الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 275 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى مخاطبا للمؤمنين من هذه الأمة وآمرا لهم بالصيام ، وهو : الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع بنية خالصة لله عز وجل ، لما فيه من زكاة النفس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة .
وذكر أنه كما أوجبه عليهم فقد أوجبه على من كان قبلهم ، فلهم فيه أسوة ، وليجتهد هؤلاء في أداء هذا الفرض أكمل مما فعله أولئك ، كما قال تعالى : ( لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات ) [ المائدة : 48 ] ، ولهذا قال هاهنا : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان ; ولهذا ثبت في الصحيحين : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " ثم بين مقدار الصوم ، وأنه ليس في كل يوم ، لئلا يشق على النفوس فتضعف عن حمله وأدائه ، بل في أيام معدودات .
وقد كان هذا في ابتداء الإسلام يصومون من كل شهر ثلاثة أيام ، ثم نسخ ذلك بصوم شهر رمضان ، كما سيأتي بيانه .
وقد روي أن الصيام كان أولا كما كان عليه الأمم قبلنا ، من كل شهر ثلاثة أيام عن معاذ ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وعطاء ، وقتادة ، والضحاك بن مزاحم .
وزاد : لم يزل هذا مشروعا من زمان نوح إلى أن نسخ الله ذلك بصيام شهر رمضان .
وقال عباد بن منصور ، عن الحسن البصري : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات ) فقال : نعم ، والله لقد كتب الصيام على كل أمة قد خلت كما كتب علينا شهرا كاملا وأياما معدودات : عددا معلوما .
وروي عن السدي ، نحوه .
وروى ابن أبي حاتم من حديث أبي عبد الرحمن المقري ، حدثنا سعيد بن أبي أيوب ، حدثني عبد الله بن الوليد ، عن أبي الربيع ، رجل من أهل المدينة ، عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم .
.
" في حديث طويل اختصر منه ذلك .
وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عمن حدثه عن ابن عمر ، قال أنزلت : ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم [ لعلكم تتقون ] ) كتب عليهم إذا صلى أحدهم العتمة ونام حرم [ الله ] عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها .
قال ابن أبي حاتم : وروي عن ابن عباس ، وأبي العالية ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، ومقاتل بن حيان ، والربيع بن أنس ، وعطاء الخراساني ، نحو ذلك .
وقال عطاء الخراساني ، عن ابن عباس : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) يعني بذلك : أهل الكتاب .
وروي عن الشعبي والسدي وعطاء الخراساني ، مثله .
القول في تأويل قوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " يا أيها الذين آمنوا "، يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا بهما وأقرُّوا.
(14) ويعني بقوله: " كتب عليكم الصيام "، فرض عليكم الصيام.
(15) و " الصيام " مصدر، من قول القائل: " صُمت عن كذا وكذا " -يعني: كففت عنه-" أصوم عَنه صوْمًا وصيامًا ".
ومعنى " الصيام "، الكف عما أمر الله بالكف عنه.
ومن ذلك قيل: " صَامت الخيل "، إذا كفت عن السير، ومنه قول نابغة بني ذبيان: خَـيْلٌ صِيَـامٌ, وخَـيْلٌ غَـيْرُ صَائِمَةٍ تَحْـتَ العَجَـاجِ, وأُخْـرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا (16) ومنه قول الله تعالى ذكره: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا [سورة مريم: 26] يعني: صمتًا عن الكلام.
* * * وقوله: " كما كُتب على الذين من قبلكم "، يعني فرض عليكم مثل الذي فرض على الذين منْ قبلكم.
* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: " كما كُتبَ على الذين من قبلكم "، وفي المعنى الذي وَقعَ فيه التشبيه بين فرضِ صَومنا وصوم الذين من قبلنا.
فقال بعضهم: الذين أخبرنا الله عن الصوم الذي فرضه علينا، أنه كمثل الذي كان عليهم، هم النصارى.
وقالوا: التشبيه الذي شَبه من أجله أحدَهما بصاحبه، هو اتفاقهما في الوقت والمقدار الذي هو لازم لنا اليوم فرضُه.
* ذكر من قال ذلك: 2720- حدثت عن يحيى بن زياد, عن محمد بن أبان [القرشي]، عن أبي أمية الطنافسي, عن الشعبي أنه قال: لو صُمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه فيقال: من شعبان، ويقال: من رمضان.
وذلك أن النصارى فُرض عليهم شهر رَمضان كما فرض علينا فحوَّلوه إلى الفصل.
وذلك أنهم كانوا ربما صاموه في القيظ يعدون ثلاثين يومًا.
(17) ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالثقة من أنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يومًا وبعدها يومًا.
ثم لم يزل الآخر يُستن سنّة القرن الذي قبله حَتى صارت إلى خمسين.
(18) فذلك قوله: " كتبَ عليكم الصيام كما كتبَ عَلى الذين من قَبلكم "، (19) * * * وقال آخرون: بل التشبيه إنما هو من أجل أنّ صومهم كان من العشاء الآخرة إلى العشاء الآخرة.
وذلك كان فرضُ الله جَل ثناؤه على المؤمنين في أول ما افترض عليهم الصوم.
ووافق قائلو هذا القول القائلي القولَ الأوَّلَ: أن الذين عَنى الله جل ثناؤه بقوله: " كما كُتبَ على الذين من قبلكم "، النصارى.
* ذكر من قال ذلك: 2721- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم "، أما الذين من قبلنا: فالنصارى, كتب عليهم رمضان, وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم, ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان.
فاشتد على النصارى صيامُ رمَضان, وجعل يُقَلَّبُ عليهم في الشتاء والصيف.
فلما رأوا ذلك اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشتاء والصيف, وقالوا: نـزيد عشرين يومًا نكفّر بها ما صنعنا!
فجعلوا صيامهم خمسين.
فلم يزل المسلمون على ذلك يَصنعون كما تصنع النصارى, حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب، ما كان، (20) فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماعَ إلى طُلوع الفجر.
2722- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: " كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم "، قال: كتب عليهم الصوم من العتمة إلى العتمة.
* * * وقال آخرون: الذين عَنى الله جل ثناؤه بقوله: " كما كتب على الذين من قبلكم "، أهل الكتاب.
* ذكر من قال ذلك: 2723- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم "، أهل الكتاب.
* * * وقال بعضهم: بل ذلك كان على الناس كلهم.
* ذكر من قال ذلك: 2724- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " كتب عليكم الصيامُ كما كتب على الذين من قبلكم "، قال: كتب شهرُ رمضان على الناس, كما كُتب على الذين من قبلهم.
قال: وقد كتب الله على الناس قبل أن ينـزل رمضانُ صَوْمَ ثلاثة أيام من كل شهر.
2725- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم "، رمضانُ، كتبه الله على من كان قَبلهم.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال: معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فُرض عليكم الصيام كما فرض على الذين من قبلكم من أهل الكتاب," أيامًا معدودات ", وهي شهر رمضان كله.
لأن مَن بعدَ إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان مأمورًا باتباع إبراهيم, وذلك أن الله جل ثناؤه كان جَعله للناس إمامًا, وقد أخبرنا الله عز وجل أن دينه كان الحنيفيةَ المسلمةَ, فأمر نبينا صلى الله عليه وسلم بمثل الذي أمر به مَنْ قبله من الأنبياء.
وأما التشبيه، فإنما وقع على الوقت.
وذلك أن مَنْ كان قبلنا إنما كان فرِض عليهم شهر رمضان، مثل الذي فُرض علينا سواء.
* * * وأما تأويل قوله: " لعلكم تَتقون "، فإنه يعني به: لتتقوا أكل الطعام وشرب الشراب وجماع النساء فيه.
(21) يقول: فرضت عليكم الصوم والكفّ عما تكونون بترك الكف عنه مفطرين، لتتقوا ما يُفطركم في وقت صومكم.
* * * وبمثل الذي قُلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: 2726- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: أما قوله: " لعلكم تتقون "، يقول: فتتقون من الطعامِ والشرابِ والنساءِ مثل ما اتقوا - يعني: مثل الذي اتقى النصارى قبلكم.
----------------- الهوامش : (14) انظر تفسير"الإيمان" فيما سلف 1 : 234-235 ، والمراجع في فهرس اللغة .
(15) انظر تفسير"كتب" فيما سلف في هذا الجزء 3 : 357 ، 364 ، 365 .
(16) ديوانه : 106 (زيادات) واللسان (علك) (صام) .
ولكنه من قصيدته التي أولها : بَـانَتْ سُـعَادُ وَأَمْسَـى حَبْلُهَـا انْجَذَمَا وقد فسر"صامت الخليل" بأنها الإمساك عن السير ، وعبارة اللغة ، "صام الفرس" إذا قام في آريه لا يعتلف ، أو قام ساكنًا لا يطعم شيئًا .
وقال أبو عبيدة : كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير ، فهو صائم .
والعجاج : الغبار الذي يثور ، يعني أنها في المعركة لا تقر .
وعلك الفرس لجامه : لاكه وحركه في فيه .
(17) في معاني القرآن للفراء : "فعدوه ثلاثين يومًا" .
(18) في معاني القرآن : "يستن سنة الأول حتى صارت .
.
" .
(19) الخبر : 2720- يحيى بن زياد أبو زكرياء : هو الفراء الإمام النحوي ، وهو ثقة معروف مترجم في التهذيب .
وتاريخ بغداد 14 : 149-155 .
وفي دواوين كثيرة .
محمد بن ابان : نقل أخي السيد محمود محمد شاكر أن هذا الخبر مذكور في كتاب"معاني القرآن" للفراء رواه عن"محمد بن أبان القرشي" .
ومحمد بن أبان القرشي : هو"محمد بن أبان بن صالح بن عمير" ، مولى لقريش .
ترجمه البخاري في الكبير 1/1/34 ، برقم 50 .
وقال : "يتكلمون في حفظه" وذكر في الصغير مرتين ، ص : 188 ، 214 .
وقال في أولاهما : "يتكلمون في حفظ محمد بن أبان ، لا يعتمد عليه" .
وقال في الضعفاء ، ص : 30"ليس بالقوي" .
وكذلك ترجمه ابن أبي حاتم 3/2/199 ، برقم : 1119 ، وروى تضعيفه عن يحيى بن معين .
والراجح عندي أنه هو الذي روى عنه الفراء ، فإن ابن أبي حاتم ذكر من الرواة عن القرشي هذا - أبا داود الطيالسي ، وهو من طبقة الفراء .
وأما ترجمته في التهذيب 9 : 2-3 فإنها مختلة مضطربة ، خلط فيها بين هذا وبين"محمد بن أبان الواسطي" ، وشتان بينهما .
والواسطي مترجم عند البخاري ، برقم : 48 ، وعند ابن ابي حاتم ، برقم : 1121 .
وكلاهما لم يذكر فيه جرحًا .
"عن أبي أمية الطنافسي" : كذا ثبت هنا .
وليس لأبي أمية الطنافسي ترجمة ولا ذكر ، فيما رأينا من المراجع .
وإنما المترجم ابنه"عبيد بن أبي أمية" .
وهو الذي يروي عن الشعبي .
وهو مترجم في التهذيب وابن أبي حاتم 2/2/401 .
وهذا الخبر في معاني القرآن للفراء 1 : 111 ، ونقله السيوطي 1 : 176 ، ولم ينسبه لغير الطبري .
ولكنه اختصره جدًا .
+كأنه تلخيص لا نقل .
(20) سيأتي خبر أبي صرمة وعمر في الآثار رقم : 2935-2952 .
(21) انظرتفسير"لعل" بمعنى"لكي" 1 : 364 ، 365 / ثم 2 : 69 ، 161 ، واطلبه في الفهرس أيضًا .
قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقونفيه مسائل :الأولى : قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام لما ذكر ما كتب على المكلفين من القصاص والوصية ذكر أيضا أنه كتب عليهم الصيام وألزمهم إياه وأوجبه عليهم ، ولا خلاف فيه ، قال صلى الله عليه وسلم : بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان والحج رواه ابن عمر ، ومعناه في اللغة : الإمساك ، وترك التنقل من حال إلى حال ، ويقال للصمت صوم ; لأنه إمساك عن الكلام ، قال الله تعالى مخبرا عن مريم : إني نذرت للرحمن صوما أي سكوتا عن الكلام ، والصوم : ركود الريح ، وهو إمساكها عن الهبوب .
وصامت الدابة على آريها : قامت وثبتت فلم تعتلف ، وصام النهار : اعتدل ، ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار ، ومنه قول النابغة :خيل صيام وخيل غير صائمة تحت العجاج وخيل تعلك اللجماأي خيل ثابتة ممسكة عن الجري والحركة ، كما قال [ امرؤ القيس ] :كأن الثريا علقت في مصامهاأي هي ثابتة في مواضعها فلا تنتقل ، وقوله :والبكرات شرهن الصائمة[ ص: 255 ] يعني التي لا تدور .وقال امرؤ القيس :فدعها وسل الهم عنك بجسرة ذمول إذا صام النهار وهجراأي أبطأت الشمس عن الانتقال والسير فصارت بالإبطاء كالممسكة ، وقال آخر :حتى إذا صام النهار واعتدل وسال للشمس لعاب فنزلوقال آخر :نعاما بوجرة صفر الخدود ما تطعم النوم إلا صياماأي قائمة ، والشعر في هذا المعنى كثير .والصوم في الشرع : الإمساك عن المفطرات مع اقتران النية به من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ، وتمامه وكماله باجتناب المحظورات وعدم الوقوع في المحرمات ، لقوله عليه السلام : من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه .الثانية : فضل الصوم عظيم ، وثوابه جسيم ، جاءت بذلك أخبار كثيرة صحاح وحسان ذكرها الأئمة في مسانيدهم ، وسيأتي بعضها ، ويكفيك الآن منها في فضل الصوم أن خصه الله بالإضافة إليه ، كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال مخبرا عن ربه : يقول الله تبارك وتعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به [ ص: 256 ] الحديث ، وإنما خص الصوم بأنه له وإن كانت العبادات كلها له لأمرين باين الصوم بهما سائر العبادات :أحدهما : أن الصوم يمنع من ملاذ النفس وشهواتها ما لا يمنع منه سائر العبادات .الثاني : أن الصوم سر بين العبد وبين ربه لا يظهر إلا له ; فلذلك صار مختصا به ، وما سواه من العبادات ظاهر ، ربما فعله تصنعا ورياء ; فلهذا صار أخص بالصوم من غيره .
وقيل غير هذا .الثالثة : قوله تعالى : كما كتب الكاف في موضع نصب على النعت ، التقدير كتابا كما ، أو صوما كما ، أو على الحال من الصيام أي كتب عليكم الصيام مشبها كما كتب على الذين من قبلكم ، وقال بعض النحاة : الكاف في موضع رفع نعتا للصيام ، إذ ليس تعريفه بمحض ، لمكان الإجمال الذي فيه بما فسرته الشريعة ; فلذلك جاز نعته ب كما إذ لا ينعت بها إلا النكرات ، فهو بمنزلة كتب عليكم صيام ، وقد ضعف هذا القول .
و " ما " في موضع خفض ، وصلتها : كتب على الذين من قبلكم ، والضمير في " كتب " يعود على " ما " ، واختلف أهل التأويل في موضع التشبيه وهي :الرابعة : فقال الشعبي وقتادة وغيرهما : التشبيه يرجع إلى وقت الصوم وقدر الصوم ، فإن الله تعالى كتب على قوم موسى وعيسى صوم رمضان فغيروا ، وزاد أحبارهم عليهم عشرة أيام ثم مرض بعض أحبارهم فنذر إن شفاه الله أن يزيد في صومهم عشرة أيام ففعل ، فصار صوم النصارى خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الربيع ، واختار هذا القول النحاس وقال : وهو الأشبه بما في الآية ، وفيه حديث يدل على صحته أسنده عن دغفل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان على النصارى صوم شهر فمرض رجل منهم فقالوا لئن شفاه الله لأزيدن عشرة ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فاه فقالوا لئن شفاه الله لأزيدن سبعة ثم كان ملك آخر فقالوا لنتمن هذه السبعة الأيام ونجعل صومنا في الربيع قال فصار خمسين ، وقال مجاهد : كتب الله عز وجل صوم شهر رمضان على كل أمة ، وقيل : أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، قرنا بعد قرن ، حتى بلغ صومهم خمسين يوما ، فصعب عليهم في الحر فنقلوه إلى الفصل الشمسي .
قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل بن حنظلة والحسن البصري والسدي .قلت : ولهذا - والله أعلم - كره الآن صوم يوم الشك والستة من شوال بإثر يوم الفطر متصلا به .
قال الشعبي : لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك ، وذلك أن النصارى فرض [ ص: 257 ] عليهم صوم شهر رمضان كما فرض علينا ، فحولوه إلى الفصل الشمسي ; لأنه قد كان يوافق القيظ فعدوا ثلاثين يوما ، ثم جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ، ثم لم يزل الآخر يستن بسنة من كان قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى : كما كتب على الذين من قبلكم ، وقيل : التشبيه راجع إلى أصل وجوبه على من تقدم ، لا في الوقت والكيفية ، وقيل : التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح ، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام ، وكذلك كان في النصارى أولا وكان في أول الإسلام ، ثم نسخه الله تعالى بقوله : أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم على ما يأتي بيانه ، قاله السدي وأبو العالية والربيع وقال معاذ بن جبل وعطاء : التشبيه واقع على الصوم لا على الصفة ولا على العدة وإن اختلف الصيامان بالزيادة والنقصان .
المعنى : كتب عليكم الصيام أي في أول الإسلام ثلاثة أيام من كل شهر ويوم عاشوراء كما كتب على الذين من قبلكم وهم اليهود - في قول ابن عباس - ثلاثة أيام ويوم عاشوراء ، ثم نسخ هذا في هذه الأمة بشهر رمضان ، وقال معاذ بن جبل : نسخ ذلك " بأيام معدودات " ثم نسخت الأيام برمضان .الخامسة : قوله تعالى : لعلكم تتقون " لعل " ترج في حقهم ، كما تقدم .
وتتقون قيل : معناه هنا تضعفون ، فإنه كلما قل الأكل ضعفت الشهوة ، وكلما ضعفت الشهوة قلت المعاصي وهذا وجه مجازي حسن .
وقيل : لتتقوا المعاصي ، وقيل : هو على العموم ، لأن الصيام كما قال عليه السلام : الصيام جنة ووجاء وسبب تقوى ; لأنه يميت الشهوات .
يخبر تعالى بما منَّ به على عباده, بأنه فرض عليهم الصيام, كما فرضه على الأمم السابقة, لأنه من الشرائع والأوامر التي هي مصلحة للخلق في كل زمان.
وفيه تنشيط لهذه الأمة, بأنه ينبغي لكم أن تُنافسوا غيركم في تكميل الأعمال, والمسارعة إلى صالح الخصال, وأنه ليس من الأمور الثقيلة, التي اختَصَّيْتُم بها.
ثم ذكر تعالى حكمته في مشروعية الصيام فقال: { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } فإن الصيام من أكبر أسباب التقوى, لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
فمما اشتمل عليه من التقوى: أن الصائم يترك ما حرم الله عليه من الأكل والشرب والجماع ونحوها, التي تميل إليها نفسه, متقربا بذلك إلى الله, راجيا بتركها, ثوابه، فهذا من التقوى.
ومنها: أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله تعالى, فيترك ما تهوى نفسه, مع قدرته عليه, لعلمه باطلاع الله عليه، ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الشيطان, فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم, فبالصيام, يضعف نفوذه, وتقل منه المعاصي، ومنها: أن الصائم في الغالب, تكثر طاعته, والطاعات من خصال التقوى، ومنها: أن الغني إذا ذاق ألم الجوع, أوجب له ذلك, مواساة الفقراء المعدمين, وهذا من خصال التقوى.
قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ) أي فرض وأوجب والصوم والصيام في اللغة الإمساك يقال صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة لأن الشمس إذا بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة ومنه قوله تعالى : " فقولي إني نذرت للرحمن صوما " ( 26 - مريم ) أي صمتا لأنه إمساك عن الكلام وفي الشريعة الصوم وهو الإمساك عن الأكل ، والشرب والجماع مع النية في وقت مخصوص ( كما كتب على الذين من قبلكم ) الأنبياء والأمم واختلفوا في هذا التشبيه فقال سعيد بن جبير : كان صوم من قبلنا من العتمة إلى الليلة القابلة كما كان في ابتداء الإسلام وقال جماعة من أهل العلم أراد أن صيام رمضان كان واجبا على النصارى كما فرض علينا فربما كان يقع في الحر الشديد والبرد الشديد وكان يشق عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن يجعلوا صيامهم في فصل من السنة بين الشتاء والصيف فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصار أربعين ثم إن ملكهم اشتكى فمه فجعل لله عليه إن هو برئ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعا فبرئ فزاد فيه أسبوعا ثم مات ذلك الملك ووليهم ملك آخر فقال أتموه خمسين يوما وقال مجاهد : أصابهم موتان فقالوا زيدوا في صيامكم فزادوا عشرا قبل وعشرا بعد قال الشعبي : لو صمت السنة كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه فيقال من شعبان ويقال من رمضان وذلك أن النصارى فرض عليهم شهر رمضان فصاموا قبل الثلاثين يوما وبعدها يوما ثم لم يزل القرن الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوما فذلك قوله تعالى ( كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) يعني بالصوم لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من قهر النفس وكسر الشهوات وقيل لعلكم تحذرون عن الشهوات من الأكل والشرب ، والجماع
«يا أيها الذين أمنوا كُتب» فرض «عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم» من الأمم «لعلكم تتقون» المعاصي فإنه يكسر الشهوة التي هي مبدؤها.
يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، فرض الله عليكم الصيام كما فرضه على الأمم قبلكم؛ لعلكم تتقون ربكم، فتجعلون بينكم وبين المعاصي وقاية بطاعته وعبادته وحده.
وبعد أن تحدثت السورة الكريمة عن القصاص وعن الوصية أتبعتها بالحديث عن عبادة عظيمة من العبادات التي جعلها الله - تعالى - ركناً من أركان الإِسلام وهي صوم رمضان ، فقال - سبحانه - :( ياأيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام .
.
.
)الصيام مصدر صام كالقيام مصدر قام ، وهو في اللغة : الإِمساك وترك التنقل من حال إلى حال ، فيقال للصمت صوم لأنه إمساك عن الكلام ومنه قوله - تعالى - مخبراً عن مريم : ( إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً ) أي : سكوتاً عن الكلام .
وصوم الريح ركودها وإمساكها عن الهبوب وتقول العرب : صام النهار وصامت الشمس عند قيام الظهيرة لأنها كالممسكة عن الحركة .أما الصيام في عرف الشرع فهو - كما يقول الآلوسي - إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص في زمان مخصوص ممن هو على صفات مخصوصة .وقد فرض الله - تعالى - على المسلمين صيام شهر رمضان في شهر شعبان من السنة الثانية للهجرة وعده النبي صلى الله عليه وسلم أحد أركان الإِسلام الخمسة ، فقد روى البخاري - بسنده - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " بني الإِسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان " .وأل في الصيام للعهد الذهني ، فقد كان العرب يعرفون الصوم ، فقد جاء في الصحيحين عن عائشة قالت : " كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش والجاهلية " .والتشبيه في قوله - تعالى - : ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ) راجع إلى أصل إيجاب الصوم وفريضته .
أي : أن عبادة الصوم كانت مكتوبة ومفروضة على الأمم السابقة ، ولكن بكيفية لا يعلمها إلا الله ، إذ لم يرد نص صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يبين لنا فيه كيف كان صيام الأمم السابقة على الأمة الإسلامية .وقيل إن التشبيه راجع إلى وقت الصوم وقدره ، فقد روى عن مجاهد أنه قال : كتب الله - عز وجل - صوم شهر رمضان على كل أمة .ولفظ " كما " في قوله - تعالى - : ( كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ) في موضع نصب على المصدر ، أي : فرض عليكم الصيام فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم .ومن فوائد هذا التشبيه ، الاهتمام بهذه العبادة والتنويه بشأنها إذ شرعها - سبحانه - لأتباع النبي صلى الله عليه وسلم ولأتباع الرسل الذين سبقوه في الدعوة إلى توحيد الله ، وهذا مما يقتضي وفرة ثوابها ، وداوم صلاحها .كذلك من فوائد تسهيل هذه العبادة على المسلمين؛ لأن الشيء الشاق تخف مشقته على الإِنسان عند ما يعلم أن غيره قد أداه من قبله .والفائدة الثالثة من هذا التشبيه إثارة العزائم والهمم للنهوض بهذه العبادة ، حتى لا يكونوا مقصرين في أدائها ، بل يجب عليهم أن يؤدوها بقوة تفوق من سبقهم لأن الأمة الإِسلامية قد وصفها سبحانه بأنها خير أمة أخرجت للناس وهذه الخيرية تقتضي منهم النشاط فيما كلفهم الله بأدائه من عبادات .وقوله : ( لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) جملة تعليلة جيء بها لبيان حكمة مشروعية الصيام فكأنه - سبحانه - يقول لعباده المؤمنين : فرضنا عليكم الصيام كما فرضناه على الذين من قبلكم ، لعلكم بأدائكم لهذه الفريضة تنالون درجة التقوى والخشية من الله ، وبذلك تكونون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه .
ولا شك أن هذه الفريضة ترتفع بصاحبها إلى أعلى عليين متى أداها بآدابها وشروطها ، ويكفى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قال في شأن الصوم : " الصوم جنة " أي : وقاية .
إذ في الصوم وقاية من الوقوع في المعاصي ، ووقاية من عذاب الآخرة ، ووقاية من العلل والأمراض الناشئة عن الإِفراط في تناول بعض الأطعمة والأشربة .وقوله : ( أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ) أي : معينات بالعد أو قليلات ، لأن القليل يسهل عده فيعد والكثير يؤخذ جزافاً .والمراد بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان عند جمهور العلماء .قالوا : وتقريره أنه - سبحانه - قال أولا ( كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ) وهذا محتمل ليوم ويومين ثم بينه بقوله : ( أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ) فزال بعض الاحتمال ثم بينه بقوله : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن ) فعلى هذا الترتيب يمكن جعل الأيام المعدودات بعينها شهر رمضان ، وإذا أمكن ذلك فلا وجه لحمله على غيره .وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة - أيضاً - تهوينا لأمره على المكلفين ، وإشعاراً لهم بأن الله - تعالى - ما فرض عليهم إلا ما هو في وسعهم وقدرتهم .وقيل : إن المراد بالأيام المعدودات غير رمضان ، وذكروا أن المراد بها ثلاثة أيام من كل شهر وهي الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر مضافاً إليها يوم عاشوراء .
ثم نسخ ذلك بوجوب صوم شهر رمضان .والمعتمد بين المحققين من العلماء هو القول الأول ، لأنه - كما قال الإِمام الرازي - لا وجه لحمله على غيره ، والقول بالنسخ زيادة لا دليل عليها .
الحكم السادس: اعلم أن الصيام مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿ إِنّى نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً ﴾ وصوم النهار إذا اعتدل وقام قائماً الظهيرة قال امرؤ القيس: فدعها وسل الهم عنها بحسرة *** ذمول إذا صام النهار وهجراً وقال آخر: حتى إذا صام النهار واعتدل *** وصامت الريح إذا ركدت، وصام الفرس إذا قام على غير اعتلاف وقال النابغة: خيل صيام وخيل غير صائمة *** تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما ويقال: بكرة صائمة إذا قامت فلم تدر، قال الراجز: والبكرات شرهن الصائمة *** ومصام الشمس حيث تستوي في منتصف النهار، وكذلك مصام النجم قال امرؤ القيس: كأن الثريا علقت في فصامها *** بأمراس كتان إلى صم جندل هذا هو معنى الصوم في اللغة، وفي الشريعة هو الإمساك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس عن المفطرات حال العلم بكونه صائماً مع اقتران النية.
أما قوله تعالى: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذا التشبيه قولان أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم لا يفرضها عليكم وحدكم وفائدة هذا الكلام أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله.
والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره، وهذا ضعيف لأن تشبيه الشيء بالشيء يقتضي استواءهما في أمر من الأمور فاما أن يقال: إنه يقتضي الإستواء في كل الأمور فلا، ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوها أحدها: أن الله تعالى فرض صيام رمضان على اليهود والنصارى، أما اليهود فإنها تركت هذا الشهر وصامت يوماً من السنة، زعموا أنه يوم غرق فيه فرعون، وكذبوا في ذلك أيضاً، لأن ذلك اليوم يوم عاشوراء على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما النصارى فإنهم صاموا رمضان فصادفوا فيه الحر الشديد فحولوه إلى وقت لا يتغير، ثم قالوا عند التحويل نزيد فيه فزادوا عشراً، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فنذر سبعاً فزادوه، ثم جاء بعد ذلك ملك آخر فقال: ما بال هذه الثلاثة فأتمه خمسين يوماً، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أَرْبَاباً ﴾ وهذا مروي عن الحسن.
وثانيها: أنهم أخذوا بالوثيقة زمانا فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً، ثم لم يزل الأخير يستسن بسنة القرن الذي قبله حتى صاروا إلى خمسين يوماً، ولهذا كره صوم يوم الشك، وهو مروي عن الشعبي.
وثالثها: أن وجه التشبيه أنه يحرم الطعام والشراب والجماع بعد النوم كما كان ذلك حراما على سائر الأمم واحتج القائلون بهذا القول بأن الأمة مجمعة على أن قوله تعالى: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ ﴾ يفيد نسخ هذا الحكم، فهذا الحكم لابد فيه من دليل يدل عليه ولا دليل عليه إلا هذا التشبيه وهو قوله: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ فوجب أن يكون هذا التشبيه دليلاً على ثبوت هذا المعنى، قال أصحاب القول الأول: قد بينا أن تشبيه شيء بشيء لا يدل على مشابهتهما من كل الوجوه فلم يلزم من تشبيه صومنا بصومهم أن يكون صومهم مختصاً برمضان، وأن يكون صومهم مقدراً بثلاثين يوماً، ثم إن هذه الرواية مما ينفر من قبول الإسلام إذا علم اليهود والنصارى كونه كذلك.
المسألة الثانية: في موضع ﴿ كَمَا ﴾ ثلاثة أقول الأول: قال الزجاج موضع ﴿ كَمَا ﴾ نصب على المصدر لأن المعنى: فرض عليكم فرضاً كالذي فرض على الذين من قبلكم الثاني: قال ابن الأنباري يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهاً وممثلاً بما كتب على الذين من قبلكم الثالث: قال أبو علي: هو صفة لمصدر محذوف تقديره: كتابة كما كتب عليهم، فحذف المصدر وأقيم نعته مقامه قال: ومثله في الإتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنت واحدة، ويريدون أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه وأقيم صفة المضاف مقام الاسم المضاف إليه.
أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ فاعلم أن تفسير ﴿ لَعَلَّ ﴾ في حق الله تعالى قد تقدم، وأما أن هذا الكلام كيف يليق بهذا الموضع ففيه وجوه: أحدها: أنه سبحانه بين بهذا الكلام أن الصوم يورث التقوى لما فيه من انكسار الشهوة وانقماع الهوى فإنه يردع عن الأشر والبطر والفواحش ويهون لذات الدنيا ورياستها، وذلك لأن الصوم يكسر شهوة البطن والفرج، وإنما يسعى الناس لهذين، كما قيل في المثل السائر: المرء يسعى لعارية بطنه وفرجه؛ فمن أكثر الصوم هان عليه أمر هذين وخفت عليه مؤنتهما، فكان ذلك رادعاً له عن ارتكاب المحارم والفواحش، ومهوناً عليه أمر الرياسة في الدنيا وذلك جامع لأسباب التقوى فيكون معنى الآية فرضت عليكم الصيام لتكونوا به من المتقين الذين أثنيت عليهم في كتابي، وأعلمت أن هذا الكتاب هدى لهم ولما اختص الصوم بهذه الخاصية حسن منه تعالى أن يقول عند إيجابها ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ منها بذلك على وجه وجوبه لأن ما يمنع النفس عن المعاصي لابد وأن يكون واجباً.
وثالثها: المعنى ينبغي لكم بالصوم أن يقوى وجاؤكم في التقوى وهذا معنى ﴿ لَعَلَّ ﴾ .
وثانيها: المعنى: لعلكم تتقون الله بصومكم وترككم للشهوات فإن الشيء كلما كانت الرغبة فيه أكثر كان الاتقاء عنه أشق والرغبة في المطعوم والمنكوح أشد من الرغبة في سائر الأشياء فإذا سهل عليكم اتقاء الله بترك المطعوم والمنكوح، كان اتقاء الله بترك سائر الأشياء أسهل وأخف.
ورابعها: المراد ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ إهمالها وترك المحافظة عليها بسبب عظم درجاتها واصالتها.
وخامسها: لعلكم تنتظمون بسبب هذه العبادة في زمرة المتقين؛ لأن الصوم شعارهم، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.
قال عليّ رضي الله عنه: أوّلهم آدم، يعني أنّ الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمّة من افتراضها عليهم، لم يفرضها عليكم وحدكم ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ بالمحافظة عليها وتعظيمها لأصالتها وقدمها، أو لعلكم تتقون المعاصي، لأنّ الصائم أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السوء.
قال عليه السلام: «فعليه بالصوم فإنّ الصوم له وجاء» أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأنّ الصوم شعارهم.
وقيل معناه: أنه كصومهم في عدد الأيام وهو شهر رمضان، كتب على أهل الإنجيل فأصابهم موتان، فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.
فجعلوه خمسين يوماً.
وقيل: كان وقوعه في البرد الشديد والحرّ الشديد، فشقّ عليهم في أسفارهم ومعايشهم فجعلوه بين الشتاء والربيع، وزادوا عشرين يوماً كفارة لتحويله عن وقته.
وقيل: الأيام المعدودات: عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر.
كتب على رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامها حين هاجر.
ثم نسخت بشهر رمضان.
وقيل: كتب عليكم كما كتب عليهم أن يتقوا المفطر بعد أن يصلوا العشاء وبعد أن يناموا، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام ﴾ الآية [البقرة: 87] .
ومعنى ﴿ معدودات ﴾ موقتات بعدد معلوم.
أو قلائل، كقوله: ﴿ دراهم مَعْدُودَةٍ ﴾ [يوسف: 20] وأصله أنّ المال القليل يقدّر بالعدد ويتحكر فيه.
والكثير يهال هيلاً ويحثى حثياً.
وانتصاب أياماً بالصيام كقولك: نويت الخروج يوم الجمعة ﴿ أَوْ على سَفَرٍ ﴾ أو راكب سفر ﴿ فَعِدَّةٌ ﴾ فعليه عدّة.
وقرئ بالنصب بمعنى: فليصم عدّة وهذا على سبيل الرخصة.
وقيل: مكتوب عليهما أن يفطرا ويصوما عدّة ﴿ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ واختلف في المرض المبيح للإفطار، فمن قائل: كل مرض، لأنّ الله تعالى لم يخص مرضاً دون مرض كما لم يخص سفراً دون سفر، فكما أنّ لكل مسافر أن يفطر، فكذلك كل مريض.
وعن ابن سيرين أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتلّ بوجع أصبعه.
وسئل مالك عن الرجل يصيبه الرمد الشديد أو الصداع المضر وليس به مرض يضجعه، فقال: إنه في سعة من الإفطار.
وقائل: هو المرض الذي يعسر معه الصوم ويزيد فيه، لقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر ﴾ وعن الشافعي: لا يفطر حتى يجهده الجهد غير المحتمل.
واختلف أيضاً في القضاء فعامّة العلماء على التخيير.
وعن أبي عبيدة بن الجرّاح رضي الله عنه: «إنّ الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، إن شئت فواتر، وإن شئت ففرّق» وعن عليّ وابن عمر والشعبي وغيرهم أنه يقضي كما فات متتابعاً.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ فعدّة من أيام أخر متتابعات ﴾ فإن قلت: فكيف قيل: ﴿ فَعِدَّةٌ ﴾ على التنكير ولم يقل: فعدّتها، أي فعدّة الأيام المعدودات؟
قلت: لما قيل: فعدّة والعدّة بمعنى المعدود فأمر بأن يصوم أياماً معدودة مكانها، علم أنه لا يؤثر عدد على عددها، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة ﴿ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ ﴾ وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم إن أفطروا ﴿ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ نصف صاع من برّ أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مدّ، وكان ذلك في بدء الإسلام: فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتدّ عليهم، فرخص لهم في الإفطار والفدية.
وقرأ ابن عباس: ﴿ يطوّقونه ﴾ ، تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة، أي يكلفونه أو يقلدونه ويقال لهم صوموا.
وعنه ﴿ يتطوّقونه ﴾ بمعنى يتكلفونه أو يتقلدونه.
﴿ ويطوقونه ﴾ بإدغام التاء في الطاء.
﴿ ويطيقونه ﴾ ﴿ ويطيقونه ﴾ بمعنى يتطوقونه، وأصلهما يطيوقونه ويتطيوقونه، على أنهما من فيعل وتفعيل من الطوق، فأدغمت الياء في الواو بعد قلبها ياء كقولهم: تدير المكان وما بها ديَّار.
وفيه وجهان: أحدهما نحو معنى يطيقونه.
والثاني يكلفونه أو يتكلفونه على جهد منهم وعسر وهم الشيوخ والعجائز، وحكم هؤلاء الإفطار والفدية.
وهو على هذا الوجه ثابت غير منسوخ.
ويجوز أن يكون هذا معنى يطيقونه، أي يصومونه جهدهم وطاقتهم ومبلغ وسعهم ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ فزاد على مقدار الفدية ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ ﴾ فالتطوع أخير له أو الخير.
وقرئ (فمن يطوّع)، بمعنى يتطوّع ﴿ وَأَن تَصُومُواْ ﴾ أيها المطيقون أو المطوقون وحملتم على أنفسكم وجهدتم طاقتكم ﴿ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ من الفدية وتطوع الخير.
ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً.
وفي قراءة أبيّ: ﴿ والصيام خير لكم ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ يَعْنِي الأنْبِياءَ والأُمَمَ مِن لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وفِيهِ تَوْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وتَرْغِيبٌ في الفِعْلِ وتَطْيِيبٌ عَلى النَّفْسِ.
والصَّوْمُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ عَمّا تُنازِعُ إلَيْهِ النَّفْسُ، وفي الشَّرْعِ: الإمْساكُ عَنِ المُفْطِراتِ بَياضَ النَّهارِ، فَإنَّها مُعْظَمُ ما تَشْتَهِيهِ النَّفْسُ.
﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ المَعاصِيَ فَإنَّ الصَّوْمَ يَكْسِرُ الشَّهْوَةَ الَّتِي هي مَبْدَؤُها كَما قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ» أوِ الإخْلالُ بِأدائِهِ لِأصالَتِهِ وقِدَمِهِ.
<div class="verse-tafsir"
{يا أيها الذين آمنوا كُتِبَ} أي فرض {عَلَيْكُمُ الصيام} هو مصدر صام والمراد صيام شهر رمضان {كَمَا كُتِبَ} أي كتابة مثل ما كتب فهو صفة مصدر محذوف {عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ} على الأنبياء والأمم من لدن آدم عليه السلام إلى عهدكم فهو عبادة قديمة والتشبيه باعتبار أن كل أحد له صوم أيام أي أنتم متعبدون بالصيام في أيام كما تعبد من كان قبلكم {لعلكم تتقون} الماصى بالصيام لأن الصيام أظلف لنفسه وأردع لها من مواقعة السواء أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين إذ الصوم شعارهم
﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ بَيانٌ لِحُكْمٍ آخَرَ مِنَ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَكْرِيرُ النِّداءِ لِإظْهارِ الِاعْتِناءِ مَعَ بُعْدِ العَهْدِ، والصِّيام كالصَّوْمِ مَصْدَرُ صامَ، وهو لُغَةً الإمْساكُ، ومِنهُ يُقالُ لِلصَّمْتِ صَوْمٌ؛ لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، قالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ تَمْكُثُ حَرَكَتُهُ فَقَدْ صامَ، ومِنهُ قَوْلُ النّابِغَةِ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ - صائِمَةٍ تَحْتَ العِجاجِ - وأُخْرى تَعُلُكُ اللُّجَما فَصامَتِ الرِّيحِ رَكَدَتْ، وصامَتِ الشَّمْسُ إذا اسْتَوَتْ في مُنْتَصَفِ النَّهارِ، وشَرْعًا إمْساكٌ عَنْ أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ عَلى وجْهٍ مَخْصُوصٍ في زَمانٍ مَخْصُوصٍ مِمَّنْ هو عَلى صِفاتٍ مَخْصُوصَةٍ، ﴿ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أيِ: الأنْبِياءِ والأُمَمِ مِن لَدُنْ آدَمَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - إلى يَوْمِنا كَما هو ظاهِرُ عُمُومِ المَوْصُولِ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهم أهْلُ الكِتابِ.
وعَنِ الحَسَنِ والسُّدِّيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّهُمُ النَّصارى.
وفِيهِ تَأْكِيدٌ لِلْحُكْمِ وتَرْغِيبُ فِيهِ وتَطْيِيبٌ لِأنْفُسِ المُخاطَبِينَ فِيهِ، فَإنَّ الأُمُورَ الشّاقَّةَ إذا عَمَّتْ طابَتْ، والمُرادُ بِالمُماثَلَةِ إمّا المُماثَلَةُ في أصْلِ الوُجُوبِ وعَلَيْهِ أبُو مُسْلِمٍ والجِبّائِيُّ، وإمّا في الوَقْتِ والمِقْدارِ، بِناءً عَلى أنَّ أهْلَ الكِتابِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ صَوْمُ رَمَضانَ، فَتَرَكَهُ اليَهُودُ إلى صَوْمِ يَوْمٍ مِنَ السَّنَةِ زَعَمُوا أنَّهُ اليَوْمُ الَّذِي أُغْرِقَ فِيهِ فِرْعَوْنُ، وزادَ فِيهِ النَّصارى يَوْمًا قَبْلُ ويَوْمًا بَعْدُ احْتِياطًا، حَتّى بَلَغُوا فِيهِ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ في الحَرِّ، فَنَقَلُوهُ إلى زَمَنِ نُزُولِ الشَّمْسِ بُرْجَ الحَمَلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ حَنْظَلَةَ والنَّحّاسُ والطَّبَرانِيُّ «عَنْ مُغَفَّلِ بْنِ حَنْظَلَةَ مَرْفُوعًا: كانَ عَلى النَّصارى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ فَمَرِضَ مَلِكُهُمْ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ تَعالى لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا، ثُمَّ كانَ آخَرُ فَأكَلَ لَحْمًا فَأُوِجِعَ فُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ سَبْعَةً، ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ آخَرُ، فَقالَ: ما نَدَعُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ أيّامٍ شَيْئًا أنْ نُتِمَّها ونَجْعَلَ صَوْمَنا في الرَّبِيعِ فَفَعَلَ فَصارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا».
وفي كَما خَمْسَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها: أنَّ مَحِلَّهُ النَّصْبُ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ كُتِبَ كَتْبًا، مِثْلَ ما كُتِبَ.
الثّانِي: أنَّهُ في مَحَلِّ نَصْبِ حالٍ مِنَ المَصْدَرِ المَعْرِفَةِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ الكَتْبَ، مُشَبَّهًا بِما كُتِبَ، و( ما ) عَلى الوَجْهَيْنِ مَصْدَرِيَّةٌ.
الثّالِثُ: أنْ يَكُونَ نَعْتًا لِمَصْدَرٍ مِن لَفْظِ الصِّيامِ؛ أيْ: صَوْمًا مُماثِلًا لِلصَّوْمِ المَكْتُوبِ عَلى مَن قَبْلَكُمُ.
الرّابِعُ: أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الصِّيامِ؛ أيْ: حالَ كَوْنِهِ مُماثِلًا لِما كُتِبَ، و( ما ) عَلى الوَجْهَيْنِ مَوْصُولَةٌ.
الخامِسُ: أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِلصِّيامِ بِناءً عَلى أنَّ المُعَرَّفَ ( بِألِ ) الجِنْسِيَّةِ قَرِيبٌ مِنَ النَّكِرَةِ ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ 183﴾ أيْ: كَيْ تَحْذَرُوا المَعاصِيَ، فَإنَّ الصَّوْمَ يُعْقِمُ الشَّهْوَةَ الَّتِي هي أُمُّها أوْ يَكْسِرُها، فَقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - قالَ: قالَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «”يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّ لَهُ وِجاءً“،» ويُحْتَمَلُ أنْ يُقَدِّرَ المَفْعُولُ الإخْلالَ بِأدائِهِ، وعَلى الأوَّلِ يَكُونُ الكَلامُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: (كُتِبَ) مِن غَيْرِ نَظَرٍ إلى التَّشْبِيهِ، وعَلى الثّانِي بِالنَّظَرِ إلَيْهِ؛ أيْ: كُتِبَ عَلَيْكم مِثْلُ ما كُتِبَ عَلى الأوَّلِينَ لِكَيْ ( تَتَّقُوا ) الإخْلالَ بِأدائِهِ بَعْدَ العِلْمِ بِأصالَتِهِ وقِدَمِهِ، ولا حاجَةَ إلى تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: أعْلَمْتُكُمُ الحُكْمَ المَذْكُورَ لِذَلِكَ، كَما قِيلَ بِهِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ الفِعْلُ مُنَزَلًا مَنزِلَةَ اللّازِمِ؛ أيْ: لِكَيْ تَصِلُوا بِذَلِكَ إلى رُتْبَةِ التَّقْوى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، يعني فرض عليكم صيام رمضان، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أي فرض على الذين من قبلكم من أهل الملل كلها.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد النوم.
ويقال: كما كتب في الذين من قبلكم في الفرض.
ويقال: كما كتب على الذين من قبلكم في العدد أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، أي معلومات وإنما صارت الأيام نصباً لنزع الخافض، ومعناه في أيام معدودات.
وقال مقاتل: كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين، وما زاد على ذلك لا يقال معدودة.
ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً، فلم يقدر على الصوم أَوْ عَلى سَفَرٍ، فلم يصم.
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أي فعليه أن يقضيها بعد مضي الشهر مثل عدد الأيام التي فاتته.
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، أي يطيقون الصوم فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، أي يدفع لكل مسكين مقدار نصف صاع من حنطة ويفطر ذلك اليوم.
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، أي تصدق على مسكينين مكان كل يوم أفطره، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من أن يطعم مسكيناً واحداً.
والصيام خير له من الإفطار وهو قوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ من أن تفطروا وتطعموا.
قال الكلبي: كان هذا في أول الإسلام ثم نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها، وهكذا قال القتبي، وهكذا روي، عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وهو قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان الأغنياء يطعمون ويفطرون ويفتدون ولا يصومون، فصار الصوم على الفقراء، فنسختها هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فوجب الصوم على الغني والفقير، وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في الشيخ الكبير.
وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ: «وَعَلَى الَّذِينَ يَطُوقُونَهُ» ، يعني يكلفونه فلا يطيقونه.
وروي عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة وإنما هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكيناً.
قرأ نافع وابن عامر «فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ» بضم الهاء وكسر الميم بالألف على الإضافة.
وقرأ الباقون بتنوين الهاء فِدْيَةٌ طَعامُ بضم الميم مّسْكِينٌ بغير ألف.
قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ، قرأ عاصم في رواية حفص: شَهْرُ بفتح الراء والباقون: بالضم.
وإنما صار رفعاً لمعنيين: أحدهما أنه مفعول ما لم يسم فاعله، يقول: كتب عليكم شهر رمضان ومعنى آخر: أنه خبر مبتدأ يعني هذا شهر رمضان.
ومن قرأ بالنصب احتمل أنه صار نصباً لوقوع الفعل عليه، أي صوموا شهر رمضان ويقال: صار نصباً لنزع الخافض، أي: في شهر رمضان.
ويحتمل: عليكم شهر رمضان.
كقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة: 138] يعني الزموا.
قوله: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، قرأ ابن كثير الْقُرْآنُ بالتخفيف وقرأ الباقون: بالهمز.
وقال ابن عباس في معنى قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، يعني أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في السماء الدنيا، ثم أنزل به جبريل على رسول الله نجوماً نجوماً، أي الآية والآيتين في أوقات مختلفة أنزل عليه في إحدى وعشرين سنة.
وقال مقاتل: أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين سنة.
حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل العابد قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: أنزلت التوراة في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، والإنجيل في ثمانية عشرة ليلة، والقرآن في أربعة وعشرين ليلة.
قال الفقيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن صالح الترمذي قال: حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريح قال: قال ابن عباس في قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال: أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر.
قال ابن جريج: كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل في تلك السنة.
فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، ولا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا كلما أمر به تعالى.
قوله عز وجل: هُدىً لِلنَّاسِ أي القرآن هدى للناس من الضلالة وبياناً لهم.
وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى، يعني بيان الحلال والحرام وَالْفُرْقانِ، أي المخرج من الشبهات فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أي من كان منكم شاهداً ولم يكن مريضاً ولا مسافراً فليصم الشهر.
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فأفطر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يقضيه بعد ذلك.
روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكره قضاء رمضان متفرقاً.
وعن علي بن أبي طالب مثله.
وقال معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة: أحصِ العدد وصم كيف شئت.
واختلفوا في حدّ المريض الذي يجوز له الإفطار.
قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف.
وقال بعضهم: إذا استحق اسم المريض جاز له أن يفطر.
وقال بعضهم: إذا كان بحال يخاف أن يزيد الصوم في مرضه جاز له أن يفطر.
وهو قول أصحابنا.
ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ في الإفطار في حال المرض والسفر، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بالصوم في المرض والسفر.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، قال الكلبي: يعني لتتموا عدة ما أفطرتم من الصوم في السفر أو في المرض.
وقال الضحاك: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، يعني إذا غمّ عليكم هلال شوال فأكملوا الشهر ثلاثين يوماً.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية هارون: «وَلِتُكَمِّلُوا» بنصب الكاف وتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف وسكون الكاف وهما لغتان يقال: كملت الشيء وأكملته مثل وصَّيت وأوصيت ثم قال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ، أي لتعظموا الله على مَا هداكم لشرائعه وسننه وأمر دينه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي لتشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر.
وقال مقاتل: لعلكم تشكرون في هذه النعم أن هداكم لأمر دينه.
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وذلك أنه لما نزلت هذه الآية: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، قال أصحاب رسول الله : يا رسول الله في أي وقت ندعو الله حتى يستجاب دعاؤنا؟
فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ، يعني أجيبكم في أي وقت تدعونني.
وقال بعضهم: سأله بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟
فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
وقال مقاتل: إن عمر واقع امرأته بعد ما صلى العشاء، فندم على ذلك وبكى إلى رسول الله فأخبره بذلك ورجع من عنده مغتماً، وكان ذلك قبل الرخصة، فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في إحدى الروايتين: «دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي» بالياء والباقون كلهم بحذف الياء.
وأصله بالياء إلا أن الكسر يقوم مقام الياء.
ويقال فإني قريب في الإجابة، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة، وَلْيُؤْمِنُوا بِي وليصدقوا بوعدي.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي الاستجابة أن تقولوا بعد صلاتكم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وَلْيُؤْمِنُوا بِي والإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، وأن وعدك حق وأن لقاءك حق، وأشهد أنك أحد فرد صمد، لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنك باعث من في القبور.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ما تَرَكْتُ هذه الكلمات دبر كل صلاة منذ نزلت هذه الآية.
وروي عن الكلبي أنه قال: ما تركتها منذ أربعين سنة.
ويقال: معناه أجيبوا لي بالطاعة إذا دعاكم رسول الله- وَلْيُؤْمِنُوا بِي، أي ليصدقوا بتوحيدي.
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أي يهتدون من الضلالة.
قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، يعني الجماع.
وروى بكر، عن عبد الله المزني، عن ابن عباس أنه قال: الغشيان واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الجماع، ولكن الله حيي كريم يكني بما شاء.
وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب- - واقع امرأته بعد صلاة العشاء في شهر رمضان بعد النوم، فأخبر بذلك رسول الله ، فقال له رسول الله : «مَا كُنْتَ جَدِيراً بذلك» .
فرجع مغتماً فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، أي رخص لكم الجماع مع نسائكم.
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
ويقال: هن ستر لكم من النار وأنتم ستر لهن من النار.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي تظلمون أنفسكم.
قال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه.
وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة، لأن الإنسان قد اؤتمن على دينه فإذا فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه، فقد خانه بمعصيته.
فَتابَ عَلَيْكُمْ، أي فتجاوز عنكم وَعَفا عَنْكُمْ ولم يعاقبكم بما فعلتم.
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، أي جامعوهن وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد الصالح.
وقال الزجاج: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أي اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به.
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل بالنهار، فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئاً، فأصبح صائماً فأجهده الصوم، فرآه رسول الله في آخر النهار فقال له: «مَا لَكَ يَا ابْنَ قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَليحاً؟» فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين، حتى أمسيت فأتيت أهلي، فأرادت أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت علي فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الطعام والشراب، فلم آكل فأصبحت صائماً فأمسيت وقد أجهدني الصوم.
فنزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ، وهذا أمر أباحه الله وليس بأمر حتم.
كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] وكقوله: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] .
فلفظه لفظ الأمر والمراد به الإباحة.
وقد أباح الله الأكل والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل.
ويقال: في الابتداء لما نزل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، كان بعضهم يأخذ خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب، حتى يتبين له الأسود من الأبيض.
وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين، فجعلت أنظر إليهما، فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول الله فأخبرته، فتبسم وقال: «إِنّكَ لَعَرِيضُ القَفَا إِنَّما هُوَ سَوادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» ، فنزل قوله: مِنَ الْفَجْرِ فارتفع الاشتباه.
ثم قال تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أول الليل وهو غروب الشمس.
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، يقول: ولا تجامعوهن وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، يقول: ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها، وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام، فكان الرجل إذا كان معتكفاً فإذا بدا له، خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى المسجد، فنزلت هذه الآية: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، أي لا تجامعوهن ليلاً ولا نهاراً وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قال الكلبي: يعني المباشرة في الاعتكاف معصية الله فَلا تَقْرَبُوها في الاعتكاف.
وقال الزجاج: الحد في اللغة هو المنع، فكل من منع فهو حداد.
ولهذا سمي حد الدار حداً، لأنه يمنع الغير عن دخولها.
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ، يعني النهي عن الجماع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف.
ويقال تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي جميع ما ذكر الله تعالى من أول الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره، ونبين لهم الآيات لعلهم يتقون، فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أعطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حقّه فلا وصيّة لوارث» «١» .
وبِالْمَعْرُوفِ: معناه بالقصد الَّذي تعرفه النفوسُ دون إِضرار بالورثة، ولا تنزير «٢» للوصية وحَقًّا: مصدر مؤكِّد، وخُصَّ «المتقون» بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبادر النَّاس إِليها.
وقوله تعالى: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ ...
الآية: الضمير في «بَدَّلَهُ» عائدٌ على الإيصاء، وأمر الميت، وكذلك في «سَمِعَهُ» ، ويحتمل أن يعود الذي في «سَمِعَهُ» على أمر اللَّه تعالى في هذه الآية، والأول أسبق للناظر، وسَمِيعٌ عَلِيمٌ: صفتان لا يخفى معهما شيْءٌ من جَنَفِ الموصِينَ، وتبديلِ المتعدينَ، والجَنَفُ: الميل.
ومعنى الآية على ما قال مجاهد: من خشي أن يحيف الموصِي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمَّد الإِذاءة، فذلك هو الجَنَفُ في إِثم، وإِن لم يتعمَّد، فهو الجنف دون إِثم «٣» ، فالمعنى: مَنْ وعظه في ذلك وردَّه عنه، وأصلح ما بينه وبين ورثَتِهِ، وما بين الورثة في ذاتهم، فلا إِثم عليه إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ بالموصِي، إِذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الإذاءة.
وقال ابن عبّاس وغيره: معنى الآية: فَمَنْ خافَ، أي: علِم، ورأى بعد موت الموصِي أن الموصِيَ حَافَ، وجَنَف، وتعمَّد إذاءة بعض ورثته، فَأَصْلَحَ ما بين الورثة، فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، وإِن كان في فعله تبديلٌ مَّا لأنه تبديلٌ لمصلحة، والتبديلُ الذي فيه الإِثم إنما هو تبديل الهوى «٤» .
قوله جلّت قدرته: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ...
الآية: كُتِبَ:
معناه فُرِضَ، والصيام في اللغة: الإِمساك، ومنه قوله سبحانه: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً [مريم: ٢٦] وفي الشرع: إِمساكٌ عن الطعام والشراب مقترنةٌ به قرائنُ مِنْ مُراعاة أوقاتٍ، وغير ذلك.
وقوله تعالى: كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ: اختلف في موضع التشبيه: قالتْ فرقة: التشبيهُ: كُتِبَ عليكم كصيامٍ قد تقدَّم في شرع غيركم، ف «الّذين» عامّ في النصارى «١» وغيرهم.
ولَعَلَّكُمْ: ترجّ في حقهم.
وتَتَّقُونَ: قيل على العموم لأن الصيام كما قال صلّى الله عليه وسلم: «جنّة «٢» ووجاء، وسبب
تقوى لأنه يميت الشهوات» .
وأَيَّاماً مَعْدُوداتٍ: قيل: رمضان، وقيل: الثلاثةُ الأيام من كل شهرٍ، ويومُ عاشوراءَ الَّتي نُسخَتْ بشهر رمضان.
ص: وأَيَّاماً: منصوبٌ بفعل مقدَّر يدلُّ عليه ما قبله، أي: صوموا أياماً، وقيل: أَيَّاماً: نصب على الظرف «١» انتهى.
وقوله سبحانه: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ: التقدير: فأفْطَرَ، فَعِدَّةٌ، وهذا يسمونه فَحْوَى «١» الخطابِ، واختلف العلماءُ في حَدِّ المرض الذي يقع به الفطْر، فقال جمهور العلماء: إِذا كان به مرضٌ يؤذيه، ويؤلمه أو يخاف تَمادِيَهُ، أو يخافُ من الصوم تزيُّده، صحَّ له الفطْرُ، وهذا مذْهَبُ حُذَّاقِ أصحاب مالك، وبه يناظرون، وأما لفظ ٤٤ ب مالكٍ: فهو المرضُ الَّذي يَشُقُّ على المرء، ويبلغ به، واختلف في الأفضل/ من الفِطْرِ أو الصَّوْمِ، ومذهبُ مالكٍ استحباب الصومِ لمن قَدَرَ علَيْه، وتقصيرُ الصَّلاة حَسَنٌ لأن الذمَّة تبرأ في رخصة الصلاة، وهي مشغولةٌ في أمر الصيام، والصوابُ: المبادرةُ بالأعمال.
والسَّفَرُ: سفَرُ الطاعةِ كالحجِّ، والجهادِ بإجماع، ويتصلُ بهذَيْن سفَرُ صلَةِ الرَّحِمِ، وطلبِ المعاشِ الضروريِّ.
وأما سفر التجارة، والمباحاتِ، فمختلَفٌ فيه بالمنع، والجواز، والقولُ بالجواز أرجح.
وأما سفر العصْيَان، فمختلف فيه بالجوازِ، والمنعِ، والقولُ بالمنع أرجحُ.
ومسافةُ سفر الفطر عند مالك، حيث تقصر الصلاة ثمانيةٌ وأربعون «١» ميلاً.
وقوله تعالى: فَعِدَّةٌ، أي: فالحكم أو الواجب عدّة، وفي وجوب تتابعها قولان، وأُخَرَ لا ينصرف للعَدْلِ.
وقوله تعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ...
الآية: قرأ باقي السبعة «١» غيْرَ نافعٍ وابنِ عامر: «فِدْيَةٌ» بالتنوين «طَعَامُ مِسْكِينٍ» بالإِفراد، وهي قراءة حَسَنةٌ لأنها بيَّنت الحكم في اليوم.
واختلفوا في المراد بالآية، فقال ابن عُمَر وجماعةٌ: كان فرضُ الصيامِ هكذا على
الناس مَنْ أراد أن يصوم، صام، ومن أراد أن يفطر أطعم مسكيناً، وأفطر، ثم نسخ ذلك بقوله سبحانه: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ «١» [البقرة: ١٨٥] .
وقالت فرقة: الآية في الشيوخ الذي يطيقونه بتكلُّف شديدٍ «٢» ، والآيةُ عند مالك: إِنما هي فيمَنْ يدركه رمضانٌ ثانٍ، وعليه صومٌ من المتقدِّم، فقد كان يطيق في تلك المدة الصوْمَ، فتركه، والفديةُ عند مالك وجماعةٍ من العلماء: مُدٌّ لكلِّ مسكين.
وقوله تعالى: فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ...
الآية: قال ابنُ عَبَّاس وغيره:
المراد مَنْ أطعم مسكينَيْنِ فصاعدًا «٣» ، وقال ابن شِهَابٍ «٤» : من زاد الإطعام مع
الصوم «١» ، وقال مجاهدٌ: مَنْ زاد في الإِطعام على المدّ «٢» ، وخَيْراً الأول قد نُزِّل منزلة مالٍ، أو نفعٍ، وخَيْرٌ الثاني والثالثُ صفةُ تفضيلٍ.
وقوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يقتضي الحضَّ على الصوْمِ، أي: فاعلموا ذلك وصوموا.
ت: وجاء في فضل الصومِ أحاديثُ صحيحةٌ مشهورةٌ، وحدث أبو بكر بْنُ الخَطِيبُ بسنده عن سهل بن سعد الساعديّ «٣» عن النبي صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ صَامَ يَوْماً تَطوُّعاً، لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ لَهُ بِثَوَابٍ دُونَ الجَنَّةِ» «٤» ، قال: وبهذا الإِسناد عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلم بمثله.
انتهى «٥» .
قال ابن عبد البَرِّ في كتابهِ المسمَّى ب «بهجةِ المَجالِسِ» قال أبو العالية: الصائمُ في عبادةٍ ما لم يغتَبْ.
قال الشيخُ الصالحُ أبو عبد اللَّه محمَّد البلاليُّ الشافعيُّ في «اختصاره للإحياء» : وذكر السُّبْكِيُّ «١» في شرحه أن الغِيبَةَ تمنع ثوابَ الصوْمِ إِجماعاً، قال البلاليُّ: وفيه نظر لمشقَّة الاحتراز، نعم، إِن أكثر، توجَّهت المقالة.
انتهى، وهذا الشيخ البلاليُّ لقيتُهُ، ورويتُ عنه كتابه هَذَا.
وصحَّ عنه صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ، فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ» «٢» قال أبو عمر في «التمهيد» «٣» : وذلك لأن الصوْمَ جُنَّةٌ يستجنُّ بها العَبْدُ من النار، وتُفْتَحُ لهم أبواب الجنة لأن أعمالهم تزكو فيه، تقبل منهم، ثم أسند أبو عمر عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «أُعْطِيَتْ أُمَّتِي خَمْسَ خِصَالٍ فِي رَمَضَانَ، لَمْ تُعْطَهُنَّ أُمَّةٌ قَبْلَهَا: خُلُوفُ فَمِ الصَّائِم أَطْيَبُ/ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الملائكة حتّى ٤٥ أيفطروا، وَيُزَيِّنُ اللَّهُ لَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ جَنَّتَهُ، ثُمَّ يَقُولُ: يُوشِكُ عِبَادِي الصَّائِمُونَ أَنْ يُلْقُوا عَنْهُمْ المَئُونَةَ، والأذى، ثُمَّ يَصِيرُونَ إِلَيْكِ، وَتُصَفَّدُ «٤» فِيهِ مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، فَلاَ يَخْلُصُونَ إلى مَا كَانُوا يَخْلُصُونَ إِلَيْهِ فِي غَيْرِهِ، ويَغْفِرُ لَهُمْ آخِرَ لَيْلَةٍ، قيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَهِيَ لَيْلَةُ القدر؟
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ .
الصِّيامُ في اللُّغَةِ: الإمْساكُ في الجُمْلَةِ، يُقالُ: صامَتِ الخَيْلُ: إذا أمْسَكَتْ عَنِ السَّيْرِ، وصامِتِ الرِّيحُ: إذا أمْسَكَتْ عَنِ الهُبُوبِ.
والصَّوْمُ في الشَّرْعِ: عِبارَةٌ عَنِ الإمْساكِ عَنِ الطَّعامِ والشَّرابِ والجِماعِ مَعَ انْضِمامِ النِّيَّةِ إلَيْهِ.
وفي الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، رَواهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُمُ النَّصارى، قالَهُ الشَّعْبِيُّ، والرَّبِيعُ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ أهْلِ المِلَلِ، ذَكَرَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَفِي مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ في كافِ ﴿ كَما كُتِبَ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّ التَّشْبِيهَ في حُكْمِ الصَّوْمِ وصَفْتِهِ، لا في عَدَدِهِ.
قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَتَبَ عَلَيْهِمْ إذا نامَ أحَدُهم قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ لَمْ يَحْلَّ لَهُ أنْ يَطْعَمَ إلى القابِلَةِ، والنِّساءُ عَلَيْهِمْ حَرامٌ لَيْلَةَ الصِّيامِ، وهو عَلَيْهِمْ ثابِتٌ.
وقَدْ أُرْخِصَ لَكم.
فَعَلى هَذا تَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ: ﴿ أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ ﴾ .
فَإنَّها فَرَّقَتْ بَيْنَ صَوْمِ أهْلِ الكِتابِ وبَيْنَ صَوْمِ المُسْلِمِينَ.
والثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ في عَدَدِ الأيّامِ.
ثُمَّ في ذَلِكَ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ فَرَضَ عَلى هَذِهِ الأُمَّةِ صَوْمَ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ فَرْضًا عَلى مَن قَبْلَهم.
قالَ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ قالَ: كانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِرَمَضانَ.
قالَ مَعْمَرُ عَنْ قَتادَةَ: كانَ اللَّهُ قَدْ كَتَبَ عَلى النّاسِ قَبْلَ رَمَضانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، فَعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ الآَيَةُ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ .
والثّانِي: أنَّهُ فَرَضَ عَلى مَن قَبْلَنا صَوْمَ رَمَضانَ بِعَيْنِهِ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقَدَّمَ النَّصارى يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا، وأخَّرُوا يَوْمًا، ثُمَّ قالُوا: نُقَدِّمُ عَشْرًا ونُؤَخِّرُ عَشْرًا.
وقالَ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: اشْتَدَّ عَلى النَّصارى صَوْمُ رَمَضانَ، فَجَعَلَ يَتَقَلَّبُ عَلَيْهِمْ في الشِّتاءِ والصَّيْفِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ اجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيامًا في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وقالُوا: نَزِيدُ عِشْرِينَ يَوْمًا نُكَفِّرُ بِها ما صَنَعْنا.
فَعَلى هَذا تَكُونُ الآَيَةُ مَحْكَمَةً غَيْرَ مَنسُوخَةٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ لِأنَّ الصِّيامَ وصْلَةٌ إلى التُّقى، إذْ هو يَكُفُّ النَّفْسَ عَنْ كَثِيرٍ مِمّا تَتَطَلَّعُ إلَيْهِ مِنَ المَعاصِي، وقِيلَ: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ مَحْظُوراتِ الصَّوْمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ﴿ فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أو إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهم فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ ﴿ أيّامًا مَعْدُوداتٍ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ الضَمِيرُ في "بَدَّلَهُ" عائِدٌ عَلى الإيصاءِ وأمْرِ المَيِّتِ، وكَذَلِكَ في "سَمِعَهُ"، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الَّذِي في "سَمِعَهُ" عَلى أمْرِ اللهِ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ، والقَوْلُ الأوَّلُ أسْبَقُ لِلنّاظِرِ، لَكِنَّ في ضِمْنِهِ أنْ يَكُونَ المُبَدِّلُ عالِمًا بِالنَهْيِ عامِدًا لِخِلافِهِ.
والضَمِيرُ في "إثْمُهُ" عائِدٌ عَلى التَبْدِيلِ، و ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ صِفَتانِ لا يَخْفى مَعَهُما شَيْءٌ مِن جَنَفِ المُوصِينَ وتَبْدِيلِ المُتَعَدِّينَ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ: "مِن مُوصٍ" بِفَتْحِ الواوِ وتَشْدِيدِ الصادِ، وقَرَأ الباقُونَ بِسُكُونِ الواوِ.
والجَنَفُ: المَيْلُ، وقالَ الأعْشى: تَجانَفُ عن حَجْرِ اليَمامَةِ ناقَتِي وما قَصَدْتُ مِن أهْلِها لِسِوائِكا وقالَ عامِرُ الرامِي الحَضْرَمِيُّ المُحارِبِيُّ: هَمَّ المَوْلى وقَدْ جَنِفُوا عَلَيْنا ∗∗∗ وإنّا مِن عَدَواتِهِمْ لَزُورُ ومَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ مُجاهِدٌ: مَن خَشِيَ أنْ يَحِيفَ المُوصِي ويَقْطَعَ مِيراثَ طائِفَةٍ، ويَتَعَمَّدَ الإذايَةَ أو يَأْتِيَها دُونَ تَعَمُّدٍ، وذَلِكَ هو الجَنَفُ دُونَ إثْمٍ، وإذا تَعَمَّدَ فَهو الجَنَفُ في إثْمٍ، فالمَعْنى: مَن وعْظَهُ في ذَلِكَ ورَدَّهُ عنهُ، فَأصْلَحَ بِذَلِكَ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ ورَثَتِهِ، وما بَيْنَ الوَرَثَةِ في ذاتِهِمْ ﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
﴿ إنَّ اللهَ غَفُورٌ ﴾ عَنِ المُوصِي إذا عَمِلَتْ فِيهِ المَوْعِظَةُ، ورَجَعَ عَمّا أرادَ مِنَ الإذايَةِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ بِهِ.
وَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ والرَبِيعُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن خافَ، أيْ عَلِمَ ورَأى وأتى عِلْمُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ المُوصِي أنَّ المُوصِي حافَ وجَنَفَ وتَعَمَّدَ إذايَةَ بَعْضِ ورَثَتِهِ، فَأصْلَحَ ما وقَعَ بَيْنَ الوَرَثَةِ مِنَ الِاضْطِرابِ والشِقاقِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، أيْ لا يَلْحَقُهُ إثْمُ المُبَدِّلِ المَذْكُورِ قَبْلُ وإنْ كانَ في فِعْلِهِ تَبْدِيلٌ ما ولا بُدَّ، ولَكِنَّهُ تَبْدِيلٌ لِمَصْلَحَةٍ، والتَبْدِيلُ الَّذِي فِيهِ الإثْمُ إنَّما هو تَبْدِيلُ الهَوى، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: "فَلا إثْمَ" عَلَيْهِ بِحَذْفِ الألِفِ.
و" كُتِبَ " مَعْناهُ فُرِضَ.
و"الصِيامُ" في اللُغَةِ: الإمْساكُ وتَرْكُ التَنَقُّلِ مِن حالٍ إلى حالٍ، ومِنهُ قَوْلُ النابِغَةِ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ ∗∗∗ تَحْتَ العَجاجِ، وخَيْلٌ تَعْلُكُ اللُجُما أيْ: خَيْلٌ ثابِتَةٌ مُمْسِكَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ اللهِ تَعالى: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ أيْ: إمْساكًا عَنِ الكَلامِ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: كَأنَّ الثُرَيّا عَلِّقَتْ في مَصامِها ∗∗∗.................
أيْ في مَوْضِعِ ثُبُوتِها وامْتِساكِها، ومِنهُ قَوْلُهُ: فَدَعْ ذا وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذُمُولٌ إذا صامَ النَهارُ وهَجَّرا أيْ: وقَفَتِ الشَمْسُ عَنِ الِانْتِقالِ وثَبَتَتْ.
والصِيامُ في الشَرْعِ: إمْساكٌ عَنِ الطَعامِ والشَرابِ مُقْتَرِنَةً بِهِ قَرائِنُ، مِن مُراعاةِ أوقاتٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَهو مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ في قَوْلِ الحُذّاقِ، والكافِ مِن قَوْلِهِ: "كَما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى النَعْتِ تَقْدِيرُهُ: كَتَبا كَما، أو صَوْمًا كَما، أو عَلى الحالِ، كَأنَّ الكَلامَ: كَتَبَ عَلَيْكُمُ الصِيامَ مُشَبَّهًا ما كَتَبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم.
وقالَ بَعْضُ النُحاةِ: الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى النَعْتِ لِلصِّيامِ، إذْ لَيْسَ تَعْرِيفُهُ بِمَحْضٍ لِمَكانِ الإجْمالِ الَّذِي فِيهِ مِمّا فَسَّرَتْهُ الشَرِيعَةُ، فَلِذَلِكَ جازَ نَعْتُهُ بِـ "كَما"، إذْ لا تُنْعَتُ بِها إلّا النَكِراتُ، فَهو بِمَنزِلَةِ: "كُتِبَ عَلَيْكم صِيامٌ" وقَدْ ضَعُفَ هَذا القَوْلُ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَوْضِعِ التَشْبِيهِ، فَقالَ الشَعْبِيُّ وغَيْرُهُ: المَعْنى: كُتِبَ عَلَيْكم رَمَضانُ كَما كُتِبَ عَلى النَصارى، قالَ: فَإنَّهُ كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضانُ فَبَدَّلُوهُ لِأنَّهُمُ احْتاطُوا لَهُ، بِزِيادَةِ يَوْمٍ في أوَّلِهِ، ويَوْمٍ في آخِرِهِ، قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، حَتّى بَلَغُوهُ خَمْسِينَ يَوْمًا، فَصَعُبَ عَلَيْهِمْ في الحَرِّ فَنَقَلُوهُ إلى الفَصْلِ الشِتْوِيِّ.
قالَ النَقّاشُ: "وَفِي ذَلِكَ حَدِيثٌ عن دُغْفُلِ بْنِ حَنْظَلَةَ، والحَسَنِ البَصْرِيِّ، والسُدِّيِّ.
وقِيلَ: بَلْ مَرِضَ مَلِكٌ مِن مُلُوكِهِمْ، فَنَذَرَ إنَّ بَرِئَ أنْ يَزِيدَ فِيهِ عَشَرَةَ أيّامٍ، ثُمَّ آخِرُ سَبْعَةٍ، ثُمَّ آخِرُ ثَلاثَةٍ، ورَأوا أنَّ الزِيادَةَ فِيهِ حَسَنَةٌ بِإزاءِ الخَطَأِ في نَقْلِهِ.
وقالَ السُدِّيُّ، والرَبِيعُ: التَشْبِيهُ هو أنَّ مِنَ الإفْطارِ إلى مِثْلِهِ، لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ ولا يَطَأُ، فَإذا حانَ الإفْطارُ فَلا يَفْعَلُ هَذِهِ الأشْياءَ مَن نامَ، وكَذَلِكَ كانَ في النَصارى أوَّلًا، وكانَ في أوَّلِ الإسْلامِ، ثُمَّ نَسَخَهُ اللهُ بِسَبَبِ عُمَرَ وقَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ بِما يَأْتِي مِنَ الآياتِ في ذَلِكَ وقالَ عَطاءٌ: التَشْبِيهُ؛ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي بَعْضِ الطُرُقِ: ويَوْمَ عاشُوراءَ، كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ ويَوْمَ عاشُوراءَ، ثُمَّ نُسِخَ هَذا في هَذِهِ الأُمَّةِ بِشَهْرِ رَمَضانَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَشْبِيهُ كُتِبَ عَلَيْكم كَصِيامٍ بِالإطْلاقِ، أيْ: قَدْ تَقَدَّمَ في شَرْعِ غَيْرِكُمْ، فِـ " الَّذِينَ " عامٌّ في النَصارى وغَيْرِهِمْ.
و" لَعَلَّكم " تَرَجٍّ في حَقِّهِمْ، و" تَتَّقُونَ " قالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ تَتَّقُونَ الأكْلَ والشُرْبَ والوَطْءَ بَعْدَ النَوْمِ عَلى قَوْلِ مَن تَأوَّلَ ذَلِكَ.
وقِيلَ: تَتَّقُونَ عَلى العُمُومِ لِأنَّ الصِيامَ كَما قالَ عَلَيْهِ السَلامُ جُنَّةٌ ووِجاءٌ وسَبَبُ تَقْوى لِأنَّهُ يُمِيتُ الشَهَواتِ.
و" أيّامًا " مَفْعُولٌ ثانٍ بِـ "كُتِبَ" قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: هي نَصْبٌ عَلى الظَرْفِ، وقِيلَ: نَصْبُها بِـ "الصِيامِ"، وهَذا لا يَحْسُنُ إلّا عَلى أنْ يَعْمَلَ الصِيامُ في الكافِ مِن "كَما" عَلى قَوْلِ مَن قَدَّرَ صَوْمًا كَما، وإذا لَمْ يَعْمَلْ في الكافِ قُبِّحَ الفَصْلُ بَيْنَ المَصْدَرِ وبَيْنَ ما عَمِلَ فِيهِ -بِما عَمِلَ فِيهِ غَيْرُهُ، وذَلِكَ إذا كانَ العامِلُ في الكافِ "كُتِبَ".
وجَوَّزَ بَعْضُهم أنْ يَكُونَ "أيّامًا" ظَرْفًا يَعْمَلُ فِيهِ "الصِيامُ".
و"مَعْدُوداتٍ" قِيلَ: رَمَضانُ، وقِيلَ: الثَلاثَةُ الأيّامُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ ﴾ التَقْدِيرُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، وهَذا يُسَمُّونَهُ فَحْوى الخِطابِ.
واخْتُلِفَ العُلَماءُ في حَدِّ المَرَضِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الفِطْرُ؛ فَقالَ قَوْمٌ: مَتى حَصَلَ الإنْسانُ في حالٍ يَسْتَحِقُّ بِها اسْمَ المَرِيضِ صَحَّ الفِطْرُ قِياسًا عَلى المُسافِرِ أنَّهُ يُفْطِرُ لِعِلَّةِ السَفَرِ، وإنْ لَمْ تَدَعْهُ إلى الفِطْرِ ضَرُورَةً، وقالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.
وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ العُلَماءِ: إذا كانَ بِهِ مَرَضٌ يُؤْذِيهِ ويُؤْلِمُهُ أو يَخافُ تَمادِيهِ، أو يَخافُ مِنَ الصَوْمِ تَزِيدُهُ.
صَحَّ لَهُ الفِطْرُ، وهَذا مَذْهَبُ حُذّاقِ أصْحابِ مالِكٍ وبِهِ يُناظِرُونَ، وأمّا لَفْظُ مالِكٍ فَهُوَ: المَرَضُ الَّذِي يُشَقُّ عَلى المَرْءِ ويَتَبَلَّغُ بِهِ.
وقالَ الحَسَنُ: إذا لَمْ يَقْدِرْ مِنَ المَرَضِ عَلى الصَلاةِ قائِمًا أفْطَرَ وقالَتْ فِرْقَةٌ: لا يُفْطِرُ بِالمَرَضِ إلّا مَن دَعَتْهُ ضَرُورَةُ المَرَضِ نَفْسِهِ إلى الفِطْرِ، ومَتى احْتَمَلَ الضَرُورَةَ مَعَهُ لَمْ يُفْطِرْ، وهَذا قَوْلُ الشافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في الأفْضَلِ مِنَ الفِطْرِ أوِ الصَوْمِ في السَفَرِ، فَقالَ قَوْمٌ، والشافِعِيُّ، ومالكٌ في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ الصَوْمُ أفْضَلُ لِمَن قَوِيَ، وجُلُّ مَذْهَبِ مالِكٍ التَخْيِيرُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، وغَيْرُهُما: الفِطْرُ أفْضَلُ.
وقالَ مُجاهِدٌ، وعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وغَيْرُهُما: أيْسَرُهُما أفْضَلُهُما، وكَرِهَ ابْنُ حَنْبَلٍ وغَيْرُهُ الصَوْمَ في السَفَرِ، وقالَ ابْنُ عُمَرَ: مَن صامَ في السَفَرِ قَضى في الحَضَرِ وهو مَذْهَبُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
ومَذْهَبُ مالِكٍ في اسْتِحْبابِهِ الصَوْمَ لِمَن قَدِرَ عَلَيْهِ، وتَقْصِيرُ الصَلاةِ حَسَنٌ.
لِأنَّ الذِمَّةَ تَبْرَأُ في رُخْصَةِ الصَلاةِ وهي مَشْغُولَةٌ في أمْرِ الصِيامِ، والصَوابُ المُبادَرَةُ بِالأعْمالِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: الفِطْرُ في السَفَرِ عَزْمَةٌ، وذَهَبَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ إلى الصَوْمِ وقالَ: إنَّما نَزَلَتِ الرُخْصَةُ ونَحْنُ جِياعٌ، نَرُوحُ إلى جُوعٍ، ونَغْدُو إلى جُوعٍ.
والسَفَرُ سَفَرُ الطاعَةِ، كالحَجِّ والجِهادِ بِإجْماعٍ، ويَتَّصِلُ بِهَذَيْنَ سَفَرُ صِلَةِ الرَحِمِ وطَلَبِ المَعاشِ الضَرُورِيِّ، وأمّا سَفَرُ التِجارَةِ والمُباحاتِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالمَنعِ والجَوازِ، والقَوْلُ بِالجَوازِ أرْجَحُ.
وأمّا سَفَرُ المَعاصِي فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالجَوازِ والمَنعِ، والقَوْلُ بِالمَنعِ أرْجَحُ.
ومَسافَةُ سَفَرِ الفِطْرِ عِنْدَ مالِكٍ حَيْثُ تَقْصُرُ الصَلاةُ.
واخْتُلِفَ في قَدْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ مالِكٌ: يَوْمٌ ولَيْلَةٌ ثُمَّ رَجَعَ فَقالَ: ثَمانِيَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا، ورُوِيَ عنهُ: يَوْمانِ، ورُوِيَ عنهُ في العُتْبِيَّةِ: خَمْسَةٌ وأرْبَعُونَ مِيلًا، وفي المَبْسُوطِ: أرْبَعُونَ مِيلًا، وفي المَذْهَبِ: سِتَّةٌ وثَلاثُونَ مِيلًا، وفِيهِ: ثَلاثُونَ.
وقالَ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ والثَوْرِيُّ: الفِطْرُ في سَفَرِ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وفي غَيْرِ المَذْهَبِ يَقْصُرُ في ثَلاثَةِ أمْيالٍ فَصاعِدًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ ﴾ ، مَرْفُوعٌ عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ تَقْدِيرُهُ: فالحَكَمُ أو فالواجِبُ عِدَّةٌ، ويَصِحُّ أنْ يَرْتَفِعَ عَلى ابْتِداءٍ والخَبَرُ بَعْدَهُ، والتَقْدِيرُ: فَعِدَّةُ أمْثَلِ لَهُ، ويَصِحُّ: فَعَلَيْهِ عِدَّةٌ.
واخْتُلِفَ في وُجُوبِ تَتابُعِها عَلى قَوْلَيْنِ، و" أُخَرَ " لا يَنْصَرِفُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ لِأنَّهُ مَعْدُولٌ عَنِ الألِفِ واللامِ، لِأنَّ هَذا البِناءَ إنَّما يَأْتِي بِالألِفِ واللامِ كَما تَقُولُ: الفَضْلُ والكِبَرُ اجْتَمَعَ فِيهِ العَدْلُ والصِفَةُ.
وجاءَ في الآيَةِ "أُخَرَ" ولَمْ يَجِئْ أُخْرى لِئَلّا تُشْكَلَ بِأنَّها صِفَةٌ لِلْعِدَّةِ والبابِ أنَّ جَمْعَ ما لا يُعْقَلُ يَجْرِي في مِثْلِ هَذا مَجْرى الواحِدَةِ المُؤَنَّثَةِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا جِبالُ أوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: " يُطِيقُونَهُ " بِكَسْرِ الطاءِ وسُكُونِ الياءِ، والأصْلُ: "يُطَوِّقُونَهُ"، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى الطاءِ وقُلِبَتْ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلَها، وقَرَأ حُمَيْدٌ: "يَطُوقُونَهُ"، وذَلِكَ عَلى الأصْلِ، والقِياسُ الإعْلالُ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ "يُطَوَّقُونَهُ" بِمَعْنى يُكَلَّفُونَهُ، وقَرَأتْ عائِشَةُ، وطاوُسُ، وعَمْرُو بْنُ دِينارٍ: "يَطَّوَّقُونَهُ" بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الطاءِ مَفْتُوحَةً.
وَقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "يُطَيَّقُونَهُ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الطاءِ وشَدِّ الياءِ المَفْتُوحَةِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: "يُطَّيَّقُونَهُ" بِفَتْحِ الياءِ وشَدِّ الطاءِ وشَدِّ الياءِ المَفْتُوحَةِ بِمَعْنى يَتَكَلَّفُونَهُ، وحَكاها النَقّاشُ عن عِكْرِمَةَ، وتَشْدِيدُ الياءِ في هَذِهِ اللَفْظَةِ ضَعِيفٌ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ ذَكْوانَ: "فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ" بِإضافَةِ الفِدْيَةِ.
وقَرَأ هاشِمٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: فِدْيَةُ طَعامِ مَساكِينَ" بِتَنْوِينِ الفِدْيَةِ.
وقَرَأ الباقُونَ: "فِدْيَةٌ" بِالتَنْوِينِ "طَعامُ مِسْكِينٍ" بِالإفْرادِ، وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ لِأنَّها بَيَّنَتِ الحُكْمَ في اليَوْمِ.
وجَمْعُ المَساكِينِ لا يُدْرى كَمْ مِنهم في اليَوْمِ إلّا مِن غَيْرِ الآيَةِ.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ فْرَدُوا المِسْكِينَ والمَعْنى عَلى الكَثْرَةِ لِأنَّ الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ جَمْعٌ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهم يَلْزَمُهُ مِسْكِينٌ، فَكَأنَّ الوَجْهَ أنْ يَجْمَعُوا كَما جَمَعَ المُطِيقُونَ؟
فالجَوابُ أنَّ الإفْرادَ حَسَنٌ، لِأنَّهُ يُفْهَمُ بِالمَعْنى أنَّ لِكُلِّ واحِدٍ مِسْكِينًا.
ونَظِيرُ هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ فاجْلِدُوهم ثَمانِينَ جَلْدَةً ﴾ فَلَيْسَتِ الثَمانُونَ مُتَفَرِّقَةً في جَمِيعِهِمْ، بَلْ لِكُلِّ واحِدٍ ثَمانُونَ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في المُرادِ بِالآيَةِ.
فَقالَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وعَلْقَمَةُ، والنَخْعِيُّ، والحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ عُمَرَ، والشَعْبِيُّ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ، وابْنُ شِهابٍ: كانَ فَرْضُ الصِيامِ هَكَذا عَلى الناسِ، مَن أرادَ صامَ، ومَن أرادَ أطْعَمَ مِسْكِينًا وأفْطَرَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ وقالَتْ فِرْقَةٌ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ : أيْ عَلى الشُيُوخِ والعُجَّزِ الَّذِينَ يُطِيقُونَ لَكِنْ بِتَكَلُّفٍ شَدِيدٍ، فَأباحَ اللهُ لَهُمُ الفِدْيَةَ والفِطَرَ، وهي مَحْكَمَةٌ عِنْدَ قائِلِي هَذا القَوْلُ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ تَجِيءُ قِراءَةُ "يَطُوقُونَهُ" و"يُطَوَّقُونَهُ".
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الرُخْصَةُ لِلشُّيُوخِ والعُجَّزِ خاصَّةً، إذا أفْطَرُوا وهم يُطِيقُونَ الصَوْمَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ ﴾ فَزالَتِ الرُخْصَةُ، إلّا لِمَن عَجَزَ مِنهُمْ، وقالَ السُدِّيُّ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ أيْ: عَلى الَّذِينَ كانُوا يُطِيقُونَهُ وهم بِحالَةِ الشَبابِ، ثُمَّ اسْتَحالُوا بِالشَيْخِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ الصَوْمَ، وهي عِنْدُهُ مَحْكَمَةٌ، ويَلْزَمُ الشُيُوخَ عِنْدَهُ الفِدْيَةُ إذا أفْطَرُوا، ونَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقالَ مالِكٌ: لا أرى الفِدْيَةَ عَلى الشَيْخِ الضَعِيفِ واجِبَةٌ، وتُسْتَحَبُّ لِمَن قَدِرَ عَلَيْها، والآيَةُ عِنْدَهُ إنَّما هي فِيمَن يُدْرِكُهُ رَمَضانُ وعَلَيْهِ صَوْمٌ مِنَ المُتَقَدِّمِ، فَقَدْ كانَ يُطِيقُ في تِلْكَ المُدَّةِ الصَوْمَ فَتَرَكَهُ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ، وقالَ الشافِعِيُّ وأبُو حَنِيفَةَ: عَلى الشَيْخِ العاجِزِ الإطْعامُ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: "وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فَأفْطَرُوا".
ومَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، وجَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ أنَّ قَدْرَ الدِيَةِ مُدٌّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ، وقالَ قَوْمٌ: قُوتُ يَوْمٍ، وقالَ قَوْمٌ: عَشاءٌ وسَحُورٌ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: نِصْفُ صاعٍ مِن قَمْحٍ، أو صاعٍ مِن تَمْرٍ أو زَبِيبٍ.
والضَمِيرُ في "يُطِيقُونَهُ" عائِدٌ عَلى "الصِيامِ"، وقِيلَ: عَلى الطَعامِ، وهو قَوْلٌ ضَعِيفٌ.
واخْتُلِفَ في الحامِلِ؛ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ: تَفِدِي وتُفْطِرُ ولا قَضاءَ عَلَيْها.
وقالَ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، والضَحّاكُ، والزُهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالِكٌ: تَقْضِي الحامِلُ إذا أفْطَرَتْ، ولا فِدْيَةَ عَلَيْها.
وقالَ الشافِعِيُّ، وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، ومُجاهِدٌ: تَقْضِيَ وتَفِدِي إذا أفْطَرَتْ، وكَذَلِكَ قالَ مالِكٌ في المُرْضِعِ: إنَّها إذا أفْطَرَتْ تَقْضِيَ وتَفِدِي، هَذا هو المَشْهُورُ، وقالَ في مُخْتَصَرِ ابْنِ عَبْدِ الحَكَمِ: لا إطْعامَ عَلى المُرْضِعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ ﴾ الآيَةُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وطاوُسُ، وعَطاءٌ، والسُدِّيُّ، المُرادُ مَن أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ فَصاعِدًا وقالَ ابْنُ شِهابٍ: مَن زادَ الإطْعامَ عَلى الصَوْمِ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَن زادَ في الإطْعامِ عَلى المُدِّ.
و"خَيْرٌ" الثانِي صِفَةُ تَفْضِيلٍ، وكَذَلِكَ الثالِثُ، وخَيْرٌ الأوَّلُ قَدْ نَزَلَ مَنزِلَةَ: مالًا أو نَفْعًا، وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "والصَوْمُ خَيْرٌ لَكُمْ" بَدَلٌ: ﴿ وَأنْ تَصُومُوا ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَقْتَضِي الحَضَّ عَلى الصَوْمِ، أيْ فاعْلَمُوا ذَلِكَ وصُومُوا.
<div class="verse-tafsir"
حكم الصيام حكم عظيم من الأحكام التي شرعها الله تعالى للأمة، وهو من العبادات الرامية إلى تزكية النفس ورياضتها، وفي ذلك صلاح حال الأفراد فرداً فرداً؛ إذ منها يتكون المجتمع.
وفصلت الجملة عن سابقتها للانتقال إلى غرض آخر، وافتتحت بيأيها الذين آمنوا لما في النداء من إظهار العناية بما سيقال بعده.
والقول في معنى كتب عليكم ياأيها الذين ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * أَيَّامًا } ودلالته على الوجوب تقدم آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية ﴾ [البقرة: 180] الآية.
والصيام ويقال الصوم هو في اصطلاح الشرع: اسم لترك جميع الأكل وجميع الشرب وقربان النساء مدة مقدرة بالشرع بنية الامتثال لأمر الله أو لقصد التقرب بنذر للتقرب إلى الله.
والصيام اسم منقول من مصدر فعال وعينه واو قلبت ياء لأجل كسرة فاء الكلمة، وقياس المصدر الصوم، وقد ورد المصدران في القرآن، فلا يطلق الصيام حقيقة في اللغة إلاّ على ترك كل طعام وشراب، وألحق به في الإسلام ترك قربان كل النساء، فلو ترك أحد بعض أصناف المأكول أو بعض النساء لم يكن صياماً كما قال العرجي: فإنْ شِئتتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِوَاكُمُ *** وإِنْ شِئْتتِ لَمْ أَطْعَمْ نُقَاخاً ولاَ بَرْدَا وللصيام إطلاقات أخرى مجازية كإطلاقه على إمساك الخيل عن الجري في قول النابغة: خَيْلٌ صِيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمة *** تحْتَ العَجَاج وأُخْرى تَعْلكُ اللُّجُمَا وأطلق على ترك شرب حمار الوحش الماء، وقال لبيد يصف حمار الوحش وأتانه في إثر فصل الشتاء حيث لا تشرب الحمر ماء لاجتزائها بالمرعى الرطب: حتى إِذا سَلَخَا جُمَادى سِتَّة *** جَزْءًا فطَال صيامُه وصِيامُها والظاهر أن اسم الصوم في اللغة حقيقة في ترك الأكل والشرب بقصد القربة فقد عرف العرب الصوم في الجاهلية من اليهود في صومهم يوم عاشوراء كما سنذكره.
وقول الفقهاء: إن الصوم في اللغة مطلق الإمساك، وإن إطلاقه على الإمساك عن الشهوتين اصطلاح شرعي، لا يصح، لأنه مخالف لأقوال أهل اللغة كما في «الأساس» وغيره، وأما إطلاق الصوم على ترك الكلام في قوله تعالى حكاية عن قول عيسى: ﴿ فقولي إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسياً ﴾ [مريم: 26] فليس إطلاقاً للصوم على ترك الكلام ولكن المراد أن الصوم كان يتبعه ترك الكلام على وجه الكمال والفضل.
فالتعريف في الصيام في الآية تعريف العهد الذهني، أي كتب عليكم جنس الصيام المعروف.
وقد كان العرب يعرفون الصوم، فقد جاء في «الصحيحين» عن عائشة قالت: «كان يومُ عاشُوراءَ يوماً تصومه قريش في الجاهلية» وفي بعض الروايات قولها: «وكان رسول الله يصومه» وعن ابن عباس «لما هاجر رسول الله إلى المدينة وَجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فقال ما هذا، فقالوا: هذا يومٌ نجَّى الله فيه موسى، فنحن نصومه فقال رسول الله: نحن أحق بموسى منكم فصام وأمر بصومه» فمعنى سؤاله هو السؤال عن مقصد اليهود من صومه لا تعرف أصل صومه، وفي حديث عائشة «فلما نزل رمضان كان رمضان الفريضة وقال رسول الله من شاء صام يوم عاشوراء ومن شاء لم يصمه» فوجب صوم يوم عاشوراء بالسنة ثم نسخ ذلك بالقرآن فالمأمور به صوم معروف زيدت في كيفيته المعتبرة شرعاً قيودُ تحديد أحواله وأوقاته بقوله تعالى: ﴿ فالئن باشروهن إلى قوله حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ﴾ [البقرة: 187] وقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ [البقرة: 185] الآية، ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفر فعدةٌ من أيام أُخر ﴾ [البقرة: 185] وبهذا يتبين أن في قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ إجمالاً وقع تفصيله في الآيات بعده.
فحصل في صيام الإسلام ما يخالف صيام اليهود والنصارى في قيود ماهية الصيام وكيفيتها، ولم يكن صيامنا مماثلاً لصيامهم تمام المماثلة.
فقوله: ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيهُ يكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيهم أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه: أحدها الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها.
وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم.
إن المسلمين كانوا يتنافسون في العبادات كما ورد في الحديث «أنَّ نَاساً من أصحاب رسول الله قالوا يا رسول الله ذهب أهلُ الدُّثُور بالأجُور يُصلُّون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم» الحديث ويحبون التفضيل على أهل الكتاب وقطع تفاخر أهل الكتاب عليهم بأنهم أهل شريعة قال تعالى: ﴿ أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاء بينة من ربكم وهدى ورحمة ﴾ [الأنعام: 156، 157].
فلا شك أنهم يغتبطون أمر الصوم وقد كان صومهم الذي صاموه وهو يوم عاشوراء إنما اقتدَوا فيه باليهود، فهم في ترقب إلى تخصيصهم من الله بصوم أُنُففٍ، فهذه فائدة التشبيه لأهل الهمم من المسلمين إذا ألحقهم الله بصالح الأمم في الشرائع العائدة بخير الدنيا والآخرة قال تعالى: ﴿ وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ﴾ [المطففين: 26].
والغرض الثاني أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبى العهد بالإسلام، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده: ﴿ أياماً معدودات ﴾ .
والغرض الثالث إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة.
ووقع وبي بكر بن العربي في «العارضة» قوله: «كانَ من قول مالِككٍ في كيفية صيامنا أنه كان مثل صيام مَن قبلنا وذلك معنى قوله: ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ ، وفيه بحث سنتعرض له عند تفسير قوله تعالى: ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ [البقرة: 187].
فهذه الآية شرعت وجوب صيام رمضان، لأن فعل ﴿ كتب ﴾ يدل على الوجوب، وابتداء نزول سورة البقرة كان في أول الهجرة كما تقدم فيكون صوم عاشوراء تقدم عاماً ثم فُرض رمضان في العام الذي يليه وفي «الصحيح» أن النبي صلى الله عليه وسلم صام تسع رمضانات فلا شك أنه صام أول رمضان في العام الثاني من الهجرة ويكون صوم عاشوراء قد فرض عاماً فقط وهو أول العام الثاني من الهجرة.
والمراد بالذين من قبلكم من كان قيل المسلمين من أهل الشرائع وهم أهل الكتاب أعني اليهود؛ لأنهم الذين يعرفهم المخاطبون ويعرفون ظاهر شؤونهم وكانوا على اختلاط بهم في المدينة وكان لليهود صوم فرضه الله عليهم وهو صوم اليوم العاشر من الشهر السابع من سنتهم وهو الشهر المسمى عندهم (تِسْرِي) يبتدئ الصوم من غروب اليوم التاسع إلى غروب اليوم العاشر وهو يوم كفارة الخطايا ويسمونه (كَبُّور) ثم إن أحبارهم شرعوا صوم أربعة أيام أخرى وهي الأيام الأُوَل من الأَشْهرِ الرابععِ والخامِس والسابععِ والعاشِر من سنتهم تذكاراً لوقائع بيت المقدس وصوم يوم (بُورِيمْ) تذكاراً لنجاتهم من غصب ملك الأعاجم (أحشويروش) في واقعة (استيرَ)، وعندهم صوم التطوع، وفي الحديث: «أحب الصيام إلى الله صيامُ داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً»، أَما النصارى فليس في شريعتهم نص على تشريع صوم زائد على ما في التوراة فكانوا يتبعون صوم اليهود وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس: «قالوا يا رسول الله إن يوم عاشوراء تعظمه اليهود والنصارى»، ثم إن رهبانهم شرعوا صوم أربعين يوماً اقتداء بالمسيح؛ إذ صام أربعين يوماً قبل بعثته، ويُشرع عندهم نذر الصوم عند التوبة وغيرها، إلاّ أنهم يتوسعون في صفة الصوم، فهو عندهم ترك الأقوات القوية والمشروبات، أو هو تناول طعام واحد في اليوم يجوز أن تلحقه أكلة خفيفة.
وقوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع، فهو في قوة المفعول لأجله لكُتب.
و(لَعَل) إما مستعارة لمعنى كي استعارة تبعية، وإما تمثيلية بتشبيه شأن الله؛ في إرادته من تشريع الصوم التقوى بحال المترجي من غيره فعلاً ما، والتقوى الشرعية هي اتقاء المعاصي، وإنما كان الصيام موجباً لاتقاء المعاصي، لأن المعاصي قسمان، قسم ينجع في تركه التفكر كالخمر والميسر والسرقة والغصْب فتركُه يحصل بالوعد على تركه والوعيد على فعله والموعظة بأحوال الغير، وقسم ينشأ من دواع طبيعية كالأمور الناشئة عن الغضب وعن الشهوة الطبيعية التي قد يصعب تركها بمجرد التفكر، فجعل الصيام وسيلة لاتقائها، لأنه يُعَدِّل القوى الطبيعية التي هي داعية تلك المعاصي، ليرتقي المسلم به عن حضيض الانغماس في المادة إلى أَوج العالَم الرُّوحاني، فهو وسيلة للارتياض بالصفات الملكية والانتفاض من غبار الكدرات الحيوانية.
وفي الحديث الصحيح «الصَّوْمُ جُنَّة» أي وقاية ولما تُرك ذكر متعلَّق جُنَّة تعيَّن حمله على ما يصلح له من أصناف الوقاية المرغوبة، ففي الصوم وقاية من الوقوع في المآثم ووقاية من الوقوع في عذاب الآخرة، ووقاية من العِلل والأدْواء الناشئة عن الإفراط في تناول اللذات.
وقوله تعالى: ﴿ أياماً معدودات ﴾ ظرف للصيام مثل قولك الخروج يوم الجمعة، ولا يضر وقوع الفصل بين ﴿ الصيام ﴾ وبين ﴿ أياماً ﴾ وهو قوله: ﴿ كما كتب ﴾ إلى ﴿ تتقون ﴾ لأن الفصل لم يكن بأجنبي عند التحقيق، إذ الحال والمفعول لأجله المستفاد من (لعلَّ) كل ذلك من تمام عامل المفعول فيه وهو قوله صيام، ومن تمام العامللِ في ذلك العامل وهو ﴿ كُتب ﴾ فإن عامل العامل في الشيء عامل في ذلك الشيء ولجواز الفصل بالأجنبي إذا كان المعمول ظرفاً، لاتساعهم في الظروف وهذا مختار الزجاج والزمخشري والرضي، ومَرجع هذه المسألة إلى تجنب تشتيت الكلام باختلال نظامه المعروف، تجنباً للتعقيد المخل بالفصاحة.
والغالبُ على أحوال الأمم في جاهليتها وبخاصة العرب هو الاستكثار من تناول اللذات من المآكل والخمور ولهو النساء والدعة، وكل ذلك يوفر القُوى الجسمانيةَ والدموية في الأجساد، فتقوى الطبائع الحيوانية التي في الإنسان من القوة الشهوية والقوة الغضبية.
وتطغَيَان على القوة العاقلة، فجاءت الشرائع بشرع الصيام، لأنه يفي بتهذيب تلك القوى، إذ هو يمسك الإنسان عن الاستكثار من مثيرات إفراطها، فتكون نتيجتُه تعديلَها في أوقات معينة هي مظنة الاكتفاء بها إلى أوقات أخرَى.
والصوم بمعنى إقلال تناول الطعام عن المقدار الذي يبلغ حد الشبع أو ترككِ بعض المأكل: أصل قديم من أصول التقوى لدى المليين ولدى الحكماء الإشراقيين، والحكمة الإشراقية مبناها على تزكية النفس بإزالة كدرات البهيمية عنها بقدر الإمكان، بناء على أن للإنسان قوتين: إحداهما رُوحانية مُنبثة في قرارتها من الحواس الباطنية، والأخرى حيوانية منبثة في قرارتها من الأعضاء الجسمانية كلها، وإذ كان الغذاء يخلف للجسد ما يضيعه من قوته الحيوانية إضاعةً تنشأ عن العمل الطبيعي للأعضاء الرئيسية وغيرها، فلا جرم كانت زيادة الغذاء على القدر المُحتاج إليه توفر للجسم من القوة الحيوانية فوق ما يحتاجه وكان نقصانه يقَتِّر عليه منها إلى أن يبلغ إلى المقدار الذي لا يمكن حفظ الحياة بدونه، وكان تغلب مظهر إحدى القوتين بمقدار تضاؤل مظهر القوة الأخرى، فلذلك وجدوا أن ضعف القوة الحيوانية يقلل معمولَها فتتغلب القوة الروحانية على الجسد ويتدرج به الأمر حتى يصير صاحب هذه الحال أقرب إلى الأرواح والمجردات منه إلى الحيوان، بحيث يصير لا حَظَّ له في الحيوانية إلاّ حياة الجسم الحافظة لبقاء الروح فيه، ولذلك لزم تعديل مقدار هذا التناقص بكيفية لا تفضي إلى اضمحلال الحياة، لأن ذلك يضيع المقصود من تزكية النفس وإعدادِها للعوالم الأخروية، فهذا التعادل والترجيح بين القوتين هو أصل مشروعية الصيام في الملل ووضعيته في حكمة الإشراق، وفي كيفيته تختلف الشرائع اختلافاً مناسباً للأحوال المختصة هي بها بحيث لا يفيت المقصد من الحياتين، ولا شك أن أفضل الكيفيات لتحصيل هذا الغرض من الصيام هو الكيفيَّة التي جاء بها الإسلام.
قيل في «هياكل النور» «النفوس الناطقة من جوهر الملكوت إنما شغلها عن عالمها القُوى البدنيةُ ومشاغلتها، فإذا قويت النفس بالفضائل الروحانية وضعف سلطان القوى البدنية بتقليل الطعام وتكثير السهر تتخلص أحياناً إلى عالم القدس وتتصل بأبيها المقدس وتتلقّى منه المعارف»، فمِنَ الصوم ترك البراهمة أكل لحوم الحيوان والاقتصار على النبات أو الألبان، وكان حكماء اليونان يرتاضون على إقلال الطعام بالتدريج حتى يعتادوا تركه أياماً متوالية، واصطلحوا على أن التدريج في إقلال الطعام تدريجاً لا يخشى منه انخرام صحة البدن أن يَزِن الحكيم شبعهُ من الطعام بأعواد من شجر التين رطبة ثم لا يجددها فيَزن بها كل يوم طعامه لا يزيد على زِنّتها وهكذا يستمر حتى تبلغ من اليبس إلى حد لا يُبس بعده فتكون هي زنة طعام كل يوم.
وفي «حكمة الإشراق» للسهروردي «وقبل الشروع في قراءة هذا الكتاب يرتاض أربعين يوماً تاركاً للحوم الحيوانات مقللاً للطعام منقطعاً إلى التأمل لنور الله اه».
وإذ قد كان من المتعذر على الهيكل البشري بما هو مُسْتَوْدَعُ حياةٍ حيوانية أن يتجرد عن حيوانيته، فمن المتعذر عليه الانقطاع البات عن إمداد حيوانيته بمطلوباتها فكان من اللاّزم لتطلب ارتقاء نفسه أن يتدرج به في الدرجات الممكنة من تهذيب حيوانيته وتخليصه من التوغل فيها بقدر الإمكان، لذلك كان الصوم أهم مقدمات هذا الغرض، لأن فيه خصلتين عظيمتين؛ هما الاقتصاد في إمداد القوى الحيوانية وتعود الصبر بردها عن دواعيها، وإذ قد كان البلوغ إلى الحد الأتم من ذلك متعذراً كما علمت، حاول أساطين الحكمة النفسانية الإِقلال منه، فمنهم من عالج الإقلال بنقص الكميات وهذا صوم الحكماء، ومنهم من حاوله من جانب نقص أوقات التمتع بها وهذا صوم الأَديان وهو أبلغ إلى القصد وأظْهر في ملكة الصبر، وبذلك يحصل للإِنسان دُربة على ترك شهواته، فيتأهل للتخلق بالكمال فإن الحائل بينه وبين الكمالات والفضائل هو ضعف التحمل للانصراف عن هواه وشهواته: إذَا المرء لم يَتْرُك طعاماً يُحِبُّه *** ولم يَنْهَ قلباً غاوياً حيث يمما فيُوشك أن تلقَى له الدهرَ سُبَّةً *** إذا ذُكِرتْ أمثالُها تَمْلأُ الفما فإن قلت: إذا كان المقصد الشرعي من الصوم ارتياضَ النفس على ترك الشهوات وإثارةَ الشعور بما يلاقيه أهلُ الخصاصة من ألم الجوع، واستشعارَ المساواة بين أهل الجِدة والرفاهية وأهللِ الشظف في أصول الملذات بني الفريقين من الطعام والشراب واللهو، فلماذا اختلفت الأديان الإلهية في كيفية الصيام ولماذا التزمت الديانة الإسلامية في كيفيته صورة واحدة، ولم تَكِل ذلك إلى المسلم يتخذ لإِراضة نفسه ما يراه لائقاً به في تحصيل المقاصد المرادة؟.
قلت: شأن التعليم الصالح أن يَضبط للمتعلم قواعدَ وأساليبَ تبلغ به إلى الثمرة المطلوبة من المعارف التي يزاولها فإن مُعَلم الرياضة البدنية يضبط للتعلم كيفيات من الحركات بأعضائه وتطور قامته انتصاباً وركوعاً وقرْفصاء، بعض ذلك يثمر قوة عضلاته وبعضها يثمر اعتدال الدورة الدموية وبعضها يثمر وظائف شرايينه، وهي كيفيات حددها أهل تلك المعرفة وأَدْنَوْا بها حصول الثمرة المطلوبة، ولو وُكل ذلك للطالبين لذهبت أوقات طويلة في التجارب وتعددت الكيفيات بتعدد أفهام الطالبين واختيارهم وهذا يدخل تحت قوله تعالى: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ [البقرة: 185].
والمراد بالأيام من قوله: ﴿ أياماً معدودات ﴾ شهر رمضان عند جمهور المفسرين، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضاً؛ تهوينا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة؛ لأن الشيء القليل يعد عدا؛ ولذلك يقولون: الكثير لا يعد، ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر.
قال أبو حيان عند قوله تعالى الآتي بعده: ﴿ من أيام أخر ﴾ [البقرة: 185] صفة الجمع الذي لا يعقل تارة تعامل معاملة الواحدة المؤنثة، نحو قوله تعالى: ﴿ إلا أياماً معدودة ﴾ [البقرة: 80] وتارة تعامل معاملة جمع المؤنث نحو: ﴿ أياماً معدودات ﴾ فمعدودات جمع لمعدودة، وأنت لا تقول يوم معدودة وكلا الاستعمالين فصيح، ويظهر أنه ترك فيه تحقيقاً وذلك أن الوجه في الوصف الجاري على جمع مذكر إذا أنثوه أن يكون مؤنثاً مفرداً، لأن الجمع قد أول بالجماعة والجماعة كلمة مفردة وهذا هو الغالب، غير أنهم إذا أرادوا التنبيه على كثرة ذلك الجمع أجروا وصفه على صيغة جمع المؤنث ليكون في معنى الجماعات وأن الجمع ينحل إلى جماعات كثيرة، ولذلك فأنا أرى أن معدودات أكثر من معدودة ولأجل هذا قال تعالى: ﴿ وقالوا لن تمسسنا النار إلا أياماً معدودة ﴾ [البقرة: 80] لأنهم يقللونها غروراً أو تغريراً، وقال هنا ﴿ معدودات ﴾ لأنها ثلاثون يوماً، وقال في الآية الآتية: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ [البقرة: 197] وهذا مثل قوله في جمع جمل ﴿ جمالات ﴾ [المرسلات: 33] على أحد التفسيرين وهو أكثر من جمال، وعن المازني أن الجمع لما لا يعقل يجيء الكثير منه بصيغة الواحدة المؤنثة تقول: الجذوع انكسرت والقليل منه يجيء بصيغة الجمع تقول: الأجذاع انكسرن اه وهو غير ظاهر.
وقيل المراد بالأيام غير رمضان بل هي أيام وجب صومها على المسلمين عندما فرض الصيام بقوله: ﴿ أياماً معدودات ﴾ ثم نسخ صومها بصوم رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر وهي أيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وإليه ذهب معاذ وقتادة وعطاء ولم يثبت من الصوم المشروع للمسلمين قبل رمضان إلاّ صوم يوم عاشوراء كما في «الصحيح» وهو مفروض بالسنة، وإنما ذكر أن صوم عاشوراء والأيام البيض كان فرضاً على النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت رواية، فلا يصح كونها المراد من الآية لا لفظاً ولا أثراً، على أنه قد نسخ ذلك كله بصوم رمضان كما دل عليه حديث السائل الذي قال: " لا أزيد على هذا ولا أنقص منه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أفلح إن صدق ".
تعقيب لحكم العزيمة بحكم الرخصة، فالفاء لتعقيب الأخبار لا للتفريع، وتقديمه هنا قبل ذكر بقية تقدير الصوم تعجيل بتطمين نفوس السامعين لئلا يظنوا وجوب الصوم عليهم في كل حال.
والمريض من قام به المرض وهو انحراف المزاج عن حد الاعتدال الطبيعي بحيث تثور في الجسد حمى أو وجع أو فشل.
وقد اختلف الفقهاء في تحديد المرض الموجب للفطر، فأما المرض الغالب الذي لا يستطيع المريض معه الصوم بحال بحيث يخشى الهلاك أو مقاربته فلا خلاف بينهم في أنه مبيح للفطر بل يوجب الفطر، وأما المرض الذي دون ذلك فقد اختلفوا في مقداره فذهب محققو الفقهاء إلى أنه المرض الذي تحصل به مع الصيام مشقة زائدة على مشقة الصوم للصحيح من الجوع والعطش المعتادين، بحيث يسبب له أوجاعاً أو ضعفاً منهكاً أو تعاوده به أمراض ساكنة أو يزيد في انحرافه إلى حد المرض أو يخاف تمادي المرض بسببه.
وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي على تفاوت بينهم في التعبير، وأعدل العبارات ما نقل عن مالك؛ لأن الله أطلق المرض ولم يقيده، وقد علمنا أنه ما أباح للمريض الفطر إلاّ لأن لذلك المرض تأثيراً في الصائم، ويكشف ضابط ذلك قول القرافي في الفرق الرابع عشر إذ قال: «إن المشاق قسمان: قسم ضعيف لا تنفك عنه تلك العبادة كالوضوء والغسل في زمن البرد وكالصوم، وكالمخاطرة بالنفس في الجهاد، وقسم هو ما تنفك عنه العبادة وهذا أنواع: نوع لا تأثير له في العبادة كوجع أصبع، فإن الصوم لا يزيد وجع الأصبع وهذا لا التفات إليه، ونوع له تأثير شديد مع العبادة كالخوف على النفس والأعضاء والمنافع وهذا يوجب سقوط تلك العبادة، ونوع يقرب من هذا فيوجب ما يوجبه».
وذهب ابن سيرين وعطاء والبخاري إلى أن المرض وهو الوجع والاعتلال يسوغ الفطر ولو لم يكن الصوم مؤثراً فيه شدة أو زيادة؛ لأن الله تعالى جعل المرض سبب الفطر كما جعل السفر سبب الفطر من غير أن تدعو إلى الفطر ضرورة كما في السفر، يريدون أن العلة هي مظنة المشقة الزائدة غالباً، قيل دخل بعضهم على ابن سيرين في نهار رمضان وهو يأكل فلما فرغ قال: إنه وجعتني أصبعي هذه فأفطرت، وعن البخاري قال: اعتللت بنيسابور علة خفيفة في رمضان فعادني إسحاق بن راهويه في نفر من أصحابه فقال لي: أفطرت يا أبا عبد الله قلت: نعم أخبرنا عبدان عن ابن المبارك عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: من أي المرض أفطر؟
قال: من أي مرض كان كما قال الله تعالى: ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ وقيل: إذا لم يقدر المريض على الصلاة قائماً أفطر، وإنما هذه حالة خاصة تصلح مثالاً ولا تكون شرطاً، وعزي إلى الحسن والنخعي ولا يخفى ضعفه؛ إذ أين القيام في الصلاة من الإفطار في الصيام، وفي هذا الخلاف مجال للنظر في تحديد مدى الانحراف والمرض المسوغين إفطار الصائم، فعلى الفقيه الإحاطة بكل ذلك ونقربه من المشقة الحاصلة للمسافر وللمرأة الحائض.
وقوله: ﴿ أو على سفر ﴾ أي أو كان بحالة السفر وأصل (على) الدلالة على الاستعلاء ثم استعملت مجازاً في التمكن كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ على هدى من ربهم ﴾ [البقرة: 5] ثم شاع في كلام العرب أن يقولوا فلان على سفر أي مسافر ليكون نصاً في التلبس، لأن اسم الفاعل يحتمل الاستقبال فلا يقولون على سفر للعازم عليه وأما قول ...
*** ماذَا على البدر المحجَّببِ لو سَفَر إِن المعذَّب في هواه على سفر *** أراد أنه على وشك الممات فخطأ من أخطاء المولدين في العربية، فنبه الله تعالى بهذا اللفظ المستعمل في التلبس بالفعل، على أن المسافر لا يفطر حتى يأخذ في السير في السفر دون مجرد النية، والمسألة مختلف فيها فعن أنس بن مالك أنه أراد السفر في رمضان فرُحِّلتْ دابتُه وَلِبسَ ثياب السفر وقد تقارب غروب الشمس فدعا بطعام فأكل منه ثم رَكِب وقال: هذه السنة، رواه الدارقطني، وهو قول الحسن البصري، وقال جماعة: إذا أصبح مقيماً ثم سافر بعد ذلك فلا يفطر يومه ذلك وهو قول الزهري، ومالك والشافعي والأوزاعي وأبي حنيفة وأبي ثور، فإن أفطر فعليه القضاء دون الكفارة، وبالغ بعض المالكية فقال: عليه الكفارة وهو قول ابن كنانة والمخزومي، ومن العجب اختيار ابن العربي إياه، وقال أبو عمر بن عبد البر: ليس هذا بشيء لأن الله أباح له الفطر بنص الكتاب، ولقد أجاد أبو عمر، وقال أحمد وإسحاق والشَّعْبي: يفطر إذا سافر بعد الصبح ورووه عن ابن عمر وهو الصحيح الذي يشهد له حديث ابن عباس في «صحيحي البخاري ومسلم» «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فصام حتى بلغ عُسْفَانَ ثم دعا بماء فرفعه إلى يديه ليُرِيَه فأَفْطَرَ حتى قدِم مكة» قال القرطبي: وهذا نص في الباب فسقط ما يخالفه.
وإنما قال تعالى: ﴿ فعدة من أيام أُخر ﴾ ولم يقل: فصيام أيام أخر، تنصيصاً على وجوب صوم أيام بعدد أيام الفطر في المرض والسفر؛ إذ العدد لا يكون إلاّ على مقدار مماثل.
فمن للتبعيض إن اعتبر أيام أعم من أيام العدة أي من أيام الدهر أو السنة، أو تكون من تمييز عدة أي عدة هي أيام مثل قوله: ﴿ بخمسة ألف من الملائكة ﴾ [آل عمران: 125].
ووصف الأيام بأُخر وهو جمع الأُخرى اعتباراً بتأنيث الجمع؛ إذ كل جمع مؤنث، وقد تقدم ذلك في قوله تعالى آنفاً ﴿ أياماً معدودات ﴾ قال أبو حيَّان: واختير في الوصف صيغة الجمع دون أن يقال أخرى لئلا يظن أنه وصف لعدة، وفيه نظر؛ لأن هذا الظن لا يوقع في لَبس؛ لأن عدة الأيام هي أيام فلا يعتني بدفع مثل هذا الظن، فالظاهر أن العدول عن أخرى لمراعاة صيغة الجمع في الموصوف مع طلب خفة اللفظ.
ولفظ (أخر) ممنوع من الصرف في كلام العرب.
وعلل جمهور النحويين منعه من الصرف على أصولهم بأن فيه الوصفية والعدل، أما الوصفية ظاهرة وأما العدل فقالوا: لما كان جمع آخَر ومفرده بصيغة اسم التفضيل وكان غير معرَّف باللام كان حقه أن يلزم الإفرادَ والتذكير جريا على سَنن أصله وهو اسم التفضيل إذا جرد من التعريف باللام ومن الإضافة إلى المعرفة أَنه يَلزَمُ الإفرادَ والتذكير فلما نطقَ به العرب مطابقاً لموصوفه في التثنية والجمع علمنا أنهم عدلوا به عن أصله (والعدول عن الأصل يوجب الثقل على اللسان؛ لأنه غير معتاد الاستعمال) فخففوه لمنعه من الصرف وكأنهم لم يفعلوا ذلك في تثنيته وجمعه بالألف والنون لقلة وقوعهما، وفيه ما فيه.
ولم تبين الآية صفة قضاء صوم رمضان، فأطلقت (عدة من أيام أخر)، فلم تبين أتكون متتابعة أم يجوز تفريقها؟
ولا وجوبَ المبادرة بها أو جوازَ تأخيرها، ولا وجوبَ الكفارة على الفطر متعمداً في بعض أيام القضاء، ويتجاذب النظر في هذه الثلاثة دليلُ التمسك بالإطلاق لعدم وجود ما يقيده كما يتمسك بالعام إذا لم يظهر المخصص، ودليل أن الأصل في قضاء العبادة أن يكون على صفة العبادة المقضية.
فأما حكم تتابع أيام القضاء، فروى الدارقطني بسند صحيح قالت عائشة نزلت ﴿ فعدة من أيام أُخر متتابعات ﴾ متتابعات فسقطت متتابعات، تريد نسخت وهو قول الأئمة الأربعة وبه قال من الصحابة أبو هريرة، وأبو عبيدة، ومعاذ بن جبل، وابن عباس، وتلك رخصة من الله، ولأجل التنبيه عليها أطلق قوله: ﴿ من أيام أُخر ﴾ ولم يقيد بالتتابع كما قال في كفارة الظهار وفي كفارة قتل الخطأ.
فلذلك ألغى الجمهور إعمال قاعدة جريان قضاء العبادة على صفة المقضي ولم يقيدوا مطلق آية قضاء الصوم بما قُيِّدَت به آية كفارة الظهار وكفارة قتل الخطأ.
وفي «الموطأ» عن ابن عمر أنه يقول: يصوم قضاء رمضان متتابعاً من أفطره من مرض أو سفر، قال الباجي في «المنتقى»: يحتمل أن يريد به الوجوب وأن يريد الاستحباب.
وأما المبادرة بالقضاء، فليس في الكتاب ولا في السنة ما يقتضيها، وقوله هنا: ﴿ فعدة من أيام أُخر ﴾ مراد به الأمر بالقضاء، وأصل الأمر لا يقتضي الفور، ومضت السنة على أن قضاء رمضان لا يجب فيه الفور بل هو موسَّع إلى شهر شعبان من السنة الموالية للشهر الذي أفطر فيه، وفي «الصحيح» عن عائشة قالت: يكون عليَّ الصوم من رمضان فما أستطيع أن أقضيه إلاّ في شعبان.
وهذا واضح الدلالة على عدم وجوب الفور، وبذلك قال جمهور العلماء وشذ داود الظاهري فقال: يشرع في قضاء رمضان ثاني يوم من شوال المعاقب له.
وأما من أفطر متعمداً في يوم من أيام قضاء رمضان فالجمهور على أنه لا كفارة عليه؛ لأن الكفارة شرعت حفظاً لحرمة شهر رمضان وليس لأيام القضاء حرمة وقال قتادة: تجب عليه الكفارة بناء على أن قضاء العبادة يساوي أصله.
عطف على قوله: ﴿ عليكم الصيام ﴾ والمعطوف بعض المعطوف عليه فهو في المعنى كبدل البعض أي وكتب على الذين يطيقونه فدية؛ فإن الذين يطيقونه بعض المخاطبين بقوله: ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ .
والمطيق هو الذي أطاق الفعل أي كان في طوقه أن يفعله، والطاقة أقرب درجات القدرة إلى مرتبة العجز، ولذلك يقولون فيما فوق الطاقة: هذا ما لا يطاق، وفسرها الفراء بالجَهد بفتح الجيم وهو المشقة، وفي بعض روايات «صحيح البخاري» عن ابن عباس قرأ: (وعلى الذين يُطَوَّقونه فلا يطيقونه).
وهي تفسير فيما أحسب، وقد صدر منه نظائر من هذه القراءة، وقيل الطاقة القدرة مطلقاً.
فعلى تفسير الإطاقة بالجَهد فالآية مراد منها الرخصة على من تشتد به مشقة الصوم في الإفطار والفِدْية.
وقد سمَّوا من هؤلاء الشيخَ الهرم والمرأةَ المرضعَ والحاملَ فهؤلاء يفطرون ويطعمون عن كل يوم يفطرونه وهذا قول ابن عباس وأنس بن مالك والحسن البصري وإبراهيم النخعي وهو مذهب مالك والشافعي، ثم من استطاع منهم القضاء قضى ومن لم يستطعه لم يقض مثل الهرم، ووافق أبو حنيفة في الفطر؛ إلاّ أنّه لم ير الفدية إلاّ على الهرم لأنه لا يقضي بخلاف الحامل والمرضع، ومرجع الاختلاف إلى أن قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ هل هي لأجل الفطر أم لأجل سقوط القضاء؟
والآية تحتملهما إلاّ أنها في الأول أظهر، ويؤيد ذلك فعل السلف، فقد كان أنس بن مالك حين هرم وبلغ عَشْراً بعد المائة يفطر ويطعم لكل يوم مسكيناً خبزاً ولحماً.
وعلى تفسير الطاقة بالقدرة فالآية تدل على أن الذي يقدر على الصوم له أن يعوضه بالإطعام، ولما كان هذا الحكم غير مستمر بالإجماع قالوا في حمل الآية عليه: إنها حينئذٍ تضمنت حكماً كان فيه توسعة ورخصة ثم انعقد الإجماع على نسخه، وذكر أهل الناسخ والمنسوخ أن ذلك فُرِض في أول الإسلام لما شق عليهم الصوم ثم نسخ بقوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ [البقرة: 185] ونقل ذلك عن ابن عباس وفي البخاري عن ابن عمر وسلَمةَ بن الأكْوَع نسختْها آية ﴿ شهر رمضان ﴾ [البقرة: 185] ثم أخرج عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم نَزَل رمضان فشق عليهم فكان من أطعم كل يوم مسكيناً تركَ الصوم من يطيقه ورخص لهم في ذلك فنسَختها: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ ، ورويت في ذلك آثار كثيرة عن التابعين وهو الأقرب من عادة الشارع في تدرج تشريع التكاليف التي فيها مشقة على الناس من تغيير معتادهم كما تدرج في تشريع منع الخمر.
ونلحق بالهرم والمرضع والحامل كلَّ من تلحقه مشقة أو توقُّع ضر مثلهم وذلك يختلف باختلاف الأمزجة واختلاف أزمان الصوم من اعتدال أو شدة برد أو حَر، وباختلاف أعمال الصائم التي يعملها لاكتسابه من الصنائع كالصائغ والحدَّاد والحمامي وخدمة الأرض وسير البريد وحَمْل الأمتعة وتعبيد الطرقات والظِّئْرِ.
وقد فسرت الفدية بالإطعام إما بإضافة المبيَّن إلى بيانه كما قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو جعفر: (فديةُ طعام مساكين)، بإضافة فدية إلى طعام، وقرأه الباقون بتنوين (فدية) وإبدال (طعام) من (فدية).
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر (مساكين) بصيغة الجمع جمع مسكين، وقرأه الباقون بصيغة المفرد، والإجماع على أن الواجب إطعام مسكين، فقراءة الجمع مبنية على اعتبار جَمْع الذين يطيقونه من مقابلة الجمع بالجمع مثل ركب الناس دوابهم، وقراءة الإفراد اعتبار بالواجب على آحاد المفطرين.
والإطعام هو ما يشبع عادةً من الطعام المتغذى به في البلد، وقدره فقهاء المدينة مُدّاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم من بُرّ أو شعير أو تمر.
تفريع على قوله: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ الخ، والتطوع: السعي في أن يكون طائعاً غير مكره أي طاع طوعاً من تلقاء نفسه.
والخير مصدر خار إذا حَسُن وشَرُف وهو منصوب لتضمين ﴿ تطوَّعَ ﴾ معنى أَتى، أو يكون ﴿ خيراً ﴾ صفةً لمصدر محذوف أي تطوعاً خيراً.
ولا شك أن الخير هنا متطوع به فهو الزيادة من الأمر الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن يكون المراد: فمن زاد على إطعام مسكيننٍ واحد فهو خير، وهذا قول ابن عباس، أو أن يكون: مَن أراد الإطعام مع الصيام، قاله ابن شهاب، وعن مجاهد: مَن زاد في الإطعام على المُدّ وهو بعيد؛ إذ ليس المُدّ مصرحاً به في الآية، وقد أطعم أنس بن مالك خبزاً ولحماً عن كل يوم أفطره حين شاخ.
و ﴿ خير ﴾ الثاني في قوله: ﴿ فهو خير له ﴾ يجوز أن يكون مصدراً كالأول ويكون المراد به خيراً آخر أي خير الآخرة.
ويجوز أن يكون خير الثاني تفضيلاً أي فالتطوع بالزيادة أفضل من تركها وحذف المفضل عليه لظهوره.
الظاهر رجوعه لقوله: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ فإن كان قوله ذلك نازلاً في إباحة الفطر للقادر فقوله: ﴿ وأن تصوموا ﴾ ترغيب في الصوم وتأنيس به، وإن كان نازلاً في إباحته لصاحب المشقة كالهَرِم فكذلك، ويحتمل أن يرجع إلى قوله: ﴿ ومن كان مريضاً ﴾ وما بعده، فيكون تفضيلاً للصوم على الفطر إلاّ أن هذا في السفر مختلف فيه بين الأئمة، ومذهب مالك رحمه الله أن الصوم أفضل من الفطر وأما في المرض ففيه تفصيل بحسب شدة المرض.
وقوله: ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ تذييل أي تَعْلَمون فوائدَ الصوم على رجوعه لقوله: ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ إن كان المراد بهم القادرين أي إن كنتم تعلمون فوائد الصوم دنيا وثوابَه أُخرى، أو إن كنتم تعلمون ثوابه على الاحتمالات الأخر.
وجيء في الشرط بكلمة (إنْ) لأن علمهم بالأمرين من شأنه ألاّ يكون محققاً؛ لخفاء الفائدتين.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ بِمَعْنى فُرِضَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، والصِّيامُ مِن كُلِّ شَيْءٍ الإمْساكُ عَنْهُ، ومِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ أيْ صَمْتًا، لِأنَّهُ إمْساكٌ عَنِ الكَلامِ، وذَمَّ أعْرابِيٌّ قَوْمًا فَقالَ: يَصُومُونَ عَنِ المَعْرُوفِ ويَقُصُّونَ عَلى الفَواحِشِ، وأصْلُهُ مَأْخُوذٌ مِن صِيامِ الخَيْلِ، وهو إمْساكُها عَنِ السَّيْرِ والعَلَفِ، قالَ النّابِغَةُ الذُّبْيانِيُّ: خَيْلٌ صِيامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صائِمَةٍ تَحْتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلُكُ اللُّجُما وَلِذَلِكَ قِيلَ لِقائِمِ الظَّهِيرَةِ: قَدْ صامَ النَّهارُ، لِإبْطاءِ الشَّمْسِ فِيهِ عَنِ السَّيْرِ، فَصارَتْ بِالإبْطاءِ كالمُمْسِكَةِ عَنْهُ، قالَ الشّاعِرُ: فَدَعْها وسُلَّ الهَمَّ عَنْكَ بِجَسْرَةٍ ∗∗∗ ذَمُولٍ إذا صامَ النَّهارُ وهَجَّرا إلّا أنَّ الصِّيامَ في الشَّرْعِ: إنَّما هو إمْساكٌ عَنْ مَحْظُوراتِ الصِّيامِ في زَمانِهِ، فَجَعَلَ الصِّيامَ مِن أوْكَدِ عِباداتِهِ وألْزَمِ فُرُوضِهِ، حَتّى رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ).» وإنَّما اخْتَصَّ الصَّوْمَ بِأنَّهُ لَهُ، وإنْ كانَ كُلُّ العِباداتِ لَهُ، لِأمْرَيْنِ بايَنَ الصَّوْمُ بِهِما سائِرَ العِباداتِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ مَنعٌ مِن مَلاذِّ النَّفْسِ وشَهَواتِها، ما لا يَمْنَعُ مِنهُ سائِرُ العِباداتِ.
والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ سِرٌّ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ لا يَظْهَرُ إلّا لَهُ، فَلِذَلِكَ صارَ مُخْتَصًّا بِهِ، وما سِواهُ مِنَ العِباداتِ ظاهِرٌ، رُبَّما فَعَلَهُ تَصَنُّعًا ورِياءً، فَلِهَذا صارَ أخَصَّ بِالصَّوْمِ مِن غَيْرِهِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُمُ النَّصارى، وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ والرَّبِيعِ وأسْباطٍ.
والثّانِي: أنَّهم أهْلُ الكِتابِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم جَمِيعُ النّاسِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
واخْتَلَفُوا في مَوْضِعِ التَّشْبِيهِ بَيْنَ صَوْمِنا، وصَوْمِ الَّذِينَ مِن قَبْلِنا، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّشْبِيهَ في حُكْمِ الصَّوْمِ وصِفَتِهِ، لا في عَدَدِهِ لِأنَّ اليَهُودَ يَصُومُونَ مِنَ العَتَمَةِ إلى العَتَمَةِ، ولا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا، وكانَ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ، لا يَأْكُلُونَ بَعْدَ النَّوْمِ شَيْئًا حَتّى كانَ مِن شَأْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وأبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ ما كانَ، فَأجَّلَ اللَّهُ تَعالى لَهُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ، وهَذا قَوْلُ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (بَيْنَ صَوْمِنا وصَوْمِ أهْلِ الكِتابِ أكْلَةُ السَّحَرِ)» .
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ التَّشْبِيهَ في عَدَدِ الصَّوْمِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ النَّصارى كانَ اللَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صِيامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا كَما فَرَضَ عَلَيْنا، فَكانَ رُبَّما وقَعَ في القَيْظِ، فَجَعَلُوهُ في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، ثُمَّ كَفَّرُوهُ بِصَوْمِ عِشْرِينَ يَوْمًا زائِدَةٍ، لِيَكُونَ تَمْحِيصًا لِذُنُوبِهِمْ وتَكْفِيرًا لِتَبْدِيلِهِمْ، وهَذا قَوْلُ الشَّعْبِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُمُ اليَهُودُ كانَ عَلَيْهِمْ صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ يَوْمِ عاشُوراءَ، وثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، فَكانَ عَلى ذَلِكَ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى أنْ نُسِخَ بِصَوْمِ رَمَضانَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أوَّلَ ما نُسِخَ شَأْنُ القِبْلَةِ والصِّيامُ الأوَّلُ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لَعَلَّكم تَتَّقُونَ ما حُرِّمَ عَلَيْكم في الصِّيامِ، مِن أكْلِ الطَّعامِ، وشُرْبِ الشَّرابِ، ووَطْءِ النِّساءِ، وهو قَوْلُ أبِي جَعْفَرٍ الطَّبَرِيِّ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّ الصَّوْمَ سَبَبٌ يَؤُولُ بِصاحِبِهِ إلى تَقْوى اللَّهِ، لِما فِيهِ مِن قَهْرِ النَّفْسِ، وكَسْرِ الشَّهْوَةِ، وإذْهابِ الأشَرِ، وهو مَعْنى قَوْلِ الزَّجّاجِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها أيّامُ شَهْرِ رَمَضانَ الَّتِي أبانَها مِن بَعْدُ، وهو قَوْلُ ابْنِ أبِي لَيْلى وجُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
والثّانِي: أنَّها صِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، كانَتْ مَفْرُوضَةً قَبْلَ صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ وعَطاءٍ، وهي الأيّامُ البِيضُ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وفِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الثّانِيَ عَشَرَ وما يَلِيهِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّها الثّالِثَ عَشَرَ وما يَلِيهِ، وهو أظْهَرُ الوَجْهَيْنِ، لِأنَّ أيّامَ الشَّهْرِ مُجَزَّأةٌ عِنْدَ العَرَبِ عَشَرَةَ أجْزاءٍ، كُلُّ جُزْءٍ مِنها ثَلاثَةُ أيّامٍ، تَخْتَصُّ بِاسْمٍ، فَأوَّلُها ثَلاثٌ غُرَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ شُهَبٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بُهَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ عُشَرٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ بِيضٌ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُرَعٌ، والدَّرَعُ هو سَوادُ مُقَدَّمِ الشّاةِ، وبَياضُ مُؤَخَّرِها، فَقِيلَ لِهَذِهِ الثَّلاثِ دُرَعٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَغِيبُ في أوَّلِها، فَيَصِيرُ لَيْلُها دَرْعًا، لِسَوادِ أوَّلِهِ، وبَياضِ آخِرِهِ، ثُمَّ ثَلاثٌ خُنَّسٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَخْنِسُ فِيها، أيْ يَتَأخَّرُ، ثُمَّ ثَلاثٌ دُهَمٌ، وقِيلَ: حَنادِسُ لِإظْلامِها، ثُمَّ ثَلاثٌ فُحَمٌ، لِأنَّ القَمَرَ يَتَفَحَّمُ فِيها، أيْ يَطْلُعُ آخِرَ اللَّيْلِ، ثُمَّ ثَلاثٌ رادِّي، وهي آخِرُ الشَّهْرِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الرّادَّةِ، أنْ تُسْرِعَ نَقْلَ أرْجُلِها حَتّى تَضَعَها في مَوْضِعِ أيْدِيها.
وَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ، وابْنُ الأعْرابِيِّ، أنَّهم جَعَلُوا لِلْقَمَرِ في كُلِّ لَيْلَةٍ مِن لَيالِي العَشْرِ اسْمًا، فَقالُوا: لَيْلَةٌ عَتَمَةٌ سُخَيْلَةْ حَلَّ أهْلُها بِرُمَيْلَةْ، وابْنُ لَيْلَتَيْنِ حَدِيثُ مَيْنٍ مُكَذَّبٌ ومُبِينٌ، ورَواهُ ابْنُ الأعْرابِيِّ: كَذِبٍ ومَيْنٍ، وابْنُ ثَلاثٍ قَلِيلُ اللَّباثِ، وابْنُ أرْبَعٍ عَتَمَةُ رُبَعٍ لا جائِعٌ ولا مُرْضَعٌ، وابْنُ خَمْسٍ حَدِيثٌ وأُنْسٌ، وابْنُ سِتٍّ سِرْ وبِتْ، وابْنُ سَبْعٍ دُلْجَةُ الضَّبُعِ، وابْنُ ثَمانٍ قَمَرٌ إضْحِيانٌ، وابْنُ تِسْعٍ انْقَطَعَ الشِّسْعُ.
وَفي رِوايَةِ غَيْرِ أبِي زَيْدٍ: يُلْتَقَطُ فِيهِ الجِزْعُ، وابْنُ عَشْرٍ ثُلُثُ الشَّهْرِ، عَنْ أبِي زَيْدٍ وعَنْ غَيْرِهِ، ولَمْ يُجْعَلْ لَهُ فِيما زادَ عَنِ العَشْرِ اسْمًا مُفْرَدًا.
واخْتَلَفُوا في الهِلالِ مَتى يَصِيرُ قَمَرًا، فَقالَ قَوْمٌ: يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى ثَلاثٍ، ثُمَّ يُسَمّى بَعْدَها قَمَرًا، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا حَتّى يُحَجِّرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخَطَّةٍ دَقِيقَةٍ، وهو قَوْلُ الأصْمَعِيِّ، وقالَ آخَرُونَ: يُسَمّى هِلالًا إلى أنْ يَبْهَرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، فَإذا بَهَرَ ضَوْؤُهُ يُسَمّى قَمَرًا، وهَذا لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلَةِ السّابِعَةِ.
[ثُمَّ عُدْنا إلى تَفْسِيرِ ما بَقِيَ مِنَ الآيَةِ].
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ يَعْنِي مَرِيضًا لا يَقْدِرُ مَعَ مَرَضِهِ عَلى الصِّيامِ، أوْ عَلى سَفَرٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ في سَفَرِهِ الصِّيامُ.
﴿ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ مَعَ وُجُودِ السَّفَرِ، يَلْزَمُهُ القَضاءُ سَواءٌ صامَ في سَفَرِهِ أوْ أفْطَرَ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ الظّاهِرِيِّ.
والثّانِي: أنَّ في الكَلامِ مَحْذُوفًا وتَقْدِيرُهُ: فَأفْطَرَ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ، ولَوْ صامَ في مَرَضِهِ وسَفَرِهِ لَمْ يَعُدْ، لِكَوْنِ الفِطْرِ بِهِما رُخْصَةً لا حَتْمًا، وهَذا قَوْلُ الشّافِعِيِّ، ومالِكٍ، وأبِي حَنِيفَةَ، وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ ﴾ هَكَذا قَرَأ أكْثَرُ القُرّاءِ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ ، وتَأْوِيلُها: وعَلى الَّذِينَ يُكَلَّفُونَهُ، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى صِيامِهِ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ، كالشَّيْخِ والشَّيْخَةِ والحامِلِ والمُرْضِعِ، فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، ولا قَضاءَ عَلَيْهِمْ لِعَجْزِهِمْ عَنْهُ.
وَعَلى القِراءَةِ المَشْهُورَةِ فِيها تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها ورَدَتْ في أوَّلِ الإسْلامِ، خَيَّرَ اللَّهُ تَعالى بِها المُطِيقِينَ لِلصِّيامِ مِنَ النّاسِ كُلِّهِمْ بَيْنَ أنْ يَصُومُوا ولا يُكَفِّرُوا، وبَيْنَ أنْ يُفْطِرُوا ويُكَفِّرُوا كُلَّ يَوْمٍ بِإطْعامِ مِسْكِينٍ، ثُمَّ نَسَخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، وقِيلَ: بَلْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِيِّ، والزُّهْرِيِّ، وعَلْقَمَةَ، والضَّحّاكِ.
والثّانِي: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ، وأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ أيْ كانُوا يُطِيقُونَهُ في حالِ شَبابِهِمْ، وإذا كَبِرُوا عَجَزُوا عَنِ الصَّوْمِ لِكِبَرِهِمْ أنْ يُفْطِرُوا، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والسُّدِّيِّ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ زادَ عَلى مِسْكِينٍ واحِدٍ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وطاوُسٍ والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: فَمَن تَطَوَّعَ بِأنْ صامَ مَعَ الفِدْيَةِ فَهو خَيْرٌ لَهُ وهَذا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ ورِوايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ يَحْتَمِلُ تَأْوِيلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ الصَّوْمَ في السَّفَرِ خَيْرٌ مِنَ الفِطْرِ فِيهِ والقَضاءِ بَعْدَهُ.
والثّانِي: أنَّ الصَّوْمَ لِمُطِيقِهِ خَيْرٌ وأفْضَلُ ثَوابًا مِنَ التَّكْفِيرِ لِمَن أفْطَرَ بِالعَجْزِ.
﴿ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ما شَرَّعْتُهُ فِيكم وبَيَّنْتُهُ مِن دِينِكم.
والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَضْلَ أعْمالِكم وثَوابَ أفْعالِكم.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإِسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج» .
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال.
فأما أحوال الصلاة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة فصلى سبعة عشر شهراً إلى بيت المقدس، ثم أن الله أنزل عليه ﴿ قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها...
﴾ [ البقرة: 144] الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول، قال: وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضاً حتى نفسوا أو كادوا، ثم أن رجلاً من الأنصار يقال له عبد الله بن زيد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت أني لم أكن نائماً لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصاً عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة فقال: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مثنى مثنى حتى فرغ الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال: غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: علمها بلالاً فليؤذن بها.
فكان بلال أوّل من أذن بها قال: وجاء عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به غير أنه سبقني فهذان حولان.
قال: وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها، فكان الرجل يسر إلى الرجل كم صلى فيقول واحدة أو اثنين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، فجاء معاذ فقال: لا أجده على حال أبداً إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقتني، فجاء وقد سبقه النبي صلى الله عليه وسلم ببعضها فثبت معه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته قام فقضى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا.
فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ إلى قوله: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً فاجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ﴾ [ البقرة: 185] إلى قوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإِطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان.
قال: وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلاً من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائماً حتى إذا أمسى، فجاء إلى أهله فصلَّى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح صائماً، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم وقد جهد جهداً شديداً فقال: «ما لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟» قال: يا رسول الله إني عملت أمس، فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائماً قال: وكان عمر قد أصاب النساء بعد ما نام، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأنزل الله: ﴿ أحل لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ [ البقرة: 187] إلى قوله: ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ يعني بذلك أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال: إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فكانوا ربما صاموه في القيظ فحولوه إلى الفصل، وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوماً، فذلك قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ قال: الذين من قبلنا هم النصارى كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا في شهر رمضان.
فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا فجعلوا صياماً في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: نزيد عشرين يوماً نكفر بها ما صنعنا، فلم تزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى قبيل طلوع الفجر.
وأخرج ابن حنظلة في تاريخه والنحاس في ناسخه والطبراني عن معقل بن حنظلة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن عشراً، ثم كان آخر فأكل لحماً فأوجع فوه، فقالوا: لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر فقالوا: ما تدع من هذه الثلاثة أيام شيئاً أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوماً» .
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ قال كتب عليهم الصيام من العتمة إلى العتمة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ قال: أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ لعلكم تتقون ﴾ من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عطاء في قوله: ﴿ أياماً معدودات ﴾ قال: وكان هذا صيام الناس ثلاثة أيام من كل شهر ولم يسم الشهر أياماً معدودات.
قال: وكان هذا صيام الناس قبل ذلك، ثم فرض الله عليهم شهر رمضان.
وأخرج سعيد بن منصور عن أبي جعفر قال: نسخ شهر رمضان كل صوم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ﴿ أياماً معدودات ﴾ يعني أيام رمضان ثلاثين يوماً.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ قال: كان ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ بالذي أنزل الله من صيام شهر رمضان، فهذا الصوم الأول من العتمة وجعل الله فيه فدية طعام مسكين، فمن شاء من مسافر أو مقيم يطعم مسكيناً ويفطر وكان ذلك رخصة له، فأنزل الله في الصوم الآخر ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ ولم يذكر الله في الأخر فدية طعام مسكين، فنسخت الفدية وثبت في الصوم الأخر ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ وهو الافطار في السفر وجعله عدة من أيام أخر.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ قال: هو شهر رمضان كتبه الله على من كان قبلكم، وقد كانوا يصومون من كل شهر ثلاثة أيام، ويصلون ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي حتى افترض عليهم شهر رمضان.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك قال: كان الصوم الأول صامه نوح فمن دونه حتى صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وكان صومهم من شهر ثلاثة أيام إلى العشاء، وهكذا صامه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: لقد كتب الصيام على كل أمة خلت كما كتب علينا شهراً كاملاً.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم، وتصديق ذلك في كتاب الله ﴿ كتب عليكم ﴾ الآية.
قال: فكان أوّل أمر النصارى أن قدموا يوماً قالوا: حتى لا نخطئ، ثم قدموا يوماً وأخروا يوماً قالوا: لا نخطئ، ثم إن آخر أمرهم صاروا إلى أن قالوا: نقدم عشراً ونؤخر عشراً حتى لا نخطئ فضلوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: أنزلت ﴿ كتب عليكم الصيام...
﴾ الآية.
كتب عليهم أن أحدهم إذا صلى العتمة ونام حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى مثلها.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام...
﴾ الآية.
قال: كتب عليهم إذا نام أحدهم قبل أن يطعم شيئاً لم يحل له أن يطعم إلى القابلة، والنساء عليهم حرام ليلة الصيام وهو ثابت عليهم، وقد رخص لكم في ذلك.
وأخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: كان عاشوراء يصام، فلما نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر.
وأخرج سعيد وابن عساكر عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام...
﴾ الآية.
يعني بذلك أهل الكتاب، وكان كتابه على أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أن الرجل يأكل ويشرب وينكح ما بينه وبين أن يصلي العتمة أو يرقد، فإذا صلى العتمة أو رقد منع من ذلك إلى مثلها من القابلة، فنسختها هذه الآية ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ .
وأما قوله تعالى: ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ .
أخرج عبد بن حميد عن ابن سيرين قال: كان ابن عباس يخطب فقرأ هذه الآية ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ قال: قد نسخت هذه الآية.
وأخرج ابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه وابن مردويه عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً، ثم نزلت هذه الآية ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فنسخت الأولى إلا الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكيناً وأفطر.
وأخرج أبو داود عن ابن عباس ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ ومن شاء منهم أن يفتدي بطعام مسكين افتدى وتم له صومه، فقال: ﴿ ومن تطوّع خيراً فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ﴾ وقال: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه...
﴾ الآية.
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: كانت مرخصة الشيخ الكبير والعجوز، وهما يطيقان الصوم أن يفطرا ويطعما مكان كل يوم مسكيناً، ثم نسخت بعد ذلك فقال الله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ وأثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة إذا كانا لا يطيقان أن يفطرا ويطعما، وللحبلى والمرضع إذا خافتا أفطرتا وأطعمتا مكان كل يوم مسكيناً، ولا قضاء عليهما.
وأخرج الدارمي والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير وابن خزيمة وأبو عوانة وابن أبي حاتم والنحاس وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي في سننه عن سلمة بن الأكوع قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ من شاء منا صام ومن شاء أن يفطر ويفتدي فعل ذلك، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ .
وأخرج ابن حبان عن سلمة بن الأكوع قال: كنا في رمضان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من شاء صام ومن شاء أفطر وافتدى، حتى نزلت هذه الآية ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ .
وأخرج البخاري عن أبي ليلى قال: «نبأ أصحاب منا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل رمضان فشق عليهم، فكان من أطعم كل يوم مسكيناً ترك رمضان، فشق عليهم ترك الصوم ممن يطيقونه ورخص لهم في ذلك، فنسختها ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ فأمروا بالصوم» .
وأخرج ابن جرير عن أبي ليلى «نبأ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أمرهم بصيام ثلاثة أيام من كل شهر تطوّعاً من غير فريضة، ثم نزل صيام رمضان وكانوا قوماً لم يتعودوا الصيام فكان مشقة عليهم، فكان من لم يصم أطعم مسكيناً، ثم نزلت هذه الآية ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ فكانت الرخصة للمريض والمسافر، وأمرنا بالصيام» .
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عامر الشعبي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ افطر الأغنياء واطعموا وجعلوا الصوم على الفقراء، فأنزل الله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فصام الناس جميعاً.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن أبي ليلى قال: دخلت على عطاء بن أبي رباح في شهر رمضان وهو يأكل، فقلت له: أتأكل؟!
قال: إن الصوم أول ما نزل كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً كل يوم، فلما نزلت ﴿ فمن تطوّع خيراً فهو خير له ﴾ كان من تطوّع أطعم مسكينين، فلما نزلت ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ وجب الصوم على كل مسلم إلا مريضاً، أو مسافراً أو الشيخ الكبير الفاني مثلي، فإنه يفطر ويطعم كل يوم مسكيناً.
وأخرج وكيع وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة في المصنف والبخاري وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه عن ابن عمر.
أنه كان يقرأ ﴿ فدية طعام مسكين ﴾ وقال: هي منسوخة نسختها الآية التي بعدها ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ .
وأخرج وكيع وسفيان وعبد الرزاق والفريابي والبخاري وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في المصاحف والطبراني والدارقطني والبيهقي من طرق عن ابن عباس أنه كان يقرأ «وعلى الذين يطوقونه» مشددة قال: يكلفونه ولا يطيقونه، ويقول: ليست بمنسوخة هو الشيخ الكبير الهرم، والعجوز الكبيرة الهرمة، يطعمون لكل يوم مسكيناً ولا يقضون.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والدارقطني والحاكم وصححاه والبيهقي عن ابن عباس ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قال: يكلفونه، فدية طعام مسكين واحد ﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ زاد طعام مسكين آخر ﴿ فهو خير له وأن تصوموا خير لكم ﴾ قال: فهذه ليست منسوخة، ولا يرخص إلا للكبير الذي لا يطيق الصوم، أو مريض يعلم أنه لا يشفى.
وأخرج ابن جرير والبيهقي عن عائشة كانت تقرأ ﴿ يطوقونه ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سعيد بن جبير أنه قرأ ﴿ وعلى الذين يطوقونه ﴾ .
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن الأنباري عن عكرمة أنه كان يقرأ ﴿ وعلى الذين يطوقونه ﴾ قال: يكلفونه.
وقال: ليس هي منسوخة، الذين يطيقونه يصومونه، والذين يطوقونه عليهم الفدية.
وأخرج ابن جرير وابن الأنباري عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قال: يتجشمونه يتكلفونه.
وأخرج سعيد بن منصور وأبو داود في ناسخه وابن جرير عن عكرمة أنه كان يقرأها ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ وقال: ولو كان يطيقونه إذن صاموا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: نزلت ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكيناً.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن أبي حاتم والدارقطني والبيهقي عن ابن عباس ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية ﴾ قال: ليست بمنسوخة، هو الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصيام يفطر، ويتصدق لكل يوم نصف صاع من برٍ مداً لطعامه ومداً لأدامه.
وأخرج ابن سعد في طبقاته عن مجاهد قال: هذه الآية نزلت في مولى قيس بن السائب ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ فأفطر وأطعم لكل يوم مسكيناً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قال: من لم يطق الصوم إلا على جهد فله أن يفطر ويطعم كل يوم مسكيناً، والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، والذي سقمه دائم.
وأخرج ابن جرير عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قال: الشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم يفطر، ويطعم مكان كل يوم مسكيناً.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو يعلى وابن المنذر والدارقطني والبيهقي عن أنس بن مالك.
أنه ضعف عن الصوم عاماً قبل موته، فصنع جفنة من ثريد، فدعا ثلاثين مسكيناً فأطعمهم.
وأخرج الطبراني عن قتادة: أن انساناً ضعف عن الصوم قبل موته عاماً، فافطر وأطعم كل يوم مسكيناً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير والدارقطني وصححه عن ابن عباس.
أنه قال لأم ولد له حامل أو مرضع: أنت بمنزلة الذين لا يطيقون الصوم، عليك الطعام ولا قضاء عليك.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والدارقطني عن نافع قال: أرسلت إحدى بنات ابن عمر إلى ابن عمر تسأله عن صوم رمضان وهي حامل، قال: تفطر وتطعم كل يوم مسكيناً.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: تفطر الحامل التي في شهرها، والمرضع التي تخاف على ولدها يفطران، ويطعمان كل يوم مسكيناً كل واحد منهما، ولا قضاء عليهما.
وأخرج عبد بن حميد عن عثمان بن الأسود قال: سألت مجاهداً عن امرأتي وكانت حاملاً وشق عليها الصوم، فقال: مرها فلتفطر ولتطعم مسكيناً كل يوم، فإذا صحت فلتقض.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: المرضع إذا خافت أفطرت وأطعمت، والحامل إذا خافت على نفسها أفطرت وقضت، وهي بمنزلة المريض.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن قال: يفطران ويقضيان صياماً.
وأخرج عبد بن حميد عن النخعي قال: الحامل والمرضع إذا خافتا أفطرتا، وقضتا مكان ذلك صوماً.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: إذا خشي الإِنسان على نفسه في رمضان فليفطر.
وأما قوله تعالى: ﴿ طعام مسكين ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن سيرين قال: قرأ ابن عباس سورة البقرة على المنبر، فلما أتى على هذه الآية قرأ ﴿ طعام مسكين ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ فدية طعام مسكين ﴾ قال: واحد.
وأخرج وكيع عن عطاء في قوله: ﴿ فدية طعام مسكين ﴾ قال: مد بمد أهل مكة.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عكرمة قال: سألت طاوساً عن أمي وكان أصابها عطاش فلم تستطع أن تصوم، فقال: تفطر وتطعم كل يوم مداً من بر.
قلت: بأي مد؟
قال: بمد أرضك.
وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة قال: من أدركه الكبر فلم يستطع أن يصوم رمضان فعليه كل يوم مد من قمح.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن سفيان قال: ما الصدقات والكفارات إلا بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما قوله تعالى ﴿ فمن تطوّع خيراً فهو خير له ﴾ .
وأخرج وكيع عن مجاهد في قوله: ﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ قال: أطعم المسكين صاعاً.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في قوله: ﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ قال: اطعم مسكينين.
وأخرج عبد بن حميد عن طاوس ﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ قال: اطعام مساكين.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن أنس.
أنه أفطر في رمضان، وكان قد كبر وأطعم أربعة مساكين لكل يوم.
وأخرج الدارقطني في سننه من طريق مجاهد قال: سمعت قيس بن السائب يقول: إن شهر رمضان يفتديه الإِنسان أن يطعم لكل يوم مسكيناً، فاطعموا عني مسكينين.
قوله تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ﴾ .
أخرج ابن جرير عن ابن شهاب في قوله: ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ أي أن الصيام خير لكم من الفدية.
وأخرج مالك وأحمد وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله عز وجل: إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» .
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: الصوم لي وأنا أجزي به، وللصائم فرحتان.
إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فجازاه فرح، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن جابر «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال ربنا: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي وأنا أجزي به.
قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الصيام جنة حصينة من النار» .
وأخرج البيهقي عن أيوب بن حسان الواسطي قال: «سمعت رجلاً سأل سفيان بن عيينة فقال: يا أبا محمد فيما يرويه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به.
فقال ابن عيينة: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده ويؤدي ما عليه من المظالم من سائر عمله حتى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصوم الجنة» .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله عز وجل: كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة، وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، وان سابه أو شاتمه أحد فليقل إني امرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عن الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرح بهما: إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي وابن خزيمة والبيهقي عن سهل بن سعد.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «للجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل معهم أحد غيرهم يقال: أين الصائمون؟
فيدخلون منه، فإذا دخل آخرهم أغلق، فلم يدخل منه أحد» زاد ابن خزيمة «ومن دخل منه شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام لا رياء فيه.
قال الله: هو لي وأنا أجزي به، يدع طعامه وشرابه من أجلي» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه» .
وأخرج النسائي والبيهقي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله مضاعف، ودعاؤه مستجاب، وذنبه مغفور» .
وأخرج ابن عدي في الكامل وأبو الحسن محمد بن أحمد بن جميع الغساني، وأبو سعيد بن الأعرابي والبيهقي عن عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من عبد أصبح صائماً إلا فتحت له أبواب السماء، وسبحت أعضاؤه، واستغفر له أهل السماء الدنيا إلى أن توارى بالحجاب، فإن صلى ركعة أو ركعتين أضاءت له السموات نوراً، وقال أزواجه من الحور العين اللهم اقبضه إلينا فقد اشتقنا إلى رؤيته، وإن هلل أو سبح أو كبر تلقاه سبعون ألف ملك، يكتبون ثوابها إلى أن توارى بالحجاب» .
وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من منعه الصيام من الطعام والشراب يشتهيه أطعمه الله من ثمار الجنة، وسقاه من شرابها» .
وأخرج البيهقي عن علي بن أبي طالب قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «إن الله أوحى إلى نبي من بني إسرائيل: أخبر قومك أن ليس عبد يصوم يوما ابتغاء وجهي إلا صححت جسمه وأعظمت أجره» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي موسى الأشعري قال: بينما نحن في البحر غزاة إذ مناد ينادي: يا أهل السفينة خبروا بخبركم.
قال أبو موسى: قلت: ألا ترى الريح لنا طيبة، والشراع لنا مرفوعة، والسفينة تجري لنا في لجة البحر؟
قال: أفلا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه؟
قلت: بلى.
قال: فإن الله قضى على نفسه أيما عبد عطش نفسه لله في الدنيا يوماً فإن حقاً على الله أن يرويه يوم القيامة.
وأخرج أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي أمامة قال «قلت: يا رسول الله مرني بعمل آخذه عنك ينفعني الله به.
قال: عليك بالصوم فإنه لا مثل له» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن أبي رباح قال: توضع الموائد يوم القيامة للصائمين، فيأكلون والناس في كرب الحساب.
وأخرج البيهقي عن كعب الأحبار قال: ينادي يوم القيامة مناد: ان كل حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصيام، يعطون أجورهم بغير حساب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل أهل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل، ولأهل الصيام باب يقال له الريان» .
وأخرج مالك في الموطأ وابن أبي شيبة والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة «أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يروي ذلك عن ربه عز وجل: قال ربكم: الصوم جنة، يجتن بها عبدي من النار» .
وأخرج أحمد والبيهقي عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصيام جنة وحصن حصينة من النار» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والبيهقي عن عثمان بن أبي العاصي الثقفي قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصيام جنة من النار كجنة أحدكم من القتال» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن خزيمة والبيهقي عن عبيدة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الصيام جنة ما لم يخرقها» .
وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصيام جنة ما لم يخرقها.
قيل وبم يخرقها؟
قال: بكذب أو غيبة» .
وأخرج الترمذي والبيهقي عن رجل من بني سليم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده فقال: «سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض، والوضوء نصف الميزان، والصيام نصف الصبر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام نصف الصبر، وأن لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصيام» .
وأخرج ابن عدي والبيهقي عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم» .
وأخرج ابن سعد وابن أبي شيبة والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن أم عمارة بنت كعب «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها، فقربت إليه طعاماً فقال: كلي.
فقالت: إني صائمة.
فقال: إن الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة حتى يفرغوا أو يقضوا» .
وأخرج ابن ماجة والبيهقي عن بريدة قال: دخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتغذّى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تغذّى يا بلال.
قال: إني صائم يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نأكل رزقنا وفضل رزق بلال في الجنة، أشعرت يا بلال أن الصائم تسبح عظامه، وتستغفر له الملائكة ما أكل عنده؟!» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر قال: الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الصائم إذا أكل عنده صلت عليه الملائكة.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: الصائم إذا أكل عنده سبحت مفاصله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن يزيد بن خليل مثله.
وأخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن سلمة بن قيصر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يوماً ابتغاء وجه الله بعده الله من جهنم كبعد غراب طار وهو فرخ حتى مات هرماً» .
وأخرج أحمد والبزار من حديث أبي هريرة.
مثله.
وأخرج البزار والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصائم، ودعوة المسافر، ودعوة المظلوم» .
وأخرج البيهقي عن أنس قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وفيه فئة من أصحابه فقال: من كان عنده طول فلينكح، وإلا فعليه بالصوم فإن له وجاء ومجسمة للعرق» .
وأخرج الترمذي وابن ماجة عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «في الجنة باب يدعى الريان يدعى له الصائمون، فمن كان من الصائمين دخله، ومن دخله لا يظمأ أبداً» .
وأخرج ابن ماجة والحاكم والبيهقي عن عبد الله بن عمرو «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد» .
وأخرح البزار عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن للصوّام يوم القايمة حوضاً ما يرده غير الصوّام» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا موسى في سرية في البحر، فبينما هم كذلك قد رفعوا الشراع في ليلة مظلمة إذا هاتف من فوقهم يهتف: يا أهل السفينة قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله على نفسه.
قال أبو موسى: أخبرنا إن كنت مخبراً، قال: إن الله قضى على نفسه أنه من أعطش نفسه له في يوم صائف سقاه الله يوم العطش» .
وأخرج ابن سعد والترمذي وصححه والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي في الدعوات عن الحرث الأشعري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وأنه كاد أن يبطئ بها فقال عيسى: إن الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإما تأمرهم وإما أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذب، فجمع الناس في بيت المقدس فامتلأ، وقعد على الشرف فقال: إن الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن، وأمركم أن تعملوا بهن.
أولهن أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، وأن مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبداً من خالص ماله بذهب أو ورق فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأد إلي، فكان يعمل ويؤدي إلى غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟
وأن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت، وأمركم بالصيام، فإن مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرة فيها مسك فكلهم يعجبه ريحها، وإن ريح الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وأمركم بالصدقة فإن مثل ذلك كمثل رجل أسره العدوّ ولفوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أفدي نفسي منكم بالقليل والكثير ففدى نفسه منهم، وأمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً حتى إذا أتى به على حصن حصين فاحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اغزوا تغنموا، وصوموا تصحوا، وسافروا تستغنوا» .
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في كتاب الجوع والطبراني والحاكم وصححه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوة فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفِّعْني فيه، قال: فيشفعان» .
وأخرج أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو أن رجلاً صام يوماً تطوعاً ثم أعطى ملء الأرض ذهباً لم يستوف ثوابه دون يوم الحساب» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يصوم يوماً في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه عن النار سبعين خريفاً» .
وأخرج الطبراني في الأوسط والصغير عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض» .
وأخرج الطبراني عن عمرو بن عبسة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً في سبيل الله بعدت من النار مسيرة مائة عام» .
وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام يوماً في سبيل الله زحزح الله وجهه عن النار بذلك اليوم سبعين خريفاً» .
وأخرح الترمذي عن أبي أمامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام يوماً في سبيل الله جعل الله بينه وبين النار خندقاً كما بين السماء والأرض» .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه وابن ماجة وابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حتى يفطر، والإِمام العادل، ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام، ويفتح لها أبواب السماء، ويقول الرب: وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الجوع عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصائمون تنفح من أفواههم ريح المسك، وتوضع لهم يوم القيامة مائدة تحت العرش، فيأكلون منها والناس في شدة» .
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله جعل مائدة عليها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، لا يقعد عليها إلا الصائمون» .
وأخرج أبو الشيخ بن حبان في الثواب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم القيامة تخرج الصوّام من قبورهم يعرفون برياح صيامهم، أفواههم أطيب من ريح المسك، فيلقون بالموائد والأباريق مختمة بالمسك، فيقال لهم: كلوا فقد جعتم، واشربوا فقد عطشتم، ذروا الناس واستريحوا فقد أعييتم إذ استراح الناس، فيأكلون ويشربون ويستريحون والناس في عناء وظمأ» .
وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال عن مغيب بن سمي قال: تركد الشمس فوق رؤوسهم على أذرع، وتفتح أبواب جهنم فتهب عليهم لفحها وسمومها، وتخرج عليهم نفحاتها حتى تجري الأرض من عرقهم أنتن من الجيف، والصائمون في ظل العرش.
وأخرج الأصبهاني في الترغيب من طريق أحمد بن أبي الحواري أنبأنا أبو سليمان قال: جاءني أبو علي الأصم بأحسن حديث سمعته في الدنيا قال: توضع للصوّام مائدة يأكلون والناس في الحساب، فيقولون: يا رب نحن نحاسب وهؤلاء يأكلون؟!
فيقول: «طالما صاموا وأفطرتم، وقاموا ونمتم» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن في الجنة غرفة يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها، أعدها الله لمن ألان الكلام، وأطعم الطعام، وتابع الصيام، وصلى بالليل والناس نيام» .
وأخرج البيهقي عن نافع قال ابن عمر: كان يقال: إن لكل مؤمن دعوة مستجابة عند إفطاره، إما أن تعجل له في دنياه أو تدخر له في آخرته، فكان ابن عمر يقول عند افطاره: يا واسع المغفرة اغفر لي.
وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه ذات يوم: «من شهد منكم جنازة؟
قال عمر: أنا.
قال: من عاد مريضاً؟
قال عمر: أنا.
قال: من تصدق بصدقة؟
قال عمر: أنا.
قال: من أصبح صائماً؟
قال عمر: أنا قال: وجبت وجبت» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن رباح قال: خرجنا إلى معاوية فمررنا براهب فقال: توضع الموائد فأوّل من يأكل منها الصائمون.
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه عنه صوم الدهر كله وإن صامه» .
وأخرج الدارقطني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أفطر يوماً من رمضان من غير عذر فعليه صوم شهر» .
وأخرج الدارقطني عن رجاء بن جميل قال: كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: من أفطر يوماً من رمضان صام اثني عشر يوماً، لأن الله رضي من عباده شهراً من اثني عشر شهراً.
وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني أفطرت يوماً من رمضان، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم «تصدق واستغفر الله وصم يوماً مكانه» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن مسعود قال: من أفطر يوماً من رمضان متعمداً من غير سفر ولا مرض لم يقضه أبداً وإن صام الدهر كله.
وأخرج ابن أبي شيبة عن علي قال: من أفطر يوماً من رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر.
قوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ الآية، الصيام: مصدر صام كالقيام، وأصله في اللغة: الإمساكُ عن الشيء والتركُ له، ومنه: قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام، قال الله تعالى: ﴿ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا ﴾ ، وصام النهار: إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، قال امرؤ القيس: فَدَعْها وسَلِّ الهَمَّ عنكَ بجَسْرةٍ ...
ذَمُولٍ إذا صامَ النهارُ وهَجَّرا (١) وقال آخر: حتى إذا صَام النهارُ واعتدَلْ (٢) خيل صيامٌ وخيلٌ غير صائمة (٣) ويقال: بكرة صائمة: إذا قامتْ فلم تَدُر، وقال الراجز: والبكراتُ شَرُّهن الصائمه (٤) ومَصَام الشمس: حيث تَستَوى في مُنتصف النهار، وكذلك مَصَام النجم، وروي في شعر امرئ القيس: كَأنَّ نُجومًا عُلِّقَتْ في مَصَامِها ...
بأَمْراسِ كَتّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ (٥) هذا هو الأصلُ في اللغة (٦) وفي الشريعة: هو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع مع اقتران النية به (٧) وإجماعُ المفسرين على أن المراد بهذا الصيام صيام شهر رمضان (٨) (٩) وقوله تعالى: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ قال بعضهم: التشبيه عائد إلى الإيجاب، فنحن متعبدون بالصيام كما تعبد الله من قبلنا من الأمم وأهل الكتابين (١٠) وقيل: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وقدر الصوم (١١) (١٢) .
فأما النصارى فإنهم حَوَّلوا صيامهم إلى فصل اعتدال الهواء؛ لأنهم ربما صاموه في القيظ، فكان يشتدُّ عليهم، فاستدعوا أحبارهم أن ينقلوا الصوم إلى وقت اعتدال الهواء، ويزيدوا عليه زيادة، ففعلوا، وزادوا عشرة أيام، ثم إن حبرًا لهم اشتكى فمه، فنذر إن (١٣) ﴿ اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ (١٤) وقال الشعبي: إنهم أخذوا بالوثيقة فصاموا قبل الثلاثين يومًا، وبعدهَا يومًا ثم لم يزل الآخر يَسْتَنّ بسُنَّة القرن (١٥) (١٦) قال أبو إسحاق: وموضع ﴿ كَمَا ﴾ نصب على المصدر، المعنى: فرض عليكم فرضًا كالذي فرض على الذين من قبلكم (١٧) وقال ابن الأنبارى: يجوز أن يكون في موضع نصب على الحال من الصيام، يراد بها: كتب عليكم الصيام مشبهًا ومماثلًا ما كتب على الذين من قبلكم (١٨) وقال أبو علي الفارسي: هو صفة لمصدر محذوف، تقديره: كتابة كما كتب يعني: مثل ما كتب عليهم، فحذف المصدر، وأقيم نعته مقامه، قال: ومثله في الاتساع والحذف قولهم في صريح الطلاق: أنتِ واحدة، يريدون: أنت ذات تطليقة واحدة، فحذف المضاف والمضاف إليه، وأقيم صفة المضاف إليه مقام الاسم المضاف إليه (١٩) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريد كي تخافوني في حدودي وفرائضي (٢٠) وقال السُدي: لكي تتقوا الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم (٢١) وقال الزجاج: (٢٢) (٢٣) (٢٤) (١) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" 63، "الكامل" للمبرد 3/ 89، "أساس البلاغة" (مادة: كنز).
"لسان العرب" 4/ 2530 (صوم) والجسرة: الناقة النشيطة، والذمول: هو "السير" السريع، وهجرا: من الهاجرة، وهي شدة الحر.
ينظر: "الديوان" ص 63.
(٢) ورد هذا الرجز بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 2/ 226، بعده عنده: وسال للشمس لعابٌ فنزل وكذا في "تهذيب اللغة" 2/ 1581، وفي "لسان العرب" 3/ 1524، 3/ 1901 (ذوب، زيق)، بالرواية التالية: وقام ميزان النهار فاعتدل (٣) عجزالبيت: تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما في ملحق "ديوانه" ص 240، "الكامل" للمبرد 3/ 89، "لسان العرب" 5/ 3077 (مادة: علك)، 4/ 3529 (مادة: صوم).
(٤) ذكره في "البحر" 2/ 26، ولم ينسبه، وذكره في "اللسان" 2/ 33.
وقوله: الصائمة: أي التي لا تدور.
(٥) ينظر: "ديوانه" ص 19، "اللسان" 4/ 2530 (مادة: صوم).
(٦) ينظر في (مادة: صوم): "تفسير الطبري" 2/ 128، "الثعلبي" 2/ 225، "المفردات" ص 293، "البحر المحيط" 2/ 26، "اللسان" 4/ 2530، "أساس البلاغة" 2/ 33.
(٧) ينظر في تعريفه: "المغني" 4/ 323 - 325، "المحرر الوجيز" 2/ 99 - 102.
(٨) حكى الواحدي هذا الإجماع في "الوسيط" 1/ 272، ولا يسلم له؛ لورود الخلاف؛ حيث يرى جماعة أن المراد صيام ثلاثة أيام من كل شهر، أو صيامها وصيام عاشوراء، على خلاف بين القائلين بذلك، وبه قال قتادة وعطاء، وروي عن ابن عباس.
وقد بيَّن الحافظ في "الفتح" 8/ 178 أن الناس اختلفوا في التشبيه الذي دلت عليه الكاف، هل هو على الحقيقة، فيكون صيام رمضان قد كتب على الذين من قبلنا؟
أو المراد: مطلق الصيام دون وقته وقدره؟
قولان، والثاني قول الجمهور.
وينظر في ذكر الخلاف: "تفسير الطبري" 2/ 130، "المحرر الوجيز" 2/ 99 - 102، "النكت والعيون" 1/ 230، "الإجماع في التفسير" ص 199 - 200.
(٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129 - 130، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 304 - 305، "الدر المنثور" 1/ 322.
قال البغوي 1/ 196: قيل: كان في ابتداء الإسلام صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخ بصوم رمضان، ويقال.
نزل صوم شهر رمضان قبل بدر بشهر وأيام، قال محمد بن إسحاق: كانت غزوة بدر يوم الجمعة، لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، ثم ذكر حديث عائشة في الصحيحين، قالت: كان يوم عاشوراء يومًا تصومه قريش في الجاهلية، فلما قدم رسول الله المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان كان هو الفريضة، وترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
البخاري (2002) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء، ومسلم (1125) كتاب الصوم، باب: صوم عاشوراء.
(١٠) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129، "المحرر الوجيز" 2/ 101.
(١١) روي عن ابن عباس والحسن وقتادة والسدي.
ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 129، 130، "ابن أبي حاتم" 1/ 305، "الثعلبي" 2/ 232، "المحرر الوجيز" 2/ 101.
(١٢) في (ش): (بزعم).
(١٣) في (ش): (لأن).
(١٤) رواه الطبري 2/ 129 عن السدي، وذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 112، والثعلبي 2/ 233، والبغوي 1/ 195، وعند الثعلبي أن الذي اشتكى ملك وليس حبرًا، وقد روي نحوه مرفوعا إلى النبي ، فقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" 3/ 254، والطبراني في "الكبير" 4/ 226، "الأوسط" 9/ 90، والنحاس== في "الناسخ والمنسوخ" 1/ 492 عن دغفل بن حنظلة، والطبراني في الكبير وقفه عليه، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 142: رواه الطبراني في "الأوسط" مرفوعا، ورواه الطبراني في الكبير موقوفًا على دغفل، ورجال إسنادهما رجال الصحيح، وقال الدكتور المنيع في تحقيق "تفسير الثعلبي" 2/ 234: الحديث مرسل، دغفل بن حنظلة مخضرم، ولم يصح أن له صحبة.
(١٥) في (ش): (القران).
(١٦) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 111، ورواه الطبري عنه 2/ 129، والثعلبي 2/ 234، وقد ورد النهي عن صيام يوم الشك في أحاديث، منها: حديث أبي هريرة، رواه البخاري (1914) كتاب الصوم، باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ومسلم (1082) كتاب الصوم، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم ولا يومين.
(١٧) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 251، وليس فيه الجملة الأولى.
(١٨) ينظر: "التبيان" 1/ 148، "المحرر الوجيز" 1/ 250.
(١٩) ينظر: "التبيان" 1/ 148، وزاد وجهًا رابعًا، وهو أن يكون في موضع رفع صفة للصيام، "المحرر الوجيز" 1/ 250، "البحر المحيط" 2/ 29.
(٢٠) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، وينظر معنى لعل في: "المفردات" ص 454.
(٢١) رواه عنه الطبري 2/ 129، وابن أبي حاتم 1/ 305.
(٢٢) من قوله: (يريد: كي) مكرر في نسخة (م)، وفيه تقديم وتأخير.
(٢٣) في (ش): (أتتقون).
(٢٤) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 252، وينظر: "البحر المحيط" 2/ 31، فيه مناقشات للأعاريب المذكورة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ أي: فُرِضَ، والقصد بقوله: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وبقوله: ﴿ أَيَّاماً معدودات ﴾ تسهيل الصيام على المسلمين، ومُلاطفة جميلة، والذي كتب على الذين من قبلنا الصيام مطلقاً، وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان فبدلوه ﴿ أَيَّاماً ﴾ منصوب بالصيام وهو مصدر أو بمحذوف، ويبعد انتصابه بتتقون ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ﴾ الآية: إباحة للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك، وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى فحوى الخطاب، والتقدير: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعليه عدّة من أيام أخر، ولم يفعل الظاهرية بهذا المحذوف فرأوا أنّ صيام المسافر والمريض لا يصح، وأوجبوا عليه عدّة من أيام أخر، وإن صام في رمضان، وهذا منهم جهلٌ بكلام العرب، وليس في الآية ما يقتضي تحديد السفر، وبذلك قال الظاهرية، وحدّه في مشهور مذهب مالك: أربعة بُرُد ﴿ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ قيل: يطيقونه من غير مشقة فيفطرون ويكفّرون.
ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، وقيل: يطيقونه بمشقة كالشيخ الهرم، فيجوز له الفطر فلا نسخ على هذا، ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ ﴾ أي صام ولم يأخذ بالفطرة والكفارة، وذلك على القول بالنسخ، وقيل تطوّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ.
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر أو بدل من الصيام ﴿ أُنْزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بطول عشرين سنة، وقيل: المعنى أنزل في شأنه القرآن: كقولك أنزل القرآن في فلان، وقيل: المعنى ابتدأ فيه إنزال القرآن ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى ﴾ أي: أن القرآن هدى للناس، ثم هو من ذلك من مبينات الهدى، وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق وموصوف بالبينات، فالهدى الأوّل هنا على الإطلاق، وقوله من البينات والهدى؛ أي: وهو من الهدى المبين، فهو من عطف الصفات كقولك: فلان علام وجليل من العلماء ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ أي كان حاضراً غير مسافر، والشهر منصوب على الظرفية، واليسر والعسر على الإطلاق، وقيل: اليسرُ الفطرُ في السفر، والعسر الصوم فيه ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره شرع، أو عطف على اليسر ﴿ العدة ﴾ الأيام التي أفطر فيها ﴿ وَلِتُكَبِّرُواْ ﴾ التكبير يوم العيد أو مطلقاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فديةٌ طعام ﴾ مضافاً ﴿ مساكين ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.
وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿ فديةٌ ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع.
الباقون: مثل هذا إلا أن ﴿ مسكين ﴾ مفرد مجرور ﴿ فمن تطوع ﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿ القرآن ﴾ غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله ﴿ وقرآن الفجر أن قرآن الفجر ﴾ ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ الباقون بالهمز ﴿ اليسر والعسر ﴾ حيث كانا مثقلين: يزيد إلا قوله ﴿ فالجاريات يسرا ﴾ ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ من التكميل: أبو بكر وحماد وعباس ورويس.
والباقون: من الإكمال.
﴿ الداعي إذا دعاني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل.
والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿ في لعلهم ﴾ بفتح الياء: ورش.
الباقون: بالسكون.
الوقوف: ﴿ تتقون ﴾ لا لأن "أياماً" ظرف "الصيام" أو الاتقاء ﴿ معدودات ﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿ أخر ﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو "فدية" فلا تعلق له بما قبله ﴿ مسكين ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿ خير له ﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم.
﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ والفرقان ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فليصمه ﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿ أخر ﴾ ط ﴿ العسر ﴾ ز قد يجوز ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ط لأن قوله "أجيب مستأنف ﴿ دعان ﴾ ص للفاء ﴿ يرشدون ﴾ ه ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عنكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لكم ﴾ ص لذلك ﴿ إلى الليل ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿ في المساجد ﴾ ط لأن "تلك" مبتدأ ﴿ فلا تقربوها ﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿ يتقون ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم آخر.
والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ.
وهو في اللغة الإمساك عن الشيء.
قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل.
وصام الفرس صوماً أي قام على غير اعتلاف.
وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.
وإنه في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
ولا بد في صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق عند الأكثرين.
ويوافقه الجديد من قول الشافعي "ومن غير يوم الشك بلا ورد ونذر وقضاء وكفارة".
ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم.
وقوله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.
قال علي كرم الله وجهه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم.
﴿ لعلكم تتقون ﴾ بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفاً للنفس عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم شعارهم.
وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى فأصابهم موتان فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.
وقيل: كان يقع في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة.
ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل ﴿ دراهم معدودة ﴾ وأصله أن المال القليل يعدّ عدّاً، والكثير يحثى حثياً كأنه قال: إني رحمتكم فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياماً معدودة قليلة، وعلى هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان.
ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان.
فعن عطاء: ثلاثة أيام من كل شهر.
وعن قتادة: هي مع صوم عاشوراء.
ثم اختلفوا أيضاً فقيل: كان تطوّعاً ثم فرض وقيل بل كان واجباً.
واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان بما روي عن النبي "إن صوم رمضان نسخ كل صوم" فدل على أن صوماً آخر كان واجباً.
وأيضاً ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريراً محضاً.
وأيضاً ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على التعيين فيختلفان.
والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين أنها شهر رمضان أجمل أولاً ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله ﴿ أياماً معدودات ﴾ ثم كمل البيان بقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان.
وأجيب عن استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة.
سلمنا أن المراد به صوم ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية.
وعن الثاني أن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، وفي الآية الثانية جعل واجباً على التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانياً في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً.
وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير والتعيين، أما في نفس الصوم فلا.
وههنا سؤال وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ كيف كان ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟
والجواب أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن أن يكون ناسخاً والمتأخر منسوخاً كآية الاعتداد بالحول.
وهكذا نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير.
قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين أولاً أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.
ثم بين ثانياً وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى.
ثم بين ثالثاً أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها.
ثم بين رابعاً أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له.
ثم ذكر خامساً إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها.
واختلف الأئمة في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أيّ مريض كان، وأيّ مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين.
يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه.
وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفرٍ ولو كان فرسخاً.
وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول الأصم.
وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله.
وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه.
قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟
فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيراً يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به.
المرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً.
وأصل السفر من الكشف لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم.
وعن الأزهري: سمي مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء.
قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم.
وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخاً ولا يحسب منه مسافة الإياب.
كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله ، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة.
وإلى هذه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر في يومين فحينئذٍ يناسب الرخصة، ولما روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي قال "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ.
وروى الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟
فقال: لا فقال: إلى مرّ الظهران؟
فقال: لا.
ولكن اقصر إلى جدّة وعسفان والطائف.
قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد.
وقال أبو حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخاً قياساً على المسح.
والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم.
وأجيب بأن قوله "يمسح المقيم يوماً وليلة" لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيماً.
وكذا قوله "والمسافر ثلاثة أيام" لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام.
وأيضاً الترجيح للإفطار لقوله في قصر الصلاة "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وإنما قيل ﴿ أو على سفرٍ ﴾ دون أن يقول مسافراً كما قال ﴿ مريضاً ﴾ لأن السفر يتعلق بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافراً وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به إن حصلت حصلت وإلا فلا.
وعدّة فعلة من العدّ بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من هذا.
وإنما قيل ﴿ فعدّة ﴾ على التنكير ولم يقل "فعدتها" أي فعدة الأيام المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد ظاهراً، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.
والمعنى فعليه صوم عدّة.
وقرئ بالنصب أي فليصم عدّة.
وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا.
واعلم أن قوماً من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام في السفر قضى في الحضر.
واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله ﴿ فعدّة ﴾ أي فعليه عدّة مشعر بالوجوب عليه.
ولأن قوله ﴿ يريد بكم اليسر ﴾ ينبئ عن إرادته الإفطار ولقوله "ليس من البر الصيام في السفر" وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف.
وقوله "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما يجيء من قوله ﴿ وإن تصوموا خيرٌ لكم ﴾ ولما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال : " صم إن شئت وأفطر إن شئت" .
قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله ﴿ أو به أذى من رأسه ففديةٌ ﴾ أي فحلق فعليه فدية.
ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد: أن الصوم أفضل.
وقالت طائفةٌ: الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق.
وقيل: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء.
واختلف أيضاً في القضاء فعامة العلماء على التخيير.
وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق.
وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات متتابعاً ويؤيده قراءة أبي ﴿ فعدة من أيامٍ أخر متتابعات ﴾ قوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين.
والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه ههنا عند أهل العراق - ومنهم أبو حنيفة - نصف صاع من بر أو صاع من غيره.
وعند أهل الحجاز - ومنهم الشافعي - مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين.
قالوا: كان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية.
عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فنسختها.
من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك "خاتم حديد" ومن قرأ "مساكين" على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين لكل يوم.
والاعتبار بمدّ رسول الله وهو مائة وثلاثة وسبعون درهماً وثلث الدرهم.
الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض.
وذلك أن المريض والمسافر منهما من لا يطيق أصلاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم.
الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم.
عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة ﴿ يطوّقونه ﴾ تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه.
والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما وولديهما.
واتفقوا على أنا لشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت.
وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين.
﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري.
﴿ فهو ﴾ أي التطوع ﴿ خير له وأن تصوموا ﴾ أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتهم متاعب الصيام ﴿ خيرٌ لكم ﴾ من الفدية وتطوّع الخير.
ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً عند من يرى أن الصوم لهما أفضل ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية.
عن علي كرم الله وجهه أن النبي قال "يقول الله عز وجلّ الصوم لي وأنا أجزى به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه.
والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وعنه "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم" وعن أبي هريرة أن النبي قال "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وعنه أن رسول الله قال "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" وعن النبي "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالروحانيات المجرّدة لكفى به فضلاً ومنقبة.
هذا صوم الشريعة، فأما صوم الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجلّ والإفطار بما أباح وأحل، وصوم الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن.
صمت عن غيره فلما تجلى *** كأن بي شـاغلٌ عن الإفطار وتشـوّقت مـدة ثـم لمـا *** زارني جَلّ عن مدى الأنظار قوله عز من قائل ﴿ شهر رمضان ﴾ الشهر مأخوذ من الشهرة.
عن مجاهد: رمضان اسم الله .
وروي عن النبي "لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله.
والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف والنون.
ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار.
وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض رمضاء.
وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق.
وروي عن النبي أنه قال "إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده" وكأن هذا من قولهم "رمضت النصل" جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق.
وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوّال قبل دخول الأشهر الحرم.
وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك.
وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز كقوله "من صام رمضان إيماناً" الحديث.
لأن التسمية وقعت برمضان فقط.
وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أو على أنه بدل من الصيام في قوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان.
وعلى هذين الوجهين يكون الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان.
قال أبو علي: وهذا أولى ليكون أيضاً في الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبراً عن إنزال القرآن فيه.
وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من ﴿ أياماً ﴾ أو على مفعول ﴿ وأن تصوموا ﴾ وفي هذا الوجه نظر من قبل الفصل بين ﴿ أن تصوموا ﴾ ومعموله بالخبر.
وفائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه.
وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدرهضم النفس يترقى العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان.
وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال.
فعن سفيان بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي كذا.
وقال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا أي في تحريمها.
والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴾ الآيات.
واختيار الجمهور أن الله أنزل القرآن في رمضان.
عن النبي "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر.
ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها.
وهذا قول محمد بن إسحق.
أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات.
ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان.
وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمدٍ منجماً إلى آخر عمره.
ويحتمل أن يقال: إنه كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبداً إلى أن تم إنزاله.
وعلى هذا يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعياً لا شخصياً ﴿ هدى للناس وبيناتٍ ﴾ منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.
ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.
نقل الواحدي عن الأخفش والمازني أن الفاء في ﴿ فمن شهد ﴾ زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء ههنا وهذا وهم لظهور كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر.
ثم قيل: إن مفعوله محذوف ﴿ والشهر ﴾ منصوب على الظرف وكذلك الهاء في ﴿ فليصمه ﴾ ولا يكون مفعولاً به كقولك "شهدت الجمعة" لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر.
فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر.
وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذراً من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد مع أنه لا يجب عليه الصوم.
أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل "شهدت عصر فلان وأدركت زمانه" فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ فيكون أولى من الأول لأن الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب والتخصيص وحده في جانب؟
هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضاً به على صاحب الكشاف وغيره.
(قلت): الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ممنوع، وذلك أن ﴿ شهد ﴾ ههنا متروك المفعول كقولهم "فلان يعطى ويمنع" ومعنى من شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة.
وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى.
فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك ﴿ أو على سفرٍ ﴾ تكراراً قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض.
وأيضاً لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم فبالمفهوم أوّلاً وبالمنطوق ثانياً، فأين التكرار؟
وإنما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكيناً في القلوب وتعظيماً في النفوس كقوله: أن يسأل الحق يعطى الحق سائله.
*** وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ جملة شرطية، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي.
وأجيب بأن المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءاً من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر.
ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد هلال رمضان فهذا موافق لما نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن يصوم الكل.
وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ يخصصه، وإن كان في أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى.
قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو المراد من عزم على كونه مقيماً في الشهر فليصمه.
ويعلم منه أنه إن كان حاضراً في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان جميعاً للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت.
وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة" يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً.
ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي فأمر الناس بالصوم.
ولما روي أن علياً شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان، وللاحتياط في أمر العبادة.
ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة.
وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم.
﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ معناه في اللغة السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد واليد اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر نقيضه.
وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه.
أوجب الصوم على سبيل السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض والمسافر وههنا يتحقق صدق قوله "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" .
ومن كمال رأفته أنه نفى الحرج أولاً ضمناً بقوله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ثم نفاه صريحاً بقوله ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ والظاهر أن الألف واللام في اليسر والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق.
والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله ، فإن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان لا يريد العسر.
وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه لا يأمره بالعسر وإن كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة.
فكما أنه يجوز أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر.
قوله ﴿ ولتكملوا ﴾ أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف فيه.
فعن الفراء: التقدير ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.
شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر.
وهذا نوع من اللف لطيف المسلك.
فقوله ﴿ لتكملوا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة ﴿ ولتكبروا ﴾ علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر.
﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص والتيسير.
وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما تعملون ولتكملوا.
والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم.
ولا يخفى أن قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن يقال: إنه في قوة "ولتشكروا".
وفيه أيضاً بعد ويحتمل أن يقال ﴿ ولتكملوا ﴾ معطوف على اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ وإنما قيل ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ ولم يقل "ولتكملوا الشهر" ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعاً.
وعدى فعل التكبير بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.
والمراد بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله والثناء عليه شكراً على ما وفق لهذه الطاعة.
وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل.
فالقول أن يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتدّ به إلا مع الاعتقاد القلبي.
وأما العمل فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي.
وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان.
وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما روي أنه كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.
وأوّل وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد.
وعن أحمد ومالك أنه لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه.
لنا قوله ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال الشافعي: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿ ولتكبروا الله ﴾ عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال.
والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثاً نسقاً وبه قال مالك.
وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين.
لنا الرواية عن جابر وابن عباس.
وأيضاً فإنه تكبير موضوع شعاراً للعيد فكان وتراً كتكبير الصلاة.
قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن.
واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته ما نقل عن رسول الله إنه قاله على الصفا وهو: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله والله أكبر" قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضاً وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد.
يرفع الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي.
ويستثني من ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الأضحى.
واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص فيها.
قوله ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟
وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً" .
وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت.
وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت.
وعن ابن عباس ما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟
فنزلت.
وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت.
وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم.
ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها.
ثم إن سؤالهم النبي عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿ فإني قريب ﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿ أجيب دعوة الداع ﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿ إذا دعان ﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ قال العلماء: ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد.
وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه.
وكل مفتقر ممكن.
وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق.
وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي.
قالوا: فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة.
قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه.
فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ وقوله "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً.
فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان.
ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها.
فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال.
شعر: رمزت إليه حذار الرقيب *** وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره *** يقول لي ادع فإني قريب فإن سألوه : أين ربنا؟
صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل يسمع ربنا دعاءنا؟
صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه؟
صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟
صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم.
واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً.
تقول: سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً.
وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه العناية والاستمداد والمعونة.
قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا.
ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس.
والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين.
والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد.
والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية.
وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل.
وما روي عن جابر أنه "جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟
قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.
قال: ففيم العمل؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له" .
يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب.
والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم.
ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد.
فلعل الله قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه.
فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور.
ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد "من لم يسأل الله يغضب عليه" فإذا كان الداعي عارفاً بالله وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال "ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له.
فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟
قال: يقول دعوت ربي فما استجاب لي" وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة أن رسول الله قال "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" وعن ابن عباس أن رسول الله قال: "سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال.
وذكر النبي الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب.
ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟
وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال.
وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟
قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات.
وعن أنس أن رسول الله قال "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟
قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" .
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء" وعنه أنه قال "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء" وعنه أن رسول الله قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي .
فقال النبي عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد ما شاء" .
وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله قال "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره" .
ومن لطائف الآية أنه قال ﴿ فإني قريب ﴾ دون أن يقول "فقل إني قريب" كما قال في سائر الأسئلة والأجوبة.
وذلك في مواضع من كتابه ﴿ ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ ﴿ ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ ﴿ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ﴾ وهذه الأسئلة أصولية.
﴿ يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ ﴿ ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ﴾ ﴿ ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى ﴾ ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ﴾ ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ ﴿ ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي ﴾ ﴿ ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً ﴾ فكأنه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.
وأيضاً في مقام السؤال قال: ﴿ عبادي ﴾ وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال ﴿ فإني قريب ﴾ وهذا يدل على أنه للعبد.
وأيضاً لم يقل "العبد مني قريب" بل قال ﴿ إني قريب ﴾ منه إشارة إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ أجاب واستجاب بمعنى يقال: أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم، فإن طاعة الله هي المستتبعة للخيرات عاجلاً وآجلاً ﴿ من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ وفي ضده ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه.
وفيه نكتة وهي أنه لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيباً لدعائي وهذا يدل على أن نعمه شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين.
وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله قال "الدعاء هو العبادة" وقرأ ﴿ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ وقيل: المراد من الدعاء التوبة.
وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة.
قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم ﴾ الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام.
روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.
وعن البراء قال: كان أصحاب محمد إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي.
وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً.
فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟
قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه.
فذكر ذلك للنبي فنزلت ﴿ أحل لكم ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة.
احتج الجمهور بوجوه منها.
أنه شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم.
وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها.
ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر.
ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل: إن عمر واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه.
فأتى النبي وقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل.
فقال : ما كنت جديراً بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت.
قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص.
وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب.
والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير.
ومنها قوله ﴿ فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم.
قال أبو مسلم: التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان.
والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف.
قال "عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم" وقال "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت.
ويقال: أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً.
فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم.
وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ.
ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع.
ويمكن أن يقال: أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف.
والرفث الجماع.
والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع.
وقيل لابن عباس.
حين أنشد: وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا أترفث وأنت محرم؟
فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء.
هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها.
وقال أبو علي: معناه الفرج.
ويقال: جامع الرجل أو ناك.
فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث الرجل.
وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ ﴿ فلما تغشاها ﴾ } [الأعراف: 189] ﴿ باشروهن ﴾ ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ أولامستم النساء ﴾ وفي قوله: ﴿ دخلتم بهن ﴾ ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ ﴿ فما استمعتم به منهن ﴾ ﴿ ولا تقربوهنّ ﴾ حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم.
قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ .
﴿ هن لباس لكم ﴾ وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب.
قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن.
وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع.
قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها *** تثنت فكانت عليه لباساً أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر "من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.
وعن الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم.
ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر "لابس" وضع موضع الصفة.
وموقع قوله ﴿ هنّ لباس لكم ﴾ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن.
ومعنى ﴿ علم الله ﴾ ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل ﴿ فالآن باشروهن ﴾ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع.
ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب.
وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة.
﴿ فتاب عليكم ﴾ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم.
وعلى قول أبي مسلم لا إضمار.
﴿ فالآن باشروهن ﴾ تأكيد لقوله ﴿ أحل لكم ﴾ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح.
والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه.
ومنه ما روي أنه قال "لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة" وإنما قلنا إنا لمراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً.
وأما المباشرة في قوله ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات.
﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل.
قال "تناكحوا تكثروا" وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك.
وعن الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة.
وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل.
وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله ﴿ فأتوهنّ من حيث أمركم الله ﴾ وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم.
وقيل: يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة.
وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله ﴿ إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها.
واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال ﴿ فالآن باشروهن ﴾ لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت.
فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل.
وكنى رسول الله بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين.
ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد: فلما أضاءت لنا سدفة *** ولاح من الصبح خيط أنارا والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر.
وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك "رأيت أسداً" مجاز، فإذا زدت "من فلانٍ" رجع تشبهاً.
فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى.
فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم.
نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان.
ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر "لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير" وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً.
ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء.
أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً.
فالذي انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود.
وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ فليتذكر.
قيل: ويجوز أن تكون "من" في قوله ﴿ من الفجر ﴾ للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله: ولا شك أن "حتى" لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح.
فاستدل بهذا على جواز صوم من يصبح جنباً.
وبقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ على أن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، لأن ما بعد "إلى" لا يدخل فيما قبلها وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل على حرمة الوصال.
ويؤيده ما روي أنه قال: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم" فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئاً.
وكيف لا وقد صح عن النبي أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول الله إنك تواصل.
فقال: "إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني أعطيت قوة من طعم وشرب.
والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء فبعد ذلك كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد الزوال وصححناه بنيته قبله.
حجة الشافعي قوله "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" ويروى "من لم ينو" وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟
فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضاً الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله ﴿ ثم أتموا ﴾ والأمر للوجوب.
وقال الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه خصص بالذكر من المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها.
وهاهنا مفطرات أخر استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل.
فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند مالك الإنزال بالنظر مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر.
ومنها الاستقاء لقوله "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة لما روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ.
ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من الأجواف فإنه اكتحل في رمضان وهو صائم.
وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعماً أفطر.
والتقطير في الأذن إذا وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة.
ولا بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف.
احتجم وهو صائم محرم في حجة الوداع.
وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة.
ولو دهن رأسه أو بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر.
ولو فتح فاه عمداً لما في الحفظ من العسر.
ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا إفطار.
وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش.
وعند أحمد لا يفطر.
وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه لم يفطر على الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد.
وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر وفاقاً.
"قال للقيط بن صبرة: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمداً أفطر خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان يسيراً، وربما قدره بالحمصة.
وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر على الأصح.
ولا بد أيضاً في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسياً، فإن قل لم يفطر لقوله "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" وخالف مالك.
وإن كثر أفطر.
ولو جامع ناسياً للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما في الأكل.
ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطاً لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على الظن.
ثم إن كان الصوم واجباً قضى، وإن كان تطوعاً فلا قضاء.
والأحوط في آخر النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس.
وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدماً عليه؟
فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه.
ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفاً بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والوقاع إلى طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره.
وجعل الخيط الأبيض وقت الطلوع والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل.
ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر.
وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها.
يحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني؟
فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟
قال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له.
واعلم أن في الآية ترتيباً عجيباً ونسقاً أنيقاً وذلك أن الرفث لما كان من أشنع الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراماً في رمضان ليلاً ونهاراً وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار.
قدم إباحته أولاً ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن الإمساك عن الرفث كان مختصاً بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل ﴿ ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء براً كان أو إثماً.
قال تعالى ﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تعالى تقربا إليه.
وهو من الشرائع القديمة.
قال ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ﴾ وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ههنا.
فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع والمقدمات المفضية إلى الإنزال.
لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين.
فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين.
خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه كان يدني رأسه من عائشة لترجل رأسه وهو معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة على أصل المنع.
احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما.
وأجيب بأن النص مقدم على القياس.
واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات.
ثم اختلفوا فعن علي أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ﴾ أي لجميع العاكفين.
وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" الزهري: لا يصح إلا في الجامع.
أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.
الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله ﴿ في المساجد ﴾ إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة.
ولا خلاف أن الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟
الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم عاكف وأنه منع العاكف من المباشرة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً.
وأيضاً لو كان الاعتكاف موجباً للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان.
وأيضاً لو تلازما لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج.
وأيضاً "روي أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال :أوف بنذرك" .
ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة.
أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضاً كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضاً وفرق بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفاً للآخر، ولهذا قلنا: إنه لو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزمه كلاهما، والجمع بينهما.
ولو نذر أن يعتكف مصلياً أو يصلي معتكفاً لزمه كلاهما دون الجمع بينهما.
ويتفرع على المذهبين أنه يجوز أن ينذر اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.
قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف.
﴿ تلك حدود الله ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من أول آية الصيام إلى ههنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة.
وحد الشيء مقطعه ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.
وإنما قال ههنا ﴿ فلا تقربوها ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فلا تعتدوها ﴾ لأن العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز الباطل.
فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل.
عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله يقول "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه" .
وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها.
وأما في الأوامر فقال ﴿ فلا تعتدوها ﴾ أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، ﴿ كذلك ﴾ أي كما بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام ﴿ يبين ﴾ سائر أدلته على دينه وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله من المتقين بفضله ورحمته.
التأويل: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الضمير عائد إلى الحق.
على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم.
فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي.
وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ﴿ لعلكم تتقون ﴾ مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة ﴿ أو على سفر ﴾ حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب.
﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ على من كان له قوة في صدق الطلب ﴿ طعام مسكين ﴾ فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ فمن تطوع خيراً ﴾ فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر.
وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال أبو يزيد: ناداني ربي وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك.
رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم.
رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ وهو مقام الوصول ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء.
وأيضاً "كل ميسر لما خلق له" لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر): لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا ﴿ ولتكملوا ﴾ عدة أنواع الغاية بجذبات ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ﴿ ولتكبروا الله ﴾ ولتعظموه ﴿ على ما هداكم ﴾ إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال.
قوله ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال.
فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله بقوله ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً ﴾ الآيتين.
ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء ﴿ هن لباس لكم ﴾ أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي ﴿ وأنتم لباس لهن ﴾ تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ﴿ فالآن باشروهن ﴾ بقدر الحاجة الضرورية ﴿ وابتغوا ﴾ بقوة هذه المباشرة ﴿ ما كتب الله لكم ﴾ من المقامات العلية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في ليالي الصحو ﴿ حتى يتبين لكم ﴾ آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: كأن شيئاً لم يزل إذا أتى *** كان شيئاً لم يكن إذا مضى ﴿ في المساجد ﴾ أي في مقامات القربة والأنس.
وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين ﴿ فلا تقربوها ﴾ بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
<div class="verse-tafsir"
هؤلاء الآيات فيهن فرضية بقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ ، وأيد ذلك الإبدال فيها الإفطار لعذر والأمر بالقضاء، وذلك ليس بشرط الآداب مع الامتنان علينا بقوله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، أي يريد بكم الإذن لكم في الفطر للعذر، ولو كان غير فرض بدؤه لم يكن الفطر للعذر بموضع الرخصة مع شرطه إكمال العدة في القضاء معنى، وفي ذلك لزوم حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء.
وعلى ذلك إجماع الأمة.
ثم يبين عز وجل أن لم تكن هذه الأمة بمخصوصة في الصيام، بل هي أحق من فيهم استعمل العفو أو الصفح بما خصهم بأن جعلهم ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ، وأخبر أنه لم يجعل عليهم ﴿ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، ولا ألزمهم العبادات الشاقة فضلاً منه عليهم وتخصيصًا لهم؛ إذ جعلهم ﴿ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّا ﴾ ، فقال عز وجل: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .
لكن "كما" يحتمل وجهين: يحتمل: العذر الذي كتب عليهم.
ويحتمل: الفرضية في الجملة لا عين ما فرض عليهم من حيث الإشارة إلى ذلك؛ ولذلك اختلف في (الكاف) في قوله: (كما) - أنها زائدة، أو حقيقية.
ثم اختلف فيما يأتيه ذلك الصيام: فمن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، من جعله صوم عاشوراء وأيام البيض.
ثم استعملوا نسخ ذلك بصيام الشهر.
وقد روي مرفوعًا: "أن صوم شهر رمضان نسخ كل صيام كان".
وروي عن جماعة في أمر صوم عاشوراء: "أنا كنا نصومه حتى نزل صوم الشهر، فلم يكن رسول الله يأمرنا به ولا ينهانا" .
وأصل هذا أنه كان يصام، لو كان ابتداء الآية عليه بحق الفرض فأبدل ذلك بصوم الشهر، فارتفعت عنه الفرضية على ما إذا كان يخرج منه بالفداء لم يكن معه فرضية القضاء، وبقى الفصل فيه؛ النسخ لم يكن من حيث نفس الصوم، إذ مثله من النسخ يكون بغير الصوم ولا يصوم.
فثبت أنه في نسخ الفرضية.
فبقي فيه حق الأدب والفضل، وتبين النسخ الصوم إذ مثله، وإن ذلك غير صوم الشهر الذكر في صوم الشهر بقوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً...
﴾ الآية إذ ذلك كان غير موضع الشهر، ولو كان الكل واحداً لكان الذكر في موضع منه كافياً عن الإعادة؛ فثبت أنه على تناسخ الصيام.
وقد روي [عن] معاذ، رضي الله عنه، أنه قال: "أحيل الصيام ثلاثة أحوال" .
وبين الخبر على وجهه في ذلك.
ويحتمل: أن يكون المراد منه صوم الشهر، ويكون تكرار الذكر في الرخصة لمكان رفع الفداء، أو لمكان ذكر حق الامتنان بالتيسير، أو التحريض على حفظ العدد.
والله الموفق.
وأي ذلك كان؟
فليس بنا حاجة إلى معرفة حقيقة ذلك؛ لأن كيفية الابتداء لم تكلف، وأنما كلفنا ما أبقى فرضه، وهو صيام الشهر الذي لم يختلف في ذلك.
ثم قد خاطب جل ثناؤه بالصيام من قد آمن بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ فكان فيما خاطب وجهان: أحدهما: أنه خاطب المؤمنين فعرف المخاطبون أن الاسم يذكرهم؛ إذ لم يذكر عن أحد أنه ظن خروجه من حكم الآية، من حيث لم يكن وفاء بما به يستحق الاسم، وكذلك سائر عبادات الأفعال.
وهذا من أوضح ما يجب به العلم أن الإيمان ليس باسم لجميع القرب، بل تحقيقه يصير أفعال القرب قرباً.
وفيه إذ لم يقل: يأيها الذين، قلتم: نحن مؤمنون به صلى الله عليه وسلم، دلالة ظاهرة على هجر هذا القول، وأنه من تلقين الشيطان ليبطل عليهم عقدهم، كما يبطل كل عقد يستعمله فيه صاحبه مما أراد إلزامه العقد.
والله أعلم.
والثاني: أن الله خص بالعبادات المؤمنين، وأنهن لا يلزمن غيرهم وإنما يلزم غيرهم فيها الاعتقاد، لا الأفعال التي هي تقوم بالاعتقاد، وليس الاعتقاد بواجب لمكان تلك الأفعال حتى تكون كالأسباب التي توجب بإيجاب أفعال بها تقوم، بل له واجب غيره.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يرتفع ذلك عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غير ذلك من العبادات؛ ثبت أن الأمر بذلك بحيث نفسه، لا لغيره.
ثم لا قيام لغيره مع عدمه؛ ثبت أن المعنى الذي به يصير المرء أهلاً لاحتمال فعل العبادات، لذلك لا يجوز الأمر بشيء منها دون ذلك.
وله وجهان يحيلان الأمر أيضاً: أحدهما: العقل، أنه من البعيد أن يكون من لم يقبل العبودية، ولا أقر بالرسالة تؤمر بالعبادة وباتباع الرسول بحق الرسالة، بل يقول: ألزمونا الأول، حتى يكون الثاني، وهو كما أحال الناس المناظرة في الرسل مع منكري الصانع والمرسل، فمثله الأول، بل يجب كل قربة به؛ إذ لا يكون إلا به.
والله أعلم.
والثاني: القول بأن من أسلم بعد أوقات العبادات لا يلزمه القضاء.
ثم لذلك وجهان من المعتبر: أحدهما: بأنهم إذا لم يدخلوا في خطاب القضاء، بما ليس معهم فى الحال ما يحتمل معه القضاء، فكذلك خطاب الابتداء؛ إذ هو الذي به لزم القضاء في الإسلام.
والله أعلم.
والثاني: أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام، ولا يجوز الابتداء في حاله.
فكان ذا تكليف لم يجعل الله للمكلف وجه القيام، وقد تبرأ الله عن هذا الوجه من التكليف بقوله عز وجل: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، مع ما بين الله بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ﴾ أن ما للكافر التمتع فى الدنيا، لا العبادات في ذلك.
والله الموفق.
فثتب بالآية التي ذكرنا جميع المؤمنين في الخطاب؛ إذ بين الرخصة لِذِي العذر في الإفطار على وجوب القضاء فإذا لم يحتمل خروج من له العذر في الفطر عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء، ثبت أن من لا عذر له داخل فيه ولا يسعه الفطر، وعلى هذا جاء ممن ابتلي بالجماع نهاراً أنه أكد عليه الأمر وألزم الكفارة على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من حاله أنه ليس بمريض ولا مسافر، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض، وفي ذلك إيجاب الكفارة لتعديه على الصيام على حال لا يحتمل الإرخاص، إذ قد كان تلك البلية في الليالي، فلم يُؤمَروا بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة لأنفسهم لولا النوم، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
والشهر اسم للكل، ولو كان المراد راجعاً إليه لكان الصيام في غيره؛ لأنه عند هجوم غيره يتم شهوده، ثم يتناقض؛ لأنه قال: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، ومحال أن يصوم في غيره ابتداء؛ فرجع التأويل إلى أن من شهد منكم شيئاً من الشهر ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
فمن اعترضه الجنون فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب، ويجوز في حالة الفرض أيضاً؛ إذ لو شهد ليلة الصيام فعزم على الصيام يجوز له فرضه، فدخل في حق الخطاب، ثم اعترضه في سائر الليالي عذر منع النية، لا عذر منع الصيام، فيقتضيه إذ هو أهل الحكم للآية التي ذكرنا، والقيام بذلك الفرض على ما وصفنا، ففاته بفوت النية كمن كان فوت لعذر المرض والسفر والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية، فعليه قضاؤه.
وعلى ذلك في الصبي والكافر لم يدخلا في معنى الآية، ولا كانا يحتملان في حال قضاء فرض الصيام، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض.
لذلك لم يلزم.
وقدى روي عن محمد، رحمه الله ، على هذا: أن من أدرك مجنوناً ثم أفاق في بعض الشهر، أنه لا يقضي ما مضى، على ما ذكرت.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه يقضي، إن كان في أول الشهر بالغاً، لما أخبرت أن صيامه لم يجز لعدم النية، والصبي والكافر بنفسه، ومن فوته لعدم النية، فهو داخل في حكم فرضه، فعليه القضاء.
والله الموفق.
ومن جن الشهر كله لا يقضي لشرط الشهود، وهو لم يشهد شيئاً منه مع إمكان الإسقاط بدليل آخر، وإن كان حق الخطاب في الظاهر قد اقتضاه على مثل المريض الذي لا يصح، والمسافر الذي لا يقيم.
والله الموفق.
وفي قوله: ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ ، دلالة أن ابتداء الآية في غير صوم الشهر؛ إذ صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام، لكن الله إذ علم الأمر الظاهر في الخلق أنهم يعدونه بالأيام وإن كان لهم عن ذلك غنى.
وقد روي عن رسول الله أنه قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما، وعقد أصبعاً منها في آخر المرات" وجاء عن غير واحد أنهم قالوا: "ما كنا نصوم على عهد رسول الله تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين" .
فجائز ذكر قوله: ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ ، يعني يعدها الخلق.
والله الموفق.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ، أي: ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن الذي به يدعو إليها من الأغذية.
أو ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ نقمة الله في الآخرة، ومخالفته في الفعل في الدنيا.
وقد جعل الله جل ثناؤه عباداته أعواناً للمعتادين بها على الكف عن المعاصي، والخلاف لله في الشهوات، فقال: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، وغير ذلك.
والله الموفق.
والأصل: أن العبادات تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام بين يدي الجبار، وتطلعهم على الموعود لهم في الميعاد.
وهما أمران عظيمان: أحدهما: في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه.
والثاني: في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعد ما يضمحل لديه كل لذة دونه، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد.
والله أعلم.
ثم قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...
﴾ الآية، من غير أن ذكر فطراً، فلا أشار إلى ما ذكر من السفر والمرض اللذين جعلا له تأخير الصيام إلى أيام أخر، ولا أشار إلى أعين تلك الأيام.
وكذلك قال مثله فيما كان عرف الوقت لابتداء الصيام بقوله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ على أثر المعرف له بقوله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، لكن الفطر يعرف أنه مضمر فيه بالعقل والسمع: فأما السمع: فما جاء من الآثار في الإذن بالإفطار للسفر والمرض؛ دل أن في ذكر العدة ﴿ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ إضمار فطر.
والله أعلم.
والعقل: أن الله جعل المرض والسفر سببي الرخص، فلا يجوز أن يصيرا سببي زيادة فرض على ما كان قبل اعتراضهما، على أن قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ دليل أنه لو كان يلزم القضاء مع فرض فعل الصوم لكان ذلك عسراً وحرجاً في الدين، وقد أخبر الله أنه ما يجعل علينا الحرج في الدين.
وعلى ذلك قال بعض الناس: يلزمهما القضاء إن أفطرا أو لا، محتجّاً بما لم يذكر في القرآن الإفطار، وذكر ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ كأنه جعل الوقت لهما غير الذي هو لغيرهما.
يؤيد ذلك المروي عن رسول الله أنه قال: "الصائم فى السفر كالمفطر" ، ومعلم أن على المفطر في الحضر القضاء.
فكذلك الصائم في السفر.
ولكن الآية عندنا على الإضمار، وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على إثر ذكر الحضر، كقوله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ من غير ذكر الأكل أنه على إباحته.
وقال الله عز وجل: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ ، ثم قال عز وجل: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ ولم يذكر منه الإحلال، لكنه معلوم أنه على الشك ما لم يوجد؛ إذ لا يكون العذر سبب الزيادة في الفرض.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، ثم قال عز وجل: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ...
﴾ الآية [البقرة: 196]، وذلك على إطلاق الحلق، ثم يلزمه الفداء؛ لأن الأذى والمرض يلزمانه.
فمثله الأول.
ثم الأصل: أنه لا أحد يلزم فرض صيام الشهر في غيره إذا لم يدرك الشهر، وقد أمر من نحن في ذكره؛ فبان أنه لزمه بإدراك الشهر لإدراك وقت الإمكان بلا عذر.
وقال: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ليعلم أن الذي يلزمه بالشهر في أوقات الإمكان.
وذلك على ما يلزم الإحداث الطهارة لأوقات عبادة لا تقوم دونها، وفعل الجنابات لأوقات الحلول وإن تأخرت فمثله أمر الشهر.
دليله ما بينا، وما ثبت عن رسول الله وعن صاحبته: فعل الصيام في ذلك الوقت والفطر جميعاً؛ ثبت أن الصوم يجوز على المرض والسفر؛ إذ هما لأنفسهما لا يناقضان الصيام بما جاز معهما، وقد أمر به المتمتع وهو المسافر، أن ليس ذلك على حاضري المسجد الحرام، وذابح الصيد والمبادئ بهما لا يضادان الصيام، ثم كان القضاء عن الشهر بظاهر التلاوة؛ فبان أنه يجوز فيهما.
وإذا جاز ثبت أن التأخير رخصة والفضل في الفعل.
والله أعلم.
والخبر على من يجهده الصيام حتى خيف عليه، وكذلك ماجاء من الآثار: "أن ليس من البر الصيام في السفر" .
والله أعلم.
وعلى هذا يخرج قول أصحابنا في المكره على الفطر: أنه إن كان مريضاً أو مسافراً لا يسعه ألا يفطر لما جاء في ذلك من الوعدي في الفعل في السفر في حال الضرورة، ويسعه لو كان صحيحاً مقيماً لما لم يذكر له الرخصة، ويلزمه فيه القضاء، مع ما فيه؛ إذ لم يكن ظهر الإذن في تلك الحال كان كفه عنه تعظيماً لأمر دينه، من غير أن ذكر له في الدين النهي عنه، فهو في سعة، وليس كالمكره على أكل الميتة، ما ليس ذلك بذي بدل.
وقد فرق بين ذي بدل وما بدل له، نحو إتلاف مال آخر، وأكل الميتة، ولأن علته الاضطرار وليست علة الفطر في السفر تلك، إذ قد يجوز، لا له، فهو عذر النفس، لا ضرورة النفس؛ فكأنه غير معقول العلة، وفيه تعظيم الدين.
وليس في أكل الميتة وما ذكر.
ولا قوة إلا بالله.
ثم السفر الذي له الرخص: أجمع أنه لم يرد به المكان، لما جاء الفطر في الأمصار، ثبت أنه لنفس السفر.
ثم كان السفر - حقيقته الظهور [و] الخروج عن الأوطان، وقد يكون مثله في الخروج عن الأوطان إلى الضياع ونحوه، ولم يؤذن في الفطر؛ ثبت أنه راجع إلى الحد، وعلى ذلك متفق القول.
ثم كان الحد المرخص عندنا: الخروج على قصد سفر ثلاثة أيام لخصال ثلاث: أحدها: الإجماع على أن هذا الحد مرخص ودونه تنازع.
والتنازع يوجب النظر؛ لا الفتوى بالرخص، وفي ذلك أمر بفعل الصيام.
والثاني: مجيء الخبر من وجهين: أحدهما: في تقدير مسح السفر بثلاثة أيام، ومعلوم أنه جعل للسفر حدّاً ووقتاً لفعل رخصة المسح وأوقات الأفعال على اختلافها.
يتفق على أنها لا تقصر عن احتمال الأفعال على الوفاء، وليس بما لم يدخل الليالي في حق السفر عبرة؛ لأن الأسفار وإن كانت مؤسسة على قطع الطرق والسير فيها، فإن دوام السير يجحف صاحبه ويهلكه، وفي ذلك منع السفر؛ ثبت أن أوقات السعي والسير مشترطة داخلة في حق السفر.
لذلك صارت الليالي كالمعفوة، فتكون محيطة بما فيها من فعل المسح.
والثاني: ما جاء من الأثر في النهي عن سفر ثلاثة أيام إلا المحرم.
وهو المنهي لما جاء به النهي، وفيما دونه تنازع، لم يوجب الرخصة للإشكال في حق التمام لما له الرخصة على ما كان لما له النهي.
والله أعلم.
والوجه الثالث: أن السفر عذر، والنهايات في الأعذار الثلاث، فكذلك بالأيام؛ إذ بها يسافر.
وقال موسى : ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً ﴾ .
وأما المرض فلم يجز أن يكون اسمه سبباً للرخصة؛ إذ ربما كان المرض يخفف الصيام ويسهل عليه سبيل فعله.
ومن البعيد الترخيص بما يسهل فيه الفعل، والتضييق لما يشتد؛ فثبت أنه ليس لاسم المرض.
وعلى ذلك الإجماع فهو - والله أعلم - لما يخاف أن يزداد له بترك الأكل الداء، ويقبح على المرء اكتساب الداء وتعاطي الضارية، فرخص له الظفر بذلك، وذلك معنى البشرية، إذ به تخفيف ما به أو منع، أو ما يعتريه من الضرر، ولهذا ما رخص أصحابنا لمن به رمد يخاف الزيادة فيه.
وقد روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن النبي قال: "يفطر المريض والحبلى إذا خافت أن تضع ولدها، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها" ثبت أن الرخصة لما يخاف من فساد ينزل.
ولا قوة إلا بالله.
وعن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن رسول الله أنه قال: "من مات من طعام أو شراب وهو يقدر فله النار" وبالله المعونة.
وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ .
قال قائلون: يطيقون الفداء.
وذلك في الأمر الأول في المسافر والمريض أن له أن يقضي في أيام أخر، وأن يفدي.
وفيه: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، أي: أن تقضوا الصيام - والله أعلم - إذ قد يحتمل أيضاً أن كانت الرخصة من قبل فيمن عليه بالخيار بين أن يصوم وبين أن يفدي، والصوم خير على ما ذكر في الآية، ثم نسخ ذلك، إن كان على التأويل الأول بقوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...
﴾ الآية، أنه ألزم القضاء على كل حال، وان كان الثاني فقوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، أنه ألزم الفعل على حال، وبمثل ذلك خبر معاذ في إحالة الصيام: أنه كان للمرء خيار بين الفطر والفداء وبين الصيام، ثم نسخ.
في قوله: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ على أثر ذكر السفر والمرض دلالة جعل الصيام في السفر خيراً من الفطر والفداء في غيره، وإن احتمل الذي ذكرت.
والله أعلم.
ثم الدلالة على النسخ في الوجه الذي ذكرت.
ومتفق القول على أن المطلق لم يكن له الخروج من ذلك بالفداء.
فبذلك عرف النسخ مع ما ثبت من قطع الآية على القضاء في أحد الوجهين، وفعل الصيام في الآخر.
وعلى ذلك معتبر القول في الشيخ الفاني الذي لا يقوم للقضاء أن له الفطر والفداء؛ لأن الصوم قد ثبت أنه يحتمل الوفاء بالفداء لكن نسخ بالصيام، فإذا ارتفع الصيام بالعجز عمن يحتمل الخطاب بعبادات الأموال وهم المشايخ، جاز أن يخاطبوا بالصيام ليخرجوا عنه بالفداء.
وعلى ذلك ما جاء في الأثر عن رسول الله بالأمر بالصيام عن الميت، أنه الصيام الذي هو صيام من لا يحتمل فعله وهو الفداء.
والله أعلم.
وقد قرئ (يُطَوَّقُونَهُ) بمعنى يُكلَّفونه، ولا يطيقونه، لكن في الآية ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ولو كان "لا يطيقونه": لا يرغبون فيه، إلا أن يشترط فيه طاقة الجهد.
والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾ .
من زيادة فداء، وما يستزيد من الخيرات التي لم يفترض ليعوَّد به الخير.
أو ﴿ تَطَوَّعَ ﴾ فيما أذن له في الفداء بالصوم.
والله أعلم.
وروي عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله قال: "لا تسموا شهر رمضان رمضان، فإنما هو اسم من أسماء الله .
انسبوه إلى ما نسبه لكم القرآن" وقوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
أضاف عز وجل الفعل إلى الشهر بقوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ؛ فلذلك إذا قصد به صوم الشهر جائز الصوم إن لم ينو الفرض سوى ما ذكرنا.
وكذلك سائر الفرائض نحو الظهر والعصر ينوي ذلك، فيكون ذلك على ما جعله الله من فرض وإن لم ينو الفرض.
ولا قوة إلا بالله.
وعلى ذلك من نوى بالصيام غير صيام الشهر جائز عن صيام الشهر، لما أمرنا بصيام الشهر ولم نؤمر بأن نجعل ذلك لشيء سواه، والشهر موجود لنفسه لا يحتاج صاحبه إلى أن يوجده كان من ذلك على كل حال.
وكذلك كل حق معين في شيء لم يزل عنه نيته إلى غيره؛ كمن بأمر إنساناً بشراء شيء بيعنه لم يتحول عنه بالنية، على أن ذلك كالظهر والعصر ونحو ذلك؛ فيحال على تحقيق ذلك قصد غير، وبعد فإن كلا يجمع ألا يجوز غير؛ فثبت أن استحقاق الشهر بصومه لا يستحق عليه غيره من الصيام فجاز عنه.
وعلى ذلك أجاز أبو حنيفة في السفر غيره، من حيث أذن له في تأخير هذا، أو غيره فرض عليه نحو صوم الظهار والقتل، ولا رخصة له في تأخيره، فجاز فيه؛ إذ هو وقت صيام حول إلى وقت غيره، فصار هذا الوقت بالحكم لغيره، وليس كنية المتطوع؛ لأنه في موضع الرخصة وفي العمل به وقد يكون له مقدار التطوع من الفضل على غيره فهو أولى به.
ولما قد يجوز النفل بلا نية نفل، فكأنه لم ينو النفل.
فهو رجل لم يعمل برخصة الله بل عمل بوجه العزم.
ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
قيل: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الأكل والشرب والجماع.
ويحتمل: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ المعاصي؛ لأن النفس إذا جاعت شبعت عن جميع ما تهوى وتشتهي.
وإذا شبعت تمنت الشهوات، وتتمنى ما تهوى.
ويحتمل: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ عذاب الله وعقابه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
ألزم بعض الناس على المريض والمسافر قضاء عدة الأيام وإن صاموا، فاستدلوا بظاهر الآية فقالوا: أوجب عليهم القضاء على غير ذكر الإفطار فيها.
واحتجوا أيضاً بما روي عن رسول الله ، أنه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" ، فقد حقق له حكم الإفطار في أن لا صوم له؛ فدل أنه لم يجز، فكان التقديم الصوم عن وقته.
وأما عندنا: فهو على إضمار الإفطار، كأنه قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ﴾ فأفطر، ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
وهو كما ذكر عز وجل في المتأذي: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ ، أي: من كان به أذى فرفع من رأسه ففدية.
وكما قال في المضطر: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، ومثله كثير في القرآن.
فلا يجوز لأحد أن يأتي ذلك، ولأن المرض والسفر أعذار رخص الإفطار فيها تخفيفاً وتوسيعاً على أربابها، فلو كان على ما قال هو لكان فيه تضييق عليهم؛ ولأنه إذا قضى في عدة من الأيام إنما يقضي عن ذلك الوقت، فلو لم يجز الفعل في ذلك الوقت وفي تلك الحال، لكان لا يأمر بالقضاء عن ذلك الوقت ولا عن تلك الحال؛ فدل أنه على ما ذكرنا.
والله أعلم.
وأصله: ما روي عن رسول الله أنه صام في السفر، وروي أنه أفطر، وروي عن الصحابة، أنهم صاموا في السفر.
ولو كان لا يجوز لكان لا معنى لصومهم.
وأما قوله: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" ، فهو عندنا: إذا كان الصوم أجهده وضعفه لزمه أن يفطر، صار كالذي أفطر في الحضر.
والله أعلم.
وروي عن أنس - رضى الله عنه [أنه] - قال: "الصوم أفضل والفطر رخصة" وقوله : ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ .
قرأ بعضهم: "وعلى الذين يُطَوَّقُونَه"، فمعناه يكلفونه.
وقال بعضهم: "لا يطيقونه".
لكن هذا لا يحتمل؛ وذلك أنه قال: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، دل أن قوله: "لا يطيقونه" لا يحتمل.
وقيل: كان أول ما ترك الصوم كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً كل يوم، فلما نزل صوم شهر رمضان نسخ ما كان قبله عمن يطيق الصوم، ويثبت الرخصة لمن لا يطيق من نحو الشيخ الفاني، والحبلى والمرضع إذا خافت على ولدها.
وقيل: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ، أي: الفدية.
وقيل: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ، ثم عجزوا، ﴿ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ كل يوم.
وقيل: إن المريض والمسافر إن شاءا أفطرا وقضيا، وإن شاءا أفطرا وفديا.
لكن ذلك كله منسوخ بما ذكرنا بنزول ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ .
وروي عن أنس، رضي الله عنه، أنه قال: "أحيل الصوم ثلاثة أحوال: فمرة يقضي، ومرة يطعم، ومرة يصام، ثم نسخ هذا كله" ثم الأصل في هذا: أن من عجز عن قضائه جعل له الخروج بالفداء بعجزه عن ابتدائه، من نحو الشيخ الفاني وغيره.
ومن لم يعجز عن قضائه، لم يجعل له الخروج بالفداء، من نحو المرضع والحبلى المريض والمسافر؛ لأنهم لم يعجزوا عن غير المفروض والبدل أبداً، إنما يجب إذا عجز عن إتيان الأصل.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾ .
يحتمل: زيادة الطواف.
ويحتمل: نفس الحج.
ويحتمل: أصل التطوع أن كل ما يتطوع به فهو خير له إذا تطوع في الأصل خير.
وقوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .
قوله: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .
قيل: يهتدون به الطريق المستقيم.
وقيل: بيان للناس من الضلالة.
وقوله: ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قيل: حجج للناس إذا تأملوه.
وقيل: ﴿ وَبَيِّنَاتٍ ﴾ أي: فيه الحلال، والحرام، والأحكام، والشرائع.
وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانِ ﴾ .
قيل: يفرق بين الحق والباطل.
وقيل: ﴿ وَٱلْفُرْقَانِ ﴾ ، المخرج في الدِّين من الشبهة والضلالة.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "نزل الفرقان إلى السماء الدنيا من اللوح جملة في شهر رمضان في ليلة القدر - في ليلة مباركة - جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلاً رسلاً في الشهور والأيام على قدر الحاجات" وقوله : ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ وهو مقيم صحيح، ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
ثم رخص للمريض والمسافر الإفطار بقوله عز وجل: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ أي: من شهد منكم بعقله الشهر ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ فلا يدخل في الخطاب المجانين ولا الصبيان، ألا ترى أن أول الخطاب خرج للمؤمنين بقوله عز وجل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ فهؤلاء لم يدخلوا فيه؛ فدل أن قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ أي: شهد منكم بعقله، ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
ثم يحتمل أن تكون فرضية الصوم بقوله عز وجل: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
ويحتمل: لا بهذا، ولكن بقوله: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ؛ إذ لا يجب إكمال العدة لما مضى إلا على حق الفرضية والثاني: قال الله : ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، بما رخص للمريض والمسافر الإفطار، ولو كان غير فرض لم يكن لما ذكر من الامتنان علينا بالتيسير معنى؛ لأن المنة لا تذكر فيما له تركه؛ فدل أنه فرض.
ويحتمل: أن يكون فرضيته بقوله عز وجل: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ ، أي: فرض.
فدلت هذه الآيات على أنه فرض.
ثم اختلف فب قضاء ما فات منه برخصة الإفطار في السفر أو في المرض: قال بعضهم: لا يجوز إلا متتابعاً.
وكذلك روي في حرف أبي بن كعب في قوله: "فعدة من أيام أخر متتابعات".
وأما عندنا: فإنه يجوز متتابعاً ومتفرقاً؛ اتباعاً لما روي عن خمسة من أصحاب رسول الله ، أنهم قالوا: "إن شاء تابع، وإن شاء فرق" سوى أن عليّاً، رضي الله عنه قال: يتابع، لكنه إن فرق جاز، ثم عن علي، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، رضي الله عنهم، وآخر لست أذكره، أنهم قالوا: بجواز ذلك، ولا يحتمل أن التتابع شرطاً فيه خفى ذلك على هؤلاء، أو تركوه إن عرفوه؛ فدل أنه لا يصح ذكر التتابع شرطاً فيه، وليس كذكر التتابع في صوم كفارة اليمين في حرف ابن مسعود، رضي الله عنه؛ لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة، رضون الله عليهم أجمعين، في ذلك، فصار كالمتلو.
وهاهنا قد خالفوا أبيّاً في حرفه؛ لم يصر كالمتلو؛ لذلك افترقا.
والله أعلم.
وقراءة أبي إن ثبتت عنه، فهو على الأرب؛ لما ذكر من إجماع الصحابة، رضي الله عنهم، وبما أنه وجب بوقت، وكل ذي وقت فليس التتابع بشرط فيه في غير ذلك الوقت.
لو كان التتابع شرطاً، لكان حق الإفطار يلزم الكل؛ حتى يكون القضاء موصولاً أو الابتداء.
فأما إذا جاز التفريق بين بعض له حكم الابتداء وبعض له حكم القضاء، لجاز في غيره من الأبعاض؛ إذ كل ذلك له في الابتداء جاز الفعل والترك.
فصار حق كل يوم في القضاء لنفسه لا لغيره؛ إذ كذلك حقه في الترك القضاء، وفي الفعل في الابتداء.
ولا قوة إلا بالله.
وما ذكر من المسائل فهي مبنية على هذا الذي ذكرت: أن التتابع للفعل لا يحتمل اعتراض رخصة التفريق على إمكان الجمع؛ ثبت أن الجمع شرط فيه.
وما نحن فيه يحتمل صوم كل يوم على الانفراد أن يؤخر فعله في الشهر بالرخصة عن غيره كذلك القضاء.
والله أعلم.
وبعد، لو كان التتابع شرطاً لم يكن لقوله: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ ، وقوله عز وجل: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ، كبير فائدة، لأن في التتابع شرط الجملة، لا أن يكلف له العدد، وعلى الرجل أن يتم المدة التي للقضاء، لا أن يحفظ الحساب لإكمال العدة.
والله أعلم.
والأصل: أن كل صوم يؤمر بالتتابع بحيث الفعل يكون التتابع شرطاً فيه حيثما كان الفعل.
وكل صوم يكون التتابع فيه بحيث الوقت، ففوت ذلك الوقت يسقط حق التتابع.
ولهم على هذا مسائل: إذاقال: "لله عليَّ أن أصوم شعبان"، فلزمه أن يصوم متتابعاً، لكنه إذا فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعاً، وإن شاء متفرقاً؛ لأن التتابع بحيث الوقت يسقط لسقوطه.
ولو قال: "لله عليَّ أن أصوم شهراً متتابعاً"، يلزمه أن يصوم متتابعاً، لا يخرج من نذره إلا به؛ لأن التتابع ذكر للصوم، فهو لا يسقط عنه أبداً.
والثاني: ما قال عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، واليسر رخصة، لم يجز أن يجعل فيه ما هو عسر وضيق: وهو التتابع.
والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، دلالة أنه إذا صام من غيره لم يجز؛ لأنه أضاف عز وجل الصوم إلى الشهر، وأشار إليه بقوله عز وجل: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ فلو جاز له أن يصوم من غيره لكان فيه صرف إلى غير ما جعله الله، وفي ذلك خوف اعتراض لأمره، وإشراك في حكمه.
ونسأل الله العصمة من الزيغ عن الحق.
وأما قوله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ ﴾ .
قالت المعتزلة: من صام في السفر أو في المرض فعل ما لم يرد الله؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه لم يرد العسر، وإنما أراد اليسر، فإذا صام في المرض أو في السفر أراد العسر، والله أخبر أنه لم يرد، فدل أنه فعل ما لم يرد الله.
لكن الوجه عندنا: أن قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ ﴾ ، معناه: أراد الله بكم اليسر لما رخص لكم الإفطار في السفر؛ لأنهم أجمعوا على أن الصوم في السفر أفضل، والإفطار رخصة، ولا جائز أن يقال: لم يرد الله ما هو أفضل، وأراد ما هو دونه على قولهم، ولكن يقال: أراد لمن أفطر اليسر، وأراد لمن ترك الإفطار العسر، وإرادته نافذه، فلا جائز أن ينفذ في وجه ولا ينفذ في وجه آخر.
وقوله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، أي: يريد أن ييسر عليكم بالإذن في الفطر، لا أن العسر عليكم بالنهي عنه.
وقد يحتمل الفعل، لكنه لم يذكر عن أحد أن الله أراد به اليسر فصام؛ فثبت أن الإرادة موجبة، مع ما لا يحتمل على قولهم أن يكون الصائم في السفر غير مراد، وقد قضى به فرض الله، وأطاع الله فيه.
والمعتزلة يقولون بالإرادة في كل فعل الطاعة فضلاً عن الفريضة.
وقوله: ﴿ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ .
قيل: يعني تعظمون الله، ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ لأمر دينه.
ويجوز أن يريد بالتعظيم الأمر بالشكر لما أنعم عليهم من أنواع النعم من التوحيد والإسلام وغيره.
﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : أي: ربكم بهذه النعم التي أنعمها عليكم.
ويحتمل: أنه أمر بالتعظيم له والشكر لما رخص لهم الإفطار في السفر والمرض.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
يا أيها الذين آمنوا بالله واتبعوا رسوله فُرضَ عليكم الصيام من ربكم كما فُرِضَ على الأمم من قبلكم؛ لعلكم تتقون الله بأن تجعلوا بينكم وبين عذابه وقاية بالأعمال الصالحة ومن أعظمها الصيام.
<div class="verse-tafsir" id="91.nYyzR"
الكلام في سرد الأحكام فلا حاجة إلى التناسب بين كل حكم وما يليه، والصيام في اللغة الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشرع الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب احتسابًا لله وإعدادًا للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بالمراقبة له، وتربية الإرادة على كبح جماح الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضار والمحرمات.
وقد كتب على أهل الملل السابقة فكان ركنًا من كل دين، لأنه من أقوى العبادات وأعظم ذرائع التهذيب، وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفرضية وترغيب فيها.
ولقد أبهم الله هؤلاء الذين من قبلنا، والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية، فهو معروف عن قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين، وثبت أن موسى صام أربعين يومًا، وهو يدل على أن الصوم كان معروفًا مشروعًا ومعدودًا من العبادات، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعًا تذكارًا لخراب أورشليم وأخذها.
ويصومون يومًا من شهر آب.
وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعروفة نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة كالنهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيًا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السلام، والحواريون ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبًا أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم وصوم عن السمك وصوم عن البيض واللبن، وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار، ولا نطيل في تفصيل صيامهم، بل نكتفي بهذا في فهم قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلكم، فهو تشبيه الفرضية بالفرضية ولا تدخل فيه صفته ولا عدة أيامه، وفي قصتي زكريا ومريم عليهما السلام أنهم كانوا يصومون عن الكلام، أي مع الصيام عن شهوات الزوجية والشراب والطعام، قال البيضاوي: إن الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، لا مطلق الإمساك كما يقول الجمهور، وقال أبو عبيدة من رواة اللغة:"كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم"، ثم قال: "خيل صيام وخيل غير صائمة" أي قيام بلا اعتلاف.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال "الصيام نصف الصبر".
وهذا معنى دلالة ﴿ لَعَلّ ﴾ على الترجي فالرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم، ومن لم يصم بالنية وقصد القربة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى.
فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها.
إن الوثنين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها إلى مساعدتهم في بعض الشؤون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب، حتى جاء الإسلام يعلمنا أن الصوم ونحوه إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وأن الله غني عنا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا.
قلنا إن معنى "لعل" الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا، وأنصعها برهانًا، وأظهرها أثرًا، وأعلاها خطرًا -(شرفًا)- أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظًا عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجه أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة.
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضًا.
انظر هل يُقْدِم مَن تُلَابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟
هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟
هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه؟
هل يحتال على أكل الربا؟
هل يقترف المنكرات جهارًا؟
هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارًا؟
كلا؟
إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حرًا يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبدًا للشهوات.
إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى.
وقد لاحظه من أوجب من الأئمة تبييت النية في كل ليلة، ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث المتفق عليها كقوله :"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
قالوا أي من الصغائر، وقد يكون الغفران للكبائر مع التوبة منها لأن الصائم احتسابًا وإيمانًا على ما بينا يكون من التائبين عما اقترفه فيها قبل الصوم، وقوله في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وفي حديث آخر" يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
فأين هذا من حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدًا، أو الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، كالأدنياء الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، والذين يغطسون في الجداول والأنهار ويشربون في أثناء ذلك.
وما قذف بهؤلاء وأمثالهم -ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر- إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يتحمل العقوبة راضيًا مختارًا.
وههنا شيء ذكره بعضهم ويشمئز الإنسان من شرحه وبيانه وهو أن الصوم يكسر الشهوة بطبعه فتضعف النفوس ويعجز الإنسان عن الشهوات والمعاصي، وفيه من معنى العقوبة والإعنات ما كان يفهمه الكثير من جميع مطالب الدين وراثة عن آبائهم الأولين من أهل الديانات الأخرى، وإذا طبقنا هذا القول على ما نعهده وجودًا ووقوعًا لا نجده موافقًا.
لأن المعروف أن الإنسان إذا جاع يضرى بالشهوات وتقوى نهمته ويشتد قرمه، وآثار هذا ظاهر في صوم أكثر المسلمين فإنهم في رمضان أكثر تمتعًا بالشهوات منهم في عامة السنة، فما سبب هذا وما مثاره؟
أليس هو الضراوة بالشهوات؟
بلى.
ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله (رحماء بينهم).
ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة.
ومن فوائده الصحية إنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أُولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذِّرْب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر.
قال "صوموا تصحوا"، ويؤيده: "اغزوا تغتنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا".
وقال بعض أطباء الإفرنج إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.
وأعظم فوائده كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمنا، ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابًا كمن ينوى التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية، وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال.
ولا أشك في أن من يصوم على هذا الوجه يكون راضيًا مرضيًا مطمئنًا بحيث لا يجد في نفسه اضطرابًا ولا انزعاجًا.
نعم ربما يوجد عنده شيء من الفتور الجسماني وأما الروحاني فلا، وأعرف رجلًا لا يغضب في رمضان مما يغضب له في غيره، ولا يمل من حديث الناس ما كان يمله في أيام الفطر، وذلك لأنه صائم لوجه الله تعالى.
أين هذا كله من الصوم الذي عليه أكثر الناس وهو ما تراهم متفقين عليه من إثارته لسرعة السخط والحمق، وشدة الغضب لأدنى سبب، واشتهر هذا بينهم وأخذوه بالتسليم حتي صاروا يعتقدون أنه أثر طبيعي للصوم، فهم إذا أفحش أحدهم قال الآخر: لا عتب عليه فإنه صائم.
وهو وهم استحوذ على النفوس فحل منهم محل الحقيقة وكان له أثرها، ومتى رسخ الوهم في النفس يصعب انتزاعه على العقلاء الذين يتعاهدون أنفسهم بالتربية الحقيقية دائمًا، فكيف حال الغافلين عن أنفسهم المنحدرين في تيار العادات والتقاليد الشائعة، لا يتفكرون في مصيرهم، ولا يشعرون في أي لجة يقذفون، فتأثير الصوم في أنفسهم مناف للتقوى التي شرع لأجلها، ومخالف للأحاديث النبوية التي وصف بها أهلها، ومن أشهرها حديث "الصيام جنة" وهي بضم الجيم الوقاية والستر فهو يقي صاحبه من المعاصي والآثام، ومن عقابها، وغايته دخول النار.
إن أكثر الناس يلاحظون في صومهم حفظ رسم الدين الظاهر، وموافقة الناس فيما هم فيه، حتى إن الحائض تصوم وترى الفطر في نهار رمضان عارًا ومأثمًا، ولا بأس بهذا الصوم من غير الحائض لحفظ ظاهر الإسلام وإقامة هيكل شعائره، ولكنه لا يفيد الأفراد شيئًا في دينهم ولا في دنياهم لخلوه من الروح الذي يُعِدُّهم للتوقي، ويؤهلهم لسعادة الآخرة والدنيا.
فأين هذا مما عليه الناس من الاستعداد لمآكل رمضان وشرابه بحيث ينفقون فيه على ذلك ما يكاد يساوي نفقة سائر السنة، حتى كأن الإمساك عن الطعام في النهار إنما هو لأجل الإستكثار منه في الليل!!، وهذا هو الصوم المراد بقوله "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".
ولا نطيل بشرح ما عليه الناس فهم يعلمونه علمًا تامًا وفيما كتب كفاية لمن يريد معرفة حقه من باطله.
ثم بيّن تعالى أن الصيام الذي كتبه علينا معين محدود فقال ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ أي معينات بالعدد أو قليلات وهي أيام رمضان كما سيأتي، وروي عن ابن عباس وغيره، قال المفسرون وعليه أكثر المحققين، وزعم بعض الناس أن هذه الأيام غير رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وعينها بعضهم بأنها الأيام البيض أي الثالث عشر وما بعده ثم نسخت بآية "شهر رمضان" الآتية، ولم يثبت في السنة أن الصوم كان واجبًا على المسلمين قبل فرض رمضان، ولو وقع لنقل بالتواتر لأنه من العبادات العملية العامة.
نعم ورد في الصحيح الأحادي أحاديث متعارضة في صوم يوم عاشوراء في الجاهلية وبعد الإسلام بعضها بالأمر به في المدينة وبعضها بالتخيير، ولكن لا دليل على أنه فرضًا عامًا في المسلمين، ولا على أنه نسخ، فهم لا يزالون يصومونه استحبابًا من شاء منهم، بل يدل حديث "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" مع ما ورد من أنه مات من سنته تلك على أن الأمر بصوم عاشوراء كان في آخر زمن البعثة، وليس هذا محل تمحيص هذه الروايات والجمع بينها ولكن كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن وإن كان علمًا بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة.
ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هينًا وهو عند الله عظيم.
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أي من كان كذلك فأفطر فعليه صيام عدة من أيام أخر غير تلك الأيام المعدودات، أي فالواجب عليه القضاء إذا أفطر بعدد الأيام التي لم يصمها، وكل من المريض والمسافر عرضة لاحتمال المشقة بالصيام، وإطلاق كلمة "مريضًا" يدل على أن الرخصة لا تتقيد بالمرض الشديد الذي يعسر معه الصوم، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين وعليه البخاري لأن أمثال هذه الأحكام تقرن بمظنة المشقة تحقيقًا للرخصة، فرب مرض لا يشق معه الصوم ولكنه يكون ضارًا بالمريض وسببًا في زيادة مرضه وطول مدته، وتحقيق المشقة عسر، وعرفان الضرر أعسر.
واستدل الجمهور على تقييده بالمرض الذي يعسر الصوم معه بقوله في الآية الأخرى ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ ولا دليل، فإنه تعليل لأصل الرخصة، وكمالها أن لا يكون فيها تضييق.
وكذلك السفر يشمل إطلاقُه وتنكيرُه الطويل والقصير وسفر المعصية.
فالعمدة فيه ما يسمى في العرف سفرًا كسائر الألفاظ المطلقة في الشرع.
والعرف يختلف باختلاف أسباب المعيشة ووسائل النقل فالذي يركب في هذا الزمن سيارة بخارية أو طيارة هوائية مسافة ثلاثة أميال أو فراسخ أو مسافة يوم أو يومين بتقدير سير الأثقال ليمكث مدة قصيرة ثم يعود إلى بلده وداره، لا يسمى في العرف مسافرًا بل متنزهًا.
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ هذا هو القسم الثاني من المستثنى وهو من لا يستطيع الصوم إلا بمشقة شديدة، أي وعلى الذين يشق عليهم الصيام فعلًا فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرون فيه من أوسط ما يطعمون منه أهليهم في العادة الغالبة لا أعلاه ولا أدناه، ويطعم بقدر كفايته أكلة واحدة أو بقدر شبع المعتدل الأكلة وكانوا يقدرونها بمد وهو بالضم ربع الصاع وقدروه بالحفنة وهي ملء الكفين من القمح أو التمر، وترتيب الفدية على الإفطار لأجل المشقة الشديدة يعرف بالقرينة كقوله ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ يعني إذا أفطر.
والإطاقة أدنى درجات المكنة والقدرة على الشيء فلا تقول العرب أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمل به مشقة شديدة.
فالمراد بالذين يطيقونه هنا الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يرجى برء أمراضهم ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان الصيام يشق عليهم بالفعل وكانوا يملكون الفدية.
ذهب كثيرون إلى أن الآية منسوخة إذ فهموا أن الإطاقة بمعنى الاستطاعة، وقدر بعض المفسرين (كالجلال) حرف نفي فقال : وعلى الذين لا يطيقونه فدية، ليوافق مذهبه والآية موافقة له من غير حاجة إلى جعل الإثبات نفيًا كما قلنا آنفًا، وقال بعضهم إن الهمزة في الإطاقة للسلب فمعناها الذين لا يطيقونه من غير تقدير حرف النفي.
وهو قول منقول معقول، ويظهر بإرادة سلب الطاقة أي القوة به لا قبله.
والقاعدة أنه لا يحكم بالنسخ إذا أمكن حمل القول على الأحكام.
ثم قال تعالى بعد بيان الواجب الحتم والرخص فيه ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ بأن زاد على تلك الأيام المعدودات ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾ لأن فائدته وثوابه له، والفاء في قوله فمن تطوع تدل على هذا لأنها تفريغ على حصر الفرضية في الأيام المعدودات ولا يصلح تفريعًا على حكم الفدية لأن من سقط عنه الفرض دائمًا مع الفدية عنه لا يعقل أن يندب للتطوع الذي هو الزيادة على الفرض.
وجعل (الجلال) التطوع متعلقًا بالكفارة بأن يزيد على إطعام المسكين وهو بعيد، والأقرب منه شموله لهما.
﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أي والصيام خير لكم كما قرأها أبي بن كعب ، وإنما هي تفسير.
أي خير عظيم لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتربية الإرادة وتغذية الإيمان بالتقوى وتقويته بمراقبة الله تعالى.
قال أبو أمام للنبي مرني بأمر أخذه عنك قال "عليك بالصوم فإنه لا مثيل له" رواه النسائي بسند صحيح ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ وجه الخيرية فيه لا إن كنتم تصومون تقليدًا من غير فقه، ولا علم بسر الحكم وحكمة الشريع، وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غني عن العالمين، أو اتباعًا لعادات الخلطاء والمعاشرين.
هذا ما يظهر من الآية، وقد ذكر بعض المفسرين أن الخطاب فيها لأهل الرخص وأن الصيام في رمضان خير لهم من الترخص بالإفطار، وهذا غير مطرد ولا متفق عليه، وتنافيه أحاديث وردت ويبعده التفريع بالفاء كما قدمناه، وبيّنا ما هو الأفضل منه ومن الفطر.
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ هذه الآية مستأنفة لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا وأنها أيام شهر رمضان، وأن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمن، ببعثة محمد خاتم النبيين ، بالرسالة العامة للأنام، الدائمة إلى آخر الزمان، فالمراد بإنزال القرآن فيه بدؤه وأوله ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ أي أنزل حال كونه هدى كاملًا للناس كافة ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى ﴾ أي وآيات بينات واضحات لا لبس في حقيقتها، ولا خفاء في حكمها وأحكامها، من جنس الهدى الذي جاء به الرسل من قبل، ولكنه أبينه وأكمله ﴿ وَالْفُرْقَانِ ﴾ الذي يفرق للمهتدي به بين الحق والباطل، ويفصل بين الفضائل والرزائل، فحق أن يعبد الله تعالى فيه ما لا يعبد في غيره، تذكرًا لإنعامه بهذه الهداية وشكرًا عليها.
والحكمة في ذكر الأيام مبهمة أولًا وتعيينها بعد ذلك أن ذلك الإيهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس وهو الأصل إذ ليس رمضان عامًا في الأرض كما سيأتي بيانه قريبًا.
ثم إن هذا التعين والبيان جاء بعد ذكر حكمة الصيام وفائدته وذكر الرخص لمن يشق عليه، وذكر خيرية الصيام في نفسه واستحباب التطوع فيه وكل ذلك مما يعد النفس لأن تتلقى بالقبول والرضى جعل تلك الأيام شهرًا كاملًا.
وانظر كيف ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه ووصف القرآن بما وصفه به حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم ثم ثنى بالأمر بصومه فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قدم العلة على المعول، ولعل هذا من حكمة حذف خبر المبتدأ إذا قلنا إن كلمة "شهر رمضان" مبتدأ أو حذف المبتدأ إذا قلنا إنها خبر لمحذوف.
إن حذف الخبر جار على ما نعهده من إيجاز القرآن بحذف ما لا يقع الاشتباه بحذفه، وإن البيان بعد الإبهام جاء على أسلوبه في ذكر الأشياء ثم ذكر علتها وحكمتها، وهي هنا إنزال القرآن الذي هدانا الله تعالى به وجعله آيات بينات من الهدى أي من الكتب المنزلة، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، فوصفه بأنه هدى في نفسه لجميع الناس، وأنه من جنس الكتب الإلهية ولكنه الجنس العالي على جميع الأجناس، فإنه آيات بينات من ذلك الهدى السماوي، وكتب الله كلها هدى ولكنها ليست في بيانها كالقرآن، وأضرب مثلًا : كتاب "دانيال" النبي، فإن الله ما أنزله عليه إلا ليتهدي به من يقرأه عليهم ولكنه لم يكن آيات بينات، بل هو كالألغاز والرموز لا يفهم إلا بعناء، وكذلك التوراة التي سماها الله تعالى نورًا وهدى وفيها غوامض ومشكلات وقع الاشتباه فيها، فلم يكن ضياء الحق والهداية متبلجًا وساطعًا من سطورها سطوعه من القرآن.
والذي نراه في هذه الأناجيل أن تلاميذ المسيح أنفسهم ما كانوا يفهمون كل ما يخاطبهم به من المواعظ والأحكام والبشائر وهي الإنجيل الحقيقي في اعتقادنا.
ولم ينقل إلينا أن الصحابة عمي عليهم شيء من آيات القرآن فلم يفهموها، فالقرآن يمتاز على سائر الكتب السماوية بأنه بينات من الهدى الذي توصف به كلها وآيات بينات من الأمر الإلهي الفارق بين الحق والباطل، ولكن المسلمين لم يرضوا كافة بأن يمتاز القرآن بالبيان الذي ليس بعده بيان والهدى لجميع الناس، كما وصف نفسه، فحاولوا تغميضه، والتسليم بأنه غامض لا يفهمه إلا أفراد من الناس أوتوا علمًا جمًا وفاقوا سائر البشر بعقولهم وأفهامهم كما فاقوهم بعلومهم ومعارفهم.
ثم زعموا أن هؤلاء الأفراد كانوا في بعض القرون الأولى، وهم المجتهدون، وأنهم قد انقرضوا، ولم يأت بعدهم ولن يأتي من يسهل عليه أن يفهم القرآن ولو أحكامه فقط.
وتجد هذا القول المناقض للقرآن له مسلمًا بين جماهير المسلمين، حتى الذين يدعون بأنهم علماء الدين، ومن نبذه اهتداء بالقرآن، ربما نبذوه بالكفر والطغيان فأي الفريقين أحق بصدق الإيمان؟!
أما وسر الحق لولا أن المسلمين ألبسوا القرآن ثوبًا غير الثوب الذي ينبغي أن يلبس لكان نور بيانه مشرقًا عليهم وعلى سائر الناس كالشمس ليس دونها سحاب، ولكنهم أبوا إلا أن يتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع، ويصنعوا كتبًا في الدين يزعمون أن بيانها أجلى والاهتداء بها أولى، لأنها بزعمهم أبين حكمًا وأقرب إلى الأذهان فهمًا.
قلنا إن الله تعالى فرض علينا صيام هذا الشهر بخصوصه تذكيرًا بنعمته علينا بإنزال القرآن فيه لنصومه شكرًا له عليها، ومن الشكر أن تكون هدايتنا بالقرآن في مثل وقت نزوله أكمل، ومنها أن يكون الصيام موصلًا إلى حقيقة التقوى، فإذا لم ننتفع بالصيام في أخلاقنا وأعمالنا، ولم نهتد بالقرآن في عامة أحوالنا، فأين الانتفاع بالنعمة وأين الشكر عليها؟
كان جبريل يدارس النبي القرآن في رمضان، ولذلك كان السلف يتدارسونه فيه ويقومون ليله به لزيادة الاهتداء والاعتبار، فماذا كان من اقتداء الخلف بهم؟
كان أن بعض الوجهاء والأغنياء يستحضرون في رمضان من القراء من كان حسن الصوت يتغنى لهم بالقرآن في حجرات الخدم وهم في الغرفات مع أمثالهم وأَقْتَالهم لاهون لاعبون، ومن عساه يصغي منهم أحيانًا إلى القارئ فإنما يريد التلذذ بسماع صوته الحسن وتوقيعه الغنائي، فقد جعلوا القرآن إما مهجورًا وإما لذة نفسية فصدق عليهم قوله ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ .
وأما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجمًا متفرقًا في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر أي الشرف، والليلة المباركة كما في آيات أخرى، وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه، على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله، ويطلق على بعضه.
وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة، ورووا في حل الإشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سموات ثم نزل على النبي منجمًا بالتدريج، وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي في رمضان منه شيء خلافًا لظاهر الآيات، ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السموات أو اللوح المحفوظ من حيث إنه لم يكن هداية لنا، ولا تظهر لنا فائدة في هذا الإنزال ولا في الإخبار به، وقد زادو على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان، كما قالوا إن الأمم السابقة كلفت صيام رمضان.
ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شيء وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان، ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن الله تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا، ولم يقل إنه أنزل القرآن جملة واحدة في رمضان، ولا أنه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، بل قال بعد إنزاله ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعًا -وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا أنه فوق السموات السبع وأن مساحته كذا، وأنه كتب فيه كل ما علم الله تعالى فلا ذكر له في القرآن وهو من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص ولا تفصيل، وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الإيمان به.
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ أي فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن لم يكن مسافرًا فليصمه، وإنما يكون ذلك في أكثر البلاد التي تتألف السنة فيها من اثني عشر شهرًا.
وشهوده فيها يكون برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره له أن يصوم.
وإذا لم يره أحد في الليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام يومها وكان أول رمضان ما بعده.
والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم.
وقال بعض المفسرين : إن المراد بالشهر هنا الهلال، وكانت العرب تعبر عن الهلال بالشهر، ويرده أنهم لا يقولون : شهد الهلال، وإنما يقولون رآه، ومعنى شهد حضر، وقال بعضهم إن المعنى : فمن كان حاضرًا منكم حلول الشهر فليصمه.
وإنما عبر بهذه العبارة ولم يقل "فصوموه" لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها، وذلك أن القرآن خطاب الله العام لجميع البشر وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها ولا أيام معتدلة بل السنة كلها قد تكون فيها يومًا وليلة تقريبًا كالجهات القطبية فالمدة التي يكون فيها القطب الشمالي في ليل وهي نصف السنة يكون القطب الجنوبي في نهار بالعكس، ويقصر الليل والنهار ويطولان على نسبة القرب والبعد عن القطبين ويستويان في خط الاستواء وهو وسط الأرض.
أرأيت هل يكلف الله تعالى من يقيم في جهة القطبين منهما أن يصلي في يومه، (وهو سنة أو مقدار عدة أشهر) خمس صلوات إحداها حين يطلع الفجر والثانية بعد زوال الشمس إلخ ويكلفه أن يصوم شهر رمضان بالتعيين ولا رمضان ولا شهور؟
كلا إن من الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء لا من تأليف البشر ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمان من جاء به ولا مكانه، ولو كان من عند النبي لكان كل ما فيه مناسبًا لحال زمانه وبلاده وما يليها من البلاد التي يعرفها، ولم تكن العرب تعرف أن في الأرض بلادًا نهارها كعدة أنهر أو أشهر من أنهرنا وأشهرنا ولياليها كذلك.
فمنزل القرآن، وهو علام الغيوب وخالق الأرض والأفلاك، خاطب الناس كافة بما يمكن أن يمتثلوه فأطلق الأمر بالصلاة، والرسول بيّن أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة التي هي القسم الأعظم من الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل البلاد التي أشرنا إليها يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم والقياس على ما بينه النبي من أمر الله المطلق.
وكذلك الصيام، ما أوجب رمضان إلا على من شهد الشهر وحضره، والذين ليس لهم شهر مثله يسهل عليهم أن يقدروا له قدره.
وقد ذكر الفقهاء مسألة التقدير بعدما عرفوا بعض البلاد التي يطول ليلها ويقصر نهارها والبلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، واختلفوا في التقدير على أي البلاد يكون؟
فقيل على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة وقيل على أقرب بلاد معتدلة إليهم وكل منهما جائز فإنه اجتهادي لا نص فيه.
﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أعيد ذكر الرخصة لئلا يتوهم -بعد تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ويندب التطوع به وبعد تحديده بشهر رمضان الذي له من الفضل والشرف ما له- أن صوم هذا الشهر حتم لا تتناوله الرخصة أو تتناوله ولكن لا تحمد فيه، ولعمري إن تأكيد الصوم بمثل ما أكده الله تعالى به يقتضي تأكيد أمر الرخصة أيضًا، ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه، بل روى المحدثون أن بعض الصحابة عليهم الرضوان كانوا على تأكيد أمر الرخصة في القرآن يتحامون الفطر في السفر أولًا حتى إن النبي أمرهم به في بعض الأسفار فلم يمتثلوا حتى أفطر هو بالفعل وسمى الممتنع عن الفطر عاصيًا.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ هذا تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من الأحكام أن يكون دينكم يسرًا تامًا لا عسر فيه، وفي هذا التعبير ضرب من التحريض والترغيب في إتيان الرخصة، ولا غرو فالله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه.
وقد اختلف العلماء في الأفضل للمريض والمسافر على أقوال ثالثها التخيير.
ثم قال ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ قرأ الجمهور لتكملوا بالتخفيف من الإكمال، وأبو بكر عن عاصم بالتشديد من التكميل، واللام للتعليل وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ ﴾ كأنه قال: رخص لكم في حالي المرض والسفر لأنه يريد بكم اليسر وأن تكملوا العدة فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده.
وقيل إنها لتقوية الفعل كما في قوله ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾ أي يريد الله بكم اليسر وأن تكملوا العدة، وهو يجري في كلام البلغاء كثيرًا، وهو الراجح عندي ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ من الأحكام النافعة لكم بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤديهم بما يختار من التكاليف، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص اللائقة بحالهم ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ له هذه النعم كلها، بالقيام بها على وجهها، وإعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها، فتكونوا من الكاملين.
<div class="verse-tafsir"