الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٥٣ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 138 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٥٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض كما قال : ( ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ) [ الإسراء : 55 ] وقال هاهنا : ( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ) يعني : موسى ومحمدا صلى الله عليه وسلم وكذلك آدم ، كما ورد به الحديث المروي في صحيح ابن حبان عن أبي ذر رضي الله عنه ( ورفع بعضهم درجات ) كما ثبت في حديث الإسراء حين رأى النبي صلى الله عليه وسلم الأنبياء في السماوات بحسب تفاوت منازلهم عند الله عز وجل .
فإن قيل : فما الجمع بين هذه الآية وبين الحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسم يقسمه : لا والذي اصطفى موسى على العالمين .
فرفع المسلم يده فلطم بها وجه اليهودي فقال : أي خبيث وعلى محمد صلى الله عليه وسلم !
فجاء اليهودي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتكى على المسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تفضلوني على الأنبياء ؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور ؟
فلا تفضلوني على الأنبياء " وفي رواية : " لا تفضلوا بين الأنبياء " .
فالجواب من وجوه : أحدها : أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل ، وفي هذا نظر .
الثاني : أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع .
الثالث : أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر .
الرابع : لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية .
الخامس : ليس مقام التفضيل إليكم وإنما هو إلى الله عز وجل ، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به .
وقوله : ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات ) أي : الحجج والدلائل القاطعات على صحة ما جاء بني إسرائيل به ، من أنه عبد الله ورسوله إليهم ( وأيدناه بروح القدس ) يعني : أن الله أيده بجبريل عليه السلام ثم قال تعالى : ( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ) أي : بل كل ذلك عن قضاء الله وقدره ; ولهذا قال : ( ولكن الله يفعل ما يريد )
القول في تأويل قوله تعالى : تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله: " تلك "، الرسل الذين قص الله قصصهم في هذه السورة، كموسى بن عمران وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وشمويل وداود، وسائر من ذكر نبأهم في هذه السورة.
يقول تعالى ذكره: هؤلاء رسلي فضلت بعضهم على بعض، فكلمت بعضهم = والذي كلمته منهم موسى صلى الله عليه وسلم = ورفعت بعضهم درجات على بعض بالكرامة ورفعة المنـزلة، كما:- 5755 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله تعالى ذكره: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض "، قال: يقول: منهم من كلم الله، ورفع بعضهم على بعض درجات.
يقول: كلم الله موسى، وأرسل محمدا إلى الناس كافة.
5756 - حدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه.
* * * &; 5-379 &; ومما يدل على صحة ما قلنا في ذلك:= 5757 - قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، ونصرت بالرعب، فإن العدو ليرعب مني على مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلي، وقيل لي: سل تعطه، فاختبأتها شفاعة لأمتي، فهي نائلة منكم إن شاء الله من لا يشرك بالله شيئا " (1) .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال أبو جعفر :يعني تعالى ذكره بقوله: (2) " وآتينا عيسى ابن مريم البينات "، وآتينا عيسى ابن مريم الحجج والأدلة على نبوته: (3) من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وما أشبه ذلك، مع الإنجيل الذي أنـزلته إليه، فبينت فيه ما فرضت عليه.
* * * ويعني تعالى ذكره بقوله: " وأيدناه "، وقويناه وأعناه= (4) " بروح القدس "، يعني بروح الله، وهو جبريل.
وقد ذكرنا اختلاف أهل العلم في معنى روح القدس والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك فيما مضى قبل، فأغنى ذلك عن إعادته في هذا الموضع (5) .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولو أراد الله=" ما اقتتل الذين من بعدهم "، (6) يعني من بعد الرسل الذين وصفهم بأنه فضل بعضهم على بعض، ورفع بعضهم درجات، وبعد عيسى ابن مريم، وقد جاءهم من الآيات بما فيه مزدجر لمن هداه الله ووفقه.
* * * ويعني بقوله: " من بعد ما جاءتهم البينات "، يعني: من بعد ما جاءهم من آيات الله ما أبان لهم الحق، وأوضح لهم السبيل.
* * * وقد قيل: إن " الهاء " و " الميم " في قوله: " من بعدهم "، من ذكر موسى وعيسى.
* ذكر من قال ذلك: 5758 - حدثنا بشر بن معاذ، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: " ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات "، يقول: من بعد موسى وعيسى.
&; 5-381 &; 5759 - حدثت عن عمار، قال: حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات " يقول: من بعد موسى وعيسى.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253) قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بذلك: ولكن اختلف هؤلاء الذين من بعد الرسل، لما لم يشأ الله منهم تعالى ذكره أن لا يقتتلوا، فاقتتلوا من بعد ما جاءتهم البينات من عند ربهم بتحريم الاقتتال والاختلاف، وبعد ثبوت الحجة عليهم بوحدانية الله ورسالة رسله ووحي كتابه، فكفر بالله وبآياته بعضهم، وآمن بذلك بعضهم.
فأخبر تعالى ذكره: أنهم أتوا ما أتوا من الكفر والمعاصي، (7) بعد علمهم بقيام الحجة عليهم بأنهم على خطأ، تعمدا منهم للكفر بالله وآياته.
ثم قال تعالى ذكره لعباده: " ولو شاء الله ما اقتتلوا "، يقول: ولو أراد الله أن يحجزهم - بعصمته وتوفيقه إياهم- عن معصيته فلا يقتتلوا، ما اقتتلوا ولا اختلفوا=" ولكن الله يفعل ما يريد "، بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه.
---------------- الهوامش : (1) الأثر : 5757 -ساقه بغير إسناد ، وقد اختلف ألفاظه ، وهو من حديث ابن عباس في المسند رقم : 2742 ، والمسند 5 : 145 ، 147 ، 148 ، 161 ، 162 (حلبي) والمستدرك 2 : 424 ورواه مسلم بغير اللفظ 5 : 3 ، والبخاري ، (الفتح 1 : 369 ، 444) مواضع أخرى .
وهو حديث صحيح .
(2) في المطبوعة والمخطوطة : "يعنى تعالى ذكره بذلك" ، وهو لا يستقيم .
(3) انظر تفسير"البينات"فيما سلف 2 : 328/ 4 : 271 ، والمراجع هناك ، وانظر فهرس اللغة .
(4) انظر تفسير"أيد"فيما سلف 2 : 319 ، 320 .
(5) انظر ما سلف 2 : 320- 323 .
(6) في المطبوعة ، أتم الآية : "من بعد ما جاءتهم البينات" ، وأثبت ما في المخطوطة .
(7) في المخطوطة : "أتوا ما أنزل من الكفر" ، وهو سهو فاحش من شدة عجلة الكاتب ، كما تتبين ذلك جليا من تغيُّر خطه في هذا الموضع أيضًا .
تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد[ ص: 239 ] قوله تعالى : تلك الرسل قال : ( تلك ) ولم يقل : ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة ، وهي رفع بالابتداء .
و ( الرسل ) نعته ، وخبر الابتداء الجملة .
وقيل : ( الرسل ) عطف بيان ، و ( فضلنا ) الخبر .
وهذه آية مشكلة ، والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تخيروا بين الأنبياء و لا تفضلوا بين أنبياء الله رواها الأئمة الثقات ، أي لا تقولوا : فلان خير من فلان ، ولا فلان أفضل من فلان .
يقال : خير فلان بين فلان وفلان ، وفضل ( مشددا ) إذا قال ذلك .
وقد اختلف العلماء في تأويل هذا المعنى ، فقال قوم : إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، وإن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل .
وقال ابن قتيبة : إنما أراد بقوله : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ) ؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض ، وأراد بقوله : " لا تخيروني على موسى " على طريق التواضع ، كما قال أبو بكر : وليتكم ولست بخيركم .
وكذلك معنى قوله : لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى على معنى التواضع .
وفي قوله تعالى : ولا تكن كصاحب الحوت ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه ؛ لأن الله تعالى يقول : ولا تكن مثله ، فدل على أن قوله : ( لا تفضلوني عليه ) من طريق التواضع .
ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملا مني ، ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة مني .
وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من السؤدد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له ، وهذا التأويل اختاره المهلب .
ومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك ؛ لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند [ ص: 240 ] المماراة .
قال شيخنا : فلا يقال : النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير ، كما هو ظاهر النهي لما يتوهم من النقص في المفضول ؛ لأن النهي اقتضى منع إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى ، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون ، فلا تقول : نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهي عنه وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ، والله بحقائق الأمور عليم .قلت : وأحسن من هذا قول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها ، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ، ولذلك منهم رسل وأولو عزم ، ومنهم من اتخذ خليلا ، ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ، قال الله تعالى : ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا ، وقال : تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض .قلت : وهذا قول حسن ، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطي من الوسائل ، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال : إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء ، فقالوا : بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء ؟
فقال : إن الله تعالى قال : ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين .
وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : إنا فتحنا لك فتحا مبينا .
ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر .
قالوا : فما فضله على الأنبياء ؟
.
قال : قال الله تعالى : وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ، وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم : وما أرسلناك إلا كافة للناس فأرسله إلى الجن والإنس ، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده .
وقال أبو هريرة : خير بني آدم : نوح وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أولو العزم من الرسل ، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين ، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل ، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم [ ص: 241 ] إياهم ، وهذا مما لا خفاء فيه ، إلا أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال : إن القرآن يقتضي التفضيل ، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول ، وكذلك هي الأحاديث ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : أنا أكرم ولد آدم على ربي وقال : أنا سيد ولد آدم ولم يعين ، وقال عليه السلام : لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى وقال : لا تفضلوني على موسى .
وقال ابن عطية : وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول ؛ لأن يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ تحت أعباء النبوة .
فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى .قلت : ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى ، فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال : منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات ، وقال وآتينا داود زبورا ، وقال تعالى : وآتيناه الإنجيل ، ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين ، وقال تعالى : ولقد آتينا داود وسليمان علما ، وقال : وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح .
فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر .قلت : وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى ، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل ، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم ، وحسبك بقوله الحق : محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار إلى آخر السورة .
وقال : وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها ثم قال : لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ( الحديد : 10 ) وقال : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعم وخص ، ونفى عنهم الشين والنقص ، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين .[ ص: 242 ] قوله تعالى : منهم من كلم الله المكلم موسى عليه السلام ، وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو ؟
فقال : نعم نبي مكلم .
قال ابن عطية : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة ، فعلى هذا تبقى خاصية موسى .
وحذفت الهاء لطول الاسم ، والمعنى من كلمه الله .قوله تعالى : ورفع بعضهم درجات قال النحاس : ( بعضهم ) هنا على قول ابن عباس والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت الشفاعة .
ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف .
وقال ابن عطية معناه ، وزاد : وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله .
ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته ، ويكون الكلام تأكيدا .
ويحتمل أن يريد به رفع إدريس المكان العلي ، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء ، وسيأتي .وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل .
( وأيدناه ) قويناه .
( بروح القدس ) جبريل عليه السلام ، وقد تقدم .قوله تعالى : ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم أي من بعد الرسل .
وقيل : الضمير لموسى وعيسى ، والاثنان جمع .
وقيل : من بعد جميع الرسل ، وهو ظاهر اللفظ .
وقيل : إن القتال إنما وقع من الذين جاءوا بعدهم وليس كذلك المعنى ، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي ، وهذا كما تقول : اشتريت خيلا ثم بعتها ، فجائز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته ، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا ، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى ، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما [ ص: 243 ] يريد .
وكسرت النون من ( ولكن اختلفوا ) لالتقاء الساكنين ، ويجوز حذفها في غير القرآن ، وأنشد سيبويه :فلست بآتيه ولا أستطيعه ولاك اسقني إن كان ماؤك ذا فضلفمنهم من آمن ومنهم من كفر " من " في موقع رفع بالابتداء والصفة .
يخبر تعالى أنه فضل بعض الرسل على بعض بما خصهم من بين سائر الناس بإيحائه وإرسالهم إلى الناس، ودعائهم الخلق إلى الله، ثم فضل بعضهم على بعض بما أودع فيهم من الأوصاف الحميدة والأفعال السديدة والنفع العام، فمنهم من كلمه الله كموسى بن عمران خصه بالكلام، ومنهم من رفعه على سائرهم درجات كنبينا صلى الله عليه وسلم الذي اجتمع فيه من الفضائل ما تفرق في غيره، وجمع الله له من المناقب ما فاق به الأولين والآخرين { وآتينا عيسى ابن مريم البينات } الدالات على نبوته وأنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه { وأيدناه بروح القدس } أي: بالإيمان واليقين الذي أيده به الله وقواه على ما أمر به، وقيل أيده بجبريل عليه السلام يلازمه في أحواله { ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات } الموجبة للاجتماع على الإيمان { ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر } فكان موجب هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب، فلهذا قال { ولكن الله يفعل ما يريد } فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من الاستواء والنزول والأقوال، والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية.
فائدة: كما يجب على المكلف معرفته بربه، فيجب عليه معرفته برسله، ما يجب لهم ويمتنع عليهم ويجوز في حقهم، ويؤخذ جميع ذلك مما وصفهم الله به في آيات متعددة، منها: أنهم رجال لا نساء، من أهل القرى لا من أهل البوادي، وأنهم مصطفون مختارون، جمع الله لهم من الصفات الحميدة ما به الاصطفاء والاختيار، وأنهم سالمون من كل ما يقدح في رسالتهم من كذب وخيانة وكتمان وعيوب مزرية، وأنهم لا يقرون على خطأ فيما يتعلق بالرسالة والتكليف، وأن الله تعالى خصهم بوحيه، فلهذا وجب الإيمان بهم وطاعتهم ومن لم يؤمن بهم فهو كافر، ومن قدح في واحد منهم أو سبه فهو كافر يتحتم قتله، ودلائل هذه الجمل كثيرة، من تدبر القرآن تبين له الحق
( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ) أي كلمه الله تعالى يعني موسى عليه السلام ( ورفع بعضهم درجات ) يعني محمدا صلى الله عليه وسلم قال الشيخ الإمام رحمة الله عليه : وما أوتي نبي آية إلا وقد أوتي نبينا مثل تلك الآية وفضل على غيره بآيات مثل : انشقاق القمر بإشارته وحنين الجذع على مفارقته وتسليم الحجر والشجر عليه وكلام البهائم والشهادة برسالته ونبع الماء من بين أصابعه وغير ذلك من المعجزات والآيات التي لا تحصى وأظهرها القرآن الذي عجز أهل السماء وأهل الأرض عن الإتيان بمثله .
أخبرنا أبو بكر يعقوب بن أحمد بن محمد بن علي الصيرفي ، أنا أبو الحسن محمد بن أحمد المخلدي ، أخبرنا أبو العباس بن محمد بن إسحاق الثقفي ، أنا قتيبة بن سعيد ، أنا الليث بن سعد عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من نبي من الأنبياء إلا وقد أعطي من الآيات ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله تعالى إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة " .
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أنا محمد بن يوسف ، أنا محمد بن إسماعيل ، أنا محمد بن سنان ، أخبرنا هشيم أنا سيار ، أنا يزيد الفقير ، أنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أعطيت خمسا لم يعطهن أحدا قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة " .
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي أنا أبو الحسن علي بن عبد الله الطيسفوني ، أنا عبد الله بن عمر الجوهري ، أنا أحمد بن علي الكشميهني ، أنا علي بن حجر أنا إسماعيل بن جعفر ، أنا العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فضلت على الأنبياء بست : أوتيت جوامع الكلم ونصرت بالرعب وأحلت لي الغنائم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأرسلت إلى الخلق كافة وختم بي النبيون " .
قوله تعالى : ( وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ) أي من بعد الرسل ( من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ) ثبت على إيمانه بفضل الله ( ومنهم من كفر ) بخذلانه ( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) أعاده تأكيدا ( ولكن الله يفعل ما يريد ) يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا .
سأل رجل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : يا أمير المؤمنين أخبرني عن القدر؟
فقال : طريق مظلم لا تسلكه فأعاد السؤال فقال : بحر عميق فلا تلجه فأعاد السؤال فقال : سر الله في الأرض قد خفي عليك فلا تفتشه .
«تلك» مبتدأ «الرسل» نعت أو عطف بيان والخبر «فضلنا بعضهم على بعض» بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره «منهم من كلّم الله» كموسى «ورفع بعضهم» أي محمد صلى الله عليه وسلم «درجات» على غيره بعموم الدعوة وختم النبوة وتفضيل أمته على سائر الأمم والمعجزات المتكاثرة والخصائص العديدة «وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه» قويناه «بروح القدس» جبريل يسير معه حيث سار «ولو شاء الله» هدى الناس جميعا «ما اقتتل الذين من بعدهم» بعد الرسل أي أممهم «من بعد ما جاءتهم البينات» لاختلافهم وتضليل بعضهم بعضا «ولكن اختلفوا» لمشيئته ذلك «فمنهم من آمن» ثبت على إيمانه «ومنهم من كفر» كالنصارى بعد المسيح «ولو شاء الله ما اقتتلوا» تأكيد «ولكن الله يفعل ما يريد» من توفيق من شاء وخذلان من شاء.
هؤلاء الرسل الكرام فضَّل الله بعضهم على بعض، بحسب ما منَّ الله به عليهم: فمنهم مَن كلمه الله كموسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وفي هذا إثبات صفة الكلام لله عز وجل على الوجه اللائق بجلاله، ومنهم مَن رفعه الله درجاتٍ عاليةً كمحمد صلى الله عليه وسلم، بعموم رسالته، وختم النبوة به، وتفضيل أمته على جميع الأمم، وغير ذلك.
وآتى الله تعالى عيسى ابن مريم عليه السلام البينات المعجزات الباهرات، كإبراء مَن ولد أعمى بإذن الله تعالى، ومَن به برص بإذن الله، وكإحيائه الموتى بإذن الله، وأيده بجبريل عليه السلام.
ولو شاء الله ألا يقتتل الذين جاؤوا مِن بعد هؤلاء الرسل مِن بعد ما جاءتهم البينات ما اقتتلوا، ولكن وقع الاختلاف بينهم: فمنهم مَن ثبت على إيمانه، ومنهم مَن أصر على كفره.
ولو شاء الله بعد ما وقع الاختلاف بينهم، الموجب للاقتتال، ما اقتتلوا، ولكن الله يوفق مَن يشاء لطاعته والإيمان به، ويخذل مَن يشاء، فيعصيه ويكفر به، فهو يفعل ما يشاء ويختار.
الإشارة بتلك في قوله : ( تِلْكَ الرسل ) إلى جماعة الرسل الذين تقدم ذكرهم في السورة والذين أرسلهم الله - تعالى - لهداية البشر ، وأمرنا - سبحانه - بالإِيمان بهم .أي أولئك الرسل الذين أرسلناهم لهداية الناس ( فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ) أي جعلنا لبعضهم مناقب وخصائص ومزايا لم تتوافر للبعض الآخر .و ( تِلْكَ ) مبتدأ و ( الرسل ) عطف بيان لتلك .
وجملة ( فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ) هي الخبر .
وكانت الإِشارة باللفظ الدال على البعيد ، لبيان سمو مكانة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وأنهم هم المصطفون الأخيار .ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر التفضيل فقال : ( مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ) أي منهم من فضله الله بتكليمه إياه كموسى - عليه السلام - فقد وردت آيات صريحة في ذلك ، منها قوله - تعالى - : ( وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ) وقوله - تعالى - : ( قَالَ ياموسى إِنِّي اصطفيتك عَلَى الناس بِرِسَالاَتِي وَبِكَلاَمِي ) وقوله - تعالى - ( وَلَمَّا جَآءَ موسى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ) ثم قال - سبحانه - : ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) أي : ومنهم من رفعه الله على غيره من الرسل مراتب سامية ومنازل عالية .قيل كإبراهيم الذي اتخذه الله خليلا ، وإدريس الذي رفعه الله مكاناً علياً ، وداود الذي آتاه الله النبوة والملك .والذي عليه المحققون من العلماء والمفسرين أن المقصود بقوله - تعالى - ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو صاحب الدرجات الرفيعة والمعجزة الخالدة الباقية إلى يوم القيامة والرسالة العامة الناسخة لكل الرسالات قبلها .وقد صرح صاحب الكشاف بذلك فقال : قوله ( وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ) أي ومنهم من رفعه الله على سائر الأنبياء ، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة .
الظاهر أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم ، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقبة إلى ألف آية أو أكثر .
لو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلا منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء ، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات .
وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى ، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه ، والمتميز الذي لا يلتبس .
ويقال للرجل : من فعل هذا؟
فيقول : أحدكم أو بعضكم ، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعلا فيكون أفخم من التصريح ، وسئل الخطيئة عن أشعر الناس ، فذكر زهيراً والنابغة ثم قال : ولو شئت لذكرت الثالث ، أراد نفسه ، ولو قال : ولو شئت لذكرت نفسي أو يفخم أمره .ثم قال - تعالى - : ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس ) .( وَآتَيْنَا ) : هي المعجزات الظاهرة البينة ، وروح القدس : هو جبريل - عليه السلام - والروح هنا بمعنى الملك الخاص .
القدس أصل معناه الطهارة ، وهو يطلق على الطهارة المعنوية وعلى الخلوص والنزاهة .
فإضافة روح إلى القدس من إضافة المصوف إلى الصفة .
قيل القدس اسم الله كالقدوس فإضافة روح إضافة للتشريف أي روح من ملائكة الله .والمعنى : وأعطينا عيسى بن مريم الآيات الباهرات ، والمعجزات الواضحات كإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، وإخبار قومه بما يأكلونه ويدخرونه في بيتهم ، وفضلا عن هذا فقد قويناه بجبريل - عليه السلام - لأن عيسى - عليه السلام - قد عاش حياته محاربا من أعدائه الرومان ومن قومه الذين أرسل إليهم وهم بنو إسرائيل ولم يؤذن له بالقتال ليدافع عن نفسه بل تولى الله - تعالى - الدفاع عنه بجنده الذين من بينهم جبريل - عليه السلام - .قال الزمخشري : " فإن قلت لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟
قلت : لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات .
لما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل .
هذا دليل بين على أن من زيد تفضيلا بالآيات منها فقد فضل على غيره .
ولما كا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها كان هو المشهود له إحراز قصبات الفضل غير مدافع " .وقال الإِمام القرطبي ما ملخصه : هذه الآية نثبت التفاضل بين الأنبياء وهناك أحاديث تقول : " لا تخيروني على موسى " و " لا تخيروا بين الأنبياء " و " لا تفضلوا بين الأنبياء " أي لا تقولوا فلان خير من فلان ، ولا فلان أفضل من فلان فكيف الجمع؟
فالجواب أن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل وقبل أن يعلم أنه سيد ولم آدم ، وأن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل أو أن قوله هذا من باب الهضم والتواضع .
أو المراد النهي عن الخوض في ذلك لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال والجدال قد يؤدي إلى أن يذكر بضعهم بما لا ينبغي أن يذكر به ، وقد يؤدي إلى قلة احترامهم .
ثم قال .
وأحسن من هذا القول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل واحدة لا تفاضل فيها ، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل ، وإنما تتفاضل بأمور أخرى زائدة عليها ، ولذلك فهم رسل ، وأولو عزم ، ومنهم من كلمة الله .
.
فالقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل ، وأعطى من الوسائل .وبذلك نكون قد جمعنا بين الآية والأحاديث من غير النسخ .ثم قال - تعالى - : ( وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ ) .أي : ولو شاء الله - تعالى - ألا يقتتل الذين جاؤا بعد كل رسول من الرسول وبعد أن جاءهم الرسل بالبينات الدالة على الحق ، لو شاء الله ذلك لفعل ، ولكن الله - تعالى - لم يشأ ذلك ، لأنه خلق الناس مختلفين في تقبلهم للحق ، فترتب على هذا الاختلاف أن آمن بالحق الذي جاءت به الرسل من فتح له قلبه ، واته إليه اختياره ، وأن كفر به من آثر الضلالة على الهداية واستحب العمى على الهدى ، وترتب عليه - أيضاً أن تقاتل الناس وتحاربوا .ومفعول المشيئة محذوف دل عليه جواب الشرط أي لو شاء الله ألا يقتتل الذين جاءوا من بعد الرسل ما اقتتلوا .وقدم - سبحانه - المسبب وهو الاقتتال على السبب وهو الاختلاف كما يشهد له قوله : ( ولكن اختلفوا .
.
.
) للتنبيه على سوء مغبة الاختلاف ، وللتحذير من الوقوع فيه ، لأن وقوعهم فيه سيؤدي إلى أن يقتل بعضهم بعضاً ، وللإِشارة إلى أنه - سبحانه - قادر على إزالة الاقتتال في ذاته حتى مع وجود أسبابه ، لأنه - تعالى - هو الخالق للأسباب والمسببات .وفي قوله : ( مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ) إشارة إلأى ما جبلت عليه بعض النفوس من العناد الذي يؤدي إلى التنازع والاختلاف والتقاتل حتى بعد ظهور الحق ، وانكشاف وجه الصواب ، لأن هذه النفوس قد آثرت الهوى على الرشاد ، واتخذت طريق الغي طريقا لها .
وفي قوله : ( ولكن اختلفوا .
.
.
) إشارة إلى أنه - سبحانه - لم يشأ أن يزيل القتال الذي حدث بين المقاتلين ، لأن هذا القتال قد نشأ بينهم بسبب اختلافهم ، وسوء اختيارهم ، وعدم استجابتهم للهدايات والتوجيهات والبينات التي جاءتهم بها الرسل - عليهم السلام - .ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله : ( وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيد ) أي : لو شاء الله عدم اقتتالهم لأي سبب من الأسباب لما اقتتلوا ، ولكنه - سبحانه - يفعل ما يريد حسب ما تقتضيه حكمته ، وترتضيه مشيئته ، فهو الكبير المتعال الذي كل شيء عنده بمقدار فالآية الكريمة تبين أن الرسل - عليهم السلام - يتفاضلون فيما بينهم ، وتنهى الناس في كل زمان ومكان عن الاختلاف والتنازع لأنهما يؤديان إلى أوخم العواقب ، وأسوأ النتائج .
في الآية مسائل: المسألة الأولى: ﴿ تِلْكَ ﴾ ابتداء، وإنما قال: ﴿ تِلْكَ ﴾ ولم يقل أولئك الرسل، لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل: تلك الجماعة الرسل بالرفع، لأنه صفة لتلك وخبر الابتداء ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ .
المسألة الثانية: في قوله: ﴿ تِلْكَ الرسل ﴾ أقوال أحدها: أن المراد منه: من تقدم ذكرهم من الأنبياء عليهم السلام في القرآن، كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وموسى وغيرهم صلوات الله عليهم والثاني: أن المراد منه من تقدم ذكرهم في هذه الآية كأشمويل وداود وطالوت على قول من يجعله نبياً والثالث: وهو قول الأصم: تلك الرسل الذين أرسلهم الله لدفع الفساد، الذين إليهم الإشارة بقوله تعالى: ﴿ وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض ﴾ .
المسألة الثالثة: وجه تعليق هذه الآية بما قبلها ما ذكره أبو مسلم وهو أنه تعالى أنبأ محمداً صلى الله عليه وسلم من أخبار المتقدمين مع قومهم، كسؤال قوم موسى ﴿ أَرِنَا الله جَهْرَةً ﴾ وقولهم: ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَة ﴾ وكقوم عيسى بعد أن شاهدوا منه إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله فكذبوه وراموا قتله، ثم أقام فريق على الكفر به وهم اليهود، وفريق زعموا أنهم أولياؤه وادعت على اليهود من قتله وصلبه ما كذبهم الله تعالى فيه كالملأ من بني إسرائيل حسدوا طالوت ودفعوا ملكه بعد المسألة، وكذلك ما جرى من أمر النهر، فعزى الله رسوله عما رأى من قومه من التكذيب والحسد، فقال: هؤلاء الرسل الذين كلم الله تعالى بعضهم، ورفع الباقين درجات وأيد عيسى بروح القدس، قد نالهم من قومهم ما ذكرناه بعد مشاهدة المعجزات، وأنت رسول مثلهم فلا تحزن على ما ترى من قومك، فلو شاء الله لم تختلفوا أنتم وأولئك، ولكن ما قضى الله فهو كائن، وما قدره فهو واقع وبالجملة فالمقصود من هذا الكلام تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم على إيذاء قومه له.
المسألة الرابعة: أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل من الكل، ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ فلما كان رحمة لكل العالمين لزم أن يكون أفضل من كل العالمين.
الحجة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ فقيل فيه لأنه قرن ذكر محمد بذكره في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد ولم يكن ذكر سائر الأنبياء كذلك.
الحجة الثالثة: أنه تعالى قرن طاعته بطاعته، فقال: ﴿ مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله ﴾ وبيعته ببيعته فقال: ﴿ إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ وعزته بعزته فقال: ﴿ وَلِلَّهِ العزة وَلِرَسُولِهِ ﴾ ورضاه برضاه فقال: ﴿ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ ﴾ وإجابته بإجابته فقال: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ استجيبوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُول ﴾ .
الحجة الرابعة: أن الله تعالى أمر محمداً بأن يتحدى بكل سورة من القرآن فقال: ﴿ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّن مِّثْلِهِ ﴾ وأقصر السور سورة الكوثر وهي ثلاث آيات، وكان الله تحداهم بكل ثلاث آيات من القرآن، ولما كان كل القرآن ستة آلاف آية، وكذا آية، لزم أن لا يكون معجز القرآن معجزاً واحداً بل يكون ألفي معجزة وأزيد.
وإذا ثبت هذا فنقول: إن الله سبحانه ذكر تشريف موسى بتسع آيات بينات، فلأن يحصل التشريف لمحمد بهذه الآيات الكثيرة كان أولى.
الحجة الخامسة: أن معجزة رسولنا صلى الله عليه وسلم أفضل من معجزات سائر الأنبياء فوجب أن يكون رسولنا أفضل من سائر الأنبياء.
بيان الأول قوله عليه السلام: «القرآن في الكلام كآدم في الموجودات».
بيان الثاني أن الخلعة كلما كانت أشرف كان صاحبها أكرم عند الملك.
الحجة السادسة: أن معجزته عليه السلام هي القرآن وهي من جنس الحروف والأصوات وهي أعراض غير باقية وسائر معجزات سائر الأنبياء من جنس الأمور الباقية ثم إنه سبحانه جعل معجزة محمد صلى الله عليه وسلم باقية إلى آخر الدهر، ومعجزات سائر الأنبياء فانية منقضية.
الحجة السابعة: أنه تعالى بعد ما حكى أحوال الأنبياء عليهم السلام قال: ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده ﴾ فأمر محمداً صلى الله عليه وسلم بالاقتداء بمن قبله، فإما أن يقال: إنه كان مأموراً بالاقتداء بهم في أصول الدين وهو غير جائز لأنه تقليد، أو في فروع الدين وهو غير جائز، لأن شرعه نسخ سائر الشرائع، فلم يبق إلا أن يكون المراد محاسن الأخلاق، فكأنه سبحانه قال: إنا أطلعناك على أحوالهم وسيرهم، فاختر أنت منها أجودها وأحسنها وكن مقتدياً بهم في كلها، وهذا يقتضي أنه اجتمع فيه من الخصال المرضية ما كان متفرقاً فيهم، فوجب أن يكون أفضل منهم.
الحجة الثامنة: أنه عليه السلام بعث إلى كل الخلق وذلك يقتضي أن تكون مشقته أكثر، فوجب أن يكون أفضل، أما إنه بعث إلى كل الخلق فلقوله تعالى: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ كَافَّةً لّلنَّاسِ ﴾ وأما أن ذلك يقتضي أن تكون مشتقه أكثر فلأنه كان إنساناً فرداً من غير مال ولا أعوان وأنصار، فإذا قال لجميع العالمين: يا أيها الكافرون صار الكل أعداء له، وحينئذٍ يصير خائفاً من الكل، فكانت المشقة عظيمة، وكذلك فإن موسى عليه السلام لما بعث إلى بني إسرائيل فهو ما كان يخاف أحداً إلا من فرعون وقومه، وأما محمد عليه السلام فالكل كانوا أعداء له، يبين ذلك أن إنساناً لو قيل له: هذا البلد الخالي عن الصديق والرفيق فيه رجل واحد ذو قوة وسلاح فاذهب إليه اليوم وحيداً وبلغ إليه خبراً يوحشه ويؤذيه، فإنه قلما سمحت نفسه بذلك، مع أنه إنسان واحد، ولو قيل له: اذهب إلى بادية بعيدة ليس فيها أنس ولا صديق، وبلغ إلى صاحب البادية كذا وكذا من الأخبار الموحشة لشق ذلك على الإنسان، أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان مأموراً بأن يذهب طول ليله ونهاره في كل عمره إلى الجن والإنس الذين لا عهد له بهم، بل المعتاد منهم أنهم يعادونه ويؤذونه ويستخفونه، ثم إنه عليه السلام لم يمل من هذه الحالة ولم يتلكأ، بل سارع إليها سامعاً مطيعاً، فهذا يقتضي أنه تحمل في إظهار دين الله أعظم المشاق، ولهذا قال تعالى: ﴿ لاَ يَسْتَوِى مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الفتح وقاتل ﴾ ومعلوم أن ذلك البلاء كان على الرسول صلى الله عليه وسلم، فإذا عظم فضل الصحابة بسبب تلك الشدة فما ظنك بالرسول، وإذا ثبت أن مشقته أعظم من مشقة غيره وجب أن يكون فضله أكثر من فضل غيره لقوله عليه السلام: «أفضل العبادات أحمزها».
الحجة التاسعة: أن دين محمد عليه السلام أفضل الأديان، فيلزم أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأنبياء، بيان الأول أنه تعالى جعل الإسلام ناسخاً لسائر الأديان، والناسخ يجب أن يكون أفضل لقوله عليه السلام: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» فلما كان هذا الدين أفضل وأكثر ثواباً، كان واضعه أكثر ثواباً من واضعي سائر الأديان، فيلزم أن يكون محمد عليه السلام أفضل من سائر الأنبياء.
الحجة العاشرة: أمة محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الأمم، فوجب أن يكون محمد أفضل الأنبياء، بيان الأول قوله تعالى: ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ بيان الثاني أن هذه الأمة إنما نالت هذه الفضيلة لمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعونى يُحْبِبْكُمُ الله ﴾ وفضيلة التابع توجب فضيلة المتبوع، وأيضاً أن محمداً صلى الله عليه وسلم أكثر ثواباً لأنه مبعوث إلى الجن والإنس، فوجب أن يكون ثوابه أكثر، لأن لكثرة المستجيبين أثراً في علو شأن المتبوع.
الحجة الحادية عشر: أنه عليه السلام خاتم الرسل، فوجب أن يكون أفضل، لأن نسخ الفاضل بالمفضول قبيح في المعقول.
الحجة الثانية عشرة: أن تفضيل بعض الأنبياء على بعض يكون لأمور منها: كثرة المعجزات التي هي دالة على صدقهم وموجبة لتشريفهم، وقد حصل في حق نبينا عليه السلام ما يفضل على ثلاثة آلاف، وهي بالجملة على أقسام، منها ما يتعلق بالقدرة، كإشباع الخلق الكثير من الطعام القليل، وإروائهم من الماء القليل، ومنها ما يتعلق بالعلوم كالإخبار عن الغيوب، وفصاحة القرآن، ومنها اختصاصه في ذاته بالفضائل، نحو كونه أشرف نسباً من أشراف العرب، وأيضاً كان في غاية الشجاعة، كما روي أنه قال بعد محاربة علي رضي الله عنه لعمرو بن ود: «كيف وجدت نفسك يا علي، قال: وجدتها لو كان كل أهل المدينة في جانب وأنا في جانب لقدرت عليهم فقال: تأهب فإنه يخرج من هذا الوادي فتى يقاتلك»، الحديث إلى آخره وهو مشهور، ومنها في خلقه وحلمه ووفائه وفصاحته وسخائه، وكتب الحديث ناطقة بتفصيل هذه الأبواب.
الحجة الثالثة عشرة: قوله عليه السلام: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيام» وذلك يدل على أنه أفضل من آدم ومن كل أولاده، وقال عليه السلام: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» وقال عليه السلام: «لا يدخل الجنة أحد من النبيين حتى أدخلها أنا، ولا يدخلها أحد من الأمم حتى تدخلها أمتي» وروى أنس قال صلى الله عليه وسلم: «أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر» وعن ابن عباس قال: جلس ناس من الصحابة يتذاكرون فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثهم فقال بعضهم: عجباً إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلمه تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «قد سمعت كلامكم وحجتكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وموسى نجى الله وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله تعالى وهو كذلك، ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول شافع وأنا أول مشفع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلقة الجنة فيفتح لي فأدخلها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين ولا فخر».
الحجة الرابعة عشرة: روى البيهقي في فضائل الصحابة أنه ظهر علي بن أبي طالب من بعيد فقال عليه السلام: «هذا سيد العرب» فقالت عائشة: ألست أنت سيد العرب؟
«فقال أنا أسيد العالمين وهو سيد العرب»، وهذا يدل على أنه أفضل الأنبياء عليهم السلام.
الحجة الخامسة عشرة: روى مجاهد عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر، بعثت إلى الأحمر والأسود وكان النبي قبلي يبعث إلى قومه، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، ونصرت بالرعب أمامي مسيرة شهر، وأحلت لي الغنائم ولم تكن لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي، فهي نائلة إن شاء الله تعالى لمن لا يشرك بالله شيئاً».
وجه الاستدلال أنه صريح في أن الله فضله بهذه الفضائل على غيره.
الحجة السادسةَ عشرةَ: قال محمد بن عيسى الحكيم الترمذي في تقرير هذا المعنى: إن كل أمير فإنه تكون مؤنته على قدر رعيته، فالأمير الذي تكون أمارته على قرية تكون مؤنته بقدر تلك القرية، ومن ملك الشرق والغرب احتاج إلى أموال وذخائر أكثر من أموال أمير تلك القرية فكذلك كل رسول بعث إلى قومه فأعطي من كنوز التوحيد وجواهر المعرفة على قدر ما حمل من الرسالة، فالمرسل إلى قومه في طرف مخصوص من الأرض إنما يعطي من هذه الكنوز الروحانية بقدر ذلك الموضع، والمرسل إلى كل أهل الشرق والغرب إنسهم وجنهم لابد وأن يعطي من المعرفة بقدر ما يمكنه أن يقوم بسعيه بأمور أهل الشرق والغرب، وإذا كان كذلك كانت نسبة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم إلى نبوة سائر الأنبياء كنسبة كل المشارق والمغارب إلى ملك بعض البلاد المخصوصة، ولما كان كذلك لا جرم أعطي من كنوز الحكمة والعلم ما لم يعط أحد قبله، فلا جرم بلغ في العلم إلى الحد الذي لم يبلغه أحد من البشر قال تعالى في حقه: ﴿ فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى ﴾ وفي الفصاحة إلى أن قال: «أوتيت جوامع الكلم» وصار كتابه مهيمناً على الكتب وصارت أمته خير الأمم.
الحجة السابعةَ عشرةَ: روى محمد بن الحكيم الترمذي رحمه الله في كتاب النوادر: عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، وموسى نجياً، واتخذني حبيباً، ثم قال وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي».
الحجة الثامنة عشرة: في الصحيحين عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل ابتنى بيوتاً فأحسنها وأجملها وأكملها إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها، فجعل الناس يطوفون به ويعجبهم البنيان فيقولون: ألا وضعت هاهنا لبنة فيتم بناؤك؟
فقال محمد: كنت أنا تلك اللبنة».
الحجة التاسعة عشرة: أن الله تعالى كلما نادى نبياً في القرآن ناداه باسمه ﴿ ويائادم اسكن ﴾ ، ﴿ وناديناه أَن ياإبراهيم ﴾ ، ﴿ إِذْ رَءَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ ٱمْكُثُوٓا إِنِّىٓ ءَانَسْتُ نَارًا لَّعَلِّىٓ ءَاتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى ٱلنَّارِ هُدًى فَلَمَّآ أَتَىٰهَا نُودِىَ يَٰمُوسَىٰٓ ﴾ وأما النبي عليه السلام فإنه ناداه بقوله: ﴿ يا أيها النبى ﴾ ، ﴿ يا أيها الرسول ﴾ وذلك يفيد الفضل.
واحتج المخالف بوجوه: الأول: أن معجزات الأنبياء كانت أعظم من معجزاته، فإن آدم عليه السلام كان مسجوداً للملائكة، وما كان محمد عليه السلام كذلك، وإن إبراهيم عليه السلام ألقي في النيران العظيمة فانقلبت روحاً وريحاناً عليه، وأن موسى عليه السلام أوتي تلك المعجزات العظيمة، ومحمد ما كان له مثلها، وداود لان له الحديد في يده، وسليمان كان الجن والإنس والطير والوحش والرياح مسخرين له، وما كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم، وعيسى أنطقه الله في الطفولية وأقدره على إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وما كان ذلك حاصلاً لمحمد صلى الله عليه وسلم.
الحجة الثانية: أنه تعالى سمى إبراهيم في كتابه خليلاً، فقال: ﴿ واتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ وقال في موسى عليه السلام ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ وقال في عيسى عليه السلام: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ وشيء من ذلك لم يقله في حق محمد عليه السلام.
الحجة الثالثة: قوله عليه السلام: «لا تفضلوني على يونس بن متى».
وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين الأنبياء».
الحجة الرابعة: روي عن ابن عباس قال: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء فذكرنا نوحاً بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله تعالى إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا رسول الله أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة، وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهو خاتم الأنبياء، فدخل رسول الله فقال: فيم أنتم؟
فذكرنا له فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا وذلك أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها.
والجواب: أن كون آدم عليه السلام مسجوداً للملائكة لا يوجب أن يكون أفضل من محمد عليه السلام، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة».
وقال: «كنت نبياً وآدم بين الماء والطين» ونقل أن جبريل عليه السلام أخذ بركاب محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج، وهذا أعظم من السجود، وأيضاً أنه تعالى صلى بنفسه على محمد، وأمر الملائكة والمؤمنين بالصلاة عليه، وذلك أفضل من سجود الملائكة، ويدل عليه وجوه: الأول: أنه تعالى أمر الملائكة بسجود آدم تأديباً، وأمرهم بالصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم تقريباً.
والثاني: أن الصلاة على محمد عليه السلام دائمة إلى يوم القيامة، وأما سجود الملائكة لآدم عليه السلام ما كان إلا مرة واحدة.
الثالث: أن السجود لآدم إنما تولاه الملائكة، وأما الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم فإنما تولاها رب العالمين ثم أمر بها الملائكة والمؤمنين.
والرابع: أن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل أن نور محمد عليه السلام في جبهة آدم.
فإن قيل: إنه تعالى خص آدم بالعلم، فقال: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ وأما محمد عليه السلام فقال في حقه: ﴿ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا الكتاب وَلاَ الإيمان ﴾ وقال: ﴿ وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فهدى ﴾ وأيضاً فمعلم آدم هو الله تعالى، قال: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسماء ﴾ ومعلم محمد عليه السلام جبريل عليه السلام لقوله: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى ﴾ .
والجواب: أنه تعالى قال في علم محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ الله عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ وقال عليه السلام: «أدبني ربي فأحسن تأديبي» وقال تعالى: ﴿ الرحمن علم القرآن ﴾ وكان عليه السلام يقول: «أرنا الأشياء كما هي» وقال تعالى لمحمد عليه السلام: ﴿ وَقُل رَّبّ زِدْنِى عِلْماً ﴾ وأما الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿ عَلَّمَهُ شَدِيدُ القوى ﴾ فذاك بحسب التلقين، وأما التعليم فمن الله تعالى، كما أنه تعالى قال: ﴿ قُلْ يتوفاكم مَّلَكُ الموت ﴾ ثم قال تعالى: ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ .
فإن قيل: قال نوح عليه السلام ﴿ وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ المؤمنين ﴾ وقال الله تعالى لمحمد عليه السلام: ﴿ وَلاَ تَطْرُدِ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُمْ ﴾ وهذا يدل على أن خلق نوح أحسن.
قلنا: إنه تعالى قال: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فكان أول أمره العذاب، وأما محمد عليه السلام فقيل فيه: ﴿ وَمَا أرسلناك إِلاَّ رَحْمَةً للعالمين ﴾ ، ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ إلى قوله: ﴿ رَءوفٌ رَّحِيمٌ ﴾ فكان عاقبة نوح أن قال: ﴿ رَّبّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً ﴾ وعاقبة محمد عليه السلام الشفاعة ﴿ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَّحْمُودًا ﴾ وأما سائر المعجزات فقد ذكر في كتب دلائل النبوة في مقابلة كل واحد منها معجزة أفضل منها لمحمد صلى الله عليه وسلم، وهذا الكتاب لا يحتمل أكثر مما ذكرناه، والله أعلم.
وأما قوله تعالى: ﴿ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المراد منه من كلمه الله تعالى، والهاء تحذف كثيراً كقوله تعالى: ﴿ وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس وَتَلَذُّ الأعين ﴾ .
المسألة الثانية: قرئ ﴿ كلم الله ﴾ بالنصب، والقراءة الأولى أدل على الفضل، لأن كل مؤمن فإنه يكلم الله على ما قال عليه السلام: «المصلي مناج ربه» إنما الشرف في أن يكلمه الله تعالى، وقرأ اليماني: ﴿ كالم الله ﴾ من المكالمة، ويدل عليه قولهم: كليم الله بمعنى مكالمه.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أن من كلمه الله فالمسموع هو الكلام القديم الأزلي، الذي ليس بحرف ولا صوت أم غيره؟
فقال الأشعري وأتباعه: المسموع هو ذلك فإنه لما لم يمتنع رؤية ما ليس بمكيف، فكذا لا يستبعد سماع ما ليس بمكيف، وقال الماتريدي: سماع ذلك الكلام محال، وإنما المسموع هو الحرف والصوت.
المسألة الرابعة: اتفقوا على أن موسى عليه السلام مراد بقوله تعالى: ﴿ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ قالوا وقد سمع من قوم موسى السبعون المختارون وهم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿ واختار موسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً ﴾ وهل سمعه محمد صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج؟
اختلفوا فيه منهم من قال: نعم بدليل قوله: ﴿ فأوحى إلى عَبْدِهِ مَا أوحى ﴾ .
فإن قيل: إن قوله تعالى: ﴿ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ المقصود منه بيان غاية منقبة أولئك الأنبياء الذين كلم الله تعالى، ولهذا السبب لما بالغ في تعظيم موسى عليه السلام، قال: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ ثم جاء في القرآن مكالمة بين الله وبين إبليس، حيث قال: ﴿ قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِىٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ ٱلْمُنظَرِينَ إِلَىٰ يَوْمِ ٱلْوَقْتِ ٱلْمَعْلُومِ ﴾ إلى آخر هذه الآيات وظاهر هذه الآيات يدل على مكالمة كثيرة بين الله وبين إبليس فإن كان ذلك يوجب غاية الشرف فكيف حصل لإبليس الذم وإن لم يوجب شرفاً فكيف ذكره في معرض التشريف لموسى عليه السلام حيث قال: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ ؟.
والجواب: أن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه تعالى قال تلك الجوابات معه من غير واسطة فلعل الواسطة كانت موجودة.
أما قوله تعالى: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ ففيه قولان الأول: أن المراد منه بيان أن مراتب الرسل متفاوتة، وذلك لأنه تعالى اتخذ إبراهيم خليلاً، ولم يؤت أحداً مثله هذه الفضيلة، وجمع لداود الملك والنبوة ولم يحصل هذا لغيره، وسخر لسليمان الإنس والجن والطير والريح، ولم يكن هذا حاصلاً لأبيه داود عليه السلام، ومحمد عليه السلام مخصوص بأنه مبعوث إلى الجن والإنس وبأن شرعه ناسخ لكل الشرائع، وهذا إن حملنا الدرجات على المناصب والمراتب، أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه، لأن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه فمعجزات موسى عليه السلام، وهي قلب العصا حية، واليد البيضاء، وفلق البحر، كان كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه وهو السحر، ومعجزات عيسى عليه السلام وهي إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، كانت كالشبيه بما كان أهل ذلك العصر متقدمين فيه، وهو الطب، ومعجزة محمد عليه السلام، وهي القرآن كانت من جنس البلاغة والفصاحة والخطب والأشعار، وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة، وفيه وجه ثالث، وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات ما يتعلق بالدنيا، وهو كثرة الأمة والصحابة وقوة الدولة، فإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أن محمداً صلى الله عليه وسلم كان مستجمعاً للكل فمنصبه أعلى ومعجزاته أبقى وأقوى وقومه أكثر ودولته أعظم وأوفر.
القول الثاني: أن المراد بهذه الآية محمد عليه السلام، لأنه هو المفضل على الكل، وإنما قال: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل فعلاً عظيماً فيقال له: من فعل هذا فيقول أحدكم أو بعضكم ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به، وسئل الحطيئة عن أشعر الناس، فذكر زهيراً والنابغة، ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي لم يبق فيه فخامة.
فإن قيل: المفهوم من قوله: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ هو المفهوم من قوله: ﴿ تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ فما الفائدة في التكرير؟
وأيضاً قوله: ﴿ تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ كلام كلي، وقوله بعد ذلك: ﴿ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ شروع في تفصيل تلك الجملة، وقوله بعد ذلك: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ إعادة لذلك الكلي، ومعلوم أن إعادة الكلام بعد الشروع في تفصيل جزئياته يكون مستدركاً.
والجواب: أن قوله: ﴿ تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ يدل على إثبات تفضيل البعض على البعض، فأما أن يدل على أن ذلك التفضيل حصل بدرجات كثيرة أو بدرجات قليلة فليس فيه دلالة عليه فكان قوله: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ فيه فائدة زائدة فلم يكن تكريراً.
أما قوله تعالى: ﴿ وءَاتينا عيسى ابن مريم البينات ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: أنه تعالى قال في أول الآية: ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال: ﴿ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال: ﴿ وآتينا عيسى بن مريم البينات ﴾ فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى؟.
والجواب: أن قوله: ﴿ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ أهيب وأكثر وقعاً من أن يقال منهم من كلمنا، ولذلك قال: ﴿ وَكَلَّمَ الله موسى تَكْلِيماً ﴾ فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة.
وأما قوله: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات ﴾ فإنما اختار لفظ المخاطبة، لأن الضمير في قوله: ﴿ وَءاتَيْنَا ﴾ ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء.
السؤال الثاني: لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟
وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما؟.
والجواب: سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضاً فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما، كأنه قيل: هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما، بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا.
السؤال الثالث: تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلتم: إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات أقوى؟
فنقول: إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة.
الجواب: المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة.
السؤال الرابع: البينات جمع قلة، وذلك لا يليق بهذا المقام.
قلنا: لا نسلم أنه جمع قلة، والله أعلم.
أما قوله تعالى: ﴿ وأيدناه بِرُوحِ القدس ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم.
المسألة الثانية: في تفسيره أقوال الأول: قال الحسن: القدس هو الله تعالى، وروحه جبريل عليه السلام، والإضافة للتشريف، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره، أما في أول الأمر فلقوله: ﴿ فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا ﴾ وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم، وحفظه من الأعداء، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ .
والقول الثاني: وهو المنقول عن ابن عباس أن روح القدس هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى عليه السلام الموتى.
والقول الثالث: وهو قول أبي مسلم: أن روح القدس الذي أيد به يجوز أن يكون الروح الطاهرة التي نفخها الله تعالى فيه، وأبانه بها عن غيره ممن خلق من اجتماع نطفتي الذكر والأنثى.
ثم قال تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مّن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: تعلق هذه بما قبلها هو أن الرسل بعدما جاءتهم البينات، ووضحت لهم الدلائل والبراهين، اختلفت أقوامهم، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا.
المسألة الثانية: احتج القائلون بأن كل الحوادث بقضاء الله وقدره بهذه الآية، وقالوا تقدير الآية: ولو شاء الله أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا، والمعنى أن عدم الاقتتال لازم لمشيئة عدم الاقتتال، وعدم اللازم يدل على عدم اللزوم، فحيث وجد الاقتتال علمنا أن مشيئة عدم الاقتتال مفقودة، بل كان الحاصل هو مشيئة الاقتتال، ولا شك أن ذلك الاقتتال معصية، فدل ذلك على أن الكفر والإيمان والطاعة والعصيان بقضاء الله وقدره ومشيئته، وعلى أن قتل الكفار وقتالهم للمؤمنين بإرادة الله تعالى.
وأما المعتزلة فقد أجابوا عن الاستدلال، وقالوا: المقصود من الآية بيان أن الكفار إذا قتلوا فليس ذلك بغلبة منهم لله تعالى وهذا المقصود يحصل بأن يقال: إنه تعالى لو شاء لأهلكهم وأبادهم أو يقال: لو شاء لسلب القوى والقدر منهم أو يقال: لو شاء لمنعهم من القتال جبراً وقسراً وإذا كان كذلك فقوله: ﴿ وَلَوْ شَاء الله ﴾ المراد منه هذه الأنواع من المشيئة، وهذا كما يقال: لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته، ولم تشرب النصارى الخمر، والمراد منه المشيئة التي ذكرناها، وكذا هاهنا، ثم أكد القاضي هذه الأجوبة وقال: إذا كانت المشيئة تقع على وجوه وتنتفي على وجوه لم يكن في الظاهر دلالة على الوجه المخصوص، لا سيما وهذه الأنواع من المشيئة متباينة متنافية.
والجواب: أن أنواع المشيئة وإن اختلفت وتباينت إلا أنها مشتركة في عموم كونها مشيئة، والمذكور في الآية في معرض الشرط هو المشيئة من حيث إنها مشيئة، لا من حيث إنها مشيئة خاصة، فوجب أن يكون هذا المسمى حاصلاً، وتخصيص المشيئة بمشيئة خاصة، وهي إما مشيئة الهلاك، أو مشيئة سلب القوى والقدر، أو مشيئة القهر والإجبار، تقييد للمطلق وهو غير جائز، وكما أن هذا التخصيص على خلاف ظاهر اللفظ فهو على خلاف الدليل القاطع، وذلك لأن الله تعالى إذا كان عالماً بوقوع الاقتتال، والعلم بوقوع الاقتتال حال عدم وقوع الاقتتال جمع بين النفي والإثبات، وبين السلب والإيجاب، فحال حصول العلم بوجود الاقتتال لو أراد عدم الاقتتال لكان قد أراد الجمع بين النفي والإثبات وذلك محال، فثبت أن ظاهر الآية على ضد قولهم، والبرهان القاطع على ضد قولهم وبالله التوفيق.
ثم قال: ﴿ ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ﴾ فقد ذكرنا في أول الآية أن المعنى: ولو شاء لم يختلفوا، وإذا لم يختلفوا لم يقتتلوا، وإذا اختلفوا فلا جرم اقتتلوا، وهذه الآية دالة على أن الفعل لا يقع إلا بعد حصول الداعي، لأنه بين أن الاختلاف يستلزم التقاتل، والمعنى أن اختلافهم في الدين يدعوهم إلى المقاتلة، وذلك يدل على أن المقاتلة لا تقع إلا لهذا الداعي، وعلى أنه متى حصل هذا الداعي وقعت المقاتلة، فمن هذا الوجه يدل على أن الفعل ممتنع الوقوع عند عدم الداعي، وواجب عند حصول الداعي، ومتى ثبت ذلك ظهر أن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله في العبد دفعاً للتسلسل، فكانت الآية دالة أيضاً من هذا الوجه على صحة مذهبنا.
ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا ﴾ فإن قيل: فما الفائدة في التكرير؟.
قلنا: قال الواحدي رحمه الله تعالى: إنما كرره تأكيداً للكلام وتكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم ولم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى.
ثم قال: ﴿ ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ فيوفق من يشاء ويخذل من يشاء لا اعتراض عليه في فعله واحتج الأصحاب بهذه الآية على أنه تعالى هو الخالق لإيمان المؤمنين، وقالوا: لأن الخصم يساعد على أنه تعالى يريد الإيمان من المؤمن، ودلت الآية على أنه يفعل كل ما يريد، فوجب أن يكون الفاعل لإيمان المؤمن هو الله تعالى، وأيضاً لما دل على أنه يفعل كل ما يريد فلو كان يريد الإيمان من الكفار لفعل فيهم الإيمان، ولكانوا مؤمنين، ولما لم يكن كذلك دل على أنه تعالى لا يريد الإيمان منهم، فكانت هذه الآية دالة على مسألة خلق الأعمال، وعلى مسألة إرادة الكائنات والمعتزلة يقيدون المطلق ويقولون: المراد يفعل كل ما يريد من أفعال نفسه، وهذا ضعيف لوجوه: أحدها: أنه تقييد للمطلق والثاني: أنه على هذا التقييد تصير الآية بياناً للواضحات فإنه يصير معنى الآية أنه يفعل ما يفعله الثالث: أن كل أحد كذلك فلا يكون في وصف الله تعالى بذلك دليلاً على كمال قدرته وعلو مرتبته، والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ الرسل ﴾ إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في السورة، أو التي ثبت علمها عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ ﴾ لما أوجب ذلك من تفاضلهم في الحسنات ﴿ مّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام.
وقرئ: ﴿ كلم الله ﴾ بالنصب.
وقرأ اليماني: ﴿ كالم الله ﴾ ، من المكالمه، ويدل عليه قولهم: كليم الله، بمعنى مكالمه ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات ﴾ أي ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء، فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم درجات كثيرة.
والظاهر أنه أراد محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم، حيث أوتي ما لم يؤته أحد من الآيات المتكاثرة المرتقية إلى ألف آية أو أكثر.
ولو لم يؤت إلا القرآن وحده لكفى به فضلاً منيفاً على سائر ما أوتي الأنبياء، لأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر دون سائر المعجزات.
وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس.
ويقال للرجل: من فعل هذا؟
فيقول: أحدكم أو بعضكم، يريد به الذي تعورف واشتهر بنحوه من الأفعال، فيكون أفخم من التصريح به وأنوه بصاحبه.
وسئل الحطيئة عن أشعر الناس؟
فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه، ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يفخم أمره.
ويجوز أن يريد: إبراهيم ومحمداً وغيرهما من أولي العزم من الرسل.
وعن ابن عباس رضي الله عنه: كنا في المسجد نتذاكر فضل الأنبياء، فذكرنا نوحاً بطول عبادته، وإبراهيم بخلته، وموسى بتكليم الله إياه، وعيسى برفعه إلى السماء، وقلنا: رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منهم، بعث إلى الناس كافة؛ وغفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر وهو خاتم الأنبياء فدخل عليه السلام فقال: «فيم أنتم؟
فذكرنا له.
فقال: لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا، فذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهمَّ بها» فإن قلت: فلمَ خصّ موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر؟
قلت: لما أوتيا من الآيات العظيمة والمعجزات الباهرة.
ولقد بين الله وجه التفضيل حيث جعل التكليم من الفضل وهو آية من الآيات، فلما كان هذان النبيان قد أوتيا ما أوتيا من عظام الآيات خصا بالذكر في باب التفضيل.
وهذا دليل بين أنّ من زيد تفضيلاً بالآيات منهم فقد فضل على غيره.
ولما كان نبينا صلى الله عليه وسلم هو الذي أوتي منها ما لم يؤت أحد في كثرتها وعظمها.
كان هو المشهود له بإحراز قصبات الفضل غير مدافع، اللهمّ ارزقنا شفاعته يوم الدين ﴿ وَلَوْ شَاءَ الله ﴾ مشيئة إلجاء وقسر ﴿ مَا اقتتل الذين ﴾ من بعد الرسل، لاختلافهم في الدين، وتشعب مذاهبهم، وتكفير بعضهم بعضاً ﴿ ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءامَنَ ﴾ لالتزامه دين الأنبياء ﴿ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ ﴾ إعراضه عنه ﴿ وَلَوْ شَاء الله مَا اقتتلوا ﴾ كرّره للتأكيد ﴿ ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ من الخذلان والعصمة ﴿ أَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم ﴾ أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ ﴾ لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ حتى تبتاعوا ما تنفقونه ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ حتى يسامحكم أخلاؤكم به.
وإن أردتم أن يحط عنكم ما في ذمّتكم من الواجب لم تجدوا شفيعاً يشفع لكم في حط الواجبات.
لأنّ الشفاعة ثمة في زيادة الفضل لا غير ﴿ والكافرون هُمُ الظالمون ﴾ أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، فقال ﴿ والكافرون ﴾ للتغليظ، كما قال في آخر آية الحج ﴿ وَمَن كَفَرَ ﴾ [النور: 55] مكان: ومن لم يحج، ولأنه جعل ترك الزكاة من صفات الكفار في قوله: ﴿ وَوَيْلٌ لّلْمُشْرِكِينَ الذين لاَ يُؤْتُونَ الزكواة ﴾ [فصلت: 6] وقرئ: ﴿ لا بيعُ فيه ولا خلةٌ ولا شفاعةٌ ﴾ بالرفع.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ ﴾ إشارَةٌ إلى الجَماعَةِ المَذْكُورَةِ قِصَصُها في السُّورَةِ، أوِ المَعْلُومَةِ لِلرَّسُولِ ، أوْ جَماعَةِ الرُّسُلِ واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ.
﴿ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ بِأنْ خَصَصْناهُ بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ.
﴿ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ تَفْضِيلٌ لَهُ، وهو مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
وقِيلَ: مُوسى ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى لَيْلَةَ الحَيْرَةِ وفي الطُّورِ، ومُحَمَّدًا عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَيْلَةَ المِعْراجِ حِينَ كانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى وبَيْنَهُما بَوْنٌ بَعِيدٌ، وقُرِئَ « كَلَّمَ اللَّهَ» و « كالَمَ اللَّهَ» بِالنَّصْبِ، فَإنَّهُ كَلَّمَ اللَّهَ كَما أنَّ اللَّهَ كَلَّمَهُ ولِذَلِكَ قِيلَ كَلِيمُ اللَّهِ بِمَعْنى مُكالِمِهِ.
﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ بِأنْ فَضَّلَهُ عَلى غَيْرِهِ مِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، أوْ بِمَراتِبَ مُتَباعِدَةٍ.
وهو مُحَمَّدٌ فَإنَّهُ خَصَّهُ بِالدَّعْوَةِ العامَّةِ والحُجَجِ المُتَكاثِرَةِ والمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ، والآياتِ المُتَعاقِبَةِ بِتَعاقُبِ الدَّهْرِ، والفَضائِلِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ الفائِتَةِ لِلْحَصْرِ.
والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ كَأنَّهُ العِلْمُ المُتَعَيَّنُ لِهَذا الوَصْفِ المُسْتَغْنِي عَنِ التَّعْيِينِ.
وقِيلَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ خَصَّصَهُ بِالخُلَّةِ الَّتِي هي أعْلى المَراتِبِ.
وقِيلَ: إدْرِيسُ عَلَيْهِ السَّلامُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَرَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ .
وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ.
﴿ وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ خَصَّهُ بِالتَّعْيِينِ لِإفْراطِ اليَهُودِ والنَّصارى في تَحْقِيرِهِ وتَعْظِيمِهِ، وجَعَلَ مُعْجِزاتِهِ سَبَبَ تَفْضِيلِهِ لِأنَّها آياتٌ واضِحَةٌ ومُعْجِزاتٌ عَظِيمَةٌ لَمْ يَسْتَجْمِعْها غَيْرُهُ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ أيْ هَدى النّاسَ جَمِيعًا.
﴿ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ مِن بَعْدِ الرُّسُلِ.
﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الواضِحَةُ لِاخْتِلافِهِمْ في الدِّينِ، وتَضْلِيلِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مَن آمَنَ ﴾ بِتَوْفِيقِهِ التِزامَ دِينِ الأنْبِياءِ تَفَضُّلًا.
﴿ وَمِنهم مَن كَفَرَ ﴾ لِإعْراضِهِ عَنْهُ بِخِذْلانِهِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلُوا ﴾ كَرَّرَهُ لِلتَّأْكِيدِ.
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ فَيُوَفِّقُ مَن يَشاءُ فَضْلًا، ويَخْذِلُ مَن يَشاءُ عَدْلًا.
والآيَةُ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُتَفاوِتَةُ الأقْدامِ، وأنَّهُ يَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَكِنْ بِقاطِعٍ لِأنَّ اعْتِبارَ الظَّنِّ فِيما يَتَعَلَّقُ بِالعَمَلِ وأنَّ الحَوادِثَ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى تابِعَةٌ لِمَشِيئَتِهِ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا إيمانًا أوْ كُفْرًا.
<div class="verse-tafsir"
{تِلْكَ الرسل} إشارة إلى جماعة الرسل التي ذكرت قصصها في هذه السورة من آدم إلى داود أو التي ثبت علمها عند رسول الله عليه السلام {فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ} بالخصائص وراء الرسالة لاستوائهم فيها كالمؤمنين يستوون في صفة الإيمان ويتفاوتون في الطاعات بعد الإيمان ثم بين ذلك بقوله {مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله} أي كلمه الله حذف العائد من الصلة يعني منهم من فضله الله بأن كلمه من غير سفير وهو موسى عليه السلام {وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ} مفعول أول {درجات} مفعول ثانٍ أي بدرجات أو إلى درجات يعني ومنهم من رفعه على سائر الأنبياء فكان بعد تفاوتهم في الفضل أفضل منهم بدرجات كثيرة وهو محمد صلى الله عليه وسلم لأنه هو المفضل عليهم بإرساله إلى الكافة وبأنه المعجزة الباقية على وجه الدهر وفي هذا الإبهام تفخيم وبيان أنه العلم الذي لا يشتبه على أحد والمتميز الذي لا يلتبس وقيل أريد به محمد وإبراهيم وغيرهما من
البقرة (٢٥٣ _ ٢٥٥)
أولى العزم من الرسل {وآتينا عيسى ابن مَرْيَمَ البينات} كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك {وأيدناه بِرُوحِ القدس} قويناه بجبريل أو بالإنجيل {وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتل} أي ما اختلف لأنه سببه {الذين مِن بَعْدِهِم} من بعد الرسل {مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات} المعجزات الظاهرات {ولكن اختلفوا} بمشيئتى ثم بين الاختلاف فقال {فمنهم من آمن ومنهم من كفر} بمشيئتى يقول الله تعالى أجريت أمور رسلي على هذا أي لم يجتمع لأحد منهم طاعة جميع أمته في حياته ولا بعد وفاته بل اختلفوا عليه فمنهم من آمن ومنهم من كفر {وَلَوْ شَاءَ الله مَا اقتتلوا} كرره للتأكيد أي لو شئت أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا إذ لا يجري في ملكي إلا ما يوافق مشيئتي وهذا يبطل قول المعتزلة لأنه أخبر أنه لو شاء أن لا يقتتلوا لم يقتتلوا
وهم يقولون شاء ألا يقتتلوا فاقتتلوا {ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} أثتب الإرادة لنفسه كما هو مذهب أهل السنة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ ﴾ اِسْتِئْنافٌ مُشْعِرٌ بِالتَّرَقِّي كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّكَ لَمِنَ المُرْسَلِينَ وأفْضَلِهِمْ فَضْلًا، والإشارَةُ لِجَماعَةِ الرُّسُلِ الَّذِينَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ، وما فِيهِ مِن مَعْنى البُعْدِ كَما قِيلَ لِلْإيذانِ بِعُلُوِّ طَبَقَتِهِمْ وبُعْدِ مَنزِلَتِهِمْ، واللّامُ لِلِاسْتِغْراقِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ لِلْجَماعَةِ المَعْلُومَةِ لَهُ أوِ المَذْكُورَةِ قَصَصُها في السُّورَةِ، واللّامُ لِلْعَهْدِ، واخْتِيارُ جَمْعِ التَّكْسِيرِ لِقُرْبِ جَمْعِ التَّصْحِيحِ ﴿ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ بِأنْ خَصَصْنا بَعْضَهم بِمَنقَبَةٍ لَيْسَتْ تِلْكَ المَنقَبَةُ لِلْبَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: المُرادُ التَّفْضِيلُ بِالشَّرائِعِ فَمِنهم مَن شَرَعَ ومِنهم مَن لَمْ يَشْرَعْ، وقِيلَ: هو تَفْضِيلٌ بِالدَّرَجاتِ الأُخْرَوِيَّةِ ولا يَخْفى ما في كُلٍّ، ويُؤَيِّدُ الأوَّلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ فَإنَّهُ تَفْصِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ المَذْكُورِ إجْمالًا، والجُمْلَةُ لا مَحَلَّ لَها مِنَ الإعْرابِ، وقِيلَ: بَدَلٌ مِن ﴿ فَضَّلْنا ﴾ والمُرادُ بِالمَوْصُولِ إمّا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فالتَّعْرِيفُ عَهْدِيٌّ، أوْ كُلُّ مَن كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى عَنْ رِضًا بِلا واسِطَةٍ، وهم آدَمُ كَما ثَبَتَ في الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، ومُوسى وهو الشَّهِيرُ بِذَلِكَ، ونَبِيُّنا وهو المَخْصُوصُ بِمَقامِ قابٍ والفائِزُ بِعَرائِسِ خِطابِ ما تَعَرَّضَ بِالتَّعْرِيضِ لَها الخِطابُ، وقُرِئَ ( كَلَّمَ اللَّهَ ) بِالنَّصْبِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (كالَمَ اللَّهُ) مِنَ المُكالَمَةِ، قِيلَ وفي إيرادِ الِاسْمِ الجَلِيلِ بِطَرِيقِ الِالتِفاتِ تَرْبِيَةٌ لِلْمَهابَةِ ورَمْزٌ إلى ما بَيْنَ التَّكَلُّمِ والرَّفْعِ وبَيْنَ ما سَبَقَ مِن مُطْلَقِ التَّفْضِيلِ وما لَحِقَ مِن إيتاءِ البَيِّناتِ والتَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ مِنَ التَّفاوُتِ.
﴿ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ أيْ ومِنهم مَن رَفَعَهُ اللَّهُ تَعالى عَلى غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ بِمَراتِبَ مُتَباعِدَةٍ ومِن وُجُوهٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ لِتَرْبِيَةِ ما بَيْنَهم مِنَ اِخْتِلافِ الحالِ في دَرَجاتِ الشَّرَفِ، والمُرادُ بِبَعْضِهِمْ هُنا النَّبِيُّ كَما يُنْبِئُ عَنْهُ الإخْبارُ بِكَوْنِهِ مِنهم فَإنَّهُ قَدْ خُصَّ بِمَزايا تَقِفُ دُونَها الأمانِيُّ حَسْرى.
وامْتازَ بِخَواصَّ عِلْمِيَّةٍ وعَمَلِيَّةٍ لا يَسْتَطِيعُ لِسانُ الدَّهْرِ لَها حَصْرًا.
ورَقِيَ أعْلامَ فَضْلٍ رُفِعَتْ لَهُ عَلى كَواهِلِهِ الأعْلامُ وطَأْطَأتْ لَهُ رُؤُوسُ شُرُفاتِ الشَّرَفِ فَقَبِلَتْ مِنهُ الأقْدامَ، فَهو المَبْعُوثُ رَحْمَةً لِلْعالِمِينَ والمَنعُوتُ بِالخُلُقِ العَظِيمِ بَيْنَ المُرْسَلِينَ والمُنَزَّلُ عَلَيْهِ قُرْآنٌ مَجِيدٌ ﴿ لا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ولا مِن خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ والمُؤَيَّدُ دِينُهُ المُؤَبَّدُ بِالمُعْجِزاتِ المُسْتَمِرَّةِ الباهِرَةِ والفائِزُ بِالمَقامِ المَحْمُودِ والشَّفاعَةِ العُظْمى في الآخِرَةِ، والإبْهامُ لِتَفْخِيمِ شَأْنِهِ ولِلْإشْعارِ بِأنَّهُ العَلَمُ الفَرْدُ الغَنِيُّ عَنِ التَّعْيِينِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ إبْراهِيمُ حَيْثُ خَصَّهُ اللَّهُ تَعالى بِمَقامِ الخُلَّةِ الَّتِي هي أعَلى المَراتِبِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقِيلَ: إدْرِيسُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ورَفَعْناهُ مَكانًا عَلِيًّا ﴾ ، وقِيلَ: أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، وفِيهِ كَما في «اَلْكَشْفِ» أنَّهُ لا يُلائِمُ ذَوْقَ المَقامِ الَّذِي فِيهِ الكَلامُ البَتَّةَ، وكَذا الكَلامُ عِنْدِي في سابِقِهِ إذِ الرِّفْعَةُ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ والمَقامُ يَقْتَضِي المَجازَ كَما لا يَخْفى، و(دَرَجاتٍ) قِيلَ: حالٌ مِن (بَعْضِهِمْ) عَلى مَعْنى ذا دَرَجاتٍ، وقِيلَ: اِنْتِصابُهُ عَلى المَصْدَرِ لِأنَّ الدَّرَجَةَ بِمَعْنى الرِّفْعَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ورَفَعْنا بَعْضَهم رَفَعاتٍ، وقِيلَ: التَّقْدِيرُ عَلى، أوْ إلى، أوْ في دَرَجاتٍ، فَلَمّا حَذَفَ حَرْفَ الجَرِّ وُصِلَ الفِعْلُ بِنَفْسِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِرَفْعِ عَلى أنَّهُ ضِمْنَ مَعْنى بَلَغَ، وقِيلَ: إنَّهُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.
﴿ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ أيِ الآياتِ الباهِراتِ والمُعْجِزاتِ الواضِحاتِ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ وإحْياءِ المَوْتى والإخْبارِ بِما يَأْكُلُونَ ويَدَّخِرُونَ، أوِ الإنْجِيلَ، أوْ كُلَّ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وفي ذِكْرِ ذَلِكَ في مَقامِ التَّفْضِيلِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ السَّبَبُ فِيهِ، وهَذا يَقْتَضِي أفْضَلِيَّةَ نَبِيِّنا عَلى سائِرِ الأنْبِياءِ إذْ لَهُ مِن قِداحِ ذَلِكَ المُعَلّى والرَّقِيبُ.
﴿ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ قَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ وإفْرادُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِما ذُكِرَ لِرَدِّ ما بَيْنَ أهْلِ الكِتابَيْنِ في شَأْنِهِ مِنَ التَّفْرِيطِ والإفْراطِ، والآيَةُ ناطِقَةٌ بِأنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مُتَفاوِتَةٌ الأقْدارُ فَيَجُوزُ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ولَكِنْ بِقاطِعٍ لِأنَّ الظَّنَّ في الِاعْتِقادِيّاتِ لا يُغْنِي مِنَ الحَقِّ شَيْئًا.
﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ جاءُوا مِن بَعْدِ كُلِّ رَسُولٍ كَما يَقْتَضِيهِ المَعْنى لا جَمِيعِ الرُّسُلِ كَما هو ظاهِرُ اللَّفْظِ مِنَ الأُمَمِ المُخْتَلِفَةِ، أيْ لَوْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ ما اِقْتَتَلُوا بِأنْ جَعَلَهم مُتَّفِقِينَ عَلى الحَقِّ واتِّباعِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِهِ فَمَفْعُولُ المَشِيئَةِ مَحْذُوفٌ لِكَوْنِهِ مَضْمُونَ الجَزاءِ عَلى القاعِدَةِ المَعْرُوفَةِ، ومَن قَدَّرَ ولَوْ شاءَ اللَّهُ هُدى النّاسِ جَمِيعًا ما اِقْتَتَلَ الخ، وعَدَلَ عَمّا تَقْتَضِيهِ القاعِدَةُ ظَنًّا بِأنَّ هَذا العَدَمَ لا يَحْتاجُ إلى مَشِيئَةٍ وإرادَةٍ بَلْ يَكْفِي فِيهِ عَدَمُ تَعَلُّقِ الإرادَةِ بِالوُجُودِ، لَمْ يَأْتِ بِشَيْءٍ ﴿ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ ﴾ مِن جِهَةِ أُولَئِكَ الرُّسُلِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وهُمُ الرُّسُلُ، والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِ اِقْتَتَلَ وقِيلَ: بَدَلٌ مِن نَظِيرِهِ مِمّا قَبْلَهُ ﴿ البَيِّناتِ ﴾ أيِ المُعْجِزاتُ الباهِرَةُ والآياتُ الظّاهِرَةُ الدّالَّةُ عَلى حَقِّيَّةِ الحَقِّ المُوجِبَةُ لِلِاتِّباعِ الزّاجِرَةُ عَنِ الإعْراضِ المُؤَدِّي إلى الِاقْتِتالِ.
﴿ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا ﴾ اِسْتِدْراكُ مَنِ الشَّرْطِيَّةِ أُشِيرُ بِهِ إلى قِياسٍ اِسْتِثْنائِيٍّ مُؤَلَّفٍ مِن وضْعٍ نَقِيضٍ مُقَدَّمُها مُنْتِجٌ لِنَقِيضِ تالِيها إلّا أنَّهُ قَدْ وُضِعَ فِيهِ الِاخْتِلافُ مَوْضِعَ نَقِيضِ المُقَدَّمِ المُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ لِلْإيذانِ بِأنَّ الِاقْتِتالَ ناشِئٌ مِن قِبَلِهِمْ وسُوءِ اِخْتِيارِهِمْ لا مِن جِهَتِهِ تَعالى اِبْتِداءً كَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ لَمْ يَشَأْ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ لِأنَّهُمُ اِخْتَلَفُوا اِخْتِلافًا فاحِشًا.
﴿ فَمِنهم مَن آمَنَ ﴾ أيْ بِما جاءَتْ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ وثَبَتَ عَلى إيمانِهِ وعَمِلَ بِمُوجِبِهِ، وهَذا بَيانٌ لِلِاخْتِلافِ فَلا مَحَلَّ لِلْجُمْلَةِ مِنَ الإعْرابِ ﴿ ومِنهم مَن كَفَرَ ﴾ بِذَلِكَ كُفْرًا لا اِرْعِواءَ لَهُ عَنْهُ فاقْتَضَتِ الحِكْمَةُ عَدَمَ مَشِيئَتِهِ لِعَدَمِ اِقْتِتالِهِمْ فاقْتَتَلُوا بِمُوجِبِ ما اِقْتَضَتْهُ أحْوالُهم.
﴿ ولَوْ شاءَ اللَّهُ ﴾ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ المَرْتَبَةِ أيْضًا مِنَ الِاخْتِلافِ المُسْتَتْبِعِ لِلْقِتالِ عادَةً ﴿ ما اقْتَتَلُوا ﴾ وما رَفَعُوا رَأْسَ التَّطاوُلِ والتَّعادِي لِما أنَّ الكُلَّ بِيَدِ قَهْرِهِ، فالتَّكْرِيرُ لَيْسَ لِلتَّأْكِيدِ كَما ظُنَّ بَلْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ اِخْتِلافَهم ذَلِكَ لَيْسَ مُوجِبًا لِعَدَمِ مَشِيئَتِهِ تَعالى لِعَدَمِ اِقْتِتالِهِمْ كَما يُفْهَمُ ذَلِكَ مِن وضْعِهِ في الِاسْتِدْراكِ مَوْضِعَهُ بَلْ هو سُبْحانَهُ مُخْتارٌ في ذَلِكَ حَتّى لَوْ شاءَ بَعْدَ ذَلِكَ عَدَمَ اِقْتِتالِهِمْ ما اِقْتَتَلُوا كَما يُفْصِحُ عَنْهُ الِاسْتِدْراكُ بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ حَسْبَما يُرِيدُ مِن غَيْرِ أنْ يُوجِبَهُ عَلَيْهِ مُوجِبٌ أوْ يَمْنَعَهُ عَنْهُ مانِعٌ كَذا قَرَّرَهُ المَوْلى أبُو السُّعُودِ قُدِّسَ سِرُّهُ وهو مِنَ الحَسَنِ بِمَكانٍ، إلّا أنَّهُ قَدِ اِعْتَرَضَهُ العَلّامَةُ عَبْدُ الباقِي البُغْدادِيُّ في «تَفْسِيرِهِ» بِنَحْوِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في نَظِيرِ هَذا القِياسِ، وذَكَرَ أنَّهُ خِلافُ اِسْتِعْمالِ (لَوْ) عِنْدَ أرْبابِ العَرَبِيَّةِ وأرْبابِ الِاسْتِدْلالِ ولَعَلَّ الجَوابَ عَنْ هَذا هو الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ مَعَ أدْنى تَغْيِيرٍ فَلا تَغْفُلْ، وما ذَكَرَهُ مِن تَوْجِيهِ التَّكْرِيرِ مِمّا تَفَرَّدَ بِهِ فِيما أعْلَمُ، والأكْثَرُونَ عَلى أنَّهُ لِلتَّأْكِيدِ، إلّا أنَّ وراءَهُ سِرًّا خَصَّ مِنهُ كَما ذَكَرَهُ صاحِبُ «اَلِانْتِصافِ» وهو أنَّ العَرَبَ مَتّى بَنَتْ أوَّلَ كَلامِها عَلى مَقْصِدٍ ثُمَّ اِعْتَرَضَها مَقْصِدٌ آخَرُ وأرادَتِ الرُّجُوعَ إلى الأوَّلِ قَصَدَتْ ذِكْرَهُ إمّا بِتِلْكَ العِبارَةِ أوْ بِقَرِيبٍ مِنها، وذَلِكَ عِنْدَهم مَهِيعٌ مِنَ الفَصاحَةِ مَسْلُوكٌ وطَرِيقٌ مُعْتَدٌّ، وفي كِتابِ اللَّهِ تَعالى مَواضِعُ مِن ذَلِكَ مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مَن بَعْدِ إيمانِهِ إلا مَن أُكْرِهَ وقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإيمانِ ولَكِنْ مَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا ﴾ وهَذِهِ الآيَةُ مِن هَذا النَّمَطِ فَإنَّهُ لِما صَدَرَ الكَلامُ بِأنَّ اِقْتِتالَهم كانَ عَلى وفْقِ المَشِيئَةِ ثُمَّ لَمّا طالَ الكَلامُ وأُرِيدَ بَيانُ أنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَعالى كَما نَفَذَتْ في هَذا الأمْرِ الخاصِّ وهو اِقْتِتالُ هَؤُلاءِ فَهي نافِذَةٌ في كُلِّ فِعْلٍ واقِعٍ وهو المُعَبَّرُ عَنْهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ ﴾ طَرَأ ذِكْرُ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ بِالِاقْتِتالِ لِتُلُوِّهِ عُمُومَ تَعَلُّقِ المَشِيئَةِ لِيَتَناسَبَ الكَلامُ ويُقْرَنَ كُلٌّ بِشَكْلِهِ، وهَذا سِرٌّ يَنْشَرِحُ لِبَيانِهِ الصَّدْرُ ويَرْتاحُ (بِهِ) السِّرُّ، ولَعَلَّهُ أحْسَنُ مِنَ القَوْلِ بِأنَّ الأوَّلَ بِلا واسِطَةٍ والثّانِي بِواسِطَةِ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالعَكْسِ، هَذا وفي الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَوادِثَ تابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى خَيْرًا كانَتْ أوْ شَرًّا إيمانًا أوْ كُفْرًا.
<div class="verse-tafsir"
تِلْكَ الرُّسُلُ، الذين أنزلنا عليك خبرهم في القرآن، فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ في الدنيا.
ويقال: التفضيل يكون على ثلاثة أوجه: أحدها أن يكون دلالة نبوته أكثر.
والثاني: أن تكون أمته أكثر.
والثالث: أن يكون بنفسه أفضل.
ثم بيّن تفضيلهم فقال: مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ، مثل موسى- - وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ، يعني إدريس- - كما قال تعالى: وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا [مريم: 57] .
وقال الزجاج: جاء في التفسير أنه أراد محمدا ، لأنه أرسله إلى الناس كافة.
وليس شيء من الآيات التي أعطاها الله الأنبياء- عليهم السلام- إلا والذي أعطى محمدا أكثر، لأنه قد كلمته الشجرة، وأطعم من كف من التمر خلقاً كثيراً، وأمرَّ يده على شاة أم معبد فدرت لبناً كثيراً بعد الجفاف، ومنها انشقاق القمر فذلك قوله: وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [الزخرف: 32] ، يعني محمدا .
وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ، يعني العجائب والدلائل وهو: أن يحيي الموتى بإذنه، ويبرئ الأكمه والأبرص وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ، يعني أعناه بجبريل حين أرادوا قتله.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ التي أتاهم بها موسى وعيسى- عليهما السلام- وقال الزجاج: يحتمل وجهين: ولو شاء الله ما أمر بالقتال بعد وضوح الحجة ويحتمل ولو شاء الله اضطرهم إلى أن يكونوا مؤمنين، كما قال تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الأنعام: 35] ولكن اختلفوا في الدين فصاروا فريقين فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ بالكتاب والرسل.
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وجعلهم على أمر واحد.
وَلكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ، أي يعصم من يشاء من الاختلاف، ويخذل من يشاء فلا مرد لأمره، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
<div class="verse-tafsir"
قوله سبحانه: تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ...
الآية: «تِلْكَ» : رفْعٌ بِالابتداءِ، والرسُل: خبره، ويجوز أنْ يكُونَ «الرُّسُلُ» عطْفَ بيانٍ، و «فَضَّلْنَا» : الخبَر، و «تِلْكَ» : إِشارة إِلى جماعة، ونصَّ اللَّه سبحانه في هذه الآية على تفضيل بعْض النَّبيِّين على بعضٍ من غير تعْيين.
وقوله تعالى: وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ:
قال مجاهد وغيره: هي إِشارة إلى نبيِّنا محمَّد صلّى الله عليه وسلم لأنه بعث إِلى الناس كافَّة، وأعطي الخُمُسَ الَّتي لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قبله، وهو أعْظَمُ النَّاس أمَّةً، وختم اللَّه به النبوَّات «١» إِلى غير ذلك ممَّا أعطاه من الخُلُقِ العظيمِ، ومِنْ معجزاتِهِ، وباهرِ آياته، ويَحْتَمِلُ اللفْظُ أن يراد به نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلم وغيره ممَّن عظُمَتْ آياته، وبيِّناتُ عيسى- عليه السلام- إِحياءُ الموتى، وإِبراء الأكْمَه، والأبْرَص، وخَلْق الطَّيْر من الطِّين، ورُوحُ القُدُسِ جبريلُ- عليه ٦٤ أالسلام- وقد تقدَّم/ ما قال العلماءُ فيه.
وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ...
الآية: معنى الآيةِ: ولو شاء اللَّه ما اقتتل النَّاس بعد كُلِّ نبيٍّ، فمنهم مَنْ آمَنَ، ومِنْهُمْ مَنْ كفر بغياً وحَسَداً، وعلى حُطَامِ الدنيا، وذلك كلُّه بقضاء، وقَدَرٍ، وإِرادةٍ من اللَّه سبحانه، ولو شاء اللَّه خلافَ ذلك، لكان، ولكنَّه المستأْثِرُ بسرِّ الحكمة في ذلك، وهو الفَعَّال لما يريد سبحانه.
ص: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ، قيل: في الكلام حذْفٌ، أي: فاختلف أممهم، فاقتتلوا، ولو شاء اللَّهُ، فمفعولُ «شَاءَ» محذوفٌ، أي: «أَلاَّ يَقْتَتِلُوا» انتهى.
وقوله: مَا اقْتَتَلُوا، أي: بأنْ قاتل المؤمنُونَ الكافرينَ على مَرِّ الدهر، وذلك هو
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِنهم مَن كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ يَعْنِي: مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو نَهِيكٍ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: "مِنهم مَن كالَمَ اللَّهَ" بِألِفٍ خَفِيفَةِ اللّامِ، ونَصْبِ اسْمِ "اللَّهِ" وفي المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: عَنى بِالمَرْفُوعِ دَرَجاتٍ، مُحَمَّدًا ، فَإنَّهُ بُعِثَ إلى النّاسِ كافَّةً، وغَيْرُهُ بُعِثَ إلى أُمَّتِهِ خاصَّةً، هَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
والثّانِي: أنَّهُ عَنى تَفْضِيلَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ فِيما آَتاهُ اللَّهُ، هَذا قَوْلُ مُقاتِلٍ.
قالَ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ: والدَّرَجاتُ: جَمْعُ دَرَجَةٍ، وهي المَرْتَبَةُ، وأصْلُ ذَلِكَ: مَراقِي السُّلَّمِ ودَرَجُهُ، ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ في ارْتِفاعِ المَنازِلِ والمَراتِبِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ "البَيِّناتِ" و"رُوحُ القُدُسِ" .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ ﴾ أيْ: مِن بَعْدِ الأنْبِياءِ.
وقالَ قَتادَةُ: مِن بَعْدِ مُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
قالَ مُقاتِلٌ: وكانَ بَيْنَهُما ألْفُ نَبِيٍّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا ﴾ يَعْنِي: الأُمَمَ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تِلْكَ الرُسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ مِنهم مَن كَلَّمَ اللهُ ورَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ "تِلْكَ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ "والرُسُلُ" خَبَرُهُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "الرُسُلُ" عَطْفَ بَيانٍ و"فَضَّلْنا" الخَبَرَ، و"تِلْكَ" إشارَةٌ إلى جَماعَةٍ مُؤَنَّثَةِ اللَفْظِ.
ونَصَّ اللهُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى تَفْضِيلِ بَعْضِ الأنْبِياءِ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ في الجُمْلَةِ دُونَ تَعْيِينِ مَفْضُولٍ، وهَكَذا هي الأحادِيثُ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، فَإنَّهُ قالَ: « "أنا سَيِّدُ ولَدِ آدَمَ"،» وقالَ: "لا تُفَضِّلُونِي عَلى مُوسى".
وقالَ: « "لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَقُولَ: أنا خَيْرٌ مِن يُونُسَ بْنِ مَتّى"»، وفي هَذا نَهْيٌ شَدِيدٌ عن تَعْيِينِ المَفْضُولِ- لِأنَّ يُونُسَ عَلَيْهِ السَلامُ كانَ شابًّا، وتَفَسَّخَ تَحْتَ أعْباءِ النُبُوَّةِ، فَإذا كانَ هَذا التَوْقِيفُ فِيهِ لِمُحَمَّدٍ فَغَيْرُهُ أحْرى، فَرَبْطُ البابِ أنَّ التَفْضِيلَ فِيهِمْ عَلى غَيْرِ تَعْيِينِ المَفْضُولِ- وقَدْ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: خَيْرُ ولَدِ آدَمَ نُوحٌ وإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى ومُحَمَّدٌ وهم أُولُو العَزْمِ - والمُكَلَّمُ مُوسى ، وقَدْ «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ عن آدَمَ - أنَبِيٌّ مُرْسَلٌ هُوَ؟
فَقالَ: "نَعَمْ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ"»، وقَدْ تَأوَّلَ بَعْضُ الناسِ أنَّ تَكْلِيمَ آدَمَ كانَ في الجَنَّةِ، فَعَلى هَذا تَبْقى خاصَّةَ مُوسى.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ، وغَيْرُهُ: هي إشارَةٌ إلى مُحَمَّدٍ ، لِأنَّهُ بُعِثَ إلى الناسِ كافَّةً، وأُعْطِيَ الخَمْسَ الَّتِي لَمْ يُعْطَها أحَدٌ قَبْلَهُ، وهو أعْظَمُ الناسِ أُمَّةً، وخَتَمَ اللهُ بِهِ النُبُوّاتِ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الخُلُقِ العَظِيمِ الَّذِي أعْطاهُ اللهُ، ومِن مُعْجِزاتِهِ، وباهِرِ آياتهِ، ويَحْتَمِلُ اللَفْظُ أنْ يُرادَ بِهِ مُحَمَّدٌ وغَيْرُهُ مِمَّنْ عَظُمَتْ آياتهُ، ويَكُونَ الكَلامُ تَأْكِيدًا لِلْأوَّلِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ رَفْعَ إدْرِيسَ المَكانَ العَلِيَّ، ومَراتِبَ الأنْبِياءِ في السَماءِ فَتَكُونَ الدَرَجاتُ في المَسافَةِ، ويَبْقى التَفْضِيلُ مَذْكُورًا في صَدْرِ الآيَةِ فَقَطْ.
وبَيِّناتُ عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ: هي إحْياءُ المَوْتى، وإبْراءُ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وخَلْقُ الطَيْرِ مِنَ الطِينِ.
ورُوحُ القُدُسِ: جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ، وقَدْ تَقَدَّمَ ما قالَ العُلَماءُ فِيهِ.
*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنهم مِن آمَنَ ومِنهم مِن كَفَرَ ولَوْ شاءَ اللهُ ما اقْتَتَلُوا ولَكِنِ اللهُ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ.
﴾ ظاهِرُ اللَفْظِ في قَوْلِهِ: "مِن بَعْدِهِمْ"، يُعْطِي أنَّهُ أرادَ القَوْمَ الَّذِينَ جاؤُوا مِن بَعْدِ جَمِيعِ الرُسُلِ، ولَيْسَ كَذَلِكَ المَعْنى بَلِ المُرادُ ما اقْتَتَلَ الناسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ، فَلَفَّ الكَلامَ لَفًّا، يَفْهَمُهُ السامِعُ وهَذا كَما تَقُولُ: اشْتَرَيْتُ خَيْلًا ثُمَّ بِعْتُها، فَجائِزَةٌ لَكَ هَذِهِ العِبارَةُ، وأنْتَ إنَّما اشْتَرَيْتَ فَرَسًا ثُمَّ بِعْتَهُ، ثُمَّ آخَرَ وبِعْتَهُ، ثُمَّ آخَرَ وبِعْتَهُ، وكَذَلِكَ هَذِهِ النَوازِلُ إنَّما اخْتَلَفَ الناسُ بَعْدَ كُلِّ نَبِيٍّ.
فَمِنهم مَن آمَنَ، ومِنهم مَن كَفَرَ بَغْيًا وحَسَدًا عَلى حُطامِ الدُنْيا، وذَلِكَ كُلُّهُ بِقَضاءٍ وقَدَرٍ، وإرادَةٍ مِنَ اللهِ تَعالى.
ولَوْ شاءَ خِلافَ ذَلِكَ لَكانَ ولَكِنَّهُ المُسْتَأْثِرُ بِسِرِّ الحِكْمَةِ في ذَلِكَ، الفَعّالُ لِما يُرِيدُ، فاقْتَتَلُوا بِأنْ قاتَلَ المُؤْمِنُونَ الكافِرِينَ عَلى مَرِّ الدَهْرِ، وذَلِكَ هو دَفْعُ اللهِ الناسَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ.
<div class="verse-tafsir"
موقع هذه الآية موقع الفذلكة لما قبلها والمقدمة لما بعدها.
فأما الأول فإنّ الله تعالى لما أنبأ باختبار الرسل إبراهيم وموسى وعيسى وما عرض لهم مع أقوامهم وختم ذلك بقوله: تلك ءايت اللَّه نتلوها عليك بالحق ﴿ تِلْكَ الرسل فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ درجات وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات وأيدناه بِرُوحِ القدس ﴾ [البقرة: 252].
جمع ذلك كلّه في قوله: ﴿ تلك الرسل ﴾ لَفْتاً إلى العبر التي في خلال ذلك كلّه.
ولما أنهى ذلك كلّه عَقَّبه بقوله: ﴿ وإنّك لمن المرسلين ﴾ [البقرة: 252] تذكيراً بأنّ إعلامه بأخبار الأمم والرسل آية على صدق رسالته.
إذ ما كان لمثله قِبَلٌ بعلم ذلك لولا وحي الله إليه.
وفي هذا كلّه حجة على المشركين وعلى أهل الكتاب الذين جحدوا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فموقع اسم الإشارة مثل موقعه في قول النابغة: بني عمه دنيا وعمِرو بن عامر *** أولئك قومٌ بأسهم غير كاذب والإشارة إلى جماعة المرسلين في قوله: ﴿ وإنّك لمن المرسلين ﴾ .
وجيء بالإشارة لما فيها من الدلالة على الاستحضار حتى كأنّ جماعة الرسل حاضرة للسامع بعد ما مرّ من ذكر عجيب أحوال بعضهم وما أعقبه من ذكرهم على سبيل الإجمال.
وأما الثاني فلأنّه لما أفيض القول في القتال وفي الحثّ على الجهاد والاعتبار بقتال الأمم الماضية عقب ذلك بأنّه لو شاء الله ما اختلف الناس في أمر الدين من بعد ما جاءتهم البيّنات ولكنّهم أساؤوا الفهم فجحدوا البيّنات فأفضى بهم سود فهمهم إلى اشتطاط الخلاف بينهم حتى أفضى إلى الاقتتال.
فموقع اسم الإشارة على هذا الاعتبار كموقع ضمير الشأن، أي هي قصة الرسل وأممهم، فضّلنا بعض الرسل على بعض فحسدت بعض الأمم أتباع بعض الرسل فكذّب اليهود عيسى ومحمداً عليهما الصلاة والسلام وكذب النصارى محمداً صلى الله عليه وسلم وقرن اسم الإشارة بكاف البعد تنويهاً بمراتبهم كقوله: ﴿ ذلك الكتاب ﴾ [البقرة: 2].
واسم الإشارة مبتدأ والرسل خبر، وليس الرسل بدلاً لأنّ الإخبار عن الجماعة بأنّها الرسل أوقع في استحضار الجماعة العجيب شأنهم الباهر خبرهم، وجملة «فضّلنا» حال.
والمقصود من هذه الآية تمجيد سمعة الرسل عليهم السلام، وتعليم المسلمين أنّ هاته الفئة الطيّبة مع عظيم شأنها قد فضّل الله بعضها على بعض، وأسباب التفضيل لا يعلمها إلاّ الله تعالى، غير أنّها ترجع إلى ما جرى على أيديهم من الخيرات المُصلِحة للبشر ومن نصر الحق، وما لقوه من الأذى في سبيل ذلك، وما أيَّدُوا به من الشرائع العظيمة المتفاوتة في هدى البشر، وفي عموم ذلك الهديِ ودوامهِ، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: " لأنْ يهدي الله بك رجلاً خير لك ممّا طلعت عليه الشمس " فما بالك بمن هدى الله بهم أمماً في أزمان متعاقبة، ومن أجل ذلك كان محمد صلى الله عليه وسلم أفضل الرّسل.
ويتضمن الكلام ثناء عليهم وتسلية للرسول عليه السلام فيما لقي من قومه.
وقد خصّ الله من جملة الرسل بعضاً بصفات يتعيّن بها المقصود منهم، أو بذكر اسمه، فذكر ثلاثةً إذ قال: منهم من كلَّم اللَّهُ، وهذا موسى عليه السلام لاشتهاره بهذه الخصلة العظيمة في القرآن، وذَكَر عيسى عليه السلام، ووسط بينهما الإيماءَ إلى محمد صلى الله عليه وسلم بوصفه، بقوله: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ .
وقوله: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ يتعيّن أن يكون المراد من البعض هنا واحداً من الرسل معيّناً لا طائفة، وتكون الدرجات مراتبَ من الفضيلة ثابتة لذلك الواحد: لأنّه لو كان المراد من البعض جماعة من الرسل مُجملاً، ومن الدرجات درجات بينهم لصار الكلام تكراراً مع قوله فضّلنا بعضهم على بعض، ولأنّه لو أريد بعضٌ فُضِّل على بعض لقال، ورفع بعضهم فوق بعض درجات كما قال في الآية الأخرى: ﴿ ورفع بعضكم فوق بعض درجات ﴾ [الأنعام: 165].
وعليه فالعدول من التصريح بالاسم أو بالوصف المشهور به لقصد دفع الاحتشام عن المبلِّغ الذي هو المقصود من هذا الوصف وهو محمد صلى الله عليه وسلم والعرب تعبّر بالبعض عن النفس كما في قول لبيد: تَرّاكُ أمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أرْضَها *** أوْ يعْتَلِقْ بعضَ النّفوسسِ حِمَامُها أراد نفسه، وعن المخاطب كقولي أبي الطيّب: إذا كان بعضُ النّاس سيفاً لِدَوْلَةٍ *** ففي النّاسسِ بُوقات لها وطُبُول والذي يعيِّن المراد في هذا كلّه هو القرينة كانطباق الخبر أو الوصف على واحد كقول طرفة: إذا القَوْم قالوا مَنْ فتًى خِلْتُ أنّني *** عُنِيْتُ فلم أكسل ولم أتَبَلَّدِ وقد جاء على نحو هذه الآية قوله تعالى: ﴿ وما أرسلناك عليهم وكيلاً وربّك أعلم بمن في السموات والأرض ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض ﴾ [الإسراء: 54، 55] عَقب قوله: ﴿ وإذا قرآتَ القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستورا ﴾ إلى أن قال ﴿ وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن ﴾ إلى قوله ﴿ ولقد فضّلنا بعض النبيين على بعض ﴾ [الإسراء: 45، 55].
وهذا إعلام بأن بعض الرسل أفضل من بعض على وجه الإجمال وعدممِ تعيين الفاضل من المفضول: ذلك أنّ كل فريق اشتركوا في صفةِ خيرٍ لا يخلُونَ من أن يكون بعضهم أفضل من بعض بما للبعض من صفات كمال زائدة على الصفة المشتركة بينهم، وفي تمييز صفات التفاضل غموض، وتطرق لتوقّع الخطإ وعروض، وليس ذلك بسهللٍ على العقول المعرّضة للغفلة والخطإ.
فإذا كان التفضيل قد أنبأ به ربّ الجميع، ومَنْ إليه التفضيل، فليس من قدْر النّاس أن يتصدّوا لوضع الرسل في مراتبهم، وحسبهم الوقوف عندما ينبئهم الله في كتابه أو على لسان رسوله.
وهذا مورد الحديث الصحيح «لا تُفضّلوا بين الأنبياء» يعني به النهى عن التفضيل التفصيلي، بخلاف التفضيل على سبيل الإجمال، كما نقول: الرسل أفضل من الأنبياء الذين ليسوا رسلاً.
وقد ثبت أنّ محمداً صلى الله عليه وسلم أفضل الرّسل لما تظاهر من آيات تفضيله وتفضيل الدين الذي جاء به وتفضيل الكتاب الذي أنزل عليه.
وهي متقارنة الدلالة تنصيصاً وظهوراً.
إلاّ أنّ كثرتها تحصل اليقين بمجموع معانيها عملاً بقاعدة كثرة الظواهر تفيد القطع.
وأعظمها آية ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لَمَا آتيناكم من كتاب وحكمةٍ ثم جاءكم رسول مصدّق لما معكم لتؤمنُنّ به ولتنصُرنَّه ﴾ [آل عمران: 81] الآية.
وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم «لا يقولَنّ أحَدُكُم أنا خير من يونس بن مَتَّى» يعني بقوله: «أنا» نفسه على أرجح الاحتمالين، وقوله: «لا تُفَضِّلوني على مُوسَى» فذلك صدر قبل أن يُنبئَه اللَّهُ بأنّه أفضل الخلق عنده.
وهذه الدرجات كثيرة عرَفْنَا منها: عمومَ الرسالة لكافة الناس، ودوامَها طُولَ الدهر، وختمها للرسالات، والتأييد بالمعجزة العظيمة التي لا تلتبس بالسحر والشعْوذة، وبدوام تلك المعجزة، وإمكان أن يشاهدها كل من يؤهّل نفسه لإدراك الإعجاز، وبابتناء شريعته على رعي المصالح ودرء المفاسد والبلوغ بالنفوس إلى أوج الكمال، وبتيسير إدانة معانديه له، وتمليكه أرضهم وديارَهم وأموالَهم في زمن قصير، وبجعل نقل معجزته متواتراً لا يجهلها إلاّ مُكابر، وبمشاهدة أمته لقبره الشريف، وإمكان اقترابهم منه وائتناسهم به صلى الله عليه وسلم وقد عطف ما دل على نبيئنا على ما دل على موسى عليهما السلام لشدة الشبه بين شريعَتَيْهما، لأنّ شريعة موسى عليه السلام أوسع الشرائع، ممّا قبلها، بخلاف شريعة عيسى عليه السلام.
وتكليمُ الله موسى هو ما أوحاه إليه بدون واسطةِ جبريل، بأن أسمعه كلاماً أيقن أنّه صادر بتكوين الله، بأن خلق الله أصواتاً من لغة موسى تضمنت أصول الشريعة، وسيجيء بيان ذلك عند قوله تعالى: ﴿ وكلَّم الله موسى تكليماً ﴾ [النساء: 164] في سورة النساء.
وقوله: ﴿ وأتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ﴾ البينات هي المعجزات الظاهرة البيّنة، وروح القدس هو جبريل، فإنّ الروح هنا بمعنى المَلَك الخاص كقوله: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها ﴾ [القدر: 4].
والقُدُس بضم القاف وبضم الدال عند أهل الحجاز وسكونها عند بني تميمَ بمعنى الخلوص والنزاهة، فإضافة روح إلى القدس من إضافة الموصوف إلى الصفة، ولذلك يقال الروحُ القدس، وقيل القُدُس اسم الله كالقدّوس فإضافة روح إليه إضافة أصلية، أي روح من ملائكةِ الله.
وروح القدس هو جبريل قال تعالى: ﴿ قل نزله روح القدس من ربك بالحق ﴾ [النحل: 102]، وفي الحديث: «إنّ رُوح القدس نفث في رُوعي أنّ نفساً لن تموت حتى تستكمل أجلها» وفي الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لحسان: " اهجُهُم ومَعَك روحُ القدس ".
وإنّما وصف عيسى بهذين مع أنّ سائر الرسل أيّدوا بالبيّنات وبروح القدس، للرد على اليهود الذين أنكروا رسالته ومعجزاته، وللرد على النصارى الذين غلَوْا فزعموا ألوهيته، ولأجل هذا ذكر معه اسم أمه مهما ذكر للتنبيه على أنّ ابن الإنسان لا يكون إلهاً، وعلى أنّ مريم أمة الله تعالى لا صاحبة لأنّ العرب لا تذكر أسماء نسائِها وإنّما تكنى، فيقولون ربّة البيت، والأهل، ونحو ذلك ولا يذكرون أسماء النساء إلا في الغزل، أو أسماء الإماء.
﴿ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتل الذين مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ البينات ولكن اختلفوا فَمِنْهُمْ مَّنْ ءَامَنَ وَمِنْهُم مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ولكن الله يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ .
اعتراض بين الفذلكة المستفادة من جملة تلك الرسل إلى آخرها وبين الجملة ﴿ يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ [البقرة: 254]، فالواو اعتراضية: فإنّ ما جرى من الأمر بالقتال ومن الأمثال التي بَيّنَتْ خصال الشجاعة والجبن وآثارهما، المقصود منه تشريعاً وتمثيلاً قتالُ أهللِ الإيمان لأهللِ الكفر لإعلاءِ كلمة الله ونصر الحق على الباطل وبث الهُدى وإزهاق الضلال.
بيّن اللَّه بهذا الاعتراض حجة الذين يقاتلون في سبيل الله على الذين كفروا: بأن الكافرين هم الظالمون إذ اختلفوا على ما جاءتهم به الرسل، ولو اتّبعوا الحق لسلموا وسالموا.
ثم يجوز أن يكون الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿ من بعدهم ﴾ مراداً به جملة الرسّل أي ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعد أولئك الرسل من الأمم المختلفة في العقائد مثل اقتتال اليهود والنصارى في اليمن في قصة أصحاب الأخدود، ومقاتلة الفلسطينيَّين لبني إسرائيل انتصاراً لأصنامهم، ومقاتلة الحبشة لمشركي العرب انتصاراً لبيعة القليس التي بناها الحبشة في اليَمن، والأمم الذين كانوا في زمن الإسلام وناوَوْه وقاتلوا المسلمين أهلَه، وهم المشركون الذين يزعمون أنّهم على ملة إبراهيم واليهودُ والنصارى، ويكون المراد بالبيّنات دلائللِ صدق محمد صلى الله عليه وسلم فتكون الآية بإنحاء على الذين عاندوا النبي وناووا المسلمين وقاتلوهم، وتكون الآية على هذا ظاهرة التفرّع على قوله: ﴿ وقاتلوا في سبيل الله واعلموا ﴾ [البقرة: 244] إلخ.
ويجوز أن يكون ضمير «مِنْ بعدهم» ضميرَ الرسل على إرادة التوزيع، أي الذين من بعد كل رسول من الرسل، فيكون مفيداً أنّ أمة كل رسول من الرسل اختلفوا واقتتلوا اختلافاً واقتتالاً نشَآ من تكفير بعضهم بعضاً كما وقع لبني إسرائيل في عصور كثيرة بلغت فيها طوائف منهم في الخروج من الدِّين إلى حد عبادة الأوثان، وكما وقع للنصارى في عصور بلغ فيها اختلافهم إلى حد أن كفَّر بعضهم بعضاً، فتقاتلت اليهود غير مرة قتالاً جرى بين مملكة يهوذا ومملكة إسرائيل، وتقاتلت النصارى كذلك من جرّاء الخلاف بين اليعاقبة والمَلَكية قبل الإسلام، وأشهر مقاتلات النصارى الحروب العظيمة التي نشأت في القرن السادس عشر من التاريخ المسيحي بين أشياع الكاثوليك وبين أشياع مذهب لوثير الراهب الجرماني الذي دعا الناس إلى إصلاح المسيحية واعتبار أتباع الكنيسة الكاثوليكية كفّاراً لادّعائهم ألوهية المسيح، فعظمت بذلك حروب بين فرَانسا وأسبانيا وجرمانيا وإنكلترا وغيرها من دول أوروبا.
والمقصود تحذير المسلمين من الوقوع في مثل ما وقع فيه أولئك، وقد حَذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تحذيراً متواتراً بقوله في خطبة حجة الوداع: " فَلاَ ترجعوا بعدي كُفّاراً يضرِبُ بعضُكم رقابَ بعض " يحذّرهم ما يقع من حروب الردَّة وحروب الخوارج بدعوى التكفير، وهذه الوصية من دلائللِ النبوءة العظيمة.
وورد في «الصحيح» قوله: " إذا التقَى المسلمان بسيْفَيْهِما فالقاتلُ والمقتولُ في النار " قيل يا رسول الله هذا القاتلُ، فما بالُ المقتول، قال: " أمَا إنَّه كان حريصاً على قتل أخيه " وذلك يفسّر بعضه بعضاً أنّه القتالَ على اختلاف العقيدة.
والمراد بالبينات على هذا الاحتمال أدلة الشريعة الواضحة التي تفرق بين متبع الشريعة ومعاندها والتي لا تقْبل خطأ الفهم والتأويل لو لم يكن دأبهم المكابرة ودحض الدين لأجل عَرض الدنيا، والمعنى أن الله شاء اقتتالهم فاقتتلوا، وشاء اختلافهم فاختلفوا، والمشيئة هنا مشيئة تكوين وتقديرِ لا مشيئة الرضا لأن الكلام مسوق مساق التمني للجواب والتحسير على امتناعه وانتفائه المفاد بلَوْ كقول طرفة: فلو شاء ربي كنتُ قيس بن خالد *** ولو شاء ربي كنتُ عَمْرو بن مرثد وقوله: ﴿ ولمن اختلفوا ﴾ استدراك على ما تضمنه جواب لو شاء الله: وهو ما اقتتل، لكن ذكر في الاستدراك لازم الضد لِجواب لوْ وهو الاختلاف لأنهم لما اختلفوا اقتتلوا ولو لم يختلفوا لَمَا اقتتلوا.
وإنما جيء بلازم الضد في الاستدراك للإيماء إلى سبب الاقتتال ليظهر أن معنى نفي مشيئة الله تَرْكَهم الاقتتال، هو أنه خلَق داعية الاختلاف فيهم، فبتلك الداعية اختلفوا، فجرهم الخلاف إلى أقصاه وهو الخلاف في العقيدة، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فاقتتلوا لأن لزوم الاقتتال لهذه الحالة أمر عرفي شائع، فإن كان المراد اختلاف أمة الرسول الواحد فالإيمان والكفر في الآية عبارة عن خطإ أهل الدين فيه إلى الحد الذي يفضي ببعضهم إلى الكفر به، وإن كان المراد اختلاف أمممِ الرسل كللٍ للأخرى كما في قوله: ﴿ وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ﴾ [البقرة: 113]، فالإيمان والكفر في الآية ظاهر، أي فمنهم من آمن بالرسول الخاتم فاتّبعه ومنهم من كفر به فعاداه، فاقتتل الفريقان.
وأياما كان المراد من الوجهين فإن قوله: ﴿ فمنهم من آمن ومنهم من كفر ﴾ ينادي على أن الاختلاف الذي لا يبلغ بالمختلفين إلى كفر بعضهم بما آمن به الآخر لا يبلغ بالمختلفين إلى التقاتل، لأن فيما أقام الله لهم من بينات الشرع ما فيه كفاية الفصل بين المختلفين في اختلافهم إذا لم تغلب عليهم المكابرة والهوى أو لم يُعْمِهم سوء الفهم وقلة الهدى.
لا جرم أن الله تعالى جعل في خلقة العقول اختلاف الميول والأفهام، وجعل في تفاوت الذكاء وأصالة الرأي أسباباً لاختلاف قواعد العلوم والمذاهب، فأسباب الاختلاف إذَنْ مركوزة في الطباع، ولهذَا قال تعالى: ﴿ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ﴾ ثم قال: ﴿ ولكن اختلفوا ﴾ فصار المعنى لو شاء الله ما اختلفوا، لكنّ الخلاف مركوز في الجبلة.
بيد أن الله تَعالى قد جعل أيضاً في العقول أصُولاً ضرورية قطعية أو ظنّية ظناً قريباً من القطع به تستطيع العقول أن تعيِّن الحق من مختلف الآراء، فما صرف الناس عن اتباعه إلا التأويلاتُ البعيدة التي تحمِل عليها المكابرةُ أو كراهيةُ ظهور المغلوبيّة، أو حُب المدحة من الأشياع وأهللِ الأغراض، أو السعي إلى عَرَض عاجل من الدنيا، ولو شاء الله ما غَرز في خلقة النفوس دواعي الميل إلى هاته الخواطر السيئة فما اختلفوا خلافاً يدوم، ولكن اختلفوا هذا الخلافَ فمنهم من آمن، ومنهم من كفر، فلا عذر في القتال إلا لفريقين: مؤمن، وكافر بما آمن به الآخر، لأن الغضب والحمية الناشئين عن الاختلاف في الدين قد كانا سبب قتال منذ قديم، أما الخلاف الناشيء بين أهل دين واحد لم يبلغ إلى التكفير فلا ينبغي أن يكون سبب قتال.
ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم " من قال لأخيه يا كافر فقد باء هو بها " لأنّه إذا نسب أخاه في الدين إلى الكفر فقد أخذ في أسباب التفريق بين المسلمين وتوليد سبب التقاتل، فرجع هو بإثم الكفر لأنّه المتسبب فيما يتسبب على الكفر، ولأنّه إذا كان يرى بعضَ أحوال الإيمان كفراً، فقد صار هو كافراً لأنّه جعل الإيمان كفراً.
وقال عليه الصلاة والسلام: «فلا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض»، فجعل القتال شعار التكفير.
وقد صم المسلمون عن هذه النصيحة الجليلة فاختلفوا خلافاً بلغ بهم إلى التكفير والقتال، وأوّله خلاف الردة في زمن أبي بكر، ثم خلاف الحرورية في زمن عليّ وقد كفَّروا علياً في قبوله تحكيم الحكمي، ثم خلاف أتباع المقنَّع بخراسان الذي ادعى الإلاهية واتخذ وجهاً من ذهب، وظهر سنة 159 وهلك سنة 163، ثم خلاف القرامطة مع بقية المسلمين وفيه شائِبة مِن الخلاف المذهبي لأنّهم في الأصل من الشيعة ثم تطرفوا فكفَروا وادّعوا الحلول أي حلول الرب في المخلوقات واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة وذهبوا به إلى بلدهم في البحرين، وذلك من سنة 293.
واختلف المسلمون أيضاً خلافاً كثيراً في المذاهب جَرّ بهم تارات إلى مقاتلات عظيمة، وأكثرها حروب الخوارج غير المكفِّرين لبقية الأمة في المشرق، ومقاتلات أبي يزيد النكارى الخارجي بالقيروان وغيرها سنة 333، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بالقيروان سنة 407، ومقاتلة الشافعية والحنابلة ببغداد سنة 475، ومقاتلة الشيعة وأهل السنة بها سنة 445، وأعقبتها حوادث شر بينهم متكررة إلى أن اصطلحوا في سنة 502 وزال الشر بينهم، وقتال الباطنية المعروفين بالإسْمَاعِيلية لأهل السنة في سَاوَة وغيرها من سنة 494 إلى سنة 523.
ثم انقلبت إلى مقاتلات سياسية.
ثم انقلبوا أنصاراً للإسلام في الحروب الصليبية، وغير ذلك من المقاتلات الناشئة عن التكفير والتضليل.
لا نذكر غيرها من مقاتلات الدول والأحزاب التي نخرت عظم الإسلام.
وتطرّقت كل جهة منه حتى البلدِ الحرام.
فالآية تنادي على التعجيب والتحذير من فعل الأمم في التقاتل للتخالف حيث لم يبلغوا في أصاله العقول أو في سلامة الطوايا إلى الوسائللِ التي يتفادون بها عن التقاتل، فهم ملومون من هذه الجهة، ومشيرة إلى أنّ الله تعالى لو شاء لخلقهم من قبل على صفة أكمل مما هم عليه حتى يستعدّوا بها إلى الاهتداء إلى الحق وإلى التبصّر في العواقب قبل ذلك الإبّان، فانتفاء المشيئة راجع إلى حكمة الخلقة، واللوم والحسرة راجعان إلى التقصير في امتثال الشريعة، ولذلك قال: ﴿ ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ﴾ فأعاد ﴿ ولو شاء الله ما اقتتلوا ﴾ تأكيداً للأول وتمهيداً لقوله: ﴿ ولكن الله يفعل ما يريد ﴾ ليعلَمَ الواقف على كلام الله تعالى أنّ في هدى الله تعالى مقنعاً لهم لو أرادوا الاهتداء، وأنّ في سعة قدرته تعالى عصمة لهم لو خلقهم على أكملَ من هذا الخَلق كما خلق الملائكةِ.
فالله يخلق ما يشاء ولكنّه يكمل حال الخلق بالإرشاد والهدى، وهم يفرّطون في ذلك.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: في الآخِرَةِ، لِتَفاضُلِهِمْ في الأعْمالِ، وتَحَمُّلِ الأثْقالِ.
والثّانِي: في الدُّنْيا بِأنْ جَعَلَ بَعْضَهم خَلِيلًا، وبَعْضَهم كَلِيمًا، وبَعْضَهم مَلِكًا، وسَخَّرَ لِبَعْضِهِمُ الرِّيحَ والشَّياطِينَ، وأحْيا بِبَعْضِهِمُ المَوْتى، وأبْرَأ الأكْمَهَ، والأبْرَصَ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثالِثًا: بِالشَّرائِعِ، فَمِنهم مَن شَرَّعَ، ومِنهم مَن لَمْ يُشَرِّعْ.
﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهم دَرَجاتٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ أوْحى إلى بَعْضِهِمْ في مَنامِهِ، وأرْسَلَ إلى بَعْضِهِمُ المَلائِكَةَ في يَقَظَتِهِ.
والثّانِي: أنْ بَعَثَ بَعْضَهم إلى قَوْمِهِ، وبَعَثَ بَعْضَهم إلى كافَّةِ النّاسِ.
﴿ وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الحُجَجُ الواضِحَةُ، والبَراهِينُ القاهِرَةُ.
والثّانِي: أنْ خَلَقَهُ مِن غَيْرِ ذَكَرٍ.
﴿ وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: بِجِبْرِيلَ.
والثّانِي: بِأنْ نَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ.
﴿ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ مِن بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ البَيِّناتُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ولَوْ شاءَ اللَّهُ ما أمَرَ بِالقِتالِ بَعْدَ وُضُوحِ الحُجَّةِ.
والثّانِي: ولَوْ شاءَ اللَّهُ لاضْطَرَّهم إلى الإيمانِ، ولَما حَصَلَ فِيهِمْ خِيارٌ.
<div class="verse-tafsir"
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ فضلنا بعضهم على بعض ﴾ قال: اتخذ الله إبراهيم خليلاً، وكلم موسى تكليماً، وجعل عيسى كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وهو عبد الله وكلمته وروحه، وآتى داود زبوراً، وآتى سليمان ملكاً لا ينبغى لأحد من بعده، وغفر لمحمد ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وأخرج آدم بن أبي إياس وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات عن مجاهد في قوله: ﴿ منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات ﴾ قال: كلم الله موسى، وأرسل محمداً إلى الناس كافة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عامر هو الشعبي ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ قال: محمداً صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر والحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أتعجبون؟
الخلة لإِبراهيم، والكلام لموسى، والرؤية لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن المنذر عن الربيع بن المنذر عن الربيع بن خيثم قال: لا أفضل على نبينا أحداً، ولا أفضل على إبراهيم خليل الرحمن أحداً.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ﴾ يقول: من بعد موسى وعيسى.
وأخرج ابن عساكر بسندٍ واهٍ عن ابن عباس قال: كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو بكر، وعمر، وعثمان، ومعاوية، إذ أقبل علي فقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية «أتحب علياً؟قال: نعم.
قال: إنها ستكون بينكم هنيهة.
قال: معاوية: فما بعد ذلك يا رسول الله؟
قال: عفو الله ورضوانه.
قال رضينا بقضاء الله ورضوانه، فعند ذلك نزلت هذه الآية ﴿ ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ الآية.
﴿ تِلْكَ ﴾ ابتداء، وإنما قال: ﴿ تِلْكَ ﴾ ولم يقل: أولئك الرسل؛ لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل: تلك الجماعة.
والرسلُ رفع، لأنها صفة لتلك، وخبر الابتداء: ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ ﴾ (١) والمعنى في ذكر تفضيل بعضهم على بعض زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بينهم في الفضيلة، لاستوائهم في القيام بالرسالة.
وقوله تعالى: ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ أي أراد: كلّمه الله، فحذف الهاء، والهاء تحذف كثيرًا من الصلة (٢) وعنى بقوله: ﴿ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ موسى (٣) وقوله تعالى: ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ قال أبو إسحاق: جاء في التفسير: أنه يعني به محمدًا (٤) ، أُرسل إلى الناس كافةً، وليس شيء من الآيات التي أعطيها الأنبياء إلا والذي أُعطي محمد أكبر (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ قد مضى تفسير هذا فيما تقدم.
والله تعالى أخبر في هذه الآية بتفضيل بعض الأنبياء على بعض ليعرف الناس أنهم ليسوا سواءً في الفضيلة، غير أن النبي نهانا عن الخوض في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، ولا نخالف أمره، فقال في خبر أبي هريرة: "لا تفضلوا بين الأنبياء [[أخرجه البخاري (3414) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: [قول الله: ﴿ وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴾ ]، ولفظه: بين أولياء الله، ومسلم (2373) كتاب: الفضائل، باب: من فضائل موسى، واللفظ له.]] " فيستفاد (٧) (٨) (٩) .
وقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ يعني: من بعد الرسل ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ﴾ أي: من بعد ما وضحت لهم البراهين ﴿ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ ﴾ (ثبت على إيمانه) (١٠) (١١) ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ ، كما قال: ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى ﴾ .
وكرر (١٢) ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد ﴾ فيوفق من يشاء فضلًا، ويخذل من يشاء عدلًا (١٣) (١) ينظر في إعراب الآية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 333، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 328، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 136، لكنه قال: الرسل: عطف بيان، "التبيان" 150، وذكر وجها آخر وهو: أن (الرسل) خبر، و (فضلنا) حال من الرسل.
(٢) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 333 - 334، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 328، "تفسير الثعلبي" 2/ 1401.
(٣) ينظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 334 (٤) في باقي النسخ: محمد.
(٥) (أكبر) ساقطة من (ش).
(٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 334.
(٧) في (ي): (يستفاد).
(٨) في (ي): (ويبتنى الكلام).
(٩) في (م) و (ش): (من).
(١٠) ساقط من (ي).
(١١) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1402.
(١٢) في (ي): (فكرر).
(١٣) "تفسير الثعلبي" 1/ 1403.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تِلْكَ الرسل ﴾ الإشارة إلى جماعتهم ﴿ فَضَّلْنَا ﴾ نص في التفضيل في الجملة من غير تعيين مفضول: كقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تخيروا بين الأنبياء» ، «ولا تفضلوني على يونس بن متى» فإنّ معناه النهي عن تعيين المفضول، لأنه تنقيص له، وذلك غيبة ممنوعة، وقد صرح صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنبياء بقوله: «أنا سيد ولد آدم» لا بفضله على واحد بعينه، فلا تعارض بين الحديثين ﴿ مَّن كَلَّمَ الله ﴾ موسى عليه السلام ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ قيل: هو محمد صلى الله عليه وسلم لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة، وقيل: هو إدريس لقوله: ﴿ ورفعناه مَكَاناً عَلِيّاً ﴾ [مريم: 57] فالرفعة على هذا في المسافة وقيل: هو مطلق في كل من فضله الله منهم ﴿ مِن بَعْدِهِم ﴾ أي من بعد الأنبياء، والمعنى: بعد كل نبيّ لا بعد الجميع ﴿ وَلَوْ شَآءَ الله مَا اقتتلوا ﴾ كرره تأكيداً وليبنى عليه ما بعده.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ لا بيعَ فيه ولا خلة ولا شفاعة ﴾ بالفتح غير منون: أبو عمرو وسهل ويعقوب وابن كثير؛ الباقون: بالرفع والتنوين.
وكذلك في سورة إبراهيم: ﴿ لا بيع فيه ولا خلال ﴾ وكذلك في سورة الطور: ﴿ لا لغو فيها ولا تأثيم ﴾ .
الوقوف: بالحق ط للابتداء، بأن المرسلين 5 على بعض م؛ لأنه لو وصل صار الجار والمجرور صفة لبعض فينصرف بيان تفضيل الرسل إلى بعض، فيكون موسى من هذا البعض المفضَّل عليه غيره لا من البعض المفضَّل على غيره بالتكليم.
درجات ط للعدول، القدس ط، من كفر ط، ما يريد، ولا شفاعة ط، الظالمون 5.
التفسير: ﴿ تلك ﴾ القصص المذكورة من حديث الألوف وإماتتهم ثم إحيائهم، ومن تمليك طالوت وظهور الآية التى هى إتيان التابوت، وغلبة الجبابرة على يد داود وهو صبي فقير؛ ﴿ آيات الله ﴾ الباهرة الدالة على كمال قدرته وحكمته ورحمته؛ ﴿ نتلوها عليك ﴾ بتلاوة جبرائيل وفيه تشريف عظيم لجبرائيل كقوله: ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ ﴿ بالحق ﴾ باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك من غير تفاوت، ولأن في تلاوتها حكمة شريفة وهي اعتبار المكلفين من أمتك ليحتملوا شدائد الجهاد كما/ احتملها الأمم السالفة، ولأنها تدل على نبوّتك من قبل أنها أخبار بالغيب لما فيها من الفصاحة والبلاغة.
ثم أكّد ذلك بقوله: ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة ودراسة، وفيه أيضاً تسلية للنبي فيما يراه من الكفار وأهل النفاق من الخلاف والشقاق كما رآه الرسل قبله، فالمصيبة إذا عمت طابت.
ولمثل هذا كرر فقال: ﴿ تلك الرسل ﴾ أي الذين تعرفهم وأنت من جملتهم ﴿ فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ﴾ فضله الله بأن كلمه الله من غير سفير وهو موسى ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ قيل إن ﴿ درجات ﴾ نصب بنزع الخافض، وقيل رفع لبعضهم كقوله: ﴿ ورفعناه مكاناً علياً ﴾ أي له، وقيل حال من بعضهم أي ذا درجات، وقيل مصدر في موضع الحال، وقيل انتصابه على المصدر لأن الدرجة بمعنى الرفعة فكأنه قال: ورفعنا بعضهم رفعات.
وأيَّد عيسى بروح القدس ومع ذلك قد نالهم من قومهم ما ذكرناه لك بعد مشاهدة المعجزات وأنت رسول مثلهم، فلا تحزن على ما ترى من قومك ولو شاء الله لم يختلف أمم أولئك، ولكن ما قضاه الله فهو كائن وما قدره فهو واقع.
واعلم أن الأمة أجمعت على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وعلى أن محمداً أفضل الكل لوجوه منها قوله : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ ومنها قوله: ﴿ ورفعنا لك ذكرك ﴾ قرن ذكره بذكر محمد في كلمة الشهادة وفي الأذان وفي التشهد، ولم يكن ذلك لسائر الأنبياء؛ ومنها أنه قرن طاعته بطاعته: ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ وبيعته ببيعته ﴿ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ﴾ وعزته بعزته: ﴿ ولله العزة ولرسوله ﴾ ورضاه برضاه ﴿ والله ورسوله أحق أن يرضوه ﴾ وأجابته بإجابته ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ﴾ ومحبته بمحبته: ﴿ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ .
ومنها أن معجزاته أكثر وقد ترتقي إلى ألف من جملتها القرآن، بل القرآن يشتمل على ألفي معجزة وأزيد، لأن التحدي وقع بأقصر سورة هي الكوثر وإنها ثلاث آيات، وكل ثلاث آيات من القرآن تصلح للتحدي فيكون معجزاً برأسه.
ومنها أن معجزته، وهي القرآن، باقية على وجه الدهر ومعجزاتهم قد انقضت وانقرضت مع أن معجزته من جنس ما لا يبقى زمانين وهي الأصوات والحروف ومعجزاتهم من جنس ما يبقى مدة طويلة.
ومنها أنه اجتمع فيه من الخصال الجميلة والخلال المرضية ما كان متفرقاً فيهم وإليه الإشارة بقوله: ﴿ أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ﴾ أي أطلعناك على أحوالهم وسيرهم فاختر أنت منها أجودها وأحسنها، فإنه لا يجوز أن يكون مأموراً/ بالاقتداء بهم في أصول الدين لأنه تقليد، ولا في الفروع فإن شرعه ناسخ الشرائع، فإذن المراد محاسن الأخلاق.
ومنها أنه بعث إلى الخلق كافة وكان يتحمَّل أعباء الرسالة أكثر فيكون ثوابه أزيد.
ومنها أن هذا الدين أفضل وإلا لم ينسخ به سائر الأديان فيكون شارعه أفضل، ومنها أن أُمَّته أفضل: ﴿ كنتم خير أمة أخرجت للناس ﴾ وإذا كان التابع أفضل فالمتبوع أفضل.
ومنها أن أمته أكثر لكونه مبعوثاً إلى الجن والإنس، ولا يخفى أن لكثرة التابعين أثراً قوياً في علو شأن المتبوع.
ومنها أن كل نبيٍّ نودي في القرآن فقد نودي باسمه.
﴿ يا آدم اسكن ﴾ ، ﴿ يا موسى إني أنا الله ﴾ ، ﴿ وناديناه أن يا إبراهيم ﴾ ، ﴿ يا عيسى إني متوفِّيك ﴾ .
وأما النبي فإنه نودي بقوله: ﴿ يا أيها النبي ﴾ وغيرها كثير ﴿ يا أيها الرسول ﴾ ، بل أقسم بحياته، ﴿ لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون ﴾ .
وأما الأحاديث في هذا الباب؛ فعن ابن عباس قال: "جلس ناس من أصحاب رسول الله يتذاكرون وهم ينتظرون خروجه.
قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم فقال بعضهم لبعض: عجباً إن الله تبارك وتعالى اتخذ من خلقه خليلاً واتخذ إبراهيم خليلاً.
وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى كلّمه تكليماً.
وقال آخر: ماذا بأعجب من جَعْل عيسى كلمة الله وروحه.
وقال آخر: ماذا بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم وخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته.
فسلم رسول الله على أصحابه وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو كذلك، وأن موسى نجيّ الله وهو كذلك، وأن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك، وأن آدم اصطفاه الله وهو كذلك.
ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أكرم الأولين والآخرين على الله ولا فخر، وأنا أول شافع وأول شفيع يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول من يحرّك حلق الجنة فيفتح الله لي فيُدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر" .
وفي الصحيحين عن جابر قال: قال رسول الله : " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يُبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحِلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجُعلت لي الأرض طيبة وطهوراً ومسجداً فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونُصرت بالرعب على العدو بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة" وروى البيهقي في كتابه في فضائل الصحابة "ظهر علي بن أبي طالب من البعيد فقال النبي هذا سيد العرب فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟
فقال: أنا سيد العالمين وهو سيد العرب" .
ومما يؤكّد هذه المعاني ما ركز في العقول أن ذخائر كل ملك ينبغي أن تكون على مقدار من تحت تملكه فأمير المدينة يحتاج إلى عدة أكثر من عدة ريئس القرية.
ولما كانت نبوة محمد أعمّ من نبوة سائر الأنبياء فإنه مبعوث إلى الثقلين كافة، فلا جرم أُعطي من كنوز العلم والحكمة وذخائز المعارف والحقائق، ومن جوامع الكلم وبدائع الحكم ومحاسن العادات ومكارم الأخلاق ما لم يؤت نبي قبله ولن يؤتى أحد بعده.
هذا وقد طعن فيه بعض الملحدة بأن معجزات سائر الأنبياء كانت أعظم من معجزاته؛ فآدم جُعل مسجود الملائكة، وإبراهيم ألقي في النار فانقلبت روحاً وريحاناً، وأُوتي موسى العصا واليد البيضاء، وداود لان الحديدُ في يده، وسليمان أُعطي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده وكان الجن والإنس والطير مُسَخرين له، وقد اعترف محمد بفضلهم حتى قال: " "لا تفضلوني على يونس بن متى" .
وقال: " "لا تخيروا بين الأنيباء" " .
وقال "لا ينبغي لأحد أن يكون خيراً من يحيى بن زكريا " وذكر أنه لم يعمل سيئة قط ولم يهم بها.
والجواب أن كون آدم مسجوداً للملائكة لا يوجب كونه أفضل من محمد بدليل قوله : " آدم ومَنْ دونه تحت لوائي يوم القيامة" " وقوله: " كنت نبياً وآدم بين الماء والطين" .
ونُقل أن جبريل أخذ ركاب محمد ليلة المعراج وهذا أعظم من السجود، وأنه يصلي بنفسه على محمد إلى يوم القيامة، وسجود الملائكة لآدم ما كان إلا مرَّة واحدة على أن ذلك السجود أيضاً إنما كان لأجل نور محمد الذي كان في جبهته، وأن أول الفكر آخر العمل ولهذا قال: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك" ومَنْ تأمَّل كتب دلائل النبوة وجد في مقابلة كل معجزة كانت لنبي قبله معجزة أفضل منها لمحمد .
وأما قوله: " "لا تفضلوني...
ولا تخيروا " ، فنوع من التواضع وسلوك طريق الأدب.
وأيضاً التمييز بين الشخصين إنما يمكن بعد الإحاطة بفضائلهما جميعاً وذلك مرتبة لا تليق بكل أحد، فورد النهي عنه حتى لا يؤدي إلى محذور.
والحاصل أن التوفيق بين قوله "لا تفضلوني" وبين ما مرّ من الأحاديث أن كلاً منهما ورد في مقام آخر ولغرض آخر، فحيث رآهم يزدرون بشأنه ويتعجبون من الأنبياء/ السالفة منعهم عن ذلك، وقال: " "أنا أكرم الأولين والآخرين وأنا سيد العالمين" .
وحيث رآهم يزدرون بشأن بعض الأنبياء زجرهم عن ذلك وقال: "لا تفضلوني"؛ على أنه لا يلزم من النهي عن شيء عدم مطابقة ذلك الشيء، للواقع فقد يكون الشيء حقاً في الواقع وينهى عن الاشتغال به لكونه غير مهم بالنسبة إلى المكلف، فالمراد بهذا الأمر: لا تشتغلوا بتفضيلي فإنه لا يهمّكم، وإنما المهم لكم أن تعرفوا حقية جميع الأنبياء وتؤمنوا بهم.
ولنرجع إلى ما كنا فيه فقوله: ﴿ من كلم الله ﴾ التقدير: من كلمه، فحذف العائد وقرىء كلم الله بالنصب وليس بقوي؛ فإن كلّ مصلٍّ فإنه يكلم الله قال " المصلي يناجي ربه" .
وإنما الشرف في أن يكلمه الله قال الأشعري: المسموع هو الكلام القديم الأزلي ولا يستبعد سماع ما ليس بحرف ولا صوت، كما لا يمتنع رؤية ما ليس بمكيف ولا في جهة.
وقالت المعتزلة: سماع ما ليس بحرف ولا صوت محال.
واتفقوا على أن موسى قد كلمه الله واختُلف في أن محمداً ليلة المعراج هل كلمه الله أم لا؛ منهم مَنْ قال نعم بدليل قوله: ﴿ فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ وأورد ههنا أن التكليم لا يدل على فضل ومنقبة، فقد كلم الله إبليس حيث قال: ﴿ أنظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين ﴾ الآيات، وأجيب بأن قصة إبليس ليس فيها ما يدل على أنه كلّمة من غير واسطة، فلعلّ الواسطة كانت موجودة، قلت: هذا خلاف الظاهر والحق أن المكالمة قسمان: مكالمة الرضا وهي الموجبة للتشريف كمكالمة موسى، ومكالمة الغضب وهي الموجبة للعن كما في حق إبليس: ﴿ وأن عليك اللعنة إلى يوم الدين ﴾ وكما في أهل النار: ﴿ اخسئوا فيها ولا تكلمون ﴾ \[المؤمنون: 108\].
أما قوله: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ فقيل: المراد بيان أن الرسل مراتبهم متفاوتة فاتخذ إبراهيم خليلاً، وأعطى داود الملك والنبوة، وسخر لسليمان الجن والإنس والطير والريح.
وخصّ يحيى بالعفة والطهارة وعدم الحاجة إلى النسوان، وخصّ محمداً بالبعث إلى الثقلين وكونه خاتم النبيين إلى سائر خصائصه.
هذا إذا حملنا الدرجات على المناصب والمراتب.
أما إذا حملناها على المعجزات ففيه أيضاً وجه؛ وذلك أن كل واحد من الأنبياء أوتي نوعاً آخر من المعجزة لائقاً بزمانه؛ فمعجزات موسى من قلب العصا حية ومن اليد البيضاء وفلق البحر كانت شبيهة بما عليه أهل زمانه من السحر، ومعجزات عيسى/ من إبراء الأكمه والأبرص تناسب للطب لأن كل ذلك غالب على قومه، ومعجزة محمد وهي القرآن تضاهي ما عليه الناس وقتئذٍ من الفصاحة والبلاغة وإنشاء الخطب وقرض الشعر.
وبالجملة فالمعجزات متفاوتة بالقلة والكثرة، وبالبقاء وعدم البقاء، وبالقوة وعدم القوة.
وفيه وجه ثالث وهو أن يكون المراد بتفاوت الدرجات يتعلق بالدنيا وهو كثرة الأُمة والصحابة وقوة الدولة.
وإذا تأملت الوجوه الثلاثة علمت أنّ محمداً كان مستجمعاً للكل؛ فمنصبه أعلى، ومعجزته أقوى وأبقى، وقومه أكثر، ودولته أعظم وأوفر، وقيل: المراد بهذه الآية محمد لأنه هو المفضَّل على الكل.
وإنما قال: ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ على سبيل التنبيه والرمز كمن فعل عظيماً فيقال له: من فعل هذا؟
فيقول: أحدكم أو بعضكم، ويريد به نفسه، ويكون ذلك أفخم من التصريح به.
وسئل الحطيئة عن أشعر الناس فذكر زهيراً والنابغة ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد نفسه.
ولو قال: ولو شئت لذكرت نفسي، لم يبق فيه فخامة.
وليس قوله ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ تكراراً لقوله ﴿ فضلنا بعضهم على بعض ﴾ لأن المفهوم من قوله ﴿ فضلنا ﴾ هو وجود نفس الفضل.
والمفهوم من قوله ﴿ ورفع بعضهم درجات ﴾ هوالتفاوت بالدرجات الكثيرة.
﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ﴾ قد سبق تفسيره، وإنما عدل عن الغيبة إلى الحكاية لأن الضمير في قوله ﴿ وآتينا ﴾ للتعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء، وأما قوله ﴿ كلم الله ﴾ فأهيب من قوله ﴿ كلمنا ﴾ فلهذا اختير الغيبة.
وسبب تخصيص موسى وعيسى بالذكر هو أن أمتهما موجودون حاضرون، فنبَّه على أن هذين الرسولين مع علو درجتهما وتبيُّن معجزاتهما، لم يحصل الانقياد من أمتهما لهما بل نازعوا وخالفوا، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا ثم إن الرسل بعد مجيء البينات ووضوح الدلائل اختلف أقوامهم فمنهم مَنْ آمن ومنهم مَنْ كفر، وبسبب ذلك الاختلاف تقاتلوا وتحاربوا، فلهذا قال : ﴿ ولو شاء الله ﴾ أي أن لا يقتتلوا ما اقتتل الذين من بعدهم لاختلافهم في الدين وتكفير بعضهم بعضاً ولكن اختلفوا فمنهم من آمن لالتزامه دين الأنبياء، ومنهم من كفر بإعراضه عنه ولو شاء الله ما اقتتلوا.
كرر الكلام تكذيباً لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، ولكن الله يفعل ما يريد.
وفي الآية دلالة على صحة مسألة خلق الأعمال، ومسألة إرادة الكائنات، وأن الكل بقضاء الله وقدره، لأن الدواعي تستند لا محالة إلى داعية يخلقها الله عز وجل في العبد، والمعتزلة يقيدون المطلق في الآيتين فيقولون المراد ولو شاء الله مشيئة الجاء وقسر كما يقال لو شاء الإمام لم يعبد المجوس النار في مملكته ولم يشرب النصارى الخمر ويقولون المراد يفعل ما يريد من أفعال نفسه.
ثم إنه/ تعالى لما أمر بالقتال فيما سبق بقوله ﴿ وقاتلوا في سبيل ﴾ وأعقبه بقوله ﴿ منْ ذا الذي يقرض الله ﴾ ، والغرض منه الإنفاق في الجهاد، ثم أكّد الأمر بالقتال وذكر فيه قصة طالوت، أعقبه تارة أخرى الأمر بالإنفاق في الجهاد بقوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم ﴾ وعن الحسن أنه مختص بالزكاة لأن قوله ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ كالوعيد وأنه لا يتوجه إلا على الواجب، والأكثرون على أنه عام يتناول الواجب والمندوب.
وليس في الآية وعيد وإنما الغرض أن يعلم أن منافع الآخرة لا تكتسب إلا في الدنيا، وأن الإنسان يجيء وحده وما معه إلا ما قدم من أعماله.
ومعنى قوله ﴿ لا بيع ﴾ أنه لا تجارة فيه فيكتسب ما يفتدى به من العذاب، أو يكتسب مالاً حتى ينفق منه، ﴿ ولا خلة ﴾ لا مودة، لأن كلّ أحد يكون مشغولاً بنفسه لكل امرئ منهم يومئذٍ شأن يغنيه، أو لأن الخوف الشديد غالب على كل أحد يوم تذهل كل مرضعة عما أَرضعت.
ثم إنه لما نفى الخلة والشفاعة مطلقاً ذكر عقيبة قوله ﴿ الكافرون هم الظالمون ﴾ ليدلّ على أن ذلك النفي مختص بالكافرين وعلى هذا فتصير الآية دالة على ثبوت الشفاعة في حق الفسَّاق.
نقل عن عطاء بن يسار أنه كان يقول: الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون، ولم يقل والظالمون هم الكافرون.
وقيل أراد والتاركون الزكاة هم الظالمون، لأنهم تركوا تقديم الخيرات ليوم فاقتهم، فقال ﴿ والكافرون ﴾ للتغليظ كقوله ﴿ ومن كفر فإن الله غني عن العالمين ﴾ أي ومن لم يحج.
وقيل المراد.
إن الكافرين إذا دخلوا النار فالله لم يظلمهم بذلك، بل هم الذين ظلموا أنفسهم باختيار الكفر والفسق.
فهو كقوله ﴿ ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً ﴾ وقيل "الكافرون" هم الذين وضعوا الأمور في غير مواضعها لتوقعهم الشفاعة من الأصنام، ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله.
وقيل المعنى والكافرون هم التاركون الإنفاق في سبيل الله من قوله ﴿ آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا ﴾ وأما المسلم فإنه ينفق في سبيل الله قل أم كثر.
وفائدة الفصل أنهم الكاملون في الظلم البالغون فيه المبلغ العظيم.
التأويل: ﴿ تلك آيات الله ﴾ أسراره وأنواره ورموزه وإشاراته ﴿ نتلوها عليك بالحق ﴾ نجلوها عليك بالحقيقة كما هي ﴿ وإنك لمن المرسلين ﴾ الذين عبروا هذه المقامات وشاهدوا تلك الأحوال والكرامات، وصح لهم صفاء الأوقات ولذة المناجاة في الخلوات، ثم فطموا عن ألبان تلك اللذات في حجر القربات، وأرسلوا إلى أهل الغدر والغفلات وعبدة طواغيت الهوى وأصنام الشهوات، ليدعوهم من دار الغرور إلى دار السرور ويخرجونهم من الظلمات/ إلى النور، ولكنهم ما صاحبوك في الجلوات فإنهم بقوا في السموات وأنت عبرت المكونات ﴿ فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ﴾ فوصلت من العبدية إلى العندية، ثم فطمت عن رضاع لي مع الله وقت، وابتليت بسفارة جبريل، ثم لقيت من القوم ما لقيت، فحق لك أن تقول: " ما أوذي نبي مثل أوذيت" " لأن غيرك ما سقي من شرب ما سقيت فما أوذي بفطام مثل ما أوذيت.
﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ إشارة إلى أن التفاضل في الدين والدنيا بين العباد ليس بسعيهم ومناهم وإنما هو بتفضيل الله إياهم، فلكلّ من أهل الفضل أنوار، ولأنوارهم آثار على قدر استعلاء أضواء أنوارهم لا على قدر سعيهم واختيارهم.
وهذا التفاوت صادر من تلك الأقسام حين جرت به الأقلام، كما قال : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ثم رشّ عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل وغوى" .
ثم إن الفضل فضلان: عام يمتاز به عن المردودين ﴿ إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون ﴾ ؛ وخاص يمتاز به عن المقبولين كما ثبت لسيد المرسلين.
والتفاوت في الأنوار على قدر التفاوت في الظلمات المخلوقة المستعدة لقبول النور في بدر الخلقة لا في حقيقة النور، فإنه موصوف بالوحدة، ولهذا ورد بلفظ الوحدان في قوله ﴿ وجعل الظلمات والنور ﴾ ﴿ ويخرجهم من الظلمات إلى النور ﴾ .
والرفعة في الدرجات في قدر قوة الاستعلاء، كما قال: ﴿ والذين أوتوا العلم درجات ﴾ فالعلم هو الضوء من نور الوحدانية؛ فكلما ازداد العلم ازدادت الدرجة، وعلى قدر غلبات أنوار التوحيد على ظلمات الوجود كانت مراتب الأنبياء بعضها فوق بعض.
فقد يبقى بعضهم في مكان من أماكن السموات، كما روي عنه أنه رأى آدم ليلة المعراج في السماء الدنيا، ويحيى وعيسى في السماء الثانية، ويوسف في السماء الثالثة، وإدريس في السماء الرابعة، وهارون في السماء الخامسة، وموسى في السماء السادسة، وإبراهيم في السماء السابعة، وأن محمداً ما بقي في مكان بل رفع به إلى سدرة المنتهى ثم إلى قاب قوسين أو أدنى، لأنه كان فانياً بالكلية عن ظلمة وجوده باقياً بنور شهود ربه، ولهذا سماه الله نوراً ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ : ثم لما أخبر عن فضيلة الخواص بأنها كانت بسبب تفضيله إياهم، أخبر عن اختلاف العوام وافتراقهم أنه كان بمشيئته لا بمشيئتهم فقال: ﴿ ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم ﴾ ثم أخبر عن إحراز الفضل أنه في الإنفاق والبذل فخاطب أهل الإيمان أي: إن كان إيمانكم بالبعث والنشور والثواب والعقاب والجنة والنار حقّاً فتصدقوا من كل ما رزقناكم من المال والجاه والقوة والقدرة والعلم والمعرفة وغيرها في مصارفها العامة والخاصة، أنفقوا ملكنا ومالنا في صلاح أنفسكم واغتنموا مساعدة الإمكان في تقديم الإحسان مع الإخوان، ﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ لا يشترى فيه ما يباع من الأموال والأنفس في سوق ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ﴾ ولا ينفعه خلة خليل دنيوي، لأن ﴿ الأخلاَّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين ﴾ ﴿ ولا شفاعة ﴾ لأنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى، ﴿ والكافرون هم الظالمون ﴾ لأنفسهم لأنا أرسلنا الرسل وأنزلنا الكتب وأمرناهم بالإنفاق ووعدناهم الثواب وحذرناهم العقاب وقد أعذر من أنذر.
والله المستعان.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ .
قوله: ﴿ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ .
يحتمل: تفضيل بعضهم على بعض ما ذكر ﴿ مِّنْهُمْ مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُ ﴾ ، ومنهم من اتخذه خليلاً، ومنهم من سخر له الريح والطير، ما كان في الأنبياء مثله.
ويحتمل: ﴿ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، في الحجاج، والحجج على القوم؛ لأن فيهم من كان أكثر محاجة لقومه وأعظم حججاً، وهو إبراهيم، صلوات الله عليه وسلامه، وموسى.
ويحتمل: "التفضيل" التمكين في الأرض، مكن لبعضهم ما لم يكن للباقين.
ويحتمل: ذلك في الآخرة في الشفاعة، ورفع الدرجات.
ويحتمل: ﴿ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ ، في الرسالة؛ لأن منهم من أرسل إلى الإنس والجن جميعاً، ومنهم من أرسل إلى الإنس خاصة، [ومنهم من أرسل إلى قومه خاصة] ومنهم من أرسل إلى نفر.
والله أعلم.
وقد ذكرنا ألا يكون من الله تفضيل لبعض الرسل على بعض على قول المعتزلة؛ لأنه [فعل] ما عليه أن يفعل، وكل من فعل ما عليه أن يفعل، فإنه لا يوصف بالفضل والإفضال؛ دل أنه ليس على ما يقولون ويذهبون إليه.
وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ ، قد ذكرناه فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِّن بَعْدِ مَا جَآءَتْهُمُ ٱلْبَيِّنَاتُ ﴾ هذه الآية والآيتان من بعدها - قوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ ، على المعتزلة.
لأنه أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا.
وهم يقولون: شاء ألا يقتتلوا، ولكن اقتتلوا.
والاقتتال هو فعل اثنين، وفيهم من اقتتل ظالما، وفيهم من اقتتل غير ظالم، دليله قوله: ﴿ وَلَـٰكِنِ ٱخْتَلَفُواْ فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ ، أخبر أنه لو شاء ألا يقتتلوا ما اقتتلوا وأخبر أنه يفعل ما يريد ثبت الفعل في الإرادة وهم يقولون لا يفعل ما يريد.
وكذلك قوله ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ أخبر أنه لو شاء ما اختلفوا وهم يقولون: شاء ألا يختلفوا ولكن اختلفوا ثم لا يجوز صرف الآية إلى مشيئة القسر والجبر؛ لأن المشيئة التي ذكرها الله معروفة في الناس فلا يجوز صرفها إلى غير المشيئة المعروفة إلا بعد تقدم ذكر أو بيان أنها هي المرادة وقوله: ﴿ مَا ٱقْتَتَلُواْ ﴾ ولا اختلفوا فجعلهم على أمر واحد ودين واحد كقوله: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾ والمعتزلة يقولون: شاء أن يصيروا أمة واحدة ولكن لم يصيروا فنعوذ بالله من السرف في القول والقول في الله بما لا يليق به.
وقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ أَنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَٰكُم ﴾ يحتمل الأمر بالإنفاق، أمر بتقديم الطاعات والمسارعة إلى الخيرات قبل أن يأتي يوم يمنعه ويعجزه عن ذلك وهو الموت.
ويحتمل أمره بالإنفاق من الأموال في طاعة الله من قبل أن يأتى يوم، وهو يوم القيامة ﴿ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ قيل: لا فداء، و ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ ، ﴿ وَلاَ شَفَاعَةٌ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ ﴾ أي لا ينفع خليل خليله كما ينفع في الدنيا وكذلك لا شفيع تنفع شفاعته كما تنفع في الدنيا.
ويحتمل: ﴿ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شَفَاعَةٌ ﴾ ، أي: لا ينفع أحد أحدا، ولا يخال أحد أحدا، ولا يشفع أحدا أحدا.
ويحتمل: ﴿ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ ﴾ ، أنهم يملكون بيع أنفسهم من الله ما داموا أحياء، فإذا ماتوا لم يملكوا، كقوله : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .
فأول الآية وإن خرج الخطاب للمؤمنين فالوصف فيها وصف الكافرين، لكن فيها زجر للمؤمنين مثل صنيع الكفار.
وقوله : ﴿ ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ﴾ قيل: الله هو اسم المعبود، وكذلك تسمي العرب كل معبود إلها ومعناه - والله أعلم - أن الذي يستحق العبادة ويحق أن يعبد هو الله الذي لا إله إلا هو لا الذي تعبدونه أنتم من الأوثان والأصنام التي لا تنفعكم عبادتكم إياها ولا يضركم ترككم العبادة لها.
ويحتمل أن يكون على إضمار: أن قل الله الذي لا إله إلا هو لأنهم كانوا يقرون بالخالق ويقرون بالإله؛ كقوله عز وجل ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ ﴾ وكقوله: ﴿ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 86-87\] وكقوله: ﴿ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ﴾ \[المؤمنون: 88-89\] فإذا كانوا يقرون به فأخبرهم أن الذي يقرون به ويسمونه هو الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم ويحتمل أن يكون لقوم من أهل الإسلام عرفوا الله وآمنوا به، ولم يعرفوا نعته وصفته فعلمهم نعته وصفته أنه الحي القيوم إلى آخر.
<div class="verse-tafsir"
أولئك الرسل الذين ذكرناهم لك، فضَّلنا بعضهم على بعض في الوحي والأتباع والدرجات، منهم من كَلَّمَه الله مثل موسى ، ومنهم من رفعه درجات عالية مثل محمد ؛ إذ أُرسِل للناس كلهم، وخُتِمَت به النبوة، وفُضِّلَت أمته على الأمم، وآتينا عيسى بن مريم المعجزات الواضحات الدالة على نبوته؛ كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، وأيدناه بجبريل تَقْويةً له على القيام بأمر الله تعالى.
ولو شاء الله ما اقتتل الذين جاؤوا من بعد الرسل من بعد ما جاءتهم الآيات الواضحة، ولكن اختلفوا فانقسموا؛ فمنهم من آمن بالله، ومنهم من كفر به، ولو شاء الله ألا يقتتلوا ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد، فيهدي من يشاء إلى الإيمان برحمته وفضله، ويضل من يشاء بعدله وحكمته.
<div class="verse-tafsir" id="91.5P2jp"
كان الكلام إلى هنا طلب في بذل المال والنفس في سبيل الله تعالى، وقد ضرب له مثل الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف فماتوا بجبنهم ولم تغن عنهم كثرتهم ثم أحياهم الله تعالى، أي أحيا أُمتهم بنفر منهم غيروا ما بأنفسهم، ومثل الملأ من بني إسرائيل بعد أن غلب الفلسطينيون أُمتهم على أمرها وأخرجوها من ديارهم وأبنائهم ثم نصرها الله تعالى بفئة قليلة مؤمنة بلقائه صابرة في بلائه، بعد هذا أراد سبحانه أن يقوي النفوس على القيام بذلك فذكر الأنبياء المرسلين الذين كانوا أقطاب الهداية، ومحل التوفيق منه والعناية -الذين بيّن الدليل في آخر السياق الماضي على أن المخاطب بهذا القرآن الذي فيه سيرتهم منهم وكان قد ذكر قبل ذلك داود وما آتاه الله من الملك والنبوة- ذكرهم مبينًا تفضيل بعضهم على بعض، وخص بالذكر أو الوصف من بقي لهم أتباع، وذكر ما كان من أمر أتباعهم من بعدهم في الاختلاف والاقتتال، ثم عاد إلى الموضوع وهو الإنفاق وبذل المال في سبيل الله لكن بأسلوب آخر كما ترى في الآية التي تلي هذه الآية.
قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ ﴾ أي المشار إليهم بقوله ﴿ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ ﴾ في آخر الآية السابقة، ومنهم داود الذي ذكر في الآية التي قبلها.
وهذا أظهر من قولهم المراد بالرسل من ذكروا في هذه السورة أو من قص الله على النبي قبل هذا من أنبائهم أو المراد جماعة الرسل ﴿ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ مع استوائهم في اختيار الله تعالى إياهم للتبليغ عنه وهداية خلقه إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
والتصريح بهذا التفضيل وذكر بعض المفضلين يشبه أن يكون استدراكًا مع ما ذكر في الآيات السابقة من إيتائه تعالى داود الملك والحكمة وتعليمه مما يشاء فهو يقول إنهم كلهم رسل الله فهم حقيقون بأن يتبعوا ويقتدى بهداهم وإن امتاز بعضهم على بعض بما شاء الله من الخصائص في أنفسهم وفي شرائعهم وأُممهم.
وقد بيّن هذا التفضيل في بعض المفضلين فقال ﴿ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ ﴾ بصيغة الالتفات عن الضمير إلى التعبير بالظاهر لتفخيم شأن هذه المنقبة والغرض من هذا الإلفتات الفات الأذهان إلى هذه المنقبة تفخيمًا لها وتعظيمًا لشأنها.
وهذا التكليم كان من الله تعالى لسيدنا موسى كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ﴾ وفي سورة الأعراف: ﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ﴾ وفي الآية التي بعدها: ﴿ قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي ﴾ فهذه الآيات تدل على أن موسى قد خص بتكليم لم يكن لكل نبي مرسل وإن كان وحي الله تعالى عامًا لكل الرسل ويطلق عليه كلام الله تعالى.
وقد قال تعالى في سورة الشورى: ﴿ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ فجعل كلامه لرسله ثلاثة أنواع، والظاهر أن تكليم موسى كان النوع الثاني في الآية، وكلها تسمى وحي الله وكلام الله.
وقال بعضهم إن هذا النوع من التكليم كان لنبينا في تجلي ليلة المعراج فهو المراد بمن كلم الله هنا والجمهور على القول الأول وإن كان لفظ "من" يتناول أكثر من واحد.
إن هذا الكلام مما لا يمكن أن يعرفه إلا النبي المُكَلَّم، فلا ينبغي لنا أن نبحث فيه ونحاول الوقوف على كنهه، حتى أن النبي المكلّم نفسه لا يستطيع أن يُفهِمَه لغيره لأنه ليس له عبارة تدل عليه: يعني أن ما كان للرسل عليهم السلام من تكليم الله وما خصهم به من وحيه هو من قبيل التصورات والخواطر.
وأما قوله تعالى ﴿ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ﴾ فذهب جماهير المفسرين إلى أن المراد به نبينا محمد وهو ما رواه ابن جرير عن مجاهد وأيده.
والأسلوب يؤيده ويقتضيه، لأن السياق في بيان العبرة للأمم التي تتبع الرسل والتشنيع على اختلافهم واقتتالهم مع أن دينهم واحد في جوهره.
والموجود من هذه الأمم واليهود والنصارى والمسلمون فالمناسب تخصيص رسلهم بالذكر ولعل ذكر آخرهم في الوسط للإشعار بكون شريعته وكذا أُمته وسطًا.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ﴾ إذا جرينا في فهم الآية على تفسير مفسرنا (الجلال) وأضرابه نكون جبرية لا نقبل دينًا ولا شرعًا ولا يكون لنا في الكلام عبرة لأنهم يقولون ما قصاراه أن الله تعالى هو الذي غرس في قلب هؤلاء الذين جاؤوا من بعد الأنبياء بذور الخلاف والشقاق وقضى عليهم بما ألزمهم العدوان والاقتتال، فإنه شاء أن يكونوا هكذا فكانوا مضطرين في الباطن وإن كان لهم اختيار ما بحسب الظاهر.
فلندع هذا ولننظر ما تدل عليه هذه الكلمات القليلة من اتفاق حكمة الله تعالى مع مشيئته في خلق الإنسان وسننه في شؤونه الاجتماعية.
لم يخلق الله الناس بقوى محدودة متساوية في أفرادهم لا تتجاوز طلب ما به قوام الجسم بالإلهام الفطري والإدراك الجزئي كالأنعام السائمة والطيور الحائمة، بل خلق الإنسان كما نعرفه الآن.
جعل له عقلًا يتصرف في أنواع شعوره، وفكرًا يجول في طرق حاجاته البدنية والنفسية، وجعل ارتقاءه في إدراكه وأفكاره كسبيًا ينشأ ضعيفًا فيقوى بالتدريج حسب التربية التي يحاط بها والتعليم الذي يتلقاه وتأثير حوادث الزمان والمكان والأسوة والتجارب فيه.
وجعل هداية الدين له أمرًا اختياريًا لا وضعًا اضطراريًا، فهي معروضة أمامه يأخذ منها بقدر استعداده وفكره كما هو شأنه في الأخذ بسائر أنواع الهداية والاستفادة من منافع الكون.
هذه هي سنته تعالى في الإنسان، وهي منشأ الاختلاف، فهو يقول لو شاء الله أن لا يجعل سنته في تبليغ الدين وعرضه على الناس هكذا بأن يجعله من إلهاماتهم العامة وشعورهم الفطري كشعور الحيوان وإلهامه ما فيه منفعته لكانوا في هداية الدين سواء يسعدون به أجمعين فتمنعهم بيناته أن يختلفوا فيقتتلوا ولكنه خلق الإنسان على غير ما خلق عليه الحيوان، وكان ذلك سبب اختلاف أهل الأديان، فمنهم من آمن إيمانًا صحيحًا فأخذ الدين على وجهه، إذ فهمه حق فهمه، ومنهم من لبسه مقلوبًا وحكم هواه في تأويله فكان كافرًا به في الحقيقة، وإن كان غاليًا فيما أحدث فيه من مذهب أو طريقة، وكان ذلك مدعاة التخاصم، وسبب التنازع والتقاتل، اختلف اليهود في دينهم فاقتتلوا، وأما النصارى فلم تختلف أمة اختلافهم، ولم يقتتل أهل المذاهب في دين من الأديان اقتتالهم، بل كان المذهب الواحد من مذاهبهم يتشعب إلى شعب يقاتل بعضها بعضًا.
وكان يجب أن يحذر المسلمون من هذا الاختلاف أشد الحذر لكثرة ما نهاهم الله عن الاختلاف وأنذرهم العذاب عليه في الدنيا والآخرة وقد امتثلوا أمره تعالى بالاتحاد والاعتصام، وانتهوا عما نهاهم عنه من التفرق والاختلاف، في عصر صاحب الرسالة وطائفة من الزمن بعده فكانوا خير أمة أخرجت للناس، ثم لم يلبثوا أن ذهبوا في الدين مذاهب، وفرقوا دينهم فكانوا في شريعته مشارب، فاقتتلوا في الدين قليلًا، وفي السياسة التي صبغوها بصبغة الدين كثيرًا، وقد تمادوا في هذا الشقاق والاختلاف، فانتهوا إلى زمن صاروا فيه أبعد الأمم عن الاتفاق والائتلاف.
ثم قال تعالى ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا ﴾ يمكن تفسير هذه الجملة بمثل ما فسرت به الجملة الأولى.
والأوْلى أن تفسر بوجه آخر أخص كأن يقال: لو شاء الله تعالى أن تكون سنته في الإنسان على ما فطر عليه من الاختلاف أن يعذر المختلفون من أفراده بعضهم بعضًا ويوطن كل فريق منهم نفسه على أن ينتصر لرأيه بالحجة، ويسعى إلى مصلحته بالفطنة، لما اقتتلوا على ما يختلفون فيه ولكنه جعلهم درجات في الفهم والحزم وأودع في غرائزهم المدافعة عن حقيقتهم والنضال دون مصلحتهم بكل ما قدروا عليه من قول وعمل، فالقوي بالرأي يحارب بالرأي والقوي بالسيف يقاوم بالسيف، فكان الاختلاف في الرأي والمصالح معًا مع عدم العذر، مؤديًا إلى الاقتتال لا محالة.
هكذا خلق الإنسان فلا يقال لم خلقه هكذا، لأن هذا بحث عن أسرار الخلقة ككبر أذني الحمار وصغر أذني الجمل، ولذلك قال ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ﴾ أي أن اختصاص الناس بهذه المزايا هو أثر إرادته وتخصيصها فلا مرد له.
<div class="verse-tafsir"