الآية ١٨٦ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ١٨٦ من سورة البقرة

وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ١٨٦

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 220 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ١٨٦ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ١٨٦ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، أخبرنا جرير ، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني عن الصلب بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري ، عن أبيه ، عن جده ، أن أعرابيا قال : يا رسول الله ، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ، فأنزل الله : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) .

ورواه ابن مردويه ، وأبو الشيخ الأصبهاني ، من حديث محمد بن أبي حميد ، عن جرير ، به .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا جعفر بن سليمان ، عن عوف ، عن الحسن ، قال : سأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ النبي صلى الله عليه وسلم ] : أين ربنا ؟

فأنزل الله عز وجل : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) الآية .

وقال ابن جريج عن عطاء : أنه بلغه لما نزلت : ( وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ) [ غافر : 60 ] قال الناس : لو نعلم أي ساعة ندعو ؟

فنزلت : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي ، حدثنا خالد الحذاء ، عن أبي عثمان النهدي ، عن أبي موسى الأشعري ، قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا ، ولا نعلو شرفا ، ولا نهبط واديا إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير .

قال : فدنا منا فقال : " يا أيها الناس ، اربعوا على أنفسكم ; فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، إنما تدعون سميعا بصيرا ، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته .

يا عبد الله بن قيس ، ألا أعلمك كلمة من كنوز الجنة ؟

لا حول ولا قوة إلا بالله " .

أخرجاه في الصحيحين ، وبقية الجماعة من حديث أبي عثمان النهدي ، واسمه عبد الرحمن بن مل ، عنه ، بنحوه .

وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود ، حدثنا شعبة ، حدثنا قتادة ، عن أنس رضي الله عنه : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى : أنا عند ظن عبدي بي ، وأنا معه إذا دعاني " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، حدثنا إسماعيل بن عبيد الله ، عن كريمة بنت الخشخاش المزنية ، قالت : حدثنا أبو هريرة : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " قال الله : أنا مع عبدي ما ذكرني ، وتحركت بي شفتاه " .

قلت : وهذا كقوله تعالى : ( إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) [ النحل : 128 ] ، وكقوله لموسى وهارون ، عليهما السلام : ( إنني معكما أسمع وأرى ) [ طه : 46 ] .

والمراد من هذا : أنه تعالى لا يخيب دعاء داع ، ولا يشغله عنه شيء ، بل هو سميع الدعاء .

وفيه ترغيب في الدعاء ، وأنه لا يضيع لديه تعالى ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، حدثنا رجل أنه سمع أبا عثمان هو النهدي يحدث عن سلمان يعني الفارسي رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله تعالى ليستحيي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيرا فيردهما خائبتين " .

قال يزيد : سموا لي هذا الرجل ، فقالوا : جعفر بن ميمون .

وقد رواه أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه من حديث جعفر بن ميمون ، صاحب الأنماط ، به .

وقال الترمذي : حسن غريب .

ورواه بعضهم ، ولم يرفعه .

وقال الشيخ الحافظ أبو الحجاج المزي ، رحمه الله ، في أطرافه : وتابعه أبو همام محمد بن الزبرقان ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، به .

وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو عامر ، حدثنا علي بن دؤاد أبو المتوكل الناجي ، عن أبي سعيد : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مسلم يدعو الله عز وجل بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم ، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخرها له في الآخرة ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " قالوا : إذا نكثر .

قال : " الله أكثر " .

وقال عبد الله بن الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج ، أخبرنا محمد بن يوسف ، حدثنا ابن ثوبان ، عن أبيه ، عن مكحول ، عن جبير بن نفير ، أن عبادة بن الصامت حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله ، عز وجل ، بدعوة إلا آتاه الله إياها ، أو كف عنه من السوء مثلها ، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " .

ورواه الترمذي ، عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان به .

وقال : حسن صحيح غريب من هذا الوجه .

وقال الإمام مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي عبيد مولى ابن أزهر عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يستجاب لأحدكم ما لم يعجل ، يقول : دعوت فلم يستجب لي " .

أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك ، به .

وهذا لفظ البخاري ، رحمه الله ، وأثابه الجنة .

وقال مسلم أيضا : حدثني أبو الطاهر ، حدثنا ابن وهب ، أخبرني معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن أبي إدريس الخولاني ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل " .

قيل : يا رسول الله ، ما الاستعجال ؟

قال : " يقول : قد دعوت ، وقد دعوت ، فلم أر يستجاب لي ، فيستحسر عند ذلك ، ويترك الدعاء " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا ابن هلال ، عن قتادة ، عن أنس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل " .

قالوا : وكيف يستعجل ؟

قال : " يقول : قد دعوت ربي فلم يستجب لي " .

وقال الإمام أبو جعفر الطبري في تفسيره : حدثني يونس بن عبد الأعلى ، حدثنا ابن وهب ، حدثني أبو صخر : أن يزيد بن عبد الله بن قسيط حدثه ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، أنها قالت : ما من عبد مؤمن يدعو الله بدعوة فتذهب ، حتى تعجل له في الدنيا أو تدخر له في الآخرة ، إذا لم يعجل أو يقنط .

قال عروة : قلت : يا أماه كيف عجلته وقنوطه ؟

قالت : يقول : سألت فلم أعط ، ودعوت فلم أجب .

قال ابن قسيط : وسمعت سعيد بن المسيب يقول كقول عائشة سواء .

وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا بكر بن عمرو ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " القلوب أوعية ، وبعضها أوعى من بعض ، فإذا سألتم الله أيها الناس فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة ، فإنه لا يستجيب لعبد دعاه عن ظهر قلب غافل " .

وقال ابن مردويه : حدثنا محمد بن إسحاق بن أيوب ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي بن نافع بن معد يكرب ببغداد ، حدثني أبي بن نافع ، حدثني أبي بن نافع بن معد يكرب ، قال : كنت أنا وعائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الآية : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) قال : " يا رب ، مسألة عائشة " .

فهبط جبريل فقال : الله يقرؤك السلام ، هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة ، وقلبه نقي يقول : يا رب ، فأقول : لبيك .

فأقضي حاجته .

هذا حديث غريب من هذا الوجه .

وروى ابن مردويه من حديث الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس : حدثني جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ) الآية .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم أمرت بالدعاء ، وتوكلت بالإجابة ، لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، لبيك إن الحمد والنعمة لك ، والملك لا شريك لك ، أشهد أنك فرد أحد صمد لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفوا أحد ، وأشهد أن وعدك حق ، ولقاءك حق ، والجنة حق ، والنار حق ، والساعة آتية لا ريب فيها ، وأنت تبعث من في القبور " .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا الحسن بن يحيى الأرزي ومحمد بن يحيى القطعي قالا : حدثنا الحجاج بن منهال ، حدثنا صالح المري ، عن الحسن ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يقول الله تعالى : يا ابن آدم ، واحدة لك وواحدة لي ، وواحدة فيما بيني وبينك ; فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا ، وأما التي لك فما عملت من شيء وفيتكه وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة " .

وفي ذكره تعالى هذه الآية الباعثة على الدعاء ، متخللة بين أحكام الصيام ، إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة ، بل وعند كل فطر ، كما رواه الإمام أبو داود الطيالسي في مسنده : حدثنا أبو محمد المليكي ، عن عمرو هو ابن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو ، عن أبيه ، عن جده عبد الله بن عمرو ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة " .

فكان عبد الله بن عمرو إذ أفطر دعا أهله ، وولده ودعا .

وقال أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه في سننه : حدثنا هشام بن عمار ، أخبرنا الوليد بن مسلم ، عن إسحاق بن عبيد الله المدني ، عن عبد الله بن أبي مليكة ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " .

قال عبد الله بن أبي مليكة : سمعت عبد الله بن عمرو يقول إذا أفطر : اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي .

وفي مسند الإمام أحمد ، وسنن الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة ، وتفتح لها أبواب السماء ، ويقول : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره: بذلك وإذا سَألك يا محمد عبادي عَني: أين أنا؟

فإني قريبٌ منهم أسمع دُعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم.

* * * وقد اختلف فيما أنـزلت فيه هذه الآية.

فقال بعضهم: نـزلت في سائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، أقريبٌ ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟

فأنـزل الله: " وإذا سألك عبادي عَني فأني قريبٌ أجيبُ" الآية.

2904- حدثنا بذلك ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عبدة السجستاني، عن الصُّلب بن حكيم، عن أبيه، عن جده.

(99) .

&; 3-481 &; 2905- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن الحسن قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم النبيَّ صلى الله عليه وسلم: أين ربُّنا؟

فأنـزل الله تعالى ذكره: " وإذا سألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دعان " الآية (100) .

* * * &; 3-482 &; وقال آخرون: بل نـزلت جوابًا لمسألة قومٍ سَألوا النبي صلى الله عليه وسلم: أيّ ساعة يدعون الله فيها؟

* ذكر من قال ذلك: 2906- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء قال: لما نـزلت: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [سورة غافر: 60] قالوا: في أي ساعة؟

قال: فنـزلت: " وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب " إلى قوله: " لعلهم يَرُشدون ".

2907- حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء في قوله: " أجيب دَعوَة الداع إذا دعان "، قالوا: لو علمنا أيَّ ساعة نَدْعو!

فنـزلت: " وإذا سَأَلكَ عِبَادي عَنّي فإني قريب " الآية.

2908- حدثني القاسم.

قال: حدثنا الحسين قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: زعم عطاء بن أبي رباح أنه بلغه: لما نـزلت: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قال الناس: لو نعلم أي ساعة ندعو!

فنـزلت: " وإذا سألك عبادي عَني فإني قريب أجيب دَعوة الداع إذا دَعان فليستجيبوا لي وَليؤمنوا بي لعلهم يَرشدون ".

2909- حدثنا موسى بن هارون قال حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " وإذا سَألك عبادي عَني فإني قريبٌ أجيب دعوة الداع إذا دَعان "، قال: ليس من عَبد مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإن كان الذي يدعو به هو له رزق في الدنيا أعطاه الله، وإن لم يكن له رزقًا في الدنيا ذَخره له إلى يوم القيامة، ودفع عنه به مكروهًا.

2910- حدثني المثنى قال، حدثنا الليث بن سعد عن ابن صالح، عمن حدثه: أنه بلغه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما أعطى أحدٌ الدعاءَ &; 3-483 &; ومُنع الإجابة، لأن الله يقول: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ .

* * * ومعنى متأوِّلي هذا التأويل: وإذا سألك عبادي عني: أي ساعة يدعونني؟

فإني منهم قريب في كل وقت، أجيب دعوة الداع إذا دعان.

* * * وقال آخرون: بل نـزلت جوابًا لقول قوم قالوا - إذْ قالَ الله لهم: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ -: إلى أين ندعوه!

* ذكر من قال ذلك: 2911- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال مجاهد: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قالوا: إلى أين؟

فنـزلت: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [سورة البقرة: 115].

* * * وقال آخرون: بل نـزلت جوابًا لقوم قالوا: كيف ندعو؟

* ذكر من قال ذلك: 2912- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما أنـزل الله ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟

فأنـزل الله: " وإذا سَألك عبادي عَنّي فإنّي قريبٌ" إلى قوله: " يرشدون ".

* * * وأما قوله: " فليستجيبوا لي"، فإنه يعني: فليستجيبوا لي بالطاعة.

يقال منه: " استجبت له، واستجبته "، بمعنى أجبته، كما قال كعب بن سعد الغنويّ: وَدَاعٍ دَعَـا يَـامَنْ يُجِـيبُ إلَـى النَّدَى فَلَــمْ يَسْــتَجِبْهُ عِنْـدَ ذَاكَ مُجِـيب (101) &; 3-484 &; يريد: فلم يجبه.

* * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال مجاهد وجماعةٌ غيره.

2913- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني الحجاج، عن ابن جريج قال، قال مجاهد قوله: " فليستجيبوا لي"، قال: فليطيعوا لي، قال: " الاستجابة "، الطاعة.

2914- حدثني المثنى قال، حدثنا حبان بن موسى قال: سألت عبد الله بن المبارك عن قوله: " فليستجيبوا لي"، قال: طاعة الله.

* * * وقال بعضهم: معنى " فليستجيبوا لي": فليدعوني *ذكر من قال ذلك: 2915- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي رجاء الخراساني، قال " فليستجيبوا لي"، فليدعوني.

* * * وأما قوله: " وليؤمنوا بي" فإنه يعني: وَليصدِّقوا.

أي: وليؤمنوا بي، إذا همُ استجابوا لي بالطاعة، أني لهم من وَرَاء طاعتهم لي في الثواب عليها، وإجزالي الكرامةَ لهم عليها.

* * * وأما الذي تأوَّل قوله: " فليستجيبوا لي"، أنه بمعنى: فليدعوني، فإنه كان يتأوّل قوله: " وليؤمنوا بي"، وليؤمنوا بي أني أستجيب لهم.

* ذكر من قال ذلك: 2916- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني منصور بن هارون، عن أبي رجاء الخراساني: " وليؤمنوا بي"، يقول: أني أستجيب لهم.

* * * وأما قوله: " لعلهم يَرشُدُون " فإنه يعني: فليستجيبوا لي بالطاعة، وليؤمنوا بي &; 3-485 &; فيصدِّقوا على طاعتهم إياي بالثواب مني لهم، وليهتدوا بذلك من فعلهم فيرشدوا، كما:- 2917- حدثني به المثني قال، حدثنا إسحاق، قال حدثنا عبد الرحمن بن سعد قال، حدثنا أبو جعفر، عن الربيع في قوله: " لعلهم يَرشدون "، يقول: لعلهم يهتدون.

* * * فإن قال لنا قائل: وما معنى هذا القول من الله تعالى ذكره؟

فأنت ترى كثيرًا من البشر يدعون الله فلا يجابُ لهم دُعاء، وقد قال: " أجيبُ دَعوة الداع إذا دَعان "؟

قيل: إن لذلك وجهين من المعنى: أحدهما: أن يكون معنيًّا " بالدعوة "، العملُ بما نَدب الله إليه وأمر به.

فيكون تأويل الكلام.

وإذا سألك عبادي عَني فإنى قريبٌ ممن أطاعني وعَمل بما أمرته به، أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني.

فيكون معنى " الدعاء ": مسألة العبد ربَّه وما وعد أولياءه على طاعتهم بعملهم بطاعته، ومعنى " الإجابة " من الله التي ضمنها له، الوفاءُ له بما وعد العاملين له بما أمرهم به، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: " إنّ الدعاء هو العبادة ".

2918- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جويبر، عن الأعمش، عن ذر، عن يُسَيْع الحضرمي، عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الدعاءَ هُوَ العبادة.

ثم قرأ: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ [سورة غافر: 60] (102) .

* * * &; 3-486 &; فأخبر صَلى الله عليه وسلم أن دعاء الله إنما هو عبادته ومسألته، بالعمل له والطاعة.

وبنحو الذي قلنا في ذلك ذُكِر أن الحسن كان يقول: 2919- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين، قال، حدثني منصور بن هارون، عن عبد الله بن المبارك، عن الربيع بن أنس، عن الحسن أنه قال فيها: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ، قال: اعملوا وأبشروا، فإنه حقٌّ على الله أنَ يستجيب &; 3-487 &; للذين آمنوا وعَملوا الصالحات ويزيدُهم من فضله.

* * * والوجه الآخر: أن يكون معناه: أجيب دعوة الداع إذا دَعان إن شئت.

فيكون ذلك، وإن كان عامًّا مخرُجه في التلاوة، خاصًّا معناهُ.

* * * --------------------------- الهوامش : (99) الحديث : 2904- جرير : هو ابن عبد الحميد الضبي ، مضى في : 2028 ، 2346 .

عبدة السجستاني : هو عبدة بن أبي برزة ، ترجمه ابن أبي حاتم 3/1/90 ، ولم يذكر فيه جرحًا .

ولم أجد له ترجمة عند غيره .

"السجستاني" : هذا هو الصحيح ، الثابت هنا ، وفي المصادر المعتمدة ، كما سيأتي .

ووقع في بعض المراجع"السختياني" ، وهو خطأ مطبعي واضح .

الصلب بن حكيم : نص الحافظ عبد الغني الأزدي المصري ، في كتاب المؤتلف والمختلف ، ص 79 ، على أنه"صلب" : "بالياء معجمة من تحتها وضم الصاد" .

وترجم له فقال : "صلب بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده .

روى حديثه محمد بن حميد ، عن جرير ، عن عبدة بن أبي برزة السجستاني" .

وكذلك قال الذهبي في المشتبه ، ص : 316"وصلب بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده .

يشتبه بالصلت بن حكيم" .

وفي هامشه ، نقلا عن هامش إحدى مخطوطاته : "قال الخطيب : قيل إنه أخ لبهز بن حكيم ، ولا يصح ذلك .

ويشتبه أيضًا بالصلت بن حكيم ، بضم الحاء .

ويقال : الحكيم بن الصلت" وكذلك قال الحافظ بن حجر ، في"تبصير المنتبه" (مخطوط مصور عندي) ، ونص على أنه"قيل : إن الصلب بن حكيم ، المتقدم ذكره - أخو بهز بن حكيم ، ولا يصح" .

ولكنه -مع هذا- ترجم له في لسان الميزان 3 : 195 ، في باب"الصلت" ، نقلا عن الميزان ، وذكر هذا الحديث له .

وذكر رواية الذهبي إياه بإسناده إلى"محمد بن حميد" .

ثم ذكر -نقلا عن الذهبي أيضًا- أنه رواه ابن أبي خثيمة ، في جزء فيمن روي عن أبيه عن جده ، وأنه"أخرجه العلائي في كتاب الوشي ، عن إبراهيم بن محمد .

وقال : لم أر للصلت ذكرًا في كتب الرجال" .

ثم عقب الحافظ على ذلك بقوله : "قلت : ذكره الدارقطني في المؤتلف ، وحكى الاختلاف : هل آخره بالموحدة ، أو بالمثناة؟

وقال إنه ابن حكيم بن معاوية بن حيدة ، فهو أخو بهز بن حكيم ، المحدث المشهور .

وليس للصلت ولا لأبيه ولا لجده - ذكر في كتب الرواة ، إلا ما قدمت من ذكر ابن أبي خيثمة ، ولم يزد في التعريف به على ما ها هنا" .

وهذا اضطراب شديد من الحافظ ابن حجر .

ثم إن هذه التي نقلها عن ميزان الاعتدال للذهبي لم تذكر في النسخة المطبوعة منه .

فالظاهر أنها سقطت من الأصول التي طبع عنها الميزان .

والراجح عندي ما ذهب إليه الذهبي وابن حجر وابن أبي خيثمة وعبد الغني الأزدي : أنه"صلب" بضم الصاد وبالوحدة في آخره .

وأنه مجهول هو وأبوه وجده .

أما"حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري- : فإنه تابعي معروف ، وأبوه صحابي معروف .

وقد روي عن حكيم بن معاوية بن حيدة - أبناؤه : بهز ، وسعيد ومهران .

فلا صلة للذي يسمى"الصلب" هذا - بهؤلاء .

وهذا الحديث ضعيف جدًا ، منهار الإسناد بكل حال .

وقد وهم الحافظ ابن كثير ، حين ذكره 1 : 413-414 ، وجعله من حديث"معاوية بن حيدة القشيري" .

وذكره السيوطي أيضًا 1 : 194 ، وأخطأ فيه خطأ آخر : فجعله"من طريق الصلت بن حكيم ، عن رجل من الأنصار ، عن أبيه ، عن جده"!!

وقد تكون زيادة" عن رجل من الأنصار" خطأ من الناسخين ، لا من السيوطي .

(100) الحديث : 2905- جعفر بن سليمان : هو الضبعي ، بضم الضاد المعجمة ، وفتح الباء الموحدة .

وهو ثقة ، وثقه ابن معين وغيره .

عوف : هو ابن أبي جميلة الأعرابي ، وهو ثقة معروف ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .

وقد مضت له رواية في : 645 .

وهو معروف بالرواية عن الحسن البصري .

وهذا الإسناد صحيح إلى الحسن .

ولكن الحديث ضعيف ، لأنه مرسل ، لم يسنده الحسن عن أحد من الصحابة .

وقد رواه أبو جعفر هنا ، من طريق عبد الرزاق ، ولم أجده في تفسير عبد الرزاق .

فلعله في موضع آخر من كتبه .

(101) سلف هذا البيت في1 : 320 ، ونسيت هناك أن أشير إليه أنه سيأتي في هذا الموضع من التفسير ، ثم في 4 : 144 (بولاق) .

(102) الحديث: 2918- أما الحديث في ذاته - فإنه حديث صحيح .

وأما هذا الإسناد بعينه ، فلا أدري كيف يستقيم ؟

مع ضعفه !

فإن ابن حميد - شيخ الطبري- هو: محمد بن حميد الرازي، سبق توثيقه : 2028 ، 2253.

ولكن من المحال أن يقول: "حدثنا جويبر" ، لأن ابن حميد مات سنة 248 ، وجويبر بن سعيد الأزدي مات قبل ذلك بنحو مائة سنة ، فقد ذكره البخاري في الصغير، ص: 176 ، فيمن مات بين سنتي: 140 - 150 .

فلا بد أن يكون قد سقط بينها شيخ ، خطأ من الناسخين.

ثم إن "جويبرا" هذا: ضعيف جدًا، كما بينا في: 284 .

الأعمش: هو سليمان بن مهران، الإمام المعروف.

ذر ، بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء : هو ابن عبد الله المرهبي ، بضم الميم وسكون الراء وكسر الهاء بعدها ياء موحدة.

وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

يسيع - بضم الياء الأولى وسكون الثانية بينهما سين مهملة مفتوحة: هو ابن معدان الحضرمي، في التهذيب ، والكبير 4/2/425 - 426 ، وابن أبي حاتم 4/2/313.

ووقع هنا في المطبوعة"سبيع" !

وهو تصحيف.

والحديث سيأتي في الطبري 24: 51 - 52 (بولاق) ، بستة أسانيد.

ووقع اسم "ذر" هناك مصحفًا إلى "زر" ، بالزاي بدل الذال.

وهو حديث صحيح .

رواه أحمد في المسند 4: 271 (الحلبي) ، عن أبي معاوية، عن الأعمش، بهذا الإسناد .

فليس فيه "جويبر" الضعيف المذكور هنا.

ونقله ابن كثير 7: 309 ، عن ذلك الموضع من المسند، وقال: وهكذا رواه أصحاب السنن: الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن أبي حاتم ، وابن جرير - كلهم من حديث الأعمش، به.

وقال الترمذي: حسن صحيح .

ورواه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن جرير أيضًا ، من حديث شعبة، عن منصور الأعمش- كلاهما عن ذر، به ، ثم ذكر أنه رواه ابن حبان والحاكم أيضا.

وهو عند الحاكم 1: 490 - 491 بأسانيد، ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه" .

ووافقه الذهبي.

وذكره السيوطي 5: 355 ، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة ، وعبد بن حميد، والبخاري في الأدب المفرد، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، وأبي نعيم في الحلية ، والبيهقي في شعب الإيمان.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدونفيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وإذا سألك المعنى وإذا سألوك عن المعبود فأخبرهم أنه قريب يثيب على الطاعة ويجيب الداعي ، ويعلم ما يفعله العبد من صوم وصلاة وغير ذلك ، واختلف في سبب نزولها ، فقال مقاتل : إن عمر رضي الله عنه واقع امرأته بعد ما صلى العشاء فندم على ذلك وبكى ، وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك ورجع مغتما ، وكان ذلك قبل نزول [ ص: 287 ] الرخصة ، فنزلت هذه الآية : وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ، وقيل : لما وجب عليهم في الابتداء ترك الأكل بعد النوم فأكل بعضهم ثم ندم ، فنزلت هذه الآية في قبول التوبة ونسخ ذلك الحكم ، على ما يأتي بيانه .

وروى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال : قالت اليهود كيف يسمع ربنا دعاءنا ، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء خمسمائة عام ، وغلظ كل سماء مثل ذلك ؟

فنزلت هذه الآية ، وقال الحسن : سببها أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : أقريب ربنا فنناجيه ، أم بعيد فنناديه ؟

فنزلت ، وقال عطاء وقتادة : لما نزلت : وقال ربكم ادعوني أستجب لكم قال قوم : في أي ساعة ندعوه ؟

فنزلت .الثانية : قوله تعالى : فإني قريب أي بالإجابة ، وقيل بالعلم ، وقيل : قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام .الثالثة : قوله تعالى : أجيب دعوة الداع إذا دعان أي أقبل عبادة من عبدني ، فالدعاء بمعنى العبادة ، والإجابة بمعنى القبول .

دليله ما رواه أبو داود عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : الدعاء هو العبادة وقال ربكم ادعوني أستجب لكم فسمي الدعاء عبادة ، ومنه قوله تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي دعائي ، فأمر تعالى بالدعاء وخص عليه وسماه عبادة ، ووعد بأن يستجيب لهم .

روى ليث عن شهر بن حوشب عن عبادة بن الصامت قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : أعطيت أمتي ثلاثا لم تعط إلا الأنبياء كان الله إذا بعث نبيا قال ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة ادعوني أستجب لكم وكان الله إذا بعث النبي قال له ما جعل عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة ما جعل عليكم في الدين من حرج وكان الله إذا بعث النبي جعله شهيدا على قومه وجعل هذه الأمة شهداء على الناس، وكان خالد الربعي يقول : عجبت لهذه الأمة في ادعوني أستجب لكم [ ص: 288 ] أمرهم بالدعاء ووعدهم بالإجابة ، وليس بينهما شرط .

قال له قائل : مثل ماذا ؟

قال مثل قوله : وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات فها هنا شرط ، وقوله : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق فليس فيه شرط العمل ، ومثل قوله : فادعوا الله مخلصين له الدين فها هنا شرط ، وقوله : ادعوني أستجب لكم ليس فيه شرط ، وكانت الأمم تفزع إلى أنبيائها في حوائجهم حتى تسأل الأنبياء لهم ذلك .فإن قيل : فما للداعي قد يدعو فلا يجاب ؟

فالجواب أن يعلم أن قوله الحق في الآيتين أجيب أستجب لا يقتضي الاستجابة مطلقا لكل داع على التفصيل ، ولا بكل مطلوب على التفصيل ، فقد قال ربنا تبارك وتعالى في آية أخرى : ادعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين وكل مصر على كبيرة عالما بها أو جاهلا فهو معتد ، وقد أخبر أنه لا يحب المعتدين فكيف يستجيب له ، وأنواع الاعتداء كثيرة ، يأتي بيانها هنا وفي [ الأعراف ] إن شاء الله تعالى ، وقال بعض العلماء : أجيب إن شئت ، كما قال : فيكشف ما تدعون إليه إن شاء فيكون هذا من باب المطلق والمقيد ، وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاث فأعطي اثنتين ومنع واحدة ، على ما يأتي بيانه في ( الأنعام ) إن شاء الله تعالى .

وقيل : إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعاء الداعين في الجملة ، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره فيجيبه بما شاء وكيف شاء ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له الآية .

وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه رسوله ، فالإجابة كانت حاصلة لا محالة عند وجود الدعوة ; لأن أجيب وأستجب خبر لا ينسخ فيصير المخبر كذابا .

يدل على هذا التأويل ما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : من فتح له في الدعاء فتحت له أبواب الإجابة .

وأوحى الله تعالى إلى داود : أن قل للظلمة من عبادي لا يدعوني فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من دعاني وإني إذا أجبت الظلمة لعنتهم وقال قوم : إن الله يجيب كل الدعاء ، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا ، وإما أن يكفر عنه ، وإما أن يدخر له في الآخرة ، لما رواه أبو سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث ؛ إما أن يعجل له دعوته ، وإما أن يدخر له ، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها .

قالوا : إذن نكثر ؟

قال : لله أكثر .

خرجه أبو [ ص: 289 ] عمر بن عبد البر ، وصححه أبو محمد عبد الحق ، وهو في الموطأ منقطع السند .

قال أبو عمر : وهذا الحديث يخرج في التفسير المسند لقول الله تعالى ادعوني أستجب لكم فهذا كله من الإجابة ، وقال ابن عباس : كل عبد دعا استجيب له ، فإن كان الذي يدعو به رزقا له في الدنيا أعطيه ، وإن لم يكن رزقا له في الدنيا ذخر له .قلت : وحديث أبي سعيد الخدري وإن كان إذنا بالإجابة في إحدى ثلاث فقد دلك على صحة ما تقدم من اجتناب الاعتداء المانع من الإجابة حيث قال فيه : ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وزاد مسلم : ما لم يستعجل .

رواه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل - قيل : يا رسول الله ، ما الاستعجال ؟

قال - يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجيب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ، وروى البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول دعوت فلم يستجب لي .

قال علماؤنا رحمة الله عليهم : يحتمل قوله يستجاب لأحدكم الإخبار عن وجوب وقوع الإجابة ، والإخبار عن جواز وقوعها ، فإذا كان بمعنى الإخبار عن الوجوب والوقوع فإن الإجابة تكون بمعنى الثلاثة الأشياء المتقدمة ، فإذا قال : قد دعوت فلم يستجب لي ، بطل وقوع أحد هذه الثلاثة الأشياء وعري الدعاء من جميعها ، وإن كان بمعنى جواز الإجابة فإن الإجابة حينئذ تكون بفعل ما دعا به خاصة ، ويمنع من ذلك قول الداعي : قد دعوت فلم يستجب لي ; لأن ذلك من باب القنوط وضعف اليقين والسخط .[ ص: 290 ] قلت : ويمنع من إجابة الدعاء أيضا أكل الحرام وما كان في معناه ، قال صلى الله عليه وسلم : الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك وهذا استفهام على جهة الاستبعاد من قبول دعاء من هذه صفته ، فإن إجابة الدعاء لا بد لها من شروط في الداعي وفي الدعاء وفي الشيء المدعو به .

فمن شرط الداعي أن يكون عالما بأن لا قادر على حاجته إلا الله ، وأن الوسائط في قبضته ومسخرة بتسخيره ، وأن يدعو بنية صادقة وحضور قلب ، فإن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه ، وأن يكون مجتنبا لأكل الحرام ، وألا يمل من الدعاء ، ومن شرط المدعو فيه أن يكون من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعا ، كما قال : ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم فيدخل في الإثم كل ما يأثم به من الذنوب ، ويدخل في الرحم جميع حقوق المسلمين ومظالمهم ، وقال سهل بن عبد الله التستري : شروط الدعاء سبعة : أولها التضرع والخوف والرجاء والمداومة والخشوع والعموم وأكل الحلال ، وقال ابن عطاء : إن للدعاء أركانا وأجنحة وأسبابا وأوقاتا ، فإن وافق أركانه قوي ، وإن وافق أجنحته طار في السماء ، وإن وافق مواقيته فاز ، وإن وافق أسبابه أنجح .

فأركانه حضور القلب والرأفة والاستكانة والخشوع ، وأجنحته الصدق ، ومواقيته الأسحار ، وأسبابه الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم ، وقيل : شرائطه أربع : أولها حفظ القلب عند الوحدة ، وحفظ اللسان مع الخلق ، وحفظ العين عن النظر إلى ما لا يحل ، وحفظ البطن من الحرام ، وقد قيل : إن من شرط الدعاء أن يكون سليما من اللحن ، كما أنشد بعضهم :ينادي ربه باللحن ليث كذاك إذا دعاه فلا يجيبعظة : وقيل لإبراهيم بن أدهم : ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا ؟

قال : لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه ، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته ، وعرفتم القرآن فلم تعملوا به ، وأكلتم نعم الله فلم تؤدوا شكرها ، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها ، وعرفتم النار فلم تهربوا منها ، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه ووافقتموه ، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له ، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا ، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس .

قال علي رضي الله عنه لنوف البكالي : يا نوف ، إن الله أوحى إلى داود أن مر بني إسرائيل ألا يدخلوا بيتا من بيوتي إلا بقلوب طاهرة ، وأبصار خاشعة ، [ ص: 291 ] وأيد نقية ، فإني لا أستجيب لأحد منهم ، ولا لأحد من خلقي له عنده مظلمة .

يا نوف ، لا تكونن شاعرا ولا عريفا ولا شرطيا ولا جابيا ولا عشارا ، فإن داود قام في ساعة من الليل فقال : إنها ساعة لا يدعو عبد إلا استجيب له فيها ، إلا أن يكون عريفا أو شرطيا أو جابيا أو عشارا ، أو صاحب عرطبة ، وهي الطنبور ، أو صاحب كوبة ، وهي الطبل .

قال علماؤنا : ولا يقل الداعي : اللهم أعطني إن شئت ، اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ، بل يعري سؤاله ودعاءه من لفظ المشيئة ، ويسأل سؤال من يعلم أنه لا يفعل إلا أن يشاء .

وأيضا فإن في قوله : إن شئت نوع من الاستغناء عن مغفرته وعطائه ورحمته ، كقول القائل : إن شئت أن تعطيني كذا فافعل ، لا يستعمل هذا إلا مع الغنى عنه ، وأما المضطر إليه فإنه يعزم في مسألته ويسأل سؤال فقير مضطر إلى ما سأله .

وروى الأئمة واللفظ للبخاري عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا دعا أحدكم فليعزم المسألة ؛ يقولن اللهم إن شئت فأعطني فإنه لا مستكره له .

وفي الموطأ : اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت .

قال علماؤنا : قوله فليعزم المسألة دليل على أنه ينبغي للمؤمن أن يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء من الإجابة ، ولا يقنط من رحمة الله ; لأنه يدعو كريما .

قال سفيان بن عيينة : لا يمنعن أحدا من الدعاء ما يعلمه من نفسه فإن الله قد أجاب دعاء شر الخلق إبليس ، قال : رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ، قال فإنك من المنظرين ، وللدعاء أوقات وأحوال يكون الغالب فيها الإجابة ، وذلك كالسحر ووقت الفطر ، وما بين الأذان والإقامة ، وما بين الظهر والعصر في يوم الأربعاء ، وأوقات الاضطرار وحالة السفر والمرض ، وعند نزول المطر والصف في سبيل الله .

كل هذا جاءت به الآثار ، ويأتي بيانها في مواضعها ، وروى شهر بن حوشب أن أم الدرداء قالت له : يا شهر ألا تجد القشعريرة ؟

قلت نعم .

قالت : فادع الله فإن الدعاء مستجاب عند ذلك ، وقال جابر بن عبد الله : دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح ثلاثا يوم الاثنين ويوم الثلاثاء [ ص: 292 ] فاستجيب له يوم الأربعاء بين الصلاتين فعرفت السرور في وجهه .

قال جابر : ما نزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة .الرابعة : قوله تعالى : فليستجيبوا لي قال أبو رجاء الخراساني : فليدعوا لي .

وقال ابن عطية : المعنى فليطلبوا أن أجيبهم ، وهذا هو باب استفعل أي طلب الشيء إلا ما شذ مثل استغنى الله ، وقال مجاهد وغيره : المعنى فليجيبوا إلي فيما دعوتهم إليه من الإيمان ، أي الطاعة والعمل ويقال : أجاب واستجاب بمعنى ، ومنه قول الشاعر :فلم يستجبه عند ذاك مجيبأي لم يجبه .

والسين زائدة واللام لام الأمر .

وكذا وليؤمنوا وجزمت لام الأمر لأنها تجعل الفعل مستقبلا لا غير فأشبهت إن التي للشرط ، وقيل : لأنها لا تقع إلا على الفعل .والرشاد خلاف الغي ، وقد رشد يرشد رشدا ، ورشد ( بالكسر ) يرشد رشدا ، لغة فيه ، وأرشده الله .

والمراشد : مقاصد الطرق ، والطريق الأرشد : نحو الأقصد ، وتقول : هو لرشدة .

خلاف قولك : لزنية .

وأم راشد : كنية للفأرة ، وبنو رشدان : بطن من العرب ، عن الجوهري ، وقال الهروي : الرشد والرشد والرشاد : الهدى والاستقامة ، ومنه قوله : لعلهم يرشدون .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا جواب سؤال، سأل النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله, أقريب ربنا فنناجيه, أم بعيد فنناديه؟

فنزل: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } لأنه تعالى, الرقيب الشهيد, المطلع على السر وأخفى, يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, فهو قريب أيضا من داعيه, بالإجابة، ولهذا قال: { أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } والدعاء نوعان: دعاء عبادة, ودعاء مسألة.

والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه, وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.

فمن دعا ربه بقلب حاضر, ودعاء مشروع, ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء, كأكل الحرام ونحوه, فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصا إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء, وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية, والإيمان به, الموجب للاستجابة، فلهذا قال: { فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ } أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة, ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.

ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره, سبب لحصول العلم كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال يهود أهل المدينة : يا محمد كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام وإن غلظ كل سماء مثل ذلك فنزلت هذه الآية ، وقال الضحاك : سأل بعض الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فأنزل الله تعالى : " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب " وفيه إضمار كأنه قال فقل لهم إني قريب منهم بالعلم لا يخفى علي شيء كما قال " ونحن أقرب إليه من حبل الوريد " ( 16 - ق ) .

أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل أخبرنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان عن أبي موسى الأشعري قال : لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر أو قال لما توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعوا على أنفسكم إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنكم تدعون سميعا قريبا وهو معكم " .

قوله تعالى : ( أجيب دعوة الداع إذا دعان ) قرأ أهل المدينة غير قالون وأبو عمرو بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفها وصلا ووقفا وكذلك اختلف القراء في إثبات الياءات المحذوفة من الخط وحذفها في التلاوة ويثبت يعقوب جميعها وصلا ووقفا واتفقوا على إثبات ما هو مثبت في الخط وصلا ووقفا ( فليستجيبوا ) قيل : الاستجابة بمعنى الإجابة أي فليجيبوا لي بالطاعة والإجابة في اللغة الطاعة وإعطاء ما سئل فالإجابة من الله تعالى العطاء ومن العبد الطاعة ، وقيل فليستجيبوا لي أي ليستدعوا مني الإجابة وحقيقته فليطيعوني ( وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون ) لكي يهتدوا فإن قيل فما وجه قوله تعالى : ( أجيب دعوة الداع ) ( ادعوني أستجب لكم ) وقد يدعى كثيرا فلا يجيب قلنا اختلفوا في معنى الآيتين قيل معنى الدعاء هاهنا الطاعة ومعنى الإجابة الثواب وقيل معنى الآيتين خاص وإن كان لفظهما عاما تقديرهما : ( أجيب دعوة الداع ) إن شئت كما قال : " فيكشف ما تدعون إليه إن شاء " ( 41 - الأنعام ) أو أجيب دعوة الداعي إن وافق القضاء أو أجيبه إن كانت الإجابة خيرا له أو أجيبه إن لم يسأل محالا أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي أخبرنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان أخبرنا أبو جعفر محمد بن أحمد بن عبد الجبار الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح أن ربيعة بن زيد حدثه عن أبي إدريس عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يستجيب الله لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا وما الاستعجال يا رسول الله قال : يقول قد دعوتك يا رب قد دعوتك يا رب فلا أراك تستجيب لي فيستحسر عند ذلك فيدع الدعاء " .

وقيل هو عام ومعنى قوله ( أجيب ) أي أسمع ويقال ليس في الآية أكثر من إجابة الدعوة فأما إعطاء المنية فليس بمذكور فيها وقد يجيب السيد عبده والوالد ولده ثم لا يعطيه سؤله فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول الدعوة وقيل معنى الآية أنه لا يخيب دعاءه فإن قدر له ما سأل أعطاه وإن لم يقدره له ادخر له الثواب في الآخرة أو كف عنه به سوءا والدليل عليه ما أخبرنا عبد الواحد المليحي أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني أخبرنا حميد بن زنجويه أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا ابن ثوبان وهو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان عن أبيه عن مكحول عن جبير بن نفير عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه حدثهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما على الأرض رجل مسلم يدعو الله تعالى بدعوة إلا آتاه الله إياها أو كف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " وقيل إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت ويؤخر إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته ويعجل إعطاء من لا يحبه لأنه يبغض صوته وقيل إن للدعاء آدابا وشرائط وهي أسباب الإجابة فمن استكملها كان من أهل الإجابة ومن أخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء فلا يستحق الإجابة

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

وسأل جماعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أقريب ربُّنا فنناجيه أم بعيد فنناديه: فنزل «وإذا سألك عبادي عني فإني قريب» منهم بعلمي فأخبرهم بذلك «أجيب دعوة الداع إذا دعان» بإنالته ما سأل «فليستجيبوا لي» دعائي بالطاعة «وليؤمنوا» يداوموا على الإيمان «بي لعلهم يرشدون» يهتدون.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عني فقل لهم: إني قريب منهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فليطيعوني فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه، وليؤمنوا بي، لعلهم يهتدون إلى مصالح دينهم ودنياهم.

وفي هذه الآية إخبار منه سبحانه عن قربه من عباده، القرب اللائق بجلاله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم بين - سبحانه - أن العباد إذا حافظوا على فرائضه ، واستجابوا لأوامره ، وابتعدوا عن نواهيه ، فإنه - عز وجل - لا يرد لهم طلباً ولا يخيب لهم رجاء فقال :( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ .

.

.

)قال الإِمام البيضاوي في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها من آيات الصيام : واعلم أنه - تعالى - لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبة بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم سميع لأقوالهم ، مجيب لدعائهم ، مجاز على أعماله تأكيداً له وحثاً عليه " .وروى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها ما أخرجه بن جرير وابن أبي حاتم أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أقريب ربنا فنناجيه - أي : ندعوه سرا - أم بعيد فنناديه؟

فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية .ومنها ما رواه ابن مردويه - بسنده - عن الحسن قال : سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟

فأنزل الله - تعالى - هذه الآية .والمعنى : وإذا سألك عبادي يا محمد عن قربي وبعدي فقل لهم : إني قريب منهم بعلمي ورحمتي وقدرتي وإجابتي لسؤالهم .

قال - تعالى - : ( وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ) وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أنه قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أيها الناس اربعوا على أنفسكم - أي أرفقوا بها - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً ، إنكم تدعون سميعاً بصيراً وهو معكم ، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته " .فقوله - تعالى - : ( فَإِنِّي قَرِيبٌ ) تمثيل لكمال علمه - تعالى - بأفعال عباده وأقوالهم ، واطلاعه على سائر أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم إذ القرب المكاني محال على الله - تعالى - .وفي الآية الكريمة التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام ، إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم بأن يذكرهم ويعلمهم ما يجب عليهم مراعاته في سائر عبادتهم من الإِخلاص والأدب والتوجه إلى الله وحده بالسؤال .ولم يصدر الجواب بقل أو فقل كما وقع في أجوبة مسائلهم الواردة في آيات أخرى ، نحو ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبِّي نَسْفاً ) بل تولى - سبحانه - جوابهم بنفسه إشعاراً بفرط قربه منهم ، وحضوره مع كل سائل بحيث لا تتوقف إجابته على وجود واسطة بينه وبين السائلين من ذوي الحاجات .والمراد بالعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الحديث عنهم ، ولأن سياق الآيات بيان أحكام الصوم وفضائله وهو خاص بالمؤمنين ، وقد أضيفوا إلى ضمير الجلالة لتشريفهم وتكريمهم .وقوله - تعالى - : ( أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ) تقرير للقرب وتحقيق له ، ووعد للداعي بالإِجابة متى صدر الدعاء من قلب سليم ، ونفس صافية ، وجوارح خاشعة ، ولقد ساق لنا القرآن في آيات كثيرة أمثلة لعباد الله الذين توجهوا إليه بالسؤال ، فأجاب الله سؤالهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - :( وَنُوحاً إِذْ نادى مِن قَبْلُ فاستجبنا لَهُ ) وقوله - تعالى - ( وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين .

فاستجبنا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يحيى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ) وقوله - تعالى - : ( وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين فاستجبنا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ) وورد في الحديث ما يدل على أن العبد إذا دعا الله - تعالى - بما فيه خير ، لم يخب عند الله دعاؤه ، ولكن لا يلزم أن يعطيه - سبحانه - نفس ما طلبه ، لأنه هو الأعلم بما يصلح عباده .

روى الإِمام أحمد عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مسلم يدعو الله - عز وجل - بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال : إما أن يعجل إليه دعوته ، وإما أن يدخرها له في الأخرى ، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها " .وقوله - تعالى - ( فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) توجيه منه - سبحانه - إلى ما يجعل الدعاء مرجو القبول والإِجابة .والاستجابة : هي الإِجابة بعناية واستعداد ، والسين والتاء للمبالغة .والرشد : الاهتداء إلى الخير وحسن التصرف في الأمر من دين أو دنيا يقال : رشد ورشد يرشد ويرشد رشداً ، أي اهتدي .والمعنى : لقد وعدتكم يا عبادي بأن أجيب دعاءكم إذا دعوتموني ، وعليكم أنتم أن تستجيبوا لأمري ، وأن تقفوا عند حدودي ، وأن تثبتوا على إيمانكم بي ، لعلكم بذلك تصلون إلى ما فيه رشدكم وسعادتكم في الحياتين العاجلة والآجلة .

وأمرهم - سبحانه - بالإِيمان بعد الأمر بالاستجابة ، لأنه أول مراتب الدعوة ، وأولى الطاعات بالاستجابة .قال الحافظ ابن كثير : وفي ذكره - تعالى - هذه الآية الباعثة على الدعاء متخللة بين أحكام الصيام إرشاد إلى الاجتهاد في الدعاء عند إكمال العدة بل وعند كل فطر ، كما روى أبو داود الطيالسي في مسنده عن عبد الله بن عمرو قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة فكان عبد الله بن عمرو إذا أفطر جمع أهله وولده ودعا .

وروى ابن ماجة عن بعد الله بن عمرو قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن للصائم عند فطره دعوة ما ترد " وكان عبد الله يقول إذا أفطر : اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن تغفر لي " وروي الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإِمام العادل ، والصائم حتى يفطر ، ودعوة المظلوم ، يرفعها الله دون الغمام يوم القيامة وتفتح لها أبواب السماء ويقول : بعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " .هذا والحديث عن الدعاء وعن فضله وعن آدابه وشروطه وفوائده وجوامعه وغير ذلك مما يتعلق به قد بسطناه في غير هذا المكان فليرجع إليه من شاء .

.

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه: الأول: أنه تعالى لما قال بعض إيجاب فرض الصوم وبيان أحكامه: ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  ﴾ فأمر العبد بعد التكبير الذي هو الذكر وبالشكر، بين أنه سبحانه بلطفه ورحمته قريب من العبد مطلع على ذكره وشكره فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه، ولا يخيب رجاءه والثاني: أنه أمر بالتكبير أولاً ثم رغبه في الدعاء ثانياً، تنبيهاً على أن الدعاء لابد وأن يكون مسبوقاً بالثناء الجميل، ألا ترى أن الخليل عليه السلام لما أراد الدعاء قدم عليه الثناء، فقال أولاً: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ والذى أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيئَتِى يَوْمَ الدين  ﴾ وكل هذا ثناء منه على الله تعالى ثم شرع بعده في الدعاء فقال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين  ﴾ فكذا هاهنا أمر بالتكبير أولاً ثم شرع بعده في الدعاء ثانياً الثالث: إن الله تعالى لما فرض عليهم الصيام كما فرض على الذين من قبلهم، وكان ذلك على أنهم إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم، فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا الله في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن توبتهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً لهم بقبول توبتهم، ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم.

المسألة الثانية: ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً أحدها: ما روي عن كعب أنه قال، قال موسى عليه السلام: «يا رب أقريب أنت فأناجيك، أم بعيد فأناديك؟

فقال: يا موسى أنا جليس من ذكرني، قال: يا رب فإنا نكون على حالة نجلك أن نذكرك عليها من جنابة وغائط، قال: يا موسى اذكرني على كل حال، فلما كان الأمر على هذه الصفة رغب الله تعالى عباده في ذكره وفي الرجوع إليه في جميع الأحوال، فأنزل الله تعالى هذه الآية».

وثانيها: أن أعرابياً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وثالثها: أنه عليه السلام كان في غزوة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء، فقال عليه السلام: «إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً».

ورابعها: ما روي عن قتادة وغيره أن سببه أن الصحابة قالوا: كيف ندعو ربنا يا نبي الله؟

فأنزل هذه الآية.

وخامسها: قال عطاء وغيره: إنهم سألوه في أي ساعة ندعو الله؟

فأنزل الله تعالى هذه الآية.

وسادسها: ما ذكره ابن عباس، وهو أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟

فنزلت هذه الآية.

وسابعها: قال الحسن: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أين ربنا؟

فأنزل الله هذه الآية.

وثامنها: ما ذكرنا أن قوله: ﴿ كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ  ﴾ لما اقتضى تحريم الأكل بعد النوم، ثم إنهم أكلوا ثم ندموا وتابوا وسألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعالى هل يقبل توبتنا؟

فأنزل الله هذه الآية.

واعلم أن قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ يدل على أنهم سألوا النبي عليه السلام عن الله تعالى، فذلك السؤال إما أنه كان سؤالاً عن ذات الله تعالى، أو عن صفاته، أو عن أفعاله، أما السؤال عن الذات فهو أن يكون السائل ممن يجوز التشبيه، فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وأما السؤال عن الصفات فهو أن يكون السائل سأل عن أنه تعالى هل يسمع دعاءنا فيكون السؤال واقعاً على كونه تعالى سميعاً، أو يكون المقصود من السؤال أنه تعالى كيف أذن في الدعاء، وهل أذن في الدعاء، وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن لنا أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن بأن ندعوه على وجه معين، كما قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا  ﴾ وأما السؤال عن الأفعال فهو أن يكون السائل سأل الله تعالى أنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، وهل يفعل ما نسأله عنه فقوله سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي ﴾ يحتمل كل هذه الوجوه، إلا أن حمله على السؤال عن الذات أولى لوجهين: الأول: أن ظاهر قوله: ﴿ عَنّي ﴾ يدل على أن السؤال وقع عن ذاته لا عن فعله والثاني أن السؤال متى كان مبهماً والجواب مفصلاً، دل الجواب على أن المراد من ذلك المبهم هو ذلك المعين، فلما قال في الجواب: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ علمنا أن السؤال كان عن القرب والبعد بحسب الذات، ولقائل أيضاً أن يقول بل السؤال كان على الفعل، وهو أنه تعالى هل يجيب دعاءهم، وهل يحصل مقصود، بدليل أنه لما قال: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ قال: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ﴾ فهذا هو شرح هذا المقام.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه ليس المراد من هذا القريب بالجهة والمكان، بل المراد منه القرب بالعلم والحفظ، فيحتاج هاهنا إلى بيان مطلوبين: المطلوب الأول: في بيان أن هذا القريب ليس قرباً بحسب المكان، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه لو كان في المكان مشاراً إليه بالحس لكان منقسماً، إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة مثل الجوهر الفرد.

ولو كان منقسماً لكانت ماهيته مفتقرة في تحققها إلى تحقق كل واحد من أجزائها المفروضة وجزء الشيء غيره، فلو كان في مكان لكان مفتقراً إلى غيره، والمفتقر إلى غيره ممكن لذاته ومحدث ومفتقر إلى الخالق، وذلك في حق الخالق القديم محال، فثبت أنه تعالى يمتنع أن يكون في المكان فلا يكون قربه بالمكان والثاني: أنه لو كان في المكان لكان إما أن يكون غير متناه عن جميع الجهات، أو غير متناه عن جهة دون جهة، أو كان متناهياً من كل الجوانب والأول: محال لأن البراهين القاطعة دلت على أن فرض بعد غير متناه محال والثاني: محال أيضاً لهذا الوجه، ولأنه لو كان أحد الجانبين متناهياً والآخر غير متناه لكانت حقيقة هذا الجانب المتناهي مخالفة في الماهية لحقيقة ذلك الجانب الذي هو غير متناه، فيلزم منه كونه تعالى مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع والخصم لا يقول بذلك.

وأما القسم الثالث: وهو أن يكون متناهياً من كل الجوانب، فذلك باطل بالاتفاق بيننا وبين خصومنا، فبطل القول بأنه تعالى في الجهة الثالث: وهو أن هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بالجهة، وذلك لأنه تعالى لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل، بل كان يكون قريباً من حملة العرش وبعيداً من غيرهم، ولكان إذا كان قريباً من زيد الذي هو بالمشرق كان بعيداً من عمرو الذي هو بالمغرب، فلما دلت الآية على كونه تعالى قريباً من الكل علمنا أن القرب المذكور في هذه الآية ليس قرباً بحسب الجهة، ولما بطل أن يكون المراد منه القرب بالجهة ثبت أن المراد منه القرب بمعنى أنه تعالى يسمع دعاءهم ويرى تضرعهم، أو المراد من هذا القرب: العلم والحفظ وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ  ﴾ وقال: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد  ﴾ وقال: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ والمسلمون يقولون إنه تعالى بكل مكان ويريدون به التدبير والحفظ والحراسة إذا عرفت هذه المقدمة فنقول: لا يبعد أن يقال إنه كان في بعض أولئك الحاضرين من كان قائلاً بالتشبيه، فقد كان في مشركي العرب وفي اليهود وغيرهم من هذه طريقته، فإذا سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا: أين ربنا؟

صح أن يكون الجواب: فإني قريب، وكذلك إن سألوه عليه الصلاة والسلام فقالوا: هل يسمع ربنا دعاءنا؟

صح أن يقول في جوابه: فإني قريب فإن القريب من المتكلم يسمع كلامه، وإن سألوه كيف ندعوه برفع الصوت أو بأخفائه؟

صح أن يجيب بقوله: فإني قريب، وإن سألوه هل يعطينا مطلوبنا بالدعاء؟

صلح هذا الجواب أيضاً، وإن سألوه إنا إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟

صلح أن يجيب بقوله: فإني قريب أي فأنا القريب بالنظر لهم والتجاوز عنهم وقبول التوبة منهم، فثبت أن هذا الجواب مطابق للسؤال على جميع التقديرات.

المسألة الثانية: الآية تدل على أنه إنما يعرف بحدوث تلك الأشياء على وفق غرض الداعي فدل على أنه لولا مدبر لهذا العالم يسمع دعاءه ولم يخيب رجاءه وإلا لما حصل ذلك المقصود في ذلك الوقت.

واعلم أن قوله تعالى: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ فيه سر عقلي وذلك لأن اتصاف ماهيات الممكنات بوجوداتها إنما كان بإيجاد الصانع، فكان إيجاد الصانع كالمتوسط بين ماهيات الممكنات وبين وجوداتها فكان الصانع أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها، بل هاهنا كلام أعلى من ذلك وهو أن الصانع هو الذي لأجله صارت ماهيات الممكنات موجودة فهو أيضاً لأجله كان الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً، فكما أن بتأثيره وتكوينه صارت الماهيات موجودة فكذلك بتأثيره وتكوينه صارت كل ماهية تلك الماهية، فعلى قياس ما سبق كان الصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهية إلى نفسها، فإن قيل: تكوين الماهية ممتنع لأنه لا يعقل جعل السواد سواداً فنقول؛ فكذلك أيضاً لا يمكن جعل الوجود وجوداً لأنه ماهية، ولا يمكن جعل الموصوفية دالة للماهية فإذن الماهية ليست بالفاعل، والوجود ماهية أيضاً فلا يكون بالفاعل، وموصوفية الماهية بالوجود هو أيضاً ماهية فلا تكون بالفاعل، فإذن لم يقع شيء ألبتة بالفاعل، وذلك باطل ظاهر البطلان، فإذن وجب الحكم بأن الكل بالفاعل، وعند ذلك يظهر الكلام الذي قررناه.

أما قوله تعالى: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ أبو عمرو وقالون عن نافع ﴿ الداعى إِذَا ﴾ بإثبات الياء فيهما في الوصل والباقون بحذفها فالأولى على الوصل والثانية على التخفيف.

المسألة الثانية: قال أبو سليمان الخطابي: الدعاء مصدر من قولك: دعوت الشيء أدعوه دعاء ثم أقاموا المصدر مقام الاسم تقول: سمعت دعاء كما تقول سمعت صوتاً وقد يوضع المصدر موضع الاسم كقولهم: رجل عدل.

وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية واستمداده إياه المعونة.

وأقول: اختلف الناس في الدعاء، فقال بعض الجهال الدعاء شيء عديم الفائدة، واحتجوا عليه من وجوه: أحدها: أن المطلوب بالدعاء إن كان معلوم الوقوع عند الله تعالى كان واجب الوقوع، فلا حاجة إلى الدعاء، وإن كان غير معلوم الوقوع كان ممتنع الوقوع، فلا حاجة أيضاً إلى الدعاء.

وثانيها: أن حدوث الحوادث في هذا العالم لابد من انتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم الواجب لذاته، وإلا لزم إما التسلسل، وإما الدور وإما وقوع الحادث من غير مؤثر وكل ذلك محال وإذا ثبت وجوب إنتهائها بالآخرة إلى المؤثر القديم، فكل ما اقتضى ذلك المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماً أزلياً كان واجب الوقوع، وكل ما لم يقتض المؤثر القديم وجوده اقتضاء قديماً أزلياً كان ممتنع الوقوع، ولما ثبتت هذه الأمور في الأزل لم يكن للدعاء ألبتة أثر، وربما عبروا عن هذا الكلام بأن قالوا: الأقدار سابقة والأقضية متقدمة والدعاء لا يزيد فيها وتركه لا ينقص شيئاً منها، فأي فائدة في الدعاء، وقال عليه الصلاة والسلام: «قدر الله المقادير قبل أن يخلق الخلق بكذا وكذا عاماً» وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «جف القلم بما هو كائن».

وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: «أربع قد فرغ منها: العمر والرزق والخلق والخلق».

وثالثها: أنه سبحانه علام الغيوب: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِى الصدور  ﴾ فأي حاجة بالداعي إلى الدعاء؟

ولهذا السبب قالوا إن جبريل عليه السلام بلغ بسبب هذا الكلام إلى أعلى درجات الإخلاص والعبودية ولولا أن ترك الدعاء أفضل لما كان كذلك.

ورابعها: أن المطلوب بالدعاء إن كان من مصالح العبد فالجواد المطلق لا يهمله وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه.

وخامسها: ثبت بشواهد العقل والأحاديث الصحيحة أن أجل مقامات الصديقين وأعلاها الرضا بقضاء الله تعالى والدعاء ينافي ذلك لأنه اشتغال بالإلتماس وترجيح لمراد النفس على مراد الله تعالى وطلبه لحصة البشر.

وسادسها: أن الدعاء يشبه الأمر والنهي وذلك من العبد في حق المولى الكريم الرحيم سوء أدب.

وسابعها: روي أنه عليه الصلاة والسلام قال رواية عن الله سبحانه وتعالى: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين».

قالوا فثبت بهذه الوجوه أن الأولى ترك الدعاء.

وقال الجمهور الأعظم من العقلاء: إن الدعاء أهم مقامات العبودية، ويدل عليه وجوه من النقل والعقل، أما الدلائل النقلية فكثيرة الأول: أن الله تعالى ذكر السؤال والجواب في كتابه في عدة مواضع منها أصولية ومنها فروعية، أما الأصولية فقوله: ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح  ﴾ ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الجبال  ﴾ ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الساعة  ﴾ وأما الفروعية فمنها في البقرة على التوالي ﴿ يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ  ﴾ ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشهر الحرام  ﴾ ﴿ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر  ﴾ ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ اليتامى  ﴾ ﴿ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ المحيض  ﴾ وقال أيضاً: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال  ﴾ ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين  ﴾ ﴿ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ  ﴾ ﴿ يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الكلالة  ﴾ .

إذا عرفت هذا: فنقول هذه الأسئلة جاءت أجوبتها على ثلاثة أنواع فالأغلب فيها أنه تعالى لما حكى السؤال قال لمحمد: قل وفي صورة واحدة جاء الجواب بقوله: فقل مع فاء التعقيب، والسبب فيه أن قوله تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الجبال ﴾ سؤال عن قدمها وحدوثها وهذه مسألة أصولية فلا جرم قال الله تعالى: ﴿ فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّى نَسْفاً  ﴾ كأنه قال يا محمد أجب عن هذا السؤال في الحال ولا تؤخر الجواب فإن الشك فيه كفر ثم تقدير الجواب أن النسف ممكن في كل جزء من أجزاء الجبل فيكون ممكناً في الكل وجواز عدمه يدل على امتناع قدمه، أما سائر المسائل فهي فروعية فلا جرم لم يذكر فيها فاء التعقيب، أما الصورة الثالثة وهي في هذه الآية قال: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ ولم يقل فقل إني قريب فتدل على تعظيم حال الدعاء من وجوه: الأول: كأنه سبحانه وتعالى يقول عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء أما في مقام الدعاء فلا واسطة بيني وبينك الثاني: أن قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي ﴾ يدل على أن العبد له وقوله: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ يدل على أن الرب للعبد.

وثالثها: لم يقل: فالعبد مني قريب، بل قال: أنا منه قريب، وفيه سر نفيس فإن العبد ممكن الوجود فهو من حيث هو هو في مركز العدم وحضيض الفناء، فلا يمكنه القرب من الرب أما الحق سبحانه فهو القادر من أن يقرب بفضله وبرحمته من العبد، والقرب من الحق إلى العبد لا من العبد إلا الحق فلهذا قال: ﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ والرابع: أن الداعي ما دام يبقى خاطره مشغولاً بغير الله فإنه لا يكون داعياً له فإذا فني عن الكل صار مستغرقاً في معرفة الأحد الحق، فامتنع من أن يبقى في هذا المقام ملاحظاً لحقه وطالباً لنصيبه، فلما ارتفعت الوسائط بالكلية، فلا جرم حصل القرب فإنه ما دام يبقى العبد ملتفتاً إلى غرض نفسه لم يكن قريباً من الله تعالى، لأن ذلك الغرض يحجبه عن الله، فثبت أن الدعاء يفيد القرب من الله، فكان الدعاء أفضل العبادات.

الحجة الثانية في فضل الدعاء: قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ .

الحجة الثالثة: أنه تعالى لم يقتصر في بيان فضل الدعاء على الأمر به بل بين في آية أخرى أنه إذا لم يسأل يغضب فقال: ﴿ فَلَوْلاَ إِذْ جآءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ ولكن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ وقال عليه السلام: «لا ينبغي أن يقول أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت ولكن يجزم فيقول: اللهم اغفر لي».

وقال عليه السلام: «الدعاء مخ العبادة».

وعن النعمان بن بشير أنه عليه السلام قال: «الدعاء هو العبادة» وقرأ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ فقوله: الدعاء هو العبادة معناه أنه معظم العبادة وأفضل العبادة، كقوله عليه السلام: «الحج عرفة».

أي الوقوف بعرفة هو الركن الأعظم.

الحجة الرابعة: قوله تعالى: ﴿ ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبّى لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ  ﴾ والآيات كثيرة في هذا الباب فمن أبطل الدعاء فقد أنكر القرآن.

والجواب عن الشبهة الأولى: أنها متناقضة، لأن إقدام الإنسان على الدعاء إن كان معلوم الوقوع فلا فائدة في اشتغالكم بإبطال الدعاء، وإن كان معلوم العدم لم يكن إلى إنكاركم حاجة، ثم نقول: كيفية علم الله تعالى وكيفية قضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء وبين الخوف اللذين بهما تتم العبودية، وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله بالكل وجريان قضائه وقدره في الكل، ولهذا الإشكال سألت الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أرأيت أعمالنا هذه أشيء قد فرغ منه أم أمر يستأنفه؟

فقال: بل شيء قد فرغ منه.

فقالوا: ففيم العمل إذن؟

قال: «اعملوا فكل ميسر لما خلق له» فانظر إلى لطائف هذا الحديث فإنه عليه السلام علقهم بين الأمرين فرهبهم سابق القدر المفروغ منه ثم ألزمهم العمل الذي هو مدرجة التعبد، فلم يعطل ظاهر العمل بما يفيد من القضاء والقدر، ولم يترك أحد الأمرين للآخر، وأخبر أن فائدة العمل هو المقدر المفروغ منه فقال: كل ميسر لما خلق له يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق له القدر قبل وجوده، إلا أنك تحب أن تعلم هاهنا فرق ما بين الميسر والمسخر فتأهب لمعرفته فإنه بمنزلة مسألة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الكسب والرزق فإنه مفروغ منه في الأصل لا يزيده الطلب ولا ينقصه الترك.

والجواب عن الشبهة الثانية: أنه ليس المقصود من الدعاء الإعلام، بل إظهار العبودية والذلة والانكسار والرجوع إلى الله بالكلية.

وعن الثالثة: أنه يجوز أن يصير ما ليس بمصلحة مصلحة بحسب سبق الدعاء.

وعن الرابعة: أنه إذا كان مقصوده من الدعاء إظهار الذلة والمسكنة ثم بعد رضى بما قدره الله وقضاه، فذلك أعظم المقامات وهذا هو الجواب عن بقية الشبه في هذا الباب.

المسألة الثالثة: في الآية سؤال مشكل مشهور، وهو أنه تعالى قال: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ وقال في هذه الآية: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ﴾ وكذلك ﴿ أَمَّن يُجِيبُ المضطر إِذَا دَعَاهُ  ﴾ ثم إنا نرى الداعي يبالغ في الدعاء والتضرع فلا يجاب.

والجواب: أن هذه الآية وإن كانت مطلقة إلا أنه قد وردت آية أخرى مقيدة، وهو قوله تعالى: ﴿ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء  ﴾ ولا شك أن المطلق محمول على المقيد، ثم تقرير المعنى فيه وجوه: أحدها: أن الداعي لابد وأن يجد من دعائه عوضاً، إما إسعافاً بطلبته التي لأجلها دعا وذلك إذا وافق القضاء، فإذا لم يساعده القضاء فإنه يعطي سكينة في نفسه، وإنشراحاً في صدره، وصبراً يسهل معه احتمال البلاء الحاضر، وعلى كل حال فلا يعدم فائدة، وهو نوع من الاستجابة.

وثانيها: ما روى القفال في تفسيره عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوة المسلم لا ترد إلا لإحدى ثلاثة: ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، إما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء بقدر ما دعا.

وهذا الخبر تمام البيان في الكشف عن هذا السؤال، لأنه تعالى قال: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ ولم يقل: أستجب لكم في الحال فإذا استجاب له ولو في الآخرة كان الوعد صدقاً.

وثالثها: أن قوله: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ يقتضي أن يكون الداعي عارفاً بربه وإلا لم يكن داعياً له، بل لشيء متخيل لا وجود له ألبتة، فثبت أن الشرط الداعي أن يكون عارفاً بربه ومن صفات الرب سبحانه أن لا يفعل إلا ما وافق قضاءه وقدره وعلمه وحكمته فإذا علم أن صفة الرب هكذا استحال منه أن يقول بقلبه وبعقله: يا رب افعل الفعل الفلاني لا محالة، بل لابد وأن يقول: افعل هذا الفعل إن كان موافقاً لقضائك وقدرك وحكمتك، وعند هذا يصير الدعاء الذي دلت الآية على ترتيب الإجابة عليه مشروطاً بهذه الشرائط وعلى هذا التقدير زال السؤال الرابع أن لفظ الدعاء والإجابة يحتمل وجوهاً كثيرة أحدها: أن يكون الدعاء عبارة عن التوحيد والثناء على الله كقول العبد: يا ألله الذي لا إله إلا أنت، وهذا إنما سمي دعاء لإنك عرفت الله تعالى ثم وحدته وأثنيت عليه، فهذا يسمى دعاء بهذا التأويل ولما سمي هذا المعنى دعاء سمي قبوله إجابة لتجانس اللفظ ومثله كثير وقال ابن الأنباري: ﴿ أُجِيبُ ﴾ هاهنا بمعنى أسمع لأن بين السماع وبين الإجابة نوع ملازمة، فلهذا السبب يقام كل واحد منهما مقام الآخر، فقولنا سمع الله لمن حمده أي أجاب الله فكذا هاهنا قوله: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع ﴾ أي أسمع تلك الدعوة، فإذا حملنا قوله تعالى: ﴿ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ على هذا الوجه زال الإشكال.

وثانيها: أن يكون المراد من الدعاء التوبة عن الذنوب، وذلك لأن التائب يدعو الله تعالى عند التوبة، وإجابة الدعاء بهذا التفسير عبارة عن قبول التوبة، وعلى هذا الوجه أيضاً لا إشكال.

وثالثها: أن يكون المراد من الدعاء العبادة، قال عليه الصلاة والسلام: «الدعاء هو العبادة».

ومما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ  ﴾ فظهر أن الدعاء هاهنا هو العبادة، وإذا ثبت هذا فإجابة الله تعالى للدعاء بهذا التفسير عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كما قال: ﴿ وَيَسْتَجِيبُ الذين ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ  ﴾ وعلى هذا الوجه الإشكال زائل.

ورابعها: أن يفسر الدعاء بطلب العبد من ربه حوائجه فالسؤال المذكور إن كان متوجهاً على هذا التفسير لم يكن متوجهاً على التفسيرات الثلاثة المتقدمة، فثبت أن الإشكال زائل.

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ﴾ مختص بالمؤمنين ﴿ الذين ءَامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ  ﴾ وذلك لأن وصفنا الإنسان بأن الله تعالى قد أجاب دعوته، صفة مدح وتعظيم، ألا ترى أنا إذا أردنا المبالغة في تعظيم حال إنسان في الدين قلنا إنه مستجاب الدعوة وإذا كان هذا من أعظم المناصب في الدين، والفاسق واجب الإهانة في الدين، ثبت أن هذا الوصف لا يثبت إلا لمن لا يتلوث إيمانه بالفسق، بل الفاسق قد يفعل الله ما يطلبه إلا أن ذلك لا يسمى إجابة الدعوة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: وجه الناظم أن يقال: إنه تعالى قال: أنا أجيب دعاءك مع أني غني عنك مطلقاً، فكن أنت أيضاً مجيباً لدعائي مع أنك محتاج إلي من كل الوجوه، فما أعظم هذا الكرم، وفيه دقيقة أخرى وهي أنه تعالى لم يقل للعبد: أجب دعائي حتى أجيب دعاءك، لأنه لو قال ذلك لصار لدعائي، وهذا تنبيه على أن إجابة الله عبده فضل منه ابتداء، وأنه غير معلل بطاعة العبد، وأن إجابة الرب في هذا الباب إلى العبد متقدمة على اشتغال العبد بطاعة الرب، وهذا يدل على فساد ما نقلناه عن المعتزلة في المسألة الرابعة.

المسألة الثانية: قال الواحدي: أجاب واستجاب بمعنى واحد: قال كعب الغنوي: وداع دعا يا من يجيب إلى الندا *** فلم يستجبه عند ذاك مجيب وقال أهل المعنى: الإجابة من العبد لله الطاعة، وإجابة الله لعبده إعطاؤه إياه مطلوبه، لأن إجابة كل شيء على وفق ما يليق به.

المسألة الثالثة: إجابة العبد لله إن كانت إجابة بالقلب واللسان، فذاك هو الإيمان، وعلى هذا التقدير يكون قوله: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى ﴾ تكراراً محضاً، وإن كانت إجابة العبد لله عبارة عن الطاعات كان الإيمان مقدماً على الطاعات، وكان حق النظم أن يقول: فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي، فلم جاء على العكس منه؟.

وجوابه: أن الإستجابة عبارة عن الإنقياد والإستسلام، والإيمان عبارة عن صفة القلب، وهذا يدل على أن العبد لا يصل إلى نور الإيمان وقوته إلا بتقدم الطاعات والعبادات.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ فقال صاحب الكشاف: قرئ ﴿ يَرْشُدُونَ ﴾ بفتح الشين وكسرها، ومعنى الآية أنهم إذا استجابوا لي وآمنوا بي: اهتدوا لمصالح دينهم ودنياهم، لأن الرشيد هو من كان كذلك، <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ فَإِنّي قَرِيبٌ ﴾ تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه، فإذا دعى أسرعت تلبيته، ونحوه ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوريد ﴾ [ق: 16] وقوله عليه الصلاة والسلام: «هو بينكم وبين أعناق رواحلكم» وروي: أنّ أعربياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟

فنزلت: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى ﴾ إذا دعوتهم للإيمان والطاعة، كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم.

وقرئ ﴿ يرشَدون ويرشِدون ﴾ ، بفتح الشين، وكسرها.

كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد، فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه الطعام والشراب والنساء إلى القابلة، ثم إنّ عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة، وأخبره بما فعل، فقال عليه الصلاة والسلام: «ما كنت جديراً بذلك يا عمر» فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء، فنزلت.

وقرئ: ﴿ أحلّ لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ ، أي أحلّ الله.

وقرأ عبد الله: ﴿ الرفوث ﴾ ، وهو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه، كلفظ النيك، وقد أرفث الرجل.

وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه أنشد وهو محرم: وهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا ** إنْ تَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِك لَمِيسَا فقيل له: أرفثت؟

فقال: إنما الرفث ما كان عند النساء.

وقال الله تعالى: ﴿ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ ﴾ فكنى به عن الجماع، لأنه لا يكاد يخلو من شيء من ذلك.

فإن قلت: لم كنى عنه هاهنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله: ﴿ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ ﴾ [النساء: 21] ، ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا ﴾ [الأعراف: 189] ، ﴿ باشروهن ﴾ ، ﴿ أَوْ لامستم النساء ﴾ [النساء: 43] ، ﴿ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ ﴾ [النساء: 23] ، ﴿ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ ﴾ [البقرة: 223] ، ﴿ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ ﴾ [البقرة: 237] ، ﴿ فَمَا استمتعتم بِهِ مِنْهُنَّ ﴾ [النساء: 24] ، ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ ﴾ [البقرة: 222] ؟

قلت: استهجاناً لما وجد منهم قبل الإباحة، كما سماه اختياناً لأنفسهم.

فإن قلت: لم عدى الرفث بإلى؟

قلت: لتضمينه معنى الإفضاء.

لما كان الرجل والمرأة يعتنقان ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه.

قال الجعدي: إذَا مَا الضَّجِيعُ ثَنَى عِطْفَهَا ** تَثَنَّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسَا فإن قلت: ما موقع قوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ ﴾ ؟

قلت: هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهنّ مثل هذه المخالطة والملابسة قلّ صبركم عنهنّ وصعب عليكم اجتنابهنّ، فلذلك رخص لكم في مباشرتهنّ ﴿ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ ﴾ تظلمونها وتنقصونها حظها من الخير.

والاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور ﴿ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ ﴾ واطلبوا ما قسم الله لكم وأثبت في اللوح من الولد بالمباشرة، أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل.

وقيل: هو نهى عن العزل لأنه في الحرائر.

وقيل: وابتغوا المحل الذي كتبه الله لكم وحلّله دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرّم.

وعن قتادة: وابتغوا ما كتب الله لكم من الإباحة بعد الحظر.

وقرأ ابن عباس: (واتبعوا) وقرأ الأعمش: (وأتوا) وقيل معناه: واطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها وقمتموها، وهو قريب من بدع التفاسير ﴿ الخيط الابيض ﴾ هو أوّل من يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود.

و ﴿ الخيط الأسود ﴾ ما يمتدّ معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود.

قال أبو داؤد: فَلَمَّا أضَاءَتْ لَنَا سَدْفَةٌ ** وَلاَحَ مِنَ الصُّبْحِ خيط أنَارَا وقوله: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ بيان للخيط الأبيض، واكتفى به عن بيان الخيط الأسود.

لأنّ بيان أحدهما بيان للثاني.

ويجوز أن تكون (من) للتبعيض: لأنه بعض الفجر وأوّله.

فإن قلت: أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه؟

قلت: قوله: ﴿ مِنَ الفجر ﴾ أخرجه من باب الاستعارة، كما أن قولك: رأيت أسداً مجاز.

فإذا زدت (من فلان) رجع تشبيهاً.

فإن قلت: فلم زيد ﴿ مِنَ الفجر ﴾ حتى كان تشبيهاً؟

وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة؟

قلت: لأنّ من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام، ولو لم يذكر ﴿ مِنَ الفجر ﴾ لم يعلم أن الخيطين مستعاران، فزيد ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فكان تشبيهاً بليغاً وخرج من أن يكون استعارة.

فإن قلت: فكيف التبس على عديّ بن حاتم مع هذا البيان حتى قال: عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فضحك وقال: «إن كان وسادك لعريضا» وروي: (إنك لعريض القفا، إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل)؟

قلت: غفل عن البيان، ولذلك عرّض رسول الله صلى الله عليه وسلم قفاه، لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته.

وأنشدتني بعض البدويات لبدوي: عَرِيضُ القَفَا مِيزَانُهُ فِي شِمَالِه ** قَدِ انحص مِنْ حَسْبِ القَرَارِيطِ شَارِبُهْ فإن قلت: فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي: أنها نزلت ولم ينزل ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له، فنزل بعد ذلك ﴿ مِنَ الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار؟

وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث، حيث لا يفهم منه المراد، إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة، ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر، فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة؟

قلت: أما من لم يجوّز تأخير البيان- وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين، وهو مذهب أبي عليّ وأبي هاشم- فلم يصح عندهم هذا الحديث.

وأما من يجوّزه فيقول: ليس بعبث.

لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه ﴿ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى اليل ﴾ قالوا: فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان، وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر، وعلى نفي صوم الوصال ﴿ عاكفون فِي المساجد ﴾ معتكفون فيها.

والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه.

والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَائِكُمْ ﴾ ، ﴿ فالن باشروهن ﴾ وقيل معناه: ولا تلامسوهنّ بشهوة، والجماع يفسد الاعتكاف، وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل.

وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك.

وقالوا: فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد، وأنه لا يختصّ به مسجد دون مسجد.

وقيل: لا يجوز إلا في مسجد نبيّ وهو أحد المساجد الثلاثة.

وقيل: في مسجد جامع.

والعامة على أنه في مسجد جماعة.

وقرأ مجاهد: ﴿ في المسجد ﴾ ﴿ تِلْكَ ﴾ الأحكام التي ذكرت ﴿ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ فلا تغشوها.

فإن قلت: كيف قيل: ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ مع قوله: ﴿ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله ﴾ [البقرة: 229] ؟

قلت: من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل، ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحدّ الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعداً عن الطرف فضلاً عن أن يتخطاه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ لكل ملك حمى، وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه» فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد.

ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصاً، لقوله: ﴿ وَلاَ تباشروهن ﴾ وهي حدود لا تقرب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ ﴾ أيْ فَقُلْ لَهم إنِّي قَرِيبٌ، وهو تَمْثِيلٌ لِكَمالِ عِلْمِهِ بِأفْعالِ العِبادِ وأقْوالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى أحْوالِهِمْ بِحالِ مَن قَرُبَ مَكانُهُ مِنهُمْ، رُوِيَ: «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ  أقَرِيبُ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ ﴾ تَقْرِيرٌ لِلْقُرْبِ.

ووَعْدٌ لِلدّاعِي بِالإجابَةِ.» ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ والطّاعَةِ كَما أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِمُهِمّاتِهِمْ ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾ أمْرٌ بِالثَّباتِ والمُداوَمَةِ عَلَيْهِ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ ﴾ راجِينَ إصابَةَ الرُّشْدِ وهو إصابَةُ الحَقِّ.

وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها.

واعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا أمَرَهم بِصَوْمِ الشَّهْرِ ومُراعاةِ العِدَّةِ، وحَثِّهِمْ عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ، عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ تَعالى خَبِيرٌ بِأحْوالِهِمْ، سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ مُجِيبٌ لِدُعائِهِمْ، مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ تَأْكِيدًا لَهُ وحَثًّا عَلَيْهِ، ثُمَّ بَيَّنَ أحْكامَ الصَّوْمِ فَقالَ: <div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

ولما قال اعرابى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه نزل {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ} علماً وإجابة لتعاليه عن القرب

مكاناً {أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ} الداعي دعاني في الحالين سهل ويعقوب ووافقهما أبو عمرو ونافع غير قالون في الوصل غيرهم بغير ياء في الحالين ثم إجابة الدعاء وعد صدق من الله لا خلف فيه غير أن إجابة الدعوة تخالف قضاء الحاجة فإجابة الدعوة أن يقول العبد يا رب فيقول الله لبيك عبدي وهذا أمر موعود موجود لكل مؤمن وقضاء الحاجة إعطاء المراد وذا قد يكون ناجزاً وقد يكون بعد مدة وقد يكون في الآخرة وقد تكون الخيرة له في غيره {فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى} إذا دعوتهم للإيمان والطاعة كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم {وَلْيُؤْمِنُواْ بي} واللام فيها للأمر {لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ} ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد وهو ضد الغي

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذا سَألَكَ عِبادِي ﴾ في تَلْوِينِ الخِطابِ، مَعَ تَوْجِيهِهِ لِسَيِّدٍ ذَوِي الألْبابِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ما لا يَخْفى مِنَ التَّشْرِيفِ ورَفْعِ المَحَلِّ ﴿ عَنِّي ﴾ أيْ: عَنْ قُرْبِي وبُعْدِي؛ إذْ لَيْسَ السُّؤالُ عَنْ ذاتِهِ - تَعالى - ﴿ فَإنِّي قَرِيبٌ ﴾ أيْ: فَقُلْ لَهم ذَلِكَ بِأنْ تُخْبِرَ عَنِ القُرْبِ بِأيِّ طَرِيقٍ كانَ، ولا بُدَّ مِنَ التَّقْدِيرِ؛ إذْ بِدُونِهِ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، ولَمْ يُصَرَّحْ بِالمُقَدَّرِ كَما في أمْثالِهِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ - تَعالى - تَكَفَّلَ جَوابَهم ولَمْ يَكِلْهم إلى رَسُولِهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - تَنْبِيهًا عَلى كَمالِ لُطْفِهِ، والقُرْبُ حَقِيقَةً في القُرْبِ المَكانِيِّ المُنَزَّهِ عَنْهُ - تَعالى -، فَهو اسْتِعارَةٌ لِعِلْمِهِ - تَعالى - بِأفْعالِ العِبادِ وأقْوالِهِمْ واطِّلاعِهِ عَلى سائِرِ أحْوالِهِمْ، وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ عَنْ أُبَيٍّ، قالَ: «قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بِعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟

فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ ﴾ » دَلِيلٌ لِلْقُرْبِ وتَقْرِيرٌ لَهُ، فالقَطْعُ لِكَمالِ الِاتِّصالِ، وفِيهِ وعْدُ الدّاعِي بِالإجابَةِ في الجُمْلَةِ عَلى ما تُشِيرُ إلَيْهِ كَلِمَةُ ( إذا ) لا كُلِّيًّا، فَلا حاجَةَ إلى التَّقْيِيدِ بِالمَشِيئَةِ المُؤْذَنُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إلَيْهِ إنْ شاءَ ﴾ ولا إلى أنَّ القَوْلَ بِأنَّ إجابَةَ الدَّعْوَةِ غَيْرُ قَضاءِ الحاجَةِ؛ لِأنَّها قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: لَبَّيْكَ يا عَبْدِي، وهو مَوْعُودٌ مَوْجُودٌ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ يَدْعُو، ولا إلى تَخْصِيصِ الدَّعْوَةِ بِما لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، أوِ الدّاعِي بِالمُطِيعِ المُخْبِتِ، نَعَمْ كَوْنُهُ كَذَلِكَ أرْجى لِلْإجابَةِ لا سِيَّما في الأزْمِنَةِ المَخْصُوصَةِ، والأمْكِنَةِ المَعْلُومَةِ، والكَيْفِيَّةِ المَشْهُورَةِ، ومَعَ هَذا قَدْ تَتَخَلَّفُ الإجابَةُ مُطْلَقًا، وقَدْ تَتَخَلَّفُ إلى بَدَلٍ، فَفي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: «ما مِن مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها إثْمٌ ولا قَطِيعَةُ رَحِمٍ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ - تَبارَكَ وتَعالى - إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا أنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَ لَهُ، وإمّا أنْ يَكُفَّ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها» وسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ أيْ: فَلْيَطْلُبُوا إجابَتِي لَهم إذا دَعَوْنِي، أوْ فَلْيُجِيبُوا لِي إذا دَعَوْتُهم لِلْإيمانِ والطّاعَةِ كَما أنِّي أُجِيبُهم إذا دَعَوْنِي لِحَوائِجِهِمْ، واسْتَجابَ وأجابَ واحِدٌ، ومَعْناهُ قَطْعُ مَسْألَتِهِ بِتَبْلِيغِهِ مُرادَهُ مِنَ الجَوْبِ بِمَعْنى القَطْعِ، وهَذا ما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، ولا يُغْنِي عَنْهُ ﴿ ولْيُؤْمِنُوا بِي ﴾ ؛ لِأنَّهُ أمْرٌ بِالثَّباتِ والمُداوَمَةِ عَلى الإيمانِ ﴿لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ 186﴾ أيْ: يَهْتَدُونَ لِمَصالِحِ دِينِهِمْ ودُنْياهُمْ، وأصْلُ البابِ إصابَةُ الخَيْرِ، وقُرِئَ بِفَتْحِ الشِّينِ وكَسْرِها، ولَمّا أمَرَهم - سُبْحانَهُ وتَعالى - بِصَوْمِ الشَّهْرِ ومُراعاةِ العِدَّةِ، وحَثَّهم عَلى القِيامِ بِوَظائِفِ التَّكْبِيرِ والشُّكْرِ، عَقَّبَهُ بِهَذِهِ الآيَةِ الدّالَّةِ عَلى أنَّهُ - تَعالى - خَبِيرٌ بِأفْعالِهِمْ، سَمِيعٌ لِأقْوالِهِمْ، مُجازِيهِمْ عَلى أعْمالِهِمْ، تَأْكِيدًا لَهُ وحَثًّا عَلَيْهِ، أوْ أنَّهُ لَمّا نَسَخَ الأحْكامَ في الصَّوْمِ ذَكَرَ هَذِهِ الآيَةَ الدّالَّةَ عَلى كَمالِ عِلْمِهِ بِحالِ العِبادِ، وكَمالِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، ونِهايَةِ لُطْفِهِ بِهِمْ في أثْناءِ نَسْخِ الأحْكامِ تَمْكِينًا لَهم في الإيمانِ، وتَقْرِيرًا لَهم عَلى الِاسْتِجابَةِ؛ لِأنَّ مَقامَ النَّسْخِ مِن مَظانِّ الوَسْوَسَةِ والتَّزَلْزُلِ، فالجُمْلَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ اعْتِراضِيَّةٌ بَيْنَ كَلامَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ مَعْنًى؛ أحَدُهُما ما تَقَدَّمَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ، يعني فرض عليكم صيام رمضان، كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، أي فرض على الذين من قبلكم من أهل الملل كلها.

لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الأكل والشرب والجماع بعد صلاة العشاء الآخرة وبعد النوم.

ويقال: كما كتب في الذين من قبلكم في الفرض.

ويقال: كما كتب على الذين من قبلكم في العدد أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ، أي معلومات وإنما صارت الأيام نصباً لنزع الخافض، ومعناه في أيام معدودات.

وقال مقاتل: كل شيء في القرآن معدودة أو معدودات فهو دون الأربعين، وما زاد على ذلك لا يقال معدودة.

ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً، فلم يقدر على الصوم أَوْ عَلى سَفَرٍ، فلم يصم.

فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، أي فعليه أن يقضيها بعد مضي الشهر مثل عدد الأيام التي فاتته.

وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ، أي يطيقون الصوم فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، أي يدفع لكل مسكين مقدار نصف صاع من حنطة ويفطر ذلك اليوم.

فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً، أي تصدق على مسكينين مكان كل يوم أفطره، فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ من أن يطعم مسكيناً واحداً.

والصيام خير له من الإفطار وهو قوله: وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ من أن تفطروا وتطعموا.

قال الكلبي: كان هذا في أول الإسلام ثم نسخت هذه الآية بالآية التي بعدها، وهكذا قال القتبي، وهكذا روي، عن سلمة بن الأكوع أنه قال: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان من أراد أن يفطر ويفدي فعل، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها وهو قوله: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ.

وقال الشعبي: لما نزلت هذه الآية: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ، كان الأغنياء يطعمون ويفطرون ويفتدون ولا يصومون، فصار الصوم على الفقراء، فنسختها هذه الآية فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، فوجب الصوم على الغني والفقير، وقال بعضهم: ليست بمنسوخة، وإنما نزلت في الشيخ الكبير.

وروي عن عائشة أنها كانت تقرأ: «وَعَلَى الَّذِينَ يَطُوقُونَهُ» ، يعني يكلفونه فلا يطيقونه.

وروي عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: ليست بمنسوخة وإنما هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة اللذين لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان كل يوم مسكيناً.

قرأ نافع وابن عامر «فِدْيَةُ طَعَامِ مِسْكِينٍ» بضم الهاء وكسر الميم بالألف على الإضافة.

وقرأ الباقون بتنوين الهاء فِدْيَةٌ طَعامُ بضم الميم مّسْكِينٌ بغير ألف.

قوله تعالى: شَهْرُ رَمَضانَ، قرأ عاصم في رواية حفص: شَهْرُ بفتح الراء والباقون: بالضم.

وإنما صار رفعاً لمعنيين: أحدهما أنه مفعول ما لم يسم فاعله، يقول: كتب عليكم شهر رمضان ومعنى آخر: أنه خبر مبتدأ يعني هذا شهر رمضان.

ومن قرأ بالنصب احتمل أنه صار نصباً لوقوع الفعل عليه، أي صوموا شهر رمضان ويقال: صار نصباً لنزع الخافض، أي: في شهر رمضان.

ويحتمل: عليكم شهر رمضان.

كقوله: صِبْغَةَ اللَّهِ [البقرة: 138] يعني الزموا.

قوله: الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، قرأ ابن كثير الْقُرْآنُ بالتخفيف وقرأ الباقون: بالهمز.

وقال ابن عباس في معنى قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ، يعني أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ جملة واحدة إلى الكتبة في السماء الدنيا، ثم أنزل به جبريل على رسول الله  نجوماً نجوماً، أي الآية والآيتين في أوقات مختلفة أنزل عليه في إحدى وعشرين سنة.

وقال مقاتل: أنزل فيه القرآن من اللوح المحفوظ كل عام في ليلة القدر إلى سماء الدنيا، نزل إلى السفرة من اللوح المحفوظ في عشرين سنة.

حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا فارس بن مردويه قال: حدثنا محمد بن الفضيل العابد قال: حدثنا الفضل بن دكين، عن سفيان الثوري، عن خالد الحذاء، عن أبي قلابة قال: أنزلت التوراة في ثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان، والإنجيل في ثمانية عشرة ليلة، والقرآن في أربعة وعشرين ليلة.

قال الفقيه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم القطان قال: حدثنا محمد بن صالح الترمذي قال: حدثنا سويد بن نصر قال: حدثنا عبد الله بن المبارك، عن ابن جريح قال: قال ابن عباس في قوله: شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ قال: أنزل القرآن جملة واحدة على جبريل في ليلة القدر.

قال ابن جريج: كان ينزل من القرآن في ليلة القدر كل شيء ينزل في تلك السنة.

فينزل ذلك من السماء السابعة على جبريل في السماء الدنيا، ولا ينزل جبريل من ذلك على محمد  إلا كلما أمر به تعالى.

قوله عز وجل: هُدىً لِلنَّاسِ أي القرآن هدى للناس من الضلالة وبياناً لهم.

وَبَيِّناتٍ مِنَ الْهُدى، يعني بيان الحلال والحرام وَالْفُرْقانِ، أي المخرج من الشبهات فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ، أي من كان منكم شاهداً ولم يكن مريضاً ولا مسافراً فليصم الشهر.

وَمَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فأفطر، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يقضيه بعد ذلك.

روي عن عبد الله بن عمر: أنه كان يكره قضاء رمضان متفرقاً.

وعن علي بن أبي طالب مثله.

وقال معاذ بن جبل وأبو عبيدة بن الجراح وجماعة من الصحابة: أحصِ العدد وصم كيف شئت.

واختلفوا في حدّ المريض الذي يجوز له الإفطار.

قال بعضهم: إذا كان بحال يخاف على نفسه التلف.

وقال بعضهم: إذا استحق اسم المريض جاز له أن يفطر.

وقال بعضهم: إذا كان بحال يخاف أن يزيد الصوم في مرضه جاز له أن يفطر.

وهو قول أصحابنا.

ثم قال تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ في الإفطار في حال المرض والسفر، وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ بالصوم في المرض والسفر.

وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، قال الكلبي: يعني لتتموا عدة ما أفطرتم من الصوم في السفر أو في المرض.

وقال الضحاك: وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ، يعني إذا غمّ عليكم هلال شوال فأكملوا الشهر ثلاثين يوماً.

قرأ عاصم في رواية أبي بكر وأبو عمرو في رواية هارون: «وَلِتُكَمِّلُوا» بنصب الكاف وتشديد الميم، وقرأ الباقون بالتخفيف وسكون الكاف وهما لغتان يقال: كملت الشيء وأكملته مثل وصَّيت وأوصيت ثم قال: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى مَا هَداكُمْ، أي لتعظموا الله على مَا هداكم لشرائعه وسننه وأمر دينه وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، أي لتشكروا الله تعالى على هذه النعمة حيث رخص لكم الفطر في المرض والسفر.

وقال مقاتل: لعلكم تشكرون في هذه النعم أن هداكم لأمر دينه.

وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي وذلك أنه لما نزلت هذه الآية: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60] ، قال أصحاب رسول الله  : يا رسول الله في أي وقت ندعو الله حتى يستجاب دعاؤنا؟

فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ، يعني أجيبكم في أي وقت تدعونني.

وقال بعضهم: سأله بعض أصحابه فقالوا: يا رسول الله، أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.

وقال مقاتل: إن عمر واقع امرأته بعد ما صلى العشاء، فندم على ذلك وبكى إلى رسول الله  فأخبره بذلك ورجع من عنده مغتماً، وكان ذلك قبل الرخصة، فنزلت هذه الآية: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ.

قرأ أبو عمرو ونافع وعاصم في إحدى الروايتين: «دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي» بالياء والباقون كلهم بحذف الياء.

وأصله بالياء إلا أن الكسر يقوم مقام الياء.

ويقال فإني قريب في الإجابة، أجيب دعوة الداعي إذا دعاني، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي بالطاعة، وَلْيُؤْمِنُوا بِي وليصدقوا بوعدي.

قال ابن عباس في رواية الكلبي: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي الاستجابة أن تقولوا بعد صلاتكم: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

وَلْيُؤْمِنُوا بِي والإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالطاغوت، وأن وعدك حق وأن لقاءك حق، وأشهد أنك أحد فرد صمد، لم تلد ولم تولد ولم يكن لك كفواً أحد، وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأنك باعث من في القبور.

وروي عن ابن عباس أنه قال: ما تَرَكْتُ هذه الكلمات دبر كل صلاة منذ نزلت هذه الآية.

وروي عن الكلبي أنه قال: ما تركتها منذ أربعين سنة.

ويقال: معناه أجيبوا لي بالطاعة إذا دعاكم رسول الله- وَلْيُؤْمِنُوا بِي، أي ليصدقوا بتوحيدي.

لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ، أي يهتدون من الضلالة.

قوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، يعني الجماع.

وروى بكر، عن عبد الله المزني، عن ابن عباس أنه قال: الغشيان واللمس والإفضاء والمباشرة والرفث هو الجماع، ولكن الله حيي كريم يكني بما شاء.

وسبب نزول هذه الآية أن عمر بن الخطاب-  - واقع امرأته بعد صلاة العشاء في شهر رمضان بعد النوم، فأخبر بذلك رسول الله  ، فقال له رسول الله  : «مَا كُنْتَ جَدِيراً بذلك» .

فرجع مغتماً فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ، أي رخص لكم الجماع مع نسائكم.

هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ، أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.

ويقال: هن ستر لكم من النار وأنتم ستر لهن من النار.

عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ، أي تظلمون أنفسكم.

قال القتبي: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدي الأمانة فيه.

وقد سمى الله تعالى هذا الفعل خيانة، لأن الإنسان قد اؤتمن على دينه فإذا فعل بخلاف ما أمر الله به ولم يؤد الأمانة فيه، فقد خانه بمعصيته.

فَتابَ عَلَيْكُمْ، أي فتجاوز عنكم وَعَفا عَنْكُمْ ولم يعاقبكم بما فعلتم.

فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ، أي جامعوهن وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، يعني اطلبوا ما قضى الله لكم من الولد الصالح.

وقال الزجاج: وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ، أي اتبعوا القرآن فيما أبيح لكم فيه وأمرتم به.

وَكُلُوا وَاشْرَبُوا، نزلت في شأن صرمة بن قيس عمل في النخيل بالنهار، فلما رجع منزله غلب عليه النوم قبل أن يأكل شيئاً، فأصبح صائماً فأجهده الصوم، فرآه رسول الله  في آخر النهار فقال له: «مَا لَكَ يَا ابْنَ قَيْسٍ أَمْسَيْتَ طَليحاً؟» فقال: ظللت أمس في النخيل نهاري كله أجر بالجرين، حتى أمسيت فأتيت أهلي، فأرادت أن تطعمني شيئاً سخناً فأبطأت علي فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الطعام والشراب، فلم آكل فأصبحت صائماً فأمسيت وقد أجهدني الصوم.

فنزلت هذه الآية وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ، وهذا أمر أباحه الله وليس بأمر حتم.

كقوله: وَإِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا [المائدة: 2] وكقوله: فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ [الجمعة: 10] .

فلفظه لفظ الأمر والمراد به الإباحة.

وقد أباح الله الأكل والشرب والجماع إلى وقت طلوع الفجر بقوله: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، أي يستبين لكم بياض النهار من سواد الليل.

ويقال: في الابتداء لما نزل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ، كان بعضهم يأخذ خيطين أحدهما أبيض والآخر أسود يجعل ينظر إليهما ويأكل ويشرب، حتى يتبين له الأسود من الأبيض.

وذكر عن عدي بن حاتم الطائي أنه قال: أخذت خيطين، فجعلت أنظر إليهما، فلم يتبين الأسود من الأبيض ما لم يسفر الفجر فأتيت رسول الله  فأخبرته، فتبسم وقال: «إِنّكَ لَعَرِيضُ القَفَا إِنَّما هُوَ سَوادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ» ، فنزل قوله: مِنَ الْفَجْرِ فارتفع الاشتباه.

ثم قال تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ أي إلى أول الليل وهو غروب الشمس.

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، يقول: ولا تجامعوهن وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ، يقول: ولا تجامعوهن وأنتم معتكفون فيها، وذلك أنه لما رخص لهم الجماع في ليلة الصيام، فكان الرجل إذا كان معتكفاً فإذا بدا له، خرج بالليل إلى أهله فتغشاها ثم يغسل ويرجع إلى المسجد، فنزلت هذه الآية: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ، أي لا تجامعوهن ليلاً ولا نهاراً وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ قال الكلبي: يعني المباشرة في الاعتكاف معصية الله فَلا تَقْرَبُوها في الاعتكاف.

وقال الزجاج: الحد في اللغة هو المنع، فكل من منع فهو حداد.

ولهذا سمي حد الدار حداً، لأنه يمنع الغير عن دخولها.

كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آياتِهِ لِلنَّاسِ، يعني النهي عن الجماع لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ الجماع حتى يفرغوا من الاعتكاف.

ويقال تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ، أي جميع ما ذكر الله تعالى من أول الآية إلى آخرها في أمر الصيام وغيره، ونبين لهم الآيات لعلهم يتقون، فينتهون عما نهاهم ويتبعون ما أمرهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ حضٌّ على التكبير في آخر رمضان.

قال مالكٌ: وهو من حينِ يَخْرُجُ الرجلُ من منزله إِلى أنْ يخرج الإِمامُ إلى المصلى، ولفظه عند مالك وجماعةٍ من العلماء: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ ثلاثاً.

ومن العلماء من يكبِّر، ويهلِّل، ويسبِّح أثناء التكبيرِ، ومنهم من يقول: اللَّه أكبر كبيراً، والحمدُ للَّهِ كَثيراً، وسبحانَ اللَّهِ بُكْرةً وأصيلاً، وقيل غير هذا.

والجميعُ حسن واسع مع البداءة بالتكبير.

وهَداكُمْ: قيل: المرادُ: لِمَا ضَلَّ فيه النصارى من تبديلِ صيامِهِمْ، وتعميمُ الهدى جيدٌ.

وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ترجٍّ في حق البَشَر، أي: على نعم اللَّه في الهدى.

ص: وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ علَّةَ الترخيصِ والتيسيرِ، وهذا نوعٌ من اللَّفِّ لطيفُ المسلك انتهى.

وقوله جلَّ وعلا: وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ ...

الآيةَ.

قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: سببُها أن قوما قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم: «أَقَرِيبٌ رَبُّنَا فَنُنَاجِيَهُ، أَمْ بَعِيدٌ فَنُنَادِيَهُ» ، فنزلتِ الآية «١» .

وأُجِيبُ: قال قومٌ: المعنى: أجيبُ إِن شئْتُ، وقال قوم: إِن اللَّه تعالى يجيب كلَّ الدعاء، فإِما أن تظهر الإِجابةُ في الدنيا، وإما أن يكفِّر عنه، وإِما أن يُدَّخَرَ له أجرٌ في الآخرة، وهذا بحَسَب حديثِ «الموطَّإِ» ، وهو: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلاَّ كَانَ بين إحدى ثلاث ...

» «٢» الحديث.

ت: وليس هذا باختلاف قولٍ.

قال ابن رُشْدٍ في «البيان» : الدعاءُ عبادةٌ من العبادات يؤْجر فيها الأجر العظيم، أَجيبَتْ دعوته فيما دعا به، أو لم تُجَبْ، وهأنا أنقل، إِن شاء اللَّه، من صحيح الأحاديث في هذا المَحَلِّ ما يَثْلَجُ له الصَدْرُ، وعن أنسٍ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم:

«لاَ تَعْجِزُوا عَنِ الدُّعَاءِ فَإِنَّهُ لَنْ يَهْلِكَ مَعَ الدُّعَاءِ أَحَدٌ» رواه الحاكم أبو عبد اللَّه في «المُسْتَدْرَكِ» على الصحيحين، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ له، وقال الحاكم:

صحيحُ الإِسناد «١» ، وعن أبي هريرة- رضي اللَّه عنه- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «الدُّعَاءُ:

سِلاَحُ المُؤْمِنِ، وَعِمَادُ الدِّينِ، وَنُورُ السَّمَوَاتِ والأَرْضِ» رواه الحاكم في «المستدرك» ، وقال: صحيحٌ «٢» ، وعن جابرِ بن عبدِ اللَّهِ- رضي اللَّه عنهما- عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم قَالَ: «يَدْعُو اللَّهُ بِالمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ حتى يُوقَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: عَبْدِي، إِنِّي أَمَرْتُكَ أَنْ تَدْعُونِي، وَوَعَدْتُّكَ أَنْ أَسْتَجِيبَ لَكَ، فَهَلْ كُنْتَ تَدْعُونِي، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، / فَيَقُولُ: أما إنّك لم ٤٦ أتدعني بِدَعْوَةٍ إِلاَّ استجبت لَكَ، أَلَيْسَ دَعَوْتَنِي يَوْمَ كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عَنْكَ فَفَرَّجْتُ عَنْكَ؟!

فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي يوم كذا وكذا لغم نزل بك، أن أُفَرِّجَ عَنْكَ، فَلَمْ تَرَ فَرَجاً؟

قَالَ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: إِنِّي ادخرت لَكَ بِهَا فِي الجَنَّةِ كَذَا وَكَذَا [و] كَذَا وَكَذَا، وَدَعَوْتَنِي فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا، فَقَضَيْتُهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ: فَإِنِّي عَجَّلْتُهَا لَكَ فِي الدُّنْيَا، وَدَعَوْتَنِي فِي يَوْمِ كَذَا وَكَذَا فِي حَاجَةٍ أَقْضِيهَا لَكَ، فَلَمْ تَرَ قَضَاءَهَا، فَيَقُولُ: نَعَمْ، يَا رَبِّ، فَيَقُولُ:

إِنِّي ادخرت لَكَ فِي الجَنَّةِ كذا وكذا، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «فَلاَ يَدَعُ اللَّهُ دَعْوَةً دَعَا بِهَا عَبْدُهُ المُؤْمِنُ إِلاَّ بَيَّنَ لَهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَجَّلَ لَهُ فِي الدُّنْيَا، وإِمَّا أَنْ يَكُونَ ادخر لَهُ فِي الآخِرَةِ، قَالَ:

فَيَقُولُ المُؤْمِنُ فِي ذَلِكَ المَقَامِ: يَا لَيْتَهُ لَمْ يَكُنْ عُجِّلَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ دُعَائِهِ» ، رواه الحاكم في «المستدرك» «٣» .

وعن ثَوْبَانَ- رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَدَرِ إِلاَّ الدُّعَاءُ» ، رواه الحاكمُ في «المُسْتَدْرَكِ» ، وابنُ حِبَّانَ في «صحيحه» ، واللفظ للحاكمِ، وقال: صحيحُ الإِسناد «١» .

قلت: وقد أخرج ابن المبارك في «رقائقه» هذا الحديثَ أيضاً، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عبد اللَّه بن عيسى عن عبد اللَّه بن أبي الجَعْد «٢» ، عن ثوبان «٣» ، قال: قال رسول

الله صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يَرُدُّ القَضَاءَ إِلاَّ الدُّعَاءُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ الرِّزْقَ بِالذَّنْبِ يُصِيبُهُ» «١» .

انتهى.

وعن عائشةَ- رضي اللَّه عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «لاَ يُغْنِي حَذَرٌ مَنْ قَدَرٍ، وَالدُّعَاءُ يَنْفَعُ مِمَّا نَزَلَ وَمِمَّا لَمْ يَنْزِلْ، وَإنَّ البَلاَءَ لَيَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ، فَيَتَلَقَّاهُ الدُّعَاءُ، فَيَعْتَلِجَانِ إلى يَوْمِ القِيَامَةِ» رواه الحاكم في «مستدركه» ، وقال: صحيحُ الإِسناد «٢» ، وقوله «فَيَعْتَلِجَانِ» ، أي: يتصارعان.

وعن سَلْمَانِ»

- رضي اللَّه عنه- قال: قَالَ رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ عِنْدَ الكُرَبِ، وَالشَّدَائِدِ، فَلْيُكْثِرِ الدُّعَاءَ فِي الرَّخَاءِ» ، رواه الحاكمُ أيضاً، وقال: صحيحُ الإِسناد «٤» ، وعن ابْنِ عمر- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «من فتح له في

الدُّعَاءِ مِنْكُمْ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الجَنَّةِ» «١» ، قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- في كتابِ «الإِحياء» :

«فإِن قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟

فاعلمْ أنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاء بالدعاءِ، فالدعاءُ سببٌ لردِّ البلاء، واستجلابٌ للرحمة كما أن التُّرْس سبب لردِّ السهم، ثم في الدعاءِ من الفائدة أنه يستدْعِي حضورَ القَلْب، مع اللَّه عزَّ وجلَّ، وذلك منتهى العبادَاتِ، فالدعاء يردّ القلب إلى الله عز وجلّ بالتضرُّع والاستكانةِ» ، فانظره، فإِني اثرت الاختصار، وانظر «سِلاَحَ المُؤْمن» الذي منه نقلْتُ هذه الأحاديثَ.

ومن «جامع الترمذيِّ» .

عن أبي خُزَامَةَ «٢» ، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟

قال: هي من قدر اللَّهُ» قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيحٌ «٣» .

وانظر جوابَ عمر لأبي عُبَيْدة «نَعَمْ، نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر اللَّه ...

» الحديث هو من هذا المعنى.

انتهى، والله الموفق بفضله.

٤٦ ب وقوله تعالى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي/ قال أبو رجاء الخُرَاسانِيُّ «٤» : معناه: «فَلْيَدْعُونِي» .

قال ع «٥» : المعنى: فليطلبوا أن أجيبهم، وهذا هو بابُ «استفعل» ، أي: طلب

الشيء إِلا ما شَذَّ مثل: استغنى اللَّهُ.

وقال مجاهد وغيره: المعنى: فليجيبوا لي فيما دعوتهم إِلَيْه من الإِيمان، أي:

بالطاعة، والعملِ «١» .

فائدةٌ: قال صاحب «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأَعْظَم» وهو إِمام عارفٌ «٢» بعلْمِ الحديث، وكتابه هذا يَشْهَدُ له، قال: ذكر الدِّينَوَرِيُّ «٣» في «كتاب المُجَالَسَة» ، عن ليثِ بنِ سُلَيْمٍ أن رجلاً وقَفَ على قوم، فقال: مَنْ عنده ضيافةٌ هذه الليلةَ، فسكَتَ القومُ، ثم عاد، فقالَ رجُلٌ أعمى: عندي، فذَهَبَ بِهِ إلى منزله، فعشَّاه، ثم حدَّثه ساعةً، ثم وضع لهُ وَضُوءاً، فقام الرجُلُ في جَوْف اللَّيْلِ، فتوضَّأ، وصلى ما قُضِيَ له، ثم جَعَلَ يدعو، فانتبه الأعمى، وجَعَلَ يسمع لدْعَائِهِ، فقال: اللَّهُمَّ، ربَّ الأرواحِ الفانيةِ، والأجسادِ الباليةِ، أسألُكَ بطَاعَةِ الأرواحِ الرَّاجعَةِ إلى أجسادها، وبطاعةِ الأَجْسَادِ الملتئمَةِ في عروقها، وبطاعة القُبُور المتشقِّقة عن أهلها، وبدَعْوتِكَ الصادقةِ فيهم، وأخذِكَ الحقَّ منهم، وتبريز الخلائقِ كلِّهم من مخافَتِكَ ينتظرُونَ قضاءَكَ، ويرْجُون رحمتَكَ، ويخافُونَ عذابَكَ، أَسأَلُك أنْ تَجْعَلَ النُّور في بَصَري، والإِخلاصَ في عَمَلِي، وشُكْرَكَ في قَلْبِي، وذِكْرَكَ في لِسَانِي في الليلِ والنهارِ، ما أبقيتَنِي، قال: فَحَفِظَ الأعمى هذا الدعاءَ، ثم قَامَ، فَتَوضَّأ، وصلى ركعتَيْنِ، ودعا به فأصْبَحَ قدْ رَد اللَّهُ عليه بَصَرَهُ.

انتهى من «غاية المَغْنَم في اسم اللَّه الأعظَم» ، وإِطلاَقُ الفناءِ على الأرواحِ فيه تجوُّز، والعقيدةُ أن الأرواح باقيةٌ لا تفنى، وإِنَّما عبر عن مفارقتها لأجسادها بالفَنَاءِ، هذا هو مراده.

وروى ابنُ المبارك في «رقائقه» بسنده عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قَالَ: «إِنَّ القُلُوبَ أَوْعِيَةٌ، وَبَعْضُهَا أوعى مِنْ بَعْضٍ، فادعوا اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ، حِينَ تَدْعُونَ، وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَجِيبُ لِعَبْدٍ دَعَاهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ غَافِلٍ» «٤» .

انتهى.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

فِي سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: «أنَّ أعْرابِيًّا جاءَ إلى النَّبِيِّ  ، فَقالَ: أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ الصَّلْتُ بْنُ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

والثّانِي: «أنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ قالُوا: يا مُحَمَّدُ!

كَيْفَ يَسْمَعُ رَبُّنا دُعاءَنا، وأنْتَ تَتَزَعَّمُ أنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ السَّماءِ مَسِيرَةَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ؟!

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: «أنَّهم قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ!

لَوْ نَعْلَمُ أيَّةَ ساعَةٍ أحَبُّ إلى اللَّهِ أنْ نَدْعُوَ فِيها دَعْوانا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ قالُوا لَهُ: أيْنَ اللَّهُ؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والخامِسُ: أنَّهُ لَمّا حَرُمَ في الصَّوْمِ الأوَّلِ عَلى المُسْلِمِينَ بَعْدَ النَّوْمِ الأكْلُ والجِماعُ؛ أكَلَ رَجُلٌ مِنهم بَعْدَ أنْ نامَ، ووَطِئَ رَجُلٌ بَعْدَ أنْ نامَ، فَسَألُوا: كَيْفَ التَّوْبَةُ مِمّا عَمِلُوا؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

ومَعْنى الكَلامِ: إذا سَألُوكَ عَنِّي؛ فَأعْلِمْهم أنِّي قَرِيبٌ.

وَفِي مَعْنى "أُجِيبُ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أسْمَعُ، قالَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ القاسِمِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الإجابَةِ ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ أيْ: فَلْيُجِيبُونِي.

قالَ الشّاعِرُ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أرادَ: فَلَمْ يُجِبْهُ.

وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وابْنِ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجِ.

﴿ لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: يَعْنِي: يَهْتَدُونَ.

* فَصْلٌ إنْ قالَ قائِلٌ: هَذِهِ الآَيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ تُعْلى يُجِيبُ أدْعِيَةَ الدّاعِينَ، وتَرى كَثِيرًا مِنَ الدّاعِينَ لا يُسْتَجابُ لَهُمْ!

فالجَوابُ: أنَّ أبا سَعِيدٍ رَوى عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "ما مِن مُسْلِمٍ دَعا اللَّهَ تَعالى بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيها قَطِيعَةُ رَحِمٍ ولا إثْمٌ؛ إلّا أعْطاهُ اللَّهُ بِها إحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: إمّا أنْ يُعَجِّلَ دَعْوَتَهُ، وإمّا أنْ يَدَّخِرَها لَهُ في الآَخِرَةِ، وإمّا أنْ يَدْفَعَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَها" .» وَجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الدُّعاءَ تَفْتَقِرُ إجابَتُهُ إلى شُرُوطِ أصْلُها الطّاعَةُ لِلَّهِ، ومِنها أكْلُ الحَلالِ، فَإنَّ أكْلَ الحَرامِ يَمْنَعُ إجابَةَ الدُّعاءِ، ومِنها حُضُورُ القَلْبِ، فَفي بَعْضِ الحَدِيثِ: « "يَقْبَلُ اللَّهُ دُعاءً مِن قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ"» .

وَجَوابٌ آَخَرُ: وهو أنَّ الدّاعِيَ قَدْ يَعْتَقِدُ المَصْلَحَةَ في إجابَتِهِ إلى ما سَألَ، وقَدْ لا تَكُونُ المَصْلَحَةُ في ذَلِكَ، فَيُجابُ إلى مَقْصُودِهِ الأصْلِيِّ، وهو طَلَبُ المَصْلَحَةِ، وقَدْ تَكُونُ المَصْلَحَةُ في التَّأْخِيرِ أوْ في المَنعِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ وبَيِّناتٍ مِنَ الهُدى والفُرْقانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أو عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنَ أيّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ولِتُكَبِّرُوا اللهُ عَلى ما هَداكم ولَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ولْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهم يَرْشُدُونَ ﴾ الشَهْرُ: مُشْتَقٌّ مِنَ الِاشْتِهارِ، لِأنَّهُ مُشْتَهَرٌ لا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ عَلى أحَدٍ يُرِيدُهُ.

ورَمَضانُ عَلَّقَهُ الِاسْمُ مِن مُدَّةٍ كانَ فِيها في الرَمَضِ وشِدَّةِ الحَرِّ.

وكانَ اسْمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ ناتِقًا، كَما سُمِّيَ رَبِيعٌ مِن مُدَّةِ الرَبِيعِ، وجُمادى مِن مُدَّةِ الجُمُودِ.

وكَرِهَ مُجاهِدٌ أنْ يُقالَ: رَمَضانُ، دُونَ أنْ يُقالَ: ﴿ شَهْرُ رَمَضانَ ﴾ ، كَما قالَ اللهُ تَعالى، وقالَ: لَعَلَّ رَمَضانَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "شَهْرٌ" بِالرَفْعِ، ووَجْهُهُ خَبَرِ ابْتِداءٍ، أيْ ذَلِكم شَهْرُ، وقِيلَ: بُدِّلَ مِنَ الصِيامِ، وقِيلَ: عَلى الِابْتِداءِ وخَبَرُهُ: ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ ﴾ ، وقِيلَ: ابْتِداءٌ وخَبَرُهُ: ﴿ فَمَن شَهِدَ ﴾ ، و ﴿ الَّذِي أُنْزِلَ ﴾ نَعْتٌ لَهُ.

فَمَن قالَ: إنَّ الصِيامَ في قَوْلِهِ: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِيامُ  ﴾ هي ثَلاثَةُ أيّامِ وعاشُوراءَ، قالَ: هاهُنا بِالِابْتِداءِ، ومَن قالَ: إنَّ الصِيامَ هُنالِكَ هو رَمَضانُ وهو الأيّامُ المَعْدُودَةُ؛ قالَ هُنا بِخَبَرِ الِابْتِداءِ أو بِالبَدَلِ مِنَ "الصِيامِ".

وقَرَأ مُجاهِدٌ، وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: "شَهْرَ" بِالنَصْبِ، ورَواها أبُو عِمارَةَ، عن حَفْصٍ، عن عاصِمٍ، ورَواها هارُونُ عن أبِي عَمْرٍو، وهي عَلى الإغْراءِ، وقِيلَ: نُصِبَ بِـ "تَصُومُوا وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الظَرْفِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِإدْغامِ الراءِ في الراءِ، وذَلِكَ لا تَقْتَضِيهِ الأُصُولُ لِاجْتِماعِ الساكِنَيْنِ فِيهِ.

واخْتُلِفَ في إنْزالِ القُرْآنِ فِيهِ، فَقالَ الضَحّاكُ: أُنْزِلَ في فَرْضِهِ وتَعْظِيمِهِ والحَضِّ عَلَيْهِ، وقِيلَ: بُدِئَ بِنُزُولِهِ فِيهِ عَلى النَبِيِّ  ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما يُؤْثَرُ: أُنْزِلَ إلى السَماءِ الدُنْيا جُمْلَةً واحِدَةً لَيْلَةَ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ مِن رَمَضانَ، ثُمَّ كانَ جِبْرِيلُ يُنْزِلُهُ رُسُلًا رُسُلًا في الأوامِرِ والنَواهِي والأسْبابِ.

ورَوى واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «نَزَلَتْ صُحُفُ إبْراهِيمَ أوَّلَ لَيْلَةٍ مِن شَهْرِ رَمَضانَ، والتَوْراةُ لِسِتٍّ مَضَيْنَ مِنهُ، والإنْجِيلُ لِثَلاثَ عَشْرَةَ، والقُرْآنُ لِأرْبَعٍ وعِشْرِينَ».

وتَرَكَ ابْنُ كَثِيرٍ هَمْزَةَ القُرْآنِ مَعَ التَعْرِيفِ والتَنْكِيرِ حَيْثُ وقَعَ، وقَدْ قِيلَ: إنَّ اشْتِقاقَهُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مِن قَرَنَ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

و"هُدًى" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ مِنَ "القُرْآنِ"، فالمُرادُ أنَّ القُرْآنَ بِجُمْلَتِهِ مِن مُحْكَمٍ ومُتَشابِهٍ، وناسِخٍ ومَنسُوخٍ.

هُدًى، ثُمَّ شُرِّفَ بِالذِكْرِ والتَخْصِيصِ "البَيِّناتِ" مِنهُ، يَعْنِي الحَلالَ والحَرامَ والمَواعِظَ والمُحْكَمَ كُلَّهُ.

فالألِفُ واللامُ في "الهُدى" لِلْعَهْدِ، والمُرادُ الأوَّلُ، "الفُرْقانِ" المُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.

و"شَهِدَ" بِمَعْنى حَضَرَ، و"الشَهْرَ" نُصِبَ عَلى الظَرْفِ، والتَقْدِيرُ مَن حَضَرَ المِصْرَ في الشَهْرِ، وقَرَأ الحَسَنُ، وَعِيسى الثَقَفِيُّ، والزُهْرِيُّ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ، وأبُو حَيْوَةَ: "فَلْيَصُمْهُ:" بِتَحْرِيكِ اللامِ، وكَذَلِكَ قَرَؤُوا لامَ الأمْرِ في جَمِيعِ القُرْآنِ عَلى أصْلِها الَّذِي هو الكَسْرُ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: " مِن شَهِدَ " أيْ مَن حَضَرَ دُخُولَ الشَهْرِ ظَنَّ وكانَ مُقِيمًا في أوَّلِهِ فَلْيُكْمِلْ صِيامَهُ، سافَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أو أقامَ، وإنَّما يُفْطِرُ في السَفَرِ مَن دَخْلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ وهو في سَفَرٍ.

وقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: مَن شَهِدَ أوَّلَ الشَهْرِ أو آخِرَهُ فَلْيَصُمْ ما دامَ مُقِيمًا.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: مَن شَهِدَ الشَهْرَ بِشُرُوطِ التَكْلِيفِ غَيْرَ مَجْنُونٍ ولا مُغْمًى عَلَيْهِ فَلْيَصُمْهُ، ومَن دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ وهو مَجْنُونٌ، وتَمادى بِهِ طُولَ الشَهْرِ، فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ، لِأنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الشَهْرَ بِصِفَةٍ يَجِبُ بِها الصِيامُ، ومِن جُنَّ أوَّلَ الشَهْرِ أو آخِرَهُ فَإنَّهُ يَقْضِي أيّامَ جُنُونِهِ.

ونُصِبَ الشَهْرُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ هو عَلى المَفْعُولِ الصَرِيحِ بِـ "شَهِدَ" وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو عَلى سَفَرٍ ﴾ ، بِمَنزِلَةِ: أو مُسافِرًا فَلِذَلِكَ عُطِفَ عَلى اسْمٍ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ، ويَحْيى بْنُ وثّابٍ، وابْنُ هُرْمُزٍ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ: "اليُسُرُ" و"العُسُرُ" بِضَمِّ السِينِ، والجُمْهُورُ: بِسُكُونِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ، والضَحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ: "اليُسْرُ": الفِطْرُ في السَفَرِ، و"العُسْرُ": الصِيامُ في السِفْرِ، والوَجْهُ عُمُومُ اللَفْظِ في جَمِيعِ أُمُورِ الدِينِ، وقَدْ فَسَّرَ ذَلِكَ النَبِيُّ  : «دِينُ اللهِ يُسْرٌ».

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلِتُكْمِلُوا العِدَّةَ ﴾ مَعْناهُ: ولِيُكْمِلَ مَن أفْطَرَ في سَفَرِهِ أو في مَرَضِهِ عِدَّةَ الأيّامِ الَّتِي أفْطَرَ فِيها، وقَرَأ أبُو بَكْرٍ، عن عاصِمٍ، وأبُو عَمْرٍو في بَعْضِ ما رُوِيَ عنهُ: "وَلِتُكَمِّلُوا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ، وقَدْ رُوِيَ عنهُما التَخْفِيفُ كالجَماعَةِ، وهَذِهِ اللامُ مُتَعَلِّقَةٌ: إمّا بـِ "يُرِيدُ" فَهي اللامُ الداخِلَةُ عَلى المَفْعُولِ، كالَّذِي في قَوْلِكَ: ضَرَبْتُ لِزَيْدٍ، والمَعْنى: ويُرِيدُ إكْمالَ العِدَّةِ، وهي مَعَ الفِعْلِ مَقَدَّرَةٌ بِأنْ، كَأنَّ الكَلامَ: ويُرِيدُ لِأنْ تُكْمِلُوا، هَذا قَوْلُ البَصْرِيِّينَ، ونَحْوُهُ قَوْلُ أبِي صَخْرٍ: أُرِيدُ لِأنْسى ذِكْرَها فَكَأنَّما.....................

وإمّا بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدُ، تَقْدِيرُهُ: ولِأنْ تُكْمِلُوا العِدَّةَ رُخِّصَ لَكم هَذِهِ الرُخْصَةُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ الكُوفِيِّينَ.

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ اللامُ لامَ الأمْرِ، والواوُ عاطِفَةٌ جُمْلَةَ كَلامٍ عَلى جُمْلَةِ كَلامٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ ﴾ ، حَضٌّ عَلى التَكْبِيرِ في آخِرِ رَمَضانَ، واخْتَلَفَ الناسُ في حَدِّهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُكَبِّرُ المَرْءُ مِن رُؤْيَةِ الهِلالِ إلى انْقِضاءِ الخُطْبَةِ، ويُمْسِكُ وقْتَ خُرُوجِ الإمامِ، ويُكَبِّرُ بِتَكْبِيرِهِ.

وقالَ قَوْمٌ: يُكَبِّرُ مِن رُؤْيَةِ الهِلالِ إلى خُرُوجِ الإمامِ إلى الصَلاةِ.

وقالَ سُفْيانُ: هو التَكْبِيرُ يَوْمَ الفِطْرِ.

وقالَ مالِكٌ: هو مِن حِينِ يَخْرُجُ الرَجُلُ مِن مَنزِلِهِ إلى أنْ يَخْرُجَ الإمامُ.

ولَفْظُهُ عِنْدَ مالِكٍ وجَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ.

ثَلاثًا، ومِنَ العُلَماءِ مَن يُكَبِّرُ ثُمَّ يُهَلِّلُ ويُسَبِّحُ أثْناءَ التَكْبِيرِ، ومِنهم مَن يَقُولُ: اللهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، والحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وسُبْحانَ اللهِ بُكْرَةً وأصِيلًا، وقَدْ قِيلَ غَيْرُ هَذا، والجَمِيعُ حَسَنٌ واسِعٌ مَعَ البَدْأةِ بِالتَكْبِيرِ.

و"هَداكُمْ" وقِيلَ: المُرادُ لِما ضَلَّ فِيهِ النَصارى مِن تَبْدِيلِ صِيامِهِمْ.

وتَعْمِيمِ الهُدى جَيِّدٌ.

﴿ وَلَعَلَّكم تَشْكُرُونَ ﴾ تَرَجٍّ في حَقِّ البَشَرِ، أيْ: عَلى نِعْمَةِ اللهِ في الهُدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي ﴾ الآيَةُ، قالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: سَبَبُها «أنَّ قَوْمًا قالُوا لِلنَّبِيِّ  : أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟

فَنَزَلَتْ».

وقالَ عَطاءٌ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ قالَ قَوْمٌ: في أيِّ ساعَةٍ نَدْعُو؟

فَنَزَلَتْ ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي ﴾ وقالَ مُجاهِدٌ: بَلْ قالُوا: إلى أيْنَ نَدْعُو؟

فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وقالَ قَتادَةُ: بَلْ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو؟

فَنَزَلَتْ ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي ﴾ ، رُوِيَ أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لَمّا نَزَلَ: ﴿ فَإنِّي قَرِيبٌ ﴾ ، كَيْفَ يَكُونُ قَرِيبًا وبَيْنَنا وبَيْنَهُ -عَلى قَوْلِكَ- سَبْعُ سَماواتٍ في غِلْظِ سُمْكِ كُلِّ واحِدَةٍ خَمْسَمِائَةِ عامٍ وفِيما بَيْنَ كُلِّ سَماءٍ مِثْلُ ذَلِكَ؟

فَنَزَلَتْ: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداعِ إذا دَعانِ ﴾ ، أيْ فَإنِّي قَرِيبٌ بِالإجابَةِ والقُدْرَةِ.

وقالَ قَوْمٌ: المَعْنى أُجِيبُ إنْ شِئْتَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ اللهَ تَعالى يُجِيبُ كُلَّ الدُعاءِ، فَإمّا أنْ تَظْهَرَ الإجابَةُ في الدُنْيا، وإمّا أنْ يُكَفَّرَ عنهُ، وإمّا أنْ يُدَّخَرَ لَهُ أجْرٌ في الآخِرَةِ، وهَذا بِحَسَبِ حَدِيثِ المُوَطَّأِ: «ما مِن داعٍ يَدْعُو إلّا كانَ بَيْنَ إحْدى ثَلاثٍ» الحَدِيثُ.

وهَذا إذا كانَ الدُعاءُ عَلى ما يَجِبُ دُونَ اعْتِداءٍ، فَإنَّ الِاعْتِداءَ في الدُعاءِ مَمْنُوعٌ، قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ ادْعُوا رَبَّكم تَضَرُّعًا وخُفْيَةً إنَّهُ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ  ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: أيْ في الدُعاءِ، والوَصْفُ بِمُجابِ الدَعْوَةِ وصْفٌ بِحُسْنِ النَظَرِ، والبُعْدِ عَنِ الِاعْتِداءِ، والتَوْفِيقُ مِنَ اللهِ تَعالى إلى الدُعاءِ في مَقْدُورٍ.

وانْظُرْ أنَّ أفْضَلَ البَشَرِ المُصْطَفى مُحَمَّدًا  قَدْ دَعا ألّا يَجْعَلَ بَأْسَ أُمَّتِهِ بَيْنَهُمُ الحَدِيثُ فَمُنِعَها إذْ كانَ القَدَرُ قَدْ سُبِقَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ قالَ أبُو رَجاءٍ الخُراسانِيُّ: مَعْناهُ: فَلْيَدْعُوا لِي.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: المَعْنى: فَلْيَطْلُبُوا أنْ أُجِيبَهُمْ، وهَذا هو بابُ اسْتَفْعَلَ، أيْ طَلَبُ الشَيْءِ إلّا ما شَذَّ مِثْلُ اسْتَغْنى اللهُ.

وَقالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: المَعْنى: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، فِيما دَعَوْتُهم إلَيْهِ مِنَ الإيمانِ، أيْ بِالطاعَةِ والعَمَلِ.

ويُقالُ: أجابَ واسْتَجابَ بِمَعْنًى، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ أيْ: لَمْ يُجِبْهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيُؤْمِنُوا بِي ﴾ قالَ أبُو رَجاءٍ: في أنِّي أُجِيبُ دُعاءَهُمْ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلْ ذَلِكَ دُعاءٌ إلى الإيمانِ بِجُمْلَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرْشُدُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ الشِينِ، وقَرَأ قَوْمٌ بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الشِينِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ أبِي عَبْلَةَ، وأبِي حَيْوَةَ: فَتْحُ الياءِ وكَسْرُ الشِينِ بِاخْتِلافٍ عنهُما، قَرَأ هَذِهِ القِراءَةَ والَّتِي قَبْلَها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

الجُملة معطوفة على الجمل السابقة المتعاطفة أي ﴿ لتكملوا العدة ولتكبروا...

ولعلكم تشكرون ﴾ [البقرة: 185]، ثم التَفَت إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم وحده لأنه في مقام تبليغ فقال: ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ ، أي العباد الذين كان الحديث معهم، ومقتضى الظاهر أن يقال ﴿ ولعلكم تشكرون وتدعون فأستجيب لكم إلاّ أنه عدل عنه ليحصل في خلال ذلك تعظيمُ شأن النبي بأنه يسأله المسلمون عن أمر الله تعالى، والإشارةُ إلى جواب من عسى أن يكونوا سألوا النبي عن كيفية الدعاء هل يكون جهراً أو سراً، وليكون نظم الآية مؤذناً بأن الله تعالى بعد أن أمرهم بما يجب له عليهم أكرمهم فقال: وإذا سألوا عن حقهم عليَّ فإني قريب منهم أجيب دعوتهم، وجُعل هذا الخير مرتباً على تقدير سؤالهم إشارة إلى أنهم يهجس هذا في نفوسهم بعد أن يسمعوا الأمر بالإكمال والتكبير والشكر أن يقولوا: هل لنا جزاء على ذلك؟

وأنهم قد يحجمون عن سؤال النبي عن ذلك أدباً مع الله تعالى فلذلك قال تعالى: وإذا سألك ﴾ الصريح بأن هذا سيقع في المستقبل.

واستعمال مثل هذا الشرط مع مادة السؤال لقصد الاهتمام بما سيذكر بعده استعمال معروف عند البلغاء قال علقمة: فَإنْ تسأَلوني بالنِّساءِ فإنّني *** خَبير بِأَدْواءِ النساءِ طَبِيبُ والعلماء يفتتحون المسائل المهمة في كتبهم بكلمة (فإن قلت) وهو اصطلاح «الكشاف».

ويؤيد هذا تجريد الجواب من كلمة قل التي ذكرت في مواقع السؤال من القرآن نحو ﴿ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت ﴾ [البقرة: 189]، ﴿ ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير ﴾ [البقرة: 220]، مع ما في هذا النظم العجيب من زيادة إخراج الكلام في صورة الحكم الكلي إذ جاء بحكم عام في سياق الشرط فقال ﴿ سألك عبادي ﴾ وقال: ﴿ أجيب دعوة الداع ﴾ ولو قيل وليدعوني فأستجيب لهم لكان حكماً جزئياً خاصاً بهم، فقد ظهر وجه اتصال الآية بالآيات قبلها ومناسبتها لهن وارتباطها بهن من غير أن يكون هنالك اعتراض جملة.

وقيل إنها جملة معترضة اقترنت بالواو بين أحكام الصيام للدلالة على أن الله تعالى مجازيهم على أعمالهم وأنه خبير بأحوالهم، قيل إنه ذكر الدعاء هنا بعد ذكر الشكر للدلالة على أن الدعاء يجب أن يسبقه الثناء.

والعباد الذين أضيفوا إلى ضمير الجلالة هم المؤمنون لأن الآيات كلها في بيان أحكام الصوم ولوازمه وجزائه وهو من شعار المسلمين، وكذلك اصطلاح القرآن غالباً في ذكر العباد مضافاً لضمير الجلالة، وأما قوله تعالى: ﴿ ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ [الفرقان: 17] بمعنى المشركين فاقتضاه أنه في مقام تنديمهم على استعبادهم للأصنام.

وإنما قال تعالى: ﴿ فإني قريب ﴾ ولم يقل: فقل لهم إني قريب إيجازاً لظهوره من قوله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ ، وتنبيهاً على أن السؤال مفروض غير واقع منهم بالفعل، وفيه لطيفة قرآنية وهي إيهام أن الله تعالى تولَّى جوابهم عن سؤالهم بنفسه إذ حذف في اللفظ ما يدل على وساطة النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهاً على شدة قرب العبد من ربه في مقام الدعاء.

واحتيج للتأكيد بإنَّ، لأن الخبر غريب وهو أن يكون تعالى قريباً مع كونهم لا يرونه.

و ﴿ أجيبُ ﴾ خبر ثان لإنَّ وهو المقصود من الإخبار الذي قبله تمهيداً له لتسهيل قبوله.

وحذفت ياء المتكلم من قوله «دعان» في قراءة نافع وأبي عَمرو وحمزة والكسائي؛ لأن حذفها في الوقف لغة جمهور العرب عدا أهل الحجاز، ولا تحذف عندهم في الوصل لأن الأصل عدمه ولأن الرسم يبنى على حال الوقف، وأثبت الياء ابن كثير وهشام ويعقوب في الوصل والوقف، وقرأ ابن ذكوان وعاصم بحذف الياء في الوصل والوقف وهي لغة هذيل، وقد تقدم أن الكلمة لو وقعت فاصلة لكان الحذف متفقاً عليه في قوله تعالى: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ [البقرة: 40] في هذه السورة.

وفي هذه الآية إيماء إلى أن الصائم مرجوُّ الإجابة، وإلى أن شهر رمضان مرجوة دعواته، وإلى مشروعية الدعاء عند انتهاء كل يوم من رمضان.

والآية دلت على أن إجابة دعاء الداعي تفضل من الله على عباده غير أن ذلك لا يقتضي التزام إجابة الدعوة من كل أحد وفي كل زمان، لأن الخبر لا يقتضي العموم، ولا يقال: إنه وقع في حيز الشرط فيفيد التلازم، لأن الشرط هنا ربط الجواب بالسؤال وليس ربط للدعاء بالإجابة، لأنه لم يقل: إن دعوني أجبتهم.

وقوله: ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ تفريع على ﴿ أجيبُ ﴾ أي إذا كنت أجيب دعوة الداعي فليجيبوا أوامري، واستجاب وأجاب بمعنى واحد.

وأصل أجاب واستجاب أنه الإقبال على المنادي بالقدوم، أو قولٌ يدل على الاستعداد للحضور نحو (لَبيك)، ثم أطلق مجازاً مشهوراً على تحقيق ما يطلبه الطالب، لأنه لما كان بتحقيقه يقطع مسألتَه فكأنَّه أجاب نداءه.

فيجوز أن يكون المراد بالاستجابة امتثال أمر الله فيكون ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ عطفاً مغايراً والمقصود من الأمر الأول الفعل ومن الأمر الثاني الدوام، ويجوز أن يراد بالاستجابة ما يشمل استجابة دعوة الإيمان، فذِكْر ﴿ وليؤمنوا ﴾ عطف خاص على عام للاهتمام به.

وقوله: ﴿ لعلهم يرشدون ﴾ تقدم القول في مِثله.

والرشد إصابة الحق وفعله كنصر وفَرِح وضَرب، والأشهر الأول.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذا سَألَكَ عِبادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ ﴾ اخْتَلَفَ أهْلُ التَّأْوِيلِ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في سائِلٍ سَألَ النَّبِيَّ  فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أقَرِيبٌ رَبُّنا فَنُناجِيهِ، أمْ بَعِيدٌ فَنُنادِيهِ؟

فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ أيِّ ساعَةٍ يَدْعُونَ اللَّهَ فِيها، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ والسُّدِّيِّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ جَوابًا لِقَوْمٍ قالُوا: كَيْفَ نَدْعُو؟

وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ قالُوا: إلى أيْنَ نَدْعُوهُ؟

وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَرِيبٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: قَرِيبُ الإجابَةِ.

والثّانِي: قَرِيبٌ مِن سَماعِ الدُّعاءِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إذا دَعانِ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أسْمَعُ دَعْوَةَ الدّاعِي إذا دَعانِي، فَعَبَّرَ عَنِ السَّماعِ بِالإجابَةِ، لِأنَّ السَّماعَ مُقَدِّمَةُ الإجابَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ إجابَةَ الدّاعِي إلى ما سَألَ، ولا يَخْلُو سُؤالُ الدّاعِي أنْ يَكُونَ مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ أوْ مُخالِفًا لَها، فَإنْ كانَ مُخالِفًا لِلْمَصْلَحَةِ لَمْ تَجُزِ الإجابَةُ إلَيْهِ، وإنْ كانَ مُوافِقًا لِلْمَصْلَحَةِ، فَلا يَخْلُو حالُ الدّاعِي مِن أحَدِ أمْرَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مُسْتَكْمِلًا شُرُوطَ الطَّلَبِ أوْ مَقْصُورًا فِيها: فَإنِ اسْتَكْمَلَها جازَتْ إجابَتُهُ، وفي وُجُوبِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها واجِبَةٌ لِأنَّها تَجْرِي مَجْرى ثَوابِ الأعْمالِ، لِأنَّ الدُّعاءَ عِبادَةٌ ثَوابُها الإجابَةُ.

والثّانِي: أنَّها غَيْرُ واجِبَةٍ لِأنَّها رَغْبَةٌ وطَلَبٌ، فَصارَتِ الإجابَةُ إلَيْها تَفَضُّلًا.

وَإنْ كانَ مَقْصُورًا في شُرُوطِ الطَّلَبِ لَمْ تُجَبْ إجابَتُهُ، وفي جَوازِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: لا تَجُوزُ، وهو قَوْلُ مَن أوْجَبَها مَعَ اسْتِكْمالِ شُرُوطِها.

والثّانِي: تَجُوزُ، وهو قَوْلُ مَن لَمْ يُوجِبْها مَعَ اسْتِكْمالِ شُرُوطِها.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الِاسْتِجابَةَ بِمَعْنى الإجابَةِ، يُقالُ: اسْتَجَبْتُ لَهُ بِمَعْنى أجَبْتُهُ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ قَوْلَ كَعْبِ بْنِ سَعْدٍ الغَنَوِيِّ: وداعٍ دَعا: يا مَن يُجِيبُ إلَيَّ النِّدا فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَلِكَ مُجِيبُ أيْ فَلَمْ يُجِبْهُ.

والثّانِي: أنَّ الِاسْتِجابَةَ طَلَبُ المُوافَقَةِ لِلْإجابَةِ، وهَذا قَوْلُ ثَعْلَبٍ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ فَلْيَسْتَجِيبُوا إلَيَّ بِالطّاعَةِ.

والرّابِعُ: فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي، يَعْنِي فَلْيَدْعُونِي.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير والبغوي في معجمه وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه من طريق الصلت بن حكيم عن رجل من الأنصار عن أبيه عن جده قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي ﴾ إذا أمرتهم أن يدعوني فدعوني أستجيب لهم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال: سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أين ربنا؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...

﴾ الآية.

وأخرج ابن مردويه عن أنس قال «سأل أعرابي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أين ربنا؟

قال: في السماء على عرشه، ثم تلا ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ [ طه: 5] وأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...

﴾ الآية» .

وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تعجزوا عن الدعاء فإن الله أنزل عليَّ ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ فقال رجل: يا رسول الله ربنا يسمع الدعاء أم كيف ذلك؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...

﴾ الآية» .

وأخرج وكيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح.

أنه بلغه لما أنزلت ﴿ وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] قالوا: لو نعلم أي ساعة ندعو؟

فنزلت ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ إلى قوله: ﴿ يرشدون ﴾ .

وأخرج سفيان بن عيينة في تفسيره وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد من طريق سفيان عن أبي قال «قال المسلمون يا رسول الله أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ﴾ الآية» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أنه لما أنزل الله: ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] قال رجال: كيف ندعو يا نبي الله؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عبد الله بن عبيد قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾ [ غافر: 60] قالوا: كيف لنا به أن نلقاه حتى ندعوه؟

فأنزل الله: ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...

﴾ الآية.

فقالوا: صدق ربنا وهو بكل مكان.

وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال: قال المسلمون: أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه فنزلت ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ ليطيعوني والاستجابة هي الطاعة ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ ليعلموا ﴿ إني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال: مفتاح البحار السفن، ومفتاح الأرض الطرق، ومفتاح السماء الدعاء.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد عن كعب قال: قال موسى: أي رب!..

أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟

قال: يا موسى أنا جليس من ذكرني، قال: يا رب فإنا نكون من الحال على حال نعظمك أو نجلك أن نذكرك عليها؟

قال: وما هي؟

قال: الجنابة والغائط.

قال: يا موسى اذكرني على كل حال.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: «كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فجعلنا لا نصعد شرفاً ولا نهبط وادياً إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، فدنا منا فقال: يا أيها الناس أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنما تدعون سميعاً بصيراً، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» .

وأخرج أحمد عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا دعاني» .

وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن سلمان الفارسي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن ربكم حي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً.

وفي لفظ: يستحي أن يبسط العبد إليه فيردهما خائبين» .

وأخرج البيهقي عن سلمان قال: إني أجد في التوراة.

أن الله حي كريم يستحي أن يرد يدين خائبتين يسأل بهما خيراً.

وأخرج عبد الرزاق والحاكم عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن ربكم حي كريم يستحي إذا رفع العبد يديه إليه أن يردهما حتى يجعل فيهما خيراً» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله جواد كريم يستحي من العبد المسلم إذا دعاه أن يرد يديه صفراً ليس فيهما شيء» .

وأخرج الطبراني في الكبير عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله حي كريم يستحي أن يرفع العبد يديه فيردهما صفراً لا خير فيهما، فإذا رفع أحدكم يديه فليقل: يا حي يا قيوم لا إله إلا أنت، يا أرحم الراحمين ثلاث مرات، ثم إذا رد يديه فليفرغ الخير على وجهه» .

وأخرج الطبراني عن سلمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رفع قوم أكفهم إلى الله عز وجل يسألونه شيئاً إلا كان حقاً على الله أن يضع في أيديهم الذي سألوه» .

وأخرج الطبراني في الأوسط عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل حيي كريم يستحي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفراً ليس فيهما شيء» .

وأخرج الطبراني في الدعاء عن الوليد بن عبد الله بن أبي مغيث قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دعا أحدكم فرفع يديه فإن الله جاعل في يديه بركة ورحمة، فلا يردهما حتى يمسح بهما وجهه» .

وأخرج البزار والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله تعالى: يا ابن آدم واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة فيما بيني وبينك، وواحدة فيما بينك وبين عبادي.

فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئاً، وأما التي لك فما عملت من شيء أو من عمل وفيتكه، وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعليّ الاجابة، وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي سعيد.

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها اثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال، إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها.

قالوا: إذاً نكثر قال الله أكثر» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي» .

وأخرج الحاكم عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع ممّا نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة» .

وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة والحاكم عن ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر» .

وأخرج الترمذي والحاكم عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء» .

وأخرج الترمذي وابن أبي حاتم والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم «ادعوا الله وأنتم موقنون بالاجابة، واعلموا أن الله لا يقبل دعاء من قلب غافل لاهٍ» .

وأخرج الحاكم عن أنس مرفوعاً: «لا تعجزوا في الدعاء فإنه لا يهلك مع الدعاء أحد» .

وأخرج الحاكم عن جابر مرفوعاً: «يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول: عبدي إني أمرتك أن تدعوني ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني؟

فيقول: نعم يا رب.

فيقول: أما أنك لم تدعني بدعوة إلا أستجيب لك، أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك؟

فيقول: بلى يا رب.

فيقول: فإني عجلتها لك في الدنيا.

ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً، فيقول: نعم يا رب.

فيقول: إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا.

ودعوتني في حاجة قضيتها لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فلا يدعو الله عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة.

فيقول المؤمن في ذلك المقام: يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعاً: «ما من عبد ينصب وجهه إلى الله في مسألة إلا أعطاه الله إياها، إما أن يعجلها له في الدنيا، وإما أن يدخرها في الآخرة» .

وأخرج البخاري في الأدب المفرد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل فيقول: دعوت فلا أرى تستجيب لي، فيدع الدعاء» .

وأخرج أحمد عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل.

قالوا: وكيف يستعجل؟

قال: يقول قد دعوت ربكم فلم يستجب لي» .

وأخرج أحمد في الزهد عن مالك بن دينار قال: قال الله تبارك وتعالى على لسان نبي من بني إسرائيل: قل لبني إسرائيل «تدعوني بألسنتكم وقلوبكم بعيدة مني باطل ما تدعوني، وقال: تدعوني وعلى أيديكم الدم، اغسلوا أيديكم من الدم، أي من الخطايا هلموا نادوني» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يقل أحدكم اغفر لي إن شئت، وليعزم في المسألة فإنه لا مكره له» .

وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد المسند عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما على ظهر الأرض من رجل مسلم يدعو الله بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو كف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم» .

وأخرج أحمد عن جابر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من أحد يدعو بدعاء إلا آتاه الله ما سأل، وكف عنه من السوء مثله، ما لم يدع باثم أو قطيعة رحم» .

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله إذا أراد أن يستجيب لعبد أذن له في الدعاء» .

وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا سأل أحدكم ربه مسألة فتعرف الاستجابة فليقل: الحمد لله الذي بعزته تتم الصالحات، ومن أبطأ عليه من ذلك شيء فليقل الحمد لله على كل حال» .

وأخرج الحكيم الترمذي عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لو عرفتم الله حق معرفته لزالت لدعائكم الجبال» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد عن أبي ذر قال: يكفي من الدعاء مع البر ما يكفي الطعام من الملح.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الله بن شبيب قال: صليت إلى جنب سعيد بن المسيب المغرب، فرفعت صوتي بالدعاء، فانتهرني وقال: ظننت أن الله ليس بقريب منك.

وأخرج ابن أبي شيبة والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من فتح له في الدعاء منكم فتحت له أبواب الاجابة.

ولفظ الترمذي: من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة، وما سئل شيئاً أحب إليه من أن يسأل العافية» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن إبراهيم التيمي قال: كان يقال: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على رجاء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سلمان قال: لما خلق الله آدم قال: واحدة لي، وواحدة لك، وواحدة بيني وبينك، فمنك المسألة والدعاء وعليّ الإِجابة.

وأخرج ابن مردويه عن نافع بن معد يكرب قال: كنت أنا وعائشة فقالت «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾ قال: يا رب مسألة عائشة، فهبط جبريل فقال: الله يقرئك السلام هذا عبدي الصالح بالنية الصادقة وقلبه تقي يقول: يا رب فأقول.

لبيك، فاقضي حاجته» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في الدعاء وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات والأصبهاني في الترغيب والديلمي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: حدثني جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ﴿ وإذا سألك عبادي عني فإني قريب...

﴾ الآية.

فقال: «اللهم إني أمرت بالدعاء وتكفلت بالاجابة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك لا شريك لك، اللهم أشهد أنك فرد أحد صمد، لم تلد ولم تولد، ولم يكن لك كفواً أحد، وأشهد أن وعدك حق، ولقاءك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة آتية لا ريب فيها، وأنك تبعث من في القبور» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن أنس في قوله: ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ قال: ليدعوني ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ انهم إذا دعوني أستجيب لهم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ قال: فليطيعوني.

وأخرج ابن جرير عن عطاء الخراساني ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ قال: فليدعوني ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ يقول: إني أستجيب لهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن الربيع في قوله: ﴿ لعهم يرشدون ﴾ قال: يهتدون.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي ﴾ الآية، قال الضحاك: سأل بعض الصحابة النبي  : أقريب ربُنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

فأنزل الله هذه الآية (١) وقال الحسن سأل أصحاب النبي  (٢) (٣) وقوله تعالى: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: من أوليائي وأهل طاعتي (٤) وقال أهل المعاني: يريد قربَه بالعلم، كما قال: ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ  ﴾ ، يريد بالعلم (٥) وقوله تعالى: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ قال ابن عباس: أَتَقَبَّل عبادةَ من عَبَدَني وَوَحَّدني (٦) ويصحُّ حملُ الإجابة على القبول إذا حملت الدعاء على العبادة، والدعاءُ ضُرُوبٌ، فما كان توحيدًا وثناءً على الله، كقولك: يا الله لا إله إلا أنت، وقولك: ربنا لك الحمد يكون عبادة، لأنك دعوت الله ثم وحدته وأثنيت عليه، ولهذا يسمى دعاءً، ولما سمى العبادة دعاءً سمى القبول إجابةً؛ ليتجانس اللفظ، ومثله كثير في كلام العرب (٧) وقال ابن الأنباري: ﴿ أُجِيبُ ﴾ هاهنا معناه: أسمع؛ لأنه أَخْبَر عن قُرْبه تعالى، وظاهر القُرْب يدل على السماع لا على الإجابة، والإجابة قد تكون في بعض المواضع بمعنى السماع؛ لأنها تترتب على السماع، فسمى السماعَ إجابةً، كما تقول: دعوت من لا يجيب، أي: دعوت من لا يسمع.

قال الشاعر: منزلة صَمَّ صداها وعَفَتْ ...

أرسُمُها إن سُئلتْ لم تُجبِ (٨) أراد: لم تَسْمَع، فنفى الإجابة؛ لأن نفيها يدل على نفي السمع، وكما جعلوا الإجابة بمعنى السمع جعلوا السمع بمعنى الإجابة، فيقال: سمع الله لمن حمده، يراد به: أَجَابه.

وأنشد أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: دعوتُ الله حتى خِفْتُ أن لا ...

يكونَ اللهُ يَسْمَعُ ما أقولُ (٩) (١٠) وقال السدي: ما من مؤمن يدعو الله إلا استجاب له، فإما أن عجل له في الدنيا، وإما ادّخر (١١) (١٢) و ﴿ أُجِيبُ ﴾ موضعه نصبٌ (١٣) ﴿ قَرِيبٌ ﴾ .

تأويله: فإني قريبٌ مجيب، فلما كان في لفظ الاستقبال رفع بالألف، وتأويله الرفع على النعت لقريب (١٤) وقوله تعالى: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي ﴾ أي: فليجيبوني بالطاعة وتصديق الرسل.

وأجاب واستجاب بمعنى (١٥) قال كعب الغنوي (١٦) (١٧) (١٨) قال أهل المعاني: الإجابة من العبد لله تعالى: الطاعة، وإجابة كلِّ شيء على وفق السؤال، والله تعالى تَعَبَّدَنا بالطاعة، فالإجابة منّا له أن نطيعه، يقال: سأل فلان فلانًا شيئًا فلم يكن له عنده إجابة، أي: إعطاء لأن سؤاله كان استعطاءً، ويقال: أجابت السماء بالمطر، إذا أرسلت المطر، وأجابت الأرضُ بالنبات إذا أنبتت (١٩) وغيثٍ من الوسمي حُوٍّ تِلاعُه ...

أجابت روابيه النِّجَاءَ هَوَاطِلُه (٢٠) وقوله تعالى: ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ أي: ليكونوا على رجاء من إصابة الرشد (٢١) وقال ابن عباس: لكي يرشدوا (٢٢) (٢٣) (١) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 333، وكذا البغوي 1/ 205، وروى الطبري 2/ 158، وابن أبي حاتم 1/ 314، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 535 وغيرهم: عن أبي الصلت بن حكيم عن أبيه عن جده، بمثل حديث الضحاك، وذكر في "الدر المنثور" 1/ 352: أنه رواه البغوي في معجمه، وابن مردويه، قال أحمد شاكر: وهذا الحديث ضعيف جدا، منهار الإسناد بكل حال.

حاشية "تفسير الطبري" 2/ 158، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 352 من حديث أبي بنحوه إلى سفيان بن عيينة في "تفسيره"، وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائده على الزهد من طريق سفيان عن أبي.

(٢) من قوله: (أقريب ..) ساقطة من (ش).

(٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 73، وعنه الطبري في "تفسيره" 2/ 158، وإسناده صحيح إلى الحسن، لكنه ضعيف لإرساله كما ذكر ذلك أحمد شاكر في تعليقه على الطبري.

وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 352 من حديث أنس بنحوه إلى ابن مردويه.

(٤) تقدم الحديث عن هذه الرواية.

(٥) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 334، "الدر المصون" 2/ 289، وقد بين شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" 5/ 247، 460 أن ما نطق به الكتاب والسنة من قرب الرب من عابديه وداعيه هو مقيد لا مطلق لجميع الخلق، وذكر رحمه الله أن قرب الله ودنوه من بعض مخلوقاته لا يستلزم أن تخلو ذاته من فوق العرش، بل هو فوق العرش ويقرب من خلقه كيف يشاء، كما قال ذلك من قال من السلف، وهذا كقربه من عبده موسى لما كلمه من الشجرة، وينظر أيضا: "مجموع الفتاوى" 6/ 13، و"النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى" للشيخ عبد الله المحمود 2/ 735 - 751.

وقال الشيخ ابن عثيمين في "شرحه للعقيدة الواسطية" 460 ما خلاصته: اعلم أن من العلماء من قسم قرب الله إلى قسمين، كالمعية، وقال: القرب الذي مقتضاه الإحاطة قرب عام، والقرب الذي مقتضاه الإجابة والإثابة قرب خاص، ومنهم من يقول.

إن القرب خاص فقط، مقتض لإجابة الداعي وإثابة العابد، ولا ينقسم، مستدلين بهذه الآية، وبقوله  : "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد".

رواه مسلم (482) كتاب الصلاة، باب: ما يقال في الركوع والسجود، وهذا اختيار شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم، وقد أورد على قولهما: قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ وقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ ﴾ ، وهاتان عامتان في المؤمن والكافر، وأجيب بأن القرب فيهما إنما هو للملائكة، ألا ترى أنه قال بعد الأولى: إذ يتلقى المتلقيان، وهما من الملائكة، وقال في الثانية: ولكن لا تبصرون، أي: لا تبصرون الملائكة وهم حاضرون لقبض الروح.

(٦) هذه من رواية عطاء، وقد تقدم الحديث عنها.

(٧) من "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255 بتصرف، وذكر ضربين آخرين: أحدهما: مسألة الله العفو والرحمة.

وثانيهما: هو مسألته من الدنيا.

كقولك: اللهم ارزقني مالا وولدا.

وينظر: "البحر المحيط" 1/ 47.

(٨) البيت بلا نسبة في "لسان العرب"1/ 618، 2/ 1152.

(٩) البيت لسمير بن الحارث الضبي في "تاج العروس" 11/ 227 (سمع)، وفي "نوادر أبي زيد" ص 124.

(١٠) ينظر: "تفسير البغوي" 1/ 206، "البحر المحيط" 1/ 47.

(١١) في (ش): (أخر).

(١٢) رواه الطبري عنه في "تفسيره" 2/ 159، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 314.

(١٣) في (ش): (نصبًا).

(١٤) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 45، وذكر أيضا إعرابًا آخر، وهو أن أجيب خبر بعد خبر.

(١٥) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 159، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 315، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 255، "تفسير الثعلبي" 2/ 335.

(١٦) هو: كعب بن سعد بن عمرو الغنوي، من بني غنى، شاعر جاهلي حلو الديباجة يقال له: كعب الأمثال، لكثرة ما في شعره من الأمثال، أكثر شعره في رثاء أخ له قتل في حرب ذي قار قال عنه الأصمعي بين أصحاب المراثي: ليس في الدنيا مثله.

وقد رد الزركلي وعبد العزيز الميمني قولَ الغدادي والبكري: إنه شاعر == إسلامي.

توفي نحو10 ق هـ.

ينظر: "سمط اللائي" 772، "الأعلام" 5/ 227، "جمهرة أشعار العرب" ص 250.

(١٧) في (ش): (دعانا).

(١٨) البيت في "الأصمعيات" ص 96، "الأمالي" لأبي علي 2/ 151 "مجاز القرآن" 1/ 67 "لسان العرب" 1/ 283 (جوب).

(١٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 159، "تفسير الثعلبي" 2/ 336، "البحر المحيط" 2/ 47.

(٢٠) البيت في "ديوانه" ص 127.

و"المخصص" لابن سيده 10/ 190، "تفسير الثعلبي" 2/ 336، والوسمي: أول المطر، وحُوّ: تضرب إلى السواد من شدة خضرة نبتها، والتلاع: مسيل ما ارتفع من الأرض إلى بطن الوادي، والروابي: ما ارتفع من الأرض، وهواطله: مواطره، والهطل: مطر لين ليس بالشديد ينظر: "الديوان بشرح ثعلب" ص 127.

(٢١) ينظر: "البحر المحيط" 2/ 47.

(٢٢) هذا من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها.

(٢٣) ينظر: "المفردات" للراغب ص 202، وقال: وقال بعضهم: الرَّشَد أخص من الرُّشْد، فإن الرشد يقال في الأمور الدنيوية والأخروية، والرَّشَد يقال في الأمور الأخروية لا غير، والراشد والرشيد يقال فيهما جميعا.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع ﴾ مقيد بمشيئة الله وموافقة القدر، وهذا جواب من قال: كيف لا ييستجاب الدعاء مع وعد الله بالاستجابة ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ﴾ أي امتثال ما دعوتهم إليه من الإيمان والطاعة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ فديةٌ طعام ﴾ مضافاً ﴿ مساكين ﴾ بالجمع: أبو جعفر ونافع وابن ذكوان.

وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿ فديةٌ ﴾ بالتنوين ﴿ طعام ﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع.

الباقون: مثل هذا إلا أن ﴿ مسكين ﴾ مفرد مجرور ﴿ فمن تطوع ﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين: حمزة وعلي وخلف.

الباقون: بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿ القرآن ﴾ غير مهموز حيث كان: ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله  ﴿ وقرآن الفجر أن قرآن الفجر  ﴾ ﴿ ولا تعجل بالقرآن  ﴾ ﴿ إن علينا جمعه وقرآنه  ﴾ ﴿ فاتبع قرآنه  ﴾ الباقون بالهمز ﴿ اليسر والعسر ﴾ حيث كانا مثقلين: يزيد إلا قوله ﴿ فالجاريات يسرا  ﴾ ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ من التكميل: أبو بكر وحماد وعباس ورويس.

والباقون: من الإكمال.

﴿ الداعي إذا دعاني ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.

وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل.

والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿ في لعلهم ﴾ بفتح الياء: ورش.

الباقون: بالسكون.

الوقوف: ﴿ تتقون ﴾ لا لأن "أياماً" ظرف "الصيام" أو الاتقاء ﴿ معدودات ﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿ أخر ﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو "فدية" فلا تعلق له بما قبله ﴿ مسكين ﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿ خير له ﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم.

﴿ تعلمون ﴾ ه ﴿ والفرقان ﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿ فليصمه ﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿ أخر ﴾ ط ﴿ العسر ﴾ ز قد يجوز ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ قريب ﴾ ط لأن قوله "أجيب مستأنف ﴿ دعان ﴾ ص للفاء ﴿ يرشدون ﴾ ه ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عنكم ﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿ لكم ﴾ ص لذلك ﴿ إلى الليل ﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿ في المساجد ﴾ ط لأن "تلك" مبتدأ ﴿ فلا تقربوها ﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿ يتقون ﴾ ه.

التفسير: هذا حكم آخر.

والصيام مصدر صام كالقيام والعياذ.

وهو في اللغة الإمساك عن الشيء.

قال الخليل: الصوم قيام بلا عمل.

وصام الفرس صوماً أي قام على غير اعتلاف.

وقال أبو عبيدة: كل ممسك عن طعام أو كلام أو سير فهو صائم.

وإنه في الشرع عبارة عن الإمساك عن أشياء مخصوصة تسمى المفطرات كالأكل والشرب والوقاع في زمان مخصوص هو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.

ولا بد في صحته من النية وأن يقع في غير يومي العيد بالاتفاق، وفي غير أيام التشريق عند الأكثرين.

ويوافقه الجديد من قول الشافعي "ومن غير يوم الشك بلا ورد ونذر وقضاء وكفارة".

ولا بد للصائم من الإسلام والنقاء عن الحيض والنفاس، ومن العقل كل اليوم، ومن انتفاء الإغماء في جزء من اليوم.

وقوله  ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.

قال علي كرم الله وجهه: أوّلهم آدم يعني أن الصوم عبادة أصلية قديمة ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم لم يفرضها عليكم وحدكم.

﴿ لعلكم تتقون ﴾ بالمحافظة عليها لقدمها، أو المعاصي لأن في الصوم ظلفاً للنفس عن المناهي ومواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في سلك أهل التقوى فإن الصوم شعارهم.

وقيل: معناه صومكم كصومهم في عدد الأيام وهو رمضان، كتب على النصارى فأصابهم موتان فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده.

وقيل: كان يقع في البرد الشديد والحر الشديد فشق عليهم فجعلوه بين الشتاء والربيع وزادوا عشرين كفارة.

ومعنى معدودات مؤقتات بعدد معلوم أو قلائل مثل ﴿ دراهم معدودة  ﴾ وأصله أن المال القليل يعدّ عدّاً، والكثير يحثى حثياً كأنه قال: إني رحمتكم فلم أفرض عليكم صيام الدهر كله ولا أكثره ولكن أياماً معدودة قليلة، وعلى هذا يحتمل أن يكون وجه الشبه بين الفرضين مجرد تعليق الصوم بمدة غير متطاولة وإن اختلفت المدتان.

ثم إن الأئمة اختلفوا في هذه الأيام على قولين: الأول: أنها غير رمضان.

فعن عطاء: ثلاثة أيام من كل شهر.

وعن قتادة: هي مع صوم عاشوراء.

ثم اختلفوا أيضاً فقيل: كان تطوّعاً ثم فرض وقيل بل كان واجباً.

واتفقوا أنه نسخ بصوم رمضان واستدلوا على قولهم إنها غير صوم رمضان بما روي عن النبي  "إن صوم رمضان نسخ كل صوم" فدل على أن صوماً آخر كان واجباً.

وأيضاً ذكر حكم المريض والمسافر في هذه الآية وفي التي تتلوها، فلو اتحد الصومان كان تكريراً محضاً.

وأيضاً ذكر في هذه الآية التخيير بين الصوم والفدية وصوم رمضان واجب على التعيين فيختلفان.

والثاني: وهو اختيار أبي مسلم والحسن وأكثر المحققين أنها شهر رمضان أجمل أولاً ذكر الصيام، ثم بينه بعض البيان بقوله ﴿ أياماً معدودات ﴾ ثم كمل البيان بقوله ﴿ شهر رمضان ﴾ وهذا ترتيب في غاية الحسن من غير زيادة ولا نقصان.

وأجيب عن استدلالهم الأول بأنه ليس في الخبر أنه نسخ عنه وعن أمته كل صوم فلم لا يجوز أن يراد به نسخ كل صوم وجب الشرائع المتقدمة.

سلمنا أن المراد به صوم ثبت في شرعه ولكن لم لا يجوز أن يكون ناسخاً لصيام وجب بغير هذه الآية.

وعن الثاني أن صوم رمضان كان واجباً مخيراً، وفي الآية الثانية جعل واجباً على التعيين، فأعيد حكم المريض والمسافر ليعلم أن حالهما ثانياً في رخصة الإفطار ووجوب القضاء كحالهما أولاً.

وعن الثالث أن الاختلاف مسلم لكن في التخيير والتعيين، أما في نفس الصوم فلا.

وههنا سؤال وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ كيف كان ناسخاً للتخيير مع اتصاله بالمنسوخ؟

والجواب أن الاتصال في التلاوة لا يوجب الاتصال في النزول، بل المقدم في التلاوة يمكن أن يكون ناسخاً والمتأخر منسوخاً كآية الاعتداد بالحول.

وهكذا نجد في القرآن آية مكية متأخرة في التلاوة عن الآية المدنية وذلك كثير.

قال القفال: انظروا إلى عجيب ما نبه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فبين أولاً أن لهذه الأمة في هذا التكليف أسوة بالأمم السالفة، فإن الأمور الشاقة إذا عمت خفت.

ثم بين ثانياً وجه الحكمة في إيجاب الصوم وحصول التقوى.

ثم بين ثالثاً أنه مختص بأيام قلائل لا بكلها ولا بأكثرها.

ثم بين رابعاً أنه خصه من الأوقات بالشهر الذي أنزل فيه القرآن ليعلم شرفه فتوطن النفس له.

ثم ذكر خامساً إزالة المشقة في إلزامه فأباح تأخيره لمن شق عليه من المسافرين والمرضى إلى زمن الرفاهية والصحة وهي هيئة يكون بها بدن الإنسان في مزاجه وتركيبه بحيث يصدر عنها الأفعال كلها سليمة والمرض زوالها.

واختلف الأئمة في المرض والسفر المبيحين للإفطار على أقوال: أحدها أن أيّ مريض كان، وأيّ مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلاً للفظ المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين.

يروى أنه دخل عليه في رمضان وهو يأكل فاعتل بوجع أصبعه.

وعن داود: الرخصة حاصلة في كل سفرٍ ولو كان فرسخاً.

وثانيها أنه المرض الذي لو صام لوقع في مشقة وجهد وكذا السفر وهو قول الأصم.

وحاصله تنزيل اللفظ على أكمل أحواله.

وثالثها وهو قول الشافعي وأكثر الفقهاء أنه الذي يؤدي إلى ضرر في النفس أو زيادة في العلة إذ لا فرق في العقل بين ما يخاف منه وبين ما يؤدي إلى ما يخاف منه كالمحموم إذا خاف أنه لو صام اشتد حماه، والأرمد يخاف أن يشتد وجع عينه.

قالوا: وكيف يمكن أن يقال: كل مرض مرخص مع علمنا بأن في الأمراض ما ينفعه الصوم؟

فالمراد إذن منه ما يؤثر الصوم في تقويته تأثيراً يعتد به والتأثير اليسير لا عبرة به.

المرض المرخص لا يفرق فيه بين أن يعرف كونه كذلك بنفسه أو يخبره بذلك طبيب حاذق بشرط كونه مسلماً بالغاً عدلاً.

وأصل السفر من الكشف لأنه يكشف عن أحوال الرجال وأخلاقهم.

وعن الأزهري: سمي مسافراً لكشف قناع الكن عن وجهه وبروزه للأرض الفضاء.

قال الأوزاعي: السفر المبيح مسافة يوم.

وعند الشافعي مقدر بستة عشر فرسخاً ولا يحسب منه مسافة الإياب.

كل فرسخ ثلاثة أميال بأميال هاشم جد رسول الله  ، وهو الذي قدر أميال البادية، كل ميل اثنا عشر ألف قدم وهي أربعة آلاف خطوة.

وإلى هذه ذهب مالك وأحمد وإسحق، وذلك أن تعب اليوم الواحد يسهل تحمله بخلاف ما إذا تكرر في يومين فحينئذٍ يناسب الرخصة، ولما روى الشافعي عن ابن عباس أن النبي  قال "يا أهل مكة لا تقصروا في أدنى من أربعة برد من مكة إلى عسفان" قال أهل اللغة: كل بريد أربعة فراسخ.

وروى الشافعي أيضاً أن عطاء قال لابن عباس: أقصر إلى عرفة؟

فقال: لا فقال: إلى مرّ الظهران؟

فقال: لا.

ولكن اقصر إلى جدّة وعسفان والطائف.

قال مالك: بين مكة وجدة وعسفان أربعة برد.

وقال أبو حنيفة والثوري: رخصة السفر لا تحصل إلا في ثلاث مراحل، أربعة وعشرين فرسخاً قياساً على المسح.

والإجماع على الرخصة في هذا المدة والخلاف فيما دون ذلك فيبقى المختلف فيه على أصل وجوب الصوم.

وأجيب بأن قوله  "يمسح المقيم يوماً وليلة" لا يدل على أنه لا تحصل الإقامة في أقل من يوم وليلة، لأنه لو نوى الإقامة في موضع الإقامة ساعة يصير مقيماً.

وكذا قوله  "والمسافر ثلاثة أيام" لا يوجب أن لا يحصل السفر في أقل من ثلاثة أيام.

وأيضاً الترجيح للإفطار لقوله  في قصر الصلاة "هذه صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" وإنما قيل ﴿ أو على سفرٍ ﴾ دون أن يقول مسافراً كما قال ﴿ مريضاً ﴾ لأن السفر يتعلق بقصده واختياره حتى لو عزم على الإقامة في منزل من المنازل لم يبق على قصد السفر، فلا يصح الإفطار وإن كان مسافراً وهذا بخلاف المرض فإنه صفة قائمة به إن حصلت حصلت وإلا فلا.

وعدّة فعلة من العدّ بمعنى المعدود كالطحن بمعنى المطحون، وعدة المرأة من هذا.

وإنما قيل ﴿ فعدّة ﴾ على التنكير ولم يقل "فعدتها" أي فعدة الأيام المعدودات للعلم بأنه لا يؤثر عدد على عددها وأنه لا يأتي إلا بمثل ذلك العدد ظاهراً، فأغنى ذلك عن التعريف بالإضافة.

والمعنى فعليه صوم عدّة.

وقرئ بالنصب أي فليصم عدّة.

وأخر جمع أخرى تأنيث آخر، وإنه غير مصروف للصفة والعدل من أخر من كذا.

واعلم أن قوماً من علماء الصحابة ذهبوا إلى أنه يجب على المريض والمسافر أن يفطرا ويصوما عدة من أيام أخر وهو قول ابن عباس وابن عمر حتى قالا: لو صام في السفر قضى في الحضر.

واختاره داود بن علي الأصفهاني وهو مذهب الإمامية لأن قوله  ﴿ فعدّة ﴾ أي فعليه عدّة مشعر بالوجوب عليه.

ولأن قوله ﴿ يريد بكم اليسر ﴾ ينبئ عن إرادته الإفطار ولقوله  "ليس من البر الصيام في السفر" وفي الرواية بدل لام التعريف ميم التعريف.

وقوله "الصائم في السفر كالمفطر في الحضر" وذهب أكثر الفقهاء إلى أن هذا الإفطار رخصة فإن شاء أفطر وإن شاء صام لما يجيء من قوله  ﴿ وإن تصوموا خيرٌ لكم ﴾ ولما روى أبو داود في سننه عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن حمزة الأسلمي سأل النبي  فقال: يا رسول الله هل أصوم في السفر فقال : " صم إن شئت وأفطر إن شئت" .

قالوا وفي الآية إضمار التقدير: فمن كان مريضاً أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر كقوله  ﴿ أو به أذى من رأسه ففديةٌ  ﴾ أي فحلق فعليه فدية.

ثم اختلف هؤلاء فعن الشافعي وأبو حنيفة ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد: أن الصوم أفضل.

وقالت طائفةٌ: الأفضل الفطر وإليه ذهب ابن المسيب والشعبي والأوزاعي وأحمد وإسحق.

وقيل: أفضل الأمرين أيسرهما على المرء.

واختلف أيضاً في القضاء فعامة العلماء على التخيير.

وعن أبي عبيدة بن الجراح: أن الله لم يرخص لكم في فطره وهو يريد أن يشق عليكم في قضائه إن شئت فواتر وإن شئت ففرّق.

وعن علي كرم الله وجهه وابن عمر والشعبي وغيرهم: أنه يقضي كما فات متتابعاً ويؤيده قراءة أبي ﴿ فعدة من أيامٍ أخر متتابعات ﴾ قوله  ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول: وهو قول أكثر المفسرين: أن المعنى وعلى المطيقين للصيام الذين لا عذر بهم لكونهم مقيمين صحيحين إن أفطروا فدية هي طعام مسكين.

والفدية في معنى الجزاء وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وأنه ههنا عند أهل العراق - ومنهم أبو حنيفة - نصف صاع من بر أو صاع من غيره.

وعند أهل الحجاز - ومنهم الشافعي - مدّ من غالب قوت البلد لكل يوم ويصرف إلى الفقير والمسكين.

قالوا: كان ذلك في بدء الإسلام فرض عليهم الصوم ولم يتعوّدوه فاشتد عليهم فرخص لهم في الإفطار والفدية.

عن سلمة بن الأكوع: لما نزلت ﴿ وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ﴾ كان من أراد أن يفطر يفطر ويفتدي حتى نزلت ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ فنسختها.

من قرأ بإضافة الفدية إلى طعام فالإضافة فيه كهي في قولك "خاتم حديد" ومن قرأ "مساكين" على الجمع فلأن الذين يطيقونه جمع فكل واحد منهم يلزمه طعام مسكين لكل يوم.

والاعتبار بمدّ رسول الله  وهو مائة وثلاثة وسبعون درهماً وثلث الدرهم.

الثاني: أن هذا راجع إلى المسافر والمريض.

وذلك أن المريض والمسافر منهما من لا يطيق أصلاً وإليه الإشارة بقوله ﴿ فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ ومنهما من يطيق الصوم مع الكلفة وهو المراد بقوله ﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ قالوا: هذا أولى ليلزم النسخ أقل، فإن نسخ التخيير بين الصوم والفدية عن المريض المطيق أقل من نسخ التخيير عنه وعن الصحيح المقيم.

الثالث: أنه نزل في الشيخ الهرم.

عن السدي: وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة ويؤيده القراءة الشاذة ﴿ يطوّقونه ﴾ تفعيل من الطوق إما بمعنى الطاقة أو القلادة أي يكلفونه، أو يقلدونه.

والتركيب يستعمل فيمن يقدر على شيء مع ضرب من المشقة والكلفة وبعضهم أضاف إلى الشيخ الهرم الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسيهما وولديهما.

واتفقوا على أنا لشيخ إذا أفطر فعليه الفدية، وأما الحامل والمرضع إذا أفطرتا فقال الشافعي: عليهما القضاء والفدية لحق الوقت.

وقال أبو حنيفة: لا يجب إلا القضاء كيلا يلزم الجمع بين البدلين.

﴿ فمن تطوّع خيراً ﴾ بأن يطعم مسكينين أو أكثر أو يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب، أو صام مع الفدية عن الزهري.

﴿ فهو ﴾ أي التطوع ﴿ خير له وأن تصوموا ﴾ أيها المطيقون أو المطوقون وتحملتهم متاعب الصيام ﴿ خيرٌ لكم ﴾ من الفدية وتطوّع الخير.

ويجوز أن ينتظم في الخطاب المريض والمسافر أيضاً عند من يرى أن الصوم لهما أفضل ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن الصوم أشق عليكم وأن أجركم على قدر نصبكم، أو تعلمون بالله فتخشونه فتمتثلون أمره ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ أو تعلمون ما في الصوم من الفوائد الدنيوية والأخروية.

عن علي كرم الله وجهه أن النبي  قال "يقول الله عز وجلّ الصوم لي وأنا أجزى به وللصائم فرحتان حين يفطر وحين يلقى ربه.

والذي نفسي بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" وعنه  "إن في الجنة بابا يقال له الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم" وعن أبي هريرة أن النبي  قال "من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.

ومن قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" وعنه أن رسول الله  قال "من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً" وعن النبي  "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" وفضيلة الصوم ومنافعه أكثر من أن تحصى ولو لم يكن فيه إلا التشبه بالملائكة والارتقاء من حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالروحانيات المجرّدة لكفى به فضلاً ومنقبة.

هذا صوم الشريعة، فأما صوم الطريقة فالإمساك عما حرم الله عز وجلّ والإفطار بما أباح وأحل، وصوم الحقيقة الإمساك عن الأكوان والإفطار بمشاهدة الرحمن.

صمت عن غيره فلما تجلى *** كأن بي شـاغلٌ عن الإفطار وتشـوّقت مـدة ثـم لمـا *** زارني جَلّ عن مدى الأنظار قوله عز من قائل ﴿ شهر رمضان ﴾ الشهر مأخوذ من الشهرة.

عن مجاهد: رمضان اسم الله  .

وروي عن النبي  "لا تقولوا جاء رمضان وذهب رمضان ولكن قولوا جاء شهر رمضان فإن رمضان اسم من أسماء الله" وعلى هذا شهر رمضان أي شهر الله.

والأكثرون على أنه اسم علم للشهر كرجب وشعبان ومنع الصرف للعلمية والألف والنون.

ثم اختلف في اشتقاقه فعن الخليل: أنه من الرمض بتسكين الميم وهو مطر يأتي وقت الخريف ويطهر وجه الأرض عن الغبار، سمي الشهر بذلك لأنه يطهر الأبدان عن أوضار الأوزار.

وقيل: من الرمض بمعنى شدة الحر من وقع الشمس والأرض رمضاء.

وفي الكشاف: الرمضان مصدر رمض إذا احترق من الرمضاء، سمي بذلك إما لارتماضهم فيه من حر الجوع كما سموه ناتقاً لأنه كان ينتقهم أي يزعجهم لشدته عليهم، أو لأن الذنوب ترمض فيه أي تحترق.

وروي عن النبي  أنه قال "إنما سمي رمضان لأنه يرمض ذنوب عباده" وكأن هذا من قولهم "رمضت النصل" جعلته بين حجرين أملسين ثم دققته ليرق.

وعن الأزهري: أنهم كانوا يرمضون أسلحتهم فيه ليقضوا منها أوطارهم في شوّال قبل دخول الأشهر الحرم.

وقيل: إنهم لما نقلوا أسماء الشهور عن اللغة القديمة سموها بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق هذا الشهر أيام رمض الحر فسمي بذلك.

وشهر رمضان يجمع على رمضانات وأرمضاء، وإضافة الشهر إليه إضافة العام إلى الخاص، ولو لم يتلفظ بالشهر جاز كقوله  "من صام رمضان إيماناً" الحديث.

لأن التسمية وقعت برمضان فقط.

وارتفاعه على أنه مبتدأ خبره ﴿ الذي أنزل فيه القرآن ﴾ أو على أنه بدل من الصيام في قوله ﴿ كتب عليكم الصيام ﴾ أو على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هي أي الأيام المعدودات شهر رمضان.

وعلى هذين الوجهين يكون الموصول مع صلته صفة لشهر رمضان.

قال أبو علي: وهذا أولى ليكون أيضاً في الأمر بصوم الشهر وإلا كان خبراً عن إنزال القرآن فيه.

وقرئ بالنصب على صوموا شهر رمضان أو على الإبدال من ﴿ أياماً ﴾ أو على مفعول ﴿ وأن تصوموا ﴾ وفي هذا الوجه نظر من قبل الفصل بين ﴿ أن تصوموا ﴾ ومعموله بالخبر.

وفائدة وصف الشهر بإنزال القرآن فيه التنبيه على علة تخصيصه بالصوم فيه.

وذلك أنه لما خص بأعظم آيات الربوبية ناسب أن يخص بأشق سمات العبودية فبقدرهضم النفس يترقى العبد في مدارج الأنس ويصل إلى معارج القدس وتنخرق له الحجب الناسوتية ويطلع على الحكم اللاهوتية ويفهم معاني القرآن ويتبدل له العلم بالعيان وكان حينئذٍ من العجائب ما كان.

وفي إنزال القرآن في رمضان أقوال.

فعن سفيان بن عيينة أنزل في فضله القرآن كما تقول أنزل في علي  كذا.

وقال ابن الأنباري: أنزل في إيجاب صومه على الخلق القرآن كما تقول: أنزل الله في الزكاة كذا أي في إيجابها، وأنزل في الخمر كذا أي في تحريمها.

والقولان متقاربان، أو هما واحد فإنه لم ينزل سوى قوله تعالى ﴿ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ﴾ الآيات.

واختيار الجمهور أن الله  أنزل القرآن في رمضان.

عن النبي  "نزلت صحف إبراهيم أوّل ليلة من رمضان وأنزلت التوراة لست مضين والإنجيل لثلاث عشرة والقرآن لأربع وعشرين" ثم إنه لا شك أن القرآن قد نزل منجماً مفرقاً على حسب المصالح والوقائع، فأوّلت الآية بأن المراد أنه ابتدئ فيه إنزاله وذلك ليلة القدر.

ومبادئ الملل والدول هي التي يؤرخ بها لشرفها وانضباطها.

وهذا قول محمد بن إسحق.

أو أنه أنزل جملة إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم نزل إلى الأرض نجوماً، وليس يبعد أن يكون للملائكة الذين هم سكان سماء الدنيا مصلحة في إنزال ذلك إليهم، وفيه مصلحة للرسول من حيث توقع الوحي عن أقرب الجهات.

ولعل فيه مصلحة لجبريل المأمور بالإنزال والتأدية ولا سيما على رأي الفلاسفة الذين جبريل عندهم هو العقل الفعال الأخير الذي يدير عالم الكون والفساد وخاصة نوع الإنسان.

وعلى هذا القول يحتمل أن يقال: إن الله  أنزل كل القرآن من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم نزله على محمدٍ  منجماً إلى آخر عمره.

ويحتمل أن يقال: إنه  كان ينزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر كل سنة ما يحتاجون إليه في تلك السنة وكذلك أبداً إلى أن تم إنزاله.

وعلى هذا يكون تعين رمضان الذي أنزل فيه القرآن نوعياً لا شخصياً ﴿ هدى للناس وبيناتٍ ﴾ منصوبان على الحالية أي أنزل وهو هداية للناس إلى الحق وهو آيات واضحات مكشوفات من جملة ما يهدي إلى الحق ويفرق بينه وبين الباطل من الكتب السماوية وذلك أن الهدى قسمان: جلي مكشوف وخفي مشتبه، فوصفه أولاً بجنس الهداية ثم قال: إنه من نوع البين الواضح.

ويحتمل أن يقال: القرآن هدى من نفسه ومع ذلك ففيه أيضاً بينات من هدى الكتب المتقدمة، فيكون المراد بالهدى والفرقان والتوراة والإنجيل، أو يقال: الهدى الأول أصول الدين، والثاني فروعه، فيزول التكرار.

نقل الواحدي عن الأخفش والمازني أن الفاء في ﴿ فمن شهد ﴾ زائدة إذ لا معنى للعطف والجزاء ههنا وهذا وهم لظهور كونها للجزاء كأنه قيل: لما علمتم اختصاص هذا الشهر بفضيلة إنزال القرآن فيه فأنتم أيضاً خصوه بهذه العبادة، ومعنى شهد أي حضر.

ثم قيل: إن مفعوله محذوف ﴿ والشهر ﴾ منصوب على الظرف وكذلك الهاء في ﴿ فليصمه ﴾ ولا يكون مفعولاً به كقولك "شهدت الجمعة" لأن المقيم والمسافر كلاهما شاهدان الشهر.

فالمعنى فمن شهد منكم في الشهر المذكور المعلوم البلد أو المقام فليصم في الشهر.

وصاحب هذا القول ارتكب الإضمار حذراً من لزوم التخصيص في حق المسافر إلا أنه يلزمه ما فر منه أية سلك لأن الصبي والمجنون والمريض كل منهم شهد البلد مع أنه لا يجب عليه الصوم.

أما إذا قيل: إن الشهر مفعول به مثل "شهدت عصر فلان وأدركت زمانه" فلا يلزم منه إلا أحد الأمرين وهو التخصيص بقوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ فعدّة من أيامٍ أخر ﴾ فيكون أولى من الأول لأن الإضمار والتخصيص إذا تعارضا فالتخصيص أولى، فكيف إذا وقع الإضمار والتخصيص في جانب والتخصيص وحده في جانب؟

هذا ما قاله الإمام فخر الدين الرازي معترضاً به على صاحب الكشاف وغيره.

(قلت): الإنصاف أن الترجيح مع صاحب الكشاف لأن لزوم الإضمار في الآية ممنوع، وذلك أن ﴿ شهد ﴾ ههنا متروك المفعول كقولهم "فلان يعطى ويمنع" ومعنى من شهد من كان على حالة الحضر سواء كان في البلد أو في منزل من المنازل ونوى الإقامة.

وأما التخصيص فمشترك على القولين إلا أنه على قول صاحب الكشاف أقل لعدم دخول المسافر فيه، فيكون أولى.

فإن قيل: فعلى هذا يكون قوله بعيد ذلك ﴿ أو على سفرٍ ﴾ تكراراً قلنا: إنما أعيد ليترتب عليه حكم القضاء كما للمريض.

وأيضاً لا يلزم من إيجاب الصوم على الحاضر عدم إيجابه على المسافر، ولو سلم فبالمفهوم أوّلاً وبالمنطوق ثانياً، فأين التكرار؟

وإنما وضع المظهر وهو الشهر مقام المضمر حيث لم يقل فمن شهده اعتناء بشأنه واعتلاء لمكانه وتمكيناً في القلوب وتعظيماً في النفوس كقوله: أن يسأل الحق يعطى الحق سائله.

*** وههنا بحث وهو أن قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ جملة شرطية، وما لم يوجد الشرط بتمامه لم يترتب عليه الجزاء، والشهر عبارة عن زمان مخصوص من أوله إلى آخره، فظاهر الآية يقتضي أن الصوم لا يجب عليه إلا عند شهود الجزء الأخير وهو محال لأنه يقتضي إيقاع الفعل في الزمان المنقضي.

وأجيب بأن المراد من الشهر جزء من أجزائه وهذا مجاز مشهور، والمعنى من شهد جزءاً من أجزاء الشهر فليصم كل الشهر.

ثم إن كان هذا الجزء من أول الشهر كما لو شهد هلال رمضان فهذا موافق لما نقل عن علي كرم الله وجهه: أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم ثم سافر وجب أن يصوم الكل.

وأما سائر المجتهدين فيقولون: هذا عام يدخل فيه الحاضر والمسافر إلا أن قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ يخصصه، وإن كان في أثناء الشهر فيوافق قول أبي حنيفة: إن المجنون إذا أفاق في أثناء الشهر لزمه قضاء ما مضى.

قلت: لا حاجة إلى ارتكاب التجوز المذكور وهو إطلاق لفظ الشهر على جزء من أجزائه، ولا يلزم منه المحال المذكور إذ المراد من شهد الشهر أجمع فليكن بحيث قد وجد منه الصوم في جميع أيامه، أو المراد من عزم على كونه مقيماً في الشهر فليصمه.

ويعلم منه أنه إن كان حاضراً في بعضه يتعلق إيجاب الصوم بذلك البعض فقط بدليل قوله ﴿ ومن كان مريضاً أو على سفرٍ ﴾ فإنه لما علم الوجوب للحاضر في كله والرخصة للمسافر في كله علم الحكمان جميعاً للحاضر في بعضه والمسافر في البعض الآخر، فكل يوم مستقل بنفسه فيما يقتضيه، والصوم فيه عبادة مستقلة، وكأن ما نقل عن علي كرم الله وجهه أمر إلزامي رعاية لحرمة الشهر كما لو أدركت الحائض من أول الوقت قدر ما يسع تلك الصلاة، وفي قول قدر ركعة، وفي قول قدر تكبيرة، لزمها قضاؤها إذا طهرت.

وأما أن شهر رمضان بم يثبت حتى يعتبر الشهود فيه فقد قال  "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاستكملوا العدة" يعني عدة شعبان ثلاثين يوماً.

ومهما شهد عند القاضي عدل واحد أنه رأى الهلال ثبت لما روي عن عمر أنه رأى الهلال وحده فشهد عند النبي  فأمر الناس بالصوم.

ولما روي أن علياً  شهد عنده رجل على رؤية هلال رمضان فصام وقال: صيام يوم من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان، وللاحتياط في أمر العبادة.

ولا يثبت الهلال في سائر الشهور إلا برؤية عدلين، وعند أبي حنيفة: يثبت هلال رمضان في الغيم بواحد وفي الصحو تعتبر الاستفاضة.

وإذا رؤي في موضع شمل الحكم لمن هو على ما دون مسافة القصر منه ولا يجب الصوم بذلك على من عداهم.

﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ معناه في اللغة السهولة ومنه اليسار للغني لأنه يتسهل به الأمور وتتسنى المقاصد واليد اليسرى لبقائها على اليسر، أو لأن الأمور تسهل بمعاونتها اليمنى والعسر نقيضه.

وفي الصحاح: قال عيسى بن عمر: كل اسم على ثلاثة أحرف أوله مضموم وأوسطه ساكن فمن العرب من يثقله ومنهم من يخففه.

أوجب الصوم على سبيل السهولة لأنه ما أوجب إلا في مدة قليلة من السنة، ثم ذلك القليل ما أوجبه على المريض والمسافر وههنا يتحقق صدق قوله  "بعثت بالحنيفية السهلة السمحة" .

ومن كمال رأفته  أنه نفى الحرج أولاً ضمناً بقوله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ثم نفاه صريحاً بقوله ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ والظاهر أن الألف واللام في اليسر والعسر يفيد العموم، فيمكن أن يستدل به على عدم وقوع التكليف بما لا يطاق.

والمعتزلة تمسكوا بالآية أنه قد يقع من العبد ما لا يريد الله  ، فإن المريض لو حمل نفسه على الصوم حتى أجهده فقد ما لم يرد الله منه إذ كان لا يريد العسر.

وأجيب بأنا نحمل اللفظ على أنه  لا يأمره بالعسر وإن كان قدير يدمنه العسر فإن الأمر عندنا قد يثبت بدون الإرادة.

فكما أنه يجوز أن يأمر ولا يريد جاز أن يريد ولا يأمر.

قوله ﴿ ولتكملوا ﴾ أجمعوا على أن الفعل المعلل محذوف فيه.

فعن الفراء: التقدير ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون.

شرع جملة ما ذكره وهو الأمر بصوم العدة وتعليم كيفية القضاء والرخصة في إباحة الفطر.

وهذا نوع من اللف لطيف المسلك.

فقوله ﴿ لتكملوا ﴾ علة الأمر بمراعاة العدة ﴿ ولتكبروا ﴾ علة ما علم من كيفية القضاء والخروج عن عهدة الفطر.

﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي إرادة أن تشكروا علة الترخيص والتيسير.

وعن الزجاج: أن المحذوف فعل أمر مقدر قبله كأنه قيل: لتعلموا ما تعملون ولتكملوا.

والفرق أن حذف النون في الأول للنصب وفي هذا للجزم.

ولا يخفى أن قوله ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ يبقى في هذا الوجه غير مرتبط بما قبله إلا أن يقال: إنه في قوة "ولتشكروا".

وفيه أيضاً بعد ويحتمل أن يقال ﴿ ولتكملوا ﴾ معطوف على اليسر كأنه قيل: يريد الله بكم اليسر ويريد بكم لتكملوا كقوله ﴿ يريدون ليطفؤا  ﴾ وإنما قيل ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ ولم يقل "ولتكملوا الشهر" ليشمل عدة أيام الشهر وعدة أيام القضاء جميعاً.

وعدى فعل التكبير بعلى لتضمين معنى الحمد أي ولتكبروا الله حامدين على ما هداكم.

والمراد بالتكبير قيل: إنه تعظيم الله  والثناء عليه شكراً على ما وفق لهذه الطاعة.

وتمام هذا التكبير إنما يكون بالقول والاعتقاد والعمل.

فالقول أن يقر بصفاته العلى وأسمائه الحسنى وينزهه عما يليق به من ند وصاحبة وولد وتشبيه بالخلق، وكل ذلك لا يعتدّ به إلا مع الاعتقاد القلبي.

وأما العمل فالتعبد بالأوامر والتبعد عن النواهي.

وهذا لا يختص بوقت استكمال عدة رمضان، ولكنه شامل لجميع الأحيان.

وقيل: هو تكبير الفطر وإنه مشروع في العيدين لما روي أنه  كان يخرج يوم الفطر والأضحى رافعاً صوته بالتهليل والتكبير حتى يأتي المصلى.

وأوّل وقته في العيدين جميعاً غروب الشمس ليلة العيد.

وعن أحمد ومالك أنه لا تكبير ليلة العيد وإنما يكبر في يومه.

لنا قوله  ﴿ ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ قال الشافعي: سمعت من أرضى به من أهل العلم بالقرآن يقول ﴿ ولتكملوا العدة ﴾ أي عدة صوم رمضان ﴿ ولتكبروا الله ﴾ عند إكمالها، وإكمالها بغروب الشمس آخر يوم من رمضان وأما آخر التكبير فأصح الأقوال أنهم يكبرون إلى أن يحرم الإمام بصلاة العيد، لأن الكلام مباح إلى تلك الغاية والتكبير أولى ما يقع به الاشتغال.

والمسنون في صيغته أن يكبر ثلاثاً نسقاً وبه قال مالك.

وقال أحمد وأبو حنيفة: يكبر مرتين.

لنا الرواية عن جابر وابن عباس.

وأيضاً فإنه تكبير موضوع شعاراً للعيد فكان وتراً كتكبير الصلاة.

قال الشافعي: وما زاد من ذكر الله فحسن.

واستحسن في "الأم" أن تكون زيادته ما نقل عن رسول الله  إنه قاله على الصفا وهو: "الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون.

لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده لا إله إلا الله والله أكبر" قال في الشامل: والذي يقوله الناس لا بأس به أيضاً وهو: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، والله أكبر والله أكبر ولله الحمد.

يرفع الناس أصواتهم بالتكبير ليلتي العيد في المنازل والمساجد والطرق والأسواق سفراً كانوا أو حاضرين في اليومين في طريق المصلي وبالمصلى إلى الغاية المذكورة سواء كان يصلي المكبر مع الإمام أو لا يصلي.

ويستثني من ذلك الحاج فلا يكبر ليلة الأضحى.

واختلف في أن التكبير في أي العيدين أوكد، ففي القديم ليلة النحر لإجماع السلف عليها، وفي الجديد ليلة الفطر لورود النص فيها.

قوله  ﴿ وإذا سألك عبادي عني ﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله  : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه؟

وقيل: كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال  : " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً" .

وعن قتادة أن الصحابة قالوا: يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت.

وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت.

وعن ابن عباس  ما أن يهود أهل المدينة قالوا: يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا؟

فنزلت.

وعن الحسن: سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت.

وقيل: فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي  عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم.

ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها.

ثم إن سؤالهم النبي  عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال  ﴿ ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها  ﴾ وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿ فإني قريب ﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿ أجيب دعوة الداع ﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿ إذا دعان ﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله  ﴿ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها  ﴾ قال العلماء: ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد.

وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه.

وكل مفتقر ممكن.

وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق.

وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي.

قالوا: فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة.

قال في الكشاف: هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه.

فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه ﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد  ﴾ وقوله  "هو بينكم وبين أعناق رواحلكم" وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً.

فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها (قلت) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان.

ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها.

فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال.

شعر: رمزت إليه حذار الرقيب *** وكتمان سر الحبيب حبيب إذا ما تلاشيت في نوره *** يقول لي ادع فإني قريب فإن سألوه  : أين ربنا؟

صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه: هل يسمع ربنا دعاءنا؟

صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه؟

صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه: هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا؟

صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم.

واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً.

تقول: سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً.

وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه  العناية والاستمداد والمعونة.

قال بعض الظاهريين: لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا.

ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس.

والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي "من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين" وقال جمهور العقلاء: إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين.

والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد.

والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية.

وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل.

وما روي عن جابر أنه "جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل؟

قال: بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير.

قال: ففيم العمل؟

قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له.

وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه  علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال: كل ميسر لما خلق له" .

يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب.

والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم.

ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد.

فلعل الله  قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه.

فإذا كان كذلك فلا بد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور.

ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد "من لم يسأل الله يغضب عليه" فإذا كان الداعي عارفاً بالله  وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال  "ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له.

فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل؟

قال: يقول دعوت ربي فما استجاب لي" وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ" وعن ابن عباس أن رسول الله  قال: "سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم" وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال.

وذكر النبي  الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب.

ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟

وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال.

وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي  قال "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له" وعن أبي أمامة قال: يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع؟

قال: جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات.

وعن أنس أن رسول الله  قال "الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد وزاد في رواية قال: فماذا نقول يا رسول الله؟

قال: سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة" .

وعن أبي هريرة أن رسول الله  قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء" وعنه أنه قال "من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء" وعنه أن رسول الله  قال: "ثلاثة لا ترد دعوتهم: الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي  سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي  .

فقال النبي  عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره "إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي  ثم ليدع بعد ما شاء" .

وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله  قال "الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره" .

ومن لطائف الآية أنه  قال ﴿ فإني قريب ﴾ دون أن يقول "فقل إني قريب" كما قال في سائر الأسئلة والأجوبة.

وذلك في مواضع من كتابه ﴿ ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفاً  ﴾ ﴿ يسئلونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي  ﴾ وهذه الأسئلة أصولية.

﴿ يسئلونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى  ﴾ ﴿ ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن  ﴾ ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة  ﴾ ﴿ يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول  ﴾ ﴿ ويستنبؤنك أحق هو قل إي وربي  ﴾ ﴿ ويسئلونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكراً  ﴾ فكأنه  يقول: عبدي أنت إنما تحتاج إلى الواسطة في غير وقت الدعاء، أما في الدعاء فلا واسطة بيني وبينك.

وأيضاً في مقام السؤال قال: ﴿ عبادي ﴾ وهذا يدل على أن العبد له، وفي مقام الإجابة قال ﴿ فإني قريب ﴾ وهذا يدل على أنه للعبد.

وأيضاً لم يقل "العبد مني قريب" بل قال ﴿ إني قريب ﴾ منه إشارة إلى أنه ما للتراب ورب الأرباب وإنما يصل من حضيض الإمكان الذاتي إلى ذروة الوجود والبقاء بفضل الواجب وفيضه ﴿ فليستجيبوا لي ﴾ أجاب واستجاب بمعنى يقال: أجاب واستجاب له أي فليمتثلوا أمري إذا دعوتهم إلى الإيمان والطاعة ﴿ وليؤمنوا بي ﴾ وليستقيموا وليعزموا على الاستجابة، وليؤمنوا كما أني أجيبهم إذا دعوني لحوائجهم إرادة أن يكونوا من الراشدين المهتدين إلى مصالح دينهم ودنياهم، فإن طاعة الله  هي المستتبعة للخيرات عاجلاً وآجلاً ﴿ من عمل صالحاً من ذكرٍ وأنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون  ﴾ وفي ضده ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ونحشره يوم القيامة أعمى  ﴾ وحاصل الكلام: أنا أجيب دعاءكم مع أني غني عنكم على الإطلاق فكونوا أنتم مجيبين دعوتي مع افتقاركم إليّ من جميع الوجوه.

وفيه نكتة وهي أنه  لم يقل أجب دعائي حتى أجيب دعاءك لئلا يصير المذنب محروماً عن هذا الإكرام بل قال: أنا أجيب دعاءك على جميع أحوالك فكن أنت مجيباً لدعائي وهذا يدل على أن نعمه  شاملة ورحمته كاملة تعم المطيعين والمذنبين والكاملين والناقصين.

وقيل: الدعاء في الآية هو العبادة لما روي عن النعمان بن بشير أن رسول الله  قال "الدعاء هو العبادة" وقرأ ﴿ ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين  ﴾ وعلى هذا فالإجابة عبارة عن الوفاء بما ضمن للمطيعين من الثواب كقوله  ﴿ ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله  ﴾ وقيل: المراد من الدعاء التوبة.

وذلك أن التائب يدعو الله عند التوبة، فإجابة الدعوة على هذا التفسير عبارة عن قبول التوبة.

قوله عز وجل: ﴿ أحل لكم ﴾ الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام.

روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة.

وعن البراء قال: كان أصحاب محمد  إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي.

وقال: إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً.

فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال: أعندك طعام؟

قالت: لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه.

فذكر ذلك للنبي  فنزلت ﴿ أحل لكم ﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة.

احتج الجمهور بوجوه منها.

أنه  شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم.

وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها.

ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر.

ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى ﴿ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ﴾ ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل: إن عمر  واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه.

فأتى النبي  وقال: يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل.

فقال  : ما كنت جديراً بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت.

قال أبو مسلم: أصل الخيانة النقص.

وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب.

والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير.

ومنها قوله ﴿ فتاب عليكم وعفا عنكم ﴾ والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم.

قال أبو مسلم: التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان.

والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف.

قال  "عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم" وقال "أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله" والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت.

ويقال: أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً.

فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم.

وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ.

ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول: ليلة الصيام قال الواحدي: أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع.

ويمكن أن يقال: أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف.

والرفث الجماع.

والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع.

وقيل لابن عباس.

حين أنشد: وهن يمشين بنا هميسا *** إن تصدق الطير ننك لميسا أترفث وأنت محرم؟

فقال: إنما الرفث ما واجه به النساء.

هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها.

وقال أبو علي: معناه الفرج.

ويقال: جامع الرجل أو ناك.

فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت: رفث الرجل.

وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض  ﴾ ﴿ فلما تغشاها ﴾ } [الأعراف: 189] ﴿ باشروهن  ﴾ ﴿ من قبل أن تمسوهن  ﴾ ﴿ أولامستم النساء  ﴾ وفي قوله: ﴿ دخلتم بهن  ﴾ ﴿ فأتوا حرثكم  ﴾ ﴿ فما استمعتم به منهن  ﴾ ﴿ ولا تقربوهنّ  ﴾ حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم.

قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله ﴿ وقد أفضى بعضكم إلى بعض  ﴾ .

﴿ هن لباس لكم ﴾ وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب.

قال الربيع: هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن.

وقال ابن زيد: كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع.

قال الجعدي: إذا ما الضجيع ثنى عطفها *** تثنت فكانت عليه لباساً أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر "من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه" أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار.

وعن الأصم: أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم.

ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر "لابس" وضع موضع الصفة.

وموقع قوله ﴿ هنّ لباس لكم ﴾ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن.

ومعنى ﴿ علم الله ﴾ ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة فيماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل ﴿ فالآن باشروهن ﴾ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع.

ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب.

وقيل: إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة.

﴿ فتاب عليكم ﴾ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم.

وعلى قول أبي مسلم لا إضمار.

﴿ فالآن باشروهن ﴾ تأكيد لقوله ﴿ أحل لكم ﴾ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح.

والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه.

ومنه ما روي أنه  قال "لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة" وإنما قلنا إنا لمراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً.

وأما المباشرة في قوله ﴿ ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات.

﴿ وابتغوا ما كتب الله لكم ﴾ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل.

قال  "تناكحوا تكثروا" وقيل: هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك.

وعن الشافعي: لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة.

وعن علي كرم الله وجهه: أنه كان يكره العزل.

وقيل: اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله  ﴿ فأتوهنّ من حيث أمركم الله  ﴾ وقيل: وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم: وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم.

وقيل: يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة.

وقيل: أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله ﴿ إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم ﴾ \[المؤمنون: 6\] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء: اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها.

واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال  ﴿ فالآن باشروهن ﴾ لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال: لما نزلت ﴿ وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود ﴾ عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت.

فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله  فأخبرته فضحك وقال: إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل.

وكنى رسول الله  بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد: نزلت ولم ينزل ﴿ من الفجر ﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد ﴿ من الفجر ﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.

واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين.

ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد: فلما أضاءت لنا سدفة *** ولاح من الصبح خيط أنارا والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر.

وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك "رأيت أسداً" مجاز، فإذا زدت "من فلانٍ" رجع تشبهاً.

فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى.

فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم.

نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان.

ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر "لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير" وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً.

ويمكن أن يقال: الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء.

أي انشق وبين ما هو مظلم بعد يشبه خيطين اتصلا عرضاً.

فالذي انتهى إليه الضياء خيط أبيض، والذي ابتدأ منه الظلام خيط أسود.

وقد سبق تقرير الصبح في تفسير قوله  ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ فليتذكر.

قيل: ويجوز أن تكون "من" في قوله  ﴿ من الفجر ﴾ للتبعيض لأنه بعض الفجر وأوّله: ولا شك أن "حتى" لانتهاء الغاية فدلت الآية على أن حل المباشرة والأكل والشرب ينتهي عند طلوع الصبح.

فاستدل بهذا على جواز صوم من يصبح جنباً.

وبقوله ﴿ ثم أتموا الصيام إلى الليل ﴾ على أن الصوم ينتهي عند غروب الشمس، لأن ما بعد "إلى" لا يدخل فيما قبلها وخاصة إذا لم يكن من جنسه، بل على حرمة الوصال.

ويؤيده ما روي أنه  قال: "إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد غربت الشمس وأفطر الصائم" فيجب على المكلف أن يتناول في هذا الوقت شيئاً.

وكيف لا وقد صح عن النبي  أنه نهى عن الوصال فقيل: يا رسول الله إنك تواصل.

فقال: "إني لست مثلكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" .

أي من طعام الجنة، أو إني على ثقة بأني لو احتجت أطعمني من الجنة، أو إني أعطيت قوة من طعم وشرب.

والتحقيق أن استغراقه في مطالعة جلال الله يشغله عن الالتفات إلى ما سواه، فإذا تناول شيئاً قليلاً ولو قطرة من الماء فبعد ذلك كان بالخيار في الاستيفاء إلا أن يخاف التقصير في الصوم المستأنف أو في سائر العبادات فيلزم حينئذ أن يتناول بمقدار الحاجة، وقد يتشبث الحنفي بالآية على جواز النية في نهار صوم رمضان لأن مدة الإمساك هو النهار فقط فيجب قصد الإمساك فيه فقط، ومقتضى هذا الدليل صحة الفرض بنيته بعد الزوال إلا أنا نقول: الأقل ملحق بالأغلب، فأبطلنا الصوم بنيته بعد الزوال وصححناه بنيته قبله.

حجة الشافعي قوله  "من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له" ويروى "من لم ينو" وإنما جوز في النفل أن ينوي قبل الزوال لأنه  كان يدخل على بعض أزواجه فيقول: هل من غداء؟

فإن قالوا لا قال: إني صائم، وأيضاً الحنفي: يجب إتمام الصوم النفل لقوله ﴿ ثم أتموا ﴾ والأمر للوجوب.

وقال الشافعي: قد ورد هذا عقيب الفرض فيتخصص به وأعلم أنه  خصص بالذكر من المفطرات الرفث والأكل والشرب لأن النفس تميل إليها.

وهاهنا مفطرات أخر استنبطت من الآية أو استفيدت من السنة فمنها الاستمناء لأن الإيلاج من غير إنزال مبطل.

فالإنزال بنوع شهوة أولى، وكذا الإنزال باللمس أو القبلة دون الفكر أو النظر بشهوة لأن هذا يشبه الاحتلام، وعند مالك الإنزال بالنظر مفطر، وعند أحمد إن كرر النظر حتى أنزل أفطر.

ومنها الاستقاء لقوله  "من ذرعه القيء وهو صائم فلا قضاء عليه ومن استقاء فليقض" ومنها دخول الشيء جوفه من منفذ مفتوح سواء كان فيه قوة محيلة تحيل الواصل إليه من غذاء أو دواء أولا، فالحلق جوف وكذا باطن الدماغ والبطن والأمعاء والمثانة لما روي عن ابن عباس أن الفطر مما دخل والوضوء مما خرج، فالحقنة مبطلة للصوم وكذا السعوط إذا وصل إلى الدماغ.

ولا بأس بالاكتحال، وليست العين من الأجواف فإنه  اكتحل في رمضان وهو صائم.

وعن مالك وأحمد إنه إذا وجد في الحلق طعماً أفطر.

والتقطير في الأذن إذا وصل إلى الباطن كالسعوط وكذا في الإحليل وإن لم يصل عليه إلى المثانة.

ولا بأس بالفصد والحجامة لكن يكره خيفة الضعف.

احتجم  وهو صائم محرم في حجة الوداع.

وقال أحمد: يفسد الصوم بالحجامة.

ولو دهن رأسه أو بطنه فوصل إلى جوفه بتشرب المسام لم يضر كالاغتسال والانغماس عند الشافعي، ولا بد أن يكون الواصل عن قصد منه فلو طارت ذبابة إلى حلقه أو وصل غبار الطريق أو غربلة الدقيق إلى جوفه لم يفطر.

ولو فتح فاه عمداً لما في الحفظ من العسر.

ولو ضبطت المرأة ووطئت أو وجيء بالسكين أو أوجر بغير اختياره فلا إفطار.

وكذا لو كان مغمى عليه فأوجر معالجة ولو أكره حتى أكل بنفسه أفطر لأنه أتى بضد الصوم، ولا أثر لدفع الضرر كما لو أكل أو شرب لدفع الجوع أو العطش.

وعند أحمد لا يفطر.

وابتلاع الريق الصرف الطاهر من الفم لا يفطر، والنخامة إن لم تحصل في حد الظاهر من الفم لم تضر وإن حصلت فيه بانصبابها من الدماغ إلى الثقبة النافذة منه إلى أقصى الفم فوق الحلقوم، فإن قدر على مجه ولم يمج حتى جرى بنفسه بطل صومه لتقصيره وإلا فلا، وإذا تمضمض فسبق الماء إلى جوفه أو استنشق فوصل الماء إلى دماغه لم يفطر على الأصح إن لم يبالغ وبه قال أحمد.

وعند أبي حنيفة ومالك يفطر وإن بالغ أفطر وفاقاً.

"قال  للقيط بن صبرة: بالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً" ولو بقي طعام في خلل أسنانه فابتلعه عمداً أفطر خلافاً لأبي حنيفة فيما إذا كان يسيراً، وربما قدره بالحمصة.

وإن جرى به الريق من غير قصد منه لم يفطر على الأصح.

ولا بد أيضاً في وصول العين من ذكر الصوم، فإذا أكل ناسياً، فإن قل لم يفطر لقوله  "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه" وخالف مالك.

وإن كثر أفطر.

ولو جامع ناسياً للصوم فالأصح أنه لا يبطل كما في الأكل.

ولو أكل على ظن أن الصبح لم يطلع بعد، أو أن الشمس قد غربت وكان غالطاً لم يجزئه صومه على الأشهر لأنه تحقق خلاف ما ظنه واليقين مقدم على الظن.

ثم إن كان الصوم واجباً قضى، وإن كان تطوعاً فلا قضاء.

والأحوط في آخر النهار أن لا يأكل إلا بعد تيقن غروب الشمس لأن الأصل بقاء النهار ولو اجتهد وغلب على ظنه دخول الليل بورد أو غيره، فالأصح جواز الأكل، وقد أفطر الناس في زمان عمر ثم انكشف السحاب وظهرت الشمس.

وأما في أول النهار فيجوز الأكل بالظن والاجتهاد إلى طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل، فإن قيل: إن أول الفجر كيف يدرك ويحس ومتى عرف المترصد الطلوع كان الطلوع الحقيقي مقدماً عليه؟

فيجاب إما بأن المسألة موضوعة على التقدير كدأب الفقهاء في أمثالها وإما بأنا نتعبد بما يطلع عليه.

ولا معنى للصبح إلا بظهور الضوء للناظر وما قبله لا حكم له كالزوال عند زيادة الظل، وإذا كان الشخص عارفاً بالأوقات ومنازل القمر، وكان بحيث لا حائل بينه وبين مطلع الفجر وترصد فمتى أدرك فهو أول الصبح المعتبر، وحينئذ يحرم المفطرات وعن الأعمش أنه يحل الأكل والشرب والوقاع إلى طلوع الشمس قياساً لأول النهار على آخره.

وجعل الخيط الأبيض وقت الطلوع والخيط الأسود ما اتصل به من آخر الليل.

ومن الناس من قال: لا يجوز الإفطار إلا عند غروب الحمرة، كما أنه لا يجوز الأكل إلا إلى طلوع الفجر.

وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها.

يحكى عن الأعمش أنه دخل عليه أبو حنيفة يعوده فقال له الأعمش: إنك لثقيل على قلبي وأنت في بيتك فكيف إذا زرتني؟

فسكت عنه أبو حنيفة، فلما خرج قيل له: لم سكت عنه؟

قال: ماذا أقول في رجل ما صام ولا صلى في دهره عنى أنه كان يأكل بعد الفجر الثاني قبل طلوع الشمس فلا صوم له، وكان لا يغتسل من الإكسال فلا صلاة له.

واعلم أن في الآية ترتيباً عجيباً ونسقاً أنيقاً وذلك أن الرفث لما كان من أشنع الأمور التي يجب الإمساك عنها في رمضان حتى قال بعض الناس إنه كان حراماً في رمضان ليلاً ونهاراً وفيه قد وقعت الخيانة كما مر في الإخبار.

قدم إباحته أولاً ثم بين السبب في إباحته، ثم وبخ المختانون في شأنه وعقب التوبيخ بالعفو وقبول التوبة، ثم أعيد ذكر إباحته ليترتب عليه الغرض الأصلي من الرفث وهو طلب النسل، وليعطف عليه إباحة الأكل والشرب جميع ذلك إلى آخر جزء من أجزاء الليل، ثم لما بين مدة الإفطار وما أبيح فيها بين مدة الصوم الذي هو المقصود الأصلي تلك المدة هي ما بقي من مدة الإفطار إلى تمام أربع وعشرين ساعة هي مجموع اليوم بليلته، أعني من أول الفجر الصادق إلى غروب الشمس، ثم لما كان زمان الاعتكاف مستثنى من ذلك لأنه فهم من الآية أن الإمساك عن الرفث كان مختصاً بنهار رمضان لا بليلته ولا بسائر أيام السنة ولياليها عقب إباحة الرفث فيما سوى نهار رمضان بخطره في حال الاعتكاف فقيل ﴿ ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد ﴾ قال الشافعي: الاعتكاف حبس المرء نفسه على شيء براً كان أو إثماً.

قال تعالى ﴿ يعكفون على أصنام لهم  ﴾ والاعتكاف الشرعي: المكث في بيت الله تعالى تقربا إليه.

وهو من الشرائع القديمة.

قال  ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين  ﴾ وللأئمة خلاف في المراد من المباشرة ههنا.

فعن الشافعي: في أصح قوليه ووافقه أبو حنيفة وأحمد: إنها الجماع والمقدمات المفضية إلى الإنزال.

لأن الأصل في لفظ المباشرة ملاقاة البشرتين.

فالمنع من هذه الحقيقة ما دام في المعتكف وحين يخرج لحاجة ولم تتم مدة الاعتكاف منع عن القبلة والعناق وكل ما فيه تلاصق البشرتين.

خالفنا الدليل فيما إذا لم ينزل من هذه الأمور لتبين عدم الشهوة فيها، وقد علم أن اللمس بغير شهوة جائزة لأنه  كان يدني رأسه من عائشة لترجل رأسه وهو  معتكف، فيبقى ما فيه الشهوة على أصل المنع.

احتج من قال إنها لا تبطل الاعتكاف بأن هذه الأمور لا تبطل الصوم والحج فلا تفسد الاعتكاف، لأنه ليس أعلى درجة منهما.

وأجيب بأن النص مقدم على القياس.

واتفقوا على أن شرط الاعتكاف الجلوس في المسجد لأنه مميز عن سائر البقاع من حيث إنه بنى لإقامة الطاعات.

ثم اختلفوا فعن علي  أنه لا يجوز إلا في المسجد الحرام لقوله  ﴿ أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين  ﴾ أي لجميع العاكفين.

وعن عطاء فيه وفي مسجد المدينة لقوله  "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام" وعن حذيفة فيهما وفي مسجد بيت المقدس لقوله  "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا" الزهري: لا يصح إلا في الجامع.

أبو حنيفة: لا يصح إلا في مسجد له إمام راتب ومؤذن راتب.

الشافعي: يجوز في جميع المساجد لإطلاق قوله ﴿ في المساجد ﴾ إلا أن الجامع أولى حتى لا يحتاج إلى الخروج لصلاة الجمعة.

ولا خلاف أن الاعتكاف مع الصوم أفضل وهل يجوز بغير صوم؟

الشافعي: نعم لأنه بغير الصوم عاكف وأنه  منع العاكف من المباشرة ولو كان اعتكافه باطلاً لما كان ممنوعاً.

وأيضاً لو كان الاعتكاف موجباً للصوم لم يصح الاعتكاف في رمضان لأن ذمته مشغولة بالصوم الواجب لشهود الشهر فلا يمكنه الاشتغال بالصوم الذي يوجبه الاعتكاف، لكنهم أجمعوا على صحة الاعتكاف في رمضان.

وأيضاً لو تلازما لخرج المعتكف عن اعتكافه بالليل كما يخرج عن الصوم لكنه لا يخرج.

وأيضاً "روي أن عمر  قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة، فقال  :أوف بنذرك" .

ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليلة.

أبو حنيفة: لا يجوز لأنه يجب الصيام في الاعتكاف بالنذر فيجب بغير نذر أيضاً كعكسه في الصلاة حال الاعتكاف، وهو أن الصلاة لما لم تجب في النذر بالإجماع لم تجب في غير النذر، أيضاً وفرق بأن الصوم والاعتكاف متقاربان، فكل منهما كف وإمساك، والصلاة أفعال مباشرة لا مناسبة بينها وبين الاعتكاف فلا يجعل أحدهما وصفاً للآخر، ولهذا قلنا: إنه لو نذر أن يعتكف صائماً أو يصوم معتكفاً لزمه كلاهما، والجمع بينهما.

ولو نذر أن يعتكف مصلياً أو يصلي معتكفاً لزمه كلاهما دون الجمع بينهما.

ويتفرع على المذهبين أنه يجوز أن ينذر اعتكاف ساعة عند الشافعي، وأما عند أبي حنيفة فلا يجوز أقل من يوم بشرط أن يدخل قبل طلوع الفجر ويخرج بعد غروب الشمس.

قال الشافعي: وأحب أن يعتكف يوماً وإنما قال ذلك للخروج عن الخلاف.

﴿ تلك حدود الله ﴾ إشارة إلى جميع ما تقدم من أول آية الصيام إلى ههنا لا إلى عدم المباشرة في الاعتكاف وحده، لأنه حد واحد أللهم إلا أن يراد أمثال تلك الجملة.

وحد الشيء مقطعه ومنتهاه، وحد الدار ما يمنع غيرها أن يدخل فيها، والحد الكلام الجامع لمانع فحدود الله ما منع من مخالفتها بعد أن قدرها بمقادير مخصوصة وصفات مضبوطة.

وإنما قال ههنا ﴿ فلا تقربوها ﴾ وفي موضع آخر ﴿ فلا تعتدوها  ﴾ لأن العامل بشرائع الله أوامر ونواهي منصرف في حيز الحق، فإذا تعداه وقع في حيز الباطل.

فالنهي عن التعدي هو المقصود إلا أن الأحوط أن لا يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل كيلا يذهل فيقع في الباطل.

عن النعمان بن بشير: سمعت رسول الله  يقول "إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه ألا ولكل ملك حمى وحمى الله محارمه" .

وقيل: لا تقربوها أي لا تتعرضوا لها بالتغيير كقوله ﴿ ولا تقربوا مال اليتيم  ﴾ وقيل: الأحكام المذكورة بعضها أمر وأكثرها نهي، فغلب جانب التحريم أي لا تقربوا تلك الأشياء التي منعتم عنها.

وأما في الأوامر فقال ﴿ فلا تعتدوها  ﴾ أي اثبتوا عليها ولا تتخطوها، ﴿ كذلك ﴾ أي كما بين ما أمركم به وما نهاكم عنه في هذا المقام ﴿ يبين ﴾ سائر أدلته على دينه وشرعه إرادة أن يتصف الناس بالتقوى جعلنا الله  من المتقين بفضله ورحمته.

التأويل: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته" الضمير عائد إلى الحق.

على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم.

فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي.

وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ﴿ كما كتب على الذين من قبلكم ﴾ أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ﴿ لعلكم تتقون ﴾ مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال  "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" ﴿ فمن كان منكم مريضاً ﴾ أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة ﴿ أو على سفر ﴾ حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب.

﴿ وعلى الذين يطيقونه ﴾ على من كان له قوة في صدق الطلب ﴿ طعام مسكين ﴾ فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى "أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني" ﴿ فمن تطوع خيراً ﴾ فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر.

وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ﴿ وأن تصوموا خير لكم ﴾ فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ﴿ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ﴾ فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ﴿ وبينات من الهدى والفرقان ﴾ فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه ﴾ قال أبو يزيد: ناداني ربي وقال: أنا بدك اللازم فالزم بدك.

رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم.

رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ وهو مقام الوصول ﴿ ولا يريد بكم العسر ﴾ وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء.

وأيضاً "كل ميسر لما خلق له" لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر (شعر): لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه *** من فيض جودك ما علمتني الطلبا ﴿ ولتكملوا ﴾ عدة أنواع الغاية بجذبات ﴿ يريد الله بكم اليسر ﴾ ﴿ ولتكبروا الله ﴾ ولتعظموه ﴿ على ما هداكم ﴾ إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال.

قوله  ﴿ أحل لكم ليلة الصيام ﴾ اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال.

فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله  بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله  بقوله ﴿ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً  ﴾ الآيتين.

ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء ﴿ هن لباس لكم ﴾ أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي ﴿ وأنتم لباس لهن ﴾ تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل "نعم المال الصالح للرجل الصالح" ﴿ فالآن باشروهن ﴾ بقدر الحاجة الضرورية ﴿ وابتغوا ﴾ بقوة هذه المباشرة ﴿ ما كتب الله لكم ﴾ من المقامات العلية ﴿ وكلوا واشربوا ﴾ في ليالي الصحو ﴿ حتى يتبين لكم ﴾ آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل: كأن شيئاً لم يزل إذا أتى *** كان شيئاً لم يكن إذا مضى ﴿ في المساجد ﴾ أي في مقامات القربة والأنس.

وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين ﴿ فلا تقربوها ﴾ بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ .

هو على الإضمار - والله أعلم - كأنه قال: وإذا سألك عبادي: "أين أنا عن إجابتهم"، فقل لهم: إني قريب الإحسان، والبر، والكرامة لمن أطاعني.

ويحتمل: ﴿ فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ .

قرب العلم والإجابة، لا قرب المكان والذات كقرب بعضهم من بعض في المكان؛ لأنه كان ولا مكان، ويكون على ما كان، وكذلك قوله: ﴿ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أَدْنَىٰ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُواْ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُواْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ  ﴾ وكقوله: ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ  ﴾ ، ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـٰكِن لاَّ تُبْصِرُونَ  ﴾ ، كل ذلك يرجع إلى قرب العلم والإحاطة وارتفاع الجهات، لا قرب الذات على ما ذكرنا.

وإن كانت القصة على ما قاله بعض أهل التفسير: بأن اليهود قالوا: كيف يسمع ربك دعاءنا، وأنت تزعم أن بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام، وأن غلظ كل سماء مسيرة خمسمائة عام؟!

فنزل قوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾ ، هذا لما لم يعرفوا الصانع؛ ألا تراهم جعلوا له الولد، وجعلوا له شركاء، فخرج سؤالهم، إن كان، مخرج سؤال المتعنت، لا سؤال المسترشد.

وقوله: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾ .

أي: أقبل توحيد الموحد.

وكذلك قال ابن عباس، رضي الله  عنه، في قوله: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُـمُ ٱدْعُونِيۤ أَسْتَجِبْ لَكُمْ  ﴾ ، أي: وحدوني أغفر لكم.

وقيل: ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ ﴾ ، على حقيقة الإجابة.

وقوله: ﴿ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي ﴾ .

أي: إلى ما دعوتهم.

يحتمل: على ما ذكرنا في قوله: ﴿ أُجِيبُ ﴾ لكم، إذا استجبتم لي بالطاعة والائتمار.

ويحتمل: ﴿ أُجِيبُ ﴾ لكم، إذا أخلصتم الدعاء لي.

ويحتمل: على ابتداء الأمر بالتوحيد، كأنه قال: وحدوني.

ألا ترى أنه قال: ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ إذا فعلوا ذلك.

وقوله: ﴿ أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ﴾ .

سماه ﴿ لَيْلَةَ ٱلصِّيَامِ ﴾ .

الليل مضاف إلى يومه، كأنه قال: ليلة يوم الصوم، وإن لم يكن فيها صوم في الحقيقة؛ لانتظار الصيام فيها بالنهار، على ما جاء عن رسول الله  إذ قال: "منتظر الصلاة ما دام ينتظرها في الصلاة" ، وكذلك قوله: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ﴾ ، أضاف الصوم إلى الشهر يدخل فيه الليل والنهار؛ لأن اسم الشهر يجمع الليل والنهار جميعاً.

وقوله: ﴿ ٱلرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَآئِكُمْ ﴾ .

قيل: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، الجماع.

وهو قول ابن عباس، رضي الله  عنه.

وقيل: ﴿ ٱلرَّفَثُ ﴾ ، هو حاجات الرجال إلى النساء من نحو الجماع، والمس، والتقبيل وغيره.

وقوله: ﴿ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ ﴾ .

قيل: هن ستر لكم عما لا يحل، وأنتم ستر لهن أيضاً.

يعف الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل.

وقيل: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن.

يسكن الزوج بالزوجة، والزوجة بالزوج.

وهو كقوله: ﴿ وَجَعَلْنَا ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ ، [النبأ: 10] أي: سكناً، ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱللَّيْلَ لِتَسْكُنُواْ فِيهِ  ﴾ .

ويحتمل: أن يكون أحدهما لباس الآخر بالليالي.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ ﴾ .

﴿ تَخْتانُونَ ﴾ وتخونون واحد.

قيل: نزلت الآية في شأن عمر، رضي الله  عنه، وذلك أن الناس إذا صاموا، ثم نام أحد منهم، حرم عليهم الطعام والجماع حتى يفطر من الغد، فواقع عمر، رضي الله  عنه، امرأته يوماً بعد ما نام أو نامت.

فغدا إلى رسول الله  فأخبره بذلك، فنزل قوله: ﴿ عَلِمَ ٱللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ، أي: تظلمون؛ لأن كل خائن ظالم نفسه، فتاب الله عليه وعفا عنه، ثم رخص لهم المباشرة بقوله: ﴿ فَٱلآنَ بَٰشِرُوهُنَّ ﴾ على الرخصة، هو على الإباحة، لا على الأمر به.

وقوله: ﴿ وَٱبْتَغُواْ ﴾ .

أي: اتبعوا.

﴿ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ .

قيل: فيه بوجوه: قيل: ﴿ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، من الولد.

وقيل: ﴿ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، من ليلة القدر، وما فيه من نزول الرحمة.

وقيل: ﴿ وَٱبْتَغُواْ مَا كَتَبَ ٱللَّهُ لَكُمْ ﴾ ، من الرخصة، والإباحة في الجماع في ليلة الصيام، والأكل بعد النوم وهو كما جاء: "من لم يقبل رخصنا كما يقبل عزائمنا، فلس منَّا" وقوله: ﴿ وَكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ ٱلْخَيْطُ ٱلأَبْيَضُ مِنَ ٱلْخَيْطِ ٱلأَسْوَدِ مِنَ ٱلْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ ٱلصِّيَامَ إِلَى ٱلَّليْلِ ﴾ .

ذكر عن عدي بن حاتم، أنه قال: "كنت أضع خيطين تحت وسادتي بعد نزول هذه الآية: أحدهما أبيض، والآخر أسود، فكنت أنظر فيه متى ما تبين لي إلى أن أتيت رسول الله  ، فأخبرته، فقال: إن وسادك لعريض" ، يعني أن الفجر هو المتعرض في الأفق.

وروي عن رسول الله  ، أنه قال: "لا يغرنكم الفجر المستطيل، إنما الفجر المستطير في الأفق" وروي أنه قال: "الفجر فجران: فجر مستطيل في السماء، وفجر مستطير في الأفق، هو الذي يحرم الطعام على الصائم ويحل الصلاة" وروي أنه قال: "لا يغرنكم أذان بلال، فإنه إنما يؤذن بالليل ليوقظ نائمكم ويرجع قائمكم" وفي بعض الأخبار قال: "لا يغرنكم أذان بلال على سحوركم، فإنه إنما يؤذن بليل" ، أو كلام نحو هذا.

والأصل في هذا: أن الله عز وجل جعل حد الصيام من وقت تبين النهار إلى وقت غيبوبة الشمس وأباح من وقت غيبوبة الشمس إلى وقت تبين النهار، الطعام، والشراب، والجماع تخفيفاً منه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ ﴾ .

وقد اختلف أهل التأويل في معنى المباشرة.

قيل: (المباشرة) عنى الله به: الجماع وما دون الجماع، فإنما نهوا عنها.

وقيل: (المباشرة) كناية عن الجماع.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ ﴾ ، فيه أدلة من أوجه الآية، كأنها نزلت في نازلة بلوا بها، لا أن كانوا يباشرون نساءهم في المساجد؛ لأن المساجد كانت أجل عندهم من أن يجعلوها مكاناً لوطء النساء.

ولكنه - والله أعلم - أن الاعتكاف: هو اللبث في مكان، يأخذ الحق في نفسه عند عكوفه في المسجد وخروجه منه، فذكر أن العكوف نفسه يحرم الجماع في الأحوال كلها، ليس كالصوم الذي يحرم حالاً دون حال في الوقت الذي لم يكونوا فيها، ليعلموا أن حكم المقام في المساجد أخذ لهم وليسوا هم فيها.

ولم لم يكن شرطاً في ذلك لكان قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ ﴾ كافيا إذ لم يكونوا في المساجد وقت لحوق النهي للمباشرة.

والله أعلم.

وفيه دليل أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد، حيث خص المساجد دون غيرها من الأمكنة.

وفيه دليل أن المعتكف قد يخرج من معتكفه، لكنه لا يخرج إلا لما لا بد منه على ما جاء عن رسول الله  : "أنه كان لا يخرج إلا لحاجة الإنسان".

وحاجة الإنسان يحتمل وجهين.

يحتمل: لما يرفع إليه من الحوائج.

ويحتمل: حاجة الإنسان: الحاجة المعروفة التي لا يحتمل قضاؤها في المسجد.

ثم الضرورة تقع بالخروج في العكوف بوجهين: مرة في نفسه، ومرة في أفعال يكتسبها.

وبهذا يقول أصحابنا، رحمهم الله  ، في فريضة الخروج إلى الجمع؛ لأن من اعتكف على ألا يشهد الجمعة لا يؤذن له في ذلك، لما لا جائز أن يؤذن بإيجاب قربة هي ليست عليه بتضييع أخرى هي عليه؛ إذ ذلك فرض كفاية يسقط بأداء البعض، لذلك كان ما ذكرنا.

فإن قيل: روي أنه كان [يخرج] لاتباع الجنازة وعيادة المريض.

قيل: إن ثبت هذا فهو إذ خرج لوجه أذن [له] بالخروج لذلك الوجه فخرج ثم عاد مريضاً، أو شهد جنازة، وذلك جائز، ولو كان يؤذن لذلك لكان يؤذن لكل قربة؛ إذ الجنازة إذا شيعها الكافي سقط فرض التشييع، فإذا لم يؤذن في غير هذا، وهذا مثل ذلك، أو دونه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي ذلك دليل أن الخبر على ما بينت، والله أعلم.

وروي عن عائشة، رضي الله  عنها، أنها قالت: "إن من السنة ألا يخرج المعتكف من معتكفه".

دل هذا من عائشة، رضي الله  عنها، أن خبر علي بن أبي طالب، رضي الله  عنه، على ما ذكرنا، إن ثبت.

وفي قوله: ﴿ وَلاَ تُبَٰشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَٰكِفُونَ فِي ٱلْمَسَٰجِدِ ﴾ دليل أن الاعتكاف يكون في جميع المساجد؛ لأنه عم المساجد.

وما روي: أن "لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام" إن ثبت، فهو على التناسخ؛ لأن النبي  اعتكف في مسجد المدينة، فدل فعله أنه منسوخ.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ءَايَٰتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ .

قيل: ﴿ تِلْكَ ﴾ المباشرة معصية، ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ في الاعتكاف، فحد الأمر ألا تقربوها.

وقيل: إنه جعل لكل طاعة وأمر ونهى حدّاً وغاية، فلا يجاوز ولا يقصر عنه.

وقيل: ﴿ تِلْكَ ﴾ فرائض الله.

وقيل: ﴿ تِلْكَ ﴾ سنن الله.

وكان الأول أقرب والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وإذا سألك -أيها النبي- عبادي عن قربي وإجابتي لدعائهم؛ فإني قريب منهم، عالم بأحوالهم، سامع لدعائهم، فلا يحتاجون إلى وسطاء، ولا إلى رفع أصواتهم، أُجيب دعوة الداعي إذا دعاني مخلصًا في دعائه، فلينقادوا لي ولأوامري، وليثبتوا على إيمانهم؛ فإن ذلك أنفع وسيلة لإجابتي، لعلهم يسلكون بذلك سبيل الرشد في شؤونهم الدينية والدنيوية.

من فوائد الآيات فَضَّلَ الله شهر رمضان بجعله شهر الصوم بإنزال القرآن فيه، فهو شهر القرآن؛ ولهذا كان النبي  يتدارس القرآن مع جبريل في رمضان، ويجتهد فيه ما لا يجتهد في غيره.

شريعة الإسلام قامت في أصولها وفروعها على التيسير ورفع الحرج، فما جعل الله علينا في الدين من حرج.

قُرْب الله تعالى من عباده، وإحاطته بهم، وعلمه التام بأحوالهم؛ ولهذا فهو يسمع دعاءهم ويجيب سؤالهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.3ZVgX"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

روى ابن جرير وابن أبي حاتم وغيرهما في سبب نزول هذه الآية أن أعرابيًا جاء إلى النبي  فقال: أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟

فسكت عنه فأنزل الله الآية.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن قال : سأل أصحاب رسول الله  النبي  أين ربنا؟

فنزلت.

ورووا في سببه غير ذلك مما هو أضعف سندًا، وأقل ناصرًا وعددًا.

وفيما يتعلق بالسبب الأول فإن هذا السؤال ليس ببعيد من العرب أو الأعراب الذين اعتادوا أن يتخذوا وسائل بينهم وبين إلههم يقربونهم إلى الله خالق السموات والأرض، وهؤلاء الوسائل والوسائط إما أشخاص وإما أمثلة أشخاص كالتماثيل والأصنام، ولم يهتدوا بأنفسهم إلى التجدد لمعرفة ذلك الإله الواحد العظيم بأنه لا يتقيد بشيء حتى هداهم إليه القرآن بآياته البينات فكانوا أهل التوحيد الخالص.

ولكن الآية جاءت بين آيات الصيام، فهي ليست بأجنبية منها، وإنما هي متصلة بما قبلها من الأحكام، فقد طالبنا في الآية السابقة بإكمال عدة الصيام وبتكبير الله تعالى، وذكر أن ذلك يعدنا لشكره تعالى، والتكبير والشكر يكونان بالقول، نحو: الحمد لله والله أكبر، كما يكونان بالعمل، وما كان بالقول يأتي فيه السؤال : هل يكون برفع الصوت والمناداة، أم بالمخافتة والمناجاة؟

فجاءت هذه الآية جوابًا عن هذا السؤال الذي يُتوقع إن لم يقع، فهي في محلها سواء صح ما رووه في سببها أم لا.

ويروى في سبب نزولها سبب آخر وهو أن النبي  سمع المسلمين يدعون الله تعالى بصوت رفيع في غزوة خيبر فقال لهم :"أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا"، وعلى كل حال تفيدنا الآية حكمًا شرعيًا وهو أنه لا ينبغي رفع الصوت في عبادة من العبادات إلا بالمقدار الذي حدده الشرع في الصلاة الجهرية وهو أن يسمع من بالقرب منه، ومن بالغ في رفع صوته ربما بطلت صلاته، ومن تعمد المبالغة في دعائه أو الصلاة على نبيه كان إلى عبادة الشيطان، أقرب منه إلى عبادة الرحمن.

قال تعالى ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ  ﴾ هذا التفات عن خطاب المؤمنين كافة بأحكام الصيام، إلى خطاب الرسول  ، بأن يذكرهم ويعلمهم ما يراعونه في هذه العبادة وغيرها من الطاعة والإخلاص والتوجه إليه وحده بالدعاء، الذي يعدهم للهدى والرشاد، وجعلت بأسلوب الفتوى على تقدير السؤال لتنبيه الأذهان، والمراد أن يؤمنوا بأن الله تعالى قريب منهم ليس بينه وبينهم حجاب ولا ولي ولا شفيع يبلغه دعاءهم وعبادتهم، أو يشاركه في إجابتهم أو إثابتهم، ليتوجهوا إليه وحده حنفاء مخلصين له الدين.

وقال البيضاوي في وجه الاتصال :"واعلم أنه تعالى لما أمرهم بصوم الشهر ومراعاة العدة وحثهم على القيام بوظائف التكبير والشكر عقبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم، سميع لأقوالهم، مجيب لدعائهم، مجاز على أعمالهم، تأكيدًا له وحثًا عليه".

ونحن نعلم أن الأحكام العملية إنما تشرع لتقوية الإيمان وإصلاح النفس، ولذلك كان من سنة القرآن الحكيم أن يبين مع كل حكم حكمة تشريعه وفائدته في تقوية الإيمان، ويمزج الكلام فيه بما يُذكِّر بعظمة الله تعالى، ويعين على مراقبته والتوجه إليه ويثبت الإيمان به كهذه الآية.

ويا ليت فقهاءنا اقتدوا بهدى القرآن فلم يجعلوا كتب الأحكام جافة قاصرة على ذكر الأعمال البدنية كأن الدين دين مادي جسماني لا غرض للقلوب والأرواح فيه.

وأما معنى قرب الله تعالى فقد قالوا : إنه القرب بالعلم بمعنى أن علمه محيط بكل شيء فهو يسمع أقوال العباد ويرى أعمالهم.

وعبارة البيضاوي :"وهو تمثيل لكمال علمه تعالى بأفعال العباد وأقوالهم وإطلاعه على أحوالهم بحال من قرب مكانه منهم" وإنما جعلوا الكلام تمثيلًا لأن القرب والبعد الحقيقي إنما يكونان باعتبار المكان وهو منزه عن الانحصار في المكان.

ويصح أن يكون من قرب الوجود فإن الذي لا يتحيز ولا يتحدد تكون نسب الأمكنة وما فيها إليه واحدة، فهو تعالى قريب بذاته من كل شيء، إذ منه كل شيء إيجادًا وإمدادًا وإليه المصير.

﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي  ﴾ منهم بنفسي من غير واسطة ﴿ إِذَا دَعَانِ  ﴾ وتوجه إلي وحدي في طلب حاجته.

أي يجب أن يدعى وحده بدون واسطة لأنه هو الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه بدون واسطة، وهو الذي يجيب دعوته وحده بدون واسطة تعينه أو تساعده أو تنوب عنه في الإجابة وقضاء الحاجة أو تؤثر في إرادته.

وقد فسروا الدعوة بطلب الحاجات وقالوا إن ظاهر الآية أن الإجابة وصف لازم لله تعالى وأنه يجيب كل داع، وليس الأمر كذلك كما هو ثابت بالمشاهدة، وأجابوا بأن المراد أن من شأنه الإجابة فهو يجيب إن شاء كما قال في آية أخرى ﴿ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ  ﴾ فهو على حد قولك فلان يعطي الكثير فاطلب منه، أي أن من شأنه ذلك ولا يلزم منه أن يعطي كل طالب عين ما طلبه.

وأجاب بعضهم بأن الإجابة أعم من إعطاء السؤال، وقد ورد في الحديث الصحيح أن الإجابة تكون بإحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء مثلها.

ولا حاجة إلى التأويل إذ لا محل للإشكال فإن الآية سيقت لبيان أن الله تعالى قريب من عباده المتوجهين إليه فلا حاجة بهم إلى الصياح بتكبيره ودعائه، ولا إلى أن يتخذوا وسطاء بينهم وبينه في التوجه إليه وسؤال رحمته وفضله، بل يجب أن يصمدوا إليه وحده فإنه هو الذي يجيب دعاءهم وحده.

وانظر كيف لم يقل إنه يجيب دعوة الداعي حتى قيدها بقوله إن الداعي شخص يطلب شيئًا، وهو يصدق على أكثر الناس الذين يطلبون كل يوم أشياء كثيرة وليس كل واحد منهم متحققًا بدعاء الله تعالى وحده كما يحب أن يدعي، فهو يقول أجيب دعوة الداعي إذا خصني بالدعاء والتجأ إلي التجاء حقيقيًا بحيث ذهب عن نفسه إلي، وشعر قلبه بأنه لا ملجأ له إلا إلي، ومثل هذا لا يطمع في غير مطمع، ولا يطلب ما لا يصح أن يطلب، وإنما يمتثل أمر الله تعالى باتخاذ جميع الوسائل من طرقها الصحيحة المعروفة وهي لا تتحقق إلا بالعلم والعزيمة والعمل، فإن تم للعبد ما يريد بذلك فقد أعطاه الله تعالى من خزائنه التي يفيض منها على جميع متبعي سننه في الخلق، وإن بذل جهده ولم يظفر بسؤاله فما عليه إلا أن يلجأ إلى مسبب الأسباب وهادي القلوب إلى ما غاب عنها وخفي عليها، ويطلب المعونة والتوفيق ممن بيده ملكوت كل شيء، وقد قال بعض السلف إن مثل هذا يجاب لا محالة.

وقالت الصوفية الدعاء المجاب هو الدعاء بلسان الاستعداد، وقد استعاذ النبي  من الطمع في غير مطمع فمن يترك السعي والكسب ويقول: يا رب ألف جنيه، فهو غير داع، وإنما هو جاهل، ومثل ذلك المريض لا يراعي الحمية ولا يتخذ الدواء، ويقول: رب اشفني وعافني، كأنه يقول اللهم أبطل سننك التي قلت إنها لا تبدل ولا تحول لأجلي وكم استجاب الله لنا من دعاء، وكشف عنا من بلاء، ورزقنا من حيث لا نحتسب ولا نتخذ الأسباب، ولكن بتسخيره هو للأسباب.

فإذا سأل سائل إذا كان الرزق مقدرًا فعلام السؤال؟

فالجواب: إذا كانت إجابتي أو عدمها مقدرًا فلم السؤال؟!!

هذا لا يقال، وإنما ينبغي أن يقال: ما الحكمة في طلب الدعاء منا في هذه الآية وغيرها من الآيات والأحاديث كحديث "الدعاء مخ العبادة"، والله تعالى يعلم ما في أنفسنا وما تنطوي عليه سرائرنا؟

قالت الصوفية: إن المراد بالدعاء فزع القلب إلى الله وشعوره بالحاجة إلى معونته والتجاؤه إليه، ويحتجون بما روي في قصة إبراهيم  من أن جبريل سأله قبل أن يلقي في النار ألك حاجة؟

قال أما إليك فلا، قال فادع الله، قال حسبي من سؤالي علمه بحالي.

﴿ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي  ﴾ .

قال المفسرون في الأمر بالإيمان هنا إنه أمر بالمداومة عليه لأن الخطاب للمؤمنين، والذي أراه أن الخطاب عام، وأن حظ من استجاب لله وللرسول منه أن يحاسب نفسه ويطالبها بأن تكون أعماله الظاهرة التي عد بها مسلمًا صادرة عن الإيمان اليقيني والاحتساب والإخلاص لله تعالى، ففي ذكر الإيمان بعد الاستجابة إشارة إلى أن من الناس من يستجيب إلى الأعمال ويقوم بها وهو خلو من روح الإيمان ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ  ﴾ ، ﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ  ﴾ أي بالجمع بين الإيمان والإذعان للأمر والنهي، والرشد والرشاد، ضد الغي والفساد، فعلمنا أن الأعمال إذا لم تكن صادرة بروح الإيمان لا يرجي أن يكون صاحبها راشدًا مهديًا، فمن يصوم اتباعًا للعادة وموافقة للمعاشرين فإن الصيام لا يعده للتقوى ولا للرشاد، وربما زاده فسادًا في الأخلاق وضراوة بالشهوات، لذلك يذكرنا تعال في أثناء سرد الأحكام بأن الإيمان هو المقصود الأول في إصلاح النفوس وإنما نفع الأعمال في صدورها عنه وتمكينها إياه.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد