الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٥ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 409 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٨٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور ، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه ، وكما اختصه بذلك ، قد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء .
قال الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم ، حدثنا عمران أبو العوام ، عن قتادة ، عن أبي المليح ، عن واثلة يعني ابن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان .
وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " .
وقد روي من حديث جابر بن عبد الله وفيه : أن الزبور أنزل لثنتي عشرة [ ليلة ] خلت من رمضان ، والإنجيل لثماني عشرة ، والباقي كما تقدم .
رواه ابن مردويه .
أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة ، وأما القرآن فإنما نزل جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا ، وكان ذلك في شهر رمضان ، في ليلة القدر منه ، كما قال تعالى : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) [ القدر : 1 ] .
وقال : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) [ الدخان : 3 ] ، ثم نزل بعد مفرقا بحسب الوقائع على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هكذا روي من غير وجه ، عن ابن عباس ، كما قال إسرائيل ، عن السدي ، عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم ، عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود ، فقال : وقع في قلبي الشك من قول الله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وقوله : ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) وقوله : ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) وقد أنزل في شوال ، وفي ذي القعدة ، وفي ذي الحجة ، وفي المحرم ، وصفر ، وشهر ربيع .
فقال ابن عباس : إنه أنزل في رمضان ، في ليلة القدر وفي ليلة مباركة جملة واحدة ، ثم أنزل على مواقع النجوم ترتيلا في الشهور والأيام .
رواه ابن أبي حاتم وابن مردويه ، وهذا لفظه .
وفي رواية سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في النصف من شهر رمضان إلى سماء الدنيا فجعل في بيت العزة ، ثم أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة لجواب كلام الناس .
وفي رواية عكرمة ، عن ابن عباس ، قال : نزل القرآن في شهر رمضان في ليلة القدر إلى هذه السماء الدنيا جملة واحدة ، وكان الله يحدث لنبيه ما يشاء ، ولا يجيء المشركون بمثل يخاصمون به إلا جاءهم الله بجوابه ، وذلك قوله : ( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ) [ الفرقان : 32 ، 33 ] .
[ قال فخر الدين : ويحتمل أنه كان ينزل في كل ليلة قدر ما يحتاج الناس إلى إنزاله إلى مثله من اللوح إلى سماء الدنيا ، وتوقف ، هل هذا أولى أو الأول ؟
وهذا الذي جعله احتمالا نقله القرطبي عن مقاتل بن حيان ، وحكى الإجماع على أن القرآن نزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة في السماء الدنيا ، وحكى الرازي عن سفيان بن عيينة وغيره أن المراد بقوله : ( الذي أنزل فيه القرآن ) أي : في فضله أو وجوب صومه ، وهذا غريب جدا ] .
وقوله : ( هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ) هذا مدح للقرآن الذي أنزله الله هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه ) وبينات ) أي : ودلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال ، والرشد المخالف للغي ، ومفرقا بين الحق والباطل ، والحلال ، والحرام .
وقد روي عن بعض السلف أنه كره أن يقال : إلا " شهر رمضان " ولا يقال : " رمضان " ; قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن بكار بن الريان ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب القرظي ، وسعيد هو المقبري عن أبي هريرة ، قال : لا تقولوا : رمضان ، فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، ولكن قولوا : شهر رمضان .
قال ابن أبي حاتم : وقد روي عن مجاهد ، ومحمد بن كعب نحو ذلك ، ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت .
قلت : أبو معشر هو نجيح بن عبد الرحمن المدني إمام [ في ] المغازي ، والسير ، ولكن فيه ضعف ، وقد رواه ابنه محمد عنه فجعله مرفوعا ، عن أبي هريرة ، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي وهو جدير بالإنكار فإنه متروك ، وقد وهم في رفع هذا الحديث ، وقد انتصر البخاري ، رحمه الله ، في كتابه لهذا فقال : " باب يقال رمضان " وساق أحاديث في ذلك منها : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " ونحو ذلك .
وقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) هذا إيجاب حتم على من شهد استهلال الشهر أي كان مقيما في البلد حين دخل شهر رمضان ، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة .
ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحا مقيما أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم ، كما تقدم بيانه .
ولما حتم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار ، بشرط القضاء فقال : ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) معناه : ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه ، أو يؤذيه أو كان على سفر أي في حال سفر فله أن يفطر ، فإذا أفطر فعليه بعدة ما أفطره في السفر من الأيام ; ولهذا قال : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) أي : إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض وفي السفر ، مع تحتمه في حق المقيم الصحيح ، تيسيرا عليكم ورحمة بكم .
وهاهنا مسائل تتعلق بهذه الآية : إحداها : أنه قد ذهب طائفة من السلف إلى أن من كان مقيما في أول الشهر ثم سافر في أثنائه ، فليس له الإفطار بعذر السفر والحالة هذه ، لقوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وإنما يباح الإفطار لمسافر استهل الشهر وهو مسافر ، وهذا القول غريب نقله أبو محمد بن حزم في كتابه المحلى ، عن جماعة من الصحابة والتابعين .
وفيما حكاه عنهم نظر ، والله أعلم .
فإنه قد ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج في شهر رمضان لغزوة الفتح ، فسار حتى بلغ الكديد ، ثم أفطر ، وأمر الناس بالفطر .
أخرجه صاحبا الصحيح .
الثانية : ذهب آخرون من الصحابة والتابعين إلى وجوب الإفطار في السفر ، لقوله : ( فعدة من أيام أخر ) والصحيح قول الجمهور ، أن الأمر في ذلك على التخيير ، وليس بحتم ; لأنهم كانوا يخرجون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان .
قال : " فمنا الصائم ومنا المفطر ، فلم يعب الصائم على المفطر ، ولا المفطر على الصائم " .
فلو كان الإفطار هو الواجب لأنكر عليهم الصيام ، بل الذي ثبت من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان في مثل هذه الحالة صائما ، لما ثبت في الصحيحين عن أبي الدرداء [ قال ] خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم [ في شهر رمضان ] في حر شديد ، حتى إن كان أحدنا ليضع يده على رأسه [ من شدة الحر ] وما فينا صائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبد الله بن رواحة .
الثالثة : قالت طائفة منهم الشافعي : الصيام في السفر أفضل من الإفطار ، لفعل النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، وقالت طائفة : بل الإفطار أفضل ، أخذا بالرخصة ، ولما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنه سئل عن الصوم في السفر ، فقال : " من أفطر فحسن ، ومن صام فلا جناح عليه " .
وقال في حديث آخر : " عليكم برخصة الله التي رخص لكم " وقالت طائفة : هما سواء لحديث عائشة : أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال : يا رسول الله ، إني كثير الصيام ، أفأصوم في السفر ؟
فقال : " إن شئت فصم ، وإن شئت فأفطر " .
وهو في الصحيحين .
وقيل : إن شق الصيام فالإفطار أفضل لحديث جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا قد ظلل عليه ، فقال : " ما هذا ؟
" قالوا : صائم ، فقال : " ليس من البر الصيام في السفر " .
أخرجاه .
فأما إن رغب عن السنة ، ورأى أن الفطر مكروه إليه ، فهذا يتعين عليه الإفطار ، ويحرم عليه الصيام ، والحالة هذه ، لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره ، عن ابن عمر وجابر ، وغيرهما : من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة .
الرابعة : القضاء ، هل يجب متتابعا أو يجوز فيه التفريق ؟
فيه قولان : أحدهما : أنه يجب التتابع ، لأن القضاء يحكي الأداء .
والثاني : لا يجب التتابع ، بل إن شاء فرق ، وإن شاء تابع .
وهذا قول جمهور السلف والخلف ، وعليه ثبتت الدلائل ; لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر ، فأما بعد انقضاء رمضان فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر .
ولهذا قال تعالى : ( فعدة من أيام أخر ) ثم قال : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) قال الإمام أحمد : حدثنا أبو سلمة الخزاعي ، حدثنا ابن هلال ، عن حميد بن هلال العدوي ، عن أبي قتادة ، عن الأعرابي الذي سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " إن خير دينكم أيسره ، إن خير دينكم أيسره " .
وقال أحمد أيضا : حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عاصم بن هلال ، حدثنا غاضرة بن عروة الفقيمي ، حدثني أبي عروة ، قال : كنا ننتظر النبي صلى الله عليه وسلم فخرج رجلا يقطر رأسه من وضوء أو غسل ، فصلى ، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه : علينا حرج في كذا ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن دين الله في يسر " ثلاثا يقولها .
ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم ، عن عاصم بن هلال ، به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة قال : حدثنا أبو التياح ، سمعت أنس بن مالك يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يسروا ، ولا تعسروا ، وسكنوا ولا تنفروا " .
أخرجاه في الصحيحين .
وفي الصحيحين أيضا : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن : " بشرا ولا تنفرا ، ويسرا ولا تعسرا ، وتطاوعا ولا تختلفا " .
وفي السنن والمسانيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " بعثت بالحنيفية السمحة " .
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره : حدثنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا يحيى ابن أبي طالب ، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء ، حدثنا أبو مسعود الجريري ، عن عبد الله بن شقيق ، عن محجن بن الأدرع : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي فتراءاه ببصره ساعة ، فقال : " أتراه يصلي صادقا ؟
" قال : قلت : يا رسول الله ، هذا أكثر أهل المدينة صلاة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تسمعه فتهلكه " .
وقال : " إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ، ولم يرد بهم العسر " .
ومعنى قوله : ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ) أي : إنما أرخص لكم في الإفطار للمرض والسفر ونحوهما من الأعذار لإرادته بكم اليسر ، وإنما أمركم بالقضاء لتكملوا عدة شهركم .
وقوله : ( ولتكبروا الله على ما هداكم ) أي : ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم ، كما قال : ( فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا ) [ البقرة : 200 ] وقال : [ ( فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) ] [ النساء : 103 ] ، ( فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون ) [ الجمعة : 10 ] وقال : ( وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ومن الليل فسبحه وأدبار السجود ) [ ق : 39 ، 40 ] ; ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح ، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات .
وقال ابن عباس : ما كنا نعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير ; ولهذا أخذ كثير من العلماء مشروعية التكبير في عيد الفطر من هذه الآية : ( ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ) حتى ذهب داود بن علي الأصبهاني الظاهري إلى وجوبه في عيد الفطر ; لظاهر الأمر في قوله ( ولتكبروا الله على ما هداكم ) وفي مقابلته مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه لا يشرع التكبير في عيد الفطر .
والباقون على استحبابه ، على اختلاف في تفاصيل بعض الفروع بينهم .
وقوله : ( ولعلكم تشكرون ) أي : إذا قمتم بما أمركم الله من طاعته بأداء فرائضه ، وترك محارمه ، وحفظ حدوده ، فلعلكم أن تكونوا من الشاكرين بذلك .
شهر رمضان القول في تأويل قوله تعالى : { شهر رمضان } قال أبو جعفر : الشهر فيما قيل أصله من الشهرة , يقال منه : قد شهر فلان سيفه إذا أخرجه من غمده فاعترض به من أراد ضربه , يشهره شهرا وكذلك شهر الشهر إذا طلع هلاله , وأشهرنا نحن إذا دخلنا في الشهر .
وأما رمضان فإن بعض أهل المعرفة بلغة العرب كان يزعم أنه سمي بذلك لشدة الحر الذي كان يكون فيه حتى ترمض فيه الفصال كما يقال للشهر الذي يحج فيه ذو الحجة , والذي يرتبع فيه ربيع الأول وربيع الآخر .
وأما مجاهد فإنه كان يكره أن يقال رمضان ويقول : لعله اسم من أسماء الله .
2304 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو نعيم , قال : ثنا سفيان , عن مجاهد أنه كره أن يقال رمضان , ويقول : لعله اسم من أسماء الله , لكن نقول كما قال الله : { شهر رمضان } وقد بينت فيما مضى أن " شهر " مرفوع على قوله : { أياما معدودات } , هن شهر رمضان , وجائز أن يكون رفعه بمعنى ذلك شهر رمضان , وبمعنى كتب عليكم شهر رمضان .
وقد قرأه بعض القراء : { شهر رمضان } نصبا , بمعنى : كتب عليكم الصيام أن تصوموا شهر رمضان .
وقرأه بعضهم نصبا بمعنى أن تصوموا شهر رمضان خير لكم إن كنتم تعلمون وقد يجوز أيضا نصبه على وجه الأمر بصومه كأنه قيل : شهر رمضان فصوموه , وجائز نصبه على الوقت كأنه قيل : كتب عليكم الصيام في شهر رمضان .الذي أنزل فيه القرآن وأما قوله , { الذي أنزل فيه القرآن } فإنه ذكر أنه نزل في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا في ليلة القدر من شهر رمضان , ثم أنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم على ما أراد الله إنزاله إليه .
كما : 2305 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو بكر بن عياش , عن الأعمش , عن حسان بن أبي الأشرس عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : أنزل القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من رمضان , فجعل في بيت العزة .
قال أبو كريب : أبو بكر , وقال ذلك السدي .
2306 - حدثني عيسى بن عثمان , قال : ثنا يحيى بن عيسى , عن الأعمش , عن حسان , عن سعيد بن جبير , قال : نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر في شهر رمضان , فجعل في سماء الدنيا .
2307 - حدثنا أحمد بن منصور , قال : ثنا عبد الله بن رجاء , قال : ثنا عمران القطان , عن قتادة , عن ابن أبي المليح عن واثلة , عن النبي صلى الله عليه وسلم , قال : " نزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان , وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان , وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت , وأنزل القرآن لأربع وعشرين من رمضان " .
2308 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } , أما أنزل فيه القرآن , فإن ابن عباس قال : شهر رمضان , والليلة المباركة : ليلة القدر , فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة , وهي من رمضان , نزل القرآن جملة واحدة من الزبر إلى البيت المعمور , وهو مواقع النجوم , في السماء الدنيا حيث وقع القرآن , ثم نزل محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الأمر والنهي وفي الحروب رسلا رسلا .
2309 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الوهاب , قال : ثنا داود , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : أنزل الله القرآن إلى السماء الدنيا في ليلة القدر , فكان الله إذا أراد أن يوحي منه شيئا أوحاه , فهو قوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } 97 1 2310 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا ابن أبي عدي , عن داود , عن عكرمة , عن ابن عباس فذكر نحوه , وزاد فيه : فكان بين أوله وآخره عشرون سنة .
2311 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : ثنا داود , عن عكرمة , عن ابن عباس , قال : أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا , فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئا أنزله منه حتى جمعه .
2312 - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عن حكيم بن جبير , عن سعيد بن جبير , عن ابن عباس قال : أنزل القرآن في ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء جملة واحدة , ثم فرق في السنين بعد قال : وتلا ابن عباس هذه الآية : { فلا أقسم بمواقع النجوم } 56 57 قال : نزل مفرقا .
2313 - حدثنا يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن داود , عن الشعبي , قال : بلغنا أن القرآن نزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا .
2314 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , قرأه ابن جريج في قوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } قال : قال ابن عباس : أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر , فكان لا ينزل منه إلا بأمر .
قال ابن جريج : كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة , فنزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا فلا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا ما أمره به ربه ومثل ذلك : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } 97 1 و { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } 44 3 2315 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن إسرائيل , عن السدي , عن محمد بن أبي المجالد , عن مقسم , عن ابن عباس قال له رجل : إنه قد وقع في قلبي الشك من قوله : { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة مباركة } وقوله : { إنا أنزلناه في ليلة القدر } وقد أنزل الله في شوال وذي القعدة وغيره قال : إنما أنزل في رمضان في ليلة القدر وليلة مباركة جملة واحدة , ثم أنزل على مواقع النجوم رسلا في الشهور والأيام .هدى للناس وأما قوله { هدى للناس } فإنه يعني رشادا للناس إلى سبيل الحق وقصد المنهج .وبينات من الهدى وأما قوله : { وبينات } فإنه يعني : وواضحات من الهدى , يعني من البيان الدال على حدود الله وفرائضه وحلاله وحرامه .والفرقان وقوله : { والفرقان } يعني : والفصل بين الحق والباطل .
كما : 2316 - حدثني موسى بن هارون , قال : ثنا عمرو بن حماد , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما { وبينات من الهدى والفرقان } فبينات من الحلال والحرام .فمن شهد منكم الشهر فليصمه القول في تأويل قوله تعالى : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } / اختلف أهل التأويل في معنى شهود الشهر .
فقال بعضهم : هو مقام المقيم في داره , قالوا : فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره فعليه صوم الشهر كله , غاب بعد مسافر أو أقام فلم يبرح .
ذكر من قال ذلك : 2317 - حدثني محمد بن حميد ومحمد بن عيسى الدامغاني قالا , ثنا ابن المبارك , عن الحسن بن يحيى , عن الضحاك , عن ابن عباس في قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } قال : هو إهلاله بالدار .
يريد إذا هل وهو مقيم .
2318 - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا حصين , عمن حدثه , عن ابن عباس أنه قال في قوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } فإذا شهده وهو مقيم فعليه الصوم أقام أو سافر , وإن شهده وهو في سفر , فإن شاء صام وإن شاء فطر .
2319 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , عن محمد , عن عبيدة في الرجل يدركه رمضان ثم يسافر , قال : إذا شهدت أوله فصم آخره , ألا تراه يقول : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } * - حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية , عن هشام القردوسي عن محمد بن سيرين , قال : سألت عبيدة , عن رجل أدرك رمضان وهو مقيم , قال : من صام أول الشهر فليصم آخره , ألا تراه يقول : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } 2320 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي : أما من شهد منكم الشهر فليصمه , فمن دخل عليه رمضان وهو مقيم في أهله فليصمه , وإن خرج فيه فليصمه فإنه دخل عليه وهو في أهله .
2321 - حدثني المثنى , , قال : ثنا حجاج , قال : ثنا حماد قال : أخبرنا قتادة , عن محمد بن سيرين , عن عبيدة السلماني , عن علي فيما يحسب حماد قال : من أدرك رمضان وهو مقيم ولم يخرج فقد لزمه الصوم , لأن الله يقول : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } * - حدثنا هناد بن السري .
قال : ثنا عبد الرحمن , عن إسماعيل بن مسلم , عن محمد بن سيرين , قال : سألت عبيدة السلماني عن قول الله : { فمن شهد منكم الشهر فليصم } قال : من كان مقيما فليصمه , ومن أدركه ثم سافر فيه فليصمه .
* - حدثنا هناد قال : ثنا وكيع , عن ابن عون , عن ابن سيرين , عن عبيدة , قال : من شهد أول رمضان فليصم آخره .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبدة , عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن عليا كان يقول : إذا أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فعليه الصوم .
2322 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبد الرحيم , عن عبيدة الضبي , عن إبراهيم قال : كان يقول : إذا أدركك رمضان فلا تسافر فيه , فإن صمت فيه يوما أو اثنين ثم سافرت فلا تفطر صمه .
2323 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عمرو بن مرة , عن أبي البختري .
قال : كنا عند عبيدة .
فقرأ هذه الآية : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } قال : من صام شيئا منه في المصر فليصم بقيته إذا خرج قال : وكان ابن عباس يقول : إن شاء صام , وإن شاء أفطر .
2324 - حدثنا محمد بن بشار , قال , ثنا عبد الوهاب , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , قالا جميعا ثنا أيوب , عن أبي يزيد , عن أم درة قالت : أتيت عائشه في رمضان , قالت : من أين جئت ؟
قلت : من عند أخي حنين , قالت : ما شأنه ؟
قالت : ودعته يريد يرتحل , قالت : فأقرئيه السلام ومريه فليقم , فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت له .
2325 - حدثنا هناد , قال , ثنا إسحاق بن عيسى , عن أفلح , عن عبد الرحمن , قال : جاء إبراهيم بن طلحة إلى عائشة يسلم عليها , قالت : وأين تريد ؟
قال : أردت العمرة , قالت : فجلست حتى إذا دخل عليك الشهر خرجت فيه قال : قد خرج ثقلي , قالت .
اجلس حتى إذا أفطرت فاخرج .
يعني شهر رمضان .
وقال آخرون : معنى ذلك : فمن شهد منكم الشهر فليصمه ما شهد منه .
ذكر من قال ذلك : 2326 - حدثنا هناد بن السري , قال : ثنا شريك , عن أبي إسحاق : أن أبا ميسرة خرج في رمضان حتى إذا بلغ القنطرة دعا ماء فشرب .
2327 - حدثنا هناد , قال : حدثنا جرير , عن مغيرة , قال : خرج أبو ميسرة في رمضان مسافرا , فمر بالفرات وهو صائم , فأخذ منه كفا فشربه وأفطر .
2328 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن أبي إسحاق , عن مرثد : أن أبا ميسرة سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر هكذا قال هناد عن مرثد , وإنما هو أبو مرثد .
* - حدثني محمد بن عمارة الأسدي قال ثنا عبيد الله بن موسى , قال : أخبرنا إسرائيل عن أبي إسحاق , عن مرثد : أنه خرج مع أبي ميسرة في رمضان , فلما انتهى إلى الجسر أفطر .
2329 - حدثنا هناد وأبو هشام قالا : ثنا وكيع , عن المسعودي , عن الحسن بن سعد , عن أبيه , قال : كنت مع علي في ضيعة له على ثلاث من المدينة , فخرجنا نريد المدينة في شهر رمضان وعلي راكب وأنا ماش , قال : فصام - قال هناد : وأفطرت - قال أبو هشام : وأمرني فأفطرت .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبد الرحمن بن عتبة , عن الحسن بن سعد , عن أبيه قال : كنت مع علي بن أبي طالب , وهو جاء من أرض له فصام , وأمرني فأفطرت فدخل المدينة ليلا وكان راكبا وأنا ماش .
2330 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , وحدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن مهدي , قالا جميعا : ثنا سفيان , عن عيسى بن أبي عزة , عن الشعبي أنه سافر في شهر رمضان , فأفطر عند باب الجسر .
2331 - حدثني ابن بشار , قال : ثنا عبد الرحمن قال : قال لي سفيان : أحب إلي أن تتمه .
2332 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , عن شعبة , قال : سألت الحكم وحمادا وأردت أن أسافر في رمضان فقالا لي : اخرج وقال حماد : قال إبراهيم : أما إذا كان العشر فأحب إلي أن يقيم .
2333 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا أبو الوليد , قال : ثنا حماد , عن قتادة , عن الحسن وسعيد بن المسيب قالا : من أدركه الصوم وهو مقيم رمضان ثم سافر , قالا : إن شاء أفطر .
وقال آخرون : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } يعني فمن شهده عاقلا بالغا مكلفا فليصمه .
وممن قال ذلك أبو حنيفة وأصحابه , كانوا يقولون : من دخل عليه شهر رمضان وهو صحيح عاقل بالغ فعليه صومه , فإن جن بعد دخوله عليه وهو بالصفة التي وصفنا ثم أفاق بعد انقضائه لزمه قضاء ما كان فيه من أيام الشهر مغلوبا على عقله , لأنه كان ممن شهده وهو ممن عليه فرض قالوا : وكذلك لو دخل عليه شهر رمضان وهو مجنون إلا أنه ممن لو كان صحيح العقل كان عليه صومه , فلن ينقضي الشهر حتى صح وبرأ أو أفاق قبل انقضاء الشهر بيوم أو أكثر من ذلك فإن عليه قضاء صوم الشهر كله سوى اليوم الذي صامه بعد إفاقته , لأنه ممن قد شهد الشهر قالوا : ولو دخل عليه شهر رمضان وهو مجنون فلم يفق حتى انقضى الشهر كله ثم أفاق لم يلزمه قضاء شيء منه , لأنه لم يكن ممن شهده مكلفا صومه 1 2 وهذا تأويل لا معنى له , لأن الجنون إن كان يسقط عمن كان به فرض الصوم من أجل فقد صاحبه عقله جميع الشهر فقد يجب أن يكون ذلك سبيل كل من فقد عقله جميع شهر الصوم .
وقد أجمع الجميع على أن من فقد عقله جميع شهر الصوم بإغماء أو برسام ثم أفاق بعد انقضاء الشهر أن عليه قضاء الشهر كله ولم يخالف ذلك أحد يجوز الاعتراض به على الأمة وإذا كان إجماعا فالواجب أن يكون سبيل كل من كان زائل العقل جميع شهر الصوم سبيل المغمى عليه .
وإذا كان ذلك كذلك كان معلوما أن تأويل الآية غير الذي تأولها قائلو هذه المقالة من أنه شهود الشهر أو بعضه مكلفا صومه .
وإذا بطل ذلك فتأويل المتأول الذي زعم أن معناه : فمن شهد أوله مقيما حاضرا فعليه صوم جميعه أبطل وأفسد لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه خرج عام الفتح من المدينة في شهر رمضان بعد ما صام بعضه وأفطر وأمر أصحابه بالإفطار .
2334 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو الأحوص , عن منصور , عن مجاهد , عن ابن عباس , قال : " سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان من المدينة إلى مكة , حتى إذا أتى عسفان نزل به , فدعا بإناء فوضعه على يده ليراه الناس , ثم شربه " .
* - حدثنا ابن حميد وسفيان بن وكيع قالا : ثنا جرير , عن منصور , عن مجاهد , عن طاوس , عن ابن عباس , عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه .
* - حدثنا هناد , ثنا عبيدة , عن منصور , عن مجاهد , عن طاوس , عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحوه .
2335 - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا يونس بن بكير قال : ثنا ابن إسحاق , قال حدثني الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة , عن ابن عباس قال : مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره عام الفتح لعشر مضين من رمضان , فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصام الناس معه , حتى إذا أتى الكديد ما بين عسفان وأمج وأفطر .
* - حدثنا هناد وأبو كريب , قالا : ثنا عبدة , عن محمد بن إسحاق , عن الزهري , عن عبيد الله بن عبد الله , عن ابن عباس قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعشر أو لعشرين مضت من رمضان عام الفتح , فصام حتى إذا كان بالكديد أفطر .
2336 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا سالم بن نوح , قال : ثنا عمر بن عامر , عن قتادة , عن أبي نضرة , عن أبي سعيد الخدري , قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لثمان عشرة مضت من رمضان , فمنا الصائم , ومنا المفطر , فلم يعب المفطر على الصائم , ولا الصائم على المفطر .
فإذا كانا فاسدين هذان التأويلان بما عليه دللنا من فسادهما , فتبين أن الصحيح من التأويل هو الثالث , وهو قول من قال : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } جميع ما شهد منه مقيما , ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر .ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر القول في تأويل قوله تعالى : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } يعني تعالى ذكره بذلك : ومن كان مريضا أو على سفر في الشهر فأفطر فعليه صيام عدة الأيام التي أفطرها من أيام أخر غير أيام شهر رمضان .
ثم اختلف أهل العلم في المرض الذي أباح الله معه الإفطار وأوجب معه عدة من أيام أخر فقال بعضهم : هو المرض الذي لا يطيق صاحبه معه القيام لصلاته .
ذكر من قال ذلك : 2337 - حدثنا معاذ بن شعبة البصري , قال : ثنا شريك , عن مغيرة , عن إبراهيم وإسماعيل بن مسلم , عن الحسن أنه قال : إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائما أفطر .
2338 - حدثني يعقوب قال : ثنا هشيم , عن مغيرة أو عبيدة , عن إبراهيم في المريض إذا لم يستطع الصلاة قائما : فليفطر يعني في رمضان .
2339 - حدثنا هناد , قال : ثنا حفص بن غياث , عن إسماعيل , قال : سألت الحسن : متى يفطر الصائم ؟
قال : إذا أجهده الصوم , قال : إذا لم يستطع أن يصلي الفرائض كما أمر .
وقال بعضهم : وهو كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة وذلك هو قول محمد بن إدريس الشافعي , حدثنا بذلك عنه الربيع .
وقال آخرون : وهو [ كل ] مرض يسمى مرضا .
ذكر من قال ذلك : 2340 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا الحسن بن خالد الربعي , قال : ثنا طريف بن تمام العطاردي , أنه دخل على محمد بن سيرين في رمضان وهو يأكل فلم يسأله , فلما فرغ قال : إنه وجعت إصبعي هذه .
والصواب من القول في ذلك عندنا , أن المرض الذي أذن الله تعالى ذكره بالإفطار معه في شهر رمضان من كان الصوم جاهده جهدا غير محتمل , فكل من كان كذلك فله الإفطار وقضاء عدة من أيام أخر وذلك أنه إذا بلغ ذلك الأمر , فإن لم يكن مأذونا له في الإفطار فقد كلف عسرا ومنع يسرا , وذلك غير الذي أخبر الله أنه أراده بخلقه بقوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } .
وأما من كان الصوم غير جاهده , فهو بمعنى الصحيح الذي يطيق الصوم , فعليه أداء فرضه .
وأما قوله : { فعدة من أيام أخر } فإن معناها : أيام معدودة سوى هذه الأيام .
وأما الأخر فإنها جمع أخرى بجمعهم الكبرى على الكبر والقربى على القرب .
فإن قال قائل : أو ليست الأخر من صفة الأيام ؟
قيل : بلى فإن قال : أو ليس واحد الأيام يوم وهو مذكر ؟
قيل : بلى .
فإن قال : فكيف يكون واحد الأخر أخرى وهي صفة لليوم ولم يكن آخر ؟
قيل : إن واحد الأيام وإن كان إذا نعت بواحد الأخر فهو آخر , فإن الأيام في الجمع تصير إلى التأنيث فتصير نعوتها وصفاتها كهيئة صفات المؤنث , كما يقال : مضت الأيام جمع , ولا يقال : أجمعون , ولا أيام آخرون .
فإن قال لنا قائل : فإن الله تعالى قال : { فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ومعنى ذلك عندك : فعليه عدة من أيام أخر كما قد وصفت فيما مضى .
فإن كان ذلك تأويله , فما قولك فيمن كان مريضا أو على سفر فصام الشهر وهو ممن له الإفطار , أيجزيه ذلك من صيام عدة من أيام أخر , أو غير مجزيه ذلك ؟
وفرض صوم عدة من أيام أخر ثابت عليه بهيئته وإن صام الشهر كله , وهل لمن كان مريضا أو على سفر صيام شهر رمضان , أم ذلك محظور عليه , وغير جائز له صومه , والواجب عليه الإفطار فيه حتى يقيم هذا ويبرأ هذا ؟
قيل : قد اختلف أهل العلم في كل ذلك , ونحن ذاكرو اختلافهم في ذلك , ومخبرون بأولاه بالصواب إن شاء الله .
فقال بعضهم : الإفطار في المرض عزمة من الله واجبة , وليس بترخيص .
ذكر من قال ذلك : 2341 - حدثنا محمد بن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي , وحدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية جميعا , عن سعيد , عن قتادة , عن جابر بن زيد , عن ابن عباس , قال : الإفطار في السفر عزمة .
2342 - حدثني محمد بن المثنى , قال : ثنا وهب بن جرير , قال : أخبرنا سعيد , عن يعلى , عن يوسف بن الحكم , قال : سألت ابن عمر , أو سئل عن الصوم في السفر , فقال : أرأيت لو تصدقت على رجل بصدقة فردها عليك ألم تغضب ؟
فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم .
2343 - حدثنا نصر بن عبد الرحمن الأزدي , قال : ثنا المحاربي عن عبد الملك بن حميد , قال : قال أبو جعفر كان أبي لا يصوم في السفر وينهى عنه .
2344 - وحدثنا ابن حميد , قال : ثنا يحيى بن واضح , قال : ثنا عبيد , عن الضحاك : أنه كره الصوم في السفر .
وقال أهل هذه المقالة : من صام في السفر فعليه القضاء إذا قام .
ذكر من قال ذلك : 2345 - حدثنا نصر بن علي الخثعمي , قال : ثنا مسلم بن إبراهيم قال : ثنا ربيعة بن كلثوم , عن أبيه , عن رجل : أن عمر أمر الذي صام في السفر أن يعيد .
* - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن أبي عدي , عن سعيد بن عمرو بن دينار , عن رجل من بني تميم عن أبيه , قال : أمر عمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه .
2346 - حدثني ابن حميد الحمصي , قال : ثنا علي بن معبد , عن عبيد الله بن عمرو , عن عبد الكريم , عن عطاء , عن المحرر بن أبي هريرة , قال : كنت مع أبي في سفر في رمضان , فكنت أصوم ويفطر , فقال لي أبي : أما إنك إذا أقمت قضيت .
2347 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا سليمان بن داود , قال : ثنا شعبة , عن عاصم مولى قريبة , قال : سمعت عروة يأمر رجلا صام في السفر أن يقضي .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , عن عاصم مولى قريبة أن رجلا صام في السفر فأمره عروة أن يقضي .
2348 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن صبيح , قال : ثنا ربيعة بن كلثوم , عن أبيه كلثوم : أن قوما قدموا على عمر بن الخطاب وقد صاموا رمضان في سفر , فقال لهم : والله لكأنكم كنتم تصومون !
فقالوا : والله يا أمير المؤمنين لقد صمنا , قال : فأطقتموه ؟
قالوا : نعم , قال : فاقضوه فاقضوه فاقضوه .
وعلة من قال هذه المقالة أن الله تعالى ذكره فرض بقوله : { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } صوم شهر رمضان على من شهده مقيما غير مسافر , وجعل على من كان مريضا أو مسافرا صوم عدة من أيام أخر غير أيام شهر رمضان بقوله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } قالوا : فكما غير جائز للمقيم إفطار أيام شهر رمضان وصوم عدة أيام أخر مكانها , لأن الذي فرضه الله عليه بشهوده الشهر صوم الشهر دون غيره , فكذلك غير جائز لمن لم يشهده من المسافرين مقيما صومه , لأن الذي فرضه الله عليه عدة من أيام أخر واعتلوا أيضا من الخبر بما : 2349 - حدثنا به محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي , قال : ثنا يعقوب بن محمد الزهري , قال : ثنا عبيد الله بن موسى , عن أسامة بن زيد , عن الزهري , عن أبي سلمة بن عبد الرحمن , عن عبد الرحمن بن عوف , قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " .
* - حدثني محمد بن عبيد الله بن سعيد , قال : ثنا يزيد بن عياض , عن الزهري , عن أبي سلمة بن عبد الرحمن , عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " .
وقال آخرون : إباحة الإفطار في السفر رحمة من الله تعالى ذكره رخصها لعباده , والفرض الصوم , فمن صام فرضه أدى , ومن أفطر فبرخصة الله له أفطر قالوا : وإن صام في سفر فلا قضاء عليه إذا أقام .
ذكر من قال ذلك : 2350 - حدثنا ابن بشار , قال : حدثنا عبد الوهاب , قال : ثنا أيوب , قال : ثنا عروة وسالم أنهما كانا عند عمر بن عبد العزيز إذ هو أمير على المدينة فتذاكروا الصوم في السفر , قال سالم : كان ابن عمر لا يصوم في السفر , وقال عروة : وكانت عائشة تصوم , فقال سالم : إنما أخذت عن ابن عمر , وقال عروة : إنما أخذت عن عائشة حتى ارتفعت أصواتهما , فقال عمر بن عبد العزيز : اللهم عفوا إذا كان يسرا فصوموا , وإذا كان عسرا فافطروا .
* - حدثني يعقوب بن إبراهيم , قال : ثنا ابن علية , عن أيوب , قال : حدثني رجل , قال : ذكر الصوم في السفر عند عمر بن عبد العزيز , ثم ذكر نحو حديث ابن بشار .
2351 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن محمد بن إسحاق , وحدثنا أبو كريب , قال : ثنا ابن إدريس ثنا ابن إسحاق , عن الزهري , عن سالم بن عبد الله , قال : خرج عمر بن الخطاب في بعض أسفاره في ليال بقيت من رمضان , فقال : إن الشهر قد تشعشع - قال أبو كريب في حديثه أو تسعسع , ولم يشك يعقوب - فلو صمنا !
فصام وصام الناس معه ثم أقبل مرة قافلا حتى إذا كان بالروحاء أهل هلال شهر رمضان , فقال إن الله قد قضى السفر , فلو صمنا ولم نثلم شهرنا !
قال : فصام وصام الناس معه .
2352 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا الحكم بن بشير , قال : حدثني أبي , وحدثنا محمد بن بشار , قال : أخبرنا عبيد الله , قال : أخبرنا بشير بن سلمان , عن خيثمة , قال : سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر , قال : قد أمرت غلامي أن يصوم فأبى .
قلت : فأين هذه الآية : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ؟
قال : نزلت ونحن يومئذ نرتحل جياعا وننزل على غير شبع , وأنا اليوم نرتحل شباعا وننزل على شبع .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع : عن بشير بن سلمان , عن خيثمة , عن أنس نحوه .
2353 - حدثنا هناد وأبو السائب قالا : ثنا أبو معاوية , عن عاصم , عن أنس أنه سئل عن الصوم في السفر فقال : من أفطر فبرخصة الله , ومن صام فالصوم أفضل .
2354 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا أبو أسامة , عن أشعث بن عبد الملك , عن محمد بن عثمان بن أبي العاص , قال : الفطر في السفر رخصة , والصوم أفضل .
2355 - حدثنا المثنى , قال : ثنا عبد الصمد , قال : ثنا شعبة , قال : ثنا أبو الفيض , قال : كان علي علينا أمير بالشام , فنهانا عن الصوم في السفر , فسألت أبا قرصافة رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من بني ليث - قال عبد الصمد : سمعت رجلا من قومه يقول : إنه واثلة بن الأسقع - قال لو صمت في السفر ما قضيت .
2356 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن بسطام بن مسلم , عن عطاء قال : إن صمتم أجزأ عنكم وإن أفطرتم فرخصة .
2357 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن كهمس , قال : سألت سالم بن عبد الله عن الصوم في السفر , فقال : إن صمتم أجزأ عنكم , وإن أفطرتم فرخصة .
* - حدثنا هناد , قال : ثنا عبد الرحيم , عن طلحة بن عمرو , عن عطاء , قال : من صام فحق أداه , ومن أفطر فرخصة أخذ بها .
2358 - حدثنا هناد , قال : ثنا وكيع , عن سفيان , عن حماد , عن سعيد بن جبير , قال : الفطر في السفر رخصة , والصوم أفضل .
2359 - حدثنا هناد قال : ثنا أبو معاوية , عن حجاج , عن عطاء , قال : هو تعليم , وليس بعزم , يعني قول الله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } إن شاء صام , وإن شاء لم يصم .
2360 - حدثنا هناد , قال : ثنا أبو أسامة , عن هشام , عن الحسن في الرجل يسافر في رمضان , قال : إن شاء صام , وإن شاء أفطر .
2361 - حدثنا حميد بن مسعدة .
قال : ثنا سفيان بن حبيب , قال : ثنا العوام بن حوشب , قال : قلت لمجاهد : الصوم في السفر ؟
قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم فيه ويفطر , قال : قلت فأيهما أحب إليك ؟
قال : إنما هي رخصة , وأن تصوم رمضان أحب إلي .
2362 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن حماد , عن سعيد بن جبير وإبراهيم ومجاهد أنهم قالوا : الصوم في السفر , إن شاء صام وإن شاء أفطر , والصوم أحب إليهم .
2363 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي إسحاق , قال : قال لي مجاهد في الصوم في السفر , يعني صوم رمضان : والله ما منهما إلا حلال الصوم والإفطار , وما أراد الله بالإفطار إلا التيسير لعباده .
2364 - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن الأشعث بن سليم , قال : صحبت أبي والأسود بن يزيد وعمرو بن ميمون وأبا وائل إلى مكة , وكانوا يصومون رمضان وغيره في السفر .
* - حدثنا علي بن حسن الأزدي .
قال : ثنا معافى بن عمران , عن سفيان , عن حماد , عن سعيد بن جبير : الفطر في السفر رخصة , والصوم أفضل .
2365 - حدثني محمد بن عبد الله بن سعيد الواسطي , قال : ثنا يعقوب , قال : ثنا صالح بن محمد بن صالح , عن أبيه قال : قلت للقاسم بن محمد : إنا نسافر في الشتاء في رمضان , فإن صمت فيه كان أهون علي من أن أقضيه في الحر .
فقال : قال الله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ما كان أيسر عليك فافعل .
وهذا القول عندنا أولى بالصواب لإجماع الجميع على أن مريضا لو صام شهر رمضان وهو ممن له الإفطار لمرضه أن صومه ذلك مجزئ عنه , ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر , فكان معلوما بذلك أن حكم المسافر حكمه في أن لا قضاء عليه إن صامه في سفره , لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمر به من قضاء عدة من أيام أخر مثل الذي جعل من ذلك للمريض وأمر به من القضاء .
ثم في دلالة الآية كفاية مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها , وذلك قول الله تعالى ذكره : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ولا عسر أعظم من أن يلزم من صامه في سفره عدة من أيام أخر , وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأداه .
فإن ظن ذو غباوة أن الذي صامه لم يكن فرضه الواجب , فإن في قول الله تعالى ذكره : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } , { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } ما ينبئ أن المكتوب صومه من الشهور على كل مؤمن هو شهر رمضان مسافرا كان أو مقيما , لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام } { شهر رمضان } وأن قوله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } معناه : ومن كان مريضا أو على سفر فأفطر برخصة الله فعليه صوم عدة أيام أخر مكان الأيام التي أفطر في سفره أو مرضه .
ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله إذا سئل عن الصوم في السفر : " إن شئت فصم , وإن شئت فأفطر " , الكفاية الكافية عن الاستدلال على صحة ما قلنا في ذلك بغيره .
2366 - حدثنا هناد , قال : ثنا عبد الرحيم ووكيع , وعبدة بن هشام بن عروة , عن أبيه , عن عائشة : أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر , وكان يسرد الصوم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن شئت فصم وإن شئت فأفطر " 2367 - حدثنا أبو كريب وعبيد بن إسماعيل الهباري قالا : ثنا ابن إدريس , قال : ثنا هشام بن عروة , عن أبيه أن حمزة سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم , فذكر نحوه .
2368 - حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الحكم , قال : ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد , قال : أخبرنا حيوة بن شريح , قال : أخبرنا أبو الأسود أنه سمع عروة بن الزبير يحدث عن أبي مراوح عن حمزة الأسلمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : يا رسول الله إني أسرد الصوم فأصوم في السفر ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إنما هي رخصة من الله لعباده , فمن فعلها فحسن جميل , ومن تركها فلا جناح عليه " فكان حمزة يصوم الدهر , فيصوم في السفر والحضر ; وكان عروة بن الزبير يصوم الدهر , فيصوم في السفر والحضر , حتى إن كان ليمرض فلا يفطر ; وكان أبو مراوح يصوم الدهر , فيصوم في السفر والحضر .
ففي هذا مع نظائره من الأخبار التي يطول باستيعابها الكتاب الدلالة الدالة على صحة ما قلنا من أن الإفطار رخصة لا عزم , والبيان الواضح على صحة ما قلنا في تأويل قوله : { ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } .
فإن قال قائل : فإن الأخبار بما قلت وإن كانت متظاهرة , فقد تظاهرت أيضا بقوله : " ليس من البر الصيام في السفر " ؟
.
قيل : إن ذلك إذا كان صيام في مثل الحال التي جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في ذلك لمن قال له .
2369 - حدثنا الحسين بن يزيد السبيعي , قال : ثنا ابن إدريس , عن محمد بن عبد الرحمن , عن محمد بن عمرو بن الحسن , عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا في سفره قد ظلل عليه , وعليه جماعة , فقال : " من هذا ؟
" قالوا : صائم , قال : " ليس من البر الصوم في السفر " .
قال أبو جعفر : أخشى أن يكون هذا الشيخ غلط وبين ابن إدريس ومحمد بن عبد الرحمن شعبة .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري , عن محمد بن عمرو بن الحسن بن علي , عن جابر بن عبد الله , قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا قد اجتمع الناس عليه , وقد ظلل عليه , فقالوا : هذا رجل صائم , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ليس من البر أن تصوموا في السفر " .
فمن بلغ منه الصوم ما بلغ من الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم , ذلك , فليس من البر صومه ; لأن الله تعالى ذكره قد حرم على كل أحد تعريض نفسه لما فيه هلاكها , وله إلى نجاتها سبيل , وإنما يطلب البر بما ندب الله إليه وحض عليه من الأعمال لا بما نهى عنه .
وأما الأخبار التي رويت عنه صلى الله عليه وسلم من قوله : " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر " فقد يحتمل أن يكون قيل لمن بلغ منه الصوم ما بلغ من هذا الذي ظلل عليه إن كان قبل ذلك , وغير جائز عليه أن يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قيل ذلك ; لأن الأخبار التي جاءت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم واهية الأسانيد لا يجوز الاحتجاج بها في الدين .
فإن قال قائل : وكيف عطف على المريض وهو اسم بقوله : { أو على سفر } و " على " صفة لا اسم ؟
قيل : جاز أن ينسق بعلى على المريض , لأنها في معنى الفعل , وتأويل ذلك : أو مسافرا , كما قال تعالى ذكره : { دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما } 10 12 فعطف بالقاعد والقائم على اللام التي في لجنبه , لأن معناها الفعل , كأنه قال : دعانا مضطجعا أو قاعدا أو قائما .يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر القول في تأويل قوله تعالى : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } يعني تعالى ذكره بذلك : يريد الله بكم أيها المؤمنون بترخيصه لكم في حال مرضكم وسفركم في الإفطار , وقضاء عدة أيام أخر من الأيام التي أفطرتموها بعد إقامتكم وبعد برئكم من مرضكم التخفيف عليكم , والتسهيل عليكم لعلمه بمشقة ذلك عليكم في هذه الأحوال .
{ ولا يريد بكم العسر } يقول : ولا يريد بكم الشدة والمشقة عليكم , فيكلفكم صوم الشهر في هذه الأحوال , مع علمه شدة ذلك عليكم وثقل حمله عليكم لو حملكم صومه .
كما : 2370 - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو صالح , قال : ثنا معاوية بن صالح , عن علي بن أبي طلحة , عن ابن عباس : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } قال : اليسر : الإفطار في السفر , والعسر : الصيام في السفر .
2371 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن أبي حمزة , قال : سألت ابن عباس عن الصوم في السفر , فقال : يسر وعسر , فخذ بيسر الله .
2372 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله : { يريد الله بكم اليسر } قال : هو الإفطار في السفر , وجعل عدة من أيام أخر , { ولا يريد بكم العسر } 2373 - حدثنا بشر بن معاذ , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة قوله : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } فأريدوا لأنفسكم الذي أراد الله لكم .
2374 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن ابن عيينة , عن عبد الكريم الجزري عن طاوس , عن ابن عباس قال : لا تعب على من صام ولا على من أفطر , يعني في السفر في رمضان ; { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } 2375 - حدثت عن الحسين بن الفرج , قال : ثنا الفضيل بن خالد , قال : ثنا عبيد بن سليمان , قال سمعت الضحاك بن مزاحم في قوله : { يريد الله بكم اليسر } الإفطار في السفر , { ولا يريد بكم العسر } الصيام في السفر .ولتكملوا العدة القول في تأويل قوله تعالى : { ولتكملوا العدة } .
يعني تعالى ذكره بذلك : { ولتكملوا العدة } عدة ما أفطرتم من أيام أخر أوجبت عليكم قضاء عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم , أو إقامتكم من سفركم .
كما : 2376 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن جويبر , عن الضحاك في قوله : { ولتكملوا العدة } قال : عدة ما أفطر المريض والمسافر .
2377 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد في قوله : { ولتكملوا العدة } قال : إكمال العدة : أن يصوم ما أفطر من رمضان في سفر أو مرض إلى أن يتمه , فإذا أتمه فقد أكمل العدة .
فإن قال قائل : ما الذي عليه بهذه الواو التي في قوله : { ولتكملوا العدة } عطفت ؟
قيل : اختلف أهل العربية في ذلك , فقال بعضهم : هي عاطفة على ما قبلها كأنه قيل : ويريد لتكملوا العدة ولتكبروا الله .
وقال بعض نحويي الكوفة : وهذه اللام التي في قوله : { ولتكملوا } لام كي , لو ألقيت كان صوابا .
قال : والعرب تدخلها في كلامها على إضمار فعل بعدها , ولا تكون شرطا للفعل الذي قبلها وفيها الواو ; ألا ترى أنك تقول : جئتك لتحسن إلي , ولا تقول : جئتك ولتحسن إلي ; فإذا قلته فأنت تريد : ولتحسن جئتك .
قال : وهذا في القرآن كثير , منه قوله : { ولتصغى إليه أفئدة } 6 113 وقوله : { وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين } 6 75 ولو لم تكن فيه الواو كان شرطا على قولك : أريناه ملكوت السموات والأرض ليكون , فإذا كانت الواو فيها فلها فعل مضمر بعدها , و " ليكون من الموقنين " أريناه .
وهذا القول أولى بالصواب في العربية , لأن قوله : { ولتكملوا العدة } ليس قبله لام بمعنى التي في قوله : { ولتكملوا العدة } فتعطف بقوله : { ولتكملوا العدة } عليها , وإن دخول الواو معها يؤذن بأنها شرط لفعل بعدها , إذ كانت الواو لو حذفت كانت شرطا لما قبلها من الفعل .ولتكبروا الله على ما هداكم القول في تأويل قوله تعالى : { ولتكبروا الله على ما هداكم } يعني تعالى ذكره : ولتعظموا الله بالذكر له بما أنعم عليكم به من الهداية التي خذل عنها غيركم من أهل الملل الذين كتب عليهم من صوم شهر رمضان مثل الذي كتب عليكم فيه , فضلوا عنه بإضلال الله إياهم , وخصكم بكرامته فهداكم له , ووفقكم لأداء ما كتب الله عليكم من صومه , وتشكروه على ذلك بالعبادة له .
والذكر الذي خصهم الله على تعظيمه به التكبير يوم الفطر فيما تأوله جماعة من أهل التأويل .
ذكر من قال ذلك : 2378 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد بن نصر , قال : أخبرنا ابن المبارك , عن داود بن قيس , قال : سمعت زيد بن أسلم يقول : { ولتكبروا الله على ما هداكم } قال : إذا رأى الهلال , فالتكبير من حين يرى الهلال حتى ينصرف الإمام في الطريق والمسجد إلا أنه إذا حضر الإمام كف فلا يكبر إلا بتكبيره .
2379 - حدثني المثنى , قال : ثنا سويد , قال : أخبرنا ابن المبارك , قال : سمعت سفيان يقول : { ولتكبروا الله على ما هداكم } قال : بلغنا أنه التكبير يوم الفطر .
2380 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : كان ابن عباس يقول : حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم ; لأن الله تعالى ذكره يقول : { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } قال ابن زيد : ينبغي لهم إذا غدوا إلى المصلى كبروا , فإذا جلسوا كبروا , فإذا جاء الإمام صمتوا , فإذا كبر الإمام كبروا , ولا يكبرون إذا جاء الإمام إلا بتكبيره , حتى إذا فرغ وانقضت الصلاة فقد انقضى العيد .
قال يونس : قال ابن وهب : قال عبد الرحمن بن زيد : والجماعة عندنا على أن يغدوا بالتكبير إلى المصلى .ولعلكم تشكرون القول في تأويل قوله تعالى : { ولعلكم تشكرون } .
يعني تعالى ذكره بذلك : ولتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق .
وتيسير ما لو شاء عسر عليكم .
و " لعل " في هذا الموضع بمعنى " كي " , ولذلك عطف به على قوله : { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون } .
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون[ ص: 271 ] فيه إحدى وعشرون مسألة :الأولى : قوله تعالى : شهر رمضان قال أهل التاريخ : أول من صام رمضان نوح عليه السلام لما خرج من السفينة ، وقد تقدم قول مجاهد : كتب الله رمضان على كل أمة ومعلوم أنه كان قبل نوح أمم ، والله أعلم ، والشهر مشتق من الإشهار لأنه مشتهر لا يتعذر علمه على أحد يريده ، ومنه يقال : شهرت السيف إذا سللته .
ورمضان مأخوذ من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش .
والرمضاء ( ممدودة ) : شدة الحر ، ومنه الحديث : صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال .
خرجه مسلم .
ورمض الفصال أن تحرق الرمضاء أخفافها فتبرك من شدة حرها .
فرمضان - فيما ذكروا - وافق شدة الحر ، فهو مأخوذ من الرمضاء .
قال الجوهري : وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء ، يقال إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك .
وقيل : إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها بالأعمال الصالحة ، من الإرماض وهو الإحراق ، ومنه رمضت قدمه من الرمضاء أي احترقت ، وأرمضتني الرمضاء أي أحرقتني ، ومنه قيل : أرمضني الأمر ، وقيل : لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة والفكرة في أمر الآخرة كما يأخذ الرمل والحجارة من حر الشمس ، والرمضاء : الحجارة المحماة ، وقيل : هو من رمضت النصل أرمضه وأرمضه رمضا إذا دققته بين حجرين ليرق .
ومنه نصل رميض ومرموض - عن ابن السكيت - وسمي الشهر به لأنهم كانوا يرمضون أسلحتهم في رمضان ليحاربوا بها في شوال قبل دخول الأشهر الحرم ، وحكى الماوردي أن اسمه في الجاهلية ( ناتق ) وأنشد للمفضل :وفي ناتق أجلت لدى حومة الوغى وولت على الأدبار فرسان خثعماوشهر بالرفع قراءة الجماعة على الابتداء ، والخبر الذي أنزل فيه القرآن .
أو يرتفع على إضمار مبتدأ ، المعنى : المفروض عليكم صومه شهر رمضان ، أو فيما كتب عليكم شهر رمضان ، ويجوز أن يكون شهر مبتدأ ، و الذي أنزل فيه القرآن صفة ، والخبر فمن شهد منكم الشهر ، وأعيد ذكر الشهر تعظيما ، كقوله تعالى : الحاقة ما الحاقة .
[ ص: 272 ] وجاز أن يدخله معنى الجزاء ; لأن شهر رمضان وإن كان معرفة فليس معرفة بعينها لأنه شائع في جميع القابل ، قاله أبو علي .
وروي عن مجاهد وشهر بن حوشب نصب شهر ، ورواها هارون الأعور عن أبي عمرو ، ومعناه : الزموا شهر رمضان أو صوموا .
و الذي أنزل فيه القرآن نعت له ، ولا يجوز أن ينتصب بتصوموا ; لئلا يفرق بين الصلة والموصول بخبر أن وهو خير لكم .
الرماني : يجوز نصبه على البدل من قول أياما معدودات .الثانية : واختلف هل يقال رمضان دون أن يضاف إلى شهر ، فكره ذلك مجاهد وقال : يقال كما قال الله تعالى .
وفي الخبر : لا تقولوا رمضان بل انسبوه كما نسبه الله في القرآن فقال شهر رمضان ، وكان يقول : بلغني أنه اسم من أسماء الله .
وكان يكره أن يجمع لفظه لهذا المعنى ، ويحتج بما روي : رمضان اسم من أسماء الله تعالى ، وهذا ليس بصحيح فإنه من حديث أبي معشر نجيح وهو ضعيف ، والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها .
روى مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة وغلقت أبواب النار وصفدت الشياطين .
وفي صحيح البستي عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا كان رمضان فتحت له أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين ، وروي عن ابن شهاب عن أنس بن أبي أنس أن أباه حدثه أنه سمع أبا هريرة يقول .
.
.
فذكره .
قال البستي : أنس بن أبي أنس هذا هو والد مالك بن أنس ، واسم أبي أنس مالك بن أبي عامر من ثقات أهل المدينة ، وهو مالك ابن أبي عامر بن عمرو بن الحارث بن عثمان بن جثيل بن عمرو من ذي أصبح من أقيال اليمن ، وروى النسائي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتاكم رمضان شهر مبارك فرض الله عز وجل عليكم صيامه تفتح فيه أبواب السماء وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه مردة الشياطين ، لله فيه ليلة خير من ألف شهر من حرم خيرها فقد حرم ، وأخرجه أبو حاتم البستي أيضا وقال : فقوله مردة الشياطين تقييد لقوله : صفدت الشياطين وسلسلت ، وروى النسائي أيضا عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة من الأنصار : إذا كان رمضان فاعتمري فإن عمرة فيه تعدل [ ص: 273 ] حجة .
وروى النسائي أيضا عن عبد الرحمن بن عوف قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الله تعالى فرض صيام رمضان [ عليكم ] وسننت لكم قيامه فمن صامه وقامه إيمانا واحتسابا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ، والآثار في هذا كثيرة ، كلها بإسقاط شهر ، وربما أسقطت العرب ذكر الشهر من رمضان .
قال الشاعر :جارية في درعها الفضفاض أبيض من أخت بني إباضجارية في رمضان الماضي تقطع الحديث بالإيماضوفضل رمضان عظيم ، وثوابه جسيم ، يدل على ذلك معنى الاشتقاق من كونه محرقا للذنوب ، وما كتبناه من الأحاديث .الثالثة : فرض الله صيام شهر رمضان أي مدة هلاله ، وبه سمي الشهر ، كما جاء في الحديث : ( فإن غمي عليكم الشهر ) أي الهلال ، وسيأتي ، وقال الشاعر :أخوان من نجد على ثقة والشهر مثل قلامة الظفرحتى تكامل في استدارته في أربع زادت على عشروفرض علينا عند غمة الهلال إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما ، وإكمال عدة رمضان ثلاثين يوما ، حتى ندخل في العبادة بيقين ونخرج عنها بيقين ، فقال في كتابه وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ، وروى الأئمة الأثبات عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدد في رواية فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين .
وقد ذهب مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين وابن قتيبة من [ ص: 274 ] اللغويين فقالا : يعول على الحساب عند الغيم بتقدير المنازل واعتبار حسابها في صوم رمضان ، حتى إنه لو كان صحوا لرئي ، لقوله عليه السلام : فإن أغمي عليكم فاقدروا له أي استدلوا عليه بمنازله ، وقدروا إتمام الشهر بحسابه .
وقال الجمهور : معنى فاقدروا له فأكملوا المقدار ، يفسره حديث أبي هريرة فأكملوا العدة .
وذكر الداودي أنه قيل في معنى قوله " فاقدروا له " : أي قدروا المنازل ، وهذا لا نعلم أحدا قال به إلا بعض أصحاب الشافعي أنه يعتبر في ذلك بقول المنجمين ، والإجماع حجة عليهم ، وقد روى ابن نافع عن مالك في الإمام لا يصوم لرؤية الهلال ولا يفطر لرؤيته ، وإنما يصوم ويفطر على الحساب : إنه لا يقتدى به ولا يتبع .
قال ابن العربي : وقد زل بعض أصحابنا فحكى عن الشافعي أنه قال : يعول على الحساب ، وهي عثرة ( لا لعا لها ) .الرابعة : واختلف مالك والشافعي هل يثبت هلال رمضان بشهادة واحد أو شاهدين ، فقال مالك : لا يقبل فيه شهادة الواحد لأنها شهادة على هلال فلا يقبل فيها أقل من اثنين ، أصله الشهادة على هلال شوال وذي الحجة ، وقال الشافعي وأبو حنيفة : يقبل الواحد ، لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال : تراءى الناس الهلال فأخبرت به رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته ، فصام وأمر الناس بصيامه ، وأخرجه الدارقطني وقال : تفرد به مروان بن محمد عن ابن وهب وهو ثقة .
روى الدارقطني " أن رجلا شهد عند علي بن أبي طالب على رؤية هلال رمضان فصام ، أحسبه قال : وأمر الناس أن يصوموا " ، وقال : أصوم يوما من شعبان أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان .
قال الشافعي : فإن لم تر العامة هلال شهر رمضان ورآه رجل عدل رأيت أن أقبله للأثر والاحتياط ، وقال الشافعي بعد : لا يجوز على رمضان إلا شاهدان .
قال الشافعي وقال بعض أصحابنا : لا أقبل عليه إلا شاهدين ، وهو القياس على كل مغيب .الخامسة : واختلفوا فيمن رأى هلال رمضان وحده أو هلال شوال ، فروى الربيع عن الشافعي : من رأى هلال رمضان وحده فليصمه ، ومن رأى هلال شوال وحده فليفطر ، وليخف [ ص: 275 ] ذلك ، وروى ابن وهب عن مالك في الذي يرى هلال رمضان وحده أنه يصوم ; لأنه لا ينبغي له أن يفطر وهو يعلم أن ذلك اليوم من شهر رمضان ، ومن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر ; لأن الناس يتهمون على أن يفطر منهم من ليس مأمونا ، ثم يقول أولئك إذا ظهر عليهم : قد رأينا الهلال .
قال ابن المنذر : وبهذا قال الليث بن سعد وأحمد بن حنبل ، وقال عطاء وإسحاق : لا يصوم ولا يفطر .
قال ابن المنذر : يصوم ويفطر .السادسة : واختلفوا إذا أخبر مخبر عن رؤية بلد ، فلا يخلو أن يقرب أو يبعد ، فإن قرب فالحكم واحد ، وإن بعد فلأهل كل بلد رؤيتهم ، روي هذا عن عكرمة والقاسم وسالم وروي عن ابن عباس ، وبه قال إسحاق ، وإليه أشار البخاري حيث بوب : ( لأهل كل بلد رؤيتهم ) .
وقال آخرون : إذا ثبت عند الناس أن أهل بلد قد رأوه فعليهم قضاء ما أفطروا ، هكذا قال الليث بن سعد والشافعي .
قال ابن المنذر : ولا أعلمه إلا قول المزني والكوفي .قلت : ذكر إلكيا الطبري في كتاب ( أحكام القرآن ) له : وأجمع أصحاب أبي حنيفة على أنه إذا صام أهل بلد ثلاثين يوما للرؤية ، وأهل بلد تسعة وعشرين يوما أن على الذين صاموا تسعة وعشرين يوما قضاء يوم .
وأصحاب الشافعي لا يرون ذلك ، إذ كانت المطالع في البلدان يجوز أن تختلف ، وحجة أصحاب أبي حنيفة قوله تعالى : ولتكملوا العدة وثبت برؤية أهل بلد أن العدة ثلاثون فوجب على هؤلاء إكمالها .
ومخالفهم يحتج بقوله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته الحديث ، وذلك يوجب اعتبار عادة كل قوم في بلدهم ، وحكى أبو عمر الإجماع على أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كالأندلس من خراسان ، قال : ولكل بلد رؤيتهم ، إلا ما كان كالمصر الكبير وما تقاربت أقطاره من بلدان المسلمين .
روى مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام قال : فقدمت الشام فقضيت حاجتها واستهل علي رمضان وأنا بالشام فرأيت الهلال ليلة الجمعة ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، ثم ذكر الهلال فقال : متى رأيتم الهلال ؟
فقلت : رأيناه ليلة الجمعة ، فقال : أنت رأيته ؟
فقلت نعم ، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية ، فقال : لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه ، فقلت : أو لا تكتفي برؤية معاوية وصيامه ؟
فقال لا ، هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال علماؤنا : قول ابن عباس ( هكذا [ ص: 276 ] أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) كلمة تصريح برفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره ، فهو حجة على أن البلاد إذا تباعدت كتباعد الشام من الحجاز فالواجب على أهل كل بلد أن تعمل على رؤيته دون رؤية غيره ، وإن ثبت ذلك عند الإمام الأعظم ، ما لم يحمل الناس على ذلك ، فإن حمل فلا تجوز مخالفته ، وقال إلكيا الطبري : قوله ( هكذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ) يحتمل أن يكون تأول فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ، وقال ابن العربي : واختلف في تأويل قول ابن عباس هذا فقيل : رده لأنه خبر واحد ، وقيل : رده لأن الأقطار مختلفة في المطالع ، وهو الصحيح ; لأن كريبا لم يشهد وإنما أخبر عن حكم ثبت بالشهادة ، ولا خلاف في الحكم الثابت أنه يجزي فيه خبر الواحد ، ونظيره ما لو ثبت أنه أهل ليلة الجمعة بأغمات وأهل بإشبيلية ليلة السبت فيكون لأهل كل بلد رؤيتهم ; لأن سهيلا يكشف من أغمات ولا يكشف من إشبيلية ، وهذا يدل على اختلاف المطالع .قلت : وأما مذهب مالك رحمه الله في هذه المسألة فروى ابن وهب وابن القاسم عنه في المجموعة أن أهل البصرة إذا رأوا هلال رمضان ثم بلغ ذلك إلى أهل الكوفة والمدينة واليمن أنه يلزمهم الصيام أو القضاء إن فات الأداء ، وروى القاضي أبو إسحاق عن ابن الماجشون أنه إن كان ثبت بالبصرة بأمر شائع ذائع يستغنى عن الشهادة والتعديل له فإنه يلزم غيرهم من أهل البلاد القضاء ، وإن كان إنما ثبت عند حاكمهم بشهادة شاهدين لم يلزم ذلك من البلاد إلا من كان يلزمه حكم ذلك الحاكم ممن هو في ولايته ، أو يكون ثبت ذلك عند أمير المؤمنين فيلزم القضاء جماعة المسلمين .
قال : وهذا قول مالك .السابعة : قرأ جمهور الناس شهر بالرفع على أنه خبر ابتداء مضمر ، أي ذلكم شهر ، أو المفترض عليكم صيامه شهر رمضان ، أو الصوم أو الأيام ، وقيل : ارتفع على أنه مفعول لم يسم فاعله ب كتب أي كتب عليكم شهر رمضان .
ورمضان لا ينصرف لأن النون فيه زائدة ، ويجوز أن يكون مرفوعا على الابتداء ، وخبره الذي أنزل فيه القرآن ، وقيل : خبره فمن شهد ، والذي أنزل نعت له ، وقيل : ارتفع على البدل من الصيام ، فمن قال : إن الصيام في قوله كتب عليكم الصيام هي ثلاثة أيام وعاشوراء قال هنا بالابتداء ، ومن قال : إن الصيام هناك رمضان قال هنا بالابتداء أو بالبدل من الصيام ، أي كتب عليكم شهر رمضان .[ ص: 277 ] وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب شهر بالنصب .
قال الكسائي : المعنى كتب عليكم الصيام ، وأن تصوموا شهر رمضان .
وقال الفراء : أي كتب عليكم الصيام أي أن تصوموا شهر رمضان .
قال النحاس : لا يجوز أن ينتصب شهر رمضان بتصوموا ; لأنه يدخل في الصلة ثم يفرق بين الصلة والموصول ، وكذلك إن نصبته بالصيام ، ولكن يجوز أن تنصبه على الإغراء ، أي الزموا شهر رمضان ، وصوموا شهر رمضان ، وهذا بعيد أيضا لأنه لم يتقدم ذكر الشهر فيغرى به .قلت : قوله كتب عليكم الصيام يدل على الشهر فجاز الإغراء ، وهو اختيار أبي عبيد ، وقال الأخفش : انتصب على الظرف ، وحكي عن الحسن وأبي عمرو إدغام الراء في الراء ، وهذا لا يجوز لئلا يجتمع ساكنان ، ويجوز أن تقلب حركة الراء على الهاء فتضم الهاء ثم تدغم ، وهو قول الكوفيين .الثامنة : قوله تعالى : الذي أنزل فيه القرآن نص في أن القرآن نزل في شهر رمضان ، وهو يبين قوله عز وجل : حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة يعني ليلة القدر ، ولقوله : إنا أنزلناه في ليلة القدر ، وفي هذا دليل على أن ليلة القدر إنما تكون في رمضان لا في غيره ، ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر - على ما بيناه - جملة واحدة ، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ، ثم كان جبريل صلى الله عليه وسلم ينزل به نجما نجما في الأوامر والنواهي والأسباب ، وذلك في عشرين سنة .
وقال ابن عباس : أنزل القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في سماء الدنيا ، ثم أنزل به جبريل عليه السلام نجوما - يعني الآية والآيتين - في أوقات مختلفة في إحدى وعشرين سنة .
وقال مقاتل في قوله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن قال أنزل من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا ، ثم نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين شهرا ، ونزل به جبريل في عشرين سنة .قلت : وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع ( أن القرآن أنزل جملة واحدة ) والله أعلم ، وروى واثلة بن الأسقع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : أنزلت صحف إبراهيم أول ليلة من شهر رمضان والتوراة لست مضين منه والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين .[ ص: 278 ] قلت : وفي هذا الحديث دلالة على ما يقوله الحسن أن ليلة القدر تكون ليلة أربع وعشرين ، وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان هذا .التاسعة : قوله تعالى : القرآن القرآن : اسم لكلام الله تعالى ، وهو بمعنى المقروء ، كالمشروب يسمى شرابا ، والمكتوب يسمى كتابا ، وعلى هذا قيل : هو مصدر قرأ يقرأ قراءة وقرآنا بمعنى .
قال الشاعر :ضحوا بأشمط عنوان السجود به يقطع الليل تسبيحا وقرآناأي قراءة ، وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر أن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان عليه السلام يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا أي قراءة ، وفي التنزيل : وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا أي قراءة الفجر .
ويسمى المقروء قرآنا على عادة العرب في تسميتها المفعول باسم المصدر ، كتسميتهم للمعلوم علما وللمضروب ضربا وللمشروب شربا ، كما ذكرنا ، ثم اشتهر الاستعمال في هذا واقترن به العرف الشرعي ، فصار القرآن اسما لكلام الله ، حتى إذا قيل : القرآن غير مخلوق ، يراد به المقروء لا القراءة لذلك ، وقد يسمى المصحف الذي يكتب فيه كلام الله قرآنا توسعا ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو أراد به المصحف .
وهو مشتق من قرأت الشيء جمعته .
وقيل : هو اسم علم لكتاب الله ، غير مشتق كالتوراة والإنجيل ، وهذا يحكى عن الشافعي والصحيح الاشتقاق في الجميع ، وسيأتي .العاشرة : قوله تعالى : هدى للناس هدى في موضع نصب على الحال من القرآن ، أي هاديا لهم .
وبينات عطف عليه .
والهدى الإرشاد والبيان ، كما تقدم أي بيانا لهم وإرشادا ، والمراد القرآن بجملته من محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ ، ثم شرف بالذكر والتخصيص البينات منه ، يعني الحلال والحرام والمواعظ والأحكام .
وبينات جمع بينة ، من بان الشيء يبين إذا وضح .
والفرقان ما فرق بين الحق والباطل ، أي فصل ، وقد تقدم .[ ص: 279 ] الحادية عشرة : قوله تعالى : فمن شهد منكم الشهر فليصمه قراءة العامة بجزم اللام ، وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام ، وهي لام الأمر وحقها الكسر إذا أفردت ، فإذا وصلت بشيء ففيها وجهان : الجزم والكسر .
وإنما توصل بثلاثة أحرف : بالفاء كقوله فليصمه ، فليعبدوا والواو كقوله : وليوفوا وثم كقوله : ثم ليقضوا وشهد بمعنى حضر ، وفيه إضمار ، أي من شهد منكم المصر في الشهر عاقلا بالغا صحيحا مقيما فليصمه ، وهو يقال عام فيخصص بقوله : " فمن كان منكم مريضا أو على سفر " الآية ، وليس الشهر بمفعول وإنما هو ظرف زمان ، وقد اختلف العلماء في تأويل هذا ، فقال علي بن أبي طالب وابن عباس وسويد بن غفلة وعائشة - أربعة من الصحابة - وأبو مجلز لاحق بن حميد وعبيدة السلماني : من شهد أي من حضر دخول الشهر وكان مقيما في أوله في بلده وأهله فليكمل صيامه ، سافر بعد ذلك أو أقام ، وإنما يفطر في السفر من دخل عليه رمضان وهو في سفر .
والمعنى عندهم : من أدركه رمضان مسافرا أفطر وعليه عدة من أيام أخر ، ومن أدركه حاضرا فليصمه ، وقال جمهور الأمة : من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما ، فإن سافر أفطر ، وهذا هو الصحيح وعليه تدل الأخبار الثابتة .
وقد ترجم البخاري رحمه الله ردا على القول الأول ( باب إذا صام أياما من رمضان ثم سافر ) حدثنا عبد الله بن يوسف قال أنبأنا مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس .
قال أبو عبد الله : والكديد ما بين عسفان وقديد .قلت : قد يحتمل أن يحمل قول علي رضي الله عنه ومن وافقه على السفر المندوب كزيارة الإخوان من الفضلاء والصالحين ، أو المباح في طلب الرزق الزائد على الكفاية .
وأما السفر الواجب في طلب القوت الضروري ، أو فتح بلد إذا تحقق ذلك ، أو دفع عدو ، فالمرء فيه مخير ولا يجب عليه الإمساك ، بل الفطر فيه أفضل للتقوي ، وإن كان شهد الشهر في بلده وصام بعضه فيه ، لحديث ابن عباس وغيره ، ولا يكون في هذا خلاف إن شاء الله والله أعلم ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : من شهد الشهر بشروط التكليف غير مجنون ولا مغمى [ ص: 280 ] عليه فليصمه ، ومن دخل عليه رمضان وهو مجنون وتمادى به طول الشهر فلا قضاء عليه ; لأنه لم يشهد الشهر بصفة يجب بها الصيام ، ومن جن أول الشهر وآخره فإنه يقضي أيام جنونه ، ونصب الشهر على هذا التأويل هو على المفعول الصريح ب شهد .الثانية عشرة : قد تقرر أن فرض الصوم مستحق بالإسلام والبلوغ والعلم بالشهر ، فإذا أسلم الكافر أو بلغ الصبي قبل الفجر لزمهما الصوم صبيحة اليوم ، وإن كان الفجر استحب لهما الإمساك ، وليس عليهما قضاء الماضي من الشهر ولا اليوم الذي بلغ فيه أو أسلم ، وقد اختلف العلماء في الكافر يسلم في آخر يوم من رمضان ، هل يجب عليه قضاء رمضان كله أو لا ؟
وهل يجب عليه قضاء اليوم الذي أسلم فيه ؟
فقال الإمام مالك والجمهور : ليس عليه قضاء ما مضى ; لأنه إنما شهد الشهر من حين إسلامه .
قال مالك : وأحب إلي أن يقضي اليوم الذي أسلم فيه ، وقال عطاء والحسن : يصوم ما بقي ويقضي ما مضى ، وقال عبد الملك بن الماجشون : يكف عن الأكل في ذلك اليوم ويقضيه ، وقال أحمد وإسحاق مثله ، وقال ابن المنذر : ليس عليه أن يقضي ما مضى من الشهر ولا ذلك اليوم ، وقال الباجي : من قال من أصحابنا إن الكفار مخاطبون بشرائع الإسلام - وهو مقتضى قول مالك وأكثر أصحابه - أوجب عليه الإمساك في بقية يومه ، ورواه في المدونة ابن نافع عن مالك وقال الشيخ أبو القاسم ومن قال من أصحابنا ليسوا مخاطبين قال : لا يلزمه الإمساك في بقية يومه ، وهو مقتضى قول أشهب وعبد الملك بن الماجشون ، وقاله ابن القاسم .قلت : وهو الصحيح لقوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا فخاطب المؤمنين دون غيرهم ، وهذا واضح ، فلا يجب عليه الإمساك في بقية اليوم ولا قضاء ما مضى .وتقدم القول في معني قوله : ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر والحمد لله .الثالثة عشرة : قوله تعالى : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر قراءة جماعة " اليسر " بضم السين لغتان ، وكذلك " العسر " .
قال مجاهد والضحاك : اليسر الفطر في السفر ، والعسر الصيام في السفر ، والوجه عموم اللفظ في جميع أمور الدين ، كما قال تعالى : وما جعل عليكم في الدين من حرج ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم دين الله يسر وقال صلى الله عليه وسلم : يسروا ولا تعسروا .
واليسر من السهولة ، ومنه اليسار للغنى .
وسميت اليد [ ص: 281 ] اليسرى تفاؤلا ، أو لأنه يسهل له الأمر بمعاونتها لليمنى ، قولان ، وقوله : ولا يريد بكم العسر هو بمعنى قوله يريد الله بكم اليسر فكرر تأكيدا .الرابعة عشرة : دلت الآية على أن الله سبحانه مريد بإرادة قديمة أزلية زائدة على الذات .
هذا مذهب أهل السنة ، كما أنه عالم بعلم ، قادر بقدرة ، حي بحياة ، سميع بسمع ، بصير ببصر ، متكلم بكلام ، وهذه كلها معان وجودية أزلية زائدة على الذات .
وذهب الفلاسفة والشيعة إلى نفيها ، تعالى الله عن قول الزائغين وإبطال المبطلين ، والذي يقطع دابر أهل التعطيل أن يقال : لو لم يصدق كونه ذا إرادة لصدق أنه ليس بذي إرادة ، ولو صح ذلك لكان كل ما ليس بذي إرادة ناقصا بالنسبة إلى من له إرادة ، فإن من كانت له الصفات الإرادية فله أن يخصص الشيء وله ألا يخصصه ، فالعقل السليم يقضي بأن ذلك كمال له وليس بنقصان ، حتى إنه لو قدر بالوهم سلب ذلك الأمر عنه لقد كان حاله أولا أكمل بالنسبة إلى حال ثانيا ، فلم يبق إلا أن يكون ما لم يتصف أنقص مما هو متصف به ، ولا يخفى ما فيه من المحال ، فإنه كيف يتصور أن يكون المخلوق أكمل من الخالق ، والخالق أنقص منه ، والبديهة تقضي برده وإبطاله ، وقد وصف نفسه جل جلاله وتقدست أسماؤه بأنه مريد فقال تعالى : فعال لما يريد وقال سبحانه : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر وقال : يريد الله أن يخفف عنكم إذا أراد أمرا فإنما يقول كن فيكون ، ثم إن هذا العالم على غاية من الحكمة والإتقان والانتظام والإحكام ، وهو مع ذلك جائز وجوده وجائز عدمه ، فالذي خصصه بالوجود يجب أن يكون مريدا له قادرا عليه عالما به ، فإن لم يكن عالما قادرا لا يصح منه صدور شيء ، ومن لم يكن عالما وإن كان قادرا لم يكن ما صدر منه على نظام الحكمة والإتقان ، ومن لم يكن مريدا لم يكن تخصيص بعض الجائزات بأحوال وأوقات دون البعض بأولى من العكس ، إذ نسبتها إليه نسبة واحدة .
قالوا : وإذ ثبت كونه قادرا مريدا وجب أن يكون حيا ، إذ الحياة شرط هذه الصفات ، ويلزم من كونه حيا أن يكون سميعا بصيرا متكلما ، فإن لم تثبت له هذه الصفات فإنه لا محالة متصف بأضدادها كالعمى والطرش والخرس على ما عرف في الشاهد ، والبارئ سبحانه وتعالى يتقدس عن أن يتصف بما يوجب في ذاته نقصا .[ ص: 282 ] الخامسة عشرة : قوله تعالى : ولتكملوا العدة فيه تأويلان : أحدهما : إكمال عدة الأداء لمن أفطر في سفره أو مرضه .
الثاني : عدة الهلال سواء كانت تسعا وعشرين أو ثلاثين .
قال جابر بن عبد الله قال النبي صلى الله عليه وسلم : إن الشهر يكون تسعا وعشرين .
وفي هذا رد لتأويل من تأول قوله صلى الله عليه وسلم : شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة أنهما لا ينقصان عن ثلاثين يوما ، أخرجه أبو داود .
وتأول جمهور العلماء على معنى أنهما لا ينقصان في الأجر وتكفير الخطايا ، سواء كانا من تسع وعشرين أو ثلاثين .السادسة عشرة : ولا اعتبار برؤية هلال شوال يوم الثلاثين من رمضان نهارا بل هو لليلة التي تأتي ، هذا هو الصحيح ، وقد اختلف الرواة عن عمر في هذه المسألة فروى الدارقطني عن شقيق قال : جاءنا كتاب عمر ونحن بخانقين قال في كتابه : إن الأهلة بعضها أكبر من بعض ، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد شاهدان أنهما رأياه بالأمس وذكره أبو عمر من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبي وائل قال : كتب إلينا عمر .
.
.
، فذكره .
قال أبو عمر : وروي عن علي بن أبي طالب مثل ما ذكره عبد الرزاق أيضا ، وهو قول ابن مسعود وابن عمر وأنس بن مالك ، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن والليث والأوزاعي ، وبه قال أحمد وإسحاق ، وقال سفيان الثوري وأبو يوسف : إن رئي بعد الزوال فهو لليلة التي تأتي ، وإن رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية ، وروي مثل ذلك عنعمر ، ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن مغيرة عن شباك عن إبراهيم قال : كتب عمر إلى عتبة بن فرقد " إذا رأيتم الهلال نهارا قبل أن تزول الشمس لتمام ثلاثين فأفطروا ، وإذا رأيتموه بعد ما تزول الشمس فلا تفطروا حتى تمسوا " ، وروي عن علي مثله ، ولا يصح في هذه المسألة شيء من جهة الإسناد على علي ، وروي عن سليمان بن ربيعة مثل قول الثوري ، وإليه ذهب عبد الملك بن حبيب ، وبه كان يفتى بقرطبة ، واختلف عن عمر بن عبد العزيز في هذه المسألة ، قال أبو عمر : والحديث عن عمر [ ص: 283 ] بمعنى ما ذهب إليه مالك والشافعي وأبو حنيفة متصل ، والحديث الذي روي عنه بمذهب الثوري منقطع ، والمصير إلى المتصل أولى ، وقد احتج من ذهب مذهب الثوري بأن قال : حديث الأعمش مجمل لم يخص فيه قبل الزوال ولا بعده ، وحديث إبراهيم مفسر ، فهو أولى أن يقال به .قلت : قد روي مرفوعا معنى ما روي عن عمر متصلا موقوفا روته عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم صائما صبح ثلاثين يوما ، فرأى هلال شوال نهارا فلم يفطر حتى أمسى .
أخرجه الدارقطني من حديث الواقدي وقال : قال الواقدي حدثنا معاذ بن محمد الأنصاري قال : سألت الزهري عن هلال شوال إذا رئي باكرا ، قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : إن رئي هلال شوال بعد أن طلع الفجر إلى العصر أو إلى أن تغرب الشمس فهو من الليلة التي تجيء ، قال أبو عبد الله : وهذا مجمع عليه .السابعة عشرة : روى الدارقطني عن ربعي بن حراش عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : قال : اختلف الناس في آخر يوم من رمضان فقدم أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم بالله لأهلا الهلال أمس عشية ، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يغدوا إلى مصلاهم .
قال الدارقطني : هذا إسناد حسن ثابت .
قال أبو عمر : لا خلاف عن مالك وأصحابه أنه لا تصلى صلاة العيد في غير يوم العيد ولا في يوم العيد بعد الزوال ، وحكي عن أبي حنيفة .
واختلف قول الشافعي في هذه المسألة ، فمرة قال بقول مالك ، واختاره المزني وقال : إذا لم يجز أن تصلى في يوم العيد بعد الزوال فاليوم الثاني أبعد من وقتها وأحرى ألا تصلى فيه ، وعن الشافعي رواية أخرى أنها تصلى في اليوم الثاني ضحى ، وقال البويطي : لا تصلى إلا أن يثبت في ذلك حديث .
قال أبو عمر : لو قضيت صلاة العيد بعد خروج وقتها لأشبهت الفرائض ، وقد أجمعوا في سائر السنن أنها لا تقضى ، فهذه مثلها ، وقال الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل : يخرجون من الغد ، وقال أبو يوسف في الإملاء ، وقال الحسن بن صالح بن حي : لا يخرجون في الفطر ويخرجون في الأضحى .
قال أبو يوسف : وأما في الأضحى فيصليها بهم في اليوم الثالث .
قال أبو عمر : لأن الأضحى أيام عيد وهي صلاة عيد ، وليس الفطر يوم عيد إلا يوم واحد ، فإذا لم تصل فيه لم تقض في غيره ; لأنها ليست بفريضة فتقضى ، وقال الليث بن سعد : يخرجون في الفطر والأضحى من الغد .[ ص: 284 ] قلت : والقول بالخروج إن شاء الله أصح ، للسنة الثابتة في ذلك ، ولا يمتنع أن يستثني الشارع من السنن ما شاء فيأمر بقضائه بعد خروج وقته ، وقد روى الترمذي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من لم يصل ركعتي الفجر فليصلهما بعد ما تطلع الشمس .
صححه أبو محمد .
قال الترمذي : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم ، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وابن المبارك ، وروي عن عمر أنه فعله .قلت : وقد قال علماؤنا : من ضاق عليه الوقت وصلى الصبح وترك ركعتي الفجر فإنه يصليهما بعد طلوع الشمس إن شاء ، وقيل : لا يصليهما حينئذ ، ثم إذا قلنا : يصليهما فهل ما يفعله قضاء ، أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر .
قال الشيخ أبو بكر : وهذا الجاري على أصل المذهب ، وذكر القضاء تجوز .قلت : ولا يبعد أن يكون حكم صلاة الفطر في اليوم الثاني على هذا الأصل ، لا سيما مع كونها مرة واحدة في السنة مع ما ثبت من السنة .
روى النسائي قال : أخبرني عمرو بن علي قال حدثنا يحيى قال حدثنا شعبة قال حدثني أبو بشر عن أبي عمير بن أنس عن عمومة له : أن قوما رأوا الهلال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأمرهم أن يفطروا بعد ما ارتفع النهار وأن يخرجوا إلى العيد من الغد .
في رواية : ويخرجوا لمصلاهم من الغد .الثامنة عشرة : قرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو - في بعض ما روي عنه - والحسن وقتادة والأعرج " ولتكملوا العدة " بالتشديد .
والباقون بالتخفيف ، واختار الكسائي التخفيف ، كقوله عز وجل : اليوم أكملت لكم دينكم .
قال النحاس : وهما لغتان بمعنى واحد ، كما قال عز وجل : فمهل الكافرين أمهلهم رويدا ، ولا يجوز " ولتكملوا " بإسكان اللام ، والفرق بين هذا وبين ما تقدم أن التقدير : ويريد لأن تكملوا ، ولا يجوز حذف أن والكسرة ، هذا قول البصريين ، ونحوه قول كثير أبو صخر :أريد لأنسى ذكرهاأي لأن أنسى ، وهذه اللام هي الداخلة على المفعول ، كالتي في قولك : ضربت لزيد ، المعنى ويريد إكمال العدة ، وقيل : هي متعلقة بفعل مضمر بعد ، تقديره : ولأن تكملوا العدة [ ص: 285 ] رخص لكم هذه الرخصة ، وهذا قول الكوفيين وحكاه النحاس عن الفراء .
قال النحاس : وهذا قول حسن ، ومثله : وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين أي وليكون من الموقنين فعلنا ذلك .
وقيل : الواو مقحمة ، وقيل : يحتمل أن تكون هذه اللام لام الأمر والواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام ، وقال أبو إسحاق إبراهيم بن السري : هو محمول على المعنى ، والتقدير : فعل الله ذلك ليسهل عليكم ولتكملوا العدة ، قال : ومثله ما أنشده سيبويه :بادت وغير آيهن مع البلى إلا رواكد جمرهن هباءومشجج أما سواء قذاله فبدا وغيب ساره المعزاءشاده يشيده شيدا جصصه ; لأن معناه بادت إلا رواكد بها رواكد ، فكأنه قال : وبها مشجج أو ثم مشجج .التاسعة عشرة : قوله تعالى : ولتكبروا الله عطف عليه ، ومعناه الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل ، واختلف الناس في حده ، فقال الشافعي : روي عن سعيد ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ويحمدون ، قال : وتشبه ليلة النحر بها وقال ابن عباس : حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا وروي عنه : يكبر المرء من رؤية الهلال إلى انقضاء الخطبة ، ويمسك وقت خروج الإمام ويكبر بتكبيره وقال قوم : يكبر من رؤية الهلال إلى خروج الإمام للصلاة ، وقال سفيان : هو التكبير يوم الفطر .
زيد بن أسلم : يكبرون إذا خرجوا إلى المصلى فإذا انقضت الصلاة انقضى العيد ، وهذا مذهب مالك ، قال مالك : هو من حين يخرج من داره إلى أن يخرج الإمام ، وروى ابن القاسم وعلي بن زياد : أنه إن خرج قبل طلوع الشمس فلا يكبر في طريقه ولا جلوسه حتى تطلع الشمس ، وإن غدا بعد الطلوع فليكبر في طريقه إلى المصلى وإذا جلس حتى يخرج الإمام ، والفطر والأضحى في ذلك سواء عند مالك وبه قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : يكبر في الأضحى ولا يكبر في الفطر ، والدليل عليه قوله تعالى : ولتكبروا الله ولأن هذا يوم عيد لا يتكرر في العام فسن التكبير في الخروج إليه كالأضحى .
وروى الدارقطني عن أبي عبد الرحمن السلمي قال : كانوا في التكبير في الفطر أشد منهم في الأضحى ، وروي عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكبر يوم الفطر من حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى[ ص: 286 ] وروي عن ابن عمر : أنه كان إذا غدا يوم الأضحى ويوم الفطر يجهر بالتكبير حتى يأتي ثم يكبر حتى يأتي الإمام وأكثر أهل العلم على التكبير في عيد الفطر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم فيما ذكر ابن المنذر قال : وحكى ذلك الأوزاعي عن إلياس ، وكان الشافعي يقول إذا رأى هلال شوال : أحببت أن يكبر الناس جماعة وفرادى ، ولا يزالون يكبرون ويظهرون التكبير حتى يغدوا إلى المصلى وحين يخرج الإمام إلى الصلاة ، وكذلك أحب ليلة الأضحى لمن لم يحج .
وسيأتي حكم صلاة العيدين والتكبير فيهما في سبح اسم ربك الأعلى والكوثر إن شاء الله تعالى .الموفية عشرين : ولفظ التكبير عند مالك وجماعة من العلماء : الله أكبر الله أكبر الله أكبر ، ثلاثا ، وروي عن جابر بن عبد الله ، ومن العلماء من يكبر ويهلل ويسبح أثناء التكبير ، ومنهم من يقول : الله أكبر كبيرا ، والحمد لله كثيرا ، وسبحان الله بكرة وأصيلا ، وكان ابن المبارك يقول إذا خرج من يوم الفطر : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر على ما هدانا .
قال ابن المنذر : وكان مالك لا يحد فيه حدا ، وقال أحمد : هو واسع .
قال ابن العربي : " واختار علماؤنا التكبير المطلق ، وهو ظاهر القرآن وإليه أميل " .الحادية والعشرون : قوله تعالى : على ما هداكم قيل : لما ضل فيه النصارى من تبديل صيامهم .
وقيل : بدلا عما كانت الجاهلية تفعله من التفاخر بالآباء والتظاهر بالأحساب وتعديد المناقب ، وقيل : لتعظموه على ما أرشدكم إليه من الشرائع ، فهو عام .
وتقدم معنى ولعلكم تشكرون
{ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ } أي: الصوم المفروض عليكم, هو شهر رمضان, الشهر العظيم, الذي قد حصل لكم فيه من الله الفضل العظيم، وهو القرآن الكريم, المشتمل على الهداية لمصالحكم الدينية والدنيوية, وتبيين الحق بأوضح بيان, والفرقان بين الحق والباطل, والهدى والضلال, وأهل السعادة وأهل الشقاوة.
فحقيق بشهر, هذا فضله, وهذا إحسان الله عليكم فيه, أن يكون موسما للعباد مفروضا فيه الصيام.
فلما قرره, وبين فضيلته, وحكمة الله تعالى في تخصيصه قال: { فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ } هذا فيه تعيين الصيام على القادر الصحيح الحاضر.
ولما كان النسخ للتخيير, بين الصيام والفداء خاصة, أعاد الرخصة للمريض والمسافر, لئلا يتوهم أن الرخصة أيضا منسوخة [فقال] { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ } أي: يريد الله تعالى أن ييسر عليكم الطرق الموصلة إلى رضوانه أعظم تيسير, ويسهلها أشد تسهيل، ولهذا كان جميع ما أمر الله به عباده في غاية السهولة في أصله.
وإذا حصلت بعض العوارض الموجبة لثقله, سهَّله تسهيلا آخر, إما بإسقاطه, أو تخفيفه بأنواع التخفيفات.
وهذه جملة لا يمكن تفصيلها, لأن تفاصيلها, جميع الشرعيات, ويدخل فيها جميع الرخص والتخفيفات.
{ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } وهذا - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهم, أن صيام رمضان, يحصل المقصود منه ببعضه, دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته، ويشكر الله [تعالى] عند إتمامه على توفيقه وتسهيله وتبيينه لعباده, وبالتكبير عند انقضائه, ويدخل في ذلك التكبير عند رؤية هلال شوال إلى فراغ خطبة العيد.
ثم بين الله تعالى أيام الصيام فقال ( شهر رمضان ) رفعه على معنى هو شهر رمضان وقال الكسائي : كتب عليكم شهر رمضان وسمي الشهر شهرا لشهرته وأما رمضان فقد قال مجاهد : هو اسم من أسماء الله تعالى يقال شهر رمضان كما يقال شهر الله والصحيح أنه اسم للشهر سمي به من الرمضاء وهي الحجارة المحماة وهم كانوا يصومونه في الحر الشديد فكانت ترمض فيه الحجارة في الحرارة قوله تعالى : ( الذي أنزل فيه القرآن ) سمي القرآن قرآنا لأنه يجمع السور والآي ، والحروف وجمع فيه القصص والأمر والنهي والوعد ، والوعيد وأصل القرء الجمع وقد يحذف الهمز منه فيقال قريت الماء في الحوض إذا جمعته وقرأ ابن كثير " القران " بفتح الراء غير مهموز وكذلك كان يقرأ الشافعي ويقول ليس هو من القراءة ولكنه اسم لهذا الكتاب كالتوراة والإنجيل وروي عن مقسم عن ابن عباس : أنه سئل عن قوله عز وجل ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) " إنا أنزلناه في ليلة القدر " ( 1 - القدر ) وقوله : " إنا أنزلناه في ليلة مباركة " ( 3 - الدخان ) وقد نزل في سائر الشهور ، وقال عز وجل : وقرآنا فرقناه " ( 106 - الإسراء ، فقال أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان إلى بيت العزة في السماء الدنيا ثم نزل به جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم نجوما في ثلاث وعشرين سنة فذلك قوله تعالى " فلا أقسم بمواقع النجوم ( 75 - الواقعة ) قال داود بن أبي هند : قلت للشعبي : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) أما كان ينزل في سائر الشهور؟
قال : بلى ولكن جبرائيل كان يعارض محمدا صلى الله عليه وسلم في رمضان ما نزل إليه فيحكم الله ما يشاء ويثبت ما يشاء وينسيه ما يشاء .
وروي عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أنزلت صحف إبراهيم عليه السلام في ثلاث ليال مضين من رمضان ويروى في أول ليلة من رمضان وأنزلت توراة موسى عليه السلام في ست ليال مضين من رمضان وأنزل الإنجيل على عيسى عليه السلام في ثلاث عشرة ليلة مضت من رمضان وأنزل زبور داود في ثمان عشرة مضت من رمضان وأنزل الفرقان على محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من شهر رمضان لست بقين بعدها .
قوله تعالى ( هدى للناس ) من الضلالة وهدى في محل نصب على القطع لأن القرآن معرفة وهدى نكرة ( وبينات من الهدى ) أي دلالات واضحات من الحلال والحرام ، والحدود والأحكام ( والفرقان ) أي الفارق بين الحق والباطل قوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) أي فمن كان مقيما في الحضر فأدركه الشهر واختلف أهل العلم فيمن أدركه الشهر وهو مقيم ثم سافر روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا يجوز له الفطر وبه قال عبيدة السلماني لقوله تعالى ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) أي الشهر كله وذهب أكثر الصحابة والفقهاء إلى أنه إذا أنشأ السفر في شهر رمضان جاز له أن يفطر ومعنى الآية فمن شهد منكم الشهر كله فليصمه أي الشهر كله ومن لم يشهد منكم الشهر كله فليصم ما شهد منه والدليل عليه ما أخبرنا أبو الحسن السرخسي أخبرنا زاهر بن أحمد أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي أخبرنا أبو مصعب عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه فكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قوله تعالى ( ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر ) أباح الفطر لعذر المرض والسفر وأعاد هذا الكلام ليعلم أن هذا الحكم ثابت في الناسخ ثبوته في المنسوخ واختلفوا في المرض الذي يبيح الفطر فذهب أهل الظاهر إلى أن ما يطلق عليه اسم المرض يبيح الفطر وهو قول ابن سيرين .
قال طريف بن تمام العطاردي دخلت على محمد بن سيرين .
في رمضان وهو يأكل ، فقال إنه وجعت أصبعي هذه وقال الحسن وإبراهيم النخعي هو المرض الذي تجوز معه الصلاة قاعدا وذهب الأكثرون إلى أنه مرض يخاف معه من الصوم زيادة علة غير محتملة وفي الجملة أنه إذا أجهده الصوم أفطر وإن لم يجهده فهو كالصحيح وأما السفر فالفطر فيه مباح والصوم جائز عند عامة أهل العلم إلا ما روي عن ابن عباس وأبي هريرة وعروة بن الزبير وعلي بن الحسين أنهم قالوا لا يجوز الصوم في السفر ومن صام فعليه القضاء واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " ليس من البر الصوم في السفر " وذلك عند الآخرين في حق من يجهده الصوم فالأولى له أن يفطر والدليل عليه ما أخبرنا به عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا آدم أخبرنا شعبة أخبرنا محمد بن عبد الرحمن الأنصاري قال سمعت محمد بن عمرو بن الحسن بن علي بن جابر بن عبد الله قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه فقال ما هذا قالوا هذا صائم ، فقال ليس من البر الصوم في السفر " .
والدليل على جواز الصوم ما حدثنا الأستاذ أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري أخبرنا أبو نعيم الإسفراييني أخبرنا أبو عوانة أخبرنا أبو أمية أخبرنا عبد الله القواريري أخبرنا حماد بن زيد أخبرنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال : " كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فمنا الصائم ومنا المفطر فلا يعيب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم " .
واختلفوا في أفضل الأمرين فقالت طائفة الفطر في السفر أفضل من الصوم روي ذلك عن ابن عمر وإليه ذهب سعيد بن المسيب والشعبي وذهب قوم إلى أن الصوم أفضل وروي ذلك عن معاذ بن جبل وأنس وبه قال إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير وقالت طائفة أفضل الأمرين أيسرهما عليه لقوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ) وهو قول مجاهد وقتادة وعمر بن عبد العزيز ومن أصبح مقيما صائما ثم سافر في أثناء النهار لا يجوز له أن يفطر ذلك اليوم عند أكثر أهل العلم وقالت طائفة له أن يفطر وهو قول الشعبي وبه قال أحمد أما المسافر إذا أصبح صائما فيجوز له أن يفطر بالاتفاق والدليل عليه ما أخبر عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد العزيز بن محمد عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس معه فقيل له يا رسول الله إن الناس قد شق عليهم الصيام فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب والناس ينظرون فأفطر بعض الناس وصام بعضهم فبلغه أن ناسا صاموا فقال أولئك العصاة .
واختلفوا في السفر الذي يبيح الفطر فقال قوم مسيرة يوم وذهب جماعة إلى مسيرة يومين وهو قول الشافعي رحمه الله وذهب جماعة إلى مسيرة ثلاثة أيام وهو قول سفيان الثوري وأصحاب الرأي قوله تعالى ( يريد الله بكم اليسر ) بإباحة الفطر في المرض والسفر ( ولا يريد بكم العسر ) قرأ أبو جعفر العسر واليسر ونحوهما بضم السين وقرأ الآخرون بالسكون وقال الشعبي : ما خير رجل بين أمرين فاختار أيسرهما إلا كان ذلك أحبهما إلى الله عز وجل ( ولتكملوا العدة ) قرأ أبو بكر بتشديد الميم وقرأ الآخرون بالتخفيف وهو الاختيار لقوله تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم " ( 3 - المائدة ) والواو في قوله تعالى ولتكملوا العدة واو النسق واللام لام كي ، تقديره ويريد لكي تكملوا العدة أي لتكملوا عدة أيام الشهر بقضاء ما أفطرتم في مرضكم وسفركم وقال عطاء : ( ولتكملوا العدة ) أي عدد أيام الشهر أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أخبرنا أبو العباس الأصم أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الشهر تسع وعشرون فلا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين " .
أخبرنا أحمد بن عبد الله الصالحي أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسين الحيري أخبرنا حاجب بن أحمد الطوسي أخبرنا محمد بن يحيى أخبرنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقدموا الشهر بصوم يوم ولا يومين إلا أن يوافق ذلك صوما كان يصومه أحدكم صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا " .
( ولتكبروا الله ) ولتعظموا الله ( على ما هداكم ) أرشدكم إلى ما رضي به من صوم شهر رمضان وخصكم به دون سائر أهل الملل قال ابن عباس : هو تكبيرات ليلة الفطر وروي عن الشافعي وعن ابن المسيب وعروة وأبي سلمة أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر يجهرون بالتكبير وشبه ليلة النحر بها إلا من كان حاجا فذكره التلبية ( ولعلكم تشكرون ) الله على نعمه وقد وردت أخبار في فضل شهر رمضان وثواب الصائمين .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الحسني المروزي أخبرنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سراج الطحان أخبرنا أبو أحمد محمد بن قريش بن سليمان أخبرنا علي بن عبد العزيز المكي أخبرنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثني إسماعيل بن جعفر عن أبي سهل نافع بن مالك عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا دخل رمضان صفدت الشياطين وفتحت أبواب الجنة وغلقت أبواب النار " .
أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن الجراح أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي أخبرنا أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي أخبرنا أبو كريب محمد بن العلاء أخبرنا أبو بكر محمد بن عياش عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أول ليلة في شهر رمضان صفدت الشياطين ، ومردة الجن وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب وفتحت أبواب الجنة فلم يغلق منها باب وينادي مناد يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر ولله عتقاء من النار وذلك كل ليلة " .
أخبرنا أبو بكر أحمد بن أبي نصر بن أحمد الكوفاني الهروي بها أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن محمد التجيبي المصري بها المعروف بابن النحاس قيل له أخبركم أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد العنزي البصري بمكة المعروف بابن الأعرابي أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو سعيد خلف بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي نزار حدثنا الحسين بن أحمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أسد الصفار أخبرنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن أبي إسحاق العنزي أخبرنا علي بن حجر بن إياس السعدي أخبرنا يوسف بن زياد عن علي بن زيد بن جدعان عن سعيد بن المسيب عن سلمان قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال يا أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم وفي رواية قد أطلكم بالطاء أطل : أشرف شهر عظيم شهر مبارك شهر فيه ليلة القدر خير من ألف شهر شهر جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوعا من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه ومن أدى فيه فريضة كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة وشهر المواساة أي المساهمة وشهر يزاد فيه الرزق ومن فطر فيه صائما كان له مغفرة لذنوبه وعتق رقبته من النار وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء قالوا يا رسول الله ليس كلنا نجد ما نفطر به الصائم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الله هذا الثواب لمن فطر صائما على مذقة لبن أو تمرة أو شربة من ماء ومن أشبع صائما سقاه الله عز وجل من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنة ومن خفف عن مملوكه فيه غفر الله له وأعتقه من النار حتى يدخل الجنة وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من النار فاستكثروا فيه من أربع خصال خصلتين ترضون بهما ربكم وخصلتين لا غنى بكم عنهما أما الخصلتان اللتان ترضون بهما ربكم فشهادة أن لا إله إلا الله ، وتستغفرونه وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله الجنة وتعوذون به من النار " .
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي أخبرنا أبو طاهر محمد بن محمش الزيادي أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر بن حفص التاجر أخبرنا إبراهيم بن عبد الله بن عمر بن بكير الكوفي أخبرنا وكيع عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل عمل ابن آدم يضاعف له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به يدع الصائم طعامه وشرابه وشهوته من أجلي للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك الصوم جنة الصوم جنة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا محمد بن مطرف حدثني أبو حازم عن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : في الجنة ثمانية أبواب منها باب يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون " .
أخبرنا محمد بن عبد الله بن أبي توبة أخبرنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث أخبرنا محمد بن يعقوب الكسائي أخبرنا عبد الله بن محمود أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الخلال أخبرنا عبد الله بن المبارك عن راشد بن سعد عن يحيى بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الصيام والقرآن يشفعان للعبد يقول الصيام أي رب إني منعته الطعام ، والشراب والشهوات بالنهار فشفعني فيه ويقول القرآن : رب إني منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان " .
تلك الأيام «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن» من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر منه «هدى» حال هاديا من الضلالة «للناس وبينات» آيات واضحات «من الهدى» بما يهدي إلى الحق من الأحكام «و» من «الفرقان» مما يفرق بين الحق والباطل «فمن شهد» حضر «منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر» تقدم مثله وكرر لئلا يتوهم نسخه بتعميم من شهد «يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر» ولذا أباح لكم الفطر في المرض والسفر ولكون ذلك في معنى العلة أيضا للأمر بالصوم عطف عليه «ولتكملوا» بالتخفيف والتشديد «العدة» أي عدة صوم رمضان «ولتكبروا الله» عند إكمالها «على ما هداكم» أرشدكم لمعالم دينه «ولعلكم تشكرون» الله على ذلك.
شهر رمضان الذي ابتدأ الله فيه إنزال القرآن في ليلة القدر؛ هداية للناس إلى الحق، فيه أوضح الدلائل على هدى الله، وعلى الفارق بين الحق والباطل.
فمن حضر منكم الشهر وكان صحيحًا مقيمًا فليصم نهاره.
ويُرخَّص للمريض والمسافر في الفطر، ثم يقضيان عدد تلك الأيام.
يريد الله تعالى بكم اليسر والسهولة في شرائعه، ولا يريد بكم العسر والمشقة، ولتكملوا عدة الصيام شهرًا، ولتختموا الصيام بتكبير الله في عيد الفطر، ولتعظموه على هدايته لكم، ولكي تشكروا له على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق والتيسير.
وقوله : ( شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان ) كلام مستأنف لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا الصوم فيها وأنها أيام شهر رمضان الذي يستحق كل مدح وثناء لتشرفه بنزول الكتب السماوية فيه .قال الإِمام ابن كثير : يمدح - تعالى - شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم ، فقد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإِلهية تنزل فيه على الأنبياء فعن وائلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان ، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإِنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان " .و ( الشَّهْرَ ) مأخوذ من الشهرة ، يقال : شهر الشيء يشهر شهرة وشهراً إذا ظهر بحيث لا يتعذر علمه على أحد ، ومنه يقال : شهرت السيف إذا سللته قال بعضهم : وسمى الهلال شهراً لشهرته وبيانه ، وبه سمى الشهر شهراً .و ( رَمَضَانَ ) اسم لهذا الشهر الذي فرض علينا صيامه ، وهو مأخوذ - كما قال القرطبي - من رمض الصائم يرمض إذا حر جوفه من شدة العطش والرمضاء : شدة الحر ، ومنه الحديث : " صلاة الأوابين إذا رمضت الفصال " - أي صلاة الضحى - قيل : إن العرب لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها ، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمى بذلك .
وقيل إنما سمى رمضان لأنه يرمض الذنوب ، أي : يحرقها بالأعمال الصالحة " .وقوله : ( شَهْرُ رَمَضَانَ ) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هي شهر رمضان أي : الأيام المعدودات ، وقوله : ( الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن ) صفة للشهر .ويجوز أن يكون قوله ( شَهْرُ ) مبتدأ وخبره الموصول بعده ، أو خبره قوله ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) وصح وجود الفاء في الخبر لكون المبتدأ موصوفاً بالموصول الذي هو شبه بالشرط .
وقرئ بالنصب على أنه مفعول لفعل محذوف .
أي : صوموا شهر رمضان .و " القرآن " هو كلام الله المعجز المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم المكتوب في المصاحف المنقول بالتواتر المتعبد بتلاوته .والمراد بإنزال القرآن في شهر رمضان ابتداء إنزاله فيه ، وكان ذلك في ليلة القدر .
بدليل قوله - تعالى - ( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ القدر ) أي بدأنا إنزال القرآن في هذه الليلة المباركة ، إذ من المعروف أن القرآن استمر نزوله على النبي صلى الله عليه وسلم ما يقرب من ثلاثة وعشرين سنة .وقيل المراد بذلك ، أنزل في فضله القرآن ، قالوا : ومثله أن يقال : أنزل الله في أبي بكر الصديق كذا آية ، يريدون أنزل في فضله .وقيل المراد أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن ، كما يقال : أنزل الله في الزكاة كذا وكذا ، يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها .قال الآلوسي : وقوله - تعالى - : ( هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان ) حالان لازمان من القرآن والعامل فيهما أنزل .
أي : أنزل وهو هداية للناس بإعجازه المختص به كما يشعر بذلك التنكير ، وآيات واضحات من جملة الكتب الإلهية الهادية إلى الحق والفارقة بين الحق والباطل باشتماله على المعارف الإِلهية والأحكام العملية ، كما يشعر بذلك جعله بينات منها ، فهو هاد بواسطة أمرين ، مختص وغير مختص ، فالهدى ليس مكرراً ، وقيل : مكرر تنويهاً وتعظيماً لأمره وتأكيداً لمعنى الهداية كما تقول : علام نحرير " .وقوله : ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) يصح أن يكون شهد بمعنى حضر .
كما يقال : فلان شهد بدراً ، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي : حضرها ، فيكون المعنى : فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن كان مقيما وليس عنده ما يمنعه من الصو كمرض ونحوه ، فليصمه؛ لأن صيامه ركن من أركان الدين ، وعليه يكون لفظ " الشهر " مصنوب على الظرفية .ويصح أن يكون شهد بمعنى علم كقوله - تعالى - ( شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ) فيكون المعنى : فمن علم منكم هلال الشهر وتيقن من ظهوره فليصمه .وعليه يكون لفظ " الشهر " منصوب على أنه مفعول به بتقدير المضاف المحذوف و ( مَن ) موصولة أو شرطية وهو الأظهر و ( مِنكُمُ ) في محل نصب على الحال من الضمير في شهد فيتعلق بمحذوف أي : كائنا منكم .
والضمير في " منكم " يعود على الذين آمنوا ، أي كل من حضر منكم الشهر فليصمه و ( أل ) في الشهر للعهد .وأعيد ذكر الرخصة في قوله - تعالى - ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ، لئلا يتوهم من تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ، أنه قد صار متحتماً بحيث لا تتناوله الرخصة بوجه من الوجوه أو تتناوله ولكنها مفضولة ، وفي ذلك عناية بأمر الرخصة وأنها محبوبة له - تعالى - .وقوله - تعالى - : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) بيان الحكمة الرخصة .أي : شرع لكم - سبحانه - الفطر في حالتي المرض والسفر ، لأنه يريد بكم اليسر والسهولة .
ولا يريد بكم العسر والمشقة .
قال - تعالى - : ( يُرِيدُ الله أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً ) وقال - تعالى - : ( وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدين ) وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ بن جبل وأبي موسى الأشعري حين بعثهما إلى اليمن : " يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا " .وقوله - تعالى - : ( وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) معطوف على قوله : ( يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ) إذ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله : ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) إلى قوله : ( فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) .والمعنى : شرع لكم - سبحانه - ما شرع من أحكام الصيام ، ورخص لكم الفطر في حالتي المرض والسفر ، لأنه يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ، ولأنه يريد منكم أن تكملوا عدة الشهر بأن تصوموا أيامة كاملة فتحصلوا خيراته ولا يفوتكم شيء من بركاته ، ومن لم يستطع منكم أداء الصوم في هذا الشهر لعذر فعليه قضاء ما فاته منه في أيام أخر ويريد منكم أن تكبروه - سبحانه - أي تحدوه وتعظموه ، فهو وحده الذي هداكم إلى تلك الأحكام النافعة التي في صلاحكم وسعادتكم ويريد منكم أن تشكروه بأن تواظبوا على الثناء عليه ، وعلى استعمال نعمه فما خلقت له فهو - سبحانه - الرءوف الرحيم بعباده ، إذ شرع لهم فيه اليسر لا ما فيه العسر .وقد دلت الآية الكريمة على الأمر بالتكبير إذ جعلته مما يريده الله - تعالى - ولهذا جاءت السنة باستحباب التحميد والتسبيح والتكبير بعد الصلوات المكتوبات ، وفي عيدى الفطر والأضحى يكون تكبير الله - تعالى - هو مظهرهما الأعظم .وبذلك تكون الآيات الكريمة قد بينت أكمل بيان وأحكمه فضل الصوم ، وحمة مشروعيته ومظاهر رحمة الله بعباده في هذه الفريضة ، وقد ذكرت أن المسلم له بشأن هذه الفريضة حلاة من حالات ثلاث :الحالة الأولى : إذا كان المسلم في شهر رمضان كله أو بعضه مريضاً بمرض عارض غير مزمن يرجى الشفاء منه ، أو مسافراً تتوفر فيه شروط الفطر ، فله أن يفطر وأن يقضي بعد رمضان الأيام التي أفطرها بدليل قوله - تعالى - : ( فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ) .الحالة الثانية : إذا كان المسلم في شهر رمضان مريضاً بمرض مزمن لا يرجى شفاءه والصوم فيه مشقة عليه ، أو كان شيخاً كبيراً أو امرأة عجوزاً ولا يستطيعان الصوم ، فقد أباح الشارع لهؤلاء أن يفطروا وأن يطعموا عن كل يوم مسكيناً ، لأن هذه الأعذار لا يرجى زوالها ، ولا ينتظر أن يكون المبتلي بعذر منها بعد رمضان خيراً منه في رمضان ، لذا أوجب الشارع على هؤلاء الفدية دون القضاء ، بدليل قوله - تعالى - ( فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ) ويحرم عليه أن يفطر ، وإن أفطر لغير عذر شرعي كان من الخاسرين في الدنيا والآخرة ، ففي الحديث الشريف الذي رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من أفطر يوماً من رمضان من غير رخصة ولا مرض لم يقضه - أي لم يجزه - صوم الدهر كله وإن صامه " .أي : لو حصل منه صوم طول حياته فلن يدرك ثواب ما ضيع بسبب فطره بغير عذر شرعي .والأحاديث في الترغيب في صوم شهر رمضان ، وفي الترهيب من الفطر فيه كثيرة متنوعة .
فيه مسائل: المسألة الأولى: الشهر مأخوذ من الشهرة يقال، شهر الشيء يشهر شهرة وشهرا إذا ظهر، وسمي الشهر شهراً لشهرة أمره وذلك لأن حاجات الناس ماسة إلى معرفته بسبب أوقات ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم، والشهرة ظهور الشيء وسمي الهلال شهراً لشهرته وبيانه قال بعضهم سمي الشهر شهراً باسم الهلال.
المسألة الثانية: اختلفوا في رمضان على وجوه: أحدها: قال مجاهد: إنه اسم الله تعالى، ومعنى قول القائل: شهر رمضان أي شهر الله وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا: جاء شهر رمضان وذهب شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله تعالى».
القول الثاني: أنه اسم للشهر كشهر رجب وشعبان، ثم اختلفوا في اشتقاقه على وجوه: الأول: ما نقل عن الخليل أنه من الرمضاء بسكون الميم، وهو مطر يأتي قبل الخريف يطهر وجه الأرض عن الغبار والمعنى فيه أنه كما يغسل ذلك المطر وجه الأرض ويطهرها فكذلك شهر رمضان يغسل أبدان هذه الأمة من الذنوب ويطهر قلوبهم.
الثاني: أنه مأخوذ من الرمض وهو حر الحجارة من شدة حر الشمس، والإسم الرمضاء، فسمي هذا الشهر بهذا الإسم إما لارتماضهم في هذا الشهر من حر الجوع أو مقاساة شدته، كما سموه تابعاً لأنه كان يتبعهم أي يزعجهم لشدته عليهم، وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر، وقيل: سمي بهذا الإسم لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها، وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباد الله».
الثالث: أن هذا الإسم مأخوذ من قولهم: رمضت النصل أرمضه رمضاً إذا دفعته بين حجرين ليرق، ونصل رميض ومرموض، فسمي هذا الشهر: رمضان، لأنهم كانوا يرمضون فيه أسلحتهم ليقضوا منها أوطارهم، وهذا القول يحكى عن الأزهري.
الرابع: لو صح قولهم: إن رمضان اسم الله تعالى، وهذا الشهر أيضاً سمي بهذا الإسم، فالمعنى أن الذنوب تتلاشى في جنب رحمة الله حتى كأنها احترقت، وهذا الشهر أيضاً رمضان بمعنى أن الذنوب تحترق في جنب بركته.
المسألة الثالثة: قرئ ﴿ شَهْرُ ﴾ بالرفع وبالنصب، أما الرفع ففيه وجوه: أحدها: وهو قول الكسائي أنه ارتفع على البدل من الصيام، والمعنى: كتب عليكم شهر رمضان والثاني: وهو قول الفراء والأخفش أنه خبر مبتدأ محذوف بدل من قوله: ﴿ أَيَّامًا ﴾ كأنه قيل: هي شهر رمضان، لأن قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ تفسير للأيام المعدودات وتبيين لها الثالث: قال أبو علي: إن شئت جعلته مبتدأ محذوف الخبر، كأنه لما تقدم.
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ قيل فيما كتب عليكم من الصيام شهر رمضان أي صيامه الرابع: قال بعضهم: يجوز أن يكون بمبتدأ وخبره ﴿ الذى ﴾ مع صلته كقوله زيد الذي في الدار، قال أبو علي: والأشبه أن يكون ﴿ الذى ﴾ وصفاً ليكون لفظ القرآن نصاً في الأمر بصوم الشهر، لأنك إن جعلته خبراً لم يكن شهر رمضان منصوصاً على صومه بهذا اللفظ، إنما يكون مخبراً عنه بإنزال القرآن فيه، وإيضاً إذا جعلت ﴿ الذى ﴾ وصفاً كان حق النظم أن يكنى عن الشهر لا أن يظهر كقولك.
شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه وأما قراءة النصب ففيها وجوه: أحدها: التقدير: صوموا شهر رمضان.
وثانيها: على الإبدال من أيام معدودات.
وثالثها: أنه مفعول ﴿ وَأَن تَصُومُواْ ﴾ وهذا الوجه ذكره صاحب الكشاف واعترض عليه بأن قيل: فعلى هذا التقدير يصير النظم: وأن تصوموا رمضان الذي أنزل فيه القرأن خير لكم، وهذا يقتضي وقوع الفصل بين المبتدأ والخبر بهذا الكلام الكثير وهو غير جائز لأن المبتدأ والخبر جاريان مجرى الشيء الواحد وإيقاع الفصل بين الشيء وبين نفسه غير جائز.
أما قوله: ﴿ أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ اعلم أنه تعالى لما خص هذا الشهر بهذه العبادة بين العلة لهذا التخصيص، وذلك هو أن الله سبحانه خصه بأعظم آيات الربوبية، وهو أنه أنزل فيه القرآن، فلا يبعد أيضاً تخصيصه بنوع عظيم من آيات العبودية وهو الصوم، مما يحقق ذلك أن الأنوار الصمدية متجلية أبداً يمتنع عليها الإخفاء والاحتجاب إلا أن العلائق البشرية مانعة من ظهورها في الأرواح البشرية والصوم أقوى الأسباب في إزالة العلائق البشرية ولذلك فإن أرباب المكاشفات لا سبيل لهم إلى التوصل إليها إلا بالصوم، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السموات» فثبت أن بين الصوم وبين نزول القرآن مناسبة عظيمة فلما كان هذا الشهر مختصاً بنزول القرآن، وجب أن يكون مختصاً بالصوم، وفي هذا الموضع أسرار كثيرة والقدر الذي أشرنا إليه كاف هاهنا، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ أُنْزَّلَ فِيهِ القرآن ﴾ في تفسيره قولان الأول: وهو اختيار الجمهور: أن الله تعالى أنزل القرآن في رمضان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «نزل صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشر والقرآن لأربع وعشرين» وهاهنا سؤلات: السؤال الأول: أن القرآن ما نزل على محمد عليه الصلاة والسلام دفعة، وإنما نزل عليه في مدة ثلاث وعشرين سنة منجما مبعضا، وكما نزل بعضه في رمضان نزل بعضه في سائر الشهور، فما معنى تخصيص إنزاله برمضان.
والجواب عنه من وجهين: الأول: أن القرآن أنزل في ليلة القدر جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وإنما جرت الحال على هذا الوجه لما علمه تعالى من المصلحة على هذا الوجه فإنه لا يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم أو كان في المعلوم أن في ذلك مصلحة للرسول عليه السلام في توقع الوحي من أقرب الجهات، أو كان فيه مصلحة لجبريل عليه السلام، لأنه كان هو المأمور بإنزاله وتأديته، أما الحكمة في إنزال القرآن على الرسول منجماً مفرقا فقد شرحناها في سورة الفرقان في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾ .
الجواب الثاني عن هذا السؤال: أن المراد منه أنه ابتدئ إنزاله ليلة القدر من شهر رمضان وهو قول محمد بن إسحاق وذلك لأن مبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لكونها أشرف الأوقات ولأنها أيضاً أوقات مضبوطة معلومة.
واعلم أن الجواب الأول لا يحتاج فيه إلى تحمل شيء من المجاز وهاهنا يحتاج فإنه لابد على هذا الجواب من حمل القرآن على بعض أجزائه وأقسامه.
السؤال الثاني: كيف الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله تعالى: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ وبين قوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةٍ مباركة ﴾ .
والجواب: روي أن ابن عمر استدل بهذه الآية وبقوله: ﴿ إِنَّا أنزلناه فِي لَيْلَةِ القدر ﴾ أن ليلة القدر لابد وأن تكون في رمضان، وذلك لأن ليلة القدر إذا كانت في رمضان كان إنزاله في ليلة القدر إنزالا له في رمضان، وهذا كمن يقول: لقيت فلاناً في هذا الشهر فيقال له.
في أي يوم منه فيقول يوم كذا فيكون ذلك تفسيراً للكلام الأول فكذا هاهنا.
السؤال الثالث: أن القرآن على هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله تعالى أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزله إلى محمد صلى الله عليه وسلم منجماً إلى آخر عمره، ويحتمل أيضاً أن يقال: إنه سبحانه كان ينزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا من القرآن ما يعلم أن محمداً عليه السلام وأمته يحتاجون إليه في تلك السنة ثم ينزله على الرسول على قدر الحاجة ثم كذلك أبداً ما دام فأيهما أقرب إلى الصواب.
الجواب: كلاهما محتمل، وذلك لأن قوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ يحتمل أن يكون المراد منه الشخص، وهو رمضان معين، وأن يكون المراد منه النوع، وإذا كان كل واحد منهما محتملاً صالحا وجب التوقف.
القول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ قال سفيان بن عيينة: أنزل فيه القرآن معناه أنزل في فضله القرآن، وهذا اختيار الحسين بن الفضل قال: ومثله أن يقال: أنزل في الصديق كذا آية: يريدون في فضله قال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن، كام يقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا يريد في إيجابها وأنزل في الخمر كذا يريد في تحريمها.
المسألة الثانية: القرآن اسم لما بين الدفتين من كلام الله، واختلفوا في اشتقاقه، فروى الواحدي في البسيط عن محمد بن عبد الله بن الحكم أن الشافعي رضي الله عنه كان يقول: إن القرآن اسم وليس بمهموز ولم يؤخذ من قرأت ولكنه اسم لكتاب الله مثل التوراة والإنجيل، قال ويهمز قراءة ولا يهمز القرآن كما يقول: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان ﴾ قال الواحدي: وقول الشافعي أنه اسم لكتاب الله يشبه أنه ذهب إلى أنه غير مشتق، وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان أحدهما: أنه مأخوذ من قرنت الشيء بالشيء إذا ضممت أحدهما إلى الآخر، فهو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز، فسمي القرآن قرآناً إما لأن ما فيه من السور والآيات والحروف يقترن بعضها ببعض، أو لأن ما فيه من الحكم والشرائع مقترن بعضها ببعض، أو لأن ما فيه من الدلائل الدالة على كونه من عند الله مقترن بعضها ببعض، أعني اشتماله على جهات الفصاحة وعلى الأسلوب الغريب، وعلى الأخبار عن المغيبات، وعلى العلوم الكثيرة، فعلى هذا التقدير هو مشتق من قرن والإسم قران غير مهموز وثانيهما: قال الفراء: أظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك لأن الآيات يصدق بعضها بعضاً على ما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً ﴾ فهي قرائن، وأما الذين همزوا فلهم وجوه: أحدها: أنه مصدر القراءة يقال: قرأت القرآن فأنا أقرؤه قرأ وقراءة وقرآنا، فهو مصدر، ومثل القرآن من المصادر: الرجحان والنقصان والخسران والغفران، قال الشاعر: ضحوا بأشمط عنوان السجود به *** يقطع الليل تسبيحاً وقرآناً أي قراءة، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ إن قرآن الفجر كان مشهوداً ﴾ هذا هو الأصل، ثم إن المقروء يسمى قرآناً، لأن المفعول يسمى بالمصدر كما قالوا للمشرب: شراب وللمكتوب كتاب، واشتهر هذا الإسم في العرف حتى جعلوه اسماً لكلام الله تعالى.
وثانيها: قال الزجاج وأبو عبيدة: إنه مأخوذ من القرء وهو الجمع، قال عمرو: هجان اللون لم تقرأ جنينا *** أي لم تجمع في رحمها ولدا، ومن هذا الأصل: قرء المرأة وهو أيام اجتماع الدم في رحمها، فسمي القرآن قرآناً، لأنه يجمع السور ويضمها.
وثالثها: قول قطرب وهو أنه سمي قرآنا، لأن القارئ يكتبه، وعند القراءة كأنه يلقيه من فيه أخذاً من قول العرب: ما قرأت الناقة سلى قط، أي ما رمت بولد وما أسقطت ولداً قط وما طرحت، وسمي الحيض، قرأ لهذا التأويل، فالقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه فسمي قرآناً.
المسألة الثالثة: قد ذكرنا في تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا ﴾ أن التنزيل مختص بالنزول على سبيل التدريج، والإنزال مختص بما يكون النزول فيه دفعة واحدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل ﴾ إذا ثبت هذا فنقول: لما كان المراد هاهنا من قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ أنزل من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، لا جرم ذكره بلفظ الإنزال دون التنزيل، وهذا يدل على أن هذا القول راجح على سائر الأقوال.
أما قوله: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: بينا تفسير الهدى في قوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والسؤال أنه تعالى جعل القرآن في تلك الآية هدى للمتقين، وهاهنا جعله هدى للناس، فكيف وجه الجمع؟
وجوابه ما ذكرناه هناك.
المسألة الثانية: ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ وبينات ﴾ نصب على الحال، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق والباطل.
أما قوله تعالى: ﴿ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان ﴾ ففيه إشكال وهو أن يقال: ما معنى قوله: ﴿ وبينات مِّنَ الهدى ﴾ بعد قوله: ﴿ هُدًى ﴾ .
وجوابه من وجوه: الأول: أنه تعالى ذكر أولا أنه هدى، ثم الهدى على قسمين: تارة يكون كونه هدى للناس بينا جلياً، وتارة لا يكون كذلك، والقسم الأول لا شك أنه أفضل فكأنه قيل: هو هدى لأنه هو البين من الهدى، والفارق بين الحق والباطل، فهذا من باب ما يذكر الجنس ويعطف نوعه عليه، لكونه أشرف أنواعه، والتقدير كأنه قيل: هذا هدى، وهذا بين من الهدى، وهذا بينات من الهدى، ولا شك أن هذا غاية المبالغات الثاني: أن يقال: القرآن هدى في نفسه، ومع كونه كذلك فهو أيضاً بينات من الهدى والفرقان، والمراد بالهدى والفرقان: التوراة والإنجيل قال الله تعالى: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ ٱلْكِتَٰبَ بِٱلْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوْرَىٰةَ وَٱلْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ ٱلْفُرْقَانَ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ ذُو ٱنتِقَامٍ ﴾ وقال: ﴿ وَإِذ آتينا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ وقال: ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى وهارون الفرقان وَضِيَاء وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ ﴾ فبين تعالى وتقدس أن القرآن مع كونه هدى في نفسه ففيه أيضاً هدى من الكتب المتقدمة التي هي هدى وفرقان الثالث: أن يحمل الأول على أصول الدين، والهدي الثاني على فروع الدين، فحينئذ يزول التكرار والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: نقل الواحدي رحمه الله في البسيط عن الأخفش والمازني أنهما قالا: الفاء في قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ زائدة، قالا: وذلك لأن الفاء قد تدخل للعطف أو للجزاء أو تكون زائدة، وليس للعطف والجزاء هاهنا وجه، ومن زيادة الفاء قوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الموت الذي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ ملاقيكم ثُمَّ تُرَدُّونَ إلى عَالِمِ الغيب ﴾ .
وأقول: يمكن أن يقال الفاء هاهنا للجزاء فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصاً بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُ ملاقيكم ﴾ الفاء فيه غير زائدة وأيضاً بل هذا من باب مقابلة الضد بالضد كأنه قيل: لما فروا من الموت فجزائهم أن يقرب الموت منهم ليعلموا أنه لا يغني الحذر عن القدر.
المسألة الثانية: ﴿ شَهِدَ ﴾ أي حضر والشهود الحضور، ثم هاهنا قولان: أحدهما: أن مفعول شهد محذوف لأن المعنى: فمن شهد منكم البلد أو بيته بمعنى لم يكن مسافراً وقوله: ﴿ الشهر ﴾ انتصابه على الظرف وكذلك الهاء في قوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
والقول الثاني: مفعول ﴿ شَهِدَ ﴾ هو ﴿ الشهر ﴾ والتقدير: من شاهد الشهر بعقله ومعرفته فليصمه وهو كما يقال: شهدت عصر فلان، وأدركت زمان فلان، واعلم أن كلا القولين لا يتم إلا بمخالفة الظاهر، أما القول الأول فإنما يتم بإضمار أمر زائد، وأما القول الثاني فيوجب دخول التخصيص في الآية، وذلك لأن شهود الشهر حاصل في حق الصبي والمجنون والمريض والمسافر مع أنه لم يجب على واحد منهم الصوم إلا أنا بينا في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإضمار فالتخصيص أولى، وأيضاً فلاناً على القول الأول لما التزمنا الإضمار لابد أيضاً من التزام التخصيص لأن الصبي والمجنون والمريض كل واحد منهم شهد الشهر مع أنه لا يجب عليهم الصوم بل المسافر لا يدخل فلا يحتاج إلى تخصيص هذه الصورة فيه فالقول الأول لا يتمشى إلا مع التزام الإضمار والتخصيص والقول الثاني يتمشى بمجرد التزام التخصيص فكان القول الثاني أولى هذا ما عندي فيه مع أن أكثر المحققين كالواحدي وصاحب الكشاف ذهبوا إلى الأول.
المسألة الثالثة: الألف واللام في قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ ﴾ للمعهود السابق وهو شهر رمضان، ونظيره قوله تعالى: ﴿ لَّوْلاَ جَآءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدآءِ ﴾ أي فإذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة.
المسألة الرابعة: اعلم أن في الآية إشكالاً وهو أن قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ جملة مركبة من شرط وجزاء فالشرط هو شهود الشهر والجزاء هو الأمر بالصوم وما لم يوجد الشرط بتمامه لا يترتب عليه الجزاء والشهر اسم للزمان المخصوص من أوله إلى آخره، فشهود الشهر إنما يحصل عند الجزاء الأخير من الشهر وظاهر هذه الآية يقتضي أن عند شهود الجزء الأخير من الشهر يجب عليه صوم كل الشهر وهذا محال، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في الزمان المنقضي وهو ممتنع فلهذا الدليل علمنا أنه لا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها، وأنه لابد من صرفها إلى التأويل، وطريقه أن يحمل لفظ الشهر على جزء من أجزاء الشهر في جانب الشرط فيصير تقريره: من شهد جزأ من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر، فعلى هذا: من شهد هلال رمضان فقد شهد جزأ من أجزاء الشهر، وقد تحقق الشرط فيترتب عليه الجزاء، وهو الأمر بصوم كل الشهر، وعلى هذا التأويل يستقيم معنى الآية وليس فيه إلا حمل لفظ الكل على الجزء وهو مجاز مشهور.
واعلم أن المنقول عن علي أن المراد من هذه الآية، فمن شهد منكم أول الشهر فليصم جميعه وقد عرفت بما ذكرنا من الدليل أنه لا يصح ألبتة إلا هذا القول، ثم يتفرع على هذا الأصل فرعان أحدهما: أنه إذا شهد أول الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر والثاني: أنه إذا شهد آخر الشهر هل يلزمه صوم كل الشهر.
أما الأول: فهو أنه نقل عن علي رضي الله عنه أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر، أن الواجب أن يصوم الكل، لأنا بينا أن الآية تدل على أن من شهد أول الشهر وجب عليه صوم كل الشهر، وأما سائر المجتهدين فيقولون: إن قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ وإن كان معناه: أن من شهد أول الشهر فليصمه كله إلا أنه عام يدخل فيه الحاضر والمسافر، وقوله بعد ذلك: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.
فثبت أنه وإن سافر بعد شهوة الشهر فإنه يحل له الإفطار.
وأما الثاني: وهو أن أبا حنيفة زعم أن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر يلزمه قضاء ما مضى، قال: لأنّا قد دللنا على أن المفهوم من هذه الآية أن من أدرك جزأ من رمضان لزمه صوم كل رمضان والمجنون إذا أفاق في أثناء الشهر فقد شهد جزأ من رمضان فوجب أن يلزمه صوم كل رمضان، فإذا لم يمكن صيام ما تقدم فالقضاء واجب.
المسألة الخامسة: اعلم أن قوله تعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ يستدعي بحثين: البحث الأول: أن شهود الشهر بماذا يحصل؟
فنقول: إما بالرؤية وإما بالسماع، أما الرؤية فنقول: إذا رأى إنسان هلال رمضان فأما أن يكون منفرداً بتلك الرؤية أو لا يكون، فإن كان منفرداً بها فأما أن يرد الإمام شهادته أو لا يردها، فإن تفرد بالرؤية ورد الإمام شهادته، لزمه أن يصوم، لأن الله تعالى جعل شهود الشهر سبباً لوجوب الصوم عليه، وقد حصل شهود الشهر في حقه، فوجب أن يجب عليه الصوم، وأما إن انفرد بالرؤية وقبل الإمام شهادته أو لم ينفرد بالرؤية فلا كلام في وجوب الصوم، وأما السماع فنقول إذا شهد عدلان على رؤية الهلال حكم به في الصوم والفطر جميعاً، وإذا شهد عدل واحد على رؤية هلال شوال لا يحكم به وإذا شهد على هلال رمضان يحكم به احتياطاً لأمر الصوم والفرق بينه وبين هلال شوال أن هلال رمضان للدخول في العبادة وهلال شوال للخروج من العبادة، وقول الواحد في إثبات العبادة يقبل، أما في الخروج من العبادة لا يقبل إلا على قول الإثنين، وعلى أنه لا فرق بينهما في الحقيقة، لأنا إنما قبلنا قول الواحد في هلال رمضان لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً فكذلك لا يقبل قول الواحد في هلال شوال لكي يصوموا ولا يفطروا احتياطاً.
البحث الثاني في الصوم: نفقول: إن الصوم هو الإمساك عن المفطرات مع العلم بكونه صائماً من أول طلوع الفجر الصادق إلى حين غروب الشمس مع النية وفي الحد قيود: القيد الأول: الإمساك وهو احتراز عن شيئين أحدهما: لو طارت ذبابة إلى حلقه، أو وصل غبار الطريق إلى بطنه لا يبطل صومه، لأن الاحتراز عنه شاق، والله تعالى يقول في آية الصوم ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ والثاني: لوصب الطعام أو الشراب في حلقه كرهاً أو حال نوم لا يبطل صومه، لأن المعتبر هو الإمساك والامتناع والإكراه لا ينافي ذلك.
القيد الثاني: قولنا عن المفطرات وهي ثلاثة: دخول داخل، وخروج خارج، والجماع، وحد الدخول كل عين وصل من الظاهر إلى الباطن من منفذ مفتوح إلى الباطن إما الدماغ أو البطن وما فيه من الأمعاء والمثانة، أما الدماغ فيحصل الفطر بالسعوط وأما البطن فيحصل الفطر بالحقنة وأما الخروج فالقيء بالاختيار والاستمناء يبطلان الصوم، وأما الجماع فالإيلاج يبطل الصوم.
القيد الثالث: قولنا مع العلم بكونه صائماً فلو أكل أو شرب ناسياً للصوم لا يبطل صومه عند أبي حنيفة والشافعي وعند مالك يبطل.
القيد الرابع: قولنا من أول طلوع الفجر الصادق والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الاسود مِنَ الفجر ﴾ وكلمة ﴿ حتى ﴾ لانتهاء الغاية، وكان الأعمش يقول: أول وقته إذا طلعت الشمس، وكان يبيح الأكل والشرب بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، ويحتج بأن انتهاء اليوم من وقت غروب الشمس، فكذا ابتداؤه يجب أن يكون من عند طلوعها، وهذا باطل بالنص الذي ذكرناه، وحكي عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده، فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك، فكيف إذا زرتني!
فسكت عنه أبو حنيفة فلما خرج من عنده قيل له: لم سكت عنه؟
فقال: وماذا أقول في رجل ما صام وما صلى في دهره عني به أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل الشمس فلا صوم له وكان لا يغتسل من الإنزال فلا صلاة له.
القيد الخامس: قولنا إلى غروب الشمس، ودليله قوله عليه السلام: «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا فقد أفطر الصائم» ومن الناس من يقول وقت الإفطار عند غروب ضوء الشمس، قاس هذا الطرف على الطرف الأول من النهار.
القيد السادس: قولنا مع النية، ومن الناس من يقول: لا حاجة لصوم رمضان إلى النية لأن الله تعالى أمر بالصوم في قوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ والصوم هو الإمساك وقد وجد فيخرج عن العهدة لكنا نقول: لابد من النية لأن الصوم عمل بدليل قوله عليه السلام: «أفضل الأعمال الصوم» والعمل لابد فيه من النية لقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات».
المسألة السادسة: القائلون بأن الآية المتقدمة تدل على أن المقيم الصحيح مخير بين أن يصوم وبين أن يفطر مع الفدية قالوا: هذه الآية ناسخة لها وأبو مسلم الأصفاني والأصم ينكرون ذلك، وقد تقدم شرح هذه المسألة ثم بتقدير صحة القول بهذا النسخ فهذا يدل على أن نسخ الأخف بالأثقل جائز، لأن إيجاب الصوم على التعيين أثقل من إيجابه على التخيير بينه وبين الفدية.
أما قوله تعالى: ﴿ فَمَن كَانَ مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ فقد تقدم تفسير هذه الآية، وقد تقدم بيان السبب في التكرير.
أما قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ فاعلم أن هذا الكلام إنما يحسن ذكره هاهنا بشرط دخول ما قبله فيه والأمر هاهنا كذلك لأن الله تعالى أوجب الصوم على سبيل السهولة واليسر فإنه ما أوجبه إلا في مدة قليلة من السنة ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض ولا على المسافر وكل ذلك رعاية لمعنى اليسر والسهولة وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اليسر في اللغة معناه السهولة ومنه يقال للغني والسعة اليسار لأنه يسهل به الأمور واليد اليسرى قيل تلي الفعال باليسر، وقيل إنه يتسهل الأمر بمعونتها اليمنى.
المسألة الثانية: المعتزلة احتجوا بهذه الآية في أن تكليف ما لا يطاق غير واقع، قالوا لأنه تعالى لما بين أنه يريد بهم ما تيسر دون ما تعسر فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه من الإيمان وجوابه أن اليسر والعسر لا يفيدان العموم لما ثبت في أصول الفقه أن اللفظ المفرد الذي دخل عليه الألف واللام لا يفيد العموم، وأيضاً فلو سلمنا ذلك لكنه قد ينصرف إلى المعهود السابق فنصرفه إلى المعهود السابق في هذا الموضع.
المسألة الثالثة: المعتزلة تمكسوا بهذه الآية في إثبات أنه قد يقع من العبد ما لا يريده الله وذلك لأن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده، لكان يجب أن يكون قد فعل ما لا يريده الله منه إذا كان لا يريد العسر الجواب: يحتمل اللفظ على أنه تعالى لا يريد أن يأمره بما فيه عسر، وإن كان قد يريد منه العسر وذلك لأن عندنا الأمر قد يثبت بدون الإرادة.
المسألة الرابعة: قالوا: هذه الآية دالة على رحمته سبحانه لعباده فلو أراد بهم أن يكفروا فيصيروا إلى النار، وخلق فيهم ذلك الكفر لم يكن لائقاً به أن يقول: ﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ والجواب أنه معارض بالعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة ﴾ بتشديد الميم والباقون بالتخفيف وهما لغتان: أكملت وكملت.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة ﴾ على ماذا علق؟.
جوابنا: أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف، ثم فيه وجهان: أحدهما: ما قاله الفراء وهو أن التقدير: ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون، فعل جملة لما ذكر وهو الأمر بصوم العدة، وتعليم كيفية القضاء، والرخصة في إباحة الفطر، وذلك لأنه تعالى ما ذكر هذه الأمور الثلاثة ذكر عقيبها ألفاظاً ثلاثة، فقوله: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة ﴾ علة للأمر بمراعاة العدة ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ ﴾ علة ما علمتم من كيفية القضاء ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ علة الترخص والتسهيل، ونظير ما ذكرنا من حذف الفعل المنبه ما قبله عليه قوله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والأرض وَلِيَكُونَ مِنَ الموقنين ﴾ أي أريناه.
الوجه الثاني: ما قاله الزجاج، وهو أن المراد به أن الذي تقدم من التكليف على المقيم صحيح والرخصة للمريض والمسافر إنما هو إكمال العدة لأنه مع الطاقة يسهل عليه إكمال العدة، ومع الرخصة في المرض والسفر يسهل إكمال العدة بالقضاء، فلا يكون عسراً، فبين تعالى أنه كلف الكل على وجه لا يكون إكمال العدة عسيراً، بل يكون سهلاً يسيراً، والفرق بين الوجهين أن في الأول إضماراً وقع بعد قوله: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة ﴾ وفي الثاني قبله: المسألة الثالثة: إنما قال: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة ﴾ ولم يقل: ولتكملوا الشهر، لأنه لما قال: ولتكملوا العدة دخل تحته عدة أيام الشهر وأيام القضاء لتقدم ذكرهما جميعاً ولذلك يجب أن يكون عدد القضاء مثلاً لعدد المقضي، ولو قال تعالى: ولتكملوا الشهر لدل ذلك على حكم الأداء فقط ولم يدخل حكم القضاء.
أما قوله: ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هداكم ﴾ ففيه وجهان الأول: أن المراد منه التكبير ليلة الفطر قال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا، وقال الشافعي: وأحب إظهار التكبير في العيدين، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق وأبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: يكره ذلك غداة الفطر، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ ﴾ وقال: معناه ولتكملوا عدة شهر رمضان لتكبروا الله عند انقضائه على ما هداكم إلى هذه الطاعة، ثم يتفرع على هذا ثلاث مسائل: إحداها: اختلف قوله في أن أي العيدين أوكد في التكبير؟
فقال في القديم: ليلة النحر أوكد لإجماع السلف عليها، وقال في الجديد: ليلة الفطر أوكد لورود النص فيها.
وثانيها: أن وقت التكبير بعد غروب الشمس من ليلة الفطر، وقال مالك: لا يكبر في ليلة الفطر ولكنه يكبر في يومه، وروي هذا عن أحمد، وقال إسحاق: إذا غدا إلى المصلى حجة الشافعي أن قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ ﴾ يدل على أن الأمر بهذا يوجب أن يكون التكبير وقع معللاً بحصول هذه الهداية، لكن بعد غروب الشمس تحصل هذه الهداية، فوجب أن يكون التكبير من ذلك الوقت.
وثالثها: مذهب الشافعي أن وقت هذا التكبير ممتد إلى أن يحرم الإمام بالصلاة، وقيل فيه قولان آخران أحدهما: إلى خروج الإمام والثاني: إلى انصراف الإمام والصحيح هو الأول، وقال أبو حنيفة: إذا بلغ إلى أدنى المصلى ترك التكبير.
القول الثاني: في تفسير قوله: ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ الله ﴾ أن المراد منه التعظيم لله شكراً على ما وفق على هذه الطاعة، واعلم أن تمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل أما القول: فالإقرار بصفاته العلي، وأسمائه الحسنى، وتنزيهه عما لا يليق به من ند وصاحبة وولد وشبه بالخلق، وكل ذلك لا يصح إلا بعد صحة الاعتقاد بالقلب وأما العمل: فالتعبد بالطاعات من الصلاة والصيام، والحج واعلم أن القول الأول أقرب، وذلك لأن تكبير الله تعالى بهذا التفسير واجب في جميع الأوقات، ومع كل الطاعات فتخصيص هذه الطاعة بهذا التكبير يوجب أن يكون هذا التكبير له خصوصية زائدة على التكبير الواجب في كل الأوقات.
أما قوله تعالى: ﴿ على مَا هَدَاكُمْ ﴾ فإنه يتضمن الإنعام العظيم في الدنيا بالأدلة والتعريف والتوفيق والعصمة، وعند أصحابنا بخلق الطاعة.
وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ ففيه بحثان أحدهما: أن كلمة ﴿ لَعَلَّ ﴾ للترجي، والترجي لا يجوز في حق الله والثاني: البحث عن حقيقة الشكر، وهذان بحثان قد مر تقريرهما.
بقي هاهنا بحث ثالث، وهو أنه ما الفائدة في ذكر هذا اللفظ في هذا الموضع فنقول: إن الله تعالى لما أمر بالتكبير وهو لا يتم إلا بأن يعلم العبد جلال الله وكبريائه وعزته وعظمته، وكونه أكبر من أن تصل إليه عقول العقلاء، وأوصاف الواصفين، وذكر الذاكرين، ثم يعلم أنه سبحانه مع جلاله وعزته واستغنائه عن جميع المخلوقات، فضلاً عن هذا المسكين خصه الله بهذه الهداية العظيمة لابد وأن يصير ذلك داعياً للعبد إلى الاشتغال بشكره، والمواظبة على الثناء عليه بمقدار قدرته وطاقته فلهذا قال: ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
الرمضان: مصدر رمض إذا احترق- من الرمضاء- فأضيف إليه الشهر وجعل علماً، ومنع الصرف للتعريف والألف والنون كما قيل (ابن دأية) للغراب بإضافة الابن إلى داية البعير، لكثرة وقوعه عليها إذا دبرت.
فإن قلت: لم سمي ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ ؟
قلت: الصوم فيه عبادة قديمة، فكأنهم سموه بذلك لارتماضهم فيه من حرّ الجوع ومقاساة شدّته، كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم إضجاراً بشدته عليهم.
وقيل: لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق هذا الشهر أيام رمض الحرّ.
فإن قلت: فإذا كانت التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعاً، فما وجه ما جاء في الأحاديث من نحو قوله عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً وإحتساباً» .
«من أدرك رمضان فلم يغفر له» قلت: هو من باب الحذف لأمن الإلباس كما قال: بِمَا أَعْيَا النّطَاسِي حِذْيَمَا أراد ابن حذيم، وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره ﴿ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ أو على أنه بدل من الصيام في قوله ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ [البقرة: 183] أو على أنه خبر مبتدأ محذوف.
وقرئ بالنصب على: صوموا شهر رمضان، أو على الإبدال من ﴿ أَيَّامًا معدودات ﴾ ، أو على أنه مفعول ﴿ وَأَن تَصُومُواْ ﴾ [البقرة: 184] .
ومعنى: ﴿ أُنزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ ابتدئ فيه إنزاله.
وكان ذلك في ليلة القدر.
وقيل: أنزل جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل إلى الأرض نجوما.
وقيل: أنزل في شأنه القرآن، وهو قوله: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ كما تقول: أنزل في عمر كذا، وفي عليّ كذا.
وعن النبي عليه السلام: «نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين مضين» ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ وبينات ﴾ نصب على الحال، أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق، وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحقّ والباطل.
فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿ وبينات مِّنَ الهدى ﴾ بعد قوله ﴿ هُدًى لّلنَّاسِ ﴾ ؟
قلت: ذكر أوّلاً أنه هدى، ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله، وفرق به بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ فمن كان شاهداً، أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر.
والشهر: منصوب على الظرف وكذلك الهاء في ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ولا يكون مفعولاً به كقولك: شهدت الجمعة، لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر ﴿ يُرِيدُ الله ﴾ أن ييسر عليكم ولا يعسر، وقد نفي عنكم الحرج في الدين، وأمركم بالحنيفية السمحة التي لا إصر فيها، ومن جملة ذلك ما رخص لكم فيه من إباحة الفطر في السفر والمرض.
ومن الناس من فرض الفطر على المريض والمسافر، حتى زعم أنّ من صام منهما فعليه الإعادة.
وقرئ: ﴿ اليسر، والعسر ﴾ - بضمتين.
الفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ العدة وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ شرع ذلك يعني جملة ما ذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر، فقوله: ﴿ لتكلموا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدّة ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ ﴾ علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ علة الترخيص والتيسير، وهذا نوع من اللف لطيف المسلك لا يكاد يهتدي إلى تبينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان.
وإنما عدّى فعل التكبير بحرف الاستعلاء لكونه مضمناً معنى الحمد، كأنه قيل: ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.
ومعنى ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وإرادة أن تشكروا وقرئ: ﴿ ولتكملوا ﴾ بالتشديد.
فإن قلت: هل يصحّ أن يكون (ولتكملوا) معطوفاً على علة مقدرة، كأنه قيل لتعلموا ما تعلمون، ولتكملوا العدّة، أو على اليسر، كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر، ويريد بكم لتكملوا، كقوله: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ ﴾ [الصف: 8] قلت: لا يبعد ذلك والأوّل أوجه.
فإن قلت: ما المراد بالتكبير؟
قلت: تعظيم الله والثناء عليه.
وقيل: هو تكبير يوم الفطر.
وقيل: هو التكبير عند الإهلال.
<div class="verse-tafsir"
﴿ شَهْرُ رَمَضانَ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ما بَعْدَهُ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكم شَهْرُ رَمَضانَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّيامِ عَلى حَذْفِ المُضافِ أيْ كُتُبٍ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ.
وقُرِئَ بِالنَّصْبِ عَلى إضْمارِ صُومُوا، أوْ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ، ﴿ وَأنْ تَصُومُوا ﴾ وفِيهِ ضَعْفٌ، أوْ بَدَلٌ مِن أيّامٍ مَعْدُوداتٍ.
والشَّهْرُ: مِنَ الشُّهْرَةِ، ورَمَضانُ: مَصْدَرُ رَمَضَ إذا احْتَرَقَ فَأُضِيفَ إلَيْهِ الشَّهْرُ وجُعِلَ عَلَمًا ومُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والألِفِ والنُّونِ، كَما مُنِعَ دَأْيَةُ في ابْنِ دَأْيَةَ عَلَمًا لِلْغُرابِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «مَن صامَ رَمَضانَ» فَعَلى حَذْفِ المُضافِ لِأمْنِ الِالتِباسِ، وإنَّما سَمَّوْهُ بِذَلِكَ إمّا لِارْتِماضِهِمْ فِيهِ مِن حَرِّ الجُوعِ والعَطَشِ، أوْ لِارْتِماضِ الذُّنُوبِ فِيهِ، أوْ لِوُقُوعِهِ أيّامَ رَمْضِ الحَرِّ حِينَ ما نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ.
﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ أيِ ابْتَدِئْ فِيهِ إنْزالُهُ، وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، أوْ أنْزِلُ فِيهِ جُمْلَةً إلى سَماءِ الدُّنْيا ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ، أوْ أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ وهو قَوْلُهُ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ .
وَعَنِ النَّبِيِّ «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ» والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ خَبَرُ المُبْتَدَأِ أوْ صِفَتُهُ والخَبَرُ فَمَن شَهِدَ، والفاءُ لِوَصْفِ المُبْتَدَأِ بِما تَضَمَّنَ مَعْنى الشَّرْطِ.
وفِيهِ إشْعارٌ بِأنَّ الإنْزالَ فِيهِ سَبَبُ اخْتِصاصِهِ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ.
﴿ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ ﴾ حالانِ مِنَ القُرْآنِ، أنْ أُنْزِلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ بِإعْجازِهِ وآياتُ واضِحاتُ مِمّا يَهْدِي إلى الحَقِّ، ويُفَرِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الباطِلِ بِما فِيهِ مِنَ الحِكَمِ والأحْكامِ.
﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ فَمَن حَضَرَ في الشَّهْرِ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا فَلْيَصُمْ فِيهِ، والأصْلُ فَمَن شَهِدَ فِيهِ فَلْيَصُمْ فِيهِ، لَكِنُ وُضِعَ المُظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ الأوَّلِ لِلتَّعْظِيمِ، ونُصِبَ عَلى الظَّرْفِ وحُذِفَ الجارُّ ونُصِبَ الضَّمِيرُ الثّانِي عَلى الِاتِّساعِ.
وقِيلَ: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ﴾ هِلالَ الشَّهْرِ فَلْيَصُمْهُ، عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ كَقَوْلِكَ: شَهِدْتُ الجُمُعَةَ أيْ صَلاتَها فَيَكُونُ ﴿ وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ مُخَصَّصًا لَهُ، لِأنَّ المُسافِرَ والمَرِيضَ مِمَّنْ شَهِدَ الشَّهْرَ ولَعَلَّ تَكْرِيرَهُ لِذَلِكَ، أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَسْخُهُ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ أيْ يُرِيدُ أنْ يُيَسِّرَ عَلَيْكم ولا يُعَسِّرَ عَلَيْكُمْ، فَلِذَلِكَ أباحَ الفِطْرَ في السَّفَرِ والمَرَضِ.
﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ عِلَلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ما سَبَقَ، أيْ وشَرَعَ جُمْلَةَ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ والمُرَخَّصِ بِالقَضاءِ ومُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَ فِيهِ، والتَّرْخِيصُ ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ إلى آخِرِها عَلى سَبِيلِ اللَّفِّ، فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ العِدَّةِ، ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِالقَضاءِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، ﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ عِلَّةُ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ.
أوِ الأفْعالُ كُلٌّ لِفِعْلِهِ، أوْ مَعْطُوفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ مِثْلَ لِيُسَهِّلَ عَلَيْكُمْ، أوْ لِتَعْلَمُوا ما تَعْلَمُونَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، ويَجُوزُ أنْ يُعْطَفَ عَلى اليُسْرِ أيْ ويُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾ .
والمَعْنِيُّ بِالتَّكْبِيرِ تَعْظِيمُ اللَّهِ بِالحَمْدِ والثَّناءِ عَلَيْهِ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى.
وقِيلَ تَكْبِيرُ يَوْمِ الفِطْرِ، وقِيلَ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإهْلالِ وما يَحْتَمِلُ المَصْدَرَ، والخَبَرُ أيِ الَّذِي هَداكم إلَيْهِ وعَنْ عاصِمٍ بِرِوايَةِ أبِي بَكْرٍ « ولِتُكَمِّلُوا» بِالتَّشْدِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
{شَهْرُ رَمَضَانَ} مبتدأ خبره {الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن} أى ابتدى فيه إنزاله وكان ذلك في ليلة القدر أو أنزل في شأنه القرآن وهو قوله تعالى {كتب عليكم الصيام} وهو بدل من الصيام أو خبر مبتدأ محذوف أي هو شهر والرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء فأضيف إليه الشهر وجعل علماً ومنع الصرف للتعريف والألف والنون وسموه بذلك لارتماضهم فيه من حر الجوع ومقاساة شدته ولأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فإن قلت ما وجه ما جاء في الحديث من صام رمضان إيماناً واحتساباً من أن التسمية واقعة مع المضاف والمضاف إليه جميعا قلت هو من باب الحذف لا من الإلباس القران حيث كان غير مهموز مكي وانتصب {هُدًى لّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان} على الحال أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات مما يهدي إلى الحق ويفرق بين الحق
والباطل ذكر أولاً أنه هدى ثم ذكر أنه بينات من جملة ما هدى به الله وفرق بين الحق والباطل من وحيه وكتبه السماوية الهادية الفارقة بين الهدى والضلال {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فمن كان شاهداً أي حاضراً مقيماً غير مسافر في الشهر فليصم فيه ولا يفطر والشهر منصوب على الظرف وكذا الهاء في ليصمه ولا يكون مفعولاً به لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان للشهر {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} فعدة مبتدأ والخبر محذوف أي فعليه عدة أي صوم عدة {يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر} حيث أباح الفطر بالسفر والمرض {وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر} ومن فرض الفطر على المريض والمسافر حتى لو صاما تجب عليهما الإعادة فقد عدل عن موجب هذا {وَلِتُكْمِلُواْ العدة} عدة ما أفطرتم بالقضاء إذا زال المرض والسفر والفعل المعلل محذوف مدلول عليه بما سبق تقديره لتعلموا ولتكملوا العدة {وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} شرع ذلك يعني جملة ماذكر من أمر الشاهد بصوم الشهر وأمر المرخص له بمراعاة
البقرة (١٨٦ _ ١٨٧)
عدة ما أفطر فيه ومن الترخيص في إباحة الفطر فقوله لتكملوا علة الأمر بمراعاة العدة ولتكبروا علة ما علم من كيفية القضاء والخروج من عهدة الفطر ولعلكم تشكرون علة الترخيص وهذا نوع من اللف اللطيف المسلك وعدي التكبير بعلى لتضمنه معنى الحمد كأنه قيل لتكبروا الله أي لتعظموه حامدين على ما هداكم إليه ولتكملوا بالتشديد أبو بكر
﴿ شَهْرُ رَمَضانَ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ المَوْصُولُ بَعْدَهُ، ويَكُونُ ذِكْرُ الجُمْلَةِ مُقَدِّمَةً لِفَرْضِيَّةِ صَوْمِهِ بِذِكْرِ فَضْلِهِ، أوْ ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ والفاءُ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الشَّرْطِ لِكَوْنِهِ مَوْصُوفًا بِالمَوْصُولِ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ ذَلِكُمُ الوَقْتُ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ فِيهِ، أوِ المَكْتُوبُ شَهْرُ رَمَضانَ، أوْ بَدَلٌ مِنَ الصِّيامِ بَدَلَ كُلٍّ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ صِيامُ شَهْرِ رَمَضانَ، وما تَخَلَّلَ بَيْنَهُما مِنَ الفَصْلِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (كَتَبَ) لَفْظًا أوْ مَعْنًى، فَلَيْسَ بِأجْنَبِيٍّ مُطْلَقًا، وإنِ اعْتَبَرْتَهُ بَدَلَ اشْتِمالٍ اسْتَغْنَيْتَ عَنِ التَّقْدِيرِ، إلّا أنَّ كَوْنَ الحُكْمِ السّابِقِ - وهو فَرْضِيَّةُ الصَّوْمِ - مَقْصُودًا بِالذّاتِ، وعَدَمُ كَوْنِ ذِكْرِ المُبْدَلِ مِنهُ مُشَوِّقًا إلى ذِكْرِ البَدَلِ يُبْعِدُ ذَلِكَ، وقُرِئَ ( شَهْرَ ) بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِـ ( صُومُوا ) مَحْذُوفًا، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولُ ﴿ وأنْ تَصُومُوا ﴾ وفِيهِ لُزُومُ الفَصْلِ بَيْنَ أجْزاءِ المَصْدَرِيَّةِ بِالخَبَرِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَفْعُولَ ( تَعْلَمُونَ ) بِتَقْدِيرِ مُضافٍ؛ أيْ: شَرَفَ شَهْرِ رَمَضانَ ونَحْوِهِ، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّقْدِيرِ، والمُرادُ ( إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) نَفْسَ الشَّهْرِ ولا تَشُكُّونَ فِيهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ الصَّوْمَ لا يَنْبَغِي مَعَ الشَّكِّ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ كَما لا يَخْفى، والشَّهْرُ المُدَّةُ المُعَيَّنَةُ الَّتِي ابْتِداؤُها رُؤْيَةُ الهِلالِ، ويُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أشْهُرٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى شُهُورٍ، وأصْلُهُ مِن شَهَرَ الشَّيْءَ أظْهَرَهُ، وهو لِكَوْنِهِ مِيقاتًا لِلْعِباداتِ والمُعامَلاتِ، صارَ مَشْهُورًا بَيْنَ النّاسِ، ورَمَضان مَصْدَرُ رَمِضَ - بِكَسْرِ العَيْنِ - إذا احْتَرَقَ، وفي شَمْسِ العُلُومِ مِنَ المَصادِرِ الَّتِي يَشْتَرِكُ فِيها الأفْعالُ فَعَلانُ - بِفَتْحِ الفاءِ والعَيْنِ - وأكْثَرُ ما يَجِيءُ بِمَعْنى المَجِيءِ والذَّهابِ والِاضْطِرابِ - كالخَفَقانِ والعَسَلانِ واللَّمَعانِ - وقَدْ جاءَ لِغَيْرِ المَجِيءِ والذَّهابِ كَما في ( شَنَأْتُهُ شَنَآنًا إذا بَغَضْتُهُ ) فَما في البَحْرِ مِن أنَّ كَوْنَهُ مَصْدَرًا يَحْتاجُ إلى نَقْلٍ، فَإنَّ فَعَلانًا لَيْسَ مَصْدَرَ فِعْلِ اللّازِمِ، فَإنْ جاءَ شَيْءٌ مِنهُ كانَ شاذًّا، فالأوْلى أنْ يَكُونَ مُرْتَجَلًا لا مَنقُولًا ناشِئٌ عَنْ قِلَّةِ الِاطِّلاعِ، والخَلِيلُ يَقُولُ: إنَّهُ مِنَ الرَّمْضِ - مُسَكَّنَ المِيمِ - وهو مَطَرٌ يَأْتِي قَبْلَ الخَرِيفِ يُطَهِّرُ وجْهُ الأرْضِ عَنِ الغُبارِ، وقَدْ جُعِلَ مَجْمُوعُ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ عَلَمًا لِلشَّهْرِ المَعْلُومِ، ولَوْلا ذَلِكَ لَمْ يَحْسُنْ إضافَةُ ( شَهْرٍ ) إلَيْهِ كَما لا يَحْسُنُ ( إنْسانُ زَيْدٍ ) وإنَّما تَصِحُّ إضافَةُ العامِّ إلى الخاصِّ إذا اشْتُهِرَ كَوْنُ الخاصِّ مِن أفْرادِهِ، ولِهَذا لَمْ يُسْمَعْ شَهْرُ رَجَبٍ وشَهْرُ شَعْبانَ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ أطْبَقُوا عَلى أنَّ العَلَمَ في ثَلاثَةِ أشْهُرٍ مَجْمُوعُ المُضافِ والمُضافِ إلَيْهِ شَهْرُ رَمَضانَ، وشَهْرُ رَبِيعٍ الأوَّلِ وشَهْرُ رَبِيعٍ الثّانِي، وفي البَواقِي لا يُضافُ شَهْرٌ إلَيْهِ، وقَدْ نَظَّمَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ: ولا تُضِفْ شَهْرًا إلى اسْمِ شَهْرِ إلّا لِما أوَّلُهُ ( الرّا ) فادْرِ واسْتَثْنِ مِنها رَجَبًا فَيَمْتَنِعْ لِأنَّهُ فِيما رَوَوْهُ ما سُمِعْثُمَّ في الإضافَةِ يُعْتَبَرُ في أسْبابِ مَنعِ الصَّرْفِ وامْتِناعِ ( اللّامِ ) ووُجُوبِها حالَ المُضافِ إلَيْهِ، فَيَمْتَنِعُ في مِثْلِ ( شَهْرُ رَمَضانَ ) وابْنُ دايَةَ مِنَ الصَّرْفِ ودُخُولُ ( اللّامِ ) ويُنْصَرُ في مِثْلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ وابْنِ عَبّاسٍ، ويَجِبُ ( اللّامُ ) في مِثْلِ امْرِئِ القَيْسِ؛ لِأنَّهُ وقَعَ جُزْءًا حالَ تَحْلِيَتِهِ بِاللّامِ، ويَجُوزُ في مِثْلِ ابْنِ عَبّاسٍ، أمّا دُخُولُهُ فَلِلَمْحِ الأصْلِ، وأمّا عَدَمُهُ فَلِتَجَرُّدِهِ في الأصْلِ، وعَلى هَذا فَنَحْوُ مَن صامَ رَمَضانَ مِن حَذْفِ جُزْءِ العَلَمِ لِعَدَمِ الإلْباسِ، كَذا قِيلَ، وفِيهِ بَحْثٌ، أمّا أوَّلًا فَلِأنَّ إضافَةَ العامِّ إلى الخاصِّ مَرْجِعُها إلى الذَّوْقِ، ولِهَذا تَحْسُنُ تارَةً كَشَجَرِ الأراكِ، وتَقْبُحُ أُخْرى كَإنْسانِ زَيْدٍ، وقُبْحُها في ( شَهْرِ رَمَضانَ ) لا يَعْرِفُهُ إلّا مَن تَغَيَّرَ ذَوْقُهُ مِن أثَرِ الصَّوْمِ، وأمّا ثانِيًا فَإنَّ قَوْلَهُمْ: لَمْ يُسْمَعْ شَهْرُ رَجَبٍ إلَخْ مِمّا سُمِعَ بَيْنَ المُتَأخِّرِينَ - ولا أصْلَ لَهُ - فَفي شَرْحِ التَّسْهِيلِ جَوازُ إضافَةِ ( شَهْرٍ ) إلى جَمِيعِ أسْماءِ الشُّهُورِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ النَّحْوِيِّينَ، فادِّعاءُ الإطْباقِ غَيْرُ مُطَبَّقٍ عَلَيْهِ، ومَنشَأُ غَلَطِ المُتَأخِّرِينَ ما في أدَبِ الكاتِبِ، مِن أنَّهُ اصْطِلاحُ الكُتّابِ، قالَ: لِأنَّهم لَمّا وضَعُوا التّارِيخَ في زَمَنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - وجَعَلُوا أوَّلَ السَّنَةِ المُحَرَّمَ، فَكانُوا لا يَكْتُبُونَ في تَوارِيخِهِمْ شَهْرًا إلّا مَعَ رَمَضانَ والرَّبِيعَيْنِ، فَهو أمْرٌ اصْطِلاحِيٌّ، لا وضْعِيٌّ لُغَوِيٌّ، ووَجْهُهُ في رَمَضانَ مُوافَقَةُ القُرْآنِ، وفي رَبِيعٍ الفَصْلُ عَنِ الفَصْلِ، ولِذا صَحَّحَ سِيبَوَيْهِ جَوازَ إضافَةِ الشَّهْرِ إلى جَمِيعِ أسْماءِ الشُّهُورِ، وفَرَّقَ بَيْنَ ذِكْرِهِ وعَدَمِهِ بِأنَّهُ حَيْثُ ذُكِرَ لَمْ يُفِدِ العُمُومَ، وحَيْثُ حُذِفَ أفادَهُ، وعَلَيْهِ يَظْهَرُ الفَرْقُ بَيْنَ ( إنْسانِ زَيْدٍ ) و( شَهْرِ رَمَضانَ ) ولا يُغَمُّ هِلالُ ذَلِكَ، وأمّا ثالِثًا فَلِأنَّ قَوْلَهُ: ( ثُمَّ ) في الإضافَةِ إلَخْ، مِمّا صَرَّحَ النُّحاةُ بِخِلافِهِ، فَإنَّ ابْنَ دايَةَ سَمِعَ مَنعَهُ وصَرْفَهُ كَقَوْلِهِ: ولَمّا رَأيْتُ النَّسْرَ عَزَّ ابْنَ دايَةَ وعَشَّشَ في وكْرَيْهِ جاشَ لَهُ صَدْرِي قالُوا: ولِكُلٍّ وجْهٌ، أمّا عَدَمُ الصَّرْفِ فَلِصَيْرُورَةِ الكَلِمَتَيْنِ بِالتَّرْكِيبِ كَلِمَةً بِالتَّسْمِيَةِ، فَكانَ كَطَلْحَةَ مُفْرَدًا وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وأمّا الصَّرْفُ فَلِأنَّ المُضافَ إلَيْهِ في أصْلِهِ اسْمُ جِنْسٍ - والمُضافُ كَذَلِكَ - وكُلٌّ مِنهُما بِانْفِرادِهِ لَيْسَ بِعَلَمٍ، وإنَّما العَلَمُ مَجْمُوعُهُما، فَلا يُؤَثِّرُ التَّعْرِيفُ فِيهِ؛ ولا يَكُونُ لِمَنعِ الصَّرْفِ مَدْخَلٌ فَلْيُحْفَظْ، وبِالجُمْلَةِ المُعَوَّلُ عَلَيْهِ أنَّ ( رَمَضانَ ) وحْدَهُ عَلَمٌ، وهو عَلَمُ جِنْسٍ لِما عَلِمْتَ، ومَنَعَ بَعْضُهم أنْ يُقالَ: ( رَمَضانُ ) بِدُونِ ( شَهْرٍ ) لِما أخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ عَدِيٍّ والبَيْهَقِيُّ والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا ومَوْقُوفًا: «لا تَقُولُوا: رَمَضانَ، فَإنَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ - تَعالى -، ولَكِنْ قُولُوا: شَهْرُ رَمَضانَ» وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، والصَّحِيحُ الجَوازُ، فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ في الصَّحِيحِ، والِاحْتِياطُ لا يَخْفى، وإنَّما سُمِّيَ الشَّهْرُ بِهِ؛ لِأنَّ الذُّنُوبَ تَرْمِضُ فِيهِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ورَوى ذَلِكَ أنَسٌ وعائِشَةُ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - وقِيلَ: لِوُقُوعِهِ أيّامَ رَمَضِ الحَرِّ؛ حَيْثُ نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ، وكانَ اسْمُهُ قَبْلُ ناتِقًا، ولَعَلَّ ما رُوِيَ عَنْهُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - مُبَيِّنٌ لِما يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ وجْهُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ المُسْلِمِينَ، وإلّا فَهَذا الِاسْمُ قَبْلَ فَرْضِيَّةِ الصِّيامِ بِكَثِيرٍ عَلى ما هو الظّاهِرُ ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ أيِ: ابْتُدِئَ فِيهِ إنْزِالُهُ، وكانَ ذَلِكَ لَيْلَةَ القَدْرِ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - وابْنِ جُبَيْرٍ والحَسَنِ، أنَّهُ نَزَلَ فِيهِ جُمْلَةً إلى السَّماءِ الدُّنْيا، ثُمَّ نَزَلَ مُنَجَّمًا إلى الأرْضِ في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: أُنْزِلَ في شَأْنِهِ القُرْآنُ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ ﴾ وأخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - أنَّهُ قالَ: «”نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ“،» ولَمّا كانَ بَيْنَ الصَّوْمِ ونُزُولِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مُناسِبَةٌ عَظِيمَةٌ، كانَ هَذا الشَّهْرُ المُخْتَصُّ بِنُزُولِها مُخْتَصًّا بِالصَّوْمِ الَّذِي هو نَوْعٌ عَظِيمٌ مِن آياتِ العُبُودِيَّةِ، وسَبَبٌ قَوِيٌّ في إزالَةِ العَلائِقِ البَشَرِيَّةِ المانِعَةِ عَنْ إشْراقِ الأنْوارِ الصَّمَدِيَّةِ.
﴿ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ ﴾ حالانِ لازِمانِ مِنَ القُرْآنِ والعامِلُ فِيهِما ( أنْزَلَ )؛ أيْ: أنْزَلَ وهو هِدايَةٌ لِلنّاسِ بِإعْجازِهِ المُخْتَصِّ بِهِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ التَّنْكِيرُ، وآياتٌ واضِحاتٌ مِن جُمْلَةِ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الهادِيَةِ إلى الحَقِّ، والفارِقَةُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ بِاشْتِمالِها عَلى المَعارِفِ الإلَهِيَّةِ والأحْكامِ العَمَلِيَّةِ كَما يُشْعِرُ بِذَلِكَ جَعْلُهُ بَيِّناتٍ مِنها، فَهو هادٍ بِواسِطَةِ أمْرَيْنِ مُخْتَصٍّ وغَيْرِ مُخْتَصٍّ، فالهُدى لَيْسَ مُكَرَّرًا، وقِيلَ: مُكَرَّرٌ تَنْوِيهًا وتَعْظِيمًا لِأمْرِهِ وتَأْكِيدًا لِمَعْنى الهِدايَةِ فِيهِ، كَما تَقُولُ عالِمٌ نِحْرِيرٌ.
﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ( مِن ) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، ( والفاءُ ) إمّا جَوابُ الشَّرْطِ، أوْ زائِدَةٌ في الخَبَرِ، ومِنكم في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في شَهِدَ والتَّقْيِيدُ بِهِ لِإخْراجِ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، وشَهِدَ مِنَ الشُّهُودِ والتَّرْكِيبِ يَدُلُّ عَلى الحُضُورِ، إمّا ذاتًا أوْ عِلْمًا، وقَدْ قِيلَ: بِكُلٍّ مِنهُما هُنا، والشَّهْر عَلى الأوَّلِ مَفْعُولٌ فِيهِ والمَفْعُولُ بِهِ مَتْرُوكٌ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ الغَرَضِ بِهِ، فَتَقْدِيرُ البَلَدِ أوِ المُصِرِّ لَيْسَ بِشَيْءٍ، وعَلى الثّانِي مَفْعُولٌ بِهِ بِحَذْفِ المُضافِ؛ أيْ هِلالُ الشَّهْرِ، ( وألْ ) فِيهِ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ لِلْعَهْدِ ووُضِعَ المُظْهَرِ مَوْضِعَ المُضْمَرِ لِلتَّعْظِيمِ، ونُصِبَ الضَّمِيرُ المُتَّصِلُ في ( يَصُمْهُ ) عَلى الِاتِّساعِ؛ لِأنَّ صامَ لازِمٌ، والمَعْنى: فَمَن حَضَرَ في الشَّهْرِ ولَمْ يَكُنْ مُسافِرًا فَلْيَصُمْ فِيهِ، أوْ مَن عَلِمَ هِلالَ الشَّهْرِ وتَيَقَّنَ بِهِ فَلْيَصُمْ، ومُفادُ الآيَةِ عَلى هَذا عَدَمُ وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلى مَن شَكَّ في الهِلالِ، وإنَّما قُدِرَ المُضافُ؛ لِأنَّ شُهُودَ الشَّهْرِ بِتَمامِهِ إنَّما يَكُونُ بَعْدَ انْقِضائِهِ، ولا مَعْنًى لِتَرَتُّبِ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِيهِ بَعْدَ انْقِضائِهِ، وعَلَيْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ مُخَصَّصًا بِالنَّظَرِ إلى المَرِيضِ والمُسافِرِ كِلَيْهِما، وعَلى الأوَّلِ مُخَصَّصٌ بِالنَّظَرِ إلى الأوَّلِ دُونَ الثّانِي، وتَكْرِيرُهُ حِينَئِذٍ لِذَلِكَ التَّخْصِيصِ أوْ لِئَلّا يُتَوَهَّمُ نَسْخُهُ كَما نُسِخَ قَرِينُهُ، والأوَّلُ كَما قِيلَ عَلى رَأْيِ مَن شَرَطَ في المُخَصَّصِ أنْ يَكُونَ مُتَراخِيًا مَوْصُولًا، والثّانِي عَلى رَأْيِ مَن جَوَّزَ كَوْنَهُ مُتَقَدِّمًا، وهَذا بِجَعْلِ المُخَصَّصِ هو الآيَةُ السّابِقَةُ، و( ما ) هُنا لِمُجَرَّدِ دَفْعِ التَّوَهُّمِ ورُجِّحَ المَعْنى الأوَّلُ مِنَ المَعْنَيَيْنِ بِعَدَمِ الِاحْتِياجِ إلى التَّقْدِيرِ، وبِأنَّ الفاءَ في ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ عَلَيْهِ وقَعَتْ في مَخْرِها مُفَصِّلَةً لِما أُجْمِلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ ﴾ مِن وُجُوبِ التَّعْظِيمِ المُسْتَفادِ مِمّا في أثَرِهِ عَلى كُلِّ مَن أدْرَكَهُ ومُدْرِكُهُ إمّا حاضِرٌ أوْ مُسافِرٌ، فَمَن كانَ حاضِرًا فَحُكْمُهُ كَذا إلَخْ، ولا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ مَن عَلِمَ الهِلالَ فَلْيَصُمْ، ﴿ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ ﴾ فَلْيَقْضِ لِدُخُولِ القِسْمِ الثّانِي في الأوَّلِ، والعاطِفُ التَّفْصِيلِيُّ يَقْتَضِي المُغايَرَةَ بَيْنَهُما كَذا قِيلَ، لَكِنَّ ذِكْرَ المَرِيضِ يُقَوِّي كَوْنَهُ مُخَصَّصًا لِدُخُولِهِ فِيمَن شَهِدَ عَلى الوَجْهَيْنِ، ولِذا ذَهَبَ أكْثَرُ النَّحْوِيِّينَ إلى أنَّ الشَّهْرَ مَفْعُولٌ بِهِ، فالفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّعْقِيبِ لا لِلتَّفْصِيلِ.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾ بِهَذا التَّرْخِيصِ ﴿ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ لِغايَةِ رَأْفَتِهِ وسِعَةِ رَحْمَتِهِ، واسْتَدَلَّ المُعْتَزِلَةُ بِالآيَةِ عَلى أنَّهُ قَدْ يَقَعُ مِنَ العَبْدِ ما لا يُرِيدُهُ اللَّهُ - تَعالى -، وذَلِكَ لِأنَّ المَرِيضَ والمُسافِرَ إذا صاما حَتّى أجْهَدَهُما الصَّوْمُ فَقَدْ فَعَلا خِلافَ ما أرادَ اللَّهُ تَعالى؛ لِأنَّهُ أرادَ التَّيْسِيرَ ولَمْ يَقَعْ مُرادُهُ، ورُدَّ بِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - أرادَ التَّيْسِيرَ وعَدَمَ التَّعْسِيرِ في حَقِّهِما بِإباحَةِ الفِطْرِ، وقَدْ حَصَلَ بِمُجَرَّدِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ، وفي البَحْرِ تَفْسِيرُ الإرادَةِ هُنا بِالطَّلَبِ، وفِيهِ أنَّهُ التِزامٌ لِمَذْهَبِ الِاعْتِزالِ مِن أنَّ إرادَتَهُ - تَعالى - لِأفْعالِ العِبادِ عِبارَةٌ عَنِ الأمْرِ، وأنَّهُ - تَعالى - ما طَلَبَ مِنّا اليُسْرَ بَلْ شَرَعَهَ لَنا، وتَفْسِيرُ اليُسْرِ بِما يَسَّرَ بَعِيدٌ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: ( اليُسْرَ ) ( والعُسْرَ ) بِضَمَّتَيْنِ.
﴿ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ 185﴾ عَلَّلَ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ ﴾ إلَخْ؛ أيْ: وشَرَعَ لَكم جُمْلَةَ ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الشّاهِدِ بِصَوْمِ الشَّهْرِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ وأمَرَ المُرَخَّصَ لَهُ بِالقَضاءِ كَيْفَما كانَ مُتَواتِرًا أوْ مُتَفَرِّقًا، وبِمُراعاةِ عِدَّةِ ما أفْطَرَهُ مِن غَيْرِ نُقْصانٍ فِيهِ المُسْتَفادَيْنِ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ ومِنَ التَّرْخِيصِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ أوْ مِن قَوْلِهِ تَعالى: فَعِدَّة إلَخْ لتكملوا إلَخْ، والأوَّلُ عِلَّةُ الأمْرِ بِمُراعاةِ عِدَّةِ الشَّهْرِ بِالأداءِ في حالِ شُهُودِ الشَّهْرِ، وبِالقَضاءِ في حالِ الإفْطارِ بِالعُذْرِ، فَيَكُونُ عِلَّةً لِمُعَلَّلَيْنِ؛ أيْ: أمَرْناكم بِهَذَيْنَ الأمْرَيْنِ لِتُكْمِلُوا عِدَّةَ الشَّهْرِ بِالأداءِ والقَضاءِ، فَتُحَصِّلُوا خَيْراتِهِ، ولا يَفُوتُكم شَيْءٌ مِن بَرَكاتِهِ نَقُصَتْ أيّامُهُ أوْ كَمُلَتْ ﴿ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾ عِلَّةُ الأمْرِ بِالقَضاءِ وبَيانِ كَيْفِيَّتِهِ، ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ عِلَّةُ التَّرْخِيصِ والتَّيْسِيرِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِلْإشارَةِ إلى هَذا المَطْلُوبِ بِمَنزِلَةِ المَرْجُوِّ لِقُوَّةِ الأسْبابِ المَتَآخِذَةِ في حُصُولِهِ، وهو ظُهُورُ كَوْنِ التَّرْخِيصِ نِعْمَةً، والمُخاطَبُ مُوقِنٌ بِكَمالِ رَأْفَتِهِ وكَرَمِهِ مَعَ عَدَمِ فَواتِ بَرَكاتِ الشَّهْرِ، وهَذا نَوْعٌ مِنَ اللَّفِّ لَطِيفُ المَسْلَكِ، قَلَّما يُهْتَدى إلَيْهِ؛ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ تَرْكُ الواوِ لِكَوْنِها عِلَلًا لِما سَبَقَ، ولِذا قالَ: مَن لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الكَمالِ أنَّها زائِدَةٌ أوْ عاطِفَةٌ عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ ووَجْهُ اخْتِيارِهِ، أمّا عَلى الأوَّلِ فَظاهِرٌ، وأمّا عَلى الثّانِي فَلِما فِيهِ مِن مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِالأحْكامِ السّابِقَةِ مَعَ عَدَمِ التَّكَلُّفِ؛ لِأنَّ الفِعْلَ المُقَدَّرَ لِكَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلى ما سَبَقَ إجْمالًا يَكُونُ ما سَبَقَ قَرِينَةً عَلَيْهِ مَعَ بَقاءِ التَّعْلِيلِ بِحالِهِ، ولِكَوْنِهِ مُغايِرًا لَهُ بِالإجْمالِ والتَّفْصِيلِ يَصِحُّ عَطْفُهُ عَلَيْهِ، وفي ذِكْرِ الأحْكامِ تَفْصِيلًا أوَّلًا، وإجْمالًا ثانِيًا، وتَعْلِيلِها مِن غَيْرِ تَعْيِينِ ثِقَةٍ عَلى فَهْمِ السّامِعِ بِأنْ يُلاحِظَها مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، ويَرُدَّ كُلَّ عِلَّةٍ إلى ما يَلِيقُ بِهِ ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ عِلَلًا لِأفْعالٍ مُقَدَّرَةٍ كُلُّ فِعْلٍ مَعَ عِلَّةٍ، والتَّقْدِيرُ ﴿ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ أوْجَبَ عَلَيْكم عِدَّةَ أيّامٍ أُخَرَ ﴿ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ عَلَّمَكم كَيْفِيَّةَ القَضاءِ ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ رَخَّصَكَمُ في الإفْطارِ، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَها مَعْطُوفَةً عَلى عِلَّةٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ لِيَسْهُلَ عَلَيْكم أوْ لِتَعْلَمُوا ما تَعْمَلُونَ ﴿ ولِتُكْمِلُوا ﴾ إلَخْ، وجُعِلَتِ المَجْمُوعُ عِلَّةً لِلْأحْكامِ السّابِقَةِ إمّا بِاعْتِبارِ أنْفُسِها أوْ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ بِها، فَقَوْلُهُ: لِيَسْهُلَ أوْ لِتَعْلَمُوا عِلَّةً لِما سَبَقَ بِاعْتِبارِ الإعْلامِ وما بَعْدَهُ عِلَّةً لِلْأحْكامِ المَذْكُورَةِ كَما مَرَّ، ولَكَ أنْ لا تُقَدِّرَ شَيْئًا أصْلًا، وتَجْعَلَ العَطْفَ عَلى اليُسْرِ؛ أيْ: ويُرِيدُ بِكم لِتُكْمِلُوا إلَخْ، واللّامُ زائِدَةٌ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَها أنْ وزِيدَتْ، كَما قِيلَ: بَعْدَ فِعْلِ الإرادَةِ تَأْكِيدًا لَهُ لِما فِيها مِن مَعْنى الإرادَةِ في قَوْلِكَ جِئْتُكَ لِإكْرامِكَ، وقِيلَ: إنَّها بِمَعْنى أنَّ كَما في الرَّضِيِّ إلّا أنَّهُ يَلْزَمُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ﴿ ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ عَطْفًا عَلى (يُرِيدُ)؛ إذْ لا مَعْنًى لِقَوْلِنا: يُرِيدُ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ، وحِينَئِذٍ يَحْصُلُ التَّفْكِيكُ بَيْنَ المُتَعاطِفاتِ وهو بَعِيدٌ، ولِاسْتِلْزامِ هَذا الوَجْهِ ذَلِكَ وكَثْرَةِ الحَذْفِ في بَعْضِ الوُجُوهِ السّابِقَةِ وخَفاءِ بَعْضِها عَدَلَ بَعْضُهم عَنِ الجَمِيعِ، وجَعَلَ الكَلامَ مِنَ المَيْلِ مَعَ المَعْنى؛ لِأنَّ ما قَبْلَهُ عِلَّةٌ لِلتَّرْخِيصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: رَخَّصَ لَكم في ذَلِكَ لِإرادَتِهِ بِكُمُ اليُسْرَ دُونَ ولِتُكْمِلُوا إلَخْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما هو الألْيَقُ بِشَأْنِ الكِتابِ العَظِيمِ، والمُرادُ مِنَ التَّكْبِيرِ الحَمْدُ والثَّناءُ مَجازًا؛ لِكَوْنِهِ فَرْدًا مِنهُ، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِعَلى، واعْتِبارِ التَّضْمِينِ؛ أيْ: لِتُكَبِّرُوا حامِدِينَ لَيْسَ بِمُعْتَبِرٍ؛ لِأنَّ الحَمْدَ نَفْسُ التَّكْبِيرِ، ولِكَوْنِهِ عَلى هَذا عِبادَةً قَوْلِيَّةً ناسَبَ أنْ يُعَلَّلَ بِهِ الأمْرُ بِالقَضاءِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ قَوْلِيَّةٌ أيْضًا، وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنَّ المُرادَ بِهِ التَّكْبِيرُ يَوْمَ العِيدِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّهُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الإهْلالِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: ”حَقٌّ عَلى المُسْلِمِينَ إذا نَظَرُوا إلى هِلالِ شَوّالٍ أنْ يُكَبِّرُوا اللَّهَ - تَعالى - حَتّى يَفْرُغُوا مِن عِيدِهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾ “ وعَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لا يُلائِمُ تَعْلِيلَ الأحْكامِ السّابِقَةِ، و(ما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وأنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً؛ أيِ الَّذِي هَداكُمُوهُ أوْ هَداكم إلَيْهِ، والمُرادُ مِنَ الشُّكْرِ ما هو أعَمُّ مِنَ الثَّناءِ، ولِذا ناسَبَ أنْ يُجْعَلَ طَلَبُهُ تَعْلِيلًا لِلتَّرْخِيصِ الَّذِي هو نِعْمَةٌ فِعْلِيَّةٌ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( ولِتُكَمِّلُوا ) بِالتَّشْدِيدِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، يعني فرض عليكم صيام رمضان، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أي فرض على الذين من قبلكم من أهل الملل كلها.
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد النوم.
ويقال: كما كتب في الذين من قبلكم في الفرض.
ويقال: كما كتب على الذين من قبلكم في العدد أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، أي معلومات وإنما صارت الأيام نصباً لنزع الخافض، ومعناه في أيام معدودات.
وقال مقاتل: كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين، وما زاد على ذلك لا يقال معدودة.
ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً، فلم يقدر على الصوم أَوْ عَلى سَفَرٍ، فلم يصم.
فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أي فعليه أن يقضيها بعد مضي الشهر مثل عدد الأيام التي فاتته.
وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، أي يطيقون الصوم فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، أي يدفع لكل مسكين مقدار نصف صاع من حنطة ويفطر ذلك اليوم.
فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، أي تصدق على مسكينين مكان كل يوم أفطره، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من أن يطعم مسكيناً واحداً.
والصيام خير له من الإفطار وهو قوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ من أن تفطروا وتطعموا.
قال الكلبي: كان هذا في أول الإسلام ثم نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها، وهكذا قال القتبي، وهكذا روي، عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وهو قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.
وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان الأغنياء يطعمون ويفطرون ويفتدون ولا يصومون، فصار الصوم على الفقراء، فنسختها هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فوجب الصوم على الغني والفقير، وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في الشيخ الكبير.
وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ: «وَعَلَى الَّذِينَ يَطُوقُونَهُ» ، يعني يكلفونه فلا يطيقونه.
وروي عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة وإنما هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكيناً.
قرأ نافع وابن عامر «فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ» بضم الهاء وكسر الميم بالألف على الإضافة.
وقرأ الباقون بتنوين الهاء فِدْيَةٌ طَعامُ بضم الميم مّسْكِينٌ بغير ألف.
قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ، قرأ عاصم في رواية حفص: شَهْرُ بفتح الراء والباقون: بالضم.
وإنما صار رفعاً لمعنيين: أحدهما أنه مفعول ما لم يسم فاعله، يقول: كتب عليكم شهر رمضان ومعنى آخر: أنه خبر مبتدأ يعني هذا شهر رمضان.
ومن قرأ بالنصب احتمل أنه صار نصباً لوقوع الفعل عليه، أي صوموا شهر رمضان ويقال: صار نصباً لنزع الخافض، أي: في شهر رمضان.
ويحتمل: عليكم شهر رمضان.
كقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة: 138] يعني الزموا.
قوله: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، قرأ ابن كثير الْقُرْآنُ بالتخفيف وقرأ الباقون: بالهمز.
وقال ابن عباس في معنى قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، يعني أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في السماء الدنيا، ثم أنزل به جبريل على رسول الله نجوماً نجوماً، أي الآية والآيتين في أوقات مختلفة أنزل عليه في إحدى وعشرين سنة.
وقال مقاتل: أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين سنة.
حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل العابد قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: أنزلت التوراة في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، والإنجيل في ثمانية عشرة ليلة، والقرآن في أربعة وعشرين ليلة.
قال الفقيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن صالح الترمذي قال: حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريح قال: قال ابن عباس في قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال: أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر.
قال ابن جريج: كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل في تلك السنة.
فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، ولا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا كلما أمر به تعالى.
قوله عز وجل: هُدىً لِلنَّاسِ أي القرآن هدى للناس من الضلالة وبياناً لهم.
وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى، يعني بيان الحلال والحرام وَالْفُرْقانِ، أي المخرج من الشبهات فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أي من كان منكم شاهداً ولم يكن مريضاً ولا مسافراً فليصم الشهر.
وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فأفطر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يقضيه بعد ذلك.
روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكره قضاء رمضان متفرقاً.
وعن علي بن أبي طالب مثله.
وقال معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة: أحصِ العدد وصم كيف شئت.
واختلفوا في حدّ المريض الذي يجوز له الإفطار.
قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف.
وقال بعضهم: إذا استحق اسم المريض جاز له أن يفطر.
وقال بعضهم: إذا كان بحال يخاف أن يزيد الصوم في مرضه جاز له أن يفطر.
وهو قول أصحابنا.
ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ في الإفطار في حال المرض والسفر، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بالصوم في المرض والسفر.
وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، قال الكلبي: يعني لتتموا عدة ما أفطرتم من الصوم في السفر أو في المرض.
وقال الضحاك: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، يعني إذا غمّ عليكم هلال شوال فأكملوا الشهر ثلاثين يوماً.
قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية هارون: «وَلِتُكَمِّلُوا» بنصب الكاف وتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف وسكون الكاف وهما لغتان يقال: كملت الشيء وأكملته مثل وصَّيت وأوصيت ثم قال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ، أي لتعظموا الله على مَا هداكم لشرائعه وسننه وأمر دينه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي لتشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر.
وقال مقاتل: لعلكم تشكرون في هذه النعم أن هداكم لأمر دينه.
وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وذلك أنه لما نزلت هذه الآية: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، قال أصحاب رسول الله : يا رسول الله في أي وقت ندعو الله حتى يستجاب دعاؤنا؟
فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ، يعني أجيبكم في أي وقت تدعونني.
وقال بعضهم: سأله بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟
فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
وقال مقاتل: إن عمر واقع امرأته بعد ما صلى العشاء، فندم على ذلك وبكى إلى رسول الله فأخبره بذلك ورجع من عنده مغتماً، وكان ذلك قبل الرخصة، فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.
قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في إحدى الروايتين: «دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي» بالياء والباقون كلهم بحذف الياء.
وأصله بالياء إلا أن الكسر يقوم مقام الياء.
ويقال فإني قريب في الإجابة، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة، وَلْيُؤْمِنُوا بِي وليصدقوا بوعدي.
قال ابن عباس في رواية الكلبي: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي الاستجابة أن تقولوا بعد صلاتكم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.
وَلْيُؤْمِنُوا بِي والإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، وأن وعدك حق وأن لقاءك حق، وأشهد أنك أحد فرد صمد، لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنك باعث من في القبور.
وروي عن ابن عباس أنه قال: ما تَرَكْتُ هذه الكلمات دبر كل صلاة منذ نزلت هذه الآية.
وروي عن الكلبي أنه قال: ما تركتها منذ أربعين سنة.
ويقال: معناه أجيبوا لي بالطاعة إذا دعاكم رسول الله- وَلْيُؤْمِنُوا بِي، أي ليصدقوا بتوحيدي.
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أي يهتدون من الضلالة.
قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، يعني الجماع.
وروى بكر، عن عبد الله المزني، عن ابن عباس أنه قال: الغشيان واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الجماع، ولكن الله حيي كريم يكني بما شاء.
وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب- - واقع امرأته بعد صلاة العشاء في شهر رمضان بعد النوم، فأخبر بذلك رسول الله ، فقال له رسول الله : «مَا كُنْتَ جَدِيراً بذلك» .
فرجع مغتماً فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، أي رخص لكم الجماع مع نسائكم.
هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
ويقال: هن ستر لكم من النار وأنتم ستر لهن من النار.
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي تظلمون أنفسكم.
قال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه.
وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة، لأن الإنسان قد اؤتمن على دينه فإذا فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه، فقد خانه بمعصيته.
فَتابَ عَلَيْكُمْ، أي فتجاوز عنكم وَعَفا عَنْكُمْ ولم يعاقبكم بما فعلتم.
فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، أي جامعوهن وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد الصالح.
وقال الزجاج: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أي اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به.
وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل بالنهار، فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئاً، فأصبح صائماً فأجهده الصوم، فرآه رسول الله في آخر النهار فقال له: «مَا لَكَ يَا ابْنَ قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَليحاً؟» فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين، حتى أمسيت فأتيت أهلي، فأرادت أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت علي فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الطعام والشراب، فلم آكل فأصبحت صائماً فأمسيت وقد أجهدني الصوم.
فنزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ، وهذا أمر أباحه الله وليس بأمر حتم.
كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] وكقوله: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] .
فلفظه لفظ الأمر والمراد به الإباحة.
وقد أباح الله الأكل والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل.
ويقال: في الابتداء لما نزل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، كان بعضهم يأخذ خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب، حتى يتبين له الأسود من الأبيض.
وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين، فجعلت أنظر إليهما، فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول الله فأخبرته، فتبسم وقال: «إِنّكَ لَعَرِيضُ القَفَا إِنَّما هُوَ سَوادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» ، فنزل قوله: مِنَ الْفَجْرِ فارتفع الاشتباه.
ثم قال تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أول الليل وهو غروب الشمس.
وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، يقول: ولا تجامعوهن وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، يقول: ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها، وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام، فكان الرجل إذا كان معتكفاً فإذا بدا له، خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى المسجد، فنزلت هذه الآية: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، أي لا تجامعوهن ليلاً ولا نهاراً وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قال الكلبي: يعني المباشرة في الاعتكاف معصية الله فَلا تَقْرَبُوها في الاعتكاف.
وقال الزجاج: الحد في اللغة هو المنع، فكل من منع فهو حداد.
ولهذا سمي حد الدار حداً، لأنه يمنع الغير عن دخولها.
كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ، يعني النهي عن الجماع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف.
ويقال تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي جميع ما ذكر الله تعالى من أول الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره، ونبين لهم الآيات لعلهم يتقون، فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم.
<div class="verse-tafsir"
قَالَ: لاَ، ولَكِنَّ العَامِلَ إِنَّمَا يوفى أَجْرَهُ إِذَا انقضى» «١» ، قال أبو عمر: وفي سنده أبو المِقْدام، فيه ضعف، ولكنَّه محتملٌ فيما يرويه من الفضائل.
وأسند أبو عمر عن الزهري، قال: «تسبيحة في رمضان أفضل من ألفِ تسبيحةٍ في غيره» .
انتهى.
ت: وخرَّجه الترمذيُّ عن الزهري قال: «تَسْبِيحَةٌ فِي رَمَضَانَ أفضل من ألف تسبيحة في غيره» «٢» .
انتهى.
شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)
قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ: الشَّهْرُ: مشتقٌّ من الاشتهار.
قال ص: الشهر مصْدَرُ: شَهَر يَشْهر، إِذا ظهر، وهو اسم للمدَّة الزمانيَّة، وقال الزجَّاج: الشَّهْر: الهلالُ، وقيل: سمِّي الشهْرُ باسمِ الهلالِ.
انتهى.
ورَمَضَانُ: عَلِقَهُ هذا الاسمُ من مُدَّة كان فيها في الرَّمَضِ، وشدَّة الحَرِّ، وكان اسمه قبل ذلك نَاثراً «٣» .
واختلف في إنزال القرآن فيه، فقال الضَّحَّاك: أنزل في فَرْضِهِ، وتعظيمِهِ، والحضِّ
عليه «١» ، وقيل: بدىء بنُزُوله فيه علَى النبيِّ صلّى الله عليه وسلم وقال ابنُ عبَّاس فيما يؤثر: أنزل إِلى السماء الدنيا جملةً واحدةً ليلةَ أربعٍ وعشرينَ من رمضان، ثم كان جبرئيل ينزله رِسْلاً رِسْلاً في الأوامر، والنواهي، والأسباب «٢» ، وروى واثلة بن الأسقع عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالتَّوْرَاةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنْهُ، والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين» «٣» .
وهُدىً في موضع نصبٍ على الحال من القُرآن، فالمراد أن القرآن بجملته مِنْ مُحْكَمٍ ومتشابِهٍ وناسخٍ ومنسوخٍ- هُدًى ثم شُرِّفَ، بالذِّكْر، والتخصيصِ البيناتُ منه، يعني:
الحلالَ والحرامَ والمواعظَ والمُحْكَمَ كلّه، فالألفُ واللامُ في الهدى للعهْدِ، والمراد الأول.
قال ص: هُدىً: منصوبٌ على الحال، أي: هادياً، فهو مصدرٌ وضع موضعَ اسم الفاعلِ، وذو الحال القُرآن، والعاملُ «أنزل» .
انتهى.
والْفُرْقانِ: المفرّق بين الحق والباطل، وشَهِدَ: بمعنى حَضَر، والتقدير:
مَنْ حضر المِصْرَ في الشَّهْر، فالشهر نصْبٌ على الظرف.
وقوله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.
قال مجاهد، والضَّحَّاك: اليُسْر: الفِطْر في السفر، والعسر: الصوم في السفر «٤» .
ع «٥» : والوجْهُ عمومُ اللفظِ في جميع أمورِ الدينِ، وقد فسر ذلك قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «دِينُ اللَّهِ يُسْرٌ» .
«٦»
قلتُ: قال ابْنُ الفاكهانيِّ في «شرح الأربعينَ» للنَّوويِّ: فإِن قلْتَ: قوله تعالى: فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ...
[الشرح: ٦] الآيةَ: يدلُّ على وقوع العسر قطعا، وقوله تعالى:
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ يدلُّ على نفي العسرِ قطعاً لأن ما لا يريده تعالى، لا يكون بإجماع أهل السنة، قلْتُ: العسرُ المنفيُّ غير المثبت، فالمنفيُّ: إنما هو العسر في الأحكام، لا غير، فلا تعارض.
انتهى.
وترجم البخاريُّ في «صحيحه» قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا» ، وَكَانَ يُحِبُّ التَّخْفِيفَ وَاليُسْرَ عَلَى النَّاسِ.
ثم أسند هو ومسلمٌ عن أنس، قال: قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلم: «يسروا ولا ٤٥ ب تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تْنَفِّرُوا» «١» وأسند البخاريُّ ومسلم عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم/ أنه قال لأبِي موسى، ومعاذٍ «٢» : «يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا» «٣» .
قال البخاريُّ: حدَّثنا أبو النعمان «٤» ، قال:
حدَّثنا حمَّاد بْنُ زَيْدٍ «١» ، عن الأزرقِ بْن قَيْسٍ «٢» .
قال: «كُنَّا على شَاطِىءِ نَهْرٍ بِالأَهْوَاز «٣» قَدْ نَضَبَ عَنْهُ المَاءُ، فَجَاءَ أَبُو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيُّ «٤» على فَرَسٍ، فصلى وخلى فَرَسَهُ، فانطلق الفَرَسُ فَتَرَكَ صَلاَتَهُ، وَتَبِعَهَا حتى أَدْرَكَهَا، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ جَاءَ، فقضى صَلاَتَهُ، وفِينَا رَجُلٌ لَهُ رَأْيٌ، فَأَقْبَلَ يَقُولُ: انظروا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ، تَرَكَ صَلاَتَهُ مِنْ أَجْلِ فَرَسٍ، فَأَقْبَلَ، فَقَالَ: مَا عَنَّفَنِي أَحَدٌ مُنْذُ فَارَقْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم، قَالَ: وَقَالَ: إِنَّ مَنْزِلِي مْنْزَاحٌ، فَلَوْ صَلَّيْتُ وَتَرَكْتُهُ، لَمْ آتِ أَهْلِي إِلَى اللَّيْلِ، وذكَر أنّه قد صحب النّبيّ صلّى الله عليه وسلم فرأى من تَيْسِيرِهِ «٥» .
انتهى.
وقوله تعالى: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ: معناه: ولْيُكْمِلْ من أَفْطَرَ في سفره، أو في مرضه عدَّةَ الأيام التي أفطر فيها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ ﴾ قالَ الأخْفَشُ: شَهْرُ رَمَضانَ بِالرَّفْعِ عَلى تَفْسِيرِ الأيّامِ، كَأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿ أيّامًا مَعْدُوداتٍ ﴾ فَسَّرَها فَقالَ: هي شَهْرُ رَمَضانَ.
قالَ أبُو عَبِيدٍ: وقَرَأ مُجاهِدٌ: (شَهْرُ رَمَضانَ) بِالنَّصْبِ، وأراهُ نَصَبَهُ عَلى مَعْنى الإغْراءِ: عَلَيْكم شَهْرَ رَمَضانَ فَصُومُوهُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ مِلَّةَ أبِيكُمْ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ ﴾ قُلْتُ: ومِمَّنْ قَرَأ بِالنَّصْبِ مُعاوِيَةُ، والحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِكْرِمَةُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، قالَ ابْنُ فارِسٍ: الرَّمْضُ: حَرُّ الحِجارَةِ مِن شِدَّةِ حَرِّ الشَّمْسِ، ويُقالُ: شَهْرُ رَمَضانَ، مِن شِدَّةِ الحَرِّ، لِأنَّهم لَمّا نَقَلُوا أسْماءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ القَدِيمَةِ، سَمَّوْها بِالأزْمِنَةِ الَّتِي وقَعَتْ فِيها، فَوافَقَ هَذا الشَّهْرَ أيّامُ رَمَضِ الحَرِّ، ويُجْمَعُ عَلى رَمَضاناتٍ، وأرْمِضاءَ، وأرْمِضَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآَنَ فِيهِ جُمْلَةً واحِدَةً، وذَلِكَ في لَيْلَةِ القَدْرِ إلى بَيْتِ العِزَّةِ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: أنَّهُ أنْزَلَ القُرْآَنَ بِفَرْضِ صِيامِهِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: إنَّ القُرْآَنَ ابْتُدِئَ بِنُزُولِهِ فِيهِ عَلى النَّبِيِّ ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قالَ مُقاتِلٌ: والفَرْقانُ: المَخْرَجُ في الدِّينِ مِنَ الشُّبْهَةِ والضَّلالَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ أيْ: مَن كانَ حاضِرًا غَيْرَ مُسافِرٍ.
فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في إعادَةِ ذِكْرِ المَرَضِ والسَّفَرِ في هَذِهِ الآَيَةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ؟
قِيلَ: لِأنَّ في الآَيَةِ المُتَقَدِّمَةِ مَنسُوخًا، فَأعادَهُ لِئَلّا يَكُونُ مَقْرُونًا بِالمَنسُوخِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ: اليُسْرُ: الإفْطارُ في السَّفَرِ، والعُسْرُ: الصَّوْمُ فِيهِ.
وقالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: أيْ: ذَلِكَ كانَ أيْسَرَ عَلَيْكَ فافْعَلِ: الصَّوْمَ في السَّفَرِ، أوِ الفِطْرَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: (وَلِتُكْمِلُوا) بِإسْكانِ الكافِ خَفِيفَةُ.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وذَلِكَ مِثْلُ: "وَصّى" و "أوْصى" وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ولِتُكْمِلُوا عِدَّةَ ما أفْطَرْتُمْ.
وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِهِ: لا تَزِيدُوا عَلى ما افْتَرَضَ، كَما فَعَلَتِ النَّصارى، ولا تَنْقُلُوهُ عَنْ زَمانِهِ كَما نَقَلَتْهُ ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: حَقٌّ عَلى المُسْلِمِينَ إذا نَظَرُوا إلى هِلالِ شَوّالٍ، أنْ يُكَبِّرُوا لِلَّهِ حَتّى يَفْرَغُوا مِن عِيدِهِمْ.
فَإنْ قِيلَ: ما وجْهُ دُخُولِ الواوِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ ﴾ ولَيْسَ هُناكَ ما يُعْطَفُ عَلَيْهِ؟
فالجَوابُ: أنَّ هَذِهِ الواوَ عَطَفَتِ اللّامَ الَّتِي بَعْدَها عَلى لامٍ مَحْذُوفَةٍ، والمَعْنى: ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ لِيُسْعِدَكم، ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ، فَحُذِفَتِ اللّامُ الأُولى لِوُضُوحِ مَعْناها، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
* فَصْلٌ وَمِنَ السُّنَّةِ إظْهارُ التَّكْبِيرِ لَيْلَةَ الفِطْرِ، ولَيْلَةَ النَّحْرِ، وإذا غَدَوْا إلى المُصَلّى.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، مَتى يَقْطَعُ في عِيدِ الفِطْرِ، فَنَقَلَ عَنْهُ حَنْبَلُ: يَقْطَعُ بَعْدَ فَراغِ الإمامِ مِنَ الخُطْبَةِ.
ونَقَلَ الأثْرَمُ: إذا جاءَ المُصَلّى، قَطَعَ.
قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: يَعْنِي: إذا جاءَ المُصَلّى وخَرَجَ الإمامُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنَ أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ ﴾ الشَهْرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاشْتِهارِ، لِأنَّهُ مُشْتَهَرٌ لا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ عَلى أحَدٍ يُرِيدُهُ.
ورَمَضانُ عَلَّقَهُ الِاسْمُ مِن مُدَّةٍ كانَ فِيها في الرَمَضِ وشِدَّةِ الحَرِّ.
وكانَ اسْمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ناتِقًا، كَما سُمِّيَ رَبِيعٌ مِن مُدَّةِ الرَبِيعِ، وجُمادى مِن مُدَّةِ الجُمُودِ.
وكَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، دُونَ أنْ يُقالَ: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ ﴾ ، كَما قالَ اللهُ تَعالى، وقالَ: لَعَلَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "شَهْرٌ" بِالرَفْعِ، ووَجْهُهُ خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ ذَلِكم شَهْرُ، وقِيلَ: بُدِّلَ مِنَ الصِيامِ، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ ، وقِيلَ: ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ ، و ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ ﴾ نَعْتٌ لَهُ.
فَمَن قالَ: إنَّ الصِيامَ في قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ ﴾ هي ثَلاثَةُ أيّامِ وعاشُوراءَ، قالَ: هاهُنا بِالِابْتِداءِ، ومَن قالَ: إنَّ الصِيامَ هُنالِكَ هو رَمَضانُ وهو الأيّامُ المَعْدُودَةُ؛ قالَ هُنا بِخَبَرِ الِابْتِداءِ أو بِالبَدَلِ مِنَ "الصِيامِ".
وقَرَأ مُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "شَهْرَ" بِالنَصْبِ، ورَواها أبُو عِمارَةَ، عن حَفْصٍ، عن عاصِمٍ، ورَواها هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو، وهي عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: نُصِبَ بِـ "تَصُومُوا وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ.
وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْغامِ الراءِ في الراءِ، وذَلِكَ لا تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ فِيهِ.
واخْتُلِفَ في إنْزالِ القُرْآنِ فِيهِ، فَقالَ الضَحّاكُ: أُنْزِلَ في فَرْضِهِ وتَعْظِيمِهِ والحَضِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بُدِئَ بِنُزُولِهِ فِيهِ عَلى النَبِيِّ ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما يُؤْثَرُ: أُنْزِلَ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً واحِدَةً لَيْلَةَ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ رُسُلًا رُسُلًا في الأوامِرِ والنَواهِي والأسْبابِ.
ورَوى واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، والتَوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ».
وتَرَكَ ابْنُ كَثِيرٍ هَمْزَةَ القُرْآنِ مَعَ التَعْرِيفِ والتَنْكِيرِ حَيْثُ وقَعَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ اشْتِقاقَهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَرَنَ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.
و"هُدًى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ "القُرْآنِ"، فالمُرادُ أنَّ القُرْآنَ بِجُمْلَتِهِ مِن مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ.
هُدًى، ثُمَّ شُرِّفَ بِالذِكْرِ والتَخْصِيصِ "البَيِّناتِ" مِنهُ، يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ والمَواعِظَ والمُحْكَمَ كُلَّهُ.
فالألِفُ واللامُ في "الهُدى" لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأوَّلُ، "الفُرْقانِ" المُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
و"شَهِدَ" بِمَعْنى حَضَرَ، و"الشَهْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، والتَقْدِيرُ مَن حَضَرَ المِصْرَ في الشَهْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وَعِيسى الثَقَفِيُّ، والزُهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "فَلْيَصُمْهُ:" بِتَحْرِيكِ اللامِ، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا لامَ الأمْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى أصْلِها الَّذِي هو الكَسْرُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: " مِن شَهِدَ " أيْ مَن حَضَرَ دُخُولَ الشَهْرِ ظَنَّ وكانَ مُقِيمًا في أوَّلِهِ فَلْيُكْمِلْ صِيامَهُ، سافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أو أقامَ، وإنَّما يُفْطِرُ في السَفَرِ مَن دَخْلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ وهو في سَفَرٍ.
وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: مَن شَهِدَ أوَّلَ الشَهْرِ أو آخِرَهُ فَلْيَصُمْ ما دامَ مُقِيمًا.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: مَن شَهِدَ الشَهْرَ بِشُرُوطِ التَكْلِيفِ غَيْرَ مَجْنُونٍ ولا مُغْمًى عَلَيْهِ فَلْيَصُمْهُ، ومَن دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ وهو مَجْنُونٌ، وتَمادى بِهِ طُولَ الشَهْرِ، فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الشَهْرَ بِصِفَةٍ يَجِبُ بِها الصِيامُ، ومِن جُنَّ أوَّلَ الشَهْرِ أو آخِرَهُ فَإنَّهُ يَقْضِي أيّامَ جُنُونِهِ.
ونُصِبَ الشَهْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ هو عَلى المَفْعُولِ الصَرِيحِ بِـ "شَهِدَ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو عَلى سَفَرٍ ﴾ ، بِمَنزِلَةِ: أو مُسافِرًا فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلى اسْمٍ.
وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وابْنُ هُرْمُزٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "اليُسُرُ" و"العُسُرُ" بِضَمِّ السِينِ، والجُمْهُورُ: بِسُكُونِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: "اليُسْرُ": الفِطْرُ في السَفَرِ، و"العُسْرُ": الصِيامُ في السِفْرِ، والوَجْهُ عُمُومُ اللَفْظِ في جَمِيعِ أُمُورِ الدِينِ، وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ النَبِيُّ : «دِينُ اللهِ يُسْرٌ».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ مَعْناهُ: ولِيُكْمِلَ مَن أفْطَرَ في سَفَرِهِ أو في مَرَضِهِ عِدَّةَ الأيّامِ الَّتِي أفْطَرَ فِيها، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلِتُكَمِّلُوا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُما التَخْفِيفُ كالجَماعَةِ، وهَذِهِ اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ: إمّا بـِ "يُرِيدُ" فَهي اللامُ الداخِلَةُ عَلى المَفْعُولِ، كالَّذِي في قَوْلِكَ: ضَرَبْتُ لِزَيْدٍ، والمَعْنى: ويُرِيدُ إكْمالَ العِدَّةِ، وهي مَعَ الفِعْلِ مَقَدَّرَةٌ بِأنْ، كَأنَّ الكَلامَ: ويُرِيدُ لِأنْ تُكْمِلُوا، هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ أبِي صَخْرٍ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما.....................
وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدُ، تَقْدِيرُهُ: ولِأنْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ رُخِّصَ لَكم هَذِهِ الرُخْصَةُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ.
ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللامُ لامَ الأمْرِ، والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ ﴾ ، حَضٌّ عَلى التَكْبِيرِ في آخِرِ رَمَضانَ، واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكَبِّرُ المَرْءُ مِن رُؤْيَةِ الهِلالِ إلى انْقِضاءِ الخُطْبَةِ، ويُمْسِكُ وقْتَ خُرُوجِ الإمامِ، ويُكَبِّرُ بِتَكْبِيرِهِ.
وقالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِن رُؤْيَةِ الهِلالِ إلى خُرُوجِ الإمامِ إلى الصَلاةِ.
وقالَ سُفْيانُ: هو التَكْبِيرُ يَوْمَ الفِطْرِ.
وقالَ مالِكٌ: هو مِن حِينِ يَخْرُجُ الرَجُلُ مِن مَنزِلِهِ إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ.
ولَفْظُهُ عِنْدَ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ.
ثَلاثًا، ومِنَ العُلَماءِ مَن يُكَبِّرُ ثُمَّ يُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ أثْناءَ التَكْبِيرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: اللهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذا، والجَمِيعُ حَسَنٌ واسِعٌ مَعَ البَدْأةِ بِالتَكْبِيرِ.
و"هَداكُمْ" وقِيلَ: المُرادُ لِما ضَلَّ فِيهِ النَصارى مِن تَبْدِيلِ صِيامِهِمْ.
وتَعْمِيمِ الهُدى جَيِّدٌ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: عَلى نِعْمَةِ اللهِ في الهُدى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي ﴾ الآيَةُ، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: سَبَبُها «أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ : أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟
فَنَزَلَتْ».
وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالَ قَوْمٌ: في أيِّ ساعَةٍ نَدْعُو؟
فَنَزَلَتْ ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ قالُوا: إلى أيْنَ نَدْعُو؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو؟
فَنَزَلَتْ ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي ﴾ ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لَمّا نَزَلَ: ﴿ فَإنِّي قَرِيبٌ ﴾ ، كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا وبَيْنَنا وبَيْنَهُ -عَلى قَوْلِكَ- سَبْعُ سَماواتٍ في غِلْظِ سُمْكِ كُلِّ واحِدَةٍ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وفِيما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ مِثْلُ ذَلِكَ؟
فَنَزَلَتْ: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ ﴾ ، أيْ فَإنِّي قَرِيبٌ بِالإجابَةِ والقُدْرَةِ.
وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أُجِيبُ إنْ شِئْتَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللهَ تَعالى يُجِيبُ كُلَّ الدُعاءِ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ الإجابَةُ في الدُنْيا، وإمّا أنْ يُكَفَّرَ عنهُ، وإمّا أنْ يُدَّخَرَ لَهُ أجْرٌ في الآخِرَةِ، وهَذا بِحَسَبِ حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «ما مِن داعٍ يَدْعُو إلّا كانَ بَيْنَ إحْدى ثَلاثٍ» الحَدِيثُ.
وهَذا إذا كانَ الدُعاءُ عَلى ما يَجِبُ دُونَ اعْتِداءٍ، فَإنَّ الِاعْتِداءَ في الدُعاءِ مَمْنُوعٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ في الدُعاءِ، والوَصْفُ بِمُجابِ الدَعْوَةِ وصْفٌ بِحُسْنِ النَظَرِ، والبُعْدِ عَنِ الِاعْتِداءِ، والتَوْفِيقُ مِنَ اللهِ تَعالى إلى الدُعاءِ في مَقْدُورٍ.
وانْظُرْ أنَّ أفْضَلَ البَشَرِ المُصْطَفى مُحَمَّدًا قَدْ دَعا ألّا يَجْعَلَ بَأْسَ أُمَّتِهِ بَيْنَهُمُ الحَدِيثُ فَمُنِعَها إذْ كانَ القَدَرُ قَدْ سُبِقَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ قالَ أبُو رَجاءٍ الخُراسانِيُّ: مَعْناهُ: فَلْيَدْعُوا لِي.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: فَلْيَطْلُبُوا أنْ أُجِيبَهُمْ، وهَذا هو بابُ اسْتَفْعَلَ، أيْ طَلَبُ الشَيْءِ إلّا ما شَذَّ مِثْلُ اسْتَغْنى اللهُ.
وَقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، فِيما دَعَوْتُهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، أيْ بِالطاعَةِ والعَمَلِ.
ويُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ: لَمْ يُجِبْهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾ قالَ أبُو رَجاءٍ: في أنِّي أُجِيبُ دُعاءَهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ دُعاءٌ إلى الإيمانِ بِجُمْلَتِهِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرْشُدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ قَوْمٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي حَيْوَةَ: فَتْحُ الياءِ وكَسْرُ الشِينِ بِاخْتِلافٍ عنهُما، قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ والَّتِي قَبْلَها.
<div class="verse-tafsir"
قد علمت أن هذه الآيات تكملة للآيات السابقة وأن لا نسخ في خلال هاته الآيات، فقوله: شهر رمضان شَهْرُ رَمَضَانَ الذى أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لِّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى والفرقان } خبر مبتدأ محذوف تقديره هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان، والجملة مستأنفة بيانياً، لأن قوله: ﴿ أياماً معدودات ﴾ [البقرة: 184] يثير سؤال السامع عن تعيين هذه الأيام، ويؤيد ذلك قراءة مجاهد ﴿ شهراً ﴾ بالنصب على البدلية من ﴿ أياماً ﴾ : بدل تفصيل.
وحذف المسند إليه جار على طريقة الاستعمال في المسند إليه إذا تقدم من الكلام ما فيه تفصيل وتبيين لأحوال المسند إليه فهم يحذفون ضميره، وإذا جَوَّزتَ أن يكون هذا الكلام نسخاً لصدر الآية لم يصح أن يكون التقدير هي شهر رمضان فيتعين أن يكون شهر رمضان مبتدأ خبرهم قوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ ، واقتران الخبر بالفاء حينئذٍ مراعاة لوصف المبتدأ بالموصول الذي هو شبيه بالشرط ومثله كثير في القرآن وفي كلام العرب، أو على زيادة الفاء في الخبر كقوله: وقائلةٍ خَوْلاَنُ فانكِحْ فَتاتهم () *** أنشده سيبويه، وكلا هذين الوجهين ضعيف.
والشهر جزء من اثني عشر جزءاً من تقسيم السنة قال تعالى: ﴿ إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض ﴾ [التوبة: 36] والشهر يبتدئ من ظهور الهلال إلى المحاق ثم ظهور الهلال مرة أخرى، وهو مشتق من الشهرة لأن الهلال يظهر لهم فيشهرونه ليراه الناس فيثبت الشهر عندهم.
ورمضان علم وليس منقولاً؛ إذ لم يسمع مصدر على وزن الفَعلان من رمِض بكسر الميم إذا احترق؛ لأن الفَعَلان، يدل على الاضطراب ولا معنى له هنا، وقيل هو منقول عن المصدر.
ورمضان علَم على الشهر التاسع من أشهر السنة العربية القمرية المفتتحة بالمحرم؛ فقد كان العرب يفتتحون أشهر العام بالمحرم؛ لأن نهاية العام عندهم هي انقضاء الحج ومدة الرجوع إلى آفاقهم، ألا ترى أن لَبيداً جعل جمادى الثانية وهو نهاية فصل الشتاء شهراً سادساً إذ قال: حَتَّى إذا سَلخا جُمادى سِتَّةً *** جَزْءاً فطال صيامُه وصيامها ورمضان ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون؛ لأنه مشتق من الرمضاء وهي الحرارة لأن رمضان أول أشهر الحرارة بناء على ما كان من النسيء في السنة عند العرب إذ كانت السنة تنقسم إلى ستة فصول كل فصل منها شهران: الفصل الأول الخريف وشهراه محرم وصفر، الثاني ربيع الأول وهو وقت نضج الثمار وظهور الرُّطَب والتمر وشهراه شهرُ ربيع الأولُ وشهرُ ربيع الثاني على أن الأول والثاني وصف لشهر، ألا ترى أن العرب يقولون «الرطب شهري ربيع»، الثالث الشتاء وشهراه جمادى الأولى وجمادى الثانية قال حاتم: في ليلةٍ من جمادَى ذاتتِ أَنْدَيةٍ *** لاَ يُبصِرُ الكَلْبُ مِن ظَلْمَائِها الظُّنُبَا لاَ يَنَبحُ الكلبُ فيها غيرَ واحِدَةٍ *** حتَّى يَلُفَّ علَى خَيشُومِهِ الذَّنبَا الرابع الربيع الثاني والثاني وصف للربيع وهذا هو وقت ظهور النَّور والكَمْأَةِ وشهراه رجبٌ وشعبان، وهو فصل الدَّر والمطَر قال النابغة يذكر غَزَوات النعمان ابن الحارث: وكانَتْ لَهْم رَبْعِيَّةٌ يَحْذَرُونَها *** إذا خَضْخَضَتْ ماءَ السماء القبائِلُ وسَمَّوه الثاني لأنه يجيءُ بعد الربيععِ الأول في حساب السنة، قال النابغة: فإن يَهلك أبو قابُوسَ يَهلكْ *** رَبِيعُ الثَّاننِ والبَلَدُ الحَرامُ في رواية وراوي «ربيعُ الناس»، وسموا كلا منهما ربيعاً لأنه وقت خصب، الفصل الخامس، الصيف وهو مبدأ الحر وشهراه رمضان وشوال، لأن النوق تشول أذنابها فيه تطرد الذباب.
السادس القيظ وشهراه ذو القعدة وذو الحجة.
وبعض القبائل تقسم السنة إِلى أربعة، كل فصل له ثلاثة أشهر؛ وهي الربيع وشهوره رجب وشعبان ورمضان، والصيف وشهوره شوال وذو القعدة وذو الحجة، والخريف وشهوره محرم وصفر والربيع الأول، والشتاء وشهوره شهر ربيع الثاني على أن الأول والثاني وصفان لشهر لا لربيع وجمادى الأولى وجمادى الثانية.
ولما كانت أشهر العرب قمرية وكانت السنة القمرية أقل من أيام السنة الشمسية التي تجيء بها الفصول تنقص أحد عشر يوماً وكسراً، وراموا أن يكون الحج في وقت الفراغ من الزروع والثمار ووقت السلامة من البرد وشدة الحر جعلوا للأشهر كبساً بزيادة شهر في السنة بعد ثلاث سنين وهو المعبر عنه بالنسيء.
وأسماء الشهور كلِّها أعلام لها عدا شهر ربيع الأول وشهر ربيع الثاني فلذلك وجب ذكر لفظ الشهر معهما ثم وصفه بالأول والثاني؛ لأن معناه الشهر الأول من فصل الربيع أعني الأول، فالأول والثاني صفتان لشهر، أما الأشهر الأخرى فيجوز فيها ذكر لفظ الشهر بالإضافة من إضافة اسم النوع إلى واحده مثل شجر الأراك ومدينة بغداد، وبهذا يشعر كلام سيبويه والمحققين فمن قال: إنه لا يقال رمضان إلاّ بإضافة شهر إليه بناء على أن رمضان مصدر، حتى تكلف لمنعه من الصرف بأنه صار بإضافة شهر إليه علماً فمنع جزء العلم من الصرف كما منع هريرة في أبي هريرة فقد تكلف شططاً وخالف ما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم " من صام ر مضان إيماناً واحتساباً " بنصب رمضان وإنما انجر إليهم هذا الوهم من اصطلاح كتاب الديوان كما في «أدب الكاتب».
وإنما أضيف لفظ الشهر إلى رمضان في هذه الآية مع أن الإيجاز المطلوب لهم يتقضي عدم ذكره إما لأنه الأشهر في فصيح كلامهم وإما للدلالة على استيعاب جميع أيامه بالصوم؛ لأنه لو قال رمضان لكان ظاهراً لا نصاً، لا سيما مع تقدم قوله ﴿ أياماً ﴾ [البقرة: 184] فيتوهم السامعون أنها أيام من رمضان.
فالمعنى أن الجزء المعروف بشهر رمضان من السنة العربية القمرية هو الذي جعل ظرفاً لأداء فريضة الصيام المكتوبة في الدين فكلما حل الوقت المعين من السنة المسمى بشهر رمضان فقد وجب على المسلمين أداء فريضة الصوم فيه، ولما كانم ذلك حلوله مكرراً في كل عام كان وجوب الصوم مكرراً في كل سنة إذ لم ينط الصيام بشهر واحد مخصوص ولأن ما أجري على الشهر من الصفات يحقق أن المراد منه جميعُ الأزمنة المسماةُ به طول الدهر.
وظاهر قوله: ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أن المخاطبين يعلمون أن نزول القرآن وقع في شهر رمضان، لأن الغالب في صلة الموصول أن يكون السامع عالماً باختصاصها بمن أجرى عليه الموصول، ولأن مثل هذا الحدَث الديني من شأنه ألا يخفى عليهم، فيكون الكلام تذكيراً بهذا الفضل العظيم، ويجوز أيضاً أن يكون إعلاماً بهذا الفضل وأجري الكلام على طريقة الوصف بالموصول للتنبيه على أن الموصوف مختص بمضمون هذه الصلة بحيث تجعل طريقاً لمعرفته، ولا نسلم لزوم علم المخاطب باتصاف ذي الصلة بمضمونها في التعريف بالموصولية بل ذلك غَرض أغلبي كما يشهد به تتبع كلامهم، وليس المقصود الإخبارَ عن شهر رمضان بأنه أنزل فيه القرآن، لأن تركيب الكلام لا يسمح باعتباره خبراً لأن لفظ ﴿ شهر رمضان ﴾ خبر وليس هو مبتدأ، والمراد بإنزال القرآن ابتداءُ إنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم فإن فيه ابتداء النزول من عام واحد وأربعين من الفيل فعبر عن إنزال أوله باسم جميعه؛ لأن ذلك القدْر المنزل مقَدَّرٌ إلحاق تكملته به كما جاء في كثير من الآيات مثل قوله: ﴿ وهذا كتاب أنزلناه مبارك ﴾ [الأنعام: 92] وذلك قبل إكمال نزوله فيشمل كل ما يلحق به من بعد، وقد تقدم عند قوله: ﴿ والذين يؤمنون بما أنزل إليك ﴾ ومعنى ﴿ الذي أنزل فيه ﴾ أنزل في مثله؛ لأن الشهر الذي أنزل فيه القرآن قد انقضى قبل نزول آية الصوم بعدة سنين، فإن صيام رمضان فرض من السنة الثانية للهجرة فَبَيْن فرض الصيام والشهرِ الذي أنزل فيه القرآن حقيقةً عدةُ سنين فيتعين بالقرينة أن المراد أنزل في مثله أي في نظيره من عام آخر.
فقد جعل الله للمواقيت المحدودة اعتباراً يشبه اعتبار الشيء الواحد المتجدد، وإنما هذا اعتبار للتذكير بالأيام العظيمة المقدَار كما قال تعالى: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5]، فخلع الله على المواقيت التي قارنها شيء عظيم في الفضل أن جعل لتلك المواقيت فضلاً مستمراً تنويهاً بكونها تذكرة لأمر عظيم، ولعل هذا هو الذي جعَل الله لأجله سنة الهدي في الحج، لأن في مثل ذلك الوقت ابتلَى الله إبراهيم بذبح ولده إسماعيل وأظهر عَزْم إبراهيم وطاعته ربه ومنه أخذ العلماء تعظيم اليوم الموافق ليوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم ويجيء من هذا إكرام ذرية رسول الله وأبناء الصالحين وتعظيم ولاة الأمور الشرعية القائمين مقام النبي صلى الله عليه وسلم في أعمالهم من الأمراء والقضاة والأئمّة.
وهذا يدل على أن مراد الله تعالى من الأمة صوم ثلاثين يوماً متتابعة مضبوطة المبدأ والنهاية متحدة لجميع المسلمين.
ولما كان ذلك هو المراد وُقِّتَ بشهر معيَّن وجعل قمرياً لسهولة ضبط بدئه ونهايته برؤية الهلال والتقدير، واختير شهر رمضان من بين الأشهر لأنه قد شُرف بنزول القرآن فيه، فإن نزول القرآن لما كان لقصد تنزيه الأمة وهداها ناسب أن يكون ما به تطهير النفوس والتقرب من الحالة المَلَكية واقعاً فيه، والأغلب على ظني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أيام تحنثه في غار حراء قبل أن يُنزل عليه الوحي إلهاماً من الله تعالى وتلقيناً لبقية من الملة الحنيفية فلما أنزل عليه الوحي في شهر رمضان أمر الله الأمة الإسلامية بالصوم في ذلك الشهر، روَى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «جاورت بحِراء شهرَ رمضان» وقال ابن سعد: جاءه الوحي وهو في غار حراء يوم الاثنين لسبع عشرة حلت من رمضان.
وقوله: ﴿ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ﴾ حالان من (القرآن) إشارة بهما إلى وجه تفضيل الشهر بسبب ما نزل فيه من الهدى والفرقان.
والمراد بالهدى الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير مِن الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية.
والفرقان مصدر فرق وقد شاع في الفَرق بين الحق والباطل أي إعلان التفرقة بين الحق الذي جاءهم من الله وبين الباطل الذي كانوا عليه قبل الإسلام، فالمراد بالهدى الأول: ضرب من الهدى غير المراد من الهدى الثاني، فلا تكرار.
تفريع على قوله: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ الذي هو بيان لقوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ [البقرة: 183] كما تقدم فهو رجوع إلى التبيين بعد الفصل بما عقب به قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ من استيناسسٍ وتنويهٍ بفضل الصيام وما يرجى من عوده على نفوس الصائمين بالتقوى وما حف الله به فرضه على الأمة من تيسير عند حصول مشقة من الصيام.
وضمير ﴿ منكم ﴾ عائد إلى ﴿ الذين أمنوا ﴾ [البقرة: 183] مثل الضمائر التي قبله، أي كل من حضر الشهر فليصمه، و ﴿ شهد ﴾ يجوز أن يكون بمعنى حضر كما يقال: إن فلاناً شهد بَدراً وشهد أُحُداً وشهد العقبة أو شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أي حضرها فنصب الشهر على أنه مفعول فيه لفعل ﴿ شَهِد ﴾ أي حضر في الشهر أي لم يكن مسافراً، وهو المناسب لقوله بعده: ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفر ﴾ .
الخ.
أي فمن حضر في الشهر فليصمه كله ويُفهم أن مَن حضر بعضه يصوم أيام حضوره.
ويجوز أن يكون ﴿ شهد ﴾ بمعنى عَلِم كقوله تعالى: ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴾ [آل عمران: 18] فيكون انتصاب الشهر على المفعول به بتقدير مضاف أي علم بحلول الشهر، وليس شهد بمعنى رأى؛ لأنه لا يقال: شهد بمعنى رأى، وإنما يقال شَاهد، ولا الشهر هنا بمعنى هلاله بناء على أن الشهر يطلق على الهلال كما حكوه عن الزجاج وأنشد في «الأساس» قول ذي الرمة: فأصبح أَجلَى الطَّرْففِ ما يستزيده *** يَرى الشهرَ قبل الناس وهو نَحيل أي يرى هلال الشهر؛ لأن الهلال لا يصح أن يتعدى إليه فعل ﴿ شهد ﴾ بمعنى حضر ومَن يفهم الآية على ذلك فقد أخطأ خطأ بيناً وهو يفضي إلى أن كل فرد من الأمة معلق وجوب صومه على مشاهدته هلال رمضان فمن لم ير الهلال لا يجب عليه الصوم وهذا باطل، ولهذا فليس في الآية تصريح على طريق ثبوت الشهر وإنما بينته السنة بحديث " لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تُفطروا حتى تروه فإنْ غُمَّ عليكم فاقدروا له " وفي معنى الإقدار له محامل ليست من تفسير الآية.
وقرأ الجمهور: (القُرْءَان) بهمزة مفتوحة بعد الراء الساكنة وبعد الهمزة ألف، وقرأهُ ابن كثير براء مفتوحة بعدها ألف على نقل حركة الهمزة إلى الراء الساكنة لقصد التخفيف.
وقوله: ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة ﴾ قالوا في وجه إعادته مع تقدم نظيره في قوله: ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ [البقرة: 184] أنه لما كان صوم رمضان واجباً على التخيير بينه وبين الفدية بالإطعام بالآية الأولى وهي ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ [البقرة: 183] الخ وقد سقط الوجوب عن المريض والمسافر بنصها فلما نسخ حكم تلك الآية بقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ الآية وصار الصوم واجباً على التعيين خيف أن يظُنّ الناس أن جميع ما كان في الآية الأولى من الرخصة قد نسخ فوجب الصوم أيضاً حتى على المريض والمسافر فأعيد ذلك في هذه الآية الناسخة تصريحاً ببقاء تلك الرخصة، ونُسخت رخصة الإطعام مع القدرة والحضر والصحة لا غير، وهو بناء على كون هاته الآية ناسخة للتي قبلها، فإن درجنا على أنهما نزلتا في وقت واحد كان الوجه في إعادة هذا الحكم هو هذا الموضع الجدير بقوله: ﴿ ومن كان مريضاً ﴾ لأنه جاء بعد تعيين أيام الصوم، وأما ما تقدم في الآية الأولى فهو تعجيل بالإعلام بالرخصة رفقاً بالسامعين، أو أن إعادته لدفع توهم أن الأول منسوخ بقوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ إذا كان شهد بمعنى تحقق وعَلِم، مع زيادة في تأكيد حكم الرخصة ولزيادة بيان معنى قوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ .
﴿ يُرِيدُ الله بِكُمُ اليسر وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العسر ﴾ .
استئناف بياني كالعلة لقوله: ﴿ ومن كان مريضاً ﴾ الخ بيَّن به حكمة الرخصة أي شرع لكم القضاءَ لأنه يريد بكم اليسر عند المشقة.
وقوله: ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ نفي لضد اليسر، وقد كان يقوم مقام هاتين الجملتين جملةُ قصر نحو أن يقول: ما يريد بكم إلاّ اليسر، لكنه عُدل عن جملة القصر إلى جملتي إثبات ونفي لأن المقصود ابتداءً هو جملة الإثبات لتكون تعليلاً للرخصة، وجاءت بعدها جملة النفي تأكيداً لها، ويجوز أن يكون قوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ تعليلاً لجميع ما تقدم من قوله: ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ [البقرة: 183] إلى هنا فيكون إيماء إلى أن مشروعية الصيام وإن كانت تلوح في صورة المشقة والعسر فإن في طيها من المصالح ما يدل على أن الله أراد بها اليسر أي تيسير تحصيل رياضة النفس بطريقة سليمة من إرهاق أصحاب بعض الأديان الأخرى أنفسهم.
وقرأ الجمهور: (اليُسْر) و(العُسْر) بسكون السين فيهما، وقرأه أبو جعفر بضم السين ضمةَ إتباع.
عطف على جملةٍ: ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ الخ؛ إذ هي في موقع العلة كما علمتَ؛ فإن مجموعَ هذه الجمل الأربع تعليل لما قبلها من قوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر ﴾ إلى قوله: ﴿ فعدة من أيام أُخر ﴾ .
واللام في قوله: ﴿ ولتكبروا ﴾ تسمى شبه الزائدة وهي اللام التي يكثر وقوعها بعد فعل الإرادة وفعل الأمر أي مادة أمَرَ اللذين مفعولهما أنْ المصدرية مع فعلها، فحق ذلك المفعول أن يتعدى إليه فعل الإرادة وفعل مادة الأمر بنفسه دون حرف الجر ولكن كثر في الكلام تعديته باللام نحو قوله تعالى: ﴿ يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم ﴾ [الصف: 8] قال في «الكشاف»: أصله يريدون أن يطفئوا، ومنه قوله تعالى: ﴿ وأُمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ [الزمر: 12] والفعل الذي بعد اللام منصوب بأنْ ظاهرةٍ أو مقدرةٍ.
والمعنى: يريد الله أن تُكملوا العدة وأن تُكبروا الله، وإكمالُ العدة يحصل بقضاء الأيام التي أفطرها مَن وجب عليه الصوم ليأتي بعدة أيام شهر رمضان كاملة، فإن في تلك العدة حكمة تجب المحافظة عليها، فبالقضاء حصلت حكمة التشريع وبرخصة الإفطار لصاحب العذر حصلت رحمة التخفيف.
وقرأ الجمهور: (ولتُكْملوا) بسكون الكاف وتخفيف الميم مضارع أكمل وقَرأه أبو بكر عن عاصم ويعقوب بفتح الكاف وتشديد الميم مضارع كَمَّل.
وقوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ عطف على قوله: ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ ، وهذا يتضمن تعليلاً وهو في معنى علة غيرِ متضمنةٍ لحكمة ولكنها متضمنة لمقصد إرادة الله تعالى وهو أن يكبروه.
والتكبير تفعيل مراد به النسبة والتوصيف أي أن تنسبوا الله إلى الكبر والنسبة هنا نسبة بالقول اللساني، والكِبَر هنا كبر معنوي لا جسمي فهو العظمة والجلال والتنزيه عن النقائص كلها، أي لتصفوا الله بالعظمة، وذلك بأن تقولوا: الله أكبر، فالتفعيل هنا مأخوذ من فَعَّلَ المنحوتتِ من قوللٍ يقوله، مثل قولهم: بَسْمل وحَمْدل وهَلَّل وقد تقدم عند الكلام على البسملة، أي لتقولوا: الله أكبر، وهي جملة تدل على أن الله أعظم من كل عظيم في الوَاقع كالحكماء والملوك والسادة والقادة، ومن كل عظيم في الاعتقاد كالآلهة الباطلة، وإثبات الأعظمية لله في كلمة (الله أكبر) كناية عن وحدانيته بالإلهية، لأن التفضيل يستلزم نقصان من عداه والناقص غير مستحق للإلهية، لأن حقيقتها لا تلاقي شيئاً من النقص، ولذلك شُرع التكبير في الصلاة لإبطال السجود لغير الله، وشُرع التكبير عند نحر البُدْن في الحج لإبطال ما كانوا يتقربون به إلى أصنامهم، وكذلك شرع التكبير عند انتهاء الصيام بهذه الآية، فمن أجل ذلك مضت السنة بأن يكبر المسلمون عند الخروج إلى صلاة العيد ويكبر الإمام في خطبة العيد.
وفي لفظ التكبير عند انتهاء الصيام خصوصية جليلة وهي أن المشركين كانوا يتزلفون إلى آلهتهم بالأَكل والتلطيخ بالدماء، فكان لقول المسلم: الله أكبر، إشارة إلى أن الله يعبد بالصوم وأنه متنزه عن ضراوة الأصنام.
وقوله: ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ تعليل آخر وهو أعم من مضمون جملة ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ فإن التكبير تعظيم يتضمن شكراً والشكر أعم، لأنه يكون بالأقوال التي فيها تعظيم لله تعالى ويكون بفعل القُرب من الصدقات في أيام الصيام وأيام الفطر، ومن مظاهر الشكر لبس أحسن الثياب يوم الفطر.
وقد دلت الآية على الأمر بالتكبير؛ إذ جعلتْه مما يريده الله، وهو غير مفصَّل في لفظ التكبير، ومجملٌ في وقت التكبير؛ وعدده، وقد بينت السنة القولية والفعلية ذلك على اختلاف بين الفقهاء في الأحوال.
فأما لفظ التكبير فظاهر الآية أنه كل قول فيه لفظ الله أكبر، والمشهور في السنة أنه يكرر الله أكبر ثلاثاً، وبهذا أخذ مالك وأبو حنيفة والشافعي، وقال مالك والشافعي: إذا شاء المرءُ زاد على التكبير تهليلاً وتحميداً فهو حسن ولا يترك الله أكبر، فإذا أراد الزيادة على التكبير كبر مرتين ثم قال: لا إله إلاّ الله والله أكبر ولله الحمد وهو قول ابن عمر وابن عباس، وقال أحمد: هو واسع، وقال أبو حنيفة: لا يجزئ غير ثلاث تكبيرات.
وأما وقته: فتكبير الفطر يبتدئ من وقت خروج المصلي من بيته إلى محل الصلاة، وكذلك الإمامُ ومَنْ خرج معه، فإذا بلغ محل الصلاة قطع التكبير، ويسن في أول كل ركعة من ركعتي صلاة العيد افتتاح الأولى بسبع تكبيرات والثانية بست، هذا هو الأصح مما ثبت في الأخبار وعمل به أهل المدينة من عهد النبي عليه الصلاة والسلام فما بعده وتلقاه جمهور علماء الأمصار، وفيه خلاف كثير لا فائدة في التطويل بذكره والأمر واسع، ثم يكبر الإمام في خطبة صلاة العيد بعد الصلاة ويكبر معه المصلون حين تكبيره وينصتون للخطبة فيما سوى التكبير.
وقال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعُروة بن الزبير والشافعي: يكبر الناس من وقت استهلال هلال الفطر إلى انقضاء صلاة العيد ثم ينقطع التكبير، هذا كله في الفطر فهو مورد الآية التي نحن بصدد تفسيرها.
فأما في الأضحى فيزاد على ما يذكر في الفطر التكبير عقب الصلوات المفروضة من صلاة الظهر من يوم الأضحى إلى صلاة الصبح من اليوم الرابع منه، ويأتي تفصيله في تفسير قوله تعالى: ﴿ واذكروا الله في أياممٍ معدودات ﴾ [البقرة: 203].
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ أمّا الشَّهْرُ فَمَأْخُوذٌ مِنَ الشُّهْرَةِ، ومِنهُ قِيلَ: قَدْ شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ، إذا أخْرَجَهُ، وأمّا رَمَضانُ فَإنَّ بَعْضَ أهْلِ اللُّغَةِ يَزْعُمُ أنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ، لِشِدَّةِ ما كانَ يُوجَدُ فِيهِ مِنَ الحَرِّ حَتّى تَرْمَضَ فِيهِ الفِصالُ، كَما قِيلَ لِشَهْرِ الحَجِّ: ذُو الحِجَّةِ، وقَدْ كانَ شَهْرُ رَمَضانَ يُسَمّى في الجاهِلِيَّةِ ناتِقًا.
وَأمّا مُجاهِدٌ فَإنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، ويَقُولُ: لَعَلَّهُ مِن أسْماءِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وَفي إنْزالِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً مِنَ اللَّوْحِ المَحْفُوظِ إلى سَماءِ الدُّنْيا في شَهْرِ رَمَضانَ في لَيْلَةِ القَدْرِ مِنهُ، ثُمَّ أنْزَلَهُ عَلى نَبِيِّهِ ، عَلى ما أرادَ إنْزالَهُ عَلَيْهِ.
رَوى أبُو مُسْلِمٍ عَنْ وائِلَةَ عَنِ النَّبِيِّ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَتِ التَّوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ الإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِن رَمَضانَ، وأُنْزِلَ القُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ.
» والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى أُنْزِلَ القُرْآنُ في فَرْضِ صِيامِهِ، وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُدًى لِلنّاسِ ﴾ يَعْنِي رَشادًا لِلنّاسِ.
﴿ وَبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ ﴾ أيْ بَيِّناتٌ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، وفُرْقانٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ الشَّهْرُ لا يَغِيبُ عَنْ أحَدٍ، وفي تَأْوِيلِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: فَمَن شَهِدَ أوَّلَ الشَّهْرِ، وهو مُقِيمٌ فَعَلَيْهِ صِيامُهُ إلى آخِرِهِ، ولَيْسَ لَهُ أنْ يُفْطِرَ في بَقِيَّتِهِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ، وابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيِّ.
والثّانِي: فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ، فَلْيَصُمْ ما شَهِدَ مِنهُ وهو مُقِيمٌ دُونَ ما لَمْ يَشْهَدْهُ في السَّفَرِ، وهَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والثّالِثُ: فَمَن شَهِدَ بالِغًا عاقِلًا مُكَلَّفًا فَلْيَصُمْهُ، ولا يَسْقُطُ صَوْمُ بَقِيَّتِهِ إذا جُنَّ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ، وصاحِبَيْهِ.
﴿ وَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ ﴾ وإنَّما أعادَ ذِكْرَ الفِطْرِ بِالمَرَضِ والسَّفَرِ مَعَ قُرْبِ ذِكْرِهِ مِن قَبْلُ، لِأنَّهُ في حُكْمِ تِلْكَ الآيَةِ مَنسُوخٌ، فَأعادَ ذِكْرَهُ، لِئَلّا يَصِيرَ بِالمَنسُوخِ مَقْرُونًا، وتَقْدِيرُهُ: فَمَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ في شَهْرِ رَمَضانَ فَأفْطَرَ، فَعَلَيْهِ عِدَّةُ ما أفْطَرَ مِنهُ، أنْ يَقْضِيَهُ مِن بَعْدِهِ.
واخْتَلَفُوا في المَرَضِ الَّذِي يَجُوزُ مَعَهُ الفِطْرُ في شَهْرِ رَمَضانَ، عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ كُلُّ مَرَضٍ لَمْ يُطِقِ الصَّلاةَ مَعَهُ قائِمًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ المَرَضُ الَّذِي الأغْلَبُ مِن أمْرِ صاحِبِهِ بِالصَّوْمِ الزِّيادَةُ في عِلَّتِهِ زِيادَةً غَيْرَ مُحْتَمَلَةٍ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
والثّالِثُ: أنَّهُ كُلُّ مَرَضٍ انْطَلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ المَرَضِ، وهو قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ.
فَأمّا السَّفَرُ، فَقَدِ اخْتَلَفُوا فِيهِ عَلى ثَلاثَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ ما انْطَلَقَ اسْمُ السَّفَرِ مِن طَوِيلٍ أوْ قَصِيرٍ، وهَذا قَوْلُ داوُدَ.
والثّانِي: أنَّهُ مَسِيرَةُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
واخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الفِطْرِ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ واجِبٌ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ مُباحٌ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: اليُسْرُ الإفْطارُ، والعُسْرُ الصِّيامُ في السَّفَرِ، ونَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ وقَتادَةَ.
﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ يَعْنِي عِدَّةَ ما أفْطَرَ ثُمَّ في صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ بِالقَضاءِ في غَيْرِهِ.
﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ قِيلَ: إنَّهُ تَكْبِيرُ الفِطْرِ مِن أوَّلِ الشَّهْرِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ عَلى ما هَداكُمْ ﴾ يَعْنِي مِن صِيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَلى عُمُومِ ما هَدانا إلَيْهِ مِن دِينِهِ.
﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: تَشْكُرُونَ عَلى هِدايَتِهِ لَكم.
والثّانِي: عَلى ما أنْعَمَ بِهِ مِن ثَوابِ طاعَتِهِ، واللَّهُ أعْلَمُ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن عدي والبيهقي في سننه والديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً وموقوفاً «لا تقولوا رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله، ولكن قولوا شهر رمضان» .
وأخرج وكيع وابن جرير عن مجاهد قال: لا تقل رمضان، فإنك لا تدري ما رمضان، لعله اسم من أسماء الله عز وجل ولكن قل شهر رمضان كما قال الله عز وجل.
وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن ابن عمر قال: إنما سمي رمضان لأن الذنوب ترمض فيه، وإنما سمي شوّالاً لأنه يشول الذنوب كما تشول الناقة ذنبها.
وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في الترغيب عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما سمي رمضان لأن رمضان يرمض الذنوب» .
وأخرج ابن مردويه والأصبهاني عن عائشة قالت: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم «يا رسول الله ما رمضان؟
قال: ارمض الله فيه ذنوب المؤمنين، وغفرها لهم.
قيل: فشوال؟
قال: شالت فيه ذنوبهم فلم يبق فيه ذنب إلا غفره» .
وأخرج البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة» .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في شعب الإِيمان وضعفه عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل رجب قال: اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلغنا رمضان» .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن طلحة بن عبيد الله «أن أعرابياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله أخبرني بما فرض الله عليّ من الصيام؟
فقال: شهر رمضان إلا أن تطوّع.
فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة؟
فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإِسلام.
قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله عليّ شيئاً.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفلح إن صدق، أو دخل الجنة إن صدق» .
وأخرج مالك وابن أبي شيبة والبخاري والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب جهنم، وسلسلت الشياطين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والنسائي والبيهقي عن عرفجة قال: كنا عند عتبة بن فرقد وهو يحدثنا عن رمضان، إذ دخل رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسكت عتبة بن فرقد قال: يا أبا عبد الله حدثنا عن رمضان كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيه؟
قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «رمضان شهر مبارك تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب السعير، وتصفد فيه الشياطين، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير هلم، ويا باغي الشر أقصر، حتى ينقضي رمضان» .
وأخرج أحمد والطبراني والبيهقي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عند كل فطر عتقاء من النار» .
وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر» .
وأخرج ابن حبان والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان، وعرف حدوده، وحفظ مما ينبغي أن يحفظ منه، كفر ما قبله» .
وأخرج ابن ماجة عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عند كل فطر عتقاء، وذلك في كل ليلة» .
وأخرج الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان صفدت الشياطين ومردة الجن، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب، وفتح أبواب الجنة فلم يغلق منها باب، وينادي مناد كل ليلة: يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر.
ولله عز وجل عتقاء من النار، وذلك عند كل ليلة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «نبشركم قد جاءكم رمضان شهر مبارك افترض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب الجنة وتغلق فيه أبواب الجحيم وتغل فيه الشياطين، فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» .
وأخرج أحمد والبزار وأبو الشيخ في الثواب والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمس خصال لم تعط أمة قبلهم: خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتى يفطروا، ويزين الله كل يوم جنته، ثم قال: يوشك عبادي الصالحون أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفد فيه الشياطين، ولا يخلصون فيه إلى ما يخلصون في غيره، ويغفر لهم آخر ليلة.
قيل: يا رسول الله أهي ليلة القدر؟
قال: لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» .
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت أمتي في شهر رمضان خمساً لم يعطهن نبي قبلي: أما واحدة فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم، ومن نظر الله إليه لم يعذبه أبداً، وأما الثانية فإنه خلوف أفواههم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة فإن الله يأمر جنته فيقول لها استعدي وتزيني لعبادي أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة فإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعاً.
فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟
فقال: لا، ألم تر إلى العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم؟» .
وأخرج البيهقي في الشعب والأصبهاني في الترغيب عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله في كل ليلة من رمضان ستمائة ألف عتيق من النار، فإذا كان آخر ليلة أعتق بعدد من مضى» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان أول ليلة من شهر رمضان فتحت أبواب الجنان فلم يغلق منها باب واحد الشهر كله، وغلقت أبواب النار فلم يفتح منها باب واحد الشهر كله، وغلت عتاة الجن ونادى مناد من كل ليلة إلى انفجار الصبح: يا باغي الخير تمم وابشر، ويا باغي الشر أقصر وابصر السماء، هل من مستغفر نغفر له؟
هل من تائب نتوب عليه؟
هل من داع نستجيب له؟
هل من سائل نعطي سؤاله؟
ولله عند كل فطر من شهر رمضان كل ليلة عتقاء من النار ستون ألفاً، فإذا كان يوم الفطر أعتق مثل ما أعتق في جميع الشهر ثلاثين مرة ستين ألفاً ستين ألفاً» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أظلكم شهركم هذا- يعني شهر رمضان- بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما مر على المسلمين شهر خير لهم منه، ولا يأتي على المنافقين شهر شر لهم منه، بمحلوف رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يكتب أجره وثوابه من قبل أن يدخل، ويكتب وزره وشقاءه قبل أن يدخل، وذلك أن المؤمن يعد فيه النفقة للقوّة في العبادة، ويعد فيه المنافق اغتياب المؤمنين واتباع عوراتهم، فهو غنم للمؤمنين وغرم على الفاجر» .
وأخرج العقليلي وضعفه وابن خزيمة في صحيحه والبيهقي والخطيب والأصبهاني في الترغيب عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: «يا أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم شهر مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة وقيام ليله تطوّعاً، من تقرب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر الصبر والصبر ثوابه الجنة، وشهر المواساة وشهر يزاد في رزق المؤمن، من فطر فيه صائماً كان له مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النار، وكان له مثل أجره من غير أن ينتقص من أجره شيء.
قلنا: يا رسول الله كلنا نجد ما يفطر الصائم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يعطي الله هذا الثواب من فطر صائماً على مذقة لبن، أو تمرة، أو شربة من ماء، ومن أشبع صائماً سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ حتى يدخل الجنة، وهو شهر أوّله وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، من خفف عن مملوكه فيه غفر له وأعتقه من النار، فاستكْثروا فيهِ مِنْ أَرْبعَ خِصَالٍ: خَصْلَتَان تُرْضُونَ بِهمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُمَا.
فَأمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَان تُرْضُونَ بِهِما رَبَّكُمْ فَشَهَادَةُ أنْ لاَ إلهَ إلا اللهُ وَتسْتَغْفِرونَهُ، وَأمَّا اللَّتَانِ لاَ غِنَى بِكُمْ عَنْهُما فَتَسْأَلُونَ الْجنَّةَ وتَعُوذونَ بِهِ مِنَ النَّار» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والبيهقي عن عبد الرحمن بن عوف قال: «ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان فقال: شهر فرض الله عليكم صيامه وسننت أنا قيامه، فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي تليها كفارة، والجمعة إلى الجمعة التي تليها كفارة ما بينهما، والشهر إلى الشهر يعني شهر رمضان إلى شهر رمضان كفارة ما بينهما إلا من ثلاث: الإِشراك بالله، وترك السنة، ونكث الصفقة.
فقلت: يا رسول الله أما الاشراك بالله فقد عرفناه فما نكث الصفقة وترك السنة؟
قال: أما نكث الصفقة فأن تبايع رجلاً بيمينك ثم تخالف إليه فتقاتله بسيفك، وأما ترك السنة فالخروج من الجماعة» .
وأخرج ابن خزيمة والبيهقي والأصبهاني عن أنس بن مالك قال: لما أقبل شهر رمضان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله.
!
ماذا تستقبلون وماذا يستقبلكم؟
قال عمر بن الخطاب: بأبي أنت وأمي يا رسول الله!
وحي نزل أو عدوّ حضر؟
قال: لا ولكن شهر رمضان يغفر الله في أول ليلة لكل أهل هذه القبلة، وفي القوم رجل يهز رأسه فيقول: بخ بخ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: كأن ضاق صدرك بما سمعت.
قال: لا والله يا رسول الله ولكن ذكرت المنافق فقال النبي صلى الله عليه وسلم: المنافق كافر وليس للكافر في ذا شيء» .
وأخرج البيهقي عن جابر بن عبد الله قال: «لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر جعل له ثلاث عتبات، فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم العتبة الأولى قال: آمين، ثم صعد العتبة الثانية فقال: آمين، حتى إذا صعد العتبة الثالثة قال: آمين.
فقال المسلمون: يا رسول الله رأيناك تقول آمين آمين آمين ولا نرى أحداً؟!
فقال: إن جبريل صعد قبلي العتبة الأولى فقال: يا محمد.
فقلت: لبيك وسعديك.
فقال: من أدرك أبويه أو أحدهما فلم يغفر له فابعده الله.
قل آمين.
فقلت: آمين.
فلما صعد العتبة الثانية قال: يا محمد قلت: لبيك وسعديك.
قال: من أدرك شهر رمضان وصام نهاره وقام ليله ثم مات ولم يغفر له فدخل النار فابعده الله، فقل آمين.
فقلت: آمين.
فلما صعد العتبة الثالثة قال: يا محمد.
قلت: لبيك وسعديك.
قال: من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات ولم يغفر له فدخل النار فابعده الله، قل آمين.
فقلت: آمين» .
وأخرج الحاكم وصححه من طريق سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احضروا المنبر فحضرنا، فلما ارتقى درجة قال: آمين.
فلما ارتقى الثانية قال: آمين.
ثم لما ارتقى الثالثة قال: آمين.
فلما نزل قلنا: يا رسول الله لقد سمعنا منك اليوم شيئاً ما كنا نسمعه؟!
قال: إن جبريل عرض لي فقال: بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له.
قلت: آمين.
فلما رقيت الثانية قال: بعد من ذكرت عنده فلم يصل عليك.
فقلت: آمين.
فلما رقيت الثالثة قال: بعد من أدرك أبويه الكبر عنده أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة.
فقلت: آمين» .
وأخرج ابن حبان عن الحسن بن مالك بن الحويرث عن أبيه عن جده «فلما صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلما رقى عتبة قال: آمين.
ثم رقى أخرى قال: آمين.
ثم رقى عتبة ثالثة فقال: آمين.
ثم قال: أتاني جبريل فقال: يا محمد من أدرك رمضان فلم يغفر له فابعده الله.
فقلت: آمين.
قال: ومن أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فابعده الله.
فقلت: آمين.
قال: ومن ذكرت عنده فلم يصل عليك فأبعده الله.
فقلت: آمين.» .
وأخرج ابن خزيمة وابن حبان عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: آمين آمين آمين.
قيل: يا رسول الله إنك صعدت المنبر فقلت آمين آمين آمين؟!
فقال: إن جبريل أتاني فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار فأبعده الله، قل آمين.
فقلت: آمين» .
وأخرج البيهقي عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان شد مئزره، ثم لم يأت فراشه حتى ينسلخ» .
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن عائشة قالت «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان تغير لونه، وكثرت صلاته، وابتهل في الدعاء وأشفق منه» .
وأخرج البزار والبيهقي عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل شهر رمضان أطلق كل أسير، وأعطى كل سائل» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في رمضان ينادي مناد بعد الثلث الأوّل أو ثلث الليل الآخر، ألا سائل يسأل فيعطى ألا مستغفر يستغفر فيغفر له، ألا تائب يتوب فيتوب الله عليه» .
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أنس قال: قيل يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟
قال: «صدقة في رمضان» .
وأخرج البيهقي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان، وإن الحور لتزين من الحول إلى الحول لصوّام رمضان، فإذا دخل رمضان قالت الجنة: اللهم اجعل لي في هذا الشهر من عبادك، ويقول الحور: اللهم اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً.
فمن لم يقذف مسلماً فيه ببهتان، ولم يشرب مسكراً، كفر الله عنه ذنوبه، ومن قذف فيه مسلماً، أو شرب فيه مسكراً، أحبط الله عمله لسنة، فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله، جعل الله لكم أحد عشر شهراً تأكلون فيها وتشربون وتتلذذون وجعل لنفسه شهراً، فاتقوا شهر رمضان فإنه شهر الله» .
وأخرج الدارقطني في الأفراد والطبراني وأبو نعيم في الحلية والبيهقي وابن عساكر عن ابن عمرو «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الجنة لتزخرف لرمضان من رأس الحول إلى حول قابل، فإذا كان أوّل يوم من رمضان هبت ريح تحت العرش، من ورق الجنة على الحور العين فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك أزواجاً تقر بهم أعيننا وتقر أعينهم بنا» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول وابن خزيمة وأبو الشيخ في الثواب وابن مردويه والبيهقي والأصبهاني في الترغيب عن أبي مسعود الأنصاري قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وأهل رمضان فقال: لو يعلم العباد ما رمضان لتمنت أمتي أن يكون السنة كلها.
فقال رجل: يا نبي الله حدثنا، فقال: إن الجنة لتزين لرمضان من رأس الحول إلى الحول، فإذا كان أوّل يوم من رمضان هبت ريح من تحت العرش، فصفقت ورق الجنة، فتنظر الحور العين إلى ذلك، فيقلن: يا رب اجعل لنا من عبادك في هذا الشهر أزواجاً تقر أعيننا بهم وتقر أعينهم بنا.
فيقال: فما من عبد يصوم يوماً من رمضان إلا زوّج زوجة من الحور العين، في خيمة من درة مما نعت الله ﴿ حور مقصورات في الخيام ﴾ [ الرحمن: 72] على كل امرأة منهن سبعون حلة، ليس منها حلة على لون أخرى ويعطى سبعين لوناً من الطيب، ليس منه لون على ريح الآخر، لكل امرأة منهن سبعون ألف وصيفة لحاجتها وسبعون ألف وصيف، مع كل وصيفة صحفة من ذهب فيها لون طعام، يجد لآخر لقمة منها لذة لم يجدها لأوّله، لكل امرأة منهن سبعون سريراً من ياقوتة حمراء، على كل سرير سبعون فراشاً بطائنها من استبرق، فوق كل فراش سبعون أريكة، ويعطى زوجها مثل ذلك على سرير من ياقوت أحمر موشحاً بالدر عليه سواران من ذهب، هذا بكل يوم صامه من رمضان سوى ما عمل من الحسنات» .
وأخرج البيهقي والأصبهاني عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أول ليلة من رمضان فتحت أبواب السماء فلا يغلق منها باب حتى يكون آخر ليلة من رمضان، وليس من عبد مؤمن يصلي في ليلة منها إلا كتب الله له ألفاً وخمسمائة حسنة بكل سجدة، وبنى له بيتاً في الجنة من ياقوتة حمراء لها ستون ألف باب، فيها قصر من ذهب موشح بياقوتة حمراء، فإذا صام أول يوم من رمضان غفر له ما تقدم من ذنبه إلى مثل ذلك اليوم من شهر رمضان، واستغفر له كل يوم سبعون ألف ملك من صلاة الغداة إلى أن توارى بالحجاب، وكان له بكل سجدة يسجدها في شهر رمضان بليل أو نهار شجرة يسير الراكب في ظلها خمسمائة عام» .
وأخرج البزار والبيهقي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سيد الشهور شهر رمضان، وأعظمها حرمة ذو الحجة» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي عن ابن مسعود قال: سيد الشهور رمضان، وسيد الأيام الجمعة.
وأخرج البيهقي عن كعب قال: إن الله اختار ساعات الليل والنهار فجعل منهن الصلوات المكتوبة، واختار الأيام فجعل منهن الجمعة، واختار الشهور فجعل منهن شهر رمضان، واختار الليالي فجعل منهن ليلة القدر، واختار البقاع فجعل منها المساجد.
وأخرج أبو الشيخ في الثّواب والبيهقي والأصبهاني عن ابن عباس «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الجنة لتعد وتزين من الحول إلى الحول لدخول شهر رمضان، فإذا كانت أول ليلة من شهر رمضان هبت ريح من تحت العرش يقال لها المثيرة، تصفق ورق الجنة وحلق المصاريع، يسمع لذلك طنين لم يسمع السامعون أحسن منه، فيثب الحور العين حتى يشرفن على شرف الجنة، فينادين: هل من خاطب إلى الله فيزوّجه؟
ثم يقول الحور العين: يا رضوان الجنة ما هذه الليلة؟
فيجيبهن بالتلبية، ثم يقول: هذه أول ليلة من شهر رمضان، فتحت أبواب الجنة على الصائمين من أمة محمد، ويا جبريل اهبط إلى الأرض فاصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم اقذفهم في البحار حتى لا يفسدوا على أمة محمد حبيبي صيامهم، ويقول الله عز وجل في ليلة من شهر رمضان لمناد ينادي ثلاث مرات: هل من سائل فاعطيه سؤله؟
هل من تائب فأتوب عليه؟
هل من مستغفر فأغفر له؟
من يقرض المليء غير المعدم؟
والوفي غير الظلوم؟
قال: وله في كل يوم من شهر رمضان عند الإِفطار ألف ألف عتيق من النار كلهم قد استوجبوا النار، فإذا كان آخر يوم من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بقدر ما أعتق من أول الشهر إلى آخره.
وإذا كان ليلة القدر يأمر الله جبريل فيهبط في كبكبة من الملائكة إلى الأرض ومعهم لواء أخضر، فيركز اللواء على ظهر الكعبة وله ستمائة جناح، منها جناحان لا ينشرهما إلا في تلك الليلة، فينشرهما في تلك الليلة فتجاوز المشرق إلى المغرب، فيحث جبريل الملائكة في هذه الليلة فيسلمون على كل قائم وقاعد ومصل وذاكر، يصافحونهم ويؤمنون على دعائهم حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر ينادي جبريل: معاشر الملائكة الرحيل الرحيل...
فيقولون: يا جبريل فما صنع الله في حوائج المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟
فيقول جبريل: نظر الله إليهم في هذه الليلة فعفا عنهم وغفر لهم إلا أربعة.
قلنا: يا رسول الله من هم؟
قال: رجل مدمن خمر، وعاق لوالديه، وقاطع رحم، ومشاحن، قلنا: يا رسول الله ما المشاحن؟
قال: هو المصارم.
فإذا كانت ليلة الفطر سميت تلك الليلة ليلة الجائزة، فإذا كانت غداة الفطر بعث الله الملائكة في كل بلاد، فيهبطون إلى الأرض فيقومون على أفواه السكك، فينادون بصوت يسمع من خلق الله إلا الجن والإِنس، فيقولون: يا أمة محمد اخرجوا إلى رب كريم يعطي الجزيل ويعفو عن العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاهم يقول الله للملائكة: ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟
فتقول الملائكة: إلهنا وسيدنا جزاؤه أن يوفيه أجره.
فيقول: فإني أشهدكم يا ملائكتي أني قد جعلت ثوابهم من صيامهم شهر رمضان وقيامه رضاي ومغفرتي.
ويقول: يا عبادي سلوني، فوعزتي وجلالي لا تسألوني اليوم شيئاً في جمعكم لآخرتكم إلا أعطيتكم، ولا لدنياكم إلا نظرت لكم، فوعزتي لأسترن عليكم عثراتكم ما راقبتموني، وعزتي لا أخزيكم ولا أفضحكم بين يدي أصحاب الحدود انصرفوا مغفوراً لكم، قد أرضيتموني ورضيت عنكم.
فتفرح الملائكة ويستغفرون بما يعطي الله هذه الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن كعب الأحبار قال: أوحى الله إلى موسى عليه السلام: إني افترضت على عبادي الصيام وهو شهر رمضان.
يا موسى من وافى القيامة وفي صحيفته عشر رمضانات فهو من الابدال، ومن وافى القيامة وفي صحيفته عشرون رمضاناً فهو من المخبتين، ومن وافى القيامة وفي صحيفته ثلاثون رمضاناً فهو من أفضل الشهداء عندي ثواباً، يا موسى إني آمر حملة العرش إذا دخل شهر رمضان أن يمسكوا عن العبادة، فكلما دعا صائمو رمضان بدعوة، وأن يقولوا آمين، وإني أوجبت على نفسي أن لا أرد دعوة صائمي رمضان.
يا موسى إني ألهم في رمضان السموات والأرض والجبال والدواب والهوام أن يستغفروا لصائمي رمضان.
يا موسى اطلب ثلاثة ممن يصوم رمضان فصل معهم، وكل واشرب معهم، فإني لا أنزل عقوبتي ولا نقمتي في بقعة فيها ثلاثة ممن يصوم رمضان.
يا موسى إن كنت مسافراً فاقدم، وإن كنت مريضاً فمرهم أن يحملوك، وقل للنساء والحيض والصبيان الصغار أن يبرزوا معك حيث يبرز صائمو رمضان عند صوم رمضان، فإني لو أذنت لسمائي وأرضي لسلمتا عليهم ولكلمتاهم ولبشرتاهم بما أجيزهم، إني أقول لعبادي الذين صاموا رمضان ارجعوا إلى رحالكم فقد أرضيتموني، وجعلت ثوابكم من صيامكم أن أعتقكم من النار، وأن احاسبكم حساباً يسيراً، وأن أقيل لكم العثرة، وأن أخلف لكم النفقة، وأن لا أفضحكم بين يدي أحد، وعزتي لا تسألوني شيئاً بعد صيام رمضان وموقفكم هذا من آخرتكم إلا أعطيتكم، ولا تسألوني شيئاً من أمر دنياكم إلا نظرت لكم.
وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي والأصبهاني عن عمر بن الخطاب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذاكر الله في رمضان مغفور، وسائل الله فيه لا يخيب» .
وأخرج البخاري ومسلم والترمذي في الشمائل والنسائي والبيهقي عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه جبريل كل ليلة في رمضان حتى ينسلخ، يعرض النبي صلى الله عليه وسلم عليه القرآن، فإذا لقيه جبريل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة» .
وأخرج ابن ماجة عن أنس قال: دخل رمضان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الشهر قد حضركم وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد الحرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم» .
وأخرج البزار عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة من رمضان، وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة» .
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا كان أوّل ليلة من شهر رمضان نظر الله إلى خلقه، وإذا نظر الله إلى عبده لم يعذبه أبداً، ولله في كل يوم ألف ألف عتيق من النار، فإذا كانت ليلة تسع وعشرين أعتق الله فيها مثل جميع ما أعتق في الشهر كله، فإذا كانت ليلة الفطر ارتجت الملائكة وتجلى الجبار بنوره مع أنه لا يصفه الواصفون، فيقول لملائكته وهم في عيدهم من الغد: يا معشر الملائكة ما جزاء الأجير إذا وفى عمله؟
تقول الملائكة: يوفى أجره.
فيقول الله: أشهدكم أني قد غفرت لهم» .
وأخرج الطبراني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً وحضر رمضان: «أتاكم شهر بركة يغشاكم الله فيه، فتنزل الرحمة وتحط الخطايا ويستجيب فيه الدعاء، ينظر الله إلى تنافسكم ويباهي بكم ملائكته، فأروا الله من أنفسكم خيراً، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله عز وجل» .
وأخرج ابن أبي شيبة والطبراني في الأوسط عن أنس قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنة، وتغلق فيه أبواب النار، وتغل فيه الشياطين، بعداً لمن أدرك رمضان فلم يغفر له إذا لم يغفر له فيه فمتى» .
وأخرج أبو الشيخ في الثواب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شهر رمضان شهر أمتي يمرض مريضهم فيعودونه، فإذا صام مسلم لم يكذب، ولم يغتب، وفطره طيب، ويسعى إلى العتمات محافظاً على فرائضه، خرج من ذنوبه كما تخرج الحية من سلخها» .
وأخرج ابن مردويه والأصبهاني في ترغيبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من صام يوماً من رمضان فسلم من ثلاث ضمنت له الجنة.
فقال أبو عبيدة بن الجراح: يا رسول الله على ما فيه سوى الثلاث؟
قال: على ما فيه سوى الثلاث.
لسانه، وبطنه، وفرجه» .
وأخرج الأصبهاني عن الزهري قال: تسبيحة في شهر رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره.
وأخرج الأصبهاني عن معلى بن الفضل قال: كانوا يدعون الله عز وجل ستة أشهر أن يبلغهم شهر رمضان، ويدعون الله ستة أشهر أن يتقبل منهم.
وأخرج الأصبهاني عن البراء بن عازب قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فضل الجمعة في شهر رمضان على سائر أيامه كفضل رمضان على سائر الشهور» .
وأخرج الأصبهاني عن إبراهيم النخعي قال: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة، وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعة.
وأخرج الأصبهاني عن عائشة قالت: قال رسول الله «إذا سلم رمضان سلمت السنة، وإذا سلمت الجمعة سلمت الأيام» .
وأخرج الأصبهاني من طريق الأوزاعي عن مكحول والقاسم بن مخيمرة وعبدة بن أبي لبابة قالوا: سمعنا أبا لبابة الباهلي، وواثلة بن الأسقع، وعبدالله بن بشر، سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الجنة لتزين من الحول إلى الحول لشهر رمضان، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صان نفسه ودينه في شهر رمضان زوّجه الله من الحور العين، وأعطاه قصراً من قصور الجنة، ومن عمل سيئة، أو رمى بها مؤمناً ببهتان، أو شرب مسكراً في شهر رمضان أحبط الله عمله سنة، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا شهر رمضان لأنه شهر الله جعل لكم أحد عشر شهراً تشبعون فيها وتروون، وشهر رمضان شهر الله فاحفظوا فيه أنفسكم» .
وأخرج الأصبهاني عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمتي لن يخزوا أبداً ما أقاموا شهر رمضان، فقال رجل من الأنصار: وما خزيهم من إضاعتهم شهر رمضان؟
فقال: انتهاك المحارم.
من عمل سوءاً، أو زنى، أو سرق، لم يقبل منه شهر رمضان، ولعنة الرب والملائكة إلى مثلها من الحول، فإن مات قبل شهر رمضان فليبشر بالنار، فاتقوا شهر رمضان فإن الحسنات تضاعف فيه، وكذلك السيئات» .
وأخرج الأصبهاني عن علي قال: لما كان أوّل ليلة من رمضان قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى على الله وقال: «أيها الناس قد كفاكم الله عدوكم من الجنة ووعدكم الاجابة، وقال: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] أَلا وقد وكل الله بكل شيطان مريد سبعة من الملائكة، فليس بمحلول حتى ينقضي شهر رمضان، أَلا وأبواب السماء مفتحة من أول ليلة منه إلى آخر ليلة منه، أَلا والدعاء فيه مقبول حتى إذا كان أول ليلة من العشر شمر وشد المئزر، وخرج من بيته واعتكفهن وأحيا الليل.
قيل: وما شد المئزر؟
قال: كان يعتزل النساء فيهن» .
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن اسحق بن أبي اسحق.
أن أبا هريرة قال لكعب: تجدون رمضان عندكم؟
قال: نجده حطة.
وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة وابن حبان وابن مردويه والبيهقي عن عمرو بن مرة الجهني قال: «جاء رجل من قضاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت أن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس، وصمت رمضان وقمته، وآتيت الزكاة، فمن أنا؟
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا- ونصب أصبعيه- ما لم يعق والديه» .
وأخرج البيهقي عن علي.
أنه كان يخطب إذا حضر رمضان، ثم يقول: هذا الشهر المبارك الذي فرض الله صيامه ولم يفرض قيامه، ليحذر الرجل أن يقول: أصوم إذا صام فلان وأفطر إذا أفطر فلان، ألا إن الصيام ليس من الطعام والشراب ولكن من الكذب والباطل واللغو، ألا لا تقدموا الشهر إذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم عليكم فأتموا العدة.
وأما قوله تعالى: ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ .
أخرج أحمد وابن جرير ومحمد بن نصر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإِيمان والأصبهاني في الترغيب عن واثلة بن الأسقع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الانجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» .
وأخرج أبو يعلى وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: أنزل الله صحف إبراهيم أول ليلة من رمضان، وأنزل التوراة على موسى لست خلون من رمضان، وأنزل الزبور على داود لاثنتي عشرة خلت من رمضان، وأنزل الانجيل على عيسى لثماني عشرة خلت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين خلت من رمضان.
وأخرج ابن الضريس عن أبي الجلد قال: أنزل الله صحف إبراهيم عليه السلام في أول ليلة من رمضان، وأنزل الإِنجيل لثماني عشرة خلون من شهر من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين ليلة خلت من رمضان، وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت السبع الطوال مكان التوراة، وأعطيت المبين مكان الانجيل، وأعطيت المثاني مكان الزبور، وفضلت بالمفصل» .
وأخرج محمد بن نصر عن عائشة قالت: أنزلت الصحف الأولى في أول يوم من رمضان، وأنزلت التوراة في ست من رمضان، وأنزل الإِنجيل في اثنتي عشرة من رمضان، وأنزل الزبور في ثماني عشرة من رمضان، وأنزل القرآن في أربع وعشرين من رمضان.
وأخرج ابن جرير ومحمد بن نصر في كتاب الصلاة وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن مقسم قال: سأل عطية بن الأسود ابن عباس فقال: إنه قد وقع في قلبي الشك قول الله: ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ وقوله: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة القدر ﴾ [ القدر: 1] وقوله: ﴿ إنا أنزلناه في ليلة مباركة ﴾ [ الدخان: 3] وقد أنزل في شوّال، وذي القعدة، وذي الحجة، والمحرم، وشهر ربيع الأول، فقال ابن عباس: في رمضان، وفي ليلة القدر، وفي ليلة مباركة جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجم مرسلاً في الشهور والأيام.
وأخرج الفريابي وابن جرير ومحمد بن نصر والطبراني وابن مردويه والحاكم وصححه والبيهقي والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة.
وفي لفظ: فصل القرآن من الذكر لاربعة وعشرين من رمضان، فوضع في بيت العزة في السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزله على رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتله ترتيلاً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: شهر رمضان، والليلة المباركة، وليلة القدر، فإن ليلة القدر هي الليلة المباركة، وهي في رمضان، نزل القرآن جملة واحدة من الذكر إلى البيت المعمور، وهو موقع النجوم في السماء الدنيا حيث وقع القرآن، ثم نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بعد ذلك في الأمر والنهي، وفي الحروب رسلاً رسلاً.
وأخرج ابن الضريس والنسائي ومحمد بن نصر وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أنزل القرآن كله جملة واحدة في ليلة القدر في رمضان إلى السماء الدنيا، فكان الله إذا أراد أن يحدث في الأرض شيئاً أنزله منه حتى جمعه.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: نزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر، فكان لا ينزل منه إلا ما أمر به.
وأخرج ابن الضريس عن سعيد بن جبير قال: نزل القرآن جملة واحدة في شهر رمضان في ليلة القدر، فجعل في بيت العزة، ثم أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في عشرين سنة جواب كلام الناس.
وأخرج أبو يعلى وابن عساكر عن الحسن بن علي.
أنه لما قتل علي قام خطيباً فقال: والله لقد قتلتم الليلة رجلاً في ليلة نزل فيها القرآن، وفيها رفع عيسى ابن مريم، وفيها قتل يوشع بن نون، وفيها تيب على بني إسرائيل.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن جريج قال: بلغني أنه كان ينزل فيه من القرآن حتى انقطع الوحي وحتى مات محمد صلى الله عليه وسلم، فكان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل من القرآن في تلك السنة، فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، فلا ينزل جبريل من ذلك على محمد إلا بما أمره ربه.
وأخرج عبد بن حميد وابن الضريس عن داود بن أبي هند قال: قلت لعامر الشعبي: شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، فهل كان نزل عليه في سائر السنة إلا ما في رمضان؟
قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض محمداً ما أنزل في السنة في رمضان، فيحكم الله ما يشاء، ويثبت ما يشاء، وينسخ ما ينسخ، وينسيه ما يشاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ يقول: الذي أنزل صومه في القرآن.
وأما قوله تعالى: ﴿ هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ﴾ .
أخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ هدى للناس ﴾ قال: يهتدون به ﴿ وبينات من الهدى ﴾ قال: فيه الحلال والحرام والحدود.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ قال: بينات من الحلال والحرام.
وأما قوله تعالى: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ .
أخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم عن ابن مسعود قال: كان يوم عاشوراء يصام قبل أن ينزل شهر رمضان، فلما نزل رمضان ترك.
وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم عن جابر بن سمرة قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء ويحثنا عليه ويتعاهدنا عنده، فلما فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه ولم يتعاهدنا عنده» .
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال: هو هلاكه بالدار.
وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال: من كان مسافراً في بلد مقيم فليصمه.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال: إذا كان مقيماً.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن علي قال: من أدركه رمضان وهو مقيم ثم سافر فقد لزمه الصوم، لأن الله يقول ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور عن ابن عمر في قوله: ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال: من أدركه رمضان في أهله ثم أراد السفر فليصم.
وأخرج الدارقطني بسند ضعيف عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أفطر يوماً من شهر رمضان في الحضر فليهد بدنة، فإن لم يجد فليطعم ثلاثين صاعاً من تمر للمساكين» .
وأما قوله تعالى: ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر ﴾ .
أخرج ابن جرير عن الحسن وإبراهيم النخعي قالا: إذا لم يستطع المريض أن يصلي قائماً أفطر.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: الصيام في السفر مثل الصلاة، تقصر إذا أفطرت، وتصوم إذا وفيت الصلاة.
وأخرج سفيان بن عيينة وابن سعد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن جرير والبيهقي في سننه عن أنس بن مالك القشيري.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة، وعن الحبلى والمرضع» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن عباس.
أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: يسر وعسر، فخذ بيسر الله.
وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن عائشة «أن حمزة الأسلمي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر، فقال: إن شئت فصم، وإن شئت فافطر» .
وأخرج الدارقطني وصححه عن حمزة بن عمرو الأسلمي «أنه قال: يا رسول الله إني أجد قوّة على الصيام في السفر فهل عليّ جناح؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي رخصة من الله تعالى، من أخذ بها فحسن، وإن أحب أن يصوم فلا جناح عليه» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد ومسلم عن الصوم في السفر فقال: إن شئت أن تصوم فصم، وإن شئت أن تفطر فافطر.
وأخرج عبد بن حميد والدارقطني عن عائشة قالت «كل قد فعل النبي صلى الله عليه وسلم، قد صام وأفطر، وأتم وقصر في السفر» .
وأخرج الخطيب في تالي التلخيص عن معاذ بن جبل قال: «صام النبي صلى الله عليه وسلم بعد ما أنزلت عليه آية الرخصة في السفر» .
وأخرج عبد بن حميد عن أبي عياض قال: «خرج النبي صلى الله عليه وسلم مسافراً في رمضان، فنودي في الناس: من شاء صام ومن شاء أفطر.
فقيل لأبي عياض: كيف فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
قال: صام، وكان أحقهم بذلك» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس قال: لا أعيب على من صام، ولا على من أفطر في السفر.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن المسيب وعامر «أنهما اتفقا أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون في رمضان، فيصوم الصائم ويفطر المفطر، فلا يعيب المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر» .
وأخرج مالك والشافعي وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود عن أنس بن مالك قال: «سافرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان فصام بعضنا وأفطر بعضنا، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم» .
وأخرج مسلم والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري قال: «كنا نسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، فلا يجد المفطر على الصائم ولا الصائم على المفطر، وكانوا يرون أنه من وجد قوّة فصام محسن، ومن وجد ضعفاً فأفطر محسن» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والنسائي عن جابر بن عبدالله.
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ليس من البر الصيام في السفر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه عن كعب بن عاصم الأشعري «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ليس من البر الصيام في السفر» .
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر قال: لأن أفطر في رمضان في السفر أحب إليّ من أن أصوم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عمر قال: الإِفطار في السفر صدقة تصدق الله بها على عباده.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر.
أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: رخصة نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها.
وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر.
أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: لو تصدقت بصدقة فردت ألم تكن تغضب، إنما هو صدقة صدقها الله عليكم.
وأخرج النسائي وابن ماجة وابن جرير عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صائم رمضان في السفر كالمفطر في الحضر» .
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: الإِفطار في السفر كالمفطر في الحضر.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: الإِفطار في السفر عزمة.
وأخرج عبد بن حميد عن محرز بن أبي هريرة.
أنه كان في سفر فصام رمضان، فلما رجع أمره أبو هريرة أن يقضيه.
وأخرج عبد بن حميد عن عبدالله بن عامر بن ربيعة: أن عمر أمر رجلاً صام رمضان في السفر أن يعيد.
وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن عامر بن عبد العزيز.
أنه سئل عن الصوم في السفر، فقال: إن كان أهون عليك فصم.
وفي لفظ: إذا كان يسر فصوموا، وإن كان عسر فافطروا.
قال الله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد والنسائي وابن جرير عن خيثمة قال: سألت أنس بن مالك عن الصوم في السفر فقال: يصوم، قلت: فأين هذه الآية ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ ؟
قال: إنها نزلت يوم نزلت ونحن نرتحل جياعاً وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعاً وننزل على شبع.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن أنس قال: من أفطر فهي رخصة ومن صام فهو أفضل.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم وسعيد بن جبير ومجاهد أنهم قالوا في الصوم في السفر: إن شئت فافطر وإن شئت فصم، والصوم أفضل.
وأخرج عبد بن حميد من طريق العوام عن مجاهد قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم ويفطر في السفر، ويرى أصحابه أنه يصوم ويقول: كلوا إني أظل يطعمني ربي ويسقيني.
قال العوام: فقلت لمجاهد: فأي ذلك يرى؟
قال: صوم في رمضان أفضل من صوم في غير رمضان» .
وأخرج عبد بن حميد من طريق أبي البختري قال: قال عبيدة: إذا سافر الرجل وقد صام في رمضان فليصم ما بقي، ثم قرأ هذه الآية ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال: وكان ابن عباس يقول: من شاء صام ومن شاء أفطر.
وأخرج عبد بن حميد عن محمد بن سيرين سألت عبيدة قلت: أسافر في رمضان؟
قال: لا.
وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم قال: إذا أدرك الرجل رمضان فلا يخرج، فإن خرج وقد صام شيئاً منه فليصمه في السفر، فإنه ان يقضه في رمضان أحب إلي من أن يقضيه في غيره.
وأخرج عبد بن حميد عن أبي مجلز قال: إذا دخل شهر رمضان فلا يسافرن الرجل، فإن أبى إلا أن يسافر فليصم.
وأخرج عبد بن حميد عن عبد الرحمن بن القاسم.
أن إبراهيم بن محمد جاء إلى عائشة يسلم عليها وهو في رمضان فقالت: أين تريد؟
قال: العمرة.
قالت: قعدت حتى دخل هذا الشهر، لا تخرج.
قال: فإن أصحابي وأهلي قد خرجوا، قالت: وإن، فردهم ثم أقم حتى تفطر.
وأخرج عبد بن حميد عن أم درة قالت: كنت عند عائشة، فجاء رسول الي وذلك في رمضان، فقالت لي عائشة: ما هذا؟
فقلت: رسول أخي يريد أن نخرج.
قالت: لا تخرجي حتى ينقضي الشهر، فإن رمضان لو أدركني وأنا في الطريق لأقمت.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لا بأس أن يسافر الرجل في رمضان، ويفطر إن شاء.
وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: لم يجعل الله رمضان قيداً.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: من أدركه شهر رمضان فلا بأس أن يسافر، ثم يفطر.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود عن سنان بن سلمة بن محبق الهذلي عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كانت له حمولة تأوي إلى شبع فليصم رمضان حيث أدركه» .
وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تصدق بفطر رمضان على مريض أمتي ومسافرها» .
وأخرج الطبراني عن أنس بن مالك عن رجل من كعب قال: «أغارت علينا خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فانتهيت إليه وهو يأكل فقال: اجلس فأصب من طعامنا هذا.
فقلت: يا رسول الله إني صائم.
قال: اجلس أحدثك عن الصلاة وعن الصوم: إن الله عز وجل وضع شطر الصلاة عن المسافر، ووضع الصوم عن المسافر والمريض والحامل» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ قال: إن شاء وصل وإن شاء فرق.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن ابن عباس في قضاء رمضان قال: إن شاء تابع وإن شاء فرق، لأن الله تعالى يقول ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن ابن عباس في قضاء رمضان.
صم كيف شئت، وقال ابن عمر: صمه كما أفطرته.
وأخرج مالك وابن أبي شيبة عن ابن عمر قال: يصوم شهر رمضان متتابعاً من أفطره من مرض أو سفر.
وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن أنس.
أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: إنما قال الله: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ فإذا أحصى العدة فلا بأس بالتفريق.
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني والبيهقي عن أبي عبيدة بن الجراح.
أنه سئل عن قضاء رمضان متفرقاً فقال: إن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه، فاحصر العدة واصنع ما شئت.
وأخرج الدارقطني عن رافع بن خديج قال: احصر العدة وصم كيف شئت.
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن معاذ بن جبل.
أنه سئل عن قضاء رمضان فقال: احصر العدة وصم كيف شئت.
وأخرج الدارقطني عن عمرو بن العاص قال: فرق قضاء رمضان إنما قال الله: ﴿ فعدة من أيام أخر ﴾ .
وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن أبي هريرة.
أن امرأة سألته كيف تقضي رمضان فقال: صومي كيف شئت واحصي العدة، فإنما ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ .
وأخرج ابن المنذر والدارقطني وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة قالت: نزلت ﴿ فعدة من أيام أخر متتابعات ﴾ فسقطت متتابعات.
قال البيهقي: أي نسخت.
وأخرج الدارقطني وضعفه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان عليه صوم من رمضان فليسرده ولا يفرقه» .
وأخرج الدارقطني وضعفه عن عبد الله بن عمرو «سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قضاء رمضان فقال: يقضيه تباعاً، وان فرقه أجزأه» .
وأخرج الدارقطني عن ابن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: في قضاء رمضان إن شاء فرق وإن شاء تابع» .
وأخرج الدارقطني من حديث ابن عباس.
مثله.
وأخرج ابن أبي شيبة والدارقطني عن محمد بن المنكدر قال: بلغني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن تقطيع قضاء صيام شهر رمضان فقال: «ذاك إليك، أرأيت لو كان على أحدكم دين فقضى الدرهم والدرهمين، ألم يكن قضاء؟!
فالله تعالى أحق أن يقضى ويغفر» قال الدارقطني: اسناده حسن إلا أنه مرسل، ثم رواه من طريق آخر موصولاً عن جابر مرفوعاً وضعفه.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ قال: الإِفطار في السفر، والعسر الصوم في السفر.
وأخرج ابن مردويه عن محجن بن الأدرع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي فتراءاه ببصره ساعة فقال: «أتراه يصلي صادقاً؟
قلت: يا رسول الله هذا أكثر أهل المدينة صلاة.
!
فقال: لا تسمعه فتهلكه، وقال: إن الله إنما أراد بهذه الأمة اليسر ولا يريد بهم العسر» .
وأخرج أحمد عن الأعرج «أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره» .
وأخرج ابن سعد وأحمد وأبو يعلى والطبراني وابن مردويه عن عروة التميمي قال: «سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم هل علينا حرج في كذا؟
فقال: أيها الناس إن دين الله يسر ثلاثاً يقولها» .
وأخرج البزار عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تنفروا» .
وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق» .
وأخرج البزار عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى» .
وأخرج أحمد عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإِسلام ذلول لا يركب إلا ذلولاً» .
وأخرج البخاري والنسائي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي هريرة قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الدين يسر، ولن يغالب الدين أحد إلا غلبه، سددوا وقاربوا، وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة» .
وأخرج الطيالسي وأحمد والبيهقي عن بريدة قال: «أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فانطلقنا نمشي جميعاً، فإذا رجل بين أيدينا يصلي يكثر الركوع والسجود، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تراه مرائياً؟
قلت: الله ورسوله أعلم.؟
فأرسل يدي فقال: عليكم هدياً قاصداً، فإنه من يشاد هذا الدين يغلبه» .
وأخرج البيهقي عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تكرهوا عبادة الله إلى عباده، فإن المنبت لا يقطع سفراً ولا يستبقي ظهراً» .
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغض إلى نفسك عبادة ربك، فإن المنبت لا سفراً قطع ولا ظهراً أبقى، فاعمل عمل امرئ يظن أن لن يموت أبداً، واحذر حذراً تخشى أن تموت غداً» .
وأخرج الطبراني والبيهقي عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تشددوا على أنفسكم، فإنما هلك من كان قبلكم بتشديدهم على أنفسهم، وستجدون بقاياهم في الصوامع والديارات» .
وأخرج البيهقي من طريق معبد الجهني عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «العلم أفضل من العمل، وخير الأعمال أوساطها، ودين الله بين القاسي والغالي، والحسنة بين الشيئين لا ينالها إلا بالله، وشر السير الحقحقة» .
وأخرج ابن عبيد والبيهقي عن إسحاق بن سويد قال: تعبّد عبد الله بن مطرف فقال له مطرف: يا عبد الله!
العلم أفضل من العمل والحسنة بين الشيئين، وخير الأمور أوساطها، وشر السير الحقحقة.
وأخرج أبو عبيد والبيهقي عن تميم الداري قال: خذ من دينك لنفسك، ومن نفسك لدينك حتى يستقيم بك الأمر على عبادة تطيقها.
وأخرج البيهقي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» .
وأخرج البزار والطبراني وابن حبان عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» .
وأخرج أحمد والبزار وابن خزيمة وابن حبان والطبراني في الأوسط والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما لا يحب أن تؤتى معصيته» .
وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن ابن عباس قال: «سئل النبي صلى الله عليه وسلم أي الأديان أحب إلى الله؟
قال: الحنيفية السمحة» .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر.
أن رجلاً قال له: إني أقوى على الصيام في السفر، فقال ابن عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الاثم مثل جبال عرفة» .
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن يزيد بن أديم قال: حدثني أبو الدرداء، وواثلة بن الأسقع، وأبو أمامة، وأنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب أن تقبل رخصه كما يحب العبد مغفرة ربه» .
وأخرج أحمد عن عائشة قالت «وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذقني على منكبه لأنظر زفن الحبشة حتى كنت الذي مللت وانصرفت عنهم قالت: وقال يومئذ: لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، أي أرسلت بحنيفية سمحة» .
وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن الحسن قال: إن دين الله وضع دون الغلو وفوق التقصير.
وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال: لا تعب على من صام في السفر ولا على من أفطر، خذ بأيسرهما عليك.
قال الله تعالى ﴿ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: خذ بأيسرهما عليك، فإن الله لم يرد إلا اليسر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في قوله: ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ قال: عدة رمضان.
وأخرج أبو داود والنسائي وابن المنذر والدارقطني في سننه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا الشهر حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة ثلاثين» .
وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تقدموا الشهر بصيام يوم ولا يومين إلا أن يكون شيء يصومه أحدكم، ولا تصوموا حتى تروه، ثم صوموا حتى تروه، فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين، ثم افطروا» .
وأخرج البخاري ومسلم والنسائي عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم الشهر فأكملوا العدة» وفي لفظ: «فعدوا ثلاثين» .
وأخرج الدارقطني عن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احصوا عدة شعبان لرمضان ولا تقدموا الشهر بصوم، فإذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غم عليكم فاكملوا العدة ثلاثين يوماً ثم افطروا، فإن الشهر هكذا وهكذا وهكذا وهكذا وهكذا، وحبس ابهامه في الثالثة» .
وأخرج الدارقطني عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنا صحبنا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وانهم حدثونا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغمى عليكم فعدوا ثلاثين، فإن شهد ذو عدل فصوموا وافطروا وانسكوا» .
وأخرج الدارقطني عن أبي مسعود الأنصاري «أن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح صائماً لتمام الثلاثين من رمضان، فجاء أعرابيان فشهدا أن لآ إله إلا الله وأنهما أهلاه بالأمس، فأمرهم فأفطروا» .
وأخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ قال: عدة ما أفطر المريض والمسافر.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والمروزي في كتاب العيدين عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال: لتكبروا يوم الفطر.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: حق على المسلمين إذا نظروا إلى هلال شوّال أن يكبروا الله حتى يفرغوا من عيدهم، لأن الله يقول ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله ﴾ .
وأخرج الطبراني في المعجم الصغير عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «زينوا أعيادكم بالتكبير» .
وأخرج المروزي والدارقطني والبيهقي في السنن عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: كانوا في الفطر أشد منهم في الأضحى، يعني في التكبير.
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الفطر فيكبر حتى يأتي المصلى حيث تقضى الصلاة، فإذا قضى الصلاة قطع التكبير.
وأخرجه البيهقي من وجه آخر موصولاً عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وضعفه.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان من طريق نافع عن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج إلى العيدين رافعاً صوته بالتهليل والتكبير.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: إن من السنة أن تكبر يوم العيد.
وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة والمروزي عن ابن مسعود أنه كان يكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد.
وأخرج ابن أبي شيبة والمروزي والبيهقي في سننه عن ابن عباس، أنه كان يكبر الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر وأجل على ما هدانا.
وأخرج البيهقي عن أبي عثمان النهدي قال: كان عثمان يعلمنا التكبير الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيراً، اللهم أنت أعلى وأجل من أن يكون لك صاحبة، أو يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك ولي من الذل وكبره تكبيراً، اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ الآية، الشهر: مأخوذ من الشهرة، تقول شَهَرَ الشيء يَشْهَرُه شَهْرًا: إذا أظهره، وسمي الشَّهْرُ شهرًا لشهرة أمره في حاجة الناس إليه في معاملاتهم، ومحل ديونهم، وقضاء نسكهم في صومهم وحجهم وغير ذلك من أمورهم.
قال الليث: والشهر: ظهور الشيء، وسمي (١) (٢) وقال الزجاج: سمي الهلال شهرًا لشُهْرتِه وبيانه (٣) وقال بعضهم: سُمي الشهر شهرًا باسم الهلال إذا أهلّ سمي شهرًا.
والعرب تقول: رأيتُ الشَّهْرَ، أي: رأيت هلاله، قال ذو الرمة: يرى الشَّهْرَ قَبْلَ الناسِ وهو بخيلُ (٤) وقد أَشْهَرْنا، أي: أتى علينا شَهْرٌ.
قال الفراء: ولم أسمع منه فعلًا إلا هذا (٥) (٦) وقال الأخفش: ارتفع على أنه خبر ابتداء محذوف، المعنى: هي شهر رمضان (٧) ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ تفسيرٌ للأيام المعدُودات، وتبيين لها، ونحو هذا قال الفراء (٨) ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا ﴾ أي: فيما فرض عليكم الزانية والزاني، أي: حكمهما، وكذلك: ﴿ مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا ﴾ قال: والأشبه أن يكون ﴿ الَّذِي ﴾ وصفًا، ليكون النص قد وقع على الأمر بصيام الشهر، يعنى: أَنَّكَ إن جعلت الذي خبرًا لم يكن شهر رمضان منصوصًا على صومه بهذا (٩) ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ كقولك: شهر رمضان المبارك من شهده فليصمه، قال: وهذا كقوله: ﴿ الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ ﴾ و ﴿ الْقَارِعَةُ (1) مَا الْقَارِعَةُ ﴾ ونحو ذلك، يعنى: أن ذكر الابتداء أعيد ولم يُكْنَ عنه للتعظيم، كذلك في هذه.
والفاء في قوله: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ ﴾ داخل على خبر الابتداء، وليس من حق خبر الابتداء (١٠) (١١) و ﴿ رَمَضَانَ ﴾ لا ينصرف للتعريف وزيادة الألف والنون، مثل: عثمان وسَعْدان.
واختلفوا في اشتقاق ﴿ رَمَضَانَ ﴾ ، فقال بعضهم: هو مأخوذ من الرمض، وهو حرُّ الحِجَارة من شدّة حَرِّ الشمس، والاسم: الرَمْضَاء، رَمِضَ الإنسان رَمَضًا: إذا مشى على الرَمضاء، والأرض رَمِضة، فسُمي هذا الشهر رمضان؛ لأن وجوبَ صَومه وافقَ بشِدَّة الحرّ، وهذا القول حكاه الأصمعي عن أبي عمرو (١٢) وحكي عن الخليل أنه قال: مأخذه من الرَّمَضي (١٣) (١٤) (١٥) وقيل: هو من قولهم: رمَضتُ النصْلَ أرمِضُه رَمْضًا: إذا دقَقْتَه بين حجرين ليرقَّ، ونصل رَميض ومَرْمُوض، فسمي هذا الشهر رمضان لأنهم كانوا يرمُضُون فيه أسلحتهم، ليقضوا منها أوطارهم في شوالٍ قبل دخول الأشهر الحرم، وهذا القول يُحْكَى عن الأزهري (١٦) (١٧) وروي مرفوعًا أن النبي قال ذات يوم لأصحابه: "أتدرون لم سمي شعبان؟
" قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: "لأنه يشعب (١٨) (١٩) وروى سلمة عن الفراء، يقال: هذا شهر رمضان، وهما شهرا ربيع، ولا يُذكَر الشهرُ مع سائر أسماء الشهور العربية (٢٠) (٢١) وروى أنس أن النبي - - قال: "لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله في القرآن، فقال: شهر رمضان" [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن أنس 2/ 265، وليس في شئ من المصادر الحديثية عن أنس، بل روى من حديث أبي هريرة وابن عمر وعائشة - ا - عند ابن عدي في "الكامل" 7/ 53، والبيهقي 4/ 201 والجوزقاني في "الأباطيل والمناكير والصحاح والمشاهير" 2/ 88، وابن أبي حاتم 1/ 310، وحكم ابن الجوزي عليه في "الموضوعات" 2/ 187 بأنه موضوع لا أصل له، وقال المعلمي في تعليقه على "الفوائد المجموعة" ص 87 موضوع بلا ريب، وضعفه القرطبي في "تفسيره" 2/ 278، وقال: والصحيح جواز إطلاق رمضان من غير إضافة كما ثبت في الصحاح وغيرها.
روى مسلم (في الصيام، باب: فضل شهر رمضان برقم 1079)، عن أبي هريره أن رسول الله قال: "إذا جاء رمضان فتحت أبواب الرحمة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين".
ورواه البخاري برقم [1898] ثم ذكر القرطبي آثارًا كثيرة كلها بإسقاط الشهر.]].
وقوله تعالى: ﴿ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة من اللوح المحفوظ في ليلة القدر من شهر رمضان، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل به جبريل على محمد نجومًا (٢٢) (٢٣) وقال سفيان بن عيينة: ﴿ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ معناه: أنزل في فضله القرآن.
وهذا اختيار الحسين بن الفضل، قال: ومثله: أن تقول: أنزل في الصديق كذا آية، تريد في فضله (٢٤) وقال ابن الأنبارى: أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن.
كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا وكذا تريد في فرضها، وأنزل في الخمر كذا تريد في تحريمها (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) أخبرنا سعيد بن العباس القرشي (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) وذهب آخرون إلى أنه مأخوذ من قَرَنْتُ الشيءَ بالشيء: إذا ضممت أحدَهما إلى الآخر، فسمي لاقتران السور والآيات والحروف، ولأن العبارة عنه: قرن بعضه إلى بعض.
فهو مشتق من قرن.
والاسم: قران غير مهموز، كما يقال: خرج، والاسم خُراج، ومن هذا يقال للجمع بين الحج والعمرة: قران (٣٣) وذكر الأشعري (٣٤) (٣٥) (٣٦) وقال الفراء: ظن أن القرآن سمي من القرائن، وذلك أن الآيات يصدق بعضها بعضًا، ويشبه بعضها بعضًا، فهي قرائن، فمذهب هؤلاء أنه غير مهموز (٣٧) وأما الذين همزوا اختلفوا، فقالت طائفة: إنه مصدر القراءة.
قال أبو الحسن اللحياني (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) يُقَطِّعُ اللَّيلَ تسبيحًا وقرآنًا (٤٣) أي: قراءة، هذا هو الأصل، ثم المقروء، ويسمي قرآنًا لأن المفعول يسمى بالمصدر، كما قالوا للمشروب: شراب، وللمكتوب: كتاب، واشتهر هذا الاسم في المقروء حتى إذا طرق الأسماع سبق إلى القلوب أنه المقرُوء، ولهذا لا يجوز أن يقال: القرآن مخلوق مع كون القراءة مخلوقةً؛ لأن القرآن أشهر تسمية للمقروء (٤٤) وقال أبو إسحاق الزجاج (٤٥) (٤٦) هِجَان اللون (٤٧) (٤٨) أي: لم تجمع في رحمها ولدًا، ومن هذا الأصل: قُرء المرأة، وهو أيام اجتماع الدم في رحمها.
وقال قُطْرب (٤٩) أحدهما: ما ذكرنا وهو قول أبي إسحاق وأبي عبيدة.
والثاني: أنه سُمي قرآنًا؛ لأن القارئ يُظهرُه ويبينه ويلقيه من فيه، أخذ من قول العرب: ما قَرَأَتِ الناقة سلًا قَط، أي: ما رمت بولد، ونحو هذا قال أبو الهيثم واللّحياني، أي: ما أسقطت ولدًا قَط، وما طرَحت، وتأوِيلُه: ما حَمَلَتْ قَطّ.
وأنشد قول حميد: أَرَاها الوليد أن الخلا فتشذّرتْ ...
مرَاحًا ولم يقرأ (٥٠) (٥١) قال: معناه: لم ترمِ بجنين، وسمي قرء المرأة من هذا على مذهب أهل العراق، والقرآن يلفظه القارئ من فيه ويلقيه، فسمي قرآنًا، ومعنى قرأت القرآن: لفظت به مجموعًا (٥٢) قال أبو إسحاق: وهذا القول ليس بخارج من الصحة وهو حسن.
قَرَأْتُه أي: جَمَعْتُه (٥٣) فبيّن على هذا أنه اسمٌ منقول من اسمِ هذا الحدث، كما أن قولنا: (زيد) في اسم رجل منقول من مصدر زاد يزيد، فأما دخول لام التعريف فيه بعد النقل فكدخوله في الحارث والعباس والفضل بعد النقل.
ومذهب الخليل وسيبويه في هذه الأسماء التي يسمى بها، وفيها الألف واللام: أنها بمنزلة صفات غالبةٍ، كالنابغة والصَّعِق، وهذا فيما ينقل من الصفات، فأما الفضل فإنما (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) يا ليت أم العمرو كانت صاحبي (٥٨) قال: وقول من يقول: إنّ القرآن غير مهموز من قَرَنْتُ الشيء بالشيء سهو، وإنما هو تخفيف الهمزة ونقل حركتها إلى الساكن قبلها، فصار اللفظ به كفُعَال، من قرنت، وليس منه، ألا ترى أنك لو سميت رجلًا بقُرَان (٥٩) (٦٠) وقوله تعالى: ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ أي: هاديًا، وهو حال قد سَدّ مَسَدّ المفعول الثاني لأنزل (٦١) ﴿ بَيِّنَاتٍ ﴾ عطف على قوله ﴿ هُدًى ﴾ ، وتأويله: أنزل القرآن بيانًا للناس (٦٢) والبيِّنَات: جَمْعُ بينة، يقال: بانَ الشيءُ يبين بيانًا فهو بين، مثل: بيِّع بمعنى بايع.
والبيِّنات: الواضحات (٦٣) وقوله تعالى: ﴿ مِنَ الْهُدَى ﴾ يريد: من الحلال والحرام والحدود والأحكام.
وذكرنا معنى الفرقان في قوله: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ ﴾ ، قال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى ﴾ : يريد: من الرشاد إلى مرضاة الله، ﴿ وَالْفُرْقَانِ ﴾ يريد: فرّق فيه بين الحق والباطل، وبيّن لكم ما تأتون وما تَذَرُونُ.
وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ ﴾ زعم الأخفش والمازني: أن الفاء ههنا زائدة، وذلك أن الفاء تدخل للعطف أو للجزاء أو زيادة، وليس للعطف ولا للجزاء ههنا مذهب (٦٤) ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ﴾ وقول الشاعر: لا تجزعي إِنْ مُنْفِسًا أهلكته ...
وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي (٦٥) ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما تقتضى جوابًا واحدًا.
قال أبو علي: ولا يمتنع (٦٦) (٦٧) (٦٨) ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ ﴾ ، لأن الموت ليس يراد به موتٌ بعينه، إنما يراد به الشِّيَاع ومعنى الجنس وخلاف الخصوص، والجزاءُ بوجبُ الشِّياع والإبهام واستغراق الجميع، ويكون التقدير فيه: الذي أنزل فيه القرآن من هذه الشهور التي سمي الواحد منها رمضان فمن شهده فليصمه (٦٩) وقوله تعالى: ﴿ شَهِدَ ﴾ أي: حضر.
ومعنى الشهود في اللغة: الحضور (٧٠) ﴿ شَهِدَ ﴾ منكم البلد أو بيته، يعنى: لم يكن مُسَافرًا (٧١) وقوله تعالى: ﴿ الشَّهْرَ ﴾ انتصابه على الظرف، ولا يجوز أن يكون مفعولًا به؛ لأنه ما من أحدٍ غَابَ أو حضر إلّا وهو يشهد الشهر، لكن المعنى: من شهد منكم بيته في الشهر (٧٢) (٧٣) قوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، قال ابن عباس وأكثر أهل التأويل: معناه: فليصم ما شَهِدَ منه؛ لأنه إن سافر في حال الشهر كان له الإفطار (٧٤) وذهب طائفة إلى أنه إذا شهد أول الشهر مقيمًا ثم سافر لم يحل له الإفطار.
وهو قول النخعي (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ أعاد هاهُنا تخييرَ المريض والمسافر وترخيصهما في الإفطار؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المقيمين بقوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، فلو اقتصر على هذا لاحتمل أن يعود النسخ إلى تخيير الجميع، فأعاد بعد النسخ ترخيصَ المسافر والمريض؛ ليعلم أنه باق على ما كان (٧٩) والمرض الذي يبيح الإفطار هو كل مرض كان الأغلبُ من أمر صاحبه بالصوم الزيادةَ في علته زيادةً لا يحتمله، والأصل فيه: أنه إذا أجهده الصوم أفطر (٨٠) وحدُّ السَّفَرِ الذي يبيح الإفطار (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) قال: "ليس من البر الصوم في السفر" (٨٦) وذهب قومٌ من الصَّحَابة إلى أن الإفطار في السفر واجب (٨٧) وقوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ﴾ أي: بالرخصة للمسافر والمريض (٨٨) (٨٩) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ لأنه لم يشدد ولم يضيق عليكم.
وهذه الإرادة ونفي الإرادة تختص بالأحكام لأهل الإسلام (٩٠) (٩١) (٩٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ ذكرنا معنى العدة (٩٣) (٩٤) قال عطاء عن ابن عباس: ولتكملوا عدة أيام الشهر، إن كان ثلاثين قضيتم ثلاثين، وإن كان تسعًا وعشرين قضيتم تسعًا وعشرين، عددًا (٩٥) (٩٦) (٩٧) (٩٨) ومعنى الواو في قوله: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا ﴾ على هذا التفسير: العطف على معنى الكلام لا على ظاهر اللفظ، وذلك أن في إباحته الإفطار للمريض والمسافر تسهيل، فتأويل الكلام: فعل الله ذلك ليسهل عليكم، ولتكملوا العدة إذا أقمتم وبرأتم، والعرب ربما تحمل الكلام على المعاني وتترك اللفظ، أنشد الزجاج (٩٩) بادَت وغُيِّر آيُهنّ مع البلى ...
إلا رَواكدَ جمرهُن هباءُ ومشججٌ أما سواءُ قذاله ...
فبدا وغيّبَ سارَه المَعْزَاءُ (١٠٠) (١٠١) واحتج ابن الأنباري لهذه الطريقة بقول الشاعر: قد سالَمَ الحياتُ منه القَدَما ...
الأُفْعُوانَ والشُّجَاع الشَّجْعَما (١٠٢) رد الأفعوان والشجاع على الحيات بالنصب، وهي مرفوعة على تغليب المعنى وتحلية (١٠٣) واختار الفراء هذا القول، وقال: معنى الآية: ولتكملوا العدة في قضاء ما أفطرتم، والواو واو استئناف، واللام من صلة فعل مضمر بعدها، والتقدير: ولتكملوا العدةَ فعلَ ذلك، أو شرع ذلك، أي: الرخصة في الإفطار.
ومثله: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75]، أي وليكون من الموقنين أريناه ذلك، وروي عن ابن عباس أيضا ما يدل على أن المراد بإكمال العدة إكمالها في الأداء لا في القضاء، وهو أنه قال في قوله ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ يعني: عدة أيام الشهر (١٠٤) (١٠٥) وفي قوله: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا ﴾ ، قراءتان: التخفيف والتشديد (١٠٦) ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ (١٠٧) طوالُ المتون والعرانين والقنا ...
لِطافُ الخُصور في تمام وإكمال (١٠٨) ومن شدَّدَ فلأن فَعَّل وأفعل يتعاقبان في أكثر الأحوال، كما ذكرنا في وصَّى وأوصى (١٠٩) وقال النابغة: فكمَّلَتْ مائةً فيها حمامتُها ...
وأسرعت حسبةً في ذلك العددِ (١١٠) واللام في ﴿ وَلِتُكْمِلُوا ﴾ ، لام كي (١١١) ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ ﴾ ، قرئ بالتسكين والحركة (١١٢) (١١٣) قوله تعالى: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد لتعظموا الله على.
ما أرشدكم له من شرائع الدين (١١٤) (١١٥) (١١٦) قال ابن عباس في هذه الآية: حقٌّ على المسلمينَ إذا رَأَوا هَلالَ شوالٍ أن يُكبروا (١١٧) (١) في (م): (ويسمى).
(٢) نقله عنه في "اللسان" 4/ 2351 (شهر).
(٣) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 259، ونقله عنه في "اللسان" 4/ 2351 (شهر).
(٤) البيت في "ديوانه" ص 561، وورد في "البحر المحيط": نحيل.
(٥) ينظر في معاني الشهر: "تفسير الطبري" 2/ 144، "تفسير الثعلبي" 2/ 264، "المفردات" ص 273، "اللسان" 4/ 2351 (شهر).
(٦) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253.
(٧) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 352.
(٨) "معاني القرآن" للفراء 1/ 112.
(٩) في (ش): (فهذا).
(١٠) في (م): (المبتدأ).
(١١) ينظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 112 - 113، "تفسير الطبري" 2/ 146 - 149، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 253، "تفسير الثعلبي" 2/ 263، "التبيان" ص118، "البحر المحيط" 1/ 38 - 39، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 238.
(١٢) رواه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 267، وقد ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1468 (رمض) ولم ينسبه لأحد.
(١٣) عند الثعلبي: (الرمض).
(١٤) في (م): زيادة (لأنَّ وجوب صومه يغسل).
(١٥) ذكره عنه الثعلبي في "تفسيره" 2/ 269، وعزاه الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1469 (رمض) إلى أبي عمرو.
(١٦) لم يذكره في "تهذيب اللغة" 2/ 1468، وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 26، ولم ينسبه لأحد.
(١٧) ينظر في رمضان: "تفسير الطبري" 2/ 144، "تهذيب اللغة" 2/ 1468 - 1469، "المفردات" ص209، "اللسان" 3/ 1730، "البحر المحيط" 2/ 26 (رمض).
(١٨) سقطت من (ش).
(١٩) أخرجه ابن الشجري في "أماليه" 2/ 102.
(٢٠) ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 1469، وزاد، يقال: هذا شعبان قد أقبل، وكذا في "اللسان" 3/ 1730 (رمض).
(٢١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 144، ورواه ابن أبي حاتم عن جماعة منهم مجاهد ومحمد بن كعب القرظي، وقال ابن أبي حاتم 1/ 310: ورخص فيه ابن عباس وزيد بن ثابت.
(٢٢) سقطت من (ش).
(٢٣) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" 367، والنسائي في "تفسيره" 2/ 131، والحاكم 2/ 242، وصححه، والبيهقي في "دلائل النبوة" 7/ 131، والطبري 2/ 144 - 145، وابن الضريس في "فضائل القرآن" ص 125، والطبراني في "الكبير" 11/ 305، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 269، وصحح إسناده الحافظ في "الفتح" 9/ 4.
قال القرطبي: "ولا خلاف أن القرآن أنزل من اللوح المحفوظ ليلة القدر جملة واحدة، فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا ثم ذكر قول مقاتل: أنزل من اللوح المحفوظ كل عام ليلة القدر إلى سماء الدنيا قلت: وقول مقاتل هذا خلاف ما نقل من الإجماع" انتهى كلامه.
(٢٤) ذكره الرازي عن سفيان 5/ 85، "البحر المحيط" 2/ 39.
(٢٥) نسب ابن الجوزي هذا القول في "زاد المسير" 1/ 185، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 39 إلى مجاهد والضحاك، وذكر ابن الجوزي قولًا ثالثًا نسبه إلى ابن إسحاق وأبي سليمان الدمشقي، وهو أن القرآن ابتدئ بنزوله فيه على النبي .
(٢٦) في (م): (وأما).
(٢٧) ينظر في هذه المسألة "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "التفسير الكبير" 5/ 86، "تفسير القرطبي" 2/ 278، "اللسان" 6/ 3563 "قرأ"، "الإتقان" للسيوطي 1/ 146، "البرهان" للزركشي 1/ 277.
(٢٨) قرأ ابن كثير بنقل حركة الهمزة إلى الراء، وحذف الهمزة في الحالين، وكذلك حمزة عند الوقف، وليس لورش فيه توسط ولا مد؛ نظرا للساكن الصحيح الذي قبل الهمز، وهكذا كل ما جاء من لفظه في القرآن معرَّفا أو منكرا.
ينظر: "النشر" 2/ 226، "البدور الزاهرة" ص 56، وقال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ): وقال أبو بكر بن مجاهد المقرئ: كان أبو عمرو بن العلاء لا يهمز القرآن، وكان يقرؤه كما روي عن ابن كثير.
(٢٩) هو: سعيد بن العباس بن محمد بن علي القرشي الهروي، قدم بغداد حاجا، وحدث عن أبي حامد بن حسنويه وأبي منصور محمد بن أحمد الأزهري وغيرهم، توفي سنة 433 هـ.
ينظر: "السير" 17/ 552 - 553، "تاريخ بغداد" 9/ 113 - 114.
(٣٠) هو: شيخ الإسلام المصري الفقيه، كان عالم الديار المصرية في عصره مع المزني كان أعلم بمذهب مالك وأحفظهم له، وكان عارفا بأقوال الصحابة والتابعين، له مصنف في أدب القضاة، توفي سنة 268 هـ.
ينظر: "السير" 12/ 497، "وفيات الأعيان" 4/ 193، "تقريب التهذيب" (6028).
(٣١) ذكره الأزهري بسنده في "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ)، والخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" 2/ 62، ونقله عن الواحدي: الرازي في "تفسيره" 5/ 86.
(٣٢) نقل ذلك الرازي في "تفسيره" 5/ 86، وقال بعده: وذهب آخرون إلى أنه مشتق، واعلم أن القائلين بهذا القول منهم من لا يهمزه ومنهم من يهمزه، أما الأولون فلهم فيه اشتقاقان: أحدهما أنه مأخوذ من قرنت.
(٣٣) نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" 1/ 278.
(٣٤) هو: علي بن إسماعيل بن أبي بشر، أبو الحسن تتلمذ في العقائد على الجبائي زوج أمه، وبرع في علمي الكلام والجدل على طريقة المعتزلة، ثم رجع فرد عليهم، وشُهر بمذهب ينسب إليه، وقيل إنه رجع بعده إلى مذهب السلف، له: "مقالات الإسلاميين"، و"الإبانة"، توفي سنة 324 هـ.
ينظر: "شذرات الذهب" 2/ 303، "الأعلام" 4/ 263.
(٣٥) في (م): (كتاب).
(٣٦) نقله عن الواحدي: الزركشي في "البرهان" 1/ 278.
وهذا مذهب الأشاعرة واعتقاد السلف إثبات صفة الكلام لله تعالى على الوجه اللائق به سبحانه من غير تشبيه ولا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل على حد قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ .
(٣٧) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 86.
(٣٨) هو: علي بن المبارك، وقيل ابن حازم، أبو الحسن اللحياني، تقدم.
(٣٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2912 (قرأ).
(٤٠) في (م): (قراء).
(٤١) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 86، "اللسان" 6/ 3563 (قرأ).
(٤٢) هو: الشاعر تميم بن أبي بن مقبل العجلاني، تقدم.
(٤٣) صدر البيت: ضحوا بأشمط عنوان السجود به والبيت لحسان بن ثابت في رثاء الخليفة عثمان كما في "المغني" 1/ 218، رقم 363، "البحر المحيط" 2/ 32، ومعنى الأشمط: شيب اللحية.
(٤٤) "التفسير الكبير" 5/ 86، "تفسير القرطبي" 2/ 278.
(٤٥) "تهذيب اللغة" 3/ 2913، وينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 305.
(٤٦) ينظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 1 - 4، "التفسير الكبير" 5/ 86، "البرهان" للزركشي 1/ 277، "اللسان" 6/ 3563.
(٤٧) في (م): (اللون).
(٤٨) البيت لعمرو بن كلثوم في معلقته وأوله: ذِراعَيْ حُرَّةٍ أَدْماءَ بَكْرٍ وينظر: "شرح المعلقات العشر" 111، "الجمهرة" 76، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 2 "لسان العرب" (مادة: قرأ)، و"تفسير القرطبي" 3/ 114، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 170.
(٤٩) "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "التفسير الكبير" 5/ 86.
(٥٠) في (ش): (تقرأ).
(٥١) البيت لحميد بن ثور في "ديوانه" ص 21، "لسان العرب" 6/ 3565 (قرأ).
(٥٢) "تهذيب اللغة" 3/ 2912، "اللسان" 6/ 3565.
(٥٣) "تهذيب اللغة" 3/ 2912.
(٥٤) في (م): (فإنه).
(٥٥) في (م): (فإنه).
(٥٦) بياض في نصف سطر في نسخة (أ) (م) وفي نسخة (ش) الكلام متصل كما هو مثبت والكلام غير واضح.
(٥٧) سقطت من (ش).
(٥٨) عجزالبيت: مكان من أشتى على الركائب ولم يعرف قائل هذا الرجز، والبيت ورد في "الأغفال" 1/ 267، "المخصص" 1/ 168، "الإنصاف" ص 272، "تهذيب اللغة" 2/ 1347، "الصحاح" 3/ 169، "اللسان" 2/ 1563 (ربع).
وانظر ص 48 من هذا المجلد.
(٥٩) في (ش): (بقرأت).
(٦٠) "المسائل الحلبية" ص 297، وينظر: "البرهان" للزركشي 1/ 278.
(٦١) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 159، "تفسير الثعلبي" 2/ 278، "البحر المحيط" 2/ 40.
(٦٢) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 40.
(٦٣) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 199.
(٦٤) نقله عنه في "التفسير الكبير" 5/ 87 - 88، والعكبري في "التبيان" ص 117، 118.
(٦٥) البيت للنمر بن تولب في "ديوانه" ص 72، وانظر: "لسان العرب" 8/ 4503 (نفس).
(٦٦) في (ش): (لا يمتنع).
(٦٧) ليست في (أ) و (م).
(٦٨) في (ش): (معينة).
(٦٩) ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 88، قال: وأقول: يمكن أن يقال الفاء هاهنا للجزاء، فإنه تعالى لما بين كون رمضان مختصًا بالفضيلة العظيمة التي لا يشاركه سائر الشهور فيها، فبين أن اختصاصه بتلك الفضيلة يناسب اختصاصه بهذه العبادة، ولولا ذلك لما كان لتقديم بيان تلك الفضيلة هاهنا وجه، كأنه قيل: لما علم اختصاص هذا الشهر بهذه الفضيلة فأنتم أيضا خصوه بهذه العبادة.
(٧٠) ينظر: "التبيان" ص 115، "البحر المحيط" 2/ 41.
(٧١) المراجع السابقة.
(٧٢) "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 238، "الكشاف" 1/ 114، "البحر المحيط" 1/ 41، قال: وقيل: انتصاب الشهر على أنه مفعول به، وهو على حذف مضاف، أي: فمن شهد منكم دخول الشهر عليه، وهو مقيم لزمه الصوم، ثم قال: وقيل: التقدير: هلال الشهر، وهذا ضعيف؛ لأنك لا تقول: شهدت الهلال، إنما تقول: شاهدت، ولأنه كان يلزم الصوم من كل من شهد الهلال وليس كذلك.
(٧٣) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 148، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 183، "تفسير الثعلبي" 2/ 298.
(٧٤) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 18، والطبري 2/ 146، والبيهقي 4/ 246، وذكرها الثعلبي 2/ 300، وابن العربي في "أحكام القرآن" 1/ 82، والقرطبي 2/ 299، وروى الطبري في "تفسيره" عن ابن عباس ما يوافق القول الثاني 2/ 147.
(٧٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 147، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 312.
(٧٦) رواه عنه الطبري 2/ 146، وذكره ابن أبي حاتم 1/ 312.
(٧٧) رواه عنه عبد الرزاق في "المصنف" 4/ 269، وابن أبي شيبة في "المصنف" 3/ 18، والطبري 2/ 146، 147، وقد ذكره من روايته عن عبيدة السلماني عن علي مرة، وعن عبيدة مرة أخرى.
(٧٨) وممن حكي عنه هذا: علي وعائشة وابن عمر وابن عباس م، وعبيدة السلماني وسعيد بن جبير وابن الحنفية وسويد بن غفلة وعلي بن الحسين ومجاهد والشعبي وأبو مجلز، وغيرهم.
تنظر الروايات عنهم في: "تفسير الطبري" 2/ 146، 147، ابن أبي حاتم 1/ 312، "تفسير الثعلبي" 2/ 298، وقال ابن العربي في أحكام القرآن 1/ 83: وقد سقط القول الأول -يعني: قول هؤلاء- بالإجماع من المسلمين كلهم على الثاني، وكيف يصح أن يقول ربنا: (فمن شهد منكم الشهر فليصم منه ما لم يشهد)، وقد روي أن النبي (سافر في رمضان فصام حتى بلغ الكَديد فأفطر وأفطر المسلمون).
رواه البخاري برقم (2953) كتاب الجهاد والسير، باب: الخروج في رمضان، ومسلم برقم (1113) كتاب الصيام، باب: جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر ..
، وقال جمهور الأمة: (من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر)، وهذا هو الصحيح، وعليه تدل الأخبار الثابتة.
وينظر: "المغني" 1/ 343 - 344، "تفسير ابن كثير" 1/ 231.
(٧٩) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 199.
(٨٠) ينظر: "أحكام القرآن" للشافعي ص 121، "تفسير الثعلبي" 2/ 304، "أحكام == القرآن" لابن العربي 1/ 77، "تفسير القرطبي" 2/ 156 - 157، "المغني" 4/ 403، وذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 150 أقوال العلماء في المرض الذي يبيح الفطر، فذكر ثلاثة أقوال: الأول: هو الذي لا يطيق معه صاحبه القيام لصلاته، ورواه عن الحسن وإبراهيم النخعي.
والثاني: كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة في علته زيادة غير محتملة، ونسبه للشافعي.
الثالث: كل مرض يسمى مرضا، ونسبه لمحمد بن سيرين، ورجح أن من أجهده الصوم جهدا غير محتمل من المرض فله الفطر.
وذكر القرطبي أن الجمهور يرون أن من كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو يخاف تزيده صح له الفطر، وقد ذكر قبل ذلك أن للمريض حالتين: إحداهما: أن لا يطيق الصوم بحال، فعليه الفطر واجبا.
والثانية: أن يقدر على الصوم بضرر ومشقة، فهذا يستحب له الفطر، ولا يصوم إلا جاهل.
وهذا من كلام ابن العربي في "الأحكام" 1/ 77.
(٨١) اختلف العلماء في حد السفر الذي يبيح الفطر على أقوال كثيرة.
ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 327، "المغني" 3/ 105 - 110، 4/ 345، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 77، "تفسير القرطبي" 2/ 257 - 258، والذي في البخاري: كان ابن عمر وابن عباس يفطران ويقصران في أربعة برد، وهي "ستة عشر فرسخا".
(٨٢) الفرسخ: ثلاثة أميال هاشمية، والميل: ستة آلاف ذراع، والذراع: أربعة وعشرون أصبعا معتدلة معترضة أي: أن طول الفرسخ نحو 6 كلم.
ينظر: "المجموع شرح المهذب" 4/ 190، "القاموس" 329، "المكاييل والأوزان الإسلامية وما يعادلها في النظام المتري" ص 94.
(٨٣) في (أ)، (م): (ومن).
(٨٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 153، "تفسير الثعلبي" 2/ 311، "المغني" 4/ 406.
(٨٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 155، "تفسير الثعلبي" 2/ 318 - 322، "تفسير القرطبي" 2/ 260.
(٨٦) أخرجه البخاري (1946) (كتاب الصوم)، باب: قول النبي لمن ظلل عليه واشتد الحر، ومسلم (1115) (كتاب الصيام)، باب جواز الصوم والفطر في شهر رمضان للمسافر.
من حديث جابر وقد روي من حديث أبي سعيد وأنس.
(٨٧) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 152 حيث روى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعروة بن الزبير، "تفسير الثعلبي" 2/ 305، "المغني" 4/ 406، "تفسير ابن كثير" 1/ 231.
(٨٨) "تفسيرالثعلبي" 2/ 327.
(٨٩) ينظر: "المفردات" ص 553، "اللسان" 8/ 4957 - 4960 (يسر).
(٩٠) في (أ)، (م): لأهل (الأحكام) سلام.
(٩١) "تفسيرالثعلبي" 2/ 328.
(٩٢) لم أجده.
(٩٣) تقدم معنى العدة في الآية السابقة.
(٩٤) ينظر: "اللسان" 5/ 2834 (عدد).
(٩٥) روى الطبري 2/ 156، 157، أثرين عن الضحاك وابن زيد بمعنى ما ذكر.
(٩٦) تقدم الحديث عن رواية عطاء ص 92.
(٩٧) تقدم الحديث عن رواية الكلبي ص 92.
(٩٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 156، 157، "تفسير الثعلبي" 2/ 330، "تفسير أبي المظفر السمعاني" 2/ 174.
(٩٩) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 254، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 92.
(١٠٠) البيت لشماخ بن ضرار، في ملحق "ديوانه" ص 427 - 428، ولذي الرمة في ملحق "ديوانه" ص 1840 - 1841، "لسان العرب" 4/ 2197.
والرواكد: الأثافي، والمَعْزاء بفتح الميم: الأرض الغليظة الصلبة.
والمشج: الوتد، والقذال: أعلاه،== وساره: سائره.
وهذا البيت من شواهد "الكتاب" لسيبويه 1/ 173 - 174.
(١٠١) زيادة يقتضيها الكلام، من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 254.
(١٠٢) اختلف في قائل هذا الرجز، فنسب في "اللسان" 4/ 2201 (شجع) إلى مساور بن هند، ويقال هو لأبي حيان الفقعسي، وفي "كتاب سيبويه" 1/ 145، لعبد بني عبس، ونسبه الأعلم للعجاج، وفي "شرح شواهد المغني" للسيوطي ص 329 قال: هو من أرجوزة لأبي حيان الفقعسي، وقيل.
لمساور بن هند العبسي، وبه جزم البطليوسي، وقيل: للعجاج، وقال السيرافي: قائله التدمري، وقال الصغاني: قائله عبد بني عبس، انظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 195.
(١٠٣) في (أ): (تخلية).
(١٠٤) "معاني القرآن" للفراء 1/ 113 - 114، وينظر: "التفسير الكبير" 5/ 92، واختار هذا الطبري في "تفسيره" 2/ 157.
(١٠٥) هذا من رواية عطاء وقد تقدم الحديث عنها، ونسبه الثعلبي 2/ 329، البغوي 1/ 201 لعطاء.
(١٠٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 157، وابن أبي حاتم 1/ 313، والبغوي 1/ 201، "المحرر الوجيز" 2/ 114، 115، "تفسير ابن كثير" 1/ 232.
(١٠٧) قرأ يعقوب وأبو بكر بن عياش عن عاصم بتشديد الميم، والباقون بالتخفيف.
ينظر: "النشر" 2/ 226، "الحجة" 2/ 274.
(١٠٨) البيت لامرئ القيس في "ديوانه" ص 139.
(١٠٩) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 274 - 275.
(١١٠) "ديوان النابغة" ص 16.
(١١١) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 329، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 350، "تفسير البغوي" 1/ 201.
(١١٢) سقطت من (م).
(١١٣) ينظر: "الحجة" لأبي علي 2/ 276 - 277، قرأ ابن ذكوان بكسر اللام فيهما، والباقون بالإسكان، وقرأ شعبة بفتح الواو وتشديد الفاء من: وليوَفُّوا، والباقون بسكون الواو وتخفيف الفاء.
(١١٤) هذا من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها ص 92.
وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 330 دون عزو لأحد.
(١١٥) في (م): (المفسرين العلماء).
(١١٦) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 157، "تفسير القرطبي" 2/ 286 - 287، "تفسير ابن كثير" 1/ 232 - 233.
(١١٧) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 157، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 330، وهو مروي عن زيد بن أسلم كما في المصدرين السابقين.
<div class="verse-tafsir"
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام ﴾ أي: فُرِضَ، والقصد بقوله: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ ﴾ وبقوله: ﴿ أَيَّاماً معدودات ﴾ تسهيل الصيام على المسلمين، ومُلاطفة جميلة، والذي كتب على الذين من قبلنا الصيام مطلقاً، وقيل: كتب على الذين من قبلنا رمضان فبدلوه ﴿ أَيَّاماً ﴾ منصوب بالصيام وهو مصدر أو بمحذوف، ويبعد انتصابه بتتقون ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً ﴾ الآية: إباحة للفطر مع المرض والسفر، وقد يجب الفطر إذا خاف الهلاك، وفي الكلام عند الجمهور محذوف يسمى فحوى الخطاب، والتقدير: فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فأفطر فعليه عدّة من أيام أخر، ولم يفعل الظاهرية بهذا المحذوف فرأوا أنّ صيام المسافر والمريض لا يصح، وأوجبوا عليه عدّة من أيام أخر، وإن صام في رمضان، وهذا منهم جهلٌ بكلام العرب، وليس في الآية ما يقتضي تحديد السفر، وبذلك قال الظاهرية، وحدّه في مشهور مذهب مالك: أربعة بُرُد ﴿ وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ ﴾ قيل: يطيقونه من غير مشقة فيفطرون ويكفّرون.
ثم نسخ جواز الإفطار بقوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، وقيل: يطيقونه بمشقة كالشيخ الهرم، فيجوز له الفطر فلا نسخ على هذا، ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ ﴾ أي صام ولم يأخذ بالفطرة والكفارة، وذلك على القول بالنسخ، وقيل تطوّع بالزيادة في مقدار الإطعام، وذلك على القول بعدم النسخ.
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ مبتدأ أو خبر ابتداء مضمر أو بدل من الصيام ﴿ أُنْزِلَ فِيهِ القرآن ﴾ قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر من رمضان، ثم نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم بطول عشرين سنة، وقيل: المعنى أنزل في شأنه القرآن: كقولك أنزل القرآن في فلان، وقيل: المعنى ابتدأ فيه إنزال القرآن ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ وبينات مِّنَ الهدى ﴾ أي: أن القرآن هدى للناس، ثم هو من ذلك من مبينات الهدى، وذلك أن الهدى على نوعين: مطلق وموصوف بالبينات، فالهدى الأوّل هنا على الإطلاق، وقوله من البينات والهدى؛ أي: وهو من الهدى المبين، فهو من عطف الصفات كقولك: فلان علام وجليل من العلماء ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ أي كان حاضراً غير مسافر، والشهر منصوب على الظرفية، واليسر والعسر على الإطلاق، وقيل: اليسرُ الفطرُ في السفر، والعسر الصوم فيه ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ﴾ متعلق بمحذوف تقديره شرع، أو عطف على اليسر ﴿ العدة ﴾ الأيام التي أفطر فيها ﴿ وَلِتُكَبِّرُواْ ﴾ التكبير يوم العيد أو مطلقاً.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فديةٌ طعام ﴾ مضافاً ﴿ مساكين ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.
وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿ فديةٌ ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع.
الباقون: مثل هذا إلا أن ﴿ مسكين ﴾ مفرد مجرور ﴿ فمن تطوع ﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف.
الباقون: بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿ القرآن ﴾ غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله ﴿ وقرآن الفجر أن قرآن الفجر ﴾ ﴿ ولا تعجل بالقرآن ﴾ ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه ﴾ ﴿ فاتبع قرآنه ﴾ الباقون بالهمز ﴿ اليسر والعسر ﴾ حيث كانا مثقلين: يزيد إلا قوله ﴿ فالجاريات يسرا ﴾ ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ من التكميل: أبو بكر وحماد وعباس ورويس.
والباقون: من الإكمال.
﴿ الداعي إذا دعاني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل.
والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿ في لعلهم ﴾ بفتح الياء: ورش.
الباقون: بالسكون.
الوقوف: ﴿ تتقون ﴾ لا لأن "أياماً" ظرف "الصيام" أو الاتقاء ﴿ معدودات ﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿ أخر ﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو "فدية" فلا تعلق له بما قبله ﴿ مسكين ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿ خير له ﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم.
﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ والفرقان ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فليصمه ﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿ أخر ﴾ ط ﴿ العسر ﴾ ز قد يجوز ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ط لأن قوله "أجيب مستأنف ﴿ دعان ﴾ ص للفاء ﴿ يرشدون ﴾ ه ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عنكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لكم ﴾ ص لذلك ﴿ إلى الليل ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿ في المساجد ﴾ ط لأن "تلك" مبتدأ ﴿ فلا تقربوها ﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿ يتقون ﴾ ه.
التفسير: هذا حكم آخر.
والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ.
وهو في اللغة الإمساك عن الشيء.
قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل.
وصام الفرس صوماً أي قام على غير اعتلاف.
وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.
وإنه في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
ولا بد في صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق عند الأكثرين.
ويوافقه الجديد من قول الشافعي "ومن غير يوم الشك بلا ورد ونذر وقضاء وكفارة".
ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم.
وقوله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.
قال علي كرم الله وجهه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم.
﴿ لعلكم تتقون ﴾ بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفاً للنفس عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم شعارهم.
وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى فأصابهم موتان فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.
وقيل: كان يقع في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة.
ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل ﴿ دراهم معدودة ﴾ وأصله أن المال القليل يعدّ عدّاً، والكثير يحثى حثياً كأنه قال: إني رحمتكم فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياماً معدودة قليلة، وعلى هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان.
ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان.
فعن عطاء: ثلاثة أيام من كل شهر.
وعن قتادة: هي مع صوم عاشوراء.
ثم اختلفوا أيضاً فقيل: كان تطوّعاً ثم فرض وقيل بل كان واجباً.
واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان بما روي عن النبي "إن صوم رمضان نسخ كل صوم" فدل على أن صوماً آخر كان واجباً.
وأيضاً ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريراً محضاً.
وأيضاً ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على التعيين فيختلفان.
والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين أنها شهر رمضان أجمل أولاً ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله ﴿ أياماً معدودات ﴾ ثم كمل البيان بقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان.
وأجيب عن استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة.
سلمنا أن المراد به صوم ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية.
وعن الثاني أن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، وفي الآية الثانية جعل واجباً على التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانياً في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً.
وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير والتعيين، أما في نفس الصوم فلا.
وههنا سؤال وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ كيف كان ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟
والجواب أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن أن يكون ناسخاً والمتأخر منسوخاً كآية الاعتداد بالحول.
وهكذا نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير.
قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين أولاً أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.
ثم بين ثانياً وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى.
ثم بين ثالثاً أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها.
ثم بين رابعاً أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له.
ثم ذكر خامساً إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها.
واختلف الأئمة في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أيّ مريض كان، وأيّ مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين.
يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه.
وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفرٍ ولو كان فرسخاً.
وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول الأصم.
وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله.
وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه.
قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟
فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيراً يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به.
المرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً.
وأصل السفر من الكشف لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم.
وعن الأزهري: سمي مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء.
قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم.
وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخاً ولا يحسب منه مسافة الإياب.
كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله ، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة.
وإلى هذه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر في يومين فحينئذٍ يناسب الرخصة، ولما روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي قال "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ.
وروى الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟
فقال: لا فقال: إلى مرّ الظهران؟
فقال: لا.
ولكن اقصر إلى جدّة وعسفان والطائف.
قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد.
وقال أبو حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخاً قياساً على المسح.
والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم.
وأجيب بأن قوله "يمسح المقيم يوماً وليلة" لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيماً.
وكذا قوله "والمسافر ثلاثة أيام" لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام.
وأيضاً الترجيح للإفطار لقوله في قصر الصلاة "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وإنما قيل ﴿ أو على سفرٍ ﴾ دون أن يقول مسافراً كما قال ﴿ مريضاً ﴾ لأن السفر يتعلق بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافراً وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به إن حصلت حصلت وإلا فلا.
وعدّة فعلة من العدّ بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من هذا.
وإنما قيل ﴿ فعدّة ﴾ على التنكير ولم يقل "فعدتها" أي فعدة الأيام المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد ظاهراً، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.
والمعنى فعليه صوم عدّة.
وقرئ بالنصب أي فليصم عدّة.
وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا.
واعلم أن قوماً من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام في السفر قضى في الحضر.
واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله ﴿ فعدّة ﴾ أي فعليه عدّة مشعر بالوجوب عليه.
ولأن قوله ﴿ يريد بكم اليسر ﴾ ينبئ عن إرادته الإفطار ولقوله "ليس من البر الصيام في السفر" وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف.
وقوله "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما يجيء من قوله ﴿ وإن تصوموا خيرٌ لكم ﴾ ولما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال : " صم إن شئت وأفطر إن شئت" .
قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله ﴿ أو به أذى من رأسه ففديةٌ ﴾ أي فحلق فعليه فدية.
ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد: أن الصوم أفضل.
وقالت طائفةٌ: الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق.
وقيل: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء.
واختلف أيضاً في القضاء فعامة العلماء على التخيير.
وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق.
وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات متتابعاً ويؤيده قراءة أبي ﴿ فعدة من أيامٍ أخر متتابعات ﴾ قوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين.
والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه ههنا عند أهل العراق - ومنهم أبو حنيفة - نصف صاع من بر أو صاع من غيره.
وعند أهل الحجاز - ومنهم الشافعي - مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين.
قالوا: كان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية.
عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فنسختها.
من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك "خاتم حديد" ومن قرأ "مساكين" على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين لكل يوم.
والاعتبار بمدّ رسول الله وهو مائة وثلاثة وسبعون درهماً وثلث الدرهم.
الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض.
وذلك أن المريض والمسافر منهما من لا يطيق أصلاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم.
الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم.
عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة ﴿ يطوّقونه ﴾ تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه.
والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما وولديهما.
واتفقوا على أنا لشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت.
وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين.
﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري.
﴿ فهو ﴾ أي التطوع ﴿ خير له وأن تصوموا ﴾ أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتهم متاعب الصيام ﴿ خيرٌ لكم ﴾ من الفدية وتطوّع الخير.
ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً عند من يرى أن الصوم لهما أفضل ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية.
عن علي كرم الله وجهه أن النبي قال "يقول الله عز وجلّ الصوم لي وأنا أجزى به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه.
والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وعنه "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم" وعن أبي هريرة أن النبي قال "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وعنه أن رسول الله قال "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" وعن النبي "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالروحانيات المجرّدة لكفى به فضلاً ومنقبة.
هذا صوم الشريعة، فأما صوم الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجلّ والإفطار بما أباح وأحل، وصوم الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن.
صمت عن غيره فلما تجلى *** كأن بي شـاغلٌ عن الإفطار وتشـوّقت مـدة ثـم لمـا *** زارني جَلّ عن مدى الأنظار قوله عز من قائل ﴿ شهر رمضان ﴾ الشهر مأخوذ من الشهرة.
عن مجاهد: رمضان اسم الله .
وروي عن النبي "لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله.
والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف والنون.
ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار.
وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض رمضاء.
وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق.
وروي عن النبي أنه قال "إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده" وكأن هذا من قولهم "رمضت النصل" جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق.
وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوّال قبل دخول الأشهر الحرم.
وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك.
وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز كقوله "من صام رمضان إيماناً" الحديث.
لأن التسمية وقعت برمضان فقط.
وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أو على أنه بدل من الصيام في قوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان.
وعلى هذين الوجهين يكون الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان.
قال أبو علي: وهذا أولى ليكون أيضاً في الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبراً عن إنزال القرآن فيه.
وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من ﴿ أياماً ﴾ أو على مفعول ﴿ وأن تصوموا ﴾ وفي هذا الوجه نظر من قبل الفصل بين ﴿ أن تصوموا ﴾ ومعموله بالخبر.
وفائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه.
وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدرهضم النفس يترقى العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان.
وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال.
فعن سفيان بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي كذا.
وقال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا أي في تحريمها.
والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴾ الآيات.
واختيار الجمهور أن الله أنزل القرآن في رمضان.
عن النبي "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر.
ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها.
وهذا قول محمد بن إسحق.
أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات.
ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان.
وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمدٍ منجماً إلى آخر عمره.
ويحتمل أن يقال: إنه كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبداً إلى أن تم إنزاله.
وعلى هذا يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعياً لا شخصياً ﴿ هدى للناس وبيناتٍ ﴾ منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.
ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.
نقل الواحدي عن الأخفش والمازني أن الفاء في ﴿ فمن شهد ﴾ زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء ههنا وهذا وهم لظهور كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر.
ثم قيل: إن مفعوله محذوف ﴿ والشهر ﴾ منصوب على الظرف وكذلك الهاء في ﴿ فليصمه ﴾ ولا يكون مفعولاً به كقولك "شهدت الجمعة" لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر.
فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر.
وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذراً من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد مع أنه لا يجب عليه الصوم.
أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل "شهدت عصر فلان وأدركت زمانه" فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ فيكون أولى من الأول لأن الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب والتخصيص وحده في جانب؟
هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضاً به على صاحب الكشاف وغيره.
(قلت): الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ممنوع، وذلك أن ﴿ شهد ﴾ ههنا متروك المفعول كقولهم "فلان يعطى ويمنع" ومعنى من شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة.
وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى.
فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك ﴿ أو على سفرٍ ﴾ تكراراً قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض.
وأيضاً لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم فبالمفهوم أوّلاً وبالمنطوق ثانياً، فأين التكرار؟
وإنما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكيناً في القلوب وتعظيماً في النفوس كقوله: أن يسأل الحق يعطى الحق سائله.
*** وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ جملة شرطية، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي.
وأجيب بأن المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءاً من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر.
ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد هلال رمضان فهذا موافق لما نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن يصوم الكل.
وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ يخصصه، وإن كان في أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى.
قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو المراد من عزم على كونه مقيماً في الشهر فليصمه.
ويعلم منه أنه إن كان حاضراً في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان جميعاً للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت.
وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة" يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً.
ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي فأمر الناس بالصوم.
ولما روي أن علياً شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان، وللاحتياط في أمر العبادة.
ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة.
وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم.
﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ معناه في اللغة السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد واليد اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر نقيضه.
وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه.
أوجب الصوم على سبيل السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض والمسافر وههنا يتحقق صدق قوله "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" .
ومن كمال رأفته أنه نفى الحرج أولاً ضمناً بقوله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ثم نفاه صريحاً بقوله ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ والظاهر أن الألف واللام في اليسر والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق.
والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله ، فإن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان لا يريد العسر.
وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه لا يأمره بالعسر وإن كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة.
فكما أنه يجوز أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر.
قوله ﴿ ولتكملوا ﴾ أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف فيه.
فعن الفراء: التقدير ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.
شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر.
وهذا نوع من اللف لطيف المسلك.
فقوله ﴿ لتكملوا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة ﴿ ولتكبروا ﴾ علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر.
﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص والتيسير.
وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما تعملون ولتكملوا.
والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم.
ولا يخفى أن قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن يقال: إنه في قوة "ولتشكروا".
وفيه أيضاً بعد ويحتمل أن يقال ﴿ ولتكملوا ﴾ معطوف على اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله ﴿ يريدون ليطفؤا ﴾ وإنما قيل ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ ولم يقل "ولتكملوا الشهر" ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعاً.
وعدى فعل التكبير بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.
والمراد بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله والثناء عليه شكراً على ما وفق لهذه الطاعة.
وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل.
فالقول أن يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتدّ به إلا مع الاعتقاد القلبي.
وأما العمل فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي.
وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان.
وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما روي أنه كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.
وأوّل وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد.
وعن أحمد ومالك أنه لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه.
لنا قوله ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال الشافعي: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿ ولتكبروا الله ﴾ عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال.
والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثاً نسقاً وبه قال مالك.
وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين.
لنا الرواية عن جابر وابن عباس.
وأيضاً فإنه تكبير موضوع شعاراً للعيد فكان وتراً كتكبير الصلاة.
قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن.
واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته ما نقل عن رسول الله إنه قاله على الصفا وهو: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.
لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله والله أكبر" قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضاً وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد.
يرفع الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي.
ويستثني من ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الأضحى.
واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص فيها.
قوله ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟
وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً" .
وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت.
وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت.
وعن ابن عباس ما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟
فنزلت.
وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت.
وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم.
ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها.
ثم إن سؤالهم النبي عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ﴾ وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿ فإني قريب ﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿ أجيب دعوة الداع ﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿ إذا دعان ﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها ﴾ قال العلماء: ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد.
وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه.
وكل مفتقر ممكن.
وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق.
وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي.
قالوا: فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة.
قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه.
فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ وقوله "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً.
فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان.
ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها.
فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال.
شعر: رمزت إليه حذار الرقيب *** وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره *** يقول لي ادع فإني قريب فإن سألوه : أين ربنا؟
صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل يسمع ربنا دعاءنا؟
صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه؟
صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟
صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم.
واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً.
تقول: سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً.
وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه العناية والاستمداد والمعونة.
قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا.
ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس.
والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين.
والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد.
والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية.
وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل.
وما روي عن جابر أنه "جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟
قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.
قال: ففيم العمل؟
قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.
وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له" .
يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب.
والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم.
ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد.
فلعل الله قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه.
فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور.
ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد "من لم يسأل الله يغضب عليه" فإذا كان الداعي عارفاً بالله وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال "ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له.
فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟
قال: يقول دعوت ربي فما استجاب لي" وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة أن رسول الله قال "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" وعن ابن عباس أن رسول الله قال: "سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال.
وذكر النبي الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب.
ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟
وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال.
وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي قال "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟
قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات.
وعن أنس أن رسول الله قال "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟
قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" .
وعن أبي هريرة أن رسول الله قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء" وعنه أنه قال "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء" وعنه أن رسول الله قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي .
فقال النبي عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ثم ليدع بعد ما شاء" .
وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله قال "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره" .
ومن لطائف الآية أنه قال ﴿ فإني قريب ﴾ دون أن يقول "فقل إني قريب" كما قال في سائر الأسئلة والأجوبة.
وذلك في مواضع من كتابه ﴿ ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ ﴿ ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً ﴾ ﴿ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي ﴾ وهذه الأسئلة أصولية.
﴿ يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ﴾ ﴿ ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ﴾ ﴿ ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى ﴾ ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن ﴾ ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ﴾ ﴿ ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي ﴾ ﴿ ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً ﴾ فكأنه يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.
وأيضاً في مقام السؤال قال: ﴿ عبادي ﴾ وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال ﴿ فإني قريب ﴾ وهذا يدل على أنه للعبد.
وأيضاً لم يقل "العبد مني قريب" بل قال ﴿ إني قريب ﴾ منه إشارة إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ أجاب واستجاب بمعنى يقال: أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم، فإن طاعة الله هي المستتبعة للخيرات عاجلاً وآجلاً ﴿ من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ﴾ وفي ضده ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ونحشره يوم القيامة أعمى ﴾ وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه.
وفيه نكتة وهي أنه لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيباً لدعائي وهذا يدل على أن نعمه شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين.
وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله قال "الدعاء هو العبادة" وقرأ ﴿ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ﴾ وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله ﴾ وقيل: المراد من الدعاء التوبة.
وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة.
قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم ﴾ الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام.
روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.
وعن البراء قال: كان أصحاب محمد إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي.
وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً.
فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟
قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه.
فذكر ذلك للنبي فنزلت ﴿ أحل لكم ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة.
احتج الجمهور بوجوه منها.
أنه شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم.
وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها.
ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر.
ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل: إن عمر واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه.
فأتى النبي وقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل.
فقال : ما كنت جديراً بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت.
قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص.
وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب.
والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير.
ومنها قوله ﴿ فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم.
قال أبو مسلم: التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان.
والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف.
قال "عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم" وقال "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت.
ويقال: أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً.
فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم.
وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ.
ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع.
ويمكن أن يقال: أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف.
والرفث الجماع.
والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع.
وقيل لابن عباس.
حين أنشد: وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا أترفث وأنت محرم؟
فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء.
هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها.
وقال أبو علي: معناه الفرج.
ويقال: جامع الرجل أو ناك.
فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث الرجل.
وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ ﴿ فلما تغشاها ﴾ } [الأعراف: 189] ﴿ باشروهن ﴾ ﴿ من قبل أن تمسوهن ﴾ ﴿ أولامستم النساء ﴾ وفي قوله: ﴿ دخلتم بهن ﴾ ﴿ فأتوا حرثكم ﴾ ﴿ فما استمعتم به منهن ﴾ ﴿ ولا تقربوهنّ ﴾ حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم.
قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض ﴾ .
﴿ هن لباس لكم ﴾ وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب.
قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن.
وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع.
قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها *** تثنت فكانت عليه لباساً أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر "من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.
وعن الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم.
ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر "لابس" وضع موضع الصفة.
وموقع قوله ﴿ هنّ لباس لكم ﴾ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن.
ومعنى ﴿ علم الله ﴾ ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل ﴿ فالآن باشروهن ﴾ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع.
ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب.
وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة.
﴿ فتاب عليكم ﴾ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم.
وعلى قول أبي مسلم لا إضمار.
﴿ فالآن باشروهن ﴾ تأكيد لقوله ﴿ أحل لكم ﴾ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح.
والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه.
ومنه ما روي أنه قال "لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة" وإنما قلنا إنا لمراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً.
وأما المباشرة في قوله ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات.
﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل.
قال "تناكحوا تكثروا" وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك.
وعن الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة.
وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل.
وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله ﴿ فأتوهنّ من حيث أمركم الله ﴾ وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم.
وقيل: يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة.
وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله ﴿ إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها.
واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال ﴿ فالآن باشروهن ﴾ لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت.
فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل.
وكنى رسول الله بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين.
ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد: فلما أضاءت لنا سدفة *** ولاح من الصبح خيط أنارا والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر.
وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك "رأيت أسداً" مجاز، فإذا زدت "من فلانٍ" رجع تشبهاً.
فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى.
فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم.
نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان.
ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر "لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير" وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً.
ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء.
أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً.
فالذي انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود.
وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾ فليتذكر.
قيل: ويجوز أن تكون "من" في قوله ﴿ من الفجر ﴾ للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله: ولا شك أن "حتى" لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح.
فاستدل بهذا على جواز صوم من يصبح جنباً.
وبقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ على أن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، لأن ما بعد "إلى" لا يدخل فيما قبلها وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل على حرمة الوصال.
ويؤيده ما روي أنه قال: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم" فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئاً.
وكيف لا وقد صح عن النبي أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول الله إنك تواصل.
فقال: "إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .
أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني أعطيت قوة من طعم وشرب.
والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء فبعد ذلك كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد الزوال وصححناه بنيته قبله.
حجة الشافعي قوله "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" ويروى "من لم ينو" وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟
فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضاً الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله ﴿ ثم أتموا ﴾ والأمر للوجوب.
وقال الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه خصص بالذكر من المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها.
وهاهنا مفطرات أخر استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل.
فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند مالك الإنزال بالنظر مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر.
ومنها الاستقاء لقوله "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة لما روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ.
ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من الأجواف فإنه اكتحل في رمضان وهو صائم.
وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعماً أفطر.
والتقطير في الأذن إذا وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة.
ولا بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف.
احتجم وهو صائم محرم في حجة الوداع.
وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة.
ولو دهن رأسه أو بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر.
ولو فتح فاه عمداً لما في الحفظ من العسر.
ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا إفطار.
وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش.
وعند أحمد لا يفطر.
وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه لم يفطر على الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد.
وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر وفاقاً.
"قال للقيط بن صبرة: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمداً أفطر خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان يسيراً، وربما قدره بالحمصة.
وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر على الأصح.
ولا بد أيضاً في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسياً، فإن قل لم يفطر لقوله "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" وخالف مالك.
وإن كثر أفطر.
ولو جامع ناسياً للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما في الأكل.
ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطاً لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على الظن.
ثم إن كان الصوم واجباً قضى، وإن كان تطوعاً فلا قضاء.
والأحوط في آخر النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس.
وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدماً عليه؟
فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه.
ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفاً بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والوقاع إلى طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره.
وجعل الخيط الأبيض وقت الطلوع والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل.
ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر.
وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها.
يحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني؟
فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟
قال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له.
واعلم أن في الآية ترتيباً عجيباً ونسقاً أنيقاً وذلك أن الرفث لما كان من أشنع الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراماً في رمضان ليلاً ونهاراً وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار.
قدم إباحته أولاً ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن الإمساك عن الرفث كان مختصاً بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل ﴿ ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء براً كان أو إثماً.
قال تعالى ﴿ يعكفون على أصنام لهم ﴾ والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تعالى تقربا إليه.
وهو من الشرائع القديمة.
قال ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ﴾ وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ههنا.
فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع والمقدمات المفضية إلى الإنزال.
لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين.
فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين.
خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه كان يدني رأسه من عائشة لترجل رأسه وهو معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة على أصل المنع.
احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما.
وأجيب بأن النص مقدم على القياس.
واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات.
ثم اختلفوا فعن علي أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين ﴾ أي لجميع العاكفين.
وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" الزهري: لا يصح إلا في الجامع.
أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.
الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله ﴿ في المساجد ﴾ إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة.
ولا خلاف أن الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟
الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم عاكف وأنه منع العاكف من المباشرة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً.
وأيضاً لو كان الاعتكاف موجباً للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان.
وأيضاً لو تلازما لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج.
وأيضاً "روي أن عمر قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال :أوف بنذرك" .
ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة.
أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضاً كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضاً وفرق بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفاً للآخر، ولهذا قلنا: إنه لو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزمه كلاهما، والجمع بينهما.
ولو نذر أن يعتكف مصلياً أو يصلي معتكفاً لزمه كلاهما دون الجمع بينهما.
ويتفرع على المذهبين أنه يجوز أن ينذر اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.
قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف.
﴿ تلك حدود الله ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من أول آية الصيام إلى ههنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة.
وحد الشيء مقطعه ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.
وإنما قال ههنا ﴿ فلا تقربوها ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فلا تعتدوها ﴾ لأن العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز الباطل.
فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل.
عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله يقول "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه" .
وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم ﴾ وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها.
وأما في الأوامر فقال ﴿ فلا تعتدوها ﴾ أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، ﴿ كذلك ﴾ أي كما بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام ﴿ يبين ﴾ سائر أدلته على دينه وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله من المتقين بفضله ورحمته.
التأويل: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الضمير عائد إلى الحق.
على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم.
فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي.
وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ﴿ لعلكم تتقون ﴾ مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة ﴿ أو على سفر ﴾ حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب.
﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ على من كان له قوة في صدق الطلب ﴿ طعام مسكين ﴾ فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ فمن تطوع خيراً ﴾ فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر.
وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال أبو يزيد: ناداني ربي وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك.
رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم.
رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ وهو مقام الوصول ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء.
وأيضاً "كل ميسر لما خلق له" لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر): لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا ﴿ ولتكملوا ﴾ عدة أنواع الغاية بجذبات ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ﴿ ولتكبروا الله ﴾ ولتعظموه ﴿ على ما هداكم ﴾ إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال.
قوله ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال.
فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله بقوله ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً ﴾ الآيتين.
ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء ﴿ هن لباس لكم ﴾ أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي ﴿ وأنتم لباس لهن ﴾ تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ﴿ فالآن باشروهن ﴾ بقدر الحاجة الضرورية ﴿ وابتغوا ﴾ بقوة هذه المباشرة ﴿ ما كتب الله لكم ﴾ من المقامات العلية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في ليالي الصحو ﴿ حتى يتبين لكم ﴾ آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: كأن شيئاً لم يزل إذا أتى *** كان شيئاً لم يكن إذا مضى ﴿ في المساجد ﴾ أي في مقامات القربة والأنس.
وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين ﴿ فلا تقربوها ﴾ بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.
<div class="verse-tafsir"
هؤلاء الآيات فيهن فرضية بقوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ ، وأيد ذلك الإبدال فيها الإفطار لعذر والأمر بالقضاء، وذلك ليس بشرط الآداب مع الامتنان علينا بقوله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، أي يريد بكم الإذن لكم في الفطر للعذر، ولو كان غير فرض بدؤه لم يكن الفطر للعذر بموضع الرخصة مع شرطه إكمال العدة في القضاء معنى، وفي ذلك لزوم حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء.
وعلى ذلك إجماع الأمة.
ثم يبين عز وجل أن لم تكن هذه الأمة بمخصوصة في الصيام، بل هي أحق من فيهم استعمل العفو أو الصفح بما خصهم بأن جعلهم ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ، وأخبر أنه لم يجعل عليهم ﴿ فِي ٱلدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ ، ولا ألزمهم العبادات الشاقة فضلاً منه عليهم وتخصيصًا لهم؛ إذ جعلهم ﴿ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّا ﴾ ، فقال عز وجل: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ .
لكن "كما" يحتمل وجهين: يحتمل: العذر الذي كتب عليهم.
ويحتمل: الفرضية في الجملة لا عين ما فرض عليهم من حيث الإشارة إلى ذلك؛ ولذلك اختلف في (الكاف) في قوله: (كما) - أنها زائدة، أو حقيقية.
ثم اختلف فيما يأتيه ذلك الصيام: فمن الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، من جعله صوم عاشوراء وأيام البيض.
ثم استعملوا نسخ ذلك بصيام الشهر.
وقد روي مرفوعًا: "أن صوم شهر رمضان نسخ كل صيام كان".
وروي عن جماعة في أمر صوم عاشوراء: "أنا كنا نصومه حتى نزل صوم الشهر، فلم يكن رسول الله يأمرنا به ولا ينهانا" .
وأصل هذا أنه كان يصام، لو كان ابتداء الآية عليه بحق الفرض فأبدل ذلك بصوم الشهر، فارتفعت عنه الفرضية على ما إذا كان يخرج منه بالفداء لم يكن معه فرضية القضاء، وبقى الفصل فيه؛ النسخ لم يكن من حيث نفس الصوم، إذ مثله من النسخ يكون بغير الصوم ولا يصوم.
فثبت أنه في نسخ الفرضية.
فبقي فيه حق الأدب والفضل، وتبين النسخ الصوم إذ مثله، وإن ذلك غير صوم الشهر الذكر في صوم الشهر بقوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً...
﴾ الآية إذ ذلك كان غير موضع الشهر، ولو كان الكل واحداً لكان الذكر في موضع منه كافياً عن الإعادة؛ فثبت أنه على تناسخ الصيام.
وقد روي [عن] معاذ، رضي الله عنه، أنه قال: "أحيل الصيام ثلاثة أحوال" .
وبين الخبر على وجهه في ذلك.
ويحتمل: أن يكون المراد منه صوم الشهر، ويكون تكرار الذكر في الرخصة لمكان رفع الفداء، أو لمكان ذكر حق الامتنان بالتيسير، أو التحريض على حفظ العدد.
والله الموفق.
وأي ذلك كان؟
فليس بنا حاجة إلى معرفة حقيقة ذلك؛ لأن كيفية الابتداء لم تكلف، وأنما كلفنا ما أبقى فرضه، وهو صيام الشهر الذي لم يختلف في ذلك.
ثم قد خاطب جل ثناؤه بالصيام من قد آمن بقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ﴾ فكان فيما خاطب وجهان: أحدهما: أنه خاطب المؤمنين فعرف المخاطبون أن الاسم يذكرهم؛ إذ لم يذكر عن أحد أنه ظن خروجه من حكم الآية، من حيث لم يكن وفاء بما به يستحق الاسم، وكذلك سائر عبادات الأفعال.
وهذا من أوضح ما يجب به العلم أن الإيمان ليس باسم لجميع القرب، بل تحقيقه يصير أفعال القرب قرباً.
وفيه إذ لم يقل: يأيها الذين، قلتم: نحن مؤمنون به صلى الله عليه وسلم، دلالة ظاهرة على هجر هذا القول، وأنه من تلقين الشيطان ليبطل عليهم عقدهم، كما يبطل كل عقد يستعمله فيه صاحبه مما أراد إلزامه العقد.
والله أعلم.
والثاني: أن الله خص بالعبادات المؤمنين، وأنهن لا يلزمن غيرهم وإنما يلزم غيرهم فيها الاعتقاد، لا الأفعال التي هي تقوم بالاعتقاد، وليس الاعتقاد بواجب لمكان تلك الأفعال حتى تكون كالأسباب التي توجب بإيجاب أفعال بها تقوم، بل له واجب غيره.
ألا ترى أنه لا يجوز أن يرتفع ذلك عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غير ذلك من العبادات؛ ثبت أن الأمر بذلك بحيث نفسه، لا لغيره.
ثم لا قيام لغيره مع عدمه؛ ثبت أن المعنى الذي به يصير المرء أهلاً لاحتمال فعل العبادات، لذلك لا يجوز الأمر بشيء منها دون ذلك.
وله وجهان يحيلان الأمر أيضاً: أحدهما: العقل، أنه من البعيد أن يكون من لم يقبل العبودية، ولا أقر بالرسالة تؤمر بالعبادة وباتباع الرسول بحق الرسالة، بل يقول: ألزمونا الأول، حتى يكون الثاني، وهو كما أحال الناس المناظرة في الرسل مع منكري الصانع والمرسل، فمثله الأول، بل يجب كل قربة به؛ إذ لا يكون إلا به.
والله أعلم.
والثاني: القول بأن من أسلم بعد أوقات العبادات لا يلزمه القضاء.
ثم لذلك وجهان من المعتبر: أحدهما: بأنهم إذا لم يدخلوا في خطاب القضاء، بما ليس معهم فى الحال ما يحتمل معه القضاء، فكذلك خطاب الابتداء؛ إذ هو الذي به لزم القضاء في الإسلام.
والله أعلم.
والثاني: أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام، ولا يجوز الابتداء في حاله.
فكان ذا تكليف لم يجعل الله للمكلف وجه القيام، وقد تبرأ الله عن هذا الوجه من التكليف بقوله عز وجل: ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، مع ما بين الله بقوله: ﴿ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلنَّارِ ﴾ أن ما للكافر التمتع فى الدنيا، لا العبادات في ذلك.
والله الموفق.
فثتب بالآية التي ذكرنا جميع المؤمنين في الخطاب؛ إذ بين الرخصة لِذِي العذر في الإفطار على وجوب القضاء فإذا لم يحتمل خروج من له العذر في الفطر عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء، ثبت أن من لا عذر له داخل فيه ولا يسعه الفطر، وعلى هذا جاء ممن ابتلي بالجماع نهاراً أنه أكد عليه الأمر وألزم الكفارة على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من حاله أنه ليس بمريض ولا مسافر، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض، وفي ذلك إيجاب الكفارة لتعديه على الصيام على حال لا يحتمل الإرخاص، إذ قد كان تلك البلية في الليالي، فلم يُؤمَروا بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة لأنفسهم لولا النوم، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين.
ثم قال الله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
والشهر اسم للكل، ولو كان المراد راجعاً إليه لكان الصيام في غيره؛ لأنه عند هجوم غيره يتم شهوده، ثم يتناقض؛ لأنه قال: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، ومحال أن يصوم في غيره ابتداء؛ فرجع التأويل إلى أن من شهد منكم شيئاً من الشهر ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
فمن اعترضه الجنون فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب، ويجوز في حالة الفرض أيضاً؛ إذ لو شهد ليلة الصيام فعزم على الصيام يجوز له فرضه، فدخل في حق الخطاب، ثم اعترضه في سائر الليالي عذر منع النية، لا عذر منع الصيام، فيقتضيه إذ هو أهل الحكم للآية التي ذكرنا، والقيام بذلك الفرض على ما وصفنا، ففاته بفوت النية كمن كان فوت لعذر المرض والسفر والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية، فعليه قضاؤه.
وعلى ذلك في الصبي والكافر لم يدخلا في معنى الآية، ولا كانا يحتملان في حال قضاء فرض الصيام، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض.
لذلك لم يلزم.
وقدى روي عن محمد، رحمه الله ، على هذا: أن من أدرك مجنوناً ثم أفاق في بعض الشهر، أنه لا يقضي ما مضى، على ما ذكرت.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: أنه يقضي، إن كان في أول الشهر بالغاً، لما أخبرت أن صيامه لم يجز لعدم النية، والصبي والكافر بنفسه، ومن فوته لعدم النية، فهو داخل في حكم فرضه، فعليه القضاء.
والله الموفق.
ومن جن الشهر كله لا يقضي لشرط الشهود، وهو لم يشهد شيئاً منه مع إمكان الإسقاط بدليل آخر، وإن كان حق الخطاب في الظاهر قد اقتضاه على مثل المريض الذي لا يصح، والمسافر الذي لا يقيم.
والله الموفق.
وفي قوله: ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ ، دلالة أن ابتداء الآية في غير صوم الشهر؛ إذ صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام، لكن الله إذ علم الأمر الظاهر في الخلق أنهم يعدونه بالأيام وإن كان لهم عن ذلك غنى.
وقد روي عن رسول الله أنه قال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما، وعقد أصبعاً منها في آخر المرات" وجاء عن غير واحد أنهم قالوا: "ما كنا نصوم على عهد رسول الله تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين" .
فجائز ذكر قوله: ﴿ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ ﴾ ، يعني يعدها الخلق.
والله الموفق.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ، أي: ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن الذي به يدعو إليها من الأغذية.
أو ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ نقمة الله في الآخرة، ومخالفته في الفعل في الدنيا.
وقد جعل الله جل ثناؤه عباداته أعواناً للمعتادين بها على الكف عن المعاصي، والخلاف لله في الشهوات، فقال: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ ، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلصَّلاَةَ تَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَآءِ وَٱلْمُنْكَرِ ﴾ ، وغير ذلك.
والله الموفق.
والأصل: أن العبادات تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام بين يدي الجبار، وتطلعهم على الموعود لهم في الميعاد.
وهما أمران عظيمان: أحدهما: في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه.
والثاني: في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعد ما يضمحل لديه كل لذة دونه، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد.
والله أعلم.
ثم قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ...
﴾ الآية، من غير أن ذكر فطراً، فلا أشار إلى ما ذكر من السفر والمرض اللذين جعلا له تأخير الصيام إلى أيام أخر، ولا أشار إلى أعين تلك الأيام.
وكذلك قال مثله فيما كان عرف الوقت لابتداء الصيام بقوله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ على أثر المعرف له بقوله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، لكن الفطر يعرف أنه مضمر فيه بالعقل والسمع: فأما السمع: فما جاء من الآثار في الإذن بالإفطار للسفر والمرض؛ دل أن في ذكر العدة ﴿ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ إضمار فطر.
والله أعلم.
والعقل: أن الله جعل المرض والسفر سببي الرخص، فلا يجوز أن يصيرا سببي زيادة فرض على ما كان قبل اعتراضهما، على أن قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ دليل أنه لو كان يلزم القضاء مع فرض فعل الصوم لكان ذلك عسراً وحرجاً في الدين، وقد أخبر الله أنه ما يجعل علينا الحرج في الدين.
وعلى ذلك قال بعض الناس: يلزمهما القضاء إن أفطرا أو لا، محتجّاً بما لم يذكر في القرآن الإفطار، وذكر ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ كأنه جعل الوقت لهما غير الذي هو لغيرهما.
يؤيد ذلك المروي عن رسول الله أنه قال: "الصائم فى السفر كالمفطر" ، ومعلم أن على المفطر في الحضر القضاء.
فكذلك الصائم في السفر.
ولكن الآية عندنا على الإضمار، وعلى ذلك يجري ذكر الرخص على إثر ذكر الحضر، كقوله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ ٱلْمَيْتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحْمَ ٱلْخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ ٱللَّهِ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ من غير ذكر الأكل أنه على إباحته.
وقال الله عز وجل: ﴿ وَأَتِمُّواْ ٱلْحَجَّ وَٱلْعُمْرَةَ للَّهِ ﴾ ، ثم قال عز وجل: ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ ولم يذكر منه الإحلال، لكنه معلوم أنه على الشك ما لم يوجد؛ إذ لا يكون العذر سبب الزيادة في الفرض.
وكذلك قوله عز وجل: ﴿ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ ٱلْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾ ، ثم قال عز وجل: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ...
﴾ الآية [البقرة: 196]، وذلك على إطلاق الحلق، ثم يلزمه الفداء؛ لأن الأذى والمرض يلزمانه.
فمثله الأول.
ثم الأصل: أنه لا أحد يلزم فرض صيام الشهر في غيره إذا لم يدرك الشهر، وقد أمر من نحن في ذكره؛ فبان أنه لزمه بإدراك الشهر لإدراك وقت الإمكان بلا عذر.
وقال: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ليعلم أن الذي يلزمه بالشهر في أوقات الإمكان.
وذلك على ما يلزم الإحداث الطهارة لأوقات عبادة لا تقوم دونها، وفعل الجنابات لأوقات الحلول وإن تأخرت فمثله أمر الشهر.
دليله ما بينا، وما ثبت عن رسول الله وعن صاحبته: فعل الصيام في ذلك الوقت والفطر جميعاً؛ ثبت أن الصوم يجوز على المرض والسفر؛ إذ هما لأنفسهما لا يناقضان الصيام بما جاز معهما، وقد أمر به المتمتع وهو المسافر، أن ليس ذلك على حاضري المسجد الحرام، وذابح الصيد والمبادئ بهما لا يضادان الصيام، ثم كان القضاء عن الشهر بظاهر التلاوة؛ فبان أنه يجوز فيهما.
وإذا جاز ثبت أن التأخير رخصة والفضل في الفعل.
والله أعلم.
والخبر على من يجهده الصيام حتى خيف عليه، وكذلك ماجاء من الآثار: "أن ليس من البر الصيام في السفر" .
والله أعلم.
وعلى هذا يخرج قول أصحابنا في المكره على الفطر: أنه إن كان مريضاً أو مسافراً لا يسعه ألا يفطر لما جاء في ذلك من الوعدي في الفعل في السفر في حال الضرورة، ويسعه لو كان صحيحاً مقيماً لما لم يذكر له الرخصة، ويلزمه فيه القضاء، مع ما فيه؛ إذ لم يكن ظهر الإذن في تلك الحال كان كفه عنه تعظيماً لأمر دينه، من غير أن ذكر له في الدين النهي عنه، فهو في سعة، وليس كالمكره على أكل الميتة، ما ليس ذلك بذي بدل.
وقد فرق بين ذي بدل وما بدل له، نحو إتلاف مال آخر، وأكل الميتة، ولأن علته الاضطرار وليست علة الفطر في السفر تلك، إذ قد يجوز، لا له، فهو عذر النفس، لا ضرورة النفس؛ فكأنه غير معقول العلة، وفيه تعظيم الدين.
وليس في أكل الميتة وما ذكر.
ولا قوة إلا بالله.
ثم السفر الذي له الرخص: أجمع أنه لم يرد به المكان، لما جاء الفطر في الأمصار، ثبت أنه لنفس السفر.
ثم كان السفر - حقيقته الظهور [و] الخروج عن الأوطان، وقد يكون مثله في الخروج عن الأوطان إلى الضياع ونحوه، ولم يؤذن في الفطر؛ ثبت أنه راجع إلى الحد، وعلى ذلك متفق القول.
ثم كان الحد المرخص عندنا: الخروج على قصد سفر ثلاثة أيام لخصال ثلاث: أحدها: الإجماع على أن هذا الحد مرخص ودونه تنازع.
والتنازع يوجب النظر؛ لا الفتوى بالرخص، وفي ذلك أمر بفعل الصيام.
والثاني: مجيء الخبر من وجهين: أحدهما: في تقدير مسح السفر بثلاثة أيام، ومعلوم أنه جعل للسفر حدّاً ووقتاً لفعل رخصة المسح وأوقات الأفعال على اختلافها.
يتفق على أنها لا تقصر عن احتمال الأفعال على الوفاء، وليس بما لم يدخل الليالي في حق السفر عبرة؛ لأن الأسفار وإن كانت مؤسسة على قطع الطرق والسير فيها، فإن دوام السير يجحف صاحبه ويهلكه، وفي ذلك منع السفر؛ ثبت أن أوقات السعي والسير مشترطة داخلة في حق السفر.
لذلك صارت الليالي كالمعفوة، فتكون محيطة بما فيها من فعل المسح.
والثاني: ما جاء من الأثر في النهي عن سفر ثلاثة أيام إلا المحرم.
وهو المنهي لما جاء به النهي، وفيما دونه تنازع، لم يوجب الرخصة للإشكال في حق التمام لما له الرخصة على ما كان لما له النهي.
والله أعلم.
والوجه الثالث: أن السفر عذر، والنهايات في الأعذار الثلاث، فكذلك بالأيام؛ إذ بها يسافر.
وقال موسى : ﴿ قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً ﴾ .
وأما المرض فلم يجز أن يكون اسمه سبباً للرخصة؛ إذ ربما كان المرض يخفف الصيام ويسهل عليه سبيل فعله.
ومن البعيد الترخيص بما يسهل فيه الفعل، والتضييق لما يشتد؛ فثبت أنه ليس لاسم المرض.
وعلى ذلك الإجماع فهو - والله أعلم - لما يخاف أن يزداد له بترك الأكل الداء، ويقبح على المرء اكتساب الداء وتعاطي الضارية، فرخص له الظفر بذلك، وذلك معنى البشرية، إذ به تخفيف ما به أو منع، أو ما يعتريه من الضرر، ولهذا ما رخص أصحابنا لمن به رمد يخاف الزيادة فيه.
وقد روي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن النبي قال: "يفطر المريض والحبلى إذا خافت أن تضع ولدها، والمرضع إذا خافت الفساد على ولدها" ثبت أن الرخصة لما يخاف من فساد ينزل.
ولا قوة إلا بالله.
وعن عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، عن رسول الله أنه قال: "من مات من طعام أو شراب وهو يقدر فله النار" وبالله المعونة.
وقوله: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ .
قال قائلون: يطيقون الفداء.
وذلك في الأمر الأول في المسافر والمريض أن له أن يقضي في أيام أخر، وأن يفدي.
وفيه: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، أي: أن تقضوا الصيام - والله أعلم - إذ قد يحتمل أيضاً أن كانت الرخصة من قبل فيمن عليه بالخيار بين أن يصوم وبين أن يفدي، والصوم خير على ما ذكر في الآية، ثم نسخ ذلك، إن كان على التأويل الأول بقوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...
﴾ الآية، أنه ألزم القضاء على كل حال، وان كان الثاني فقوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، أنه ألزم الفعل على حال، وبمثل ذلك خبر معاذ في إحالة الصيام: أنه كان للمرء خيار بين الفطر والفداء وبين الصيام، ثم نسخ.
في قوله: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ على أثر ذكر السفر والمرض دلالة جعل الصيام في السفر خيراً من الفطر والفداء في غيره، وإن احتمل الذي ذكرت.
والله أعلم.
ثم الدلالة على النسخ في الوجه الذي ذكرت.
ومتفق القول على أن المطلق لم يكن له الخروج من ذلك بالفداء.
فبذلك عرف النسخ مع ما ثبت من قطع الآية على القضاء في أحد الوجهين، وفعل الصيام في الآخر.
وعلى ذلك معتبر القول في الشيخ الفاني الذي لا يقوم للقضاء أن له الفطر والفداء؛ لأن الصوم قد ثبت أنه يحتمل الوفاء بالفداء لكن نسخ بالصيام، فإذا ارتفع الصيام بالعجز عمن يحتمل الخطاب بعبادات الأموال وهم المشايخ، جاز أن يخاطبوا بالصيام ليخرجوا عنه بالفداء.
وعلى ذلك ما جاء في الأثر عن رسول الله بالأمر بالصيام عن الميت، أنه الصيام الذي هو صيام من لا يحتمل فعله وهو الفداء.
والله أعلم.
وقد قرئ (يُطَوَّقُونَهُ) بمعنى يُكلَّفونه، ولا يطيقونه، لكن في الآية ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ولو كان "لا يطيقونه": لا يرغبون فيه، إلا أن يشترط فيه طاقة الجهد.
والله أعلم.
وقوله عز وجل: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾ .
من زيادة فداء، وما يستزيد من الخيرات التي لم يفترض ليعوَّد به الخير.
أو ﴿ تَطَوَّعَ ﴾ فيما أذن له في الفداء بالصوم.
والله أعلم.
وروي عن عائشة، رضي الله عنها، أن رسول الله قال: "لا تسموا شهر رمضان رمضان، فإنما هو اسم من أسماء الله .
انسبوه إلى ما نسبه لكم القرآن" وقوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
أضاف عز وجل الفعل إلى الشهر بقوله: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ؛ فلذلك إذا قصد به صوم الشهر جائز الصوم إن لم ينو الفرض سوى ما ذكرنا.
وكذلك سائر الفرائض نحو الظهر والعصر ينوي ذلك، فيكون ذلك على ما جعله الله من فرض وإن لم ينو الفرض.
ولا قوة إلا بالله.
وعلى ذلك من نوى بالصيام غير صيام الشهر جائز عن صيام الشهر، لما أمرنا بصيام الشهر ولم نؤمر بأن نجعل ذلك لشيء سواه، والشهر موجود لنفسه لا يحتاج صاحبه إلى أن يوجده كان من ذلك على كل حال.
وكذلك كل حق معين في شيء لم يزل عنه نيته إلى غيره؛ كمن بأمر إنساناً بشراء شيء بيعنه لم يتحول عنه بالنية، على أن ذلك كالظهر والعصر ونحو ذلك؛ فيحال على تحقيق ذلك قصد غير، وبعد فإن كلا يجمع ألا يجوز غير؛ فثبت أن استحقاق الشهر بصومه لا يستحق عليه غيره من الصيام فجاز عنه.
وعلى ذلك أجاز أبو حنيفة في السفر غيره، من حيث أذن له في تأخير هذا، أو غيره فرض عليه نحو صوم الظهار والقتل، ولا رخصة له في تأخيره، فجاز فيه؛ إذ هو وقت صيام حول إلى وقت غيره، فصار هذا الوقت بالحكم لغيره، وليس كنية المتطوع؛ لأنه في موضع الرخصة وفي العمل به وقد يكون له مقدار التطوع من الفضل على غيره فهو أولى به.
ولما قد يجوز النفل بلا نية نفل، فكأنه لم ينو النفل.
فهو رجل لم يعمل برخصة الله بل عمل بوجه العزم.
ولا قوة إلا بالله.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
قيل: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ الأكل والشرب والجماع.
ويحتمل: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ المعاصي؛ لأن النفس إذا جاعت شبعت عن جميع ما تهوى وتشتهي.
وإذا شبعت تمنت الشهوات، وتتمنى ما تهوى.
ويحتمل: ﴿ تَتَّقُونَ ﴾ عذاب الله وعقابه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
ألزم بعض الناس على المريض والمسافر قضاء عدة الأيام وإن صاموا، فاستدلوا بظاهر الآية فقالوا: أوجب عليهم القضاء على غير ذكر الإفطار فيها.
واحتجوا أيضاً بما روي عن رسول الله ، أنه قال: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" ، فقد حقق له حكم الإفطار في أن لا صوم له؛ فدل أنه لم يجز، فكان التقديم الصوم عن وقته.
وأما عندنا: فهو على إضمار الإفطار، كأنه قال: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ ﴾ فأفطر، ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
وهو كما ذكر عز وجل في المتأذي: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾ ، أي: من كان به أذى فرفع من رأسه ففدية.
وكما قال في المضطر: ﴿ فَمَنِ ٱضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، ومثله كثير في القرآن.
فلا يجوز لأحد أن يأتي ذلك، ولأن المرض والسفر أعذار رخص الإفطار فيها تخفيفاً وتوسيعاً على أربابها، فلو كان على ما قال هو لكان فيه تضييق عليهم؛ ولأنه إذا قضى في عدة من الأيام إنما يقضي عن ذلك الوقت، فلو لم يجز الفعل في ذلك الوقت وفي تلك الحال، لكان لا يأمر بالقضاء عن ذلك الوقت ولا عن تلك الحال؛ فدل أنه على ما ذكرنا.
والله أعلم.
وأصله: ما روي عن رسول الله أنه صام في السفر، وروي أنه أفطر، وروي عن الصحابة، أنهم صاموا في السفر.
ولو كان لا يجوز لكان لا معنى لصومهم.
وأما قوله: "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" ، فهو عندنا: إذا كان الصوم أجهده وضعفه لزمه أن يفطر، صار كالذي أفطر في الحضر.
والله أعلم.
وروي عن أنس - رضى الله عنه [أنه] - قال: "الصوم أفضل والفطر رخصة" وقوله : ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ .
قرأ بعضهم: "وعلى الذين يُطَوَّقُونَه"، فمعناه يكلفونه.
وقال بعضهم: "لا يطيقونه".
لكن هذا لا يحتمل؛ وذلك أنه قال: ﴿ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، دل أن قوله: "لا يطيقونه" لا يحتمل.
وقيل: كان أول ما ترك الصوم كان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً كل يوم، فلما نزل صوم شهر رمضان نسخ ما كان قبله عمن يطيق الصوم، ويثبت الرخصة لمن لا يطيق من نحو الشيخ الفاني، والحبلى والمرضع إذا خافت على ولدها.
وقيل: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ، أي: الفدية.
وقيل: ﴿ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾ ، ثم عجزوا، ﴿ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ كل يوم.
وقيل: إن المريض والمسافر إن شاءا أفطرا وقضيا، وإن شاءا أفطرا وفديا.
لكن ذلك كله منسوخ بما ذكرنا بنزول ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ﴾ .
وروي عن أنس، رضي الله عنه، أنه قال: "أحيل الصوم ثلاثة أحوال: فمرة يقضي، ومرة يطعم، ومرة يصام، ثم نسخ هذا كله" ثم الأصل في هذا: أن من عجز عن قضائه جعل له الخروج بالفداء بعجزه عن ابتدائه، من نحو الشيخ الفاني وغيره.
ومن لم يعجز عن قضائه، لم يجعل له الخروج بالفداء، من نحو المرضع والحبلى المريض والمسافر؛ لأنهم لم يعجزوا عن غير المفروض والبدل أبداً، إنما يجب إذا عجز عن إتيان الأصل.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً ﴾ .
يحتمل: زيادة الطواف.
ويحتمل: نفس الحج.
ويحتمل: أصل التطوع أن كل ما يتطوع به فهو خير له إذا تطوع في الأصل خير.
وقوله: ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .
قوله: ﴿ هُدًى لِّلنَّاسِ ﴾ .
قيل: يهتدون به الطريق المستقيم.
وقيل: بيان للناس من الضلالة.
وقوله: ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ ﴾ .
قيل: حجج للناس إذا تأملوه.
وقيل: ﴿ وَبَيِّنَاتٍ ﴾ أي: فيه الحلال، والحرام، والأحكام، والشرائع.
وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانِ ﴾ .
قيل: يفرق بين الحق والباطل.
وقيل: ﴿ وَٱلْفُرْقَانِ ﴾ ، المخرج في الدِّين من الشبهة والضلالة.
قال ابن عباس - رضي الله عنه -: "نزل الفرقان إلى السماء الدنيا من اللوح جملة في شهر رمضان في ليلة القدر - في ليلة مباركة - جملة واحدة، ثم أنزل بعد ذلك على مواقع النجوم رسلاً رسلاً في الشهور والأيام على قدر الحاجات" وقوله : ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ وهو مقيم صحيح، ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
ثم رخص للمريض والمسافر الإفطار بقوله عز وجل: ﴿ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ .
ويحتمل قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ أي: من شهد منكم بعقله الشهر ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ فلا يدخل في الخطاب المجانين ولا الصبيان، ألا ترى أن أول الخطاب خرج للمؤمنين بقوله عز وجل: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ فهؤلاء لم يدخلوا فيه؛ فدل أن قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ ﴾ أي: شهد منكم بعقله، ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
ثم يحتمل أن تكون فرضية الصوم بقوله عز وجل: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ .
ويحتمل: لا بهذا، ولكن بقوله: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ؛ إذ لا يجب إكمال العدة لما مضى إلا على حق الفرضية والثاني: قال الله : ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، بما رخص للمريض والمسافر الإفطار، ولو كان غير فرض لم يكن لما ذكر من الامتنان علينا بالتيسير معنى؛ لأن المنة لا تذكر فيما له تركه؛ فدل أنه فرض.
ويحتمل: أن يكون فرضيته بقوله عز وجل: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ ﴾ ؛ لأن قوله: ﴿ كُتِبَ ﴾ ، أي: فرض.
فدلت هذه الآيات على أنه فرض.
ثم اختلف فب قضاء ما فات منه برخصة الإفطار في السفر أو في المرض: قال بعضهم: لا يجوز إلا متتابعاً.
وكذلك روي في حرف أبي بن كعب في قوله: "فعدة من أيام أخر متتابعات".
وأما عندنا: فإنه يجوز متتابعاً ومتفرقاً؛ اتباعاً لما روي عن خمسة من أصحاب رسول الله ، أنهم قالوا: "إن شاء تابع، وإن شاء فرق" سوى أن عليّاً، رضي الله عنه قال: يتابع، لكنه إن فرق جاز، ثم عن علي، وعبد الله بن عباس، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، رضي الله عنهم، وآخر لست أذكره، أنهم قالوا: بجواز ذلك، ولا يحتمل أن التتابع شرطاً فيه خفى ذلك على هؤلاء، أو تركوه إن عرفوه؛ فدل أنه لا يصح ذكر التتابع شرطاً فيه، وليس كذكر التتابع في صوم كفارة اليمين في حرف ابن مسعود، رضي الله عنه؛ لأنه لم يخالفه أحد من الصحابة، رضون الله عليهم أجمعين، في ذلك، فصار كالمتلو.
وهاهنا قد خالفوا أبيّاً في حرفه؛ لم يصر كالمتلو؛ لذلك افترقا.
والله أعلم.
وقراءة أبي إن ثبتت عنه، فهو على الأرب؛ لما ذكر من إجماع الصحابة، رضي الله عنهم، وبما أنه وجب بوقت، وكل ذي وقت فليس التتابع بشرط فيه في غير ذلك الوقت.
لو كان التتابع شرطاً، لكان حق الإفطار يلزم الكل؛ حتى يكون القضاء موصولاً أو الابتداء.
فأما إذا جاز التفريق بين بعض له حكم الابتداء وبعض له حكم القضاء، لجاز في غيره من الأبعاض؛ إذ كل ذلك له في الابتداء جاز الفعل والترك.
فصار حق كل يوم في القضاء لنفسه لا لغيره؛ إذ كذلك حقه في الترك القضاء، وفي الفعل في الابتداء.
ولا قوة إلا بالله.
وما ذكر من المسائل فهي مبنية على هذا الذي ذكرت: أن التتابع للفعل لا يحتمل اعتراض رخصة التفريق على إمكان الجمع؛ ثبت أن الجمع شرط فيه.
وما نحن فيه يحتمل صوم كل يوم على الانفراد أن يؤخر فعله في الشهر بالرخصة عن غيره كذلك القضاء.
والله أعلم.
وبعد، لو كان التتابع شرطاً لم يكن لقوله: ﴿ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ ، وقوله عز وجل: ﴿ وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ ﴾ ، كبير فائدة، لأن في التتابع شرط الجملة، لا أن يكلف له العدد، وعلى الرجل أن يتم المدة التي للقضاء، لا أن يحفظ الحساب لإكمال العدة.
والله أعلم.
والأصل: أن كل صوم يؤمر بالتتابع بحيث الفعل يكون التتابع شرطاً فيه حيثما كان الفعل.
وكل صوم يكون التتابع فيه بحيث الوقت، ففوت ذلك الوقت يسقط حق التتابع.
ولهم على هذا مسائل: إذاقال: "لله عليَّ أن أصوم شعبان"، فلزمه أن يصوم متتابعاً، لكنه إذا فات شيء منه يقضي إن شاء متتابعاً، وإن شاء متفرقاً؛ لأن التتابع بحيث الوقت يسقط لسقوطه.
ولو قال: "لله عليَّ أن أصوم شهراً متتابعاً"، يلزمه أن يصوم متتابعاً، لا يخرج من نذره إلا به؛ لأن التتابع ذكر للصوم، فهو لا يسقط عنه أبداً.
والثاني: ما قال عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، واليسر رخصة، لم يجز أن يجعل فيه ما هو عسر وضيق: وهو التتابع.
والله أعلم.
ثم في قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، دلالة أنه إذا صام من غيره لم يجز؛ لأنه أضاف عز وجل الصوم إلى الشهر، وأشار إليه بقوله عز وجل: ﴿ فَلْيَصُمْهُ ﴾ فلو جاز له أن يصوم من غيره لكان فيه صرف إلى غير ما جعله الله، وفي ذلك خوف اعتراض لأمره، وإشراك في حكمه.
ونسأل الله العصمة من الزيغ عن الحق.
وأما قوله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ ﴾ .
قالت المعتزلة: من صام في السفر أو في المرض فعل ما لم يرد الله؛ لأن الله عز وجل أخبر أنه لم يرد العسر، وإنما أراد اليسر، فإذا صام في المرض أو في السفر أراد العسر، والله أخبر أنه لم يرد، فدل أنه فعل ما لم يرد الله.
لكن الوجه عندنا: أن قوله: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ ﴾ ، معناه: أراد الله بكم اليسر لما رخص لكم الإفطار في السفر؛ لأنهم أجمعوا على أن الصوم في السفر أفضل، والإفطار رخصة، ولا جائز أن يقال: لم يرد الله ما هو أفضل، وأراد ما هو دونه على قولهم، ولكن يقال: أراد لمن أفطر اليسر، وأراد لمن ترك الإفطار العسر، وإرادته نافذه، فلا جائز أن ينفذ في وجه ولا ينفذ في وجه آخر.
وقوله عز وجل: ﴿ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ ﴾ ، أي: يريد أن ييسر عليكم بالإذن في الفطر، لا أن العسر عليكم بالنهي عنه.
وقد يحتمل الفعل، لكنه لم يذكر عن أحد أن الله أراد به اليسر فصام؛ فثبت أن الإرادة موجبة، مع ما لا يحتمل على قولهم أن يكون الصائم في السفر غير مراد، وقد قضى به فرض الله، وأطاع الله فيه.
والمعتزلة يقولون بالإرادة في كل فعل الطاعة فضلاً عن الفريضة.
وقوله: ﴿ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ .
قيل: يعني تعظمون الله، ﴿ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ﴾ لأمر دينه.
ويجوز أن يريد بالتعظيم الأمر بالشكر لما أنعم عليهم من أنواع النعم من التوحيد والإسلام وغيره.
﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ : أي: ربكم بهذه النعم التي أنعمها عليكم.
ويحتمل: أنه أمر بالتعظيم له والشكر لما رخص لهم الإفطار في السفر والمرض.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
شهر رمضان الَّذي بدأ فيه نزول القرآن على النبي في ليلة القدر، أنزله الله هدايةً للناس، فيه دلائل الواضحات من الهدى، والفرقان بين الحق والباطل، فمن حضر شهر رمضان وهو مقيم صحيح فليصمه وجوبًا، ومن كان مريضًا يشق عليه الصوم أو مسافرًا؛ فله أن يفطر، وإذا أفطر فالواجب عليه أن يقضي تلك الأيام التي أفطرها، يريد الله بما شرع لكم أن يسلك بكم سبيل اليسر لا العسر، ولتكملوا عدة صوم الشهر كله، ولتكبروا الله بعد ختام شهر رمضان ويوم العيد على أن وفقكم لصومه، وأعانكم على إكماله ولعلكم تشكرون الله على هدايتكم لهذا الدين الَّذي ارتضاه لكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.j9ONQ"
الكلام في سرد الأحكام فلا حاجة إلى التناسب بين كل حكم وما يليه، والصيام في اللغة الإمساك والكف عن الشيء، وفي الشرع الإمساك عن الأكل والشرب وغشيان النساء من الفجر إلى المغرب احتسابًا لله وإعدادًا للنفس وتهيئة لها لتقوى الله بالمراقبة له، وتربية الإرادة على كبح جماح الشهوات ليقوى صاحبها على ترك المضار والمحرمات.
وقد كتب على أهل الملل السابقة فكان ركنًا من كل دين، لأنه من أقوى العبادات وأعظم ذرائع التهذيب، وفي إعلام الله تعالى لنا بأنه فرضه علينا كما فرضه على الذين من قبلنا إشعار بوحدة الدين في أصوله ومقصده، وتأكيد لأمر هذه الفرضية وترغيب فيها.
ولقد أبهم الله هؤلاء الذين من قبلنا، والمعروف أن الصوم مشروع في جميع الملل حتى الوثنية، فهو معروف عن قدماء المصريين في أيام وثنيتهم، وانتقل منهم إلى اليونان فكانوا يفرضونه لا سيما على النساء، وكذلك الرومانيون كانوا يعنون بالصيام، ولا يزال وثنيو الهند وغيرهم يصومون إلى الآن، وليس في أسفار التوراة التي بين أيدينا ما يدل على فرضية الصيام، وإنما فيها مدحه ومدح الصائمين، وثبت أن موسى صام أربعين يومًا، وهو يدل على أن الصوم كان معروفًا مشروعًا ومعدودًا من العبادات، واليهود في هذه الأزمنة يصومون أسبوعًا تذكارًا لخراب أورشليم وأخذها.
ويصومون يومًا من شهر آب.
وأما النصارى فليس في أناجيلهم المعروفة نص في فريضة الصوم وإنما فيها ذكره ومدحه واعتباره عبادة كالنهي عن الرياء وإظهار الكآبة فيه، بل تأمر الصائم بدهن الرأس وغسل الوجه حتى لا تظهر عليه أمارة الصيام فيكون مرائيًا كالفريسيين، وأشهر صومهم وأقدمه الصوم الكبير الذي قبل عيد الفصح، وهو الذي صامه موسى وكان يصومه عيسى عليهما السلام، والحواريون ، ثم وضع رؤساء الكنيسة ضروبًا أخرى من الصيام، وفيها خلاف بين المذاهب والطوائف، ومنها صوم عن اللحم وصوم عن السمك وصوم عن البيض واللبن، وكان الصوم المشروع عند الأولين منهم كصوم اليهود يأكلون في اليوم والليلة مرة واحدة، فغيروه وصاروا يصومون من نصف الليل إلى نصف النهار، ولا نطيل في تفصيل صيامهم، بل نكتفي بهذا في فهم قوله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ أي فرض عليكم كما فرض على المؤمنين من أهل الملل قبلكم، فهو تشبيه الفرضية بالفرضية ولا تدخل فيه صفته ولا عدة أيامه، وفي قصتي زكريا ومريم عليهما السلام أنهم كانوا يصومون عن الكلام، أي مع الصيام عن شهوات الزوجية والشراب والطعام، قال البيضاوي: إن الصوم في اللغة الإمساك عما تنازع إليه النفس، لا مطلق الإمساك كما يقول الجمهور، وقال أبو عبيدة من رواة اللغة:"كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم"، ثم قال: "خيل صيام وخيل غير صائمة" أي قيام بلا اعتلاف.
﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ هذا تعليل لكتابة الصيام ببيان فائدته الكبرى وحكمته العليا، وهو أنه يعد نفس الصائم لتقوى الله تعالى بترك شهواته الطبيعية المباحة الميسورة امتثالًا لأمره واحتسابًا للأجر عنده، فتتربى بذلك إرادته على ملكة ترك الشهوات المحرمة والصبر عنها فيكون اجتنابها أيسر عليه، وتقوى على النهوض بالطاعات والمصالح والاصطبار عليها فيكون الثبات عليها أهون عليه، ولذلك قال "الصيام نصف الصبر".
وهذا معنى دلالة ﴿ لَعَلّ ﴾ على الترجي فالرجاء إنما يكون فيما وقعت أسبابه، وموضعه هنا المخاطبون لا المتكلم، ومن لم يصم بالنية وقصد القربة لا ترجى له هذه الملكة في التقوى.
فليس الصيام في الإسلام لتعذيب النفس لذاته بل لتربيتها وتزكيتها.
إن الوثنين كانوا يصومون لتسكين غضب آلهتهم إذا عملوا ما يغضبهم، أو لإرضائها واستمالتها إلى مساعدتهم في بعض الشؤون والأغراض، وكانوا يعتقدون أن إرضاء الآلهة والتزلف إليها يكون بتعذيب النفس وإماتة حظوظ الجسد، وانتشر هذا الاعتقاد في أهل الكتاب، حتى جاء الإسلام يعلمنا أن الصوم ونحوه إنما فرض لأنه يعدنا للسعادة بالتقوى، وأن الله غني عنا وعن عملنا، وما كتب علينا الصيام إلا لمنفعتنا.
قلنا إن معنى "لعل" الإعداد والتهيئة، وإعداد الصيام نفوس الصائمين لتقوى الله تعالى يظهر من وجوه كثيرة أعظمها شأنًا، وأنصعها برهانًا، وأظهرها أثرًا، وأعلاها خطرًا -(شرفًا)- أنه أمر موكول إلى نفس الصائم لا رقيب عليه فيه إلا الله تعالى، وسر بين العبد وربه لا يشرف عليه أحد غيره سبحانه، فإذا ترك الإنسان شهواته ولذاته التي تعرض له في عامة الأوقات لمجرد الامتثال لأمر ربه والخضوع لإرشاد دينه مدة شهر كامل في السنة، ملاحظًا عند عروض كل رغيبة له -من أكل نفيس، وشراب عذب، وفاكهة يانعة، وغير ذلك كزينة زوجه أو جمالها الداعي إلى ملابستها- أنه لولا اطلاع الله تعالى عليه ومراقبته له لما صبر عن تناولها وهو في أشد التوق لها، لا جرم أنه يحصل له من تكرار هذه الملاحظة المصاحبة للعمل ملكة المراقبة لله تعالى والحياء منه سبحانه أن يراه حيث نهاه، وفي هذه المراقبة من كمال الإيمان بالله تعالى والاستغراق في تعظيمه وتقديسه أكبر معد للنفوس ومؤهل لها لضبط النفس ونزاهتها في الدنيا، ولسعادتها في الآخرة.
كما تؤهل هذه المراقبة النفوس المتحلية بها لسعادة الآخرة تؤهلها لسعادة الدنيا أيضًا.
انظر هل يُقْدِم مَن تُلَابس هذه المراقبة قلبه على غش الناس ومخادعتهم؟
هل يسهل عليه أن يراه الله آكلًا لأموالهم بالباطل؟
هل يحتال على الله تعالى في منع الزكاة وهدم هذا الركن الركين من أركان دينه؟
هل يحتال على أكل الربا؟
هل يقترف المنكرات جهارًا؟
هل يجترح السيئات ويسدل بينه وبين الله ستارًا؟
كلا؟
إن صاحب هذه المراقبة لا يسترسل في المعاصي إذ لا يطول أمد غفلته عن الله تعالى، وإذا نسي وألم بشيء منها يكون سريع التذكر قريب الفيء والرجوع بالتوبة الصحيحة ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ فالصيام أعظم مرب للإرادة، وكابح لجماح الأهواء، فأجدر بالصائم أن يكون حرًا يعمل ما يعتقد أنه خير، لا عبدًا للشهوات.
إنما روح الصوم وسره في هذا القصد والملاحظة التي تحدث هذه المراقبة وهذا هو معنى كون العمل لوجه الله تعالى.
وقد لاحظه من أوجب من الأئمة تبييت النية في كل ليلة، ويؤيد هذا ما ورد من الأحاديث المتفق عليها كقوله :"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه".
قالوا أي من الصغائر، وقد يكون الغفران للكبائر مع التوبة منها لأن الصائم احتسابًا وإيمانًا على ما بينا يكون من التائبين عما اقترفه فيها قبل الصوم، وقوله في الحديث القدسي "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" وفي حديث آخر" يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي".
فأين هذا من حال أولئك الغافلين عن الله وعن أنفسهم الذين يفطرون في رمضان عمدًا، أو الذين يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله، كالأدنياء الذين يأكلون ولو في بيوت الأخلية حيث تأكل الجرذ، والذين يغطسون في الجداول والأنهار ويشربون في أثناء ذلك.
وما قذف بهؤلاء وأمثالهم -ومن هم شر منهم كالمجاهرين بالفطر- إلا تلقينهم العبادة جافة خالية من الروح الذي ذكرناه، والسر الذي أفشيناه، فحسبوها عقوبة كما كان يحسبها الوثنيون من قبل، وما كل إنسان يتحمل العقوبة راضيًا مختارًا.
وههنا شيء ذكره بعضهم ويشمئز الإنسان من شرحه وبيانه وهو أن الصوم يكسر الشهوة بطبعه فتضعف النفوس ويعجز الإنسان عن الشهوات والمعاصي، وفيه من معنى العقوبة والإعنات ما كان يفهمه الكثير من جميع مطالب الدين وراثة عن آبائهم الأولين من أهل الديانات الأخرى، وإذا طبقنا هذا القول على ما نعهده وجودًا ووقوعًا لا نجده موافقًا.
لأن المعروف أن الإنسان إذا جاع يضرى بالشهوات وتقوى نهمته ويشتد قرمه، وآثار هذا ظاهر في صوم أكثر المسلمين فإنهم في رمضان أكثر تمتعًا بالشهوات منهم في عامة السنة، فما سبب هذا وما مثاره؟
أليس هو الضراوة بالشهوات؟
بلى.
ومن وجوه إعداد الصوم للتقوى أن الصائم عندما يجوع يتذكر من لا يجد قوتًا فيحمله التذكر على الرأفة والرحمة الداعيتين إلى البذل والصدقة، وقد وصف الله تعالى نبيه بأنه رؤوف رحيم، ويرتضي لعباده المؤمنين ما ارتضاه لنبيه ولذلك أمرهم بالتأسي به ووصفهم بقوله (رحماء بينهم).
ومن فوائد عبادة الصيام الاجتماعية المساواة فيه بين الأغنياء والفقراء والملوك والسوقة، ومنها تعليم الأمة النظام في المعيشة فجميع المسلمين يفطرون في وقت واحد لا يتقدم أحد على آخر دقيقة واحدة وقلما يتأخر عنه دقيقة واحدة.
ومن فوائده الصحية إنه يفني المواد الراسبة في البدن ولا سيما أبدان المترفين أُولي النهم وقليلي العمل، ويجفف الرطوبات الضارة، ويطهر الأمعاء من فساد الذِّرْب والسموم التي تحدثها البطنة، ويذيب الشحم أو يحول دون كثرته في الجوف وهي شديدة الخطر على القلب، فهو كتضمير الخيل الذي يزيدها قوة على الكر والفر.
قال "صوموا تصحوا"، ويؤيده: "اغزوا تغتنموا وصوموا تصحوا وسافروا تستغنوا".
وقال بعض أطباء الإفرنج إن صيام شهر واحد في السنة يذهب بالفضلات الميتة في البدن مدة سنة.
وأعظم فوائده كلها الفائدة الروحية التعبدية المقصودة بالذات وهي أن يصوم لوجه الله تعالى كما هو الملاحظ في النية على ما قدمنا، ومن صام لأجل الصحة فقط فهو غير عابد لله في صيامه، فإذا نوى الصحة مع التعبد كان مثابًا كمن ينوى التجارة مع الحج، فإنه لولا العبادة لاكتفى بالجوع والحمية، وآية الصيام بهذه النية والملاحظة التحلي بتقوى الله تعالى وما يتبعها من أحاسن الصفات والخلال وفضائل الأعمال.
ولا أشك في أن من يصوم على هذا الوجه يكون راضيًا مرضيًا مطمئنًا بحيث لا يجد في نفسه اضطرابًا ولا انزعاجًا.
نعم ربما يوجد عنده شيء من الفتور الجسماني وأما الروحاني فلا، وأعرف رجلًا لا يغضب في رمضان مما يغضب له في غيره، ولا يمل من حديث الناس ما كان يمله في أيام الفطر، وذلك لأنه صائم لوجه الله تعالى.
أين هذا كله من الصوم الذي عليه أكثر الناس وهو ما تراهم متفقين عليه من إثارته لسرعة السخط والحمق، وشدة الغضب لأدنى سبب، واشتهر هذا بينهم وأخذوه بالتسليم حتي صاروا يعتقدون أنه أثر طبيعي للصوم، فهم إذا أفحش أحدهم قال الآخر: لا عتب عليه فإنه صائم.
وهو وهم استحوذ على النفوس فحل منهم محل الحقيقة وكان له أثرها، ومتى رسخ الوهم في النفس يصعب انتزاعه على العقلاء الذين يتعاهدون أنفسهم بالتربية الحقيقية دائمًا، فكيف حال الغافلين عن أنفسهم المنحدرين في تيار العادات والتقاليد الشائعة، لا يتفكرون في مصيرهم، ولا يشعرون في أي لجة يقذفون، فتأثير الصوم في أنفسهم مناف للتقوى التي شرع لأجلها، ومخالف للأحاديث النبوية التي وصف بها أهلها، ومن أشهرها حديث "الصيام جنة" وهي بضم الجيم الوقاية والستر فهو يقي صاحبه من المعاصي والآثام، ومن عقابها، وغايته دخول النار.
إن أكثر الناس يلاحظون في صومهم حفظ رسم الدين الظاهر، وموافقة الناس فيما هم فيه، حتى إن الحائض تصوم وترى الفطر في نهار رمضان عارًا ومأثمًا، ولا بأس بهذا الصوم من غير الحائض لحفظ ظاهر الإسلام وإقامة هيكل شعائره، ولكنه لا يفيد الأفراد شيئًا في دينهم ولا في دنياهم لخلوه من الروح الذي يُعِدُّهم للتوقي، ويؤهلهم لسعادة الآخرة والدنيا.
فأين هذا مما عليه الناس من الاستعداد لمآكل رمضان وشرابه بحيث ينفقون فيه على ذلك ما يكاد يساوي نفقة سائر السنة، حتى كأن الإمساك عن الطعام في النهار إنما هو لأجل الإستكثار منه في الليل!!، وهذا هو الصوم المراد بقوله "كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش".
ولا نطيل بشرح ما عليه الناس فهم يعلمونه علمًا تامًا وفيما كتب كفاية لمن يريد معرفة حقه من باطله.
ثم بيّن تعالى أن الصيام الذي كتبه علينا معين محدود فقال ﴿ أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ ﴾ أي معينات بالعدد أو قليلات وهي أيام رمضان كما سيأتي، وروي عن ابن عباس وغيره، قال المفسرون وعليه أكثر المحققين، وزعم بعض الناس أن هذه الأيام غير رمضان وهي يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وعينها بعضهم بأنها الأيام البيض أي الثالث عشر وما بعده ثم نسخت بآية "شهر رمضان" الآتية، ولم يثبت في السنة أن الصوم كان واجبًا على المسلمين قبل فرض رمضان، ولو وقع لنقل بالتواتر لأنه من العبادات العملية العامة.
نعم ورد في الصحيح الأحادي أحاديث متعارضة في صوم يوم عاشوراء في الجاهلية وبعد الإسلام بعضها بالأمر به في المدينة وبعضها بالتخيير، ولكن لا دليل على أنه فرضًا عامًا في المسلمين، ولا على أنه نسخ، فهم لا يزالون يصومونه استحبابًا من شاء منهم، بل يدل حديث "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" مع ما ورد من أنه مات من سنته تلك على أن الأمر بصوم عاشوراء كان في آخر زمن البعثة، وليس هذا محل تمحيص هذه الروايات والجمع بينها ولكن كان لبعض العلماء ولع بتكثير استخراج الناسخ والمنسوخ من القرآن لما فيه من الدلالة على سعة العلم بالقرآن وإن كان علمًا بإبطال القرآن بادي الرأي، من غير حجة تضاهي حجة القرآن في القطع والقوة.
ولا ينبغي للمؤمن أن يحسب هذا هينًا وهو عند الله عظيم.
﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أي من كان كذلك فأفطر فعليه صيام عدة من أيام أخر غير تلك الأيام المعدودات، أي فالواجب عليه القضاء إذا أفطر بعدد الأيام التي لم يصمها، وكل من المريض والمسافر عرضة لاحتمال المشقة بالصيام، وإطلاق كلمة "مريضًا" يدل على أن الرخصة لا تتقيد بالمرض الشديد الذي يعسر معه الصوم، وروي هذا عن عطاء وابن سيرين وعليه البخاري لأن أمثال هذه الأحكام تقرن بمظنة المشقة تحقيقًا للرخصة، فرب مرض لا يشق معه الصوم ولكنه يكون ضارًا بالمريض وسببًا في زيادة مرضه وطول مدته، وتحقيق المشقة عسر، وعرفان الضرر أعسر.
واستدل الجمهور على تقييده بالمرض الذي يعسر الصوم معه بقوله في الآية الأخرى ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ ولا دليل، فإنه تعليل لأصل الرخصة، وكمالها أن لا يكون فيها تضييق.
وكذلك السفر يشمل إطلاقُه وتنكيرُه الطويل والقصير وسفر المعصية.
فالعمدة فيه ما يسمى في العرف سفرًا كسائر الألفاظ المطلقة في الشرع.
والعرف يختلف باختلاف أسباب المعيشة ووسائل النقل فالذي يركب في هذا الزمن سيارة بخارية أو طيارة هوائية مسافة ثلاثة أميال أو فراسخ أو مسافة يوم أو يومين بتقدير سير الأثقال ليمكث مدة قصيرة ثم يعود إلى بلده وداره، لا يسمى في العرف مسافرًا بل متنزهًا.
﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ هذا هو القسم الثاني من المستثنى وهو من لا يستطيع الصوم إلا بمشقة شديدة، أي وعلى الذين يشق عليهم الصيام فعلًا فدية طعام مسكين عن كل يوم يفطرون فيه من أوسط ما يطعمون منه أهليهم في العادة الغالبة لا أعلاه ولا أدناه، ويطعم بقدر كفايته أكلة واحدة أو بقدر شبع المعتدل الأكلة وكانوا يقدرونها بمد وهو بالضم ربع الصاع وقدروه بالحفنة وهي ملء الكفين من القمح أو التمر، وترتيب الفدية على الإفطار لأجل المشقة الشديدة يعرف بالقرينة كقوله ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ يعني إذا أفطر.
والإطاقة أدنى درجات المكنة والقدرة على الشيء فلا تقول العرب أطاق الشيء إلا إذا كانت قدرته عليه في نهاية الضعف بحيث يتحمل به مشقة شديدة.
فالمراد بالذين يطيقونه هنا الشيوخ والضعفاء والزمني الذين لا يرجى برء أمراضهم ونحوهم كالفعلة الذين جعل الله معاشهم الدائم بالأشغال الشاقة كاستخراج الفحم الحجري من مناجمه ومنهم المجرمون الذين يحكم عليهم بالأشغال الشاقة المؤبدة إذا كان الصيام يشق عليهم بالفعل وكانوا يملكون الفدية.
ذهب كثيرون إلى أن الآية منسوخة إذ فهموا أن الإطاقة بمعنى الاستطاعة، وقدر بعض المفسرين (كالجلال) حرف نفي فقال : وعلى الذين لا يطيقونه فدية، ليوافق مذهبه والآية موافقة له من غير حاجة إلى جعل الإثبات نفيًا كما قلنا آنفًا، وقال بعضهم إن الهمزة في الإطاقة للسلب فمعناها الذين لا يطيقونه من غير تقدير حرف النفي.
وهو قول منقول معقول، ويظهر بإرادة سلب الطاقة أي القوة به لا قبله.
والقاعدة أنه لا يحكم بالنسخ إذا أمكن حمل القول على الأحكام.
ثم قال تعالى بعد بيان الواجب الحتم والرخص فيه ﴿ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا ﴾ بأن زاد على تلك الأيام المعدودات ﴿ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ ﴾ لأن فائدته وثوابه له، والفاء في قوله فمن تطوع تدل على هذا لأنها تفريغ على حصر الفرضية في الأيام المعدودات ولا يصلح تفريعًا على حكم الفدية لأن من سقط عنه الفرض دائمًا مع الفدية عنه لا يعقل أن يندب للتطوع الذي هو الزيادة على الفرض.
وجعل (الجلال) التطوع متعلقًا بالكفارة بأن يزيد على إطعام المسكين وهو بعيد، والأقرب منه شموله لهما.
﴿ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ أي والصيام خير لكم كما قرأها أبي بن كعب ، وإنما هي تفسير.
أي خير عظيم لما فيه من رياضة الجسد والنفس وتربية الإرادة وتغذية الإيمان بالتقوى وتقويته بمراقبة الله تعالى.
قال أبو أمام للنبي مرني بأمر أخذه عنك قال "عليك بالصوم فإنه لا مثيل له" رواه النسائي بسند صحيح ﴿ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ وجه الخيرية فيه لا إن كنتم تصومون تقليدًا من غير فقه، ولا علم بسر الحكم وحكمة الشريع، وكونه لمصلحة المكلفين، لأن الله غني عن العالمين، أو اتباعًا لعادات الخلطاء والمعاشرين.
هذا ما يظهر من الآية، وقد ذكر بعض المفسرين أن الخطاب فيها لأهل الرخص وأن الصيام في رمضان خير لهم من الترخص بالإفطار، وهذا غير مطرد ولا متفق عليه، وتنافيه أحاديث وردت ويبعده التفريع بالفاء كما قدمناه، وبيّنا ما هو الأفضل منه ومن الفطر.
﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ﴾ هذه الآية مستأنفة لبيان تلك الأيام المعدودات التي كتب علينا وأنها أيام شهر رمضان، وأن الحكمة في تخصيص هذا الشهر بهذه العبادة هي أنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وأفيضت على البشر فيه هداية الرحمن، ببعثة محمد خاتم النبيين ، بالرسالة العامة للأنام، الدائمة إلى آخر الزمان، فالمراد بإنزال القرآن فيه بدؤه وأوله ﴿ هُدًى لِلنَّاسِ ﴾ أي أنزل حال كونه هدى كاملًا للناس كافة ﴿ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى ﴾ أي وآيات بينات واضحات لا لبس في حقيقتها، ولا خفاء في حكمها وأحكامها، من جنس الهدى الذي جاء به الرسل من قبل، ولكنه أبينه وأكمله ﴿ وَالْفُرْقَانِ ﴾ الذي يفرق للمهتدي به بين الحق والباطل، ويفصل بين الفضائل والرزائل، فحق أن يعبد الله تعالى فيه ما لا يعبد في غيره، تذكرًا لإنعامه بهذه الهداية وشكرًا عليها.
والحكمة في ذكر الأيام مبهمة أولًا وتعيينها بعد ذلك أن ذلك الإيهام الذي يشعر بالقلة يخفف وقع التكليف بالصيام الشاق على النفوس وهو الأصل إذ ليس رمضان عامًا في الأرض كما سيأتي بيانه قريبًا.
ثم إن هذا التعين والبيان جاء بعد ذكر حكمة الصيام وفائدته وذكر الرخص لمن يشق عليه، وذكر خيرية الصيام في نفسه واستحباب التطوع فيه وكل ذلك مما يعد النفس لأن تتلقى بالقبول والرضى جعل تلك الأيام شهرًا كاملًا.
وانظر كيف ابتدأ هنا بذكر شهر رمضان وإنزال القرآن فيه ووصف القرآن بما وصفه به حتى كأنه يحكي عنه لذاته بعد الانتهاء من حكم الصوم ثم ثنى بالأمر بصومه فلم يفاجئ النفوس به مع ذلك التمهيد له حتى قدم العلة على المعول، ولعل هذا من حكمة حذف خبر المبتدأ إذا قلنا إن كلمة "شهر رمضان" مبتدأ أو حذف المبتدأ إذا قلنا إنها خبر لمحذوف.
إن حذف الخبر جار على ما نعهده من إيجاز القرآن بحذف ما لا يقع الاشتباه بحذفه، وإن البيان بعد الإبهام جاء على أسلوبه في ذكر الأشياء ثم ذكر علتها وحكمتها، وهي هنا إنزال القرآن الذي هدانا الله تعالى به وجعله آيات بينات من الهدى أي من الكتب المنزلة، والفرقان الذي يفرق بين الحق والباطل، فوصفه بأنه هدى في نفسه لجميع الناس، وأنه من جنس الكتب الإلهية ولكنه الجنس العالي على جميع الأجناس، فإنه آيات بينات من ذلك الهدى السماوي، وكتب الله كلها هدى ولكنها ليست في بيانها كالقرآن، وأضرب مثلًا : كتاب "دانيال" النبي، فإن الله ما أنزله عليه إلا ليتهدي به من يقرأه عليهم ولكنه لم يكن آيات بينات، بل هو كالألغاز والرموز لا يفهم إلا بعناء، وكذلك التوراة التي سماها الله تعالى نورًا وهدى وفيها غوامض ومشكلات وقع الاشتباه فيها، فلم يكن ضياء الحق والهداية متبلجًا وساطعًا من سطورها سطوعه من القرآن.
والذي نراه في هذه الأناجيل أن تلاميذ المسيح أنفسهم ما كانوا يفهمون كل ما يخاطبهم به من المواعظ والأحكام والبشائر وهي الإنجيل الحقيقي في اعتقادنا.
ولم ينقل إلينا أن الصحابة عمي عليهم شيء من آيات القرآن فلم يفهموها، فالقرآن يمتاز على سائر الكتب السماوية بأنه بينات من الهدى الذي توصف به كلها وآيات بينات من الأمر الإلهي الفارق بين الحق والباطل، ولكن المسلمين لم يرضوا كافة بأن يمتاز القرآن بالبيان الذي ليس بعده بيان والهدى لجميع الناس، كما وصف نفسه، فحاولوا تغميضه، والتسليم بأنه غامض لا يفهمه إلا أفراد من الناس أوتوا علمًا جمًا وفاقوا سائر البشر بعقولهم وأفهامهم كما فاقوهم بعلومهم ومعارفهم.
ثم زعموا أن هؤلاء الأفراد كانوا في بعض القرون الأولى، وهم المجتهدون، وأنهم قد انقرضوا، ولم يأت بعدهم ولن يأتي من يسهل عليه أن يفهم القرآن ولو أحكامه فقط.
وتجد هذا القول المناقض للقرآن له مسلمًا بين جماهير المسلمين، حتى الذين يدعون بأنهم علماء الدين، ومن نبذه اهتداء بالقرآن، ربما نبذوه بالكفر والطغيان فأي الفريقين أحق بصدق الإيمان؟!
أما وسر الحق لولا أن المسلمين ألبسوا القرآن ثوبًا غير الثوب الذي ينبغي أن يلبس لكان نور بيانه مشرقًا عليهم وعلى سائر الناس كالشمس ليس دونها سحاب، ولكنهم أبوا إلا أن يتبعوا سنن من قبلهم شبرًا بشبر وذراعًا بذارع، ويصنعوا كتبًا في الدين يزعمون أن بيانها أجلى والاهتداء بها أولى، لأنها بزعمهم أبين حكمًا وأقرب إلى الأذهان فهمًا.
قلنا إن الله تعالى فرض علينا صيام هذا الشهر بخصوصه تذكيرًا بنعمته علينا بإنزال القرآن فيه لنصومه شكرًا له عليها، ومن الشكر أن تكون هدايتنا بالقرآن في مثل وقت نزوله أكمل، ومنها أن يكون الصيام موصلًا إلى حقيقة التقوى، فإذا لم ننتفع بالصيام في أخلاقنا وأعمالنا، ولم نهتد بالقرآن في عامة أحوالنا، فأين الانتفاع بالنعمة وأين الشكر عليها؟
كان جبريل يدارس النبي القرآن في رمضان، ولذلك كان السلف يتدارسونه فيه ويقومون ليله به لزيادة الاهتداء والاعتبار، فماذا كان من اقتداء الخلف بهم؟
كان أن بعض الوجهاء والأغنياء يستحضرون في رمضان من القراء من كان حسن الصوت يتغنى لهم بالقرآن في حجرات الخدم وهم في الغرفات مع أمثالهم وأَقْتَالهم لاهون لاعبون، ومن عساه يصغي منهم أحيانًا إلى القارئ فإنما يريد التلذذ بسماع صوته الحسن وتوقيعه الغنائي، فقد جعلوا القرآن إما مهجورًا وإما لذة نفسية فصدق عليهم قوله ﴿ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهمْ هُزُوًا وَلَعِبًا ﴾ .
وأما معنى إنزال القرآن في رمضان مع أن المعروف باليقين أن القرآن نزل منجمًا متفرقًا في مدة البعثة كلها فهو أن ابتداء نزوله كان في رمضان وذلك في ليلة منه سميت ليلة القدر أي الشرف، والليلة المباركة كما في آيات أخرى، وهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه، على أن لفظ القرآن يطلق على هذا الكتاب كله، ويطلق على بعضه.
وقد ظن الذين تصدوا للتفسير منذ عصر الرواية أن الآية مشكلة، ورووا في حل الإشكال أن القرآن نزل في ليلة القدر من رمضان إلى سماء الدنيا وكان في اللوح المحفوظ فوق سبع سموات ثم نزل على النبي منجمًا بالتدريج، وظاهر قولهم هذا أنه لم ينزل على النبي في رمضان منه شيء خلافًا لظاهر الآيات، ولا تظهر المنة علينا ولا الحكمة في جعل رمضان شهر الصوم على قولهم هذا لأن وجود القرآن في سماء الدنيا كوجوده في غيرها من السموات أو اللوح المحفوظ من حيث إنه لم يكن هداية لنا، ولا تظهر لنا فائدة في هذا الإنزال ولا في الإخبار به، وقد زادو على هذا روايات في كون جميع الكتب السماوية أنزلت في رمضان، كما قالوا إن الأمم السابقة كلفت صيام رمضان.
ولم يصح من هذه الأقوال والروايات شيء وإنما هي حواش أضافوها لتعظيم رمضان، ولا حاجة لنا بها إذ يكفينا أن الله تعالى أنزل فيه هدايتنا وجعله من شعائر ديننا ومواسم عبادتنا، ولم يقل إنه أنزل القرآن جملة واحدة في رمضان، ولا أنه أنزله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، بل قال بعد إنزاله ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾ فهو محفوظ في لوح بعد نزوله قطعًا -وأما اللوح المحفوظ الذي ذكروا أنه فوق السموات السبع وأن مساحته كذا، وأنه كتب فيه كل ما علم الله تعالى فلا ذكر له في القرآن وهو من عالم الغيب فالإيمان به إيمان بالغيب يجب أن يوقف فيه عند النصوص الثابتة بلا زيادة ولا نقص ولا تفصيل، وليس عندنا في هذا المقام نص يجب الإيمان به.
﴿ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ أي فمن حضر منكم دخول الشهر أو حلوله بأن لم يكن مسافرًا فليصمه، وإنما يكون ذلك في أكثر البلاد التي تتألف السنة فيها من اثني عشر شهرًا.
وشهوده فيها يكون برؤية هلاله، فعلى كل من رآه أو ثبتت عنده رؤية غيره له أن يصوم.
وإذا لم يره أحد في الليلة الثلاثين من شعبان وجب صيام يومها وكان أول رمضان ما بعده.
والأحاديث في هذا ثابتة في الصحاح والسنن، وجرى عليها العمل من الصدر الأول إلى اليوم.
وقال بعض المفسرين : إن المراد بالشهر هنا الهلال، وكانت العرب تعبر عن الهلال بالشهر، ويرده أنهم لا يقولون : شهد الهلال، وإنما يقولون رآه، ومعنى شهد حضر، وقال بعضهم إن المعنى : فمن كان حاضرًا منكم حلول الشهر فليصمه.
وإنما عبر بهذه العبارة ولم يقل "فصوموه" لمثل الحكمة التي لم يحدد القرآن مواقيت الصلاة لأجلها، وذلك أن القرآن خطاب الله العام لجميع البشر وهو يعلم أن من المواقع ما لا شهور فيها ولا أيام معتدلة بل السنة كلها قد تكون فيها يومًا وليلة تقريبًا كالجهات القطبية فالمدة التي يكون فيها القطب الشمالي في ليل وهي نصف السنة يكون القطب الجنوبي في نهار بالعكس، ويقصر الليل والنهار ويطولان على نسبة القرب والبعد عن القطبين ويستويان في خط الاستواء وهو وسط الأرض.
أرأيت هل يكلف الله تعالى من يقيم في جهة القطبين منهما أن يصلي في يومه، (وهو سنة أو مقدار عدة أشهر) خمس صلوات إحداها حين يطلع الفجر والثانية بعد زوال الشمس إلخ ويكلفه أن يصوم شهر رمضان بالتعيين ولا رمضان ولا شهور؟
كلا إن من الآيات الكبرى على كون هذا القرآن من عند الله المحيط علمه بكل شيء لا من تأليف البشر ما نراه فيه من الاكتفاء بالخطاب العام الذي لا يتقيد بزمان من جاء به ولا مكانه، ولو كان من عند النبي لكان كل ما فيه مناسبًا لحال زمانه وبلاده وما يليها من البلاد التي يعرفها، ولم تكن العرب تعرف أن في الأرض بلادًا نهارها كعدة أنهر أو أشهر من أنهرنا وأشهرنا ولياليها كذلك.
فمنزل القرآن، وهو علام الغيوب وخالق الأرض والأفلاك، خاطب الناس كافة بما يمكن أن يمتثلوه فأطلق الأمر بالصلاة، والرسول بيّن أوقاتها بما يناسب حال البلاد المعتدلة التي هي القسم الأعظم من الأرض، حتى إذا وصل الإسلام إلى أهل البلاد التي أشرنا إليها يمكنهم أن يقدروا للصلوات باجتهادهم والقياس على ما بينه النبي من أمر الله المطلق.
وكذلك الصيام، ما أوجب رمضان إلا على من شهد الشهر وحضره، والذين ليس لهم شهر مثله يسهل عليهم أن يقدروا له قدره.
وقد ذكر الفقهاء مسألة التقدير بعدما عرفوا بعض البلاد التي يطول ليلها ويقصر نهارها والبلاد التي يطول نهارها ويقصر ليلها، واختلفوا في التقدير على أي البلاد يكون؟
فقيل على البلاد المعتدلة التي وقع فيها التشريع كمكة والمدينة وقيل على أقرب بلاد معتدلة إليهم وكل منهما جائز فإنه اجتهادي لا نص فيه.
﴿ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ أعيد ذكر الرخصة لئلا يتوهم -بعد تعظيم أمر الصوم في نفسه وأنه خير ويندب التطوع به وبعد تحديده بشهر رمضان الذي له من الفضل والشرف ما له- أن صوم هذا الشهر حتم لا تتناوله الرخصة أو تتناوله ولكن لا تحمد فيه، ولعمري إن تأكيد الصوم بمثل ما أكده الله تعالى به يقتضي تأكيد أمر الرخصة أيضًا، ولولا ذلك ما أتاها متق لله في صيامه، بل روى المحدثون أن بعض الصحابة عليهم الرضوان كانوا على تأكيد أمر الرخصة في القرآن يتحامون الفطر في السفر أولًا حتى إن النبي أمرهم به في بعض الأسفار فلم يمتثلوا حتى أفطر هو بالفعل وسمى الممتنع عن الفطر عاصيًا.
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ ﴾ هذا تعليل لما قبله، أي يريد فيما شرعه من هذه الرخصة في الصيام، وسائر ما يشرعه لكم من الأحكام أن يكون دينكم يسرًا تامًا لا عسر فيه، وفي هذا التعبير ضرب من التحريض والترغيب في إتيان الرخصة، ولا غرو فالله يحب أن تؤتى رخصه كما تؤتى عزائمه.
وقد اختلف العلماء في الأفضل للمريض والمسافر على أقوال ثالثها التخيير.
ثم قال ﴿ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ﴾ قرأ الجمهور لتكملوا بالتخفيف من الإكمال، وأبو بكر عن عاصم بالتشديد من التكميل، واللام للتعليل وهي معطوفة على التعليل المستفاد من قوله ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ ﴾ كأنه قال: رخص لكم في حالي المرض والسفر لأنه يريد بكم اليسر وأن تكملوا العدة فمن لم يكملها أداء لعذر المرض أو السفر أكملها قضاء بعده.
وقيل إنها لتقوية الفعل كما في قوله ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ ﴾ أي يريد الله بكم اليسر وأن تكملوا العدة، وهو يجري في كلام البلغاء كثيرًا، وهو الراجح عندي ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ ﴾ من الأحكام النافعة لكم بأن تذكروا عظمته وكبرياءه وحكمته في إصلاح عباده وأنه يربيهم بما يشاء من الأحكام، ويؤديهم بما يختار من التكاليف، ويتفضل عليهم عند ضعفهم بالرخص اللائقة بحالهم ﴿ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ له هذه النعم كلها، بالقيام بها على وجهها، وإعطاء كل من العزيمة والرخصة حقها، فتكونوا من الكاملين.
<div class="verse-tafsir"