الآية ٢٧٤ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٤ من سورة البقرة

ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَٰلَهُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرًّۭا وَعَلَانِيَةًۭ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٤

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 106 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٤ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) هذا مدح منه تعالى للمنفقين في سبيله ، وابتغاء مرضاته في جميع الأوقات من ليل أو نهار ، والأحوال من سر وجهار ، حتى إن النفقة على الأهل تدخل في ذلك أيضا ، كما ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لسعد بن أبي وقاص حين عاده مريضا عام الفتح ، وفي رواية عام حجة الوداع : " وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا ازددت بها درجة ورفعة ، حتى ما تجعل في في امرأتك " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر وبهز قالا : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت قال : سمعت عبد الله بن يزيد الأنصاري ، يحدث عن أبي مسعود ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال : " إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة يحتسبها كانت له صدقة " أخرجاه من حديث شعبة ، به .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا سليمان بن عبد الرحمن ، حدثنا محمد بن شعيب ، قال : سمعت سعيد بن يسار ، عن يزيد بن عبد الله بن عريب المليكي ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " نزلت هذه الآية : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم [ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ] ) في أصحاب الخيل " .

وقال حنش الصنعاني : عن ابن عباس في هذه الآية ، قال : هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله .

رواه ابن أبي حاتم ، ثم قال : وكذا روي عن أبي أمامة ، وسعيد بن المسيب ، ومكحول .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، أخبرنا يحيى بن يمان ، عن عبد الوهاب بن مجاهد بن جبر ، عن أبيه قال : كان لعلي أربعة دراهم ، فأنفق درهما ليلا ودرهما نهارا ، ودرهما سرا ، ودرهما علانية ، فنزلت : ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) وكذا رواه ابن جرير من طريق عبد الوهاب بن مجاهد ، وهو ضعيف .

ولكن رواه ابن مردويه من وجه آخر ، عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب .

وقوله : ( فلهم أجرهم عند ربهم ) أي : يوم القيامة على ما فعلوا من الإنفاق في الطاعات ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) تقدم تفسيره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274) [قال أبو جعفر]: .............................................................................

.............................................................................

* * * 6232 - حدثنا يعقوب بن إبراهيم، قال: حدثنا معتمر، عن أيمن بن نابل، قال: حدثني شيخ من غافق: أن أبا الدرداء كان ينظر إلى الخيل مربوطةً بين البرَاذين والهُجْن.

فيقول: أهل هذه - يعني الخيل- من الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرًّا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزَنون.

(45) .

* * * وقال آخرون: عنى بذلك قومًا أنفقوا في سبيل الله في غير إسراف ولا تقتير.

* ذكر من قال ذلك: 6233 - حدثنا بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة &; 5-602 &; قوله: " الذين ينفقون أموالهم " إلى قوله: " ولا هم يحزنون "، هؤلاء أهلُ الجنة.

ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: المكثِرون هم الأسفلون.

قالوا: يا نبيّ الله إلا مَنْ؟

قال: المكثرون هم الأسفلون، قالوا: يا نبيّ الله إلا مَنْ؟

قال: المكثرون هم الأسفلون.

قالوا: يا نبيّ الله، إلا مَنْ؟

حتى خشوا أن تكون قد مَضَت فليس لها رَدّ، حتى قال: " إلا من قال بالمال هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله، وهكذا بين يديه، وهكذا خلفه، وقليلٌ ما هُمْ [قال]: (46) هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله التي افترض وارتضى، في غير سَرَف ولا إملاق ولا تَبذير ولا فَساد " (47) .

* * * وقد قيل إنّ هذه الآيات من قوله: " إن تُبدوا الصدقات فنعمَّا هي" إلى قوله: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، كان مما يُعملَ به قبل نـزول ما في" سورة براءة " من تفصيل الزَّكوات، فلما نـزلت " براءة "، قُصِروا عليها.

* ذكر من قال ذلك: 6234 - حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: " إن تبدوا الصدقات فنعمَّا هي" إلى قوله: " ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون "، فكان هذا يُعمل به قبل أن تنـزل " براءة "، فلما نـزلت " براءة " بفرائض الصَّدقات وتفصيلها انتهت الصّدَقاتُ إليها.

* * * --------------------------- (45) الأثر : 6232 -"أيمن بن نابل الحبشي" أبو عمران المكي ، نزيل عسقلان ، مولي آل أبي بكر .

روي عن قدامة بن عبدالله العامرى ، وعن أبيه نابل ، والقاسم بن محمد ، وطاوس .

وروى عنه موسى بن عقبة ، وهو من أقرانه ، ومعتمر بن سليمان ، ووكيع وابن مهدي ، وعبدالرزاق ، وغيرهم .

وهو ثقة ، وكان لا يفصح ، فيه لكنه .

وعاش إلى خلافة المهدي .

مترجم في التهذيب .

والبراذين جمع برذون (بكسر الباء وسكون الراء وفتح الذال وسكون الواو) : وهو ما كان من الخيل من نتاج غير العراب ، وهو دون الفرس وأضعف منه .

والهجن جمع هجين : وهو من الخيل الذي ولدته برذونة من حصان غير عربي ، وهي دون العرب أيضًا ، ليس من عتاق الخيل ، وكلاهما معيب عندهم .

(46) ما بين القوسين ، زيادة لا بد منها ، فإن هذا الكلام الآتي ولا شك من كلام قتادة ، وكذلك خرجه السيوطي في الدر المنثور 1 : 363 قال : "وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة .

.

.

" ، وساق هذا الشطر الآتي من هذا الأثر .

وأما صدره ، فهو خبر مرسل كسائر الأخبار السالفة .

(47) قوله : "إملاق" هو من قولهم : "ملق الرجل ما معه ملقًا ، وأملقه إملاقًا" ، إذا أنفقه وأخرجه من يده ولم يحبسه وبذره تبذيرًا .

والفقر تابع للإنفاق والتبذير ، فاستعملوا لفظ السبب في موضع المسبب ، فقالوا : "أملق الرجل إملاقًا" ، إذا افتقر فهو"مملق" أي فقير لا شيء معه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون فيه مسألة واحدة روي عن ابن عباس وأبي ذر وأبي أمامة وأبي الدرداء وعبد الله بن بشر الغافقي والأوزاعي أنها نزلت في علف الخيل المربوطة في سبيل الله .

وذكر ابن سعد في الطبقات قال : أخبرت عن محمد بن شعيب بن شابور قال : أنبأنا سعيد بن سنان عن يزيد بن عبد الله بن عريب عن أبيه عن جده عريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قوله تعالى : الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون قال : [ ص: 316 ] ( هم أصحاب الخيل ) .

وبهذا الإسناد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : المنفق على الخيل كباسط يده بالصدقة لا يقبضها وأبوالها وأرواثها عند الله يوم القيامة كذكي المسك ) .

وروي عن ابن عباس أنه قال : نزلت في علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، كانت معه أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم جهرا ، ذكره عبد الرزاق قال : أخبرنا عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس .

ابن جريج : نزلت في رجل فعل ذلك ، ولم يسم عليا ولا غيره .

وقال قتادة .

هذه الآية نزلت في المنفقين من غير تبذير ولا تقتير .

ومعنى ( بالليل والنهار ) في الليل والنهار ، ودخلت الفاء في قوله تعالى : ( فلهم ) لأن في الكلام معنى الجزاء .

وقد تقدم .

ولا يجوز زيد فمنطلق .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم ذكر حالة المتصدقين في جميع الأوقات على جميع الأحوال فقال: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله } أي: طاعته وطريق مرضاته، لا في المحرمات والمكروهات وشهوات أنفسهم { بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم } أي: أجر عظيم من خير عند الرب الرحيم { ولا خوف عليهم } إذا خاف المقصرون { ولا هم يحزنون } إذا حزن المفرطون، ففازوا بحصول المقصود المطلوب، ونجوا من الشرور والمرهوب،

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ) روي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت عنده أربعة دراهم لا يملك غيرها فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية .

وعن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهم قال لما نزلت ( للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ) بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير كثيرة إلى أصحاب الصفة ، وبعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من تمر فأنزل الله تعالى فيهما ( الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ) الآية عنى بالنهار علانية : صدقة عبد الرحمن بن عوف ، وبالليل سرا : صدقة علي رضي الله عنه وقال أبو أمامة وأبو الدرداء ومكحول والأوزاعي : نزلت في الذين يرتبطون الخيل للجهاد فإنها تعلف ليلا ونهارا سرا وعلانية .

أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف ، أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا علي بن حفص ، أخبرنا ابن المبارك ، أخبرنا طلحة بن أبي سعيد قال : سمعت سعيدا المقبري يحدث أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة " .

وقوله تعالى : ( فلهم أجرهم عند ربهم ) قال الأخفش : جعل الخبر بالفاء لأن " الذين " بمعنى " من " وجواب من بالفاء بالجزاء أو معنى الآية : من أنفق كذا فله أجره عند ربه ( ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربَّهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين يُخْرجون أموالهم مرضاة لله ليلا ونهارًا مسرِّين ومعلنين، فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من حظوظ الدنيا.

ذلك التشريع الإلهي الحكيم هو منهاج الإسلام في الإنفاق لما فيه مِن سدِّ حاجة الفقراء في كرامة وعزة، وتطهير مال الأغنياء، وتحقيق التعاون على البر والتقوى؛ ابتغاء وجه الله دون قهر أو إكراه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ختم - سبحانه - الحديث عن النفقة والمنفقين بقوله : ( الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) .وقوله : ( الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ) استئناف المقصود منه مدح أولئك الذين يعممون صدقاتهم في كل الأزمان وفي كل الأحوال فهم يتصدقون على المحتاجين في الليل وفي النهار ، في الغدو وفي الآصال ، في السر وفي العلن ، في كل وقت وفي كل حال ، لأنهم لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم يحرصون كل الحرص على كل ما يرضى الله تعالى .وقال بين الله - تعالى - في ثلاث جمل حسن عاقبتهم ، وعظيم ثوابهم فقال في الجملة الأولى ( فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ ) أي فلهم أجرهم الجزيل عند خالقهم ومربيهم ورازقهم .والجملة الكريمة خبر لقوله : ( الذين يُنْفِقُونَ .

.

.

) ودخلت الفاء في الخبر لأن الموصول في معنى الشرط فتدخل الفاء في خبره جوازاً ، وللدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها أي أن استحقاق الأجر متسبب عن الإِنفاق في سبيل الله .وقال في الجملة الثانية : ( وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ) أي : لا خوف عليهم من أي عذاب لأنهم في مأمن من عذاب الله بسبب ما قدموا من عمل صالح .وقال في الجملة الثالثة : ( وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ) أي لا يصيبهم ما يؤدي بهم إلى الحزن والهم والغم ، لأنهم دائماً في اطمئنان يدفع عنهم الهموم والأحزان وقد روى المفسرون في سبب نزول هذه الآية روايات منها " أن علي بن أبي طالب كان يملك أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا ، وبدرهم نهاراً وبدرهم سراً ، وبدرهم علانية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ما حملك على ذلك؟

فقال أريد أن أكون أهلا لما وعدني ربي .

فقال صلى الله عليه وسلم : لك ذلك " " فأنزل الله هذه الآية .والحق أن هذه الرواية وغيرها لا تمنع عمومها ، فهي تنطبق على كل من بذل ماله في سبيل الله في عموم الأوقات والأحوال .أما بعد : فهذه أربع عشرة آية بدأت من قوله - تعالى - ( مَّثَلُ الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ الله كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ .

.

.

)وانتهت بقوله - تعالى - : ( الذين يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ .

.

.

) .والذي يقرأ هذه الآيات الكريمة بتدبر وتعقل يراها قد حضت الناس على الإِنفاق في سبيل الله بأبلغ الأساليب ، وأحكم التوجيهات ، وأفضل الوسائل ، كما يراها بينت أحكام الصدقة وآدابها ، والآفات التي تذهب بخيرها وضربت الأمثال لذلك ، كما يراها قد بينت أنواعها ، وطريقة أدائها ، وأولى الناس بها ورسمت صورة كريمة للفقراء المتعففين ، وكما بدأت الآيات حديثها بالثناء الجميل على المنفقين فقد ختمته أيضاً بالثناء عليهم وبالعاقبة الحسنى التي أعدها الله لهم .ولو أن المسلمين أخذوا بتوجيهات هذه الآيات لعمتهم السعادة في دنياهم ، ولنالوا رضا الله ومثوبته في أخراهم .وبعد هذه الصورة المشرقة التي ساقها القرآن عن النفقة والمنفقين أتبعها بصورة مضادة لها وهي صورة الربا والمرابين .

ومن مظاهر التضاد والتباين بين الصورتين أن الصدقة بذل للمال في وجوه الخير بدون عوض ينتظره المتصدق ، أما الربا فهو إخراج المال في وجوه الاستغلال لحاجة المتحاج مع ضمان استرداده ومعه زيادة محرمة .

وأن الصدقة نتيجتها ارخاء والنماء والطهارة للمال ، وشيوع روحة المحبة والتعامل والتكامل والاطمئنان بين أفراد المجتمع ، أما الربا فنتيجته محق البركة من المال ، وشيوع روح التقاطع والتحاسد والتباغض والخوف بين الناس .

ولقد نفر القرآن الناس من تعاطي الربا تنفيراً شديداً وحذرهم من سوء عاقبته تحذيراً مؤكداً فقال - تعالى - :( الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم أقوال الأول: لما بيّن في هذه الآية المتقدمة أن أكمل من تصرف إليه النفقة من هو بيّن في هذه الآية أن أكمل وجوه الإنفاق كيف هو، فقال: ﴿ الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ ﴾ والثاني: أنه تعالى ذكر هذه الآية لتأكيد ما تقدم من قوله: ﴿ إِن تُبْدُواْ الصدقات فَنِعِمَّا هِىَ  ﴾ والثالث: أن هذه الآية آخر الآيات المذكورة في أحكام الإنفاق، فلا جرم أرشد الخلق إلى أكمل وجوه الإنفاقات.

المسألة الثانية: في سبب النزول وجوه: الأول: لما نزل قوله تعالى: ﴿ لِلْفُقَرَاء الذين أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف إلى أصحاب الصفة بدنانير، وبعث علي رضي الله عنه بوسق من تمر ليلاً، فكان أحب الصدقتين إلى الله تعالى صدقته، فنزلت هذه الآية فصدقة الليل كانت أكمل والثاني: قال ابن عباس: إن علياً عليه السلام ما كان يملك غير أربعة دراهم، فتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية، فقال صلى الله عليه وسلم: «ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعدني ربي، فقال: لك ذلك» فأنزل الله تعالى هذه الآية والثالث: قال صاحب الكشاف: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه حين تصدق بأربعين ألف دينار: عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية والرابع: نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله، فكان أبو هريرة إذا مرّ بفرس سمين قرأ هذه الآية الخامس: أن الآية عامة في الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة تحرضهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروها ولم يعلقوها بوقت ولا حال، وهذا هو أحسن الوجوه، لأن هذا آخر الآيات المذكورة في بيان حكم الإنفاقات فلا جرم ذكر فيها أكمل وجوه الإنفاقات، والله أعلم.

المسألة الثالثة: قال الزجاج ﴿ الذين ﴾ رفع بالابتداء وجاز أن تكون الفاء من قوله: ﴿ فَلَهُمْ ﴾ جواب الذين لأنها تأتي بمعنى الشرط والجزاء، فكان التقدير: من أنفق فلا يضيع أجره، وتقديره أنه لو قال: الذي أكرمني له درهم لم يفد أن الدرهم بسبب الإكرام، أما لو قال: الذي أكرمني فله درهم يفيد أن الدرهم بسبب الإكرام، فهاهنا الفاء دلّت على أن حصول الأجر إنما كان بسبب الإنفاق، والله أعلم.

المسألة الرابعة: في الآية إشارة إلى أن صدقة السر أفضل من صدقة العلانية، وذلك لأنه قدم الليل على النهار، والسر على العلانية في الذكر.

ثم قال في خاتمة الآية ﴿ فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ والمعنى معلوم وفيه مسألتان: المسألة الأولى: أنها تدل على أن أهل الثواب لا خوف عليهم يوم القيامة، ويتأكد ذلك بقوله تعالى: ﴿ لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر  ﴾ .

المسألة الثانية: أن هذا مشروط عند الكل بأن لا يحصل عقيبه الكفر، وعند المعتزلة أن لا يحصل عقيبه كبيرة محبطة، وقد أحكمنا هذه المسألة، وهاهنا آخر الآيات المذكورة في بيان أحكام الإنفاق.

الحكم الثاني: من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع من هذه السورة حكم الربا: <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الذين يُنفِقُونَ أموالهم باليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة لحرصهم على الخير، فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال.

وقيل: نزلت في أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه حين تصدّق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السرّ، وعشرة في العلانية.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما نزلت في عليّ رضي الله عنه: لم يملك إلا أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سراً، وبدرهم علانية.

وقيل: نزلت في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، كان إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ أيْ يَعُمُّونَ الأوْقاتَ والأحْوالَ بِالخَيْرِ.

نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ عَشَرَةٍ بِاللَّيْلِ وعَشَرَةٍ بِالنَّهارِ، وعَشَرَةٍ بِالسِّرِّ وعَشَرَةٍ بِالعَلانِيَةِ.

وَقِيلَ في أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَمْ يَمْلِكْ إلّا أرْبَعَةَ دَراهِمَ فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا ودِرْهَمٍ نَهارًا، ودِرْهَمٍ سِرًّا ودِرْهَمٍ عَلانِيَةً.

وَقِيلَ: في رَبْطِ الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ والإنْفاقِ عَلَيْها.

﴿ فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ خَبَرُ ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ.

وقِيلَ لِلْعَطْفِ والخَبَرُ مَحْذُوفٌ أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ ولِذَلِكَ جَوَّزَ الوَقْفَ عَلى ﴿ وَعَلانِيَةً ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)

{الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سِرّا وَعَلاَنِيَةً} هما حالان أي مسرين ومعلنين يعنى يعممون الاولقات والاحوال بالصدقة لحصرهم على الخير فكلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه ولم يتعللوا بوقت ولا حال وقيل نزلت في أبي بكر الصديق رضى الله عنه حيث تصدق بأربعين ألف دينار عشرة بالليل وعشرة بالنهار وعشرة في السر وعشرة في العلانية أو فى على رضى الله عنه لم يملمك إلا أربعة دراهم تصدق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم

سراً وبدرهم علانية {فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون}

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ أيْ يُعَمِّمُونَ الأوْقاتِ والأحْوالَ بِالخَيْرِ والصَّدَقَةِ، فالمُرادُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ جَمِيعُ الأوْقاتِ كَما أنَّ المُرادَ بِما بَعْدَهُ جَمِيعُ الأحْوالِ، وقَدَّمَ اللَّيْلَ عَلى النَّهارِ والسِّرِّ عَلى العَلانِيَةِ لِلْإيذانِ بِمِزْيَةِ الإخْفاءِ عَلى الإظْهارِ، وانْتِصابُ (سِرًّا وعَلانِيَةً) عَلى أنَّهُما مَصْدَرانِ في مَوْضِعِ الحالِ أيْ مُسِرِّينَ ومُعْلِنِينَ، أوْ عَلى أنَّهُما حالانِ مِن ضَمِيرِ الإنْفاقِ عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، أوْ نَعْتانِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ إنْفاقًا سِرًّا، والباءُ بِمَعْنى فِي، واخْتُلِفَ فِيمَن نَزَلَتْ، فَأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: «أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَ بِاللَّيْلِ دِرْهَمًا وبِالنَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، وفي رِوايَةِ الكَلْبِيِّ: ”فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : ما حَمَلَكَ عَلى هَذا؟

قالَ: حَمَلَنِي أنِ اِسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهُ تَعالى الَّذِي وعَدَنِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ  : ألا إنَّ ذَلِكَ لَكَ“».

وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ المُسَيَّبِ أنَّ الآيَةَ كُلَّها في عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في نَفَقَتِهِمْ في جَيْشِ العُسْرَةِ، وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والواحِدِيُّ مِن طَرِيقِ حَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الصَّنْعانِيِّ أنَّهُ سَمِعَ اِبْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما يَقُولُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ الخ: هُمُ الَّذِينَ يَعْلِفُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى وهو قَوْلُ أبِي أُمامَةَ وأبِي الدَّرْداءِ ومَكْحُولٌ والأوْزاعِيُّ ورَباحُ بْنُ يَزِيدَ ولا يَأْبى ذَلِكَ ذِكْرُ السِّرِّ والعَلانِيَةِ كَما لا يَخْفى، وقالَ بَعْضُهُمْ: إنَّها نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَصَدَّقَ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ؛ عَشَرَةٌ بِاللَّيْلِ وعَشَرَةٌ بِالنَّهارِ وعَشَرَةٌ بِالسِّرِّ وعَشَرَةٌ بِالعَلانِيَةِ، وتَعَقَّبَهُ الإمامُ السُّيُوطِيُّ بِأنَّ حَدِيثَ تَصَدَّقَهُ بِأرْبَعِينَ ألْفَ دِينارٍ رَواهُ اِبْنُ عَساكِرَ في «تارِيخِهِ» عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وخَبَرُ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، وكَأنَّ مَنِ اِدَّعى ذَلِكَ فَهِمَهُ مِمّا أخْرَجَهُ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ إسْحَقَ قالَ: لِما قُبِضَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ واسْتُخْلِفَ عُمَرُ خَطَبَ النّاسَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعالى وأثْنى عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ إنْ بَعْضَ الطَّمَعِ فَقْرٌ وإنَّ بَعْضَ اليَأْسِ غِنًى، وإنَّكم تَجْمَعُونَ مالًا تَأْكُلُونَ وتُؤَمِّلُونَ ما لا تُدْرِكُونَ، واعْلَمُوا أنَّ بَعْضًا مِنَ الشُّحِّ شُعْبَةٌ مِنَ النِّفاقِ فَأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم فَأيْنَ أصْحابُ هَذِهِ الآيَةِ وقَرَأ الآيَةَ الكَرِيمَةَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّها لا دَلالَةَ فِيها عَلى المُدَّعِي ﴿ فَلَهم أجْرُهُمْ ﴾ المَخْبُوءُ لَهم في خَزائِنِ الفَضْلِ ﴿ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ والفاءُ داخِلَةٌ في حَيِّزِ المَوْصُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى سَبَبِيَّةِ ما قَبْلَها، وقِيلَ: لِلْعَطْفِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ ومِنهُمُ الَّذِينَ الخ، ولِذَلِكَ جُوِّزَ الوَقْفُ عَلى عَلانِيَةٍ.

﴿ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ  ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ والإشارَةُ في الآياتِ ظاهِرَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وذلك أن النبيّ  لما قدم مكة لعمرة القضاء، وخرجت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة، وجدها أبو قحافة، فسألا منها حاجة فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  ، فإنكما لستما على ديني، فاستأمرت رسول الله  ، فنزلت هذه الآية لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ، وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، أي يوفق من يشاء لدينه.

فإن قيل قد قال في آية أخرى وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الشورى: 52] وقال هاهنا: لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أي يوفق.

قيل ما يشاء إنما أراد به هناك الدعوة.

وهاهنا أراد به الهدى خاصة، وهو التوفيق إلى الهدى.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ يعني ما تنفقوا من مال، فثوابه لأنفسكم إذا تصدقتم على الكفار، أو على المسلمين.

وروي عن عمر بن الخطاب أنه رأى رجلاً من أهل الذمة، يسأل على أبواب المسلمين فقال: ما أنصفناك أخذنا منك الجزية ما دمت شابا، ثم ضيعناك بعد ما كبرت وضعفت، فأمر بأن يجري عليه قوته من بيت المال.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ يعني لا تنفقوا إلا ابتغاء ثواب الله وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ أي يوف ثوابه إليكم.

وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ أي لا تنقصون من ثواب أعمالكم وصدقاتكم، فيكون ما الأولى بمعنى الشرط، وما الثانية للجحود وما الثالثة للخير.

ثم بيّن موضع الصدقة فقال تعالى: لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ يعني النفقة والصدقة للفقراء الذين حبسوا أنفسهم في طاعة الله، وهم أصحاب الصفة كانوا نحواً من أربعمائة رجل، جعلوا أنفسهم للطاعة، وتركوا الكسب والتجارة.

قوله: لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ أي لا يستطيعون الخروج إلى السفر في التجارة.

قوله: يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ قرأ حمزة وعاصم وابن عامر: يحسبهم بنصب السين في جميع القرآن، وقرأ الباقون: بالكسر وتفسير القراءتين واحد، يعني يظن الجاهل بأمرهم وشأنهم أنهم أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ لأنهم يظهرون أنفسهم للناس باللباس وغيره، كأنهم أغنياء ويتعففون عن المسألة.

قوله تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ أي بصفرة الوجوه من قيام الليل وصوم النهار لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً يعني إلحاحاً قال ابن عباس  : لا يسألون الناس إلحاحاً ولا غير إلحاح، ويقال: أصله من اللحاف، لأن السائل إذا كان ملحاً، فكأنه يلصق بالمسؤول فيصير كاللحاف يلتصق، وجعل ذلك كناية عنه.

ثم قال تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ يعني عليم بما أنفقتم ويقال هذا على معنى التحريض، فكأنه يقول عليكم بالفقراء الذين أحصروا في سبيل الله.

وقال بعضهم: هذا على معنى التعجب، فكأنه يقول عجباً للفقراء الذين أحصروا فى سبيل الله ويقال: إنه رد إلى أول الآية وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا ثم قال تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ قال مقاتل والكلبي: نزلت هذه الآية في شأن علي بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم لم يملك غيرها، فلما نزل التحريض على الصدقة تصدق بدرهم بالليل، وبدرهم بالنهار، وبدرهم في السر، وبدرهم في العلانية، فنزلت هذه الآية الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ.

سِرًّا وَعَلانِيَةً يعني خفية وظاهراً.

ويقال: هذا حثّ لجميع الناس على الصدقة يتصدقون في الأحوال كلها وفي الأوقات كلها فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ «١» في «الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء» ، قال: وتكلَّم علي بن أبي طالب- رضي اللَّه عنه- بتسْعِ كلماتٍ، ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب أمَّا المناجاة، فقال: كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحكمة، فقال: قيمة كلّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ: استغن عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ.

انتهى.

ولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ» ، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة» : كلُّ ما دلَّ على معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتاً، وأشار إليه، ولو كان ساكتاً، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر.

انتهى.

قال ع «٢» : وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً، وقال: ص: وقوله تعالى: لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ، فالمعنى على هذا: ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر.

انتهى.

وقوله تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: وعدٌ محضٌ، أي: يعلمه، ويحصيه ليجازي عليه، ويثيب.

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ...

الآية: قال ابْنُ عَبَّاس:

نزلَتْ هذه الآيةُ في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ- رضي اللَّه عنه- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً «١» ، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال ع «٢» : والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ- رضي اللَّه عنه- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ...

الآية: الرِّبا: هو الزيادةُ، مأخوذ من:

رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم:

«أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي» ، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: لاَ يَقُومُونَ، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إلّا ٧٢ ب كما/ يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ «٣» ، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عقوبةً له وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ» .

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه عند جميع المتأولين:

في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ:

فَلَهُ مَا سَلَفَ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ «١» : وحرم اللَّه الربَا ليتقارض النَّاسُ.

وقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ، أي: من الربا لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أربعُ تأويلات:

أحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك.

والثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها.

والثالث: أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية.

والرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر.

وقوله تعالى: وَمَنْ عادَ، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة.

وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، يَمْحَقُ: معناه: ينقص، ويذهب ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ «٢» ، وهو انتقاصه، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم «إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى،

فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ» «١» .

قال ع «٢» : وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ «٣» أنَّ أبا الخير «٤» حدثه أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» أوْ قَالَ: «حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ» ، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلماً «٥» .

انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد.

قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر.

انتهى.

قال أبو عمر في «التمهيد» : وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ «١» .

انتهى.

وروى أبو داود في «سننه» ، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ «٢» ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ «٣» مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لأمّ سعد» «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً ﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في الَّذِينَ يَرْتَبِطُونَ الخَيْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، رَواهُ حَنَشٌ الصَّنْعانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ أبِي الدَّرْداءِ، وأبِي أُمامَةَ، ومَكْحُولٍ، والأوْزاعِيِّ في آَخَرِينَ.

والثّانِي: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَإنَّهُ كانَ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فَأنْفَقَ في اللَّيْلِ دِرْهَمًا وبِالنَّهارِ دِرْهَمًا، وفي السِّرِّ دِرْهَمًا، وفي العَلانِيَةِ دِرْهَمًا، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ السّائِبِ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَإنَّ عَلِيًّا بَعَثَ بِوَسْقٍ مَن تَمْرٍ إلى أهْلِ الصُّفَّةِ لَيْلًا، وبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلَيْهِمْ بِدَنانِيرَ كَثِيرَةٍ نَهارًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا وأحَلَّ اللهُ البَيْعُ وحَرَّمَ الرِبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهُ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًّا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ ولَمْ يُسَمِّ عَلِيًّا ولا غَيْرَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلَفِ الخَيْلِ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ الغافِقِيُّ، وأبُو ذَرٍّ وأبُو أُسامَةَ، والأوزاعِيُّ، وأبُو الدَرْداءِ، قالُوا: هي في عَلَفِ الخَيْلِ والمُرْتَبِطَةِ في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في المُنْفِقِينَ في سَبِيلِ اللهِ مِن غَيْرِ تَبْذِيرٍ ولا تَقْتِيرٍ.

والآيَةُ - وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - فَمَعْناها يَتَناوَلُ كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلَهُ وكُلَّ مَشّاءٍ بِصَدَقَتِهِ في الظُلَمِ إلى مَظِنَّةِ ذِي الحاجَةِ.

وأمّا عَلَفُ الخَيْلِ والنَفَقَةُ عَلَيْها فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ.

تَتَناوَلُها تَناوُلًا مُحْكَمًا، وكَذَلِكَ المُنْفِقُ في الجِهادِ المُباشِرُ لَهُ إنَّما يَجِيءُ إنْفاقُهُ عَلى رُتَبِ الآيَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَعْمَلُونَ بِهَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِتَفْصِيلِ الزَكاةِ قَصَرُوا عَلَيْها.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" دَخَلَتْ لِما في "الَّذِينَ" مِنَ الإبْهامِ، فَهو يُشْبِهُ بِإبْهامِهِ الإبْهامَ الَّذِي في الشَرْطِ، فَحَسُنَتِ الفاءُ في جَوابِهِ كَما تَحْسُنُ في الشَرْطِ، وإنَّما يُوجَدُ الشَبَهُ إذا كانَ "الَّذِي" مَوْصُولًا بِفِعْلٍ وإذا لَمْ يَدْخُلْ عَلى "الَّذِي" عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناهُ.

فَإنْ قُلْتَ: "الَّذِي أبُوهُ زَيْدٌ هو عَمْرٌو" فَلا تَحْسُنُ الفاءُ في قَوْلِكَ: "فَهُوَ"، بَلْ تُلَبِّسُ المَعْنى، وإذا قُلْتَ: "لَيْتَ الَّذِي جاءَنِي جاءَنِي" لَمْ يَكُنْ لِلْفاءِ - مَدْخَلٌ في المَعْنى.

وهَذِهِ الفاءُ المَذْكُورَةُ إنَّما تَجِيءُ مُؤَكِّدَةً لِلْمَعْنى، وقَدْ يُسْتَغْنى عنها إذا لَمْ يُقْصَدِ التَأْكِيدُ كَقَوْلِهِ بَعْدُ: "لا يَقُومُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا ﴾ الآيَةُ.

الرِبا: هو الزِيادَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن: رَبا يَرْبُو إذا نَما وزادَ عَلى ما كانَ.

وغالِبُهُ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن قَوْلِها لِلْغَرِيمِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟

فَكانَ الغَرِيمُ يَزِيدُ في عَدَدِ المالِ ويَصْبِرُ الطالِبُ عَلَيْهِ، ومِنَ الرِبا البَيِّنِ التَفاضُلُ في النَوْعِ الواحِدِ لِأنَّها زِيادَةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ البُيُوعِ المَمْنُوعَةِ إنَّما تَجِدُ مَنعَها لِمَعْنى زِيادَةٍ، إمّا في عَيْنِ مالٍ، وإمّا في مَنفَعَةٍ لِأحَدِهِما مِن تَأْخِيرٍ ونَحْوِهِ.

ومِنَ البُيُوعِ ما لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الزِيادَةِ، كَبَيْعِ الثَمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وكالبَيْعِ ساعَةَ النِداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإنْ قِيلَ لِفاعِلِها: آكِلُ رِبًا فَبِتَجَوُّزٍ وتَشْبِيهٍ.

والرِبا مِن ذَواتِ الواوِ، وتَثْنِيَتُهُ: رِبَوانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ويُكْتَبُ بِالألِفِ، قالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ ويُثَنّى بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي في أوَّلِهِ، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ في الثُلاثِيِّ مِن ذَواتِ الواوِ إذا انْكَسَرَ الأوَّلُ أوِ انْضَمَّ نَحْوُ "ضُحى"، فَإنْ كانَ مَفْتُوحًا نَحْوَ صَفا فَكَما قالَ البَصْرِيُّ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الرِبا ويَفْعَلُونَهُ، وقَصَدَ إلى لَفْظَةِ الأكْلِ، لِأنَّها أقْوى مَقاصِدِ الإنْسانِ في المالِ، ولِأنَّها دالَّةٌ عَلى الجَشَعِ، فَأُقِيمَ هَذا البَعْضُ مِن تَوابِعِ الكَسْبِ مَقامَ الكَسْبِ كُلِّهِ، فاللِباسُ والسُكْنى والِادِّخارُ والإنْفاقُ عَلى العِيالِ وغَيْرُ ذَلِكَ داخِلٌ كُلُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى قَوْلِهِ: "لا يَقُومُونَ" مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ مَعَهُ شَيْطانٌ يَخْنُقُهُ، وقالُوا كُلُّهُمْ: يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ المُجْمَعَ عَلَيْهِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كَما يَقُومُ المَجْنُونُ"، وأمّا ألْفاظُ الآيَةِ فَكانَتْ تَحْتَمِلُ تَشْبِيهَ حالِ القائِمِ بِحِرْصٍ وجَشَعٍ إلى تِجارَةِ الرِبا بِقِيامِ المَجْنُونِ، لِأنَّ الطَمَعَ والرَغْبَةَ تَسْتَفِزُّهُ حَتّى تَضْطَرِبَ أعْضاؤُهُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمُسْرِعٍ في مَشْيِهِ، مُخَلِّطٍ في هَيْئَةِ حَرَكاتِهِ إمّا مِن فَزَعٍ أو غَيْرِهِ: قَدْ جُنَّ هَذا.

وقَدْ شَبَّهَ الأعْشى ناقَتَهُ في نَشاطِها بِالجُنُونِ في قَوْلِهِ: وتُصْبِحُ مِن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقُ لَكِنَّ ما جاءَتْ بِهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وتَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ يُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ.

وَ"يَتَخَبَّطُهُ" يَتَفَعَّلُهُ مِن: خَبَطَ يَخْبِطُ، كَما تَقُولُ: تَمَلَّكَهُ وتَعَبَّدَهُ وتَحَمَّلَهُ.

والمَسُّ الجُنُونُ، وكَذَلِكَ الأولَقُ والألْسُ والزُؤْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ جَمِيعِ المُتَأوِّلِينَ: في الكُفّارِ، وأنَّهُ قَوْلُ تَكْذِيبٍ لِلشَّرِيعَةِ ورَدٌّ عَلَيْها، والآيَةُ كُلُّها في الكُفّارِ المُرْبِينَ نَزَلَتْ، ولَهم قِيلَ: "فَلَهُ ما سَلَفَ" ولا يُقالُ ذَلِكَ لِمُؤْمِنٍ عاصٍ ولَكِنْ يَأْخُذُ العُصاةُ في الرِبا بِطَرَفٍ مِن وعِيدِ هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ جَزَمَ تَعالى الخَبَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِبا ﴾ ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ ﴾ ، هَذا مِن عُمُومِ القُرْآنِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ، لِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ عِنْدَها بَيْعٌ، وكُلُّ ما عارَضَ العُمُومَ فَهو تَخْصِيصٌ مِنهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: "هُوَ مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ الَّذِي فُسِّرَ بِالمُحَلَّلِ مِنَ البَيْعِ، وبِالمُحَرَّمِ مِنَ الرِبا".

والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أصَحُّ، قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: "حَرَّمَ اللهُ الرِبا لِيَتَقارَضَ الناسُ".

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: حَرَّمَهُ اللهُ لِأنَّهُ مَتْلَفَةٌ لِلْأمْوالِ مَهْلَكَةٌ لِلنّاسِ.

وسَقَطَتْ عَلامَةُ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: "فَمَن جاءَهُ" لِأنَّ تَأْنِيثَ المَوْعِظَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وهو بِمَعْنى: وعَظَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فَمَن جاءَتْهُ" بِإثْباتِ العَلامَةِ.

وقَوْلُهُ: "فَلَهُ ما سَلَفَ" أيْ مِنَ الرِبا لا تِباعَةَ عَلَيْهِ مِنهُ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَن أسْلَمَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ ومَن كانَ يَتَّجِرُ هُناكَ، و"سَلَفَ" مَعْناهُ: تَقَدَّمَ في الزَمَنِ وانْقَضى.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأمْرُهُ إلى اللهِ ﴾ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ أحَدُها: أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الرِبا"، بِمَعْنى: وأمْرُ الرِبا إلى اللهِ في إمْرارِ تَحْرِيمِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

والآخَرُ: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "ما سَلَفَ" أيْ أمْرُهُ إلى اللهِ في العَفْوِ عنهُ وإسْقاطِ التَبِعَةِ فِيهِ، والثالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى ذِي الرِبا، بِمَعْنى: أمْرُهُ إلى اللهِ في أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى الِانْتِهاءِ أو يُعِيدَهُ إلى المَعْصِيَةِ في الرِبا.

والرابِعُ: أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى المُنْتَهِي، ولَكِنْ بِمَعْنى التَأْنِيسِ لَهُ، وبَسْطِ أمَلِهِ في الخَيْرِ،كَما تَقُولُ: وأمْرُهُ إلى طاعَةٍ وخَيْرٍ، ومَوْضِعُ رَجاءٍ، وكَما تَقُولُ: وأمْرُهُ في نُمُوٍّ أو إقْبالٍ إلى اللهِ وإلى طاعَتِهِ.

ويَجِيءُ الأمْرُ هاهُنا لَيْسَ في الرِبا خاصَّةً، بَلْ وجُمْلَةِ أُمُورِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن عادَ ﴾ يَعْنِي إلى فِعْلِ الرِبا، والقَوْلِ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا، وإنْ قَدَّرْنا الآيَةَ في كافِرٍ فالخُلُودُ خُلُودُ تَأْبِيدٍ حَقِيقِيٍّ، وإنْ لَحِظْناها في مُسْلِمٍ عاصٍ، فَهَذا خُلُودٌ مُسْتَعارٌ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "مُلْكٌ خالِدٌ": عِبارَةً عن دَوامٍ ما، لا عَلى التَأْبِيدِ الحَقِيقِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

جملة مستأنفة تفيد تعميم أحوال فضائل الإنفاق بعد أن خُصّص الكلام بالإنفاق للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله، فاسم الموصول مبتدأ، وجملة ﴿ فلهم أجرهم ﴾ خبر المبتدأ.

وأَدخل الفاء في خبر الموصول للتنبيه على تسبّب استحقاق الأجر على الإنفاق لأنّ المبتدأ لما كان مشتملاً على صلة مقصود منها التعميم، والتعليل، والإيماء إلى علّة بناء الخبر على المبتدأ وهي ينفقون صَحّ إدخال الفاء في خبره كما تدخل في جواب الشرط؛ لأنّ أصل الفاء الدلالة على التسبّب وما أدخلت في جواب الشرط إلاّ لذلك.

والسرّ: الخفاء.

والعلانية: الجهر والظهور.

وذكر عند ربّهم لتعظيم شأن الأجر.

وقوله: ﴿ ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ مقابل قوله: ﴿ وما للظالمين من أنصار ﴾ [البقرة: 270] إذ هو تهديد لمانعِي الصدقات بإسلام الناس إياهم عند حلول المصائب بهم، وهذا بشارة للمنفقين بطيب العيش في الدنيا فلا يخافون اعتداء المعتدين لأنّ الله أكسبهم محبة الناس إياهم، ولا تحلّ بهم المصائب المحزنة إلاّ ما لا يسلم منه أحد ممّا هو معتاد في إبانه.

أما انتفاء الخوف والحزن عنهم في الآخرة فقد علم من قوله: ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ .

ورُفع خوف في نفي الجنس إذ لا يتوهم نفي الفرد لأنّ الخوف من المعاني التي هي أجناس محضة لا أفراد لها كما تقدّم في قوله تعالى: ﴿ لا بيع فيه ولا خلة ﴾ [البقرة: 254]، ومنه ما في حديث أم زرع: «لا حَرٌ ولا قرٌ ولا مَخَافَةٌ ولا سَآمَةٌ».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قِيلَ: هم فُقَراءُ المُهاجِرِينَ، وفي (أُحْصِرُوا) أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهم مَنَعُوا أنْفُسَهم مِنَ التَّصَرُّفِ لِلْمَعاشِ خَوْفَ العَدُوِّ مِنَ الكُفّارِ، قالَهُقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: مَنَعَهُمُ الكُفّارُ بِالخَوْفِ مِنهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

والثّالِثُ: مَنَعَهُمُ الفَقْرُ مِنَ الجِهادِ.

والرّابِعُ: مَنَعَهُمُ التَّشاغُلُ بِالجِهادِ عَنْ طَلَبِ المَعاشِ.

﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا في الأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي تَصَرُّفًا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والثّانِي: يَعْنِي تِجارَةً، قالَهُ قَتادَةُ، والسُّدِّيُّ.

﴿ يَحْسَبُهُمُ الجاهِلُ أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ ﴾ يَعْنِي مِن قِلَّةِ خِبْرَتِهِ بِهِمْ، ومِنَ التَّعَفُّفِ: يَعْنِي مِنَ التَّقَنُّعِ والعِفَّةِ والقَناعَةِ.

﴿ تَعْرِفُهم بِسِيماهُمْ ﴾ السِّمَةُ: العَلامَةُ، وفي المُرادِ بِها هُنا قَوْلانِ: أحَدُهُما: الخُشُوعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: الفَقْرُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ لا يَسْألُونَ النّاسَ إلْحافًا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنْ يَسْألَ ولَهُ كِفايَةٌ.

والثّانِي: أنَّهُ الِاشْتِمالُ بِالمَسْألَةِ، ومِنهُ اشْتُقَّ اسْمُ اللِّحافِ.

فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ كانُوا يَسْألُونَ غَيْرَ إلْحافٍ؟

قِيلَ: لا; لِأنَّهم كانُوا أغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ، وإنَّما تَقْدِيرُ الكَلامِ لا يَسْألُونَ فَيَكُونُ سُؤالُهم إلْحافًا.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في أهْلِ الصُّفَّةِ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَمْ يَكُنْ لَهم بِالمَدِينَةِ مَنازِلُ ولا عَشائِرُ وكانُوا نَحْوَ أرْبَعِمِائَةٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ اخْتَلَفُوا في سَبَبِ نُزُولِها عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ، كانَتْ مَعَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ فَأنْفَقَها عَلى أهْلِ الصُّفَّةِ، أنْفَقَ في سَوادِ اللَّيْلِ دِرْهَمًا، وفي وضَحِ النَّهارِ دِرْهَمًا، وسِرًّا دِرْهَمًا، وعَلانِيَةً دِرْهَمًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في النَّفَقَةِ عَلى الخَيْلِ في سَبِيلِ اللَّهِ لِأنَّهم يُنْفِقُونَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً، قالَهُ أبُو ذَرٍّ، والأوْزاعِيُّ.

والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في كُلِّ مَن أنْفَقَ مالَهُ في طاعَةِ اللَّهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّها خاصَّةٌ في إباحَةِ الِارْتِفاقِ بِالزُّرُوعِ والثِّمارِ، لِأنَّهُ يَرْتَفِقُ بِها كُلُّ مارٍّ في لَيْلٍ أوْ نَهارٍ، في سِرٍّ وعَلانِيَةٍ، فَكانَتْ أعَمَّ لِأنَّها تُؤْخَذُ عَنِ الإرادَةِ وتُوافِقُ قَدْرَ الحاجَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن سعد في الطبقات وأبو بكر أحمد بن أبي عاصم في الجهاد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن عدي والطبراني وأبو الشيخ في العظمة والواحدي عن يزيد بن عبد الله بن عريب المكي عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنزلت هذه الآية ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ في أصحاب الخيل» .

وأخرج ابن عساكر عن أبي أمامة الباهلي قال: نزلت هذه الآية في أصحاب الخيل ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴾ فيمن يربطها لا خيلاء ولضمار.

وأخرج ابن جرير عن أبي الدرداء، أنه كان ينظر إلى الخيل مربوطة بين البراذين والهجن فيقول: أهل هذه من ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي عن أبي أمامة والباهلي قال: من ارتبط فرساً في سبيل الله، لم يرتبطه رياء ولا سمعة كان من ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم...

﴾ الآية.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والواحدي من طريق حنش الصنعاني، أنه سمع ابن عباس يقول في هذه الآية ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴾ قال: هم الذين يعلفون الخيل في سبيل الله.

وأخرج البخاري في تاريخه والحاكم وصححه عن أبي كبشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير، وأهلها معانون عليها، والمنفق عليها كالباسط يده بالصدقة» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن عساكر من طريق عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴾ قال: نزلت في علي بن أبي طالب، كانت له أربعة دراهم فأنفق بالليل درهماً، وبالنهار درهماً، وسراً درهماً، وعلانية درهماً.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق مسعر عن عون قال: قرأ رجل ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴾ فقال: إنما كانت أربعة دراهم فأنفق درهماً بالليل، ودرهماً بالنهار، ودرهماً في السر، ودرهماً في العلانية.

وأخرج ابن المنذر عن ابن إسحاق قال: لما قبض أبو بكر واستخلف عمر، خطب الناس فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أيها الناس إن بعض الطمع فقر، وإن بعض اليأس غنى، وإنكم تجمعون ما لا تأكلون وتأملون ما لا تدركون، واعلموا أن بعض الشح شعبة من النفاق، فانفقوا خيراً لأنفسكم، فأين أصحاب هذه الآية ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ ؟.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة في الآية قال: هؤلاء قوم أنفقوا في سبيل الله الذي افترض عليهم في غير سرف ولا إملاق ولا تبذير ولا فساد.

وأخرج ابن المنذر عن ابن المسيب ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ كلها في عبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، في نفقتهما في جيش العسرة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال: كان هذا قبل أن تفرض الزكاة.

وأخرج ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس في الآية قال: كان هذا يعمل به قبل أن تنزل براءة، فلما نزلت براءة بفرائض الصدقات وتفصيلها انتهت الصدقات إليها.

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً ﴾ الآية.

قال ابن عباس، في رواية مجاهد (١) (٢) (٣) وقال في رواية الضحاك (٤) ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا  ﴾ الآية.

بعث عبد الرحمن بن عوف إليهم بدنانير كثيرة، وبعث علي بن أبي طالب في جوف الليل (٥) (٦) ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ﴾ الآية.

عنى بالنهارِ علانيةً، صدقة عبد الرحمن، وبالليل سرًّا، صدقة علي.

وروى حنش بن عبد الله الصنعاني (٧) (٨) وبه قال أبو أمامة (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وروي هذا مرفوعًا عن النبي أنه قال (١٥) (١٦) قال أبو إسحاق: الذين: رفع بالابتداء، وجاز أن يكون الخبر (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (١) الحديث رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 108، ومن طريقه النحاس في "معاني القرآن" 1/ 305، والطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 80، والواحدي في "أسباب النزول" ص 92، "ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 543، وابن عساكر في "تاريخ دمشق" 42/ 358، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1688، وعزاه الحافظ في "الحجاب" 1/ 634 والسيوطي في "الدر" 1/ 642 إلى ابن مردويه، وإلى الطبري في "تفسيره"، قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 6/ 347: وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف، وقد حسن الدكتور المنيع في تحقيق "تفسير الثعلبي" 2/ 1689 إسناد الثعلبي.

وينظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 349.

(٢) لم أجده عن عطاء، وهو من الرواية التي تقدم الحديث عنها في قسم الدراسة.

(٣) في (ش): (أربع).

(٤) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1693، والبغوي في "تفسيره" 1/ 340، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 330، وهو من رواية جويبر عن الضحاك، وجويبر ضعيف جدًّا، والضحاك لم يسمع من ابن عباس.

(٥) سقطت من (ش).

(٦) في (ي): (وكان).

(٧) هو: حنش بن عبد الله، ويقال: ابن علي بن عمرو السبئي، أبو رِشدين الصنعاني،== نزيل إفريقيا، كان تابعيًّا ثقة شجاعًا من القادة، غزا المغرب والأندلس وأسَّسَ جامع قرطبة، توفي سنة 100 هـ.

ينظر "تقريب التهذيب" ص 183، (1576) و"تهذيب الكمال" 7/ 429.

(٨) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 5/ 304، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 543، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1697، وعزاه الحافظ في "العجاب" 1/ 636 إلى عبد ابن حميد، وعزاه السيوطي في "الدر" 1/ 641 إلى ابن المنذر.

(٩) رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" 5/ 304، والمحاملي في "أماليه" ص 49، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 543.

(١٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 100، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 92، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1693، والبغوي في "تفسيره" 1/ 340، "زاد المسير" 1/ 330.

(١١) ذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 543، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1693، والبغوي في "تفسيره" 1/ 340، وابن الجوزي في "تفسيره" 1/ 330.

(١٢) رواه عبد بن حميد كما عزاه إليه الحافظ في "العجاب" 1/ 636، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1693، والبغوي في "تفسيره" 1/ 340.

(١٣) في (ش): (قال).

(١٤) "تفسيرالثعلبي" 2/ 1694.

(١٥) في (م) قال في.

(١٦) الحديث رواه ابن سعد في "الطبقات" 7/ 433، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" 5/ 158، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 542، وأبو الشيخ في == "العظمة" 5/ 1781، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1695، والواحدي في "أسباب النزول" ص 92، والطبراني في "المعجم الكبير" 17/ 188، وغيرهم.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 30: فيه مجاهيل.

(١٧) في (م): (الخبر بها).

(١٨) في (م) و (ش): (الذين).

(١٩) "معاني القرآن" 1/ 358.

(٢٠) هو: عثمان بن جني النحوي اللغوي، تقدمت ترجمته.

(٢١) سقطت من (ش).

(٢٢) سقطت من (م).

(٢٣) سقطت من (ش).

(٢٤) سقطت من (ي).

(٢٥) ينظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 358، "تفسير الثعلبي" 2/ 1703، "مشكل إعراب القران" 1/ 142، "التبيان" ص 164، "البحر المحيط" 2/ 331.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ بالليل والنهار سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ تعميم لوجوه الإنفاق وأوقاته، قال ابن عباس: نزلت في عليّ فإنه تصدق بدرهم بالليل وبدرهم بالنهار وبدرهم سراً وبدرهم علانية وقال أبو هريرة: نزلت في علف الخيل.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولا تيمموا ﴾ بتشديد التاء ومد الألف: البزي وابن فليح الباقون على الأصل ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بكسر التاء: يعقوب أي من يؤتيه الله.

الباقون بالفتح ﴿ فنعما هي ﴾ ساكنة العين: أبو عمرو والمفضل ويحيى وأبو جعفر ونافع غير ورش ﴿ فنعما هي ﴾ بفتح النون وكسر العين: ابن عامر وعلي وحمزة وخلف والخراز، الباقون ﴿ فنعما هي ﴾ بكسر النون والعين والميم مشددة في القراءات، ﴿ ونكفر ﴾ بالنون والراء ساكنة: أبو جعفر ونافع وحمزة وخلف وعلي ﴿ ويكفر ﴾ بالياء والراء مرفوعة: ابن عامر وحفص والمفضل.

الباقون ﴿ ونكفر ﴾ بالنون ورفع الراء ﴿ يحسبهم ﴾ وبابه بفتح السين: ابن عامر ويزيد وحمزة وعاصم غير الأعشى وهبيرة.

﴿ بسيماهم ﴾ بالإمالة: حمزة وعلي وابن شاذان عن خلاد مخيراً.

وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة، وكذلك كل كلمة على ميزان "فعلى".

الوقوف: ﴿ من الأرض ﴾ "ز" لعطف المتفقتين ﴿ تغمضوا فيه ﴾ (ط)، ﴿ حميد ﴾ ه، ﴿ الفحشاء ﴾ ج، وإن اتفقت الجملتان ولكن للفصل بين تخويف الشيطان الكذاب ووعد الله الحق الصادق، ﴿ فضلاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، وقد يوصل على جعل ما بعده صفة، ﴿ من يشاء ﴾ ج لابتداء الشرط مع العطف.

ومن قرأ ﴿ ومن يؤت الحكمة ﴾ بالكسر فالوصل أجوز.

﴿ كثيراً ﴾ ط، ﴿ الألباب ﴾ ه، ﴿ يعلمه ﴾ ط، ﴿ أنصار ﴾ ه، ﴿ فنعما هي ﴾ ج، ﴿ خير لكم ﴾ ط، لمن قرأ ﴿ ونكفر ﴾ مرفوعاً بالنون أو الياء على الاستئناف.

ومن جزم بالعطف على موضع فهو خير لكم لم يقف ﴿ سيئاتكم ﴾ ط، ﴿ خبير ﴾ ه، ﴿ من يشاء ﴾ ط لابتداء الشرط ﴿ فلأنفسكم ﴾ ط لابتداء النفي، ﴿ وجه الله ﴾ ط، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه، ﴿ في الأرض ﴾ ز لأن ﴿ يحسبهم ﴾ وإن صلحت حالاً بعد حال نظماً، ولكن لا يليق بحال من أحصر.

﴿ التعفف ﴾ ز لأن ﴿ تعرفهم ﴾ تصلح استئنافاً والحال أوجه أي يحسبهم الجاهل أغنياء وأنت تعرفهم بحقيقة ما في بطونهم من الضر وهم لا يسألون الناس على إلحاف.

وقد يجعل ﴿ لا يسألون ﴾ استئنافاً فيجوز الوقف على ﴿ سيماهم ﴾ ﴿ إلحافاً ﴾ ط، ﴿ عليم ﴾ ه، ﴿ عند ربهم ﴾ ج ﴿ يحزنون ﴾ ه.

التفسير: لما رغب في الإنفاق وذكر أن منه ما يتبعه المن والأذى، ومنه ما لا يتبعه ذلك، وشرح ما يتعلق بكل من القسمين وضرب لكل واحد مثلاً، ذكر بعد ذلك أن المال الذي أمر بإنفاقه في سبيل الله كيف يجب أن يكون فقال ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما/ أخرجنا ﴾ أي من طيبات ما أخرجنا، فحذف لدلالة الأول عليه.

عن الحسن: أن المراد من هذا الإنفاق الفرض بناء على أن ظاهر الأمر للوجوب، والإنفاق الواجب ليس إلا الزكاة وسائر النفقات الواجبة، وقيل: التطوع لما روي عن علي والحسن ومجاهد أن بعض الناس كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم فأنزل الله هذه الآية.

عن ابن عباس: "جاء رجل ذات يوم بعذق حشف فوضعه في الصدقة لأهل الصفة على حبل بين أسطوانيتن في مسجد رسول الله  فقال  : بئسما صنع صاحب هذا" فنزلت.

وقيل: يشمل الفرض والنفل، لأن المفهوم من الأمر ترجيح جانب الفعل على الترك فقط، ويتفرع على قول الوجوب وجوب الزكاة في كل مال يكسبه الإنسان، فيشمل زكاة التجارة وزكاة الذهب والفضة وزكاة النعم وزكاة كل ما ينبت من الأرض، إلا أن العلماء خصصوها بالأقوات لما روي أنه  قال: " الصدقة في أربعة: في التمر والزبيب والحنطة والشعير وليس فيما سواها صدقة" فهذا الخبر ينفي الزكاة في غير الأربعة، لكن ثبت أخذ الزكاة من الذرة وغيرها بأمر  فعلم وجوب الزكاة في الأقوات دون غيرها.

ولا يكفي في وجوب الزكاة كون الشيء مقتاتاً على الإطلاق، بل المعتبر حالة الاختيار لا وقت الضرورة ومثله الشافعي بالقت وحب الحنظل وسائر البذور البرية، وشبهها ببقرة الوحش لا زكاة فيها لأن الناس لا يتعهدونها.

وأيضاً لا تجب الزكاة في القوت ما لم يبلغ خمسة أوسق وبه قال مالك وأحمد لرواية أبي سعيد الخدري أن النبي  قال: "ليس فيما دون خمسَة أوسق صدقة" وقال أبو حنيفة: يجب العشر في القليل والكثير استدلالاً بعموم الآية.

وتفصيل الكلام في الأموال الزكوية وكيفية إخراجها ونصاب كل منها مشهور مذكور في الفروع، فلذلك ولطولها لم نشرع فيها.

وما المراد بالطيب في الآية؟

قيل: الجيد فيكون المراد بالخبيث الرديء لما مر في سبب النزول أنهم كانوا يتصدقون برذالة أموالهم فنهوا عن ذلك، ولأن المحرم لا يجوز أخذه بالإغماض وبغيره، والآية دلت على جواز أخذ الخبيث بالإغماض، وعن ابن مسعود ومجاهد: أن الطيب هو الحلال والخبيث هو الحرام، والمراد من الإغماض هو المسامحة وترك الاستقصاء.

والمعنى ولستم بآخذيه وأنتم تعلمون أنه محرم إلا أن ترخصوا لأنفسكم أخذ الحرام ولا تبالوا من أي وجه أخذتم المال من حلاله أو من حرامه، ويحتمل أن يراد ما/ يكون طيباً من جميع الوجوه فيكون طيباً بمعنى الحلال وبمعنى الجودة أيضاً، لأن الاستطابة قد تكون شرعاً وقد تكون عقلاً.

واعلم أن المال الزكوي إن كان كله شريفاً وجب أن يكون المأخوذ منه كذلك، وإن كان الكل خسيساً فلا يكلف صاحبه فوق طاقته ولا يكون خلافاً للآية لأن المأخوذ في هذه الحال لا يكون خبيثاً من ذلك المال وإنما الكلام فيما لو كان في المالجيد ورديء فحينئذٍ يقال للإنسان لا تجعل الزكاة من رديء مالك، ولا تكلف أيضاً جيده لقوله  لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: " اعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإياك وكرائم أموالهم " بل الواجب حينئذٍ هو الوسط.

ثم إن قلنا: المراد من الإنفاق في الآية التطوع أو هو والفرض جميعاً، فالمعنى أن الله  ندبهم إلى أن يتقربوا إليه بأفضل ما يملكونه قضاء لحقوق التعظيم والإخلاص، ومعنى ﴿ لا تيمموا الخبيث ﴾ لا تقصدوه.

يقال: تيممته وتأممته كله بمعنى قصدته.

ومحل ﴿ تنفقون ﴾ نصب على الحال، وقدم ﴿ منه ﴾ عليه ليعلم أن المنهي عنه هو تخصيص الخبيث بالإنفاق منه أي إذا كان في المال طيب وخبيث.

ويحتمل أن يتم الكلام عند قوله: ﴿ ولا تيمموا الخبيث ﴾ ثم ابتدأ مستفهماً بطريق الإنكار فقال: ﴿ منه تنفقون ﴾ وحالكم أنكم لا تأخذونه في حقوقكم إلا بالإغماض وهو غض البصر وإطباق جفن على جفن وأصله من الغموض وهو الخفاء.

يقال للبائع: أَغْمِضْ أي لا تستقص كأنك لا تبصر.

وأصله أن الإنسان إذا رأى ما يكره أغمض عينيه كيلا يرى ذلك، فكثر حتى جعل كل مساهلة إغماضاً أي لو أهدي لكم مثل هذه الأشياء أخذتموها إلا على استحياء وإغماض، فكيف ترضون لي ما لا ترضونه لأنفسكم؟

ويحتمل أن يراد إلا إذا أغمضتم بصر البائع أي كلفتموه الحط من الثمن.

عن الحسن: لو وجدتموه في السوق يباع ما أخذتموه حتى يهضم لكم من ثمنه.

﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ عن صدقاتكم ﴿ حميد ﴾ محمود على ما أنعم من البيان والتكليف بما تحوزون به النعيم الأبدي، أو حامد شاكر على إنفاقكم كقوله: ﴿ فأولئك كان سعيهم مشكوراً  ﴾ ثم إن الله  لما رغب في أجود ما يملكه الإنسان أن ينفق، حذر عن وسوسة الشيطان فقال: ﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ أما الشيطان فيشمل إبليس وجنوده وشياطين الإنس والنفس الأمارة بالسوء.

والوعد يستعمل في الخير والشر.

قال  : ﴿ النار وعدها الله الذين كفروا  ﴾ ويمكن أن يكون استعماله في الشر محمولاً على التهكم مثل ﴿ فبشرهم بعذاب أليم  ﴾ وأصل الفقر في اللغة كسر الفقار وقرىء الفقر بضمتين، والفقر بفتحتين.

﴿ ويأمركم بالفحشاء ﴾ يغريكم على البخل ومنع الصدقات إغراء الآمر للمأمور.

والفاحش عند العرب البخيل.

والتحقيق أن لكل خلق طرفين ووسطاً، فالطرف الكامل للإنفاق هو أن يبذل كل ماله في سبيل الله، والطرف الأفحش أن لا ينفق شيئاً لا الجيد ولا الرديء، والوسط أن يبخل بالجيد وينفق الرديء.

فالشيطان إذا أراد نقله من الأفضل إلى الأفحش، فمن خفي حيلته أن يجره إلى الوسط وهو وعده بالفقر، ثم إلى الطرف وهو أمره بالفحشاء.

وذلك أن البخل صفة مذمومة عند كل أحد فلا يمكنه أن يجره ابتداء إليها إلا بتقديم مقدمة هي التخويف بالفقر إذا أنفق الجيد من ماله، فإذا أطاعه زاد فيمنعه من الإنفاق بالكلية.

وربما تدرج إلى أن يمنع الحقوق الواجبة فلا يؤدي الزكاة ولا يصل الرحم ولا يرد الوديعة، فإذا صار هكذا ذهب وقع الذنوب عن قلبه ويتسع الخرق فيقدم على المعاصي كلها.

ثم لما ذكر درجات وسوسة الشيطان أردفها بذكر إلهامات الرحمن فقال: ﴿ والله يعدكم مغفرة منه وفضلاً ﴾ فالمغفرة إشارة إلى منافع الآخرة والفضل إشارة إلى ما يحصل في الدنيا من الخلف عن النبي  " إن الملك ينادي كل ليلة: اللهم أعط منفقاً خلفاً وممسكاً تلفا " فالشيطان يعدكم الفقر في غد الدنيا، والرحمن يعدكم المغفرة في غد العقبى، ووعد الرحمن بالقبول أولى لأن الوصول إلى غد الدنيا مشكوك فيه، وغد العقبى مقطوع به.

وعلى تقدير وجدان غد الدنيا فقد لا يبقى المال بآفةأخرى، وعند وجدان العقبى لا بد من حصول المغفرة فإن الله  لا يخلف الميعاد.

ولو فرض بقاء المال فقد لا يتمكن صاحبه من الانتفاع به لخوف أو مرض أومهم بخلاف الانتفاع بما في الآخرة فإنه لا مانع منه.

وبتقدير التمكن من الانتفاع بالمال فإن ذلك ينقطع ويزول بخلاف الموعود في الآخرة فإنه باق لا يزول.

وأيضاً لذات الدنيا مشوبة بالآلام والمضار ألبتة، فلا لذة إلا وفيها ألم من وجوه كثيرة بخلاف لذات الآخرة فإنه لا نغص فيها ولا نقص.

والمراد بالمغفرة تكفير الذنوب، والتنكير فيه للدلالة على الكمال والتعظيم لا سيما وقد قرن به لفظة "منه" فإن غاية كرمه ونهاية جوده مما يعجز عن إدراكها عقول الخلائق.

ويحتمل أن يكون نوعاً من المغفرة وهو المشار إليه في آية أخرى ﴿ فأولئك يبدل الله سيآتهم حسنات  ﴾ أو أن يجعل شفيعاً في غفران ذنوب إخوانه المؤمنين.

وأما الفضل فيحتمل أن يراد به الفضيلة الحاصلة للنفس وهي ملكة الجود والسخاء، وذلك أن المال فضيلة خارجية وعدمه نقصان خارجي، وملكة الجود فضيلة نفسانية وملكة البخل رذيلة/ نفسانية، فمتى لم يحصل الإنفاق حصل الكمال الخارجي والنقصان الداخلي، وإذا حصل الإنفاق وجد الكمال الداخلي والنقصان الخارجي، فيكون الإنفاق أولى وأفضل.

وأيضاً متى حصلت ملكة الإنفاق زالت عن النفس هيئة الاشتغال بنعيم الدنيا والتهالك في طلبها فاستنارت بالأنوار القدسية وهذا هو الفضل.

وأيضاً مهما عرف من الإنسان أنه منفق كانت الهمم معقودة على أن يفتح الله عليه أبواب الرزق ولمثل ذلك من التأثير ما لا يخفى ﴿ والله واسع ﴾ كامل العطاء كافل للخلف قادر على إنجاز ما وعد ﴿ عليم ﴾ بحال من أنفق ثقة بوعده وبحال من لم ينفق طاعة للشيطان.

ثم نبه على الأمرالذي لأجله يحصل ترجيح وعد الرحمن على وعد الشيطان وهو الحكمة والعقل، فإن وعد الشيطان إنما ترجحه الشهوة والنفس.

عن مقاتل: إن تفسير الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم ﴿ وآتيناه الحكم صبياً  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن بما فيه من الأسرار ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

فتأمل يا مسكين شرف العلم فإن الله  سماه الخير الكثير ﴿ ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً ﴾ والتنكير للتعظيم.

وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قل متاع الدنيا قليل ﴾ وذلك أن الدنيا متناهية العدد، متناهية المقدار، متناهية المدة والعلوم، لا نهاية لمراتبها وعددها ومدة بقائها والسعادات الحاصلة منها.

واعلم أن كمال الإنسان في شيئين: أن يعرف الحق لذاته والخير لأجل العمل به.

فمرجع الأول إلى العلم والإدراك المطلق، ومرجع الثاني إلى فعل العدل والصواب، ولذلك سأل إبراهيم  ﴿ رب هب لي حكماً  ﴾ وهو الحكمة النظرية، ﴿ وألحقني بالصالحين  ﴾ وهو الحكمة العملية.

ونودي موسى  ﴿ إنى أنا الله لا إله إلا أنا ﴾ وهو الحكمة النظرية ثم قال: ﴿ فاعبدني  ﴾ وهو العملية.

وحكي عن عيسى  أنه ﴿ قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً وجعلني مباركاً أينما كنت  ﴾ وكلها النظرية ﴿ وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حياً وبراً بوالدتي ولم يجعلني جباراً شقياً  ﴾ وجميعها العملية.

وقال في حق محمد  : ﴿ فاعلم أنه لا إله إلا الله  ﴾ وهو النظرية ثم قال ﴿ واستغفر لذنبك  ﴾ وهو العملية.

وقال في حق جميع الأنبياء ﴿ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا  ﴾ وأنه الحكمة العلمية ثم قال ﴿ فاتقون  ﴾ وهو الحكمة العملية./ فعلم من هذه الآيات وأمثالها أن كمال حال الإنسان في هاتين القوتين.

والحكمة فعلة من الحكم كالنحلة من النحل.

ورجل حكيم إذا كان ذا حجا ولب وإصابة رأي، فعيل بمعنى فاعل ويجيء بمعنى مفعول ﴿ فيه يفرق كل أمر حكيم  ﴾ أي محكم.

وفي الآية دليل على أن جميع العلوم النظرية والأخلاق المرضية إنما هي بإيتاء الله  .

والذين حملوا الإيتاء على التوفيق والإعانة كالمعتزلة ما زادوا إلا أن وسعوا الدائرة إذ لا بد من الانتهاء إليه أية سلكوا ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين إذا حصل لهم الحكم والمعارف لم يقفوا عند المسببات، فلم ينسبوا هذه الأحوال إلى أنفسهم بل يرقون إلى أسبابها حتى يصلوا إلى السبب الأول.

وأما المعتزلة فإنهم لما فسروا الحكمة بقوة الفهم ووضع الدلائل قالوا: هذه الحكمة لا تفيد بنفسها وإنما ينتفع بها المرء إذا تدبر وتذكر فعرف ماله وما عليه، وعند ذلك يقدم أو يحجم.

ثم إنه  نبه على أنه عالم بما في قلب العبد من نية الإخلاص أو الرياء، وأنه يعلم القدر المستحق من الثواب والعقاب على تلك الدواعي والنيات فلا يهمل شيئاً منها فقال ﴿ وما أنفقتم من نفقة ﴾ لله أو للشيطان ﴿ أو نذرتم من نذر ﴾ في طاعة الله أو معصيته ﴿ فإن الله يعلمه ﴾ وتذكير الضمير إما لأنه عائد إلى "ما" وإما لأنه عائد إلى الأخير كقوله: ﴿ ومن يكسب خطيئة أو إثماً ثم يرم به بريئاً  ﴾ وهذا قول الأخفش، والنذر ما يلتزمه الإنسان بإيجابه على نفسه وأصله من الخوف كأنه يعقد على نفسه خوف التقصير في الأمر المهم عنده ومنه الإنذار إبلاغ مع تخويف.

واعلم أن النذر قسمان: نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر.

أما الأول فهو أن يمنع نفسه من الفعل أو يحثها عليه بتعليق التزام قربة بالفعل أو الترك كقوله "إن كلمت فلاناً أو أكلت كذا أو دخلت الدار أو لم أخرج من البلد فللَّه علي صوم شهر أو صلاة أو حج أو إعتاق رقبة" ثم إنه إذا كلمه أو أكل أو دخل أو لم يخرج فللعماء ثلاثة أقوال: أحدها يلزمه الوفاء بما التزم، والثاني: وهو الأصح أن عليه كفارة يمين لما روي أنه  : "كفارة النذر كفارة اليمين" ، والثالث: التخيير بين الوفاء وبين الكفارة.

وأما نذر التبرر فنوعان: نذر المجازاة وهو أن يلتزم قربة في مقابلة حدوث نعمة أو اندفاع نقمة مثل "إن شفى الله مريضي أو رزقني ولدا فللَّه علي أن أعتق رقبة أو أصوم أو أصلي كذا" فإذا حصل المعلق عليه لزمه الوفاء بما التزم لقوله  : " "من نذر أن يطيع الله فليطعه " .

ونذر التنجيز وهو أن يلتزم ابتداء غير معلق على شيء كقوله "لله علي/ أن أصوم أو أصلي أو أعتق" فالأصح أنه يصح ويلزم الوفاء به لمطلق الخبر.

وما يفرض التزامه بالنذر إما المعاصي وإما الطاعات وإما المباحات.

فالمعاصي كشرب الخمر والزنا ونذر المرأة صوم أيام الحيض ونذر قراءة القرآن في حال الجنابة لا يصح التزامها بالنذر لأنه لا نذر في معصية الله  ، ومن هذا القبيل نذر ذبح الولد أو ذبح نفسه.

وإذا لم ينعقد نذر فعل المعصية فعليه أن يمتنع منه ولا يلزمه كفارة يمين، وما روي من أنه  قال: " لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين " محمول على نذر اللجاج، وأما الطاعات فالواجبات ابتداء بالشرع كالصلوات الخمس وصوم رمضان لا معنى لالتزامها بالنذر معلقاً أو غير معلق، وكذا لو نذر أن لا يشرب الخمر ولا يزني، وإذا خالف ما ذكره فلا يلزمه الكفارة على الأصح، وأما غير الواجبات فالعبادات المقصودة وهي التي وضعت للتقرب بها وعرف من الشارع الاهتمام بتكليف الخلق بإيقاعها عبادة فتلزم بالنذر وذلك كالصوم والصلاة والزكاة والصدقة والحج والاعتكاف والإعتاق وكذا فروض الكفايات التي يحتاج فيها إلى معاناة تعب وبذل مال كالجهاد وتجهيز الموتى، ذكره إمام الحرمين - وفي الصلاة على الجنازة والأمر بالمعروف، وما ليس فيه بذل مال وكثير مشقة الأظهر اللزوم أيضا، وكما يلزم أصل العبادات بالنذر يلزم رعاية الصفة المشروطة فيها إذا كانت من المحبوبات كالصلاة بشرط طول القراءة أو الركوع أو السجود أو الحج بشرط المشي إذا جعلناه أفضل من الركوب وهو الأصح ولو أفرد الصفة بالالتزام.

والأصل واجب كتطويل الركوع والسجود أو القراءة في الفرائض، فالأشبة اللزوم لأنها عبادات مندوب إليها.

وأما الأعمال والأخلاق المستحسنة كعيادة المريض وزيارة القادم وإفشاء السلام على المسلمين فالأظهر لزومها أيضاً بالنذر، وكذا تجديد الوضوء لأن كلها مما يتقرب بها إلى الله  ، وقد رغب الشارع فيها.

وأما المباحات التي لم يرد فيها ترغيب كالأكل والنوم والقيام والقعود فلو نذر فعلها أو تركها لم ينعقد نذره، "روي أن النبي  رأى رجلاً قائماً في الشمس فسأل عنه فقالوا: نذر أن لا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم فقال  : مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه" .

ولو قال: "لله عليّ نذر" من غير تسمية لزمه كفارة يمين لقوله  : " "من نذر نذراً وسمى فعليه ما سمى، ومن نذر نذراً ولم يسم فعليه كفارة يمين " ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين يمنعون الصدقات، أو ينفقون أموالهم في المعاصي، أو للرياء، أو لا يوفون بالنذور، أو ينذرون في/ المعاصي ﴿ من أنصار ﴾ ممن ينصرهم من الله ويمنعهم من عقابه.

والأنصار جمع ناصر كأصحاب في صاحب، أو جمعٍ نصير كأشراف في شريف.

وقد يتمسك المعتزلة بهذا في نفي الشفاعة لأهل الكبائر، فإن الشفيع ناصر.

ورد بأن الشفيع في العرف لا يسمى ناصراً وإلا كان قوله ﴿ ولا هم ينصرون  ﴾ بعد قوله: ﴿ ولا يقبل منها شفاعة  ﴾ تكراراً.

وأيضاً إن هذا الدليل النافي عام في حق كل الظالمين وفي كل الأوقات، والدليل المثبت للشفاعة خاص في حق البعض وفي بعض الأوقات والخاص مقدم على العام.

وأيضا اللفظ لا يكون قاطعاً في الاستغراق بل ظاهراً على سبيل الظن القوي فصار الدليل ظنياً والمسألة ليست ظنية فكان التمسك بها ساقطاً.

"سألوا رسول الله  أصدقة السر أفضل أم صدقة العلانية فنزلت: ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ " والتركيب موضوع للصحة والكمال ومنه "فلان صادق المودة" و"هذا خل صادق الحموضة" و"صدق فلان في خبر" إذا أخبر على وجه الصحة والكمال، ومنه "الصداق" لأن عقد الصداق به يتم ويكمل، والزكاة صدقة لأن المال بها يصح ويبقى وبها يستدل على صدق العبد وكماله في إيمانه، ﴿ فنعما هي ﴾ من قرأ بسكون العين فمحمول على أنه أوقع على العين حركة خفيفة على سبيل الاختلاس وإلا لزم التقاء الساكنين على غير حدة، ومثله ما يروى في الحديث أنه  قال لعمرو بن العاص: " "نعم المال الصالح للرجل الصالح " بسكون العين.

ومن قرأ بكسر النون والعين فلتحصيل المشاكلة، ومن قرأ بفتح النون وكسر العين فعلى الأصل.

قال طرفة: نعم الساعون في الأمر المبر *** قال سبيويه: "ما" في تأويل الشيء أي نعم الشيء هي.

وقال أبو علي: الجيد في مثله أن يقال: "ما" في تأويل شيء لأن "ما" ههنا نكرة إذ لو كانت معرفة بقيت بلا صلة.

فإن "هي" مخصوصة بالمدح.

فالتقدير: نعم شيئاً إبداء الصدقات.

فحذف المضاف للدلالة، أو نعم شيئاً تلك الصدقات، أو تلك الخصلة وهي الإبداء.

قال الأكثرون: المراد بها صدقة التطوع لقوله  : ﴿ وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ﴾ والإخفاء في صدقة التطوع أفضل كما أن الإظهار في الزكاة أفضل أما الأول فلأن ذلك أشق على النفس فيكون أكثر ثواباً، ولأنه أبعد عن الرياء والسمعة قال  : "لا يقبل الله من مسمع ولا مراء ولا منان " والمتحدث بصدقته لا شك أنه يطلب السمعة، والمعطي في ملأ من الناس يطلب الرياء، وقد بالغ قوم في الإخفاء واجتهدوا أن لا يعرفهم الآخذ، فبعضهم كان يلقي الصدقة في يد/ الأعمى، وبعضهم يلقيها في طريق الفقير أو في موضع جلوسه بحيث يراها ولا يرى المعطي، وبعض يشدها في ثوب الفقير وهو نائم، وبعض يوصل إلى الفقير على يد غيره، وقال  : " أفضل الصدقة جهد المقل إلى فقير في سر " وقال أيضاً: " إن العبد ليعمل عملاً في السر فيكتبه الله سراً، فإن أظهره نقل من السر وكتب في العلانية، فإن تحدث به نقل من السر والعلانية وكتب في الرياء" وقال  : " "صدقة السر تطفىء غضب الرب " وأيضاً في الإظهار هتك ستر الفقير وإخراجه من حيز التعفف، وربما أنكر الناس على الفقير أخذ تلك الصدقة لظن الاستغناء به فيقع الفقير في المذمة والناس في الغيبة، ولأن في الإظهار إذلالاً للآخذ وإهانة له، وإذلال مؤمن غير جائزة ولأن الصدقة كالهدية، وقال  : " "من أهدي إليه هدية وعنده قوم فهم شركاء فيها " وربما لا يدفع الفقير إليهم شيئاً فيقع في حيز اللوم والتعنيف.

نعم لو علم أنه إذا أظهرها اقتدى غيره به لم يبعد والحالة هذه أن يكون الإظهار أفضل.

وروى ابن عمر أنه  قال: " السر أفضل من العلانية والعلانية أفضل لمن أراد الاقتداء " واعلم أن الإنسان إذا أتى بعمل وهو يخفيه عن الخلق وفي نفسه شهوة أن يرى الخلق منه ذلك وهو يدفع تلك الشهوة، فههنا الشيطان يردد عليه ذكر رؤية الخلق والقلب ينكره.

فهذا الإنسان في محاربة الشيطان فيكون إخفاؤه يفضل علانيته سبعين ضعفاً كما روي عن ابن عباس: صدقات السر في التطوع تفضل علانيتها سبعين ضعفاً.

ثم إن الله  عباداً راضوا أنفسهم حتى من الله عليهم بأنوار هدايته، وذهبت عنهم وساوس النفس لأن الشهوات قد ماتت منهم ووقعت قلوبهم في بحار عظمة الله فلم يحتاجوا إلى المجاهدة.

فإذا أعلنوا بالعمل أرادوا أن يقتدي بهم غيرهم، فهم كاملون في أنفسهم ويسعون في تكميل غيرهم كما قال  : ﴿ وممن خلقنا أمة يهدون بالحق  ﴾ ﴿ واجعلنا للمتقين إماماً  ﴾ فهؤلاء أئمة الهدى وأعلام الدين وسادة الخلق بهم يقتدى في الذهاب إلى الله.

وأما أن الإظهار في إعطاء الزكاة أفضل فلأن الله أمر الأئمة بتوجيه السعادة لطلب الزكوات، وفي دفعها إلى السعاة إظهارها، ولأنه ينفي التهمة ولهذا روي أنه  كان أكثر صلاته في البيت إلا المكتوبة.

وعن ابن عباس: صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفاً.

هذا إذا كان المزكي ممن لا يخفى يساره، فإن لم يعرف باليسار كان الإخفاء له أفضل ولا سيما إذا خاف الظلمة أن يطمعوا في ماله.

وعن بعضهم أن معنى قوله ﴿ خير لكم ﴾ أنه في نفسه خير من الخيرات كما يقال الثريد خير من الأطعمة./ وإنما قيل ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ لأن المقصود من بعث المتصدق أن يتحرى موضع الصدقة فيصير عالماً بالفقراء مميزاً لهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة فلهذا شرط في الإخفاء أن يحصل معه إيتاء الفقراء.

وأما في الإبداء فقلما يخفى حال الفقير فلهذا لم يصرح بالشرط.

﴿ ونكفر عنكم ﴾ من قرأ بالنون مرفوعاً فهو عطف على محل ما بعد الفاء، لأن الأصل في الشرط والجزاء أن يكونا فعلين.

فإذا وقع الجزاء فعلاً مضارعاً مع الفاء كان خبر مبتدأ محذوف.

فقوله: ﴿ فهو ﴾ في تأويل.

فيكون خيراً لكم ﴿ ونكفر ﴾ بالرفع عطف عليه، ويحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي ونحن نكفر، وأن يكون جملة من فعل وفاعل مستأنفة.

ومن قرأ مجزوماً فهو عطف على محل الفاء وما بعده لأنه جواب الشرط كأنه قيل: وإن تخفوها تكن أعظم أجراً.

وأما من قرأ ﴿ ويكفر ﴾ بياء الغيبة مرفوعاً فالإعراب كما مر في النون والضمير لله أو للإخفاء.

وقرىء ﴿ وتكفر ﴾ بالتاء مرفوعاً ومجزوماً والضمير للصدقات، وقرأ الحسن بالياء والنصب بإضمار "إن" ومعناه: وإن تخفوها تكن خيراً لكم وأن يكفر عنكم خير لكم.

والتكفير في اللغة الستر والتغطية ومنه "كفر عن يمينه" أي ستر ذنب الحنث.

وقوله: ﴿ من سيئاتكم ﴾ يحتمل أن يكون "من" للتبعيض لأن السيئات كلها لا تكفر وإنما يكفر بعضها، ثم أبهم الكلام في ذلك البعض لأن بيانه كالإغراء على ارتكابها، وأحسن أحوال العبد أن يكون بين الخوف والرجاء.

ويحتمل أن يكون للتعليل أي من أجل سيئاتكم كما لو قلت: ضربتك من سوء خلقك أي من أجل ذلك.

وقيل: إنها زائدة.

﴿ والله بما تعملون خبير ﴾ كأنه ندب بهذا الكلام إلى الإخفاء الذي هو أبعد من الرياء.

عن الكلبي أنه قال: "اعتمر رسول الله  عمرة القضاء وكانت معه أسماء بنت أبي بكر، فجاءتها أمها قتيلة وجدتها فسألتاها وهما مشركتان فقالت: لا أعطيكما شيئاً حتى أستأمر رسول الله  فإنكما لستما على ديني.

فاستأمرته في ذلك فأنزل الله  : ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فأمرها رسول الله  بعد نزولها أن تتصدق عليهما فأعطتهما ووصلتهما" قال الكلبي: ولها وجه آخر، وذلك أن ناساً من المسلمين كانت لهم قرابة وأصهار ورضاع في اليهود، وكانوا ينفعونهم قبل أن يسلموا.

فلما أسلموا كرهوا أن ينفعوهم وراودوهم أن يسلموا واستأمروا رسول الله  فنزلت فأعطوهم بعد نزولها.

وعن سعيد بن جبير قال: "قال رسول الله  : لا تصدقوا إلا على أهل دينكم فأنزل الله ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ فقال رسول الله  : تصدقوا على أهل الأديان" وعن بعض العلماء: لو كان شر خلق الله لكان لك ثواب نفقتك.

والعلماء أجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلى غير المسلم فتكون/ الآية مخصوصة بالتطوع.

وجوز أبو حنيفة صرف صدقة الفطر إلى أهل الذمة وأباه غيره،ومعنى الآية ليس عليك هدى من خالفك حتى تمنعهم الصدقة لأجل أن يدخلوا في الإسلام فتصدق عليهم لوجه الله ولا توقف ذلك على إسلامهم، وذلك أنه  كان شديد الحرص على إيمانهم فأعلمهم الله  أنه بعث بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله ومبيناً للدلائل فأما كونهم مهتدين فليس ذلك منك ولا بك.

فالهدى ههنا بمعنى الاهتداء، فسواء اهتدوا أو لم يهتدوا فلا تقطع معونتك وبرك وصدقتك عنهم.

وفيه وجه آخر ليس عليك أن تلجئهم إلى الاهتداء بواسطة توقيف الصدقة على إيمانهم، فإن مثل هذا الإيمان لا ينتفعون به، بل الإيمان المطلوب منهم هو الإيمان طوعاً واختياراً ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ إثبات للهداية التي نفاها أولاً.

لكن المنفي أولاً هو الهداية أي الاهتداء على سبيل الاختيار فكذا الثاني.

ومنه يعلم أن الاهتداء الاختياري واقع بتقدير الله  وتخليقه وتكوينه وهذا التفسير هو المناسب لسبب النزول.

وفي الكشاف: أن المعنى لا يجب عليك أن تجعلهم مهديين إلى الانتهاء عما نهوا عنه من المن والأذى والإنفاق من الخبيث وغير ذلك، وما عليك إلا أن تبلغهم النواهي فحسب ﴿ ولكن الله يهدي من يشاء ﴾ يلطف بمن يعلم أن اللطف ينفع فيه فينتهي عما نهى عنه.

ثم ظاهر قوله: ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ إنه خطاب مع النبي  ولكن المراد به هو وأمته، لأن ما قبله عام ﴿ إن تبدوا الصدقات ﴾ وما بعده عام ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من مال ﴿ فلأنفسكم ﴾ ثوابه فليس يضركم كفرهم أو فلا تمنوا به على الناس ولا تؤذوهم بالتطاول عليهم ﴿ وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله ﴾ أي لستم في صدقتكم علىأقاربكم المشركون تقصدون إلا وجه الله من صلة رحم أو سد خلة مضطر، قد علم الله هذا من قلوبكم.

وقيل: خبر في معنى نهي أي لا تنفقوا إلا لله، وقيل: معناه لا تكونوا منفقين مستحقين لهذا الاسم المفيد للمدح حتى تبتغوا وجه الله، وقيل: ليست نفقتكم إلا لطلب ما عند الله فما بالكم تمنون بها وتنفقون الخبيث الذي لا يوجه مثله إلى الله؟

وفائدة إقحام الوجه أنك إذا قلت فعلته لوجه زيد كان أشرف من قولك فعلته له، لأن وجه الشيء أشرف ما فيه، ثم كثر حتى عبر به عن الشرف مطلقاً.

وأيضاً قول القائل: "فعلت هذا الفعل له" احتمل الشركة وأن يكون قد فعله لأجله ولغيره، أما إذا قال "فعلت لوجهه" فلا يحتمل الشركة عرفاً ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ جزاؤه في الآخرة أضعافاً مضاعفة، وإنما حسن قوله ﴿ إليكم ﴾ مع التوفية لأنها تضمنت معنى التأدية ﴿ وأنتم لا تظلمون ﴾ لا تنقصون من ثواب أعمالكم شيئاً.

ثم لما بيّن أنه يجوز صرف الصدقة إلى أي فقير كان، أراد أن يبين أن اشد الناس/ استحقاقاً من هو فقال ﴿ للفقراء ﴾ أي ذلك الإنفاق لهؤلاء الفقراء كما لو تقدم ذكر رجل فتقول: عاقل لبيب أي ذلك الذي مر وصفه عاقل لبيب، وقيل: اعمدوا للفقراء أو أجلوا ما تنفقون للفقراء، أو المراد صدقاتكم للفقراء.

قيل: نزلت في فقراء المهاجرين وكانوا نحو أربعمائة رجل وهم أصحاب الصفة، لم يكن لهم سكن ولا عشائر بالمدينة، كانوا ملازمين للمسجد يتعلمون القرآن ويصومون ويخرجون في كل غزوة، فمن كان عنده فضل أتاهم به إذا أمسى.

وعن ابن عباس: "وقف رسول الله  يوماً على أصحاب الصفة فرأى فقرهم وجهدهم وطيب قلوبهم فقال: أبشروا يا أصحاب الصفة فمن بقي من أمتي على النعت الذي أنتم عليه راضياً بما فيه فإنه من رفقائي" .

ثم إنه  وصف هؤلاء الفقراء بخمس صفات: الأولى قوله ﴿ الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ أي حصروا أنفسهم ووقفوا على الجهاد في سبيل الله لأن سبيل الله مختص بالجهاد في عرف القرآن، ولأن وجوب الجهاد في ذلك الزمان كان آكد فكانت الحاجة إلى من يحبس نفسه للمجاهدة مع رسول الله  أشد، فموضع الصدق فيهم يكون أوقع سداً لخلتهم وتقوية لقلوبهم وإعلاء لمعالم الدين.

وعن سعيد بن المسيب واختاره الكسائي، أن هؤلاء قوم أصابتهم جراحات في الغزوات فأحصرهم المرض والزمانة، وعن ابن عباس: هؤلاء قوم من المهاجرين حبسهم الفقر عن الجهاد فعذرهم الله.

الثانية ﴿ لا يستطعيون ضرباً في الأرض ﴾ أي سيراً فيها وذلك إما لاشتغالهم بالعبادة أو بالجهاد فلا يفرغون للكسب والتجارة، وإما لأن خوفهم من الأعداء يمنعهم من السفر، وإما لأن مرضهم وعجزهم يمنعهم منه.

الثالثة ﴿ يحسبهم ﴾ يظنهم ﴿ الجاهل ﴾ بحالهم ومن لم يخبر أمرهم ﴿ أغنياء من التعفف ﴾ من أجل تركهم المسألة وإظهارهم التجمل تكلفاً منهم.

والتعفف إظهاء العفة وهي ترك الشيء والكف عنه.

الرابعة ﴿ تعرفهم ﴾ أي أنت يا محمد أو كل راء ﴿ بسيماهم ﴾ والسيما والسيمياء العلامة التي يعرف بها الشيء من السمة العلامة فوزنه "عفلى" قال مجاهد: سيماهم التخشع والتواضع.

الربيع والسدي: أثر الجهد من الجوع والفقر.

الضحاك: صفرة ألوانهم من الجوع.

أبو زيد: رثاثة ثيابهم.

وقيل: المهابة في العيون.

وقيل: آثار الفكر.

روي أنه  كان كثير الفكر.

الخامسة ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ أي إلحاحاً وهو اللزوم وأن لا يفارق إلا بشيء يعطى له.

والتركيب يدل على الستر كأنه لزم المسؤول لزوم الساتر للمستور.

عن النبي  : " إن الله يحب الحيي الحليم المتعفف ويبغض البذيء السائل الملحف " قيل: معنى الآية أنهم إن سألوا سألوا بتلطف ولم يلحفوا، وأورد عليه أنه ينافي التعفف الذي وصفوا به قبل.

فالوجه أن يراد نفي السؤال والإلحاف جميعاً كقوله: ولا ترى الضب بها يتجحر *** أي لا ضب ولا انجحار ليكون موافقاً لوصفهم بالتعفف.

وفائدة الكلام التنبيه على سوء طريقة الملحف كما/ إذا حضر عندك رجلان أحدهما عاقل وقور والآخر طياش خفيف وأردت أن تمدح أحدهما وتذم الآخر قلت: فلان رجل عاقل وقور قليل الكلام ليس بخواض ولا مهذار.

لم يكن غرضك من قولك "ليس خواض ولا مهذار" وصفه بذلك لأن ما تقدم من الأوصاف الحسنة يغني عنه، بل غرضك التنبيه على سوء طريقة الثاني.

وقيل: معناه لا يتركون السؤال إلا بإلحاح شديد منهم على أنفسهم لشدة حاجتهم كقوله: ولي نفس أقول لها إذا ما *** تنازعني لعلي أو عساني وقيل: إن عدم السؤال بطريق الإلحاف يتضمن نفي السؤال عنهم رأساً لأن كل سائل فلا بد أن يلح في بعض الأوقات كأنه يقول: إذا أرقت ماء وجهي فلا أرجع بغير مقصود.

وقيل: لعل الساكت عن السؤال يطهر من نفسه أمارات الحاجة فيكون في حال سكوته أنطق ما يكون فترق القلوب له، فالمراد أنهم وإن سكتوا عن السؤال لكنهم لا يضمون إلى ذلك السؤال من رثاثة الحال وآثار الانكسار ما يقوم مقام السؤال فإن ذلك نوع إلحاف، بل يتجملون للخلق بحيث لا يطلع على سرهم غير الخالق.

عن النبي  : " لا يفتح أحد باب مسألةٍ إلا فتح الله عليه باب فقر ومن يستغن يغنه الله ومن استعف يعفه الله" " "لأن يأخذ أحدكم حبلاً يحتطب به فيبيعه بمد من تمر خير له من أن يسأل الناس " ﴿ وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ﴾ فيه أن ثواب هذا الإنفاق الذي هو أعظم المصارف لا يكتنه كنهه فلذلك وكل إلى علم الله  بخلاف الآية المتقدمة فإنه لما رغب في التصدق على أهل الأديان قال في آخره ﴿ وما تنفقوا من خير يوف إليكم ﴾ كما لو قال السلطان لعبده الذي حسن عنده موقع خدمته: إني بحسن خدمتك عالم ولحقك عارف.

كان أبلغ مما لو قال: إن أجرك واصل إليك.

ثم أرشد في خاتمة الآيات إلى أكمل وجوه الإنفاقات بقوله: ﴿ الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار ﴾ الآية.

وذلك أن الذين يعمون الأوقات والأحوال بالصدقة يكون ذلك منهم دليلاً على الحرص البالغ والاهتمام التام كلما نزلت بهم حاجة محتاج عجلوا قضاءها ولم يؤخروه متعللين بوقت وحال.

والباء بمعنى "في" أي في الليل والنهار و ﴿ سراً وعلانية ﴾ منصوبان على الظرفية أيضاً أي في أوقات السر والعلن، أو على وصف المصدر أي إنفاقاً سراً وعلانية، أو على الحال لكونه بياناً عن كيفية الإنفاق، وقيل: لما نزل/ ﴿ للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله ﴾ بعث عبد الرحمن بن عوف بدنانير إلى أصحاب الصفة وبعث عليّ بوسق من تمر ليلاً فنزلت الآية.

وفي تقديم ذكر الليل وتقديم السر على العلانية دليل على أن صدقة علي  كانت أكمل.

وعن ابن عباس: "ما كان علي  يملك إلا أربعة دراهم فتصدق بدرهم نهاراً وبدرهم ليلاً وبدرهم سراً وبدرهم علانية فقال له النبي  : ما حملك على هذا؟

فقال: أن استوجب ما وعد لي ربي.

فقال: ذلك لك" ونزلت الآية.

وقيل: نزلت في أبي بكر حين تصدق بأربعين ألف دينار، عشرة بالليل، وعشرة بالنهار، وعشرة في السر، وعشرة في العلانية.

وقيل: في علف الخيل وارتباطها في سبيل الله.

وكان أبو هريرة إذا مر بفرس سمين قرأ هذه الآية والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: ﴿ أنفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ فيه صلاح المتصدق من وجوه: أحدها لو فسر الطيب بالحلال فليقبل الله منه، ولو فسر بالجودة فليجز به بقدر جودته.

وثانيها ليثاب على التعظيم لأمر الله.

وثالثها ليثاب على الشفقة على خلق الله.

ورابعها ليثاب على الإيثار ﴿ ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة  ﴾ وخامسها ليستحق البر ﴿ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون  ﴾ .

وسادسها ليثاب على زيادة الإيمان وأن المتصدق في صدقته كالزارع في زراعته.

فكما أن الزارع كلما ازداد إيقانه بحصول الثمرة اجتهد في جودة البذر فكذا المتصدق كلما ازداد إيمانه بالبعث والجزاء زاد في جودة صدقته لتحققه ﴿ إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها  ﴾ وقدم ذكر الكسب على ذكر المخرج من الأرض لقوله  " "إن أطيب ما يأكل الرجل من كسب يده " وفي الآية معنى آخر لطيف ﴿ انفقوا من طيبات ما كسبتم ﴾ من تزكية النفوس وتصفية القلوب ﴿ ومما أخرجنا لكم ﴾ من أرض طينتكم من تحلية سرائركم بمكارم الأخلاق، ولتكن النفقة طيبة من خباثة الشبهات طيباً إنفاقها من خباثة الأغراض الدنيوية والأخروية، طيباً منفقها من خباثة الالتفات والنظر في الإنفاق إلى غير الله، فإذا كانت النفقة طيبة في نفسهافلله قبول طيب من الوسائط فيأخذها بيده ويربيها قبل أن تقع في يد الفقير، وإذا كانت اليد طيبة في إنفاقها فلله قبول طيب فإنها أبلغ عند الله من عملها، وإذا كان القلب المنفق طيباً عن الالتفات إلى غير الله فلله قبول طيب عن الأغيار بين أصبعين من أصابع الرحمن، وهذا/ تحقيق قوله  " "إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب " ولستم بآخذي هذا الخبيث لا في أصل الفطرة ولا في عهد الخلقة لأنكم خلقتم من أصل طيب وطينة طيبة.

فالروح من أطيب الأطايب لأنه أقرب الأقربين إلى حضرة رب العالمين، والجسد من التراب الطيب ﴿ فتيمموا صعيداً طيباً  ﴾ ثم أحياكم بالإيمان ﴿ فلنحيينه حياة طيبة  ﴾ ثم يرزقكم من الطيبات ﴿ كلوا من طيبات ما رزقناكم  ﴾ فليس منكم شيء خبيث في الظاهر والباطن ﴿ إلا أن تغمضوا فيه ﴾ فتقبلوه تكلفاً وقسراً " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه وينصرانه ويمجسانه " فلما لم تكن الخباثة ذاتية للإنسان بل كانت طارئة عليه عارية لديه أنزل الله  كلمة طيبة هي " لا إله إلا الله" ليطيب بالمواظبة عليها أخلاقهم ويستحقوا يوم القيامة أن يقال لهم ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين  ﴾ ﴿ واعلموا أن الله غني ﴾ فمن كمال غناه أراد أن يغنيكم بثواب الإنفاق ﴿ حميد ﴾ على ما أنعم بهذا التكليف ليتوسل به إلى الكمال الأبدي.

﴿ الشيطان يعدكم الفقر ﴾ ظاهراً فهو يأمركم بالفحشاء باطناً لأنها اسم جامع لكل سوء فيتضمن البخل والحرص واليأس من الحق والشك في مواعيد الحق بالخلف والتضعيف وسوء الظن بالله وترك التوكل عليه ونسيان فضله وتعلق القلب بغيره ومتابعة الشهوات وترك العفة والقناعة والتمسك بحب الدنيا وهو رأس كل خطيئة وبذر كل بلية.

فمن فتح على نفسه باب وسوسة فسوف يبتلى بهذه الآفات وأضعافها، ومن فتح على نفسه باب عدة الحق أفاض عليه سجال غفرانه وبحار فضله وإحسانه.

فالمغفرة تكفير الذنوب والآثام، والفضل ما لا تدركه الأوهام ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ فمن ذلك أن يفتح على قلبه باب حكمته عاجلاً كما قال ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ﴾ وليست الحكمة مما يحصل بمجرد التكرار كما ظنه أهل الإنكار والذين لم يفرقوا بين المعقولات وبين الأسرار والحكم الإلهيات.

فالمعقولات ما تكتسب بالبرهان وهي مشتركة بين أهل الأديان، والأسرار الإلهية مواهب الحق لا ترد إلا على قلوب الأنبياء والأولياء ﴿ نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ ﴿ وما يذكر إلا أولوا الألباب ﴾ الذين لم يقفوا عند القشور وارتقوا إلى لب عالم النور.

ثم أخبر عن توفية الأجور للمنفق في المفروض والمنذور ﴿ وما للظالمين ﴾ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه فبدلوا بالإنفاق النفاق وبالإخلاص الرياء ﴿ من أنصار ﴾ ولا ناصر بالحقيقة إلا الله، ومن أذن له الله/ إبداء الصدقات ضد إخفائها، وإخفاؤها تخليتها عن شوب الحظوظ وإليه الإشارة في قوله  : " "سبعة يظلهم الله في ظله " ثم قال: " ورجل تصدق بيمينه فأخفاها عن شماله" " أي عن حظوظ نفسه لتكون خالصة لوجه الله.

فصاحبها يكون في ظل الله قال  : " إن المرء يكون في ظل صدقته يوم القيامة " أي إن كانت صدقته لله كان في ظل الله، وإن كانت للجنة كان في ظل الجنة، وإن كانت للهوى كان في ظل الهاوية.

فمعنى قوله: ﴿ إن تبدو الصدقات ﴾ أي تظهروها لطمع ثواب الجنة فإن طمع الصواب شوب حظ ﴿ فنعما هي ﴾ فإنها مرتبة الأبرار ﴿ إن الأبرار لفي نعيم  ﴾ ﴿ وإن تخفوها ﴾ عن كل حظ ونصيب ﴿ وتؤتوها الفقراء ﴾ الذين تعطونها إياهم لوجه الله لا لحظ النفس ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأن جزاءها لقاء الله.

ثم أخبر عن الهداية وأن ليس لأحد عليها الولاية وأن الله فيها ولي الكفاية، يا محمد لك المقام المحمود واللواء المعقود ولك الوسيلة وعلى الأنبياء الفضيلة، وأنت سيد الأولين والآخرين وأنت أكرم الخلائق على رب العالمين ولكن ﴿ ليس عليك هداهم ﴾ ولكن الهداية من خصائص شأننا ولوائح برهاننا، أنت تدعوهم ونحن نهديهم.

ثم نبه على أن أفضل وجوه الإنفاق هو الفقير الذي أحصرته المحبة في الله عن طلب المعاش لا الذي أحصره الفقر والعجز عن طلب الكفاف، أخذ عليه سلطان الحقيقة كل طريق فلا له في المشرق مذهب ولا له في المغرب مضرب، ولا منه إلى غيره مهرب.

كأن فجاج الأرض ضاقت برحبها *** عليه فما تزداد طولاً ولا عرضاً ﴿ يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف ﴾ لأنهم مستورون تحت قباب الغيرة محجوبون عن معرفة أهل الغيرية "أوليائي تحت قبابي لا يعرفهم غيري يا محمد" ﴿ تعرفهم بسيماهم ﴾ لأنك لست بك فلست غيري، ما رأيت إذ رأيت ولكن الله رأى ﴿ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى  ﴾ وإن سيماهم لا يرى بالبصر الإنساني بل يرى من نور رباني، فمن سيماهم في الظاهر من ظهور آثار أحوال الباطن أنهم ﴿ لا يسألون الناس إلحافاً ﴾ لا بقليل ولا بكثير.

لأن آثار أنوار غنى قلوبهم انعكست على ظواهرهم فتنورت بالتعفف نفوسهم، واضمحلت ظلمة فقرهم وفاقتهم ﴿ وما تنفقوا من خير ﴾ من المال أو الجاه أو خدمة بالنفس أو إكرام أو إرادة حتى السلام على هؤلاء السادة استحقاقاً وإجلالاً لا استخفافاً وإذلالاً ﴿ فإن/ الله به عليم ﴾ ومن سيماهم في الظاهر أنهم إذا وجدوا مالاً لم يبيعوا عزة الفقر به بل ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية ﴿ فلهم أجرهم عند ربهم ﴾ عند مليك مقتدر ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ في الدنيا على ما يفوتهم لأنهم تركوها لله وهو لهم خلف عن كل تلف، ولا في الآخرة ﴿ لا يحزنهم الفزع الأكبر  ﴾ ﴿ الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ٱبْتِغَآءَ وَجْهِ ٱللَّهِ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

أخبر أنه ليس عليه هداهم، وعليه البيان والتبليغ؛ فدل أن هناك فضل هدى، لا يملك هو ذلك، وهو التوفيق على الهدى والتحقيق له.

وهذا يرد على المعتزلة ويكذبهم أن كل الهدى: البيان؛ إذ لو كان كل الهدى بياناً لكان رسول الله  يملك ذلك، إذ عليه البيان، فدل أنه لا يملك الهدى المراد في الآية؛ فهو على ما ذكرنا من التوفيق.

ويحتمل قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾ أي: حساب ترك اهتدائهم، كقوله: ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ  ﴾ ، و ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَٰغُ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ : ﴿ مِنْ خَيْرٍ ﴾ ، أي: مال، ﴿ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني: فلأنفسكم الثواب.

[و] قيل قوله: ﴿ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ، يعني: منفعته لكم.

وفي قوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ دلالة على أنهم كانوا يتحرجون بالتصدق على أقربائهم من الكفار خشية ما يقع من التعاون على ما اعتمدوا من الدين؛ إذ المكاسب لكل أهل دين إنما تقع من العقلاء مكان ما ينفقون به لأجل الدين؛ فبين جل وعلا: أن ذلك يقع لكم ولأنفسكم، وتكفير ما ارتكبتم.

ثم في الآية دلالة جواز الصدقة على الكفار، ودليل جواز دفع الكفارات إليهم بقوله: ﴿ وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ ﴾ ؛ فهو دليل لأصحابنا؛ لأنه جعل هذه الصدقة مكفرة.

وقوله  : ﴿ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ ﴾ ، يعني: يوفر عليكم ثواب صدقاتكم، وإن كان التصدق على الكفرة.

وقوله  : ﴿ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، في حرمان الثواب والجزاء.

وقوله  : ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ ٱلْجَاهِلُ أَغْنِيَآءَ مِنَ ٱلتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾ .

قيل: ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ قيل: ﴿ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ أي: من سبيل الله، يعني: حبسوا بالفقر عن الجهاد، وهو كقوله: ﴿ وَلاَ عَلَى ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ  ﴾ .

والعرب تستعمل حروف الخفض بعضها في موضع بعض.

ويحتمل قوله  : ﴿ لِلْفُقَرَآءِ ٱلَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ﴾ ، أي: حبسوا أنفسهم في طاعة الله، لا يجدون ما يتجرون، ولا ما يحترفون، ولا ما يكتسبون.

وقوله  : ﴿ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : للتجارة.

وقوله  : ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: لا يظهرون السؤال، أي: لا يسألون؛ كقوله  : ﴿ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ  ﴾ ، أي: لا يشفع لهم.

ويحتمل: فإن كان على السؤال فإنهم إذا سألوا لم يلحفوا، دليله قوله  : "من فتح على نفسه باباً من المسألة، فتح الله عليه سبعين بابا من الفقر" .

ثم ذكر في الخبر: "من استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله" .

وإن كان على التعريض، ففيه إباحة التعريض بين يدي أهل الجود والسخاء.

وقوله  : ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ : قيل: ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، يعني: سيما التخشع.

وقيل: ﴿ بِسِيمَاهُمْ ﴾ : بسيما الفقر عليهم، ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ يعني: إلحاحا.

وقيل: ﴿ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ﴾ ، أي: بتجملهم، ﴿ لاَ يَسْأَلُونَ ٱلنَّاسَ إِلْحَافاً ﴾ ، أي: إلحاحاً، ولا غير إلحاح.

وقوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِٱللَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ : قيل: هي النفقة على الخيل المحتبسة للجهاد، ينفقون ليلاً ونهاراً، سرّاً وعلانية، لا رياء فيها، ولا إضمار.

وعن علي وأبي أمامة الباهلي - رضي الله  عنهما -: هي النفقة على الخيل في سبيل الله.

وعن ابن عباس - رضي الله  عنه - أنه قال: هي في علف الخيل والنفقة عليها.

وقيل:نزلت هذه الآية في نفقة عبد الرحمن بن عوف في جيش العسرة.

وقيل: "نزلت في علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه - أنه لم يكن يملك من المال غير أربعة دراهم، وتصدق بدرهم ليلاً، وبدرهم نهاراً، وبدرهم سرّاً، وبدرهم علانية، فقال رسول الله  : ما الذي حملك على هذا؟

قال: حملني أن أستوجب على الله الذي وعدني؛ فنزلت فيه هذه الآية" .

وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري.

فلا ندري فيمن نزلت، وليس لنا إلا معرفة المنزل [في] شأنه حاجة سوى أن وصفهم بالجود والسخاء، ونفقتهم على الناس ليلاً ونهاراً سرّاً وعلانية، لا رياء فيها، ولا مَنَّ، ولا أذى.

وفيه نفي الرياء عن نفقتهم؛ لأن من عود نفسه الفعل في جميع الأوقات لم يراء.

وقوله  : ﴿ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ؛ لأن نعيم الدنيا مشوب بالحزن والخوف، فأخبر عز وجل أن نعيم الآخرة لا يشوبه حزن ولا خوف؛ لذلك كان ما ذكر.

والله  أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله في الليل والنهار، سرًّا وعلانية بلا رياء ولا سمعة، فلهم ثوابهم عند ربهم يوم القيامة، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمرهم، ولا هم يحزنون على ما فاتهم من الدنيا، فضلًا من الله ونعمة.

من فوائد الآيات إذا أخلص المؤمن في نفقاته وصدقاته فلا حرج عليه في إظهارها وإخفائها بحسب المصلحة، وإن كان الإخفاء أعظم أجرًا وثوابًا لأنها أقرب للإخلاص.

دعوة المؤمنين إلى الالتفات والعناية بالمحتاجين الذين تمنعهم العفة من إظهار حالهم وسؤال الناس.

مشروعية الإنفاق في سبيل الله تعالى في كل وقت وحين، وعظم ثوابها، حيث وعد تعالى عليها بعظيم الأجر في الدنيا والآخرة.

<div class="verse-tafsir" id="91.am4Ek"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء، إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيًا منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.

ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم.

وهذه أوهام لم تُقَل عن اختبار، فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.

فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟

ألم تسبقنا جميع الأمم إلى اتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟

الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريًا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم، فمن يدعي أن الدين عاتق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرًا منها، وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم، فهي لا تدري من أني أُخِذَت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.

إن أثر الربا فينا لا يمكنا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا  ﴾ إلخ مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس، وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا، ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلًا فيعطيه المئة نقدًا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه!

على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًا ولكن الذين يُؤكلونه غيرهم كثيرون جدًا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات، ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها.

ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.

هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.

والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا.

وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.

والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.

فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.

وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشتهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل، لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًا لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنه يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًا.

وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فيما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.

وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.

ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها.

لذلك حرم الله الربا، وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.

وأما واضعوا القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام، من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل.

وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها ليموت جوعًا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه، فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفَعَلَة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.

وقد ألف"تولستوي"الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمُور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال في آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.

وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.

كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه.

رأيت هذا من كثيرين في بلادهم متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المماحكة.

ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضًا طلبه إلا لسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك؟!

قال: نعم.

قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟

قال: لا أعرف سبب ذلك، إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال، فإن هذا مكابرة للمشاهدة والاختبار، وإنما المراد به ما يلاقي المرابي من عداوة الناس، وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها.

أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض الموزعين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد أثر ذلك في الأمم التي نشأ فيها الربا، إذ قام الفقراء يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم، حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم.

وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن كان إيمانكم تامًا شاملًا لجميع ما جاء به محمد  من الأحكام فذروا بقايا الربا، وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال: إن كنت متصفًا بهذا الشيء فافعل كذا: ويذكر أمرًا من شأنه أن يكون أثرًا لذلك الوصف.

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ حرب الله لهم غضبه وانتقامه.

ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون، ومن باتوا والمسألة الاجتماعية تهددهم بالويل والثبور.

وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه.

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ﴾ : أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن الله طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع إليه، ولكن الإنسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالًا تامًا بنفسه، وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم، ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال.

فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلًا شاغلًا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكير في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم، فكان أنفع دواء لمرض انصرف النفس عن التفكير في سلطان الله وقدرته، والتقرب إليه بما فيه تمام حكمته والتذكير بيوم القيامة الذي تبطل فيه هذه الشواغل، وتتلاشى هذه الصوارف حتى لا يشغل الإنسان فيه شيء ما عن الله تعالى وما أعده من الجزاء للعباد على قدر أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 27%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله وبحمده