الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٢ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 193 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٢ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقال الحاكم في مستدركه : أخبرنا أبو زكريا العنبري ، حدثنا محمد بن عبد السلام ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا جرير ، عن الأعمش ، عن مسلم البطين ، عن سعيد بن جبير قال : جاء رجل إلى ابن عباس فقال : إني أجرت نفسي من قوم على أن يحملوني ، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم ، أفيجزي ذلك ؟
فقال : أنت من الذين قال الله [ فيهم ] : ( أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ) ثم قال الحاكم : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .
القول في تأويل قوله تعالى : أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (202) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " أولئك " الذين يقولون بعد قضاء مناسكهم: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، رغبةً منهم إلى الله جل ثناؤه فيما عنده، وعلمًا منهم بأن الخيرَ كله من عنده، وأن الفضل بيده يؤتيه من يَشاء.
فأعلم جل ثناؤه أنّ لهم نصيبًا وحظًّا من حجِّهم ومناسكهم، وثوابًا جزيلا على عملهم الذي كسبوه، وبَاشروا معاناته بأموالهم وأنفسهم، &; 4-207 &; خاصًّا ذلك لهم دون الفريق الآخر، الذين عانوا ما عانوا من نَصَب أعمالهم وتعبها، وتكلَّفوا ما تكلفوا من أسفارهم، بغير رغبةٍ منهم فيما عند رَبهم من الأجر والثواب، ولكن رجاء خسيس من عَرض الدنيا، وابتغاء عَاجل حُطامها.
كما:- 3884 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، قال: فهذا عبد نوى الدنيا، لها عمل ولها نَصِب، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ، أي حظٌّ من أعمالهم.
3885 - وحدثني يونس، قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ، إنما حَجُّوا للدنيا والمسألة، لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، قال: فهؤلاء النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون=" أولئك لهم نصيبٌ مما كسبوا والله سريع الحساب "، لهؤلاء الأجرُ بما عملوا في الدنيا.
* * * وأما قوله: " والله سريع الحساب "، فإنه يعني جل ثناؤه: أنه محيط بعمل الفريقين كليهما اللذين من مسألة أحدهما: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا ، ومن مسألة الآخر: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ، فَمُحْصٍ له بأسرع الحساب، (115) ثم إنه مجازٍ كلا الفريقين على عمله.
وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يُحصى ما يُحصى من أعمال عباده بغير عَقد أصابع، ولا فكرٍ ولا رَوية، فِعلَ العَجَزة الضَّعَفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يَعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مُجازٍ عبادَه على كل ذلك.
فلذلك امتدح &; 4-208 &; نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، (116) وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمِثْلِ، فيحتاجَ في حسابه إلى عَقد كف أو وَعْي صَدر.
* * * --------------------------- الهوامش : (115) قوله : "فمحص" عطف على قوله : "أنه محيط .
.
.
" (116) في المطبوعة : "فلذلك جل ذكره امتدح بسرعة الحساب" ، والذي أثبت أشبه بالصواب إن شاء الله .
قوله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحسابفيه ثلاث مسائل :الأولى : قوله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا هذا يرجع إلى الفريق الثاني فريق الإسلام ، أي لهم ثواب الحج أو ثواب الدعاء ، فإن دعاء المؤمن عبادة ، وقيل : يرجع أولئك إلى الفريقين ، فللمؤمن ثواب عمله ودعائه ، وللكافر عقاب شركه وقصر نظره على الدنيا ، وهو مثل قوله تعالى : ولكل درجات مما عملوا .الثانية : قوله تعالى : والله سريع الحساب من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - سرعا وسرعة ، فهو سريع .
" الحساب " : مصدر كالمحاسبة ، وقد يسمى المحسوب حسابا ، والحساب العد ، يقال : حسب يحسب حسابا وحسابة وحسبانا وحسبانا وحسبا ، أي عد ، وأنشد ابن الأعرابي : [ ص: 402 ]يا جمل أسقاك بلا حسابه سقيا مليك حسن الربابهقتلتني بالدل والخلابهوالحسب : ما عد من مفاخر المرء ، ويقال : حسبه دينه ، ويقال : ماله ، ومنه الحديث : الحسب المال والكرم التقوى رواه سمرة بن جندب ، أخرجه ابن ماجه ، وهو في الشهاب أيضا ، والرجل حسيب ، وقد حسب حسابة ( بالضم ) ، مثل خطب خطابة .
والمعنى في الآية : إن الله سبحانه سريع الحساب ، لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب ، ولهذا قال وقوله الحق : وكفى بنا حاسبين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اللهم منزل الكتاب سريع الحساب الحديث ، فالله جل وعز عالم بما للعباد وعليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل ، إذ قد علم ما للمحاسب وعليه ; لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته ، وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم وقيل : المعنى لا يشغله شأن عن شأن ، فيحاسبهم في حالة واحدة ، كما قال وقوله الحق : ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة .
قال الحسن : حسابه أسرع من لمح البصر ، وفي الخبر إن الله يحاسب في قدر حلب شاة ، وقيل : هو أنه إذا حاسب واحدا فقد حاسب جميع الخلق ، وقيل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : كيف يحاسب الله العباد في يوم ؟
قال : كما يرزقهم في يوم !
، ومعنى الحساب : تعريف الله عباده مقادير الجزاء على أعمالهم ، وتذكيره إياهم بما قد نسوه ، بدليل قوله تعالى : يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ونسوه ، وقيل : معنى الآية سريع بمجيء يوم الحساب ، فالمقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة .[ ص: 403 ] قلت : والكل محتمل فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف الحساب عنه بالأعمال الصالحة ، وإنما يخف الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا .الثالثة : قال ابن عباس في قوله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا هو الرجل يأخذ مالا يحج به عن غيره ، فيكون له ثواب ، وروي عنه في هذه الآية أن رجلا قال : يا رسول الله ، مات أبي ولم يحج ، أفأحج عنه ؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ذلك يجزي .
قال نعم .
قال : فدين الله أحق أن يقضى .
قال : فهل لي من أجر ؟
فأنزل الله تعالى : أولئك لهم نصيب مما كسبوا يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه وبين الميت .
قال أبو عبد الله محمد بن خويز منداد في أحكامه : قول ابن عباس نحو قول مالك ; لأن تحصيل مذهب مالك أن المحجوج عنه يحصل له ثواب النفقة ، والحجة للحاج ، فكأنه يكون له ثواب بدنه وأعماله ، وللمحجوج عنه ثواب ماله وإنفاقه ; ولهذا قلنا : لا يختلف في هذا حكم من حج عن نفسه حجة الإسلام أو لم يحج ; لأن الأعمال التي تدخلها النيابة لا يختلف حكم المستناب فيها بين أن يكون قد أدى عن نفسه أو لم يؤد ، اعتبارا بأعمال الدين والدنيا .
ألا ترى أن الذي عليه زكاة أو كفارة أو غير ذلك يجوز أن يؤدي عن غيره وإن لم يؤد عن نفسه ، وكذلك من لم يراع مصالحه في الدنيا يصح أن ينوب عن غيره من مثلها فتتم لغيره وإن لم تتم لنفسه ، ويزوج غيره وإن لم يزوج نفسه .
ثم أخبر تعالى عن أحوال الخلق, وأن الجميع يسألونه مطالبهم, ويستدفعونه ما يضرهم, ولكن مقاصدهم تختلف، فمنهم: { مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا } أي: يسأله من مطالب الدنيا ما هو من شهواته, وليس له في الآخرة من نصيب, لرغبته عنها, وقصر همته على الدنيا، ومنهم من يدعو الله لمصلحة الدارين, ويفتقر إليه في مهمات دينه ودنياه، وكل من هؤلاء وهؤلاء, لهم نصيب من كسبهم وعملهم, وسيجازيهم تعالى على حسب أعمالهم, وهماتهم ونياتهم, جزاء دائرا بين العدل والفضل, يحمد عليه أكمل حمد وأتمه، وفي هذه الآية دليل على أن الله يجيب دعوة كل داع, مسلما أو كافرا, أو فاسقا، ولكن ليست إجابته دعاء من دعاه, دليلا على محبته له وقربه منه, إلا في مطالب الآخرة ومهمات الدين.
والحسنة المطلوبة في الدنيا يدخل فيها كل ما يحسن وقعه عند العبد, من رزق هنيء واسع حلال, وزوجة صالحة, وولد تقر به العين, وراحة, وعلم نافع, وعمل صالح, ونحو ذلك, من المطالب المحبوبة والمباحة.
وحسنة الآخرة, هي السلامة من العقوبات, في القبر, والموقف, والنار, وحصول رضا الله, والفوز بالنعيم المقيم, والقرب من الرب الرحيم، فصار هذا الدعاء, أجمع دعاء وأكمله, وأولاه بالإيثار, ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الدعاء به, والحث عليه.
قوله تعالى ( أولئك لهم نصيب ) حظ ( مما كسبوا ) من الخير والدعاء والثواب والجزاء ( والله سريع الحساب ) يعني إذا حاسب فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا وعي صدر ، ولا إلى روية ولا فكر قال الحسن : أسرع من لمح البصر ، وقيل معناه إتيان القيامة قريب لأن ما هو كائن لا محالة فهو قريب قال الله تعالى : "وما يدريك لعل الساعة قريب " ( 17 - الشورى ) .
«أولئك لهم نصيب» ثواب «مـ» من أجل «ما كسبوا» عملوا من الحج والدعاء «والله سريع الحساب» يحاسب الخلق كلهم في قدر نصف نهار من أيام الدنيا لحديث بذلك.
أولئك الداعون بهذا الدعاء لهم ثواب عظيم بسبب ما كسبوه من الأعمال الصالحة.
والله سريع الحساب، مُحْصٍ أعمال عباده، ومجازيهم بها.
ثم بين - سبحانه - جزاء هذا الفريق الثاني فقال : ( أولئك لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ والله سَرِيعُ الحساب ) .فاسم الإِشارة يعود إلى الفريق الثاني باعتبار اتصافهم بما ذكر من النعوت الجميلة وكانت الإِشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم ، وسمو درجاتهم ولم بعطف على ما قبله لأنه كالنتيجة له .وقيل : إن الإِشارة تعود إلى الفريقين .
أي : لكل من الفريقين نصيب من عمله على قدر ما نواه .
ويضعفه أن الله - تعالى - قد ذكر قبل ذلك عاقبة الفريق الأول بقوله : ( وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خَلاَقٍ ) .والمعنى : أولئك الذين جمعوا في دعائهم بين طلب حسنتي الدنيا والآخرة لهم نصيب جزيل ، وحظ عظيم من جنس ما كسبوا من الأعمال الصالحة ، أو من أجل ما كسبوا من الفعال الطيبة .فحرف الجر " من " يصح أن يكون للابتداء أو للتبعيض .وفي هذه الجملة الكريمة وعد من الله لعباده أنهم متى تضرعوا إليه بقلب سليم ، أجاب لهم دعاءهم ، وأعطاهم سؤالهم .قال القرطبي : وقوله : ( والله سَرِيعُ الحساب ) من سرع يسرع - مثل عظم يعظم - فهو سريع .
و ( الحساب ) مصدر كالمحاسبة ، وقد يسمى المحسوب حساباً .
والحساب : العد .ويقال : حسب يحسب حساباً وحسابة وحسباناً أي : عد .والمعنى في الآية : أن الله - تعالى - سريع الحساب لا يحتاج إلى عد ولا إلى عقد ولا إلى إعمال فكر كما يفعله الحساب ، ولهذا قال وقوله الحق ( وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ) .
فالله - تعالى - عالم بما للعباد وما عليهم فلا يحتاج إلى تذكر وتأمل .وقيل : سريع المجازاة للعباد بأعمالهم ، وقيل لعلي بن أبي طالب : كيف يحاسب الله العباد في يوم؟
قال : كما يرزقهم في يوم .
ومعنى الحساب : تعريف الله عبادة مقادير الجزاء على أعمالهم وتذكيره إياهم بما قد نسوه .وقيل : معنى الآية سريع بمجئ يوم الحساب ، فالمقصود بالآية الإِنذار ليوم : القيامة .
فيه مسائل: المسألة الأولى: روى ابن عباس أن العرب كانوا عند الفراغ من حجتهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل، ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم، ويتناشدون فيها الأشعار، ويتكلمون بالمنثور من الكلام، ويريد كل واحد منهم من ذلك الفعل حصول الشهرة والترفع بمآثر سلفه، فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم كذكرهم لآبائهم، وروى القفال في تفسيره عن ابن عمر قال: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته القصوى يوم الفتح يستلم الركن بمحجنه ثم حمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم حمية الجاهلية وتفككها، يا أيها الناس إنما الناس رجلان بر تقي كريم على الله أو فاجر شقي هين على الله ثم تلا ﴿ رَّحِيمٌ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى ﴾ أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم» وعن السدي أن العرب بمنى بعد فراغهم من الحج كان أحدهم يقول: اللهم إن أبي كان عظيم الجفنة، عظيم القدر، كثير المال، فأعطني مثل ما أعطيته، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
المسألة الثانية: اعلم أن القضاء إذا علق بفعل النفس، فالمراد به الإتمام والفراغ، وإذا علق على فعل الغير فالمراد به الالزام، نظير الأول قوله تعالى: ﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «وما فاتكم فاقضوا» ويقال في الحاكم عند فصل الخصومة قضى بينهما، ونظير الثاني قوله تعالى: ﴿ وقضى رَبُّكَ ﴾ وإذا استعمل في الإعلام، فالمراد أيضاً ذلك كقوله: ﴿ وَقَضَيْنَا إلى بَنِى إسراءيل فِي الكتاب ﴾ يعني أعلمناهم.
إذا ثبت هذا فنقول: قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم ﴾ لا يحتمل إلا الفراغ من جميعه خصوصاً وذكر كثير منه قد تقدم من قبل، وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد: اذكروا الله عند المناسك ويكون المراد من هذا الذكر ما أمروا به من الدعاء بعرفات والمشعر الحرام والطواف والسعي ويكون قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم فاذكروا الله ﴾ كقول القائل إذا حججت فطف وقف بعرفة ولا يعني به الفراغ من الحج بل الدخول فيه، وهذا القول ضعيف لأنا بينا أن قوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم ﴾ مشعر بالفراغ والاتمام من الكل، وهذا مفارق لقول القائل: إذا حججت فقف بعرفات، لأن مراده هناك الدخول في الحج لا الفراغ، وأما هذه الآية فلا يجوز أن يكون المراد منها إلا الفراغ من الحج.
المسألة الثالثة: المناسك جمع منسك الذي هو المصدر بمنزلة النسك، أي إذا قضيتم عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، وإن جعلنها جمع منسك الذي هو موضع العبادة، كان التقدير: فإذا قضيتم أعمال مناسككم، فيكون من باب حذف المضاف.
إذا عرفت هذا فنقول: قال بعض المفسرين: المراد من المناسك هاهنا ما أمر الله تعالى به الناس في الحج من العبادات، وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.
المسألة الرابعة: الفاء في قوله: ﴿ فاذكروا الله ﴾ يدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر، فلهذا اختلفوا في أن هذا الذكر أي ذكر هو؟
فمنهم من حمله على الذكر على الذبيحة، ومنهم من حمله على الذكر الذي هو التكبيرات بعد الصلاة في يوم النحر وأيام التشريق، على حسب اختلافهم في وقته أولاً وآخراً، لأن بعد الفراغ من الحج لا ذكر مخصوص إلا هذه التكبيرات، ومنهم من قال: بل المراد تحويل القوم عما اعتادوه بعد الحج من ذكر التفاخر بأحوال الآباء لأنه تعالى لو لم ينه عن ذلك بإنزال هذه الآية لم يكونوا ليعدلوا عن هذه الطريقة الذميمة، فكأنه تعالى قال: فإذا قضيتم وفرغتم من واجبات الحج وحللتم فتوفروا على ذكر الله دون ذكر الآباء، ومنهم من قال: بل المراد منه أن الفراغ من الحج يوجب الإقبال على الدعاء والاستغفار، وذلك لأن من تحمل مفارقة الأهل والوطن وإنفاق الأموال، والتزام المشاق في سفر الحج فحقيق به بعد الفراغ منه أن يقبل على الدعاء والتضرع وكثرة الاستغفار والإنقطاع إلى الله تعالى، وعلى هذا جرت السنة بعد الفراغ من الصلاة بالدعوات الكثيرة وفيه وجه خامس وهو أن المقصود من الاشتغال بهذه العبادة: قهر النفس ومحو آثار النفس والطبيعة ثم هذا العزم ليس مقصوداً بالذات بل المقصود منه أن تزول النقوش الباطلة عن لوح الروح حتى يتجلى فيه نور جلال الله، والتقدير: فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية، وأمطتم الأذى عن طريق السلوك فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله، فالأول نفي والثاني إثبات والأول إزالة ما دون الحق من سنن الآثار والثاني استنارة القلب بذكر الملك الجبار.
أما قوله تعالى: ﴿ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو قول جمهور المفسرين: أنا ذكرنا أن القوم كانوا بعد الفراغ من الحج يبالغون في الثناء على آبائهم في ذكر مناقبهم وفضائلهم فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءَأَبَاءَكُمْ ﴾ يعني توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء وابذلوا جهدكم في الثناء على الله وشرح آلائه ونعمائه كما بذلتم جهدكم في الثناء على آبائكم لأن هذا أولى وأقرب إلى العقل من الثناء على الآباء، فإن ذكر مفاخر الآباء إن كان كذباً فذلك يوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في الآخرة وإن كان صدقاً فذلك يوجب العجب والكبر وكثرة الغرور، وكل ذلك من أمهات المهلكات، فثبت أن اشتغالكم بذكر الله أولى من اشتغالكم بمفاخر آبائكم، فإن لم تحصل الأولوية فلا أقل من التساوي.
وثانيها: قال الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم، واكتفى بذكر الآباء عن الأمهات كقوله: ﴿ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر ﴾ قالوا وهو قول الصبي أول ما يفصح الكلام أبه أبه، أمه أمه، أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه.
وثالثها: قال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر، والمعنى أن الرجل كما لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.
ورابعها: قال ابن الأنباري في هذه الآية: إن العرب كان أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء كقوله وأبي وأبيكم وجدي وجدكم، فقال تعالى: عظموا الله كتعظيمكم آبائكم.
وخامسها: قال بعض المذكورين: المعنى اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منهم لو نسب إلى والدين لتأذى واستنكف منه ثم كان يثبت لنفسه آلهة فقيل لهم: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية، بل المبالغة في التوحيد هاهنا أولى من هناك، وهذا هو المراد بقوله: ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ .
وسادسها: أن الطفل كما يرجع إلى أبيه في طلب جميع المهمات ويكون ذاكراً له بالتعظيم، فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وسابعها: يحتمل أنهم كانوا يذكرون آباءهم ليتوسلوا بذكرهم إلى إجابة الدعاء عند الله فعرفهم الله تعالى أن آباءهم ليسوا في هذه الدرجة إذ أفعالهم الحسنة صارت غير معتبرة بسبب شركهم وأمروا أن يجعلوا بدل ذلك تعديد آلاء الله ونعمائه وتكثير الثناء عليه ليكون ذلك وسيلة إلى تواتر النعم في الزمان المستقبل، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يحلفوا بآبائهم فقال: من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت إذا كان ما سوى الله فإنما هو لله وبالله فالأولى تعظيم الله تعالى ولا إله غيره.
وثامنها: روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: هو أن تغضب لله إذا عصى أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
واعلم أن هذه الوجوه وإن كانت محتملة إلا أن الوجه الأول هو المتعين وجميع الوجوه مشتركة في شيء واحد، وهو أنه يجب على العبد أن يكون دائم الذكر لربه دائم التعظيم له دائم الرجوع إليه في طلب مهماته دائم الانقطاع عمن سواه، اللهم اجعلنا بهذه الصفة يا أكرم الأكرمين.
أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: عامل الإعراب في ﴿ أَشَدَّ ﴾ قيل: الكاف، فيكون موضعه جراً وقيل: ﴿ اذكروا ﴾ فيكون موضعه نصباً، والتقدير: اذكروا الله مثل ذكركم آباءكم، واذكروه ﴿ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ من آبائكم.
المسألة الثانية: قوله: ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ معناه: بل أشد ذكراً، وذلك لأن مفاخر آبائهم كانت قليلة، أما صفات الكمال لله عز وجل فهي غير متناهية، فيجب أن يكون اشتغالهم بذكر صفات الكمال في حق الله تعالى أشد من اشتغالهم بذكر مفاخر آبائهم، قال القفال رحمه الله: ومجاز اللغة في مثل هذا معروف، يقول الرجل لغيره: افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه، لا يريد به التشكيك، إنما يريد به النقل عن الأول إلى ما هو أقرب منه.
في الآية مسائل: المسألة الأولى: اعلم أن الله تعالى بين أولا تفصيل مناسك الحج، ثم أمر بعدها بالذكر، فقال: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات فاذكروا الله عِندَ المشعر الحرام واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ثم بين أن الأولى أن يترك ذكر غيره، وأن يقتصر على ذكره فقال: ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ثم بين بعد ذلك الذكر كيفية الدعاء فقال: ﴿ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا ﴾ وما أحسن هذا الترتيب، فإنه لابد من تقديم العبادة لكسر النفس وإزالة ظلماتها، ثم بعد العبادة لابد من الإشتغال بذكر الله تعالى لتنوير القلب وتجلى نور جلاله، ثم بعد ذلك الذكر يشتغل الرجل بالدعاء فإن الدعاء إنما يكمل إذا كان مسبوقاً بالذكر كما حكي عن إبراهيم عليه السلام أنه قدم الذكر فقال: ﴿ الذى خَلَقَنِى فَهُوَ يَهْدِينِ ﴾ ثم قال: ﴿ رَبّ هَبْ لِى حُكْماً وَأَلْحِقْنِى بالصالحين ﴾ فقدم الذكر على الدعاء.
إذا عرفت هذا فنقول: بين الله تعالى أن الذين يدعون الله فريقان أحدهما: أن يكون دعاؤهم مقصوراً على طلب الدنيا والثاني: الذين يجمعون في الدعاء بين طلب الدنيا وطلب الآخرة، وقد كان في التقسيم قسم ثالث، وهو من يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة، واختلفوا في أن هذا القسم هل هو مشروع أو لا؟
والأكثرون على أنه غير مشروع، وذلك أن الإنسان خلق محتاجاً ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بمشاق الآخرة، فالأولى له أن يستعيذ بربه من كل شرور الدنيا والآخرة، روى القفال في تفسيره عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض، فقال: ما كنت تدعو الله به قبل هذا قال: كنت أقول.
اللهم ما كنت تعاقبني به في الآخرة فعجل به في الدنيا، فقال النبي عليه السلام: «سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت ﴿ رَبَّنَا ءاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار ﴾ » قال فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فشفي.
واعلم أنه سبحانه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن، أو على منبت شعرة واحدة، لشوش الأمر على الإنسان وصار بسببه محروماً عن طاعة الله تعالى وعن الاشتغال بذكره، فمن ذا الذي يستغني عن إمداد رحمة الله تعالى في أولاه وعقباه، فثبت أن الاقتصار في الدعاء على طلب الآخرة غير جائز، وفي الآية إشارة إليه حيث ذكر القسمين، وأهمل هذا القسم الثالث.
المسألة الثانية: اختلفوا في أن الذين حكى الله عنهم أنهم يقتصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟
فقال قوم: هم الكفار، روي عن ابن عباس أن المشركين كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم أرزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماء، وما كانوا يطلبون التوبة والمغفرة، وذلك لأنهم كانوا منكرين للبعث والمعاد، وعن أنس كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر، فأخبر الله تعالى أن من كان من هذا الفريق فلا خلاق له في الآخرة، أي لا نصيب له فيها من كرامة ونعيم وثواب، نقل عن الشيخ أبي علي الدقاق رحمه الله أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء، أو مما رزقكم الله في الدنيا، طلباً للمأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة، وقال آخرون: هؤلاء قد يكونون مؤمنين ولكنهم يسألون الله لدنياهم، لا لأخراهم ويكون سؤالهم هذا من جملة الذنوب حيث سألوا الله تعالى في أعظم المواقف، وأشرف المشاهد حطام الدنيا وعرضها الفاني، معرضين عن سؤال النعيم الدائم في الآخرة، وقد يقال لمن فعل ذلك إنه لا خلاق له في الآخرة، وإن كان الفاعل مسلماً، كما روى في قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وأيمانهم ثَمَنًا قَلِيًلا أولئك لاَ خلاق لَهُمْ فِي الأخرة ﴾ أنها نزلت فيمن أخذ مالاً بيمين فاجرة، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، إن الله يؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم ثم معنى ذلك على وجوه: أحدها: أنه لا خلاق له في الآخرة إلا أن يتوب والثاني: لا خلاق له في الآخرة إلا أن يعفو الله عنه والثالث: لا خلاق له في الآخرة كخلاق من سأل الله لآخرته، وكذلك لا خلاق لمن أخذ مالاً بيمين فاجرة كخلاق من تورع عن ذلك والله أعلم.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدنيا ﴾ حذف مفعول ﴿ أتانا ﴾ من الكلام لأنه كالمعلوم، واعلم أن مراتب السعادات ثلاث: روحانية، وبدنية، وخارجية أما الروحانية فإثنان: تكميل القوة النظرية بالعلم، وتكميل القوة العملية بالأخلاق الفاضلة، وأما البدنية فإثنان: الصحة والجمال، وأما الخارجية فإثنان: المال، والجاه، فقوله: ﴿ آتنا في الدنيا ﴾ يتناول كل هذه الأقسام فإن العلم إذا كان يراد للتزين به في الدنيا والترفع به على الأقران كان من الدنيا، والأخلاق الفاضلة إذا كانت تراد للرياسة في الدنيا وضبط مصالحها كانت من الدنيا، وكل من لا يؤمن بالبعث والمعاد فإنه لا يطلب فضيلة لا روحانية ولا جمسانية إلا لأجل الدنيا، ثم قال تعالى في حق هذا الفريق ﴿ وما لَهُ فِي الأخرة مِنْ خلاق ﴾ أي ليس له نصيب في نعيم الآخرة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخرة من نصيب ﴾ ثم إنه تعالى لم يذكر في هذه الآية أن الذي طلبه في الدنيا هل أجيب له أم لا؟
قال بعضهم: إن مثل هذا الإنسان ليس بأهل للإجابة لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح فلا تثبت إلا لمن كان ولياً لله تعالى مستحقاً للكرامة لكنه وإن لم يجب فإنه ما دام مكلفاً حيا فالله تعالى يعطيه رزقه على ما قال: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا ﴾ وقال آخرون إن مثل هذا الإنسان قد يكون مجاباً، لكن تلك الإجابة قد تكون مكراً واستدراجاً.
أما قوله تعالى: ﴿ وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار ﴾ فالمفسرون ذكروا فيه وجوها أحدها: أن الحسنة في الدنيا عبارة عن الصحة، والأمن، والكفاية والولد الصالح، والزوجة الصالحة، والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله تعالى الخصب والسعة في الرزق، وما أشبهه حسنة فقال: ﴿ إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾ وقيل في قوله: ﴿ قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين ﴾ أنهما الظفر والنصرة والشهادة، وأما الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثواب، والخلاص من العقاب، وبالجملة فقوله: ﴿ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً ﴾ كلمة جامعة لجميع مطالب الدنيا والآخرة، روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا، فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا: زدنا فأعادها قالوا زدنا قال ما تريدون؟
قد سألت لكم خير الدنيا والآخرة ولقد صدق أنس فإنه ليس للعبد دار سوى الدنيا والآخرة فإذا سأل حسنة الدنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه.
وثانيها: أن المراد بالحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة والحسنة في الآخرة اللذة الدائمة والتعظيم والتنعم بذكر الله وبالأنس به وبمحبته وبرؤيته وروى الضحاك عن ابن عباس أن رجلاً دعا ربه فقال في دعائه: ﴿ رَبَّنَا ءَاتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار ﴾ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أعلم أن هذا الرجل سأل الله شيئاً من أمر الدنيا، فقال بعض الصحابة: بلى يا رسول الله إنه قال: ربنا آتنا في الدنيا حسنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنه يقول: آتنا في الدنيا عملا صالحاً» وهذا متأكد بقوله تعالى: ﴿ والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أزواجنا وذرياتنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ وتلك القرة هي أن يشاهدوا أولادهم وأزواجهم مطيعين مؤمنين مواظبين على العبودية.
وثالثها: قال قتادة: الحسنة في الدنيا وفي الآخرة طلب العافية في الدارين، وعن الحسن: الحسنة في الدنيا فهم كتاب الله تعالى، وفي الآخرة الجنة، واعلم أن منشأ البحث في الآية أنه لو قيل، آتنا في الدنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة لكان ذلك متناولا لكل الحسنات، ولكنه قال: ﴿ آتنا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الأخرة حَسَنَةً ﴾ وهذا نكرة في محل الإثبات فلا يتناول إلا حسنة واحدة، فلذلك اختلف المتقدمون من المفسرين فكل واحد منهم حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة.
فإن قيل: أليس أنه لو قيل: آتنا الحسنة في الدنيا والحسنة في الآخرة لكان ذلك متناولاً لكل الأقسام فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التنكير؟
قلت: الذي أظنه في هذا الموضع والعلم عند الله أنا بينا فيما تقدم أنه ليس للداعي أن يقول: اللهم أعطني كذا وكذا بل يجب أن يقول: اللهم إن كان كذا وكذا مصلحة لي وموافقاً لقضائك وقدرك فأعطني ذلك، فلو قال: اللهم أعطني الحسنة في الدنيا والآخرة لكان ذلك جزما، وقد بينا أنه غير جائز، أما لما ذكر على سبيل التنكير فقال أعطني في الدنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة وهي الحسنة التي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب والمحافظة على أصول اليقين.
أما قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله تعالى: ﴿ أولئك ﴾ فيه قولان أحدهما: إنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال: ﴿ وَمَا لَهُ فِي الأخرة مِنْ خلاق ﴾ .
والقول الثاني: أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه، فمن أنكر البحث وحج التماساً لثواب الدنيا فذلك منه كفر وشرك والله مجازيه، أو يكون المراد أن من عمل للدنيا أعطى نصيب مثله في دنياه كما قال: ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الأخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الأَخِرةِ مِنْ نَصيب ﴾ .
أما قوله تعالى: ﴿ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: قوله: ﴿ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ يجري مجرى التحقير والتقليل فما المراد منه؟
الجواب: المراد: لهم نصيب من الدنيا ومن الآخرة بسبب كسبهم وعملهم فقوله: ﴿ مِنْ ﴾ في قوله: ﴿ مِمَّا كَسَبُواْ ﴾ لابتداء الغاية لا للتبعيض.
السؤال الثاني: هل تدل هذه الآية على أن الجزاء على العمل؟
الجواب: نعم.
ولكن بحسب الوعد لا بحسب الاستحقاق الذاتي.
السؤال الثالث: ما الكسب؟
الجواب: الكسب يطلق على ما يناله المرء بعمله فيكون كسبه ومكتسبه، بشرط أن يكون ذلك جر منفعة أو دفع مضرة، وعلى هذا الوجه يقال في الأرباح: إنها كسب فلان، وأنه كثير الكسب أو قليل الكسب، لأن لا يراد إلا الربح، فأما الذي يقوله أصحابنا من أن الكسب واسطة بين الجبر والخلق فهو مذكور في الكتب القديمة في الكلام.
أما قوله تعالى: ﴿ والله سَرِيعُ الحساب ﴾ ففيه مسائل.
المسألة الأولى: ﴿ سَرِيعُ ﴾ فاعل من السرعة، قال ابن السكيت: سرع يسرع سرعاً وسرعة فهو سريع ﴿ والحساب ﴾ مصدر كالمحاسبة، ومعنى الحساب في اللغة العد يقال: حسب يحسب حساباً وحسبة وحسبا إذا عد ذكره الليث وابن السكيت، والحسب ما عد ومنه حسب الرجل وهو ما يعد من مآثره ومفاخره، والاحتساب الاعتداد بالشيء، وقال الزجاج: الحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: حسبك كذا أي كفاك فسمى الحساب في المعاملات حساباً لأنه يعلم به ما فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.
المسألة الثانية: اختلف الناس في معنى كون الله تعالى محاسباً لخلقه على وجوه: أحدها: أن معنى الحساب أنه تعالى يعلمهم ما لهم وعليهم، بمعنى أنه تعالى يخلق العلوم الضرورية في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، وبمقادير ما لهم من الثواب والعقاب، قالوا: ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بما له وعليه، فاطلاق اسم الحساب على هذا الإعلام يكون إطلاقاً لاسم السبب على المسبب وهذا مجاز مشهور، ونقل عن ابن عباس أنه قال: إنه لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله تعالى ويعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
والقول الثاني: أن المحاسبة عبارة عن المجازاة قال تعالى: ﴿ وَكَأِيّن مّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبّهَا وَرُسُلِهِ فحاسبناها حِسَاباً شَدِيداً ﴾ ووجه المجاز فيه أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء وإطلاق اسم السبب على المسبب جائز، فحسن إطلاق لفظ الحساب عن المجازاة.
والقول الثالث: أنه تعالى يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية مالها من الثواب والعقاب فمن قال إن كلامه ليس بحرف ولا بصوت قال إنه تعالى يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما أنه يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة، ومن قال إنه صوت قال إنه تعالى يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم أو في جسم يقرب من أذنه بحيث لا تبلغ قوة ذلك الصوت أن تمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه تعالى محاسباً لخلقه.
المسألة الثالثة: ذكروا في معنى كونه تعالى سريع الحساب وجوهاً أحدها: أن محاسبته ترجع إما إلى أنه يخلق علوماً ضرورية في قلب كل مكلف بمقادير أعماله ومقادير ثوابه وعقابه، أو إلى أنه يوصل إلى كل مكلف ما هو حقه من الثواب أو إلى أنه يخلق سمعاً في أذن كل مكلف يسمع به الكلام القديم، أو إلى أنه يخلق في أذن كل مكلف صوتاً دالاً على مقادير الثواب والعقاب وعلى الوجوه الأربعة فيرجع حاصل كونه تعالى محاسباً إلى أنه تعالى يخلق شيئاً، ولما كانت قدرة الله تعالى متعلقة بجميع الممكنات، ولا يتوقف تخليقه وإحداثه على سبق مادة ولا مدة ولا آلة ولا يشتغله شأن عن شأن لا جرم كان قادراً على أن يخلق جميع الخلق في أقل من لمحة البصر وهذا كلام ظاهر، ولذلك ورد في الخبر أن الله تعالى يحاسب الخلق في قدر حلب ناقة.
وثانيها: أن معنى كونه تعالى: ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم، وذلك لأنه تعالى في الوقت الواحد يسأله السائلون كل واحد منهم أشياء مختلفة من أمور الدنيا والآخرة فيعطي كل واحد مطلوبه من غير أن يشتبه عليه شيء من ذلك ولو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العد واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ أي هو عالم بجملة سؤالات السائلين، لأنه تعالى لا يحتاج إلى عقد يد، ولا إلى فكرة وروية، وهذا معنى الدعاء المأثور يا من لا يشغله شأن عن شأن وحاصل الكلام في هذا القول أن معنى كونه تعالى ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ كونه تعالى عالماً بجميع أحوال الخلق وأعمالهم ووجه المجاز فيه أن المحاسب إنما يحاسب ليحصل له العلم بذلك الشيء فالحساب سبب لحصول العلم فأطلق اسم السبب على المسبب.
وثالثها: أن محاسبة الله سريعة بمعنى آتية لا محالة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ ﴾ عطاء منه وتفضلاً، وهو النفع والربح بالتجارة، وكان ناس من العرب يتأثمون أن يتجروا أيام الحج، وإذا دخل العشر كفوا عن البيع والشراء فلم تقم لهم سوق، ويسمون من يخرج بالتجارة الداجّ.
ويقولون هؤلاء الداج وليسوا بالحاج.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم.
وكانت معايشهم منها، فلما جاء الإسلام تأثموا، فرفع عنهم الجناح في ذلك وأبيح لهم، وإنما يباح ما لم يشغل عن العبادة، وعن ابن عمر رضي الله عنه: أن رجلاً قال له: إنا قوم نكري في هذا الوجه وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا، فقال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما سألت فلم يردّ عليه، حتى نزل ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر رضي الله عنه أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ .
(أَنْ تبتغوا) في أن تبتغوا ﴿ أَفَضْتُمْ ﴾ دفعتم بكثرة، وهو من إفاضة الماء وهو صبه بكثرة، وأصله أفضتم أنفسكم، فترك ذكر المفعول كما ترك في دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وفي حديث أبي بكر رضي الله عنه: «صب في دقران وهو يخرش بعيره بمحجنه» ويقال: أفاضوا في الحديث وهضبوا فيه.
و ﴿ عرفات ﴾ علم للموقف سمي بجمع كأذرعات.
فإن قلت: هلا مُنعت الصرف وفيها السببان: التعريف والتأنيث؟
قلت: لا يخلو من التأنيث إما أن يكون بالتاء التي في لفظها، وإما بتاء مقدرة كما في سعاد؛ فالتي في لفظها ليست للتأنيث، وإنما هي مع الألف التي قبلها علامة جمع المؤنث ولا يصح تقدير التاء فيها، لأنّ هذه التاء لاختصاصها بجمع المؤنث مانعة من تقديرها كما لا يقدر تاء التأنيث في بنت لأن التاء التي هي بدل من الواو لاختصاصها بالمؤنث كتاء التأنيث فأبت تقديرها.
وقالوا: سميت بذلك لأنها وصفت لإبراهيم عليه السلام فلما أبصرها عرفها.
وقيل: إن جبريل حين كان يدور به في المشاعر أراه إياها فقال: قد عرفت.
وقيل: التقى فيها آدم وحوّاء فتعارفا.
وقيل: لأنّ الناس يتعارفون فيها والله أعلم بحقيقة ذلك، وهي من الأسماء المرتجلة لأنّ العرفة لا تعرف في أسماء الأجناس إلا أن تكون جمع عارف.
وقيل: فيه دليل على وجوب الوقوف بعرفة لأنّ الإفاضة لا تكون إلا بعده.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «الحج عرفة فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج» ﴿ فاذكروا الله ﴾ بالتلبية والتهليل والتكبير والثناء والدعوات.
وقيل: بصلاة المغرب والعشاء.
و ﴿ المشعر الحرام ﴾ قزح، وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة.
وقيل: المشعر الحرام: ما بين جبل المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
والصحيح أنه الجبل، لما روى جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صلّى الفجر يعني بالمزدلفة بغلس، ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل، ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقوله تعالى: ﴿ عِندَ المشعر الحرام ﴾ معناه مما يلي المشعر الحرام قريباً منه، وذلك للفضل، كالقرب من جبل الرحمة، وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر.
أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر: المعلم، لأنه معلم العبادة.
ووصف بالحرم لحرمته.
وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون.
وقيل: سميت المزدلفة وجمعاً: لأنّ آدم صلوات الله عليه اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها، أي دنا منها.
وعن قتادة: لأنه يجمع فيها بين الصلاتين.
ويجوز أن يقال: وصفت بفعل أهلها، لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقرّبون بالوقوف فيها ﴿ كَمَا هَدَاكُمْ ﴾ ما مصدرية أو كافة.
والمعنى: واذكروهُ ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة أواذكروه كما علمكم كيف تذكرونه، لا تعدلوا عنه ﴿ وَإِن كُنتُمْ مّن قَبْلِهِ ﴾ من قبل الهدى ﴿ لَمِنَ الضالين ﴾ الجاهلين، لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
وإِن هي مخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ ﴾ ثم لتكن إفاضتكم ﴿ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ الناس ﴾ ولا تكن من المزدلفة.
وذلك لما كان عليه الحمس من الترفع على الناس والتعالي عليهم وتعظمهم عن أن يساووهم في الموقف.
وقولهم: نحن أهل الله وقطان حرمه فلا تخرج منه، فيقفون بجمع وسائر الناس بعرفات؟
فإن قلت: فكيف موقع ثم؟
قلت: نحو موقعها في قولك: أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم، تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى الكريم، والإحسان إلى غيره وبُعد ما بينهما؛ فكذلك حين أمرهم بالذكر عند الإفاضة من عرفات قال: ثم أفيضوا لتفاوت ما بين الإفاضتين، وأن إحداهما صواب والثانية خطأ.
وقيل: ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس وهم الحمس، أي من المزدلفة إلى منى بعد الإفاضة من عرفات.
وقرئ: ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين أي الناسي وهو آدم، من قوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلى آد م مِن قَبْلُ فَنَسِىَ ﴾ [طه: 115] يعني أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تخالفوا عنه ﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُم مناسككم ﴾ أي فإذا فرغتم من عباداتكم الحجية ونفرتم ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءكُمْ ﴾ فأكثروا ذكر الله وبالغوا فيه كما تفعلون في ذكر آبائكم ومفاخرهم وأيامهم.
وكانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا بين المسجد بمنى وبين الجبل، فيعدّدون فضائل آبائهم ويذكرون محاسن أيامهم.
﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ في موضع جر عطف على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كَذِكْرِكُمْ ﴾ كما تقول كذكر قريش آباءهم، أو قوم أشدّ منهم ذكراً.
أو في موضع نصب عطف على آباءكم، بمعنى أو أشدّ ذكراً من آبائكم، على أن ذكراً من فعل المذكور ﴿ فَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ﴾ معناه أكثروا ذكر الله ودعاءه فإنّ الناس من بين مقل لا يطلب بذكر الله إلا أعراض الدنيا، ومكثر يطلب خير الدارين، فكونوا من المكثرين ﴿ آتنا فِي الدنيا ﴾ اجعل إيتاءنا أي إعطاءنا في الدنيا خاصة ﴿ وَمَا لَهُ فِي الاخرة مِنْ خلاق ﴾ أي من طلب خلاقي وهو النصيب.
أو ما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب، لأنّ همه مقصور على الدنيا.
والحسنتان ما هو طلبةُ الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير، وطلبتهم في الآخرة من الثواب.
وعن علي رضي الله عنه: الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار: امرأة السوء.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ ﴾ أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة، وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
أو من أجل ما كسبوا، كقوله: ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ [نوح: 25] .
أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة.
وسمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال، والأعمال موصوفة بالكسب: بما كسبت أيديكم.
ويجوز أن يكون (أولئك) للفريقين جميعاً، وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا ﴿ والله سَرِيعُ الحساب ﴾ يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد.
فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة، أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه.
روي: أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة.
وروى في مقدار فواق ناقة.
وروي في مقدار لمحة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً ﴾ يَعْنِي الصِّحَّةَ والكَفافَ وتَوْفِيقَ الخَيْرِ.
﴿ وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ يَعْنِي الثَّوابَ والرَّحْمَةَ.
﴿ وَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ بِالعَفْوِ والمَغْفِرَةِ، وقَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا المَرْأةُ الصّالِحَةُ، وفي الآخِرَةِ الحَوْراءُ.
وعَذابُ النّارِ المَرْأةُ السُّوءُ وقَوْلُ الحَسَنِ: الحَسَنَةُ في الدُّنْيا العِلْمُ والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ.
﴿ وَقِنا عَذابَ النّارِ ﴾ مَعْناهُ احْفَظْنا مِنَ الشَّهَواتِ والذُّنُوبِ والمُؤَدِّيَةِ إلى النّارِ أمْثِلَةً لِلْمُرادِ بِها.
﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي.
وقِيلَ إلَيْهِما.
﴿ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ أيْ مِن جِنْسِهِ وهو جَزاؤُهُ، أوْ مِن أجْلِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِمّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا ﴾ أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ فَسُمِّيَ الدُّعاءُ كَسْبًا لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ.
﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ وكَثْرَةِ أعْمالِهِمْ في مِقْدارِ لَمْحَةٍ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتَسِبُوا الحَسَناتِ.
<div class="verse-tafsir"
{أولئك} أى الداعون بالحسنتين
البقرة (٢٠١ _ ٢٠٥)
{لَهُمْ نَصِيبٌ مّمَّا كَسَبُواْ} من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة أو من أجل ما كسبوا وسمى الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ويجوز أن يكون أولئك للفريقين أو أن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا {والله سَرِيعُ الحساب} يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر من نقمته وروي أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة وروي في مقدار لمحة
﴿ أُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الفَرِيقِ الثّانِي والجُمْلَةُ في مُقابَلَةِ ( وما لَهم في الآخِرَةِ مِن خَلّاق ) والتَّعْبِيرُ بِاسْمِ الإشارَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ اتِّصافَهم بِما سَبَقَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ المَذْكُورِ، ولِذا تَرَكَ العَطْفَ هَهُنا لِكَوْنِهِ كالنَّتِيجَةِ لِما قَبْلَهُ، قِيلَ: وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ لِلْإشارَةِ إلى عُلُوِّ دَرَجَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ في الفَضْلِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الإشارَةُ إلى كِلا الفَرِيقَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ، فالتَّنْوِينُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ عَلى الأوَّلِ لِلتَّفْخِيمِ وعَلى الثّانِي لِلتَّنْوِيعِ؛ أيْ لِكُلٍّ مِنهم نَصِيبٌ مِن جِنْسِ ما كَسَبُوا، أوْ مِن أجْلِهِ، أوْ مِمّا دَعَوْا بِهِ نُعْطِيهِمْ مِنهُ ما قَدَّرْناهُ، و( مِن ) إمّا لِلتَّبْعِيضِ أوْ لِلِابْتِداءِ، والمَبْدَئِيَّةُ عَلى تَقْدِيرِ الأجَلِيَّةِ عَلى وجْهِ التَّعْلِيلِ، وفي الآيَةِ عَلى الِاحْتِمالِ الثّالِثِ وُضِعَ الظّاهِرُ مَوْضِعَ المُضْمَرِ بِغَيْرِ لَفْظِ السّابِقِ؛ لِأنَّ المَفْهُومَ مِن ( رَبِّنا آتِنا ) الدُّعاءُ لا الكَسْبُ إلّا أنَّهُ يُسَمّى كَسْبًا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأعْمالِ، وقُرِئَ: ( مِمّا اكْتَسَبُوا ).
﴿واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ 202﴾ يُحاسِبُ العِبادَ عَلى كَثْرَتِهِمْ في قَدْرِ نِصْفِ نَهارٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا، ورُوِيَ: بِمِقْدارِ فَواقِ ناقَةٍ، ورُوِيَ بِمِقْدارِ لَمْحَةِ البَصَرِ، أوْ يُوشِكُ أنْ يُقِيمَ القِيامَةَ ويُحاسِبَ النّاسَ فَبادِرُوا إلى الطّاعاتِ واكْتِسابِ الحَسَناتِ، والجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ ﴾ إلَخْ، والمُحاسَبَةُ إمّا عَلى حَقِيقَتِها كَما هو قَوْلُ أهْلِ الحَقِّ، مِن أنَّ النُّصُوصَ عَلى ظاهِرِها ما لَمْ يَصْرِفْ عَنْها صارِفٌ، أوْ مَجازٌ عَنْ خَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ فِيهِمْ بِأعْمالِهِمْ وجَزائِها كَمًّا وكَيْفًا، أوْ مُجازاتِهِمْ عَلَيْها هَذا.
* * * ومِن بابِ الإشارَةِ في الآياتِ: ﴿ ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا ﴾ بُيُوتَ قُلُوبِكم مِن طَرَفِ حَواسِّكم ومَعْلُوماتِكُمُ البَدَنِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِنَ المَشاعِرِ، فَإنَّها ظُهُورُ القُلُوبِ الَّتِي تَلِي البَدَنَ، ﴿ ولَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقى ﴾ شَواغِلَ الحَواسِّ وهَواجِسَ الخَيالِ ووَساوِسَ النَّفْسِ الأمّارَةِ وأْتُوا هاتِيكَ البُيُوتَ ﴿ مِن أبْوابِها ﴾ الَّتِي تَلِي الرُّوحَ، ويَدْخُلُ مِنها الحَقُّ، ﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ عَنْ رُؤْيَةِ تَقْواكم لَعَلَّكم تَفُوزُونَ بِهِ، ﴿ وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ ﴾ مِن قُوى نُفُوسِكم ودَواعِي بَشَرِيَّتَكُمْ، فَإنَّ ذَلِكَ هو الجِهادُ الأكْبَرُ، ﴿ ولا تَعْتَدُوا ﴾ بِإهْمالِها والوُقُوفِ مَعَ حُظُوظِها، أوْ تَتَجاوَزُوا في القِتالِ إلى أنْ تُضْعِفُوا البَدَنَ عَنِ القِيامِ بِمَراسِمَ الطّاعَةِ، ووَظائِفِ العُبُودِيَّةِ، ( فَرُبَّ مَخْمَصَةٍ شَرٌّ مِنَ التُّخَمِ ) .
﴿ إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ﴾ الواقِفِينَ مَعَ نُفُوسِهِمْ أوِ المُتَجاوِزِينَ ظِلَّ الوَحْدَةِ وهو العَدالَةُ ﴿ واقْتُلُوهُمْ ﴾ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ؛ أيِ: امْنَعُوا هاتِيكَ القُوى عَنْ شَمِّ لَذائِذِ الشَّهَواتِ والهَوى حَيْثُ كانُوا ﴿ وأخْرِجُوهُمْ ﴾ عَنْ مَكَّةَ الصَّدْرِ كَما أخْرَجُوكم عَنْها، واسْتَنْزَلُوكم إلى بُقْعَةِ النَّفْسِ، وحالُوا بَيْنَكم وبَيْنَ مَقَرِّ القَلْبِ وفِتْنَتِهِمُ الَّتِي هي عِبادَةُ الهَوى والسُّجُودِ لِأصْنامِ اللَّذّاتِ أشَدُّ مِنَ الإماتَةِ بِالكُلِّيَّةِ أوْ بَلاؤُكم عِنْدَ اسْتِيلاءِ النَّفْسِ أشَدُّ عَلَيْكم مِنَ القَتْلِ الَّذِي هو مَحْوُ الِاسْتِعْدادِ وطَمْسِ الغَرائِزِ لِما يَتَرَتَّبُ عَلى ذَلِكَ مِن ألَمِ الفِراقِ عَنْ حَضْرَةِ القُدْسِ الَّذِي لا يَتَناهى، ﴿ ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وهو مَقامُ القَلْبِ إذا وافَقُوكم في تَوَجُّهِكم حَتّى يُنازِعُوكم في مَطالِبِكم ويَجُرُّوكم عَنْ دِينِ الحَقِّ، ويَدْعُوكم إلى عِبادَةِ عِجْلِ النَّظَرِ إلى الأغْيارِ، فَإنْ نازَعُوكم فاقْتِلُوهم بِسَيْفِ الصِّدْقِ واقْطَعُوا مادَّةَ تِلْكَ الِدَواعِي ﴿ كَذَلِكَ جَزاءُ الكافِرِينَ ﴾ السّاتِرِينَ لِلْحَقِّ ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا ﴾ عَنْ نِزاعِهِمْ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ وقاتِلُوهم عَلى دَوامِ الرِّعايَةِ وصِدْقِ العُبُودِيَّةِ ﴿ حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ ولا يَحْصُلُ التِفاتٌ إلى السِّوى ﴿ ويَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ ﴾ بِتَوَجُّهِ الجَمْعِ إلى الجَنابِ الأقْدَسِ والذّاتِ المُقَدَّسِ ﴿ فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ ﴾ إلّا عَلى المُجاوِزِينَ لِلْحُدُودِ ﴿ الشَّهْرُ الحَرامُ ﴾ الَّذِي قامَتْ بِهِ النَّفْسُ لِحُقُوقِها ﴿ بِالشَّهْرِ الحَرامِ ﴾ الَّذِي هو وقْتُ حُضُورِكم ومُراقَبَتِكم ﴿ والحُرُماتُ قِصاصٌ ﴾ فَلا تُبالُوا بِهَتْكِ حُرْمَتِها ﴿ وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ما مَعَكم مِنَ العُلُومِ بِالعَمَلِ بِهِ والإرْشادِ ﴿ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى ﴾ تَهْلُكَةِ التَّفْرِيطِ ﴿ وأحْسِنُوا ﴾ بِأنْ تَكُونُوا مُشاهِدِينَ رَبَّكم في سائِرِ أعْمالِكم إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُشاهِدِينَ لَهُ، ﴿ وأتِمُّوا ﴾ حَجَّ تَوْحِيدِ الذّاتِ وعُمْرَةَ تَوْحِيدِ الصِّفاتِ لِلَّهِ، بِإتْمامِ جَمِيعِ المَقاماتِ والأحْوالِ، ﴿ فَإنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ بِمَنعِ أعْداءِ النُّفُوسِ أوْ مَرَضِ الفُتُورِ، فَجاهِدُوا في اللَّهِ بِسَوْقِ هُدى النَّفْسِ وذَبْحِها بِفَناءِ كَعْبَةِ القَلْبِ، ولِاخْتِلافِ النُّفُوسِ في الِاسْتِعْدادِ قالَ: ﴿ فَما اسْتَيْسَرَ ﴾ ﴿ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ ﴾ ولا تُزِيلُوا آثارَ الطَّبِيعَةِ وتَخْتارُوا فَراغَ الخاطِرِ حَتّى يَبْلُغَ هَدْيُ النَّفْسِ مَحِلَّهُ، فَحِينَئِذٍ تَأْمَنُونَ مِنَ التَّشْوِيشِ وتَكَدُّرِ الصَّفاءِ، ﴿ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا ﴾ ضَعِيفَ الِاسْتِعْدادِ ﴿ أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ ﴾ أيْ: مُبْتَلًى بِالتَّعَلُّقاتِ، ولَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ السُّلُوكُ عَلى ما يَنْبَغِي، فَعَلَيْهِ فِدْيَةٌ مِن إمْساكٍ عَنْ بَعْضِ لَذّاتِهِ وشَواغِلِهِ، أوْ فِعْلِ بِرٍّ أوْ رِياضَةٍ تَقْمَعُ بَعْضَ القُوى، ﴿ فَإذا أمِنتُمْ ﴾ مِنَ المانِعِ المُحْصِرِ، فَمَن تَمَتَّعَ بِذَوْقِ تَجَلِّي الصِّفاتِ، مُتَوَسِّلًا بِهِ إلى حَجِّ تَجَلِّي الذّاتِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ ما أمْكَنَ مِنَ الهَدْيِ بِحَسَبِ حالِهِ، ﴿ فَمَن لَمْ يَجِدْ ﴾ لِضَعْفِ نَفْسِهِ وانْقِهارِها ﴿ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ في الحَجِّ ﴾ أيْ: فَعَلَيْهِ الإمْساكُ عَنْ أفْعالِ القُوى الَّتِي هي الأُصُولُ القَوِيَّةُ في وقْتِ التَّجَلِّي والِاسْتِغْراقُ في الجَمْعِ والفَناءُ، وهي العَقْلُ والوَهْمُ والمُتَخَيَّلَةُ ﴿ وسَبْعَةٍ إذا رَجَعْتُمْ ﴾ إلى مَقامِ التَّفْصِيلِ والكَثْرَةِ، وهي الحَواسُّ الخَمْسَةُ الظّاهِرَةُ والغَضَبُ والشَّهْوَةُ؛ لِتَكُونَ عِنْدَ الِاسْتِقامَةِ في الأشْياءِ بِاللَّهِ - عَزَّ وجَلَّ - ﴿ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ﴾ مُوجِبَةٌ لِأفاعِيلَ عَجِيبَةٍ مُشْتَمِلَةٍ عَلى أسْرارٍ غَرِيبَةٍ ﴿ ذَلِكَ لِمَن لَمْ يَكُنْ أهْلُهُ حاضِرِي المَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ مِنَ الكامِلِينَ الحاضِرِينَ مَقامَ الوَحْدَةِ؛ لِأنَّ أُولَئِكَ لا يُخاطَبُونَ ولا يُعاتَبُونَ، ومَن وصَلَ فَقَدِ اسْتَراحَ ﴿ الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ﴾ وهي مُدَّةُ الحَياةِ الفانِيَةِ أوْ مِن وقْتِ بُلُوغِ الحُلُمِ إلى الأرْبَعِينَ كَما قالَ في البَقَرَةِ: ﴿ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ .
ومِن هُنا قِيلَ: الصُّوفِيُّ بَعْدَ الأرْبَعِينَ بارِدٌ، نَعَمِ العَمَشُ خَيْرٌ مِنَ العَمى والقَلِيلُ خَيْرٌ مِنَ الحِرْمانِ، ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ ﴾ عَلى نَفْسِهِ بِالعَزِيمَةِ، فَلا رَفَثَ؛ أيْ: فَلا يَمِلْ إلى الدُّنْيا وزِينَتِها، ﴿ ولا فُسُوقَ ﴾ ولا يُخْرِجُ القُوَّةَ الغَضَبِيَّةَ عَنْ طاعَةِ القَلْبِ، بَلْ لا يَخْرُجُ عَنِ الوَقْتِ ولا يَدْخُلُ فِيما يُورِثُ المَقْتَ ﴿ ولا جِدالَ في الحَجِّ ﴾ أيْ: ولا يُنازِعُ أحَدًا في مَقامِ التَّوَجُّهِ إلَيْهِ - تَعالى -؛ إذِ الكُلُّ مِنهُ وإلَيْهِ، ومَن نازَعَهُ في شَيْءٍ يَنْبَغِي أنْ يُسَلِّمَهُ إلَيْهِ ويُسَلِّمَ عَلَيْهِ، ﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ وما تَفْعَلُوا مِن فَضِيلَةٍ في تَرْكِ شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأُمُورِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ ويُثِيبُكم عَلَيْهِ، وتَزَوَّدُوا مِنَ الفَضائِلِ الَّتِي يَلْزَمُها الِاجْتِنابُ عَنِ الرَّذائِلِ ﴿ فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى ﴾ وتَمامُها بِنَفْيِ السِّوى ﴿ واتَّقُونِ يا أُولِي الألْبابِ ﴾ فَإنَّ قَضِيَّةَ العَقْلِ الخالِصِ عَنْ شَوْبِ الوَهْمِ وقِشْرِ المادَّةِ اتِّقاءُ اللَّهَ - تَعالى - لَيْسَ عَلَيْكم حَرَجٌ عِنْدَ الرُّجُوعِ إلى الكَثْرَةِ أنْ تَطْلُبُوا رِفْقًا لِأنْفُسِكم عَلى مُقْتَضى ما حَدَّهُ المَظْهَرُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - فَإذا دَفَعْتُمْ أنْفُسَكم مِن عَرَفاتِ المَعْرِفَةِ ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ ﴾ أيْ: شاهِدُوا جَمالَهُ - سُبْحانَهُ - عِنْدَ السِّرِّ الرُّوحِيِّ المُسَمّى بِالخَفِيِّ، وسُمِّيَ مَشْعَرًا؛ لِأنَّهُ مَحَلُّ الشُّعُورِ بِالجَمالِ، ووُوصِفَ بِالحَرامِ؛ لِأنَّهُ مُحَرَّمٌ أنْ يَصِلَ إلَيْهِ الغَيْرُ ﴿ واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ ﴾ إلى ذِكْرِهِ في المَراتِبِ ﴿ وإنْ كُنْتُمْ مِن قَبْلِهِ ﴾ الوُصُولِ إلى عَرَفاتِ المَعْرِفَةِ والوُقُوفِ بِها ﴿ لَمِنَ الضّالِّينَ ﴾ عَنْ هَذِهِ الأذْكارِ في طَلَبِ الدُّنْيا ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا ﴾ إلى ظَواهِرِ العِباداتِ ﴿ مِن حَيْثُ أفاضَ ﴾ سائِرُ النّاسِ إلَيْها، وكُونُوا كَأحَدِهِمْ، فَإنَّ النِّهايَةَ الرُّجُوعُ إلى البِدايَةِ أوْ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - لِأجْلِ أداءِ الحُقُوقِ والشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ - تَعالى - بِالإرْشادِ والتَّعْلِيمِ ﴿ واسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ﴾ فَقَدْ كانَ الشّارِعُ الأعْظَمُ - صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ - يَغانُ عَلى قَلْبِهِ ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ - تَعالى - في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً، ومَن أنْتَ يا مِسْكِينُ بَعْدَهُ ﴿ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ﴾ وفَرَغْتُمْ مِنَ الحَجِّ ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ ﴾ قَبْلَ السُّلُوكِ ﴿ أوْ أشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ؛ لِأنَّ المَبْدَأ الحَقِيقِيَّ: فَكُونُوا مَشْغُولِينَ بِهِ حَسْبَما تَقْتَضِيهِ ذاتُهُ - سُبْحانَهُ - فَمِنَ النّاسِ مَن لا يَطْلُبُ إلّا الدُّنْيا ولا يَعْبُدُ إلّا لِأجْلِها وما لَهُ في مَقامِ الفَناءِ مِن نَصِيبٍ لِقُصُورِ هِمَّتِهِ واكْتِسابِهِ الظُّلْمَةَ المُنافِيَةَ لِلنُّورِ، ومِنهم مَن يَطْلُبُ خَيْرَ الدّارَيْنِ، ويَحْتَرِزُ عَنْ الِاحْتِجابِ بِالظِّمَةِ والتَّعْذِيبِ بِنِيرانِ الطَّبِيعَةِ ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ مِن حُظُوظِ الآخِرَةِ والأنْوارِ الباهِرَةِ واللَّذّاتِ الباقِيَةِ والمَراتِبِ العالِيَةِ، ﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ، قرأ الشعبي: وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ بالضم على معنى الابتداء، وقرأ العامة وَالْعُمْرَةَ بالنصب على معنى البناء.
قال ابن عباس: تمام العمرة إلى البيت، وتمام الحج إلى آخر الحج.
وقال مقاتل: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ من المواقيت، ولا تستحلوا فيهما ما لا ينبغي لكم وذلك أنهم كانوا يشركون في إحرامهم.
ومعنى قول مقاتل: أنهم كانوا يشركون فيقولون: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك.
فقال: وأتموهما ولا تخلطوا بهما شيئاً آخر.
ثم خوَّفهم فقال: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ، فيما تعديتم.
ثم قال عز وجل: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ، أي حبستم عن البيت بعد ما أحرمتم.
وقال القتبي: الإحصار هو أن يعرض للرجل ما يحول بينه وبين الحج من مرض أو كسر أو عدو.
وقال الفراء: الإحصار ما ابتلي به الرجل في إحرامه من المرض أو العدو وغيره.
وقال بعضهم: لا يكون الإحصار إلا من العدو.
وقال بعضهم: يكون من العدو وغيره، وبه قال علماؤنا رحمهم الله.
ثم قال: فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، أي ابعثوا إلى البيت ما استيسر من الهدي، والله تعالى رخص لمن عجز عن الوصول إلى البيت بالعدو أن يبعث الهدي، فينزع عنه بمكة، ويحل الرجل من إحرامه إذا ذبح هديه، ويرجع إلى أهله، ثم يقضي حجه وعمرته بعد ذلك.
ثم قال تَعَالَيْ: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ، يعني المحصر إذا بعث بالهدي، لا يجوز له أن يحل من إحرامه ما لم يذبح هديه.
يقول: لا يحلق رأسه، حتى يكون اليوم الذي واعده فيه، ويعلم أن هديه قد ذبح.
ثم صار هذا أصلاً لجميع الحجاج من كان قارناً أو متمتعاً، لا يجوز له أن يحلق رأسه إلا بعد أن يذبح هديه وإن لم يكن محصراً.
ثم قال تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ، يعني إذا حلق رأسه على وجه الإضمار مثل قوله تعالى: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة: 184] يعني إذا كان أفطر.
وروي عن كعب بن عجرة أنه قال: فيَّ نزلت هذه الآية.
وذلك أن النبيّ مر بي والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» فقلت: نعم.
فأمر بي بأن أحلق رأسي فقال: «احْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِين، لِكُلِّ مسكين نصف صاع من حِنْطَةٍ، أَوْ صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ أَنْسِكْ نَسِيكَةً» يعني اذبح شاة، فنزلت هذه الآية: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، أي شاة يذبحها حتى يبلغ الهدي محله.
ويروى عن عبد الرحمن الأعرج أنه قرأها: بتشديد الياء.
وواحدها هدية.
وقرأ الباقون: بالتخفيف يقال للواحدة: هدي وهدية.
ثم قال: فَإِذا أَمِنْتُمْ وهذا على سبيل الاختصار والإضمار.
ومعناه فإذا أمنتم من العدو، فاقضوا ما وجب عليكم من الحج والعمرة.
ويقال: إذا أمنتم من العدو وبرأتم من المرض، فحجوا واعتمروا.
فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ، يعني فعليه ما تيسر من الهدي وللمتمتع أن يحج ويعتمر في سفرة واحدة من أشهر الحج.
والمحرمون أربعة: مفرد بالحج ومفرد بالعمرة والمتمتع والقارن، فأما المفرد بالحج أن يحج ويعتمر والمفرد بالعمرة أن يعتمر ولا يحج، وأما المتمتع أن يعتمر في أشهر الحج ويمكث بمكة حتى يحج بعد ما فرغ من عمرته، وأما القارن فهو الذي يحرم بالحج والعمرة جميعاً.
فمن كان مفرداً بالحج أو بالعمرة، فلا يجب عليه الهدي ومن كان متمتعاً أو قارناً، فعليه الهدي.
وقال عبد الله بن عمر أنه قال: الهدي: الجزور.
وقال ابن عباس: أقله شاة وبه قال علماؤنا.
ثم قال فَمَنْ لَمْ يَجِدْ الهدي فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ.
قال ابن عباس: آخرها يوم عرفة.
وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ.
قال بعضهم: إذا رجعتم إلى أهليكم.
وقال بعضهم: إذا رجعتم من منى.
وقال بعضهم: إذا رجعتم إلى الأمر الأول، يعني إذا فرغتم من أمر الحج وبهذا القول نقول.
ثم قال: تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ، في البدل يعني العشرة الكاملة كلها بدل من الهدي، يعني ذلِكَ الفداء لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، أي ذلك الفداء لمن لم يكن منزله في الحرم.
وقال قتادة ومقاتل: ذلك يعني التمتع لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام يعني الحرم.
وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما أمركم به ونهاكم عنه.
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ إن خالفتم.
الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ، أي وقت الحج أشهر معلومات وهو: شوال وذو القعدة وعشرة من ذي الحجة.
فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ قال القتبي: الفرض وجوب الشيء، يقال: فرضت عليك كذا، أي أوجبته.
قال الله تعالى: فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ، أي ما ألزمتم أنفسكم، وقال: قَدْ عَلِمْنا مَا فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي أَزْواجِهِمْ [الأحزاب: 50] ، وقال تعالى: فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ، أي فمن أحرم في هذه الأشهر بالحج، فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ.
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: «فَلاَ رِفْثٌ وَلاَ فُسُوقٌ» بالرفع مع التنوين، والباقون بالنصب بغير تنوين.
واتفقوا في قوله: وَلا جِدالَ بالنصب غير أبي جعفر المدني فإنه قرأ بالرفع.
وهذا يقال له: لا التبرية فكل موضع يدخل فيه لا التبرية، فصاحبه بالخيار إن شاء نصبه بغير تنوين، وإن شاء ضمه بالتنوين مثل قوله: وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ [البقرة: 254] .
وتفسير الرفث هو الجماع كقوله: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ [البقرة: 187] وقال بعضهم: الرفث: التعرض بذكر النساء، والفسوق: هو السباب، والجدال: أن تماري صاحبك حتى تغيظه.
أي من كان محرماً لا يجامع في إحرامه ولا يسب ولا يماري.
ويقال: الفسوق الذبح للأصنام.
كقوله تعالى: أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [الأنعام: 145] ، والجدال هو أن قريشاً كانت تقف بالمزدلفة وكانوا يجادلون كل فريق يقولون: نحن أصوب سبيلاً.
وروي عن مجاهد أنه قال: قد استقر الحج في ذي الحجة، فلا جدال فيه وذلك أن المشركين كانوا يحجون عامين في ذي القعدة وعامين في ذي الحجة، فلما فتح رسول الله مكة، بعث أبا بكر ليحج بالناس فوافق ذلك آخر عام ذي القعدة فلما حج رسول الله حجة الوداع، وافق ذلك أول عام في ذي الحجة، فقال رسول الله : «ألا إن الزمان قد اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السموات وَالأَرْضَ» .
يعني رجع أمر الحج إلى ذي الحجة كما كان، فنزل: وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ.
ثم قال: وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ، يعني من ترك الفسوق والمرأة والجدال.
يَعْلَمْهُ اللَّهُ ، أي يقبله الله فيجازيكم به.
وَتَزَوَّدُوا في سفركم للحج والعمرة ما تكفون به وجوهكم عن المسألة.
فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
قال مقاتل وذلك أن أناساً من أهل اليمن كانوا يخرجون بغير زاد، ويصيبون من أهل الطريق ظلماً، فنزلت في شأنهم وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى.
وقال بعضهم: تزودوا لسفر الدنيا بالطعام، وتزودوا لسفر الآخرة بالتقوى فإن خير الزاد التقوى.
ويقال خير الزاد التقوى، هو التوكل على الله وأن لا يؤذي أحدٌ لأجل الزاد والطعام.
ثم قال: وَاتَّقُونِ يا أُولِي الْأَلْبابِ، يعني اطيعوني يا ذوي الألباب أي العقول فيما أمرتكم به.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وذلك أنهم كانوا إذا حجوا، كفوا عن التجارة وطلب المعيشة في الحج، فلم يشتروا ولم يبيعوا حتى تمضي أيام حجهم، فجعل الله تعالى لهم رخصة في ذلك فقال تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ، أي لا مأثم عليكم أن تطلبوا رزقاً من ربكم من التجارة في أيام الحج.
وقال مقاتل: سئل رسول الله : عن سوق عكاظ وسوق منى وذي المجاز في الجاهلية كنا نقوم في التجارة قبل الحج وبعد الحج، فهل يصلح لنا البيع والشراء في أيام حجنا؟
فنزلت هذه الآية.
ومعنى آخر: ما روي عن عبد الله بن عمر: أن رجلاً سأله فقال: إني رجل أكري الإبل إلى مكة أفيجزيني عن حجي؟
فقال: أولست تلبي، وتقف بعرفات وترمي الجمار؟
فقال: بلى فقال: سأل رجل رسول الله عن مثل ما سألتني، فلم يجبه حتى نزلت هذه الآية: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ.
وروي عن ابن عباس نحوه.
ثم قال تعالى: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ، يقول إذا رجعتم من عرفات بعد غروب الشمس فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ، يعني بالمزدلفة.
وقال عطاء: إنما سميت عرفات، لأن جبريل كان يعلَّم إبراهيم- - أمور المناسك فكان يقول له: عرفت؟
فيقول: عرفت.
فسميت عرفات.
وقال ابن عباس: إنما سميت منى، لأن جبريل قال لآدم- عليهما السلام-: تمنَّ.
قال: أتمنى الجنة.
فسميت منى.
قال: وإنما سمي الجمع جمعاً، لأنه اجتمع فيه آدم وحواء والجمع أيضاً: هو المزدلفة وهو المشعر الحرام.
ثم قال: وَاذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ، يقول: اشكروا الله كما هداكم لدين الإسلام وَإِنْ كُنْتُمْ، أي وقد كنتم مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ عن الهدى، وكانت قريش لا تخرج من الحرم إلى عرفات، وكان الناس يقفن خارج الحرم من كان من أهل اليمن وغيرهم بعرفات، ويفيضون منها فأمر الله تعالى قريشاً أن يقفوا من حيث وقف الناس، ويفيضوا من حيث أفاض الناس فقال تعالى: ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ تعالى لذنوبكم في الموقف.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ متجاوز عن ذنوبكم.
فأمر النبيّ أن يخرج بالناس جميعاً إلى عرفات فيقف بها.
وروي عن النبيّ أنه قال: «إن الله تَعَالَى يُبَاهِي مَلائِكَتَهُ بِأَهْلِ عَرَفَات وَيَقُولُ: انْظُرُوا إِلى عبادي جاءوا مِنْ كُلِّ فَجَ عَمِيقٍ شُعْثاً غُبْراً.
اشْهَدُوا، أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ» .
ثم قال تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ، أي فرغتم من أمر حجكم فَاذْكُرُوا اللَّهَ باللسان كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ في ذلك الموقف أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً يقول: أو أكثر ذكراً، وذلك أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم، وقفوا بين المسجد الذي بمنى وبين الجبل، ثم ذكر كل واحد منهم أباه بما كان يعلم منه من الخير ثم يتفرقون، قال الله تعالى: فَاذْكُرُونِي بالخير كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ بالخير، فإن ذلك الخير مني.
وقال عطاء بن أبي رباح: قوله: كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ هو كقول الصبي: أبه أبه، يعني أن الصبي إذا كان أول ما يتكلم فإن أكثر قوله: أب أب.
ويقال فاذكروا الله كذكركم آباءكم لأبيكم آدم، لأنه لا أب له، بل أشد ذكراً، لأني خلقته من غير أب ولا أم وخلقتكم من الآباء والأمهات.
ثم قال تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا، وهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وعبيداً وإماءً وأموالاً، ولم يكونوا يسألون لأنفسهم التوبة ولا المغفرة، فأنزل الله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا.
وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ، أي من نصيب.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً قال ابن عباس: يعني الشهادة والمغفرة والغنيمة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة.
وقال القتبي: الحسنة النعمة كقوله: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ [التوبة: 50] ، أي نعمة.
وقال الحسن البصري: آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، أي العلم والعبادة وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، أي الجنة قال الإمام: حسنة الدنيا، ثوابك، وقوت من الحلال يكفيك، وزوجة صالحة ترضيك، وعلم إلى الحق يهديك، وعمل صالح ينجيك.
وأما حسنة الآخرة فإرضاء الخصومات، وعفو السيئات، وقبول الطاعات والنجاة من الدركات، والفوز بالدرجات وَقِنا عَذابَ النَّارِ، أي ادفع عنا عذاب النار.
أُولئِكَ، يعني المؤمنين الذين يدعون بهذا الدعاء لَهُمْ نَصِيبٌ، أي حظ مِمَّا كَسَبُوا من حجهم.
ويقال: لهم ثواب مما عملوا.
وقال قتادة: ذكر لنا أن رجلاً كان على عهد رسول الله قال: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة، فعجِّله لي في الدنيا فأضني الرجل في مرضه حتى نحل جسمه، فأخبر بذلك رسول الله فأتاه فأخبره بأنه كان يدعو بكذا وكذا، فقال النبيّ : «يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لاَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَقُومَ بِعُقُوبَةِ الله تَعَالَى ولكن قل: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ.
فدعا بها الرجل فبرأ.
ثم قال: وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ قال الكلبي: إذا حاسب فحسابه سريع.
ويقال: والله سريع الحفظ.
وقال الضحاك: يعني لا يخالطه العباد فِي الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولا يشغله ذلك.
ويقال: يحاسب كل إنسان فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة.
وقوله تعالى: <div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ/ ...
الآية.
قال مجاهد: المناسكُ: الذبائحُ، وهي إِراقة الدِّماء «١» .
ع «٢» : والمناسكُ عندي العباداتُ في معالمِ الحجِّ، ومواضع النسك فيه.
والمعنى: إِذا فرغتُمْ من حجِّكم الذي هو الوقوفُ بعرفة، فاذكروا اللَّه بمحامده، وأثْنُوا عليه بآلائه عندكم، وكانت عادَةُ العَرَبِ، إِذا قَضَتْ حجَّها، تقفُ عند الجَمْرة تتفاخَرُ بالآباء، وتذكر أيام أسلافها من بَسَالةٍ، وكَرَم، وغير ذلك، فنزلَتِ الآية، أنْ يُلْزِموا أنفسهم ذكر الله تعالى أكثر من التزامهم ذكر آبائهم بأيامِ الجاهلية، هذا قول جمهور المفسِّرين «٣» .
وقال ابن عبَّاس، وعطاء: معنى الآيةِ: واذكروا اللَّه كذكر الأطفال آباءهم، وأمهاتهمْ، أي: فاستغيثوا به، والْجئوا إِليه «٤» .
قال النوويُّ في «حليته» «٥» : والمرادُ من الذِّكْر حضورُ القَلْب، فينبغي أن يكون هو مقصودَ الذاكر، فيحرص على تحصيله، ويتدبَّر ما يذكر، ويتعقَّل معناه، فالتدبُّر في الذكْر مطلوبٌ كما هو مطلوب في القراءة لاشتراكهما في المعنَى المقصود، ولهذا كان المذهبُ الصحيحُ المختارُ استحبابَ مَدِّ الذاكرِ قوله: «لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ» ، لما فيه من التدبُّر، وأقوالُ السلفِ، وأئمةِ الخَلَف في هذا مشهورةٌ.
انتهى.
قال الشيخُ العارفُ أبو عبد اللَّه محمَّد بن أحمد الأنصاريُّ الساحليُّ المَالقِيُّ: ومنفعةُ الذكْرِ أبداً إِنما هي تَتْبع معناه بالفكْرِ ليقتبس الذاكِرُ من ذُكْرِهِ أنوار المعرفة، ويحصل على
اللُّبِّ المراد، ولا خير في ذِكْرٍ مع قَلْبٍ غافلٍ ساهٍ، ولا مع تضْييعِ شيءٍ من رسوم الشرعِ، وقال في موضعٍ آخر من هذا الكتاب الذي ألَّفه في «السُّلوك» : ولا مَطْمع للذَّاكر في دَرْكِ حقائقِ الذِّكْرِ إِلا بإِعمال الفكْر فيما تحْت ألفاظ الذكْر من المعانِي، وليدفع خَطَرات نفْسه عن باطنه راجِعاً إِلى مقتضى ذكْره حتى يغلب معنى الذكْر على قلبه، وقد آن له أنْ يدخل في دائرة أهْل المحاضَرَات.
انتهى.
وقوله تعالى: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا ...
الآية: قال أبو وائلٍ وغيره: كانت عادتهم في الجاهلية الدُّعَاءَ في مصالحِ الدنْيا فقطْ إذ كانوا لا يعرفون الآخرةَ، فَنُهُوا عن ذلك الدعاءِ المخصوصِ بأمر الدنيا، وجاء النهْيُ في صيغة الخبر عنه، والخَلاَقُ: الحظُّ، والنصيبُ «١» .
قال الحسنُ بْنُ أبي الحَسَن: حَسَنَةُ الدنيا: العلْمُ والعبَادة «٢» .
ع «٣» : واللفظ أَعمُّ من هذا، وحَسَنةُ الآخِرة الجنَّة بإِجماع، وعن أنس: قال:
كان أكثر دعاء النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» رواه البخاريُّ ومسلم وغيرهما «٤» ، زاد مسلمٌ: «وكَانَ أَنَسٌ، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ بِدُعَاءٍ دَعَا بِهَا فِيهِ» .
انتهى.
أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وعْدٌ على كسْب الأعمال الصالحة، والربُّ سبحانه سريعُ الحسابِ لأنه لا يحتاجُ إِلى عقْد، ولا إِعمال فكْر، قيل لعليٍّ- رضي اللَّه عنه-:
كيف يحاسِبُ اللَّه الخلائِقَ في يَوْمٍ، فقال: كما يَرْزُقُهُمْ فِي يومٍ، وقيل: الحسابُ هنا:
المجازاتُ.
وقيل: معنى الآية: سريعُ مجيءِ يومِ الحسابِ، فيكون المقصد بالآية الإنذار بيوم القيامة.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا اجْتَمَعُوا بِالمَوْسِمِ، ذَكَرُوا أفْعالَ آَبائِهِمْ وأيّامِهِمْ وأنْسابِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، فَتَفاخَرُوا بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الحُسْنِ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا حَدَّثُوا أوْ تَكَلَّمُوا يَقُولُونَ: وأبِيكَ إنَّهم لَفَعَلُوا كَذا وكَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا إذا قَضَوْا مَناسِكَهم، قامَ الرَّجُلُ بِمِنى.
فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَلا يَذْكُرُ اللَّهَ، إنَّما يَذْكُرُ أباهُ، ويَسْألُ أنَّ يُعْطى في دُنْياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ.
والمَناسِكُ: المُتَعَبِّداتُ.
وفي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها جَمِيعُ أفْعالِ الحَجِّ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّها إراقَةُ الدِّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وفي ذِكْرِهِمْ آَبائِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إقْرارُهم بِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ حَلَّفَهم بِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ إحْسانَ آَبائِهِمْ إلَيْهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَهم ويَنْسَوْنَ إحْسانَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ذِكْرُ الأطْفالِ الآَباءَ، لِأنَّهم أوَّلُ نُطْقِهِمْ بِذِكْرِ آَبائِهِمْ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ.
وفي "أوْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" .
والثّانِي: بِمَعْنى الواوِ.
و"الخَلاقُ" قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَفِي حَسَنَةِ الدُّنْيا سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَرْأةُ الصّالِحَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
والثّانِي: أنَّها العِبادَةُ، رَواهُ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: أنَّها العِلْمُ والعِبادَةُ، رَواهُ هُشامٌ عَنِ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: المالُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: العافِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: الرِّزْقُ الواسِعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّابِعُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي حَسَنَةِ الآَخِرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الحُورُ العِينُ، قالَهُ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: العَفْوُ والمُعافاةُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: دُعاؤُهم مُسْتَجابٌ، لِأنَّ كَسْبَهم هاهُنا هو الدُّعاءُ، وهَذِهِ الآَيَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ يُخالِفُ سَبَبَ أخَواتِها، فَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ماتَ أبِي ولَمْ يَحُجْ، أفَأحُجَّ عَنْهُ؟
فَقالَ: "لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ قَضَيْتِهِ، أما كانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟" قالَ: نَعَمْ، قالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى!" قالَ: فَهَلْ لِي مِن أجْرٍ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وَفِي مَعْنى سُرْعَةِ الحِسابِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قِلَّتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قُرْبَ مَجِيئِهِ، قالَ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ ما لِلْمُحاسِبِ وما عَلَيْهِ قَبْلَ حِسابِهِ، كانَ سَرِيعَ الحِسابِ لِذَلِكَ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: واللَّهُ سَرِيعُ المُجازاةِ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ كالعاجِزِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الجَمَراتِ، وأدْبارِ الصَّلَواتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْقاتِ الحَجِّ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّكْبِيرُ عُقَيْبَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ.
واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ في الوَقْتِ الَّذِي يَبْتَدِئُ فِيهِ بِالتَّكْبِيرِ ويَقْطَعُ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى [ما ] بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ مِن آَخَرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَنِيفَةَ.
والثّالِثُ: مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى [ما ] بَعْدَ العَصْرِ مِن آَخَرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى [ما ] بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ مِن يَوْمِ النَّفَرِ، وهو الثّانِي مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِنَ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ لَيْلَةَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ.
ومَذْهَبُ إمامِنا أحْمَدَ أنَّهُ كانَ مَحَلًّا، كَبُرَ عُقَيْبَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ صَلاةً؛ أوَّلُها الفَجْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ وآَخِرُها العَصْرُ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وإنْ كانَ مُحَرَّمًا كَبَّرَ عُقَيْبَ سَبْعَةَ عَشَرَ صَلاةً؛ أوَّلُها الظَّهْرُ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وآَخِرُها العَصْرُ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذا التَّكْبِيرُ عُقَيْبَ الفَرائِضِ بِكَوْنِها في جَماعَةٍ أمْ لا؟
فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ إحْداهُما: يَخْتَصُّ بِمَن صَلّاها في جَماعَةٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
والثّانِيَةُ: يَخْتَصُّ بِالفِرِيضَةِ، وإنْ صَلّاها وحْدَهُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وَفِي الأيّامِ المَعْدُوداتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّها يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ العَشْرِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: و "مَعْدُوداتٍ" يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا لِلشَّيْءِ القَلِيلِ، كَما يُقالُ: دُرَيْهِماتٌ وحَمّاماتٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ ﴾ أيْ: فَمَن تَعَجَّلَ النَّفَرُ الأوَّلُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن أيّامِ مِنى، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى النَّفَرِ الثّانِي، وهو اليَوْمُ الثّالِثُ مِن أيّامِ مِنى، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ، إنَّما يَخافُ الإثْمَ المُتَعَجِّلَ، فَما بالُ المُتَأخِّرِ أُلْحِقَ بِهِ، والَّذِي أتى بِهِ أفْضَلُ؟!
فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: لا إثْمَ عَلى المُتَعَجِّلِ، والمُتَأخِّرُ مَأْجُورٌ، فَقالَ: لا إثْمَ عَلَيْهِ، لِتُوافُقِ اللَّفْظَةِ الثّانِيَةِ الأُولى، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ والثّانِي: أنَّ المَعْنى: فَلا إثْمَ عَلى المُتَأخِّرِ في تَرْكِ اسْتِعْمالِ الرُّخْصَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: قَدْ زالَتْ آَثامُ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها قَبْلَ حَجِّهِما.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: طَرْحُ المَأْثَمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ إنَّما يَكُونُ بِشَرْطِ التَّقْوى.
وَفِي مَعْنى ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِمَنِ اتَّقى المَعاصِيَ في حَجِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِمَنِ اتَّقى اللَّهَ في حَجِّهِ.
والثّالِثُ: لِمَنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أو أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن خَلاقٍ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ واذْكُرُوا اللهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ قُرَيْشٌ، ومَن وُلِدَتْ، وهُمُ الحُمْسُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ قِطَّيْنُ اللهِ فَيَنْبَغِي لَنا أنْ نُعَظِّمَ الحَرَمَ، ولا نُعَظِّمَ شَيْئًا مِنَ الحَلِّ، فَسَنُّوا شَقَّ الثِيابِ في الطَوافِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكانُوا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ أنَّ عَرَفَةَ هي مَوْقِفُ إبْراهِيمَ، لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ، ويَقِفُونَ بِجَمْعٍ، ويُفِيضُونَ مِنهُ، ويَقِفُ الناسُ بِعَرَفَةَ.
فَقِيلَ لَهم أنْ يُفِيضُوا مَعَ الجُمْلَةِ.
"ثُمَّ" لَيْسَتْ في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّرْتِيبِ، إنَّما هي لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ هي مِنها مُنْقَطِعَةٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ مِنَ الحَمْسِ، ولَكِنَّهُ كانَ يَقِفُ مُذْ كانَ بِعَرَفَةَ هِدايَةً مِنَ اللهِ.
وقالَ الضَحّاكُ: "المُخاطَبُ بِالآيَةِ جُمْلَةُ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِـ الناسِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ كَما قالَ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ ﴾ وهو يُرِيدُ واحِدًا"، ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يُؤْمَرُوا بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إفاضَةً أُخْرى، وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ فَتَجِيءُ "ثُمَّ" عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى بابِها، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَوَّلَ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٌ: "الناسِي" وتَأْوِيلُهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَخْفِيفُ الياءِ فَيَقُولُ: الناسُ كالقاضِّ والهادِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا جَوازُهُ في العَرَبِيَّةِ فَذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وأمّا جَوازُهُ مَقْرُوءًا بِهِ فَلا أحْفَظُهُ.
وأمَرَ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّها مَواطِنُهُ، ومَظانُّ القَبُولِ، ومَساقِطُ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ : خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقالَ: أيُّها الناسُ: إنَّ اللهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكم في مَقامِكم هَذا فَقَبِلَ مِن مُحْسِنِكُمْ، ووَهَبَ مُسِيئِكم لِمُحْسِنِكُمْ، إلّا التَبِعاتُ فِيما بَيْنَكُمْ، أفِيضُوا عَلى اسْمِ اللهِ.
فَلَمّا كانَ غَداةَ جُمَعٍ؛ خَطَبَ فَقالَ: أيُّها الناسُ إنِ اللهَ تَطاوُلَ عَلَيْكم فَعَوَّضَ التَبِعاتِ مِن عِنْدِهِ».
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: واسْتَغْفَرُوا اللهَ مِن فِعْلِكُمُ الَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ في وُقُوفِكم بِقُزَحٍ مِنَ المُزْدَلِفَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَناسِكُ الذَبائِحُ وهِراقَةُ الدِماءِ.
والمَناسِكُ عِنْدِي: العِباداتُ في مَعالِمِ الحَجِّ ومَواضِعِ النُسُكِ فِيهِ.
والمَعْنى: إذا فَرَغْتُمْ مِن حَجِّكُمُ، الَّذِي هو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فاذْكُرُوا اللهَ بِمَحامِدِهِ، وأثْنُوا عَلَيْهِ بِآلائِهِ عِنْدَكُمْ، وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالقَضاءِ لِما يَقْضِي الناسُ فِيهِ مَناسِكَهم في حِينٍ واحِدٍ، وما قَبْلُ وما بَعْدُ فَهو عَلى الِافْتِراقِ، هَذا في طَوافٍ، وهَذا في رَمْيٍ، وهَذا في حَلاقٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ -إذا قَضَتْ حَجَّها- تَقِفُ عِنْدَ الجَمْرَةِ، فَتَتَفاخَرُ بِالآباءِ، وتَذْكُرُ أيّامَ أسْلافِها مِن بَسالَةٍ وكَرَمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم ذِكْرَ اللهِ تَعالى أكْثَرَ مِنَ التِزامِهِمْ ذِكْرَ آبائِهِمْ بِأيّامِ الجاهِلِيَّةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِ الأطْفالِ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ، أيْ: فاسْتُغِيثُوا بِهِ، والجَئُوا إلَيْهِ كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ في حالِ صِغَرِكم بِآبائِكم.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُوا اللهَ وعَظِّمُوهُ وذَبُّوا عن حَرَمِهِ، وادْفَعُوا مَن أرادَ الشِرْكَ والنَقْصَ في دِينِهِ ومَشاعِرِهِ، كَما تَذْكُرُونَ آباءَكم بِالخَيْرِ، إذا غَضَّ أحَدٌ مِنهم وتَحْمُونَ جَوانِبَهُمْ، وتَذُبُّونَ عنهم.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "كَذِكْرِكم آباؤُكُمْ"، أيِ اهْتَبِلُوا بِذِكْرِهِ كَما يَهْتَبِلُ المَرْءُ بِذِكْرِ ابْنِهِ، فالمَصْدَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، و"أشَدَّ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "ذِكْرِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ التَقْدِيرُ: أوِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ ﴾ الآيَةُ.
قالَ أبُو وائِلٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: كانَتْ عادَتُهم في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَدْعُوا في مَصالِحِ الدُنْيا فَقَطْ، إذْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الآخِرَةَ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ الدُعاءِ المَخْصُوصِ بِأمْرِ الدُنْيا، وجاءَ النَهْيُ في صِيغَةِ الخَبَرِ عنهم.
والخَلاقُ: النَصِيبُ والحَظُّ، و"مِن" زائِدَةٌ لِأنَّها بَعْدَ النَفْيِ، فَهي مُسْتَغْرِقَةٌ لِجِنْسِ الحُظُوظِ.
وقالَ قَتادَةُ: حَسَنَةُ الدُنْيا: العافِيَةُ في الصِحَّةِ وكَفافُ المالِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: حَسَنَةُ الدُنْيا: العِلْمُ والعِبادَةُ.
وقالَ السُدِّيُّ: حَسَنَةُ الدُنْيا: المالُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُنْيا: المَرْأةُ الحَسْناءُ، واللَفْظَةُ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، وجَمِيعُ مُحابِّ الدُنْيا.
وَحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ.
﴿ وَقِنا عَذابَ النارِ ﴾ دُعاءٌ في ألّا يَكُونَ المَرْءُ مِمَّنْ يَدْخُلُها بِمَعاصِيهِ، وتُخْرِجُهُ الشَفاعَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُؤَكِّدًا لِطَلَبِ دُخُولِ الجَنَّةِ، لِتَكُونَ الرَغْبَةُ في مَعْنى النَجاةِ، والفَوْزُ مِنَ الطَرَفَيْنِ، كَما «قالَ أحَدُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ : "أنا إنَّما أقُولُ في دُعائِي: اللهُمَّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ، وعافِنِي مِنَ النارِ.
ولا أدْرِي ما دَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ ؟" فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "حَوْلَها نُدَنْدِنُ"».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ الآيَةُ.
وعُدَّ عَلى كَسْبِ الأعْمالِ الصالِحَةِ في صِيغَةِ الإخْبارِ المُجَرَّدِ.
والرَبُّ تَعالى سَرِيعُ الحِسابِ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَقْدٍ، ولا إلى إعْمالِ فِكْرٍ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ في يَوْمٍ؟
فَقالَ: كَما يَرْزُقُهم في يَوْمٍ، وقِيلَ: الحِسابُ هُنا المُجازاةُ، كَأنَّ المُجازِي يُعِدُّ أجْزاءَ العَمَلِ ثُمَّ يُجازِي بِمِثْلِها، وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: سَرِيعٌ مَجِيءُ يَوْمِ الحِسابِ، فالمَقْصِدُ بِالآيَةِ الإنْذارُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِذِكْرِهِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، وهي الثَلاثَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ.
وهي أيّامُ التَشْرِيقِ، ولَيْسَ يَوْمَ النَحْرِ مِنَ المَعْدُوداتِ، ودُلَّ عَلى ذَلِكَ إجْماعُ الناسِ عَلى أنَّهُ لا يَنْفِرُ أحَدٌ يَوْمَ القَرِّ وهو ثانِي يَوْمِ النَحْرِ، فَإنَّ يَوْمَ النَحْرِ مِنَ المَعْلُوماتِ، ولَوْ كانَ يَوْمَ النَحْرِ في المَعْدُوداتِ لَساغَ أنْ يَنْفِرَ مَن شاءَ مُتَعَجِّلًا يَوْمَ القَرِّ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ يَوْمَيْنِ مِنَ المَعْدُوداتِ.
وحَكى مَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المَعْدُوداتُ هي أيّامُ العَشْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَصْحِيفِ النُسْخَةِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ العَشْرَ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ وفي ذَلِكَ بُعْدٌ.
والأيّامُ المَعْلُوماتُ: هي يَوْمُ النَحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّهُ لا يَنْحَرُ أحَدٌ في اليَوْمِ الثالِثِ.
والذِكْرُ في المَعْلُوماتِ إنَّما هو عَلى ما رَزَقَ اللهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ وأيّامُ التَشْرِيقِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.
وجَعَلَ اللهُ الأيّامَ المَعْدُوداتِ أيّامَ ذِكْرِ اللهِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : «هِيَ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرٍ لِلَّهِ».
ومِن جُمْلَةِ الذِكْرِ التَكْبِيرُ في إثْرِ الصَلَواتِ.
واخْتَلَفَ في طَرَفَيْ مُدَّةِ التَكْبِيرِ.
فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الصُبْحِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَحْرِ.
وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمِ النَحْرِ إلى صَلاةِ الظُهْرِ مِن آخِرِ يَوْمِ التَشْرِيقِ.
وقالَ مالِكٌ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمِ النَحْرِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ، وبِهِ قالَ الشافِعِيُّ.
وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يُكَبِّرُ مِنَ الظَهْرِ يَوْمَ النَحْرِ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُكَبِّرُ مِنَ الظُهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَحْرِ إلى صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَفَرِ الأوَّلِ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَحْرِ.
ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُكَبِّرُ إثْرَ كُلِّ صَلاةِ ثَلاثِ تَكْبِيراتٍ.
وفي المَذْهَبِ رِوايَةٌ أنَّهُ يُقالُ بَعْدَ التَكْبِيراتِ الثَلاثِ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: مَن نَفَرَ في اليَوْمِ الثانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثالِثِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عنهُ بِهَذا التَقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا إذْ كانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَذُمُّ المُتَعَجِّلَ وبِالعَكْسِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجَناحِ في كُلِّ ذَلِكَ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى أنَّ التَعَجُّلَ إنَّما أُبِيحَ لِمَن بَعُدَ قُطْرُهُ لا لِلْمَكِّيِّ والقَرِيبِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، قالَهُ مالِكٌ، وغَيْرُهُ.
ومِنهم مَن رَأى أنَّ الناسَ كُلَّهم مُباحٌ لَهم ذَلِكَ.
قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: «مِن حَجِّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن خَطاياهُ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» فَقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا إثْمَ" نَفْيٌ عامٌّ وتَبْرِئَةٌ مُطْلَقَةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ أو تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إلى العامِ القابِلِ، وأسْنَدَ في هَذا القَوْلِ أثَرٌ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَعْنى في الآيَةِ: لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى بَقِيَّةَ عُمْرِهِ، والحاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ البَتَّةَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَيْدِ وما يَجِبُ عَلَيْهِ تَجَنُّبُهُ في الحَجِّ.
وَقالَ أيْضًا: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ فَأتى بِهِ تامًّا حَتّى كانَ مَبْرُورًا.
واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ ، مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالغُفْرانِ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، أو بِارْتِفاعِ الإثْمِ في الحَجِّ عَلى بَعْضِها.
وقِيلَ: بِالذِكْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "واذْكُرُوا"، أيِ الذِكْرُ لِمَنِ اتَّقى، ويَسْقُطُ رَمْيُ الجَمْرَةِ الثالِثَةِ عَمَّنْ تَعَجَّلَ.
وقالَ ابْنُ أبِي زَمَنَيْنِ: يَرْمِيها في يَوْمِ النَفَرِ الأوَّلِ حِينَ يُرِيدُ التَعَجُّلَ.
قالَ ابْنُ المَوّازِ: يَرْمِي المُتَعَجِّلُ في يَوْمَيْنِ بِإحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ فَيَصِيرُ جَمِيعُ رَمْيِهِ بِتِسْعٍ وأرْبَعِينَ حَصاةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهُ قَدْ رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِسَبْعِ يَوْمِ النَحْرِ، قالَ ابْنُ المَوّازِ: ويَسْقُطُ رَمْيُ اليَوْمِ الثالِثِ.
وقَرَأ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "فَلا اثْمَ عَلَيْهِ" بِوَصْلِ الألِفِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى، وذَكَّرَ بِالحَشْرِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
تفريع على قوله: ﴿ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ﴾ [البقرة: 199] لأن تلك الإفاضة هي الدفع من مزدلفة إلى منى أو لأنها تستلزم ذلك ومنى هي محل رمي الجمار، وأشارت الآية إلى رمي جمرة العقبة يوم عاشر ذي الحجة فأمرت بأن يذكروا الله عند الرمي ثم الهدي بعد ذلك وقد تم الحج عند ذلك، وقضيت مناسكه.
وقد أجمعوا على أن الحاج لا يرمي يوم النحر إلاّ جمرة العقبة من بعد طلوع الشمس إلى الزوال ثم ينحر بعد ذلك، ثم يأتي الكعبة فيطوف طواف الإفاضة وقد تم الحج وحل للحاج كل شيء إلاّ قربان النساء.
والمناسك جمع مَنْسَك مشتق من نسك نَسْكاً من باب نصر إذا تعبد وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ [البقرة: 128] فهو هنا مصدر ميمي أو هو اسم مكان والأول هو المناسب لقوله: ﴿ قضيتم ﴾ ؛ لئلا نحتاج إلى تقدير مضاف أي عبادات مناسككم.
وقرأ الجميع ﴿ مناسككم ﴾ بفك الكافين وقرأه السوسي عن أبي عمرو بإدغامهما وهو الإدغام الكبير.
وقوله: ﴿ فاذكروا الله ﴾ أعاد الأمر بالذكر بعد أن أمر به وبالاستغفار تحضيضاً عليه وإبطالاً لما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال بفضول القول والتفاخر، فإنه يجر إلى المراء والجدال، والمقصد أن يكون الحاج منغمساً في العبادة فعلاً وقولاً واعتقاداً.
وقوله: ﴿ كذكركم أباءكم ﴾ بيان لصفة الذكر، فالجار والمجرور نعت لمصدر محذوف أي ذكراً كذكركم الخ إشارة إلى ما كانوا عليه من الاشتغال في أيام منى بالتفاخر بالأنساب ومفاخر أيامهم، فكانوا يقفون بين مسجد منى أي موضعه وهو مسجد الخيف وبين الجبل (أي جبل منى الذي مبدؤه العقبة التي ترمى بها الجمرة) فيفعلون ذلك.
وفي «تفسير ابن جرير» عن السدي: كان الرجل يقوم فيقول: اللهم إن أبي كان عظيم القبة عظيم الجفنة كثير المال فأعطني مثل ما أعطيته، فلا يذكر غير أبيه وذكر أقوالاً نحواً من ذلك.
والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به وليس فيه ما يؤذن بالجمع بين ذكر الله وذكر الآباء.
وقوله: ﴿ أو أشد ذكرا ﴾ أضل أو أنها للتخيير ولما كان المعطوف بها في مثل ما هنا أولى بمضمون الفعل العامل في المعطوف عليه أفادت (أو) معنى من التدرج إلى أعلى، فالمقصود أن يذكروا الله كثيراً، وشبه أولاً بذكر آبائهم تعريضاً بأنهم يشتغلون في ذلك المناسك بذكر لا ينفع وأن الأجدر بهم أن يعوضوه بذكر الله فهذا تعريض بإبطال ذكر الآباء بالتفاخر.
ولهذا قال أبو علي الفارسي وابن جنى: إن (أو) في مثل هذا للإضراب الانتقالي ونفَيَا اشتراط تقدم نفي أو شبهه واشتراط إعادة العامل.
وعليه خُرج قوله تعالى: ﴿ وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ﴾ [الصافات: 147]، وعلى هذا فالمراد من التشبيه أولاً إظهار أن الله حقيق بالذكر هنالك مثل آبائِهم ثم بين بأن ذكر الله يكون أشد لأنه أحق بالذكر.
و (أشد) لا يخلو عن أن يكون معطوفاً على مصدر مقدر منصوب على أنه مفعول مطلق بعد قوله ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ تقديره: ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ فتكون فتحة ﴿ أشد ﴾ التي في آخره فتحة نصب، فنصبه بالعطف على المصدر المحذوف الذي دل عليه قوله ﴿ كذكركم ﴾ والتقدير: ذكراً كذكركم آباءكم، وعلى هذا الوجه فنصب ﴿ ذكراً ﴾ يظهر أنه تمييز لأشد، وإذ قد كان (أشد) وصفاً لذكر المقدر صار مآل التمييز إلى أنه تمييز الشيء بمرادفه وذلك ينافي القصد من التمييز الذي هو لإزالة الإبهام، إلاّ أن مثل ذلك يقع في الكلام الفصيح وإن كان قليلاً قلة لا تنافي الفصاحة اكتفاء باختلاف صورة اللفظين المترادفين، مع إفادة التمييز حينئذٍ توكيد المميز كما حكى سيبويه أنهم يقولون: هو أشح الناس رجلاً، وهما خير الناس اثنين، وهذا ما درج عليه الزجاج في «تفسيره»، قلت: وقريب منه استعمال تمييز (نعم) توكيداً في قوله جرير: تَزَوَّدْ مثلَ زاد أبيك فينا *** فنِعْم الزاد زادُ أبيك زَادا ويجوز أن يكون نصب ﴿ أشد ﴾ على الحال من (ذكر) الموالي له وأن أصل أشد نعت له وكان نظم الكلام: أو ذكراً أشد، فقدم النعت فصار حالاً، والداعي إلى تقديم النعت حينئذٍ هو الاهتمام بوصف كونه أشد، وليتأتى إشباع حرف الفاصلة عند الوقف عليه، وليباعد ما بين كلمات الذكر المتكررة ثلاث مرات بقدر الإمكان.
أو أن يكون (أشد) معطوفاً على (ذكر) المجرور بالكاف من قوله: ﴿ كذكركم ﴾ ولا يمنع من ذلك ما قيل من امتناع العطف على المجرور بدون إعادة الجار لأن ذلك غير متفق عليه بين أئمة النحو، فالكوفيون لا يمنعونه ووافقهم بعض المتأخرين مثل ابن مالك وعليه قراءة حمزة ﴿ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ﴾ [النساء: 1] بجر الأرحام وقد أجاز الزمخشري هنا وفي قوله تعالى: ﴿ كخشية الله أو أشد خشية ﴾ في [سورة النساء: 77] أن يكون العطف على المجرور بالحرف بدون إعادة الجار، وبعض النحويين جوزه فيما إذا كان الجر بالإضافة لا بالحرف كما قاله ابن الحاجب في إيضاح المفصل } ، وعليه ففتحة ﴿ أشد ﴾ نائبة عن الكسرة، لأن أشد ممنوع من الصرف وعلى هذا الوجه فانتصاب ﴿ ذكرا ﴾ على التمييز على نحو ما تقدم في الوجه الأول عن سيبويه والزجاج.
ولصاحب «الكشاف» تخريجان آخران لإعراب ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ فيهما تعسف دعاه إليهما الفرار من ترادف التمييز والمميز، ولابن جني تبعاً لشيخه أبي علي تخريج آخر، دعاه إليه مثل الذي دعا الزمخشري وكان تخريجه أشد تعسفاً ذكره عنه ابن المنير في «الانتصاف»، وسلكه الزمخشري في تفسير آية سورة النساء.
وهذه الآية من غرائب الاستعمال العربي، ونظيرتها آية سورة النساء، قال الشيخ ابن عرفة في «تفسيره» «وهذه مسألة طويلة عويصة ما رأيت من يفهمها من الشيوخ إلاّ ابن عبد السلام وابن الحباب وما قصر الطيبي فيها وهو الذي كشف القناع عنها هنا وفي قوله تعالى في [سورة النساء: 77] ﴿ يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ﴾ وكلامه في تلك الآية هو الذي حمل التونسيين على نسخه؛ لأني كنت عند ابن عبد السلام لما قدم الواصل بكتاب الطيبي فقلت له: ننظر ما قال: في أشد خشية } فنظرناه فوجدنا فيه زيادة على ما قال الناس فحض الشيخ إذ ذاك على نسخها اه».
وقوله: ﴿ فمن الناس من يقول ﴾ الخ، الفاء للتفصيل؛ لأن ما بعدها تقسيم لفريقين من الناس المخاطبين بقوله: ﴿ فاذكروا الله ﴾ الخ فقد علم السامعون أن الذكر يشمل الدعاء؛ لأنه من ذكر الله وخاصة في مظان الإجابة من الزمان والمكان، لأن القاصدين لتلك البقاع على اختلاف أحوالهم ما يقصدون إلاّ تيمناً ورجاء فكان في الكلام تقدير كأنه قيل: فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً وادْعوه، ثم أريد تفصيل الداعين للتنبيه على تفاوت الذين تجمعهم تلك المناسك، وإنما لم يفعل الذكر الأعم من الدعاء، لأن الذكر الذي ليس بدعاء لا يقع إلاّ على وجه واحد وهو تمجيد الله والثناء عليه فلا حاجة إلى تفصيله تفصيلاً ينبه إلى ما ليس بمحمود، والمقسم إلى الفريقين جميع الناس من المسلمين والمشركين؛ لأن الآية نزلت قبل تحجير الحج على المشركين بآية براءة، فيتعين أن المراد بمن ليس له في الآخرة من خلاق هم المشركون؛ لأن المسلمين لا يهملون الدعاء لخير الآخرة ما بلغت بهم الغفلة، فالمقصود من الآية التعريض بذم حالة المشركين، فإنهم لا يؤمنون بالحياة الآخرة.
وقوله: ﴿ آتنا ﴾ ترك المفعول الثاني لتنزيل الفعل منزلة ما لا يتعدى إلى المفعول الثاني لعدم تعلق الغرض ببيانه أي أعطنا عطاء في الدنيا، أو يقدر المفعول بأنه الإنعام أو الجائزة أو محذوف لقرينة قوله ﴿ حسنة ﴾ فيما بعد، أي ﴿ آتنا في الدنيا حسنة ﴾ .
و«الخلاق» بفتح الخاء الحظ من الخير والنفيس مشتق من الخلاقة وهي الجدارة، يقال خلق بالشيء بضم اللام إذا كان جديراً به، ولما كان معنى الجدارة مستلزماً نفاسة ما به الجدارة دل ما اشتق من مرادفها على النفاسة سواء قيد بالمجرور كما هنا أم أطلق كما في قوله صلى الله عليه وسلم " إنما يلبس هذه من خلاق له " أي من الخير وقول البعيث بن حريث: ولَسْتُ وإن قُرِّبْتُ يَوْماً ببائعٍ *** خَلاَقي ولا دِيني ابِتغاءَ التَّحَبُّبِ وجملة ﴿ وما له في الآخرة من خَلَقِ ﴾ معطوفة على جملة ﴿ من يقول ﴾ فهي ابتدائية مثلها، والمقصود: إخبار الله تعالى عن هذا الفريق من الناس أنه لا حظ له في الآخرة، لأن المراد من هذا الفريق الكفار، فقد قال ابن عطية: كانت عادتهم في الجاهلية ألا يدعوا إلاّ بمصالح الدنيا إذ كانوا لا يعرفون الآخرة.
ويجوز أن تكون الواو للحال، والمعنى من يقول ذلك في حال كونه لا حظ له في الآخرة ولعل الحال للتعجيب.
و ﴿ حسنة ﴾ أصلها صفة لفعلة أو خصلة، فحذف الموصوف ونزل الوصف منزلة الاسم مثل تنزيلهم الخير منزلة الاسم مع أن أصله شيء موصوف بالخيرية، ومثل تنزيل صالحة منزلة الاسم في قول الحطيئة: كيفَ الهجاءُ وما تنفك صالحة *** من آل لأْممٍ بظهر الغَيْب تَأتِينِي ووقعت حسنة في سياق الدعاء فيفيد العموم، لأن الدعاء يقصد به العموم كقول الحريري: يا أَهْل ذا المَغْنَى وُقِيتُمْ ضُرَّا *** وهو عموم عرفي بحسب ما يصلح له كل سائل من الحسنتين.
وإنما زاد في الدعاء ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب ما فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار.
وقوله: ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴾ إشارة إلى الفريق الثاني، والنصيب: الحظ المعطى لأحد في خير أو شر قليلاً كان أو كثيراً ووزنه على صيغة فَعيل، ولم أدر أصل اشتقاقه فلعلهم كانوا إذا عينوا الحظ لأحد ينصب له ويظهر ويشخص، وهذا ظاهر كلام الزمخشري في «الأساس» والراغب في «مفردات القرآن» أو هو اسم جاء على هذه الصيغة ولم يقصد منه معنى فاعل ولا معنى مفعول، وإطلاق النصيب على الشقص المشاع في قولهم نصيب الشفيع م جاز بالأول.
واعلم أنه وقع في «لسان العرب» في مادة (كفل) أنه لا يقال هذا نصيب فلان حتى يكون قد أعِد لغيره فإذا كان مفرداً فلا يقال نصيب وهذا غريب لم أره لغيره سوى أن الفخر نقل مثله عن ابن المظفر عند قوله تعالى: ﴿ يكن له كفل منها ﴾ في [سورة النساء: 85].
ووقع في كلام الزجاج وابن عطية في تفسير قوله تعالى: ﴿ وجعلوا لله مما ذرأ من الحرب والأنعام نصيباً ﴾ [الأنعام: 136] قال الزجاج تقدير الكلام جعلوا لله نصيباً ولشركائهم نصيباً، وقال ابن عطية قولهم جعل من كذا وكذا نصيباً يتضمن بقاء نصيب آخر ليس بداخل في حكم الأول اه.
وهذا وعد من الله تعالى بإجابة دعاء المسلمين الداعين في تلك المواقف المباركة إلاّ أنه وعد بإجابة شيء مما دَعوا به بحسب ما تقتضيه أحوالهم وحكمة الله تعالى، وبألا يجر إلى فساد عام لا يرضاه الله تعالى فلذلك نكر (نصيب) ليصدق بالقليل والكثير وأما إجابة الجميع إذا حصلت فهي أقوى وأحسن.
وكسبوا بمعنى طلبوا، لأن كسب بمعنى طلب ما يرغب فيه.
ويجوز أن يراد بالكسب هنا العمل وبالنصيببِ نصيبُ الثواب فتكون (من) ابتدائية.
واسم الإشارة مشير إلى الناس الذين يقولون: ﴿ ربنا آاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ﴾ للتنبيه باسم الإشارة على أن اتصافهم بما بعد اسم الإشارة شيء استحقوه بسبب الإخبار عنهم بما قبل اسم الإشارة، أي إن الله استجاب لهم لأجل إيمانهم بالآخرة فيفهم منه أن دُعاء الكافرين في ضلال.
وقوله: ﴿ والله سريع الحساب ﴾ تذييل قصد به تحقيق الوعد بحصول الإجابة، وزيادة تبشير لأهل ذلك الموقف، لأن إجابة الدعاء فيه سريعة الحصول، فعلم أن الحساب هنا أطلق على مراعاة العمل والجزاء عليه.
والحساب في الأصل العد، ثم أطلق على عد الأشياء التي يراد الجزاء عليها أو قضاؤها، فصار الحساب يطلق على الوفاء بالحق يقال حاسبه أي كافأه أو دفع إليه حقه، ومنه سمي يوم القيامة يوم الحساب وقال تعالى: ﴿ إن حسابهم إلا على ربي ﴾ [الشعراء: 113] وقال ﴿ جزاء من ربك عطاء حساباً ﴾ [النبأ: 36] أي وفاقاً لأعمالهم، وههنا أيضاً أريد به الوفاء بالوعد وإيصال الموعود به، فاستفادة التبشير بسرعة حصول مطلوبهم بطريق العموم؛ لأن إجابتهم من جملة حساب الله تعالى عباده على ما وَعدهم فيدخل في ذلك العموم.
والمعنى فإذا أتممتم أيها المسلمون مناسك حجكم فلا تنقطعوا عن أن تذكروا الله بتعظيمه وحمده، وبالالتجاء إليه بالدعاء لتحصيل خير الدنيا وخير الآخرة، ولا تشتغلوا بالتفاخر، فإن ذكر الله خير من ذكركم آباءكم كما كنتم تذكرونهم بعد قضاء المناسك قبل الإسلام وكما يذكرهم المشركون الآن.
ولا تكونوا كالذين لا يدعون إلاّ بطلب خير الدنيا ولا يتفكرون في الحياة الآخرة، لأنهم ينكرون الحياة بعد الموت فإنكم إن سألتموه أعطاكم نصيباً مما سألتم في الدنيا وفي الآخرة إن الله يعجل باستجابة دعائكم.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ﴾ أمّا المَناسِكُ، فَهي المُتَعَبَّداتُ، وفِيها هَهُنا تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الذَّبائِحُ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: ما أُمِرُوا بِفِعْلِهِ في الحَجِّ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ هَذا الذِّكْرَ هو التَّكْبِيرُ في أيّامِ مِنًى.
والثّانِي: أنَّهُ جَمِيعُ ما سُنَّ مِنَ الأدْعِيَةِ في مَواطِنِ الحَجِّ كُلِّها.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهم كانُوا إذا فَرَغُوا مِن حَجِّهِمْ في الجاهِلِيَّةِ جَلَسُوا في مِنًى حِلَقًا وافْتَخَرُوا بِمَناقِبِ آبائِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أوْ أشَدَّ ذِكْرًا ﴾ ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ، فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمُ الأبْناءِ الصِّغارِ لِلْآباءِ، إذا قالُوا: أبَهْ أُمَّهْ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا يَدْعُونَ، فَيَقُولُ الواحِدُ مِنهُمُ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، عَظِيمَ القُبَّةِ، كَثِيرَ المالِ، فاعْطِنِي مِثْلَ ما أعْطَيْتَهُ، فَلا يَذْكُرُ غَيْرَ أبِيهِ، فَأُمِرُوا بِذِكْرِ اللَّهِ، كَذِكْرِهِمْ آباءَهم، أوْ أشَدَّ ذِكْرًا، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ فِيها أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها أنَّهُ: الحَسَنَةُ العافِيَةُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: أنَّها نِعَمُ الدُّنْيا ونِعَمُ الآخِرَةِ، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
والثّالِثُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا العِلْمُ، والعِبادَةُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ الحَسَنَةَ في الدُّنْيا المالُ، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةُ، وهو قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ، والسُّدِّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ قال: حجكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ قال: حجكم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ قال: اهراقه الدماء ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم ﴾ قال: تفاخر العرب بينها بفعال آبائها يوم النحر حين يفزعون، فامروا بذكر الله مكان ذلك.
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: كان المشركون يجلسون في الحج فيذكرون أيام آبائهم وما يعدون من أنسابهم يومهم أجمع، فأنزل الله على رسوله في الإِسلام ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحملات ويحمل الديات ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله: ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: كانوا إذا فزعوا من حجهم تفاخروا بالآباء، فأنزل الله: ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم ﴾ .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة فذكروا آباءهم وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم، فنزلت هذه الآية.
وأخرج الفاكهي عن أنس قال: كانوا في الجاهلية يذكرون آباءهم فيقول أحدهم، كان أبي يطعم الطعام.
ويقول الآخر: كان أبي يضرب بالسيف.
ويقول الآخر: كان أبي يجز النواصي.
فنزلت ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم ﴾ .
وأخرج وكيع وابن جرير عن سعيد بن جبير وعكرمة قالا: كانوا يذكرون فعل آبائهم في الجاهلية إذا وقفوا بعرفة، فنزلت ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم ﴾ .
وأخرج وكيع وعبد بن حميد عن عطاء قال: كان أهل الجاهلية إذا نزلوا منى تفاخروا بآبائهم ومجالسهم، فقال هذا: فعل أبي كذا وكذا.
وقال هذا: فعل أبي كذا وكذا.
فذلك قوله: ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً ﴾ قال: هو قول الصبي أوّل ما يفصح في الكلام أباه وأمه.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس.
أنه قيل له: قول الله: ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ أن الرجل ليأتي عليه اليوم وما يذكر أباه، قال: إنه ليس بذاك ولكن يقول: تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك إذا ذكر والديك بسوء.
أما قوله تعالى: ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ﴾ الآيات.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان قوم من الأعراب يجيئون إلى الموقف فيقولون: اللهم اجعله عام غيث، وعام خصب، وعام ولاد حسن ولا يذكرون من أمر الآخرة شيئاً، فأنزل فيهم ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ﴾ ويجيء بعدهم آخرون من المؤمنين فيقولون ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾ فأنزل الله فيهم ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ﴾ .
وأخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير قال: كان الناس في الجاهلية إذا وقفوا عند المشعر الحرام دعوا فقال أحدهم: اللهم ارزقني ابلاً.
وقال الآخر: اللهم ارزقني غنماً، فأنزل الله: ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ﴾ إلى قوله: ﴿ سريع الحساب ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن أنس بن مالك في قوله: ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا ﴾ قال: كانوا يطوفون بالبيت عراة فيدعون: اللهم اسقنا المطر، وأعطنا على عدونا الظفر، وردنا صالحين إلى صالحين.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: كانوا يقولون: ربنا آتنا رزقاً ونصراً، ولا يسألون لآخرتهم شيئاً فنزلت.
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وأبو يعلى عن أنس قال كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله صلى الله عليه وسلم «اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو يعلى وابن حبان وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غادر رجلاً من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل كنت تدعو الله بشيء؟» قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبني به في الآخرة فعجله لي في الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله.
!
إذن لا تطيق ذلك ولا تستطيعه، فهلا قلت ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟
ودعا له فشفاه الله» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن أبي حاتم عن أنس.
أن ثابتاً قال له: إن إخوانك يحبون أن تدعو لهم.
فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
فأعاد عليه فقال: تريدون أن أشقق لكم الأمور إذا أتاكم الله في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ووقاكم عذاب النار، فقد آتاكم الخير كله.
وأخرج الشافعي وابن سعد وابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في تاريخه وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان والطبراني والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن السائب.
أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيما بين الركن اليماني والحجر: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مررت على الركن إلا رأيت عليه ملكاً يقول آمين، فإذا مررتم عليه فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» .
وأخرج ابن أبي شيبة والبيهقي في الشعب عن ابن عباس.
أن ملكاً موكلاً بالركن اليماني منذ خلق الله السموات والأرض يقول: آمين آمين.
فقولوا: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وأخرج ابن ماجة والجندي في فضائل مكة عن عطاء بن أبي رباح سئل عن الركن اليماني وهو في الطواف فقال: حدثني أبو هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وكل به سبعون ملكاً فمن قال: اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قال: آمين» .
وأخرج الأزرقي عن ابن أبي نجيح قال: كان أكثر كلام عمر وعبد الرحمن بن عوف في الطواف: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن حبيب بن صهبان الكاهلي قال: كنت أطوف بالبيت وعمر بن الخطاب يطوف ما له إلا قوله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، ما له هجيري غيرها.
وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة.
أنه كان يستحب أن يقال في أيام التشريق: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وأخرج عبد بن حميد عن عطاء قال: ينبغي لكل من نفر أن يقول حين ينفر متوجهاً إلى أهله: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: كانوا أصنافاً ثلاثة في تلك المواطن يومئذ: رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمؤمنون، وأهل الكفر، وأهل النفاق ﴿ فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ﴾ إنما حجوا للدنيا والمسألة لا يريدون الآخرة ولا يؤمنون بها ﴿ ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار ﴾ والصنف الثالث ﴿ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ﴾ [ البقرة: 204] .
وأخرج أحمد والترمذي وحسنه عن أنس قال: «جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟
قال: تسأل ربك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ثم أتاه من الغد فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟
قال: تسأل ربك العفو والعافية في الدين والدنيا والآخرة، ثم أتاه من الغد فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟
قال: تسأل ربك العفو والعافية، ثم أتاه من اليوم الرابع فقال: يا رسول الله أي الدعاء أفضل؟
قال: تسأل ربك العفو والعافية، في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أعطيتهما في الدنيا ثم أعطيتهما في الآخرة فقد أفلحت» .
وأخرج عبد الرزاق عن قتادة في قوله: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ قال: عافية ﴿ وفي الآخرة حسنة ﴾ قال: عافية.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير والذهبي في فضل العلم والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن في قوله: ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ قال: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: حسنة الدنيا المال، وحسنة الآخرة الجنة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ قال: الرزق الطيب، والعلم النافع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في الآية قال: المرأة الصالحة من الحسنات.
وأخرج ابن المنذر عن سالم بن عبد الله بن عمر ﴿ ربنا آتنا في الدنيا حسنة ﴾ قال: الثناء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا ﴾ قال: مما عملوا من الخير.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ والله سريع الحساب ﴾ قال: سريع الإِحصاء.
وأخرج الشافعي في الأم وعبد الرزاق وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس، إن رجلاً قال له: إني أجرت نفسي من قومي على أن يحملوني، ووضعت لهم من أجرتي على أن يدعوني أحج معهم، أفيجزئ ذلك عني؟
قال: أنت من الذين قال الله: ﴿ أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب ﴾ .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن سفيان قال: أصحاب عبد الله يقرأونها ﴿ أولئك لهم نصيب مما اكتسبوا ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد: ثوابَ ما عملوا (١) وقال أبو إسحاق: أي: دعاؤهم مستجاب؛ لأن كَسْبَهُم هاهنا الذي ذكر: الدعاء (٢) وقيل: معناه: لهم نصيب من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه، خلاف من بطل عمله فلم يكن (٣) (٤) وقوله تعالى: ﴿ وَاللهُ سَرِيعُ الحِسَابِ ﴾ سريع فاعل من السُّرْعَة.
قال ابن السِّكِّيْت: يقال: سَرَع يَسْرُع سَرَعًا وسُرْعة فهو سريع (٥) والحساب: مصدر كالمحاسبة، وربما سمي المَحْسُوبُ حِسَابًا، ومعنى الحساب في اللغة: العد، يقال: حَسَب يَحْسُبُ حِسَابًا وحِسَابةً وحِسْبَةً وحَسْبًا؛ إذا عَدّ، ذكره الليث وابن السكيت، وأنشد قول النابغة: وأَسْرَعَتْ حِسْبَةً في ذلك العَدَد (٦) وقول آخر: يا جُمْلُ أسْقَاكِ بلا حِسَابَهْ (٧) (٨) وقال الزجاج: الحساب في اللغة: مأخوذ من قولهم: حَسْبُك كذا، أي: كفاك، فسمى الحساب في المعاملات حسابًا؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان (٩) وأما التفسير، فإن (١٠) (١١) (١٢) وقال أبو إسحاق: معناه: أنه قد علم ما للمحاسَب وعليه قبل توقيفه على حسابه، فهو سريع الحساب؛ لأن الفائدة في الحساب علم حقيقته (١٣) فعلى ما ذكره أبو إسحاق تأويله: أنه عالم بما للمحاسبين وعليهم.
وقال ابن الأنباري: معناه: سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وإن كان قد أمهلهم مدة من الدهر، فإن وقت الجزاء عنده قريب (١٤) ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ، فسَمَّى المجازاةَ حسابًا؛ لأن ما يجازى به العبد هو كِفَاء لفعله، أو لأنه يجازى عند الحساب، وإنما يحاسب ليجازى، فذكر الحساب وهو يريد الجزاء.
وقيل: تأويل الآية: أنه سريع القبول لدعاء عباده، والإجابة لهم، وذلك أنه تعالى يُسأل في وقت واحد سؤالاتٍ مختلفة، من أمر الدنيا والآخرة، فيجزي كلَّ عَبْدٍ على قدر استحقاقه، فلو كان الأمر مع واحد من المخلوقين لطال العَدُّ واتصل الحساب، فأعلم الله تعالى أنه (١٥) (١٦) (١٧) ومع ما ذكرنا من هذه التأويلات (١٨) (١٩) (١) لعله من رواية عطاء التي تقدم الحديث عنها في القسم الدراسي.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275.
(٣) في (م) (ينزل).
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 302، ورواه عن قتادة وابن زيد، ينظر: "تفسير الثعلبي" == 2/ 601، "التفسير الكبير" 5/ 205، وكلا القولين اللذين ذكرهما (المصنف) على اعتبار أن أولئك عائدة للصنف الثاني، وهم المؤمنون، وهذا اختيار الطبري في "تفسيره" 2/ 301، ودليله: أنه قال في حق الصنف الأول: ﴿ وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴾ ، فذكر جزائهم، ثم ذكر الصنف الثاني، وهذا جزاؤهم.
ينظر: "التفسير الكبير" 5/ 205،"الدر المصون" 2/ 343، وقيل: إن أولئك تعود إلى الفريقين مثل قوله: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ .
(٥) نقله في "تهذيب اللغة" 2/ 89، "تفسير القرطبي" 2/ 410، ونقله عن الواحدي بغير عزو: الرازي في "تفسيره" 5/ 206.
(٦) صدره: فَكَمَّلَتْ مائةً فيها حمامَتُها "ديوان النابغة" ص 25، "لسان العرب" 2/ 865 (حسب).
(٧) ورد الرجز هكذا: يا جمل أُسْقِيْتَ بلا حسابه * سُقْيَا مَلِيكِ حَسَنِ الرِّبَابَه * قتلتني بالدل والخلابة والرجز لمنظور بن مَرْثَد الأسدي، في "لسان العرب" 2/ 865 (حسب)، وقال: وأورد الجوهري الرجز: يا جُمْل أسقاكِ، وصواب إنشاده: يا جُمْل أُسْقِيت، و"التنبيه والإيضاح" 1/ 62، "تاج العروس" 1/ 419.
"المعجم المفصل" 9/ 51.
والرِّبابة: القيام على الشيء بإصلاحه وتربيته، والخِلابة: أن تخلب الأمة قلب الرجل بألطف القول وأعذبه.
(٨) ينظر في مادة حسب "تهذيب اللغة" 2/ 809 - 812، "المفردات" ص 123 - 125، "اللسان" 1/ 863 - 868.
(٩) نقله عنه في "تهذيب اللغة" 2/ 810 "حسب".
(١٠) في (م): قال.
(١١) في (م): إنه يريد.
(١٢) ذكره في "غرائب النيسابوري" 2/ 280 - 281، "الوسيط" 1/ 308، "التفسير الكبير" 5/ 206.
(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275.
(١٤) "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 97 - 98، وينظر: "الوسيط" للواحدي 1/ 308، "البحر المحيط" 2/ 106.
(١٥) في (ش) (لأنه).
(١٦) لسِت في (أ) ولا (م).
(١٧) لم أجده.
(١٨) ينظر في الأقوال السابقة: "تفسير الطبري" 2/ 302، "تفسير الثعلبي" 2/ 609، "تفسير السمعاني" 2/ 243، "تفسير البغوي" 1/ 233، "المحرر الوجيز" 2/ 181، "زاد المسير" 1/ 216، "تفسير الرازي" 5/ 207، "البحر المحيط" 2/ 106، "تفسير القرطبي" 2/ 412، وقال: الكل محتمل، فيأخذ العبد لنفسه في تخفيف == الحساب عنه بالأعمال الصالحة، وإنما يخف في الحساب في الآخرة على من حاسب نفسه في الدنيا.
(١٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 609، وذكره الزيلعي في "آثار الكشاف" 1/ 128، والحافظ ابن حجر في "تخريج أحاديث الكشاف" 1/ 249، وسكتا عليه، وقال المناوي في "الفتح السماوي" 1/ 248: قال الولي العراقي: لم أقف عليه، وقال غيره: أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
<div class="verse-tafsir"
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ ﴾ فرغتم من أعمال الحج ﴿ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ ﴾ لأن الإنسان كثيراً ما يذكر آباءه، وقيل: كانت العرب يذكرون آباءهم مفاخرة عند الجمرة، فأمروا بذكر الله عوضاً من ذلك ﴿ آتِنَا فِي الدنيا ﴾ كان الكفار إنما يدعون بخير الدنيا خاصة، لأنهم لا يؤمنون بالآخرة ﴿ حَسَنَةً ﴾ قيل: العمل الصالح وقيل: المرأة الصالحة ﴿ وَفِي الآخرة حَسَنَةً ﴾ الجنة ﴿ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ يحتمل أن تكون من سببية أي لهم نصيب من الحسنات التي اكتسبوها، والنصيب على هذا الثواب ﴿ سَرِيعُ الحساب ﴾ فيه وجهان: أحدهما أن يراد به سرعة مجيء يوم القيامة، لأن الله لا يحتاج إلى عدّة ولا فكرة وقيل لعليّ رضي الله عنه: كيف يحسب الله الناس على كثرتهم؟
قال كما يرزقهم على كثرتهم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.
وزاد يزيد ﴿ ولا جدال ﴾ بالرفع.
الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿ واتقون ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء.
﴿ ومن تأخر ﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.
الوقوف: ﴿ معلومات ﴾ ط ﴿ في الحج ﴾ ط ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ التقوى ﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿ الحرام ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ هداكم ﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً.
﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ واستغفروا الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ط ﴿ من خلاق ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ مما كسبوا ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه نصف الجزء.
﴿ معدودات ﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿ عليه ﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ عليه ﴾ الثانية لا لتعليق اللام.
﴿ اتقي ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ تحشرون ﴾ ه.
التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران".
أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء.
وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج.
واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه.
والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها.
ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج.
والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء.
وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة.
ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها.
قيل: إنه جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات.
وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.
وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين.
فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله ﴿ معلومات ﴾ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع.
وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له.
أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء.
ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق.
وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة.
وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى.
وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء.
وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والجواب ما مر.
قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر.
والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.
قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.
وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال.
والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج.
وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له.
قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية.
نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله ﴿ فمن فرض ﴾ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي.
وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله ﴿ فلا رفث ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.
وأيضاً قال "لكل امرئ ما نوى" وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم.
وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية.
وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم.
وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم.
وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى.
وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.
وصورة التلبية ما روي عن النبي أنه قال: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ، ولا تكره الزيادة على هذا.
روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها.
لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.
فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
ثبت ذلك عن رسول الله .
وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.
قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة.
فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى.
وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى.
والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد.
ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، "قال لعائشة ا حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" .
قوله عز من قائل ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج.
وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" وإنه لم يذكر الجدال.
وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك.
أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق.
وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح.
وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها.
وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.
أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها.
فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام.
ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية.
وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح.
وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل.
ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.
قال "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.
ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة.
وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً.
ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل".
وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك.
ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً.
وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى.
وإن فدى لم يلزم إلا شاة.
وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج.
فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية.
روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد.
وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها.
والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.
وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام.
وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال ﴿ ففسق عن أمر ربه ﴾ وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ وقال "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقيل الإيذاء والإيحاش ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق ﴾ وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية.
وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه.
واختلف المفسرون فيه.
فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
فنهاهم الله عن ذلك.
وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب.
وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.
فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه.
قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً.
فقال "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فتركوا الجدال حينئذ.
وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم.
وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر.
وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة.
وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة.
واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟
وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد.
وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك.
بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم.
زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور.
وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه *** وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون.
ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم.
وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.
روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي.
فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف.
فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك.
فألهمه الله في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة.
وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي.
وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق.
ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية.
وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية.
وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.
﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ﴾ أي في أن تطلبوا ﴿ فضلاً من ربكم ﴾ عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.
قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها.
وأيضاً الفاء في قوله ﴿ فإذا أفضتم ﴾ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير.
قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها.
فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج.
ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.
وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا.
فقال: سأل رجل رسول الله عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!
وعن جعفر الصادق : أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.
واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة ﴿ تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ﴾ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ﴾ ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ﴾ .
﴿ فإذا أفضتم ﴾ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة.
التقدير: أفضتم أنفسكم.
فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟
فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف.
وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين.
وأن هذا التنوين تنوين الصرف.
قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف.
فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث.
وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة.
وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع.
هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.
تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف.
فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية.
وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة.
واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة.
وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص.
فقيل: التروية التفكر.
وسببه أن آدم لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟
قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك.
قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به.
قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك.
قال: حسبي يا رب حسبي.
وقيل: إن إبراهيم رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.
وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات.
وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا.
أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟
قال: نعم.
أو لأن إبراهيم عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.
عن علي وابن عباس وعطاء والسدي.
أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد ﴾ ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال.
يقال: إن آدم وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله : الآن عرفتما أنفسكما.
وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.
قال "خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله في المائدة ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي واقف بعرفة في موقف إبراهيم في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية.
فقال النبي : "لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم" .
قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين.
وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ يوم قطيعة القاطعين ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يوم وفد الوافدين في الخبر "الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" يوم الحج الأكبر ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ يوم خص صومه بكثرة الثواب قال "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وقال "من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم" أقسم الله به في قوله عز من قائل ﴿ والشفع والوتر ﴾ عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.
وعن عائشة أن رسول الله قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم" ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة.
اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.
والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال.
ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.
روي أن النبي مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.
فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه.
ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي.
بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه.
ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله ويدعونه إلى غروب الشمس.
والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله "الحج عرفة" فمن فاته عرفة فقد فاته الحج.
وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات.
والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات.
وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات.
ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى.
وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.
قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب.
وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع.
وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها.
ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.
ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.
ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.
فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.
والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه.
فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس.
ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر.
فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي.
ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.
واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات.
والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال.
والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب.
أما أنه مسنون فلأن النبي فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: " وقف رسول الله بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي.
قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج" .
وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه.
ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم .
وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر.
وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض.
وثبير جبل هناك فأمر الله نبينا بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس.
وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي.
قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده.
وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته.
وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء.
والصلاة تسمى ذكراً قال ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ والدليل عليه أن ﴿ فاذكروا ﴾ أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.
عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ﴿ كما هداكم ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.
أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً.
والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب.
أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ وعلى هذا فيكون قوله ﴿ كما هداكم ﴾ متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال.
فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام.
أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم ﴿ لمن الضالين ﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
"وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ﴿ ثم أفيضوا ﴾ في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.
وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً.
روي أن النبي لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.
فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟
فلا تذهب.
فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.
والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه.
وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع.
ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً.
وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ المراد به إبراهيم وإسماعيل فإن من سنتهما ذلك.
وروي أن النبي كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.
وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به.
﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إن الناس ﴾ يعني أبا سفيان.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً".
القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به.
وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ﴾ والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه.
﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة.
والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك.
وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى.
ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم.
أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام.
من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً.
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ بناءان للمبالغة كما مر مراراً.
واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية.
فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.
قوله عز من قائل ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك.
وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان.
وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.
عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم.
فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم.
ثم الفاء في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة.
وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات.
ومعنى ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم.
وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر.
والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.
وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.
وقد نهى رسول الله عن الحلف بالآباء وقال "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف.
وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
وقوله ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كذكركم ﴾ كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً.
وإما في موضع نصف عطفاً على ﴿ آباءكم ﴾ بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن ﴿ ذكراً ﴾ من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل.
وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر.
وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون.
ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً.
ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه.
فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً".
فالفراهة للعبد لا لزيد.
والمذكور قبل ﴿ أشد ﴾ ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة.
وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً.
ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه.
فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه".
وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان.
ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.
فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.
عن أنس "أن النبي دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟
قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟
فدعا له رسول الله فشفي" .
والإنصاف أنه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟!
ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟
عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً.
وذلك لأنكارهم البعث والمعاد.
وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا.
طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون.
يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم.
وقوله ﴿ ربنا آتنا في الدنيا ﴾ متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة.
واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال.
وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا.
فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية.
فلما قال عز من قائل ﴿ وماله في الآخرة من خلاق ﴾ أي طلب نصيب حذف مفعول ﴿ آتنا ﴾ لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً.
اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
ثم إنه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً.
فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ﴾ وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
لأن همته مقصورة على الدنيا.
والحسنتان في دعاء الصالحين.
أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم ﴾ ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ قيل: إما النصرة وإما الشهادة.
وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
صرح بذلكفي قوله ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة.
روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.
وعن علي الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار امرأة السوء.
وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته.
قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.
الجسم مني للجليس مجالس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين.
وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة.
ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً.
ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام.
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لهم نصيب ﴾ وأي نصيب ﴿ مما كسبوا ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
فمن للابتداء.
ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.
﴿ والله سريع الحساب ﴾ السرعة نقيض البطء.
والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك.
وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.
ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.
ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب.
عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
وقيل: المحاسبة المجازاة ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً ﴾ ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء.
وقيل: إنه يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.
فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة.
ومن قال: إنه صوت قال: إنه يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف.
إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة.
أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ وقوله ﴿ واذكروا الله ﴾ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة.
وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله عنده ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى.
والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.
والثالث يوم النفر الثاني.
عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله أمر منادياً ينادي الحج عرفة.
من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد.
فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً.
ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى.
وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى.
وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة.
واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة.
فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية.
والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.
والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها.
وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب.
والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود م وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: " الله أكبر" .
ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله.
وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة.
قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس.
وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير".
وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي كذلك رماها.
وقال: خذوا عني مناسككم.
فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة.
وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله ﴿ فمن تعجل ﴾ أي عجل أو استعجل ﴿ في يومين فلا إثم عليه ﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي.
وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى ﴾ قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ﴿ ومن تأخر ﴾ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام.
وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه ﴿ فلا إثم عليه ﴾ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه.
فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله أن لا إثم على واحد منهما.
وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة.
فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً.
وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن أنه لا حرج في واحد منهما.
وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً.
وأما قوله ﴿ لمن اتقى ﴾ أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه.
وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج.
وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات.
والمراد من قوله ﴿ إليه ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ﴾ .
التأويل: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.
نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة.
﴿ فلا رفث ﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار.
﴿ ولا فسوق ﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وتزودوا لكل سالك زاد.
فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت.
وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات.
فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿ أن تبتغوا فضلاً ﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.
وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿ عند المشعر الحرام ﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا.
﴿ وإن كنتم من ﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿ لمن الضالين ﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ واستغفروا الله ﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿ فإذا قضيتم ﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿ فلا إثم عليه ومن تأخر ﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر من ذي الحجة، فلما أن كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة، وأحبوا أن يكون خروجهم للحج خاصة، دون أن يختلط غيره من الأعمال، فرخص الله عز وجل للحاج وطلب الفضل.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رجلاً سأله، فقال: إنا قوم نكرى، ويزعمون أنه ليس لنا حج، [فهل لنا حج]؟
فقال: ألستم تحرمون وتقفون؟
فقال: بلى.
قال: فأنتم حجاج.
وقال: "جاء رجل إلى النبي ؛ فسأله عما سألتني عنه مثله، فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الاية: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، فقال النبي : أنتم حجاج" [وروي عن ابن عباس مثله].
وأصحابنا، رحمهم الله ، يرون حج الأجير والتاجر تامّاً، وظاهر القرآن يدل على ذلك.
وكان عند القوم أن الاستئجار على الطاعة لا يجوز أمراً ظاهراً حتى سألوا في هذا.
وأصله: أن الحج لا يمنع أفعال غيره، فأشبه الصوم، ويجوز فيه الإجازة، كذا في هذا.
وأما الصلاة فهي مانعة لما سواها من الأفعال؛ فاختلفا.
وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰت ﴾ .
قيل: إن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس، فأمر أهل الإسلام بالخلاف في الحالين جميعاً: أن يجعلوا الإفاضة من عرفة بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس.
والله أعلم.
وفي الخبر: "خالفوهم في الرجعتين جميعاً" والإفاضة: هي الإسراع في المشي في اللغة.
وقيل: الإفاضة: الانحدار.
وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
يعني: المزدلفة.
[ويحتمل قوله ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ﴾ وجهين: يحتمل: صلاة المغرب والعشاء] ويحتمل: الدعاء فيهما جميعاً.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ﴿ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، الجبل وما حوله، وهو الجبل الذي يوقف عليه يقال له: "قزح"، وسمي "جمعاً"، أيضاً [لأنه يجمع ين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقيل: يمسى جمعاً] لأنه اجتمع فيه أدم وحواء.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: سمي العرفات عرفات؛ لأن جبريل، صلوات الله عليه، لما علَّم إبراهيم - - المناسك كان يقول له: عرفت عرفت.
والله أعلم ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأمر بالذكر أمر بالشكر له على ما أنعم عليهم من أنواع النعم.
ويحتمل: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ ﴾ ، وأرشدكم لأمر المناسك.
ويحتمل: الأمر بالتوحيد؛ كأنه قال: وحدوه كما وفقكم لدينه، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، عن الهدي وعن المناسك، وعن معرفة النعم والشكر.
والله أعلم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الهدي على وجهين: هدي: عرف ليوحدوه.
وهدي: وفق، لطاعتهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون: [إنما] نحن أهل حرم الله، لا نفيض كغيرنا، ممن قصدنا، فأنزل الله فيهم: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، أمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس.
وذكر عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: كانت قريش، ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة، [وكان من سواهم يقفون بعرفة].
فأنزل الله : ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض، وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله : "الحج عرفة، من أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع، فقد تم حجه" ويحتمل في قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، معنى آخر: وهو أنهم رأوا غيرهم من أهل الآفاق فإذا قصدوا على الإحرام من وراء الحرم، وهم أمروا بالإحرام [في الحرم]، فلما خصوهم بذلك ظنوا أن قضاء غيره من المناسك في الحرم.
والله أعلم.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله عليه -: أمر بالإفاضة بحرف "ثم"، بعد ذكر المزدلفة والإفاضة من عرفات بتقديم المزدلفة، فَبَانَ أن حرف "ثم" مما قد يبتدأ به أيضاً.
وقوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم في الجاهلية كانوا إذا قضوا المناسك يجتمعون في مكان ويذكرون آباءهم ومناقبهم ويفتخرون بذلك، فلما أسلموا أمرهم أن يذكروا ربهم في الإسلام كذكرهم آباءهم في الجاهلية أو أشد ذكر، فإنه أولى بذلك من الآباء.
وقيل: أن يكونوا يذكرون آباءهم - ما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فقال: اذكروا لي فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم [فإني أنا] الذي أنعمت عليكم [وعلى آبائكم]، فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم.
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ .
[وقوله: ﴿ وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ].
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ...
﴾ الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت، [طلبوا] خيرات الدنيا، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا، وهو كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ ، فأعطوا ما سألوا من نصيب؛ ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، أي يؤتي حرث الدنيا والآخرة، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم يركنوا إلى دعاء غيرها، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإننم سألوا خيرات الدنيا والآخرة جميعاً بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ ، طلبوا حسنات الدنيا؛ لأن الدنيا جعلها محل الزاد للآخرة، لأنه جعلها لهم، إنما خلقهم للآخرة؛ كقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الدنيا، و ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الآخرة: قيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وحسنة الآخرة: الجنة والمغفرة.
وقيل: حسنة الدنيا: النصر والرزق، وحسنة الآخرة: الرحمة والرضوان.
وكله واحد.
وروي عن رسول الله ، أنه قال: "إن لله عباداً يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويدخلون الجنة في عافية.
قيل: يا رسول الله، بم؟
قال: بكثرة قولهم: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ " وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قيل: فيه بوجوه: قيل: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال: حسابه سريع.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، كما أن الإبطاء في الحساب يكون للتفكر فيه والاستذكار وحفظ عقد الأصابع أو لشغل شغله، فالله - - يتعالى عن ذلك أن يوصف به أو يشغله شيء.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، أي قريب، كأن قد جاء، كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي قرب.
وقيل: كناية عن عذاب شديد، أي شديد العقاب والعذاب، [وهو كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ] وهو كقوله : "من نوقش الحساب عذب" وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .
قيل: إنه يحتمل وجهين: قيل: إنه أراد بالأيام المعدودات أيام النحر والذبح، أي: اذكروا الله بالنحر والذبح في أيامكم.
فهو عند أبي حنيفة، رحمه الله ، يوم النحر ويومان بعده.
وقيل: أراد بالأيام المعدودات أيام رمي الجمار، دليله قوله : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، وهب أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.
وروي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: "الأيام المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها".
وكذلك روي عن عمر، رضي الله عنه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، أي: بعد يوم النحر [بيومين].
يقول: من نفر من منى قبل غروب الشمس في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس وأقام إلى الغد - اليوم الثالث - فيرمي الجمار، ثم ينفر فلا إثم عليه.
وقيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.
ثم لا يحتمل قوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، أن يكون جميعاً على الرخصة، التعجيل والتأخير جميعاً، فلا يلحقه الإثم بكليهما؛ لأنه إذا كان التعجل هو الرخصة فالتأخر لا يكون رخصة، وإذا كان التأخر هو الرخصة فالتعجل ليس برخصة، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ غفر له، ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ غفر له ما كان له من الإثم والذنب في اليوم الذي أخر.
والله أعلم.
ويحتمل: أنه خيره، أي: فعل ذا أو ذا فلا إثم عليه.
وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال في قوله : ﴿ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ : رجع مغفوراً له.
وقوله: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، قتل الصيد في الإحرام، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي فلا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: من اتقى معاصي الله جملة.
وقيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ جميع ما يحرم عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، والجدال وغيره، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، خوفهم عز وجل ليتقوا الله في كل وقت كل معصية.
خرج الخطاب في الظاهر للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار أيضاً، يأمرهم أن يتقوا الشرك وإشراك غيره في أفعالهم، لما أوعدهم بالحشر والجزاء لأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
أولئك الداعون بخَيْرَي الدنيا والآخرة لهم حظٌّ من ثواب عظيم بما اكتسبوا من الأعمال الصالحة في الدنيا، والله سريع الحساب للأعمال.
من فوائد الآيات يجب على المؤمن التزود في سفر الدنيا وسفر الآخرة، ولذلك ذكر الله أن خير الزاد هو التقوى.
مشروعية الإكثار من ذكر الله تعالى عند إتمام نسك الحج.
اختلاف مقاصد الناس؛ فمنهم من جعل همّه الدنيا، فلا يسأل ربه غيرها، ومنهم من يسأله خير الدنيا والآخرة، وهذا هو الموفَّق.
<div class="verse-tafsir" id="91.reO4X"
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ كان للعرب في الجاهلية مجامع في الموسم يفاخرون فيها بآبائهم ويذكرون أنسابهم وفعالهم، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات.
ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله هذه الآية.
ولابن جرير عن مجاهد كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة وذكروا آباءهم إلخ وروي أنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل يتفاخرون ويتعاكظون ويتناشدون، فأمرهم الله تعالى بأن يذكروا الله تعالى بعد قضاء المناسك وهي أعمال الحج كما كانوا يذكرون آبائهم في الجاهلية أو أشد من ذكرهم إياهم.
وقد كان في حجة الوداع أن خطب النبي في اليوم الثاني من أيام التشريق فأرشدهم إلى ترك تلك المفاخرات.
وقوله تعالى ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ معناه ظاهر وهو بل اذكروه أشد من ذكركم آباءكم وفيه من الإيجاز ما ترى حسنه.
وقد تعسف في إعرابه الذين حكموا النحو الذي وضعوه في القرآن، ويعجبني قول بعض الأئمة وأظن أنه أبو بكر بن العربي: من العجيب أن النحويين إذا ظفر أحدهم ببيت شعر لأحد أجلاف الأعراب يطير فرحًا به ويجعله قاعدة، ثم يشكل عليه إعراب آية من القرآن فلا يتخذها قاعدة بل يتكلف في إرجاعها إلى كلام أولئك الأجلاف وتصحيحاته كأن كلامهم هو الأصل الثابت.
ويعجبني أيضًا ما قاله أبو البقاء وهو: إن للقرآن إنجازًا واختصارًا في بعض المواضع المفهومة من المقام وهو أن المعنى هنا أو كونوا أشد ذكرًا، ومثل هذا شائع في اللغة.
وكان واجبًا أن يكون القرآن مبدأ إصلاح في اللغة العربية.
ثم بيّن تعالى أن الذين يذكرونه فيدعونه على قسمين ﴿ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ الخلاق النصيب والحظ، ذكر تعالى أن هذا الفريق يطلب حظ الدنيا مطلقًا، ولم يقل إنه يطلب حسنة فيها، لأن من كانت الدنيا كل همه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه حسنة أم سيئة، فهو يطلب الدنيا من كل باب، ويسلك إليها كل طريق، لا يميز بين نافع لغيره ولا ضار، فباستيلاء حب الدنيا عليه لم يكن للآخرة وما أعده الله فيها للمتقين من الرضوان موضع من نفسه يرجوه ويدعو الله فيه، كما أنه لا يخاف ما توعد الله به المجرمين فيها فيلجأ إليه تعالى بأن يقيه شره.
فحرمان هذا الفريق من خلاق الآخرة هو أثر كسبه وسوء اختياره، وتفضيله حظوظ الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الباقية، لأنه يعمل للأولى كل ما يستطيع من أسباب الحلال والحرام، حتى إنه لا يسأل ربه إلا المزيد من حظوظها وشهواتها، وقد ينالها كثير من الناس بدون هم كبير في العمل لها، ولا يعمل للآخرة وقد اشترط لسعادتها خير العمل، فقال تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ الآيات.
ويا لله ما أبلغ حذف مفعول ﴿ آتِنَا ﴾ في هذا المقام فهو من دقائق الإيجاز التي تحار فيها الأفهام، وتعجز عنها قرائح الأنام، فإنه بدلالته على العموم يشمل كل ما يعني به أفراد هؤلاء الناس المتفاوتي الهمم المختلفي الأهواء، من الحظوظ والشهوات، حسنها وقبيحها، خيرها وشرها، كبيرها وخسيسها، وما لا يليق ذكره منها.
وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الفريق فقيل هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة واستدلوا بما روى عن ابن عباس وأَنس من دعاء المشركين في ذلك المقام بحظوظ الدنيا، وقيل هم المسلمون الذين لم تمس أسرار الدين وحكمه قلوبهم ولم تشرق أنوار هدايته على أرواحهم بل اكتفوا بالتقليد في رسومه الظاهرة، فكان همهم في الدنيا دون الآخرة، وذكروا هنا ما روي في المرفوع من أن الله تعالى يؤيد هذا الدين بمن لا خلاق لهم.
واستدلوا على صحة رأيهم بالسياق.
ولا شك أن هذا القسم موجود في المسلمين كما وجد في كل أمة، ومن بلا الناس وفلاهم عرف ذلك.
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ أي ومنهم من طلب خير الدنيا والآخرة جميعًا، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت كالفريق الأول، وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية أو الكفاف أو المرأة الصالحة أو الأولاد أو الأبرار أو المال الصالح أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة، وروي بعض هذه الأقوال عن بعض السلف، ولعل كل ذي قول يطلقها على المهم عنده، والظاهر أن حسنة وصف لمحذوف أي حياة حسنة وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدًا في الدنيا.
فمن دعا الله تعالى إجماليًا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة والحياة الطيبة فيهما يكن مهتديًا بالآية، ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة مهتد بها، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضًا فقيل الجنة، وقيل الرؤية، واختلفوا في عذاب النار ورووا عن علي كرم الله وجهه أنه المرأة السوء.
وقد علم مما تقدم في تفسير ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ ﴾ أن الطلب من الله تعالى إنما يكون باتباع سنته في الأسباب والمسببات، والتوجه إليه تعالى واستمداد المعونة والتوفيق منه، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه، وعلى هذا يتخرج تفسير الحسن لقوله تعالى ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ بقوله أي حفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إليها، فطلب الحياة الحسنة في الدنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجربة في الكسب والنظام في المعيشة، وحسن معاشرة الناس بآداب الشريعة والعرف، وقصد الخير في الأعمال كلها، وتوقي الشرور كلها، وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصالح بقدر الاستطاعة، وطلب الوقاية من النار يكون بترك المعاصي واجتناب الرذائل والشهوات المحرمة، مع القيام بالفرائض المحتمة.
هذا هو الطلب بلسان القلب والعمل، وأما الطلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأن هذه الأسباب من الله فالسعي لها مع الإيمان هو عين الطلب من فيضه وإحسانه.
مضت سنته بأن يعطي بها فضلًا منه ورحمة، لا بخوارق العادات التي لا يعلم محلها وحكمتها غيره، وأنه لا يُرْجَع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي، والمعونة على ما خسر.
ولم يذكر في التقسيم من لا يطلب إلا حسنة الآخرة، لأن التقسيم لبيان ما عليه الناس في الواقع ونفس الأمر بحسب داعي الجبلة وتأثير التربية وهدى الدين، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجه نفسه إلى الحال في الدنيا مهما يكن غالبًا في العمل للآخرة، لأن الإحساس بالجوع والبرد والتعب يحمله كرهًا على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس، والشرع يكلفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه، وقد جعل عليه حقوقًا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمته لا تصبح عبوديته إلا بدعاء الله تعالى فيها.
وفي الآية إشعار بأن هذا الغلو مذموم خارج من سنن الفطرة وصراط الدين معًا، وما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين وذمهم على التشدد فيه إلا عبرة لنا، وقد نهانا عنه نبينا ، وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم أن رسول الله دعا رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال له:"هل كنت تدعو الله بشيء؟"قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا.
فقال رسول الله :"سبحان الله إذا لا تطيق ذلك ولا تستطيعه فهلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ودعا له فشفاه الله تعالى.
وأبعد من هذا في الغلو أن بعض الصوفية سمع قارئًا يتلو قوله تعالى ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ فصاح أواه فأين من يريد الله؟
وهو قول حسن الظاهر قبيح الباطن، فالآية خطاب لخيار الصحابة، وهو وشيخه من الصوفية لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه، فإرادة الدنيا والآخرة بالحق إرادة لمرضاة الله وعمل بسنته وشرعه، والمراد بالدنيا فيها الغنيمة في الحرب، وبالآخرة الشهادة في سبيل الله، فهل يظن بجهله أن من شهد الله تعالى لهم بأنهم بذلوا أنفسهم في سبيله ونصر رسوله وآثروا الشهادة في القتال على الغنيمة أنهم لا يريدون الله؟.
وقد ورد في الصحيح أن الآية كانت أكثر دعاء النبي فهل يدعي ذلك الصوفي وأمثاله من الغلاة أنهم أشد حبًا منه لله وطلبًا له ؟
ثم قال تعالى بيانًا لمن يسأل عن حظ ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ الإشارة بأولئك إلى الذين يطلبون سعادة الدارين، والحسنة في المنزلتين، لأن حكم الفريق الذي يطلب الدنيا وحدها قد علم من قوله تعالى ﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ فإن العطف يشعر بمحذوف كأنه قال: هذا الفريق له حظه في الدنيا وما له في الآخرة من حظ سواه، ومجموع الكلام في الفريقين بمعنى قوله تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ وقد بينت الآية صريحًا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقًا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت بها سنة الله تعالى، ولهذا قال ﴿ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ ولم يقل لهم مما طلبوا.
والمعنى أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ يوفي كل كاسب أجره عقب عمله بحسبه لأن سنته مضت بأن تكون الرغائب آثار الأعمال، فهو يوفي كل عامل عمله بلا إبطاء، وكما يكون الجزاء سريعًا في الدنيا كذلك يكون في الآخرة، فإن أثر الأعمال الصالحة يظهر للمرء عقب الموت وهو أول قدم يضعها في باب عالم الآخرة.
وهذا أحسن بيان لما قالوه في تفسير ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ من أنه إجابة الدعاء.
والأكثرون على أن المراد حساب الآخرة، واختلفوا في كيفية ذلك على أقوال أقربها إلى التصور أن سرعة الحساب عبارة عن اطلاع كل عامل على عمله أو إعلامه بما له مما كسب، وما عليه مما اكتسب وذلك يتم في لحظة، وقد ورد أن الله تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، وورد في قدر فواق الناقة، وورد بمقدار لمحة البصر.
ثم قال تعالى بعد أن أمر بذكره عند المشعر الحرام وكانوا لا يذكرونه هناك، ويذكره عند قضاء المناسك بعد أيام منى حيث كانوا يذكرون مفاخر آبائهم ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ حكى القرطبي عن الحافظ ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام منى وهي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى ثالث عشر.
وإنما أمر سبحانه بالذكر في هذه الأيام ولم يأمر برمي الجمار لأنه من الأعمال التي كانوا يعرفونها ويعملون بها وقد أقرهم عليها وذكر المهم الذي هو روح الدين وهو ذكر الله تعالى عند كل عمل من تلك الأعمال، وتلك سنة القرآن يذكر إقامة الصلاة والخشوع فيها وذكر الله تعالى ودعاءه وتأثير ذلك في إصلاح النفوس، ولا يذكر صفة القيام والركوع والسجود، وكون الركوع يفعل مرة في كل ركعة، والسجود يفعل مرتين، وإنما يترك ذلك لبيان النبي له بالعمل.
وبينت السنة أيضًا أن ذكر الله تعالى في هذه الأيام هو التكبير أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين وعند رمي الجمار وغير ذلك من الأعمال.
وقد جعل الله تعالى التخيير في التعجيل والتأخير مشروطًا بالتقوى فقال ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى ﴾ أي من استعجل في تأدية الذكر عند هذه الأعمال التعبدية المعلومة وهي رمي الجمرات في يومين من تلك الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن أتمها كذلك إذا اتقى كل منهما الله تعالى ووقف عند حدوده، فإن تحصيل ملكة التقوى هي الغرض من الحج ومن كل عبادة، والوسيلة الكبرى إليها كثرة ذكر الله تعالى بالقلب مع اللسان، حتى يغلب على مراقبته في جميع الأحوال، فيكون عبدًا له لا للأهواء والشهوات، وإنما تلك الأعمال مذكرات للناس.
والجمار ثلاث وهي كالجمرات جمع جمرة ومعناها هنا مجتمع الحصى جَمَره بمعنى جمعه، ورميها من ذكريات النسك المأثورة عن سيدنا إبراهيم كذبح القرابين هنالك، وعامة أعمال الحج ذكريات نشأة الإسلام الأولى في عهد الخليل وكل جمرة ترمى بسبع حصيات صغيرة كل يوم من الأيام الثلاثة أو الاثنين وتمتاز جمرة العقبة منها أنها ترمى قبل ذلك يوم النحر أيضًا.
ثم أمر بالتقوى بعد الإعلام بمكانها فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي اتقوه في حال أداء المناسك وفي جميع أحوالكم وكونوا على علم يقين بأنكم تجمعون وتساقون إليه في يوم القيامة فيريكم جزاء أعمالكم والعاقبة للمتقين ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أوشك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه.
ومن فوائد هذا الأسلوب أن تكرار الأمر بالذكر وبيان مكانة التقوى، ثم الأمر بها تصريحًا في هذه الآيات التي فيها من الإيجاز، ما هو أعلى درجات الإعجاز، حتى سكت عن بعض المناسك الواجبة للعلم بها - كل ذلك يدلنا على أن المهم في العبادة ذكر الله تعالى الذي يصلح النفوس وينير الأرواح، حتى تتوجه إلى الخير وتتقي الشرور والمعاصي فيكون صاحبها من المتقين.
ثم يرتقي في فوائد الذكر وثمراته فيكون من الربانيين.
<div class="verse-tafsir"