الآية ١٧٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٧٥ من سورة البقرة

أُو۟لَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا۟ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 88 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٧٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٧٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ثم قال تعالى مخبرا عنهم : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ) أي : اعتاضوا عن الهدى ، وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به من كتب الأنبياء واتباعه وتصديقه ، استبدلوا عن ذلك واعتاضوا عنه بالضلالة ، وهو تكذيبه والكفر به وكتمان صفاته في كتبهم ( والعذاب بالمغفرة ) أي : اعتاضوا عن المغفرة بالعذاب وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة .

وقوله تعالى : ( فما أصبرهم على النار ) يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد عظيم هائل ، يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك ، مع شدة ما هم فيه من العذاب ، والنكال ، والأغلال عياذا بالله من ذلك .

[ وقيل معنى قوله : ( فما أصبرهم على النار ) أي : ما أدومهم لعمل المعاصي التي تفضي بهم إلى النار ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " أولئك الذين اشترَوُا الضلالة بالهدى "، أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى, وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يُوجب لهم غفرانه ورضْوَانه.

فاستغنى بذكر " العذاب " و " المغفرة "، من ذكر السبب الذي يُوجبهما, لفهم سامعي ذلك لمعناه والمراد منه.

وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى.

(35) وكذلك بينا وجه " اشتروا الضلالة بالهدى " باختلاف المختلفين، والدلالة الشاهدة بما اخترنا من القول، فيما مضى قبل، فكرهنا إعادته.

(36) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (175) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.

فقال بعضهم معنى ذلك: فما أجرأهم على العمل الذي يقرِّبُهم إلى النار.

* ذكر من قال ذلك: 2500- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " فما أصْبَرهم على النار "، يقول: فما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار.

2501- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فما أصْبَرهم على النار "، يقول: فما أجرأهم عليها.

2502- حدثني المثنى قال، حدثنا عمرو بن عون قال، حدثنا هشيم, عن بشر، عن الحسن في قوله: " فما أصْبرهم على النار " قال، والله ما لهم عليها من صبر, ولكن ما أجرأهم على النار.

2503- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا مسعر = وحدثني المثنى قال، حدثنا أبو بكير قال، حدثنا مسعر =، عن حماد، عن مجاهد، أو سعيد بن جبير، أو بعض أصحابه: " فما أصبرهم على النار "، ما أجرأهم.

2504- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع قوله: " فما أصبرهم على النار "، يقول: ما أجرأهم وأصبرهم على النار.

* * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: فما أعملهم بأعمال أهل النار.

* * * * ذكر من قال ذلك: 2505- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قوله: " فما أصْبرهم على النار " قال، ما أعملهم بالباطل.

2506- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

* * * واختلفوا في تأويل " ما " التي في قوله: " فما أصبرهم على النار ".

فقال بعضهم: هي بمعنى الاستفهام، وكأنه قال: فما الذي صبَّرهم؟

أيُّ شيء صبرهم؟

(37) * ذكر من قال ذلك: 2507- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " فما أصبرَهم على النار "، هذا على وجه الاستفهام.

يقول: مَا الذي أصبرهم على النار؟

2508- حدثني عباس بن محمد قال، حدثنا حجاج الأعور قال، أخبرنا ابن جريج قال، قال لي عطاء: " فما أصبرهم على النار " قال، ما يُصبِّرهم على النار، حين تَركوا الحق واتبعوا الباطل؟

2509- حدثنا أبو كريب قال: سُئل أبو بكر بن عياش: " فما أصبرهم على النار " قال، هذا استفهام, ولو كانت من الصبر قال: " فما أصبرُهم "، رفعًا.

قال: يقال للرجل: " ما أصبرك ", ما الذي فعل بك هذا؟

2510- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " فما أصبرهم على النار " قال، هذا استفهام.

يقول ما هذا الذي صبَّرهم على النار حتى جَرأهم فعملوا بهذا؟

* * * وقال آخرون: هو تعجُّب.

يعني: فما أشد جراءتهم على النار بعَملهم أعمال أهل النار!

* ذكر من قال ذلك: 2511- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد : " فما أصبرهم على النار " قال، ما أعملهم بأعمال أهل النار!

وهو قول الحسن وقتادة, وقد ذكرناه قبل.

(38) * * * فمن قال: هو تعجُّب - وجَّه تأويلَ الكلام إلى: أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ، فما أشد جراءتهم -بفعلهم ما فعلوا من ذلك- على ما يوجب لهم النار!

كما قال تعالى ذكره: قُتِلَ الإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ [سورة عبس: 17]، تعجبًا من كفره بالذي خَلقه وسَوَّى خلقه.

* * * فأما الذين وجهوا تأويله إلى الاستفهام، فمعناه: هؤلاء الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة، فما أصبرهم على النار -والنار لا صبر عليها لأحد- حتى استبدلوها بمغفرة الله فاعتاضوها منها بدلا؟

* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية قول من قال: ما أجرأهم على النار, بمعنى: ما أجرأهم على عَذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها.

وذلك أنه مسموع من العرب: " ما أصبرَ فلانًا على الله ", بمعنى: ما أجرأ فلانًا على الله!

(39) وإنما يعجب الله خَلقه بإظهار الخبر عن القوم الذين يكتمون ما أنـزل الله تبارك وتعالى من أمر محمد صلى الله عليه وسلم ونبوَّته, واشترائهم بكتمان ذلك ثَمنًا قليلا من السحت والرشى التي أعطوها - على وَجه التعجب من تقدمهم على ذلك.

(40) مع علمهم بأنّ ذلك موجبٌ لهم سَخط الله وأليم عقابه.

وإنما معنى ذلك: فما أجرأهم على عذاب النار!

ولكن اجتزئ بذكر " النار " من ذكر " عذابها "، كما يقال: " ما أشبه سخاءك بحاتم ", بمعنى: ما أشبه سَخاءك بسخاء حاتم," وما أشبه شَجاعتك بعنترة ".

(41) --------------- الهوامش : (35) انظر ما سلف فهارس مباحث العربية .

(36) انظر ما سلف 1 : 311-315 .

(37) وذلك قول أبي عبيدة في مجاز القرآن : 64 .

(38) انظر ما سلف رقم : 2501 ، 2502 .

(39) انظر خبر ذلك في معاني القرآن للفراء 1 : 103 .

(40) قدم ، وتقدم ، وأقدم ، واستقدم ، كلها بمعنى واحد ، إذا كان جرئيًا فاقتحم .

(41) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 103 ، أيضًا .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النارقوله تعالى : أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة تقدم القول فيه ، ولما كان العذاب تابعا للضلالة وكانت المغفرة تابعة للهدى الذي اطرحوه دخلا في تجوز الشراء .قوله تعالى : فما أصبرهم على النار مذهب الجمهور - منهم الحسن ومجاهد - أن " ما " معناه التعجب وهو مردود إلى المخلوقين ، كأنه قال : اعجبوا من صبرهم على النار ومكثهم فيها ، وفي التنزيل : قتل الإنسان ما أكفره و أسمع بهم وأبصر .

وبهذا المعنى صدر أبو علي .

قال الحسن وقتادة وابن جبير والربيع : ما لهم والله عليها من صبر [ ص: 222 ] ولكن ما أجرأهم على النار وهي لغة يمنية معروفة .

قال الفراء أخبرني الكسائي قال : أخبرني قاضي اليمن أن خصمين اختصما إليه فوجبت اليمين على أحدهما فحلف ، فقال له صاحبه : ما أصبرك على الله ؟

أي ما أجرأك عليه ، والمعنى : ما أشجعهم على النار إذ يعملون عملا يؤدي إليها ، وحكى الزجاج أن المعنى ما أبقاهم على النار ، من قولهم : ما أصبر فلانا على الحبس أي ما أبقاه فيه ، وقيل : المعنى فما أقل جزعهم من النار ، فجعل قلة الجزع صبرا وقال الكسائي وقطرب : أي ما أدومهم على عمل أهل النار ، وقيل : " ما " استفهام معناه التوبيخ ، قاله ابن عباس والسدي وعطاء وأبو عبيدة معمر بن المثنى ، ومعناه : أي أي شيء صبرهم على عمل أهل النار ؟

وقيل : هذا على وجه الاستهانة بهم والاستخفاف بأمرهم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فهؤلاء نبذوا كتاب الله, وأعرضوا عنه, واختاروا الضلالة على الهدى, والعذاب على المغفرة، فهؤلاء لا يصلح لهم إلا النار, فكيف يصبرون عليها, وأنى لهم الجلد عليها؟"

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ) قال عطاء والسدي : هو ما : استفهام معناه ما الذي صبرهم على النار وأي شيء يصبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وقال الحسن وقتادة : والله ما لهم عليها من صبر ولكن ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار قال الكسائي : فما أصبرهم على عمل أهل النار أي ما أدومهم عليه

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى» آخذوها بدله في الدنيا «والعذاب بالمغفرة» المعدة لهم في الآخرة لو لم يكتموا «فما أصبرهم على النار» أي ما أشد صبرهم وهو تعجب للمؤمنين من ارتكابهم موجباتها من غير مبالاة وإلا فأيُّ صبر لهم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أولئك المتصفون بهذه الصفات استبدلوا الضلالة بالهدى وعذاب الله بمغفرته، فما أشد جراءتهم على النار بعملهم أعمال أهل النار!!

يعجب الله من إقدامهم على ذلك، فاعجبوا -أيها الناس- من جراءتهم، ومن صبرهم على النار ومكثهم فيها.

وهذا على وجه الاستهانة بهم، والاستخفاف بأمرهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - ما هم عليه من جهل وغباء وسوء عاقبة فقال : ( أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة ) .الاشتراء : استبدال السلعة بالثمن .

والمعنى : أولئك الذين تقدم الحديث عنهم وهم الكاتمون لما أنزل الله قد بلغ بهم الغباء وانطماس البصيرة أنهم باعوا الهدى والإِيمان ليأخذوا في مقابلهما الكفر والضلال ، وباعوا ما يوصلهم إلى مغفرة الله ورحمته ليأخذوا في مقابل ذلك عذابه ونقمته ، فما أخسرها من صفقة ، وما أغبى هؤلاء الكاتمين الذين فعلوا ذلك نظير عرض من أعراض الدنيا الفانية ، فخسروا بما فعلوه دنياهم وآخرتهم .وقوله - تعالى - : ( فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ) معناه : فما أدومهم على عمل المعاصي التي تؤدي بهم إلى النار حتى لكأنهم بإصرارم على عملهم يجلبون النار إليهم جلباً .

ويقصدون إليها قصداص بدون مبالاة أو تفكر .والمراد من التعجب في هذه الآية وأشباهها ، الإِعلام بحالهم وأنهن ينبغي أن يتعجب منها كل أحد ، وذلك لأن المعنى الظاهر من الجملةالتعجب من صبر أولئك الكفارعلى النار ، والتعجب انفعال - يحدث في النفس عند الشعور بأمر يجهل سببه وهو غير جائز في حقه - تعالى - لأنه لا يخفى عليه شيء ، ومن هنا قال العلماء : إن فعل التعجب في كلام الله المراد منه التعجب ، أي : جعل الغير يتعجب من ذلك الفعل ، وهو هنا صبرهم على النار ، فيكون المقصود تعجيب المؤمنين من جراءة أولئك الكاتمين لما أنزل الله على اقترافهم ما يلقى بهم في النار ، شأن الواثق من صبره على عذابها المقيم .وشبيه بهذا الأسلوب في التعجب - كما أشار صاحب الكشاف - أن تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان : ما أصبرك على القيد والسجن فأنت لا تريد التعجب من صبره ، وإنما تريد إفهامه أن التعرض لما يغضبه لا يقع إلا ممن شأنه الصبر على القيد والسجن ، والمقصود بذلك تحذيره من التمادي فيما يوجب غضب ذلك السلطان .قال الجمل ما ملخصه وما في قوله ( فَمَآ أَصْبَرَهُمْ ) - وفي مثل هذا التركيب - فيها أوجه : .أحدها : وهو قول سيبويه والجمهور أنها نكرة تامة غير موصولة ولا موصوفة وأن معناها التعجب فإذا قلت .

ما أحسن زيداً ، فمعناه : شيء صير زيداً حسنا .والثاني : وإليه ذهب الفراء : أنها استفهامية صحبها معنى التعجب ، نحو : " كيف تكفرون بالله " .والثالث : ويعزي للأخفش : أنها موصولة .والرابع ويعزى له أيضاً : أنها نكرة موصوفة وهي على هذه الأقوال الأربعة في محل رفع بالابتداء وخبرها على القولين الأولين الجملة الفعلية بعدها ، وعلى قولى الأخفش يكون الخبر محذوفاً .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما وصف علماء اليهود بكتمان الحق وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، واعلم أن الفعل إما أن يعتبر حاله في الدنيا أو في الآخرة، أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم وأقبح الأشياء الضلال والجهل فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في نهاية الخسارة في الآخرة وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خساراً في الدنيا وفي الآخرة، وإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العذاب بالمغفرة، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة.

أما قوله: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن في هذه اللفظة قولان أحدهما: أن ﴿ مَا ﴾ في هذه الآية استفهام التوبيخ معناه: ما الذي أصبرهم وأي شيء صبرهم على النار حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل وهذا قول عطاء وابن زيد وقال ابن الأنباري: وقد يكون أصبر بمعنى صبر وكثيراً ما يكون أفعل بمعنى فعل نحو أكرم وكرم، وأخبر وخبر الثاني: أنه بمعنى التعجب وتقريره أن الراضي بموجب الشيء لابد وأن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم فلما أقدموا على ما يوجب النار ويقتضي عذاب الله مع علمهم بذلك صاروا كالراضين بعذاب الله تعالى، والصابرين عليه، فلهذا قال تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ وهو كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان ما أصبرك على القيد والسجن إذا عرفت هذا ظهر أنه يجب حمل قوله: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ على حالهم في الدنيا لأن ذلك وصف لهم في حال التكليف، وفي حال اشترائهم الضلالة بالهدى، وقال الأصم: المراد أنه إذا قيل لهم ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ  ﴾ فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص، وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أن الله تعالى وصفهم بذلك في الحال فصرفه إلى أنهم سيصيرون كذلك خلاف الظاهر.

وثانيها: أن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة.

المسألة الثانية: في حقيقة التعجب وفي الألفاظ الدالة عليه في اللغة وهاهنا بحثان: البحث الأول: في التعجب: وهو استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء فما لم يوجد المعنيان لا يحصل التعجب هذا هو الأصل، ثم قد تستعمل لفظة التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب أو من غير أن يكون للعظمة سبب حصول، ولهذا أنكر شريح قراءة من قرأ ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخُرُونَ  ﴾ بضم التاء من عجبت، فإنه رأى أن خفاء شيء ما على الله محال قال النخعي: معنى التعجب في حق الله تعالى مجرد الاستعظام، وإن كان في حق العباد لابد مع الاستعظام من خفاء السبب كما أنه يجوز إضافة السخرية والاستهزاء والمكر إلى الله تعالى، لا بالمعني الذي يضاف إلى العباد.

البحث الثاني: اعلم أن للتعجب صيغتين أحدهما: ما أفعله كقوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ والثاني: أفعل به كقوله: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  ﴾ .

أما العبارة الأولى: وهي قولهم؛ ما أصبره ففيها مذاهب.

القول الأول: وهو اختيار البصريين أن ﴿ مَا ﴾ اسم مبهم يرتفع بالابتداء، وأحسن فعل وهو خبر المبتدأ وزيداً مفعول وتقديره: شيء حسن زيدا أي صيره حسناً.

واعلم أن هذا القول عند الكوفيين فاسداً واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أنه يصح أن يقال ما أكرم الله، وما أعظمه وما أعلمه، وكذا القول في سائر صفاته ويستحيل أن يقال: شيء جعل الله كريما وعظيماً وعالماً، لأن صفات الله سبحانه وتعالى واجبة لذاته فإن قيل.

هذه اللفظة إذا أطلقت فيما يجوز عليه الحدوث كان المراد منه الاستعظام مع خفاء سببه وإذا أطلقت على الله تعالى كان المراد منه أحد شطريه وهو الاستعظام فحسب، قلنا: إذا قلنا ما أعظم الله فكلمة ﴿ مَا ﴾ هاهنا ليست بمعنى شيء فلا تكون مبتدأ، ولا يكون أعظم خبراً عنه، فلابد من صرفه إلى وجه آخر، وإذا كان كذلك ثبت أن تفسير هذه الآية بهذه الأشياء في مقام التعجب غير صحيح.

الحجة الثانية: أنه لو كان معنى قولنا.

ما أحسن زيداً شيء حسن زيداً، لوجب أن يبقى معنى التعجب إذا صرحنا بهذا الكلام، ومعلوم أنا إذا قلنا: شيء حسن زيداً فإنه لا يبقى فيه معنى التعجب ألبتة، بل كان ذلك كالهذيان، فعلمنا أنه لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً.

الحجة الثالثة: أن الذي حسن زيداً والشمس والقمر والعالم هو الله سبحانه وتعالى ولا يجوز التعبير عنه بما وإن جاز ذلك لكن التعبير عنه سبحانه بمن أولى، فكان ينبغي أنا لو قلنا من أحسن زيداً أن يبقى معنى التعجب، ولما لم يبق علمنا فساد ما قالوه.

الحجة الرابعة: أن على التفسير الذي قالوا لا فرق بين قوله: ما أحسن زيداً وبين قوله زيداً ضرب عمرا فكما أن هذا ليس بتعجب وجب أن يكون الأول كذلك.

الحجة الخامسة: أن كل صفة ثبتت للشيء فثبوتها له إما أن يكون له من نفسه أو من غيره فإذا كان المؤثر في تلك الصفة نفسه أو غيره وعلى التقديرين فشيء صيره حسناً، إما أن يكون ذلك الشيء هو نفسه أو غيره، فإذن العلم بأن شيئاً صيره حسناً علم ضروري والعلم بكونه متعجباً منه غير ضروري، فاذن لا يجوز تفسير قولنا: ما أحسن زيداً بقولنا شيء حسن زيداً.

الحجة السادسة: أنهم قالوا: المبتدأ لا يجوز أن يكون نكرة فكيف جعلوا هاهنا أشد الأشياء تنكيراً مبتدأ؟

وقالوا: لا يجوز أن يقال: رجل كاتب لأن كل أحد يعلم أن في الدنيا رجلاً كاتباً فلا يكون هذا الكلام مفيداً: وكذا كل أحد يعلم أن شيئاً ما هو الذي حسن زيداً فأي فائدة في هذا الإخبار؟

الحجة السابعة: دخول التصغير الذي هو من خاصية الأسماء في قولك: ما أحسن زيداً، فإن قيل: جواز دخول التصغير إنما كان لأن هذا الفعل قد لزم طريقة واحدة، فصار مشابهاً للاسم فأخذ خاصيته وهو التصغير قلنا: لا شك أن للفعل ماهية وللتصغير ماهية فهاتان الماهيتان: إما أن يكونا متنافيتين، أو لا يكون متنافيتين فإن كانتا متنافيتين استحال اجتماعهما في كل المواضع فحيث اجتماعهما هاهنا علمنا أن هذا ليس بفعل، وإن لم يكونا متنافيتين وجب صحة تطرق التصغير إلى كل الأفعال، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القسم.

الحجة الثامنة: تصحيح هذه اللفظة وإبطال إعلاله فإنك تقول في التعجب: ما أقوم زيداً بتصحيح الواو كما تقول: زيد أقوم من عمرو، ولو كانت فعلا لكانت واوه ألفاً لفتحة ما قبلها، ألا تراهم يقولون: أقام يقيم فإن قيل: هذه اللفظة لما لزمت طريقة واحدة صارت بمنزلة الاسم، وتمام التقرير أن الإعلال في الأفعال ما كان لعلة كونها فعلا ولا التصحيح في الأسماء لعلة الإسمية، بل كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة عند وجوب كثرة التصرف، وعدم الإعلال في الأسماء لعدم التصرف وهذا الفعل بمنزلة الاسم في علة التصحيح والإمتناع من الإعلال قلنا: لما كان الإعلال في الأفعال لطلب الخفة، فكان ينبغي أن يجعل خفيفاً ثم يترك على خفته فإن هذا أقرب إلى العقل.

الحجة التاسعة: أن قولك: أحسن لو كان فعلاً، وقولك: زيداً مفعولا لجاز الفصل بينهما با لظرف، فيقال: ما أحسن عندك زيداً، وما أجمل اليوم عبد الله، والرواية الظاهرة أن ذلك غير جائز، فبطل ما ذهبتم إليه.

الحجة العاشرة: أن الأمر لو كان على ما ذكرتم لكان ينبغي أن يجوز التعجب بكل فعل متعد مجرداً كان أو مزيداً، ثلاثياً كان أو رباعياً، وحيث لم يجز إلا من الثلاثي المجرد دل على فساد هذا القول، واحتج البصريون على أن أحسن في قولنا، ما أحسن زيداً فعل بوجوه أولها: بأن أحسن فعل بالاتفاق فنحن على فعليته إلى قيام الدليل الصارف عنه.

وثانيها: أن أحسن مفتوح الآخر، ولو كان اسماً لوجب أن يرتفع إذا كان خبراً لمبتدأ.

وثالثها: الدليل على كونه فعلاً اتصال الضمير المنصوب به، وهو قولك: ما أحسنه.

والجواب عن الأول: أن أحسن كما أنه قد يكون فعلاً، فهو أيضاً قد يكون اسماً، حين ما يكون كلمة تفضيل، وأيضاً فقد دللنا بالوجوه الكثيرة على أنه لا يجوز أن يكون فعلاً وأنتم ماطلبتمونا إلا بالدلالة.

والجواب عن الثاني: أنا سنذكر العلة في لزوم الفتحة لآخر هذه الكلمة.

والجواب عن الثالث: أنه منتقض بقولك: لعلي وليتني، والعجب أن الاستدلال بالتصغير على الإسمية أقوى من الإستدلال بهذا الضمير على الفعلية، فإذا تركتم ذلك الدليل القوي، فبأن تتركوا هذا الضعيف أولى، فهذا جملة الكلام في هذا القول.

القول الثاني: وهو اختيار الأخفش قال: القياس أن يجعل المذكور بعد كلمة ﴿ مَا ﴾ وهو قولك: أحسن صلة لما، ويكون خبر ﴿ مَا ﴾ مضمراً، وهذا أيضاً ضعيف لأكثر الوجوه المذكورة منها أنك لو قلت: الذي أحسن زيداً ليس هو بكلام منتظم، وقولك: ما أحسن زيداً كلام منتظم وكذا القول في بقية الوجوه.

القول الثالث: وهو اختيار الفراء: أن كلمة ﴿ مَا ﴾ للاستفهام وأفعل اسم، وهو للتفضيل، كقولك: زيد أحسن من عمرو، ومعناه أي شيء أحسن من زيد فهو استفهام تحته إنكار أنه وجد شيء أحسن منه، كما يقول من أخبر عن علم إنسان فأنكره غيره فيقول هذا المخبر: ومن أعلم من فلان؟

إظهاراً منه ما يدعيه منازعه على خلاف الحق، وأن لا يمكنه إقامة الدليل عليه ويظهر عجزه في ذلك عند مطالبتي إياه بالدليل، ثم قولك أحسن وإن كان ينبغي أن يكون مرفوعاً كما في قولك: ما أحسن زيد إذا استفهمت عن أحسن عضو من أعضائه، إلا أنه نصب ليقع الفرق بين ذلك الاستفهام وبين هذا، فإن هناك معنى قولك: ما أحسن زيد أي عضو من زيد أحسن، وفي هذا معناه أي شيء من الموجودات في العالم أحسن من زيد، وبينهما فرق كما ترى، واختلاف الحركات موضوع للدلالة على اختلاف المعاني والنصب قولنا زيداً أيضاً للفرق لأنه هناك خفض لأنه أضيف أحسن إليه، ونصب هنا للفرق، وأيضاً ففي كل تفضيل معنى الفعل، وفي كل ما فضل عليه غيره معنى المفعول، فإن معنى قولك: زيد أعلم من عمرو، أن زيداً جاوز عمراً في العلم، فجعل هذا المعنى معتبراً عند الحاجة إلى الفرق.

القول الرابع: وهو أيضاً قول بعض الكوفيين قال إن ﴿ مَا ﴾ للاستفهام وأحسن فعل كما يقوله البصريون، معناه: أي شيء حسن زيداً، كأنك تستدل بكمال هذا الحسن على كمال فاعل هذا الحسن، ثم تقول: إن عقلي لا يحيط بكنه كماله، فتسأل غيرك أن يشرح لك كماله، فهذا جملة ما قيل في هذا الباب.

وأما تحقيق الكلام في أفعل به فسنذكره إن شاء الله في قوله: ﴿ أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ملء بطونهم.

يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه ﴿ إِلاَّ النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبه عليه، فكأنه أكل النار، ومنه قولهم: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه.

قال: أَكَلْتُ دَماً إنْ لَمْ أَرُعْكِ بِضَرَّةٍ وقال: يَأْكُلْنَ كُلَّ لَيْلَةٍ إكَافَا راد ثمن الإكاف، فسماه إكافاً لتلبسه بكونه ثمناً له ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ﴾ تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة في تكرمة الله إياهم بكلامه وتزكيتهم بالثناء عليهم.

وقيل: نفي الكلام عبارة عن غضبه عليهم كمن غضب على صاحبه فصرمه وقطع كلامه.

وقيل: لا يكلمهم بما يحبون، ولكن بنحو قوله: ﴿ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ ﴾ [المؤمنون: 108] .

﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، كما تقول لمن يتعرّض لما يوجب غضب السلطان: ما أصبرك على القيد والسجن، تريد أنه لا يتعرض لذلك إلا من هو شديد الصبر على العذاب.

وقيل: فما أصبرهم، فأي شيء صبرهم.

يقال: أصبره على كذا وصبره بمعنى.

وهذا أصل معنى فعل التعجب.

والذي روي عن الكسائي أنه قال: قال لي قاضي اليمن بمكة اختصم إليّ رجلان من العرب فحلف أحدهما على حق صاحبه فقال له: ما أصبرك على الله، فمعناه: ما أصبرك على عذاب الله ﴿ ذلك بِأَنَّ الله نَزَّلَ ﴾ أي ذلك العذاب بسبب أنّ الله نزل ما نزل من الكتب بالحق ﴿ وَإِنَّ الذين اختلفوا ﴾ في كتب الله فقالوا في بعضها حق وفي بعضها باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لَفِى شِقَاقٍ ﴾ لفي خلاف ﴿ بَعِيدٍ ﴾ عن الحق، والكتاب للجنس، أو كفرهم ذلك بسبب أنّ الله نزل القرآن بالحق كما يعلمون، وإن الذين اختلفوا فيه من المشركين- فقال بعضهم: سحر، وبعضهم: شعر، وبعضهم: أساطير- لفي شقاق بعيد.

يعني أنّ أولئك لو لم يختلفوا ولم يشاقوا لما جسر هؤلاء أن يكفروا.

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ويَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ عِوَضًا حَقِيرًا.

﴿ أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ إمّا في الحالِ، لِأنَّهم أكَلُوا ما يَتَلَبَّسُ بِالنّارِ لِكَوْنِها عُقُوبَةً عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ أكَلَ النّارَ كَقَوْلِهِ: أكَلْتُ دَمًا إنْ لَمْ أرُعْكِ بِضَرَّةٍ...

بَعِيدَةِ مَهْوى القُرْطِ طَيِّبَةِ النَّشْرِ يَعْنِي الدِّيَةَ.

أوْ في المَآلِ أيْ لا يَأْكُلُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا النّارَ.

ومَعْنى في بُطُونِهِمْ: مِلْءُ بُطُونِهِمْ.

يُقالُ أكَلَ في بَطْنِهِ وأكَلَ في بَعْضِ بَطْنِهِ كَقَوْلِهِ: كُلُوا في بَعْضٍ بَطْنِكُمُو تُعْفُوا ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ عِبارَةُ عَنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِحِرْمانِهِمْ حالَ مُقابَلِيهِمْ في الكَرامَةِ والزُّلْفى مِنَ اللَّهِ.

﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ.

﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ مُؤْلِمٌ.

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ في الدُّنْيا.

﴿ والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ ﴾ في الآخِرَةِ، بِكِتْمانِ الحَقِّ لِلْمَطامِعِ والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ.

﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ ﴾ تَعَجَّبَ مِن حالِهِمْ في الِالتِباسِ بِمُوجِباتِ النّارِ مِن غَيْرِ مُبالاةٍ.

وما تامَّةٌ مَرْفُوعَةٌ بِالِابْتِداءِ، وتَخْصِيصُها كَتَخْصِيصِ قَوْلِهِمْ: شَرٌّ أهَرَّ ذا نابٍ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ وما بَعْدَها الخَبَرُ، أوْ مَوْصُولَةٌ وما بَعْدَها صِلَةٌ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

البقرة (١٧٥ _ ١٧٧)

يكتمان نعت محمد عليه السلام {فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار} فأي شيء أصبرهم على عمل يؤدي إلى النار وهذا استفهام معناه التوبيخ

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا ﴾ بِسَبَبِ كِتْمانِهِمُ الحَقَّ لِلْمَطامِعِ الدَّنِيَّةِ، والأغْراضِ الدُّنْيَوِيَّةِ ﴿ الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ في الدُّنْيا ﴿ والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ ﴾ في الآخِرَةِ، والجُمْلَةُ إمّا مُسْتَأْنِفَةٌ، فَإنَّهُ لَمّا عَظُمَ وعِيدُ الكاتِمِينَ كانَ مَظِنَّةً أنْ يُسْألَ عَنْ سَبَبِ عِظَمِ وعِيدِهِمْ، فَقِيلَ: إنَّهم بِسَبَبِ الكِتْمانِ خَسِرُوا الدُّنْيا والآخِرَةَ، وإمّا خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرِ لِأنَّ، والجُمْلَةُ الأُولى لِبَيانِ شِدَّةِ وعِيدِهِمْ، وهَذِهِ لِبَيانِ شَناعَةِ كِتْمانِهِمْ.

﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ ﴾ أيْ: ما أشَدَّ صَبْرَهُمْ، وهو تَعْجِيبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ ارْتِكابِهِمْ مُوجِباتِها مِن غَيْرِ مُبالاةٍ، وإلّا فَأيُّ صَبْرٍ لَهُمْ، و(ما) في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ قِيلَ: نَكِرَةٌ تامَّةٌ - وعَلَيْهِ الجُمْهُورُ - وقِيلَ: اسْتِفْهامِيَّةٌ ضُمِّنَتْ مَعْنى التَّعَجُّبِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الفَرّاءُ، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ، وإلَيْهِ ذَهَبَ الأخْفَشُ، وحُكِيَ عَنْهُ أيْضًا أنَّها نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ، وهي عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، والجُمْلَةُ خَبَرُها، أوْ خَبَرُها مَحْذُوفٌ إنْ كانَتْ صِفَةً أوْ صِلَةً، وتَمامُ الكَلامِ في كُتُبِ النَّحْوِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، نزلت في رؤساء اليهود كانوا يرجون أن يكون النبي-  - منهم، فلما كان من غيرهم خشوا بأن تذهب منافعهم من السفلة، فعمدوا إلى صفة النبي  فغيّروها.

ويقال: غيروا تأويلها فنزلت هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ، يعني في التوراة بكتمان صفة النبيّ  وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا، يعني يختارون به عرضاً يسيراً من منافع الدنيا.

أُولئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ، يعني يأكلون الحرام.

وإنما سمي الحرام ناراً، لأنه يستوجب به النار، كما قال في آية أخرى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: 10] .

وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ، أي لا يكلمهم بكلام الخير، لأنه يكلمهم بكلام العذاب حيث قال تعالى: اخْسَؤُا فِيها وَلا تُكَلِّمُونِ [المؤمنون: 108] ، وَلا يُزَكِّيهِمْ، أي ولا يطهرهم من الأعمال الخبيثة السيئة.

وقال الزجاج: ولا يزكيهم أي لا يثني عليهم خيراً، ومن لا يثني عليه فهو معذب وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، أي وجيع يعني الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب، وكذلك كل من كان عنده علم فاحتاج الناس إلى ذلك فكتمه، فهو من أهل هذه الآية.

وهذا كما روى أبو هريرة عن النبي  أنه قال: «مَنْ كَتَمَ عِلْماً، أَلْجَمَهُ الله تَعَالَى يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ» .

ثم قال: أُولئِكَ الَّذِينَ، يعني رؤساء اليهود الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى، يعني اختاروا الكفر على الإيمان وَالْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ، يعني اختاروا النار على الجنة فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، يقول: فما الذي أجرأهم على فعل أهل النار؟

ويقال: معناه فما أبقاهم في النار؟

كما يقال: فما أصبر فلاناً على الحبس: أي أبقاه؟

ذلِكَ، أي ذلك العذاب بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ، أي القرآن بِالْحَقِّ، أي بالعدل.

وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ، أي في القرآن لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، أي في ضلالة بيِّنة.

ويقال: معناه أن الله تعالى أنزل القرآن على محمد  بالعدل، فتركوا اتباعه وخالفوه فاستوجبوا بذلك العذاب.

ويقال: لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، أي في خلاف بعيد من الحق.

وذكر عن قتادة أنه قال: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ، أي فما أجرأهم على العمل الذي يقرب إلى النار.

وروي عن مجاهد أنه قال: ما أعلمهم بعمل أهل النار.

ويريد ما أدومهم على عمل أهل النار.

وقال أبو عبيدة: ما الذي صيرهم ودعاهم إلى النار؟

ثم قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وابن الماجشون «١» .

انتهى.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ...

الآية.

قال ابن عَبَّاس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمّد صلّى الله عليه وسلم، والْكِتابِ: التوراة والإِنجيل «٢» .

ع «٣» : وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ على مذمَّتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ «٤» بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره: سمى مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إِلى النار «٥» ، وقيل: يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً.

ت: وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين على تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه عزَّ وجلَّ «٦» ، وقد قال تعالى لنبيِّه- عليه السلام-:

قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ...

[الأنعام: ٩٠] الآية، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ «١» ، قال: «عَلَّمْتُ نَاساً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ، وَالقُرْآنَ، وأهدى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً، فَقُلْتُ:

لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ الله صلّى الله عليه وسلم، فَلأسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ:

يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أهدى إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ، فاقبلها» ، وَفِي روايةٍ: «فَقُلْتُ مَا ترى فِيهَا، يَا رَسُولَ اللَّهُ؟

قَالَ: جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا» «٢» .

انتهى.

وقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: قيل: هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالى يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره: المعنى: لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ.

وَلا يُزَكِّيهِمْ، أي: لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل: المعنى: لا يسمِّيهم أزكياء.

وقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: قال جمهور المفسِّرين: «ما» تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي: هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [عبس: ١٧] وأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم: ٣٨] .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ ﴾ أيِ: اخْتارُوها عَلى الهُدى.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّيهِمْ إلى النّارِ!

قالَهُ عِكْرِمَةُ، والرَّبِيعُ.

والثّانِي: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ؛ قالَهُ الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ.

وذَكَرَ الكِسائِيُّ أنَّ أعْرابِيًّا حَلَفَ لَهُ رَجُلٌ كاذِبًا، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ما أصْبَرَكَ عَلى اللَّهِ، يُرِيدُ: ما أجْرَأكَ.

والثّالِثُ: ما أبْقاهم في النّارِ، كَما تَقُولُ: ما أصْبَرَ فَلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ: ما أبْقاهُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: فَأيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟!

قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

وفي "ما" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها لِلِاسْتِفْهامِ، تَقْدِيرُها: ما الَّذِي أصْبَرَهُمْ؟

قالَهُ عَطاءٌ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وأبُو بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ.

والثّانِي: أنَّها لِلتَّعَجُّبِ، كَقَوْلِكَ: ما أحْسَنَ زَيْدًا، وما أعْلَمَ عَمْرًا.

وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الآَيَةِ التَّعَجُّبُ، واللَّهُ يُعَجِّبُ المَخْلُوقِينَ، ولا يَعْجَبُ هو كَعَجَبِهِمْ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَلالَةَ بِالهُدى والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ فَما أصْبَرَهم عَلى النارِ ﴾ ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابَ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَبِيِّينَ وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَبِيلِ والسائِلِينَ وفي الرِقابِ وأقامَ الصَلاةَ وآتى الزَكاةَ والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا والصابِرِينَ في البَأْساءِ والضَرّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وأُولَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ﴾ لَمّا تَرَكُوا الهُدى وأعْرَضُوا عنهُ ولازَمُوا الضَلالَةَ وتَكَسَّبُوها -مَعَ أنَّ الهُدى مُمْكِنٌ لَهم مُيَسَّرٌ- كانَ ذَلِكَ كَبَيْعٍ وشِراءٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ إيعابُ هَذا المَعْنى.

ولَمّا كانَ العَذابُ تابِعًا لِلضَّلالَةِ الَّتِي اشْتَرَوْها، وكانَتِ المَغْفِرَةُ تابِعَةً لِلْهُدى الَّذِي اطَّرَحُوهُ أُدْخِلا في تَجَوُّزِ الشِراءِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النارِ ﴾ قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: "ما" تَعَجُّبٌ، وهو في حَيِّزِ المُخاطَبِينَ، أيْ هم أهْلٌ أنْ تَعْجَبُوا مِنهم ومِمّا يَطُولُ مُكْثَهم في النارِ.

وفي التَنْزِيلِ ﴿ قُتِلَ الإنْسانُ ما أكْفَرَهُ  ﴾ و ﴿ أسْمِعْ بِهِمْ وأبْصِرْ  ﴾ وبِهَذا المَعْنى صَدَرَ أبُو عَلِيٍّ، وقالَ قَتادَةُ، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والرَبِيعُ: أظْهَرَ التَعَجُّبَ مَن صَبْرِهِمْ عَلى النارِ لَمّا عَمِلُوا عَمَلَ مَن وطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْها.

وتَقْدِيرُهُ: ما أجْرَأهم عَلى النارِ إذْ يَعْمَلُونَ عَمَلًا يُودِي إلَيْها.

وقِيلَ: "ما" اسْتِفْهامٌ، مَعْناهُ: أيُّ شَيْءٍ أصْبَرَهم عَلى النارِ؟

ذَهَبَ إلى ذَلِكَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى، والأوَّلُ أظْهَرُ.

ومَعْنى "أصْبَرَهُمْ" في اللُغَةِ: أمَرَهم بِالصَبْرِ، ومَعْناهُ أيْضًا: جَعَلَهم ذَوِي صَبْرٍ، وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُتَّجِهٌ في الآيَةِ عَلى القَوْلِ بِالِاسْتِفْهامِ.

وذَهَبَ المُبَرِّدُ في بابِ التَعَجُّبِ مِن "المُقْتَضَبِ" إلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ تَقْرِيرٌ واسْتِفْهامٌ لا تَعَجُّبٌ، وأنَّ لَفْظَةَ "أصْبِرْ" بِمَعْنى اضْطُرَّ وحُبِسَ، كَما تَقُولُ: أصْبَرْتَ زَيْدًا عَلى القَتْلِ، ومِنهُ نَهْيُ النَبِيِّ  أنْ تَصْبِرَ البَهائِمُ، قالَ ومِثْلُهُ قَوْلُ الشاعِرِ: قُلْتُ لَها أُصْبِرُها دائِبًا أمْثالُ بِسِطامِ بْنِ قَيْسٍ قَلِيلْ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: الضَبْطُ عِنْدَ المُبَرِّدِ بِضَمِّ الهَمْزَةِ وكَسْرِ الباءِ، ورَدَّ عَلَيْهِ في ذَلِكَ، فَإنَّها لا يُعْرَفُ في اللُغَةِ أُصْبِرَ بِمَعْنى صَبَرَ، وإنَّما البَيْتُ أصُبِرُها بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وضَمِّ الباءِ، ماضِيهِ صَبَرَ، ومِنهُ المَصْبُورَةُ، وإنَّما يَرُدُّ قَوْلَ أبِي العَبّاسِ عَلى مَعْنى: اجْعَلْها ذاتَ صَبْرٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّ اللهَ ﴾ الآيَةُ، المَعْنى: ذَلِكَ الأمْرُ، أوِ الأمْرُ ذَلِكَ، بِأنَّ اللهَ نَزَّلَ الكِتابَ بِالحَقِّ، فَكَفَرُوا بِهِ، والإشارَةُ عَلى هَذا إلى وُجُوبِ النارِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَقَدِّرَ: فَعَلْنا ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ: وجَبَ ذَلِكَ، ويَكُونُ "الكِتابَ" جُمْلَةُ القُرْآنِ عَلى هَذِهِ التَقْدِيراتِ.

وقِيلَ: إنَّ الإشارَةَ بِـ "الكِتابِ" إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أأنْذَرْتَهُمْ  ﴾ الآيَةُ، أيْ: وجَبَتْ لَهُمُ النارُ بِما قَدْ نَزَّلَهُ اللهُ في الكِتابِ مِنَ الخَبَرِ بِهِ، والإشارَةُ بِـ "ذَلِكَ" -عَلى هَذا- إلى اشْتَرائِهِمُ الضَلالَةَ بِالهُدى، أيْ ذَلِكَ بِما سَبَقَ لَهم في عِلْمِ اللهِ ووُرُودِ إخْبارِهِ بِهِ.

و"بِالحَقِّ" مَعْناهُ: بِالواجِبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِالأخْبارِ الحَقُّ أيِ الصادِقَةُ، و( الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ ) ؛ قالَ السُدِّيُّ: هُمُ اليَهُودُ والنَصارى، لِأنَّ هَؤُلاءِ في شِقٍّ.

وهَؤُلاءِ في شِقٍّ، ويَظْهَرُ أنَّ الشِقاقَ سُمِّيَتْ بِهِ المُشارَّةُ والمُقاتِلَةُ ونَحْوُهُ، لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَشُقُّ الوَصْلَ الَّذِي بَيْنَهُ وبَيْنَ مُشاقِّهِ.

وقِيلَ: إنَّ المُرادَ بـِ ﴿ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا ﴾ كَفّارُ العَرَبِ، لِقَوْلِ بَعْضِهِمْ: هو سِحْرٌ، وبَعْضُهُمْ: هو أساطِيرُ، وبَعْضُهُمْ: هو مُفْتَرًى، إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وشِقاقُ هَذِهِ الطَوائِفِ إنَّما هو مَعَ الإسْلامِ وأهْلِهِ.

و"بَعِيدٍ" هُنا مَعْناهُ: مِنَ الحَقِّ والِاسْتِقامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ البِرَّ ﴾ الآيَةُ، قَرَأ أكْثَرُ السَبْعَةِ بِرَفْعِ الراءِ، والبِرُّ" اسْمُ لَيْسَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: لَيْسَ بِمَنزِلَةِ الفِعْلِ فالوَجْهُ أنْ يَلِيَها الفاعِلُ ثُمَّ المَفْعُولُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: مَذْهَبُ أبِي عَلِيٍّ أنَّ "لَيْسَ" حَرْفٌ، والصَوابُ الَّذِي عَلَيْهِ الجُمْهُورُ أنَّها فِعْلٌ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ حَفْصٍ: " لَيْسَ البِرَّ " بِنَصْبِ الراءِ، جَعَلَ "أنْ تُوَلُّوا" بِمَنزِلَةِ المُضْمَرِ، إذْ لا يُوصَفُ كَما لا يُوصَفُ المُضْمَرُ، والمُضْمَرُ أولى أنْ يَكُونَ اسْمًا يُخْبَرُ عنهُ.

وفِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " لَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَوَلَّوْا "، وقالَ الأعْمَشُ: إنَّ في مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ: "لا تَحْسَبَنَّ البِرَّ".

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُما: الخِطابُ بِهَذِهِ الآيَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ، فالمَعْنى لَيْسَ البَرَّ الصَلاةُ وحْدَها، وقالَ قَتادَةُ، والرَبِيعُ: الخِطابُ لِلْيَهُودِ والنَصارى، لِأنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في التَوَجُّهِ والتَوَلِّي، فاليَهُودُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، والنَصارى إلى مَطْلَعِ الشَمْسِ، وتَكَلَّمُوا في تَحْوِيلِ القِبْلَةِ، وفَضَلَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ تُوَلِّيها، فَقِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ البَرَّ ما أنْتُمْ فِيهِ، ﴿ وَلَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ .

قَرَأ قَوْمٌ: " ولَكِنَّ البَرَّ " بِشَدِّ النُونِ ونَصْبِ البِرِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلَكِنَّ البَرَّ" والتَقْدِيرُ: ولَكِنَّ البَرَّ بِرُّ مَن، وقِيلَ: التَقْدِيرُ: ولَكِنَّ ذُو البَرِّ مَن، وقِيلَ: البِرُّ بِمَنزِلَةِ اسْمِ الفاعِلِ تَقْدِيرُهُ ولَكِنَّ البارَّ مَن، والمَصْدَرُ إذا نَزَلَ مَنزِلَةَ اسْمِ الفاعِلِ فَهو ولا بُدَّ مَحْمُولٌ عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَقَوْلِكَ: رَجُلٌ عَدْلٌ ورِضًى.

والإيمانُ: التَصْدِيقُ، أيْ صَدَّقَ بِاللهِ تَعالى، وبِهَذِهِ الأُمُورِ كُلِّها حَسَبَ مُخْبِراتِ الشَرائِعِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ كُلُّها حُقُوقٌ في المالِ سِوى الزَكاةِ، وبِها كَمالُ البِرِّ، وقِيلَ: هي الزَكاةُ.

و"آتى" مَعْناهُ: أعْطى، والضَمِيرُ في "حُبِّهِ عائِدٌ عَلى المالِ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، ويَجِيءُ قَوْلُهُ: " عَلى حُبِّهِ " اعْتِراضًا بَلِيغًا أثْناءَ القَوْلِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى الإيتاءِ، أيْ في وقْتِ حاجَةٍ مِنَ الناسِ وفاقَةٍ، فِإيتاءُ المالِ حَبِيبٌ إلَيْهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى اسْمِ اللهِ تَعالى مِن قَوْلِهِ: ﴿ مَن آمَنَ بِاللهِ ﴾ ، أيْ مِن تَصْدُقُ مَحَبَّتُهُ في اللهِ تَعالى وطاعَتُهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى الضَمِيرِ المَسْتَكِنِ في " آتى "، أيْ: عَلى حُبِّهِ المالَ، فالمَصْدَرُ مُضافٌ إلى الفاعِلِ.

والمَعْنى المَقْصُودُ أنْ يَتَصَدَّقَ المَرْءُ في هَذِهِ الوُجُوهِ وهو شَحِيحٌ صَحِيحٌ يَخْشى الفَقْرَ ويَأْمَلُ الغِنى، كَما قالَ  ، والشُحُّ في هَذا الحَدِيثِ هو الغَرِيزِيُّ الَّذِي في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُحَّ  ﴾ .

ولَيْسَ المَعْنى أنْ يَكُونَ المُتَصَدِّقُ مُتَّصِفًا بِالشُحِّ الَّذِي هو البُخْلُ،.

و" ذَوِي القُرْبى " يُرادُ بِهِ قَرابَةُ النَسَبِ.

والَيْتُمُ في الآدَمِيِّينَ مِن قِبَلِ الأبِ قَبْلَ البُلُوغِ.

وقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: ابْنُ السَبِيلِ المُسافِرُ لِمُلازَمَتِهِ السَبِيلَ، وهَذا كَما يُقالُ: ابْنُ ماءٍ؛ لِلطّائِرِ المُلازِمِ لِلْماءِ، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ ابْنُ زِنا» أيِ: المُلازِمُ لَهُ، وقِيلَ: لَمّا كانَتِ السَبِيلُ تُبْرِزُهُ، شُبِّهَ ذَلِكَ بِالوِلادَةِ، فَنُسِبَ إلَيْها.

وقالَ قَتادَةُ: ابْنُ السَبِيلِ: الضَيْفُ.

" وفي الرِقابِ " يُرادُ بِهِ العِتْقُ وفَكُّ الأسْرى وإعْطاءُ أواخِرِ الكِتاباتِ.

" وأقامَ الصَلاةَ " أتَمَّها بِشُرُوطِها.

وذِكْرُ الزَكاةِ هُنا دَلِيلٌ عَلى أنَّ ما تَقَدَّمَ لَيْسَ بِالزَكاةِ المَفْرُوضَةِ، و" المُوفُونَ " عُطِفَ عَلى "مَن" في قَوْلِهِ: " مَن آمَنَ "، ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدَّرَ وهُمُ المُوفُونَ.

و" الصابِرِينَ " نُصِبَ عَلى المَدْحِ، أو عَلى إضْمارِ فِعْلٍ، وهَذا مَهِيعٌ في تَكْرارِ النُعُوتِ.

وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "والمُوفِينَ" عَلى المَدْحِ، أو عَلى قَطْعِ النُعُوتِ.

وقَرَأ يَعْقُوبُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ: "والمُوفُونَ" "والصابِرُونَ".

وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ: "بِعُهُودِهِمْ".

و" البَأْساءِ " الفَقْرُ والفاقَةُ، "والضَرّاءِ" المَرَضُ ومَصائِبُ البَدَنِ، " وحِينَ البَأْسِ " وقْتُ شِدَّةِ القِتالِ، هَذا قَوْلُ المُفَسِّرِينَ في الألْفاظِ الثَلاثَةِ، وتَقُولُ العَرَبُ: بِئْسَ الرَجُلُ إذا افْتَقَرَ، وبُؤْسَ إذا شَجَّعَ.

ثُمَّ وصَفَ تَعالى أهْلَ هَذِهِ الأفْعالَ البَرَّةَ بِالصِدْقِ في أُمُورِهِمْ.

أيْ: هم عِنْدَ الظَنِّ بِهِمْ، والرَجاءِ فِيهِمْ، كَما تَقُولُ: صَدَقَنِي المالَ، وصَدَقَنِي الرِبْحَ، ومِنهُ: عَوْدُ صِدْقٍ، وتَحْتَمِلُ اللَفْظَةُ أيْضًا صِدْقَ الإخْبارِ، ووَصْفَهُمُ اللهُ تَعالى بِالتُقى، والمَعْنى: هُمُ الَّذِينَ جَعَلُوا بَيْنَهم وبَيْنَ عَذابِ اللهِ وِقايَةً مِنَ العَمَلِ الصالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

إن جعلت ﴿ أولئك ﴾ مبتدأً ثانياً لجملة هي خبر ثان عن المبتدأ الأول وهو اسم ﴿ إن ﴾ في قوله: ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ﴾ [البقرة: 174] فالقول فيه كالقول في نظيره وهو ﴿ أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ﴾ [البقرة: 174] ونكتة تكريره أنه للتنبيه على أن المشار إليه جدير بأحكام أخرى غير الحكم السابق وأن تلك الأحكام لأهميتها ينبغي ألا تجعل معطوفة تابعة للحكم الأول بل تفرد بالحكمية.

وإن جعلته مبتدأ مستقلاً مع جملته فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً لبيان سبب انغماسهم في عذاب النار؛ لأنه وعيد عظيم جداً يستوجب أن يسأل عنه السائل فيبين بأنهم أخذوا الضلال ونبذوا الهدى واختاروا العذاب ونبذوا المغفرة، ومجيء المسند إليه حينئذٍ اسم إشارة لتفظيع حالهم؛ لأنه يشير لهم بوصفهم السابق وهو كتمان ما أنزل الله من الكتاب.

ومعنى اشتراء الضلالة بالهدى في كتمان الكتاب أن كل آية أخفوها أو أفسدوها بالتأويل فقد ارتفع مدلولها المقصود منها وإذا ارتفع مدلولها نسي العمل بها فأقدم الناس على ما حذرتهم منه، ففي كتمانهم حق رُفع وباطل وُضع.

ومعنى اشتراء العذاب بالمغفرة أنهم فعلوا ذلك الكتمان عن عمد وعلم بسوء عاقبته، فهم قد رضوا بالعذاب وإضاعة المغفرة فكأنهم استبدلوا بالمغفرة العذاب.

والقول في معنى ﴿ اشتروا ﴾ تقدم عند قوله تعالى: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [البقرة: 41].

وقوله: ﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجيب من شدة صبرهم على عذاب النار، ولما كان شأن التعجيب أن يكون ناشئاً عن مشاهدة صبرهم على العذاب وهذا الصبر غير حاصل في وقت نزول هاته الآية بني التعجيب على تنزيل غير الواقع منزلة الواقع لشدة استحضار السامع إياه بما وصف به من الصفات الماضية، وهذا من طرق جعل المحقق الحصول في المستقبل بمنزلة الحاصل، ومنه التعبير عن المستقبل بلفظ الماضي وتنزيل المتخيل منزلة المشاهد كقول زهير: تَبَصَّر خليلي هلْ ترى من ظَعائن *** تَحَملْنَ بالعَلْياءِ من فَوْققِ جُرْثَم بعد أن ذكر أنه وقف بالدار بعد عشرين حجة، وقول مالك بن الرَّيْب: دَعاني الهَوى من أَهل ودِّي وجيرتي *** بذي الطَّيِّسَيْن فالتفتُّ ورائيا وقريب منه قوله تعالى: ﴿ كلا لو تعلمون علم اليقين، لترون الجحيم ﴾ [التكاثر: 5 6] على جعل ﴿ لترون ﴾ جواب ﴿ لو ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ ﴾ يَعْنِي عُلَماءَ اليَهُودِ كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ  وصِحَّةِ رِسالَتِهِ.

﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ يَعْنِي قَبُولَ الرِّشا عَلى كَتْمِ رِسالَتِهِ وتَغْيِيرِ صِفَتِهِ، وسَمّاهُ قَلِيلًا لِانْقِطاعِ مُدَّتِهِ وسُوءِ عاقِبَتِهِ.

وَقِيلَ: لِأنَّ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِنَ الرِّشا كانَ قَلِيلًا.

﴿ أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: يُرِيدُ أنَّهُ حَرامٌ يُعَذِّبُهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالنّارِ فَصارَ ما يَأْكُلُونَ نارًا، فَسَمّاهُ في الحالِ بِما يَصِيرُ إلَيْهِ في ثانِي الحالِ، كَما قالَ الشّاعِرُ: وأُمَّ سِماكٍ فَلا تَجْزَعِي فَلِلْمَوْتِ ما تَلِدُ الوالِدَةْ ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ يَغْضَبُ عَلَيْهِمْ، مِن قَوْلِهِمْ: فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلانًا إذا غَضِبَ عَلَيْهِ.

والثّانِي: لا يُرْسِلُ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ بِالتَّحِيَّةِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ لا يُسْمِعُهم كَلامَهُ.

﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لا يُصْلِحُ أعْمالَهُمُ الخَبِيثَةُ.

والثّانِي: لا يُثْنِي عَلَيْهِمْ، ومَن لا يُثْنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَهو مُعَذَّبٌ ﴿ وَلَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ مُؤْلِمٌ مُوجِعٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى ﴾ يَعْنِي مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن عُلَماءِ اليَهُودِ اشْتَرَوُا الكُفْرَ بِالإيمانِ ﴿ والعَذابَ بِالمَغْفِرَةِ ﴾ يَعْنِي النّارَ بِالجَنَّةِ.

﴿ فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ ما أجْرَأهم عَلى النّارِ، وهَذا قَوْلُ أبِي صالِحٍ.

والثّانِي: فَما أصْبَرَهم عَلى عَمَلٍ يُؤَدِّي بِهِمْ إلى النّارِ.

والثّالِثُ: مَعْناهُ فَما أبْقاهم عَلى النّارِ، مِن قَوْلِهِمْ: ما أصْبَرَ فُلانًا عَلى الحَبْسِ، أيْ ما أبْقاهُ فِيهِ.

والرّابِعُ: بِمَعْنى أيُّ شَيْءٍ صَبَّرَهم عَلى النّارِ؟

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى...

﴾ الآية.

قال: اختاروا الضلالة على الهدى، والعذاب على المغفرة ﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ قال: ما أجرأهم على عمل النار.

وأخرج سفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو نعيم في الحلية عن مجاهد في قوله: ﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ قال: والله ما لهم عليها من صبر ولكن يقول: ما أجرأهم على النار.

وأخرج ابن جرير عن قتادة في ﴿ فما أصبرهم ﴾ قال: ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ قال: هذا على وجه الاستفهام يقول: ما الذي أصبرهم على النار؟

وفي قوله: ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ قال: هم اليهود والنصارى ﴿ لفي شقاق بعيد ﴾ قال: في عداوة بعيدة.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي العالية قال: إثنان ما أشدهما عليّ، ومن يجادل في القرآن ﴿ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا ﴾ [ غافر: 4] ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴾ معنى الفاء هاهنا: الجواب لما تقدم، وذلك أن ما قبله من الكلام وهو قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ} ثم قال: ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ ﴾ ، كأنه قال: من كان بهذه الصفة فما أصبرهم على النار، فعومل معاملة المعنى الذي تضمنه حتى كأنه قد لفظ به.

فأما المعنى: ففيه وجهان لأهل التأويل (١) أحدهما: أن (ما) هاهنا تعجب (٢) (٣) (٤) (٥) فإن قيل: قد قلتم: إن (ما) استعمل لإبهامها، فهلا استعمل (الشيء) إذ كان أبهم الأشياء؟

قيل: إن الشيء ربما يستعمل للتقليل، فلو قلت: شيء حسَّن زيدًا، لجاز أن يعتقد أنك تقلل المعنى الذي حسن زيدًا، وأيضًا: فإن الغالب في قولك: شيء حسّن زيدًا، أنه خبر عن معنى مستقر، وما يتعجب منه، فحقه أن يبهرك في الحال، فأما ما قد استقر وعرف فلا (٦) (٧) (٨) يا ما أُمَيْلح غزلانًا (٩) (١٠) (١١) وتصغيره لا يدل على أنه اسم، وذلك أن فعل التعجب قد لزم طريقةً واحدةً، فجرى في اللفظ مجرى الأسماء، فأدخلوا عليه التصغير تشبيهًا بالاسم، وليس يجب أن يكون الشيء إذا حمل على غيره لشبه بينهما أن يُخرج من جنسه، ألا ترى أن اسم الفاعل قد أُعمل عمل الفعل ولم يخرج من أن يكون اسمًا، وكذلك الفعل أعرب؛ لشبهه بالاسم ولم يخرجه ذلك من أن يكون فعلًا، فكذلك فعل التعجب وإن صُغِّر تشبيهًا بالاسم؛ لم يجب أن يكون اسمًا (١٢) ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ ﴾ إذا قلنا: إنه تعجب، فعل منقول من الثلاثي إلى الرباعي، والهاء والميم في محل النصب بوقوع الفعل عليه.

قال ابن الأنباري: ويكون أصبر ههنا بمعنى: صبّر (١٣) فأما التفسير على هذه الطريق: فقال المؤرّج: معناه: فما أصبرهم على عمل يؤديهم إلى النار (١٤) (١٥) (١٦) وقال أحمد بن يحيى: الصبر معناه هاهنا (١٧) (١٨) وهذا قول الحسن (١٩) (٢٠) (٢١) قال الفراء: وهذه لغة يمانية، وحكى عن الكسائي قال: قال لي قاضي اليمن: اختصم إليَّ رجلان، فحلف أحدهما على حق صاحبه، فقال له الآخر: ما أصبرك على الله عز وجل (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال أهل المعاني: وإنما جاز استعمال الصبر بمعنى الجرأة؛ لأن الصبر حبس النفس على الشدة، والجريء يصبِّر نفسه على الشدة، فلما كانت الجرأة تقتضي الصبر سميت به.

وقال السدي: هذا على وجه الاستهانة (٢٥) (٢٦) وقيل: أراد ما أبقاهم في النار، وما أطول مكثهم فيها، كما يقال: ما أصبر فلانًا على الضرب والحبس، أي: ما أبقاه فيهما (٢٧) قال عطاء عن ابن عباس: لم يرد أنهم حين دخلوا النار صبروا عليها، ولكنه يريد: فما أعملهم بأعمال أهل النار (٢٨) قال أصحاب المعاني: ومعنى التعجب من الله أنه يُعجِّب المخلوقين، ويدلُّنا على أنهم قد حلّوا محلّ من يتعجب منه (٢٩) (٣٠) الوجه الثاني من التأويل: أن (ما) في هذه الآية استفهام يتضمن التوبيخ، معناه: ما الذي صبرهم؟، وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق واتبعوا الباطل؟

وهذا قول عطاء (٣١) (٣٢) وقيل: معناه: أيُّ: شيء غرّهم من النار أنهم يصبرون عليها؟.

(١) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 90، "المحرر الوجيز" 1/ 75 - 76، "زاد المسير" 1/ 176 - 177.

(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 1359، قال في "البحر المحيط" 1/ 494: والأظهر أنها تعجبية، وهو قول جمهور المفسرين.

(٣) في (أ): (نصبت).

(٤) في (أ): (نصبت).

(٥) "البحر المحيط" 1/ 494.

(٦) سقطت من (ش).

(٧) في (ش): (ما).

(٨) مذهب البصريين أنه فعل، وأما الكوفيون فيرون أنه اسم.

ينظر: "البحر المحيط" 1/ 494.

(٩) في (م): (عن).

وفي (أ): (عزلانا).

(١٠) في (م): (شدان).

(١١) تكملة البيت: من هؤليائكن الضال والسمر والبيت للمجنون في "ديوانه" ص 130، ونسب لآخرين.

(١٢) ينظر في ما تقدم: "المقتضب" للمبرد 4/ 175 وما بعدها.

(١٣) ينظر: "زاد المسير" 1/ 177.

(١٤) الثعلبي 1/ 1359، والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494.

(١٥) سقطت من (أ)، (م).

(١٦) عزاه إليهما الثعلبي 1/ 1360، والحيري في "الكفاية" 1/ 109، والقرطبي في "تفسيره" 2/ 218، وأبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 494، وهو قريب من قول المؤرخ كما بيّن أبو حيان، ونسبه في "زاد المسير" 1/ 176 إلى عكرمة والربيع.

(١٧) في (م): (الصبر هاهنا معناه).

(١٨) ونسبه في "زاد المسير" 1/ 176 إلى مجاهد.

(١٩) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.

(٢٠) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.

(٢١) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره الثعلبي 1/ 1359.

(٢٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 103، "تفسير الثعلبي" 1/ 1359، والسمعاني 2/ 134.

(٢٣) في (م): (يقال).

(٢٤) بتصرف من "معاني القرآن" للفراء 1/ 103، وهذا اختيار الطبري 2/ 92.

(٢٥) في (ش): (الاستهابة).

(٢٦) ذكره الثعلبي 1/ 1360ولم ينسبه، وكذا القرطبي 2/ 236، وقد أخرج الطبري 2/ 91، والثعلبي 1/ 1360 عن السدي وعطاء وابن زيد وأبي بكر بن عياش نحوه.

(٢٧) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 245، "تفسير السمرقندي" 1/ 178، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1360، "زاد المسير" 1/ 176 - 177.

(٢٨) تقدم الحديث عن هذه الرواية.

وقد ورد هذا عن مجاهد في "تفسيره" ص 94، ورواه عنه الطبري 2/ 91، وسعيد بن منصور في "سننه" 2/ 647، وأبو نعيم في "الحلية" 3/ 331.

(٢٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 92، "زاد المسير" 1/ 176.

(٣٠) قد دلت النصوص على إثبات صفة التعجب لله، وعقيدة أهل السنة إثباتها كما جاءت دون تأويل، قال الله تعالى: ﴿ بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ ﴾ ، في قراءة ضم تاء الفاعل، وقوله  : "عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَره" رواه أحمد 4/ 11 - 12، وقال  : "يعجب ربك من شاب ليست له صبوة" رواه أحمد 4/ 151، وفيه ضعف، وقوله  : "عجب الله عز وجل من قوم بأيديهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة" أخرجه البخاري (3010) كتاب الجهاد والسير، باب: الأسارى في السلاسل وغيرها.

وحقيقة التعجب: استغراب الشيء، ويكون ذلك لسببين: الأول: لخفاء الأمر على المستغرب المتعجب، وهذا مستحيل على الله؛ لأن الله عليم بكل شيء.

والثاني: لخروج ذلك الشيء عن نظائره، وعما ينبغي أن يكون عليه، بدون قصور من المتعجب، وهذا ثابت لله عز وجل، وليس فيه نقص.

ينظر: "شرح العقيدة الواسطية" للشيخ محمد العثيمين 2/ 446، "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 415.

(٣١) رواه عنه الطبري 2/ 91، وذكره عنه الثعلبي.

(٣٢) رواه عنه الطبري 2/ 91، ورواه أيضا عن أبي بكر بن عياش، وزاد نسبته في "زاد == المسير" 1/ 177 إلى السدي، وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن"، ونسبه في "البحر المحيط" 1/ 495 إلى ابن عباس والمبرد، وذكر قولًا ثالثًا وهو أن ما نافية، والمعنى: أن الله ما أصبرهم على النار، أي ما يجعلهم يصبرون على العذاب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ ﴾ اليهود ﴿ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار ﴾ أي أكلهم للدنيا يقودهم إلى النار، فوضع السبب موضع المسبب، وقيل: يأكلون النار في جهنم حقيقة ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله ﴾ عبارة عن غضبه عليهم، وقيل: لا يكلمهم بما يحبون ﴿ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ ﴾ لا يثني عليهم ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار ﴾ تعجب من جرأتهم على ما يقودهم إلى النار أو من صبرهم على عذاب النار في الآخرة، وقيل: إنها استفهام، وأصبرهم بمعنى صَبَرَهم، وهذا بعيد، وإنما حمل قائله عليه اعتقاده أن التعجب مستحيل على الله؛ لأنه استعظام خفي سببه، وذلك لا يلزم فإنه في حق الله غير خفي السبب ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى العذاب ورفعه بالابتداء أو بفعل مضمر ﴿ بِأَنَّ الله ﴾ الباء سببية ﴿ نَزَّلَ الكتاب ﴾ القرآن هنا ﴿ بالحق ﴾ أي بالواجب، أو بالإخبار الحق أي الصادق، والباء فيه سببية أو للمصاحبة ﴿ الذين اختلفوا فِي الكتاب ﴾ اليهود والنصارى، والكتاب على هذا التوراة والإنجيل، وقيل: الذين اختلفوا العرب، والكتاب على هذا القرآن، ويحتم جنس الكتاب في الموضعين ﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ أي بعيد من الحق والاستقامة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الميتة ﴾ بتشديد الياء: يزيد.

الباقون: بالسكون؛ ﴿ فمن اضطر ﴾ بكسر النون وضم الطاء: أبو عمرو وسهل ويعقوب وحمزة وعاصم وكسر الطاء: يزيد.

الباقون: بضمهما.

الوقوف: ﴿ تعبدون ﴾ ه ﴿ لغير الله ﴾ ج الشرط مع فاء التعقيب ﴿ عليه ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ قليلاً ﴾ لا لأن ما بعده خبر "إن" ﴿ تزكيهم ﴾ ج والوصل أولى لاتصال بعض جزائهم بالبعض ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ بالمغفرة ﴾ ج للابتداء بالتعجب أو الاستفهام والوجه الوصل للمبالغة في الإنكار.

﴿ على النار ﴾ ه ﴿ بالحق ﴾ ط للابتداء بأن ﴿ بعيد ﴾ ربع الجزء.

التفسير: إنه  تكلم من أول السورة إلى ههنا في دلائل التوحيد والنبوة واستقصى شرح أهل النفاق والشقاق من المشركين وأهل الكتاب، وذيل كلاً من ذلك بما يناسبه، ومن ههنا شرع في بيان الأحكام الشرعية.

الحكم الأول: إباحة الأكل للمؤمنين بعد ما عمم للناس كلهم، وهذا بالنظر إلى الأصل.

وقد يصير واجباً العارض كما لو أشرف على الهلاك بسبب المجاعة، وقد يكون مندوباً كموافقة الضيف واستدل بقوله ﴿ من طيبات ما رزقناكم ﴾ على أن الرزق قد يكون حراماً فإن الطيب هو الحلال.

ولو كان الرزق حلالاً ألبتة لم يبق في ذكر الطيب فائدة إذ يصير المعنى كلوا من حلالات ما أحللنا لكم وأجيب بالمنع من أن معنى الطيب ما ذكر بل المعنى كلوا من متلذذات ما رزقناكم، ولعل أقواماً ظنوا أن التوسع في الأكل الحلال والاستكثار من الملاذ ممنوع منه فرفع الحرج.

﴿ واشكروا لله ﴾ الذي رزقكموها ﴿ إن كنتم إياه تعبدون ﴾ إن صح أنكم تخصونه بالعبادة وتقرون أنه مولى النعم فإن الشكر رأس العبادة، والتركيب يدور على الكشف والإظهار ومنه كشر إذا كشف عن ثغره، فنشر النعم وحصرها باللسان من الشكر.

وباطن الشكر أن يستعين بالنعم على الطاعة دون المعصية وقال بعضهم: أوليتنـي نعمـاً أبـوح بشكـرهـا *** وكفيتنـي كـل الأمـور بـأسرهـا فلأشكـرنك ما حييت فـإن أمـت *** فلتشكـرنك أعظمـي فـي قبرهـا عن النبي  "يقول الله  إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري" ولما أجمل في الآية ما يباح أكله ذيل بحصر ما هو محرّم ليبقى ما عدا ذلك على أصل الإباحة فقيل ﴿ إنما حرم عليكم الميتة والدم ﴾ يتناول ما مات حتف أنفه وما لم تدرك ذكاته على الوجه الشرعي.

وإذا كانت محرمة وجب الحكم بنجاستها إجماعاً، ولأن تحريم ما ليس بمحرم ولا فيه ضر وظاهر يدل على النجاسة.

وليس في الآية إجمال عند الأكثرين، لأن المفهوم من تحريم الميتة ليس تحريم أعيانها وإنما المفهوم في العرف حرمة التصرف في هذه الأجسام كما لو قيل: فلان يملك جارية.

فهم منه عرفاً أنه يملك التصرف فيها.

وعلى هذا فالآية تدل على حرمة جميع التصرفات إلا ما أخرجه الدليل المخصص كالسمك والجراد لقوله  "أحلت لنا ميتتان ودمان.

أما الميتتان فالجراد والنون.

وأما الدمان فالطحال والكبد" .

وقال  في صفة البحر "هو الطهور ماؤه الحل ميتته" وهذا عام لجميع الحيوانات التي لا تعيش إلا في الماء وإن لم تكن على صورة السمكة المشهورة.

ولا فرق أيضاً بين ما يؤكل نظيره في البر كالبقر والشاة وبين ما لا يؤكل كخنزير الماء وكلبه على أصح القولين للشافعي.

وقد زعم بعض الناس كصاحب الكشاف أن السمك والجراد يخرج بنفسه لأن الميتة لا تتناولهما عرفاً وعادة، ولهذا من حلف لا يأكل لحماً فأكل سمكاً لم يحنث، وإن أكل لحماً في الحقيقة لقوله  ﴿ لتأكلوا منه لحماً طرياً  ﴾ وشبهوه بما لو حلف لا يركب دابة فركب كافراً لم يحنث وإن عدّ الكافر من الدواب لقوله  ﴿ إن شر الدواب عند الله الذين كفروا  ﴾ وفيه نظر.

لأن عدم التناول عرفاً إنما هو بعد تخصيص الشارع فلا يمكن أن يجعل دليلاً على عمومه.

وكالجنين الذي يوجد ميتاً عند ذبح الأم عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد وهو المروي عن علي  وابن مسعود وابن عمر لقوله  "ذكاة الجنين ذكاة أمه" وقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا أن يخرج حياً فيذبح وحمل الحديث على الإضمار أي ذكاة الجنين كذكاة أمه وردّ بأن الإضمار خلاف الأصل، وبأنه إذا خرج لا يسمى جنيناً، وبأنه لا يبقى للخبر حينئذ فائدة، لأن ذلك معلوم، ولما روي عن أبي سعيد "أنه  سئل عن الجنين يخرج ميتاً قال: إن شئتم فكلوه فإن ذكاته ذكاة أمه" وكشعر الميتة وصوفها فإنهما عند أبي حنيفة ظاهران لقوله  في معرض الامتنان ﴿ ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثاً ومتاعاً إلى حين  ﴾ ولقوله  في شاة ميمونة "إنما حرم من الميتة أكلها" ولأنهم كانوا يلبسون جلود الثعالب، ولأن الشعر، وا لصوف لا حياة فيه لأن حكم الحياة الإدراك والشعور.

ومن ههنا ذهب مالك إلى تحريم العظام دون الشعور، وعند الشافعي الشعر والعظم ونحوهما كالقرن والظفر والسن كلها نجسة لقوله  "ما أبين من حي فهو ميت" ولأن الحياة عندنا عبارة عن كونه متعرض للفساد والتعفن، وهذا المعنى يعم الشعر واللحم.

وأما الإهاب فللفقهاء فيه مذاهب سبعة.

فأوسع الناس قولاً الزهري.

جوز استعمال الجلود بأسرها قبل الدباغ، ثم داود قال: تطهر كلها بالدباغ لقوله  "أيما إهاب دبغ فقد طهر" ولأن الدباغ يعيد الجلد إلى ما كان عليه حال الحياة من عدم التعفن والفساد.

ثم مالك يطهر ظاهر كلها دون باطنها.

ثم أبو حنيفة يطهر كلها إلا جلد الخنزير لدسومته والآدمي لكرامته.

ثم الشافعي يطهر الكل إلا جلد الكلب والخنزير.

ثم الأوزاعي وأبو ثور يطهر جلد ما يؤكل لحمه فقط.

ثم أحمد بن حنبل والشيعة لا يطهر شيء منها بالدباغ لإطلاق الآية ولقول عبد الله بن حكيم: أتانا كتاب رسول الله  قبل وفاته بشهر أن لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب.

واختلف في أنه هل يجوز الانتفاع بالميتة بإطعام البازي والبهيمة؟

فمنهم من منع منه حتى قال بعضهم: إذا أقدم البازي من عند نفسه على أكل الميتة وجب علينا منعه.

وجوز الشافعي استعمال نجس العين كجلد الكلب والخنزير للضرورة كمفاجأة قتال مع فقدان غيره، وكدفع الحر والبرد المهلكين، ولأجل تجليل الكلب وإن لم يكن ضرورة، وكذا استعمال جلد الميتة قبل الدباغ لتجليل الدابة والكلب، وكذا استعمال النجس العين كودك الميتة والخنزير والزبل للاستصباح وتسميد الأرض لعموم الحاجة القريبة من الضرورة، وقد نقله الأثبات عن أصحاب رسول الله  .

وسئل  عن الفأرة تقع في السمن فقال: " استصبحوا به ولا تأكلوه" .

والدخان وإن كان نجساً لكنه قليل معفو عنه.

وعند أبي حنيفة: إذا مات في الماء القليل ما ليس له نفس سائلة أي دم كالذباب والبعوض والخنفساء والعقرب وبنات وردان لم يفسد الماء قل أو كثر لأن رطوبة هذه الحيوانات تشبه رطوبة النبات فهي حية وميتة على هيئة واحدة.

وعند الشافعي فيه قولان: وعامة الأصحاب عدّوا دود الطعام من جملة ما ليس له نفس سائلة وقالوا: لا ينجس الطعام الذي تولد منه بموته فيه بلا خلاف.

وإن وقع في ماء أو في مائع آخر فقولان.

ثم الذباب والبعوض ونحوهما وإن حكم بطهارة ميتتهما فهي محرمة لأنها مستقذرة مندرجة تحت عموم اسم الميتة.

وفي جواز أكل دود الطعام والفواكه والماء وجهان، والأظهر تحرمها عند الانفراد، ومع هذه الأشياء يمكن أن يسامح به.

وسأل عبد الله بن المبارك أبا حنيفة عن طائر وقع في قدر مطبوخ فمات فقال أبو حنيفة لأصحابه: ما ترون فيها؟

فذكروا له عن ابن عباس أن اللحم يؤكل بعد ما يغسل فيهراق المرق.

فقال أبو حنيفة: بهذا نقول على شريطة إن كان وقع فيها في حال سكونها: فكما في هذه الرواية، وإن وقع فيها في حال غليانها لم يؤكل اللحم ولا المرق.

قال ابن المبارك: ولم ذلك؟

قال: لأنه إذا سقط فيها في حال غليانها فمات فقد داخلت الميتة اللحم، وإذا وقع فيها في حال سكونها فمات فقد وسخت الميتة اللحم.

فاستحسنه ابن المبارك.

وعند أبي حنيفة: ذبح ما لا يؤكل لحمه يستعقب الطهارة.

وعند الشافعي لا يستعقبها كما لا يستعقب حل الأكل، وكما لو ذبح المجوسي مأكول اللحم.

ولبن الشاة الميتة وأنفحتها طاهران عند أبي حنيفة دون الشافعي ومالك، لا لأن الآية لا تتناولهما فإن اللبن لا يوصف بأنه ميتة، بل لتنجسهما بمجاورة الميتة.

وبيض مأكول اللحم إذا مات ووجد ذلك في جوفه فإن كان متصلباً فطاهر بعد أن يغسل وإلاّ فلا.

أما الدم فعند الشافعي جميعه محرم سواء كان مسفوحاً أو غير مسفوح لإطلاق الآية إلا الكبد والطحال للخبر عند من يقول بتناول الآية إياهما، وعند من يقول بذلك لا تخصيص.

وقال أبو حنيفة: دم السمك ليس بمحرم، وأما لحم الخنزير فأجمعت الأمة على أن الخنزير بجميع أجزائه محرم، وتخصيص اللحم بالذكر لأن معظم الانتفاع متعلق به.

أما شعر الخنزير فغير داخل في الظاهر وإن أجمعوا على تحريمه وتنجيسه.

واختلفوا في أنه هل يجوز الانتفاع به للخرز؟

فأبو حنيفة ومحمد يجوز، والشافعي لا يجوز.

واحتج أبو حنيفة بأنا نرى المسلمين يقرون الأساكفة على استعماله من غير نكير، ولأن الحاجة ماسة إليه.

وأما ما أهل به لغير الله فمعناه رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية باسم اللات والعزى.

وأهل المعتمر إذا رفع صوته بالتلبية.

قال العلماء: لو أن مسلماً ذبح ذبيحة وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله صار مرتداً، وذبيحته ذبيحة مرتد.

وقدم به في هذه السورة وأخر في المائدة والأنعام والنحل لأن تقدم الباء هو الأصل لأنه يجري في إفادة التعدية مجرى الهمزة والتضعيف، فكان الموضع الأول هو اللائق بهذا الأصل، وفي سائر المواضع قدم ما هو المستنكر وهو الذبح لغير الله، ولهذا لم يذكر في سائر الآية قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ اكتفاء بما ذكر في الموضع الأول.

ويستثنى مما أهل به لغير الله ذبائح أهل الكتاب إذا سمي عليها باسم المسيح مثلاً لإطلاق قوله  ﴿ وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم  ﴾ ولأن النصراني إذا سمي الله  فإنما يريد به المسيح وهو مذهب عطاء ومكحول والحسن والشعبي وسعيد بن المسيب.

وقال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابه: إذا ذبحوا على اسم المسيح فقد أهلوا به لغير الله فوجب أن يحرم.

وإذا ذبحوا على اسم الله فظاهر اللفظ يقتضي الحل ولا عبرة بما لو أراد به المسيح.

وعن علي كرم الله وجهه: إذا سمعتم اليهود والنصارى يهلون لغير الله فلا تأكلوا، وإذا لم تسمعوهم فكلوا فإن الله  قد أحل ذبائحهم وهو يعلم ما يقولون.

واعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن يكون سوى هذه الأشياء محرماً، لكنا نعلم أن في الشرع أشياء أخر سواها من المحرمات، فكلمة إنما متروكة العمل بظاهرها والله أعلم ﴿ فمن اضطر ﴾ افتعل من الضر وهو الضيق أي ألجئ.

استثنى من التحريم حالة الضرورة ولها سببان: أحدهما الجوع الشديد وأن لا يجد مأكولاً حلالاً يسد به الرمق فعند ذلك يكون مضطراً إلى أكل المحرم.

الثاني: إذا أكرهه على تناوله مكره فيحل له تناول ما أكره عليه.

والاضطرار ليس من أفعال المكلف حتى يقال إنه لا إثم عليه فيه، فلا بد من إضمار وهو الأكل.

أي فمن اضطر فأكل فلا إثم عليه، وإنما حذف للعلم به.

"وغير" ههنا بمعنى "لا" النافية كأنه قيل: فمن اضطر باغياً ولا عادياً.

والبغي في اللغة الظلم والخروج عن الإنصاف.

بغي الجرح ورم وترامي إلى فساد.

وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء فهو بغي.

والعدوان الظلم الصراح وتجاوز الحد.

وللأئمة في الآية قولان: أحدهما وإليه ذهب أبو حنيفة تخصيص البغي والعدوان بالأكل، وعلى هذا فالمعنى غير باغ بأن يجد حلالاً تكرهه النفس، فعد إلى أكل الحرام للذته ﴿ ولا عاد ﴾ أي متجاوز قدر الرخصة، أو غير باغ أي طالب للذة ولا عاد متجاوز سداً لجوعه، عن الحسن وقتادة والربيع ومجاهد وابن زيد: أو غير باغ على مضطر آخر بالاستئثار عليه، ولا عاد في سد الجوعة.

والثاني وإليه ذهب الشافعي والإمامية: غير باغٍ على إمام المسلمين، ولا عادٍ بالمعصية طريق المحقين.

ويتفرع على الاختلاف أن العاصي بسفره هل يترخص أم لا؟

فعند أبي حنيفة يترخص لأنه مضطر وغير باغٍ ولا عادٍ في الأكل.

وعند الشافعي لا يترخص لأنه موصوف بالعدوان ويؤيده الآية الأخرى ﴿ فمن اضطر في مخمصةٍ غير متجانفٍ لإثم  ﴾ وأيضاً غير باغٍ ولا عادٍ حالان من الاضطرار، فلا بد أن يكون وصف الاضطرار باقياً في الحالين وليس كذلك، لأنه حال الأكل لا يبقى وصف الاضطرار.

وأيضاً الإنسان نفور بطبعه عن تناول الميتة والدم فلا حاجة إلى نهيه عن التعدي في الأكل.

وأيضاً إنه نفي ماهية البغي والعدوان، وإنما تنتفي عند انتفاء جميع أفرادها ويتحقق حينئذٍ نفي العدوان في السفر كما هو مقصودنا.

وأما تخصيص البغي بالأكل كما ذهبتم إليه فترجيح من غير دليل.

حجة أبي حنيفة قوله  في آية أخرى ﴿ وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه  ﴾ وهذا الشخص مضطر فوجب أن يترخص.

وأيضاً قال  ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم  ﴾ ﴿ ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة  ﴾ والامتناع عن الأكل سعي في قتل النفس، فيحرم كما لو ترك دفع أسباب الهلاك عن نفسه إذا صال عليه جمل أو فيل أو حية.

وأيضاً الضرورة تبيح تناول طعام الغير من دون الرضا بل على سبيل القهر، وهذا التناول محرم لولا الاضطرار فكذا ههنا.

أجاب الشافعي: بأنه يمكنه الوصول إلى استباحة هذه الرخص بالتوبة، فإذا لم يتب فهو الجاني على نفسه.

ثم إن الرخصة إعانة على السفر وإذا كان السفر معصية فالرخصة إعانة على المعصية، والسعي في تحصيل المعصية محظور، فالجمع غير ممكن ثم اتفق الإمامان على أن المضطر لا يأكل من الميتة إلا قدر ما يمسك رمقه إلا إذا عجز عن السير ويهلك فيتناول المشبع.

وقال عبد الله بن الحسن العنبري: يأكل منها ما يسد جوعته.

وعن مالك: يأكل منها حتى يشبع ويتزود فإن وجد غنى عنها طرحها.

والأول أقرب، لأن سبب الرخصة إذا كان الإلجاء فمتى ارتفع الإلجاء ارتفعت الرخصة، كما لو وجد الحلال لم يحل له تناول الميتة، وكما أن الجوعة في الابتداء لا تبيح أكل الميتة إذا لم يخف ضرراً بتركه.

وهذه الرخصة لجميع المحرمات عند الأكثرين، وبعضهم خصصها بما سوى لحم الخنزير، والشافعي منع عن شرب الخمر لشدة العطش دون إساغة اللقمة.

وفي التداوي بها وجهان، وبسائر المحرمات يجوز ولا يجب الامتناع إلى أن يشرف على الموت فإن الأكل حينئذٍ لا ينفع، بل لو انتهى إلى تلك الحالة له التناول.

وحدوث مرض مخوف في جنسه كخوف الموت، وهكذا إن كان يخاف منه لطوله وتماديه.

ولا يشترط في جميع ذلك إلا غلبة الظن دون التيقن.

ومعنى قوله ﴿ فلا إثم عليه ﴾ رفع الحرج والضيق كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما  ﴾ ورفع الحرج قدر مشترك بين الواجب والمندوب والمباح فلا ينافي وجوب الأكل في حالة الاضطرار.

ومعنى قوله ﴿ أن الله غفور رحيم ﴾ أن المقتضي للحرمة قائم إلا أنه زالت الحرمة لوجود العارض، فلما كان تناوله تناول ما حصل فيه المقتضى للحرمة ذكر بعده المغفرة، ثم ذكر أنه رحيم يعني لأجل الرحمة أبحت لكم ذلك، أو لعل المضطر يزيد على تناول قدر الحاجة فهو  غفور بأن يغفر ذنبه في تناول الزيادة، رحيم حيث أباح تناول قدر الحاجة.

أو أنه لما بين هذه الأحكام فالمكلفون بالنسبة إليها إما أن يعصوا فذكر أنه غفور لهم إذا تابوا، أو يطيعوا فهو رحيم حيث وفقهم للطاعة.

﴿ إن الذين يكتمون ﴾ عن ابن عباس: نزلت في رؤساء اليهود وعلمائهم - كعب بن الأشرف وحي بن أخطب ونحوهما - كانوا يصيبون من سفلتهم الهدايا والفضول، وكانوا يرجون أن يكون النبي المبعوث منهم، فلما بعث من غيرهم خافوا ذهاب مأكلتهم وزوال رياستهم فعمدوا إلى صفة رسول الله  فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت نبي آخر الزمان لا يشبه نعت هذا النبي الذي بمكة.

فإذا نظرت السفلة إلى النعت المغير وجدوه مخالفاً لصفة النبي  فلا يتبعونه ﴿ ويشترون به ﴾ أي بالكتمان لدلالة الفعل عليه، أو بالمنزل.

وقد سبق معنى الاشتراء والثمن القليل ﴿ في بطونهم ﴾ حال أي ملء بطونهم.

أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه ﴿ إلا النار ﴾ لأنه إذا أكل ما يلتبس بالنار لكونها عقوبة عليه فكأنه أكل النار كقولهم "أكل الدم" أي الدية التي هي بدل منه: قال: أكلـت دمـاً إن لـم أرعـك بضـرة *** بعيـدة مهـوى القـرط طيبـة النشـر وذلك أنهم كانوا يستنكفون عن أخذ الدية وبعيدة مهوى القرط كناية عن طول العنق.

ويمكن أن يقال: إنهم يأكلون في الآخرة النار لأكلهم في الدنيا الحرام ﴿ ولا يكلمهم الله ﴾ بما يحبون لأنهم كتموا كلامه في الدنيا بل بنحو ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] أو لا يكلمهم الله أصلاً لغضبه عليهم كما هو ديدن الملوك من الإعراض عند السخط والإقبال عند الرضا ﴿ ولا يزكيهم ﴾ بالإثناء عليهم أو بقبول أعمالهم ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ بيان لتماديهم في الخسارة فإن أحسن الأشياء في الدنيا الاهتداء والعلم، وأقبحها الضلال والجهل.

وفي الآخرة أنفع الأشياء المغفرة، وأضرها العذاب فهم في خسران الدارين لاستبدالهم في الدنيا أقبح الأمور بأحسنها، وفي الآخرة أضر الأشياء بأنفعها.

﴿ فما أصبرهم على النار ﴾ تعجب من حالهم في تلبسهم بمواجب النار من غير مبالاة منهم، فإن الراضي بموجب الشيء لا بد أن يكون راضياً بمعلوله ولازمه إذا علم ذلك اللزوم كما تقول لمن يتعرض لما يوجب غضب السلطان "ما أصبرك على القيد والسجن" وهذا التعجب منهم في حال التكليف واشترائهم الضلالة بالهدى.

وعن الأصم: أن المراد أنه إذا قيل لهم ﴿ اخسؤا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\] فهم يسكتون ويصبرون على النار لليأس من الخلاص.

وضعف بأنه خلاف الظاهر وبأن أهل النار قد يقع منهم الجزع والاستغاثة.

وقيل: إن "ما" في ﴿ ما أصبرهم ﴾ للاستفهام لمعنى التوبيخ معناه أي شيء صبرهم عليها حتى تركوا الحق واتبعوا الباطل؟

وهذا أصل معنى فعل التعجب والتعجب استعظام الشيء مع خفاء سبب حصول عظم ذلك الشيء هذا هو الأصل، ثم قد يستعمل لفظ التعجب عند مجرد الاستعظام من غير خفاء السبب كما في حق الله  ﴿ ذلك ﴾ الوعيد الشديد أو ذلك الكتمان وسوء معاملتهم إنما هو بسبب ﴿ إن الله نزل الكتاب ﴾ يعني جنس الكتب السماوية أو القرآن ﴿ بالحق ﴾ بالصدق أو ببيان الحق وقد نزل في جملة ما نزل أن هؤلاء الرؤساء من أهل الكتاب لا يؤمنون ولا يكون منهم إلا الإصرار على الكفر فإنه  ختم على قلوبهم ﴿ وإن الذين اختلفوا في الكتاب ﴾ جنسه فقالوا في البعض حق وفي البعض باطل وهم أهل الكتاب ﴿ لفي شقاق ﴾ خلاف ﴿ بعيد ﴾ عن الحق، أو الذين اختلفوا في القرآن فقال بعضهم شعر، وبعضهم سحر، وبعضهم أساطير الأولين، أو الذين اختلفوا في التوراة والإنجيل فقدح كل منهما في الآخر، أو ذكر كل منهما للآيات الدالة على نبوة محمد  تأويلاً آخر فاسداً، أو حرفوا كلاً منهما على وجه آخر لأجل عداوتك هم فيما بينهم في شقاقٍ بعيدٍ ومنازعةٍ شديدةٍ.

فلا ينبغي أن تلتفت إلى اتفاقهم على العداوة، فإنه ليس فيما بينهم مؤالفة وموافقة.

وعن أبي مسلم: اختلفوا في الكتاب أي توارده مثل ﴿ إن في اختلاف الليل والنهار  ﴾ أي تعاقبهما.

واعلم أن الآية وإن نزلت في أهل الكتاب، يشبه أن تكون عامة في كل من كتم شيئاً من باب الدين فيكون حكماً ثانياً للمسلمين، ويصلح أن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر.

وكان السبب في تعقيب هذا الحكم الحكم الأول أن أهل الكتاب قد حرموا بعض ما أحل الله كلحوم الإبل وألبانها وأحلوا بعض الشحوم، فسيقت الآية تعريضاً بصنعهم وتصريحاً بجزائهم وجزاء أضرابهم والله أعلم.

التأويل: الميتة جيفة الدنيا والدم وهي الشهوات النفسانية "إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم" وقال أيضاً  "سدوا مجاري الشيطان بالجوع" ولحم الخنزير مادة الشره والحرص، وما أهل به لغير الله كل ما يتقرب به إلى الله رياء وسمعة والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ ﴾ : أي في الكتاب يحتمل هذا وجهين: يحتمل: أن كتموا ما في كتبهم من بعث محمد  وعلى آله، وصفته.

ويحتمل: ما كتموا من الأحكام والشرائع من نحو الحدود والرجم وغير ذلك من الأحكام.

وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قد ذكرنا تأويل هذا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ ﴾ .

يحتمل وجهين: يحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أوجب ذلك لهم في الآخرة أكل النار.

ويحتمل: ما يأكلون في دنياهم إلا أكلوا في الآخرة عين النار.

وقوله: ﴿ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ .

قيل: لا يكلمهم بكلام خير، ولكن يكلمهم بغيره، كقوله: ﴿ قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ ﴾ \[المؤمنون: 108\].

وقيل: لا يكلمهم غضباً عليهم؛ يقال: فلان لا يكلم فلاناً، لما غضب عليه.

وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ وَٱلْعَذَابَ بِٱلْمَغْفِرَةِ ﴾ .

قيل: استحبوا الضلالة على الهدى.

وقيل: اختاروا العذاب على المغفرة.

وما قاله الكلبي فهو أحسن: أنهم اشتروا اليهودية - التي هى تحصل عذاباً - بالإيمان - الذي يحصل مغفرة - وقد ذكرنا هذا فيما تقدم أيضاً.

وقوله: ﴿ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ ﴾ .

قيل: فما أدومهم في النار.

وقيل: فما أصبرهم على العمل الذي يوجب لهم النار.

وقيل: فما أجرأهم على عمل أهل النار.

وقيل: ما أعملهم بأعمال أهل النار.

وقال الحسن: فما لهم عليها صبر ولكن ما أجرأهم على النار.

وقد يقال لمن يطول حبسه: فما أصبرك على الحبس.

لا على حقيقة الصبر، لكن على وجوده فيه.

وقوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .

أي: خالفوا.

وإلا قد اختلف أهل الإيمان والكفر، ولكن أراد - والله أعلم - بالاختلاف: الخلاف، أي: خالفوا الكتاب ولم يعملوا به.

﴿ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ .

قيل: لفي خلاف بعيد.

وقيل: لفي ضلال طويل.

وقيل: لفي عداوة بعيدة.

وقيل: حرف "البعيد" في الوعيد إياس؛ كأنه قال: لا انقطاع له.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أولئك المتصفون بكتمان العلم الَّذي يحتاج إليه الناس هم الذين استبدلوا الضلالة بالهدى لمّا كتموا العلم الحق، واستبدلوا عذاب الله بمغفرته، فما أصبرهم على فعل ما يسبب لهم دخول النار، كأنهم لا يبالون بما فيها من عذاب لصبرهم عليها.

<div class="verse-tafsir" id="91.Xa59r"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآيات متصلة بما قبلها على كلا الوجهين السابقين : فإذا كان الكلام لا يزال في محاجة اليهود وأمثالهم فالأمر ظاهر، وإذا قلنا إن الكلام قد دخل في سرد الأحكام، تكون مقررة لحكم منها وهو ظاهر أيضًا، فقد تقدم أن قول تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ  ﴾ تقرير لحكم في الأكل على خلاف ما عليه أهل الملل، وبينا ما كان عليه أهل الكتاب والمشركون في الأكل، ونقض القرآن لما وضعوه لأنفسهم من الأحكام، وإباحته الطيبات للناس بشرط أن يشكروه عليها، وعلى هذا تكون هذه الآيات جارية على الرؤساء الذين يحرمون على الناس ما لم يحرم الله ويشرعون لهم ما لم يشرعه، من حيث يكتمون ما شرعه بالتأويل أو الترك، فيدخل فيه اليهود والنصارى ومن حذا حذوهم في شرع ما لم يأذن به الله وإظهار خلافه، سواء كان ذلك في أمر العقائد ككتمان اليهود أوصاف النبي  أو الأكل والتقشف وغير ذلك من الأحكام التى كانوا يكتمونها إذا كان لهم منفعة في ذلك كما قال تعالى ﴿ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا  ﴾ وفى حكمهم كل من يبدي بعض العلم ويكتم بعضه لمنفعته، لا لإظهار الحق وتأييده، وهذا هو ما عبر عنه بقوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ أي الذين يخفون شيئًا مما أنزل الله من كتابه فلا يبلغونه للناس مهما يكن موضوعه، أو يخفون معناه عنهم بتأويله أو تحريفه أو وضع غيره في موضعه برأيهم واجتهادهم، ويستبدلون بما يكتمونه ثمنًا قليلًا من متاع الدنيا الفاني كالرشوة والحمل على الفتاوى الباطلة أو قضاء الحاجات عند الله تعالى وغير ذلك من المنافع الموقتة إذا اتخذوا الدين تجارة.

والثمن القليل منه ما قاله المفسرمن استفادة الرؤساء من المرؤوسين ومنه عكسه كما تقدم غير مرة.

هذا النوع من البيع والشراء في الدين عام في الرؤساء الضالين من جميع الأمم.

ومنه ما كان رؤساء اليهود يلاحظونه زمن التنزيل وهو حفظ ما بيدهم الذي يتوهمون أنه يفوتهم بترك ما هم عليه من التقاليد واتباع ما أنزل الله بدلًا منها، وهذا هو شأن الناس في كل دعوة إلى إصلاح جديد غير ما هم فيه، وإن كان يعدهم بخير منه في الدنيا والآخرة، وكان ما هم فيه هو الفقر والذل والخذلان حاضرة أو منتظرة.

ماذا كان شأن النصارى في زمن البعثة؟

فقر حاضر، وذل غالب، وحجر على العقول، ومنع للحرية في الرأي والعلم، وتحكم في الإرادة، وسيطرة على خطرات القلوب وأهواء النفوس، كان هذا عامًا في كل قطر وكل مملكة، وكان بين الطوائف بعضها مع بعض حروب تشب، وغارات تشن، ودماء تسفك، وحقوق تنتهك، وكانوا على هذا كله يتوهمون أن الإسلام سيخرجهم من سعادة إلى شقاء، ومن نعمة إلى بلاء، هب أن بعضهم كان له شيء من المال، وبقية من الجاه، أليس هو من فخفخة الدنيا الزائلة، ألم يكن منغصًا بالخوف عليه؟

هب أنه كان لبعض شعوبهم طائفة من القوة، ألم تكن تشبه الزوبعة تعصف ولا تلبث أن تزول؟

نعم إن ما كان يغر هؤلاء وهؤلاء لم يكن موضعًا للغرور، لأنه متاع حقير، وثمن قليل، وهو غير قائم على أساس ثابت.

ولذلك زال بظهور الإسلام وانتشاره، وتقوضت تلك السلطة، واندكت صروح تلك العظمة، وأجلي اليهود من جزيرة العرب، وزال ملك غيرهم من كل بلاد رفضوا فيها دعوة الإسلام.

وهذا شأن الباطل لا يثبت أمام الحق، فإن أحكام الباطل مؤقتة لا ثبات لها في ذاتها، وإنما بقاؤها في نوم الحق عنها، وحكم الحق هو الثابت بذاته، فلا يغلب أنصاره ما داموا معتصمين به، مجتمعين عليه.

وقال المفسرون إن هذا الحكم يصدق على المسلمين كما يصدق على أهل الكتاب لأن الغرض تقرير الحكم وهو عام كما يدل لفظه، وكما يليق بعدل الله تعالى رب العالمين، وكما هو ظاهر معقول من اطراد سنة الله تعالى في تأييد أنصار الحق وخذل أهل الباطل فإنها واضحة جلية للمتأملين.

كل ثمن يؤخذ عوضًا عن الحق فهو قليل، إن لم يكن قليلًا في ذاته فهو قليل في جنب ما يفوت آخذه من سعادة الحق الثابتة بذاتها، والدائمة بدوام المحافظة على الحق.

ولو دام للمبطل ما يتمتع به من ثمن الباطل إلى نهاية الأجل -وما هو إلا قصير- فماذا يفعل وقد فاتته بذلك سعادة الروح ونعيم الآخرة باختياره الباطل على الحق ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ  ﴾ .

﴿ أُوْلَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ  ﴾ أي أولئك الكاتمون لكتاب الله والمتجرون به ما يأكلون في بطونهم من ثمنه إلا ما يكون سببًا لدخول النار وانتهاء مطامعهم بعذابها، وهذا أظهر من القول بأنهم لا يأكلون في دار الجزاء إلا النار أو طعام النار من الضريع والزقوم، وعبر عن المنافع بالأكل لأنه أعمها، والمعنى لا تملأ بطونها إلا النار، فإن الأكل لما كان لا يكون إلا في البطن كان لا بد من نكتة لذكر البطن إذا قيل أكل في بطنه، ورأيناهم يعبرون بذلك عن الامتلاء، يقولون أكل في بطنه يريدون ملأ بطنه، والأصل أن يأكل الإنسان دون امتلاء بطنه.

والمراد أنه لا يشبع جشعهم ولا يذهب بطمعهم إلا النار التي يصيرون إليها، على حد ما ورد في الحديث:"ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب".

واستشهدوا للتعبير بأكل النار عن سبب عذابها بقول القائل في زوجه: دمشق خذيها لا تفتك قليلة تمر بعودي نعشها ليلة القدر أكلت دما إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فإنه يريد بالدم الدية التي هو سببها -وأكلها عار عندهم- فهو يدعو على نفسه بأن يبتلى بأكل الدية إن لم يرع زوجه ويزعجها بضرة هي من الجمال بالصفة التي ذكرها، وأكل الدية يتوقف على أن يقتل بعض أهله الذين له الولاية عليهم.

قال تعالى ﴿ وَلا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَة  ﴾ قالوا إن الكلام كناية عن الإعراض عنهم والغضب عليهم وهي كناية مشهورة شائعة إلى اليوم.

وجمعوا بهذا بين الآية وبين قوله تعالى ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ  ﴾ وقوله ﴿ فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ  ﴾ - وقيل لا يكلمهم بما يحبونه ﴿ وَلا يُزَكِّيهِمْ  ﴾ أي لا يطهرهم من ذنوبهم بالمغفرة والعفو وقد ماتوا وهم مصرون على كفرهم ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ  ﴾ أي شديد الألم.

ثم قال فيهم ﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى  ﴾ أي أولئك الذين يكتمون ما أنزل الله الخ، أو المجزيون عليه بما ذكرهم الذين اشتروا الضلالة بالهدى في الدنيا.

فأما الهدى فهو كتاب الله وشرعه ﴿ ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

وأما الضلالة فهي العماية التي يهتدي بها الإنسان لمقصده، وتكون باتباع الهوى وآراء الناس في الدين، وليس لأحد أن يقول في الدين برأيه.

وهذه الآراء لا ضابط لها ولا حد، فأهلها في خلاف وشقاق دائم كما سيأتي فمن أجاز لنفسه اتباع أقوال الناس في الاعتقاد والعبادة وأحكام الحلال والحرام فقد ترك الهدى الواضح المبين الذي لا خلاف فيه، وصار إلى تيه من الآراء مشتبه الأعلام، يضل به الفهم، ولا يهتدي فيه الوهم، وذلك عين اتباع الهوى، وشراء الضلالة بالهدى، فإن الله وحده هو الذي يبين حدود العبودية، وحقوق الربوبية، فلا هداية إلا بفهم ما جاء به رسله عنه ﴿ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ  ﴾ أي واشتروا العذاب بالمغفرة في الآخرة، وهذا أثر ما قبله فإن متبع الهدى هو الذي يستحق المغفرة لما يفرط منه وما يلم هو به من السوء ومتبع الضلالة هو المستحق للعذاب، ومن دعي إلى الحق يعرف هذا، فإذا هو اختار الضلالة بعد صحة الدعوة وقيام الحجة فقد اشترى العذاب بالمغفرة، وكان هو الجاني على نفسه، إذ استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، غرورًا بالعاجل، واستهانة بالآجل ﴿ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ  ﴾ أي أن صبرهم على عذاب النار الذي تعرضوا له مثار العجب، ذلك بأن عملهم الموصوف في الآيتين هو العمل الذي يسوقهم إلى عذاب النار.

فتهوكهم فيه إنما هو تهوك من لا يبالي به، كأنه مما يطيقه ويمكنه الصبر عليه، فلا يترك ضلالته اتقاء له.

وصيغة التعجب قالوا يراد بها تعجيب الناس من شأنهم إذ لا نتصور حقيقة التعجب من الله تعالى إذ لا شيء غريب عنده  ولا مجهول سببه، وهو العالم بظواهر الأشياء وخوافيها، وحاضرها عنده كماضيها وآتيها ﴿ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ  ﴾ والصبر على النار غير واقع منهم فيتعجب منه حالًا، ولا متوقع فيتعجب منه مآلا، فلا صبر هنالك يتعجب منه وإنما حالهم في تهوكهم وانهماكهم في العبث بدين الله هو الذي جعل موضع التعجب للتنفير والتشنيع عليهم.

ولكن صح في الحديث إسناد العجب إلى الله تعالى وطريقة السلف في مثله أن يقال عجب يليق به ليس كعجب البشر مما يكبرون أمره ويجهلون سببه، ويتأوله الأكثرون بالرضى من المتعجب منه.

إن الكلام في أكلهم النار والتعجب من صبرهم على النار هو تصوير لحالهم وتمثيل لمآلهم.

أما الثاني فظاهر.

وأما الأول فيتجلى لك إذا تمثلت حال قوم عندهم كتاب يؤمنون أنه من الله، ويؤمنون بلقاء الله، وقد كتموا ما أنزل الله فيه بالتحريف والتأويل كما فعل اليهود بكتمان وصف الرسول، وهم يقارعون بالدلائل العقلية، ويذكرون بآيات الله وأيامه، فيشعرون بجاذبين متعاكسين: جاذب الحق الذي عرفوه، وجاذب الباطل الذي ألفوه، ذاك يحدث لهم هزة وتأثيرًا، وهذا يحدث لهم استكبارًا ونفورًا، وقد غلب عقولهم ما عرفوا، وغلب قلوبهم ما ألفوا، فثبتوا على ما حرفوا وانحرفوا، وصاروا إلى حرب عوان، بين العقل والوجدان، يتصورون الخطر الآجل، فيتنغص عليهم التلذذ بالعاجل، ويتذوقون حلاوة ما هم فيه، فيؤثرونه على ما سيصيرون إليه.

أليس هذا الشعور بخذل الحق ونصر الباطل، واختيار ما يفنى على ما يبقى، نارًا تشب في الضلوع؟

أليس ما يأكلونه من ثمن الحق ضريعًا لا يسمن ولا يغني من جوع؟

بلى فإن عذاب الباطن أشد من عذاب الظاهر، كما يومئ إليه قول الشاعر: دخول النار للمهجور خير من الهجر الذي هو يتقيه لأن دخوله في النار أدنى عذابًا -من دخول النار فيه فهذا تأويل وجيه لأكلهم النار وللتعجب من صبرهم على النار، نزل به الوحي الإلهي وظهر على لسان الرسول  ، وإن أرباب الأرواح العالية، والمرائي الصافية، تتمثل لهم المعاني بأتم ما تتمثل به لسائر الأرواح المحجوبة بالظواهر، المخدوعة بالمظاهر، التي يصرفها الاشتغال بالحس عن معرفة مراتب النفس.

فلا غرو إذا تمثلت للنبي  حال أولئك الجاحدين المعاندين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، واتخذوا آلهتهم الهوى وواثبوا الحق يقارعهم ويقارعونه، وناصبوا الدليل ينازعهم وينازعونه، بحال الذي يتقحم في النار، ويكره نفسه على الاصطبار، كما يتمثل ذلك الثمن القليل الذي باعوا به الحق نارًا يزدردونها، إذ كان آلامًا يتحملونها، مكابرة البرهان أشد العذاب عند العقلاء، ومحاربة القلب -الضمير والوجدان- أوجع الآلام عند الفضلاء، فالعاقل يستطيع أن يمنع نفسه من أكثر اللذات الحسية، ولكنه لا يستطيع أن يمنع عقله العلم وذهنه الفهم، فقد قيل"لديوجين" لا تسمع، فسد أذنيه، فقيل له: لا تبصر، فأغمض عينيه، فقيل له: لا تذق فقبل، فقيل له لا تفهم فقال لا أقدر.

فلا غرو إذا مثلت للنبي حال أولئك المكابرين للحق بما ذكر وأظهرته البلاغة بصيغة التعجب تارة وبصورة أكل النار تارة.

قال تعالى في تعليل ما ذكر ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ  ﴾ أي ذلك الحكم الذي تقرر في شأنهم هو بسبب أن الكتاب جاء بالحق والحق لا يغالب ولا يقاوى، فمن غالبه غُلِب، ومن خذله خُذِل.

ثم قال ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ  ﴾ أي وإن الذين اختلفوا في الكتاب الذي نزله الله للحكم في الخلاف وجمع الكلمة على اتباع الحق، لفي شقاق وعداء بعيد عن سبيل الحق، فأنى يهتدون إليه، وكل منهم يخالف الآخر بما ابتدعه من مذهب أو رأي فيه.

حتى صار -(أي الكتاب)- وهو مزيل الاختلاف أعظم أسبابه، يطرق لأجل إزالته والحكم فيه كل باب غير بابه؟!

والشقاق: الخلاف والتعادي، وحقيقته أن يكون كل واحد من الخصمين في شق أي في جانب غير الذي فيه الآخر، والمختلفون في الدين ينأى كل بجانبه عن الآخر فيكون الشقاق بينهما بعيدًا كما نرى.

هذا حكم آخر في الكتاب غير حكم كتمانه، فهو يفهمنا أن الاختلاف فيه بعد عن الحق ككتمانه، لأن الحق واحد وهو ما يدعو إليه الكتاب، والمختلفون لا يدعون إلى شيء واحد ولا يسلكون سبيلًا واحدة ﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ  ﴾ وهذا دليل على أنه لا يجوز لأهل الكتاب الإلهي أن يقيموا على خلاف في الدين، ولا أن يكونوا شيعًا كل يذهب إلى مذهب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ  ﴾ ولما كان اختلاف الفهم ضروريًا لأنه من طباع البشر وجب عليهم ان يتحاكموا فيه إلى الكتاب والسنة حتى يزول ولا يجوز أن يقيموا عليه ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ  ﴾ فلا عذر للمسلمين في الاختلاف في دينهم بعد هذا البيان الذي جعل لكل مشكل مخرجًا.

الشقاق أثر طبيعي للاختلاف، والاختلاف في الأمة أثر طبيعي للتقليد والانتصار للرؤساء الذين اتخذوا أندادًا -ولو بدون رضاهم ولا إذنهم- إذ لولا التقليد لسهل على الأمة أن تُرْجِع في كل عصر أقوال المجتهدين والمستتنبطين إلى قول واحد بعرضه على كتاب الله وسنة ورسوله.

مثال ذلك أن الكتاب والسنة صريحان في أن النكاح لا يصح إلا إذا كان تولى العقد ولي المرأة برضاها أو غيره بإذنه، وقد أجمع الصحابة على هذا عملًا، ونقل عن أعلمهم قولًا، ولم ينقل أحد فيه خلافًا صحيحًا، فإذا وجد للحنفية في المسألة قولان: أحدهما - مخالف للنصوص وهو أن للبالغة الراشدة أن تزوج نفسها.

وثانيهما - أنه ليس لها ذلك، وهو الموافق للنصوص، أفلم يكن من الواجب على المسلمين - وقد اختلف علماؤهم في هذه المسألة- أن يعرضوها على الكتاب والسنة وإجماع الصحابة وسائر المجتهدين، ويردوا الرواية المخالفة ويعملوا بالموافقة؟

بلى.

ولكن التقليد هو الذي أوقعهم في الشقاق البعيد.

ويتوهم بعضهم أن ترك أقوال بعض الأئمة إهانة لهم، وهذا غير صحيح بل هو عين التعظيم لهم، والاتباع لسيرتهم الحسنة.

ولو فرضنا أنه إهانة -وكان يتوقف عليها اتباع هدى كتاب الله وسنة رسوله- أفلا تكون واجبة ويكون تعظيم الكتاب والسنة مقدمًا عليه لأن إهانتهما كفر وترك للدين؟

على أن ترك أقوال الأئمة واقع ماله من دافع، فإن أتباع كل إمامٍ تاركون لأقوال غيره المخالفة لمذهبهم، بل ما من مذهب إلا وقد رجح بعض علمائه أقوالًا مخالفة لنص الإمام، ولا سيما الحنفية.

هذا..

وإن الكتاب لا مثار فيه للخلاف والنزاع إذا صحت النية، فكل من يتعلم العربية تعلمًا صحيحًا وينظر في سنة النبي وسيرته وما جرى عليه السلف من أصحابه والتابعين لهم يسهل عليه أن يفهمه وما تختلف فيه الأفهام ولا يقتضي الشقاق، بل يسهل على جماعة المسلمين من أهل العلم والفهم أن ينظروا في الفهمين المختلفين وطرق الترجيح بينهما، وما ظهر لكلهم أو أكثرهم أنه الراجح يعتمدونه إذا كان يتعلق بمصلحة الأمة والأحكام المشتركة بينها، وما عساه ينفرد به بعض الأفراد من فهم خاص بمعارفه يكون حجة عليه دون غيره، فهو لا يقتضي شقاقًا، لأن الشقاق فيه معنى المشاركة.

والله أعلم وأحكم.

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله