الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٠٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 241 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٠٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال ابن عباس : " الأيام المعدودات " أيام التشريق ، و " الأيام المعلومات " أيام العشر .
وقال عكرمة : ( واذكروا الله في أيام معدودات ) يعني : التكبير أيام التشريق بعد الصلوات المكتوبات : الله أكبر ، الله أكبر .
وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا موسى بن علي ، عن أبيه ، قال : سمعت عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام ، وهي أيام أكل وشرب " .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا هشيم ، أخبرنا خالد ، عن أبي المليح ، عن نبيشة الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله " .
رواه مسلم أيضا وتقدم حديث جبير بن مطعم : " عرفة كلها موقف ، وأيام التشريق كلها ذبح " .
وتقدم [ أيضا ] حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي " وأيام منى ثلاثة ، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه " .
وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم ، قالا حدثنا هشيم ، عن عمرو بن أبي سلمة ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أيام التشريق أيام طعم وذكر " .
وحدثنا خلاد بن أسلم ، حدثنا روح ، حدثنا صالح ، حدثني ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى : " لا تصوموا هذه الأيام ، فإنها أيام أكل وشرب ، وذكر الله ، عز وجل " .
وحدثنا يعقوب ، حدثنا هشيم ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة ، فنادى في أيام التشريق فقال : " إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله ، إلا من كان عليه صوم من هدي " .
زيادة حسنة ولكن مرسلة .
وبه قال هشيم ، عن عبد الملك بن أبي سليمان ، عن عمرو بن دينار : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بشر بن سحيم ، فنادى في أيام التشريق فقال : " إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله " .
وقال هشيم ، عن ابن أبي ليلى ، عن عطاء ، عن عائشة قالت : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق ، قال : " هي أيام أكل وشرب وذكر الله " .
وقال محمد بن إسحاق ، عن حكيم بن حكيم ، عن مسعود بن الحاكم الزرقي ، عن أمه قالت : لكأني أنظر إلى علي على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، حتى وقف على شعب الأنصار وهو يقول : " يا أيها الناس ، إنها ليست بأيام صيام ، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر " .
وقال مقسم عن ابن عباس : الأيام المعدودات : أيام التشريق ، أربعة أيام : يوم النحر ، وثلاثة [ أيام ] بعده ، وروي عن ابن عمر ، وابن الزبير ، وأبي موسى ، وعطاء ، ومجاهد ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وأبي مالك ، وإبراهيم النخعي ، [ ويحيى بن أبي كثير ] والحسن ، وقتادة ، والسدي ، والزهري ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان ، وعطاء الخراساني ، ومالك بن أنس ، وغيرهم مثل ذلك .
وقال علي بن أبي طالب : هي ثلاثة ، يوم النحر ويومان بعده ، اذبح في أيهن شئت ، وأفضلها أولها .
والقول الأول هو المشهور وعليه دل ظاهر الآية الكريمة ، حيث قال : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ) فدل على ثلاثة بعد النحر .
ويتعلق بقوله : ( واذكروا الله في أيام معدودات ( ذكر الله على الأضاحي ، وقد تقدم ، وأن الراجح في ذلك مذهب الشافعي ، رحمه الله ، وهو أن وقت الأضحية من يوم النحر إلى آخر أيام التشريق .
ويتعلق به أيضا الذكر المؤقت خلف الصلوات ، والمطلق في سائر الأحوال .
وفي وقته أقوال للعلماء ، وأشهرها الذي عليه العمل أنه من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ، وهو آخر النفر الآخر .
وقد جاء فيه حديث رواه الدارقطني ، ولكن لا يصح مرفوعا والله أعلم .
وقد ثبت أن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، كان يكبر في قبته ، فيكبر أهل السوق بتكبيره ، حتى ترتج منى تكبيرا .
ويتعلق بذلك أيضا التكبير وذكر الله عند رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق .
وقد جاء في الحديث الذي رواه أبو داود وغيره : " إنما جعل الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ورمي الجمار ، لإقامة ذكر الله عز وجل " .
ولما ذكر الله تعالى النفر الأول والثاني ، وهو تفرق الناس من موسم الحج إلى سائر الأقاليم والآفاق بعد اجتماعهم في المشاعر والمواقف ، قال : ( واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) [ أي : تجتمعون يوم القيامة ] ، كما قال : ( وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ) [ المؤمنون : 79 ] .
القول في تأويل قوله تعالى : وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ قال أبو جعفر: يعني جَلّ ذكره: اذكروا الله بالتوحيد والتعظيم في أيام مُحصَيات، وهي أيام رَمي الجمار.
أمر عباده يومئذ بالتكبير أدبارَ الصلوات، وعند الرمي مع كل حصاة من حَصى الجمار يرمي بها جَمرةً من الجمار.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: * ذكر من قال ذلك: 3886 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: أيام التشريق.
3887 - حدثني محمد بن نافع البصري، قال: حدثنا غندر: قال: حدثنا شعبة، عن هشيم، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
(1) 3888 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عمي، قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، يعني الأيام المعدودات أيامَ التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.
&; 4-209 &; 3889 - وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، يعني أيام التشريق.
3890 - حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، مثله.
3891 - وحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا مخلد، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: سمعه يوم الصَّدَر يَقول بعد ما صدر يُكبر في المسجد ويتأول: " واذكروا الله في أيام مَعدودات ".
3892 - حدثنا علي بن داود، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: " واذكروا الله في أيام معدودات "، يعني أيام التشريق.
3893 - حدثنا عبد الحميد بن بيان السكري، قال: أخبرنا إسحاق، عن شريك، عن أبي إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح في قول الله عز وجل: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: هي أيام التشريق.
3894 - حدثنا ابن وكيع، قال: حدثني أبي، عن طلحة بن عمرو، عن عطاء، مثله.
3895 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال أيام التشريق بمنى.
3896 - حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن مجاهد وعطاء قالا هي أيام التشريق.
3897 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
&; 4-210 &; 3898 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، مثله.
3899 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: الأيام المعدودات: أيام التشريق.
3900 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا يحيى، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، مثله.
3901 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، قال: الأيام المعدودات: الأيام بعد النحر.
3902 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت إسماعيل بن أبي خالد عن " الأيام المعدودات "، قال: أيام التشريق.
3903 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد بن زريع، فقال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، كنا نُحدَّث أنها أيام التشريق.
3904 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " واذكروا الله في أيام معدودات "، قال: هي أيام التشريق.
3905 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " أما الأيام المعدوداتُ" : فهي أيام التشريق.
3906 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
3907 - حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن مالك، قال: " الأيام المعدودات "، ثلاثة أيامٍ بعد يوم النحر.
3908 - حدثت عن حسين بن الفرج، قال: سمعت أبا معاذ الفضل بن &; 4-211 &; خالد، قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: " في أيام معدودات " قال: أيام التشريق الثلاثة.
3910 - حدثني ابن البرقي، قال: حدثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: سألت ابن زيد عن " الأيام المعدودات " و " الأيام المعلومات "، فقال: " الأيام المعدودات " أيام التشريق،" والأيام المعلومات "، يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق.
* * * وإنما قلنا: إنّ" الأيام المعدودات "، هي أيام منى وأيام رمي الجمار لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول فيها: إنها أيام ذكر الله عز وجل.
* ذكر الأخبار التي رويت بذلك: 3911 - حدثني يعقوب بن إبراهيم وخلاد بن أسلم، قال: حدثنا هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيام التشريق أيام طُعْمٍ وذِكْر ".
(2) &; 4-212 &; 3912 - حدثنا خلاد، قال: حدثنا روح، قال: حدثنا صالح، قال: حدثني ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعثَ عبد الله بن حُذافة يطوف في منى: " لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل ".
(3) 3912م - وحدثنا حميد بن مسعدة، قال: حدثنا بشر بن المفضل= وحدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا ابن علية= قالا جميعًا، حدثنا خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المليح، عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.
3913 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا هشيم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء، عن عائشة، قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله.
(4) 3914 - حدثني يعقوب، قال: حدثني هشيم، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عمرو بن دينار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بَعث بشر بن سُحَيم، فنادى في أيام التشريق، فقال: إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله.
(5) &; 4-213 &; 3915 - حدثني يعقوب.
قال: حدثنا هشيم، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن حذافة بن قيس فنادى في أيام التشريق فقال: " إن هذه الأيام أيام أكل وشرب وذكر الله، إلا من كان عليه صومٌ من هَدْي".
(6) 3916 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد بن إسحاق، عن حكيم بن حكيم، عن مسعود بن الحكم الزُّرَقي، عن أمه قالت: لكأني أنظر إلى عليٍّ رضي الله عنه على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء حين وقف على شِعْب الأنصار وهو يقول: " أيها الناس إنها ليست بأيام صيام، إنما هي أيام أكل وشرب وذكر ".
(7) * * * &; 4-214 &; قال أبو جعفر: فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال في أيام منى: إنها أيام أكل وشرب وذكر الله، لم يخبر أمَّته أنها " الأيام المعدودات " التي ذكرها الله في كتابه، فما تنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عنى بقوله: " وذكْر الله "،" الأيامَ المعلومات "؟
قيل: غير جائز أن يكون عنى ذلك.
لأن الله لم يكن يُوجب في" الأيام المعلومات " من ذكره فيها ما أوجبَ في" الأيام المعدودات ".
وإنما وصف " المعلومات " جل ذكره بأنها أيام يذكر فيها اسم الله على بهائم الأنعام، فقال: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج: 28]، فلم يوجب في" الأيام المعلومات " من ذكره كالذي أوجبه في" الأيام المعدودات " من ذكره، بل أخبر أنها أيام ذكره علىَ بهائم الأنعام.
فكان معلومًا= إذ قال صلى الله عليه وسلم لأيام التشريق: " إنها أيام أكل وشرب وذكر الله " فأخرج قوله: " وذكر الله " مطلقًا بغير شرط، ولا إضافة، إلى أنه الذكر على بهائم الأنعام = أنه عنى بذلك الذكر الذي ذكره الله في كتابه، فأوجبه على عباده مطلقًا بغير شرط ولا إضافة إلى معنى في" الأيام المعدودات "، وأنه لو كان أراد بذلك صلى الله عليه وسلم &; 4-215 &; وصف " الأيام المعلومات " به، لوصل قوله: " وذكر "، إلى أنه ذكر الله على ما رزقهم من بهائم الأنعام، كالذي وصف الله به ذلك، ولكنه أطلق ذلك باسم الذكر من غير وصله بشيء، كالذي أطلقه تبارك وتعالى باسم الذكر، فقال: " واذكروا الله في أيام معدودات " فكان ذلك من أوضح الدليل على أنه عنى بذلك ما ذكره الله في كتابه وأوجبه في" الأيام المعدودات ".
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: فقال بعضهم: معناه: فمن تعجل في يَومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني فلا إثم عليه في نَفْره وتعجله في النفر، ومن تأخر عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في اليوم الثالث فلا إثم عليه في تأخره.
* ذكر من قال ذلك.
3917 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا هشيم، عن عطاء، قال: لا إثم عليه في تعجيله، ولا إثم عليه في تأخيره.
3918 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال.
حدثنا هشيم، عن عوف، عن الحسن، مثله.
3919 - حدثنا أحمد، قال.
حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا هشيم، عن مغيره، عن عكرمة، مثله.
3920 - حدثني محمد بن عمرو، قال.
حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، &; 4-216 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله: " فمن تعجَّل في يومين "، يوم النَّفر،" فلا إثم عليه "، لا حرج عليه،" ومن تأخر فلا إثم عليه ".
3921 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: أما: " من تعجَّل في يومين فلا إثم عليه "، يقول: من نَفَر في يومين فلا جُناح عليه، ومن تأخر فنفر في الثالث فلا جناح عليه.
3922 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: " فمن تعجَّل في يومين "، يقول: فمن تعجَّل في يومين- أي: من أيام التشريق=" فلا إثم عليه "، ومن أدركه الليل بمنى من اليوم الثاني من قبل أن ينفر، فلا نَفْر له حتى تزول الشمس من الغد=" ومن تأخر فلا إثم عليه "، يقول: من تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.
3923 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال.
أخبرنا عبد الرزاق، قال.
أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه "، قال: رخَّص الله في أن ينفروا في يومين منها إن شاءوا، ومن تأخر في اليوم الثالث فلا إثم عليه.
3924 - حدثني محمد بن المثنى، قال.
حدثنا محمد بن جعفر، قال.
حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم أنه قال في هذه الآية: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، قال في تعجيله.
3925 - حدثني هناد بن السريّ، قال: حدثنا ابن أبى زائدة، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم قال: " لا إثم عليه "، لا إثم على من تعجل، ولا إثم على من تأخر.
3926 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، قال: هذا في التعجيل.
3927 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا شريك وإسرائيل، عن زيد بن جبير، قال: سمعت ابن عمر يقول: حلَّ النَّفر في يومين لمن اتقى.
&; 4-217 &; 3928 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس: " فمن تجعل في يومين فلا إثم عليه " في تعجله،" ومن تأخر فلا إثم عليه " في تأخره.
3929 - حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قلت لعطاء: أللمكي أن ينفر في النفْر الأول؟
قال: نعم، قال الله عز وجل: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، فهي للناس أجمعين.
3930 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن إبراهيم: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، قال: ليس عليه إثم 3931 - حدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين " بعد يوم النحر،" فلا إثم عليه "، بقول: من نَفَر من منى في يومين بعد النحر فلا إثم عليه،" ومن تأخر فلا إثم عليه " في تأخره، فلا حرج عليه.
(8) 3932 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن منصور، عن إبراهيم: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " في تعجله،" ومن تأخر فلا إثم عليه " في تأخره.
* * * وقال آخرون: بل معناه: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم عليه، ومن تأخر كذلك.
* ذكر من قال ذلك: 3933 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، &; 4-218 &; عن ثوير، عن أبيه، عن عبد الله: " فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: ليس عليه إثم.
3934 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال حدثنا سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، أي غفر له " ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: غُفر له.
3935 - حدثنا أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا مسعر، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، أي غفر له.
3936 - حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا المحاربي= وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد= جميعًا، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: قد غُفر له.
3937 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا حكام، عن سفيان، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قد غفر له.
3938 - حدثنا ابن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن حماد، عن إبراهيم، عن عبد الله قال في هذه الآية: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخّر فلا إثم عليه " قال: برئ من الإثم.
3939 - حدثنا ابن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن ابن عمر: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " قال: رجع مغفورًا له.
&; 4-219 &; 3940 - حدثني يعقوب، قال: حدثنا ابن علية، عن ليث، عن مجاهد في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عَليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: قد غفر له.
3941 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن أبي عبد الله، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، قال: قد غفر له، إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفِّر ما معها من الذنوب فكيف بالحج!.
3942 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي حصين، عن إبراهيم وعامر: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قالا غفر له.
3943 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج، قال: حدثني من أصدقه، عن ابن مسعود قوله: " فلا إثم عليه "، قال: خرج من الإثم كله " ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: برئ من الإثم كله، وذلك في الصَّدَر عن الحج = قال ابن جريج: وسمعت رجلا يحدث عن عطاء بن أبي رباح، عن على بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: " فلا إثم عليه "، قال.
غفر له،" ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: غُفر له.
3944 - حدثني أحمد بن حازم، قال: حدثنا أبو نعيم، قال.
حدثنا أسود بن سوادة القطان، قال: سمعت معاوية بن قُرة قال: يَخرج من ذنوبه.
(9) * * * &; 4-220 &; وقال آخرون: معنى ذلك: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه "، فيما بينه وبين السنة التي بَعدها.
* ذكر من قال ذلك: 3945 - حدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا إسحاق بن يحيى بن طلحه، قال: سألت مجاهدًا عن قول الله عز وجل: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: لمن في الحج، ليس عليه إثم حتى الحج من عام قابل.
* * * وقال آخرون: بل معناه.
فلا إثم عليه إن اتقى الله فيما بقي من عمره.
* ذكر من قال ذلك: 3946 - حدثنا أحمد، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي.
3947 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن المغيرة، عن إبراهيم، مثله.
3948 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، عن أبي العالية، مثله.
3949 - حدثني يونس، قاله: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، قال: لمن اتقى بشرط.
3950 - حدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، لا جُناح عليه =" ومن تأخر " إلى اليوم الثالث فلا جناح عليه لمن اتقى= وكان ابن عباس يقول: وددت أنّي من هؤلاء، ممن يُصيبه اسمُ التقوى.
3951 - حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، قال: &; 4-221 &; قال ابن جريج: هي في مصحف عبد الله: " لِمَنِ اتَّقَى اللهَ".
3952 - حدثني المثنى، قال: حدثنا عبد الله، قال: حدثني معاوية، عن علي، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه "، فلا حرج عليه، يقول: لمن اتقى معاصيَ الله عز وجل.
(10) * * * وقال آخرون: بل معنى ذلك: " فمن تعجل في يومين " من أيام التشريق " فلا إثم عليه "، أي فلا حرج عليه في تعجيله النفْر، إن هو اتقى قَتْل الصيد حتى ينقضي اليوم الثالث، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلم ينفر فلا حرج عليه.
* ذكر من قال ذلك: 3953 - حدثنا القاسم قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا هشيم، قال: أخبرنا محمد بن أبي صالح: " لمن اتقى " أن يصيب شيئًا من الصيد حتى يمضي اليوم الثالث.
3954 - حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه "، ولا يحل له أن يقتل صيدًا حتى تخلو أيام التشريق.
* * * وقال آخرون: بل معناه: " فمن تعجل في يومين " من أيام التشريق فنفر " فلا إثم عليه "، أي مغفورٌ له-" ومن تأخر " فنفر في اليوم الثالث " فلا إثم عليه "، أي مغفور له إن اتقى على حجه أن يصيبَ فيه شيئًا نهاه الله عنه.
* ذكر من قال ذلك: 3955 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، فال: حدثنا سعيد، عن قتادة &; 4-222 &; قوله: " لمن اتقى "، قال: يقول لمن اتقى على حجه = قال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه - أو: ما سلف من ذنبه.
* * * قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: " فمن تعجل في يومين " من أيام منى الثلاثة فنفر في اليوم الثاني" فلا إثم عليه "، لحطِّ الله ذنوبَه، إن كان قد اتقى الله في حجه، فاجتنب فيه ما أمره الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمره الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده =" ومن تأخر " إلى اليوم الثالث منهن فلم ينفر إلى النفر الثاني حتى نفر من غد النفر الأول،" فلا إثم عليه "، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وإجرامه، وإن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.
وإنما قلنا أن ذلك أولى تأويلاته [بالصحة]، لتظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ومن حجّ هذا البيت فلم يرفُثْ ولم يفسُقْ خرَج من ذنوبه كيوم ولدته أمه = وأنه قال صلى الله عليه وسلم : " تابعوا بين الحجّ والعمرة، فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة ".
3956 - حدثنا عبد الله بن سعيد الكندي، قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، قال: حدثنا عمرو بن قيس، عن عاصم، عن شقيق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقرَ والذنوبَ كما ينفي الكِيرُ خَبَثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابُ دون الجنة ".
(11) &; 4-223 &; 3957 - حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا الحكم بن بشير، عن عمرو بن قيس، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه.
(12) 3958 - حدثنا الفضل بن الصباح، قال: .
حدثنا ابن عيينة، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، عن عمر يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: " تابعوا بين الحج والعمرة، فإنّ متابعة ما بينهما تنفي الفقر والذنوبَ كما ينفي الكيرُ الخبَثَ= أو: خبَثَ الحديد ".
(13) 3959 - حدثنا إبراهيم بن سعيد، قال: حدثنا سعد بن عبد الحميد، قال: حدثنا ابن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن صالح مولى التوأمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا قضيتَ حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك.
(14) * * * &; 4-224 &; = وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب، مما ينبئ عنه أنّ من حجّ فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه: " فلا إثم عليه لمن اتقى " الله في حجه.
فكان في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يوضح عن أن معنى قوله جل وعزّ: " فلا إثم عليه "، أنه خارجٌ من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورَةٌ له أجْرامه= وأنه لا معنى لقول من تأول قوله: " فلا إثم عليه "، فلا حرج عليه في نفره في اليوم الثاني، ولا حرج عليه في مقامه إلى اليوم الثالث.
لأن الحرَج إنما يوضع عن العامل فيما كان عليه ترْك عمله، فيرخّص له في عمله بوضع الحرَج عنه في عمله؛ أو فيما كان عليه عمله، فيرخَّص له في تركه بوضع الحرج عنه في تركه.
فأما ما على العامل عَمله فلا وَجه لوضع الحرَج عنه فيه إن هو عَمله، وفرضُه عَملُه، لأنه محال أن يكون المؤدِّي فرضًا عليه، حرجا بأدائه، (15) فيجوز أن يقال: قد وضعنا عنك فيه الحرَج.
وإذ كان ذلك كذلك= وكان الحاج لا يخلو عند من تأوّل قوله: " فلا إثم عليه " فلا حرج عليه، أو فلا جناح عليه، من أن يكون فرضه النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، فوضع عنه الحرَج في المقام، أو أن يكون فرضَه المقام، &; 4-225 &; إلى اليوم الثالث، فوضع عنه الحرج في النفر في اليوم الثاني، فإن يكن فرضه في اليوم الثاني من أيام التشريق المقام إلى اليوم الثالث منها، فوضع عنه الحرج في نفره في اليوم الثاني منها - وذلك هو التعجُّل الذي قيل: " فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه "- فلا معنى لقوله على تأويل من تأوّل ذلك: " فلا إثم عليه "، فلا جناح عليه،" ومن تأخر فلا إثمَ عليه ".
لأن المتأخر إلى اليوم الثالث إنما هو متأخّرٌ عن أداء فرض عليه، تاركٌ قبولَ رُخصة النفر، فلا وجه لأن يقال: " لا حرج عليك في مقامك على أداء الواجب عليك "، لما وصفنا قبل- أو يكون فرضُه في اليوم الثاني النفر، فرُخِّص له في المقام إلى اليوم الثالث، فلا معنى أن يقال: " لا حرج عليك في تعجُّلك النفر الذي هو فرضك وعليك فعله "، للذي قدمنا من العلة.
وكذلك لا معنى لقول من قال: معناه: " فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه " ولا حرج عليه في نفره ذلك، إن اتقى قتل الصيد إلى انقضاء اليوم الثالث.
لأن ذلك لو كان تأويلا مسلَّمًا لقائله لكان في قوله: " ومن تأخر فلا إثم عليه "، ما يُبطل دعواه، لأنه لا خلاف بين الأمة في أن الصيد للحاجّ بعد نفره من منى في اليوم الثالث حلال، فما الذي من أجله وَضَع عنه الحرج في قوله: " ومن تأخر فلا إثم عليه "، إذا هو تأخر إلى اليوم الثالث ثم نفر ؟
هذا، مع إجماعِ الحجة على أن المحرم إذا رمى وذبح وحلق وطافَ بالبيت، فقد حلَّ له كل شيء، وتصريحِ الرواية المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ذلك، (16) التي:- 3960 - حدثنا بها هناد بن السري الحنظلي، قال: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن حجاج، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة قالت: سألت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها متى يحلّ المحرم ؟
فقالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رَميتم وذبحتم وحلقتم، حلّ لكم كل شيء إلا النساء= &; 4-226 &; قال: وذكر الزهري، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله.
(17) &; 4-227 &; وأما الذي تأوّل ذلك أنه بمعنى: " لا إثم عليه إلى عام قابل "، فلا وجه لتحديد ذلك بوقت، وإسقاطه الإثمَ عن الحاجّ سنة مستقبَلة، دون آثامه السالفة.
لأن الله جل ثناؤه لم يحصُر ذلك على نفي إثم وقت مستقبَل بظاهر التنـزيل، ولا على لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، بل دلالةُ ظاهر التنـزيل تُبين عن أن المتعجّل في اليومين والمتأخر لا إثم على كل واحد منهما في حاله التي هو بها دون غيرها من الأحوال.
والخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم يصرِّح بأنه بانقضاء حجه على ما أمر به، خارجٌ من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
ففي ذلك = من دلالة ظاهر التنـزيل، وصريح قول الرسول صلى الله عليه وسلم= دلالة واضحة على فساد قول من قال: معنى قوله: " فلا إثم عليه "، فلا إثم عليه من وقت انقضاء حجه إلى عام قابل.
* * * قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: ما الجالب " اللام " في قوله: " لمن اتقى "؟
وما معناها ؟
قيل: الجالبُ لها معنى قوله: " فلا إثم عليه ".
لأن في قوله: " فلا إثم عليه " معنى: حططنا ذنوبه وكفَّرنا آثامه، فكان في ذلك معنى: جعلنا تكفيرَ الذنوب لمن اتقى الله في حجه، فترك ذكر " جعلنا تكفير الذنوب "، اكتفاء بدلالة قوله: " فلا إثم عليه " .
وقد زعم بعض نحوييّ البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة فقد أخبر عن أمر، فقال: " لمن اتقى " أي: هذا لمن اتقى.
وأنكرَ بعضُهم ذلك من قوله، وزعم أن الصفة لا بد لها من شيء تتعلق به، (18) لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة " قول " متروك، فكان معنى الكلام عنده " قلنا ": (19) " ومن تأخر فلا &; 4-228 &; إثم عليه لمن اتقى "، وقام قوله: " ومن تأخر فلا إثم عليه "، مقامَ" القول ".
وزعم بعضُ أهل العربية أنّ موضع طرْح الإثم في المتعجِّل، فجُعل في المتأخر= وهو الذي أدَّى ولم يقصر= مثل ما جُعل على المقصِّر، كما يقال في الكلام: " إن تصدقت سرًّا فحسنٌ، وإن أظهرتَ فحسنٌ"، وهما مختلفان، لأن المتصدق علانية إذا لم يقصد الرياء فحسن، وإن كان الإسرار أحسن.
وليس في وصف حالتي المتصدقين بالحُسن وصف إحداهما بالإثم.
وقد أخبر الله عز وجل عن النافرين بنفي الإثم عنهما، ومحال أن ينفي عنهما إلا ما كان في تركه الإثم على ما تأوَّله قائلو هذه المقالة.
وفي إجماع الجميع على أنهما جميعًا لو تركا النفر وأقاما بمنىً لم يكونا آثمين، ما يدل على فساد التأويل الذي تأوله من حكينا عنه هذا القول.
وقال أيضًا: فيه وجهٌ آخر، وهو معنى نهي الفريقين عن أن يُؤثِّم أحدُ الفريقين الآخر، كأنه أراد بقوله: " فلا إثم عليه "، لا يقل المتعجل للمتأخر: " أنت آثم "، ولا المتأخر للمتعجل: " أنت آثم "، بمعنى: فلا يؤثِّمنَّ أحدهما الآخر.
وهذا أيضًا تأويل لقول جميع أهل التأويل مخالفٌ، وكفى بذلك شاهدًا على خطئه.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (203) قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: واتقوا الله أيها المؤمنون فيما فَرض عليكما من فرائضه، فخافوه في تضييعها والتفريط فيها، وفيما نهاكم عنه في حجكم ومناسككما أن ترتكبوه أو تأتوه وفيما كلفكم في إحرامكم لحجكم أن تقصِّروا في &; 4-229 &; أدائه والقيام به،" واعلموا أنكم إليه تحشرون "، فمجازيكم هو بأعمالكم- المحسن منكم بإحسانه، والمسيء بإساءته- وموفٍّ كل نفس منكم ما عملت وأنتم لا تظلمون.
--------------------- الهوامش : (1) الأثر : 3887 -"محمد بن نافع البصري" هو محمد بن أحمد بن نافع العبدي القيسي أبو بكر بن نافع البصري مشهور بكنيته .
مترجم في التهذيب"غندر" هو محمد بن جعفر الهذلي مولاهم أبو عبد الله البصري .
مترجم في التهذيب .
(2) الحديث : عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف : ثقة وثقه أحمد وغيره وتكلم فيه آخرون من قبل حفظه .
والحديث رواه أحمد في المسند : 7134 عن هشيم بهذا الإسناد .
ورواه أيضًا : 9008 (2 : 387 حلبي) عن عفان عن أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة .
ورواه الطحاوي في معاني الآثار 1 : 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم به .
ولم ينفرد عمر بن أبي سلمة بروايته .
فرواه ابن ماجه : 1719 من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وقال البوصيري في زوائده : "إسناده صحيح على شرط الشيخين" .
وسيأتي عقب هذا من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة .
(3) الحديث : 3912 - روح : هو ابن عبادة .
صالح : هو ابن أبي الأخضر اليمامي .
وهو ثقةن تكلموا في روايته عن الزهري بما ليس بقادح .
وهو كان خادما لزهري فالظاهر أن يكون عرف عن الزهري ما لم يعرف غيره .
والحديث رواه أحمد في المسند : 10674 ، 10930 (2 : 513 ، 535 حلبي) عن روح ابن عبادة بهذا الإسناد .
وكذلك رواه الطحاوي 1 : 428 ونسباه للطبري فقط .
وانظر ما مضى : 3471 وما يأتي : 3916 .
(4) الحديث : 3913 - خالد : هو ابن مهران الحذاء .
أبو قلابة : هو الجرمي عبد الله ابن زيد .
أبو المليح : هو ابن أسامة الهذلي .
وهذا إسناد صحيح ليست له علة .
ويشهد له ما روى البخاري 4 : 211 (فتح) من طريق الزهري عن عروة عن عائشة - وعن سالم عن ابن عمر قالا : "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدى" وهو مرفوع حكما -على الراجح- وإن كان لفظه لفظ الموقوف .
وقد مضى معناه مرفوعا لفظا من وجه آخر ، عن الزهري عن سالم عن ابن عمر .
وانظر الحديث التالي لهذا .
(5) الحديث : 3914 - ابن أبي ليلى : هو محمد بن عبد الرحمن .
عطاء : هو ابن أبي رباح وهذا إسناد حسن .
والحديث رواه الطحاوي 1 : 428 من طريق سعيد بن منصور عن هشيم بهذا الإسناد .
وذكره ابن كثير 1 : 475 ولم يذكر تخريجه .
وذكره السيوطي 1 : 235 منسوبا للطبري فقط .
(6) الحديث : 3915 - هذا إسناد مرسل لأن عمرو بن دينار تابعي .
ولكن الحديث ورد من طريقه متصلا صحيحًا وكذلك من غير طريقه : فرواه أحمد في المسند : 15496 (3 : 415 حلبي) عن محمد بن جعفر عن شعبة عن عمرو بن دينار"عن نافع بن جبير بن مطعم عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه بعث بشر بن سحيم فأمره أن ينادي : ألا إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمن وإنها أيام أكل وشرب يعني أيام التشريق" .
ورواه أحمد أيضًا بنحوه (4 : 235 حلبي) عن سريج عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن نافع بن جبير عن بشر بن سحيم .
وكذلك رواه الطحاوي 1 : 429 عن ابن خزيمة عن حجاج بن منهال عن حماد بن زيد به .
ورواه شعبة أيضًا عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير وروايته في مسند الطيالسي 1299 ومسند أحمد : 15497 (3 : 415 حلبي) والطحاوي 1 : 429 .
وكذلك رواه سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن نافع بن جبير وروايته في المسند : 15495 (3 : 415 حلبي) وفيه أيضًا (4 : 235 حلبي) وسنن ابن ماجه : 1730 وقال البوصيري في زوائده : "رواه ابن خزيمة في صحيحه" .
وكذلك رواه البيهقي 4 : 298 .
(7) الحديث : 3916 - مضى بهذا الإسناد : 3471 .
حكيم بن حكيم بفتح الحاء فيهما بن عباد بن حنيف : ثقة وثقه ابن حبان والعجلي وغيرهما وصحح له الترمذي وابن خزيمة .
وترجمه البخاري في الكبير 2/1/17 وابن أبي حاتم 1/2/202 فلم يذكرا فيه جرحا .
مسعود بن الحكم بن الربيع الزرقي الأنصاري المدني : تابعي ثقة يعد في جلة التابعين وكبارهم .
وأمه صحابية معروفة .
والحديث رواه ابن سعد في الطبقات 2/1/134 عن إسماعيل بن إبراهيم -وهو ابن علية- بهذا الإسناد .
ورواه الحاكم في المستدرك 1 : 434- 435 من طريق أحمد بن حنبل عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق بهذا الإسناد .
وقال الحاكم : "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه" .
ووافقه الذهبي .
وهذا الإسناد -من طريق الإمام احمد : ليس من طريق رواية المسند بل من طريق آخر عنه ولم يذكر هذا الإسناد في المسند .
ولكنه رواه بإسناد آخر : فرواه في المسند : 708 عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق : "حدثني عبد اله بن أبي سلمة عن مسعود بن الحكم الأنصاري ثم الزرقي عن أمه أنها حدثته .
.
.
" فذكر الحديث .
وهذا إسناد صحيح أيضًا .
فلابن إسحاق فيه شيخان سمعه منهما : حكيم بن حكيم وعبد الله بن أبي سلمة الماجشون- كلاهما عن مسعود بن الحكم .
وانظر أيضًا في المسند : 567 ، 821 ، 824 .
(8) الأثر : 3931 - كان في المطبوعة"حدثنا علي قال حدثنا أبو صالح .
.
.
" و"علي" تصحيف"المثنى" وهعو إسناد دائر في الطبري أقربه رقم : 2893 .
(9) الأثر : 3944 - لم أجد"أسود بن سوادة القطان" ، ولعله"سوادة بن أبي الأسود القطان" وهو الذي يروي عنه أبو نعيمن واسمه"عبد الله" ويقال مسلم بن مخارق القطان .
ترجمه في التهذيب .
(10) الأثر : 3952 - في المطبوعة : "حدثنا علي ، قال حدثنا عبد الله" .
وقوله"علي" تصحيف والصواب ما أثبتنا ، وانظر الأثر السالف رقم : 3931 والتعليق عليه .
(11) الحديث : 3956 - عبد الله بن سعيد الكندي أبو سعيد الأشج : ثقة حافظ من شيوخ أصحاب الكتب الستة .
أبو خالد الأحمر : هو سليمان بن حيان -بالياء التحتية- الأزدي وهو ثقة من شيوخ أحمد وإسحاق أخرج له جماعة .
عمرو بن قيس : هو الملائي .
عاصم : هو ابن أبي النجود .
شقيق : هو ابن سلمة أبو وائل الأسدي عبد الله : هو ابن مسعود .
والحديث رواه احمد في المسند : 3669 عن أبي خالد الأحمر بهذا الإسناد ورواه الترمذي 2 : 78 والنسائي 2 : 4- كلاهما من طريق أبي خالد الأحمر .
وذكره السيوطي 1 : 211 وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن خزيمة وابن حبان .
الكير : زق أو جلد غليظ ذو حافات ينفخ فيه الحداد ، ليؤرث النار .
وخبث الحديد وغيره : هو ما ينفيه الكير والنار من الحديد إذا أذيب وهو ما لا خير فيه منه .
(12) الحديث : 3957 - وهذا إسناد آخر صحيح لهذا الحديث لم أجده عند غير الطبري .
وهو يدل على أن عاصم بن أبي النجود رواه عن شيخين ، هما أبو وائل وزر بن حبيش- : كلاهما عن ابن مسعود .
(13) الحديث : 3958 - عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب : ضعيف وقد بينا ضعفه في شرح المسند : 128 ، 5229 .
والحديث رواه ابن ماجه : 2887 بإسنادين من طريق ابن عيينة ومن طريق عبيد الله بن عمر- كلاهما عن عاصم بن عبيد الله .
وقال البوصيري في زوائده : "مدار الإسنادين على عاصم ابن عبيد الله ، وهو ضعيف .
والمتن صحيح من حديث ابن مسعود رواه الترمذي والنسائي" ، يريد الحديثين السابقين .
وذكره السيوطي 1 : 211 وزاد لابن أبي شيبة ، والبيهقي .
(14) الحديث : 3959 - إبراهيم بن سعيد هو الجوهري .
مضى في : 3355 .
سعد بن عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله الأنصاري المدني : ضعفه ابن حبان جدا وقال ابن معين : "ليس به بأس" .
والذي أرجحه أنه ثقة ، فإن البخاري ترجمه في الكبير 2/2/62 فلم يذكر فيه حرجا ولم يذكره هو ولا النسائي في الضعفاء وترجمه ابن أبي حاتم 2/1/92 فلم يجرحه أيضًا .
صالح مولى التوأمة : هو صالح بن نبهان ، مضى في 1020 تصحيح رواية من سمع منه قديما قبل تغير حفظه .
وموسى بن عقبة سمع منه قديما ، كما بينا في شرح المسند : 2604 .
وهذا الحديث .
بهذا الإسناد - لم أجده في موضع آخر من المراجع من حديث ابن عباس .
ومعناه ثابت في أحاديث أخر صحاح .
انظر الترغيب والترهيب 2 : 105- 113 ومجمع الزوائد 3 : 207- 209 ، 274- 277 ، وانظر ما سلف من رقم : 3718- 3728 .
(15) قوله : "حرجًا" على وزن"فرح" بمعنى آثم وقد مضى في الجزء 2 : 423 استعمال هذه الصيغة وعلقت عليه أن أهل اللغة ينكرون ذلك ويقولون بل هو"حارج" ولقد أعاد الطبري استعمالها هنا مرة أخرى ، ورأيت أيضًا القاضي الباقلاني قد استعملها في كتابه التمهيد ص : 221 ، فقال : " .
.
.
لم يكن الإمام بذلك مأثومًا ولا حرجًا" وكأني رأيت الشافعي قد استعملها أيضًا في الأم ، ولكن ذهب عني مكانها .
(16) في المطبوعة : "الرواية المروية" ورددتها إلى عبارة الطبري التي يكثر استعمالها ، انظر ما سلف 4 : 33ن س : 19 وفي مواضع كثيرة لم استطع أن أجدها الآن .
(17) الحديث : 3960 - هناد بن السري الدارمي : مضت ترجمته : 2058 .
وقد نسب هنا حنظليا كما نسبه البخاري في الكبير .
وكلاهما صحيح فهو من بني"دارم بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم" .
انظر جمهرة ابن حزم ص : 211 ، 217 .
حجاج : هو ابن أرطأة وهو ثقة على الراجح عندنا كما ذكرنا في : 2299 .
وقد روى الحجاج هذا الحديث بإسنادين : فرواه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة ، وهي بنت عبد الرحمن -وهي خالة أبي بكر بن حزم- عن عائشة وذكر لفظ الحديث .
ثم رواه عن الزهري عن عمرة عن عائشة"مثله" .
فلم يذكر لفظه .
وهذا من تحري الحجاج بن أرطأة ودققه كما سيبين مما يجيء .
فالحديث -من رواية أبي بكر بن حزم- رواه أحمد في المسند 6 : 143 (حلبي) عن يزيد ابن هارون عن الحجاج بهذا الإسناد نحوه .
ولكن ليس فيه كلمة"وذبحتم" .
وكذلك رواه البيهقي في السنن الكبرى 5 : 136 من طريق مالك بن يحيى عن يزيد بن هارون ، ثم قال : "ورواه محمد بن أبي بكر ، عن يزيد بن هارون فزاد فيه : وذبحتم فقد حل لكم كل شيء ، الطيب والثياب إلا النساء" .
ثم ذكر البيهقي إسناده به إلى محمد بن أبي بكر .
ثم أعله البيهقي وسنذكر ما قال والجواب عنه ، إن شاء الله .
وقد سها السيوطي ، حين ذكر هذا الحديث في زوائد الجامع الصغير (1 : 117 من الفتح الكبير) فنسبه لصحيح مسلم -مع البيهقي) وهذا خطأ يقينا ، فإنه ليس في صحيح مسلم .
وأما من رواية الحجاج عن الزهري : فرواه أبو داود في السنن : 1978 عن مسدد عن عبد الواحد بن زياد عن الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعا بلفظ : "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء" .
ثم أعله أبو داود فقال : "هذا حديث ضعيف .
والحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه" .
وهذا تعليل جيد من أبي داود فقد روى ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل ص : 18 بإسناده عن هشيم قال : "قال لي الحجاج بن أرطأة : سمعت من الزهري؟
قلت : نعم قال : لكني لم أسمع منه شيئًا" .
وأما البيهقي فإنه أعلى رواية الحجاج عن أبي بكر بن حزم تعليلا لا أراه مستقيما .
قال عقب روايته : "وهذا من تخليطات الحجاج بن أرطأة وإنما الحديث عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم كما رواه سائر الناس عن عائشة" .
ثم ذكر حديثها قالت : "طيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحرمه حين أحرم ، ولحله قبل أن يفيض -بأطيب ما وجدت من الطيب" .
وهو حديث صحيح رواه مسلم .
وما نرى إعلال ذاك بهذا هذا حديث فعلي ، من حكاية عائشة وذاك حديث قولي من روايتها عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكل منهما مؤيد لصحة الآخر ، فأتى يستقيم التعليل؟
وقد ورد نحو هذا الحديث أيضًا من حديث ابن عباس مرفوعا : "إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" .
رواه أحمد في المسند : 2090 ، 3204 ، 3491 .
ولكنه بإسناد منقطع لأنه من رواية الحسن العرني عن ابن عباس .
وهو لم يسمع من ابن عباس كما قال البخاري في الصغير ص 136 .
ولكنه يصلح على كل حال شاهدا لهذا الحديث .
(18) الصفة : هي حرف الجر وهي حروف الصفات وانظر ما سلف 1 : 299 تعليق : 1 ثم 3 : 475 تعليق : 1 .
(19) في المطبوعة : "فكان معنى الكلام عنده"ما قلنا" بزيادة"ما" وهو خطأ بين بدل عليه سياق هذا التأويل .
واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرونقوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فيه ست مسائلالأولى : قال الكوفيون : الألف والتاء في " معدودات " لأقل العدد .
وقال البصريون : هما للقليل والكثير ، بدليل قوله تعالى : " وهم في الغرفات آمنون " ، والغرفات كثيرة .
ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى ، وهي أيام التشريق ، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها ، وهي أيام رمي الجمار ، وهي واقعة على الثلاثة الأيام التي يتعجل الحاج منها في يومين بعد يوم النحر ، فقف على ذلك .
وقال الثعلبي وقال إبراهيم : الأيام المعدودات أيام العشر ، والأيام المعلومات أيام النحر ، وكذا حكى مكي والمهدوي أن الأيام المعدودات هي أيام العشر .
ولا يصح لما ذكرناه من الإجماع على ما نقله أبو عمر بن عبد البر وغيره .
قال ابن عطية : وهذا إما أن يكون من تصحيف النسخة ، وإما أن يريد العشر الذي بعد النحر ، وفى ذلك بعد .الثانية : أمر الله - سبحانه وتعالى - عباده بذكره في الأيام المعدودات ، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر ، وليس يوم النحر منها ؛ لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر وهو ثاني يوم النحر ، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر ؛ لأنه قد أخذ يومين [ ص: 4 ] من المعدودات .
خرج الدارقطني والترمذي وغيرهما عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي أن ناسا من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة فسألوه ، فأمر مناديا فنادى : الحج عرفة ، فمن جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك ، أيام منى ثلاثة فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ، أي من تعجل من الحاج في يومين من أيام منى صار مقامه بمنى ثلاثة أيام بيوم النحر ، ويصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ، ويسقط عنه رمي يوم الثالث .
ومن لم ينفر منها إلا في آخر اليوم الثالث حصل له بمنى مقام أربعة أيام من أجل يوم النحر ، واستوفى العدد في الرمي ، على ما يأتي بيانه .
ومن الدليل على أن أيام منى ثلاثة - مع ما ذكرناه - قول العرجي :ما نلتقي إلا ثلاث منى حتى يفرق بيننا النفرفأيام الرمي معدودات ، وأيام النحر معلومات .
وروى نافع عن ابن عمر أن الأيام المعدودات والأيام المعلومات يجمعها أربعة أيام : يوم النحر وثلاثة أيام بعده ، فيوم النحر معلوم غير معدود ، واليومان بعده معلومان معدودان ، واليوم الرابع معدود لا معلوم ، وهذا مذهب مالك وغيره .وإنما كان كذلك لأن الأول ليس من الأيام التي تختص بمنى في قوله سبحانه وتعالى : واذكروا الله في أيام معدودات ولا من التي عين النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : أيام منى ثلاثة فكان معلوما ؛ لأن الله تعالى قال : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ولا خلاف أن المراد به النحر ، وكان النحر في اليوم الأول وهو يوم الأضحى والثاني والثالث ، ولم يكن في الرابع نحر بإجماع من علمائنا ، فكان الرابع غير مراد في قوله تعالى : " معلومات " لأنه لا ينحر فيه وكان مما يرمى فيه ، فصار معدودا لأجل الرمي ، غير معلوم لعدم النحر فيه .
قال ابن العربي : والحقيقة فيه أن يوم النحر معدود بالرمي معلوم بالذبح ، لكنه عند علمائنا ليس مرادا في قوله تعالى : واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل .
وقال أبو حنيفة والشافعي : ( الأيام المعلومات العشر من أول يوم من ذي الحجة ، وآخرها يوم النحر ) ، لم يختلف قولهما في ذلك ، ورويا ذلك عن ابن عباس .
وروى الطحاوي عن أبي يوسف أن الأيام المعلومات أيام النحر .
قال أبو يوسف : روي ذلك عن عمر وعلي ، وإليه أذهب ؛ لأنه تعالى قال : ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام .
وحكى الكرخي عن محمد بن الحسن أن الأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة : يوم الأضحى ويومان بعده .
قال الكيا الطبري : فعلى قول أبي يوسف ومحمد لا فرق بين المعلومات والمعدودات ؛ لأن المعدودات المذكورة في القرآن أيام التشريق بلا خلاف ، ولا يشك أحد أن المعدودات لا تتناول أيام العشر ؛ لأن الله تعالى يقول : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه وليس في العشر حكم يتعلق بيومين دون الثالث .
وقد روي عن ابن عباس ( أن المعلومات العشر ، والمعدودات أيام التشريق ) ، وهو قول الجمهور .قلت : وقال ابن زيد : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة وأيام التشريق ، وفيه بعد ؛ لما ذكرناه ، وظاهر الآية يدفعه .
وجعل الله الذكر في الأيام المعدودات والمعلومات يدل على خلاف قوله ، فلا معنى للاشتغال به .الثالثة : ولا خلاف أن المخاطب بهذا الذكر هو الحاج ، خوطب بالتكبير عند رمي الجمار ، وعلى ما رزق من بهيمة الأنعام في الأيام المعلومات وعند أدبار الصلوات دون تلبية ، وهل يدخل غير الحاج في هذا أم لا ؟
فالذي عليه فقهاء الأمصار والمشاهير من الصحابة والتابعين على أن المراد بالتكبير كل أحد - وخصوصا في أوقات الصلوات - فيكبر عند انقضاء كل صلاة - كان المصلي وحده أو في جماعة - تكبيرا ظاهرا في هذه الأيام ، اقتداء بالسلف رضي الله عنهم .
وفي المختصر : ولا يكبر النساء دبر الصلوات ، والأول أشهر ؛ لأنه يلزمها حكم الإحرام كالرجل ، قاله في المدونة .الرابعة : ومن نسي التكبير بإثر صلاة كبر إن كان قريبا ، وإن تباعد فلا شيء عليه ، قاله ابن الجلاب .
وقال مالك في المختصر : يكبر ما دام في مجلسه ، فإذا قام من مجلسه فلا شيء عليه .
وفي المدونة من قول مالك : إن نسي الإمام التكبير فإن كان قريبا قعد فكبر ، وإن تباعد فلا شيء عليه ، وإن ذهب ولم يكبر والقوم جلوس فليكبروا .الخامسة : واختلف العلماء في طرفي مدة التكبير فقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي [ ص: 6 ] طالب وابن عباس : ( يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق ) .
وقال ابن مسعود وأبو حنيفة : يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر ؛ وخالفه صاحباه فقالا بالقول الأول قول عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنهم ، فاتفقوا في الابتداء دون الانتهاء .
وقال مالك : يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق .
وبه قال الشافعي ، وهو قول ابن عمر وابن عباس أيضا .
وقال زيد بن ثابت : ( يكبر من ظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق ) .
قال ابن العربي : فأما من قال : يكبر يوم عرفة ويقطع العصر من يوم النحر فقد خرج عن الظاهر ؛ لأن الله تعالى قال : في أيام معدودات وأيامها ثلاثة ، وقد قال هؤلاء : يكبر في يومين ، فتركوا الظاهر لغير دليل .
وأما من قال : يوم عرفة وأيام التشريق فقال : إنه قال : فإذا أفضتم من عرفات ، فذكر عرفات داخل في ذكر الأيام ، هذا كان يصح لو كان قال : يكبر من المغرب يوم عرفة ؛ لأن وقت الإفاضة حينئذ ، فأما قبل فلا يقتضيه ظاهر اللفظ ، ويلزمه أن يكون من يوم التروية عند الحلول بمنى .السادسة : واختلفوا في لفظ التكبير ، فمشهور مذهب مالك أنه يكبر إثر كل صلاة ثلاث تكبيرات ، رواه زياد بن زياد عن مالك .
وفي المذهب رواية : يقال بعد التكبيرات الثلاث : لا إله إلا الله ، والله أكبر ولله الحمد .
وفي المختصر عن مالك : الله أكبر الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ولله الحمد .قوله تعالى : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه فيه إحدى وعشرون مسألة : الأولى : قوله تعالى : فمن تعجل التعجيل أبدا لا يكون هنا إلا في آخر النهار ، وكذلك اليوم الثالث ؛ لأن الرمي في تلك الأيام إنما وقته بعد الزوال .
وأجمعوا على أن يوم النحر لا يرمى فيه غير جمرة العقبة ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرم يوم النحر من الجمرات غيرها ، ووقتها من طلوع الشمس إلى الزوال ، وكذلك أجمعوا أن وقت رمي الجمرات في أيام التشريق بعد الزوال إلى الغروب ، واختلفوا فيمن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الفجر أو بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس .
فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق : جائز رميها بعد الفجر قبل طلوع الشمس .
وقال مالك : لم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص لأحد برمي قبل أن يطلع الفجر ، ولا يجوز رميها قبل الفجر ، فإن رماها قبل الفجر أعادها .
وكذلك قال أبو حنيفة وأصحابه : لا يجوز رميها ، وبه قال أحمد وإسحاق .
ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر ، روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت ترمي بالليل وتقول : إنا كنا نصنع هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، [ ص: 7 ] أخرجه أبو داود .
وروي هذا القول عن عطاء وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد ، وبه قال الشافعي إذا كان الرمي بعد نصف الليل .
وقالت طائفة : لا يرمى حتى تطلع الشمس ، قاله مجاهد والنخعي والثوري .
وقال أبو ثور : إن رماها قبل طلوع الشمس فإن اختلفوا فيه لم يجزه ، وإن أجمعوا أو كانت فيه سنة أجزأه .
قال أبو عمر : أما قول الثوري ومن تابعه فحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى الجمرة بعد طلوع الشمس وقال : خذوا عني مناسككم .
وقال ابن المنذر : السنة ألا ترمي إلا بعد طلوع الشمس ، ولا يجزئ الرمي قبل طلوع الفجر ، فإن رمى أعاد ، إذ فاعله مخالف لما سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأمته .
ومن رماها بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه ، إذ لا أعلم أحدا قال لا يجزئه .الثانية : روى معمر قال أخبرني هشام بن عروة عن أبيه قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أم سلمة أن تصبح بمكة يوم النحر ، وكان يومها .
قال أبو عمر : اختلف على هشام في هذا الحديث ، فروته طائفة عن هشام عن أبيه مرسلا ، كما رواه معمر ، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة بذلك مسندا ، ورواه آخرون عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة مسندا أيضا ، وكلهم ثقات .
وهو يدل على أنها رمت الجمرة بمنى قبل الفجر ؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر ، وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى ليلا قبل الفجر ، والله أعلم .
ورواه أبو داود قال حدثنا هارون بن عبد الله قال حدثنا ابن أبي فديك عن الضحاك بن عثمان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر ثم مضت فأفاضت ، وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها .
وإذا ثبت فالرمي بالليل جائز لمن فعله ، والاختيار من طلوع الشمس إلى زوالها .
قال أبو عمر : أجمعوا على أن وقت الاختيار في رمي جمرة العقبة من طلوع الشمس إلى زوالها ، وأجمعوا أنه إن رماها قبل غروب الشمس من يوم النحر فقد أجزأ عنه ولا شيء عليه ، إلا مالكا فإنه قال : [ ص: 8 ] أستحب له إن ترك جمرة العقبة حتى أمسى أن يهريق دما يجيء به من الحل .
واختلفوا فيمن لم يرمها حتى غابت الشمس فرماها من الليل أو من الغد ، فقال مالك : عليه دم ، واحتج بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لرمي الجمرة وقتا ، وهو يوم النحر ، فمن رمى بعد غروب الشمس فقد رماها بعد خروج وقتها ، ومن فعل شيئا في الحج بعد وقته فعليه دم .
وقال الشافعي : لا دم عليه ، وهو قول أبي يوسف ومحمد ، وبه قال أبو ثور ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له السائل : يا رسول الله ، رميت بعدما أمسيت فقال : لا حرج ، قال مالك : من نسي رمي الجمار حتى يمسي فليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار ، كما يصلي أية ساعة ذكر ، ولا يرمي إلا ما فاته خاصة ، وإن كانت جمرة واحدة رماها ، ثم يرمي ما رمى بعدها من الجمار ، فإن الترتيب في الجمار واجب ، فلا يجوز أن يشرع في رمي جمرة حتى يكمل رمي الجمرة الأولى كركعات الصلاة ، هذا هو المشهور من المذهب .
وقيل : ليس الترتيب بواجب في صحة الرمي ، بل إذا كان الرمي كله في وقت الأداء أجزأه .الثالثة : فإذا مضت أيام الرمي فلا رمي فإن ذكر بعدما يصدر وهو بمكة أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي ، وسواء ترك الجمار كلها ، أو جمرة منها ، أو حصاة من جمرة حتى خرجت أيام منى فعليه دم .
وقال أبو حنيفة : إن ترك الجمار كلها فعليه دم ، وإن ترك جمرة واحدة كان عليه بكل حصاة من الجمرة إطعام مسكين نصف صاع ، إلى أن يبلغ دما فيطعم ما شاء ، إلا جمرة العقبة فعليه دم .
وقال الأوزاعي : يتصدق إن ترك حصاة .
وقال الثوري : يطعم في الحصاة والحصاتين والثلاث ، فإن ترك أربعا فصاعدا فعليه دم .
وقال الليث : في الحصاة الواحدة دم ، وهو أحد قولي الشافعي .
والقول الآخر وهو المشهور : إن في الحصاة الواحدة مدا من طعام ، وفي حصاتين مدين ، وفي ثلاث حصيات دم .الرابعة : ولا سبيل عند الجميع إلى رمي ما فاته من الجمار في أيام التشريق حتى غابت الشمس من آخرها ، وذلك اليوم الرابع من يوم النحر ، وهو الثالث من أيام التشريق ، ولكن يجزئه الدم أو الإطعام على حسب ما ذكرنا .الخامسة : ولا تجوز البيتوتة بمكة وغيرها عن منى ليالي التشريق ، فإن ذلك غير جائز عند الجميع إلا للرعاء ، ولمن ولي السقاية من آل العباس .
قال مالك : من ترك المبيت ليلة من ليالي منى من غير الرعاء وأهل السقاية فعليه دم .
روى البخاري عن ابن عمر أن العباس [ ص: 9 ] استأذن النبي صلى الله عليه وسلم ليبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له .
قال ابن عبد البر : كان العباس ينظر في السقاية ويقوم بأمرها ، ويسقي الحاج شرابها أيام الموسم ، فلذلك أرخص له في المبيت عن منى ، كما أرخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم لرعي الإبل وضرورتهم إلى الخروج بها نحو المراعي التي تبعد عنمنى .وسميت منى " منى " لما يمنى فيها من الدماء ، أي يراق .
وقال ابن عباس : ( إنما سميت منى لأن جبريل قال لآدم عليه السلام : تمن .
قال : أتمنى الجنة ، فسميت منى .
قال : وإنما سميت جمعا لأنه اجتمع بها حواء وآدم عليهما السلام ) ، والجمع أيضا هو المزدلفة ، وهو المشعر الحرام ، كما تقدم .السادسة : وأجمع الفقهاء على أن المبيت للحاج - غير الذين رخص لهم - ليالي منى بمنى من شعائر الحج ونسكه ، والنظر يوجب على كل مسقط لنسكه دما ، قياسا على سائر الحج ونسكه .
وفي الموطأ : مالك عن نافع عن ابن عمر قال : قال عمر : لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة .
والعقبة التي منع عمر أن يبيت أحد وراءها هي العقبة التي عند الجمرة التي يرميها الناس يوم النحر مما يلي مكة .
رواه ابن نافع عن مالك في المبسوط ، قال : وقال مالك : ومن بات وراءها ليالي منى فعليه الفدية ، وذلك أنه بات بغير منى ليالي منى ، وهو مبيت مشروع في الحج ، فلزم الدم بتركه كالمبيت بالمزدلفة ، ومعنى الفدية هنا عند مالك الهدي .
قال مالك : هو هدي يساق من الحل إلى الحرم .السابعة : روى مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ، ثم يرمون الغد ، ومن بعد الغد ليومين ، ثم يرمون يوم النفر .قال أبو عمر : لم يقل مالك بمقتضى هذا الحديث ، وكان يقول : يرمون يوم النحر - يعني جمرة العقبة - ثم لا يرمون من الغد ، فإذا كان بعد الغد وهو الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الذي يتعجل فيه النفر من يريد التعجيل أو من يجوز له التعجيل رموا اليومين لذلك اليوم ولليوم الذي قبله ؛ لأنهم يقضون ما كان عليهم ، ولا يقضي أحد عنده شيئا إلا بعد أن يجب عليه ، هذا معنى ما فسر به مالك هذا الحديث في موطئه .
وغيره يقول : لا بأس بذلك كله على ما في [ ص: 10 ] حديث مالك ؛ لأنها أيام رمي كلها ، وإنما لم يجز عند مالك للرعاء تقديم الرمي لأن غير الرعاء لا يجوز لهم أن يرموا في أيام التشريق شيئا من الجمار قبل الزوال ، فإن رمى قبل الزوال أعادها ، ليس لهم التقديم .
وإنما رخص لهم في اليوم الثاني إلى الثالث .
قال ابن عبد البر : الذي قاله مالك في هذه المسألة موجود في رواية ابن جريج قال : أخبرني محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن أبا البداح بن عاصم بن عدي أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص للرعاء أن يتعاقبوا ، فيرموا يوم النحر ، ثم يدعوا يوما وليلة ثم يرمون الغد .
قال علماؤنا : ويسقط رمي الجمرة الثالثة عمن تعجل .
قال ابن أبي زمنين يرميها يوم النفر الأول حين يريد التعجيل .
قال ابن المواز : يرمي المتعجل في يومين بإحدى وعشرين حصاة ، كل جمرة بسبع حصيات ، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة ؛ لأنه قد رمى جمرة العقبة يوم النحر بسبع .
قال ابن المنذر : ويسقط رمي اليوم الثالث .الثامنة : روى مالك عن يحيى بن سعيد عن عطاء بن أبي رباح أنه سمعه يذكر أنه أرخص للرعاء أن يرموا بالليل ، يقول في الزمن الأول .
قال الباجي : " قوله في الزمن الأول يقتضي إطلاقه زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أول زمن هذه الشريعة ، فعلى هذا هو مرسل .
ويحتمل أن يريد به أول زمن أدركه عطاء ، فيكون موقوفا مسندا " .
والله أعلم .قلت : هو مسند من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم ، خرجه الدارقطني وغيره ، وقد ذكرناه في " المقتبس في شرح موطأ مالك بن أنس " ، وإنما أبيح لهم الرمي بالليل لأنه أرفق بهم وأحوط فيما يحاولونه من رعي الإبل ؛ لأن الليل وقت لا ترعى فيه ولا تنتشر ، فيرمون في ذلك الوقت .
وقد اختلفوا فيمن فاته الرمي حتى غربت الشمس .
فقال عطاء : لا رمي بالليل إلا لرعاء الإبل ، فأما التجار فلا .
وروي عن ابن عمر أنه قال : من فاته الرمي حتى تغيب الشمس فلا يرم حتى تطلع الشمس من الغد ، وبه قال أحمد وإسحاق .
وقال مالك : إذا تركه نهارا رماه ليلا ، وعليه دم في رواية ابن القاسم ، ولم يذكر في الموطأ أن عليه دما .
وقال الشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد : إذا نسي الرمي حتى أمسى يرمي ولا دم عليه .
وكان الحسن البصري يرخص في رمي الجمار ليلا .
وقال أبو حنيفة : يرمي ولا شيء عليه ، وإن لم يذكرها من الليل حتى يأتي الغد فعليه أن يرميها وعليه دم .
وقال الثوري : إذا أخر الرمي إلى الليل ناسيا أو متعمدا أهرق دما .[ ص: 11 ] قلت : أما من رمى من رعاء الإبل أو أهل السقاية بالليل فلا دم يجب ؛ للحديث ، وإن كان من غيرهم فالنظر يوجب الدم لكن مع العمد ، والله أعلم .
التاسعة : ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته .
واستحب مالك وغيره أن يكون الذي يرميها راكبا .
وقد كان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمونها وهم مشاة ، ويرمي في كل يوم من الثلاثة بإحدى وعشرين حصاة ، يكبر مع كل حصاة ، ويكون وجهه في حال رميه إلى الكعبة ، ويرتب الجمرات ويجمعهن ولا يفرقهن ولا ينكسهن ، يبدأ بالجمرة الأولى فيرميها بسبع حصيات رميا ولا يضعها وضعا ، كذلك قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي ، فإن طرحها طرحا جاز عند أصحاب الرأي .
وقال ابن القاسم : لا تجزئ في الوجهين جميعا ، وهو الصحيح ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرميها ، ولا يرمي عندهم بحصاتين أو أكثر في مرة ، فإن فعل عدها حصاة واحدة ، فإذا فرغ منها تقدم أمامها فوقف طويلا للدعاء بما تيسر .
ثم يرمي الثانية وهي الوسطى وينصرف عنها ذات الشمال في بطن المسيل ، ويطيل الوقوف عندها للدعاء .
ثم يرمي الثالثة بموضع جمرة العقبة بسبع حصيات أيضا ، يرميها من أسفلها ولا يقف عندها ، ولو رماها من فوقها أجزأه ، ويكبر في ذلك كله مع كل حصاة يرميها .
وسنة الذكر في رمي الجمار التكبير دون غيره من الذكر ، ويرميها ماشيا بخلاف جمرة يوم النحر ، وهذا كله توقيف رفعه النسائي والدارقطني عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رمى الجمرة التي تلي المسجد - مسجد منى - يرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ، ثم تقدم أمامها فوقف مستقبل القبلة رافعا يديه يدعو ، وكان يطيل الوقوف .
ثم يأتي الجمرة الثانية فيرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ، ثم ينحدر ذات اليسار مما يلي الوادي فيقف مستقبل القبلة رافعا يديه ثم يدعو .
ثم يأتي الجمرة التي عند العقبة فيرميها بسبع حصيات ، يكبر كلما رمى بحصاة ثم ينصرف ولا يقف عندها .
قال الزهري : سمعت سالم بن عبد الله يحدث بهذا عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم .
قال : وكان ابن عمر يفعله ، لفظ الدارقطني .العاشرة : وحكم الجمار أن تكون طاهرة غير نجسة ، ولا مما رمي به ، فإن رمى بما قد [ ص: 12 ] رمي به لم يجزه عند مالك ، وقد قال عنه ابن القاسم : إن كان ذلك في حصاة واحدة أجزأه ، ونزلت بابن القاسم فأفتاه بهذا .الحادية عشرة : واستحب أهل العلم أخذها من المزدلفة لا من حصى المسجد ، فإن أخذ زيادة على ما يحتاج وبقي ذلك بيده بعد الرمي دفنه ولم يطرحه ، قاله أحمد بن حنبل وغيره .الثانية عشرة : ولا تغسل عند الجمهور خلافا لطاوس ، وقد روي أنه لو لم يغسل الجمار النجسة أو رمى بما قد رمي به أنه أساء وأجزأ عنه .
قال ابن المنذر : يكره أن يرمي بما قد رمي به ، ويجزئ إن رمى به ، إذ لا أعلم أحدا أوجب على من فعل ذلك الإعادة ، ولا نعلم في شيء من الأخبار التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه غسل الحصى ولا أمر بغسله ، وقد روينا عن طاوس أنه كان يغسله .الثالثة عشرة : ولا يجزئ في الجمار المدر ولا شيء غير الحجر ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق .
وقال أصحاب الرأي : يجوز بالطين اليابس ، وكذلك كل شيء رماها من الأرض فهو يجزئ .
وقال الثوري : من رمى بالخزف والمدر لم يعد الرمي .
قال ابن المنذر : لا يجزئ الرمي إلا بالحصى ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : عليكم بحصى الخذف .
وبالحصى رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم .الرابعة عشرة : واختلف في قدر الحصى ، فقال الشافعي : يكون أصغر من الأنملة طولا وعرضا .
وقال أبو ثور وأصحاب الرأي : بمثل حصى الخذف ، وروينا عن ابن عمر أنه كان يرمي الجمرة بمثل بعر الغنم ، ولا معنى لقول مالك : أكبر من ذلك أحب إلي ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سن الرمي بمثل حصى الخذف ، ويجوز أن يرمى بما وقع عليه اسم حصاة ، واتباع السنة أفضل ، قاله ابن المنذر .[ ص: 13 ] قلت : وهو الصحيح الذي لا يجوز خلافه لمن اهتدى واقتدى .
روى النسائي عن ابن عباس قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة وهو على راحلته : هات القط لي - فلقطت له حصيات هن حصى الخذف ، فلما وضعتهن في يده قال - : بأمثال هؤلاء ، وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين .
فدل قوله : ( وإياكم والغلو في الدين ) على كراهة الرمي بالجمار الكبار ، وأن ذلك من الغلو ، والله أعلم .الخامسة عشرة : : ومن بقي في يده حصاة لا يدري من أي الجمار هي جعلها من الأولى ، ورمى بعدها الوسطى والآخرة ، فإن طال استأنف جميعا .السادسة عشرة : قال مالك والشافعي وعبد الملك وأبو ثور وأصحاب الرأي فيمن قدم جمرة على جمرة : لا يجزئه إلا أن يرمي على الولاء .
وقال الحسن ، وعطاء وبعض الناس : يجزئه .
واحتج بعض الناس بقول النبي صلى الله عليه وسلم : من قدم نسكا بين يدي نسك فلا حرج وقال : ( لا يكون هذا بأكثر من رجل اجتمعت عليه صلوات أو صيام فقضى بعضا قبل بعض ) .
والأول أحوط ، والله أعلم .السابعة عشرة : واختلفوا في رمي المريض والرمي عنه ، فقال مالك : يرمى عن المريض والصبي اللذين لا يطيقان الرمي ، ويتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات لكل جمرة وعليه الهدي ، وإذا صح المريض في أيام الرمي رمى عن نفسه ، وعليه مع ذلك دم عند مالك .
وقال الحسن والشافعي وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي : يرمى عن المريض ، ولم يذكروا هديا .
ولا خلاف في الصبي الذي لا يقدر على الرمي أنه يرمى عنه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك .الثامنة عشرة : روى الدارقطني عن أبي سعيد الخدري قال قلنا : يا رسول الله ، هذه الجمار التي يرمى بها كل عام فنحسب أنها تنقص ، فقال : إنه ما تقبل منها رفع ولولا ذلك لرأيتها أمثال الجبال .التاسعة عشرة : قال ابن المنذر : وأجمع أهل العلم على أن لمن أراد الخروج من الحاج من منى شاخصا إلى بلده خارجا عن الحرم غير مقيم بمكة في النفر الأول أن ينفر بعد زوال [ ص: 14 ] الشمس إذا رمى في اليوم الذي يلي يوم النحر قبل أن يمسي ؛ لأن الله جل ذكره قال : فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه فلينفر من أراد النفر ما دام في شيء من النهار .
وقد روينا عن النخعي والحسن أنهما قالا : من أدركه العصر وهو بمنى من اليوم الثاني من أيام التشريق لم ينفر حتى الغد .
قال ابن المنذر : وقد يحتمل أن يكونا قالا ذلك استحبابا ، والقول الأول به نقول ؛ لظاهر الكتاب والسنة .الموفية عشرين : واختلفوا في أهل مكة هل ينفرون النفر الأول ، فروينا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال : من شاء من الناس كلهم أن ينفروا في النفر الأول ، إلا آل خزيمة فلا ينفرون إلا في النفر الآخر .
وكان أحمد بن حنبل يقول : لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة ، وقال : أهل مكة أخف ، وجعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر بن الخطاب : ( إلا آل خزيمة ) أي أنهم أهل حرم .
وكان مالك يقول في أهل مكة : من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين ، فإن أراد التخفيف عن نفسه مما هو فيه من أمر الحج فلا ، فرأى التعجيل لمن بعد قطره .
وقالت طائفة : الآية على العموم ، والرخصة لجميع الناس ، أهل مكة وغيرهم ، أراد الخارج عن منى المقام بمكة أو الشخوص إلى بلده .
وقال عطاء : هي للناس عامة .
قال ابن المنذر : وهو يشبه مذهب الشافعي ، وبه نقول .
وقال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد وقتادة والنخعي : ( من نفر في اليوم الثاني من الأيام المعدودات فلا حرج ، ومن تأخر إلى الثالث فلا حرج ) ، فمعنى الآية : كل ذلك مباح ، وعبر عنه بهذا التقسيم اهتماما وتأكيدا ، إذ كان من العرب من يذم المتعجل وبالعكس ، فنزلت الآية رافعة للجناح في كل ذلك .
وقال علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وإبراهيم النخعي أيضا : ( معنى من تعجل فقد غفر له ، ومن تأخر فقد غفر له ) ، واحتجوا بقوله عليه السلام : من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من خطاياه كيوم ولدته أمه .
فقوله : فلا إثم عليه نفي عام وتبرئة مطلقة .
وقال مجاهد أيضا : معنى الآية ، من تعجل أو تأخر فلا إثم عليه إلى العام المقبل .
وأسند في هذا القول أثر .
وقال أبو العالية في الآية : لا إثم عليه لمن اتقى بقية عمره ، والحاج مغفور له البتة ، أي ذهب إثمه كله إن اتقى الله فيما بقي من عمره .
وقال أبو صالح وغيره : معنى الآية لا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد ، وما يجب عليه تجنبه في الحج .
وقال أيضا : لمن اتقى في حجه فأتى به تاما حتى كان مبرورا .[ ص: 15 ] الحادية والعشرون : " من " في قوله : فمن تعجل رفع بالابتداء ، والخبر فلا إثم عليه .
ويجوز في غير القرآن فلا إثم عليهم ؛ لأن معنى " من " جماعة ، كما قال جل وعز : ومنهم من يستمعون إليك وكذا ومن تأخر فلا إثم عليه .
واللام من قوله : لمن اتقى متعلقة بالغفران ، التقدير المغفرة لمن اتقى ، وهذا على تفسير ابن مسعود وعلي .
قال قتادة : ذكر لنا أن ابن مسعود قال : إنما جعلت المغفرة لمن اتقى بعد انصرافه من الحج عن جميع المعاصي .
وقال الأخفش : التقدير ذلك لمن اتقى .
وقال بعضهم : لمن اتقى يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحرم .
وقيل التقدير الإباحة لمن اتقى ، روي هذا عن ابن عمر .
وقيل : السلامة لمن اتقى .
وقيل : هي متعلقة بالذكر الذي في قوله تعالى : واذكروا أي الذكر لمن اتقى .
وقرأ سالم بن عبد الله فلا اثم عليه بوصل الألف تخفيفا ، والعرب قد تستعمله .
قال الشاعر :إن لم أقاتل فالبسوني برقعاثم أمر الله تعالى بالتقوى وذكر بالحشر والوقوف .
يأمر تعالى بذكره في الأيام المعدودات، وهي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد، لمزيتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تفعل بها، ولكون الناس أضيافا لله فيها، ولهذا حرم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أيام التشريق، أيام أكل وشرب، وذكر الله ويدخل في ذكر الله فيها, ذكره عند رمي الجمار, وعند الذبح, والذكر المقيد عقب الفرائض، بل قال بعض العلماء: إنه يستحب فيها التكبير المطلق, كالعشر, وليس ببعيد.
{ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ } أي: خرج من " منى " ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني { فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ } بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد { فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ } وهذا تخفيف من الله [تعالى] على عباده, في إباحة كلا الأمرين، ولكن من المعلوم أنه إذا أبيح كلا الأمرين, فالمتأخر أفضل, لأنه أكثر عبادة.
ولما كان نفي الحرج قد يفهم منه نفي الحرج في ذلك المذكور وفي غيره, والحاصل أن الحرج منفي عن المتقدم، والمتأخر فقط قيده بقوله: { لِمَنِ اتَّقَى } أي: اتقى الله في جميع أموره, وأحوال الحج، فمن اتقى الله في كل شيء, حصل له نفي الحرج في كل شيء، ومن اتقاه في شيء دون شيء, كان الجزاء من جنس العمل.
{ وَاتَّقُوا اللَّهَ } بامتثال أوامره واجتناب معاصيه، { وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ } فمجازيكم بأعمالكم، فمن اتقاه, وجد جزاء التقوى عنده, ومن لم يتقه, عاقبه أشد العقوبة، فالعلم بالجزاء من أعظم الدواعي لتقوى الله, فلهذا حث تعالى على العلم بذلك.
قوله تعالى ( واذكروا الله ) يعني التكبيرات أدبار الصلاة وعند الجمرات يكبر مع كل حصاة وغيرها من الأوقات ( في أيام معدودات ) الأيام المعدودات هي أيام التشريق وهي أيام منى ورمي الجمار سميت معدودات لقلتهن كقوله : " دراهم معدودة " ( 20 - يوسف ) والأيام المعلومات عشر ذي الحجة آخرهن يوم النحر هذا قول أكثر أهل العلم وروي عن ابن عباس المعلومات يوم النحر ويومان بعده والمعدودات أيام التشريق وعن علي قال المعلومات يوم النحر وثلاثة أيام بعده وقال عطاء عن ابن عباس المعلومات يوم عرفة ويوم النحر وأيام التشريق وقال محمد بن كعب : هما شيء واحد وهي أيام التشريق وروي عن نبيشة الهذلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أيام التشريق أيام أكل ، وشرب وذكر الله " .
ومن الذكر في أيام التشريق : التكبير واختلفوا فيه فروي عن عمر وعبد الله بن عمر أنهما كانا يكبران بمنى تلك الأيام خلف الصلاة وفي المجلس وعلى الفراش والفسطاط وفي الطريق ويكبر الناس بتكبيرهما ويتأولان هذه الآية .
والتكبير أدبار الصلاة مشروع في هذه الأيام في حق الحاج وغير الحاج عند عامة العلماء واختلفوا في قدره فذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من آخر أيام التشريق يروى ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال مكحول وإليه ذهب أبو يوسف رضي الله عنه وذهب قوم إلى أنه يبتدأ التكبير عقيب صلاة الصبح من يوم عرفة ويختتم بعد العصر من يوم النحر يروى ذلك عن ابن مسعود رضي الله عنه وبه قال أبو حنيفة وقال قوم يبتدأ عقيب صلاة الظهر من يوم النحر ويختتم بعد الصبح من آخر أيام التشريق يروى ذلك عن ابن عباس وبه قال مالك والشافعي قال الشافعي لأن الناس فيه تبع للحاج وذكر الحاج قبل هذا الوقت التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر من صلاة الظهر ولفظ التكبير كان سعيد بن جبير والحسن يقولان الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثا نسقا وهو قول أهل المدينة وإليه ذهب الشافعي وقال وما زاد من ذكر الله فهو حسن وعند أهل العراق يكبر اثنتين يروى ذلك عن ابن مسعود .
قوله تعالى : ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) أراد أن من نفر من الحاج في اليوم الثاني من أيام التشريق ( فلا إثم عليه ) وذلك أن على الحاج أن يبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من أيام التشريق ويرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة عند كل جمرة سبع حصيات ورخص في ترك البيتوتة لرعاء الإبل وأهل سقاية الحاج ثم كل من رمى اليوم الثاني من أيام التشريق وأراد أن ينفر فيدع البيتوتة الليلة الثالثة ورمى يومها فذلك له واسع لقوله تعالى ( فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ) ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت حتى يرمي اليوم الثالث ثم ينفر قوله تعالى ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) يعني لا إثم على من تعجل فنفر في اليوم الثاني في تعجيله ومن تأخر حتى ينفر في اليوم الثالث ( فلا إثم عليه ) في تأخره .
وقيل : معناه ( فمن تعجل ) فقد ترخص ( فلا إثم عليه ) بالترخص ( ومن تأخر فلا إثم عليه ) بترك الترخص وقيل معناه رجع مغفورا له لا ذنب عليه تعجل أو تأخر كما روينا من " حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " وهذا قول علي وابن مسعود .
قوله تعالى : ( لمن اتقى ) أي لمن اتقى أن يصيب في حجه شيئا نهاه الله عنه كما قال : من حج فلم يرفث ولم يفسق " قال ابن مسعود : إنما جعلت مغفرة الذنوب لمن اتقى الله تعالى في حجه وفي رواية الكلبي عن ابن عباس معناه ( لمن اتقى ) الصيد لا يحل له أن يقتل صيدا حتى تخلو أيام التشريق وقال أبو العالية ذهب إئمه إن اتقى فيما بقي من عمره ) واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم ] .
«واذكروا الله» بالتكبير عند رمي الجمرات «في أيام معدودات» أي أيام التشريق الثلاثة «فمن تعجل» أي استعجل بالنفر من منى «في يومين» أي في ثاني أيام التشريق بعد رمي جماره «فلا إثم عليه» بالتعجيل «ومن تأخر» بها حتى بات ليلة الثالث ورمى جماره «فلا إثم عليه» بذلك أي هم مخيَّرون في ذلك ونفي الإثم «لمن اتقى» الله في حجه لأنه الحاج في الحقيقة «واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون» في الآخرة فيجازيكم بأعمالكم.
واذكروا الله تسبيحًا وتكبيرًا في أيام قلائل، وهي أيام التشريق: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
فمن أراد التعجل وخرج من "مِنى" قبل غروب شمس اليوم الثاني عشر بعد رمي الجمار فلا ذنب عليه، ومن تأخر بأن بات بـ "مِنى" حتى يرمي الجمار في اليوم الثالث عشر فلا ذنب عليه، لمن اتقى الله في حجه.
والتأخر أفضل؛ لأنه تزوُّد في العبادة واقتداء بفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
وخافوا الله- أيها المسلمون- وراقبوه في كل أعمالكم، واعلموا أنكم إليه وحده تُحْشَرون بعد موتكم للحساب والجزاء.
وقوله : ( واذكروا الله في أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ) معطوف على قوله - تعالى - ( فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ) وما بينهما اعتراض .والمراد بالأيام المعدودات أيام التشريق الثلاثة التي بعد يوم النحر .
والتشريق : تقديد اللحم .قال القرطبي : ولا خلاف بين العلماء أن الأيام المعدودات في هذه الآية هي أيام منى ، وهي أيام التشريق ، وأن هذه الثلاثة الأسماء واقعة عليها ، وهي أيام رمى الجمار " .فالآية الكريمة تأمر الحجاج وغيرهم من المسلمين أن يكثروا من ذكر الله في هذه الأيام المباركة ، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء " ويزعمون أن الحج قد انتهى يوم النحر وهو اليوم العاشر من ذي الحجة .ولقد بين لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن هذه الأيام ينبغي أن تعمر بذكر الله وبشكره على نعمه .روى الإِمام مسلم عن نبيشه الهذلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله " .وروى البخاري عن ابن عمر : أنه كان يكبر بمنى تلك الأيام ، وخلف الصلوات ، وعلى فراشه وفي فسطاطه .
وفي مجلسه ، وفي ممشاه ، في تلك الأيام جميعاً .ومن الذكر في تلك الأيام التبيكر مع كل حصاة م نحصى الجمار كل يوم من أيام التشريق .فقد أخرج البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر مع كل حصاة .ويرى جمهور الفقهاء أن هذه الأيام يحرم فيها الصيام ، لأنها أيام كل وشرب وذكر لله .والمعنى : اذكروا الله ، أي : كبروه في أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين ، وعند رمي الجمار وغيرها في تلك الأيام المعدودات التي هي موسم من مواسم العبادة والطاعات ، فإن الإِكثار من ذكر الله يرفع الدرجات ، ويمسح السيئات .ثم قال - تعالى - : ( فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى ) .
تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل ، يقال : تعجل الأمر واستعجل .
ويأتيان متعديين فيقال : تعجل الذهاب واستعجله ويرى الزمخشري أن المطاوعة أوفق لقوله - تعالى - : ( وَمَن تَأَخَّر ) .وإيضاح ذلك : أنه يجب على الحاج المبيت بمنى الليلة الأولى والثانية من ليالي أيام التشريق ، ليرمي كل يوم بعد الزوال إحدى وعشرين حصاة يرمى عند كل جمرة سبع حصيات ، ثم من رمى في اليوم الثاني وأراد أن ينفر ويترك المبيت بمنى في الليلة الثالثة ورمى يومها بعد الزوال - كما يرى الشافعية - وبعده أو قبله - كما يرى الحنفية - فلا إثم عليه في عدم مبيته بمنى في الليلة الثالثة .أي : فمن تعجل فسافر في اليومين الأولين فلا إثم عليه في التعجيل ، ومن بقي إلى تمام اليوم الثالث فلا إثم عليه كذلك إذا اتقى كل منهما الله ووقف عند حدوده .فالتقييد بالتقوى للتنبيه إلى أن العبرة في الأفعال إنما هي بتقوى القلوب وطهارتها وسلامتها .قال الآلوسي : وقوله ( لِمَنِ اتقى ) خبر لمبتدأ محذوف ، واللام إما للتعليل أو للاختصاص .أي : ذلك التخيير المذكور لأجل المتقي لئلا يتضرر بترك ما يقصده من التعجيل والتأخر أو ذلك المذكور من أحكام مطلقاً مختصة بالمتقى لأنه هو الحاج على الحقيقة .
والمراد من التقوى على التقديرين تجنب ما يؤثم من فعل أو ترك .ثم ختمت الآية بقوله - تعالى - : ( واتقوا الله واعلموآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ) اتقوا الله في كل ما تأتون وما تذرون ، واعلموا أنكم ستجمعون بعد تفرقكم وتساقون إلى خالقكم يوم القيامة ليجازيكم على أعمالكم .وقد ختمت الآيات التي تحدثت عن فريضة الحج بهذا الختام المكون من عنصرين ، أحدهما : تقوى الله .والثاني : العلم اليقيني بالحشر ، للإِشعار بأنهما خلاصة التدين ، وثمرة العبادات بكل أنواعها وكل طرقها ، وإذا خلت أية عبادة من هذين العنصرين كانت صورة لا روح فيها .وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد ساقت لنا بعض أحكام الحج وآدابه ومناسكه بأسلوب يهدي القلوب ، ويسعد النفوس ، ومن شأن من يعمل بهذه الآيات أن يكون ممن رضى الله عنهم ورضوا عنه .
اعلم أنه لما ذكر ما يتعلق بالمشعر الحرام لم يذكر الرمي لوجهين: أحدهما: أن ذلك كان أمراً مشهوراً فيما بينهم وما كانوا منكرين لذلك، إلا أنه تعالى ذكر ما فيه من ذكر الله لأنهم كانوا لا يفعلونه والثاني: لعله إنما لم يذكر الرمي لأن في الأمر بذكر الله في هذه الآيام دليلاً عليه، إذ كان من سننه التكبير على كل حصاة منها ثم قال: ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: إن الله تعالى ذكر في مناسك الحج الأيام المعدودات، والأيام المعلومات فقال هنا: ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات ﴾ وقال في سورة الحج: ﴿ لّيَشْهَدُواْ منافع لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسم الله فِي أَيَّامٍ معلومات ﴾ فمذهب الشافعي رضي الله عنه أن المعلومات هي العشر الأول من ذي الحجة آخرها يوم النحر، وأما المعدودات فثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، واحتج على أن المعدودات هي أيام التشريع بأنه تعالى ذكر الأيام المعدودات، والأيام لفظ جمع فيكون أقلها ثلاثة، ثم قال بعده: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ وهذا يقتضي أن يكون المراد ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ من هذه الأيام المعدودات، وأجمعت الأمة على أن هذا الحكم إنما ثبت في أيام منى وهي أيام التشريق، فعلمنا أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، والقفال أكد هذا بما روى في تفسيره عن عبد الرحمن بن نعمان الذيلمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر منادياً فنادى: «الحج عرفة من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج، وأيام منى ثلاثة أيام فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه» وهذا يدل على أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق، قال الواحدي رحمة الله عليه: أيام التشريق هي ثلاثة أيام بعد يوم النحر أولها: يوم النفر، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة ينفر الناس فيه بمنى والثاني: يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى والثالث: يوم النفر الثاني، وهذه الآيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار في هذه الأيام الأربعة مع يوم عرفة أيام التبكير إدبار الصلوات على ما سنشرح مذاهب الناس فيه.
المسألة الثانية: المراد بالذكر في هذه الأيام: الذكر عند الجمرات، فإنه يكبر مع كل حصاة والذكر إدبار الصلوات والناس أجمعوا على ذلك، إلا أنهم اختلفوا في مواضع: الموضع الأول: أجمعت الأمة على أن التكبيرات المقيدة بإدبار الصلوات مختصة بعيد الأضحى، ثم في ابتدائها وانتهائها خلاف.
القول الأول: أنها تبتدأ من الظهر يوم النحر إلى ما بعد الصبح من آخر أيام التشريق فتكون التكبيرات على هذا القول في خمس عشرة صلاة، وهو قول ابن عباس وابن عمر، وبه قال مالك والشافعي رضي الله عنهما في أحد أقواله، والحجة فيه أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، قال تعالى: ﴿ فاذكروا الله كَذِكْرِكُمْ ءابَاءَكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ واذكروا الله فِي أَيَّامٍ معدودات فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ وهذا إنما يحصل في حق الحاج، فدل على أن الأمر بهذه التكبيرات إنما ورد في حق الحاج، وسائر الناس تبع لهم في ذلك، ثم إن صلاة الظهر هي أول صلاة يكبر الحاج فيها بمنى، فإنهم يلبون قبل ذلك، وآخر صلاة يصلونها بمنى هي صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، فوجب أن تكون هذه التكبيرات في حق غير الحاج مقيد بهذا الزمان.
القول الثاني: للشافعي رضي الله عنه أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر، إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وعلى هذا القول تكون التكبيرات بعد ثماني عشرة صلاة.
والقول الثالث: للشافعي رضي الله عنه أن يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر فتكون التكبيرات بعد ثمان صلوات وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
والقول الرابع: أنه يبتدأ بها من صلاة الفجر يوم عرفة، وينقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر من آخر أيام التشريق، فتكون التكبيرات بعد ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة، كعلي وعمر وابن مسعود وابن عباس، ومن الفقهاء قول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني وابن شريح، وعليه عمل الناس بالبلدان، ويدل عليه وجوه: الأول: ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم عرفة، ثم أقبل علينا فقال: الله أكبر، ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق والثاني: أن الذي قاله أبو حنيفة أخذ بالأقل، وهذا القول أخذ بالأكثر، والتكثير في التكبير أولى لقوله تعالى: ﴿ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً ﴾ الثالث: أن هذا هو الأحوط، لأنه لو زاد في التكبيرات فهو خير من أن ينقص منها والرابع: أن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها إلى آخر أيام التشريق.
فإن قيل: هذه التكبيرات مضافة إلى الأيام المعدودات وهي أيام التشريق، فوجب أن لا تكون مشروعة يوم عرفة.
قلنا: فهذا يقتضي أن لا يكبر يوم النحر وهو باطل بالإجماع، وأيضاً لما كان الأغلب في هذه المدة أيام التشريق؛ صح أن يضاف التكبير إليها.
الموضع الثاني: قال الشافعي رضي الله عنه: المستحب في التكبيرات أن تكون ثلاثاً نسقاً أي متتابعاً، وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة وأحمد: يكبر مرتين، حجة الشافعي ما روى عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، قال: رأيت الأئمة يكبرون في أيام التشريق بعد الصلاة ثلاثاً، ولأنه زيادة في التكبير، فكان أولى لقوله تعالى: ﴿ اذكروا الله ذِكْراً كَثِيراً ﴾ ثم قال الشافعي رضي الله عنه: ويقول بعد الثلاث: لا إله إلا الله والله أكبر ولله الحمد ثم قال: وما زاد من ذكر الله فهو حسن، وقال في التلبية: وأحب أن لا يزيد على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفرق أن من سنة التلبية التكرار فتكرارها أولى من ضم الزيادة إليها، وهاهنا يكبر مرة واحدة فتكون الزيادة أولى من السكوت، وأما التكبير على الجمار فقد روي أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر مع كل حصاة، فينبغي أن يفعل ذلك.
أما قوله تعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: لم قال فمن تعجل ولم يقل فمن عجل؟.
الجواب: قال صاحب الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل، يقال: تعجل في الأمر واستعجل، ومتعديين يقال: تعجل الذهاب واستعجله.
السؤال الثاني: قوله: ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ فيه إشكال، وذلك لأنه إذا كان قد استوفى كل ما يلزمه في تمام الحج، فما معنى قوله: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ فإن هذا اللفظ إنما يقال في حق المقصر ولا يقال في حق من أتى بتمام العمل.
والجواب: من وجوه: أحدها: أنه تعالى لما أذن في التعجل على سبيل الرخصة احتمل أن يخطر ببال قوم أن من لم يجر على موجب هذه الرخصة فإنه يأثم، ألا ترى أن أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: القصر عزيمة، والإتمام غير جائز، فلما كان هذا الإحتمال قائماً، لا جرم أزال الله تعالى هذه الشبهة وبين أنه لا إثم في الأمرين، فإن شاء استعجل وجرى على موجب الرخصة، وإن شاء لم يستعجل ولم يجر على موجب الرخصة، ولا إثم عليه في الأمرين جميعاً.
وثانيها: قال بعض المفسرين: إن منهم من كان يتعجل، ومنهم من كان يتأخر، ثم كل واحد من الفريقين يعيب على الآخر فعله، كان المتأخر يرى أن التعجل مخالفة لسنة الحج، وكان المتعجل يرى أن التأخر مخالفة لسنة الحج، فبين الله تعالى أنه لا عيب في واحد من القسمين ولا إثم، فإن شاء تعجل وإن شاء لم يتعجل.
وثالثها: أن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاث، فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها هي ثلاث، فمن نقص عنها فتعجل في اليوم الثاني منها فلا إثم عليه، ومن زاد عليها فتأخر عن الثالث إلى الرابع فلم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
ورابعها: أن هذا الكلام إنما ذكر مبالغة في بيان أن الحج سبب لزوال الذنوب وتكفير الآثام وهذا مثل أن الإنسان إذا تناول الترياق، فالطبيب يقول له: الآن إن تناولت السم فلا ضرر، وإن لم تتناول فلا ضرر، مقصوده من هذا بيان أن الترياق دواء كامل في دفع المضار، لا بيان أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحد، فكذا هاهنا المقصود من هذا الكلام بيان المبالغة في كون الحج مكفراً لكل الذنوب، لا بيان أن التعجل وتركه سيان، ومما يدل على كونه الحج سبباً قوياً في تكفير الذنوب قوله عليه الصلاة والسلام: من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وخامسها: أن كثيراً من العلماء قالوا: الجوار مكروه، لأنه إذا جاور الحرم والبيت سقط وقعه عن عينه، وإذا كان غائباً إزداد شوقه إليه، وإذا كان كذلك احتمل أن يخطر ببال أحدنا على هذا المعنى أن من تعجل في يومين فحاله أفضل ممن لم يتعجل، وأيضاً من تعجل في يومين فقد انصرف إلى مكة لطواف الزيارة وترك المقام بمنى، ومن لم يتعجل فقد اختار المقام بمنى وترك الإستعجال في الطواف فلهذا السبب يبقى في الخاطر تردد في أن المتعجل أفضل أم المتأخر؟
فبين الله تعالى أنه لا إثم ولا حرج في واحد منهما.
وسادسها: قال الواحدي رحمه الله تعالى: إنما قال: ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ لتكون اللفظة الأولى موافقة للثانية، كقوله: ﴿ وَجَزَاءَ سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ وقوله: ﴿ فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ ﴾ ونحن نعلم أن جزاء السيئة والعدوان ليس بسيئة ولا بعدوان، فإذا حمل على موافقة اللفظ ما لا يصح في المعنى، فلأن يحمل على موافقة اللفظ ما يصح في المعنى أولى، لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفي الإثم عنه.
السؤال الثالث: هل في الآية دلالة على وجوب الإقامة بمنى بعد الإفاضة من المزدلفة؟.
الجواب: نعم، كما كان في قوله: ﴿ فَإِذَا أَفَضْتُم مّنْ عرفات ﴾ دليل على وقوفهم بها.
واعلم أن الفقهاء قالوا: إنما يجوز التعجل في اليومين لمن تعجل قبل غروب الشمس من اليومين فأما إذا غابت الشمس من اليوم الثاني قبل النفر فليس له أن ينفر إلا في اليوم الثالث لأن الشمس إذا غابت فقد ذهب اليوم، وإنما جعل له التعجل في اليومين لا في الثالث هذا مذهب الشافعي، وقول كثير من فقهاء التابعين، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: يجوز له أن ينفر ما لم يطلع الفجر، لأنه لم يدخل وقت الرمي بعد.
أما قوله تعالى: ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن الحاج يرجع مغفوراً له بشرط أن يتقي الله فيما بقي من عمره ولم يرتكب ما يستوجب به العذاب، ومعناه التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج فبين تعالى أن عليهم مع ذلك ملازمة التقوى ومجانبة الاغترار بالحج السابق.
وثانيها: أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجه، كما قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ الله مِنَ المتقين ﴾ وحقيقته أن المصر على الذنب لا ينفعه حجة وإن كان قد أدى الفرض في الظاهر.
وثالثها: أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج، كما روي في الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام: «من حج فلم يرفث ولم يفسق».
واعلم أن الوجه الأول من هذه الوجوه التي ذكرناها إشارة إلى اعتباره في الحال والتحقيق أنه لابد من الكل وقال بعض المفسرين المراد بقوله: ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ ما يلزمه التوقي في الحج عنه من قتل الصيد وغيره، لأنه إذا لم يجتنب ذلك صار مأثوماً، وربما صار عمله محبطاً، وهذا ضعيف من وجهين: الأول: أنه تقييد للفظ المطلق بغير دليل الثاني: أن هذا لا يصح إلا إذا حمل على ما قبل هذه الأيام، لأنه في يوم النحر إذا رمى وطاف وحلق، فقد تحلل قبل رمي الجمار فلا يلزمه اتقاء الصيد إلا في الحرم، لكن ذاك ليس للإحرام، لكن اللفظ مشعر بأن هذا الاتقاء معتبر في هذه الأيام، فسقط هذا الوجه.
أما قوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ﴾ فهو أمر في المستقبل، وهو مخالف لقوله: ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ الذي أريد به الماضي فليس ذلك بتكرار، وقد علمت أن التقوى عبارة عن فعل الواجبات وترك المحرمات.
فأما قوله: ﴿ واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ فهو تأكيد للأمر بالتقوى، وبعث على التشديد فيه، لأن من تصور أنه لابد من حشر ومحاسبة ومساءلة، وأن بعد الموت لا دار إلا الجنة أو النار، صار ذلك من أقوى الدواعي له إلى التقوى، وأما الحشر فهو اسم يقع على ابتداء خروجهم من الأجداث إلى انتهاء الموقف، لأنه لا يتم كونهم هناك إلا بجميع هذه الأمور، والمراد بقوله: ﴿ إِلَيْهِ ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إياه، ولا يستطيع أحد دفعاً عن نفسه، كما قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لاَ تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً والأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
والأيام المعدودات.
أيام التشريق، وذكر الله فيها: التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار.
وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى فيكبر من حوله، حتى يكبر الناس في الطريق وفي الطواف ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ ﴾ فمن عجّل في النفر أو استعجل النفر.
وتعجل، واستعجل: يجيئان مطاوعين بمعنى عجل.
يقال: تعجل في الأمر واستعجل: ومتعديين، يقال: تعجل الذهاب واستعجله.
والمطاوعة أوفق لقوله: ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ كما هي كذلك في قوله: قَدْ يُدْرِكُ الْمُتَأَنِّي بَعْضَ حَاجَتِه ** وَقَدْ يَكُونُ مَعَ الْمُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ لأجل المتأني ﴿ فِى يَوْمَيْنِ ﴾ بعد يوم النحر يوم القرّ وهو اليوم الذي يسميه أهل مكة يوم الرؤوس، واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس اليوم وهو مذهب الشافعي ويروى عن قتادة.
وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ حتى رمى في اليوم الثالث.
والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي لايجوز.
فإن قلت: كيف قال: ﴿ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ عند التعجل والتأخر جميعاً؟
قلت: دلالة على أنّ التعجل والتأخر مخير فيهما، كأنه قيل: فتعجلوا أو تأخروا.
فإن قلت: أليس التأخر بأفضل؟
قلت: بلى، ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل وقيل: إنّ أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من جعل المتعجل آثماً، ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما جميعاً ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ أي ذلك التخيير، ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي: لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أنّ أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه، لأنّ ذا التقوى حذّر متحرّز من كل ما يريبه، ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند الله.
ثم قال: ﴿ واتقوا الله ﴾ ليعبأ بكم.
ويجوز أن يراد ذلك الذي مرّ ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى، لأنه هو المنتفع به دون من سواه، كقوله: ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ لّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ الله ﴾ [الروم: 38] .
<div class="verse-tafsir"
﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ كَبِّرُوهُ في أدْبارِ الصَّلاةِ وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينِ ورَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِها في أيّامِ التَّشْرِيقِ.
﴿ فَمَن تَعَجَّلَ ﴾ فَمَنِ اسْتَعْجَلَ النَّفْرَ.
﴿ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ يَوْمِ القَرِّ والَّذِي بَعْدَهُ، أيْ فَمَن نَفَرَ في ثانِي أيّامِ التَّشْرِيقِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَنا، وقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ بِاسْتِعْجالِهِ.
﴿ وَمَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ومَن تَأخَّرَ في النَّفْرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ بَعْدَ الزَّوالِ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ تَقْدِيمُ رَمْيِهِ عَلى الزَّوالِ.
ومَعْنى نَفْيِ الإثْمِ بِالتَّعْجِيلِ والتَّأْخِيرِ التَّخْيِيرُ بَيْنَهُما والرَّدُّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ فَإنَّ مِنهم مَن أثَّمَ المُتَعَجِّلَ ومِنهم مَن أثَّمَ المُتَأخِّرَ.
﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ أيِ الَّذِي ذُكِرَ مِنَ التَّخْيِيرِ، أوْ مِنَ الأحْكامِ لِمَنِ اتَّقى لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ والمُنْتَفِعُ بِهِ، أوْ لِأجْلِهِ حَتّى لا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يُهِمُّهُ مِنهُما.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في مَجامِعِ أُمُورِكم لِيَعْبَأ بِكم.
﴿ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ لِلْجَزاءِ بَعْدَ الإحْياءِ.
وأصْلُ الحَشْرِ الجَمْعُ وضَمُّ المُتَفَرِّقِ.
<div class="verse-tafsir"
{واذكروا الله فِى أَيَّامٍ معدودات} هي أيام التشريق وذكر الله فيها التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار {فَمَن تَعَجَّلَ} فمن عجل فى الفر أو استعجل النفر وتعجل واستعجل يجيئان مطاوعين بمعنى عجل يقال تعجل في الأمر واستعجل ومتعديين يقال تعجل للذهاب واستعجله والمطاوعة اوفق بقوله ومن تأخر {فِى يَوْمَيْنِ} من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة فلم يمكث حتى يرمي في اليوم الثالث واكتفى برمي الجمار في يومين من هذه الأيام الثلاثة {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ} فلا يأثم بهذا التعجيل {وَمَن تَأَخَّرَ} حتى رمى في اليوم الثالث {فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتقى} الصيد أو الرفث والفسوق أو هو مخير فى التعجيل والتأخر وإن كان التأخر أفضل فقد يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل وقيل كان أهل الجاهلية فريقين منهم من جعل المتعجل آثماً ومنهم من جعل المتأخر آثماً فورد القرآن بنفي المأثم عنهما {واتقوا الله} في جميع الأمور {واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} حين يبعثكم من القبور
﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ أيْ: كَبِّرُوهُ إدْبارَ الصَّلَواتِ، وعِنْدَ ذَبْحِ القَرابِينَ، ورَمْيِ الجِمارِ وغَيْرِها.
﴿ فِي أيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ وهي ثَلاثَةُ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهو المَرْوِيُّ في المَشْهُورِ عَنْ عُمَرَ وعَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم -، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما - أنَّها أرْبَعَةُ أيّامٍ بِضَمِّ يَوْمِ النَّحْرِ إلَيْها، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم لِلتَّخْصِيصِ بِأنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ إلَخْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، والفاءُ لِلتَّعْقِيبِ، فاقْتَضى ذَلِكَ إخْراجَ يَوْمِ النَّحْرِ مِنَ الأيّامِ، ومَنِ اعْتَبَرَ العَطْفَ والتَّعْقِيبَ، وجَعَلَ بَعْضَ يَوْمٍ يَوْمًا اسْتَدَلَّ بِالآيَةِ عَلى ابْتِداءِ التَّكْبِيرِ خَلْفَ الصَّلاةِ مِن ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ، واسْتَدَلَّ بِعُمُومِها مَن قالَ: يُكَبِّرُ خَلْفَ النَّوافِلِ واسْتُشْكِلَ وصْفُ أيّامٍ بِمَعْدُوداتٍ؛ لِأنَّ أيّامًا جَمْعُ يَوْمٍ، وهو مُذَكَّرٌ، ومَعْدُودات واحِدُها مَعْدُودَةٌ، وهو مُؤَنَّثٌ، فَكَيْفَ تَقَعُ صِفَةٌ لَهُ، فالظّاهِرُ مَعْدُودَةٌ، ووَصْفُ جَمْعِ ما لا يَعْقِلُ بِالمُفْرَدِ المُؤَنَّثِ جائِزٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ مَعْدُوداتٍ جَمْعُ مَعْدُودٍ لا مَعْدُودَةٍ، وكَثِيرًا ما يُجْمَعُ المُذَكَّرُ جَمْعَ المُؤَنَّثِ كَحَمّاماتٍ وسِجِلّاتٍ، وقِيلَ: إنَّهُ قَدَّرَ اليَوْمَ مُؤَنَّثًا بِاعْتِبارِ ساعاتِهِ، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى أنَّها في كُلِّ سَنَةٍ مَعْدُودَةٌ، وفي السِّنِينَ مَعْدُوداتٌ، فَهي جَمْعُ مَعْدُودَةٍ حَقِيقَةً، ولا يَخْفى ما فِيهِ ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ ﴾ أيْ: عَجِلَ في النَّفْرِ أوِ اسْتَعْجَلَ النَّفْرَ مِن مِنًى، وقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ عَجِلَ واسْتَعْجَلَ يَجِيئانِ مُطاوِعَيْنِ بِمَعْنى عَجِلَ، يُقالُ: تَعَجَّلَ في الأمْرِ واسْتَعْجَلَ، ومُتَعَدِّيَيْنِ يُقالُ: تَعَجَّلَ الذَّهابَ، والمُطاوَعَةُ عِنْدَ الزَّمَخْشَرِيِّ أوْفَقُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن تَأخَّرَ ﴾ كَما هي كَذَلِكَ في قَوْلِهِ: قَدْ يُدْرِكُ المُتَأنِّي بَعْضَ حاجَتِهِ وقَدْ يَكُونُ مِنَ المُسْتَعْجِلِ الزَّلَلُ لِأجْلِ المُتَأنِّي، وذَهَبَ بَعْضُ أرْبابِ التَّحْقِيقِ إلى تَرْجِيحِ التَّعَدِّي؛ لِأنَّ المُرادَ بَيانُ أُمُورِ ( العَجَلِ ) لا التَّعْجِيلُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: لِأنَّ اللّازِمَ يَسْتَدْعِي تَقْدِيرَ (فِي) فَيَلْزَمُ تَعَلُّقَ حَرْفَيْ جَرِّ أحَدِهِما المُقَدَّرِ والثّانِي ( في يَوْمَيْنِ ) بِالفِعْلِ، وذا لا يَجُوزُ، واليَوْمانِ يَوْمُ القَرِّ ويَوْمُ الرُّءُوسِ واليَوْمُ الَّذِي بَعْدَهُ، والمُرادُ: فَمَن نَفَرَ في ثانِي أيّامِ التَّشْرِيقِ قَبْلَ الغُرُوبِ، وبَعْدَ رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنَ اليَوْمِ الثّالِثِ إذا فَرَغَ مِن رَمْيِ الجِمارِ عِنْدَنا، والنَّفْرُ في أوَّلِ يَوْمٍ مِنها لا يَجُوزُ، فَظَرْفِيَّةُ ( اليَوْمَيْنِ ) لَهُ عَلى التَّوَسُّعِ بِاعْتِبارِ أنَّ الِاسْتِعْدادَ لَهُ في اليَوْمِ الأوَّلِ، والقَوْلُ بِأنَّ التَّقْدِيرَ في أحَدِ ﴿ يَوْمَيْنِ ﴾ إلّا أنَّهُ مُجْمَلٌ فُسِّرَ بِاليَوْمِ الثّانِي، أوْ في آخِرِ يَوْمَيْنِ خُرُوجٌ عَنْ مَذاقِ النَّظَرِ ﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ بِاسْتِعْجالِهِ ﴿ ومَن تَأخَّرَ ﴾ في النَّفَرِ حَتّى رَمى في اليَوْمِ الثّالِثِ قَبْلَ الزَّوالِ أوْ بَعْدَهُ عِنْدَنا، وعِنْدَ الشّافِعِيِّ بَعْدَهُ فَقَطْ ﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ بِما صَنَعَ مِنَ التَّأخُّرِ، والمُرادُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ ( التَّعَجُّلِ والتَّأخُّرِ ) ولا يَقْدَحُ فِيهِ أفْضَلِيَّةُ الثّانِي خِلافًا لِصاحِبِ الإنْصافِ، وإنَّما ورَدَ بِنَفْيِ الإثْمِ تَصْرِيحًا بِالرَّدِّ عَلى أهْلِ الجاهِلِيَّةِ حَيْثُ كانُوا مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، فَمِن مُؤَثِّمٍ لِلْمُعَجِّلِ، ومُؤَثِّمٍ لِلْمُتَأخِّرِ ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ خَبَرٌ لِمَحْذُوفٍ، واللّامُ إمّا لِلتَّعْلِيلِ أوْ لِلِاخْتِصاصِ؛ أيْ ذَلِكَ لِتَخْيِيرِ المَذْكُورِ بِقَرِينَةِ القُرْبِ لِأجْلِ المُتَّقِي؛ لِئَلّا يَتَضَرَّرَ بِتَرْكِ ما يَقْصِدُهُ مِنَ ( التَّعْجِيلِ والتَّأخُّرِ )؛ لِأنَّهُ حَذِرٌ مُتَحَرِّزٌ عَمّا يُرِيبُهُ، أوْ ذَلِكَ المَذْكُورُ مِن أحْكامِ الحَجِّ مُطْلَقًا نَظَرًا إلى عَدَمِ المُخَصِّصِ القَطْعِيِّ، وإنْ كانَتْ عامَّةً لِجَمِيعِ المُؤْمِنِينَ مُخْتَصَّةً بِالمُتَّقِي؛ لِأنَّهُ الحاجُّ عَلى الحَقِيقَةِ، والمُنْتَفِعُ بِها، والمُرادُ مِنَ ( التَّقْوى ) عَلى التَّقْدِيرَيْنِ التَّجَنُّبُ عَمّا يُؤْثِمُ مِن ( فِعْلٍ أوْ تَرْكٍ ) ولا يَجُوزُ حَمْلُها عَلى التَّجَنُّبِ عَنِ الشِّرْكِ؛ لِأنَّ الخِطابَ في جَمِيعِ ما سَبَقَ لِلْمُؤْمِنِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى أنَّ الحاجَّ إذا اتَّقى في أداءِ حُدُودِ الحَجِّ وفَرائِضِهِ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّها، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما -، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ الآيَةَ بِذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ النّاسَ يَتَأوَّلُونَها عَلى غَيْرِ تَأْوِيلِها، وهو مِنَ الغَرابَةِ بِمَكانٍ.
﴿ واتَّقُوا اللَّهَ ﴾ في جَمِيعِ أُمُورِكُمُ الَّتِي يَتَعَلَّقُ بِها العَزْمُ لِتَنْتَظِمُوا في سِلْكِ المُغْتَنِمِينَ بِالأحْكامِ المَذْكُورَةِ، أوِ احْذَرُوا الإخْلالَ بِما ذُكِرَ مِن أُمُورِ الحَجِّ ﴿واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ 203﴾ لِلْجَزاءِ عَلى أعْمالِكم بَعْدَ الإحْياءِ والبَعْثِ، وأصْلُ ( الحَشْرِ ) الجَمْعُ وضَمُّ المُفَرَّقِ، وهو تَأْكِيدٌ لِلْأمْرِ بِالتَّقْوى ومُوجِبٌ لِلِامْتِثالِ بِهِ، فَإنَّ مَن عَلِمَ بِالحَشْرِ والمُحاسَبَةِ والجَزاءِ كانَ ذَلِكَ مِن أقْوى الدَّواعِي لَهُ إلى مُلازَمَةِ التَّقْوى، وقَدَّمَ إلَيْهِ لِلِاعْتِناءِ بِمَن يَكُونُ الحَشْرُ إلَيْهِ ولِتُواخِيَ الفَواصِلَ.
<div class="verse-tafsir"
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ، أي معروفات وهي أيام التشريق.
وقال القتبي: أيام التشريق.
والمعلومات أيام العشر.
وقال يحيى بن سعيد: سألت عطاء عن الأيام المعدودات وعن المعلومات، قال: الأيام المعدودة: أيام النحر، والمعلومات: أيام العشر.
وقال بعضهم الأيام المعدودات أيام التشريق بدليل ما سبق في سياق الآية: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، والمعلومات: أيام النحر بدليل قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ [البقرة: 203] فذكر النحر في تلك الأيام.
وقال الضحاك: معنى قوله: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ، أي معروفات وهي أيام التشريق، أي كبروا دبر كل صلاة من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ويقال: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ، يعني التكبير عند رمي الجمار.
قوله: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ، أي رجع إلى أهله، بعد ما رمى في يومين وترك الرمي في اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تعجيله، وَمَنْ تَأَخَّرَ إلى آخر النفر فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تأخيره.
لِمَنِ اتَّقى، يعني قتل الصيد في الإحرام وفي الحرم.
وقال قتادة: ذكر لنا أن ابن مسعود قال: إنما جعلت المغفرة لمن اتقى في حجه.
ويقال: لمن اتقى بعد انصرافه من حجه عن جميع المعاصي وإنما حذرهم الله تعالى، لأنهم إذا رجعوا من حجهم، يجترءون على الله تعالى بالمعاصي، فحذرهم عن ذلك فقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ، فيجازيكم بأعمالكم.
<div class="verse-tafsir"
وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ (٢٠٤) وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ (٢٠٥)
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ.
أَمَرَ اللَّه سبحانه بذكْره في الاْيام المعدوداتِ/، وهي الثلاثة الَّتي بعد يَوْم النحر، ومن جملة الذكر التكبير في إثر الصّلوات.
٥١ ب قال مالك: يكبِّر من صلاة الظُّهْر يوم النَّحْر إِلى صلاة الصُّبْح من آخر أيام التَّشْريق، وبه قال الشافعيُّ، ومشهور مذهبِ مالكٍ، أنه يكبِّر إِثْر كلِّ صلاةٍ ثلاثَ تكْبيراتٍ.
ومن خواصِّ التكبير وبركتِهِ ما رواه ابن السُّنِّيِّ، بسنده، عَن عَمْرِو بْنِ شُعَيْب، عن أَبِيهِ، عَنْ جَدِّه، قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «إِذَا رَأَيْتُمُ الحَرِيقَ، فَكَبِّرُوا فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ» «١» انتهى من «حلية النوويِّ» «٢» .
وقوله تعالى: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ...
الآية: قال ابنُ عبَّاس وغيره: المعنى:
من نَفَر اليوم الثَّاني من الأيام المعدوداتِ، فلا حرج عليه، ومن تأخَّر إِلى الثالث، فلا إِثم عليه، كلُّ ذلك مباحٌ إِذ كان من العربِ مَنْ يذمُّ المتعجِّل وبالعكْس، فنزلَتِ الآية رافعةً للجُنَاحِ «٣» .
قُلْتُ: وأهل مكة في التعجيلِ كغيرهم على الأصحِّ.
ثم أمر سبحانه بالتقوى، وذكَّر بالحَشْر، والوقوفِ بين يَدَيْهِ.
وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ...
الآية.
قال السُّدِّيُّ: نزلَتْ في الأخْنَسِ بْنِ شريقٍ: أظهر الإِسلام، ثم هَرَب، فمرَّ بقومٍ من المسلمين، فأحرق لهم زرعاً، وقتل حُمُراً «٤» .
قال ع «٥» : ما ثبت قطُّ أن الأخنس أسلم، قُلْتُ: وفي ما قاله ع: نظر،
ولا يلزم من عدم ثبوتِهِ عِنْده ألاَّ يثبت عنْد غيره، وقد ذكر أحمدُ بن نصرٍ الدَّاووديُّ في تفسيره أنَّ هذه الآية نزلَتْ في الأخْنَس بْنِ شريق.
انتهى، وسيأتي للطبريِّ نحوه.
وقال قتادةُ، وجماعة: نزلَتْ هذه الآيةُ في كل مُبْطِن كُفْرٍ، أو نفاقٍ، أو كذبٍ، أو ضرارٍ، وهو يظهر بلسانه خلافَ ذلك، فهي عامَّة «١» ، ومعنى: وَيُشْهِدُ اللَّهَ، أي:
يقول: اللَّه يعلم أنِّي أقول حقًّا، والأَلَدُّ: الشديدُ الخصومةِ الذي يَلْوِي الحجج في كل جانبٍ، فيشبه انحرافُه المَشْيَ في لَدِيديِ «٢» الوادي.
وعنه صلّى الله عليه وسلم: «أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» .
وتَوَلَّى وسَعى: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يكونا فِعْلَ قَلْبٍ، فيجيء «تولى» بمعنى: ضَلَّ وغَضِبَ وأنف في نَفْسه، فسعى بِحِيَلِهِ وإِدارته الدوائر علَى الإِسلام نحا هذا المنحى في معنى الآية ابْنُ جُرَيْج، وغيره.
والمعنى الثاني: أن يكونا فِعْلَ شخصٍ، فيجيء «تَوَلَّى» بمعنى: أدبر ونَهَض وسعى، أي: بقدميه، فقطع الطريقَ وأفسدها، نحا هذا المنحَى ابن عبَّاس وغيره.
وقوله تعالى: وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ: قال الطبريُّ «٣» : المراد الأخنَسُ في إِحراقه الزرْعَ، وقتلِهِ الحُمُرَ.
قال ع «٤» : والظاهر أن الآية عبارةٌ عن مبالغته في الإِفساد.
ولا يُحِبُّ الْفَسادَ معناه: لا يحبُّه من أهل الصَّلاح، أو لا يحبُّه دِيناً، وإِلا فلا يقع إِلاَّ ما يحبُّ اللَّه وقوعه، والفسادُ: واقعٌ، وهذا على ما ذهب إِليه المتكلِّمون من أنَّ الحُبَّ بمعنى الإِرادة.
قال ع «٥» : والحُبُّ له على الإِرادة مزيَّة إِيثارٍ إِذ الحبّ من الله تعالى إنما هو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ ﴾ فِي سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا اجْتَمَعُوا بِالمَوْسِمِ، ذَكَرُوا أفْعالَ آَبائِهِمْ وأيّامِهِمْ وأنْسابِهِمْ في الجاهِلِيَّةِ، فَتَفاخَرُوا بِذَلِكَ؛ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ الحُسْنِ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ.
والثّانِي: أنَّ العَرَبَ كانُوا إذا حَدَّثُوا أوْ تَكَلَّمُوا يَقُولُونَ: وأبِيكَ إنَّهم لَفَعَلُوا كَذا وكَذا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.
وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.
والثّالِثُ: أنَّهم كانُوا إذا قَضَوْا مَناسِكَهم، قامَ الرَّجُلُ بِمِنى.
فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ أبِي كانَ عَظِيمَ الجَفْنَةِ، كَثِيرَ المالِ، فَأعْطِنِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَلا يَذْكُرُ اللَّهَ، إنَّما يَذْكُرُ أباهُ، ويَسْألُ أنَّ يُعْطى في دُنْياهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، هَذا قَوْلُ السُّدِّيُّ.
والمَناسِكُ: المُتَعَبِّداتُ.
وفي المُرادِ بِها هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها جَمِيعُ أفْعالِ الحَجِّ، قالَهُ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّها إراقَةُ الدِّماءِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
وفي ذِكْرِهِمْ آَبائِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إقْرارُهم بِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ حَلَّفَهم بِهِمْ.
والثّالِثُ: أنَّهُ ذَكَرَ إحْسانَ آَبائِهِمْ إلَيْهِمْ، فَإنَّهم كانُوا يَذْكُرُونَهم ويَنْسَوْنَ إحْسانَ اللَّهِ إلَيْهِمْ.
والرّابِعُ: أنَّهُ ذِكْرُ الأطْفالِ الآَباءَ، لِأنَّهم أوَّلُ نُطْقِهِمْ بِذِكْرِ آَبائِهِمْ، رُوِيَ هَذا المَعْنى عَنْ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ.
وفي "أوْ" قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى "بَلْ" .
والثّانِي: بِمَعْنى الواوِ.
و"الخَلاقُ" قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.
وَفِي حَسَنَةِ الدُّنْيا سَبْعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها المَرْأةُ الصّالِحَةُ، قالَهُ عَلِيٌّ.
والثّانِي: أنَّها العِبادَةُ، رَواهُ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنِ الحَسَنِ.
والثّالِثُ: أنَّها العِلْمُ والعِبادَةُ، رَواهُ هُشامٌ عَنِ الحَسَنِ.
والرّابِعُ: المالُ، قالَهُ أبُو وائِلٍ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ.
والخامِسُ: العافِيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ.
والسّادِسُ: الرِّزْقُ الواسِعُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
والسّابِعُ: النِّعْمَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.
وَفِي حَسَنَةِ الآَخِرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها الحُورُ العِينُ، قالَهُ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
والثّانِي: الجَنَّةُ، قالَهُ الحَسَنُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: العَفْوُ والمُعافاةُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ، والثَّوْرِيِّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ: دُعاؤُهم مُسْتَجابٌ، لِأنَّ كَسْبَهم هاهُنا هو الدُّعاءُ، وهَذِهِ الآَيَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِما قَبْلَها، إلّا أنَّهُ قَدْ رُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ يُخالِفُ سَبَبَ أخَواتِها، فَرَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ: ماتَ أبِي ولَمْ يَحُجْ، أفَأحُجَّ عَنْهُ؟
فَقالَ: "لَوْ كانَ عَلى أبِيكِ دَيْنٌ قَضَيْتِهِ، أما كانَ ذَلِكَ يُجْزِئُ عَنْهُ؟" قالَ: نَعَمْ، قالَ: "فَدَيْنُ اللَّهِ أحَقُّ أنْ يُقْضى!" قالَ: فَهَلْ لِي مِن أجْرٍ؟
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وَفِي مَعْنى سُرْعَةِ الحِسابِ خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ قِلَّتُهُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ قُرْبَ مَجِيئِهِ، قالَ مُقاتِلٌ.
والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا عَلِمَ ما لِلْمُحاسِبِ وما عَلَيْهِ قَبْلَ حِسابِهِ، كانَ سَرِيعَ الحِسابِ لِذَلِكَ.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: واللَّهُ سَرِيعُ المُجازاةِ، ذَكَرَ هَذا القَوْلَ والَّذِي قَبِلَهُ الزَّجّاجُ.
والخامِسُ: أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ ورَوِيَّةٍ كالعاجِزِينَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ في هَذا الذِّكْرِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ التَّكْبِيرُ عِنْدَ الجَمَراتِ، وأدْبارِ الصَّلَواتِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أوْقاتِ الحَجِّ.
والثّانِي: أنَّهُ التَّكْبِيرُ عُقَيْبَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ.
واخْتَلَفَ أرْبابُ هَذا القَوْلِ في الوَقْتِ الَّذِي يَبْتَدِئُ فِيهِ بِالتَّكْبِيرِ ويَقْطَعُ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى [ما ] بَعْدَ صَلاةِ العَصْرِ مِن آَخَرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ عَلِيٌّ، وأبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ مِن صَلاةِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَنِيفَةَ.
والثّالِثُ: مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى [ما ] بَعْدَ العَصْرِ مِن آَخَرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى [ما ] بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ مِن يَوْمِ النَّفَرِ، وهو الثّانِي مِن أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ الحَسَنُ.
والخامِسُ: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِنَ الظُّهْرِ يَوْمَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، قالَهُ مالِكُ بْنُ أنَسٍ، وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشّافِعِيِّ.
والسّادِسُ: أنَّهُ يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ المَغْرِبِ لَيْلَةَ النَّحْرِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلٌ لِلشّافِعِيِّ.
ومَذْهَبُ إمامِنا أحْمَدَ أنَّهُ كانَ مَحَلًّا، كَبُرَ عُقَيْبَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ صَلاةً؛ أوَّلُها الفَجْرُ يَوْمَ عَرَفَةَ وآَخِرُها العَصْرُ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وإنْ كانَ مُحَرَّمًا كَبَّرَ عُقَيْبَ سَبْعَةَ عَشَرَ صَلاةً؛ أوَّلُها الظَّهْرُ مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وآَخِرُها العَصْرُ مِن آَخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ.
وَهَلْ يَخْتَصُّ هَذا التَّكْبِيرُ عُقَيْبَ الفَرائِضِ بِكَوْنِها في جَماعَةٍ أمْ لا؟
فِيهِ عَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ إحْداهُما: يَخْتَصُّ بِمَن صَلّاها في جَماعَةٍ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ.
والثّانِيَةُ: يَخْتَصُّ بِالفِرِيضَةِ، وإنْ صَلّاها وحْدَهُ، وهو قَوْلُ الشّافِعِيِّ.
وَفِي الأيّامِ المَعْدُوداتِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها أيّامُ التَّشْرِيقِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّها يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وابْنِ عُمَرَ.
والثّالِثُ: أنَّها أيّامُ العَشْرِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيُّ.
قالَ الزَّجّاجُ: و "مَعْدُوداتٍ" يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا لِلشَّيْءِ القَلِيلِ، كَما يُقالُ: دُرَيْهِماتٌ وحَمّاماتٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ ﴾ أيْ: فَمَن تَعَجَّلَ النَّفَرُ الأوَّلُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن أيّامِ مِنى، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى النَّفَرِ الثّانِي، وهو اليَوْمُ الثّالِثُ مِن أيّامِ مِنى، فَلا إثْمَ عَلَيْهِ.
فَإنْ قِيلَ، إنَّما يَخافُ الإثْمَ المُتَعَجِّلَ، فَما بالُ المُتَأخِّرِ أُلْحِقَ بِهِ، والَّذِي أتى بِهِ أفْضَلُ؟!
فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ.
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: لا إثْمَ عَلى المُتَعَجِّلِ، والمُتَأخِّرُ مَأْجُورٌ، فَقالَ: لا إثْمَ عَلَيْهِ، لِتُوافُقِ اللَّفْظَةِ الثّانِيَةِ الأُولى، كَقَوْلِهِ: ﴿ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ والثّانِي: أنَّ المَعْنى: فَلا إثْمَ عَلى المُتَأخِّرِ في تَرْكِ اسْتِعْمالِ الرُّخْصَةِ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: قَدْ زالَتْ آَثامُ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ الَّتِي كانَتْ عَلَيْها قَبْلَ حَجِّهِما.
والرّابِعُ: أنَّ المَعْنى: طَرْحُ المَأْثَمِ عَنِ المُتَعَجِّلِ والمُتَأخِّرِ إنَّما يَكُونُ بِشَرْطِ التَّقْوى.
وَفِي مَعْنى ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَّيْدِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: لِمَنِ اتَّقى المَعاصِيَ في حَجِّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما مَغْفِرَةُ اللَّهِ لِمَنِ اتَّقى اللَّهَ في حَجِّهِ.
والثّالِثُ: لِمَنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ، وإبْراهِيمُ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ الناسُ واسْتَغْفِرُوا اللهَ إنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكم آباءَكم أو أشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا وما لَهُ في الآخِرَةِ مَن خَلاقٍ ﴾ ﴿ وَمِنهم مَن يَقُولُ رَبَّنا آتِنا في الدُنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النارِ ﴾ ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ واذْكُرُوا اللهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى واتَّقُوا اللهَ واعْلَمُوا أنَّكم إلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهُمْ: المُخاطَبُ بِهَذِهِ الآيَةِ قُرَيْشٌ، ومَن وُلِدَتْ، وهُمُ الحُمْسُ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: نَحْنُ قِطَّيْنُ اللهِ فَيَنْبَغِي لَنا أنْ نُعَظِّمَ الحَرَمَ، ولا نُعَظِّمَ شَيْئًا مِنَ الحَلِّ، فَسَنُّوا شَقَّ الثِيابِ في الطَوافِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وكانُوا مَعَ مَعْرِفَتِهِمْ وإقْرارِهِمْ أنَّ عَرَفَةَ هي مَوْقِفُ إبْراهِيمَ، لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ، ويَقِفُونَ بِجَمْعٍ، ويُفِيضُونَ مِنهُ، ويَقِفُ الناسُ بِعَرَفَةَ.
فَقِيلَ لَهم أنْ يُفِيضُوا مَعَ الجُمْلَةِ.
"ثُمَّ" لَيْسَتْ في هَذِهِ الآيَةِ لِلتَّرْتِيبِ، إنَّما هي لِعَطْفِ جُمْلَةِ كَلامٍ عَلى جُمْلَةٍ هي مِنها مُنْقَطِعَةٌ، وكانَ رَسُولُ اللهِ مِنَ الحَمْسِ، ولَكِنَّهُ كانَ يَقِفُ مُذْ كانَ بِعَرَفَةَ هِدايَةً مِنَ اللهِ.
وقالَ الضَحّاكُ: "المُخاطَبُ بِالآيَةِ جُمْلَةُ الأُمَّةِ، والمُرادُ بِـ الناسِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَلامُ كَما قالَ: ﴿ الَّذِينَ قالَ لَهُمُ الناسُ ﴾ وهو يُرِيدُ واحِدًا"، ويَحْتَمِلُ عَلى هَذا أنْ يُؤْمَرُوا بِالإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ إفاضَةً أُخْرى، وهي الَّتِي مِنَ المُزْدَلِفَةِ فَتَجِيءُ "ثُمَّ" عَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَلى بابِها، وعَلى هَذا الِاحْتِمالِ عَوَّلَ الطَبَرِيُّ.
وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٌ: "الناسِي" وتَأْوِيلُهُ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، ويَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَخْفِيفُ الياءِ فَيَقُولُ: الناسُ كالقاضِّ والهادِّ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: أمّا جَوازُهُ في العَرَبِيَّةِ فَذَكَرَهُ سِيبَوَيْهِ، وأمّا جَوازُهُ مَقْرُوءًا بِهِ فَلا أحْفَظُهُ.
وأمَرَ تَعالى بِالِاسْتِغْفارِ لِأنَّها مَواطِنُهُ، ومَظانُّ القَبُولِ، ومَساقِطُ الرَحْمَةِ، وفي الحَدِيثِ «أنَّ رَسُولَ اللهِ : خَطَبَ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَقالَ: أيُّها الناسُ: إنَّ اللهَ تَطَوَّلَ عَلَيْكم في مَقامِكم هَذا فَقَبِلَ مِن مُحْسِنِكُمْ، ووَهَبَ مُسِيئِكم لِمُحْسِنِكُمْ، إلّا التَبِعاتُ فِيما بَيْنَكُمْ، أفِيضُوا عَلى اسْمِ اللهِ.
فَلَمّا كانَ غَداةَ جُمَعٍ؛ خَطَبَ فَقالَ: أيُّها الناسُ إنِ اللهَ تَطاوُلَ عَلَيْكم فَعَوَّضَ التَبِعاتِ مِن عِنْدِهِ».
وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعْنى: واسْتَغْفَرُوا اللهَ مِن فِعْلِكُمُ الَّذِي كانَ مُخالِفًا لِسُنَّةِ إبْراهِيمَ في وُقُوفِكم بِقُزَحٍ مِنَ المُزْدَلِفَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ ﴾ الآيَةُ، قالَ مُجاهِدٌ: المَناسِكُ الذَبائِحُ وهِراقَةُ الدِماءِ.
والمَناسِكُ عِنْدِي: العِباداتُ في مَعالِمِ الحَجِّ ومَواضِعِ النُسُكِ فِيهِ.
والمَعْنى: إذا فَرَغْتُمْ مِن حَجِّكُمُ، الَّذِي هو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فاذْكُرُوا اللهَ بِمَحامِدِهِ، وأثْنُوا عَلَيْهِ بِآلائِهِ عِنْدَكُمْ، وخُصَّ هَذا الوَقْتُ بِالقَضاءِ لِما يَقْضِي الناسُ فِيهِ مَناسِكَهم في حِينٍ واحِدٍ، وما قَبْلُ وما بَعْدُ فَهو عَلى الِافْتِراقِ، هَذا في طَوافٍ، وهَذا في رَمْيٍ، وهَذا في حَلاقٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ.
وكانَتْ عادَةُ العَرَبِ -إذا قَضَتْ حَجَّها- تَقِفُ عِنْدَ الجَمْرَةِ، فَتَتَفاخَرُ بِالآباءِ، وتَذْكُرُ أيّامَ أسْلافِها مِن بَسالَةٍ وكَرَمٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ لِيُلْزِمُوا أنْفُسَهم ذِكْرَ اللهِ تَعالى أكْثَرَ مِنَ التِزامِهِمْ ذِكْرَ آبائِهِمْ بِأيّامِ الجاهِلِيَّةِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعَطاءٌ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِ الأطْفالِ آباءَهم وأُمَّهاتِهِمْ، أيْ: فاسْتُغِيثُوا بِهِ، والجَئُوا إلَيْهِ كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ في حالِ صِغَرِكم بِآبائِكم.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى الآيَةِ: اذْكُرُوا اللهَ وعَظِّمُوهُ وذَبُّوا عن حَرَمِهِ، وادْفَعُوا مَن أرادَ الشِرْكَ والنَقْصَ في دِينِهِ ومَشاعِرِهِ، كَما تَذْكُرُونَ آباءَكم بِالخَيْرِ، إذا غَضَّ أحَدٌ مِنهم وتَحْمُونَ جَوانِبَهُمْ، وتَذُبُّونَ عنهم.
وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: "كَذِكْرِكم آباؤُكُمْ"، أيِ اهْتَبِلُوا بِذِكْرِهِ كَما يَهْتَبِلُ المَرْءُ بِذِكْرِ ابْنِهِ، فالمَصْدَرُ عَلى هَذِهِ القِراءَةِ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، و"أشَدَّ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلى "ذِكْرِكُمْ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ التَقْدِيرُ: أوِ اذْكُرُوهُ أشَدَّ ذِكْرًا.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ ﴾ الآيَةُ.
قالَ أبُو وائِلٍ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: كانَتْ عادَتُهم في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَدْعُوا في مَصالِحِ الدُنْيا فَقَطْ، إذْ كانُوا لا يَعْرِفُونَ الآخِرَةَ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ الدُعاءِ المَخْصُوصِ بِأمْرِ الدُنْيا، وجاءَ النَهْيُ في صِيغَةِ الخَبَرِ عنهم.
والخَلاقُ: النَصِيبُ والحَظُّ، و"مِن" زائِدَةٌ لِأنَّها بَعْدَ النَفْيِ، فَهي مُسْتَغْرِقَةٌ لِجِنْسِ الحُظُوظِ.
وقالَ قَتادَةُ: حَسَنَةُ الدُنْيا: العافِيَةُ في الصِحَّةِ وكَفافُ المالِ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: حَسَنَةُ الدُنْيا: العِلْمُ والعِبادَةُ.
وقالَ السُدِّيُّ: حَسَنَةُ الدُنْيا: المالُ، وقِيلَ: حَسَنَةُ الدُنْيا: المَرْأةُ الحَسْناءُ، واللَفْظَةُ تَقْتَضِي هَذا كُلَّهُ، وجَمِيعُ مُحابِّ الدُنْيا.
وَحَسَنَةُ الآخِرَةِ: الجَنَّةُ بِإجْماعٍ.
﴿ وَقِنا عَذابَ النارِ ﴾ دُعاءٌ في ألّا يَكُونَ المَرْءُ مِمَّنْ يَدْخُلُها بِمَعاصِيهِ، وتُخْرِجُهُ الشَفاعَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً مُؤَكِّدًا لِطَلَبِ دُخُولِ الجَنَّةِ، لِتَكُونَ الرَغْبَةُ في مَعْنى النَجاةِ، والفَوْزُ مِنَ الطَرَفَيْنِ، كَما «قالَ أحَدُ الصَحابَةِ لِلنَّبِيِّ : "أنا إنَّما أقُولُ في دُعائِي: اللهُمَّ أدْخِلْنِي الجَنَّةَ، وعافِنِي مِنَ النارِ.
ولا أدْرِي ما دَنْدَنَتُكَ ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ ؟" فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ : "حَوْلَها نُدَنْدِنُ"».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُولَئِكَ لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا ﴾ الآيَةُ.
وعُدَّ عَلى كَسْبِ الأعْمالِ الصالِحَةِ في صِيغَةِ الإخْبارِ المُجَرَّدِ.
والرَبُّ تَعالى سَرِيعُ الحِسابِ لِأنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى عَقْدٍ، ولا إلى إعْمالِ فِكْرٍ، وقِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كَيْفَ يُحاسِبُ اللهُ الخَلائِقَ في يَوْمٍ؟
فَقالَ: كَما يَرْزُقُهم في يَوْمٍ، وقِيلَ: الحِسابُ هُنا المُجازاةُ، كَأنَّ المُجازِي يُعِدُّ أجْزاءَ العَمَلِ ثُمَّ يُجازِي بِمِثْلِها، وقِيلَ مَعْنى الآيَةِ: سَرِيعٌ مَجِيءُ يَوْمِ الحِسابِ، فالمَقْصِدُ بِالآيَةِ الإنْذارُ بِيَوْمِ القِيامَةِ، وأمَرَ اللهُ تَعالى عِبادَهُ بِذِكْرِهِ في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، وهي الثَلاثَةُ الَّتِي بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ.
وهي أيّامُ التَشْرِيقِ، ولَيْسَ يَوْمَ النَحْرِ مِنَ المَعْدُوداتِ، ودُلَّ عَلى ذَلِكَ إجْماعُ الناسِ عَلى أنَّهُ لا يَنْفِرُ أحَدٌ يَوْمَ القَرِّ وهو ثانِي يَوْمِ النَحْرِ، فَإنَّ يَوْمَ النَحْرِ مِنَ المَعْلُوماتِ، ولَوْ كانَ يَوْمَ النَحْرِ في المَعْدُوداتِ لَساغَ أنْ يَنْفِرَ مَن شاءَ مُتَعَجِّلًا يَوْمَ القَرِّ لِأنَّهُ قَدْ أخَذَ يَوْمَيْنِ مِنَ المَعْدُوداتِ.
وحَكى مَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: المَعْدُوداتُ هي أيّامُ العَشْرِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا إمّا أنْ يَكُونَ مِن تَصْحِيفِ النُسْخَةِ، وإمّا أنْ يُرِيدَ العَشْرَ الَّذِي بَعْدَ يَوْمِ النَحْرِ وفي ذَلِكَ بُعْدٌ.
والأيّامُ المَعْلُوماتُ: هي يَوْمُ النَحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، لِإجْماعِهِمْ عَلى أنَّهُ لا يَنْحَرُ أحَدٌ في اليَوْمِ الثالِثِ.
والذِكْرُ في المَعْلُوماتِ إنَّما هو عَلى ما رَزَقَ اللهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: المَعْلُوماتُ عَشْرُ ذِي الحِجَّةِ وأيّامُ التَشْرِيقِ، وفي هَذا القَوْلِ بُعْدٌ.
وجَعَلَ اللهُ الأيّامَ المَعْدُوداتِ أيّامَ ذِكْرِ اللهِ، وقَدْ قالَ النَبِيُّ : «هِيَ أيّامُ أكْلٍ وشُرْبٍ وذِكْرٍ لِلَّهِ».
ومِن جُمْلَةِ الذِكْرِ التَكْبِيرُ في إثْرِ الصَلَواتِ.
واخْتَلَفَ في طَرَفَيْ مُدَّةِ التَكْبِيرِ.
فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الصُبْحِ مِن يَوْمِ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ مِن غَداةِ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ العَصْرِ مِن يَوْمِ النَحْرِ.
وقالَ يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمِ النَحْرِ إلى صَلاةِ الظُهْرِ مِن آخِرِ يَوْمِ التَشْرِيقِ.
وقالَ مالِكٌ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمِ النَحْرِ إلى صَلاةِ الصُبْحِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ، وبِهِ قالَ الشافِعِيُّ.
وقالَ ابْنُ شِهابٍ: يُكَبِّرُ مِنَ الظَهْرِ يَوْمَ النَحْرِ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُكَبِّرُ مِنَ الظُهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى العَصْرِ مِن آخِرِ أيّامِ التَشْرِيقِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَحْرِ إلى صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَفَرِ الأوَّلِ.
وقالَ أبُو وائِلٍ: يُكَبِّرُ مِن صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى صَلاةِ الظُهْرِ يَوْمَ النَحْرِ.
ومَشْهُورُ مَذْهَبِ مالِكٍ أنَّهُ يُكَبِّرُ إثْرَ كُلِّ صَلاةِ ثَلاثِ تَكْبِيراتٍ.
وفي المَذْهَبِ رِوايَةٌ أنَّهُ يُقالُ بَعْدَ التَكْبِيراتِ الثَلاثِ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، واللهُ أكْبَرُ، ولِلَّهِ الحَمْدُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ الآيَةُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ: المَعْنى: مَن نَفَرَ في اليَوْمِ الثانِي مِنَ الأيّامِ المَعْدُوداتِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ إلى الثالِثِ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ، فَمَعْنى الآيَةِ، كُلُّ ذَلِكَ مُباحٌ، وعَبَّرَ عنهُ بِهَذا التَقْسِيمِ اهْتِمامًا وتَأْكِيدًا إذْ كانَ مِنَ العَرَبِ مَن يَذُمُّ المُتَعَجِّلَ وبِالعَكْسِ فَنَزَلَتِ الآيَةُ رافِعَةً لِلْجَناحِ في كُلِّ ذَلِكَ.
ومِنَ العُلَماءِ مَن رَأى أنَّ التَعَجُّلَ إنَّما أُبِيحَ لِمَن بَعُدَ قُطْرُهُ لا لِلْمَكِّيِّ والقَرِيبِ، إلّا أنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ، قالَهُ مالِكٌ، وغَيْرُهُ.
ومِنهم مَن رَأى أنَّ الناسَ كُلَّهم مُباحٌ لَهم ذَلِكَ.
قالَهُ عَطاءٌ وغَيْرُهُ.
وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وإبْراهِيمُ: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، ومَن تَأخَّرَ فَقَدْ غُفِرَ لَهُ، واحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَلامُ: «مِن حَجِّ هَذا البَيْتَ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِن خَطاياهُ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» فَقَوْلُهُ تَعالى: "فَلا إثْمَ" نَفْيٌ عامٌّ وتَبْرِئَةٌ مُطْلَقَةٌ.
وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: مَعْنى الآيَةِ: مَن تَعَجَّلَ أو تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ إلى العامِ القابِلِ، وأسْنَدَ في هَذا القَوْلِ أثَرٌ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: المَعْنى في الآيَةِ: لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى بَقِيَّةَ عُمْرِهِ، والحاجُّ مَغْفُورٌ لَهُ البَتَّةَ.
وقالَ أبُو صالِحٍ وغَيْرُهُ: مَعْنى الآيَةِ: لا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى قَتْلَ الصَيْدِ وما يَجِبُ عَلَيْهِ تَجَنُّبُهُ في الحَجِّ.
وَقالَ أيْضًا: لِمَنِ اتَّقى في حَجِّهِ فَأتى بِهِ تامًّا حَتّى كانَ مَبْرُورًا.
واللامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِمَنِ اتَّقى ﴾ ، مُتَعَلِّقَةٌ إمّا بِالغُفْرانِ عَلى بَعْضِ التَأْوِيلاتِ، أو بِارْتِفاعِ الإثْمِ في الحَجِّ عَلى بَعْضِها.
وقِيلَ: بِالذِكْرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "واذْكُرُوا"، أيِ الذِكْرُ لِمَنِ اتَّقى، ويَسْقُطُ رَمْيُ الجَمْرَةِ الثالِثَةِ عَمَّنْ تَعَجَّلَ.
وقالَ ابْنُ أبِي زَمَنَيْنِ: يَرْمِيها في يَوْمِ النَفَرِ الأوَّلِ حِينَ يُرِيدُ التَعَجُّلَ.
قالَ ابْنُ المَوّازِ: يَرْمِي المُتَعَجِّلُ في يَوْمَيْنِ بِإحْدى وعِشْرِينَ حَصاةً، كُلُّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ فَيَصِيرُ جَمِيعُ رَمْيِهِ بِتِسْعٍ وأرْبَعِينَ حَصاةً.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لِأنَّهُ قَدْ رَمى جَمْرَةَ العَقَبَةِ بِسَبْعِ يَوْمِ النَحْرِ، قالَ ابْنُ المَوّازِ: ويَسْقُطُ رَمْيُ اليَوْمِ الثالِثِ.
وقَرَأ سالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "فَلا اثْمَ عَلَيْهِ" بِوَصْلِ الألِفِ.
ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالتَقْوى، وذَكَّرَ بِالحَشْرِ والوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
معطوف على ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم ﴾ [البقرة: 200] وما بينهما اعتراض، وإعادة فعل ﴿ اذكروا ﴾ ليبنى عليه تعليق المجرور أي قوله: ﴿ في أيام معدودات ﴾ لبعد متعلقه وهو ﴿ فاذكروا الله كذكركم آباءكم ﴾ ، لأنه أريد تقييد الذكر بصفته ثم تقييدُه بزمانه ومكانه.
فالذكر الثاني هو نفس الذكر الأول وعطفه عليه منظور فيه إلى المغايرة بما علق به من زمانه.
والأيام المعدودات أيام منى، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، يقيم الناس فيها بمنى وتسمى أيام التشريق، لأن الناس يقددون فيها اللحم، والتقديد تشريق، أو لأن الهدايا لا تنحر فيها حتى تشرق الشمس.
وكانوا يعلمون أن إقامتهم بمنى بعد يوم النحر بعد طواف الإفاضة ثلاثة أيام فيعلمون أنها المراد هنا بالأيام المعدودات، ولذلك قال جمهور الفقهاء الأيام المعدودات أيام منى وهي بعد اليوم العاشر وهو قول ابن عمر ومجاهد وعطاء وقتادة والسدي والضحاك وجابر بن زيد ومالك، وهي غير المراد من الأيام المعلومات التي في قوله تعالى: ﴿ ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ﴾ في [سورة الحج: 28].
فالأيام المعلومات أيام النحر الثلاثة، وهي اليوم العاشر ويومان بعده.
والمعدودات أيام منى بعد يوم النحر، فاليوم العاشر من المعلومات لا من المعدودات، واليومان بعده من المعلومات والمعدودات، واليوم الرابع من المعدودات فقط، واحتجوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿ ويذكروا اسم الله في إيام معلومات على رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ [الحج: 28] لأن اليوم الرابع لا نحر فيه ولا ذَبح إجماعاً، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن لا فرق بين الأيام المعلومات والأيام المعدودات وهي يوم النحر ويومان بعده فليس اليوم الرابع عندهما معلوماً ولا معدوداً، وعن الشافعي الأيام المعلومات من أول ذي الحجة حتى يوم النحر وما بعد ذلك معدودات، وهو رواية عن أبي حنيفة.
ودلت الآية على طلب ذكر الله تعالى في أيام رمي الجمار وهو الذكر عند الرمي وعند نحر الهدايا.
وإنما أمروا بالذكر في هذه الأيام، لأن أهل الجاهلية كانوا يشغلونها بالتفاخر ومغازلة النساء، قال العرجي: ما نَلتقِي إلاّ ثلاثَ مِنًى *** حَتَّى يُفَرِّقَ بينَنا النَّفْر وقال عمر بن أبي ربيعة: بَدَا لِيَ منها معصم حينَ جَمَّرَتْ *** وكَفٌّ خَصيبٌ زُيَّنَتْ بِبَنَان فوالله ما أَدري وإِنْ كُنْتُ دَارياً *** بسَبْععٍ رَمَيْتُ الجَمْرَ أمْ بِثَمَان لأنهم كانوا يرون أن الحج قد انتهى بانتهاء العاشر، بعد أن أمسكوا عن ملاذهم مدة طويلة فكانوا يعودون إليها، فأمرهم الله تعالى بذكر الله فيها، وذكرُ الله فيها هو ذكره عند رمي الجمار.
والأيام المعدودات الثلاثة ترمى الجمار الثلاثة في كل يوم منها بعد الزوال يبتدأ بالجمرة التي تلي مسجد منى بسبع حصيات، ثم ترمى الجمرتان الأخريان كل جمرة بمثل ذلك ويكبر مع كل حصاة، وآخرها جمرة العقبة، وفي أحكام الرمي ووقته وعكس الابتداء فيه بجمرة مسجد منى والمبيت بغير منى خلافات بين الفقهاء.
والآية تدل على أن الإقامة في منى في الأيام المعدودات واجبة فليس للحاج أن يبيت في تلك الليالي إلاّ في منى، ومن لم يبت في منى فقد أخل بواجب فعليه هدي، ولا يرخص في المبيت في غير منى إلاّ لأهل الأعمال التي تقتضي المغيب عن منى فقد رخص النبي صلى الله عليه وسلم للعباس المبيت بمكة لأجل أنه على سقاية زمزم، ورخص لرعاء الإبل من أجل حاجتهم إلى رعي الإبل في المراعي البعيدة عن منى وذلك كله بعد أن يرموا جمرة العقبة يوم النحر ويرجعوا من الغد فيرمون، ورخص للرعاء الرمي بليل، ورخص الله في هذه الآية لمن تعجل إلى وطنه أن يترك الإقامة بمنى اليومين الأخيرين من الأيام المعدودات.
وقوله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ تفريع لفظي للإذن بالرخصة في ترك حضور بعض أيام منى لمن أعجله الرجوع إلى وطنه، وجيء بالفاء لتعقيب ذكر الرخصة بعد ذكر العزيمة رحمة منه تعالى بعباده.
وفِعْلاَ ﴿ تَعَجَّل ﴾ و ﴿ تأَخَّر ﴾ : مشعران بتعجل وتأخر في الإقامة بالمكان الذي يشعر به اسم الأيام المعدودات، فالمراد، من التعجل عدم اللبث وهو النفر عن منى ومن التأخر اللبث في منى إلى يوم نفر جميع الحجيج، فيجوز أن تكون ﴿ صيغة ﴾ تعجل و ﴿ تأخر ﴾ معناهما مطاوعة عجله وأخره فإن التفعل يأتي للمطاوعة كأنه عجل نفسه فتعجل وأخرها فتأخر فيكون الفعلان قاصرين لا حاجة إلى تقدير مفعول لهما ولكن المتعجل عنه والمتأخر إليه مفهومان من اسم الأيام المعدودات، أي تعجل النفر وتأخر النفر، ويجوز أن تكون صيغة التفعل في الفعلين لتكلف الفعل كأنه اضطر إلى العجلة أو إلى التأخر فيكون المفعول محذوفاً لظهوره أي فمن تعجل النفر ومن تأخره.
فقوله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ ظاهر المعنى في نفي الإثم عنه، وإنما قوله: ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ يشكل بأن نفي الإثم يقتضي توهم حصوله فيصير التأخر إلى اليوم الرابع رخصة مع أنه هو العزيمة، ودُفع هذا التوهم بما روي أن أهل الجاهلية كانوا على فريقين؛ فريق منهم يبيحون التعجيل، وفريق يبيحون التأخير إلى الرابع فوردت الآية للتوسعة في الأمرين، أو تجعل معنى نفي الإثم فيهما كناية عن التخيير بين الأمرين، والتأخير أفضل، ولا مانع في الكلام من التخيير بين أمرين وإن كان أحدهما أفضل كما خير المسافرُ بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل.
وعندي أن وجه ذكر ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ أن الله لما أمر بالذكر في أيام منى وترك ما كانوا عليه في الجاهلية من الاشتغال فيها بالفضول كما تقدم، وقال بعد ذلك ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ خيف أن يتوهم أن التعجيل بالنفر أولى تباعداً من مواقعة ما لا يحسن من الكلام، فدفع ذلك بقوله: ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ فإذا نفي هذا التوهم علم السامع أنه قد ثبتت للمتأخر فضيلة الإقامة بتلك المنازل المباركة والمشاركة فيها بذكر الله تعالى، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ لمن اتقى ﴾ أي لمن اتقى الله في تأخره فلم يرفث ولم يفسق في أيام منى، وإلاّ فالتأخر فيها لمن لم يتق إثم فهو متعلق بما تدل عليه (لا) من معنى النفي، أو هو خبر مبتدأ، أي ذلك وبدون هذا لا يظهر وجه لزيادة قوله ﴿ لمن اتقى ﴾ وإن تكلفوا في تفسيره بما لا تميل النفس إلى تقريره.
وقوله: ﴿ واتقوا الله ﴾ وصاية بالتقوى وقعت في آخر بيان مهامّ أحكام الحج، فهي معطوفة على ﴿ واذكروا الله ﴾ أو معترضة بين ﴿ ومن تأخر ﴾ وبين ﴿ من الناس من يعجبك ﴾ [البقرة: 204] الخ.
وقد استُحضر حال المخاطبين بأحكام الحج في حال حجهم؛ لأن فاتحة هاته الآيات كانت بقوله: ﴿ فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ﴾ [البقرة: 197] الخ ولما ختمت بقوله: ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ وهي آخر أيام الحج وأشير في ذلك إلى التفرق والرجوع إلى الأوطان بقوله ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ الخ، عُقب ذلك بقوله تعالى: ﴿ واتقوا الله ﴾ وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان.
وقوله: ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ تحريض على التقوى وتحذير من خلافها؛ لأن من علم ذلك سعى لما يجلب رضا المرجوع إليه وتجنب سخطه.
فالأمر في ﴿ اعلموا ﴾ للتذكير، لأن ذلك معلوم عندهم وقد تقدم آنفاً عند قوله: ﴿ واعلموا أن الله شديد العقاب ﴾ [البقرة: 196].
والحشر: الجمع بعد التفرق فلذلك ناسب قوله: ﴿ تحشرون ﴾ حالتي تفرق الحجيج بعد انقضاء الحج واجتماع أفراد كل فريق منهم إلى بلده بعد ذلك.
واختير لفظ (تحشرون) هنا دون تصيرون أو ترجعون، لأن تحشرون أجمع لأنه يدل على المصير وعلى الرجوع مع الدلالة على أنهم يصيرون مجتمعين كلهم كما كانوا مجتمعين حين استحضار حالهم في هذا الخطاب وهو اجتماع الحج، ولأن الناس بعد الحج يحشرون إلى مواطنهم فذكرهم بالحشر العظيم، فلفظ تحشرون أنسب بالمقام من وجوه كثير، والعرب كانوا يتفرقون رابع أيام منى فيرجعون إلى مكة لزيارة البيت لطواف الوداع ثم ينصرفون فيرجع كل فريق إلى موطنه، قال امرؤ القيس يذكر التفرق يوم رابع النحر وهو يوم المحصب في منى: فلله عَيْنَا مَنْ رَأَى مِنْ تَفَرُّقٍ *** أَشَتَّ وأَنْأَى مِنْ فِراققِ المُحَصَّب غَداةَ غَدَوْا فَسَالِكٌ بَطْنَ نَخْلَة *** وَآخَرُ مِنهم جَازِعٌ نَجْدَ كَبْكَب وقال كثير: ولما قضينا من منى كل حاجة *** ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على دهم المهاري رحالُنا *** ولم ينظر الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا *** وسالت بأعناق المطي الأباطح والمعنى ليكن ذكركم الله ودعاؤكم في أيام إقامتكم في منى، وهي الأيام المعدودات الثلاثة الموالية ليوم الأضحى، وأقيموا في منى تلك الأيام فمن دعته حاجاته إلى التعجيل بالرجوع إلى وطنه فلا إثم عليه أن يترك يومين من أيام منى وهما الثاني عشر من ذي الحجة والثالث عشر منه.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ ﴾ هي أيّامُ مِنًى قَوْلُ جَمِيعِ المُفَسِّرِينَ، وإنْ خالَفَ بَعْضُ الفُقَهاءِ في أنْ أشْرَكَ بَيْنَ بَعْضِها وبَيْنَ الأيّامِ المَعْلُوماتِ.
﴿ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ يَعْنِي تَعَجَّلَ النَّفْرَ الأوَّلَ في اليَوْمِ الثّانِي مِن أيّامِ مِنًى.
﴿ وَمَن تَأخَّرَ ﴾ يَعْنِي إلى النَّفْرِ الثّانِي، وهو الثّالِثُ مِن أيّامِ مِنًى.
﴿ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ﴾ وفي الإثْمِ هَهُنا، خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ مَن تَعَجَّلَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ في تَعَجُّلِهِ، ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ في تَأخُّرِهِ، وهَذا قَوْلُ عَطاءٍ.
والثّانِي: أنَّ مَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ، فَمَغْفُورٌ لَهُ، لا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ فَمَغْفُورٌ لَهُ، لا إثْمَ عَلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّالِثُ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، إنِ اتَّقى فِيما بَقِيَ مِن عُمْرِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والسُّدِّيِّ.
والرّابِعُ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، إنِ اتَّقى في قَتْلِ الصَّيْدِ في اليَوْمِ الثّالِثِ، حَتّى يَحِلُّوا أيّامَ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والخامِسُ: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، إنِ اتَّقى إصابَةَ ما نُهِيَ عَنْهُ، فَيُغْفَرُ لَهُ ما سَلَفَ مِن ذَنْبِهِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.
فَأمّا المُرادُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعالى في الأيّامِ المَعْدُوداتِ، فَهو التَّكْبِيرُ فِيها عَقِبَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ، واخْتُلِفَ فِيهِ عَلى أرْبَعَةِ مَذاهِبَ: أحَدُها: أنَّهُ تَكْبِيرٌ مِن بَعْدِ صَلاةِ الصُّبْحِ، يَوْمَ عَرَفَةَ، إلى بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ، مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وبِهِ قالَ مِنَ الفُقَهاءِ أبُو يُوسُفَ، ومُحَمَّدٌ.
والثّانِي: أنَّهُ تَكْبِيرٌ مِن صَلاةِ الفَجْرِ، مِن يَوْمِ عَرَفَةَ، إلى صَلاةِ العَصْرِ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وبِهِ قالَ مِنَ الفُقَهاءِ أبُو حَنِيفَةَ.
والثّالِثُ: أنَّهُ يُكَبَّرُ مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، إلى بَعْدِ صَلاةِ العَصْرِ، مِن آخِرِ أيّامِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ يُكَبَّرُ مِن بَعْدِ صَلاةِ الظُّهْرِ، مِن يَوْمِ النَّحْرِ، إلى آخِرِ صَلاةِ الصُّبْحِ، مِن آخِرِ التَّشْرِيقِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وبِهِ قالَ مِنَ الفُقَهاءِ الشّافِعِيُّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: الأيام المعدودات ثلاثة أيام: يوم الأضحى، ويومان بعده، إذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها.
وأخرج الفريابي وابن أبي الدنيا وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ قال: ثلاثة أيام، أيام التشريق.
وفي لفظ: هي الثلاثة الأيام بعد يوم النحر.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد والمروزي في العيدين وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في الشعب والضياء في المختارة من طرق عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات أيام العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق.
وأخرج الطبراني عن عبدالله بن الزبير ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ قال: هن أيام التشريق يذكر الله فيهن بتسبيح وتهليل وتكبير وتحميد.
وأخرج ابن أبي الدنيا والمحاملي في أماليه والبيهقي عن مجاهد قال: الأيام المعلومات العشر، والأيام المعدودات أيام التشريق.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: الأيام المعدودات أربعة أيام: يوم النحر، وثلاثة أيام بعده.
وأخرج المروزي عن يحيى بن كثير في قوله: ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ قال: هو التكبير في أيام التشريق دبر الصلوات.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر.
أنه كان يكبر تلك الأيام بمنى ويقول: التكبير واجب، ويتأوّل هذه الآية ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ .
وأخرج المروزي وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن عمرو بن دينار قال: رأيت ابن عباس يكبر يوم النحر ويتلو ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ .
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ قال: التكبير أيام التشريق، يقول في دبر كل صلاة: الله أكبر الله أكبر الله أكبر.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عمر.
أنه كان يكبر ثلاثاً ثلاثاً وراء الصلوات بمنى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وأخرج المروزي عن الزهري قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر أيام التشريق كلها.
وأخرج سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: «سمعت ابن عباس يكبر يوم الصدر ويأمر من حوله أن يكبر، فلا أدري تأوّل قوله تعالى ﴿ واذكروا الله في أيام معدودات ﴾ أو قوله: ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ الآية» .
وأخرج مالك عن يحيى بن سعيد، أنه بلغه أن عمر بن الخطاب خرج الغد من يوم النحر بمنى حتى ارتفع النهار شيئاً، فكبر وكبر الناس بتكبيره حتى بلغ تكبيرهم البيت، ثم خرج الثالثة من يومه ذلك حين زاغت الشمس، فكبر وكبر الناس بتكبيره، فعرف أن عمر قد خرج يرمي.
وأخرج البيهقي في سننه عن سالم بن عبد الله بن عمر «أنه رمى الجمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة الله أكبر الله أكبر، اللهم اجعله حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وعملاً مشكوراً، وقال: حدثني أبي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان كلما رمى بحصاة يقول مثل ما قلت» .
وأخرج البخاري والنسائي وابن ماجة عن ابن عمر «أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلاً ويدعو، ويرفع يديه ويقوم طويلاً، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله» .
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت «أفاض رسول الله صلى الله عليه وسلم من آخر يومه حين صلى الظهر، ثم رجع فمكث بمنى ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى وعند الثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ثم يرمي الثالثة ولا يقف عندها» .
وأخرج أحمد والنسائي والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة العقبة «هات القط لي حصيات من حصى الخذف، فلما وضعن في يده قال: بأمثال هؤلاء وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين» .
وأخرج الحاكم عن أبي البداح بن عاصم بن عدي عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً.
وأخرج الأزرقي عن ابن الكلبي قال: إنما سميت الجمار جمار لأن آدم كان يرمي إبليس فيتجمر بين يديه، والإِجمار الإِسراع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري قال: ما يقبل من حصى الجمار رفع.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي الطفيل قال: قلت لابن عباس: رمى الناس في الجاهلية والإِسلام.
فقال: ما تقبل منه رفع، ولولا ذلك كان أعظم من ثبير.
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس أنه سئل هذه الجمار ترمى في الجاهلية والإِسلام، كيف لا تكون هضاباً تسد الطريق؟
فقال: إن الله وكل بها، ملكاً فما يقبل منه رفع ولم يقبل منه ترك.
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: والله ما قبل الله من امرئ حجه إلا رفع حصاه.
وأخرج الأزرقي عن ابن عمر أنه قيل له: ما كنا نتراءى في الجاهلية من الحصى والمسلمون اليوم أكثر، إنه لضحضاح؟
فقال: إنه- والله- ما قبل الله من امرئ حجه إلا رفع حصاه.
وأخرج الأزرقي عن سعيد بن جبير قال: إنما الحصى قربان فما يقبل منه رفع، وما لم يتقبل منه فهو الذي يبقى.
وأخرج الطبراني في الأوسط والدارقطني والحاكم وصححه عن أبي سعيد الخدري قال: «قلنا: يا رسول الله هذه الأحجار التي يرمى بها كل سنة فنحسب أنها تنقص!...
قال: ما يقبل منها يرفع، ولولا ذلك لرأيتموها مثل الجبال» .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن رمي الجمار وما لنا فيه؟
فسمعته يقول: «تجد ذلك عند ربك أحوج ما تكون إليه» .
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس.
أنه سئل عن منى وضيقه في غير الحج فقال: إن منى تتسع بأهلها كما يتسع الرحم للولد.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل منى كالرحم هي ضيقة، فإذا حملت وسعها الله» .
وأخرج الأزرقي عن ابن عباس قال: إنما سميت منى منى لأن جبريل حين أراد أن يفارق آدم قال له: تمن.
قال: أتمنى الجنة، فسميت منى لأنها منية آدم.
وأخرج الأزرقي عن عمر بن مطرف قال: إنما سميت منى لما يمنى بها من الدماء.
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت «قيل: يا رسول الله ألا نبني لك بناء يظلك؟
قال: لا، منى مناخ من سبق» .
وأخرج البيهقي في الشعب عن ابن عباس، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ونحن بمنى: «لو يعلم أهل الجمع بمن حلوا لاستبشروا بالفضل بعد المغفرة» .
وأخرج مسلم والنسائي عن نبيشة الهدبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله» .
وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة يطوف في منى، لا تصوموا هذه الأيام فإنها أيام أكل وشرب وذكر الله تعالى.
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم أيام التشريق، وقال: هي أيام أكل وشرب وذكر الله» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن أبي الشعثاء قال: دخلنا على ابن عمر في اليوم الأوسط من أيام التشريق، فأتى بطعام فتنحى ابن له فقال: ادن فاطعم قال: إني صائم.
قال: أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هذه أيام طعم وذكر» .
وأخرج الحاكم وصححه عن مسعود بن الحكم الزرقي عن أمه أنها حدثته قالت «كأني أنظر إلى عليّ على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء في شعب الأنصار، وهو يقول: أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست أيام صيام، إنها أيام أكل وشرب وذكر» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر بن خلدة الأنصاري عن أمه قالت «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً أيام التشريق ينادي: إنها أيام أكل وشرب وبعال» .
وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي وابن ماجة عن بشر بن شحيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب أيام التشريق فقال: «لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن هذه الأيام أيام أكل وشرب» .
وأخرج مسلم عن كعب بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: «أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة وابن أبي الدنيا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيام منى أيام أكل وشرب» .
وأخرج أبو داود وابن أبي الدنيا والحاكم وصححه عن أبي مرة مولى أم هانئ، أنه دخل مع عبد الله على أبيه عمرو بن العاص، فقرب إليهما طعاماً فقال: كل، فقال: إني صائم.
قال عمرو: كل فهذه الأيام التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها.
قال مالك: وهن أيام التشريق.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبزار عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام ستة أيام من السنة: يوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق، واليوم الذي يشك فيه من رمضان» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام التشريق، وقال: إنها أيام أكل وشرب» .
وأخرج ابن أبي الدنيا عن قتادة أنه سئل عن أيام التشريق، لأي شيء سميت التشريق؟
فقال: كانوا يشرقون لحوم ضحاياهم وبدنهم، يشرقون القديد.
أما قوله تعالى: ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ الآية.
أخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: في تعجيله ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ في تأخيره.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: فلا ذنب له ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ قال: فلا حرج عليه لمن اتقى.
يقول: اتقى معاصي الله.
وأخرج الفريابي وابن جرير عن ابن عمر قال: أحلَّ النفر في يومين لمن اتقى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عمر قال: من غابت له الشمس في اليوم الذي قال الله فيه ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ وهو منى، فلا ينفرن حتى يرمى الجمار من الغد.
وأخرج سفيان بن عيينة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ لمن اتقى ﴾ قال: لمن اتقى الصيد وهو محرم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن جريج قال: هي في مصحف عبد الله ﴿ لمن اتقى الله ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عبد الله بن يعمر الديلمي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل مكة فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟
فقال: الحج عرفات، الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك أيام منى ثلاثة أيام ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ ثم أردف رجلاً خلفه ينادي بهن» .
وأخرج ابن جرير عن علي في قوله: ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: غفر له ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ قال: غفر له.
وأخرج وكيع والفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: مغفور له ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ قال: مغفور له.
وأخرج البيهقي في سننه عن ابن عباس في الآية قال: من تعجل في يومين غفر له، ومن تأخر إلى ثلاثة أيام غفر له.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي عن ابن عمر ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: رجع مغفوراً له.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة في الآية قال: رخص الله أن ينفروا في يومين إن شاؤوا، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا إثم عليه لمن اتقى.
قال قتادة: يرون أنها مغفورة له.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة عن مجاهد ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: إلى قابل ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ قال: إلى قابل.
وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك قال: لا والذي نفس الضحاك بيده إن نزلت هذه الآية ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ في الإِقامة والظعن، ولكنه برئ من الذنوب.
وأخرج سفيان بن عيينة وعبد بن حميد وابن جرير عن ابن مسعود ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: خرج من الإِثم كله ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه ﴾ قال: برئ من الإِثم كله.
وأخرج ابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لمن اتقى ﴾ قال: لمن اتقى في حجه.
قال قتادة: وذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: من اتقى في حجه غفر له ما تقدم من ذنبه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح قال: كانت امرأة من المهاجرات تحج، فإذا رجعت مرت على عمر فيقول لها: أتقيت؟
فتقول: نعم.
فيقول لها: استأنفي العمل.
وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد.
أن عمر قال لقوم حجاج: أنهزكم إليه غيره؟
قالوا: لا.
قال: أتقيتم؟
قالوا: نعم.
قال: أما لا فاستأنفوا العمل.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ﴾ قال: قد غفر له إنهم يتأولونها على غير تأويلها، إن العمرة لتكفر ما معها من الذنوب، فكيف بالحج؟!.
وأخرج وكيع وابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن معاوية بن مرة المزني ﴿ فلا إثم عليه ﴾ قال: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.
وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي قال: إنما جعل الله هذه المناسك ليكفر بها خطايا بني آدم.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ فلا إثم عليه لمن اتقى ﴾ قال: ذهب إثمه كله إن اتقى فيما بقي من عمره.
وأخرج البيهقي في الشعب عن الحسن.
أنه قيل له: الناس يقولون: إن الحاج مغفور له، قال إنه ذلك أن يدع سيء ما كان عليه.
وأخرج البيهقي عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: إذا قضيت حجك فسل الله الجنة فلعله.
وأخرج الأصبهاني في الترغيب عن إبراهيم قال: كان يقال: صافحوا الحجاج قبل أن يتلطخوا بالذنوب.
وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر قال: تلقوا الحجاج والعمار والغزاة، فليدعوا لكم قبل أن يتدنسوا.
وأخرج ابن أبي شيبة عن حبيب بن أبي ثابت قال: كنا نلتقي الحجاج فنصافحهم قبل أن يفارفوا.
وأخرج الأصبهاني عن الحسن.
أنه قيل له ما الحج المبرور؟
قال: أن يرجع زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة.
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقضى أحدكم حجه فليعجل الرحلة إلى أهله، فإنه أعظم لأجره» .
وأخرج مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزوة أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .
وأخرج ابن حبان في الضعفاء وابن عدي في الكامل والدارقطني في العلل عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حج ولم يزرني فقد جفاني» .
وأخرج سعيد بن منصور وأبو يعلى والطبراني وابن عدي والدارقطني والبيهقي في الشعب وابن عساكر عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من حج فزار قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي» .
وأخرج الحكيم الترمذي والبزار وابن خزيمة وابن عدي والدارقطني والبيهقي عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زار قبري وجبت له شفاعتي» .
وأخرج الطبراني عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من جاءني زائراً لم تنزعه حاجة إلا زيارتي كان حقاً علي أن أكون له شفيعاً يوم القيامة» .
وأخرج الطيالسي والبيهقي في الشعب عن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من زار قبري كنت له شفيعاً أو شهيداً، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله في الآمنين يوم القيامة» .
وأخرج البيهقي عن حاطب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة» .
وأخرج العقيلي في الضعفاء والبيهقي في الشعب عن رجل من آل الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني متعمداً كان في جواري يوم القيامة، ومن سكن المدينة وصبر على بلائها كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين يوم القيامة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من زارني بالمدينة محتسباً كنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من عبد يسلم عليّ عند قبري إلا وكل الله به ملكاً يبلغني، وكفى أمر آخرته ودنياه، وكنت له شهيداً وشفيعاً يوم القيامة» .
وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من مسلم يسلم عليّ إلا ردّ الله عليّ روحي حتى أردّ عليه السلام» .
وأخرج البيهقي عن ابن عمر «أنه كان يأتي القبر فيسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يمس القبر، ثم يسلم على أبي بكر ثم على عمر» .
وأخرج البيهقي عن محمد بن المنكدر قال: رأيت جابراً وهو يبكي عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول: هاهنا تسكب العبرات، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة» .
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن منيب بن عبد الله بن أبي أمامة قال: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فوقف، فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم انصرف.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن سليمان بن سحيم قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم قلت: يا رسول الله هؤلاء الذين يأتونك فيسلّمون عليك أتفقه سلامهم؟
قال: نعم، وأرد عليهم.
وأخرج البيهقي عن حاتم بن مروان قال: كان عمر بن عبد العزيز يوجه بالبريد قاصداً إلى المدينة ليقرئ عنه النبي صلى الله عليه وسلم السلام.
وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أبي فديك قال: سمعت بعض من أدركت يقول: بلغنا أنه من وقف عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فتلا هذه الآية ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً ﴾ [ الأحزاب: 56] صلى الله عليك يا محمد حتى يقولها سبعين مرة فأجابه ملك: صلى الله عليك يا فلان لم تسقط لك حاجة.
وأخرج البيهقي عن أبي حرب الهلالي قال: حج أعرابي، فلما جاء إلى باب مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أناخ راحلته، فعقلها ثم دخل المسجد حتى أتى القبر، ووقف بحذاء وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، جئتك مثقلاً بالذنوب والخطايا، مستشفعاً بك على ربك لأنه قال في محكم كتابه ﴿ ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً ﴾ [ النساء: 64] وقد جئتك بأبي أنت وأمي مثقلاً بالذنوب والخطايا، استشفع بك على ربك أن يغفر لي ذنوبي وأن تشفع فيَّ، ثم أقبل في عرض الناس وهو يقول: يا خير من دفنت في الترب أعظمه ** فطاب من طيبهن القاع والأكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ** فيه العفاف وفيه الجود والكرم وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عمر.
أنه كان يقول للحاج إذا قدم: تقبل نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك.
وأخرج البيهقي عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قدم أحدكم على أهله من سفر فليهد لأهله، فليطرفهم ولو كان حجارة» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ الأصحُّ أن هذه الأيام يرادُ بها: أيامُ التشريق (١) (٢) (٣) (٤) ﴿ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ ﴾ .
وجَمْعُها على الألف والتاء يدل أيضًا على القلة، نحو: دُرَيْهِمَات وحمامات (٥) وروي أن حسان بن ثابت عرضَ شعره وهو صبي بعكاظ على النابغة وأنشده قوله: لنا الجَفنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْن بالضُّحَى ...
وأسْيَافُنَا يَقْطُرْنَ مِنْ نَجْدَةٍ دمَا (٦) فقال: يا غلام!
قَلَّلْتَ جِفَانك، يريد: أنه جَمَعَ بالألف والتاء، ولم يَقُلْ الجِفَان.
قال الزجاج: وهذا الخبر عندي مصنوع؛ لأن الألف والتاء قد تأتي للكَثْرة قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ ﴾ .
وقال: ﴿ فِي جَنَّاتٍ ﴾ .
وقال: ﴿ الْغُرُفَاتِ ﴾ ، فقد يرد هذا الجمع في الكثير، ولكنه أدلُّ على القليل، من حيث كانَ أقرب إلى الواحد؛ لأنه على التثنية، تقول: حمام وحمامان وحمامات، فتؤدي بناءَ الواحد (٧) والمراد بالذكر في هذه الأيام: التكبير أدبار الصلوات وعند الجمرات، يكبر مع كل حصاة (٨) وأكثر العلماء على ما ذكرنا وهو أن الأيام المعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر: أولها: يوم القَرّ، وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، يستقرُّ الناس فيه بمنى.
والثاني: يوم النَّفْر الأول؛ لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.
والثالث: يوم الثالث عشر، وهو يوم النفر الثاني (٩) وهذه الأيام الثلاثة مع يوم النحر كلها أيام النحر، وأيام رمي الجمار (١٠) (١١) ، وهو أكمل المذاهب.
والأظهر من مذهب الشافعي رحمه الله أنه يبتدئ التكبيرَ من صلاة الظُّهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق، اقتداءً بالحاجّ، قال: لأنهم يقطعون التلبية ويأخذون في التكبير يوم النحر، من صلاة الظهر، والصبح آخر صلاة يصليها الحاج، والناس لهم تبع (١٢) وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ معناه: فمن تعجل في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه في تَعَجُّلِه، ومن تَأَخَّرَ عن النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى نفر فيه، فلا إثم عليه في تأخُّرِه (١٣) فإن قيل: إنما يخاف الإثم المتعجل.
فما بال المتأخر أُلحق به، والذي أتى أفضل؟
قيل: معناه: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فهو مبرور مأجور.
فقال: (فلا إثم عليه) وهو يريد هذا المعنى لتوافق اللفظةُ الأولى الثانيةَ، وتكون على مثلِ سبيلها، وقد ذكرنا أنه حُمِلَ على موافقة اللفظ بما لا يصلح في المعنى (١٤) ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ﴾ ، وقوله: ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ﴾ ، فَلأَن يحمل على موافقة اللفظ بما يَصِحُّ في المعنى أولى؛ لأن المبرور المأجور يصح في المعنى نفيُ الإثم عنه.
وقيل: فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه في استعماله الرخصة، ومن تأخر فَتَرْكُه استعمالَ الرخصةِ غيُر مؤثم له أيضًا.
وقيل: فمن تَعَجَّل في يومين فلا إثم عليه، ومن تأخر فلا إثم عليه من آثامهما التي كانت عليهما قبل أن يَحُجَّا، يدل على صحة هذا الوجه: ما روى منصور (١٥) (١٦) قال: "من حجَّ هذا البيتَ فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُق خرج من ذنوبه كيومِ ولدتْه أمه" (١٧) وذهب بعض المتأولين: إلى أن المراد بوضع الإثم عنه المتعجلُ دون المتأخر، ولكن ذُكرا معًا والمراد أحدُهما، كقوله: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ والجناح على الزوج؛ لأنه أخذ ما أعطى، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ ومثل هذا قوله: ﴿ نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾ ، نسب النسيان إليهما، والناسي أحدُهما، وقوله ﴿ يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ ﴾ ، وإنما يخرج من أحدهما (١٨) وقوله تعالى: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ قال النحويون: المعنى: ذلك لمن اتقى، أي: طَرْح المآثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا في حَجَّهما تضييع شيء مما حَدَّه الله وأمر به، حتى لا يظن أن من تعجل أو تأخر خرج عن الآثام دون أن يتقي، فيكون قوله: ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ خبرًا لمبتدأ محذوف (١٩) (٢٠) (٢١) ﴿ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ (٢٢) (٢٣) وقال ابن عباس في رواية العوفي والكلبي: طرح المأثم عن المتعجل والمتأخر يكون إذا اتَّقَيَا قَتْلَ الصيد، لا يحلُّ لأَحَدْ أن يَقْتُلَ صيدًا حتى تخلو أيام التشريق (٢٤) (٢٥) وقال أبو العالية: ذهب إِثْمُهُ كُلُّه إن اتقى فيما بقي من عمره (٢٦) ومعناه: التحذير من الاتكال على ما سلف من أعمال الحج والبر فيه، فبين أن عليهم مع ذلك ملازمةَ التقوى، ومجانبةَ الاغترار بالحال الأولى.
(١) سميت أيام التشريق بذلك؛ لأن الناس كانوا يشرقون اللحم تلك الأيام، وتشريق اللحم هو تقديده وبسطه في الشمس ليجف، وقيل: لأن الهدي والضحايا لا تنحر حتى تشرق الشمس، أي: تطلع.
ينظر: "النهاية" لابن الأثير ص 475.
(٢) قد حكى جماعة كثيرة من العلماء الإجماع على أن المراد بالأيام المعدودات هي أيام منى، منهم: الماوردي في: "النكت والعيون" 1/ 263، وابن عبد البر، نقله عنه القرطبي في "تفسيره" 3/ 1، والجصاص في "أحكام القرآن" 1/ 394، والكيا الهراسي في "أحكام القرآن" 1/ 178، والرازي في "تفسيره" 5/ 208، والقرطبي في "تفسيره" 3/ 1.
وقال النووي في "المجموع" 8/ 281: نقل القاضي أبو الطيب والعبدري وخلائق: إجماع العلماء على أن المعدودات هي أيام التشريق.
وذكر الطبري في "تفسيره" 2/ 302 - 303 هذا القول عن مفسري السلف، وقال: وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل، ثم أسند التفسير به عن ابن عباس وعطاء ومجاهد وإبراهيم والحسن وقتادة والسدي والربيع ومالك والضحاك وابن زيد.
ينظر: "الإجماع في التفسير" 216 وما بعدها.
(٣) زيادة من (ي).
(٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275، قال القرطبي في "تفسيره" 3/ 1: قال الكوفيون: الألف والتاء في (معدودات)؛ لأقل العدد، وقال البصريون: هما للقليل والكثير.
(٦) البيت في "ديوانه" ص 221.
"المقتضب" 2: 188 "الكتاب" لسيبويه 3/ 578 "الخصائص" 2/ 206، "المحتسب" 1/ 187، والغُر: البيض، جمع غرّاء، يريد بياض الشحم، يقول: جفاننا معدة للضيفان ومساكين الحي بالغداة وأسيافنا تقطر بالدم، لنجدتنا وكثرة حروبنا.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 275 - 276، وقد استشهد سيبويه في "الكتاب" 3/ 578 ببيت حسان على الجمع الكثير.
(٨) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 302، "تفسير الثعلبي" 2/ 614، "زاد المسير" 1/ 217.
(٩) ينظر: "تفسير الطبري" 2/ 204، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 140 - 142، وقال القرطبي 3/ 1.
أمر الله سبحانه عباده بذكره في الأيام المعدودات، وهي الثلاثة التي بعد يوم النحر، وليس يوم النحر منها، لإجماع الناس أنه لا ينفر أحد يوم النفر، وهو ثاني يوم النحر، ولو كان يوم النحر في المعدودات لساغ أن ينفر من شاء متعجلا يوم النفر؛ لأنه قد أخذ يومين من المعدودات.
(١٠) كونها أياما لرمي الجمار لا خلاف فيه، وكونها أياما للنحر وقع فيه الخلاف على أقوال: الأول: أن آخر أيام النحر اليوم الثاني من أيام التشريق، فتكون أيام النحر ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده، وهذا قول عمر وعلي وابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأنس، وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري.
والثاني: أن آخر أيام النحر هو آخر أيام التشريق، روي عن علي، وبه قال عطاء والحسن، وهو مذهب الشافعي.
والثالث: أن النحر في يوم النحر فقط وهو قول ابن سيرين.
والرابع: أن آخرها لأهل الأمصار يوم النحر، ولأهل منى اليوم الثاني من أيام التشريق، وبه قال سعيد بن جبير وجابر بن زيد.
والخامس: أن آخرها هلال المحرم، وبه قال أبو سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يِسار.
ينظر: "المغني" لابن قدامة 13/ 386.
(١١) رواه عن علي: ابن أبي شيبة في "المصنف" 2/ 165، وابن المنذر في "الأوسط" 4/ 300، والبيهقي في "تفسيره" 3/ 314.
(١٢) ينظر: "الأم" 1/ 275، "معرفة السنن والآثار" 5/ 104، "المجموع" 5/ 31، وقد وقع الخلاف في ابتداء التكبير عقب الصلوات المفروضات وانتهائه على ستة أقوال: الأول: ما ذكره المؤلف من مذهب علي، وبه قال عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود والثوري وأبو ثور، والشافعي في بعض أقواله، وأبو يوسف ومحمد، وهو مذهب أحمد لمن كان محلا، أما إن كان محرما فيبتدئ بالظهر من يوم النحر.
الثاني أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من يوم النحر، قاله ابن مسعود وعلقمة والنخعي وأبو حنيفة.
الثالث: من بعد صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد العصر من آخر أيام التشريق، قاله ابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وعطاء.
والرابع: أنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى ما بعد صلاة الظهر من يوم النفر، وهو الثاني من أيام التشريق، قاله الحسن.
والخامس: أنه يكبر من الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، قاله مالك وهو أحد قولي الشافعي.
والسادس: أنه يكبر من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهذا قول للشافعي.
ينظر: "زاد المسير" 1/ 217، "المغني" 3/ 288، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 142، "تفسير القرطبي" 3/ 4.
(١٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 622، وينظر: "تفسير الطبري" 2/ 305، "زاد المسير" 1/ 218، "تفسير القرطبي" 3/ 4.
(١٤) في (أ) و (م): ليوافق اللفظ ما لا يصح في المعنى.
(١٥) هو: منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب الكوفي، أحد الأئمة الثقات، وكان أثبتَ أهلِ الكوفة، اشتهر بالعبد والصلاح، ذكر العجلي أن فيه تشيعا قليلا وليس بمغال، توفي سنة 132 هـ ينظر: "الجرح والتعديل" 6/ 92، "تاريخ بغداد" 11/ 120.
(١٦) هو: سلمان أبو حازم الأشجعي الكوفي، روى عن ابن عمر وأبي هريرة، وروى == عنه منصور والأعمش، كان ثقة وله أحاديث صالحة، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة، توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز.
ينظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 140، "التقريب" ص 246 (2479).
(١٧) أخرجه البخاري (1820) كتاب الحج، باب: قول الله: ولا فسوق ولا جدال في الحج، ومسلم (1350) كتاب الحج، باب: في فضل الحج والعمرة.
(١٨) ينظر في ذكر هذه الأجوبة على هذا الإشكال الذي طرحه الواحدي: "تفسير الطبري" 2/ 305 - 307، "زاد المسير" 2/ 218، "التفسير الكبير" 5/ 210 - 211، "البحر المحيط" 2/ 112.
(١٩) ينظر: "المحرر الوجيز" 2/ 185، "التبيان" ص 126 - 127، وقال في "البحر المحيط" 2/ 112: قيل هو متعلق بقوله: واذكروا الله، أي: الذكر لمن اتقى، وقيل: المعنى: ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يختلج في قلبه شيء منهما فيحسب أن أحدهما آثام في الإقدام عليه، (٢٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 625.
(٢١) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 363.
(٢٢) من قوله: كان يقرأ القرآن ...
ساقطة من (م).
وهذه العبارة وردت مكررة في (أ) وفي الأولى منهما (لمن اتقى الله حجه).
(٢٣) رواه أبو عبيد في "فضائل القرآن" ص 291، والطبري في "تفسيره" 2/ 208 عن ابن جريج، وذكر القراءة: الثعلبي في "تفسيره" 2/ 626، وأبو حيان في "البحر المحيط" 2/ 113.
(٢٤) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 309، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 363 كلاهما من غير طريق العوفي والكلبي، وفي "الدر المنثور" 1/ 423، عزاه إلى سفيان بن عيينة وابن المنذر.
رواية العوفي أخرجها الطبري 2/ 309، وذكرها الثعلبي 2/ 625، ورواية الكلبي ذكرها الثعلبي 2/ 625، وأخرجها ابن أبي حاتم 2/ 363، من طريق سفيان عن رجل قد سماه عن أبي صالح عن ابن عباس به.
(٢٥) في (ي) (فإذا).
(٢٦) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 308، وفي "الدر المنثور" 1/ 425 عزاه إلى عبد بن حميد، وذكر النحاس في "معاني القرآن" 1/ 147، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 625.
<div class="verse-tafsir"
﴿ في أَيَّامٍ معدودات ﴾ ثلاثة بعد يوم النحر، وهي أيام التشريق، والذكر فيها: التكبير في أدبار الصلوات، وعند الجمار وغير ذلك ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ أي انصرف في اليوم الثاني من أيام التشريق ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ إلى اليوم الثالث فرمى فيه بقية الجمار، وأما المتععجل فقيل: يترك رمي الجمار اليوم، وقيل: يقدّمها في اليوم الثاني ﴿ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ في الموضعين، قيل إنه إباحة للتعجل والتأخر، وقيل: إنه إخبار عن غفران الإثم وهو الذنب للحاج، سوءا عجل أو تأخر ﴿ لِمَنِ اتقى ﴾ أما على القبأننى: فلا إثم عليه الإباحة، فالمعنى ان الإباحة في العجل والتأخر لمن اتقى ان يأثم فيهما، فقد أبيح له ذلك من غير إثم، وأمّا على القول: بأن معنى فلا إثم عليه إخبار بغفران الذنوب، فالمعنى أن الفغران إنما هو لمن اتقى الله في حجه، كقوله صلى الله عليه وسلم: «من حج هذا البيت، فلم يرفث، ولم يفسق: خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه» فاللام متعلقة إمّا بالغفران أو بالإباحة المفهومين من الآية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فلا رفث ولا فسوق ﴾ بالرفع فيهما: أبو عمرو ويعقوب وابن كثير ويزيد.
وزاد يزيد ﴿ ولا جدال ﴾ بالرفع.
الباقون: بفتح الثلاثة وكذلك يروي القطعي عن أبي زيد من طريق الحسن الهاشمي، ﴿ واتقون ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل.
وافق أبو عمرو ويزيد وإسماعيل في الوصل بالياء.
﴿ ومن تأخر ﴾ روى هبة الله بن جعفر عن الأصفهاني عن ورش والشموني وحمزة في الوقف بالتليين.
الوقوف: ﴿ معلومات ﴾ ط ﴿ في الحج ﴾ ط ﴿ يعلمه الله ﴾ ط ﴿ التقوى ﴾ ز للعارض بين الجملتين المتفقتين ﴿ الألباب ﴾ ه ﴿ من ربكم ﴾ ط لأن "إذا" أجيبت بالفاء فكانت شرطاً في ابتداء حكم آخر ﴿ الحرام ﴾ ص لعطف المتفقتين ﴿ هداكم ﴾ ج لأن الواو تصلح حالاً واستئنافاً.
﴿ الضالين ﴾ ه ﴿ واستغفروا الله ﴾ ج ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ ذكراً ﴾ ط ﴿ من خلاق ﴾ ه ﴿ النار ﴾ ه ﴿ مما كسبوا ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه نصف الجزء.
﴿ معدودات ﴾ ط لأن الشرط في بيان حكم آخر ﴿ عليه ﴾ الأولى ط لابتداء شرط آخر مع العطف ﴿ عليه ﴾ الثانية لا لتعليق اللام.
﴿ اتقي ﴾ ط لاختلاف النظم ﴿ تحشرون ﴾ ه.
التفسير: من المعلوم أن الحج ليس نفس الأشهر، فالتقدير أشهر الحج أو وقته أشهر معلومات كقولك "البلد شهران".
أو الحج حج أشهر معلومات أي لا حج إلا فيها خلاف ما كان عليه أهل الجاهلية من النسيء.
وقيل: يمكن أن يقال: جعل الحج نفس الأشهر كما في قولهم "ليل قائم ونهار صائم" واتفق المفسرون على أن شوّالاً وذا القعدة من أشهر الحج.
واختلفوا في ذي الحجة فعن عروة بن الزبير ومالك كله لأن أقل الجمع ثلاثة، وقد يفعل الإنسان بعد النحر ما يتصل بالحج من رمي الجمار ونحوه.
والمرأة إذا حاضت فقد تؤخر الطواف الذي لا بد منه إلى أيام بعد الشهر، من هنا ذهب عروة إلى جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر.
وعن أبي حنيفة: عشر ذي الحجة وهو قول ابن عباس وابن عمرو النخعي والشعبي ومجاهد والحسن قالوا: لفظ الجمع يشترك فيما وراء الواحد بدليل قوله ﴿ فقد صغت قلوبكما ﴾ ونزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال "رأيتك سنة كذا" وإنما رآه في ساعة منها.
ورمي الجمار يفعله الإنسان وقد حل بالحلق والطواف والنحر من إحرامه فكأنه ليس من أعمال الحج.
والحائض إذا طاف بعده فهو في حكم القضاء.
وإنما قلنا إن يوم النحر من أشهر الحج لأنه وقت لركن من أركان الحج وهو طواف الزيارة.
ومن المفسرين من زعم أن يوم الحج الأكبر يوم النحر.
وعن الشافعي: التسعة الأولى من ذي الحجة من ليلة النحر، لأن الحج يفوت بطلوع يوم النحر ولا تفوت العبادة مع بقاء وقتها.
قيل: إنه جعل كل الأهلة مواقيت للحج في قوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ وفي هذه الآية جعل وقت الحج أشهر معلومات.
وأجيب بأن تلك الآية عامة وهذه خاصة والخاص مقدم على العام.
وأقول: الميقات علامة الوقت فلولا الأهلة لم يعلم مدخل كل شهر على التعيين.
فجميع الأهلة في الإعلام سواء بالنسبة إلى وقت مفروض، فلا منافاة بين كون جميع الأهلة علامات الحج من حيث إنها تؤذن بما بقي من السنة إلى أوان الحج، وبين كون الأشهر المعلومات وقتاً للحج، ومعنى قوله ﴿ معلومات ﴾ أن الحج إنما يكون في السنة مرة واحدة في أشهر معينة من شهورها ليس كالعمرة التي يؤتى بها في السنة مراراً، وأحالهم في معرفة تلك الأشهر على ما كانوا علموه قبل نزول هذا الشرع.
وعلى هذا فهذا الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء موافقاً مقرراً له.
أو المراد أنها معلومات ببيان الرسول، أو المراد أنها مؤقتة بأوقات معينة لا يجوز تقديمها وتأخيرها كما يفعله أصحاب النسيء.
ثم إن الشافعي استدل بالآية على أنه لا يجوز لأحد أن يهل بالحج قبل أشهر الحج، وبه قال أحمد وإسحق.
وأيضاً الإحرام بالعبادة قبل وقت الأداء لا يصح قياساً على الصلاة.
وأيضاً الخطبة في صلاة الجمعة لا تجوز قبل الوقت لأنها أقيمت مقام ركعتين من الظهر حكماً، فلأن لا يصح الإحرام وهو شروع في العبادة أولى.
وأيضاً الإحرام لا يبقى صحيحاً لأداء الحج إذا ذهب وقت الحج قبل الأداء، فلأن لا ينعقد صحيحاً لأداء الحج قبل الوقت أولى لأن البقاء أسهل من الابتداء.
وعن أبي حنيفة ومالك والثوري: جواز الإحرام في جميع السنة لقوله ﴿ قل هي مواقيت للناس والحج ﴾ والجواب ما مر.
قالوا: الإحرام التزام الحج فجاز تقدمه قبل الوقت كالنذر.
والجواب الفرق بين النذر والإحرام، فإن الوقت معتبر للأداء ولا اتصال للنذر بالأداء بدليل أن الأداء لا يتصور إلا بعقد مبتدأ، وأما الإحرام مع كونه التزاماً فهو أيضاً شروع في الأداء وعقد عليه فلا جرم افتقر إلى الوقت.
قالوا: اشتهر عن أكابر الصحابة أنهم قالوا: من إتمام الحج أن يحرم المرء من دويرة أهله.
وقد تبعد داره بعداً شديداً يحتاج إلى أن يحرم قبل شوال.
والجواب أن النص لا يعارضه الأثر على أنه يمكن تخصيص الأثر في حق من لا يكون داره سحيقاً ﴿ فمن فرض فيهن الحج ﴾ فمن ألزم نفسه في هذه الشهور أن يحج.
وبماذا يحصل هذا الإلزام المسمى بالإحرام لأنه يحرم عليه حينئذ أشياء كانت حلالاً له.
قال الشافعي: إنه ينعقد الإحرام بمجرد النية من غير حاجة إلى التلبية.
نعم إنها سنة عند النية وبه قال أحمد ومالك لقوله ﴿ فمن فرض ﴾ وفرض الحج على النية أدل منه على التلبية أو سوق الهدي.
وفرض الحج موجب لانعقاد الحج بدليل قوله ﴿ فلا رفث ﴾ فوجب أن تكون النية كافية في انعقاد الحج.
وأيضاً قال "لكل امرئ ما نوى" وأيضاً إنه عبادة ليس في آخرها ولا في أثنائها نطق واجب، فكذلك في ابتدائها كالطهارة والصوم.
وعند أبي حنيفة: التلبية شرط انعقاد الإحرام لإطباق الناس على الاعتناء به عند الإحرام إلا أن سوق الهدي وتقليده والتوجه معه يقوم مقام التلبية.
وعن ابن عمر أنه قال: إذا قلد أو أشعر فقد أحرم.
وعن ابن عباس: إذا قلد الهدي وصاحبه يريد العمرة أو الحج فقد أحرم.
وروى أبو منصور الماوردي في تفسيره عن عائشة أنها قالت: لا يحرم إلا من هل أو لبى.
وأيضاً إن الحج عبادة لها تحليل وتحريم فلا يشرع فيها بنفس النية كالصلاة.
وصورة التلبية ما روي عن النبي أنه قال: "لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك" ، ولا تكره الزيادة على هذا.
روي عن ابن عمر أنه كان يزيد فيها.
لبيك لبيك لبيك وسعديك والخير بيديك لبيك والرغبى إليك والعمل.
فإن رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.
ثبت ذلك عن رسول الله .
وفي بعض الروايات أنه قال في تلبيته: لبيك حقاً تعبداً ورقاً.
قال الشافعي في أصح قوليه: الأفضل أن ينوي ويلبي حين تنبعث به راحلته إن كان راكباً، وحين يتوجه إلى الطريق إن كان ماشياً لما روي أنه لم يهل حتى انبعثت به دابته، قال إمام الحرمين: ليس المراد من انبعاث الدابة ثورانها، بل المراد استواؤها في صوب مكة.
فإذا استوت به راحلته متوجهاً إلى الطريق نوى: اللهم إني أريد الحج فيسره لي وتقبله مني ولبى.
وإن كان يريد القران نوى الحج والعمرة، وإن كان يريد العمرة نوى العمرة ولبى.
والقول الثاني وبه قال أحمد ومالك وأبو حنيفة أن الأفضل أن ينوي ويلبي كما تحلل من الصلاة أي من ركعتي الإحرام وهو قاعد.
ثم يأخذ في السير لرواية ابن عباس أن النبي صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، وتكثير التلبية في دوام إلا حرام مستحب قائماً كان أو قاعداً راكباً أو ماشياً حتى في حالة الجنابة والحيض لأنه ذكر لا إعجاز فيه فأشبه التسبيح، "قال لعائشة ا حين حاضت: افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت" .
قوله عز من قائل ﴿ فلا رفث ولا فسوق ولا جدال ﴾ من قرأ بفتح الثلاثة أو برفعها فلا إشكال، ومن قرأ برفع الأولين وفتح الأخير فقيل: لأن الأولين محمولان على معنى النهي كأنه قيل: فلا يكونن رفث ولا فسوق، ثم أخبر بانتفاء الجدال أي لا شك ولا خلاف في الحج.
وذلك أن قريشاً كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام، وسائر العرب يقفون بعرفة، وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء، فرد إلى وقت واحد، ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله أنه قد ارتفع الخلاف في الحج، وربما يستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كهيئته يوم ولدته أمه" وإنه لم يذكر الجدال.
وقيل: الاهتمام بنفي الجدال أشد من الاهتمام بنفي الرفث والفسوق فلذلك قرئ كذلك.
أما الأوّل فلأن الرفث عبارة عن قضاء الشهوة، والجدال مشتمل على ذلك لأن المجادل يشتهي تمشية قوله، والفسوق عبارة عن مخالفة أمر الله، والمجادل لا ينقاد للحق.
وكثيراً ما يقدم على الإيذاء والإيحاش المؤدي إلى العداوة والبغضاء، فدل على أن الجدال مشتمل على جميع أنواع القبح.
وأما أن القراءة تفيد ذلك فلأن الفتح يقتضي نفي الماهية، وانتفاؤها يوجب انتفاء جميع أفرادها.
وأما الرفع فلا يوجب انتفاء جميع أفراد الماهية بل يجوّز، فيكون الفتح أدل على عموم النفي.
أما تفسير الرفث فعن ابن عباس هو الجماع، وله في العمرة والحج نتائج منها.
فساد النسك يروى ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من الصحابة، واتفق الفقهاء عليه بعدهم، وإنما يفسد الحج بالجماع إذا وقع قبل التحللين لقوّة الإحرام.
ولا فرق بين أن يقع قبل الوقوف بعرفة أو بعده خلافاً لأبي حنيفة حيث قال: لا يفسد بالجماع بعد الوقوف ولكن يلزمه الفدية.
وأما الجماع بين التحللين فلا أثر له في الفساد على الصحيح.
وعن مالك وأحمد أنه يفسد ما بقي شيء من إحرامه، وتفسد العمرة أيضاً بالجماع قبل حصول التحلل.
ووقت التحلل عنها بعد الفراغ من الحلق بناء على أنه نسك وهو الأصح، فتفسد العمرة بالجماع قبل الحلق، واعلم أن للعمرة تحللاً واحداً وذلك إذا طاف وسعى وحلق، وللحج تحللان وذلك أنه إذا أتى باثنين من الرمي والنحر والحلق والطواف أعني الرمي والحلق، أو الرمي والطواف، أو الحلق والطواف، حصل التحلل الأول وهو إباحة جميع المحظورات من التطيب والقلم ولبس المخيط وقتل الصيد وعقد النكاح إلا الجماع فإنه لا يحل إلى الإتيان بالأمر الثالث، فإذا أتى به حل الجماع أيضاً وهو المراد بالتحلل الثاني قال الأئمة: الحج يطول زمانه وتكثر أعماله بخلاف العمرة فأبيح بعض محظوراته دفعة وبعضها أخرى.
قال "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب واللباس وكل شيء إلا النساء" واللواط وإتيان البهيمة في الإفساد كالوطء في الفرج وبه قال أحمد خلافاً لأبي حنيفة فيهما ولمالك في إتيان البهيمة، ثم سائر العبادات لا حرمة لها بعد الفساد ويصير الشخص بالفساد خارجاً منها، لكن الحج والعمرة وإن فسدا يجب امضي فيهما وذلك بإتمام ما كان يفعله لولا عروض الفساد روي عن عمر وعلي وابن عباس وغيرهم من أفسد حجه مضى في فاسده وقضى من قابل.
ومن نتائج الفساد الكفارة يستوي فيها الحج والعمرة.
وخصالها خمس على الترتيب بدنة إن وجدها لأن الصحابة نصوا على البدنة وإلا فبقرة وإلا فسبع من الغنم وإلا قومت البدنة دراهم والدراهم طعاماً فإن لم يجد الطعام صام عن كل مد يوماً.
ومن النتائج القضاء باتفاق لما روينا عن كبار الصحابة وقضى من قابل، سواء كان المقضي عنه فرضاً أو تطوعاً فإن القضاء واجب، وأصح الوجهين في القضاء أنه على الفور لا على التراخي، لأنه لزم وتضيق بالشروع ويدل عليه ظاهر قول الصحابة و "قضى من قابل".
وكذا الكلام فيمن ترك الصوم أو الصلاة بعدوان على الأشبه، لأن جواز التأخير نوع ترفيه وتخفيف والمعدي لا يستحق ذلك.
ولو كانت المرأة محرمة نظر إن جامعها وهي نائمة أو مكرهة لم يفسد حجها وإلا فسد، ولكن لا يجب على أصح القولين إلا بدنة واحدة عنهما جميعاً.
وإذا أفسد حجه بالجماع ثم جامع ثانياً فإن لم يفد عن الأول لزم بدنة أخرى.
وإن فدى لم يلزم إلا شاة.
وعن الحسن: الرفث كل ما يتعلق بالجماع، فليس للمحرم التقبيل بالشهوة ولا المباشرة فيما دون الفرج.
فلو باشر شيئاً منها عمداً فالفدية.
روي عن علي وابن عباس أنهما أوجبا بالقبلة شاة وإن كان ناسياً لم يلزمه شيء ولا يفسد شيء من مقدمات الجماع الحد ولا يوجب البدنة بحال سواء أنزل أو لم ينزل، وبه قال أبو حنيفة، وعند مالك يفسد الحج إذا أنزل وهو أظهر الروايتين عن أحمد.
وقيل: الرفث باللسان ذكر المجامعة وما يتعلق بها.
والرفث باليد اللمس والغمز، والرفث بالفرج الجماع.
وقيل: الرفث هو قول الخنا والفحش لقوله "إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم" وعن أبي عبيدة: الرفث الإفحاش وعنه الرفث اللغو في الكلام.
وأما الفسوق فهو الخروج عن الطاعة وحدود الشريعة فيشمل كل المعاصي قال ﴿ ففسق عن أمر ربه ﴾ وقيل: هو التنابز بالألقاب والسباب قال ﴿ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ﴾ وقال "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر" وقيل الإيذاء والإيحاش ﴿ ولا يضارّ كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم ﴾ وعن ابن زيد: هو الذبح للأصنام ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وأنه لفسق ﴾ وقيل: الرفث هو الجماع ومقدماته مع الحليلة والفسوق ذلك مع الأجنبية.
وأما الجدال فإنه فعال من المجادلة وأصله من الجدل والفتل كأن كل واحد من الخصمين يروم أن يفتل صاحبه عن رأيه.
واختلف المفسرون فيه.
فعن الحسن: هو الجدال الذي يفضي إلى السباب والتكذيب والتجهيل، وإنه واجب الاجتناب في كل حال إلا أنه مع الرفقاء وفي الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة، وقال محمد بن كعب القرظي: إن قريشاً كانوا إذا اجتمعوا بمنى قال بعضهم: حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
وقال آخرون: بل حجنا أتم.
فنهاهم الله عن ذلك.
وقال مالك في الموطأ: الجدال في الحج أن قريشاً كانوا يقفون عند المشعر الحرام في المزدلفة بفزح وإنه جبل هناك، وكان غيرهم يقفون بعرفات، وكل من الفريقين يقول: نحن أصوب.
وقال القاسم بن محمد: كانوا يجعلون الشهور على العدد فيختلفون في يوم النحر بسبب ذلك.
فبعضهم يقول هذا يوم عيد، ويقول آخرون بل غداً فكأنه قيل لهم: قد بينا لكم أن الأهلة هي مواقيت الحج فاستقيموا على ذلك ولا تجادلوا فيه.
قال القفال: ويدخل في هذا النهي ما جادلوا فيه رسول الله حين أمرهم بفسخ الحج إلى العمرة فشق ذلك عليهم وقالوا: نروح إلى منى ومذاكيرنا تقطر منياً.
فقال "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولجعلتها عمرة" فتركوا الجدال حينئذ.
وقال عبد الرحمن بن زيد: جدالهم في الحج اختلافهم في أن أيهم المصيب مقام إبراهيم.
وقيل: إنه النسيء نهوا عن ذلك فإن الزمان قد عاد إلى ما كان عليه الحج في وقت إبراهيم ، قال القاضي أبو بكر الباقلاني: لو حمل النفي في الألفاظ الثلاثة على الخبر وجب أن يحمل الرفث على الجماع، والفسوق على الزنا، والجدال على الشك في الحج، ليصح خبر الله بأن هذه الأشياء لا توجد مع الحج المعتبر.
وإن حملنا الكلام على النهي صح أن يراد بالرفث الجماع ومقدماته وقول الفحش، وبالفسوق جميع أنواعه، وبالجدال جميع أصنافه، فعلى هذا يكون في الآية بعث على الأخلاق الحميدة والآداب الحسنة.
وبالحقيقة لا رفث نهي عن طاعة القوّة الشهوية التي توجب الانهماك في الفجور، ولا فسوق إشارة إلى قهر القوّة الغضبية الداعية إلى التمرد والاستعلاء، ولا جدال رمز إلى تسخير القوّة الوهمية التي تحمل الإنسان على الخلاف في ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه، فمنه تنشأ الآراء المتخالفة والأهواء المتصادمة والعقائد الفاسدة والمذاهب الباطلة.
واعلم أن الجدال ليس منهياً عنه بجميع أقسامه وإنما المذموم منه هو الذي منشأه صرف العصبية ومخض المراء لتنفيذ الآراء الزائفة وتحصيل الأعراض الزائلة والأغراض الفارغة، وأما الذب عن الدين القويم والدعاء إلى الصراط المستقيم وإلزام الخصم الألد وإفحام المعاند اللجوج بمقدمات مشهورة وآراء محمودة حتى يستقر الحق في مركزه ويضمحل صولة الباطل ويركد ريحه فمأمور به في قوله عز من قائل ﴿ وجادلهم بالتي هي أحسن ﴾ وإنه إحدى شعب البيان وقد يكون أنجع من قاطعة البرهان ﴿ وما تفعلوا من خير يعلمه الله ﴾ لم يتعرض لمقابل الخير وإن كان عالماً به أيضاً لنكتة هي أني إذا علمت منك الخير ذكرته وشهرته، وإذا علمت منك ضده أخفيته وسترته لتعلم أنه إذا كانت رحمتي بك هكذا في الدنيا فكيف تكون في العقبى؟
وفيه ترغيب للمطيعين وإيذان بأنهم من المحسنين "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" والعبد الصالح إذا علم اطلاع مولاه على سرائره وخفاياه اجتهد في أداء ما أمره به، واحترز عن ارتكاب ما نهاه عنه، ومن غاية عنايته حثهم على الخير بعدما نهاهم عن الشر ليستعملوا مكان الرفث التفث، وبدل الفسوق رعاية الحقوق، ومقام الجدال والشقاق الوفاق مع الرفاق تتميماً لمكارم الأخلاق وتنبيهاً على شرف النفس وطيب الأعراق بدليل قوله ﴿ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ﴾ أي اجعلوا زادكم إلى الآخرة اتقاء القبائح فإن ذلك خير الزاد.
وليس السفر من الدنيا أهون من السفر في الدنيا، وهذا لا بد له من زاد فكذا ذلك.
بل يزداد فإن زاد الدنيا يخلصك عن عذاب منقطع موهوم، وزاد الآخرة ينجيك من عذاب أبديّ معلوم.
زاد الدنيا يوصلك إلى متاع الغرور، وزاد الآخرة يبلغك دار السرور.
وزاد الدنيا سبب حصول حظوظ النفس، وزاد الآخرة سبب الوصول إلى عتبة الجلال والقدس.
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى *** ولاقيت بعد الموت من قد تزوّدا ندمت على أن لا تكـون كمثلــه *** وأنك لم ترصد كما كان أرصـدا وقيل: نزلت في ناس من اليمن كانوا يحجون بغير زاد ويقولون: نحن متوكلون.
ثم كانوا يسألون الناس وربما ظلموهم وغصبوهم فأمرهم الله أن يتزوّدوا ما يتبلغون به فإن خير الزاد ما تكفون به وجوهكم عن السؤال وأنفسكم عن الظلم.
وفيه دليل على أن القادر على استصحاب الزاد في السفر، إذا لم يستصحب عصى الله في ذلك، ففيه إبطال حكمة الله ورفع الوسائط والروابط التي عليها تدور المناجح وبها تنتظم المصالح.
روي أن بعض العارفين زهد فبلغ من زهده أن فارق الناس وخرج من الأمصار وقال: لا أسأل أحداً شيئاً حتى يأتيني رزقي.
فأخذ يسيح فأقام في سفح جبل سبعاً لم يأته شيء حتى كاد يتلف.
فقال: يا رب إن أحببتني فأتني برزقي الذي قسمت لي وإلا فاقبضني إليك.
فألهمه الله في قلبه: وعزتي وجلالي لا أرزقك حتى تدخل الأمصار وتقيم بين الناس فدخل المدينة وأقام بين ظهراني الناس فجاء هذا بطعام وهذا بشراب فأكل وشرب فأوجس في نفسه من ذلك، فسمع أردت أن تبطل حكمته بزهدك في الدنيا، أما علمت أنه يرزق العباد بأيدي العباد أحب إليه من أن يرزقهم بيد القدرة.
وقيل: في الآية حذف أي تزودوا لعاجل سفركم وللآجل فإن خير الزاد التقوى واتقون وخافوا عقابي.
وفيه تنبيه على كمال عظمته كقوله "أنا أبو النجم وشعري شعري" ﴿ يا أولي الألباب ﴾ يعني أن قضية العقل تقوى الله ومن لم يتقه فلا لب له في التحقيق.
ولما منع الناس عن الجدال اختلج في قلب المكلف شبهة أن التجارة لكونها مفضية في الأغلب إلى النزاع في قلة القيمة وكثرتها يجب أن تكون منهية.
وأيضاً أنها كانت محرمة في الجاهلية وقت الحج وأنه أمر غير مستحسن ظاهراً لأن المشتغل بخدمة الله يجب أن لا يتلوث بالأطماع الدنيوية.
وأيضاً كان من الممكن أن تقاس التجارة على سائر المباحات من الطيب والمباشرة ولاصطياد في كونها محظورة بالإحرام فلدفع هذه الشبهة نزلت.
﴿ ليس عليكم جناح أن تبتغوا ﴾ أي في أن تطلبوا ﴿ فضلاً من ربكم ﴾ عطاء منه وتفضلاً أو زيادة في الرزق بسبب التجارة والربح بها كقوله ﴿ وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله ﴾ عن أبي مسلم: أنه حمل الآية على ما بعد الحج.
قال: والتقدير واتقون في كل أفعال الحج، ثم بعد ذلك ليس عليكم جناح أن تبتغوا كقوله ﴿ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ وزيف بأن حمل الآية على موضع الشبهة أولى من حملها لا على موضع الشبهة، ومحل الاشتباه هو التجارة في زمان الحج، وأما بعد الفراغ فالحل معلوم، وقياس الحج على الصلاة فاسد، فإن الصلاة أعمالها متصلة فلا يحل في أثنائها التشاغل بغيرها، وأعمال الحج متفرقة تحتمل التجارة في خلالها.
وأيضاً الفاء في قوله ﴿ فإذا أفضتم ﴾ ظاهرة في أن هذه الإفاضة حصلت عقيب ابتغاء الفضل وذلك يدل على أن المراد وقوع التجارة في زمان الحج ويؤيده قراءة ابن عباس ﴿ فضلاً من ربكم في مواسم الحج ﴾ وقال ابن عباس في سبب نزول الآية كانوا يتأثمون أن يتجروا أيام الحج وإذا دخل العشر بالغوا في الكف عن البيع والشراء فلم يقم لهم سوق، ويسمون من يخرج للتجارة الداج ويقولون: هؤلاء الداج وليسوا بالحاج ومعنى الداج الأعوان والمكارون من الدجيج وهو الدبيب في السير.
قال ابن السكيت: لا يطلق الدجيج إلا إذا كان جماعة ولا يقال ذلك للواحد.
وقيل: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقهم في الجاهلية يتجرون فيها في أيام الموسم، وكانت معايشهم منها.
فلما جاء الإسلام تأثموا فرفع عنهم الحرج.
ومن المعلوم أنه إنما يباح ما لم يشغل عن العبادة.
وعن ابن عمر أن رجلاً قال له: إنا قوم نكرى في هذا الوجه يعني في طريق الحج، وإن قوماً يزعمون أن لا حج لنا.
فقال: سأل رجل رسول الله عما سألت عنه فلم يرد عليه حتى نزل ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فدعا به فقال: أنتم حجاج.
وعن عمر أنه قيل له: هل كنتم تكرهون التجارة في الحج؟
فقال: وهل كانت معايشنا إلا من التجارة في الحج؟!
وعن جعفر الصادق : أن ابتغاء الفضل ههنا طلب أعمال أخر زائدة على أعمال الحج موجبة لفضل الله ورحمته كإعانة الضعيف وإغاثة الملهوف وإطعام الجائع وإرواء العطشان.
واعلم أن الفضل ورد في القرآن بمعان، منها ما يتعلق بالمصالح الدنيوية من المال والجاه والغذاء واللباس وهو المسمى بالرزق ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ﴾ ومنها ما يتعلق بالمصالح الأخروية وهو الفضل والثواب والجنة والرحمة ﴿ تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ﴾ ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان ﴾ ومنها ما يتعلق بمواهب القربة ﴿ ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ﴾ ﴿ وكان فضل الله عليك عظيماً ﴾ ورفع الجناح قد يستعمل في الواجب والمندوب مثل ما يستعمل في المباح كما مر في قوله ﴿ فلا جناح عليه أن يطوّف بهما ﴾ .
﴿ فإذا أفضتم ﴾ أي دفعتم بكثرة ومنه إفاضة الماء وهو صبه بكثرة.
التقدير: أفضتم أنفسكم.
فترك ذكر المفعول كما ترك في قولهم دفعوا من موضع كذا وصبوا.
وعرفات جمع عرفة وكلاهما علم للموقف كأن كل قطعة من تلك الأرض عرفة فسمي مجموع تلك القطعة بعرفات كما قيل في باب الصفة "ثوب أخلاق" و "برمة أعشار" ثم سئل: هلا منعت الصرف وفيها سببان التعريف والتأنيث؟
فقيل: إنه لم يبق علماً بعدما جمع ثم جعل علماً لمجموع القطع فتركوها بعد ذلك على أصلها في الصرف.
وقيل: إن هذا التنوين تنوين المقابلة في نحو "مسلمات" ومن ذهب إلى أن تنوين المقابلة لا وجود له كجار الله وكثير من المتأخرين.
وأن هذا التنوين تنوين الصرف.
قالوا: إنما لم يسقط لأن التأنيث في نحو "مسلمات وعرفات" ضعيف.
فإن التاء التي هي لمحض التأنيث سقطت، والباقية علامة لجمع المؤنث، وزيف بأن عرفات مؤنث.
وإن قلنا إنه لا علامة تأنيث فيها لا متمحضة للتأنيث ولا مشتركة لأنه لا يعود الضمير إليها إلا مؤنثاً تقول "هذه عرفات مباركاً فيها" ولا يجوز "مباركاً فيه" إلا بتأويل بعيد كما في قوله "ولا أرض أبقل إبقالها" فتأنيثها لا يقصر عن تأنيث مصر الذي هو بتأويل البقعة.
وقال بعض المتأخرين: الأولى أن يقال: إن التنوين للصرف وإنما لم يسقط في نحو "عرفات" لأنه لو سقط لتبعه الكسر في السقوط وتبع النصب وهو خلاف ما عليه الجمع السالم، إذ الكسر فيه متبوع لا تابع فهو فيه كالتنوين في غير المنصرف للضرورة لم يحذفا لمانع.
هذا مع أنه جوز المبرد والزجاج ههنا مع العلمية حذف التنوين وإبقاء الكسر كبيت امرئ القيس في رواية.
تنورتها من أذرعات وأهلها *** بيثرب أدنى دارها نظر عالي وبعضهم يفتح التاء في مثله مع حذف التنوين كسائر ما لا ينصرف.
فعلى هذين الوجهين التنوين للظرف بلا خلاف، والأشهر بقاء التنوين في مثله مع العلمية.
وقيل: التنوين عوض من منع الفتحة.
واعلم أن اليوم الثامن من ذي الحجة يسمى بيوم التروية، واليوم التاسع منه يسمى بيوم عرفة.
وعرفة وعرفات هي الموضع المخصوص.
فقيل: التروية التفكر.
وسببه أن آدم لما أمر ببناء البيت فبناء تفكر فقال: يا رب إن لكل عامل أجراً فما أجري على هذا العمل؟
قال: إذا طفت به غفرت لك ذنوبك بأول شوط من طوافك.
قال يا رب زدني قال: أغفر لأولادك إذا طافوا به.
قال: زدني، فقال: أغفر لكل من استغفر له الطائفون من موحدي أولادك.
قال: حسبي يا رب حسبي.
وقيل: إن إبراهيم رأى في منامه ليلة التروية كأنه يذبح ابنه فأصبح متفكراً هل هذا من الله أو من الشيطان، فلما رآه ليلة عرفة يؤمر به أصبح فقال: عرفت يا رب أنه من عندك.
وقيل: إن أهل مكة يخرجون يوم التروية إلى منى فيروّون في الأدعية التي يذكرونها في الغد بعرفات.
وقيل: التروية الإرواء فإن أهل مكة كانوا يجمعون الماء للحجيج الذي يقصدونهم من الآفاق فيتسعون في الماء بعدما تعبوا في الطريق من قلة الماء، أو لأنهم يتزوّدون الماء إلى عرفة، أو لأن المذنبين كالعطاش وردوا بحار الرحمة فشربوا منها حتى رووا.
أما يوم عرفة فقيل: إنه من المعرفة لأن آدم وحوّاء عليهما السلام التقيا بعرفة فعرف أحدهما صاحبه، عن ابن عباس أو لأن جبريل علم آدم مناسك الحج فلما وقف بعرفات قال له: أعرفت؟
قال: نعم.
أو لأن إبراهيم عرفها حين رآها بما تقدم من النعت والصفة.
عن علي وابن عباس وعطاء والسدي.
أو لأن جبريل عرف بها إبراهيم المناسك وقد مر في قوله ﴿ وأرنا مناسكنا ﴾ أو لأن إبراهيم وضع ابنه إسماعيل وأمه هاجر بمكة ورجع إلى الشام ولم يتلاقيا سنين ثم التقيا يوماً بعرفات، وقد سبقت القصة في بناء البيت في قوله ﴿ وإذ يرفع إبراهيم القواعد ﴾ ولما ذكرنا آنفاً من مقام إبراهيم أو لأن الحاج يتعارفون فيه إذا وقفوا، أو لأنه يتعرف فيه إلى الحاج بالمغفرة والرحمة.
وقيل: اشتقاقها من الاعتراف لأن الناس يعترفون هنالك للحق بالربوبية والجلال، ولأنفسهم بالفقر واختلاف الحال.
يقال: إن آدم وحوّاء لما وقفا بعرفات قالا ربنا ظلمنا أنفسنا، فقال الله : الآن عرفتما أنفسكما.
وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة لأن المذنبين يكتسبون بالمغفرة روائح طيبة عند الله مقام ضدها.
قال "خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك" وقد يسمى يوم عرفة يوم إياس الكفار من الإسلام ويوم إكمال الدين ويوم إتمام النعمة ويوم الرضوان أخذاً من قوله في المائدة ﴿ اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً ﴾ عن عمر وابن عباس: نزلت هذه الآية عشية يوم عرفة وكان يوم الجمعة والنبي واقف بعرفة في موقف إبراهيم في حجة الوداع وقد اضمحل الكفر وهدم منار الجاهلية.
فقال النبي : "لو يعلم الناس مالهم في هذه الآية لقرت أعينهم" .
قال يهودي لعمر: لو أن هذه الآية أنزلت علينا لتخذنا ذلك اليوم عيداً فقال عمر: أما نحن فجعلناه عيدين.
وكان ذلك يوم عرفة ويوم جمعة يوم صلة الواصلين ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ﴾ يوم قطيعة القاطعين ﴿ أن الله بريء من المشركين ورسوله ﴾ يوم إقالة عثرة النادمين وقبول توبة التائبين ﴿ ربنا ظلمنا أنفسنا ﴾ يوم وفد الوافدين في الخبر "الحاج وفد الله والحاج زوّار الله وحق على المزور الكريم أن يكرم زائره" يوم الحج الأكبر ﴿ وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر ﴾ يوم خص صومه بكثرة الثواب قال "صوم يوم التروية كفارة سنة وصوم يوم عرفة كفارة سنتين" وقال "من صام يوم التروية أعطاه الله مثل ثواب أيوب على بلائه، ومن صام يوم عرفة أعطاه الله مثل ثواب عيسى بن مريم" أقسم الله به في قوله عز من قائل ﴿ والشفع والوتر ﴾ عن ابن عباس: الشفع يوم التروية وعرفة، والوتر يوم النحر يوم خص بكثرة الرحمة وسعة المغفرة.
وعن عائشة أن رسول الله قال: "ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عبيداً من النار من يوم عرفة وإنه ليدنو يتجلى ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء اشهدوا ملائكتي أني قد غفرت لهم" ولا ضير أن نشير ههنا إلى أعمال الحج إشارة خفيفة.
اعلم أنه من دخل مكة محرماً في ذي الحجة أو قبله فإن كان مفرداً أو قارناً طاف طواف القدوم وأقام على إحرامه حتى يخرج إلى عرفات، وإن كان متمتعاً طاف وسعى وحلق وتحلل من عمرته وأقام إلى وقت خروجه إلى عرفات، وحينئذ يحرم من جوف مكة بالحج ويخرج، وكذلك من أراد الحج من أهل مكة.
والسنة للإمام أن يخطب بمكة اليوم السابع من ذي الحجة بعدما صلى الظهر خطبة واحدة يأمر الناس فيها بالذهاب غداً بعد أن يصلوا الصبح إلى منى، ويعلمهم تلك الأعمال.
ثم إن القوم يذهبون يوم التروية إلى منى بحيث يوافون الظهر بمنى ويصلون بها مع الإمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح من يوم عرفة، ثم إذا طلعت الشمس على ثبير توجهوا إلى عرفات، فإذا دنوا منها فالسنة أن لا يدخلوها بل تضرب قبة الإمام بنمرة.
روي أن النبي مكث حتى طلعت الشمس ثم ركب وأمر بقبة من شعر أن تضرب له بنمرة فنزل بها.
فإذا زالت الشمس خطب الإمام خطبتين يبين لهم مناسك الحج ويحرضهم على إكثار الدعاء والتهليل بالموقف، وبعد الفراغ من الخطبة الأولى جلس ثم قام وافتتح الخطبة الثانية والمؤذنون يأخذون في الأذان معه.
ويخفف بحيث يكون فراغه منها مع فراغ المؤذنين من الأذان، ثم ينزل فيقيم المؤذنون فيصلي بهم الظهر، ثم يقيمون في الحال فيصلي.
بهم العصر، وهذا الجمع متفق عليه.
ثم بعد الفراغ من الصلاة يتوجهون إلى عرفات فيقفون عند الصخرات لأن النبي وقف هناك، وإذا وقفوا استقبلوا القبلة ويذكرون الله ويدعونه إلى غروب الشمس.
والوقوف ركن لا يدرك الحج إلا به، ومن فاته ذلك فقد فاته الحج لقوله "الحج عرفة" فمن فاته عرفة فقد فاته الحج.
وقد يستدل بالآية أيضاً على ذلك لأنها دلت على ذكر الله عند المشعر الحرام عقيب الإفاضة من عرفات.
والإفاضة من عرفات لا تتصور إلا بعد الحصول بعرفات.
وجمهور الفقهاء على أن الوقوف بالمشعر الحرام ليس بركن لأنه أمر بالذكر عنده، فالوقوف به تبع لا أصل بخلاف الوقوف بعرفة لأنه جعله أصلاً حيث لم يقل فإذا أفضتم عن الذكر بعرفات.
ووقت الوقوف يدخل بزوال الشمس يوم عرفة ويمتد إلى طلوع الفجر من يوم النحر وذلك نصف يوم وليلة كاملة، وإذا حضر الحاج هناك في هذا الوقت لحظة واحدة من ليل أو نهار كفى.
وقال أحمد: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر يوم النحر.
وإذا غربت الشمس دفع الإمام من عرفات وأخر صلاة المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء بالمزدلفة.
قيل: سمي بها لأنهم يقربون فيها من منى والازدلاف القرب.
وقيل: لأن الناس يجتمعون بها، والازدلاف الاجتماع.
وقيل: لأنهم يزدلفون إلى الله أي يتقربون بالوقوف فيها.
ويقال: للمزدلفة جمعم لأنه يجمع فيها بين صلاتي المغرب والعشاء عن قتادة: وقيل: لأن آدم اجتمع فيها مع حواء وازدلف إليها أي دنا منها.
ثم إذا أتى الإمام المزدلفة جمع بين المغرب والعشاء بإقامتين.
ثم يبيتون بها فإن لم يبت بها فعليه دم شاة.
فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس.
والتغليس بالفجر ههنا أشد استحباباً منه في غيرها وهو متفق عليه.
فإذا صلوا الصبح أخذوا منها الحصى للرمي، يأخذ كل إنسان سبعين حصاة ثم يذهبون إلى المشعر الحرام، وهو جبل يقول له قزح فيرقى فوقه إن أمكنه أو وقف بالقرب منه إن أمكنه، ويحمد الله ويهلله ويكبره، ولا يزال كذلك حتى يسفر جداً، ثم يدفع قبل طلع الشمس.
ويكفي المرور كما في عرفة ثم يذهبون منه إلى وادي محسر، فإذا بلغوا بطن محسر فمن كان راكباً يحرك دابته، ومن كان ماشيا يسعى سعياً شديداً قدر رمية حجر.
فإذا أتى منى رمى جمرة العقبة من بطن الوادي بسبع حصيات ويقطع التلبية إذا رمى، ثم بعدما رمى جمرة العقبة ذبح الهدي إن كان معه هدي وذلك سنة لو تركه لا شيء عليه لأنه ربما لا يكون معه هدي.
ثم بعدما ذبح الهدي يحلق رأسه أو يقصر، ثم بعد الحلق أتى مكة ويطوف بالبيت طواف الإفاضة وهو الركن ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة، ثم بعد ذلك يعود إلى منى في بقية يوم النحر، وعليهم البيتوتة بمنى ليالي التشريق لأجل الرمي.
واعلم أن من مكة إلى منى فرسخين، ومن منى إلى عرفات فرسخين، ومزدلفة متوسطة بين منى وعرفات منها إلى كل واحد منهما فرسخ، ولا يقفون بها في سيرهم من منى إلى عرفات.
والحاصل أن أعمال الحج يوم النحر إلى أن يعود إلى منى أربعة: رمي جمرة العقبة والذبح والحلق والتقصير والطواف طواف الإفاضة ويسمى طواف الزيارة أيضاً لأنهم يأتون من منى زائرين للبيت ويعودون في الحال.
والترتيب في الأعمال الأربعة على النسق المذكور مسنون وليس بواجب.
أما أنه مسنون فلأن النبي فعلها، وأما أنه ليس بواجب فلماروي عن عبد الله بن عمرو قال: " وقف رسول الله بمنى للناس يسألونه فجاء رجل فقال: يا رسول الله إني حلقت قبل أن أرمي.
قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني ذبحت قبل أن أرمي قال: ارم ولا حرج.
وأتاه آخر فقال: إني أفضت إلى البيت قبل أن أرمي فقال: ارم ولا حرج، فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل ولا حرج" .
وعن مالك وأحمد وأبي حنيفة أن الترتيب بينها واجب ولو تركه فعليه دم على تفصيل ليس ههنا موضع بيانه.
ثم إن أهل الجاهلية كانوا قد غيروا مناسك الحج من سنة إبراهيم .
وذلك أن الحمس كانوا لا يقفون بعرفات ويقولون: لا نخرج من الحرم ولا نتركه في وقت الطاعة، وكان غيرهم يقفون بعرفة والذين كانوا يقفون بعرفة يفيضون قبل أن تغرب الشمس، والذين يقفون بمزدلفة إذا طلعت الشمس ويقولون: أشرق ثبير كيما نغير أي نسرع للنحر.
وقيل: أي ندفع من مزدلفة فندخل في غور الأرض.
وثبير جبل هناك فأمر الله نبينا بمخالفة القوم في الدفعتين فأمره بأن يفيض من عرفات بعد غروب الشمس.
وبأن يفيض من المزدلفة قبل طلوع الشمس، فإن السنة أيضاً من قبيل الوحي.
قال الواحدي: المشعر الحرام هو المزدلفة سماه الله بذلك لأن الصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده.
وقال في الكشاف: المشعر الحرام قزح وهو الجبل الذي يقف عليه الإمام وعليه الميقدة، أي: يوقد هناك النار في الجاهلية، قال: وقيل المشعر الحرام ما بين جبلي المزدلفة من مأزمي عرفة إلى وادي محسر، وليس المأزمان ولا وادي محسر من المشعر الحرام.
قال: والصحيح أنه الجبل لما روى جابر أن النبي لما صلى الفجر - يعني بالمزدلفة - بغلس ركب ناقته حتى أتى المشعر الحرام فدعا وكبر وهلل ولم يزل واقفاً حتى أسفر.
وقال: عند المشعر الحرام معناه ما يلي المشعر الحرام قريباً منه وذلك للفضل كالقرب من جبل الرحمة وإلا فالمزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، أو جعلت أعقاب المزدلفة لكونها في حكم المشعر ومتصلة به عند المشعر.
والمشعر المعلم لأنه معلم لعبادته ووصف بالحرام لحرمته.
وأما الذكر المأمور به هناك فقيل: هو الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء.
والصلاة تسمى ذكراً قال ﴿ وأقم الصلاة لذكري ﴾ والدليل عليه أن ﴿ فاذكروا ﴾ أمر فهو للوجوب ولا ذكر يجب هناك إلا هذا، والجمهور على أن المراد ذكر الله بالتسبيح والتحميد والتهليل.
عن ابن عباس أنه نظر إلى الناس ليلة جمع فقال: لقد أدركت الناس هذه الليلة لا ينامون ﴿ كما هداكم ﴾ "ما" مصدرية أو كافة.
أطلق الأمر بالذكر أوّلاً ثم قيده ثانياً.
والمعنى: اذكروه ذكراً حسناً كما هداكم هداية حسنة كي تكونوا شاكرين والهداية إما كل أنواع الهدايات أو الهداية إلى سنة إبراهيم في مناسك الحج، أو اذكروا كما علمكم كيف تذكرونه لا تعدلوا عنه بحسب الرأي والقياس، فإن أسماء الله توقيفية أو الذكر الأول محمول على الذكر باللسان، والثاني على الذكر بالقلب.
أو المعنى اذكروه بتوحيده كما ذكركم بهدايته، أو المراد بتثنية الأمر تكريره وتكثيره كقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً ﴾ وعلى هذا فيكون قوله ﴿ كما هداكم ﴾ متعلقاً بالأمرين جميعاً، أو الذكر الأول مقيد بأنه عند المشعر الحرام والثاني مطلق يدل على وجوب ذكره في كل مكان وعلى كل حال.
فالأول إقامة للوظيفة الشرعية والثاني ارتقاء إلى معارج الحقيقة وهو أن ينقطع القلب عن المشعر الحرام بل عن كل ما سواه من حلال وحرام.
أو المراد بالأول الجمع بين الصلاتين هناك وبالثاني التسبيح والتحميد ﴿ وإن كنتم من قبله ﴾ من قبل الهدى، أو من قبل الرسول، أو من قبل إنزال الكتاب الذي بين فيه معالم دينكم ﴿ لمن الضالين ﴾ الجاهلين لا تعرفون كيف تذكرونه وتعبدونه.
"وإن" هي المحففة من الثقيلة واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ﴿ ثم أفيضوا ﴾ في هذه الإفاضة قولان: أحدهما أنه الإفاضة من عرفات وعلى هذا فالأكثرون قالوا: إنه أمر لقريش وحلفائها وهم الحمس لأنهم كانوا لا يتجاوزون المزدلفة ويتعللون بأن الحرم أشرف من غيره، فالوقوف به أولى.
وبأنهم أهل الله وقطان حرمه فلا يليق بحالهم أن يساووا الناس بالوقوف في الموقف ترفعاً وكراً.
روي أن النبي لما جعل أبا بكر أميراً في الحج أمره بإخراج الناس إلى عرفات.
فلما ذهب مر على الحمس وتركهم فقالوا له: إلى أين وهذا مقام آبائك وقومك؟
فلا تذهب.
فلم يلتفت إليهم ومضى بأمر الله إلى عرفات ووقف بها وأمر سائر الناس بالوقوف بها.
والحاصل ثم لتكن إفاضتكم من حيث أفاض الناس الواقفون بعرفات لا من المزدلفة.
ومعنى "ثم" التفاوت بين الإفاضتين وأن الإفاضة المأمور بها صواب والأخرى خطأ كما تقول "أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم" تأتي بثم لتفاوت ما بين الإحسان إلى كريم والإحسان إلى غيره، وبهذا التحقيق لا يلزم عطف الشيء على نفسه.
وصيرورة المعنى: فإذا أفضتم من عرفات فأفيضوا من عرفات، ولا أن يقدر تقديم هذه الآية على ما قبلها في الوضع.
ومن القائلين بأن المراد الإفاضة من عرفات من قال إنه أمر الناس جميعاً.
وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ المراد به إبراهيم وإسماعيل فإن من سنتهما ذلك.
وروي أن النبي كان يقف في الجاهلية بعرفة كسائر الناس ويخالف الحمس.
وإيقاع اسم الجمع على الواحد جائز إذا كان رئيساً مقتدى به.
﴿ إن إبراهيم كان أمة ﴾ ﴿ الذين قال لهم الناس ﴾ يعني نعيم بن مسعود ﴿ إن الناس ﴾ يعني أبا سفيان.
ووجه ثالث وهو أن يكون قوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ عبارة عن تقادم الإفاضة من عرفات وأن ما عداه مبتدع كما يقال "هذا مما فعله الناس قديماً".
القول الثاني عن الضحاك أن المراد الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، وقوله ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل ومتبعيهما فإن طريقتهم الإفاضة من المزدلفة قبل طلوع الشمس على ما جاء به الرسول ، والعرب الذين كانوا واقفين بالمزدلفة كانوا يفيضون بعد طلوع الشمس فأمرهم الله بأن تكون إفاضتهم من المزدلفة في الوقت الذي كان يحصل فيه إفاضة إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام.
وأورد على هذا القول أن استعمال "حيث" للزمان قليل، ويمكن أن يجاب بأن القرآن أولى ما يحتج به.
وعن الزهري: أن الناس في هذه الآية آدم واحتج بقراءة سعيد بن جبير ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ بكسر السين اكتفاء من الياء بالكسرة من قوله ﴿ ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ﴾ والمعنى: أن الإفاضة من عرفات شرع قديم فلا تتركوه.
﴿ واستغفروا الله ﴾ من مخالفتكم في الموقف ونحو ذلك من جاهليتكم، وليكن الاستغفار باللسان مع التوبة بالقلب وهي أن يندم على كل تقصير منه في طاعة الله ويعزم أن لا يقصر فيما بعده ابتغاء لمرضاة الله لا للمنافع العاجلة.
والاستغفار بالحقيقة يجب على كل مكلف وإن لم يعلم من ظاهر حاله خطيئة فإن النقص لازم الإمكان، والقصور من خصائص الإنسان وكيف لا وقد قالت الملائكة وإنهم أرفع حالاً ما عبدناك حق عبادتك.
وصورة الاستغفار على ما روى البخاري في صحيحه عن شداد بن أوس أن النبي قال: "سيد الاستغفار أن يقول العبد اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك وأبوء بذنبي فاغفر لي ذنوبي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت" ولو اقتصر على قوله "أستغفر الله" كفى.
ولو زاد فقال: اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وأنت التواب الرحيم.
أو قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ذا الجلال والإكرام.
من كل ذنب أذنبته ومعصية ارتكبتها، وأتوب إليه من الذنب الذي أعلم ومن الذي لا أعلم كان حسناً.
﴿ إن الله غفور رحيم ﴾ بناءان للمبالغة كما مر مراراً.
واختلف أهل العلم في المغفرة الموعودة في هذه الآية.
فمن قائل إنها عند الدفع من عرفات إلى جمع بناء على القول الأول في الإفاضة، ومن قائل إنها عند الدفع من جمع إلى منى بناء على القول الآخر.
قوله عز من قائل ﴿ فإذا قضيتم مناسككم ﴾ أي فرغتم من عباداتكم التي أمرتم بها في الحج، أو من أعمال مناسككم إذ المناسك جمع المنسك.
وأنه يحتمل أن يكون مصدراً وأن يكون اسم مكان.
وعن مجاهد أن قضاء المناسك هو إراقة الدماء.
عن ابن عباس: أن العرب كانوا إذا فرغوا من حجهم بعد أيام التشريق يقفون بين مسجد منى وبين الجبل ويذكر كل واحد منهم فضائل آبائه في السماحة والحماسة وصلة الرحم ويتناشدون فيها الأشعار وغرضهم الشهرة والترفع بمآثر سلفهم.
فلما أنعم الله عليهم بالإسلام أمرهم أن يكون ذكرهم لربهم لا لآبائهم.
ثم الفاء في قوله ﴿ فاذكروا الله ﴾ تدل على أن الفراغ من المناسك يوجب هذا الذكر فلهذا قيل: هو الذكر على الذبيحة، وقيل: هو التكبيرات بعد الصلاة في أيام النحر والتشريق وقيل: هو الإقبال على الدعاء والاستغفار بعد الفراغ من الحج كالأدعية المأثورة عقيب الصلوات المكتوبة.
وقيل: معناه فإذا قضيتم مناسككم وأزلتم آثار البشرية وقهرتم القوى الطبيعية وأمطتم الأذى من طريق السلوك، فاشتغلوا بعد ذلك بتنوير القلب بذكر الله فإن التخلية ليست مقصودة بالذات، وإنما الغرض منها التخلية بمواجب السعادات الباقيات، فالأولى نفي والثاني إثبات.
ومعنى ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ توفروا على ذكر الله كما كنتم تتوفرون على ذكر الآباء، وأقيموا الثناء على الله مقام تعداد مفاخر الآباء فإنه إن كان كذباً أوجب الدناءة في الدنيا والعقوبة في العقبى، وإن كان صدقاً استتبع العجب والتباهي، وإن كانوا يذكرون الآباء ليتوسلوا بذلك إلى إجابة الدعاء فالإقبال بالكلية على مولي النعماء أولى مع أن حسنات آبائهم محبطة لسبب إشراكهم.
وعن الضحاك والربيع: اذكروا الله كذكركم آباءكم وأمهاتكم وذلك قول الصبي أول ما ينطق "أبه أبه أمه أمه" أي كونوا مواظبين على ذكر الله كما يكون الصبي في صغره مواظباً على ذكر أبيه وأمه، فاكتفي بالآباء عن الأمهات كقوله ﴿ سرابيل تقيكم الحر ﴾ وقال أبو مسلم: جرى ذكر الآباء مثلاً لدوام الذكر.
والمعنى: كما أن الرجل لا ينسى ذكر أبيه فكذلك يجب أن لا يغفل عن ذكر الله.
وقال ابن الأنباري: العرب أكثر أقسامها في الجاهلية بالآباء فقال : عظموا الله كتعظيمكم آباءكم.
وقد نهى رسول الله عن الحلف بالآباء وقال "من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت" وقيل: اذكروا الله بالوحدانية كذكركم آبائكم بالوحدانية فإن الواحد منكم لو نسب إلى والدين تأذى منه واستنكف.
وقيل: كما أن الطفل يرجع إلى أبيه في طلب المهمات وكفاية الملمات فكونوا أنتم في ذكر الله كذلك.
وعن ابن عباس معنى الآية أن تغضب لله إذا عصي أشد من غضبك لوالدك إذا ذكر بسوء.
وقوله ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ إما في موضع جر عطفاً على ما أضيف إليه الذكر في قوله ﴿ كذكركم ﴾ كما تقول "كذكر قريش آباءهم أو قوم أشد منهم ذكراً.
وإما في موضع نصف عطفاً على ﴿ آباءكم ﴾ بمعنى أو أشد ذكراً من آبائكم على أن ﴿ ذكراً ﴾ من فعل المذكور وهو الآباء لا فعل الذاكر وهو الأبناء، فإن الذكر بل كل فعل معتدٍ له اعتبارات اعتبار وقوعه على المفعول، واعتبار صدوره عن الفاعل.
وذلك الفعل بأحد الاعتبارين مغاير له بالاعتبار الآخر.
وإنما لزم اعتبار الفعل ههنا من جهة وقوعه على المفعول لأنّ الآباء المفضل عليهم المذكورون لا الذاكرون.
ويحتمل أن يقال: المعنى فاذكروا الله ذكراً مثل ذكركم آباءكم أو أشد ذكراً.
ولكن برد عليه أن أفعل إنما يضاف إلى ما بعده إذا كان من جنس ما قبله كقولك: "وجهك أحسن وجه" أي أحسن الوجوه.
فإذا نصب ما بعده كان غير الذي قبله كقوله "زيد أفره عبداً".
فالفراهة للعبد لا لزيد.
والمذكور قبل ﴿ أشد ﴾ ههنا هو الذكر والذكر لا يذكر حتى يقال "أشد ذكراً إنما قياسه أن يقال: الذكر أشد ذكر جراً إضافة.
وفيه وجه نصبه على ما قال أبو علي أن يجعل الذكر ذاكراً مجازاً.
ويجوز نسبة الذكر إلى الذكر بأن يسمع إنسان الذكر فيذكر، فكأن الذكر قد ذكر لحدوثه بسببه وعلى جميع الوجوه.
فمعنى "أو" ههنا ليس هو التشكيك وإنما المراد به النقل عن الشيء إلى ما هو أقرب وأولى كقول رجل لغيره "افعل هذا إلى شهر أو أسرع منه".
وإنما أمر الله تعالى أن يكون ذكره أشد لأن مفاخر آبائهم متناهية وصفاته الكمالية غير متناهية، وتلك مشكوكة وهذه متيقنة، وغاية الأول تضييع وحرمان، ولازم الثاني نور وبرهان.
ثم إنه تعالى بعدما أمر بالعبادة تصفية للنفس وتخلية لها عن ظلمات الكبر والضلال وأمر عقيب ذلك بتنوير الباطن بنور الجلال والجمال بكثرة الاشتغال بذكر الكبير المتعال، نبه على حسن طلب مزيد الإنعام والإفضال فذكر أن الناس فريقان: منهم من قصر دعاءه على طلب اللذات العاجلة، ومنهم من أضاف إلى ذلك الطلب نعيم الآخرة وأهمل القسم الثالث وهو أن يكون دعاؤه مقصوراً على طلب الآخرة تنبيهاً على أن ذلك غير مشروع ومن حقه أن لا يوجد، فإن الإنسان خلق ضعيفاً لا طاقة له بآلام الدنيا ولا بعذاب النار.
فالأولى به أن يستعيذ بربه من آفات الدنيا الآخرة.
عن أنس "أن النبي دخل على رجل يعوده وقد أنهكه المرض فقال له: ما كنت تدعو الله به؟
قال: كنت أقول: اللهم إذا كنت تعاقبني به في الآخرة فعجلنيه في الدنيا فقال النبي : سبحان الله إنك لا تطيق ذلك ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار؟
فدعا له رسول الله فشفي" .
والإنصاف أنه لو سلط الألم على عرق واحد في البدن أو على منبت شعرة واحدة عجز الإنسان عن الصبر عليه، وقد يفضي ذلك به إلى الجزع ويعوقه عن اكتساب الكمالات، ويحمله على إهمال وظائف الطاعات، ومن ذا الذي يستغني عن إمداد الله إياه في دنياه وعقباه؟!
ثم المقصرون في الدعاء على طلب الدنيا من هم؟
عن ابن عباس: أنهم المشركون كانوا يقولون إذا وقفوا: اللهم ارزقنا إبلاً وبقراً وغنماً وإماء وعبيداً.
وذلك لأنكارهم البعث والمعاد.
وعن أنس: كانوا يقولون: اسقنا المطر وأعطنا على عدوّنا الظفر، ويحكى عن أبي علي الدقاق أنه قال: أهل النار يستغيثون ثم يقولون: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله في الدنيا.
طلب المأكول والمشروب وفي النار طلب المأكول والمشروب، فلما غلبتهم شهواتهم افتضحوا في الدنيا والآخرة وقال الآخرون.
يحتمل أن يكونوا مسلمين وعوقبوا لأنهم سألوا الله في أعظم المواقف وأشرف المشاهد أخس البضائع وأدون المطالب المشبه تارة بكنيف وأخرى بأحقر من جناح بعوضة، معرضين عن العيش الباقي والنعيم المقيم.
وقوله ﴿ ربنا آتنا في الدنيا ﴾ متروك المفعول الثاني لأنه كالمعلوم، ويحتمل أن يكون من قولهم "فلان معط" أي موجد الإعطاء، معناه اجعل إعطاءنا في الدنيا خاصة.
واعلم أن مطامح النفس في الدنيا إحدى ثلاث خصال: روحانية هي تكميل القوة النظرية بالعلم وتتميم القوّة العملية بتحصيل الأخلاق الفاضلة، وبدنية هي الصحة والجمال، وخارجية هي الجاه والمال.
وكل من لا يؤمن بالبعث فإنه لا يطلب فضيلة روحانية ولا جسمانية إلا لأجل الدنيا.
فيطلب العلم لأجل الترفع على الأقران ويكتسب الأخلاق لتدبير الأمور المنزلية والمدنية.
فلما قال عز من قائل ﴿ وماله في الآخرة من خلاق ﴾ أي طلب نصيب حذف مفعول ﴿ آتنا ﴾ لأن كل من ليس له في الآخرة طلب، ولا لهمه إلى اقتناء السعادات الباقيات نزاع وطموح، فمطلوبه عبث وسفه ووبال وضلال أي شيء فرضت علماً وعملاً روحانياً أو جسمانياً.
اللهم اجعلنا ممن لا ينظر في أي شيء بنظر إلا إليك، ولا يرغب في كل ما يرغب إلا لأجل ما لديك إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين.
ثم إنه لم يذكر في هذه الآية أن هذا الفريق مجابة دعوتهم أولاً.
فقال طائفة من العلماء: إنهم ليسوا بأهل للإجابة، لأن كون الإنسان مجاب الدعوة صفة مدح ولا يليق إلا بأولياء الله والمرتضين من عباده وقال آخرون قد يكون الإنسان مجاباً لا كرامة واجتباء بل مكراً واستدراجاً ويؤيده قوله ﴿ من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب ﴾ وعلى هذا يصح أن يقال في الآية إضمار أي يقول: ربنا آتنا في الدنيا فيؤتيه الله في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق.
لأن همته مقصورة على الدنيا.
والحسنتان في دعاء الصالحين.
أما في الدنيا فالصحة والأمن والكفاية والولد الصالح والزوجة الصالحة والنصرة على الأعداء، وقد سمى الله الخصب والسعة في الرزق وما أشبه ذلك حسنة ﴿ إن تصبك حسنة تسؤهم ﴾ ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ قيل: إما النصرة وإما الشهادة.
وأما في الآخرة فالفوز بالثواب والخلاص من العقاب، ولأن دفع الضرر أهم من جلب النفع.
صرح بذلكفي قوله ﴿ وقنا عذاب النار ﴾ وهذه بالجملة كلمة جامعة لجميع خيرات الدنيا والآخرة.
روى حماد بن سلمة عن ثابت أنهم قالوا لأنس: ادع لنا فقال: اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
قالوا: زدنا فأعادها قالوا: زدنا قال: فما تريدون سألت لكم خير الدنيا والآخرة.
وعن علي الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء.
وعذاب النار امرأة السوء.
وقيل: الحسنة في الدنيا العمل النافع وهو الإيمان والطاعة، وفي الآخرة التنعم بذكر الله والإنس به وبرؤيته.
قلت: لا تلذذ في الدنيا والآخرة إلا بهذا.
الجسم مني للجليس مجالس *** وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وعن قتادة الحسنتان طلب العافية في الدارين.
وعن الحسن: هي في الدنيا فهم كتاب الله، وفي الآخرة الجنة.
ومنشأ البحث مجيء الحسنة منكرة في حيز الإثبات، فكل من المفسرين حمل اللفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة عقلاً أو شرعاً.
ويمكن أن يقال: التنوين للتعظيم أي حسنة وأي حسنة أو يريد حسنة توافق حال الداعي وحكمة المدعو، وفيه من حسن الطلب ورعاية الطلب ورعاية الأدب ما ليس في التصريح به فإنه لا يكون إلا ما يشاء أو يريد حسنة ما وإن كانت قليلة، فإن النظر إلى المنعم لا إلى الإنعام.
قليل منك يكفيني ولكن قليلك لا يقال له قليل.
﴿ أولئك ﴾ الداعون بالحسنتين ﴿ لهم نصيب ﴾ وأي نصيب ﴿ مما كسبوا ﴾ من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة.
فمن للابتداء.
ويحتمل التعليل أي من أجل ما كسبوا كقوله ﴿ مما خطيئاتهم أغرقوا ﴾ والكسب ما يناله المرء بعمله ومنه يقال للأرباح "إنها كسب فلان" أولهم نصيب مما دعوا به يعطيهم بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة وسمي الدعاء كسباً لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب ﴿ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أولئك ﴾ للفريقين جميعاً وأن لكل فريق نصيباً من جنس ما كسبوا.
﴿ والله سريع الحساب ﴾ السرعة نقيض البطء.
والحساب مصدر كالمحاسبة وهو العدّ قال الزجاج: هو مأخوذ من قوله "حسبك كذا" أي كفاك.
وذلك أن فيه كفاية وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان.
ومعنى كون الله محاسباً لخلقه قيل: إنه يعلمهم ما لهم وعليهم بأن يخلق العلم الضروري في قلوبهم بمقادير أعمالهم وكمياتها وكيفياتها، أو بمقادير ما لهم من الثواب والعقاب.
ووجه هذا المجاز أن الحساب سبب لحصول علم الإنسان بماله وعليه، فإطلاق الحساب على هذا الإعلام إطلاق اسم السبب على المسبب.
عن ابن عباس أنه قال: لا حساب على الخلق بل يقفون بين يدي الله يعطون كتبهم بأيمانهم فيها سيئاتهم فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت عنها، ثم يعطون حسناتهم ويقال: هذه حسناتكم قد ضعفتها لكم.
وقيل: المحاسبة المجازاة ﴿ وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حساباً شديداً ﴾ ووجه المجاز أن الحساب سبب للأخذ والإعطاء.
وقيل: إنه يكلم العباد في أحوال أعمالهم وكيفية ما لها من الثواب والعقاب.
فمن قال: إن كلامه ليس بحرف ولا صوت قال: إنه يخلق في أذن المكلف سمعاً يسمع به كلامه القديم كما يخلق في عينه رؤية يرى بها ذاته القديمة.
ومن قال: إنه صوت قال: إنه يخلق كلاماً يسمعه كل مكلف.
إما بأن يخلق ذلك الكلام في أذن كل واحد منهم و في جسم يقرب من أذنه بحيث لا يبلغ قوة ذلك الصوت مبلغاً يمنع الغير من فهم ما كلف به، فهذا هو المراد من كونه محاسباً لخلقه، ومعنى كونه سريع الحساب أو قدرته متعلقة بجميع الممكنات من غير أن يفتقر في أحداث شيء إلى فكر وروية ومدة وعدّة، ولذلك ورد في الخبر أنه يحاسب الخلق في مقدار حلب شاة، وروي في لمحة.
أو أنه سريع القبول لدعاء عباده والإجابة لهم لأنه قادر على أن يعطي مطالب جميع الخلائق في لحظة واحدة كما ورد في الدعاء المأثور "يا من لا يشغله سمع عن سمع"، أو أن وقت جزائه وحسابه سريع يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد كقوله ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ وقوله ﴿ واذكروا الله ﴾ أي بالتكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار يكبر مع كل حصاة.
وفيه دليل على وجوب الرمي لأن الأمر بالتكبير أمر بالذي يتوقف التكبير على حضوره، وإنما اختير هذا النسق لأنهم ما كانوا منكرين للرمي وإنما كانوا يتركون ذكر الله عنده ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام التشريق ثلاثة أيام بعد النحر: أولها يوم القر لأن الناس تستقر فيه بمنى.
والثاني يوم النفر الأول لأن بعض الناس ينفرون في هذا اليوم من منى.
والثالث يوم النفر الثاني.
عن عبد الرحمن بن معمر الديلي أن رسول الله أمر منادياً ينادي الحج عرفة.
من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج وأيام منى ثلاثة من تعجل في يومين فلا إثم عليه واعلم أن التكبير المشروع في غير الصلاة وخطبة العيدين نوعان: مرسل ومقيد.
فالمرسل هو الذي لا يتقيد ببعض الأحوال بل يؤتى به في المنازل والمساجد والطرق ليلاً ونهاراً كما مر في تفسير قوله تعالى ﴿ ولتكبروا الله على ما هداكم ﴾ وذكرنا صورة التكبير هناك أيضاً.
ولا فرق في التكبير المرسل بين عيد الفطر والأضحى.
وأما التكبير المقيد فأظهر الوجهين أنه لا يستحب في عيد الفطر لم ينقلوا ذلك عن قول رسول الله ولا أصحابه، وإنما يستحب في الأضحى.
وتقييده هو أن يؤتى به في أدبار الصلوات خاصة.
واختلفوا في ابتدائه وانتهائه فقيل: من طهر يوم النحر إلى ما بعد طلوع الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبيرات على هذا في خمس عشرة صلاة وهو قول ابن عباس وابن عمر وبه قال مالك والشافعي في أشهر أقواله، وحجتهم أن الناس فيه تبع للحجاج وهم يبتدؤن التكبير عقيب الظهر يوم النحر إلى مضي خمس عشرة صلاة.
فيكون آخرها صلاة الصبح من آخر أيام منى وذكرهم قبل ذلك التلبية.
والقول الثاني للشافعي أنه يبتدأ به من صلاة المغرب ليلة النحر إلى الصبح من آخر أيام التشريق، فيكون التكبير في أعقاب ثماني عشرة صلاة.
والقول الثالث أنه يبتدأ من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من يوم النحر، فتكون التكبيرات بعد ثماني صلوات، وهو قول علقمة والأسود والنخعي وأبي حنيفة.
واعترض عليه بأن هذه التكبيرات تنسب إلى أيام التشريق، فوجب أن يؤتى بها فيها.
وإن انضم معها زمن آخر فلا أقل من أن تكون هي أغلب.
والقول الرابع يبتدأ به من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطع بعد صلاة العصر من آخر أيام التشريق، فيكبر عقيب ثلاث وعشرين صلاة، وهو قول أكابر الصحابة كعمر وعلي وابن مسعود م وقول الثوري وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق والمزني من الفقهاء لما روى جابر أن النبي أصبح يوم عرفة ثم أقبل علينا وقال: " الله أكبر" .
ومد التكبير إلى العصر من آخر أيام التشريق، ولأن هذا هو الأحوط فتكثير التكبير خير من تقليله.
وعلى هذا القول إنما تكون التكبيرات مضافة إلى أيام التشريق لأنها أكثر تلك المدة.
قال الجوهري: تشريق اللحم تقديده، ومنه أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها في الشمس.
وقيل: هو من قولهم "أشرق ثبير كيما نغير".
وقيل: سميت بذلك لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس.
وأما رمي أيام التشريق فإنه يجب أن يرمي كل يوم بين الزوال والغروب بكل جمرة من الجمرات الثلاث بالترتيب مبتدئاً من الجمرة الأولى من جانب المزدلفة ومختتماً برمي جمرة العقبة وهي التي تلي مكة رميات سبعاً في سبع دفعات لأن النبي كذلك رماها.
وقال: خذوا عني مناسككم.
فجملة ما يرمي في الحج سبعون حصاة، يرمي إلى جمرة العقبة يوم النحر سبع حصيات، وإحدى وعشرون في كل يوم من أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث إلى كل واحدة سبع تواتر النقل به قولاً وفعلاً، ويكبر مع كل حصاة.
وعلى الحجيج أن يبتوا بمنى الليلتين الأوليين من ليالي التشريق، فإذا رموا اليوم الثاني فمن أراد منهم أن ينفر قبل غروب الشمس فله ذلك ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة والرمي من الغد وذلك قوله ﴿ فمن تعجل ﴾ أي عجل أو استعجل ﴿ في يومين فلا إثم عليه ﴾ ومن لم ينفر حتى غربت الشمس فعليه أن يبيت الليلة الثالثة ويرمي يومها، وبه قال أحمد ومالك والشافعي.
وعند أبي حنيفة يسوغ النفر ما لم يطلع الفجر، فإذا طلع لزم التأخر إلى تمام الأيام الثلاثة وذلك قوله ﴿ ومن تأخر فلا إثم عليه لمن التقى ﴾ قال في الكشاف: تعجل واستعجل يجيئان متعديين مثل تعجل الذهاب واستعجله، ويجيئان مطاوعين بمعنى عجل وهذا أوفق لقوله ﴿ ومن تأخر ﴾ والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة.
وعند الشافعي لا يجوز كسائر الأيام.
وقد سئل ههنا أن المتأخر قد استوفى ما عليه من العمل فكيف ورد في حقه ﴿ فلا إثم عليه ﴾ وهذا إنما يقال في حق المقصر الذي يظن أنه قد رهقه آثام فيما أقدم عليه.
فأجيب بأن الرخصة قد تكون عزيمة كالقصر عند أبي حنيفة والشيعة لا يجوز في السفر غيره، فلمكان هذا الاحتمال رفع الحرج في الستعجال والتأخر دلالة على أن الحاج مخير بين الأمرين، أو بأن أهل الجاهلية كانوا فريقين: منهم من يجعل المتعجل آثماً، ومنهم من يجعل المتأخر آثماً مخالفاً لسنة الحج، فبيّن الله أن لا إثم على واحد منهما.
وقيل: إن المعنى في إزالة الإثم عن المتأخر إنما هو لمن زاد على مقام الثلاثة.
فكأنه قيل: إن أيام منى التي ينبغي المقام بها فيها ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، ومن زاد على الثلاثة ولم ينفر مع عامة الناس فلا شيء عليه.
وقيل: إن الآية سيقت لبيان أن الحج مكفر للذنوب والآثام لا لبيان أن التعجل وتركه سيان كما أن الإنسان إذا تناول الترياق فالطبيب يقول له: الآن إذا تناولت السم فلا بأس، وإن لم تتناول فلا بأس، يريد أن الترياق دواء كامل في دفع المضار لا أن تناول السم وعدم تناوله يجريان مجرى واحداً.
وقيل: إن جوار البيت مكروه عند كثير من العلماء لأن ذلك قد يفضي إلى نقص حشمة البيت ووقعه في قلبه وعينه فأمكن أن يختلج في قلب أحد أن التعجيل أفضل بناء على هذا المعنى، ولما في التعجل من المسارعة إلى طواف الزيارة، فبيّن أنه لا حرج في واحد منهما.
وقال الواحدي: هذا من باب رعاية المقابلة والمشاكلة مثل ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها ﴾ بل ههنا أولى لأن المندوب يصدق عليه أنه لا إثم على صاحبه فيه، وجزاء السيئة ليس بسيئة أصلاً.
وأما قوله ﴿ لمن اتقى ﴾ أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي كيلا يتخالج في قلبه إثم منهما فإن ذا التقوى متحرز من كل ما يريبه.
وقيل: معناه أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقياً قبل حجة كقوله ﴿ إنما يتقبل الله من المتقين ﴾ أو لمن كان متقياً عن جميع المحظورات حال اشتغاله بالحج.
وقوله ﴿ واتقوا الله ﴾ أي فيما يستقبل فيه حث على ملازمة التقوى فيما بقي من عمره وتنبيه على مجانبة الاغترار بالحج السابق كما أن قوله ﴿ واعلموا أنكم إليه تحشرون ﴾ توكيد للأمر بالتقوى وبعث على التشدد فيه لأن الحشر - وهو اسم يقع على ابتداء - خروج الناس من الأجداث إلى انتهاء الموقف يوجب تصوره، لزوم سيرة الاتقاء عن ترك الواجبات وفعل المحظورات.
والمراد من قوله ﴿ إليه ﴾ أنه حيث لا مالك سواه ولا ملجأ إلا إليه، ولا مستعان إلا هو ﴿ يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله ﴾ .
التأويل: ﴿ الحج أشهر معلومات ﴾ هي مدة الحياة الفانية، وقيل إلى أربعين سنة، ولهذا قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد.
نعم لو صدق طلبه قبل الأربعين وما أمكنه الوصول فقريب أن يحصل مقصوده بعد الأربعين، ومن فاته الطلب في عنفوان شبابه إلى أن بلغ الأربعين فحري منه عليه الحيف إذ ضيع اللبن في الصيف، لكنه يصلح للعبادة التي أجرها الجنة.
﴿ فلا رفث ﴾ لا يميل إلى الدنيا وزينتها وليهجرها كالمحرم بعد الاغتسال بماء الإنابة بتزر بإزار التواضع والانكسار، ويتردى برداء التذلل والافتقار.
﴿ ولا فسوق ﴾ ولا خروج من الأوامر والنواهي بل لا يخرج من حكم الوقت ولا يدخل فيما يورث المقت ﴿ ولا جدال في الحج ﴾ لا نزاع للسالك الصادق في طلب الوصول لا بالفروع ولا بالأصول فلا في مالها مع أحد يخاصم ولا في جاهها لأحد يزاحم، فمن نازعه في شيء من ذلك يسلمها إليه ويسلم عليه ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ وتزودوا لكل سالك زاد.
فزاد أولي القشور كعك وسويق وهم الذين مقصدهم البيت ومقصودهم الجنة، وزاد أولي الألباب التقوى وهم من مقصدهم ومقصودهم رب البيت.
وتقوى أهل القشور مجانبة الزلات ومواظبة الطاعات، وتقوى أولي الألباب مجانبة الصفات بالصفات والذات بالذات.
فلما كان مقصودهم خير المقاصد كان زادهم خير الزاد ﴿ أن تبتغوا فضلاً ﴾ مقام ابتغاء الفضل بمعنى الرحمة بترك الموجود وبذل المجهود وهو في سيره إلى عرفات، ومقام ابتغائه بمعنى مواهب القربة ببذل الوجود عند الوقوف بعرفات، لأن الحج عرفة وعرفة المعرفة ومقام ابتغائه بمعنى الرزق هو قبل سيره إلى عرفات.
وقال جمع من المحققين: إنه بعد استكمال الحج الحقيقي لأنه لقوة عرفانه بالله لا تضره الدنيا بل يكون تصرفه فيها بالله في الله لله ﴿ عند المشعر الحرام ﴾ يعني القلب الذي حرام عليه الاطمئنان بغير ذكر الله ﴿ واذكروه كما هداكم ﴾ أي كما هدى قلوبكم يهدي نفوسكم كيلا تقع في خطر حب الدنيا.
﴿ وإن كنتم من ﴾ قبل الوقوف بعرفات المعرفة ﴿ لمن الضالين ﴾ في طلب الدنيا وحظوظ النفس ﴿ من حيث أفاض الناس ﴾ يعنى محمداً وسائر الأنبياء والأولياء أي لتكن الإفاضة من عرفات المعرفة لأجل أداء الحقوق بالتعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله ﴿ واستغفروا الله ﴾ لأجل إزالة غين المخالطة مع الخلق كقوله ﴿ إذا جاء نصر الله ﴾ إلى قوله ﴿ واستغفره ﴾ أي إذا وجدت هذا لا تخلو عن خط ما فاستغفره ﴿ فإذا قضيتم ﴾ مناسك الوصال وبلغتم مبلغ الرجال فلا تأمنوا مكر الله وواظبوا على الذكر ﴿ كذكركم آباءكم ﴾ في صغركم للافتقار وفي كبركم للافتخار ﴿ أو أشد ذكراً ﴾ لأنه يمكن الاستغناء من الأب ولا يمكن الاستغناء من الله ﴿ والله سريع الحساب ﴾ لأن أثر الطاعة وأثر المعصية تظهر في الحال على القلب ﴿ في أيام معدودات ﴾ هي أيام البداية والوسط والنهاية ﴿ فمن تعجل في يومين ﴾ وقف على الوسط ليكون من أهل الجنة ﴿ فلا إثم عليه ومن تأخر ﴾ إلى أن يصل يوم النهاية حتى يكون من أهل الله فذاك لمن اتقى الرجوع والوقوف، والله ولي التوفيق وهو حسبي.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ .
قيل: التجارة، وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يتحرجون من التجارة في عشر من ذي الحجة، فلما أن كان الإسلام امتنع أهل الإسلام عن التجارة، وأحبوا أن يكون خروجهم للحج خاصة، دون أن يختلط غيره من الأعمال، فرخص الله عز وجل للحاج وطلب الفضل.
وروي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: أن رجلاً سأله، فقال: إنا قوم نكرى، ويزعمون أنه ليس لنا حج، [فهل لنا حج]؟
فقال: ألستم تحرمون وتقفون؟
فقال: بلى.
قال: فأنتم حجاج.
وقال: "جاء رجل إلى النبي ؛ فسأله عما سألتني عنه مثله، فلم يجبه حتى أنزل الله هذه الاية: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ ، فقال النبي : أنتم حجاج" [وروي عن ابن عباس مثله].
وأصحابنا، رحمهم الله ، يرون حج الأجير والتاجر تامّاً، وظاهر القرآن يدل على ذلك.
وكان عند القوم أن الاستئجار على الطاعة لا يجوز أمراً ظاهراً حتى سألوا في هذا.
وأصله: أن الحج لا يمنع أفعال غيره، فأشبه الصوم، ويجوز فيه الإجازة، كذا في هذا.
وأما الصلاة فهي مانعة لما سواها من الأفعال؛ فاختلفا.
وقوله: ﴿ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَٰت ﴾ .
قيل: إن أهل الجاهلية كانوا يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، ومن مزدلفة بعد طلوع الشمس، فأمر أهل الإسلام بالخلاف في الحالين جميعاً: أن يجعلوا الإفاضة من عرفة بعد الغروب، ومن المزدلفة قبل طلوع الشمس.
والله أعلم.
وفي الخبر: "خالفوهم في الرجعتين جميعاً" والإفاضة: هي الإسراع في المشي في اللغة.
وقيل: الإفاضة: الانحدار.
وقوله: ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ .
يعني: المزدلفة.
[ويحتمل قوله ﴿ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ ﴾ وجهين: يحتمل: صلاة المغرب والعشاء] ويحتمل: الدعاء فيهما جميعاً.
وقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: ﴿ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ﴾ ، الجبل وما حوله، وهو الجبل الذي يوقف عليه يقال له: "قزح"، وسمي "جمعاً"، أيضاً [لأنه يجمع ين المغرب والعشاء في وقت العشاء، وقيل: يمسى جمعاً] لأنه اجتمع فيه أدم وحواء.
وروي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: سمي العرفات عرفات؛ لأن جبريل، صلوات الله عليه، لما علَّم إبراهيم - - المناسك كان يقول له: عرفت عرفت.
والله أعلم ذلك.
وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأمر بالذكر أمر بالشكر له على ما أنعم عليهم من أنواع النعم.
ويحتمل: ﴿ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَٰكُمْ ﴾ ، وأرشدكم لأمر المناسك.
ويحتمل: الأمر بالتوحيد؛ كأنه قال: وحدوه كما وفقكم لدينه، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ وَإِن كُنْتُمْ مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴾ ، عن الهدي وعن المناسك، وعن معرفة النعم والشكر.
والله أعلم.
قال الشيخ - رضي الله عنه -: الهدي على وجهين: هدي: عرف ليوحدوه.
وهدي: وفق، لطاعتهم.
وقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .
قيل: إن أهل الحرم كانوا لا يقفون بعرفات، ويقولون: [إنما] نحن أهل حرم الله، لا نفيض كغيرنا، ممن قصدنا، فأنزل الله فيهم: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، أمرهم بالوقوف بعرفات، والإفاضة منها من حيث أفاض غيرهم من الناس.
وذكر عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: كانت قريش، ومن كان على دينها يقفون بالمزدلفة ولا يقفون بعرفة، [وكان من سواهم يقفون بعرفة].
فأنزل الله : ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ .
وفيه دليل أن الوقوف بعرفة فرض، وعلى ذلك جاءت الآثار؛ روي عن رسول الله : "الحج عرفة، من أدرك عرفة بليل، وصلى معنا بجمع، فقد تم حجه" ويحتمل في قوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ ﴾ ، معنى آخر: وهو أنهم رأوا غيرهم من أهل الآفاق فإذا قصدوا على الإحرام من وراء الحرم، وهم أمروا بالإحرام [في الحرم]، فلما خصوهم بذلك ظنوا أن قضاء غيره من المناسك في الحرم.
والله أعلم.
قال الشيخ أبو منصور - رحمه الله عليه -: أمر بالإفاضة بحرف "ثم"، بعد ذكر المزدلفة والإفاضة من عرفات بتقديم المزدلفة، فَبَانَ أن حرف "ثم" مما قد يبتدأ به أيضاً.
وقوله: ﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ فَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: إنهم في الجاهلية كانوا إذا قضوا المناسك يجتمعون في مكان ويذكرون آباءهم ومناقبهم ويفتخرون بذلك، فلما أسلموا أمرهم أن يذكروا ربهم في الإسلام كذكرهم آباءهم في الجاهلية أو أشد ذكر، فإنه أولى بذلك من الآباء.
وقيل: أن يكونوا يذكرون آباءهم - ما أنعم عليهم وأحسن إليهم - فقال: اذكروا لي فيما تذكرون آباءكم مكان آبائكم [فإني أنا] الذي أنعمت عليكم [وعلى آبائكم]، فاجعلوا ذلك لي دون آبائكم.
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ ﴾ .
[وقوله: ﴿ وِمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ ].
وقوله: ﴿ فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ...
﴾ الآية في قوم لا يؤمنون بالبعث والإحياء بعد الموت، [طلبوا] خيرات الدنيا، ولم يطلبوا الخيرات في الآخرة، فأعطوا ما سألوا من حسنات الدنيا، وهو كقوله: ﴿ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي ٱلآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ ﴾ ، فأعطوا ما سألوا من نصيب؛ ﴿ مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ﴾ ، أي يؤتي حرث الدنيا والآخرة، فمن كان ركونهم إلى الدنيا وميلهم إليها لم يركنوا إلى دعاء غيرها، وأما من آمن بالبعث والإحياء بعد الموت فإننم سألوا خيرات الدنيا والآخرة جميعاً بقوله: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ ، طلبوا حسنات الدنيا؛ لأن الدنيا جعلها محل الزاد للآخرة، لأنه جعلها لهم، إنما خلقهم للآخرة؛ كقوله: ﴿ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ﴾ .
ثم اختلف في ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الدنيا، و ﴿ ٱلْحَسَنَةَ ﴾ في الآخرة: قيل: حسنة الدنيا: العلم والعبادة، وحسنة الآخرة: الجنة والمغفرة.
وقيل: حسنة الدنيا: النصر والرزق، وحسنة الآخرة: الرحمة والرضوان.
وكله واحد.
وروي عن رسول الله ، أنه قال: "إن لله عباداً يحيون في عافية، ويموتون في عافية، ويدخلون الجنة في عافية.
قيل: يا رسول الله، بم؟
قال: بكثرة قولهم: ﴿ رَبَّنَآ آتِنَا فِي ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي ٱلآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ﴾ " وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ .
قيل: فيه بوجوه: قيل: فيه تقديم وتأخير، كأنه قال: حسابه سريع.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، كما أن الإبطاء في الحساب يكون للتفكر فيه والاستذكار وحفظ عقد الأصابع أو لشغل شغله، فالله - - يتعالى عن ذلك أن يوصف به أو يشغله شيء.
وقيل: ﴿ سَرِيعُ ﴾ ، أي قريب، كأن قد جاء، كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وكقوله: ﴿ وَٱقْتَرَبَ ٱلْوَعْدُ ٱلْحَقُّ ﴾ ، وكقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، أي قرب.
وقيل: كناية عن عذاب شديد، أي شديد العقاب والعذاب، [وهو كقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ] وهو كقوله : "من نوقش الحساب عذب" وقوله: ﴿ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ﴾ .
قيل: إنه يحتمل وجهين: قيل: إنه أراد بالأيام المعدودات أيام النحر والذبح، أي: اذكروا الله بالنحر والذبح في أيامكم.
فهو عند أبي حنيفة، رحمه الله ، يوم النحر ويومان بعده.
وقيل: أراد بالأيام المعدودات أيام رمي الجمار، دليله قوله : ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، وهب أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد النحر.
وروي عن علي، رضي الله عنه، أنه قال: "الأيام المعدودات: يوم النحر ويومان بعده، اذبح في أيها شئت، وأفضلها أولها".
وكذلك روي عن عمر، رضي الله عنه.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ .
قيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، أي: بعد يوم النحر [بيومين].
يقول: من نفر من منى قبل غروب الشمس في اليوم الثاني فلا إثم عليه، ومن لم ينفر حتى غربت الشمس وأقام إلى الغد - اليوم الثالث - فيرمي الجمار، ثم ينفر فلا إثم عليه.
وقيل: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ ، من أيام التشريق فلا إثم عليه، ومن تأخر إلى اليوم الثالث من أيام التشريق فلا إثم عليه.
ثم لا يحتمل قوله: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ ، أن يكون جميعاً على الرخصة، التعجيل والتأخير جميعاً، فلا يلحقه الإثم بكليهما؛ لأنه إذا كان التعجل هو الرخصة فالتأخر لا يكون رخصة، وإذا كان التأخر هو الرخصة فالتعجل ليس برخصة، لكن الوجه فيه - والله أعلم - ما روي عن ابن عباس، رضي الله عنه، أنه قال: ﴿ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ غفر له، ﴿ وَمَن تَأَخَّرَ ﴾ غفر له ما كان له من الإثم والذنب في اليوم الذي أخر.
والله أعلم.
ويحتمل: أنه خيره، أي: فعل ذا أو ذا فلا إثم عليه.
وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال في قوله : ﴿ فَلاۤ إِثْمَ عَلَيْهِ ﴾ : رجع مغفوراً له.
وقوله: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ ، قتل الصيد في الإحرام، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ﴾ أي فلا تستحلوا قتل الصيد في الإحرام.
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: من اتقى معاصي الله جملة.
وقيل: ﴿ لِمَنِ ٱتَّقَىٰ ﴾ جميع ما يحرم عليه الإحرام من الرفث، والفسوق، والجدال وغيره، وعلى ذلك قوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوآ أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ ، خوفهم عز وجل ليتقوا الله في كل وقت كل معصية.
خرج الخطاب في الظاهر للمؤمنين، ويحتمل أن يكون للكفار أيضاً، يأمرهم أن يتقوا الشرك وإشراك غيره في أفعالهم، لما أوعدهم بالحشر والجزاء لأعمالهم.
<div class="verse-tafsir"
واذكروا الله بالتكبير والتهليل في أيام قلائل؛ هي: الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، فمن تعجَّل وخرج من منى بعد الرمي في اليوم الثاني عشر فله ذلك، ولا إثم عليه؛ لأن الله خفف عنه، ومن تأخر إلى الثالث عشر حتَّى يرمي فله ذلك، ولا حرج عليه، وقد جاء بالأكمل، واتبع فعل النبي ، كل ذلك لمن اتقى الله في حجه فجاء به كما أمر الله، واتقوا الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، وأيقنوا أنكم إليه وحده ترجعون وتصيرون، فيجازيكم على أعمالكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.dL357"
﴿ فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ كان للعرب في الجاهلية مجامع في الموسم يفاخرون فيها بآبائهم ويذكرون أنسابهم وفعالهم، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم ويحمل الحمالات ويحمل الديات.
ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله هذه الآية.
ولابن جرير عن مجاهد كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة وذكروا آباءهم إلخ وروي أنهم كانوا يقفون بمنى بين المسجد والجبل يتفاخرون ويتعاكظون ويتناشدون، فأمرهم الله تعالى بأن يذكروا الله تعالى بعد قضاء المناسك وهي أعمال الحج كما كانوا يذكرون آبائهم في الجاهلية أو أشد من ذكرهم إياهم.
وقد كان في حجة الوداع أن خطب النبي في اليوم الثاني من أيام التشريق فأرشدهم إلى ترك تلك المفاخرات.
وقوله تعالى ﴿ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ﴾ معناه ظاهر وهو بل اذكروه أشد من ذكركم آباءكم وفيه من الإيجاز ما ترى حسنه.
وقد تعسف في إعرابه الذين حكموا النحو الذي وضعوه في القرآن، ويعجبني قول بعض الأئمة وأظن أنه أبو بكر بن العربي: من العجيب أن النحويين إذا ظفر أحدهم ببيت شعر لأحد أجلاف الأعراب يطير فرحًا به ويجعله قاعدة، ثم يشكل عليه إعراب آية من القرآن فلا يتخذها قاعدة بل يتكلف في إرجاعها إلى كلام أولئك الأجلاف وتصحيحاته كأن كلامهم هو الأصل الثابت.
ويعجبني أيضًا ما قاله أبو البقاء وهو: إن للقرآن إنجازًا واختصارًا في بعض المواضع المفهومة من المقام وهو أن المعنى هنا أو كونوا أشد ذكرًا، ومثل هذا شائع في اللغة.
وكان واجبًا أن يكون القرآن مبدأ إصلاح في اللغة العربية.
ثم بيّن تعالى أن الذين يذكرونه فيدعونه على قسمين ﴿ فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ الخلاق النصيب والحظ، ذكر تعالى أن هذا الفريق يطلب حظ الدنيا مطلقًا، ولم يقل إنه يطلب حسنة فيها، لأن من كانت الدنيا كل همه لا يبالي أكانت شهواته وحظوظه حسنة أم سيئة، فهو يطلب الدنيا من كل باب، ويسلك إليها كل طريق، لا يميز بين نافع لغيره ولا ضار، فباستيلاء حب الدنيا عليه لم يكن للآخرة وما أعده الله فيها للمتقين من الرضوان موضع من نفسه يرجوه ويدعو الله فيه، كما أنه لا يخاف ما توعد الله به المجرمين فيها فيلجأ إليه تعالى بأن يقيه شره.
فحرمان هذا الفريق من خلاق الآخرة هو أثر كسبه وسوء اختياره، وتفضيله حظوظ الدنيا الفانية على سعادة الآخرة الباقية، لأنه يعمل للأولى كل ما يستطيع من أسباب الحلال والحرام، حتى إنه لا يسأل ربه إلا المزيد من حظوظها وشهواتها، وقد ينالها كثير من الناس بدون هم كبير في العمل لها، ولا يعمل للآخرة وقد اشترط لسعادتها خير العمل، فقال تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ الآيات.
ويا لله ما أبلغ حذف مفعول ﴿ آتِنَا ﴾ في هذا المقام فهو من دقائق الإيجاز التي تحار فيها الأفهام، وتعجز عنها قرائح الأنام، فإنه بدلالته على العموم يشمل كل ما يعني به أفراد هؤلاء الناس المتفاوتي الهمم المختلفي الأهواء، من الحظوظ والشهوات، حسنها وقبيحها، خيرها وشرها، كبيرها وخسيسها، وما لا يليق ذكره منها.
وقد اختلف المفسرون في تعيين هذا الفريق فقيل هم الكفار الذين لا يؤمنون بالآخرة واستدلوا بما روى عن ابن عباس وأَنس من دعاء المشركين في ذلك المقام بحظوظ الدنيا، وقيل هم المسلمون الذين لم تمس أسرار الدين وحكمه قلوبهم ولم تشرق أنوار هدايته على أرواحهم بل اكتفوا بالتقليد في رسومه الظاهرة، فكان همهم في الدنيا دون الآخرة، وذكروا هنا ما روي في المرفوع من أن الله تعالى يؤيد هذا الدين بمن لا خلاق لهم.
واستدلوا على صحة رأيهم بالسياق.
ولا شك أن هذا القسم موجود في المسلمين كما وجد في كل أمة، ومن بلا الناس وفلاهم عرف ذلك.
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً ﴾ أي ومنهم من طلب خير الدنيا والآخرة جميعًا، لا حظوظ الدنيا وحدها كيفما كانت كالفريق الأول، وقد اختلف المفسرون في تعيين الحسنة هل هي العافية أو الكفاف أو المرأة الصالحة أو الأولاد أو الأبرار أو المال الصالح أو العلم والمعرفة أو العبادة والطاعة، وروي بعض هذه الأقوال عن بعض السلف، ولعل كل ذي قول يطلقها على المهم عنده، والظاهر أن حسنة وصف لمحذوف أي حياة حسنة وانظر بم تكون حياة المرء حسنة فيكون سعيدًا في الدنيا.
فمن دعا الله تعالى إجماليًا فليدعه بسعادة الدنيا والآخرة والحياة الطيبة فيهما يكن مهتديًا بالآية، ومن كانت له حاجة خاصة فدعاه لها من حيث هي حسنة مهتد بها، على أنهم اختلفوا في حسنة الآخرة أيضًا فقيل الجنة، وقيل الرؤية، واختلفوا في عذاب النار ورووا عن علي كرم الله وجهه أنه المرأة السوء.
وقد علم مما تقدم في تفسير ﴿ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِ ﴾ أن الطلب من الله تعالى إنما يكون باتباع سنته في الأسباب والمسببات، والتوجه إليه تعالى واستمداد المعونة والتوفيق منه، للهداية إلى ما يعجز العبد عنه، وعلى هذا يتخرج تفسير الحسن لقوله تعالى ﴿ وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ بقوله أي حفظنا من الشهوات والذنوب المؤدية إليها، فطلب الحياة الحسنة في الدنيا يكون بالأخذ بأسبابها المجربة في الكسب والنظام في المعيشة، وحسن معاشرة الناس بآداب الشريعة والعرف، وقصد الخير في الأعمال كلها، وتوقي الشرور كلها، وطلب الحياة الحسنة في الآخرة يكون بالإيمان الخالص ومكارم الأخلاق والعمل الصالح بقدر الاستطاعة، وطلب الوقاية من النار يكون بترك المعاصي واجتناب الرذائل والشهوات المحرمة، مع القيام بالفرائض المحتمة.
هذا هو الطلب بلسان القلب والعمل، وأما الطلب بلسان المقال فهو يصدق بما يذكر القلب بأن هذه الأسباب من الله فالسعي لها مع الإيمان هو عين الطلب من فيضه وإحسانه.
مضت سنته بأن يعطي بها فضلًا منه ورحمة، لا بخوارق العادات التي لا يعلم محلها وحكمتها غيره، وأنه لا يُرْجَع إلى سواه في الهداية إلى ما خفي، والمعونة على ما خسر.
ولم يذكر في التقسيم من لا يطلب إلا حسنة الآخرة، لأن التقسيم لبيان ما عليه الناس في الواقع ونفس الأمر بحسب داعي الجبلة وتأثير التربية وهدى الدين، ولا يكاد يوجد في البشر من لا تتوجه نفسه إلى الحال في الدنيا مهما يكن غالبًا في العمل للآخرة، لأن الإحساس بالجوع والبرد والتعب يحمله كرهًا على التماس تخفيف ألم ذلك الإحساس، والشرع يكلفه ذلك بما يقدر عليه من أسبابه، وقد جعل عليه حقوقًا لبدنه ولأهله وولده ولرحمه ولزائريه وإخوانه وأمته لا تصبح عبوديته إلا بدعاء الله تعالى فيها.
وفي الآية إشعار بأن هذا الغلو مذموم خارج من سنن الفطرة وصراط الدين معًا، وما نهى الله أهل الكتاب عن الغلو في الدين وذمهم على التشدد فيه إلا عبرة لنا، وقد نهانا عنه نبينا ، وفي حديث أنس عند البخاري ومسلم أن رسول الله دعا رجلًا من المسلمين قد صار مثل الفرخ المنتوف فقال له:"هل كنت تدعو الله بشيء؟"قال: نعم، كنت أقول: اللهم ما كنت معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا.
فقال رسول الله :"سبحان الله إذا لا تطيق ذلك ولا تستطيعه فهلا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار".
ودعا له فشفاه الله تعالى.
وأبعد من هذا في الغلو أن بعض الصوفية سمع قارئًا يتلو قوله تعالى ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الآخِرَةَ ﴾ فصاح أواه فأين من يريد الله؟
وهو قول حسن الظاهر قبيح الباطن، فالآية خطاب لخيار الصحابة، وهو وشيخه من الصوفية لم يبلغوا مد أحدهم ولا نصيفه، فإرادة الدنيا والآخرة بالحق إرادة لمرضاة الله وعمل بسنته وشرعه، والمراد بالدنيا فيها الغنيمة في الحرب، وبالآخرة الشهادة في سبيل الله، فهل يظن بجهله أن من شهد الله تعالى لهم بأنهم بذلوا أنفسهم في سبيله ونصر رسوله وآثروا الشهادة في القتال على الغنيمة أنهم لا يريدون الله؟.
وقد ورد في الصحيح أن الآية كانت أكثر دعاء النبي فهل يدعي ذلك الصوفي وأمثاله من الغلاة أنهم أشد حبًا منه لله وطلبًا له ؟
ثم قال تعالى بيانًا لمن يسأل عن حظ ﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ الإشارة بأولئك إلى الذين يطلبون سعادة الدارين، والحسنة في المنزلتين، لأن حكم الفريق الذي يطلب الدنيا وحدها قد علم من قوله تعالى ﴿ وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ﴾ فإن العطف يشعر بمحذوف كأنه قال: هذا الفريق له حظه في الدنيا وما له في الآخرة من حظ سواه، ومجموع الكلام في الفريقين بمعنى قوله تعالى ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ وقد بينت الآية صريحًا أنهم يعطون ما دعوا الله تعالى فيه بكسبهم، وهذا نص فيما تقدم من معنى الدعاء وأنه لا بد أن يكون طلب اللسان مطابقًا لما في النفس من الشعور بالحاجة إلى الله تعالى بعد الأخذ بالأسباب والسعي في الطرق التي مضت بها سنة الله تعالى، ولهذا قال ﴿ مِمَّا كَسَبُوا ﴾ ولم يقل لهم مما طلبوا.
والمعنى أنهم لما كانوا يطلبون الدنيا بأسبابها ويسعون للآخرة سعيها، كان لهم حظ من كسبهم هذا في الدارين على قدره ﴿ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ يوفي كل كاسب أجره عقب عمله بحسبه لأن سنته مضت بأن تكون الرغائب آثار الأعمال، فهو يوفي كل عامل عمله بلا إبطاء، وكما يكون الجزاء سريعًا في الدنيا كذلك يكون في الآخرة، فإن أثر الأعمال الصالحة يظهر للمرء عقب الموت وهو أول قدم يضعها في باب عالم الآخرة.
وهذا أحسن بيان لما قالوه في تفسير ﴿ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ من أنه إجابة الدعاء.
والأكثرون على أن المراد حساب الآخرة، واختلفوا في كيفية ذلك على أقوال أقربها إلى التصور أن سرعة الحساب عبارة عن اطلاع كل عامل على عمله أو إعلامه بما له مما كسب، وما عليه مما اكتسب وذلك يتم في لحظة، وقد ورد أن الله تعالى يحاسب الخلائق كلهم في مقدار نصف يوم من أيام الدنيا، وورد في قدر فواق الناقة، وورد بمقدار لمحة البصر.
ثم قال تعالى بعد أن أمر بذكره عند المشعر الحرام وكانوا لا يذكرونه هناك، ويذكره عند قضاء المناسك بعد أيام منى حيث كانوا يذكرون مفاخر آبائهم ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ﴾ حكى القرطبي عن الحافظ ابن عبد البر وغيره الإجماع على أن الأيام المعدودات هي أيام منى وهي أيام التشريق الثلاثة من حادي عشر ذي الحجة إلى ثالث عشر.
وإنما أمر سبحانه بالذكر في هذه الأيام ولم يأمر برمي الجمار لأنه من الأعمال التي كانوا يعرفونها ويعملون بها وقد أقرهم عليها وذكر المهم الذي هو روح الدين وهو ذكر الله تعالى عند كل عمل من تلك الأعمال، وتلك سنة القرآن يذكر إقامة الصلاة والخشوع فيها وذكر الله تعالى ودعاءه وتأثير ذلك في إصلاح النفوس، ولا يذكر صفة القيام والركوع والسجود، وكون الركوع يفعل مرة في كل ركعة، والسجود يفعل مرتين، وإنما يترك ذلك لبيان النبي له بالعمل.
وبينت السنة أيضًا أن ذكر الله تعالى في هذه الأيام هو التكبير أدبار الصلوات وعند ذبح القرابين وعند رمي الجمار وغير ذلك من الأعمال.
وقد جعل الله تعالى التخيير في التعجيل والتأخير مشروطًا بالتقوى فقال ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنْ اتَّقَى ﴾ أي من استعجل في تأدية الذكر عند هذه الأعمال التعبدية المعلومة وهي رمي الجمرات في يومين من تلك الأيام المعدودات فلا حرج عليه، ومن أتمها كذلك إذا اتقى كل منهما الله تعالى ووقف عند حدوده، فإن تحصيل ملكة التقوى هي الغرض من الحج ومن كل عبادة، والوسيلة الكبرى إليها كثرة ذكر الله تعالى بالقلب مع اللسان، حتى يغلب على مراقبته في جميع الأحوال، فيكون عبدًا له لا للأهواء والشهوات، وإنما تلك الأعمال مذكرات للناس.
والجمار ثلاث وهي كالجمرات جمع جمرة ومعناها هنا مجتمع الحصى جَمَره بمعنى جمعه، ورميها من ذكريات النسك المأثورة عن سيدنا إبراهيم كذبح القرابين هنالك، وعامة أعمال الحج ذكريات نشأة الإسلام الأولى في عهد الخليل وكل جمرة ترمى بسبع حصيات صغيرة كل يوم من الأيام الثلاثة أو الاثنين وتمتاز جمرة العقبة منها أنها ترمى قبل ذلك يوم النحر أيضًا.
ثم أمر بالتقوى بعد الإعلام بمكانها فقال ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴾ أي اتقوه في حال أداء المناسك وفي جميع أحوالكم وكونوا على علم يقين بأنكم تجمعون وتساقون إليه في يوم القيامة فيريكم جزاء أعمالكم والعاقبة للمتقين ﴿ تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا ﴾ فإن العلم بذلك هو الذي يؤثر في النفس فيبعثها على العمل، وأما من كان على ظن أوشك فإنه يعمل تارة ويترك أخرى لتنازع الشكوك قلبه.
ومن فوائد هذا الأسلوب أن تكرار الأمر بالذكر وبيان مكانة التقوى، ثم الأمر بها تصريحًا في هذه الآيات التي فيها من الإيجاز، ما هو أعلى درجات الإعجاز، حتى سكت عن بعض المناسك الواجبة للعلم بها - كل ذلك يدلنا على أن المهم في العبادة ذكر الله تعالى الذي يصلح النفوس وينير الأرواح، حتى تتوجه إلى الخير وتتقي الشرور والمعاصي فيكون صاحبها من المتقين.
ثم يرتقي في فوائد الذكر وثمراته فيكون من الربانيين.
<div class="verse-tafsir"