الآية ٢٥٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٠ من سورة البقرة

وَلَمَّا بَرَزُوا۟ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُوا۟ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًۭا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَـٰفِرِينَ ٢٥٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 140 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

أي : لما واجه حزب الإيمان وهم قليل من أصحاب طالوت لعدوهم أصحاب جالوت وهم عدد كثير ( قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا ) أي : أنزل علينا صبرا من عندك ( وثبت أقدامنا ) أي : في لقاء الأعداء وجنبنا الفرار والعجز ( وانصرنا على القوم الكافرين ) قال الله تعالى : ( فهزموهم بإذن الله ) أي : غلبوهم وقهروهم بنصر الله لهم ( وقتل داود جالوت ) ذكروا في الإسرائيليات : أنه قتله بمقلاع كان في يده رماه به فأصابه فقتله ، وكان طالوت قد وعده إن قتل جالوت أن يزوجه ابنته ويشاطره نعمته ويشركه في أمره فوفى له ثم آل الملك إلى داود عليه السلام مع ما منحه الله به من النبوة العظيمة ; ولهذا قال تعالى : ( وآتاه الله الملك ) الذي كان بيد طالوت ( والحكمة ) أي : النبوة بعد شمويل ( وعلمه مما يشاء ) أي : مما يشاء الله من العلم الذي اختصه به صلى الله عليه وسلم ثم قال تعالى : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) أي : لولاه يدفع عن قوم بآخرين ، كما دفع عن بني إسرائيل بمقاتلة طالوت وشجاعة داود لهلكوا كما قال : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ) الآية [ الحج : 40 ] .

وقال ابن جرير ، رحمه الله : حدثني أبو حميد الحمصي أحمد بن المغيرة حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا حفص بن سليمان عن محمد بن سوقة عن وبرة بن عبد الرحمن عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء " .

ثم قرأ ابن عمر : ( ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ) وهذا إسناد ضعيف فإن يحيى بن سعيد [ هذا ] هو أبو زكريا العطار الحمصي وهو ضعيف جدا .

ثم قال ابن جرير : حدثنا أبو حميد الحمصي حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله ، ولا يزالون في حفظ الله عز وجل ما دام فيهم " .

وهذا أيضا غريب ضعيف لما تقدم أيضا .

وقال أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم أخبرنا علي بن إسماعيل بن حماد أخبرنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد أخبرنا زيد بن الحباب ، حدثني حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان رفع الحديث قال : " لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله " .

وقال ابن مردويه أيضا : وحدثنا محمد بن أحمد حدثنا محمد بن جرير بن يزيد ، حدثنا أبو معاذ نهار بن عثمان الليثي أخبرنا زيد بن الحباب أخبرني عمر البزار ، عن عنبسة الخواص ، عن قتادة عن أبي قلابة عن أبي الأشعث الصنعاني عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأبدال في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض ، وبهم تمطرون وبهم تنصرون " قال قتادة : إني لأرجو أن يكون الحسن منهم .

وقوله : ( ولكن الله ذو فضل على العالمين ) أي : من عليهم ورحمة بهم ، يدفع عنهم ببعضهم بعضا وله الحكم والحكمة والحجة على خلقه في جميع أفعاله وأقواله .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله : " ولما برزوا لجالوت وجنوده "، ولما برز طالوت وجنوده لجالوت وجنوده.

* * * ومعنى قوله: " برزوا " صاروا بالبراز من الأرض, وهو ما ظهر منها واستوى.

ولذلك قيل للرجل القاضي حاجته: " تبرز "، لأن الناس قديما في الجاهلية، إنما كانوا يقضون حاجتهم في البراز من الأرض.

وذلك كما قيل: (37) " تغوط"، لأنهم كانوا يقضون حاجتهم في" الغائط" من الأرض، وهو المطمئن منها, فقيل للرجال: " تغوط" أي صار إلى الغائط من الأرض.

* * * وأما قوله: " ربنا أفرغ علينا صبرا "، فإنه يعني أن طالوت وأصحابه قالوا: " ربنا أفرغ علينا صبرا "، يعني أنـزل علينا صبرا.

* * * وقوله: " وثبت أقدامنا "، يعني: وقو قلوبنا على جهادهم، لتثبت أقدامنا فلا نهزم عنهم=" وانصرنا على القوم الكافرين "، الذين كفروا بك فجحدوك إلها وعبدوا غيرك، واتخذوا الأوثان أربابا.

---------- الهوامش : (37) في المخطوطة والمطبوعة : "لذلك كما قيل" ، والسياق يقتضي ما أثبت ، وليست"لذلك" من تمام الجملة السالفة .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين" برزوا " صاروا في البراز وهو الأفيح من الأرض المتسع .

وكان جالوت أمير العمالقة وملكهم ، ظله ميل .

ويقال : إن البربر من نسله ، وكان فيما روي في ثلاثمائة ألف فارس .

وقال عكرمة : في تسعين ألفا ، ولما رأى المؤمنون كثرة عدوهم تضرعوا إلى ربهم ، وهذا كقوله : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير إلى قوله وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا الآية .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لقي العدو يقول في القتال : ( اللهم بك أصول وأجول ) وكان صلى الله عليه وسلم يقول إذا لقي العدو : اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم ودعا يوم بدر حتى سقط رداؤه عن منكبيه يستنجز الله وعده على ما يأتي بيانه في ( آل عمران ) إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ولهذا لما برزوا لجالوت وجنوده { قالوا } جميعهم { ربنا أفرغ علينا صبرا } أي: قو قلوبنا، وأوزعنا الصبر، وثبت أقدامنا عن التزلزل والفرار، وانصرنا على القوم الكافرين.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

ولما برزوا ) يعني طالوت وجنوده يعني المؤمنين ( لجالوت وجنوده ) المشركين ومعنى برزوا صاروا بالبراز من الأرض وهو ما ظهر واستوى ( قالوا ربنا أفرغ علينا ) أنزل واصبب ( صبرا وثبت أقدامنا ) قلوبنا ( وانصرنا على القوم الكافرين

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولما برزوا لجالوت وجنوده» أي ظهروا لقتالهم وتصافّوا «قالوا ربنا أفرغ» أصبب «علينا صبرا وثبت أقدامنا» بتقوية قلوبنا على الجهاد «وانصرنا على القوم الكافرين».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولما ظهروا لجالوت وجنوده، ورأوا الخطر رأي العين، فزعوا إلى الله بالدعاء والضراعة قائلين: ربنا أنزل على قلوبنا صبرًا عظيمًا، وثبت أقدامنا، واجعلها راسخة في قتال العدو، لا تفر مِن هول الحرب، وانصرنا بعونك وتأييدك على القوم الكافرين.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم حكى القرآن بعد ذلك ما قاله المؤمنون الصادقون عندما برزوا للقاء أعدائهم فقال :( وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ .

.

.

)قوله : ( بَرَزُواْ ) أي صاروا إلى إبراز الأرض وهو ما انكشف منها بحيث يصير كل فريق من المتقاتلين يرى صاحبه ، ومنه سميت المبارزة في الحرب لظهور كل قرن إلى قرنه .

أي : وحين برز طالوت ومن معه لقتال جالوت وجنوده ، وأصبح الفريقان في مكان متسع من الأرض بحيث يرى كل فريق خصمه اتجه المؤمنون إلى الله - تعالى - بالدعاء قائلين بإخلاص وخشوع :( رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً ) أي : أفض علينا صبرا يعمنا ، ويملأ قلوبنا ثقة بنصرك ، ويحبس نفوسنا على طاعتك .قال الإِمام الرازي ما ملخصه ، الإِفراغ : الصب .

يقال أفرغت الإِناء إذا صببت ما فيه .وقولهم هذا يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين :أحدهما : أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه وهذا يدل على التأكيد .والثاني : " أن افراغ الإِناء هو إخلاؤه وذلك يكون بصب كل ما فيه ، فمعنى أفرغ علينا صبرا ، أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه - حتى تتحقق فينا صفة الصبر كأحسن ما يكون التحقق " .أما الدعوة الثانية فقد قالوا فيها - كما حكى القرآن عنها - ( وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ) أي هب لنا من كمال القوة والرسوخ عند القتال ما يجعلنا نثبت أمام أعدائنا ، ونتمكن من رقابهم دون أن يتمكنوا منا .

فهذا الدعاء كناية عن أن يمنحهم - سبحانه - الثبات عند الزحف ، وعدم الفرار عند القتال .وفي قوله : ( وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ) تعبير بالجزء عن الكل ، لأن الأقدام هي التي يكون بها الفرار ، فتثبيتها إبعاد عن الفرار ، ومتى حصل الثبات كان النصر متوقعاً ، والصبر متحققاً .ثم ختموا دعاءهم بأن قالوا : ( وانصرنا عَلَى القوم الكافرين ) أي اجعل الغلبة لنا عليهم ، لأننا مؤمنون بأنك المعبود المستحق للعبادة وهم يكفرون بذلك .والمتأمل في هذه الدعوات الثلاث يراها قد جمعت أسمى ألوان الأدب وحسن الترتيب ، فهم قد صدروا دعاءهم بالتوسل بوصف الربوبية فقالوا ( رَبَّنَآ ) أي يا خالقنا ويا منشئنا ويا مربينا ويا مميتنا ، وفي ذلك إشعار أنهم يلجأون إلى من بيده وحده النفع والضر ، والنصر والهزيمة .

ثم افتتحوا دعاءهم بطلب الصبر عند المخاوف لأنه هو عدة القتال الأولى ، وركنه الأعلى ، إذ به يكون ضبط النفس فلا تفزع ، وبه يسكن القلب فلا يجزع .

ثم التمسوا منه - سبحانه - أن يثبت أقدامهم عند اللقاء لأن هذا الثبات هو مظهر الصبر ، ووسيلة النصر ، وعنوان القوة .

ثم ختموا دعاءهم بما هو ثمرة ونتيجة للصبر والثبات وهو النصر على الأعداء .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

فيه مسائل: المسألة الأولى: المبارزة في الحروب، هي أن يبرز كل واحد منهم لصاحبه وقت القتال، والأصل فيها أن الأرض الفضاء التي لا حجاب فيها يقال لها البراز، فكان البروز عبارة عن حصول كل واحد منهما في الأرض المسماة بالبراز، وهو أن يكون كل واحد منهما بحيث يرى صاحبه.

المسألة الثانية: أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع العوام والضعفاء أنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، وأوضحوا أن الفتح والنصرة لا يحصلان إلا بإعانة الله، لا جرم لما برز عسكر طالوت إلى عسكر جالوت ورأوا القلة في جانبهم، والكثرة في جانب عدوهم، لا جرم اشتغلوا بالدعاء والتضرع، فقالوا: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ ونظيره ما حكى الله عن قوم آخرين أنهم قالوا حين الالتقاء مع المشركين: ﴿ وَكَأَيّن مّن نَّبِىّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيُّونَ كَثِيرٌ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغفر لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين  ﴾ وهكذا كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل المواطن، وروي عنه في قصة بدر أنه عليه السلام لم يزل يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم وكان يقول: اللهم بك أصول وبك أجول.

المسألة الثالثة: الإفراغ الصب، يقال: أفرغت الإناء إذا صببت ما فيه، وأصله من الفراغ، يقال: فلان فارغ معناه أنه خال مما يشغله، والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه.

إذا عرفت هذا فنقول قوله: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ يدل على المبالغة في طلب الصبر من وجهين: أحدهما: أنه إذا صب الشيء في الشيء فقد أثبت فيه بحيث لا يزول عنه، وهذا يدل على التأكيد والثاني: أن إفراغ الإناء هو إخلاؤه، وذلك يكون بصب كل ما فيه، فمعنى: أفرغ علينا صبراً: أي أصبب علينا أتم صب وأبلغه.

المسألة الرابعة: اعلم أن الأمور المطلوبة عند المحاربة مجموع أمور ثلاثة فأولها: أن يكون الإنسان صبوراً على مشاهدة المخاوف والأمور الهائلة، وهذا هو الركن الأعلى للمحارب فإنه إذا كان جباناً لا يحصل منه مقصود أصلاً.

وثانيها: أن يكون قد وجد من الآلات والأدوات والاتفاقات الحسنة مما يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار.

وثالثها: أن تزداد قوته على قوة عدوه حتى يمكنه أن يقهر العدو.

إذا عرفت هذا فنقول المرتبة الأولى: هي المراد من قوله: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ والثانية: هي المراد بقوله: ﴿ وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ والثالثة: هي المراد بقوله: ﴿ وانصرنا عَلَى القوم الكافرين ﴾ .

المسألة الخامسة: احتج الأصحاب على أن أفعال العباد مخلوقة لله تعالى بقوله: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ وذلك لأنه لا معنى للصبر إلا القصد على الثبات، ولا معنى للثبات إلا السكون والاستقرار وهذه الآية دالة على أن ذلك القصد المسمى بالصبر من الله تعالى، وهو قوله: ﴿ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ وعلى أن الثبات والسكون الحاصل عند ذلك القصد أيضاً بفعل الله تعالى، وهو قوله: ﴿ وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ وهذا صريح في أن الإرادة من فعل العبد وبخلق الله تعالى، أجاب القاضي عنه بأن المراد من الصبر وتثبيت القدم تحصيل أسباب الصبر، وأسباب ثبات القدم، وتلك الأسباب أمور أحدها: أن يجعل في قلوب أعدائهم الرعب والجبن منهم فيقع بسبب ذلك منهم الاضطراب فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم، ويصير داعياً لهم إلى الصبر على القتال وترك الانهزام.

وثانيها: أن يلطف ببعض أعدائهم في معرفة بطلان ما هم عليه فيقع بينهم الاختلاف والتفرق ويصير ذلك سبباً لجراءة المؤمنين عليهم.

وثالثها: أن يحدث تعالى فيهم وفي ديارهم وأهاليهم من البلاء مثل الموت والوباء، وما يكون سبباً لاشتغالهم بأنفسهم، ولا يتفرغون حينئذٍ للمحاربة فيصير ذلك سبباً لجراءة المسلمين عليهم.

ورابعها: أن يبتليهم بمرض وضعف يعمهم أو يعم أكثرهم، أو يموت رئيسهم ومن يدبر أمرهم فيعرف المؤمنون ذلك فيصير ذلك سبباً لقوة قلوبهم، وموجباً لأن يحصل لهم الصبر والثبات، هذا كلام القاضي.

والجواب عنه من وجهين: الأول: أنا بينا أن الصبر عبارة عن القصد إلى السكوت والثبات عبارة عن السكون، فدلت هذه الآية على أن إرادة العبد ومراده من الله تعالى وذلك يبطل قولكم وأنتم تصرفون الكلام عن ظاهره وتحملونه على أسباب الصبر وثبات الأقدام، ومعلوم أن ترك الظاهر بغير دليل لا يجوز.

الوجه الثاني: في الجواب أن هذه الأسباب التي سلمتم أنها بفعل الله تعالى إذا حصلت ووجدت فهل لها أثر في الترجيح الداعي أوليس لها أثر فيه وإن لم يكن لها أثر فيه لم يكن لطلبها من الله قائدة وإن كان لها أثر في الترجيح فعند صدور هذه الأسباب المرجحة من الله يحصل الرجحان، وعند حصول الرجحان يمتنع الطرف المرجوح، فيجب حصول الطرف الراجح، لأنه لا خروج عن طرفي النقيض، وهو المطلوب، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

و(جَالُوتَ) جبار من العمالقة من أولاد عمليق بن عاد، وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ وهب لنا ما نثبت به في مداحض الحر من قوّة القلوب وإلقاء الرعب في قلب العدو ونحو ذلك من الأسباب.

كان إيشى أبو داود في عسكر طالوت مع ستة من بنيه، وكان داود سابعهم وهو صغير يرعى الغنم، فأوحي إلى اشمويل أنّ داود بن إيشى هو الذي يقتل جالوت، فطلبه من أبيه، فجاء وقد مرّ في طريقه بثلاثة أحجار دعاه كل واحد منها أن يحمله وقالت له: إنك تقتل بنا جالوت، فحملها في مخلاته ورمى بها جالوت فقتله، وزوّجه طالوت بنته.

وروي أنه حسده وأراد قتله ثم تاب ﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدّسة ومغاربها، وما اجتمعت بنو إسرائيل على ملك قط قبل داود ﴿ والحكمة ﴾ والنبوّة ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ ﴾ من صنعة الدروع، وكلام الطير والدواب وغير ذلك ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس ﴾ ولولا أن الله يدفع بعض الناس ببعض ويكف بهم فسادهم، لغلب المفسدون وفسدت الأرض وبطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وسائر ما يعمر الأرض.

وقيل: ولولا أن الله ينصر المسلمين على الكفار لفسدت الأرض بعيث الكفار فيها وقتل المسلمين.

أو لو لم يدفعهم بهم لعمّ الكفر ونزلت السخطة فاستؤصل أهل الأرض.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ أيْ ظَهَرُوا لَهم ودَنَوْا مِنهم.

﴿ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ التَجَأُوا إلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالدُّعاءِ، وفِيهِ تَرْتِيبٌ بَلِيغٌ إذْ سَألُوا أوَّلًا إفْراغَ الصَّبْرِ في قُلُوبِهِمُ الَّذِي هو مِلاكُ الأمْرِ، ثُمَّ ثَباتَ القَدَمِ في مَداحِضِ الحَرْبِ المُسَبَّبَ عَنْهُ، ثُمَّ النَّصْرَ عَلى العَدُوِّ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِما غالِبًا.

﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ فَكَسَرُوهم بِنَصْرِهِ، أوْ مُصاحِبِينَ لِنَصْرِهِ إيّاهم إجابَةً لِدُعائِهِمْ.

﴿ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ﴾ قِيلَ: كانَ إيشا في عَسْكَرِ طالُوتَ مَعَهُ سِتَّةٌ مِن بَنِيهِ، وكانَ داوُدُ سابِعَهم وكانَ صَغِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى نَبِيِّهِمْ أنَّهُ الَّذِي يَقْتُلُ جالُوتَ فَطَلَبَهُ مِن أبِيهِ فَجاءَ وقَدْ كَلَّمَهُ في الطَّرِيقِ ثَلاثَةُ أحْجارٍ وقالَتْ لَهُ: إنَّكَ بِنا تَقْتُلُ جالُوتَ، فَحَمَلَها في مِخْلاتِهِ ورَماهُ بِها فَقَتَلَهُ ثُمَّ زَوَّجَهُ طالُوتُ بِنْتَهُ.

﴿ وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ ﴾ أيْ مُلْكَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ يَجْتَمِعُوا قَبْلَ داوُدَ عَلى مُلْكٍ.

والحِكْمَةُ أيِ النُّبُوَّةِ.

﴿ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ كالسَّرْدِ وكَلامِ الدَّوابِّ والطَّيْرِ.

﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ولَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلى العالَمِينَ ﴾ ولَوْلا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى يَدْفَعُ بَعْضَ النّاسِ بِبَعْضٍ ويَنْصُرُ المُسْلِمِينَ عَلى الكَفّارِ ويَكُفُّ بِهِمْ فَسادَهُمْ، لَغَلَبُوا وأفْسَدُوا في الأرْضِ، أوْ لَفَسَدَتِ الأرْضُ بِشُؤْمِهِمْ.

وقَرَأ نافِعٌ هُنا وفي الحَجِّ « دِفاعُ اللَّهِ» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ} خرجوا لقتالهم {قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ} أصبب {عَلَيْنَا صَبْرًا} على القتال {وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا} بتقوية قلوبنا وإلقاء الرعب في صدور عدونا {وانصرنا عَلَى القوم الكافرين} أعنا عليهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَمّا بَرَزُوا ﴾ أيْ: ظَهَرَ طالُوتُ ومَن مَعَهُ، وصارُوا في بِرازٍ مِنَ الأرْضِ؛ وهو ما انْكَشَفَ مِنها واسْتَوى ﴿ لِجالُوتَ وجُنُودِهِ ﴾ أيْ: لِمُحارَبَتِهِمْ وقِتالِهِمْ ﴿ قالُوا ﴾ جَمِيعًا بَعْدَ أنْ قَوِيَتْ قُلُوبُ الضُّعَفاءِ، مُتَضَرِّعِينَ إلى اللَّهِ تَعالى مُتَبَرِّئِينَ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ ﴿ رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا ﴾ أيْ: صُبَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، ووَفِّقْنا لَهُ، والمُرادُ بِهِ: حَبْسُ النَّفْسِ لِلْقِتالِ ﴿ وثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ أيْ: هَبْ لَنا كَمالَ القُوَّةِ والرُّسُوخِ عِنْدَ المُقارَعَةِ؛ بِحَيْثُ لا تَتَزَلْزَلُ، ولَيْسَ المُرادُ بِتَثْبِيتِ الأقْدامِ مُجَرَّدَ تَقَرُّرِها في حَيِّزٍ واحِدٍ، إذْ لَيْسَ في ذَلِكَ كَثِيرُ جَدْوى ﴿ وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ أيْ: أعِنّا عَلَيْهِمْ بِقَهْرِهِمْ وهَزْمِهِمْ، ووَضَعَ ( الكافِرِينَ ) مَوْضِعَ الضَّمِيرِ العائِدِ إلى جالُوتَ وجُنُودِهِ؛ لِلْإشْعارِ بِعِلَّةِ النَّصْرِ عَلَيْهِمْ، وفي هَذا الدُّعاءِ مِنَ اللَّطافَةِ وحُسْنِ الأُسْلُوبِ والنِّكاتِ ما لا يَخْفى؛ أمّا أوَّلًا: فَلِأنَّ فِيهِ التَّوَسُّلَ بِوَصْفِ الرُّبُوبِيَّةِ المُنْبِئَةِ عَنِ التَّبْلِيغِ إلى الكَمالِ، وأمّا ثانِيًا: فَلِأنَّ فِيهِ الإفْراغَ، وهو يُؤْذِنُ بِالكَثْرَةِ، وفِيهِ جَعْلُ الصَّبْرِ بِمَنزِلَةِ الماءِ المُنْصَبِّ عَلَيْهِمْ؛ لِثَلْجِ صُدُورِهِمْ، وإغْنائِهِمْ عَنِ الماءِ الَّذِي مُنِعُوا عَنْهُ، وأما ثالِثًا: فَلِأنَّ فِيهِ التَّعْبِيرَ بِعَلى المُشْعِرَ بِجَعْلِ ذَلِكَ كالظَّرْفِ، وجَعْلِهِمْ كالمَظْرُوفِينَ، وأمّا رابِعًا: فَلِأنَّ فِيهِ تَنْكِيرَ ( صَبْرًا ) المُفْصِحَ عَنِ التَّفْخِيمِ، وأمّا خامِسًا: فَلِأنَّ في الطَّلَبِ الثّانِي وهو تَثْبِيتُ الأقْدامِ ما يُرَشِّحُ جَعْلَ الصَّبْرِ بِمَنزِلَةِ الماءِ في الطَّلَبِ الأوَّلِ؛ إذْ مَصابُّ الماءِ مَزالِقُ، فَيُحْتاجُ فِيها إلى التَّثْبِيتِ، وأمّا سادِسًا: فَلِأنَّ فِيهِ حُسْنَ التَّرْتِيبِ؛ حَيْثُ طَلَبُوا أوَّلًا: إفْراغَ الصَّبْرِ عَلى قُلُوبِهِمْ عِنْدَ اللِّقاءِ، وثانِيًا: ثَباتَ القَدَمِ والقُوَّةِ عَلى مُقاوَمَةِ العَدُوِّ، حَيْثُ إنّ الصَّبْرَ قَدْ يَحْصُلُ لِمَن لا مُقاوَمَةَ لَهُ، وثالِثًا: العُمْدَةُ والمَقْصُودُ مِنَ المُحارَبَةِ وهو النُّصْرَةُ عَلى الخَصْمِ، حَيْثُ إنّ الشَّجاعَةَ بِدُونِ النُّصْرَةِ طَرِيقٌ عَتَبَتُهُ عَنِ النَّفْعِ خارِجَةٌ، وقِيلَ: إنَّما طَلَبُوا أوَّلًا: إفْراغَ الصَّبْرِ؛ لِأنَّهُ مَلاكُ الأمْرِ، وثانِيًا: التَّثْبِيتَ؛ لِأنَّهُ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، وثالِثًا: النَّصْرَ؛ لِأنَّهُ الغايَةُ القُصْوى، واعْتَرَضَ هَذا بِأنَّهُ يَقْتَضِي حِينَئِذٍ التَّعْبِيرَ بِالفاءِ؛ لِأنَّها الَّتِي تُفِيدُ التَّرْتِيبَ، وأُجِيبُ بِأنَّ الواوَ أبْلَغُ؛ لِأنَّهُ عَوْلٌ في التَّرْتِيبِ عَلى الذِّهْنِ، الَّذِي هو أعْدَلُ شاهِدٍ، كَما ذَكَرَ السَّكّاكِيُّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وقوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى، يعني الرؤساء والقادة.

وقال بعضهم: اشتقاق الملأ في اللغة من الملأ وهم الجماعة التي تملأ باديتهم.

وقال بعضهم: الناظر إذا نظر إليهم، امتلأ عينه هيبة منهم وذلك أن كفار بني إسرائيل قهروا مؤمنيهم فقتلوهم، وسبوهم، وأخرجوهم من ديارهم.

وكان رئيسهم جالوت، فلما اضطر المسلمون في ذلك جاءوا إلى نبي لهم يقال له: أشمويل بن هلقانا-  - بلغة العبرانية وبالعربية إسماعيل بن هلقان، إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ، يعني أشمويل: ابْعَثْ لَنا مَلِكاً، يعني ادع لنا الله تعالى أن يجعل لنا ملكاً، يعني رجلاً ينتظم به أمرنا.

نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.

ف قالَ لهم أشمويل: هَلْ عَسَيْتُمْ.

قرأ نافع: هَلْ عَسَيْتُمْ بكسر السين، وقرأ الباقون: بالنصب، وهي اللغة المعروفة.

والأول لغة لبعض العرب هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا، يعني إذا بعث الله لكم ملكاً وفرض عليكم القتال، لعلكم لا تقاتلون وتجبنون عن القتال.

قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، يقول: كيف لا نقاتل في سبيل الله وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا، يعني أخذوا ديارنا وسبوا أبنائنا.

فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ، أي فرض عليهم القتال.

تَوَلَّوْا وتركوا القتال ولم يثبتوا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، يعني إن الله تعالى يعلم جزاء من تولى عن القتال.

ثم بيّن لهم القصة بقوله: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً، يعني قال: أجابكم ربكم إلى ما سألتم من بعث ملك تقاتلون في سبيل الله معه، وقد جعل لكم طالوت ملكاً وكان طالوت فيهم حقير الشأن، وكانت النبوة في بني لاوي بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا.

ولم يكن طالوت من أهل بيت النبوة ولا من أهل بيت الملك.

ويقال: كان رجلاً يبيع الخمر، ويقال: كان بقاراً، ويقال: كان دباغاً، ولكنه كان عالماً فرفعه الله بعلمه.

قالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا، يعني المسلمون قالوا لنبيهم: من أين يكون له الملك عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ؟

لأن منا الملوك.

وَلَمْ يُؤْتَ طالوت سَعَةً مِنَ الْمالِ ينفق علينا.

والملك يحتاج إلى مال ينفق على جنوده وأعوانه.

قالَ لهم نبيهم-  -: إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ، يعني اختاره عليكم وَزادَهُ بَسْطَةً، أي فضيلة فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وكان رجلاً جسيماً وكان عالماً.

ويقال: كان عالماً بأمر الحرب.

وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ.

والواسع في اللغة: هو الغني.

ويقال: واسع بعطية الملك، عالم لمن يعطيه.

ويقال: واسع يعني باسط الرزق، عليم بمن يصلح له الملك.

فظنوا أنه يقول لهم من ذات نفسه.

وقالوا له: إن كان الله تعالى أمرك بذلك، فأتنا بآية قال الله تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ وذلك أن الكفار كانوا أخذوا التابوت، وكان التابوت للمسلمين، فإذا خرجوا للغزو والتابوت معهم كانوا يرجون الظفر.

فأخذ الكفار التابوت ووضعوه في مزبلة- أي في مخرأة لهم- فابتلاهم الله تعالى بالباسور.

ويقال إن أصل الباسور من ذلك الوقت، وأصل الجذام من وقت أيوب-  - وتغير الطعام من قبل بني إسرائيل.

فجعل الله تعالى آية ملك طالوت رد التابوت إليهم، فذلك قوله تعالى: إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ يعني علامة ملكة أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ.

فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ.

قال الكلبي: سكينة أي: طمأنينة، إذا كان التابوت في مكان اطمأنت قلوبهم بالظفر.

وقال مقاتل: السكينة كانت دابة ورأسها كرأس الهرة ولها جناحان، فإذا صوَّتت، عرفوا أن النصر لهم.

ويقال: كانت جوهراً أحمر يسمع منه الصوت.

ويقال: كانت ريحاً تهب فيها لها صوت يعرفون أن النصرة لهم عند الصوت.

قوله تعالى: وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ، يعني الرضاض من الألواح، وقفيز من منّ في طست من ذهب، وعصا موسى، وعمامة هارون قال الكلبي: وكان التابوت من عود الشمشار الذي يتخذ منه الأمشاط، فلما ابتلاهم الله تعالى بالباسور، عرفوا أن ذلك من التابوت، فقالوا: لعل إله بني إسرائيل الذي فينا، يعنون التابوت، هو الذي يفعل بنا هذا الفعل، فأخرجوا بقرتين من المدينة وتركوا أولادها في المدينة، وربطوا التابوت على عجلة ثم ربطوا العجلة بالبقرتين، ثم وجهوهما نحو بني إسرائيل فضربت الملائكة جنوبهما، وساقوهما حتى هجموا بهما على أرض بني إسرائيل، فأصبحوا والتابوت بين أظهرهم.

وذلك قوله تعالى: تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ، يعني الملائكة ساقوا العجلة.

إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ، يعني إن في رد التابوت علامة لملك طالوت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، أي مصدقين بأن ملكه من الله تعالى فعرفوا وأطاعوه.

قوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ، يعني فتجهز طالوت وخرج بالجنود وهم سبعون ألفاً، فصاروا في حر شديد، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء.

ف قالَ لهم طالوت: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ وهو بين الأردن وفلسطين وإنما كان الابتلاء ليظهر عند طالوت من كان مخلصاً في نيته من غيره وأراد أن يميز عنهم من لا يريد القتال، لأن من لا يريد القتال إذا خالط العسكر، يدخل الضعف والوهن في العسكر، لأنه إذا انهزم وهرب ضعف الباقون.

ويقال: إن أشمويل هو الذي أخبر طالوت بالوحي، حتى أخبر طالوت قومه حيث قال: إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، يعني ليس معي على عدوي، إذا شرب بغير غرفة.

وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، يعني لم يشرب منه يعني غرفة.

فَإِنَّهُ مِنِّي، أي معي على عدوي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ.

قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: غُرْفَةً بنصب الغين، وقرأ الباقون برفع الغين.

فمن قرأ بالنصب، يكون مصدر غرفة، أي مرة واحدة باليد.

ومن قرأ بالضم، هو ملء الكف وهو اسم الماء مثل: الخَطوة والخُطوة.

قال بعض المفسرين: الغَرفة بكف واحدة والغُرفة بالكفين.

وقال بعضهم: كلاهما لغتان ومعناهما واحد.

فلما خرجوا من المفازة وقد أصابهم العطش، وقفوا في النهر، فَشَرِبُوا مِنْهُ بغير غرفة إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وروي عن رسول الله  أنه قال لأصحابه يوم بدر: «أَنْتُمْ عَلَى عَدَدِ المُرْسَلِينَ وَعَدَدِ قَوْمِ طَالوتَ ثَلاثمائةٍ وثلاثة عشر» ، فأمر من شرب بغير غرفة أن يرجعوا.

ويقال: قد ظهر على شفاههم علامة، عرف بها من شرب من الذي لم يشرب، فردهم وأمسك المخلصين منهم.

فَلَمَّا جاوَزَهُ، يعني جاوز النهر.

هُوَ، يعني طالوت وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ودنوا إلى عسكر جالوت، وكان معه مائة ألف فارس كلهم شاكون في السلاح.

قالُوا، أي المؤمنون: لاَ طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، لما رأوا من كثرتهم.

قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، يعني أيقنوا بالموت لما رأوا من كثرة العدو فأيقنوا بهلاك أنفسهم.

ويقال: أيقنوا بالبعث بعد الموت وهو قوله: قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ، وهم أهل العلم منهم: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ، يعني كم من جند قليل، غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً عدتهم بِإِذْنِ اللَّهِ، أي بنصر الله وأمره، إذا خلصت نيتهم، وطابت أنفسهم بالموت في طاعة الله وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بالنصرة على عدوهم أي معينهم.

وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ، يقول: خرجوا واصطفوا لجالوت.

دعوا الله تعالى، قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، أي أصبب علينا صبراً، معناه ارزقنا الصبر على القتال، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا عند القتال وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ.

قال وكان داود-  - راعياً، وكان له سبعة أخوة مع طالوت فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم- وكان اسمه إيشا- أرسل إليهم ابنه داود ينظر إليهم ما أمرهم ويأتيه بخبرهم فلما خرج، مرَّ على حجر فقال له الحجر: خذني فإني حجر إبراهيم قتل بي عدوه، فأخذه وجعله في مخلاته ثم مرَّ بآخر فقال له: خذني فإني حجر موسى الذي قتل بي كذا كذا، ثم مرَّ بثالث فقال له: خذني فأنا الذي أقتل جالوت، فأخذه وجعله في مخلاته فأتاهم وهم بالصفوف وقد برز جالوت وقال: من يبارزني؟

فلم يخرج إليه أحد.

ثم قال: يا بني إسرائيل لو كنتم على حق، لخرج إلي بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟

فقالوا له: اسكت.

فذهب داود إلى ناحية من الصف ليس فيها أحد من إخوته، فمر طالوت به وهو يحرض الناس، فقال له داود: وما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

قال طالوت: أنكحه ابنتي واجعل له نصف ملكي.

قال داود: فأنا أخرج إليه.

فأعطاه طالوت درعه وسيفه، فلما خرج في الدرع جرها، لأن طالوت كان أطول الناس، فرجع داود إلى طالوت وقال: إني لم أتعود القتال في الدرع، فرد الدرع إليه.

فقال له طالوت: فهل جربت نفسك؟

قال: نعم وقع ذئب في غنمي فضربته بالسيف فقطعته نصفين.

فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غير هذا؟

قال: نعم دخل أسد في غنمي فضربته، ثم أخذت بلحييه فشققتها، فقال له: هذا أشد، ثم قال لَّهُ مَا اسمك؟

قال: داود بن إيشا.

فعرفه.

فرأى أنه أجلد إخوته، فأخذ قذافته وخرج.

فلما رآه جالوت قال: خرجت إليّ لتقتلني بالقذافة كما تقتل الكلاب؟

فقال له داود: وهل أنت إلا مثل الكلاب؟

قال الكلبي: وكان على رأس جالوت بيضة ثلاثمائة رطل، فقال له جالوت: إما أن ترميني وإما أن أرميك.

فقال له داود: بل أنا أرميك.

ثم أخذ واحداً من الأحجار الثلاثة فرماه، فوقع في صدره ونفذ من صدره فقتل خلفه خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: صارت الأحجار كلها واحداً فلما رماها تفرقت في عسكره فقتلت خلقاً كثيراً.

وقال بعضهم: رمى واحداً بعد واحد، فقتل جالوت وخلقاً كثيراً وهزمهم الله بإذنه، فذلك قوله عز وجل: فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ.

ثم إن طالوت زوج داود ابنته وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه، فقال له وزراؤه: إن دفعت إليه نصف ملكك، فيصير منازعاً لك في ملكك، ويفسد عليك الملك.

فامتنع من ذلك وأراد قتل داود-  - وكان في ذلك ما شاء الله حتى دفع إليه النصف، ثم خرج طالوت إلى بعض المغازي فقتل هناك، فتحول الملك كله إلى داود.

ولم يجتمع بنو إسرائيل كلهم على ملك واحد إلا على داود.

فذلك قوله عز وجل: وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ، يعني ملك اثني عشر سبطاً وَالْحِكْمَةَ، يعني النبوة، وأنزل عليه الزبور أربعمائة وعشرين سورة وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ، أي علم داود من صنع الدروع وكلام الطيور وتسبيح الجبال معه وكلام الدواب.

وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ، أي يدفع البلاء عن المؤمنين بالنبيين- عليهم السلام- ويدفع بالمؤمنين عن الكفار، لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ، أي هلك أهلها.

ويقال: ولولا دفع الله جالوت بطالوت، لهلكت بنو إسرائيل كلهم.

ويقال: ولولا دفع الله البلايا بسبب المطيعين، لهلك الناس كما جاء في الأثر: لولا رجال خشع وصبيان رضع وبهائم رتع، لصببت عليكم العذاب صباً.

وروي عن الحسن أنه قال: لولا الصالحون لهلك الطالحون.

ويقال: لولا ما أمر الله المؤمنين بحرب الكفار، لفسدت الأرض بغلبة الكفار.

ويقال لولا ما ينتفع بعض الناس ببعض، لأن في كل أرض بلدة يتولد فيها شيء لا يوجد ذلك في سائر البلدان، فينتفع بها أهل سائر البلدان وينتفع بعضهم ببعض، فيكون في ذلك صلاح أهل الأرض.

قرأ نافع هاهنا وَلَوْلاَ دِفَاع الله وفي الحج: إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بغير ألف في كلا الموضعين، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ بغير ألف، إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ [الحج: 38] بالألف.

وتفسير القراءتين واحد وهما لغتان معروفتان.

ثم قال تعالى: وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ، أي ذو منّ عليهم بالدفع عنهم.

تِلْكَ آياتُ اللَّهِ وهو ما قصّ عليه من أخبار الأمم.

نَتْلُوها عَلَيْكَ، أي ننزلها بقراءة جبريل عليك بِالْحَقِّ، أي بالصدق.

وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، يعني إنك لمن جملة المرسلين الذين ذكرناهم.

وقال الزجاج تلك آيات الله، أي هذه الآيات التي أنبئت، أي العلامات التي تدل على توحيده وتثبت رسالته، إذ كان يعجز عن إتيان مثلها المخلوقون وإنك من هؤلاء المرسلين، لأنك قد أتيتهم بالعلامات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ممَّن يؤمن ويُبْصر.

ت: وهذا يؤيِّد تأويلَ الطبريّ المتقدّم.

فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آياتُ اللَّهِ نَتْلُوها عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)

وقوله تعالى: فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ ...

الآية، أي: لما اتفق ملأهم على تمليك طالوتَ، وفصل بهم، أيْ: خرج بهم من القُطْرِ، وفَصَلَ حالَ السفر من حال الإِقامة.

قال السُّدِّيُّ وغيره: وكانوا ثمانين ألفاً «١» ، قالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ أي:

مختبركم، فمن ظهرت طاعته في تَرْك الماءِ، علم أنه يطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهْوَتُه في الماء، وعصى الأمر، فهو بالعصيان في الشدائد أحرى ورخَّص للمطيعين في الغُرْفة ليرتفع عنْهم أذى العَطَش بعض الاِرتفاعِ، وليكسروا نزاعَ النَّفْس في هذه الحال.

ت: ولقد أحْسَنَ من شبه الدُّنْيا بنَهَرِ طالوتَ، فمن اغترف منْها غرفة بيد الزهد، وأقبل على ما يعينه من أمر آخرته، نجا، ومَنْ أكبَّ عليها، صدَّته عن التأهُّب لآخرته، وقلَّت سلامته إِلاَّ أنْ يتدارَكَه اللَّه.

قال ابن عَبَّاس: وهذا النَّهَر بيْن الأَرْدُنِّ وَفِلَسْطِينَ «٢» ، وقال أيضاً: هو نهر فلسطين «٣» .

قال ع: وظاهرُ قولِ طالوتَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ أنه بإِخبار من النبيِّ لطالوتَ، ويحتمل أنْ يكون هذا مما ألهم اللَّه إِليه طالوتَ، فجرَّب به جنده، وهذه النَّزْعة واجبٌ أنْ تقع من كلِّ متولِّي حَرْب، فليس يحارِبُ إِلا بالجنْدِ المطيعِ، وبَيِّنٌ أن الغرفة كَافَّةُ ضرر العَطَش عنْد الحَزَمَةِ «١» الصَّابرين على شَظَف «٢» العَيْش الَّذين هم في غير الرفاهيَةِ، وقوله:

فَلَيْسَ مِنِّي، أي: ليس من أصحابي في هذه الحَرْب، ولم يخرجْهم بذلك عن الإيمان، ومثل هذا قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم: «مَنْ غَشَّنَا، فَلَيْسَ مِنَّا» «٣» ، و «مَنْ رَمَانَا بالنّبل، ...

فَلَيْسَ مِنَّا» «١» ، و «لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ، وَلَطَمَ الخُدُودَ» «٢» .

وفي قوله: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ سدُّ الذرائعِ لأنَّ أدْنَى الذَّوْق يدْخُل في لفظ الطّعم،

فإِذا وقع النَّهْيُ عن الطُّعْم، فلا سبيل إِلى وقوع الشُّرْبِ ممَّن يتجنَّب الطعْم، ولهذه المبالغةِ لم يأْتِ الكلامُ: ومَنْ لَمْ يَشْرَبْ مِنْهُ.

ص: إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ: استثناءٌ من الجملة الأولى، وهو قوله:

فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي، أيْ: إِلاَّ من اغترف غُرْفة بيَده، دون الكَرْع، / فهو منِّي، ٦٣ أوالاستثناء إِذا تعقَّب جملتين فأكثر، أمكَنَ عَوْده إِلى كلِّ منها، فقيل: يعود على الأخيرة، وقيل: إِلى الجميع «١» .

وقال أبو البقاء: إِنْ شئْتَ، جعلته مِنْ «مَنِ» الأولى، وإِنْ شئْتَ مِنْ «مَنِ» الثانيةِ، وتُعُقِّبَ بأنه لو كان استثناءً من الثانية، وهي: وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي، لَلَزِمَ أنْ يكون: مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً ليس منه لأن الاستثناء من الإِثبات نفيٌ، ومن النفي إِثبات على الصحيح، وليس كذلك لأنه أبيحَ لهم الاغترافُ، والظاهر عوده إِلى الأولى، والجملةُ الثانية مفهومةٌ من الأولى، لأنه حين ذكر أنَّ من شربه، فليس منه، فُهِمَ من ذلك أنَّ مَنْ لم يشرب منه، فإِنه منه.

انتهى.

ثم أخبر تعالى أن الأكثر شَرِبَ، وخالَفَ ما أريد منه، روي عن ابن عَبَّاس وغيره أن القوم شَرِبوا على قدر يقينهم، فشرب الكُفَّار شُرْبَ الهيم، وشرب العاصُون دُون ذلك، وانصرف من القوْمِ ستَّة وسبْعُون ألفاً، وبقي بعض المؤمنين، لم يَشْرَبْ شيئاً، وأخذ بعضهم الغُرْفة، فأما مَنْ شرب، فلم يرو، بل برَّح به العطش، وأما من ترك الماء، فَحَسُنَتْ حاله،

وكان أَجْلَدَ ممن أخذ الغُرْفَة «١» .

وقوله تعالى: فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ...

الآية: أكثر المفسِّرين على أنه إِنَّما جاوز النَّهَرَ مَنْ لم يشرَبْ إِلا غُرْفة، ومن لم يَشْرَبْ جملةً، ثم كانَتْ بصائرُ هؤلاء مختلفةً فبعضٌ كَعَّ، وقليلٌ صَمَّم، وهم عِدَّة أهل بدرٍ ثَلاثُمِائَةٍ، وبضْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً.

وقوله تعالى: قالُوا لاَ طاقَةَ.

قال ابن عبَّاس: قال كثير من الأربعةِ الآلافِ الباقيَةِ مع طالُوت، الذين جاوزوا النَّهَر:

لاَ «٢» طاقَةَ لَنَا على جهة الفَشَل، والفزع من الموت، وانصرفوا عن طالوتَ، فقال المؤمنون الموقنُون بالبَعْث، والرجوعِ إِلى اللَّه تعالى، وهم عِدَّة أهل بَدْر: كَمْ مِنْ فِئَةٍ، والظنُّ على هذا القول: اليقينُ والفئةُ: الجماعة التي يرجعُ إِليها في الشدائد، وفي قولهم- رضي اللَّه عنهم- كَمْ مِنْ فِئَةٍ ...

الآية: تحريضٌ بالمثالِ، وحضٌّ واستشعارٌ للصبر، واقتداء بمن صَدَق ربَّه، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ بنصره وتأييده.

وقوله تعالى: وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً ...

الآية:

بَرَزُوا: معناه صَارُوا في البَرَازِ، وهو الأفْيَحُ من الأرض المتَّسِع، والإِفْرَاغُ: أعظم الصبِّ، وكان جالوتُ أمير العمالقة، ومَلِكَهُم، ورُوِيَ في قصَّة داود وقَتْله جالوتَ أنَّ أصحَابَ طالُوتَ كان فيهم إِخوة دَاوُد، وهم بنو أيش، وكان داود صغيراً يرعى غنَماً لأبيه، فلمَّا حضَرَتِ الحربُ، قال في نفْسه: لأذهبنَّ لرؤية هذه الحرْب، فلمَّا نهض مَرَّ في طريقه بحَجَر، فناداه: يا دَاوُد، خُذْنِي، فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثم ناداه حَجَرٌ آخَرُ، ثم آخر، ثم آخَرُ، فأخَذَها، وجعَلَها في مِخْلاَتِهِ، وسار، فلَمَّا حَضَر البأْسُ، خَرَجَ جالُوتُ يطلب مُبَارِزاً، فكَعَّ الناسُ عَنْه حتى قال طالوتُ: مَنْ بَرَز له، ويَقْتُلُه، فأنا أزوِّجه ابنَتِي، وأحكِّمه في مالِي، فجاء داوُدُ، فقال: أنا أَبْرُزُ له، وأقتلُه، فقال له طالوت: فاركب فَرَسِي، وخُذْ سلاحِي، ففَعَلَ، وخَرَج في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فلمَّا مشى قَليلاً، رجَع، فقال الناسُ: جَبُنَ الفتى، فقَالَ داوُد: إِنَّ اللَّه سبحانه، إِنْ لم يَقْتُلْهُ لِي، ويعينَنِي علَيْه، لم ينفعْنِي هذا الفَرَسُ، ولا هذا السِّلاحُ، ولكنِّي أحبُّ أنْ أقاتِلَهُ على عادَتِي، قال: وكان داوُدُ من أرمى النّاس بالمقلاع، ٦٣ ب فنَزَلَ، وأخَذَ مِخْلاَته، / فتقلَّدها، وأخَذَ مِقْلاَعه، فخَرَج إِلى جَالُوتَ، وهو شَاكٍ فِي السِّلاحِ، فقال له جالوت: «أنْتَ، يا فتى، تَخْرُجُ إِلَيَّ» .

قال: نعم، قال: هكذا كما

يُخْرَجُ إِلى الكَلْبِ، قال: نعم، وأنْتَ أهْوَنُ، قَالَ: لأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطيرَ، والسِّبَاعَ، ثُمَّ تدَانَيَا، فأدار دَاوُدُ مِقْلاَعَهُ، وأدْخَلَ يدَهُ إِلى الحجارةِ فرُوِيَ أنَّها التأمت، فصارَتْ واحداً، فأَخذه، ووضَعَه في المِقْلاَع، وسمَّى اللَّهَ، وأدارَهُ، ورَمَاه، فأصَابَ به رَأسَ جالُوت، فقتله، وحزَّ رأسَهُ، وجعَلَهُ في مِخْلاَته، واختلط النَّاسُ، وحَمَل أصْحَاب طالُوتَ، وكانَتِ الهزيمةُ، ثم إِنَّ داوُدَ جاء يَطْلُبُ شرطَهُ من طالُوتَ، فقال له: إِن بناتِ المُلُوكِ لهُنَّ غرائِبُ من المَهْرِ، ولا بُدَّ لك من قَتْل مائَتَيْنِ من هؤُلاَء الجَرَاجِمَةِ «١» الذينَ يُؤْذُونَ النَّاس، وتجيئَنِي بغُلُفهِمْ «٢» ، وطمع طالوتُ أنْ يُعَرِّض داوُدَ للقَتْلِ بهذه النَّزْعَة، فقَتَل داوُدُ منْهم مائَتَيْنِ، وجاء بذلك، وطَلَبَ امرأته، فدَفَعَهَا إِليه طالُوتُ، وعَظُم أمْرُ داود، فيروى أنَّ طالُوتَ تخلى له عن المُلْك، وصار هو المَلِكَ، وقد أكْثَر الناس في قَصَص هذه الآية، وذلك كلُّه ليِّن الأَسانيد فلذلك انتقَيْتُ منه ما تنفكُّ به الآية، ويعلم به مناقلُ النازلة.

وأما الحكْمَةُ التي آتاه اللَّه، فَهِيَ النبوَّة، والزَّبُور، وعلَّمه سبحانه صَنْعَة الدُّرُوع، ومَنْطِقَ الطَّيْر، وغيْرَ ذلك من أنواع علْمه- صلَّى اللَّه على نبيِّنا وعلَيْه-.

وقوله تعالى: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ...

الآية:

أخبر اللَّه سبحانه في هذه الآية أنه لوْلاَ دفعه بالمؤمنين في صدور الكَفَرة على مرِّ الدَّهْر، لَفَسَدَتِ الأرْض لأن الكُفْر كان يطبقها، ولكنه سبحانه لا يُخْلِي الزمانَ مِنْ قَائِمٍ بحقٍّ، وداعٍ إِلى اللَّه إِلى أنْ جعل ذلك في أمَّة محمَّد إلى قيامِ السَّاعة له الحَمْدُ كَثيراً.

ص: وَلكِنَّ استدراكٌ بإثبات الفضل للَّه سبحانه على جميع العالمين لما يتوهَّمه من يريد الفَسَاد أنَّ اللَّه غير متفضِّل عليه إِذ لم يبلِّغه مقاصده واحتيج إلى هذا التقديرِ لأن «لَكِنَّ» تكونُ بين متنافِيَيْن بوجْهٍ مَّا- انتهى.

والإِشارةُ ب تِلْكَ إلى ما سلف من القصص والأنباء، وفي هذه القصَّة بجملتها مثالٌ عظيمٌ للمؤمنين ومعتَبَرٌ، وقد كان أصحاب نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم معدِّين لحَرْب الكفَّار، فلهم في هذه النازلة معتَبَرٌ يقتضي تقْوِيَة النفُوسِ، والثقَةَ باللَّه سبحانه، وغير ذلك من وجوه العبر.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمّا بَرَزُوا ﴾ أيْ: صارُوا بِالبُرازِ مِنَ الأرْضِ، وهو ما ظَهَرَ واسْتَوى.

و ﴿ أفْرِغْ ﴾ بِمَعْنى اصْبُبْ ﴿ وَثَبِّتْ أقْدامَنا ﴾ أيْ: قَوِّ قُلُوبَنا لِتَثْبِيتِ أقْدامِنا، وإنَّما تَثْبُتُ الأقْدامُ عِنْدَ قُوَّةِ القُلُوبِ.

قالَ مُقاتِلٌ: كانَ جالُوتُ وجُنُودُهُ يَعْبُدُونَ الأوْثانَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وثَبِّتْ أقْدامَنا وانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ ﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللهِ وقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وآتاهُ اللهِ المُلْكَ والحِكْمَةَ وعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ بَرَزُوا مَعْناهُ: صارُوا في البَرازِ وهو الأفْيَحُ مِنَ الأرْضِ، المُتَّسِعُ، وجالُوتُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ - والإفْراغُ أعْظَمُ الصَبِّ، كَأنَّهُ يَتَضَمَّنُ عُمُومَ المُفْرَغِ عَلَيْهِ - والهَزْمُ أصْلُهُ أنْ يُضْرَبَ الشَيْءُ فَيَدْخُلَ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وكَذَلِكَ الجَيْشُ الَّذِي يُرَدُّ يَرْكَبُ رَدْعَهُ، ثُمَّ قِيلَ في مَعْنى الغَلَبَةِ: هَزَمَ- وكانَ جالُوتُ أمِيرَ العَمالِقَةِ ومَلِكَهُمْ، وكانَ فِيما رُوِيَ في ثَلاثِمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ.

وَرُوِيَ في قِصَّةِ داوُدَ وقَتْلِهِ جالُوتَ أنَّ أصْحابَ طالُوتَ كانَ فِيهِمْ إخْوَةُ داوُدَ وهم بَنُو إيشِي، وكانَ داوُدُ صَغِيرًا يَرْعى غَنَمًا لِأبِيهِ، فَلَمّا حَضَرَتِ الحَرْبُ قالَ في نَفْسِهِ: لَأذْهَبَنَّ لِرُؤْيَةِ هَذِهِ الحَرْبِ، فَلَمّا نَهِضَ مَرَّ في طَرِيقِهِ بِحَجَرٍ فَناداهُ: يا داوُدُ خُذْنِي فَبِي تَقْتُلُ جالُوتَ، ثُمَّ ناداهُ حَجَرٌ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، ثُمَّ آخَرُ، فَأخَذَها، وجَعَلَها في مِخْلاتِهِ.

وسارَ، فَلَمّا حَضَرَ الناسُ خَرَجَ جالُوتُ يَطْلُبُ مُبارِزًا، فَكَعَّ الناسُ عنهُ حَتّى قالَ طالُوتُ: مَن يَبْرُزْ لَهُ ويَقْتُلْهُ فَأنا أُزَوِّجْهُ بِنْتِي وأُحَكِّمْهُ في مالِي، فَجاءَ داوُدُ، فَقالَ: أنا أبْرُزُ لَهُ وأقْتُلُهُ، فَقالَ لَهُ طالُوتُ: فارْكَبْ فَرَسِي، وخُذْ سِلاحِي، فَفَعَلَ، وخَرَجَ في أحْسَنِ شِكَّةٍ، فَلَمّا مَشى قَلِيلًا رَجَعَ، فَقالَ الناسُ: جَبُنَ الفَتى، فَقالَ داوُدُ: إنْ كانَ اللهُ لَمْ يَقْتُلْهُ لِي ويُعِنِّي عَلَيْهِ لَمْ يَنْفَعْنِي هَذا الفَرَسُ، ولا هَذا السِلاحُ، ولَكِنِّي أُحِبُّ أنْ أُقاتِلَهُ عَلى عادَتِي قالَ: وكانَ داوُدُ مِن أرْمى الناسِ بِالمِقْلاعِ، فَنَزَلَ وأخَذَ مِخْلاتَهُ فَتَقَلَّدَها، وأخَذَ مِقْلاعَهُ وخَرَجَ إلى جالُوتَ وهو شاكٍ في سِلاحِهِ، فَقالَ لَهُ جالُوتُ: أنْتَ يا فَتى تَخْرُجُ إلَيَّ؟

قالَ: نَعَمْ.

قالَ: هَكَذا كَما يُخْرَجُ إلى الكَلْبِ؟

قالَ: نَعَمْ، وأنْتَ أهْوَنُ، قالَ: لَأُطْعِمَنَّ اليَوْمَ لَحْمَكَ الطَيْرَ والسِباعَ، ثُمَّ تَدانَيا فَأدارَ داوُدُ مِقْلاعَهُ، وأدْخَلَ يَدَهُ إلى الحِجارَةِ فَرُوِيَ أنَّها التَأمَتْ فَصارَتْ حَجَرًا واحِدًا، فَأخَذَهُ فَوَضَعَهُ في المِقْلاعِ، وسَمّى اللهَ وأدارَهُ ورَماهُ، فَأصابَ بِهِ رَأْسَ جالُوتَ فَقَتَلَهُ، وحَزَّ رَأْسَهُ وجَعَلَهُ في مِخْلاتِهِ واخْتَلَطَ الناسُ، وحَمَلَ أصْحابُ طالُوتَ، وكانَتِ الهَزِيمَةُ - ثُمَّ إنَّ داوُدَ جاءَ يَطْلُبُ شَرْطَهُ مِن طالُوتَ فَقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لَهُنَّ غَرائِبُ مِنَ المَهْرِ ولا بُدَّ لَكَ مِن قَتْلِ مِائَتَيْنِ مِن هَؤُلاءِ الجَراجِمَةِ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الناسَ، وتَجِيئُنِي بِغُلُفِهِمْ، وطَمِعَ طالُوتُ أنْ يُعَرِّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ بِهَذِهِ الفَزْعَةِ، فَقَتَلَ داوُدُ مِنهم مِائَتَيْنِ، وجاءَ بِذَلِكَ وطَلَبَ امْرَأتَهُ فَدَفَعَها إلَيْهِ طالُوتُ، وعَظُمَ أمْرُ داوُدَ، فَيُرْوى أنَّ طالُوتَ تَخَلّى لَهُ عَنِ المُلْكِ وصارَ هو المَلِكَ، ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ غَلَبَتْ طالُوتَ عَلى ذَلِكَ بِسَبَبِ أنَّ داوُدَ قَتَلَ جالُوتَ، وكانَ سَبَبَ الفَتْحِ، ورُوِيَ أنَّ طالُوتَ أخافَ داوُدَ حَتّى هَرَبَ مِنهُ فَكانَ في جَبَلٍ إلى أنْ ماتَ طالُوتُ، فَذَهَبَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى داوُدَ فَمَلَّكَتْهُ أمْرَها- ورُوِيَ أنَّ نَبِيَّ اللهِ شَمْوِيلَ أوحى اللهُ إلَيْهِ أنْ يَذْهَبَ إلى إيشِي ويَسْألَهُ أنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ بَنِيهِ، فَيَدْهُنَ الَّذِي يُشارُ إلَيْهِ بِدُهْنِ القُدْسِ، ويَجْعَلَهُ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ، واللهُ أعْلَمُ- أيَّ ذَلِكَ كانَ- غَيْرَ أنَّهُ يُقْطَعُ مِن ألْفاظِ الآيَةِ عَلى أنَّ داوُدَ صارَ مَلِكَ بَنِي إسْرائِيلَ.

وقَدْ رُوِيَ في صَدْرِ هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ داوُدَ كانَ يَسِيرُ في مُطَّبَخَةِ طالُوتَ ثُمَّ كَلَّمَهُ حَجَرٌ فَأخَذَهُ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ قَتْلِهِ جالُوتَ ومَمْلَكَتِهِ وقَدْ أكْثَرَ الناسُ في قَصَصِ هَذِهِ الآيَةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ لَيِّنُ الأسانِيدِ فَلِذَلِكَ انْتَقَيْتُ مِنهُ ما تَنْفَكُّ بِهِ الآيَةُ، وتُعْلَمُ بِهِ مَناقِلُ النازِلَةِ، واخْتَصَرْتُ سائِرَ ذَلِكَ.

وأمّا الحِكْمَةُ الَّتِي آتاهُ اللهُ فَهي النُبُوَّةُ والزَبُورُ، وقالَ السُدِّيُّ: آتاهُ اللهُ مُلْكَ طالُوتَ ونُبُوَّةَ شَمْعُونَ، والَّذِي عَلَّمَهُ: هي صَنْعَةُ الدُرُوعِ، ومَنطِقُ الطَيْرِ، وغَيْرُ ذَلِكَ مِن أنْواعِ عِلْمِهِ  .

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

{لله.

عطفت الفاء جملة: (لما فصل)، على جملة ﴿ وقال لهم نبيهم فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بالجنود قَالَ إِنَّ الله مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ منى إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ والذين ءَامَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا اليوم بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ قَالَ الذين يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُلاَقُواْ الله كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةٍ كَثِيرَةً بِإِذْنِ الله والله مَعَ الصابرين * وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصرنا عَلَى القوم الكافرين * فَهَزَمُوهُم ﴾ [البقرة: 248] ﴿ إن الله قد بعث لكم ﴾ [البقرة: 247] لأن بعث الملك لأجل القتال، يترتب عليه الخروج للقتال الذي سألوا لأجله بعث النبي، وقد حذف بين الجملتين كلام كثير مقدر: وهو الرضا بالملك، ومجيء التابوت، وتجنيد الجنود؛ لأن ذلك مما يدل عليه جملة فصل طالوت بالجنود.

ومعنى فصل بالجنود: قطع وابتعد بهم، أي تجاوزوا مساكنهم وقراهم التي خرجوا منها وهو فعل متعد لأن أصله فصل الشيء عن الشيء ثم عدوه إلى الفاعل فقالوا فصل نفسه حتى صار بمعنى انفصل، فحذفوا مفعوله لكثرة الاستعمال، ولذلك تجد مصدره الفصل بوزن مصدر المتعدي، ولكنهم ربما قالوا فصل فصولاً نظراً لحالة قصوره، كما قالوا صده صداً، ثم قالوا صد هو صداً، ثم قالوا صد صدوداً.

ونظيره في حديث صفة الوحي «أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس فيفصم عني وقد وعيت ما قال» أي فيفصل نفسه عني، والمعنى فينفصل عني.

وضمير ﴿ قال ﴾ راجع إلى (طالوت)، ولا يصح رجوعه إلى نبيئهم لأنه لم يخرج معهم، وإنما أخبر طالوت عن الله تعالى بأنه مبتليهم، مع أنه لم يكن نبيئاً، يوحى إليه: إما إستناداً لإخبار تلقاه من صمويل، وإما لأنه اجتهد أن يختبرهم بالشرب من النهر لمصلحة رآها في ذلك، فأخبر عن اجتهاده، إذ هو حكم الله في شرعهم فأسنده إلى الله، وهذا من معنى قول علماء أصول الفقه إن المجتهد يصح له أن يقول فيما ظهر له باجتهاده إنه دين الله أو لأنه في شرعهم أن الله أوجب على الجيش طاعة أميرهم فيما يأمرهم به، وطاعة الملك فيما يراه من مصالحهم، وكان طالوت قد رأى أن يختبر طاعتهم ومقدار صبرهم بهذه البلوى فجعل البلوى من الله؛ إذ قد أمرهم بطاعته بها.

وعلى كل فتسمية هذا التكليف ابتلاء تقريب للمعنى إلى عقولهم لأن المقصود إظهار الاعتناء بهذا الحكم، وأن فيه مرضاة الله تعالى على الممتثل، وغضبه على العاصي، وأمثال هذه التقريبات في مخاطبات العموم شائعة، وأكثر كلام كتب بني إسرائيل من هذا القبيل.

والظاهر أن الملك لما علم أنه سائر بهم إلى عدو كثير العدد، وقوي العهد أراد أن يختبر قوة يقينهم في نصرة الدين، ومخاطرتهم بأنفسهم وتحملهم المتاعب وعزيمة معاكستهم نفوسهم فقال لهم إنكم ستمرون على نهر، وهو نهر الأردن، فلا تشربوا منه فمن شرب منه فليس مني، ورخص لهم في غرفة يغترفها الواحد بيده يبل بها ريقه، وهذا غاية ما يختبر به طاعة الجيش، فإن السير في الحرب يعطش الجيش، فإذا وردوا الماء توافرت دواعيهم إلى الشرب منه عطشاً وشهوة، ويحتمل أنه أراد إبقاء نشاطهم: لأن المحارب إذا شرب ماء كثيراً بعد التعب، انحلت عراه ومال إلى الراحة، وأثقله الماء.

والعرب تعرف ذلك قال طفيل يذكر خيلهم: فلما شَارَفَتْ أَعلام طي *** وطيٌّ في المَغَار وفي الشعاب سَقَيْنَاهُنَّ من سهل الأداوى *** فمصطبح على عَجَل وآبي يريد أن الذي مارس الحرب مراراً لم يشرب؛ لأنه لا يسأم من الركض والجهد، فإذا كان حاجزاً كان أخفَّ له وأسرعَ، والغر منهم يشرب لجهله لما يراد منه، ولأجل هذا رخص لهم في اغتراف غرفة واحدة.

والنهَر بتحريك الهاء وبسكونها للتخفيف، ونظيره في ذلك شَعَر وبَحَر وحَجَر فالسكون ثابت لجميعها.

وقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي فليس متصلاً بي ولا علقة بيني وبينه، وأصل «من» في مثل هذا التركيب للتبعيض، وهو تبعيض مجازي في الاتصال، وقال تعالى: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ [آل عمران: 28] وقال النابغة: إذا حاولتَ في أَسدِ فجوراً *** فإني لستُ منك ولستَ مني وسمى بعض النحاة «من» هذه بالاتصالية.

ومعنى قول طالوت «ليس مني» يحتمل أنه أراد الغضب عليه والبعد المعنوي، ويحتمل أنه أراد أنه يفصله عن الجيش، فلا يكمل الجهاد معه، والظاهر الأول لقوله ﴿ ومن لم يطعَمْه فإنه مني ﴾ لأنه أراد به إظهار مكانة من ترك الشرب من النهر وولائه وقربه، ولو لم يكن هذا مراده لكان في قوله: ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ غنية عن قوله: ومن لم يطعمه فإنه مني؛ لأنه إذا كان الشارب مبعداً من الجيش فقد علم أن من لم يشرب هو باقي الجيش.

والاستثناء في قوله: ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ من قوله: ﴿ فمن شرب منه ﴾ لأنه من الشاربين، وإنما أخره عن هذه الجملة، وأتى به بعد جملة ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ليقع بعد الجملة التي فيها المستثنى منه مع الجملة المؤكدة لها؛ لأن التأكيد شديد الاتصال بالمؤكد، وقد علم أن الاستثناء راجع إلى منطوق الأولى ومفهوم الثانية، فإن مفهوم (من لم يطعمه فإنه منّي) أن من طعمه ليس منه، ليعلم السامعون أن المغترف غرفة بيده هو كمن لم يشرب منه شيئاً، وأنه ليس دون من لم يشرب في الولاء والقرب، وليس هو قسماً واسطة.

والمقصود من هذا الاستثناء الرخصة للمضطر في بلال ريقه، ولم تذكر كتب اليهود هذا الأمر بترك شرب الماء من النهر حين مرور الجيش في قصة شاول، وإنما ذكرت قريباً منه إذ قال في سفر صمويل لما ذكر أشد وقعة بين اليهود وأهل فلسطين: «وضنك رجال إسرائيل في ذلك اليوم؛ لأن شاول حلف القوم قائلاً ملعون من يأكل خبزاً إلى المساء حتى أنتقم من أعدائي» وذكر في سفر القضاة في الإصحاح السابع مثل واقعة النهر، في حرب جَدعون قاضي إسرائيل للمديانيين، والظاهر أن الواقعة تكررت لأن مثلها يتكرر فأهملتها كتبهم في أخبار شاول.

وقوله: ﴿ لم يطعمه ﴾ بمعنى لم يذقه، فهو من الطعم بفتح الطاء، وهو الذوق أي اختبار المطعوم، وكان أصله اختبار طعم الطعام أي ملوحته أو ضدها، أو حلاوته أو ضدها، ثم توسع فيه فأطلق على اختبار المشروب، ويعرف ذلك بالقرينة، قال الحارث بن خالد المخزومي وقيل العرجي: فإِنْ شئتتِ حرَّمْتُ النساء سواكم *** وإنْ شِئتتِ لم أَطْعم نقاخاً ولا بَرْدا فالمعنى لم أذق.

فأما أن يطلق الطعم على الشرب أي ابتلاع الماء فلاَ، لأن الطعم الأكل ولذلك جاء في الآية والبيت منفياً، لأن المراد أنه لم يحصل أقَل ما يطلق عليه اسم الذوق، ومن أجل هذا عيروا خالد بن عبد الله القسري لما أخبر وهو على المنبر بخروج المغيرة بن سعيد عليه فقال «أطعموني ماء» إذ لم يعرف في كلام العرب الأمر من الإطعام إلاّ بمعنى الأكل، وأما من يطلب الشراب فإنما يقول اسقوني لأنه لا يقال طعم بمعنى شرب، وإنما هو بمعنى أكل.

والغرفة بفتح الغين في قراءة نافع وابن كثير وابن عامر وأبي جعفر، المرَّة من الغرف وهو أخذ الماء باليد، وقرأه حمزة وعاصم والكسائي ويعقوب وخلف، بضم الغين، وهو المقدار المغروف من الماء.

ووجه تقييده بقوله: ﴿ بيده ﴾ مع أن الغرف لا يكون إلاّ باليد لدفع توهم أن يكون المراد تقديرَ مقدار الماء المشروب، فيتناوله بعضهم كرهاً، فربما زاد على المقدار فجعلت الرخصة الأخذ باليد.

وقد دل قوله: ﴿ فشربوا منه ﴾ على قِلة صبرهم، وأنهم ليسوا بأهل لمزاولة الحروب، ولذلك لم يلبثوا أن صرحوا بعدَ مجاوزة النهر فقالوا: ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ فيحتمل أن ذلك قالوه لما رأوا جنود الأعداء، ويحتمل أنهم كانوا يعلمون قوة العدو، وكانوا يسرون الخوف، فلما اقترب الجيشان، لم يستطيعوا كتمان ما بهم.

وفي الآية انتقال بديع إلى ذكر جند جالوت والتصريح باسمه، وهو قائد من قواد الفلسطينيين اسمه في كتب اليهود جُلْيَات كان طوله ستة أذرع وشبراً، وكان مسلحاً مدرعاً، وكان لا يستطيع أن يبارزه أحد من بني إسرائيل، فكان إذا خرج للصف عرض عليهم مبارزته وعيرهم بجنبهم.

وقوله: ﴿ قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ الآية، أي الذين لا يحبون الحياة ويرجون الشهادة في سبيل الله، فلقاء الله هنا كناية عن الموت في مرضاة الله شهادة وفي الحديث «من أحب لقاء اللهأحب الله لقاءه» فالظن على بابه.

وفي قوله: ﴿ كم من فئة ﴾ خبرية لا محالة إذ لا موقع للاستفهام فإنهم قصدوا بقولهم هذا تثبيت أنفسهم وأنفس رفقائهم، ولذلك دعوا إلى ما به النصر وهو الصبر والتوكل فقالوا ﴿ والله مع الصابرين ﴾ .

والفئة: الجماعة من الناس مشتقة من الفيء وهو الرجوع، لأن بعضهم يرجع إلى بعض، ومنه سميت مؤخرة الجيش فئة، لأن الجيش يفئ إليها.

وقوله: ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ هذا دعاؤهم حين اللقاء بطلب الصبر من الله، وعبروا عن إلهامهم إلى الصبر بالإفراغ استعارة لقوة الصبر فإن القوة والكثرة يتعاوران الألفاظَ الدالة عليهما، كقول أبي كبير الهذلي: كثير الهوى شَتَّى النوى والمسالك *** وقد تقدم نظيره، فاستعير الإفراغ هنا للكثرة مع التعميم والإحاطة وتثبيت الأقدام استعارة لعدم الفرار شبه الفرار والخوف بزلق القدم، فشبه عدمه بثبات القدم في المأزق.

وقد أشارت الآية في قوله: ﴿ فهزموهم ﴾ إلخ إلى انتصار بني إسرائيل على الفلسطينيين وهو انتصار عظيم كان به نجاح بني إسرائيل في فلسطين وبلاد العمالقة، مع قلة عددهم فقد قال مؤرخوهم إن طالوت لما خرج لحرب الفلسطينيين جمع جيشاً فيه ثلاثة آلاف رجل، فلما رأوا كثرة الفلسطينيين حصل لهم ضنك شديد واختبأ معظم الجيش في جبل افرايم في المغارات والغياض والآبار، ولم يعبروا الأردن، ووجم طالوت واستخار صمويل، وخرج للقتال فلما اجتاز نهر الأردن عد الجيش الذي معه فلم يجد إلاّ نحو ستمائة رجل، ثم وقعت مقاتلات كان النصر فيها لبني إسرائيل، وتشجع الذين جبنوا واختبأوا في المغارات وغيرها فخرجوا وراء الفلسطينيين وغنموا غنيمة كثيرة، وفي تلك الأيام من غير بيان في كتب اليهود لمقدار المدد بين الحوادث ولا تنصيص على المتقدم منها والمتأخر ومع انتقالات في القصص غير متناسبة، ظهر داود بن يسى اليهودي إذ أوحى الله إلى صمويل أن يذهب إلى بيت يسى في بيت لحم ويمسح أصغر أبناء يسى ليكون ملكاً على إسرائيل بعد حين، وساق الله داود إلى شاول (طالوت) بتقدير عجيب فحظى عند شاول، وكان داود من قبل راعي غنم أبيه، وكان ذا شجاعة ونشاط وحسن سمت، وله نبوغ في رمي المقلاع، فكان ذات يوم التقى الفلسطينيون مع جيش طالوت وخرج زعيم من زعماء فلسطين اسمه جُلْيَات كما تقدم، فلم يستطع أحد مبارزته فانبرى له داود ورماه بالمقلاع فأصاب الحجر جبهته وأسقطه إلى الأرض واعتلاه داود واخترط سيفه وقطع رأسه، فذهب به إلى شاول وانهزم الفلسطينيون، وزوج شاول ابنته المسماة ميكال من داود، وصار داود بعد حين ملكاً عوض شاول، ثم آتاه الله النبوءة فصار ملكاً نبيئاً، وعلمه مما يشاء.

ويأتي ذكر داود عند قوله تعالى: ﴿ وتلك حجتنا أتيناها إبراهيم على قومه ﴾ في سورة الأنعام (83).

وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين}.

ذيلت هذه الآية العظيمة كل الوقائع العجيبة التي أشارت بها الآيات السالفة لتدفع عن السامع المتبصر ما يخامره من تطلب الحكمة في حدثان هذه الوقائع وأمثالها في هذا العالم ولكون مضمون هذه الآية عبرة من عبر الأكوان وحكمة من حكم التاريخ، ونظم العمران التي لم يهتد إليها أحد قبل نزول هذه الآية، وقبل إدراك ما في مطاويها، عطفت على العبر الماضية كما عطف قوله: ﴿ وقال لهم نبيهم ﴾ [البقرة: 247] وما بعده من رؤوس الآي.

وعدل عن المتعارف في أمثالها من ترك العطف، وسلوك سبيل الاستئناف.

وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب (ولولا دفاع الله الناس) بصيغة المفاعلة، وقرأه الجمهور (دفع) بصيغة المجرد.

والدفاع مصدر دافع الذي هو مبالغة في دفع لا للمفاعلة، كقول موسى بن جابر الحنفي: لا أشتهي يا قوم إلاّ كارهاً *** باب الأمير ولا دفاع الحاجب وإضافته إلى الله مجاز عقلي كما هو في قوله: ﴿ إن الله يدفع عن الذين آمنوا ﴾ [الحج: 38] أي يدفع لأن الذي يدفع حقيقة هو الذي يباشر الدفع في متعارف الناس وإنما أسند إلى الله لأنه الذي قدره وقدر أسبابه، ولذلك قال: ﴿ بعضهم ببعض ﴾ فجعل سبب الدفاع بعضهم وهو من باب ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ﴾ [الأنفال: 17] وأصل معنى الدفع الضرب باليد للإقصاء عن المرام.

قال: فدفعتها فتدافعت *** وهو ذب عن مصلحة الدافع.

ومعنى الآية: أنه لولا وقوع دفع بعض الناس بعضاً آخر بتكوين الله وإيداعه قوة الدفع وبواعثه في الدافع لفسدت الأرض، أي من على الأرض، واختل نظام ما عليها، ذلك أن الله تعالى لما خلق الموجودات التي على الأرض من أجناس وأنواع وأصناف، خلقها قابلة للاضمحلال، وأودع في أفرادها سننا دلت على أن مراد الله بقاؤها إلى أمد أراده، ولذلك نجد قانون الخَلَفية منبثاً في جميع أنواع الموجودات فما من نوع إلاّ وفي أفراده قوة إيجاد أمثالها لتكون تلك الأمثال أخلافاً عن الأفراد عند اضمحلالها، وهذه القوة هي المعبر عنها بالتناسل في الحيوان، والبذر في النبت، والنضح في المعادن، والتولد في العناصر الكيماوية.

ووجود هذه القوة في جميع الموجودات أول دليل على أن موجِدها قد أراد بقاء الأنواع، كما أراد اضمحلال الأفراد عند آجال معينة، لاختلال أو انعدام صلاحيتها، ونعلم من هذا أن الله خالق هذه الأكوان لا يحب فسادها، وقد تقدم لنا تفسير قوله: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205].

ثم إن الله تعالى كما أودع في الأفراد قوة بها بقاء الأنواع، أودع في الأفراد أيضاً قوى بها بقاء تلك الأفراد بقدر الطاقة، وهي قوى تطلُّب الملائم ودفع المنافي، أو تطلُّب البقاء وكراهية الهلاك، ولذلك أودع في جميع الكائنات إدراكات تنساق بها، بدون تأمل أو بتأمل، إلى ما فيه صلاحها وبقاؤها، كانسياق الوليد لالتهام الثدي، وأطفال الحيوان إلى الأثداء والمراعي، ثم تتوسع هذه الإدراكات، فيتفرع عنها كل ما فيه جلب النافع الملائم عن بصيرة واعتياد، ويسمى ذلك بالقوة الشاهية.

وأودع أيضاً في جميع الكائنات إدراكات تندفع بها إلى الذب عن أنفسها، ودفع العوادي عنها، عن غير بصيرة، كتعريض اليد بين الهاجم وبين الوجه، وتعريض البقرة رأسها بمجرد الشعور بما يهجم عليها من غير تأمل في تفوق قوة الهاجم على قوة المدافع، ثم تتوسع هاته الإدراكات فتتفرع إلى كل ما فيه دفع المنافر من ابتداء بإهلاك من يُتوقع منه الضر، ومن طلب الكِن، واتخاذ السلاح، ومقاومة العدو عند توقع الهلاك، ولو بآخر ما في القوة وهو القوة الغاضبة ولهذا تزيد قوة المدافعة اشتداداً عند زيادة توقع الأخطار حتى في الحيوان.

وما جعله الله في كل أنواع الموجودات من أسباب الأذى لمريد السوء به أدل دليل على أن الله خلقها لإرادة بقائها، وقد عَوَّضَ الإنسان عما وهبه إلى الحيوان العقلَ والفكرة في التحيل على النجاة ممن يريد به ضرراً، وعلى إيقاع الضر بمن يريده به قبل أن يقصده به، وهو المعبر عنه بالاستعداد.

ثم إنه تعالى جعل لكل نوع من الأنواع، أو فرد من الأفراد خصائص فيها منافع لغيره ولنفسه ليحرص كل على إبقاء الآخر، فهذا ناموس عام، وجعل الإنسان بما أودَعه من العقل هو المهيمن على بقية الأنواع.

وجعل له العلم بما في الأنواع من الخصائص، وبما في أفراد نوعه من الفوائد.

فخلق الله تعالى أسباب الدفاع بمنزلة دفع من الله يدفع مريد الضر بوسائل يستعملها المراد إضراره، ولولا هذه الوسائل التي خولها الله تعالى أفراد الأنواع، لاشتد طمع القوي في إهلاك الضعيف، ولاشتدت جراءة من يجلب النفع إلى نفسه على منافع يجدها في غيره، فابتزها منه، ولأفرَطتْ أفراد كل نوع في جلب النافع الملائم إلى أنفسها بسلب النافع الملائم لغيرها، مما هو له، ولتناسى صاحب الحاجة حين الاحتياج ما في بقاء غيره من المنفعة له أيضاً.

وهكذا يتسلط كل ذي شهوة على غيره، وكل قوي على ضعيفه، فيهلك القوي الضعيف، ويهلك الأقوى القويَّ، وتذهب الأفراد تباعاً، والأنواع كذلك حتى لا يبقى إلاّ أقوى الأفراد من أقوى الأنواع، وذلك شيء قليل، حتى إذا بقي أعوزته حاجات كثيرة لا يجدها في نفسه، وكان يجدها في غيره من أفراد نوعه، كحاجة أفراد البشر بعضهم إلى بعض، أو من أنواع أخر، كحاجة الإنسان إلى البقرة، فيذهب هدراً.

ولما كان نوع الإنسان هو المهيمن على بقية موجودات الأرض وهو الذي تظهر في أفراده جميع التطورات والمساعي، خصتهُ الآية بالكلام فقالت: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ إذ جعل الله في الإنسان القوة الشاهية لبقائه وبقاء نوعه، وجعل فيه القوة الغاضبة لرد المفرط في طلب النافع لنفسه، وفي ذلك استبقاء بقية الأنواع؛ لأن الإنسان يذب عنها لما في بقائها من منافع له.

وبهذا الدفاع حصلت سلامة القوي، وهو ظاهر، وسلامة الضعيف أيضاً لأن القوي إذا وجد التعب والمكدرات في جلب النافع سئم ذلك، واقتصر على ما تدعو إليه الضرورة.

وإنما كان الحاصل هو الفساد، لولا الدفاع، دون الصلاح، لأن الفساد كثيراً ما تندفع إليه القوة الشاهية بما يوجد في أكثر المفاسد من اللذات العاجلة القصيرة الزمن، ولأن في كثير من النفوس أو أكثرها الميل إلى مفاسد كثيرة، لأن طبع النفوس الشريرة ألا تراعي مضرة غيرها، بخلاف النفوس الصالحة، فالنفوس الشريرة أعمد إلى انتهاك حرمات غيرها، ولأن الأعمال الفاسدة أسرع في حصول آثارها وانتشارها، فالقليل منها يأتي على الكثير من الصالحات، فلا جرم لولا دفاع الناس بأن يدافع صالحهم المفسدين، لأسرع ذلك في فساد حالهم، ولعم الفساد أمورهم في أسرع وقت.

وأعظم مظاهر هذا الدفاع هو الحروب؛ فبالحرب الجائرة يطلب المحارب غصب منافع غيره، وبالحرب العادلة ينتصف المحق من المبطل، ولأجلها تتألف العصبيات والدعوات إلى الحق، والإنحاء على الظالمين، وهزم الكافرين.

ثم إن دفاع الناس بعضهم بعضاً يصد المفسد عن محاولة الفساد، ونفس شعور المفسد بتأهب غيره لدفاعه يصده عن اقتحام مفاسد جمة.

ومعنى فساد الأرض: إما فساد الجامعة البشرية كما دل عليه تعليق الدفاع بالناس، أي لفسد أهل الأرض، وإما فساد جميع ما يقبل الفساد فيكون في الآية احتباك، والتقدير: ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض وبقية الموجودات بعضها ببعض لفسدت الأرض أي من على الأرض ولفسد الناس.

والآية مسوقة مساق الامتنان، فلذلك قال تعالى: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ لأنا لا نحب فساد الأرض، إذ في فسادها بمعنى فساد ما عليها اختلالُ نظامنا وذهاب أسباب سعادتنا، ولذلك عقبه بقوله: ﴿ ولكن الله ذو فضل على العالمين ﴾ فهو استدراك مما تضمنته «لولا» من تقدير انتفاء الدفاع؛ لأن أصل لولا لو مع لا النافية، أي لو كان انتفاءُ الدفاع موجوداً لفسدت الأرض وهذا الاستدراك في هذه الآية أدل دليل على تركيب (لولا) من (لو) و(لا)، إذ لا يتم الاستدراك على قوله: ﴿ لفسدت الأرض ﴾ لأن فساد الأرض غير واقع بعد فرض وجود الدفاع، إن قلنا «لولا» حرف امتناع لوجود.

وعلق الفضل بالعالمين كلهم لأن هذه المنة لا تختص.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهَزَمُوهم بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ في الهَزِيمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها لَيْسَتْ مِن فِعْلِهِمْ وإنَّما أُضِيفَتْ إلَيْهِمْ مَجازًا.

والثّانِي: أنَّهم لَمّا أُلْجِئُوا إلَيْها صارُوا سَبَبًا لَها، فَأُضِيفَتْ إلَيْهِمْ لِمَكانِ الإلْجاءِ.

وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِأمْرِ اللَّهِ لَهم بِقِتالِهِمْ.

الثّانِي: بِمَعُونَةِ اللَّهِ لَهم عَلى قِتالِهِمْ.

﴿ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ ﴾ حُكِيَ أنَّ جالُوتَ خَرَجَ مِن صُفُوفِ عَسْكَرِهِ يَطْلُبُ البِرازَ؟

فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِ أحَدٌ، فَنادى طالُوتُ في عَسْكَرِهِ: مَن قَتَلَ جالُوتَ فَلَهُ شَطْرُ مُلْكِي وأُزَوِّجُهُ ابْنَتِي، فَجاءَ داوُدُ وقَدْ أخَذَ ثَلاثَةَ أحْجارٍ، وكانَ قَصِيرًا يَرْعى الغَنَمَ، وقَدْ ألْقى اللَّهُ في نَفْسِهِ أنَّهُ سَيَقْتُلُ جالُوتَ، فَقالَ لِطالُوتَ: أنا أقْتُلُ جالُوتَ، فازْدَراهُ طالُوتُ حِينَ رَآهُ، وقالَ لَهُ: هَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ بِشَيْءٍ؟

قالَ: نَعَمْ، قالَ: بِماذا؟

قالَ: وقَعَ ذِئْبٌ في غَنَمِي فَضَرَبْتُهُ، ثُمَّ أخَذْتُ رَأْسَهُ فَقَطَعْتُهُ في جِسْمِهِ، فَقالَ طالُوتُ: الذِّئْبُ ضَعِيفٌ، فَهَلْ جَرَّبْتَ نَفْسَكَ في غَيْرِهِ؟

قالَ: نَعَمْ، دَخَلَ الأسَدُ في غَنَمِي، فَضَرَبْتُهُ ثُمَّ أخَذْتُ بِلَحْيَيْهِ فَشَقَقْتُها، أفْتَرى هَذا أشَدَّ مِنَ الأسَدِ، قالَ: لا، وكانَ عِنْدَ طالُوتَ دِرْعٌ سابِغَةٌ لا تَسْتَوِي إلّا عَلى مَن يَقْتُلُ جالُوتَ، فَأخْبَرَهُ بِها وألْقاها عَلَيْهِ فاسْتَوَتْ، وسارَ إلى جالُوتَ فَرَماهُ بِحَجَرٍ فَوَقَعَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وخَرَجَ مِن قَفاهُ، فَأصابَ جَماعَةً مِن عَسْكَرِهِ فَقَتَلَهم وانْهَزَمَ القَوْمُ عَنْ آخِرِهِمْ، وكانُوا عَلى ما حَكاهُ عِكْرِمَةُ تِسْعِينَ ألْفًا.

واخْتَلَفُوا، هَلْ كانَ داوُدُ عِنْدَ قَتْلِهِ جالُوتَ نَبِيًّا؟

ذَهَبَ بَعْضُهم أنَّهُ كانَ نَبِيًّا، لِأنَّ هَذا الفِعْلَ الخارِجَ عَنِ العادَةِ، لا يَكُونُ إلّا مِن نَبِيٍّ، وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُوَلّى مَن لَيْسَ بِنَبِيٍّ عَلى نَبِيٍّ.

قالَ ابْنُ السّائِبِ: وإنَّما كانَ راعِيًا فَعَلى هَذا يَكُونُ ذَلِكَ مِن تَوْطِئَةٍ لِنُبُوَّتِهِ مِن بَعْدُ.

ثُمَّ إنَّ طالُوتَ نَدِمَ عَلى ما بَذَلَهُ لِداوُدَ مِن مُشاطَرَتِهِ مُلْكَهُ وتَزْوِيجِهِ ابْنَتَهُ، واخْتَلَفُوا هَلْ كانَ نَدَمُهُ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ ومُشاطَرَتِهِ، أمْ بَعْدُ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ طالُوتَ وفّى بِشَرْطِهِ، وزَوَّجَ داوُدَ بِابْنَتِهِ، وخَلَطَهُ في مُلْكِهِ بِنَفْسِهِ ثُمَّ حَسَدَهُ، فَنَدِمَ، وأرادَ قَتْلَهُ، فَعَلِمَتْ بِنْتُهُ بِأنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَ زَوْجَها، وكانَتْ مِن أعْقَلِ النِّساءِ، فَنَصَبَتْ لَهُ زِقَّ خَمْرٍ بِالمِسْكِ، وألْقَتْ عَلَيْهِ لَيْلًا ثِيابَ داوُدَ، فَأقْبَلَ طالُوتُ، وقالَ لَها: أيْنَ زَوْجُكِ؟

فَأشارَتْ إلى الزِّقِّ، فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فانْفَجَرَ مِنهُ الخَمْرُ وسَطَعَ رِيحُ المِسْكِ، فَقالَ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ يا داوُدُ طِبْتَ حَيًّا ومَيِّتًا، ثُمَّ أدْرَكَتْهُ النَّدامَةُ، فَجَعَلَ يَنُوحُ عَلَيْهِ ويَبْكِي، فَلَمّا نَظَرَتِ الجارِيَةُ إلى جَزَعِ أبِيها، أخْبَرَتْهُ الخَبَرَ، فَفَرِحَ، وقاسَمَ داوُدَ عَلى شَطْرِ مُلْكِهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، فَعَلى هَذا يَكُونُ طالُوتُ عَلى طاعَتِهِ حِينَ مَوْتِهِ، لِتَوْبَتِهِ مِن مَعْصِيَتِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ نَدِمَ قَبْلَ تَزْوِيجِهِ عَلى شَرْطِهِ وبَذْلِهِ، وعَرَّضَ داوُدَ لِلْقَتْلِ، وقالَ لَهُ: إنَّ بَناتِ المُلُوكِ لا بُدَّ لَهُنَّ مِن صَداقِ أمْثالِهِنَّ، وأنْتَ رَجُلٌ جَرِيءٌ، فاجْعَلْ صَداقَها قَتْلَ ثَلاثِمِائَةٍ مِن أعْدائِنا، وكانَ يَرْجُو بِذَلِكَ أنْ يُقْتَلَ، فَغَزا داوُدُ وأسَرَ ثَلاثَمِائَةٍ، فَلَمْ يَجِدْ طالُوتُ بُدًّا مِن تَزْوِيجِهِ، فَزَوَّجَهُ بِها، وزادَ نَدامَةً فَأرادَ قَتْلَهُ، وكانَ يَدُسُّ عَلَيْهِ حَتّى ماتَ، وهَذا قَوْلُ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، فَعَلى هَذا ماتَ طالُوتُ عَلى مَعْصِيَتِهِ لِأنَّهُ لَمْ يَتُبْ مِن ذَنْبِهِ.

وَرَوى مَكْحُولٌ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ المُلُوكَ قَدْ قَطَعَ اللَّهُ أرْحامَهم فَلا يَتَواصَلُونَ حُبًّا لِلْمُلْكِ حَتّى إنَّ الرَّجُلَ مِنهم لَيَقْتُلُ الأبَ والابْنَ والأخَ والعَمَّ، إلاَّ أهْلَ التَّقْوى وقَلِيلٌ مّا هم، ولَزَوالُ جَبَلٍ عَنْ مَوْضِعِهِ أهْوَنُ مِن زَوالِ مُلْكٍ لَمْ يَنْقَضِ)» .

﴿ وَآتاهُ اللَّهُ المُلْكَ والحِكْمَةَ ﴾ يَعْنِي داوُدَ، يُرِيدُ بِالمُلْكِ السُّلْطانَ وبِالحِكْمَةِ النُّبُوَّةَ وكانَ ذَلِكَ عِنْدَ مَوْتِ طالُوتَ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ مِن قَتْلِ جالُوتَ عَلى ما حَكاهُ ابْنُ السّائِبِ.

وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنَّ المُلْكَ الِانْقِيادُ إلى طاعَتِهِ، والحِكْمَةَ: العَدْلُ في سِيرَتِهِ ويَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ مَوْتِ طالُوتَ عِنْدَ تَفَرُّدِهِ بِأُمُورِ بَنِي إسْرائِيلَ.

﴿ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: صَنْعَةُ الدُّرُوعِ والتَّقْدِيرُ في السَّرْدِ.

والثّانِي: كَلامُ الطَّيْرِ وحِكْمَةُ الزَّبُورِ.

وَيَحْتَمِلُ ثالِثًا: أنَّهُ فِعْلُ الطّاعاتِ والأمْرُ بِها، واجْتِنابُ المَعاصِي والنَّهْيُ عَنْها، فَيَكُونُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ ﴿ مِمّا يَشاءُ ﴾ داوُدُ، وعَلى الثّانِي: ﴿ مِمّا يَشاءُ ﴾ اللَّهُ، وعَلى الثّالِثِ ﴿ مِمّا يَشاءُ ﴾ اللَّهُ ويَشاءُ داوُدُ.

﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النّاسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ﴾ في الدَّفْعِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ يَدْفَعُ الهَلاكَ عَنِ البَرِّ بِالفاجِرِ، قالَهُ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ.

والثّانِي: يَدْفَعُ بِالمُجاهِدِينَ عَنِ القاعِدِينَ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَفَسَدَتِ الأرْضُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَفَسَدَ أهْلُ الأرْضِ.

والثّانِي: لَعَمَّ الفَسادُ في الأرْضِ.

وَفي هَذا الفَسادِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الكُفْرُ.

والثّانِي: القَتْلُ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان طالوت أميراً على الجيش، فبعث أبو داود بشيء إلى إخوته فقال داود لطالوت: ماذا لي واقتل جالوت؟

فقال: لك ثلث ملكي وأنكحك ابنتي، فأخذ مخلاة فجعل فيها ثلاث مروات، ثم سمى إبراهيم وإسحق ويعقوب، ثم أدخل يده فقال: بسم الله إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب، فخرج على إبراهيم فجعله في مرجمته فرمى بها جالوت، فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة على رأسه، وقتلت مما وراءه ثلاثين ألفاً.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه قال: لما برز طالوت لجالوت قال جالوت: ابرزوا لي من يقاتلني فإن قتلني فلكم ملكي وإن قتلته فلي ملككم، فأتي بداود إلى طالوت فقاضاه إن قتله أن ينكحه ابنته وأن يحكمه في ماله، فألبسه طالوت سلاحاً فكره داود أن يقاتله بسلاح، وقال: إن الله إن لم ينصرني عليه لم يغن السلاح شيئاً، فخرج إليه بالمقلاع ومخلاة فيها أحجار، ثم برز له جالوت فقال أنت تقاتلني؟!

قال داود: نعم.

قال: ويلك ما خرجت إلاَّ كما تخرج إلى الكلب بالمقلاع والحجارة!

لأبددن لحمك ولأطعمنه اليوم للطير والسباع.

فقال له داود: بل أنت عدوّ الله شر من الكلب، فأخذ داود حجراً فرماه بالمقلاع، فأصابت بين عينيه حتى نفذت في دماغه، فصرخ جالوت وانهزم من معه واحتز رأسه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: عبر يومئذ النهر مع طالوت أبو داود فيمن عبر مع ثلاثة عشر ابناً له وكان داود أصغر بنيه، وأنه أتاه ذات يوم فقال: يا أبتاه ما أرمي بقذافتي شيئاً إلا صرعته، قال: أبشر فإن الله قد جعل رزقك في قذافتك، ثم أتاه يوماً آخر فقال: يا أبتاه لقد دخلت بين الجبال فوجدت أسداً رابضاً فركبت عليه وأخذت بأذنيه فلم يهجني.

فقال: أبشر يا بني فإن هذا خير يعطيكه الله، ثم أتاه يوماً آخر فقال: يا أبتاه إني لأمشي بين الجبال فأسبح، فما يبقى جبل إلا سبح معي.

قال: أبشر يا بني فإن هذا خير أعطاكه الله، وكان داود راعياً، وكان أبوه خلفه يأتي إليه وإلى إخوته بالطعام فأتى النبي بقرن فيه دهن وبثوب من حديد، فبعث به إلى طالوت فقال: إن صاحبكم الذي يقتل جالوت يوضع هذا القرن على رأسه فيغلي حين يدهن منه ولا يسيل على وجهه يكون على رأسه كهيئة الاكليل، ويدخل في هذا الثوب فيملأه، فدعا طالوت بني إسرائيل فجربه فلم يوافقه منهم أحد، فلما فرغوا قال طالوت لأبي داود: هل بقي لك ولد لم يشهدنا؟

قال: نعم، بقي ابني داود وهو يأتينا بطعامنا، فلما أتاه داود مر في الطريق بثلاثة أحجار، فكلمنه وقلن له: يا داود خذنا تقتل بنا جالوت، فأخذهن فجعلهن في مخلاته، وقد كان طالوت قال: من قتل جالوت زوجته ابنتي وأجريت خاتمه في ملكي، فلما جاء داود وضعوا القرن على رأسه فغلى حتى ادهن منه، ولبس الثوب فملأه، وكان رجلاً مسقاماً مصفاراً ولم يلبسه أحد إلا تقلقل فيه، فلما لبسه داود تضايق عليه الثوب حتى تنقص، ثم مشى إلى جالوت.

وكان جالوت من أجسم الناس وأشدهم، فلما نظر إلى داود قذف في قلبه الرعب منه، وقال له: يا فتى، ارجع فإني أرحمك ان أقتلك.

فقال داود: لا بل أنا أقتلك.

وأخرج الحجارة فوضعها في القذافة، كلما رفع حجراً سماه فقال: هذا باسم أبي إبراهيم، والثاني باسم أبي إسحق، والثالث باسم أبي إسرائيل، ثم أدار القذافة فعادت الأحجار حجراً واحداً، ثم أرسله فصك به بين عيني جالوت فثقبت رأسه فقتله، ثم لم تزل تقتل كل إنسان تصيبه تنفذ منه حتى لم يكن بحيالها أحد، فهزموهم عند ذلك، وقتل داود جالوت ورجع طالوت فأنكح داود ابنته، وأجرى خاتمه في ملكه، فمال الناس إلى داود وأحبوه.

فلما رأى ذلك طالوت وجد في نفسه وحسده فأراد قتله، فعلم به داود فسجى له زق خمر في مضجعه، فدخل طالوت إلى منام داود وقد هرب داود، فضرب الزق ضربة فحرقه، فسالت الخمر منه فقال: يرحم الله داود ما كان أكثر شربه للخمر.

ثم إن داود أتاه من القابلة في بيته وهو نائم، فوضع سهمين عن رأسه وعند رجليه، وعن يمينه وعن شماله سهمين، فلما استيقظ طالوت بصر بالسهام فعرفها فقال: يرحم الله داود هو خير مني، ظفرت به فقتلته وظفر بي فكف عني.

ثم إنه ركب يوماً فوجده يمشي في البرية وطالوت على فرس، فقال طالوت: اليوم أقتل داود.

وكان داود إذا فزع لا يدرك.

فركض على أثره طالوت، ففزع داود فاشتد فدخل غاراً، وأوحى الله إلى العنكبوت فضربت عليه بيتاً، فلما انتهى طالوت إلى الغار نظر إلى بناء العنكبوت فقال: لو كان دخل هاهنا لخرق بيت العنكبوت، فتركه وملك داود بعدما قتل طالوت، وجعله الله نبياً وذلك قوله: ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ قال: الحكمة هي النبوة، آتاه نبوة شمعون وملك طالوت.

وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق وابن عساكر عن مكحول قالا: زعم أهل الكتاب أن طالوت لما رأى انصراف بني إسرائيل عنه إلى داود همَّ بأن يغتال داود، فصرف الله ذلك عنه، وعرف طالوت خطيئته والتمس التنصل منها والتوبة، فأتى إلى عجوز كانت تعلم الإِسم الذي يدعى به، فقال لها: إني قد أخطأت خطيئة لن يخبرني عن كفارتها إلا اليسع، فهل أنت منطلقة معي إلى قبره، فداعية الله ليبعثه حتى أسأله؟

قالت: نعم.

فانطلق بها إلى قبره، فصلت ركعتين ودعت، فخرج اليسع إليه فسأله، فقال: إن كفارة خطيئتك أن تجاهد بنفسك وأهل بيتك حتى لا يبقى منكم أحد، ثم رجع اليسع إلى موضعه، وفعل ذلك طالوت حتى هلك وهلك أهل بيته، فاجتمعت بنو إسرائيل على داود، فأنزل الله عليه وعلمه صنعة الحديد فألانه له، وأمر الجبال والطير أن يسبحن معه إذا سبح، ولم يعط أحداً من خلقه مثل صوته، وكان إذا قرأ الزبور ترنو إليه الوحش حتى يؤخذ بأعناقها وإنها المصغية تستمع له، وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والنوح إلا على أصناف صوته.

أما قوله تعالى: ﴿ ولولا دفع الله ﴾ الآية.

أخرج ابن جرير وابن عدي بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء» ، ثم قرأ ابن عمر ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ﴾ .

وأخرج ابن جرير بسند ضعيف عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليصلح بصلاح الرجل المسلم ولده وولد ولده وأهل دويرته ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ قال: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي، وبمن يحج عمن لا يحج، وبمن يزكي عمن لا يزكي.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ولولا دفع الله الناس...

﴾ الآية.

يقول: ولولا دفاع الله بالبر عن الفاجر، ودفعه ببقية أخلاق الناس بعضهم عن بعض لفسدت الأرض بهلاك أهلها.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض...

﴾ الآية.

قال: يبتلي الله المؤمن بالكافر، ويعافي الكافر بالمؤمن.

وأخرج ابن جرير عن الربيع ﴿ لفسدت الأرض ﴾ يقول: لهلك من في الأرض.

وأخرج ابن جرير عن أبي مسلم.

سمعت علياً يقول: لولا بقية من المسلمين فيكم لهلكتم.

وأخرج أحمد والحكيم الترمذي وابن عساكر عن علي «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الابدال بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً، يسقي بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام بهم العذاب» ولفظ ابن عساكر: «ويصرف عن أهل الأرض البلاء والغرق» .

وأخرج الخلال في كتاب كرامات الأولياء عن علي بن أبي طالب قال: إن الله ليدفع عن القرية بسبعة مؤمنين يكونون فيهم.

وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لن تخلو الأرض من أربعين رجلاً مثل خليل الرحمن، فيهم تسقون وبهم تنصرون، ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر» .

وأخرج الطبراني في الكبير عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الابدال في أمتي ثلاثون، بهم تقوم الأرض، وبهم تمطرون، وبهم تنصرون» .

وأخرج أحمد في الزهد والخلال في كرامات الأولياء بسند صحيح عن ابن عباس قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض.

وأخرج الخلال بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أربعون رجلاً يحفظ الله بهم الأرض، كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر، فهم في الأرض كلها» .

وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أربعون رجلاً من أمتي قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم الابدال، إنهم لن يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة.

قالوا: يا رسول الله فيم أدركوها؟!

قال: بالسخاء والنصيحة للمسلمين» .

وأخرج أبو نعيم في الحلية وابن عساكر عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله عز وجل في الخلق ثلثمائة قلوبهم على قلب آدم عليه السلام، ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى عليه السلام، ولله في الخلق سبعة قلوبهم على قلب إبراهيم عليه السلام ولله في الخلق خمسة قلوبهم على قلب جبريل عليه السلام، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل عليه السلام، ولله في الخلق واحد قلبه على قلب إسرافيل عليه السلام، فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلثمائة، وإذا مات من الثلثمائة أبدل الله مكانه من العامة، فيهم يحيي، ويميت، ويمطر، وينبت، ويدفع البلاء.

قيل لعبد الله بن مسعود: كيف بهم يحيي ويميت؟

قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون، ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستسقون فيسقون، ويسألون فينبت لهم الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء» .

وأخرج الطبراني وابن عساكر عن عوف بن مالك قال: لا تسبوا أهل الشام، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «فيهم الابدال، بهم تنصرون وبهم ترزقون» .

وأخرج ابن حبان في تاريخه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن تخلو الأرض من ثلاثين مثل إبراهيم خليل الله، بهم تغاثون، وبهم ترزقون، وبهم تمطرون» .

وأخرج ابن عساكر عن قتادة قال: لن تخلو الأرض من أربعين، بهم يُغاثُ الناس، وبهم ينصرون، وبهم يرزقون، كلما مات منهم أحد أبدل الله مكانه رجلاً.

قال قتادة: والله إني لأرجو أن يكون الحسن منهم.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وابن المنذر عن علي بن أبي طالب قال: لم يزل على وجه الأرض في الدهر سبعة مسلمون فصاعداً، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: لم تبق الأرض إلا وفيها أربعة عشر يدفع الله بهم عن أهل الأرض ويخرج بركتها، إلا زمن إبراهيم فإنه كان وحده.

وأخرج أحمد بن حنبل في الزهد والخلال في كرامات الأولياء عن ابن عباس قال: ما خلت الأرض من بعد نوح من سبعة يدفع الله بهم عن أهل الأرض.

وأخرج أحمد في الزهد عن كعب قال: لم يزل بعد نوح في الأرض أربعة عشر يدفع الله بهم العذاب.

وأخرج الخلال في كرامات الأولياء عن زاذان قال: ما خلت الأرض بعد نوح من اثني عشر فصاعداً يدفع الله بهم عن أهل الأرض.

وأخرج الجندي في فضائل مكة عن مجاهد قال: لم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة عن زهير بن محمد قال: لم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، ولولا ذلك لأهلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج ابن عساكر عن أبي الزاهرية قال: الابدال ثلاثون رجلاً بالشام، بهم تجاورون وبهم ترزقون، إذا مات منهم رجل ابدل الله مكانه.

وأخرج الخلال في كرامات الأولياء عن إبراهيم النخعي قال: ما من قرية ولا بلدة لا يكون فيها من يدفع الله به عنهم.

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن أبي الزناد قال: لما ذهبت النبوّة وكانوا أوتاد الأرض أخلف الله مكانهم أربعين رجلاً من أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقال لهم الابدال، لا يموت الرجل منهم حتى ينشئ الله مكانه آخر يخلفه، وهم أوتاد الأرض، قلوب ثلاثين منهم على مثل يقين إبراهيم، لم يفضلوا الناس بكثرة الصلاة ولا بكثرة الصيام ولكن بصدق الورع، وحسن النية، وسلامة القلوب، والنصيحة لجميع المسلمين.

وأخرج البخاري ومسلم وابن ماجة عن معاوية بن أبي سفيان «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لا تزال طائفة من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم أو خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون على الناس» .

وأخرج مسلم والترمذي وابن ماجة عن ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك» .

وأخرج البخاري ومسلم عن المغيرة بن شعبة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يزال قوم من أمتي ظاهرين على الناس حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» .

وأخرج ابن ماجة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي قوامة على أمر الله عز وجل لا يضرها من خالفها» .

وأخرج الحاكم وصححه عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» .

وأخرج مسلم والحاكم وصححه عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال هذا الدين قائماً يقاتل عليه المسلمون حتى تقوم الساعة» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال» .

وأخرج الترمذي وصححه وابن ماجة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة» .

وأخرج ابن جرير والحكيم الترمذي في نوادر الأصول عن أبي منبه الخولاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله.

وفي لفظ: لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته» .

وأخرج مسلم عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله قاهرين لعدوّهم، لا يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك» .

وأخرج مسلم عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها» .

وأخرج الحاكم في مناقب الشافعي عن الزهري قال: فلما كان في رأس المائة منَّ الله على هذه الأمة بعمر بن عبد العزيز.

وأخرج البيهقي في المدخل والخطيب من طريق أبي بكر المروزي قال: قال أحمد بن حنبل: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خبراً قلت فيها بقول الشافعي، لأنه ذكر في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم «إن الله يقيض في رأس كل مائة سنة من يعلم الناس السنن وينفي عن النبي صلى الله عليه وسلم الكذب، فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي» .

وأخرج النحاس عن سفيان بن عيينة قال: بلغني أنه يخرج في كل مائة سنة بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من العلماء يقوي الله عز وجل به الدين، وأن يحيى بن آدم عندي منهم.

وأخرج الحاكم في مناقب الشافعي عن أبي الوليد حسان بن محمد الفقيه قال: سمعت شيخاً من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي، فإن الله منَّ على المؤمنين بعمر بن عبد العزيز على رأس المائة فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله على رأس المائتين بالشافعي حتى أظهر السنة وأخفى البدعة، ومن الله على رأس الثلثمائة بك حتى قويت كل سنة وضعفت كل بدعة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ الإفراغ: الصَّبُّ، يقال: أَفْرَغْتُ الإناء إذا صَبَبْت ما فيه، أصله من الفَرَاغ: وهو الخُلُوّ، وفلان فَارغٌ، معناه: أنه خَالٍ مما يَشْغَلُه، والإِفراغ: إِخْلاَءُ الإِنَاءِ مما فيه، وإنما يخلو بصَبِّ كُلِّ ما فيه، فمعنى ﴿ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا ﴾ أي: اصبب (١) (٢) ﴿ وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا ﴾ بتقويةِ قلوبِنا، أو باختلاف كلمةِ الأعداء حتى يتخاذلوا، أو بإلقاء الرُّعْبِ في قلوبهم حتى يظهر منهم الخور، وما أشبه هذا مما يكون من أسباب النصر (٣) (١) في (ي): (صب).

(٢) ينظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2777، "تفسير الثعلبي" 2/ 1371، "لسان العرب" 6/ 3396 (مادة: فرغ) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 332.

(٣) "تفسير الطبري" 2/ 625، "تفسير الثعلبي" 2/ 1371.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ فَصَلَ طَالُوتُ ﴾ أي خرج من موضعه إلى الجهاد ﴿ بِنَهَرٍ ﴾ قيل هو نهر فلسطين ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ ﴾ الآية: اختبر طاعتهم بمنعهم من الشرب باليد ﴿ إِلاَّ مَنِ اغترف غُرْفَةً ﴾ رخص لهم في الغرفة باليد، وقرئ بفتح الغين وهو المصدر، وبضمها هو الاسم ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً ﴾ قيل: كانوا ثمانين ألفاً فشربوا منه كلهم إلاّ ثلاثمائة وبضعة عشر: عدد أصحاب بدر، فأما من شرب فاشتد عليه العطش، وأما من لم يشرب فلم يعطش ﴿ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ كان كافراً عدوّاً لهم وهو ملك العمالقة، ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ أي يوقنون وهم أهل البصائر من أصحابه ﴿ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ كان داود في جند طالوت فقتل جالوت، فأعطاه الله ملك بني إسرائيل، وفي ذلك قصص كثيرة غير صحيحة ﴿ والحكمة ﴾ هنا النبوة والزبور ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ صنعة الدروع، ومنطق الطيور، وغير ذلك ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله ﴾ الآية: منه على العباد بدفع بعضهم ببعض، وقرئ دفاع بالألف، ودفع بغير ألف، والمعنى متفق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ عسيتم ﴾ بكسر السين حيث كان نافع.

الباقون بالفتح.

وزاده بالإمالة: حمزة ونصير وابن مجاهد والنقاش عن ابن عباس وذكوان.

﴿ بصطه ﴾ بالصاد: أبو نشيط والشموني غير النقاد، وكذلك ﴿ بباصط  ﴾ ﴿ الله يبسط  ﴾ ﴿ ولا تبسطها كل البسط  ﴾ ﴿ فما اسطاعوا  ﴾ وما أشبه ذلك ﴿ مني إلا ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالسكون.

﴿ غرفة ﴾ بفتح العين: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الباقون بالضم ﴿ هو والذين ﴾ بالإدغام روى ابن مهران ومحمد العطار عن أبي شعيب وشجاع وكذلك ما أشبهها ﴿ فئة ومئة ﴾ وبابهما غير مهموزتين: يزيد وشموني وحمزة في الوقف ﴿ دفاع الله ﴾ وكذلك في سورة الحج: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب.

الباقون ﴿ دفع الله ﴾ .

الوقوف: ﴿ من بعد موسى ﴾ م لأنه لو وصل صار "إذ" ظرفاً لقوله "ألم تر" وهو محال ﴿ في سبيل الله ﴾ ط ﴿ ألا تقاتلوا ﴾ ط ﴿ وأبنائنا ﴾ ط ﴿ تعظيماً ﴾ لابتداء أمر معظم ﴿ منهم ﴾ ط ﴿ بالظالمين ﴾ ه ﴿ ملكاً ﴾ ط ﴿ من المال ﴾ ط ﴿ والجسم ﴾ ط ﴿ من يشاء ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ الملائكة ﴾ ط ﴿ مؤمنين ﴾ ه ﴿ بالجنود ﴾ لا لأن "قال" جواب لما ﴿ بنهر ﴾ ج للابتداء بالشرط مع الفاء ﴿ فليس مني ﴾ ج للابتداء بشرط آخر اتحاد المقصود ﴿ بيده ﴾ ج لعطف المختلفين ﴿ منهم ﴾ ط تعظيماً لابتداء أمر معظم ﴿ معه ﴾ (لا) لأن "قالوا" جواب لما ﴿ وجنوده ﴾ ط ﴿ ملاقو الله ﴾ (لا) لأن ما بعده مفعول "قال" ﴿ بإذن الله ﴾ ط ﴿ الصابرين ﴾ ه ﴿ الكافرين ﴾ ه ط لأن ما قبله دعاء وما بعده خبر ماضٍ يتصل بكلام طويل بعده ولا وقف على "بإذن الله" لاتصال اللفظ واتساق المعنى فإن الهزيمة كانت من قتل داود جالوت ﴿ مما يشاء ﴾ ط ﴿ العالمين ﴾ ه.

التفسير: القصة الثانية قصة طالوت، والملأ اسم جماعة من الناس كالقوم والرهط لأنهم يملؤن العيون هيبةً، أو لأنهم ملأى بالأحلام والآراء الصائبة وجمعه أملاء.

قال: وقال لها الأملاء من كل معشر.

وخير أقاويل الرجال سديدها.

قال الزجاج: الملأ الرؤساء سموا بذلك لأنهم ملؤا بما يحتج إليه من كفايات الأمور وتدبيرها من قولهم "ملؤ الرجل ملاءة فهو ملؤ" إذا كان مطيقاً له، لأنهم يتمالؤن أي يتظاهرون ويتساندون.

والغرض من إيراد هذه القصة عقيب آية القتال، ترغيب المكلفين على الجهاد وأن لا يكونوا كمن أمروا بالقتال فخالفوا وظلموا ﴿ إذ قالوا لنبيٍ لهم ﴾ لم يحصل العلم بذلك النبي وبأولئك الملأ من الخبر المتواتر، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن.

لكن المقصود وهو الحث على الجهاد حاصل.

منهم من قال: إن النبي  هو يوشع بن نون بن أفرايم بن يوسف لقوله  ﴿ من بعد موسى ﴾ ولكنه لا يلزم منه حصوله من بعده على الاتصال.

والأكثرون على أنه أشمويل واسمه بالعربية إسماعيل.

وعن السدي هو شمعون سمته أمه بذلك لأنها دعت الله أن يرزقها إياه فسمع دعاءها فسمته شمعون.

والسين تصير شيناً بالعبرانية وهو من ولد لاوى بن يعقوب.

﴿ ابعث لنا ملكاً ﴾ أنهض للقتال معنا أميراً نصدر في تدبير الحرب عن رأيه وتنتظم به كلمتنا.

وكان قوام بين إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ويجري الأحكام، ونبي يطيعه الملك ويقيم أمر دينهم ويأتيهم بالخبر من ربهم ﴿ نقاتل في سبيل الله ﴾ بالنون والجزم على الجواب وهي القراءة المشهورة.

وقرئ بالنون والرفع على أنه حال أي ابعث لنا ملكاً مقدرين القتال، أو استئناف كأنه قال لهم.

ما تصنعون بالملك؟

فقالوا: نقاتل.

وقرئ "يقاتل" بالياء والجزم على الجواب، وبالرفع على أنه صفة لـ ﴿ ملكاً ﴾ و ﴿ هل عسيتم ﴾ خبره ﴿ أن لا تقاتلوا ﴾ والشرط فاصل بينهما، وجواب الشرط محذوف يدل عليه المذكور أي إن كتب عليكم القتال فهل يتوقع منكم الجبن والخور؟

وأراد بالاستفهام التقرير وتثبيت أن المتوقع كائن وأنه صائب في توقعه ﴿ وما لنا ألا نقاتل ﴾ قال المبرد: "ما" نافية أي ليس لنا ترك القتال.

والأكثرون على أنه للاستفهام، وأورد عليه أنه خلاف المشهور فإنه لا يقال: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما يقال: مالك لا تفعل.

فعن الأخفش أن "أن" زائدة أي ما لنا لا نقاتل.

ورد بأن الزيادة خلاف الأصل ولا سيما في كلام رب العزة.

وعن الفراء أن الكلام محمول على المعنى لأن قولك "ما لك لا تقاتل" معناه ما منعك أن تقاتل، فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال "أن" فيه.

وعن الكسائي: واستحسنه الفارسي أن التقدير أيّ شيء لنا وأيّ داع أو غرض في ترك القتال فسقطت كلمة "في" على القياس ﴿ وقد أخرجنا ﴾ أي وحالنا أنا أخرجنا من ديارنا بالسبي والقهر على نواحيها، ومن بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر منه الاجتهاد في قمع عدوّه.

روي أن قوم جالوت كانوا يسكنون ساحل بحر الروم بين مصر وفلسطين، فأسروا من أبناء ملوكهم أربعمائة وأربعين.

وههنا محذوف التقدير: فسأل الله  ذلك فبعث لهم ملكاً وكتب عليهم القتال.

﴿ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وهم الذين عبروا النهر وسيأتي ذكرهم وأنهم كانوا ثلثمائة وثلاثة عشر علىعدد أهل بدر.

﴿ والله عليم بالظالمين ﴾ وعيد لهم ولكل مكلف في الإسلام على القعود عن القتال.

وأي وعيد أبلغ من أن وضع الظالمين موضع الضمير العائد إليهم.

قوله  ﴿ وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ طالوت اسم أعجميّ كجالوت وداود، امتنع من الصرف للعلمية والعجمة المعتبرة.

وقد يمكن تكلف اشتقاقه من الطول لما يجيء من وصفه بالبسطة في الجسم، وقد يوافق العبراني العربي.

و ﴿ ملكاً ﴾ نصب على الحال، أو التمييز، أو مفعول ثانٍ على أن بعث بمعنى صير.

وفي الآية تقرير لتوليهم وتأكيد لذلك، فإن أولى ما تولوا هو إنكارهم أمر النبي المبعوث إليهم بالتماسهم وذلك أنهم ﴿ قالوا أنى يكون ﴾ كيف ومن أين يصح ويصلح ﴿ له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعةً من المال ﴾ الواو الولى للحال، والثانية للعطف.

فانتظمت الجملتان في سلك الحالية.

استبعدوا تملكه من وجهين: الأول: أن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب ومنه موسى وهارون، والملك كان في سبط يهوذا ومنه داود وسليمان، وأن طالوت ما كان من أحد هذين السبطين بل كان من ولد بنيامين.

الثاني: أنه كان فقيراً ولا بد للملك من مال يعتضد به.

فعن وهب أنه كان دباغاً.

وعن السدي أنه كان مكارياً.

وقال الآخرون: كان سقاء فأزيلت شبهتهم بوجوه: الأول: ﴿ قال إنّ الله اصطفاه عليكم ﴾ اختاره دونكم واستخلصه من بينكم وأمره عليكم، ولا اعتراض لأحد على حكم الله.

وروي أن نبيهم دعا الله حين طلبوا منه ملكاً فأُتي بعصا يقاس بها من يملك عليهم فلم يساوها إلا طالوت.

الثاني: ﴿ وزاده بسطة في العلم والجسم ﴾ طعنوا فيه بنقصان الجاه والمال فقابلهما الله  بوصفين العلم والقدرة وأنهما أشد مناسبة لاستحقاق الملك من النسب والمال، لأن العلم والقدرة من باب الكمالات الحقيقية دونهما وبالعلم والقدرة يتوسل إلى الجاه والمال ولا ينعكس، والعلم والقدرة من الكمالات الحاصلة لحق الإنسان، والمال والجاه أمران منفصلان عن ذات الإنسان وأنهما لا يمكن سلبهما عن ذات الإنسان بخلافهما.

وإن العالم بأمر الحروب ذا القوة والبطش يكون الانتفاع به في مصالح البلاد والعباد أتم من النسيب الغني إذا لم يكن له علم يضبط المصالح وقدرة على دفع الأعداء.

والظاهر أن المراد بالبسط في العلم هو حذقه فيما طلبوه لأجله من أمر الحرب، ويجوز أن يكون عالماً في الديانات وبغيرها.

وذلك أن الملك ينبغي أن يكون عالماً وإلا كان مزدري غير منتفع به، وأن يكون جسيماً يملأ العين مهابة وحشمة.

والبسطة السعة والامتداد وطول القامة.

روي أنه كان يفوق الناس برأسه ومنكبيه.

وقيل: المراد منه الجمال وكان أجمل بني إسرائيل.

والأظهر أن يراد بها القوة لأنها المنتفع بها في دفع الأعداء لا الطول والجمال.

الوجه الثالث: ﴿ والله يوتي ملكه من يشاء ﴾ فالملك له والعبيد له والمالك إذا تصرف في ملك نفسه فلا اعتراض لأحد عليه.

الوجه الرابع: ﴿ والله واسع عليم ﴾ فإذا فوض الملك إليه فإن علم أن الملك لا يتمشى إلا بالمال فتح عليه باب الرزق ويوسع عليه.

قوله عز من قائل ﴿ وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ الآية.

اعلم أن ظاهر قوله  ﴿ إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً ﴾ يدل على أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي  .

ثم إنه لما قال: ﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ كان هذا دليلاً قاطعاً على أنه ملك، لكنه  لكمال رأفته بالمكلفين ضم إلى ذلك الدليل دليلاً آخر دل على صدق النبي، وإكثار الدلائل من الله  جائز.

ولهذا كثرت معجزات محمد  ومعجزات موسى وعيسى عليهما السلام.

ثم إن مجيء التابوت لا بد أن يقع على وجه يكون خارقاً للعادة حتى يصح أن يكون معجزة وآية من عند الله دالة على صدق تلك الدعوى.

فقيل: إن الله  أنزل على آدم تابوتاً فيه صور الأنبياء من أولاده فتوارثوه إلى أن وصل إلى يعقوب، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم، وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا النصر، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت قال ذلك النبي: إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره.

وكان الكفار الذين سلبوا التابوت قد جعلوه في موضع البول والغائط، فدعا النبي  عليهم في ذلك الوقت فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله بالبواسير، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت فأخرجوه ووضعوه على ثورين، فأقبل الثوران يسيران ووكل الله بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت.

فعلى هذا إتيان التابوت مجاز لأنه أتى به ولم يأت هو بنفسه.

وقيل: إنه صندوق من خشب كان موسى يضع التوراة فيه و كانوا يعرفونه، ثم إن الله  رفعه بعد ما قبض موسى  لسخطه على بني إسرائيل.

ثم قال نبي ذلك القوم: إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء، فنزل من السماء والملائكة كانوا يحفظونه والقوم ينظرون حتى نزل عند طالوت وهذا قول ابن عباس.

وعلى هذا الإتيان حقيقة، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعاً لأن من حفظ شيئاً في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء.

أما شكل التابوت فقيل: كان من خشب الشمشار مموهاً بالذهب نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين.

وقرأ أبي وزيد بن ثابت ﴿ التابوه ﴾ بالهاء وهي لغة الأنصار.

وأما وزن التابوت فلا يخلو إما أن يكون "فعلوتا" أو "فاعولا" لا سبيل إلى الثاني لقلة باب سلس وقلق ولأنه تركيب غير معروف فهو "فعلوت" من التوب أي الرجوع لأنه ظرف، فلا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته.

والظاهر أن مجيء التابوت كان معجزة لنبي ذلك الزمان، ومع كونه معجزة له كان آية قاطعة في ثبوت ملك طالوت، وقيل: إن طالوت كان نبياً وإتيان التابوت معجزته لأنه كان مقروناً بالتحدي.

والجواب أن التحدي كان من النبي  لأمته ﴿ فيه سكينةٌ ﴾ هي "فعيلة" من السكون ضد الحركة ومعناه الوقار، ومصدر وقع موقع الاسم كالعزيمة.

وأما البقية فبمعنى الباقية.

يقال: بقي من الشيء بقية.

والمراد بالسكينة والبقية إما أن يكون شيئاً حاصلاً في التابوت أولاً، والثاني قول الأصم وعلى هذا فمعناه أنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة اطمأنت نفوسهم وأقروا له بالملك وانتظم أمر ما بقي من دين موسى وهارون ومن شريعتهما فهذا كقوله  "في النفس المؤمنة مائة من الإبل" أي بسببها.

وعلى الأول أقوال فعن أبي مسلم: كان في التابوت بشارات من كتب الله المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام بأن الله  ينصر طالوت وجنوده فيزول خوف العدو عنهم.

وعن ابن عباس: هي صورة من زبرجد وياقوت لها رأس كرأس الهر، وذنب كذنبه، وجناحان فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه، فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر.

وعن علي  : كان لها وجه كوجه الإنسان، وفيها ريح هفافة أي طيبة.

وأما البقية فهي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفيز من المنّ الذي أنزل عليهم.

قال بعض العلماء: إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت.

وفي التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون فيكون الآل هم الأتباع.

قال  : ﴿ أدخلوا آل فرعون  ﴾ ﴿ وإذ نجيناكم من آل فرعون  ﴾ ويجوز أن يراد مما تركه موسى وهارون والآل مقحم لتفخيم شأنهما "كقوله  لأبي موسى الأشعري لقد أوتي هذا مزماراً من مزامير آل داود" وأراد به داود نفسه إذ لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن ما كان لداود ﴿ إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ﴾ بدلالة المعجزة على صدق المدعي وههنا محذوف والتقدير: فأتاهم التابوت فأذعنوا لطالوت وأجابوا إلى المسير تحت رايته.

﴿ فلما فصل طالوت بالجنود ﴾ أصله فصل نفسه ثم كثر حذف المفعول حتى صار في حكم غير المتعدي والمعنى: انفصل عن بلده مع الجنود.

والجند الأعوان والأنصار وكل صنف من الخلق جند قال  : "الأرواح جنود مجندة" .

روي أن طالوت قال لقومه: لا ينبغي أن يخرج معي رجل بنى بناء لم يفرغ منه، ولا تاجر مشتغل بالتجارة، ولا متزوج بامرأة لم يبن فيها.

ولا أبتغي إلا الشاب النشيط الفارغ.

فاجتمع إليه ممن اختاره ثمانون ألفاً، وكان الوقت قيظاً وسلكوا مفازة فسألوا الله أن يجري لهم نهراً.

فقال نبيهم: على قول، أو طالوت على الأظهر، وذلك إما بإخبار النبي  أو بالوحي إن كان نبياً ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ بما اقترحتموه من النهر.

قيل في حكمة هذا ابتلاء: إنه لما كان من عادة بني إسرائيل مخالفة الأنبياء والملوك مع ظهور الآيات الباهرة، أظهر الله علامة قبل لقاء العدو يتميز بها الصابر على الحرب من غير الصابر، لأن الرجوع قبل لقاء العدو لا يؤثر كتأثيره حال لقاء العدو.

عن ابن عباس والسدي أنه نهر فلسطين، وعن قتادة والربيع أنه نهر بين الأردن وفلسطين.

ونهر بتحريك الهاء وتسكينها لغتان و ﴿ مبتليكم ﴾ أي ممتحنكم.

ولما كان الابتلاء من الناس إنما يكون بظهور الشيء، وثبت أن الله لا يثيب ولا يعاقب على علمه إنما يظهر ذلك بظهور الأفعال من الناس وذلك لا يحصل إلا بالتكليف، لا جرم سمى التكليف ابتلاء.

﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ هو كالزجر أي ليس بمتصل بي ولا بمتحد معي من قولهم "فلان مني" يريد أنه كأنه بعضه لاختلاطهما واتحادهما، أو ليس من أهل ديني وطاعتي ومن حزبي وأشياعي ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه.

ومنه طعم الشيء لمذاقه.

واعلم أن الفقهاء اختلفوا في أن من حلف أن لا يشرب من هذا النهر كيف يحنث؟

فقال أبو حنيفة: لا يحنث إلا إذا كرع في النهر.

حتى لو اغترف بالكوز ماء من ذلك النهر وشربه لا يحنث لأن الشرب من الشيء هو أن يكون ابتداء شربك متصلاً بذلك الشيء.

وقال الباقون: بل إذا اغترف الماء بالكوز من ذلك النهر وشربه يحنث لأن هذا وإن كان مجازاً إلا أنه مجاز مشهور، فلما كان من المحتمل في اللفظ الأول أن يكون النهي مقصوراً على الشرب من النهر حتى لو أخذه بالكوز وشربه لا يكون داخلاً تحت النهي.

ذكر في اللفظ الثاني ما يزيل هذا الإبهام فقال: ﴿ ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفةً بيده ﴾ استثناء من قوله ﴿ فمن شرب منه فليس مني ﴾ ليصح النظم وإنما فصل قوله ﴿ ومن لم يطعمه ﴾ بين المستثنى والمستثنى منه للعناية.

ومعنى الاستثناء الرخصة في اغتراف الغرفة باليد دون الكروع.

والغرفة بالفتح بمعنى المصدر، وبالضم بمعنى المغروف ملء الكف.

عن ابن عباس: كانت الغرفة يشرب منها هو ودوابه وخدمه، ويحتمل منها.

ولعل ذلك من معجزات نبي ذلك الزمان كما يروى عن نبينا  من إرواء الخلق العظيم من الماء القليل، ويحتمل أنه كان مأذوناً أن يأخذ من الماء ما شاء مرة واحدة بقربة أو جرة بحيث كان المأخوذ في المرة الواحدة يكفيه ولدوابه ولخدمه ولأن يحمله مع نفسه إلا أن قوله ﴿ بيده ﴾ لا يجاوب هذا الاحتمال ﴿ فشربوا منه ﴾ كرعوا فيه ﴿ إلا قليلاً منهم ﴾ وقرأ أبي والأعمش ﴿ إلا قليلٌ منهم ﴾ وهذا من باب الميل إلى المعنى والإعراض عن اللفظ جانباً كأنه قيل: فلم يطيعوه إلا قليل منهم.

فبهذا تميز الموافق عن المنافق والصديق عن الزنديق.

يروى أن أصحاب طالوت لما هجموا على النهر بعد عطش شديد وقع أكثرهم في النهر وأكثروا الشرب فاسودت شفاههم وغلبهم العطش وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء العدو، وأطاع قوم قليل منهم أمر الله  فلم يزيدوا على الاغتراف فقوي قلبهم وصح أيمانهم وعبروا النهر سالمين.

والمشهور أنهم كانوا على عدد أهل بدر لما روي أن النبي قال لأصحابه يوم بدر: أنتم اليوم على عدد أصحاب طالوت حين عبروا النهر وما جاز معه إلا مؤمن.

قال البراء بن عازب: وكنا يومئذٍ ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً.

وقيل: إنهم كانوا أربعة آلاف.

ولا خلاف بين المفسرين أن الذين عصوا الله وشربوا من النهر رجعوا إلى بلدهم ولم يتوجه معه إلى لقاء العدو إلا من أطاعه، وإنما الخلاف في أنهم رجعوا قبل عبور النهر أو بعده، والحق أنه ما عبر معه إلا المطيعون لقوله  ﴿ فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه ﴾ ولقوله: ﴿ فليس مني ﴾ أي ليس من أصحابي في سفري، ولأن المقصود من الابتلاء أن يتميز المطيع عن العاصي، وإذا تميزا فالظاهر أنه لم يأذن للعاصين، وصرفهم عن نفسه قبل أن يرتدوا عند لقاء العدو، وقيل: إنه استصحب كل جنوده لأنهم قالوا: لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده.

ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق بالمؤمن المنقاد لأمر ربه، بل لا يصدر إلا عن المنافق أو الفاسق.

والجواب لعل طالوت والمؤمنين لما جاوزوا النهر ورأوا القوم تخلفوا وما جاوزوه، سألوهم عن سبب التخلف فذكروا ذلك، وما كان النهر في العظم بحيث يمنع المكالمة، أو المراد بالمجاوزة قرب حصول المجاوزة، أو المؤمنون الذين عبروا النهر كانوا فريقين: منهم من يكره الموت ويغلب الخوف والجزع على طبعه وهم الذين قالوا: لا طاقة لنا، ومنهم من كان شجاعاً قوي القلب وهم الذين أجابوا بقولهم ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة ﴾ أو أنهم لما شاهدوا قلة عسكرهم قال بعضهم: لا طاقة لنا اليوم.

فلا بد أن نوطن أنفسنا للقتل.

وقال الآخرون: بل نرجو من الله الفتح والظفر.

فكأن غرض الأولين الترغيب في الشهادة والفوز بالجنة، وغرض الآخرين التحريض على رجاء الفتح والظفر، وكلا الغرضين محمود.

والطاقة اسم بمنزلة الإطاقة.

يقال: أطقت الشيء إطاقة وطاقة ومثلها أطاع إطاعة والاسم الطاعة وأغار إغارة والاسم الغارة، وأجاب يجيب إجابة والاسم الجابة.

وفي المثل "أساء سمعاً فأساء جابة" أي جواباً ومعنى قوله ﴿ يظنون أنهم ملاقوا الله ﴾ يغلب على ظنونهم أنهم لا يتخلصون من الموت.

عن قتادة: أو يظنون أنهم ملاقوا ثواب الله بسبب هذه الطاعة، وذلك أن أحداً لا يعلم عاقبة أمره، وعن أبي مسلم: أوَتظنون أنهم ملاقو طاعة الله من غير رياء وسمعة وبنية خالصة، أو أنهم عرفوا مما في التابوت من الكتب الإلهية يقين النصر والظفر إلا أن حصول ذلك في المرة الأولى ما كان إلا على سبيل الظن، أو المراد بقوله ﴿ يظنون ﴾ يعلمون ويوقنون لما بين اليقين والظن من المشابهة في تأكد الاعتقاد، والفئة الجماعة لأن بعضهم قد فاء إلى بعض فصاروا جماعة، وقال الزجاج: هي من قولهم "فأوت رأسه بالسيف" وفأيت أي قطعت كأن الفئة قطعة من الناس.

والمراد تقوية قلوب الذين قالوا: لا طاقة لنا إذ العبرة بالتأييد الإلهي والنصرة الإلهية، فإذا جاءت الدولة فلا مضرة في القلة والذلة، وإذا جاءت المحنة فلا منفعة في كثرة العدد والعدة، ومحل "كم" رفع بالابتداء و ﴿ غلبت ﴾ الجملة خبره، ﴿ بإذن الله ﴾ بتيسيره وتسهيله.

﴿ والله مع الصابرين ﴾ بالمعونة و التأييد يحتمل أن يكون من قوله  وأن يكون من قول الذين يظنون.

قوله  ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ الآية البراز الأرض الفضاء ومنه البروز والمبارزة في الحرب كأن كل واحد منهما حصل بحيث يرى صاحبه.

واعلم أن العلماء والأقوياء من عسكر طالوت لما قرروا مع ضعفائهم وعوامهم أن الغلبة لا تتعلق بكثرة العدد وأن النصر والظفر بإعانة الله اشتغلوا بالدعاء و ﴿ قالوا ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ وهكذا كان يفعل نبينا محمد  كما روي في قصة بدر أنه كان يصلي ويستنجز من الله وعده، وكان متى لقي عدواً قال: "اللهم إني أعوذ بك من شرورهم وأجعلك في نحورهم، اللهم بك أصول وبك أجول" .

والإفراغ إخلاء الإناء مما فيه، وإنما يخلو بصب كل ما فيه فيفيد المبالغة.

أي صب علينا أتم صبر وأبلغه وهذا هو الركن الأعظم في المحاربة، فإنه إن كان جباناً لم يجد بطائل.

ثم إن الشجاع مع ذلك يحتاج إلى الآلات والعدد والاتفاقات الحسنة حتى يمكنه أن يقف ويثبت ولا يصير ملجأ إلى الفرار، فاقترحوها بقولهم ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ ثم إنه مع كل هذه الأشياء يفتقر إلى أن تزيد قوته على قوة عدوه حتى يغلبهم وهو المراد بقولهم ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ فلا جرم استجاب الله دعاءهم ﴿ فهزموهم ﴾ كسروهم ﴿ بإذن الله ﴾ بتوفيقه وإعانته ﴿ وقتل داود جالوت ﴾ عن ابن عباس أن داود كان راعياً ومعه سبعة إخوة مع طالوت، فلما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أيشا أرسل ابنه داود - وكان صغيراً - إليهم ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وهم في المصاف، وبرز جالوت الجبار وكان من قوم عاد وكانت بيضته فيها ثلثمائة رطل من الحديد، فلم يخرج إليه أحد فقال: يا بني إسرائيل، لو كنتم على الحق لبارزني بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم من يخرج إلى هذا الأقلف؟

فسكتوه.

فذهب إلى ناحية من الصف ليس فيها إخوته فمر به طالوت وهو يحرّض الناس فقال له داود: ما تصنعون لمن يقتل هذا؟

فقال طالوت: أنكحه ابنتي وأعطيه نصف مملكتي.

فقال داود: فأنا خارج إليه.

وكانت عادته أنه يقاتل بالمقلاع الذئب والأسد في المرعى وكان طالوت عارفاً جلادته فلما هم داود بأن يخرج إلى جالوت مر بثلاثة أحجار فقلن: يا داود خذنا معك ففينا ميتة جالوت.

ثم لما خرج إلى جالوت رماه فأصابه في صدره ونفذ الحجر فيه وقتل بعده ناساً كثيراً.

قيل: فحسده طالوت ولم يف له وعده ثم ندم على صنيعه فذهب يطلبه إلى أن قتل.

﴿ وآتاه الله الملك ﴾ في مشارق الأرض المقدسة ومغاربها ﴿ والحكمة ﴾ أي النبوّة لأن الحكمة وضع الأمور موضعها على الوجه الأصوب والنحو الأصلح.

وكمال هذا المعنى إنما يحصل بالنبوة، والمشهور من أحوال بني إسرائيل، أن الله  كان يبعث إليهم نبياً وعليهم ملكاً كان ذلك الملك ينفذ أمور ذلك النبي، وكان نبي ذلك الزمان أشمويل وملكه طالوت، فلما توفي أشمويل أعطى الله دود النبوّة، ولما توفي طالوت أعطى الله الملك إياه أيضاً، ولم يجتمع الملك والنبوّة على أحد من بني إسرائيل قبله.

ويروى أن بين قتله جالوت وبين ما أعطاه الله الملك والحكمة سبع سنين.

قال بعضهم: هذا الإتيان جبراً له على ما فعل من الطاعة وبذل النفس في سبيل الله، ولا ممتنع في جعل النبوّة جزاء على بعض الطاعات كما قال  : ﴿ ولقد اخترناهم على علم على العالمين  ﴾ وقال: ﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالته  ﴾ ولهذا ذكر بعده حديث الهزيمة والقتل.

وترتب الحكم على الوصف المناسب مشعر بالعلية لا سيما وقد نطقت الأحجار معه، وقد قهر العدو العظيم المهيب بالآلة الحقيرة.

وقال آخرون: إن النبوّة لا يجوز جعلها جزاء على الأعمال ولكنها محض عناية الله  ببعض عبيده كما قال: ﴿ الله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس  ﴾ فإن قيل: لم قدم الملك على الحكمة مع أنه أدون منها؟

فالجواب أنه  أراد أن يذكر كيفية ترقي داود  في معارج السعادات، والتدرج في مثل هذا المقام من الأدون إلى الأشرف هو الترتيب الطبيعي.

﴿ وعلمه مما يشاء ﴾ قيل: هو صنعة الدروع لقوله ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ وقيل: منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وقيل: ما يتعلق بمصالح الملك فإنه ما تعلم ذلك من آبائه فإنهم كانوا رعاة.

وقيل: علم الدين والقضاء ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب  ﴾ ولا يبعد حمل اللفظ على الكل والغرض منه التنبيه على أن العبد لا ينتهي قط إلى حالة يستغني عن التعلم سواء كان نبياً أو لم يكن ولهذا قيل لمحمد  ﴿ وقل ربي زدني علماً  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله ﴾ معناه ظاهر وأما من قرأ بالألف فإما أن يكون مصدر الدفع نحو جمع جماحاً وكتب كتاباً وقام قياماً، وإما أن يكون بمعنى أنه  يكف الظلمة والعصاة عن المؤمنين على أيدي أنبيائه وأئمة دينه، فكان يقع بين أولئك المحقين وأولئك المبطلين مدافعات كقوله ﴿ إن الذين يحادّون الله ورسوله  ﴾ .

واعلم أن الله  ذكر في الآية المدفوع وهو بعض الناس، والمدفوع به وهو البعض الآخر.

وأما المدفوع عنه فغير مذكور للعلم به وهو الشرور في الدين كالكفر والفسق والمعاصي، فعلى هذا الدافعون هم الأنبياء وأئمة الهدى ومن يجري مجراهم من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر والشرور في الدنيا كالهرج والمرج وإثارة الفتن.

فالدافعون إما الأنبياء أو الملوك الذابون عن شرائعهم ولهذا قال  : "الملك والدين توأمان" "الإسلام أس والسلطان حارس فما لا أس له فهو منهدم وما لا حارس له فهو ضائع" وعلى هذا فمعنى قوله ﴿ لفسدت الأرض ﴾ أي بطلت منافعها وتعطلت مصالحها من الحرث والنسل وغير ذلك من سائر أسباب العمران.

وقيل: المراد بالدفع نصر المسلمين على الكفار.

ومعنى فساد الأرض عبث الكفار فيها وقتالهم المسلمين.

وقيل: المعنى لو لم يدفع الكفار بالمسلمين لعم الكفر ونزل سخط الله، فاستؤصل أهل الأرض وتصديق ذلك ما روي أن النبي  قال: "يدفع بمن يصلي من أمتي عمن لا يصلي وبمن يزكي عمن لا يزكي وبمن يصوم عمن لا يصوم وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يجاهد عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على ترك هذه الأشياء لما أنظرهم الله طرفة عين" ثم تلا هذه الآية ﴿ ولكنّ الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ بسبب ذلك الدفاع.

وفيه أن الكل بقضاء الله وقدره وبقهره ولطفه وبعدله وفضله.

التأويل: فقوله ﴿ ألم تر إلى الملأ ﴾ أن القوم لما أظهروا خلاف ما أضمروا وزعموا غير ما كتموا، عرض نقد دعواهم على محك معناهم فما أفلحوا عند الامتحان إذ عجزوا عن البرهان، وعند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، وهذا حال أكثر مدّعي الإسلام والإيمان والذين يزعمون نصلي ونصوم ونحج ونزكي لله وفي الله باللسان دون صدق الجنان، وسيظهر ما كان لله وما كان للهوى في كفتي الميزان ﴿ فلما كتب عليهم القتال ﴾ تبين الأبطال من البطال ﴿ فتولوا إلا قليلاً منهم ﴾ وأن أهل الحق أعز من العنقاء وأعوز من الكيمياء.

تعيرنا أنا قليـل عديدنا *** فقلت لها إن الكرام قليل تعيرنا أنا قليل وجارنا *** عزيز وجار الأكثرين ذليل وإنما لم ينل المدعون مقصودهم لأنه لم تخلص لله قصودهم ولو أنهم قالوا: ﴿ وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ﴾ وقد أمرنا ربنا وأوجب القتال علينا وأنه سيدنا ومولانا فلعل الله صدق دعواهم وأعطى مناهم وأكرم مثواهم كما قال قوم من السعداء في أثناء البكاء والصعداء ﴿ وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين  ﴾ فلا جرم أثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين.

﴿ إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً ﴾ فيه إشارة إلى أن الحكم الإلهية حلت وتجلت في جلباب تعاليها عن إدراك العقول البشرية كنه معنى من معانيها، ولهذا.

قالوا: ﴿ أنى يكون له الملك علينا ﴾ وليس هذا بأعجب من قول المقرّبين المؤيدين بالأنوار القدسية ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ واستحقاراً لشأن آدم واحتجاباً بحجب الأنانية والنحنية، فلما تكبر بنو إسرائيل وقالوا: ﴿ نحن أحق بالملك ﴾ وضعهم الله وحرموا الملك، ولما تواضع طالوت لله وقال: كيف أستحق الملك وسبطي أدنى أسباط بني إسرائيل وبيتي أدنى بيوت بني إسرائيل، رفعه الله وأعطاه الملك.

ولما تفوقت الملائكة وترفعوا بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك  ﴾ أمرهم بالسجود لآدم، ولما عرضت الخلافة على آدم فتواضع لله وقال: ما للتراب ورب الأرباب أكرمه الله  بسجود الملائكة وحمل أعباء الأمانة ﴿ إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ﴾ فيه إشارة إلى أن آية خلافة العبد أن يظفر بتابوت قلب ﴿ فيه سكينة ﴾ من ربه وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس مع الله ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب  ﴾ ﴿ بقية مما ترك آل موسى ﴾ هو عصا الذكر كلمة لا إله إلا الله وهي الثعبان الذي إذا فغر فاه تلقف عظيم سحر سحرة صفات فرعون النفس.

وإن تابوتهم الذي فيه سكينتهم كان يتداوله أيدي الحدثان، وتابوت قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن، وإن كان في تابوتهم بعض التوراة ففي تابوت قلب المؤمن جميع القرآن، وإن كان في تابوتهم صور الأنبياء ففي تابوت المؤمن رب الأرض والسماء كما قال: "لا يسعني أرضي ولا سمائي ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن" فإذا حصل لطالوت الروح الإنساني تابوت القلب الرباني سلم له ملك الخلافة، وإنقاد له جميع أسباط صفات الإنسان فلا يركن إلى الدنيا و يتجهز لقتال جالوت النفس الأمارة ﴿ إن الله مبتليكم بنهرٍ ﴾ هو نهر الدنيا وما زين للخلق فيها ﴿ زين للناس حب الشهوات  ﴾ ليظهر المحسن من المسيء ويميز الخبيث من الطيب ﴿ إلا من اغترف غرفة بيده ﴾ قنع من متاع الدنيا بما لا بد له منه من المأكول والمشروب والملبوس والمسكن وصحبة الخلق على حد الاضطرار، وكان نبينا محمد  يقول: "اللهم اجعل قوت آل محمد كفافاً" أي ما يمسك رمقهم ﴿ لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ﴾ لأن من شرب من نهر الدنيا ماء شهواتها ولذاتها وتجاوز عن حد الضرورة فيها لا يطيق قتال جالوت النفس وجنود صفاتها وعسكر هواها، لأنه صار معلولاً مريض القلب فبقي على شط نهر الدنيا ﴿ ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها  ﴾ ﴿ ولما برزوا لجالوت وجنوده ﴾ فيه إشارة إلى أن المجاهد في الجهاد الأكبر لا يقوم بحوله وقوته لقتال النفس إلا إذا رجع إلى ربه مستعيناً به مستغنياً عن غيره قائلاً ﴿ ربنا أفرغ علينا صبراً ﴾ على الائتمار بطاعتك والانزجار عن معاصيك ومخالفة الهوى والإعراض عن زينة الدنيا ﴿ وثبت أقدامنا ﴾ على التسليم في الشدة والرخاء ونزول البلاء وهجوم أحكام القضاء في السراء والضراء ﴿ وانصرنا على القوم الكافرين ﴾ وهم أعداؤنا في الدين عموماً، والنفس الأمارة وصفاتها التي هي أعدى عدونا بين جنبينا خصوصاً ﴿ فهزموهم بإذن الله ﴾ بنصرته وقوته ﴿ وقتل داود ﴾ القلب ﴿ جالوت ﴾ النفس الخ.

وأخذ حجر الحرص على الدنيا وحجر الركون إلى العقبى وحجر تعلقه إلى نفسه بالهوى حتى صار الثلاثة حجراً واحداً وهو الالتفات إلى غير المولى، فوضعه في مقلاع التسليم والرضا فرمى به جالوت النفس، فسخر الله له ريح العناية حتى أصاب أنف بيضة هواها، وخالط دماغها فأخرج منه الفضول وخرج من قفاها وقتل من روائها ثلاثين من صفاتها وأخلاقها ودواعيها، وهزم الله باقي جيشها وهي الشياطين وأحزابها، وآتاه الله ملك الخلافة وحكمه الإلهامات الربانية، وعلمه مما يشاء من حقائق القرآن وإشاراته ﴿ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض ﴾ يعني أرباب الطلب بالمشايخ البالغين الواصلين الهادين المهتدين كما قال ﴿ ولكل قوم هاد  ﴾ لفسدت أرض استعداداتهم المخلوقة في أحسن التقويم عن استيلاء جالوت النفس بتبديل أخلاقها وتكدير صفائها ﴿ ولكن الله ذو فضلٍ على العالمين ﴾ فمن كمال فضله ورحمته حرك سلسلة طلب الطالبين وألهم أسرارهم إرادة المشايخ الكاملين، ووفقهم للتمسك بذيول تربيتهم ووقفهم على التشبث بأهداب سيرهم، وثبتهم على الرياضات في حال تزكيتهم كما قال: ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلْجُنُودِ ﴾ .

أي: من المدينة.

قيل: هم سبعون ألفا.

وقيل: كانوا مائة ألف، سار بهم في حر شديد، فنزلوا في قفرة من الأرض، فأصابهم عطش شديد، فسألوا طالوت الماء، فقال لهم طالوت: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ ﴾ .

قيل: نهر بين الأردن وفلسطين.

وقيل: هو نهر فلسطين.

[وقيل: إنما قال لهم: إن الله مبتليكم بنهر نبيهم.

وقوله: ﴿ فَمَن شَرِبَ ﴾ غرفة كفاه، ومن شرب أكثر منه لم يروه؛ لأنهم عصوه.

وقيل] ﴿ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ .

أي: ليس معي على عدوي، أي: لا يخرج معي.

ويجوز ﴿ فَلَيْسَ مِنِّي ﴾ من أتباعي وشيعتي.

وجائز أن يكون به ظهور النفاق والصدق ﴿ مِنِّي ﴾ في الدين.

﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ ﴾ .

يقول: ﴿ مِنِّي ﴾ ، أي معي على عدوي.

فيه دليل أن يسمي الشراب باسم الطعام.

والطعام باسمه.

﴿ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ﴾ .

استنثى (الغرفة)، كأنه قال: من شرب منه فليس مني إلا غرفة.

ففيه جواز الثنيا من الكلام المتقدم وإن كان دخل بين حرف الثنيا وحرف الأول شيء آخر.

وهو يدل لأصحابنا، رحمهم الله  ، حيث قالوا: فيمن أقر، فقال: "لفلان على كُرُّ حنطة وكر شعير إلا نصف كر حنطة"، أنه يصدق ويلزمه من الحنظة نصف كر.

ويحتمل أن يكون الثنيا على ما يليه قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّيۤ إِلاَّ مَنِ ٱغْتَرَفَ غُرْفَةً ﴾ .

وقيل: شرب شرب الدواب.

و(الغرفة) هي شرب.

وقوله: ﴿ فَشَرِبُواْ مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمْ ﴾ .

قيل: (القليل) هم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً اغترفوا غرفة واحدة بأيديهم، وكانت الغرفة يشرب منها هو وخدمه ودوابه.

وقيل: إنما استثنى الغرفة باليد لئلا يكرعوا كراع الدواب، ففعل بعضهم ذلك، فرد طالوت العصاة منهم، فلم يقطعوا معه، وقطع معه الثلاثمائة والثلاثة عشر رجلاً وهو قوله  : ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ قَالُواْ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ .

قيل: هو قول بعضهم لبعض: ﴿ لاَ طَاقَةَ لَنَا ٱلْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ ﴾ ؛ لأنهم أكثر منا، وكانوا مائة ألف، وهو ثلاثمائة وثلاثية عشر.

والله أعلم بذلك العدد.

وقوله: ﴿ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ ٱللَّهِ ﴾ .

قيل: الذين يعلمون ويقرون بالبعث.

﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

أي: عددهم.

وقيل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ ﴾ ، يعني يخشون أنهم يقتلون؛ لأنهم وطنوا أنفسهم على الموت، فطابت أنفسهم بالموت ﴿ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً ﴾ .

وقوله: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي بأمر الله.

لكنه لا يحتمل الغلبة بالأمر، ولكن ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، عندنا: بنصر الله.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّابِرِينَ ﴾ .

بالنصر والمعونة لهم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ﴾ .

يعني لقتالهم.

وقوله: ﴿ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

يقول: اصبب.

ويقال: أتمم علينا صبرا.

وهكذا الواجب على كل من لقي العدو أن يدعو بمثل هذا.

وعلى قول المعتزلة لا معنى لهذا الدعاء، لأنه قد كان فعل بهذا الأصلح.

فاستجاب الله دعاءهم، وهزم عدوهم؛ وهو قوله  : ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ .

قال بعضهم: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، بأمر الله.

لكن لا يحتمل؛ لأنهم كانوا يقاتلون بالأمر، ولا يهزمون بالأمر.

وقال آخرون: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، يعلم الله، كان في علمه في الأزل أنهم يهزمونهم.

وقيل: ﴿ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، بنصر الله.

وهو أقرب.

والله أعلم.

وقيل في القصة: إن داود،  ، كان راعياً، وكان له سبعة إخوة مع طالوت خرجوا معه للقتال: ولما أبطأ خبر إخوته على أبيهم أرسل داود إليهم لينظر ما أمرهم ويأتيه بخبرهم.

قال: فأتاهم وهم في الصفوف.

فبرز جالوت، فلم يخرج إليه أحد.

فقال: (يا بني إسرائيل) لو كنتم على حق لخرج إلي بعضكم.

فقال داود لإخوته: أما فيكم أحد يخرج إلى هذا الأقلف؟

قال: فقالوا: اسكت.

قال: فذهب داود إلى طالوت، فقال: أيها الملك، إني أراكم تعظمون شأن هذا العدو.

ما تصنعون بمن يقتل هذا الأقلف؟

قال طالوت: أنكحه ابنتي، وأجعل له نصف ملكي.

فقال داود لطالوت: فأنا أخرج إليه.

فلما قال داود: (أنا أخرج إليه)، قال له طالوت: من أنت؟

قال: أنا داود بن فلان.

فعرفه طالوت، ورأى أنه أجلد إخوته.

قال: فأعطاه طالوت درعه وسيفه.

قال: فلما خرج داود في الدرع جرها في الأرض؛ لأن طالوت كان أطول منه.

قال: فأخذ داود العصا ثم خرج إلى جالوت.

فمر بثلاثة أحجار، فقلن: يا داود خذنا معك، ففينا ميتة جالوت.

فأخذها ثم مضى نحوه.

وعلى جالوت بيضة هي ثلاثمائة رطل.

فقال له جالوت: إما أن ترميني، وإما أن أرميك؟

فقال له داود: بل أنا أرميك.

فرماه بها، فأصابه في آخرها، فوقعت في صدره، فنفذته وقتلته، وقتل الحجر بعد ما نفذ جنوداً كثيرة، وهزم الله جنوده.

وهو قوله: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ ﴾ ، والقصة طويلة فلا ندري كيف كانت القصة وليس لنا إلى معرفتها حاجة.

وقوله: ﴿ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ .

فالملك يحتمل: علم الحرب، وسياسة القتال؛ إذ لم يكونوا يقاتلون إلا تحت أيدي الملوك، وهو كقوله: ﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ  ﴾ .

ويحتمل: ﴿ ٱلْمُلْكَ ﴾ ، بما عقد له من الخلافة؛ كقوله: ﴿ يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ فَٱحْكُمْ بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وذكر: ﴿ وَآتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ الأمرين لما كان من قرب زمانه على ما عليه ابتداء الآية أن الملك يكون غير نبي، فجمعا جميعاً له فيكون على ذلك تأويل الحكمة أنها النبوة.

﴿ وَٱلْحِكْمَةَ ﴾ ، قيل: هي الفقه.

وقيل: هي النبوة.

وقد تقدم ذكره.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ .

قيل: صعنة الدروع، كقوله: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ  ﴾ .

وقيل: كلام الطير، وتسبيح الجبال، كقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلاً يٰجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَٱلطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ ٱلْحَدِيدَ  ﴾ .

وذلك مما خص به داود دون غيره من الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام.

ويحتمل: ﴿ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَآءُ ﴾ ، أشياء أخر.

وقوله: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ .

اختلف فيه: قال بعضهم: دفع بالكفار بعضهم ببعض شرهم عن المسلمين، لما شغل بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض أعداء إلى أن لم يتفرغوا عن أنفسهم للمسلمين، وإلا كان في ذلك فساد الأرض.

وقال آخرون: دفع بالرسل والأنبياء شرهم عن المسلمين، وكفاهم بهم.

وقال غيرهم: دفع بالمؤمنين بعضهم عن بعض - دفع بالمجاهدين في سبيل الله عن القاعدين عن الجهاد، وإلا لغلب المشركون على الأرض.

وقيل: بدفع بالمصلي عمن لا يصلي، وبالمزكي عمن لا يزكي، وبالحاج عمن لا يحج، وبالصائم عمن لا يصوم.

ثم اختلف في قوله: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ .

قيل: لو لم يدفع بعضهم ببعض لقتل بعضهم بعضاً، وأهلك فريق فريقاً، وفي ذلك تفانيهم وفسادهم، وفي ذلك فساد الأرض.

وقال آخرون: لو لم يدفع لفسدت الأرض، أراد بفساد الأرض فساد أهلها؛ لأنه لو لم يدفع لغلب المشركون على أراضي الإسلام وأهلها.

فإذا غلبوا فسد أهلها.

وقال: ﴿ لَفَسَدَتِ ٱلأَرْضُ ﴾ ، إذا غاب المشركون عليها هدمت المساجد والصوامع، ففيه فساد الأرض.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلْعَالَمِينَ ﴾ .

وعلى قول المعتزلة: ليس هو بذي فضل على أحد؛ لأن عليه أن يفعل ذلك، وأن يدفع ذلك كله عن المسلمين على قولهم، فإذا كان عليه ذلك لا يصير هو بما يدفع مفضلاً ولا ممتنّاً.

فنعوذ بالله من السرف في القول.

وقوله: ﴿ تِلْكَ آيَاتُ ٱللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِٱلْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ ﴾ .

يحتمل قوله: ﴿ آيَاتُ ٱللَّهِ ﴾ ، ما ذكره من قتل داود جالوت بالأحجار.

ذكر في القصة مع ضعف داود وقوة جالوت، على ما قيل: إن قامته كانت قدر ميل، وإن بيضته كانت ثلاثمائة رطل.

ويحتمل: ما ذكر من قيام القليل للكثير؛ لأنه قيل: إن جنود جالوت مائة ألف، وجنود طالوت ثلاثمائة وثلاثة عشر.

وذلك من الآيات.

ويحتمل: جميع ما قص الله عليه في القرآن من خبر الأمم السالفة.

والله أعلم.

وفي قتل داود جالوت، وقتل القليل الكثير، دليل: أنهم لم يقتلوا لقوة أنفسهم، ولكنهم بالله وبنصره إياهم.

قال الشيخ - رحمه الله -: من آيات وحدانيته: قتل داود جالوت مع ضعف داود وقوة عدوه.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولما خرجوا ظاهرين لجالوت وجنوده توجهوا إلى الله بالدعاء قائلين: ربنا صُبَّ على قلوبنا الصبر صبًّا، وثبت أقدامنا حتَّى لا نَفِرّ ولا ننهزم أمام عدونا، وانصرنا بقوتك وتأييدك على القوم الكافرين.

<div class="verse-tafsir" id="91.pkrl7"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

وقوله تعالى ﴿ وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمْ التَّابُوتُ  ﴾ يدل على أن بني إسرائيل لم يقتنعوا بما احتج به عليهم نبيهم من استحقاق طالوت الملك بما اختاره الله وأعده له باصطفائه، وإيتائه من سعة العلم وبسطة الجسم ما يمكنه من القيام بأعبائه، حتى جعل لذلك آية تدلهم على العناية به، وهي عود التابوت إليهم، وهذا التابوت المعرف له صندوق له قصة معروفة في كتب اليهود.

ففي أول الفصل الخامس والعشرين من سفر الخروج ما نصه: "وكلم الرب موسى قائلًا كلم بني إسرائيل أن يأخذوا لي تقدمة من كل من يحثه قلبه يأخذون تقدمتي.

وهذه هي التقدمة التي يأخذونها منهم: ذهب وفضة ونحاس وأسمانجوني وأرجوان وقرمز وبوص وشعر معزى وجلود كباش محمرة وجلود نحس وخشب سنط وزيت للمنارة وأطياب لدهن المسحة وللبخور العطر وحجارة جزع وحجارة ترصيع للرداء والصدرة، فيصنعون لي مقدسًا لأسكن في وسطهم بحسب جميع ما أنا أريك عن مثال المسكن ومثال جميع آنيته، هكذا تصنعون.

فيصنعون تابوتًا من خشب السنط طوله ذراعان ونصف، وعرضه ذراع ونصف، وارتفاعه ذراع ونصف.

وتغشيه بذهب نقي، من داخل وخارج تغشيه، وتصنع عليه إكليلًا من ذهب حواليه.

وتسبك له أربع حلقات من ذهب وتجعلها على قوائمه الأربع، على جانبه الواحد حلقتان وعلى جانبه الثاني حلقتان.

وتصنيع عصوين من خشب السنط وتغشيهما بذهب، وتدخل العصوين في الحلقات على جانبي التابوت ليحمل التابوت بهما.

تبقى العصوان في حلقة التابوت لا تنزعان منها.

وتضع في التابوت الشهادة التي أعطيك.

وتصنع غطاء من ذهب نقي طوله ذراعان ونصف وعرضه ذراع ونصف.

وتصنع كروبين من ذهب صنعة خراطة تضعهما على طرفي الغطاء.

فاصنع كروبًا واحدًا على الطرف من هنا، وكروبًا آخر على الطرف من هناك، من الغطاء تصنعون الكروبين على طرفيه.

ويكون الكروبان باسطين أجنحتهما إلى فوق مظللين بأجنحتهما على الغطاء ووجهاهما كل واحد إلى الآخر.

نحو الغطاء يكون وجها الكروبين.

وتجعل الغطاء على التابوت من فوق، وفي التابوت تضع الشهادة التي أنا أعطيك".

هذا ما ورد في صفة الأمر بصنع ذلك التابوت الديني، وذكر بعده كيفية صنع المائدة الدينية، وآنيتها، والمسكن، والمذبح، وخيمة العهد، ومنارة السراج، والثياب المقدسة.

ثم فصل في الفصل ٢٧ منه كيف كان صنع هذا التابوت والمائدة والمنار ومذبح البخور.

وهي غرائب يعدها عقلاء هذه العصور ألاعيب، والحكمة فيها والله أعلم أن بني إسرائيل كانوا -وقد استعبدهم وثنيو المصرين أحقابًا- قد ملكت قلوبهم عظمة تلك الهياكل الوثنية، وما فيها من الزينة والصنعة التي تدهش الناظر، وتشغل الخاطر، فأراد الله تعالى أن يشغل قلوبهم عنها بمحسوسات من جنسها تنسب إليه  وتذكر به، فالتابوت سمي أولًا تابوت الشهادة أي شهادة الله سبحانه، ثم تابوت الرب وتابوت الله، كذلك أضيف إلى الله تعالى كل شيء صنع للعبادة.

وهذا مما يدل على أن تلك الديانة ليست دائمة، فلا غرو إذا نسخ الإسلام كل هذا الزخرف والصنعة من المساجد التي يعبد فيها الله تعالى حتى لا يشتغل المصلي عن مناجاة الله بشيء منها، وما كلفه ذلك الشعب الذي وصفته كتبه المقدسة بأنه صلب الرقبة كما تقول العرب "عريض القفا" على قرب عهده بالوثنية وإحاطة الشعوب الوثنية به من كل جانب لا يليق بحال البشر في طور ارتقائهم، إذ لا يربى الرجل العاقل، بمثل ما يربى به الطفل أو اليافع، وفي سائر فصول سفر الخروج الثلاثة تفصيل لما قدمه بنو إسرائيل لصنع تلك الدار التي يقدس فيها الله، ولصنع الخيمة والتابوت وغير ذلك، وغرضنا منها معرفة حقيقة التابوت عندهم فإنك لتجد في بعض كتب التفسير وكتب القصص عندنا أقوالًا غريبة عنه منها أنه مع آدم من الجنة، ومنشأ تلك الأقوال ما كان ينبذ به الإسرائيليون من القصص بين المسلمين مخادعة لهم، ليكثر الكذب في تفسيرهم للقرآن فيضلوا به، ويجد رؤساء اليهود مجالًا واسعًا للطعن في القرآن يصدعون به قومهم عنه.

وفي آخر فصول سفر الخروج أن موسى  وضع اللوحين اللذين فيهما شهادة الله، أي وصاياه لبني إسرائيل، في التابوت، وفي كتبهم الأخرى أنه كان بعده عند فتاه يشوع أي (يوشع) وأنهم كانوا يستنصرون بهذا التابوت فإذا ضعفوا في القتال وجيء به وقدموه تثوب إليهم شجاعتهم، وينصرهم الله تعالى، أي ينصرهم بتلك الشجاعة التي تتجدد لهم بإحضار التابوت لا بالتابوت نفسه، ولذلك غُلِبُوا على التابوت فأخذ منهم عندما ضعف يقينهم وفسدت أخلاقهم، فلم يغن عنهم التابوت شيئًا.

ثم كانت حرب بين الفلسطينيين وبني إسرائيل على عهد "عاليا" أو "عالي" الكاهن فانتصر الفلسطينيون وأخذوا التابوت من بني إسرائيل بعد أن نكلوا بهم تنكيلًا فمات "عالى" قهرًا، وكان صموئيل -الذي يدعى في الكتب العربية شمويل- قاضيًا لبني إسرائيل من بعده، وهو نبيهم الذي طلبوا منه أن يبعث لهم ملكًا ففعل كما تقدم، وجعل رجوع التابوت إليه آية لملك طالوت الذي أقامه لهم.

وقالوا في سبب إتيان التابوت إن أهل فلسطين ابتلوا بعد أخذ التابوت بالفيران في زرعهم والبواسير في أنفسهم، فتشاءموا منه، وظنوا أن إله إسرائيل انتقم منهم فأعادوه على عجلة تجرها بقرتان، ووضعوا فيه صور فيران وصور بواسير من الذهب جعلوا ذلك كفارة لذنبهم.

ومن المدون في التاريخ المقدس عندهم أنه لما أحرق البابليون هيكل سليمان فقدت التوراة وتابوت العهد معًا لأنها قد أحرقها فيه.

وأما قوله تعالى في التابوت ﴿ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ  ﴾ فقد كثرت فيه الروايات ومنها ما لا يدل عليه نقل ولا يقبله عقل، على أنها متعارضة لا يمكن الجمع بينها كما ترى في تفسير ابن جرير، وهو أم التفاسير، وقد أوردنا ما أوردنا من كتب اليهود ليعلم أن أكثر ما ذكر عن التابوت وعما فيه من الغرائب لا أصل له في تلك الكتب.

وإنما وحي الله تعالى ناطق بأن فيه سكينة، والسكينة في اللغة ما تسكن إليه النفس ويطمئن به القلب، وفي إتيان الصندوق سكينة لا تخفى لما كان له من الشأن الديني عند القوم، أو فيه ما يحدث لهم سكينة وهي الفيران والبواسير الذهب التي تدل على خوف العدو، أو الألواح أو رضاضتها وهي البقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وروي عن عطاء نحو ما قلناه.

قال ابن جرير وأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء ابن أبي رباح من أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات.

وقوله ﴿ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ  ﴾ يحتمل وجهين: (أحدهما): إن المراد بالملائكة صور الكروبين وقد حمل التابوت أي وضع عليهما كما تقول في وصف القصور والتماثيل المصنوعة: فيها فلان على فرس من نحاس، تريد تمثال الملك وتمثال الفرس.

(ثانيهما): إن البقرتين اللتين حملتا التابوت من بعض بلاد الفلسطينيين إلى بني إسرائيل كانتا تسيران مسخرتين بإلهام الملائكة.

وفي كتب القوم أن البقرتين اللتين جرتا عجلة التابوت لم يكن لهما قائد ولا سائق، وما يجري بإلهام لا كسب فيه للبشر وهو من الخير يسند إلى إلهام الملائكة.

روى نحو هذا ابن جرير قال حدثنا الحسن قال أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهب بن منبه يقول وكل بالبقرتين اللتين سارتا بالتابوت أربعة من الملائكة يسوقونهماإلخ وختم الآية بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ قالوا يتحمل أن يكون هذا تتمة كلام نبي بني إسرائيل لهم أي إن في مجيء التابوت علامة أو حجة لكم تدل على عناية الله بكم، واصطفائه لكم هذا الملك الذي ينهض بشؤونكم وينكل بأعدائكم، فعليكم أن ترضوا بملكه ولا تفرقوا عنه.

ويحتمل أن يكون استئناف كلام منه تعالى لهذه الأمة معناه أن فيما أوحاه الله تعالى إلى نبيه  من هذه القصة آية بينة على نبوته إذ لولا الوحي لما كان يعرفها وهو الأمي الذي لم يقرأ ولم يتعلم شيئًا، ولا كان يعرف ما انطوت عليه من العبرة والفائدة، ولا سيما ما يعتبر في الملوك من الصفات التي تؤهلهم للقيام بأعباء السياسة وأعمال الرياسة، وإنما يكون ذلك آية بينة وعبرة نافعة لمن يؤمن بالله وآياته التي يؤيد بها أنبياءه ورسله عليهم السلام، لذلك قيدها بالشرط الذي حذف جوابه لدلالة الكلام عليه.

علم من السياق أن الغرض الأول من طلب القوم نصب الملك عليهم هو أن يتولى قيادتهم للقتال في سبيل الله، ويثأر من أولئك الوثنيين الذين أخرجوهم من ديارهم وأبنائهم، فكان المتوقع بعد بيان نصب الملك أن يذكر ما كان من شأنه في القتال وذلك ما بينه تعالى ذكره بقوله ﴿ فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاَّ مَنْ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ  ﴾ فصل بالجنود انفصل بهم من مقامهم وقادهم لقتال أعدائهم، وأصله: فصل نفسه عنه مصاحبًا لهم، والجنود جمع جند بالضم وهو العسكر وأصله الأرض الغليظة ذات الحجارة ثم قيل لكل مجتمع قوي جند.

والشرب تناول الماء بالفم وابتلاعه، وطعم الشيء من غذاء وشراب ذاقه قال الشاعر: * وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا * والغرفة بالفتح المرة من غرف الشيء إذا رفعه من محله وتناوله وبها قرأ ابن كثير وأبو عمرو والحجازيون.

والغرفة بالضم ما يغترف وبها قرأ ابن عامر والكوفيون.

لما كان بنو إسرائيل من قبل كارهين لملك طالوت عليهم ثم أذعنوا من بعد وكان إذغان الجميع ورضاهم مما لا يمكن العلم به إلا بالاختبار والابتلاء أراد الله أن يبتلي هذا القائد جنده ليعلم المطيع والعاصي والراضي والساخط، فيختار المطيع الذي يرجى بلاؤه في القتال، وثباته في معامع وينفي من يظهر عصيانه، ويخشى في الوغى خذلانه، فإن طاعة الجيش للقائد وثقته به من شروط الظفر، وأحوج القواد إلى اختبار الجيش من ولي على قوم وهم له كارهون، أو كان فيهم من يكرهه، فإذا وجد في الجيش من ليس متحدًا معه يخشى أن يوضعوا خلاله يبغونه الفتنة ويسومونه الفشل، أخبر طالوت جنوده بأن سيمرون على نهر يمتحنهم به بإذن الله، فمن شرب منه فلا يعد من أشياعه المتحدين معه في أمر القتال إلا أن يكون ما يشربه قليلًا وهو غرفة تؤخذ باليد، فإن هذا مما يتسامح فيه ولا يراه مانعًا من الاتحاد به والاعتصام بحبله، ومن لم يطعمه أي يذقه بالمرة فإنه منه وهو الذي يركن إليه ويوثق به تمام الثقة، فالابتلاء سيكون على ثلاث مراتب مرتبة من يشرب فيروى لا يبالي بالأمر وحكمه أن يتبرأ منه، ومرتبة من يأخذ بيده غرفة يبل بها ريقه وهو مقبول في الجملة، ومرتبة من لا يذوقة البتة وهو الولي النصير الذي يوثق باتحاده، ويعول على جهاده، قال تعالى ﴿ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاَّ قَلِيلًا مِنْهُمْ  ﴾ ذلك أن القوم كانوا قد فسد بأسهم وتنزلزل إيمانهم، واعتادوا العصيان فسهل عليهم عصيانهم، وشق عليهم مخالفة الشهوة وإن كان فيها هوانهم، ولم يبق فيهم من أهل الصدق في الإيمان والغيرة على الملة والأمة إلا نفر قليل ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ  ﴾ والعدد القليل من أهل العزائم، يفعل ما لا يفعل الكثير من ذوي المآثم، كما يعلم من قوله تعالى ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ  ﴾ أي فلما جاوز النهر طالوت هو والذين أمنوا معه ﴿ قَالُوا  ﴾ أي الجنود وهم أولئك الذين شربوا منه إلا قليلًا منهم، ﴿ لا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ  ﴾ الطاقة أدنى درجات القوة كما تقدم في تفسير آية الصيام، وجالوت هو أشهر أبطال أعدائهم الفلسطينيين وعربه النصارى الذين ترجموا سفر صموئيل الذي فيه القصة "جليات" ولا اعتداد بتعريبهم والعبارة تشعر بأن جنود الفلسطينيين كانوا أكثر من الإسرائيليين أي قال جمهور الجنود ليس لنا أدنى شيء من جنس الطاقة بلقاء جالوت وجنوده.

﴿ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ  ﴾ وهؤلاء اللذين يظنون أنهم ملاقوا الله في الآخرة هم الذين آمنوا وجاوزوا النهر مع طالوت، وقد توهم بعض الناس أن الآخرين الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه لأنه تعالى لم يذكرهم وظنوا أن القولين من المؤمنين الذين جاوزوا النهر، قال ضعافهم لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: وقال أقوياؤهم: كم من فئة قليلة إلخ ثم اشتد بعضهم بعزيمة بعض وكان من أمر انتصارهم ما يأتي في الآية التي بعد هذه، والعبارة لا تدل على أن الذين شربوا من النهر لم يجاوزوه وإنما خص بالذكر الذين لم يشربوا لأنهم لم يتخلفوا عن طالوت لأجل الشرب، فهم الذين جاوزوه معه مقترنين وهم الذين يعتد بهم، ويتبرأ من المتخلفين العاصين كما علم من قوله في الابتلاء.

سياق الكلام فيمن فصل بهم من الجنود وابتلوا بالنهر وقد قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا، ثم أعلمنا أن فريقًا منهم وصفهم بالمؤمنين جاوزوا النهر مع طالوت فعلمنا أنهم هو الذين أطاعوا ولم يشربوا، ثم أخبرنا بقولين يصلح أحدهما لمعارضة الآخر ورده.

(الأول) أسنده إلى ضمير الجماعة المحكي عنهم الذين قال فيهم إنهم شربوا منه إلا قليلًا منهم، ومثله يصدر ممن خالف القائد وجبن عن القتال.

(الثاني)أسنده إلى الذين يظنون أنهم ملاقو الله وهو ينطبق على الذين أطاعوا القائد واتحدوا معه فلم يعصوا ويتفق مع وصف الإيمان الذي سبقه، فعلمناه أن الجميع جاوزوا النهر وأن هذين القولين كانا بعد مجاوزته، وأن التصريح بمجاوزة المؤمنين منهم ليست للحصر وإنما هي لبيان المعية والمصاحبة فإن القوم افترقوا عند النهر فسبق من لم يشرب والتف حول القائد وجاوزوا النهر معه، وتخلف الآخرون قليلًا للشرب والارتفاق بالماء ثم جاوزوا ولحقوا بالآخرين كما علم من محاورتهم معهم بما ظهر به أثر ما في نفس كل فريق منهما على لسانه.

ومن بديع إيجاز القرآن أن يحذف الشيء ويأتي في السياق بما يدل عليه، وأن يذكر القوم بوصف غير ما دل عليه الكلام أو يجعله في مكان الضمير لإفادة أن هذا الوصف المذكور هو السبب في الفعل أو الوصف الذي سيق الكلام لتقريره، كما وصف الذين لم يشربوا بالإيمان مرة وباعتقاد لقاء الله تعالى مرة أخرى، فأعلمنا أن هذا الإيمان والاعتقاد هما سبب طاعة القائد وترك الشرب، وسبب الشجاعة والإقدام على لقاء العدو الذي يفوقهم عددًا.

هذا ما ظهر في بيان هذه العبارة ويؤيده ما رواه ابن جرير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: لما جاوزوه هو والذين آمنوا معه قال الذين شربوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده: (قال ابن جرير) وأولى القولين في ذلك بالصواب ما روي عن ابن عباس وقاله السدي وهو أنه جاوز النهر مع طالوت المؤمن الذي لم يشرب من النهر إلا الغرفة، والكافر الذي شرب منه الكثير، ثم وقع التمييز بينهم بعد ذلك برؤية جالوت ولقائه وانخذل عنه أهل الشرك والنفاق: إلخ.

وفيه ذكر قول كل من الفريقين ووسم من يقول بأنه لم يجاوز مع طالوت النهر إلا أهل الإيمان بالغفلة ورد عليه قوله.

وفي كتب اليهود أن الابتلاء بترك شرب الماء كان على يد جدعون قبل قصة طالوت، ويوردون ذلك بما لا يليق بالله تعالى ولكنه يوافق ما بنيت عليه حوادث تاريخهم من كونها كلها عجائب وخوارق عادات لا شيء منها مبني على سنن الله تعالى في الاجتماع البشري.

ففي الفصل السابع من سفر القضاة ما نصه: "وقال الرب لجدعون إن الشعب الذي معك كثير علي لأدفع المديانيين بيدهم لئلا يفتخر على إسرائيل قائلًا يدي خلصتني والآن ناد في آذان الشعب قائلًا من كان خائفًا ومرتعدًا فليرجع وينصرف من جبل جلعاد، فرجع من الشعب اثنان وعشرون ألفًا وبقي عشرة آلاف، وقال الرب لجدعون لم يزل الشعب كثيرًا، انزل بهم إلى الماء فأنقيهم لك هناك ويكون أن الذي أقول لك عنه هذا يذهب معك فهو يذهب معك.

وكل من أقول لك عنه لا يذهب معك فهو لا يذهب، فنزل بالشعب إلى الماء، وقال الرب لجدعون كل من يلغ بلسانه من الماء كما يلغ الكلب فأوقفه وحده وكذا كل من جثا على ركبتيه للشرب.

كان عدد الذين ولغوا بيدهم إلى فمهم ثلاث مئة رجل، وأما باقي الشعب جميعًا فجثوا على ركبهم لشرب الماء.

فقال الرب لجدعون بالثلاث مئة رجل الذين ولغوا أخلصكم وأدفع المديانيين ليدك وأما سائر الشعب فليذهبوا كل واحد إلى مكانه" اهـ.

وقد علمت أن القوم خلطوا في تاريخهم: وأن أكثره لا يُعرَف كاتبوه، ومنه سفر صموئيل الذي فيه قصة طالوت، وعبارته تدل على أنه كتب بعد حدوث وقائعه، فإن الكاتب يذكر بعض الأشياء ويقول إنها لا تزال إلى الآن كأن الزمن كان كافيًا لأن تندرس فيه جميع الرسوم والمعالم التي عهدت عند وقوع تلك الوقائع وهم لا يعرفون كاتبه، وإننا نرى المؤرخين في زمامنا يغلطون بما يقع في عهدهم غلطًا أبعد من هذا الغلط في إسناد الشيء إلى غير فاعله وتقديمه أو تأخيره عن زمنه، وكما فات مؤرخي بني إسرائيل تحرير الوقائع والحوادث بالتدقيق، فاتهم ما فيها من العبر والحكم، فأين ما نقلنا في تفسير هذه القصة عنهم مما تجده في عبارة القرآن من صنوف العبرة؟

فالحق ما قاله الله تعالى في مسألة النهر وغيرها، ولا يعتبر ما خالفه من أقوال سائر الكتب معارضًا له فيحتاج إلى التوفيق أو الجواب كما تقدم في مقدمة تفسير هذه القصة والله أعلم وأحكم.

﴿ وَلَمَّا بَرَزُوا  ﴾ أي لما ظهر طالوت وجنوده بالبراز وهي بالفتح ما استوى من الأرض ﴿ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ  ﴾ وهم أعداؤهم الفلسطينيون ﴿ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ  ﴾ أي لجأ قوم طالوت المؤمنون إلى الله تعالى يدعونه بأن يفرغ على قلوبهم الصبر، ويثبت أقدامهم في مواقع القتال بثبات قلوبهم واطمئنانها بالإيمان والثقة به، وينصرهم على القوم الكافرين عبدة الأوثان، الذين تعلقت قلوبهم بالأوهام، وهذه الأمور الثلاثة بعضها مرتب على بعض بحسب الأسباب الغالبة، فالصبر سبب للثبات الذي هو سبب من أسباب النصر، وأجدر الناس بالصبر المؤمنون بالله  الغالب على أمره.

﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ  ﴾ أي فاستجاب لهم ربهم ما سألوا ببركة التوجه إليه وتذكرهم ما يؤمنون به من قوته التي لا تغالب فهزموهم أي كسروهم كسرة انتهت بدفعهم من المعركة وهربهم منها بإرادته المنفذة لسنته في نصر المؤمنين الصابرين الثابتين، على الكافرين ﴿ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ  ﴾ قالوا إن جالوت جبار الفلسطينيين طلب البراز فلم يجرأ أحد من بني إسرائيل على مبارزته حتى أن طالوت جعل لم يقتله أن يزوجه ابنته ويحكمه في ملكه، ثم برز له داود بن يس وكان غلامًا يرعى الغنم ولم يقبل أن يلبس درعًا ولا أن يحمل سلاحًا بل حمل مقلاعه وحجارته، فسخر منه جالوت واحتمى عليه إذا لم يستعد له، وقال هل أنا كلب فتخرج إلي بالمقلاع؟

فرماه داود بمقلاعه فأصاب الحجر راسه فصرعه فدنا منه فاحتز رأسه وجاء به فألقاه إلى طالوت فعرف داود وكان له الشأن الذي ورث به ملك إسرائيل كما قال تعالى ﴿ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ  ﴾ فسروا الحكمة هنا بالنبوة، والأظهر عندي بالزبور الذي أوحاه الله إليه كما قال في آية أخرى: ﴿ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا  ﴾ وبه كان نبيًا، وأما تعليمه مما يشاء فهو صنعة الدروع كما قال تعالى في سورة الأنبياء: ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ  ﴾ .

ثم بين تعالى حكمة الإذن بالقتال الذي قررته الآيات فقال ﴿ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتْ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ  ﴾ قرأ نافع "دفاع الله" والباقون "دفع الله" أي لولا أن الله تعالى يدفع أهل الباطل بأهل الحق وأهل الفساد في الأرض بأهل الإصلاح فيها، لغلب أهل الباطل والإفساد في الأرض وبغوا على الصالحين وأوقعوا بهم، حتى يكون لهم السلطان وحدهم، فتفسد الأرض بفسادهم، فكان من فضل الله على العالمين وإحسانه إلى الناس أجمعين، أن أذن لأهل دينه الحق المصلحين في الأرض، بقتال المفسدين فيها من الكافرين والبغاة المعتدين، فأهل الحق حرب لأهل الباطل في كل زمان والله ناصرهم ما نصروا الحق وأرادوا الإصلاح في الأرض.

وقد سمى هذا دفعًا على قراءة الجمهور باعتبار أنه منه سبحانه، إذ كان سنة من سننه في الاجتماع البشري، وسماه دفاعًا في قراءة نافع باعتبار أن كلا من أهل الحق المصلحين وأهل الباطل المفسدين يقاوم الآخر ويقاتله.

ثم بيّن أن إيتاء النبي الأمي أمثال هذه القصص من دلائل نبوته فقال ﴿ تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ  ﴾ يشير إلى قصة الذين خرجوا من ديارهم وقصة بني إسرائيل التي بعدها ﴿ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ  ﴾ فيه تعريض بأن ما يقوله بنو إسرائيل مخالفًا لهذا فهو باطل ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ  ﴾ إذ لولا الرسالة لما عرفت شيئًا من هذه القصص وأنت لم تكن في أزمنة وقوعها ولا تعلمت شيئًا من التاريخ ولو تعلمته لجئت بها على النحو الذي عند أهل الكتاب أو غيرهم من القصاصين.

وقد قرر تعالى هذه الحجة على نبوته  في سورة القصص بعد ذكر قصة موسى في مدين وذكر نبوته بقوله تعالى: ﴿ وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنْ الشَّاهِدِينَ  وَلَكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمْ الْعُمُرُ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد