى يُعاقِبُهم عَلى كِتْمانِهِمْ بِأكْلِ النارِ في جَهَنَّمَ حَقِيقَةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ ﴾ ، قِيلَ: هي عِبارَةٌ عَنِ الغَضَبِ عَلَيْهِمْ، وإزالَةُ الرِضى عنهُمْ، إذْ في غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنَ القُرْآنِ ما ظاهِرُهُ أنَّ اللهَ تَعالى يُكَلِّمُ الكافِرِينَ كَقَوْلِهِ: ﴿ اخْسَئُوا فِيها ولا تُكَلِّمُونِ  ﴾ ونَحْوَهُ، فَتَكُونُ هَذِهِ الآيَةُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِكَ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُهُ السُلْطانُ، ولا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ، وأنْتَ إنَّما تُعَبِّرُ عَنِ انْحِطاطِ مَنزِلَتِهِ لَدَيْهِ.

وقالَ الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: ولا يُكَلِّمُهم بِما يُحِبُّونَ، وقِيلَ: المَعْنى: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَحِيَّةِ.

" ولا يُزَكِّيهِمْ " مَعْناهُ: لا يُطَهِّرُهم مِن مُوجِباتِ العَذابِ، وقِيلَ: المَعْنى لا يُسَمِّيهِمْ أزْكِياءَ، و"ألِيمٌ" اسْمُ فاعِلٍ بِمَعْنى مُؤْلِمٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عود إلى محاجَّة أهل الكتاب لاَحِقٌ بقوله تعالى: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ [البقرة: 159] بمناسبة قوله: ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ [البقرة: 173] تحذيراً للمسلمين مما أحدثه اليهود في دينهم من تحريم بعض ما أحل الله لهم وتحليل بعض ما حرم الله عليهم؛ لأنهم كانوا إذا أرادوا التوسيع والتضييق تركوا أن يَقْرؤا من كتابهم ما غَيَّروا العمل بأحكامه كما قال تعالى: ﴿ تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيراً ﴾ [الأنعام: 91] كما فعلوا في ترك قراءة حكم رجم الزاني في التوراة حين دعا النبي صلى الله عليه وسلم أحد اليهود ليقرأ ذلك الحكم من التوراة فوضع اليهودي يده على الكلام الوارد في ذلك كما أخرجه البخاري في كتاب الحدود، ولجريانه على مناسبة إباحة ما أبيح من المأكولات جاء قوله هنا ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ لقصد المشاكلة.

وفي هذا تهيئة للتخلص إلى ابتداء شرائع الإسلام؛ فإن هذا الكلام فيه إبطال لما شرعه أهل الكتاب في دينهم فكون التخلص ملوناً بلوني الغَرض السابق والغرض اللاحق.

وعُدل عن تعريفهم بغير الموصول إلى الموصول لما في الصلة من الإيماء إلى سبب الخبر وعلته نحو قوله تعالى: ﴿ إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ [غافر: 60].

والقول في الكتمان تقدم عند قوله تعالى: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى ﴾ [البقرة: 159] والكتاب المذكور هنا هو الكتاب المعهود من السياق وهو كتاب ﴿ الذين يكتمون ﴾ ، فيشبه أن تكون (أل) عوضاً عن المضاف إليه، والذين يكتمونه هم اليهود والنصارى أي يكتمون البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم ويكتمون بعض الأحكام التي بدلوها.

وقوله: ﴿ ويشترون به ثمناً قليلاً ﴾ تقدم تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [البقرة: 41] وهو المال الذي يأخذونه من الناس جزاء على إفتائهم بما يلائم هواهم مخالفاً لشرعهم أو على الحكم بذلك، فالثمن يطلق على الرشوة لأنها ثمن يدفع عوضاً عن جور الحاكم وتحريف المفتي.

وقوله: ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ جيء باسم الإشارة لإشهارهم لئلا يخفى أمرهم على الناس وللتنبيه على أن ما يخبر به عن اسم الإشارة استحقوه بسبب ما ذكر قبلَ اسم الإشارة، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك هلى هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5]، وهو تأكيد للسببية المدْلول عليها بالموصول، وفعل ﴿ يأكلون ﴾ مستعار لأخذ الرُّشَا المعبر عنهابالثمن والظاهر أنه مستعمل في زمان الحال، أي ما يأكلون وقت كتمانهم واشترائهم إلاّ النارَ لأنه الأصل في المضارع.

والأكل مستعار للانتفاع مع الإخفاء، لأن الأكل انتفاع بالطعام وتغييب له فهو خفي لا يَظهر كحال الرشوة، ولما لم يكن لآكل الرشوة على كتمان الأحكام أكْلُ نار تعين أن في الكلام مجازاً، فقيل هو مجاز عقلي في تعلق الأكل بالنار وليست هي له وإنما له سببها أعني الرشوة، قال التفتازاني: وهو الذي يوهمه ظاهر كلام «الكشاف» لكنه صرح أخيراً بغيره، وقيل هو مجاز في الطَّرَف بأن أطلق لفظ النار على الرشوة إطْلاقاً للاسم على سببه قال التفتازاني: وهو الذي صرح به في «الكشاف» ونظَّره بقول الأعرابي يوبخ امرأته وكان يَقْلاَها: أَكَلْتُ دَماً إنْ لم أَرُعْككِ بِضَرَّةٍ *** بعيدةٍ مَهْوَى القُرْطِ طيبةِ النَّشْر أراد الحلف بطريقة الدعاء على نفسه أن يأكل دماً أي دية دَممٍ فقد تضمن الدعاءَ على نفسه بقتل أحد أقاربه وبذهاب مروءته، لأنهم كانوا يتعيرون بأخذ الديَة عن القتيل ولا يرضون إلاّ بالقَوَد.

واختار عبد الحكيم أنه استعارة تمثيلية شبهت الهيئة الحاصلة من أكلهم الرُّشا بالهيئة المنتزعة من أكلهم النار وأطلق المركب الدال على الهيئة المشبه بها على الهيئة المشبهة.

قلت: ولا يضر كون الهيئة المشبه بها غيرَ محسوسة لأنها هيئة متخيلة كقوله: (أعلامُ ياقوْت نشرن على رماححٍ من زبرجد) فالمركب الذي من شأنه أن يدل على الهيئة المشبهة أن يقال: أولئك ما يأخذون إلاّ أخذاً فظيعاً مُهلكاً فإن تناولها كتناول النار للأكل فإنه كلَّه هلاك من وقت تناولها باليد إلى حصولها في البطن، ووجه كون الرشوة مهلكة أن فيها اضمحلال أمر الأمة وذهاب حرمة العلماء والدين فتكون هذه الاستعارة بمنزلة قوله تعالى: ﴿ وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ﴾ [آل عمران: 103] أي على وشك الهَلاك والاضمحلال.

والذي يدعو إلى المصير للتمثيلية هو قوله تعالى: ﴿ في بطونهم ﴾ فإن الرشوة لا تؤكل في البطن فيتعين أن يكون المركب كله استعارة، ولو جعلت الاستعارة في خصوص لفظ النار لكان قوله: ﴿ يأكلون في بطونهم ﴾ مستعملاً في المركب الحقيقي، وهو لا يصح، ولولا قوله ﴿ في بطونهم ﴾ لأمكن أن يقال: إنَّ ﴿ يأكلون ﴾ هنا مستعمل حقيقة عرفية في غصب الحق ونحو ذلك.

وجوزوا أن يكون قوله: ﴿ يأكلون ﴾ مستقبلاً، أي ما سيأكلون إلاّ النار على أنه تهديد ووعيد بعذاب الآخرة، وهو وجيه، ونكتة استعارة الأكل هنا إلى اصطلائهم بنار جهنم هي مشاكلة تقديرية لقوله: ﴿ يشترون به ثمناً قليلاً ﴾ فإن المراد بالثمن هنا الرشوة، وقد شاع تسمية أخذ الرشوة أكلاً.

وقوله: ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ نفي للكلام والمراد به لازم معناه وهو الكناية عن الغضب، فالمراد نفي كلام التكريم، فلا ينافي قوله تعالى: ﴿ فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون ﴾ [الحجر: 93].

وقوله: ﴿ ولا يزكيهم ﴾ أي لا يُثني عليهم في ذلك المجمع، وذلك إشعار لهم بأنهم صائرون إلى العذاب؛ لأنه إذا نفيت التزكية أعقبها الذم والتوبيخ، فهو كناية عن ذمهم في ذلك الجمع إذ ليس يومئذٍ سكوت.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  وصِحَّةِ رِسالَتِهِ.

﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ يَعْنِي قَبُولَ الرِّشا عَلى كَتْمِ رِسالَتِهِ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ.

وَقِيلَ: لِأنَّ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا كانَ قَلِيلًا.

﴿ أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّهُ حَرامٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَصارَ ما يَأْكُلُونَ نارًا، فَسَمّاهُ في الحالِ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ في ثانِي الحالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: وأُمَّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةْ ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُسْمِعُهم كَلامَهُ.

﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةُ.

والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، ومَن لا يُثْنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴿ والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ ﴾ يَعْنِي النّارَ بِالجَنَّةِ.

﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ ما أجْرَأهم عَلى النّارِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّانِي: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى النّارِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ فَما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ.

والرّابِعُ: بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿ إِن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ﴾ والتي في آل عمران ﴿ إن الذين يشترون بعهد الله وإيمانهم ثمناً قليلاً ﴾ [ آل عمران: 77] نزلتا جميعاً في يهود.

وأخرج ابن جرير عن السدي في الآية قال: كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم، وأخذوا عليه طمعاً قليلاً.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ﴾ قال: أهل الكتاب كتموا ما أنزل الله عليهم في كتابهم من الحق، والهدى، والإِسلام، وشأن محمد ونعته ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ يقول: ما أخذوا عليه من الأجر فهو نار في بطونهم.

وأخرج الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس قال: سألت الملوك اليهود قبل مبعث محمد صلى الله عليه وسلم ما الذي يجدون في التوراة؟

قالوا: إنا نجد في التوراة أن الله يبعث نبياً من بعد المسيح يقال له محمد بتحريم الزنا، والخمر، والملاهي، وسفك الدماء، فلما بعث الله محمداً ونزل المدينة قالت الملوك لليهود: هذا الذي تجدون في كتابكم؟

فقالت: اليهود طمعاً في أموال الملوك: ليس هذا بذاك النبي.

فأعطاهم الملوك الأموال، فأنزل الله هذه الآية اكذاباً لليهود.

وأخرج الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود وعلمائهم، كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضل، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم، فعمدوا إلى صفة محمد فغيروها، ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت النبي الذي يخرج في آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي، فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة محمد فلم يتبعوه، فأنزل الله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ ﴾ الآية.

قال ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود (١) وقوله تعالى: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ﴾ يجوز أن تعود الكناية إلى الكتمان، والفعل يدل على المصدر، ويحتمل أن تعود الكناية إلى ﴿ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ ، ويجوز أن تعود إلى المكتوم مما أنزل الله (٢) ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ كقوله: ﴿ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ .

وقد مرّ.

وقوله: ﴿ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ذكر البطن هاهنا زيادة بيان؛ لأنه يقال: أكَلَ فلانٌ المال: إذا بَذَّرَه وأَفْسَدَه (٣) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا اَلنَّارَ ﴾ أي: إلا ما هو عاقبته النار، كما روي في حديث الشارب من آنية الفضة: "إنما يجرجر في بطنه نار جهنم" (٤) ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا  ﴾ ؛ وقوله: ﴿ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا  ﴾ ، أي: عنبًا، فسماه باسم ما يؤول إليه (٥) وقوله: ﴿ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ .

قال المفسرون: أي: لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم، فأما التهديد والمناقشة فقد تكون.

وقيل: معناه: أنه يغضب عليهم؛ لأن ترك التكليم علامة الغضب.

وقيل: لا يرسل إليهم الملائكة بالتحية (٦) ﴿ وَلَا يُزَكِّيهِمْ ﴾ : لا يطهرهم من دنس ذنوبهم، ولا يثني (٧) (٨) (١) ذكره الثعلبي 1/ 1356، والواحدي بأطول من هذا في "أسباب النزول" ص 52، من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، ونقله عنه ابن حجر في "العجاب" 1/ 419، والسيوطي في "لباب النقول" ص 30، وفي "الدر المنثور" 1/ 309، وضعف إسناده، ورواه الطبري 2/ 89، وعبد بن حميد عن قتادة، ورواه الطبري 2/ 89، وهو في "تفسير سنيد بن داود".

كما ذكره الحافظ في "العجاب".

عن عطاء، ورواه الطبري 2/ 89 - 90، وابن أبي حاتم 1/ 285 عن السدي وأبي العالية والربيع بن أنس، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 491 من وجه آخر عن ابن عباس، وذكره الثعلبي 1/ 1355 من رواية جويبر عن الضحاك، وضعفه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 309، والآية وإن كانت في أحبار اليهود فإنها تتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، بسبب دنيا يصيبها.

ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 73.

(٢) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1356، "المحرر الوجيز" 2/ 74، وذكرها في "البحر المحيط" 1/ 491، واستظهر الثاني.

(٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1357، "البحر المحيط" 1/ 491 قال: أو كناية عن ملء البطن؛ لأنه يقال: فلان أكل في بطنه، وفلان أكل في بعض بطنه، أو لرفع توهم المجاز إذ يقال: أكل فلان ماله إذا بذره وإن لم يأكله.

(٤) أخرجه البخاري (5643) كتاب الأشربة، باب: آنية الفضة، ومسلم (2065) كتاب اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال أواني الذهب.

وقوله (يجرجر) يعني به صوت وقوع الماء في الجوف، وإنما يكون ذلك عند شدة الشرب.

ينظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 154.

(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1357، "البحر المحيط" 1/ 492.

(٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 1358، وعزاه لأهل التفسير، "تفسير الطبري" 2/ 90، وقد اختار الأول، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "زاد المسير" 1/ 176.

والقولان الأخيران فيهما عدول عن ظاهر اللفظ، وتأويل للصفة.

(٧) في (أ)، (م): (لا يثني).

(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 90، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "تفسير الثعلبي" 1/ 1358، "زاد المسير" 1/ 153، وذكر ثلاثة أقوال: لا يثني عليهم، قاله الزجاج، ولا يزكي أعمالهم، قاله مقاتل، ولا يطهرهم من دنس كفرهم، قاله ابن جرير.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ اليهود ﴿ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار ﴾ أي أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار، فوضع السبب موضع المسبب، وقيل: يأكلون النار في جهنم حقيقة ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ﴾ عبارة عن غضبه عليهم، وقيل: لا يكلمهم بما يحبون ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ﴾ لا يثني عليهم ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ تعجب من جرأتهم على ما يقودهم إلى النار أو من صبرهم على عذاب النار في الآخرة، وقيل: إنها استفهام، وأصبرهم بمعنى صَبَرَهم، وهذا بعيد، وإنما حمل قائله عليه اعتقاده أن التعجب مستحيل على الله؛ لأنه استعظام خفي سببه، وذلك لا يلزم فإنه في حق الله غير خفي السبب ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى العذاب ورفعه بالابتداء أو بفعل مضمر ﴿ بِأَنَّ الله ﴾ الباء سببية ﴿ نَزَّلَ الكتاب ﴾ القرآن هنا ﴿ بالحق ﴾ أي بالواجب، أو بالإخبار الحق أي الصادق، والباء فيه سببية أو للمصاحبة ﴿ الذين اختلفوا فِي الكتاب ﴾ اليهود والنصارى، والكتاب على هذا التوراة والإنجيل، وقيل: الذين اختلفوا العرب، والكتاب على هذا القرآن، ويحتم جنس الكتاب في الموضعين ﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أي بعيد من الحق والاستقامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الميتة ﴾ بتشديد الياء: يزيد.

الباقون: بالسكون؛ ﴿ فمن اضطر ﴾ بكسر النون وضم الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد.

الباقون: بضمهما.

الوقوف: ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله ﴾ ج الشرط مع فاء التعقيب ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ تزكيهم ﴾ ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بالمغفرة ﴾ ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار.

﴿ على النار ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط للابتداء بأن ﴿ بعيد ﴾ ربع الجزء.

التفسير: إنه  تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلاً من ذلك بما يناسبه، ومن ههنا شرع في بيان الأحكام الشرعية.

الحكم الأول: إباحة الأكل للمؤمنين بعد ما عمم للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل.

وقد يصير واجباً العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوباً كموافقة الضيف واستدل بقوله ﴿ من طيبات ما رزقناكم ﴾ على أن الرزق قد يكون حراماً فإن الطيب هو الحلال.

ولو كان الرزق حلالاً ألبتة لم يبق في ذكر الطيب فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج.

﴿ واشكروا لله ﴾ الذي رزقكموها ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من الشكر.

وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: أوليتنـي نعمـاً أبـوح بشكـرهـا *** وكفيتنـي كـل الأمـور بـأسرهـا فلأشكـرنك ما حييت فـإن أمـت *** فلتشكـرنك أعظمـي فـي قبرهـا عن النبي  "يقول الله  إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري" ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي.

وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة.

وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: فلان يملك جارية.

فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها.

وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله  "أحلت لنا ميتتان ودمان.

أما الميتتان فالجراد والنون.

وأما الدمان فالطحال والكبد" .

وقال  في صفة البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة.

ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي.

وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله  ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً  ﴾ وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله  ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ وفيه نظر.

لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه.

وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي  وابن مسعود وابن عمر لقوله  "ذكاة الجنين ذكاة أمه" وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد "أنه  سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال: إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله  في معرض الامتنان ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ ولقوله  في شاة ميمونة "إنما حرم من الميتة أكلها" ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، وا لصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور.

ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله  "ما أبين من حي فهو ميت" ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم.

وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة.

فأوسع الناس قولاً الزهري.

جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها بالدباغ لقوله  "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد.

ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها.

ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته.

ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير.

ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط.

ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله  قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.

واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة؟

فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه.

وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله  .

وسئل  عن الفأرة تقع في السمن فقال: " استصبحوا به ولا تأكلوه" .

والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه.

وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة.

وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف.

وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان.

ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة.

وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به.

وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟

فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق.

فقال أبو حنيفة: بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق.

قال ابن المبارك: ولم ذلك؟

قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم.

فاستحسنه ابن المبارك.

وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة.

وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم.

ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة.

وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا.

أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص.

وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به.

أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه.

واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز؟

فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز.

واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه.

وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى.

وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية.

قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد.

وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول.

ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله  ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  ﴾ ولأن النصراني إذا سمي الله  فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب.

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم.

وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح.

وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله  قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.

واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم ﴿ فمن اضطر ﴾ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ.

استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم.

الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه.

والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل.

أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به.

"وغير" ههنا بمعنى "لا" النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً.

والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف.

بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد.

وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي.

والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد.

وللأئمة في الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ﴿ ولا عاد ﴾ أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة.

والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين.

ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟

فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل.

وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى ﴿ فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم  ﴾ وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار.

وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل.

وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا.

وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل.

حجة أبي حنيفة قوله  في آية أخرى ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه  ﴾ وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص.

وأيضاً قال  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ﴾ والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية.

وأيضاً الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا.

أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه.

ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع.

وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته.

وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها.

والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه.

وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة.

وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذٍ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول.

وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه.

ولا يشترط في جميع ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن.

ومعنى قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج والضيق كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار.

ومعنى قوله ﴿ أن الله غفور رحيم ﴾ أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو  غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة.

أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة.

﴿ إن الذين يكتمون ﴾ عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم - كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما - كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله  فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة.

فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة النبي  فلا يتبعونه ﴿ ويشترون به ﴾ أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل.

وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل ﴿ في بطونهم ﴾ حال أي ملء بطونهم.

أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿ إلا النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم "أكل الدم" أي الدية التي هي بدل منه: قال: أكلـت دمـاً إن لـم أرعـك بضـرة *** بعيـدة مهـوى القـرط طيبـة النشـر وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق.

ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو لا يكلمهم الله أصلاً لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ﴿ ولا يزكيهم ﴾ بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها الضلال والجهل.

وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي الآخرة أضر الأشياء بأنفعها.

﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجب من حالهم في تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان "ما أصبرك على القيد والسجن" وهذا التعجب منهم في حال التكليف واشترائهم الضلالة بالهدى.

وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم ﴿ اخسؤا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص.

وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة.

وقيل: إن "ما" في ﴿ ما أصبرهم ﴾ للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟

وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب كما في حق الله  ﴿ ذلك ﴾ الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان وسوء معاملتهم إنما هو بسبب ﴿ إن الله نزل الكتاب ﴾ يعني جنس الكتب السماوية أو القرآن ﴿ بالحق ﴾ بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه  ختم على قلوبهم ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ جنسه فقالوا في البعض حق وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لفي شقاق ﴾ خلاف ﴿ بعيد ﴾ عن الحق، أو الذين اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل منهما للآيات الدالة على نبوة محمد  تأويلاً آخر فاسداً، أو حرفوا كلاً منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ ومنازعةٍ شديدةٍ.

فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة، فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة.

وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل ﴿ إن في اختلاف الليل والنهار  ﴾ أي تعاقبهما.

واعلم أن الآية وإن نزلت في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئاً من باب الدين فيكون حكماً ثانياً للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر.

وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضاً بصنعهم وتصريحاً بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم.

التأويل: الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" وقال أيضاً  "سدوا مجاري الشيطان بالجوع" ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به إلى الله رياء وسمعة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : أي في الكتاب يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن كتموا ما في كتبهم من بعث محمد  وعلى آله، وصفته.

ويحتمل: ما كتموا من الأحكام والشرائع من نحو الحدود والرجم وغير ذلك من الأحكام.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أوجب ذلك لهم في الآخرة أكل النار.

ويحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أكلوا في الآخرة عين النار.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

قيل: لا يكلمهم بكلام خير، ولكن يكلمهم بغيره، كقوله: ﴿ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\].

وقيل: لا يكلمهم غضباً عليهم؛ يقال: فلان لا يكلم فلاناً، لما غضب عليه.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ .

قيل: استحبوا الضلالة على الهدى.

وقيل: اختاروا العذاب على المغفرة.

وما قاله الكلبي فهو أحسن: أنهم اشتروا اليهودية - التي هى تحصل عذاباً - بالإيمان - الذي يحصل مغفرة - وقد ذكرنا هذا فيما تقدم أيضاً.

وقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ .

قيل: فما أدومهم في النار.

وقيل: فما أصبرهم على العمل الذي يوجب لهم النار.

وقيل: فما أجرأهم على عمل أهل النار.

وقيل: ما أعملهم بأعمال أهل النار.

وقال الحسن: فما لهم عليها صبر ولكن ما أجرأهم على النار.

وقد يقال لمن يطول حبسه: فما أصبرك على الحبس.

لا على حقيقة الصبر، لكن على وجوده فيه.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .

أي: خالفوا.

وإلا قد اختلف أهل الإيمان والكفر، ولكن أراد - والله أعلم - بالاختلاف: الخلاف، أي: خالفوا الكتاب ولم يعملوا به.

﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .

قيل: لفي خلاف بعيد.

وقيل: لفي ضلال طويل.

وقيل: لفي عداوة بعيدة.

وقيل: حرف "البعيد" في الوعيد إياس؛ كأنه قال: لا انقطاع له.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتب وما فيها من: دلالة على الحق ونبوة محمد  ، كما يفعل اليهود والنصارى، ويشترون بكتمانهم لها عِوَضًا قليلًا كرئاسة أو جاه أو مال؛ أولئك ما يأكلون في بطونهم حقيقة إلا ما يكون سببًا لتعذيبهم بالنار، ولا يكلمهم الله يوم القيامة بما يحبون، بل بما يسوؤهم، ولا يطهرهم ويُثْني عليهم، ولهم عذاب أليم.

<div class="verse-tafsir" id="91.LZzJe"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات متصلة بما قبلها على كلا الوجهين السابقين : فإذا كان الكلام لا يزال في محاجة اليهود وأمثالهم فالأمر ظاهر، وإذا قلنا إن الكلام قد دخل في سرد الأحكام، تكون مقررة لحكم منها وهو ظاهر أيضًا، فقد تقدم أن قول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ  ﴾ تقرير لحكم في الأكل على خلاف ما عليه أهل الملل، وبينا ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون في الأكل، ونقض القرآن لما وضعوه لأنفسهم من الأحكام، وإباحته الطيبات للناس بشرط أن يشكروه عليها، وعلى هذا تكون هذه الآيات جارية على الرؤساء الذين يحرمون على الناس ما لم يحرم الله ويشرعون لهم ما لم يشرعه، من حيث يكتمون ما شرعه بالتأويل أو الترك، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم في شرع ما لم يأذن به الله وإظهار خلافه، سواء كان ذلك في أمر العقائد ككتمان اليهود أوصاف النبي  أو الأكل والتقشف وغير ذلك من الأحكام التى كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك كما قال تعالى ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا  ﴾ وفى حكمهم كل من يبدي بعض العلم ويكتم بعضه لمنفعته، لا لإظهار الحق وتأييده، وهذا هو ما عبر عنه بقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ أي الذين يخفون شيئًا مما أنزل الله من كتابه فلا يبلغونه للناس مهما يكن موضوعه، أو يخفون معناه عنهم بتأويله أو تحريفه أو وضع غيره في موضعه برأيهم واجتهادهم، ويستبدلون بما يكتمونه ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا الفاني كالرشوة والحمل على الفتاوى الباطلة أو قضاء الحاجات عند الله تعالى وغير ذلك من المنافع الموقتة إذا اتخذوا الدين تجارة.

والثمن القليل منه ما قاله المفسرمن استفادة الرؤساء من المرؤوسين ومنه عكسه كما تقدم غير مرة.

هذا النوع من البيع والشراء في الدين عام في الرؤساء الضالين من جميع الأمم.

ومنه ما كان رؤساء اليهود يلاحظونه زمن التنزيل وهو حفظ ما بيدهم الذي يتوهمون أنه يفوتهم بترك ما هم عليه من التقاليد واتباع ما أنزل الله بدلًا منها، وهذا هو شأن الناس في كل دعوة إلى إصلاح جديد غير ما هم فيه، وإن كان يعدهم بخير منه في الدنيا والآخرة، وكان ما هم فيه هو الفقر والذل والخذلان حاضرة أو منتظرة.

ماذا كان شأن النصارى في زمن البعثة؟

فقر حاضر، وذل غالب، وحجر على العقول، ومنع للحرية في الرأي والعلم، وتحكم في الإرادة، وسيطرة على خطرات القلوب وأهواء النفوس، كان هذا عامًا في كل قطر وكل مملكة، وكان بين الطوائف بعضها مع بعض حروب تشب، وغارات تشن، ودماء تسفك، وحقوق تنتهك، وكانوا على هذا كله يتوهمون أن الإسلام سيخرجهم من سعادة إلى شقاء، ومن نعمة إلى بلاء، هب أن بعضهم كان له شيء من المال، وبقية من الجاه، أليس هو من فخفخة الدنيا الزائلة، ألم يكن منغصًا بالخوف عليه؟

هب أنه كان لبعض شعوبهم طائفة من القوة، ألم تكن تشبه الزوبعة تعصف ولا تلبث أن تزول؟

نعم إن ما كان يغر هؤلاء وهؤلاء لم يكن موضعًا للغرور، لأنه متاع حقير، وثمن قليل، وهو غير قائم على أساس ثابت.

ولذلك زال بظهور الإسلام وانتشاره، وتقوضت تلك السلطة، واندكت صروح تلك العظمة، وأجلي اليهود من جزيرة العرب، وزال ملك غيرهم من كل بلاد رفضوا فيها دعوة الإسلام.

وهذا شأن الباطل لا يثبت أمام الحق، فإن أحكام الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها، وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها، وحكم الحق هو الثابت بذاته، فلا يغلب أنصاره ما داموا معتصمين به، مجتمعين عليه.

وقال المفسرون إن هذا الحكم يصدق على المسلمين كما يصدق على أهل الكتاب لأن الغرض تقرير الحكم وهو عام كما يدل لفظه، وكما يليق بعدل الله تعالى رب العالمين، وكما هو ظاهر معقول من اطراد سنة الله تعالى في تأييد أنصار الحق وخذل أهل الباطل فإنها واضحة جلية للمتأملين.

كل ثمن يؤخذ عوضًا عن الحق فهو قليل، إن لم يكن قليلًا في ذاته فهو قليل في جنب ما يفوت آخذه من سعادة الحق الثابتة بذاتها، والدائمة بدوام المحافظة على الحق.

ولو دام للمبطل ما يتمتع به من ثمن الباطل إلى نهاية الأجل -وما هو إلا قصير- فماذا يفعل وقد فاتته بذلك سعادة الروح ونعيم الآخرة باختياره الباطل على الحق ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  ﴾ .

﴿ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ  ﴾ أي أولئك الكاتمون لكتاب الله والمتجرون به ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلا ما يكون سببًا لدخول النار وانتهاء مطامعهم بعذابها، وهذا أظهر من القول بأنهم لا يأكلون في دار الجزاء إلا النار أو طعام النار من الضريع والزقوم، وعبر عن المنافع بالأكل لأنه أعمها، والمعنى لا تملأ بطونها إلا النار، فإن الأكل لما كان لا يكون إلا في البطن كان لا بد من نكتة لذكر البطن إذا قيل أكل في بطنه، ورأيناهم يعبرون بذلك عن الامتلاء، يقولون أكل في بطنه يريدون ملأ بطنه، والأصل أن يأكل الإنسان دون امتلاء بطنه.

والمراد أنه لا يشبع جشعهم ولا يذهب بطمعهم إلا النار التي يصيرون إليها، على حد ما ورد في الحديث:"ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب".

واستشهدوا للتعبير بأكل النار عن سبب عذابها بقول القائل في زوجه: دمشق خذيها لا تفتك قليلة تمر بعودي نعشها ليلة القدر أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فإنه يريد بالدم الدية التي هو سببها -وأكلها عار عندهم- فهو يدعو على نفسه بأن يبتلى بأكل الدية إن لم يرع زوجه ويزعجها بضرة هي من الجمال بالصفة التي ذكرها، وأكل الدية يتوقف على أن يقتل بعض أهله الذين له الولاية عليهم.

قال تعالى ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة  ﴾ قالوا إن الكلام كناية عن الإعراض عنهم والغضب عليهم وهي كناية مشهورة شائعة إلى اليوم.

وجمعوا بهذا بين الآية وبين قوله تعالى ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ وقوله ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ - وقيل لا يكلمهم بما يحبونه ﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ  ﴾ أي لا يطهرهم من ذنوبهم بالمغفرة والعفو وقد ماتوا وهم مصرون على كفرهم ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ أي شديد الألم.

ثم قال فيهم ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى  ﴾ أي أولئك الذين يكتمون ما أنزل الله الخ، أو المجزيون عليه بما ذكرهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى في الدنيا.

فأما الهدى فهو كتاب الله وشرعه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

وأما الضلالة فهي العماية التي يهتدي بها الإنسان لمقصده، وتكون باتباع الهوى وآراء الناس في الدين، وليس لأحد أن يقول في الدين برأيه.

وهذه الآراء لا ضابط لها ولا حد، فأهلها في خلاف وشقاق دائم كما سيأتي فمن أجاز لنفسه اتباع أقوال الناس في الاعتقاد والعبادة وأحكام الحلال والحرام فقد ترك الهدى الواضح المبين الذي لا خلاف فيه، وصار إلى تيه من الآراء مشتبه الأعلام، يضل به الفهم، ولا يهتدي فيه الوهم، وذلك عين اتباع الهوى، وشراء الضلالة بالهدى، فإن الله وحده هو الذي يبين حدود العبودية، وحقوق الربوبية، فلا هداية إلا بفهم ما جاء به رسله عنه ﴿ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ  ﴾ أي واشتروا العذاب بالمغفرة في الآخرة، وهذا أثر ما قبله فإن متبع الهدى هو الذي يستحق المغفرة لما يفرط منه وما يلم هو به من السوء ومتبع الضلالة هو المستحق للعذاب، ومن دعي إلى الحق يعرف هذا، فإذا هو اختار الضلالة بعد صحة الدعوة وقيام الحجة فقد اشترى العذاب بالمغفرة، وكان هو الجاني على نفسه، إذ استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، غرورًا بالعاجل، واستهانة بالآجل ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ  ﴾ أي أن صبرهم على عذاب النار الذي تعرضوا له مثار العجب، ذلك بأن عملهم الموصوف في الآيتين هو العمل الذي يسوقهم إلى عذاب النار.

فتهوكهم فيه إنما هو تهوك من لا يبالي به، كأنه مما يطيقه ويمكنه الصبر عليه، فلا يترك ضلالته اتقاء له.

وصيغة التعجب قالوا يراد بها تعجيب الناس من شأنهم إذ لا نتصور حقيقة التعجب من الله تعالى إذ لا شيء غريب عنده  ولا مجهول سببه، وهو العالم بظواهر الأشياء وخوافيها، وحاضرها عنده كماضيها وآتيها ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ  ﴾ والصبر على النار غير واقع منهم فيتعجب منه حالًا، ولا متوقع فيتعجب منه مآلا، فلا صبر هنالك يتعجب منه وإنما حالهم في تهوكهم وانهماكهم في العبث بدين الله هو الذي جعل موضع التعجب للتنفير والتشنيع عليهم.

ولكن صح في الحديث إسناد العجب إلى الله تعالى وطريقة السلف في مثله أن يقال عجب يليق به ليس كعجب البشر مما يكبرون أمره ويجهلون سببه، ويتأوله الأكثرون بالرضى من المتعجب منه.

إن الكلام في أكلهم النار والتعجب من صبرهم على النار هو تصوير لحالهم وتمثيل لمآلهم.

أما الثاني فظاهر.

وأما الأول فيتجلى لك إذا تمثلت حال قوم عندهم كتاب يؤمنون أنه من الله، ويؤمنون بلقاء الله، وقد كتموا ما أنزل الله فيه بالتحريف والتأويل كما فعل اليهود بكتمان وصف الرسول، وهم يقارعون بالدلائل العقلية، ويذكرون بآيات الله وأيامه، فيشعرون بجاذبين متعاكسين: جاذب الحق الذي عرفوه، وجاذب الباطل الذي ألفوه، ذاك يحدث لهم هزة وتأثيرًا، وهذا يحدث لهم استكبارًا ونفورًا، وقد غلب عقولهم ما عرفوا، وغلب قلوبهم ما ألفوا، فثبتوا على ما حرفوا وانحرفوا، وصاروا إلى حرب عوان، بين العقل والوجدان، يتصورون الخطر الآجل، فيتنغص عليهم التلذذ بالعاجل، ويتذوقون حلاوة ما هم فيه، فيؤثرونه على ما سيصيرون إليه.

أليس هذا الشعور بخذل الحق ونصر الباطل، واختيار ما يفنى على ما يبقى، نارًا تشب في الضلوع؟

أليس ما يأكلونه من ثمن الحق ضريعًا لا يسمن ولا يغني من جوع؟

بلى فإن عذاب الباطن أشد من عذاب الظاهر، كما يومئ إليه قول الشاعر: دخول النار للمهجور خير من الهجر الذي هو يتقيه لأن دخوله في النار أدنى عذابًا -من دخول النار فيه فهذا تأويل وجيه لأكلهم النار وللتعجب من صبرهم على النار، نزل به الوحي الإلهي وظهر على لسان الرسول  ، وإن أرباب الأرواح العالية، والمرائي الصافية، تتمثل لهم المعاني بأتم ما تتمثل به لسائر الأرواح المحجوبة بالظواهر، المخدوعة بالمظاهر، التي يصرفها الاشتغال بالحس عن معرفة مراتب النفس.

فلا غرو إذا تمثلت للنبي  حال أولئك الجاحدين المعاندين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، واتخذوا آلهتهم الهوى وواثبوا الحق يقارعهم ويقارعونه، وناصبوا الدليل ينازعهم وينازعونه، بحال الذي يتقحم في النار، ويكره نفسه على الاصطبار، كما يتمثل ذلك الثمن القليل الذي باعوا به الحق نارًا يزدردونها، إذ كان آلامًا يتحملونها، مكابرة البرهان أشد العذاب عند العقلاء، ومحاربة القلب -الضمير والوجدان- أوجع الآلام عند الفضلاء، فالعاقل يستطيع أن يمنع نفسه من أكثر اللذات الحسية، ولكنه لا يستطيع أن يمنع عقله العلم وذهنه الفهم، فقد قيل"لديوجين" لا تسمع، فسد أذنيه، فقيل له: لا تبصر، فأغمض عينيه، فقيل له: لا تذق فقبل، فقيل له لا تفهم فقال لا أقدر.

فلا غرو إذا مثلت للنبي حال أولئك المكابرين للحق بما ذكر وأظهرته البلاغة بصيغة التعجب تارة وبصورة أكل النار تارة.

قال تعالى في تعليل ما ذكر ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ  ﴾ أي ذلك الحكم الذي تقرر في شأنهم هو بسبب أن الكتاب جاء بالحق والحق لا يغالب ولا يقاوى، فمن غالبه غُلِب، ومن خذله خُذِل.

ثم قال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ  ﴾ أي وإن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله للحكم في الخلاف وجمع الكلمة على اتباع الحق، لفي شقاق وعداء بعيد عن سبيل الحق، فأنى يهتدون إليه، وكل منهم يخالف الآخر بما ابتدعه من مذهب أو رأي فيه.

حتى صار -(أي الكتاب)- وهو مزيل الاختلاف أعظم أسبابه، يطرق لأجل إزالته والحكم فيه كل باب غير بابه؟!

والشقاق: الخلاف والتعادي، وحقيقته أن يكون كل واحد من الخصمين في شق أي في جانب غير الذي فيه الآخر، والمختلفون في الدين ينأى كل بجانبه عن الآخر فيكون الشقاق بينهما بعيدًا كما نرى.

هذا حكم آخر في الكتاب غير حكم كتمانه، فهو يفهمنا أن الاختلاف فيه بعد عن الحق ككتمانه، لأن الحق واحد وهو ما يدعو إليه الكتاب، والمختلفون لا يدعون إلى شيء واحد ولا يسلكون سبيلًا واحدة ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ  ﴾ وهذا دليل على أنه لا يجوز لأهل الكتاب الإلهي أن يقيموا على خلاف في الدين، ولا أن يكونوا شيعًا كل يذهب إلى مذهب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ ولما كان اختلاف الفهم ضروريًا لأنه من طباع البشر وجب عليهم ان يتحاكموا فيه إلى الكتاب والسنة حتى يزول ولا يجوز أن يقيموا عليه ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  ﴾ فلا عذر للمسلمين في الاختلاف في دينهم بعد هذا البيان الذي جعل لكل مشكل مخرجًا.

الشقاق أثر طبيعي للاختلاف، والاختلاف في الأمة أثر طبيعي للتقليد والانتصار للرؤساء الذين اتخذوا أندادًا -ولو بدون رضاهم ولا إذنهم- إذ لولا التقليد لسهل على الأمة أن تُرْجِع في كل عصر أقوال المجتهدين والمستتنبطين إلى قول واحد بعرضه على كتاب الله وسنة ورسوله.

مثال ذلك أن الكتاب والسنة صريحان في أن النكاح لا يصح إلا إذا كان تولى العقد ولي المرأة برضاها أو غيره بإذنه، وقد أجمع الصحابة على هذا عملًا، ونقل عن أعلمهم قولًا، ولم ينقل أحد فيه خلافًا صحيحًا، فإذا وجد للحنفية في المسألة قولان: أحدهما - مخالف للنصوص وهو أن للبالغة الراشدة أن تزوج نفسها.

وثانيهما - أنه ليس لها ذلك، وهو الموافق للنصوص، أفلم يكن من الواجب على المسلمين - وقد اختلف علماؤهم في هذه المسألة- أن يعرضوها على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر المجتهدين، ويردوا الرواية المخالفة ويعملوا بالموافقة؟

بلى.

ولكن التقليد هو الذي أوقعهم في الشقاق البعيد.

ويتوهم بعضهم أن ترك أقوال بعض الأئمة إهانة لهم، وهذا غير صحيح بل هو عين التعظيم لهم، والاتباع لسيرتهم الحسنة.

ولو فرضنا أنه إهانة -وكان يتوقف عليها اتباع هدى كتاب الله وسنة رسوله- أفلا تكون واجبة ويكون تعظيم الكتاب والسنة مقدمًا عليه لأن إهانتهما كفر وترك للدين؟

على أن ترك أقوال الأئمة واقع ماله من دافع، فإن أتباع كل إمامٍ تاركون لأقوال غيره المخالفة لمذهبهم، بل ما من مذهب إلا وقد رجح بعض علمائه أقوالًا مخالفة لنص الإمام، ولا سيما الحنفية.

هذا..

وإن الكتاب لا مثار فيه للخلاف والنزاع إذا صحت النية، فكل من يتعلم العربية تعلمًا صحيحًا وينظر في سنة النبي وسيرته وما جرى عليه السلف من أصحابه والتابعين لهم يسهل عليه أن يفهمه وما تختلف فيه الأفهام ولا يقتضي الشقاق، بل يسهل على جماعة المسلمين من أهل العلم والفهم أن ينظروا في الفهمين المختلفين وطرق الترجيح بينهما، وما ظهر لكلهم أو أكثرهم أنه الراجح يعتمدونه إذا كان يتعلق بمصلحة الأمة والأحكام المشتركة بينها، وما عساه ينفرد به بعض الأفراد من فهم خاص بمعارفه يكون حجة عليه دون غيره، فهو لا يقتضي شقاقًا، لأن الشقاق فيه معنى المشاركة.

والله أعلم وأحكم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل