الآية ٢٧٥ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٧٥ من سورة البقرة

ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَوٰا۟ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِى يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَـٰنُ مِنَ ٱلْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوٓا۟ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَوٰا۟ ۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰا۟ ۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوْعِظَةٌۭ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُو۟لَـٰٓئِكَ أَصْحَـٰبُ ٱلنَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَـٰلِدُونَ ٢٧٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 249 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٧٥ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٧٥ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

لما ذكر تعالى الأبرار المؤدين النفقات ، المخرجين الزكوات ، المتفضلين بالبر والصلات لذوي الحاجات والقرابات في جميع الأحوال والآنات شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالباطل وأنواع الشبهات ، فأخبر عنهم يوم خروجهم من قبورهم وقيامهم منها إلى بعثهم ونشورهم ، فقال : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) أي : لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشيطان له ; وذلك أنه يقوم قياما منكرا .

وقال ابن عباس : آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق .

رواه ابن أبي حاتم ، قال : وروي عن عوف بن مالك ، وسعيد بن جبير ، والسدي ، والربيع بن أنس ، ومقاتل بن حيان ، نحو ذلك .

وحكي عن عبد الله بن عباس ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، ومقاتل بن حيان أنهم قالوا في قوله : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) يعني : لا يقومون يوم القيامة .

وكذا قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، والضحاك ، وابن زيد .

وروى ابن أبي حاتم ، من حديث أبي بكر بن أبي مريم ، عن ضمرة بن حبيب ، عن ابن عبد الله بن مسعود ، عن أبيه أنه كان يقرأ : " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يوم القيامة " وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا ربيعة بن كلثوم ، حدثنا أبي ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : يقال يوم القيامة لآكل الربا : خذ سلاحك للحرب .

وقرأ : ( لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) قال : وذلك حين يقوم من قبره .

وفي حديث أبي سعيد في الإسراء ، كما هو مذكور في سورة سبحان : أنه ، عليه السلام مر ليلتئذ بقوم لهم أجواف مثل البيوت ، فسأل عنهم ، فقيل : هؤلاء أكلة الربا .

رواه البيهقي مطولا .

وقال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا الحسن بن موسى ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أبي الصلت ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتيت ليلة أسري بي على قوم بطونهم كالبيوت ، فيها الحيات ترى من خارج بطونهم .

فقلت : من هؤلاء يا جبريل ؟

قال : هؤلاء أكلة الربا " .

ورواه الإمام أحمد ، عن حسن وعفان ، كلاهما عن حماد بن سلمة ، به .

وفي إسناده ضعف .

وقد روى البخاري ، عن سمرة بن جندب في حديث المنام الطويل : " فأتينا على نهر حسبت أنه كان يقول : أحمر مثل الدم وإذا في النهر رجل سابح يسبح ، وإذا على شط النهر رجل قد جمع عنده حجارة كثيرة ، وإذا ذلك السابح يسبح ، [ ما يسبح ] ثم يأتي ذلك الذي قد جمع الحجارة عنده فيفغر له فاه فيلقمه حجرا " وذكر في تفسيره : أنه آكل الربا .

وقوله : ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ) أي : إنما جوزوا بذلك لاعتراضهم على أحكام الله في شرعه ، وليس هذا قياسا منهم للربا على البيع ; لأن المشركين لا يعترفون بمشروعية أصل البيع الذي شرعه الله في القرآن ، ولو كان هذا من باب القياس لقالوا : إنما الربا مثل البيع ، وإنما قالوا : ( إنما البيع مثل الربا ) أي : هو نظيره ، فلم حرم هذا وأبيح هذا ؟

وهذا اعتراض منهم على الشرع ، أي : هذا مثل هذا ، وقد أحل هذا وحرم هذا !

وقوله تعالى : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) يحتمل أن يكون من تمام الكلام ردا عليهم ، أي : قالوا : ما قالوه من الاعتراض ، مع علمهم بتفريق الله بين هذا وهذا حكما ، وهو الحكيم العليم الذي لا معقب لحكمه ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، وهو العالم بحقائق الأمور ومصالحها ، وما ينفع عباده فيبيحه لهم ، وما يضرهم فينهاهم عنه ، وهو أرحم بهم من الوالدة بولدها الطفل ; ولهذا قال : ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ) أي : من بلغه نهي الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه .

فله ما سلف من المعاملة ، لقوله : ( عفا الله عما سلف ) [ المائدة : 95 ] وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي هاتين ، وأول ربا أضع ربا العباس " ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية ، بل عفا عما سلف ، كما قال تعالى : ( فله ما سلف وأمره إلى الله ) قال سعيد بن جبير والسدي : ( فله ما سلف ) فإنه ما كان أكل من الربا قبل التحريم .

وقال ابن أبي حاتم : قرئ على محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني جرير بن حازم ، عن أبي إسحاق الهمداني ، عن أم يونس يعني امرأته العالية بنت أيفع أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت لها أم محبة أم ولد لزيد بن أرقم : يا أم المؤمنين ، أتعرفين زيد بن أرقم ؟

قالت : نعم .

قالت : فإني بعته عبدا إلى العطاء بثمانمائة ، فاحتاج إلى ثمنه ، فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة .

فقالت : بئس ما شريت !

وبئس ما اشتريت !

أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب .

قالت : فقلت : أرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة ؟

قالت : نعم ، ( فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ) .

وهذا الأثر مشهور ، وهو دليل لمن حرم مسألة العينة ، مع ما جاء فيها من الأحاديث المقررة في كتاب الأحكام ، ولله الحمد والمنة .

ثم قال تعالى : ( ومن عاد ) أي : إلى الربا ففعله بعد بلوغ نهي الله له عنه ، فقد استوجب العقوبة ، وقامت عليه الحجة ; ولهذا قال : ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) وقد قال أبو داود : حدثنا يحيى بن معين ، أخبرنا عبد الله بن رجاء المكي ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الزبير ، عن جابر قال : لما نزلت : ( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من لم يذر المخابرة ، فليأذن بحرب من الله ورسوله " .

ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث ابن خثيم ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجه .

وإنما حرمت المخابرة وهي : المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض ، والمزابنة وهي : اشتراء الرطب في رؤوس النخل بالتمر على وجه الأرض ، والمحاقلة وهي : اشتراء الحب في سنبله في الحقل بالحب على وجه الأرض إنما حرمت هذه الأشياء وما شاكلها ، حسما لمادة الربا ; لأنه لا يعلم التساوي بين الشيئين قبل الجفاف .

ولهذا قال الفقهاء : الجهل بالمماثلة كحقيقة المفاضلة .

ومن هذا حرموا أشياء بما فهموا من تضييق المسالك المفضية إلى الربا ، والوسائل الموصلة إليه ، وتفاوت نظرهم بحسب ما وهب الله لكل منهم من العلم ، وقد قال تعالى : ( وفوق كل ذي علم عليم ) [ يوسف : 76 ] .

وباب الربا من أشكل الأبواب على كثير من أهل العلم ، وقد قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه : ثلاث وددت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد إلينا فيهن عهدا ننتهي إليه : الجد ، والكلالة ، وأبواب من أبواب الربا ، يعني بذلك بعض المسائل التي فيها شائبة الربا .

والشريعة شاهدة بأن كل حرام فالوسيلة إليه مثله ; لأن ما أفضى إلى الحرام حرام ، كما أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

وقد ثبت في الصحيحين ، عن النعمان بن بشير ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الحلال بين وإن الحرام بين ، وبين ذلك أمور مشتبهات ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه " .

وفي السنن عن الحسن بن علي ، رضي الله عنهما ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " .

وفي الحديث الآخر : " الإثم ما حاك في القلب وترددت فيه النفس ، وكرهت أن يطلع عليه الناس " .

وفي رواية : " استفت قلبك ، وإن أفتاك الناس وأفتوك " .

وقال الثوري : عن عاصم ، عن الشعبي ، عن ابن عباس قال : آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الربا .

رواه [ البخاري ] عن قبيصة ، عنه .

وقال أحمد ، عن يحيى ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن سعيد بن المسيب أن عمر قال : من آخر ما نزل آية الربا ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا ، فدعوا الربا والريبة .

رواه ابن ماجه وابن مردويه .

وروى ابن مردويه من طريق هياج بن بسطام ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : خطبنا عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه ، فقال : إني لعلي أنهاكم عن أشياء تصلح لكم وآمركم بأشياء لا تصلح لكم ، وإن من آخر القرآن نزولا آية الربا ، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا ، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم .

وقد قال ابن ماجه : حدثنا عمرو بن علي الصيرفي ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن شعبة ، عن زبيد ، عن إبراهيم ، عن مسروق ، عن عبد الله هو ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الربا ثلاثة وسبعون بابا " .

ورواه الحاكم في مستدركه ، من حديث عمرو بن علي الفلاس ، بإسناد مثله ، وزاد : " أيسرها أن ينكح الرجل أمه ، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم " .

وقال : صحيح على شرط الشيخين ، ولم يخرجاه .

وقال ابن ماجه : حدثنا عبد الله بن سعيد ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، عن أبي معشر ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الربا سبعون حوبا ، أيسرها أن ينكح الرجل أمه " .

وقال الإمام أحمد : حدثنا هشيم ، عن عباد بن راشد ، عن سعيد بن أبي خيرة حدثنا الحسن منذ نحو من أربعين أو خمسين سنة عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا " قال : قيل له : الناس كلهم ؟

قال : " من لم يأكله منهم ناله من غباره "وكذا رواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه من غير وجه ، عن سعيد بن أبي خيرة عن الحسن ، به .

ومن هذا القبيل ، وهو تحريم الوسائل المفضية إلى المحرمات الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن مسلم بن صبيح ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : لما نزلت الآيات من آخر البقرة في الربا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ، فقرأهن ، فحرم التجارة في الخمر .

وقد أخرجه الجماعة سوى الترمذي ، من طرق ، عن الأعمش به وهكذا لفظ رواية البخاري ، عند تفسير الآية : فحرم التجارة ، وفي لفظ له ، عن عائشة قالت : لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس ، ثم حرم التجارة في الخمر .

قال بعض من تكلم على هذا الحديث من الأئمة : لما حرم الربا ووسائله حرم الخمر وما يفضي إليه من تجارة ونحو ذلك ، كما قال ، عليه السلام في الحديث المتفق عليه : " لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا أثمانها " .

وقد تقدم في حديث علي وابن مسعود وغيرهما ، عند لعن المحلل في تفسير قوله : ( حتى تنكح زوجا غيره ) [ البقرة : 230 ] قوله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله آكل الربا وموكله ، وشاهديه وكاتبه " .

قالوا : وما يشهد عليه ويكتب إلا إذا أظهر في صورة عقد شرعي ويكون داخله فاسدا ، فالاعتبار بمعناه لا بصورته ; لأن الأعمال بالنيات ، وفي الصحيح : " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم ، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .

وقد صنف الإمام ، العلامة أبو العباس ابن تيمية كتابا في " إبطال التحليل " تضمن النهي عن تعاطي الوسائل المفضية إلى كل باطل ، وقد كفى في ذلك وشفى ، فرحمه الله ورضي عنه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: الذين يُرْبون.

* * * و " الإرباء " الزيادة على الشيء، يقال منه: " أرْبى فلان على فلان "، إذا زاد عليه،" يربي إرباءً"، والزيادة هي" الربا "،" وربا الشيء "، إذا زاد على ما كان عليه فعظم،" فهو يَرْبو رَبْوًا ".

وإنما قيل للرابية [رابية]، (1) لزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها، من قولهم: " ربا يربو ".

ومن ذلك قيل: " فلان في رَباوَة قومه "، (2) يراد أنه في رفعة وشرف منهم، فأصل " الربا "، الإنافة والزيادة، ثم يقال: " أربى فلان " أي أناف [ماله، حين] صيَّره زائدًا.

(3) وإنما قيل للمربي: " مُرْبٍ"، لتضعيفه المال، الذي كان له على غريمه حالا أو لزيادته عليه فيه لسبب الأجل الذي يؤخره إليه فيزيده إلى أجله الذي كان له قبلَ حَلّ دينه عليه.

ولذلك قال جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً .

[آل عمران: 130].

* * * &; 6-8 &; وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل: ذكر من قال ذلك: 6235 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، في الربا الذي نهى الله عنه: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدّينُ فيقول: لك كذا وكذا وتؤخِّر عني!

فيؤخَّر عنه.

* - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

6237 - حدثني بشر، قال: حدثنا يزيد، قال: حدثنا سعيد، عن قتادة: أن ربا أهل الجاهلية: يبيعُ الرجل البيع إلى أجل مسمًّى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء، زاده وأخَّر عنه.

* * * قال أبو جعفر: فقال جل ثناؤه: الذين يُرْبون الربا الذي وصفنا صفته في الدنيا=" لا يقومون " في الآخرة من قبورهم =" إلا كما يقوم الذي يتخبَّطه الشيطانُ من المس "، يعني بذلك: يتخبَّله الشيطان في الدنيا، (4) وهو الذي يخنقه فيصرعه (5) =" من المس "، يعني: من الجنون.

وبمثل ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6238 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، &; 6-9 &; عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله عز وجل: " الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، يوم القيامة، في أكل الرِّبا في الدنيا.

6239 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.

6240 - حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " الذين يأكلون الرّبا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، قال: ذلك حين يُبعث من قبره.

(6) 6241 - حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا ربيعة بن كلثوم قال، حدثني أبي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يُقال يوم القيامة لآكل الرّبا: " خذْ سلاحك للحرب "، وقرأ: " لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، قال: ذلك حين يبعث من قبره.

6242 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جبير: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ".

الآية، قال: يبعث آكل الربا يوم القيامة مَجْنونًا يُخنق.

(7) 6243 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله: &; 6-10 &; " الذين يأكلون الربا لا يقومون "، الآية، وتلك علامةُ أهل الرّبا يوم القيامة، بُعثوا وبهم خَبَلٌ من الشيطان.

6244 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله: " لا يقومون إلا كما يقومُ الذي يتخبطه الشيطان من المس " قال: هو التخبُّل الذي يتخبَّله الشيطان من الجنون.

6245 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، قال: يبعثون يوم القيامة وبهم خَبَل من الشيطان.

وهي في بعض القراءة: ( لا يَقُومُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) .

6246 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر، عن الضحاك في قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس "، قال: من مات وهو يأكل الربا، بعث يوم القيامة متخبِّطًا، كالذي يتخبطه الشيطان من المسّ.

6247 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ"، يعني: من الجنون.

6248 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: " الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ".

قال: هذا مثلهم يومَ القيامة، لا يقومون يوم القيامة مع الناس، إلا كما يقوم الذي يُخنق من الناس، كأنه خُنق، كأنه مجنون (8) .

* * * &; 6-11 &; قال أبو جعفر: ومعنى قوله: " يتخبطه الشيطانُ من المسّ"، يتخبله من مَسِّه إياه.

يقال منه: " قد مُسّ الرجل وأُلقِ، فهو مَمسوس ومَألوق "، كل ذلك إذا ألمّ به اللَّمَمُ فجُنّ.

ومنه قول الله عز وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا [الأعراف: 201]، ومنه قول الأعشى: وَتُصْبـحُ عَـنْ غِـبِّ السُّـرَى, وكأَنَّمَا أَلَـمَّ بِهَـا مِـنْ طَـائِفِ الجِـنِّ أَوْلَـقُ (9) * * * فإن قال لنا قائل: أفرأيت من عمل ما نهى الله عنه من الرِّبا في تجارته ولم يأكله، أيستحقّ هذا الوعيدَ من الله؟

قيل: نعم، وليس المقصود من الربا في هذه الآية الأكلُ، إلا أنّ الذين نـزلت فيهم هذه الآيات يوم نـزلت، كانت طُعمتهم ومأكلُهم من الربا، فذكرهم بصفتهم، معظّمًا بذلك عليهم أمرَ الرّبا، ومقبِّحًا إليهم الحال التي هم عليها في مطاعمهم، وفي قوله جل ثناؤه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا &; 6-12 &; اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [سورة البقرة: 278-279] الآية، ما ينبئ عن صحة ما قلنا في ذلك، وأنّ التحريم من الله في ذلك كان لكل معاني الرّبا، وأنّ سواءً العملُ به وأكلُه وأخذُه وإعطاؤُه، (10) كالذي تظاهرت به الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: 6249-" لعن الله آكلَ الرّبا، وُمؤْكِلَه، وكاتبَه، وشاهدَيْه إذا علموا به ".

(11) * * * القول في تأويل قوله : ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا قال أبو جعفر: يعني بـ" ذلك " جل ثناؤه: ذلك الذي وصفهم به من قيامهم يوم القيامة من قبورهم، كقيام الذي يتخبطه الشيطان من المسّ من الجنون، فقال تعالى ذكره: هذا الذي ذكرنا أنه يصيبهم يوم القيامة من قُبْح حالهم، ووَحشة قيامهم من قبورهم، وسوء ما حلّ بهم، من أجل أنهم كانوا في الدنيا يكذبون ويفترون ويقولون: " إنما البيع " الذي أحله الله لعباده =" مثلُ الرّبا ".

وذلك أن الذين كانوا يأكلون من الرّبا من أهل الجاهلية، كان إذا حلّ مالُ أحدهم &; 6-13 &; على غريمه، يقول الغَريم لغريم الحق: " زدني في الأجل وأزيدك في مالك ".

فكان يقال لهما إذا فعلا ذلك: " هذا ربًا لا يحل ".

فإذا قيل لهما ذلك قالا " سواء علينا زدنا في أول البيع، أو عند مَحِلّ المال "!

فكذَّبهم الله في قيلهم فقال: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ .

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه: وأحلّ الله الأرباح في التجارة والشراء والبيع (12) =" وحرّم الربا "، يعني الزيادةَ التي يزاد رب المال بسبب زيادته غريمه في الأجل، وتأخيره دَيْنه عليه.

يقول عز وجل: فليست الزيادتان اللتان إحداهما من وَجه البيع، (13) والأخرى من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل، سواء.

وذلك أنِّي حرّمت إحدى الزيادتين = وهي التي من وجه تأخير المال والزيادة في الأجل = وأحللتُ الأخرى منهما، وهي التي من وجه الزيادة على رأس المال الذي ابتاع به البائع سلعته التي يبيعها، فيستفضلُ فَضْلها.

فقال الله عز وجل: ليست الزيادة من وجه البيع نظيرَ الزيادة من وجه الربا، لأنّي أحللت البيع، وحرَّمت الرّبا، والأمر أمري والخلق خلقي، أقضي فيهم ما أشاء، وأستعبدهم بما أريد، ليس لأحد منهم أن يعترض في حكمي، ولا أن يخالف أمري، وإنما عليهم طاعتي والتسليمُ لحكمي.

* * * &; 6-14 &; ثم قال جل ثناؤه: " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى "، يعني بـ" الموعظة ": التذكير، والتخويفَ الذي ذكَّرهم وخوّفهم به في آي القرآن، (14) وأوعدهم على أكلهم الربا من العقاب، يقول جل ثناؤه: فمن جاءه ذلك،" فانتهى " عن أكل الربا وارتدع عن العمل به وانـزجر عنه (15) =" فله ما سلف "، يعني: ما أكل، وأخذ فمَضَى، قبل مجيء الموعظة والتحريم من ربه في ذلك =" وأمرُه إلى الله "، يعني: وأمر آكله بعد مجيئه الموعظة من ربه والتحريم، وبعد انتهاء آكله عن أكله، إلى الله في عصمته وتوفيقه، إن شاء عصمه عن أكله وثبَّته في انتهائه عنه، وإن شاء خَذَله عن ذلك =" ومن عاد "، يقول: ومن عاد لأكل الربا بعد التحريم، وقال ما كان يقوله قبل مجيء الموعظة من الله بالتحريم، من قوله: إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا =" فأولئك أصْحاب النار هم فيها خالدون "، يعني: ففاعلو ذلك وقائلوه هم أهل النار، يعني نار جهنم، فيها خالدون.

(16) * * * وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

ذكر من قال ذلك: 6250 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السديّ: " فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله "، أما " الموعظة " فالقرآن، وأما " ما سلف "، فله ما أكل من الربا.

-------------- الهوامش : (1) هذه الزيادة بين القوسين لا بد منها لسياق الكلام .

(2) في المطبوعة : "في ربا قومه" وفي المخطوطة : "في رباء قومه" ، ولا أظنهما صوابًا ، والصواب ما ذكر الزمخشري في الأساس : "وفلان في رباوة قومه : في أشرافهم .

وهو : في الروابي من قريش" ، فأثبت ما في الأساس .

(3) في المخطوطة والمطبوعة : "أي أناف صيره زائدًا" ، وهو كلام غير مستقيم ولا تام .

والمخطوطة كما أسلفت مرارًا ، قد عجل عليها ناسخها حتى أسقط منها كثيرًا كما رأيت آنفًا .

فزدت ما بين القوسين استظهارًا من معنى كلام أبي جعفر ، حتى يستقيم الكلام على وجه يرتضى .

(4) تخبله : أفسد عقله وأعضاءه .

(5) في المطبوعة : "وهو الذي يتخبطه فيصرعه" ، وهو لا شيء ، إنما استبهمت عليه حروف المخطوطة ، فبدل اللفظ إلى لفظ الآية نفسها ، وهو لا يعد تفسيرًا عندئذ!!

وفي المخطوطة : "+يحفه" غير منقوطة إلا نقطة على"الفاء" ، وآثرت قراءتها"يخنقه" ، لما سيأتي في الأثر رقم : 6242 عن ابن عباس : "يبعث آكل الربا يوم القيامة مجنونًا يخنق" ، وما جاء في الأثر : 6247 .

وهذا هو الصواب إن شاء الله ، لذلك ، ولأن من صفة الجنون وأعراضه أنه خناق يأخذ من يصيبه ، أعاذنا الله وإياك .

(6) الأثر : 6240-"ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري" ، روى عن أبيه ، وبكر ابن عبد الله المزني ، والحسن البصري .

وروى عنه القطان ، وعبد الصمد بن عبد الوارث ، ومسلم ابن إبراهيم ، وحجاج بن منهال .

قال النسائي : "ليس به بأس" ، وقال في الضعفاء : "ليس بالقوي" ، وقال أحمد وابن معين : "ثقة" .

وأبوه : "كلثوم بن جبر" ، قال أحمد : "ثقة" ، وقال النسائي : "ليس بالقوي" .

مات سنة : 130 .

(7) انظر ما سلف في ص : 8 ، تعليق : 2 .

(8) في المطبوعة : "إلا كما يقوم الذي يخنق مع الناس يوم القيامة" ، وهو كلام فاسد .

وكذلك هو في المخطوطة أيضًا مع ضرب الناسخ على كلام كتبه ، فدل على خلطه وسهوه .

فحذفت من هذه الجملة"يوم القيامة" وجعلت"مع الناس" ، "من الناس" ، فصارت أقرب إلى المعنى والسياق ، وكأنه الصواب إن شاء الله .

(9) ديوانه : 147 ، وروايته"من غب السرى" ، ورواية اللسان (ألق) ، "ولق" ، وهو من قصيدته البارعة في المحرق .

ويصف ناقته فيقول قبل البيت ، وفيها معنى جيد في صحبة الناقة : وَخَــرْقٍ مَخُــوفٍ قَـدْ قَطَعْتُ بِجَسْرَةٍ إذَا خَــــبَّ آلٌ فَوْقَــهُ يَــتَرَقْرقُ هِـيَ الصَّـاحِبُ الأدْنَـى, وَبَيْنى وَبَيْنَها مَجُــوفٌ عِلاَفِــيُّ وقِطْـعٌ ونُمْـرُقُ وَتُصْبِـحُ عَـنْ غـبّ السُّرَى .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

"الخرق" : المفازة الواسعة تتخرق فيها الرياح .

"وناقة جسرة" : طويلة شديدة جريئة على السير .

و"خب" : جرى .

و"الآل" : سراب أول النهار .

"يترقرق" : يذهب ويجيء .

وقوله : "هي الصاحب الأدنى" ، أي هي صاحبه الذي يألفه ولا يكاد يفارقه ، وينصره في الملمات .

و"المجوف" : الضخم الجوف .

و"العلافى" : هو أعظم الرجال أخرة ووسطًا ، منسوبة إلى رجل من الأزد يقال له"علاف" .

و"القطع" : طنفسة تكون تحت الرحل على كتفي البعير .

و"النمرق والنمرقة" : وسادة تكون فوق الرحل ، يفترشها الراكب ، مؤخرها أعظم من مقدمها ، ولها أربعة سيور تشد بآخرة الرحل وواسطته .

و"غب السرى" : أي بعد سير الليل الطويل .

و"الأولق" : الجنون .

ووصفها بالجنون عند ذلك ، من نشاطها واجتماع قوتها ، لم يضعفها طول السرى .

(10) ولكن أهل الفتنة في زماننا ، يحاولون أن يهونوا على الناس أمر الربا ، وقد عظمه الله وقبحه ، وآذن العامل به بحرب من الله ورسوله ، في الدنيا والآخرة ، ومن أضل ممن يهون على الناس حرب ربه يوم يقوم الناس لرب العالمين .

فاللهم اهدنا ولا تفتنا كما فتنت رجالا قبلنا ، وثبتنا على دينك الحق ، وأعذنا من شر أنفسنا في هذه الأيام التي بقيت لنا ، وهي الفانية وإن طالت ، وصدق رسول الله بأبي هو وأمي إذ قال : "يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا .

قيل له : الناس كلهم؟!

قال : من لم يأكله ناله من غباره" .

(سنن البيهقي 5 : 275) ، فاللهم انفض عنا وعن قومنا غبار هذا العذاب الموبق .

(11) الأثر : 6249- رواه الطبري بغير إسناد مختصرًا ، وقد استوفى تخريجه ابن كثير في تفسيره 1 : 550-551 وساق طرقه مطولا .

والسيوطي في الدر المنثور 1 : 367 ، من حديث عبد الله بن مسعود ونسبه لأحمد ، وأبي يعلى ، وابن خزيمة ، وابن حبان .

وانظر سنن البيهقي 5 : 275 .

(12) انظر معنى : "البيع" فيما سلف 2 : 342 ، 343 .

(13) في المطبوعة : "وليست الزيادتان" ، والصواب ما في المخطوطة .

(14) انظر تفسير : "موعظة" فيما سلف 2 : 180 ، 181 .

(15) انظر تفسير : "انتهى" فيما سلف 3 : 569 .

(16) انظر تفسير : "أصحاب النار" و"خالدون" فيما سلف 2 : 286 ، 287/4 : 316 ، 317/5 : 429 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون[ ص: 317 ] الآيات الثلاث تضمنت أحكام الربا وجواز عقود المبايعات ، والوعيد لمن استحل الربا وأصر على فعله ، وفي ذلك مسائل :الأولى : قوله تعالى : الذين يأكلون الربا ( يأكلون ) يأخذون ، فعبر عن الأخذ بالأكل ؛ لأن الأخذ إنما يراد للأكل .

والربا في اللغة الزيادة مطلقا ، يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ، ومنه الحديث : فلا والله ما أخذنا من لقمة إلا ربا من تحتها يعني الطعام الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة ، خرج الحديث مسلم رحمه الله .

وقياس كتابته بالياء للكسرة في أوله ، وقد كتبوه في القرآن بالواو .

ثم إن الشرع قد تصرف في هذا الإطلاق فقصره على بعض موارده ، فمرة أطلقه على كسب الحرام ، كما قال الله تعالى في اليهود : وأخذهم الربا وقد نهوا عنه .

ولم يرد به الربا الشرعي الذي حكم بتحريمه علينا وإنما أراد المال الحرام ، كما قال تعالى : سماعون للكذب أكالون للسحت ؛ يعني به المال الحرام من الرشا ، وما استحلوه من أموال الأميين حيث قالوا : ليس علينا في الأميين سبيل .

وعلى هذا فيدخل فيه النهي عن كل مال حرام بأي وجه اكتسب .

والربا الذي عليه عرف الشرع شيئان : تحريم النساء ، والتفاضل في العقود وفي المطعومات على ما نبينه .

وغالبه ما كانت العرب تفعله ، من قولها للغريم : أتقضي أم تربي ؟

فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه .

وهذا كله محرم باتفاق الأمة .الثانية : أكثر البيوع الممنوعة إنما تجد منعها لمعنى زيادة إما في عين مال ، وإما في منفعة لأحدهما من تأخير ونحوه .

ومن البيوع ما ليس فيه معنى الزيادة ، كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها ، وكالبيع ساعة النداء يوم الجمعة ، فإن قيل لفاعلها ، آكل الربا فتجوز وتشبيه .الثالثة : روى الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء .

وفي حديث عبادة بن [ ص: 318 ] الصامت : فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد .

وروى أبو داود عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الذهب بالذهب تبرها وعينها والفضة بالفضة تبرها وعينها والبر بالبر مدي بمدي والشعير بالشعير مدي بمدي والتمر بالتمر مدي بمدي والملح بالملح مدي بمدي فمن زاد أو ازداد فقد أربى ولا بأس ببيع الذهب بالفضة والفضة ، أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا ولا بأس ببيع البر بالشعير والشعير ، أكثرهما يدا بيد وأما نسيئة فلا .

وأجمع العلماء على القول بمقتضى هذه السنة وعليها جماعة فقهاء المسلمين إلا في البر والشعير فإن مالكا جعلهما صنفا واحدا ، فلا يجوز منهما اثنان بواحد ، وهو قول الليث والأوزاعي ومعظم علماء المدينة والشام ، وأضاف مالك إليهما السلت .

وقال الليث : السلت والدخن والذرة صنف واحد ، وقاله ابن وهب .قلت : وإذا ثبتت السنة فلا قول معها .

وقال عليه السلام : ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ) .

وقوله : ( البر بالبر والشعير بالشعير ) دليل على أنهما نوعان مختلفان كمخالفة البر للتمر ، ولأن صفاتهما مختلفة وأسماؤهما مختلفة ، ولا اعتبار بالمنبت والمحصد إذا لم يعتبره الشرع ، بل فصل وبين ، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة والثوري وأصحاب الحديث .الرابعة : كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أن النهي والتحريم إنما ورد من النبي صلى الله عليه وسلم في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر من الذهب والفضة بالمضروب ، ولا في المصوغ بالمضروب .

وقد قيل إن ذلك إنما كان منه في المصوغ خاصة ، حتى وقع له مع عبادة ما خرجه مسلم وغيره ، قال : غزونا وعلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة ، فكان مما غنمنا آنية من فضة فأمر معاوية رجلا ببيعها في أعطيات الناس ، فتنازع الناس في ذلك فبلغ عبادة بن الصامت ذلك فقام فقال : إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين من زاد أو ازداد فقد أربى ، فرد الناس ما أخذوا ، فبلغ ذلك معاوية فقام خطيبا فقال : ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديث قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه فقام عبادة بن الصامت فأعاد القصة ثم قال : لنحدثن بما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كره معاوية - أو قال [ ص: 319 ] وإن رغم - ما أبالي ألا أصحبه في جنده في ليلة سوداء .

قال حماد هذا أو نحوه .

قال ابن عبد البر : وقد روي أن هذه القصة إنما كانت لأبي الدرداء مع معاوية .

ويحتمل أن يكون وقع ذلك لهما معه ، ولكن الحديث في العرف محفوظ لعبادة ، وهو الأصل الذي عول عليه العلماء في باب ( الربا ) .

ولم يختلفوا أن فعل معاوية في ذلك غير جائز ، وغير نكير أن يكون معاوية خفي عليه ما قد علمه أبو الدرداء وعبادة فإنهما جليلان من فقهاء الصحابة وكبارهم ، وقد خفي على أبي بكر وعمر ما وجد عند غيرهم ممن هو دونهم ، فمعاوية أحرى .

ويحتمل أن يكون مذهبه كمذهب ابن عباس ، فقد كان وهو بحر في العلم لا يرى الدرهم بالدرهمين بأسا حتى صرفه عن ذلك أبو سعيد .

وقصة معاوية هذه مع عبادة كانت في ولاية عمر .

قال قبيصة بن ذؤيب : إن عبادة أنكر شيئا على معاوية فقال : لا أساكنك بأرض أنت بها ودخل المدينة .

فقال له عمر : ما أقدمك ؟

فأخبره .

فقال : ارجع إلى مكانك ، فقبح الله أرضا لست فيها ولا أمثالك!

وكتب إلى معاوية " لا إمارة لك عليه " .الخامسة : روى الأئمة واللفظ للدارقطني عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما من كانت له حاجة بورق فليصرفها بذهب وإن كانت له حاجة بذهب فليصرفها بورق هاء وهاء .

قال العلماء فقوله ، عليه السلام : ( الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم لا فضل بينهما ) إشارة إلى جنس الأصل المضروب ، بدليل قوله : ( الفضة بالفضة والذهب بالذهب ) الحديث .

والفضة البيضاء والسوداء والذهب الأحمر والأصفر كل ذلك لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا مثلا بمثل سواء بسواء على كل حال ، على هذا جماعة أهل العلم على ما بينا .

واختلفت الرواية عن مالك في الفلوس فألحقها بالدراهم من حيث كانت ثمنا للأشياء ، ومنع من إلحاقها مرة من حيث إنها ليست ثمنا في كل بلد وإنما يختص بها بلد دون بلد .السادسة : لا اعتبار بما قد روي عن كثير من أصحاب مالك وبعضهم يرويه عن مالك في التاجر يحفزه الخروج وبه حاجة إلى دراهم مضروبة أو دنانير مضروبة ، فيأتي دار الضرب بفضته أو ذهبه فيقول للضراب ، خذ فضتي هذه أو ذهبي وخذ قدر عمل يدك وادفع إلي دنانير [ ص: 320 ] مضروبة في ذهبي أو دراهم مضروبة في فضتي هذه لأني محفوز للخروج وأخاف أن يفوتني من أخرج معه ، أن ذلك جائز للضرورة ، وأنه قد عمل به بعض الناس .

وحكاه ابن العربي في قبسه عن مالك في غير التاجر ، وإن مالكا خفف في ذلك ، فيكون في الصورة قد باع فضته التي زنتها مائة وخمسة دراهم أجره بمائة وهذا محض الربا .

والذي أوجب جواز ذلك أنه لو قال له : اضرب لي هذه وقاطعه على ذلك بأجرة ، فلما ضربها قبضها منه وأعطاه أجرتها ، فالذي فعل مالك أولا هو الذي يكون آخرا ، ومالك إنما نظر إلى المال فركب عليه حكم الحال ، وأباه سائر الفقهاء .

قال ابن العربي : والحجة فيه لمالك بينة .

قال أبو عمر رحمه الله : وهذا هو عين الربا الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : ( من زاد أو ازداد فقد أربى ) .

وقد رد ابن وهب هذه المسألة على مالك وأنكرها .

وزعم الأبهري أن ذلك من باب الرفق لطلب التجارة ولئلا يفوت السوق ، وليس الربا إلا على من أراد أن يربي ممن يقصد إلى ذلك ويبتغيه .

ونسي الأبهري أصله في قطع الذرائع ، وقوله ، فيمن باع ثوبا بنسيئة وهو لا نية له في شرائه ثم يجده في السوق يباع : إنه لا يجوز له ابتياعه منه بدون ما باعه به وإن لم يقصد إلى ذلك ولم يبتغه ، ومثله كثير ، ولو لم يكن الربا إلا على من قصده ما حرم إلا على الفقهاء .

وقد قال عمر : لا يتجر في سوقنا إلا من فقه وإلا أكل الربا .

وهذا بين لمن رزق الإنصاف وألهم رشده .قلت : وقد بالغ مالك رحمه الله في منع الزيادة حتى جعل المتوهم كالمتحقق ، فمنع دينارا ودرهما بدينار ودرهم سدا للذريعة وحسما للتوهمات ، إذ لولا توهم الزيادة لما تبادلا .

وقد علل منع ذلك بتعذر المماثلة عند التوزيع ، فإنه يلزم منه ذهب وفضة بذهب .

وأوضح من هذا منعه التفاضل المعنوي ، وذلك أنه منع دينارا من الذهب العالي ودينارا من الذهب الدون في مقابلة العالي وألغى الدون ، وهذا من دقيق نظره رحمه الله ، فدل أن تلك الرواية عنه منكرة ولا تصح .

والله أعلم .السابعة : قال الخطابي : التبر قطع الذهب والفضة قبل أن تضرب وتطبع دراهم أو دنانير ، واحدتها تبرة .

والعين : المضروب من الدراهم أو الدنانير .

وقد حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يباع مثقال ذهب عين بمثقال وشيء من تبر غير مضروب .

وكذلك حرم التفاوت بين المضروب من الفضة وغير المضروب منها ، وذلك معنى قوله : ( تبرها وعينها سواء ) .[ ص: 321 ] الثامنة : أجمع العلماء على أن التمر بالتمر ولا يجوز إلا مثلا بمثل .

واختلفوا في بيع التمرة الواحدة بالتمرتين ، والحبة الواحدة من القمح بحبتين ، فمنعه الشافعي وأحمد وإسحاق والثوري ، وهو قياس قول مالك وهو الصحيح ؛ لأن ما جرى الربا فيه بالتفاضل في كثيره دخل قليله في ذلك قياسا ونظرا .

احتج من أجاز ذلك بأن مستهلك التمرة والتمرتين لا تجب عليه القيمة ، قال : لأنه لا مكيل ولا موزون فجاز فيه التفاضل .التاسعة : اعلم رحمك الله أن مسائل هذا الباب كثيرة وفروعه منتشرة ، والذي يربط لك ذلك أن تنظر إلى ما اعتبره كل واحد من العلماء في علة الربا ، فقال أبو حنيفة : علة ذلك كونه مكيلا أو موزونا جنسا ، فكل ما يدخله الكيل أو الوزن عنده من جنس واحد ، فإن بيع بعضه ببعض متفاضلا أو نسيئا لا يجوز ، فمنع بيع التراب بعضه ببعض متفاضلا ؛ لأنه يدخله الكيل ، وأجاز الخبز قرصا بقرصين ؛ لأنه لم يدخل عنده في الكيل الذي هو أصله ، فخرج من الجنس الذي يدخله الربا إلى ما عداه .

وقال الشافعي : العلة كونه مطعوما جنسا .

هذا قوله في الجديد ، فلا يجوز عنده بيع الدقيق بالخبز ولا بيع الخبز بالخبز متفاضلا ولا نسيئا ، وسواء أكان الخبز خميرا أو فطيرا .

ولا يجوز عنده بيضة ببيضتين ، ولا رمانة برمانتين ، ولا بطيخة ببطيختين لا يدا بيد ولا نسيئة ؛ لأن ذلك كله طعام مأكول .

وقال في القديم : كونه مكيلا أو موزونا .

واختلفت عبارات أصحابنا المالكية في ذلك ، وأحسن ما في ذلك كونه مقتاتا مدخرا للعيش غالبا جنسا ، كالحنطة والشعير والتمر والملح المنصوص عليها ، وما في معناها كالأرز والذرة والدخن والسمسم ، والقطاني كالفول والعدس واللوبياء والحمص ، وكذلك اللحوم والألبان والخلول والزيوت ، والثمار كالعنب والزبيب والزيتون ، واختلف في التين ، ويلحق بها العسل والسكر .

فهذا كله يدخله الربا من جهة النساء .

وجائز فيه التفاضل لقوله عليه السلام إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد .

ولا ربا في رطب الفواكه التي لا تبقى كالتفاح والبطيخ والرمان والكمثرى والقثاء والخيار والباذنجان وغير ذلك من الخضراوات .

قال مالك : لا يجوز بيع البيض بالبيض متفاضلا ؛ لأنه مما يدخر ، ويجوز عنده مثلا بمثل .

وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : جائز بيضة ببيضتين وأكثر ؛ لأنه مما لا يدخر ، وهو قول الأوزاعي .العاشرة : اختلف النحاة في لفظ " الربا " فقال البصريون : هو من ذوات الواو ؛ لأنك تقول في تثنيته : ربوان ، قاله سيبويه .

وقال الكوفيون : يكتب بالياء ، وتثنيته بالياء ، لأجل الكسرة التي في أوله .

قال الزجاج : ما رأيت خطأ أقبح من هذا ولا أشنع لا يكفيهم الخطأ في [ ص: 322 ] الخط حتى يخطئوا في التثنية وهم يقرءون : وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس قال محمد بن يزيد : كتب " الربا " في المصحف بالواو فرقا بينه وبين الزنا ، وكان الربا أولى منه بالواو ؛ لأنه من ربا يربو .الحادية عشرة : قوله تعالى : لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس الجملة خبر الابتداء وهو ( الذين ) .

والمعنى من قبورهم ، قاله ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد .

وقال بعضهم : يجعل معه شيطان يخنقه .

وقالوا كلهم : يبعث كالمجنون عقوبة له وتمقيتا عند جميع أهل المحشر .

ويقوي هذا التأويل المجمع عليه أن في قراءة ابن مسعود " لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم " .

قال ابن عطية : وأما ألفاظ الآية فكانت تحتمل تشبيه حال القائم بحرص وجشع إلى تجارة الدنيا بقيام المجنون ؛ لأن الطمع والرغبة تستفزه حتى تضطرب أعضاؤه ، وهذا كما تقول لمسرع في مشيه يخلط في هيئة حركاته إما من فزع أو غيره : قد جن هذا!

وقد شبه الأعشى ناقته في نشاطها بالجنون في قوله :وتصبح عن غب السرى وكأنما ألم بها من طائف الجن أولقوقال آخر :لعمرك بي من حب أسماء أولقلكن ما جاءت به قراءة ابن مسعود وتظاهرت به أقوال المفسرين يضعف هذا التأويل .

و ( يتخبطه ) يتفعله من خبط يخبط ، كما تقول : تملكه وتعبده .

فجعل الله هذه العلامة لأكلة الربا ، وذلك أنه أرباه في بطونهم فأثقلهم ، فهم إذا خرجوا من قبورهم يقومون ويسقطون .

ويقال : إنهم يبعثون يوم القيامة قد انتفخت بطونهم كالحبالى ، وكلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم .

وقال بعض العلماء : إنما ذلك شعار لهم يعرفون به يوم القيامة ثم العذاب من وراء ذلك ، كما أن الغال يجيء بما غل يوم القيامة بشهرة يشهر بها ثم العذاب من وراء ذلك .

وقال تعالى : ( يأكلون ) والمراد يكسبون الربا ويفعلونه .

وإنما خص الأكل بالذكر لأنه أقوى مقاصد الإنسان في المال ، ولأنه دال على الجشع وهو أشد الحرص ، يقال : رجل جشع بين [ ص: 323 ] الجشع وقوم جشعون ، قاله في المجمل .

فأقيم هذا البعض من توابع الكسب مقام الكسب كله ، فاللباس والسكنى والادخار والإنفاق على العيال داخل في قوله : ( الذين يأكلون ) .الثانية عشرة : في هذه الآية دليل على فساد إنكار من أنكر الصرع من جهة الجن ، وزعم أنه من فعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس ، وقد مضى الرد عليهم فيما تقدم من هذا الكتاب .

وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : اللهم إني أعوذ بك من التردي والهدم والغرق والحريق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبرا وأعوذ بك أن أموت لديغا .

وروي من حديث محمد بن المثنى حدثنا أبو داود حدثنا همام عن قتادة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : اللهم إني أعوذ بك من الجنون والجذام والبرص وسيئ الأسقام .

والمس : الجنون ، يقال : مس الرجل وألس ، فهو ممسوس ومألوس إذا كان مجنونا ، وذلك علامة الربا في الآخرة .

وروي في حديث الإسراء : فانطلق بي جبريل فمررت برجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم متصدين على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار بكرة وعشيا فيقبلون مثل الإبل المهيومة يتخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون براحا حتى يغشاهم آل فرعون فيطئونهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة وآل فرعون يقولون اللهم لا تقم الساعة أبدا ، فإن الله تعالى يقول : ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب - قلت - يا جبريل من هؤلاء ؟

قال : ( هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ) .

والمس : الجنون ، وكذلك الأولق والألس والرود .الثالثة عشرة : ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا معناه عند جميع المتأولين في الكفار ، ولهم قيل : فله ما سلف ولا يقال ذلك لمؤمن عاص بل ينقض بيعه ، [ ص: 324 ] ويرد فعله وإن كان جاهلا ، فلذلك قال صلى الله عليه وسلم : من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد .

لكن قد يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيد هذه الآية .الرابعة عشرة : إنما البيع مثل الربا أي إنما الزيادة عند حلول الأجل آخرا كمثل أصل الثمن في أول العقد ، وذلك أن العرب كانت لا تعرف ربا إلا ذلك ، فكانت إذا حل دينها قالت للغريم : إما أن تقضي وإما أن تربي ، أي تزيد في الدين .

فحرم الله سبحانه ذلك ورد عليهم قولهم بقوله الحق : وأحل الله البيع وحرم الربا وأوضح أن الأجل إذا حل ولم يكن عنده ما يؤدي أنظر إلى الميسرة .

وهذا الربا هو الذي نسخه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله يوم عرفة لما قال : ألا إن كل ربا موضوع وإن أول ربا أضعه ربانا ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله .

فبدأ صلى الله عليه وسلم بعمه وأخص الناس به .

وهذا من سنن العدل للإمام أن يفيض العدل على نفسه وخاصته فيستفيض حينئذ في الناس .الخامسة عشرة : : قوله تعالى : وأحل الله البيع هذا من عموم القرآن ، والألف واللام للجنس لا للعهد إذ لم يتقدم بيع مذكور يرجع إليه ، كما قال تعالى : والعصر إن الإنسان لفي خسر ثم استثنى إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات .

وإذا ثبت أن البيع عام فهو مخصص بما ذكرناه من الربا وغير ذلك مما نهي عنه ومنع العقد عليه ، كالخمر والميتة وحبل الحبلة وغير ذلك مما هو ثابت في السنة وإجماع الأمة النهي عنه .

ونظيره فاقتلوا المشركين وسائر الظواهر التي تقتضي العمومات ويدخلها التخصيص وهذا مذهب أكثر الفقهاء .

وقال بعضهم : هو من مجمل القرآن الذي فسر بالمحلل من البيع وبالمحرم فلا يمكن أن يستعمل في إحلال البيع وتحريمه إلا أن يقترن به بيان من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وإن دل على إباحة البيوع في الجملة دون التفصيل .

وهذا فرق ما بين العموم والمجمل .

، فالعموم يدل على [ ص: 325 ] إباحة البيوع في الجملة ، والتفصيل ما لم يخص بدليل .

والمجمل لا يدل على إباحتها في التفصيل حتى يقترن به بيان .

والأول أصح .

والله أعلم .السادسة عشرة : البيع في اللغة مصدر باع كذا بكذا ، أي دفع عوضا وأخذ معوضا .

وهو يقتضي بائعا وهو المالك أو من ينزل منزلته ، ومبتاعا وهو الذي يبذل الثمن ، ومبيعا وهو المثمون وهو الذي يبذل في مقابلته الثمن .

وعلى هذا فأركان البيع أربعة : البائع والمبتاع والثمن والمثمن .

ثم المعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه ، فإن كان أحد المعوضين في مقابلة الرقبة سمي بيعا ، وإن كان في مقابلة منفعة رقبة فإن كانت منفعة بضع سمي نكاحا ، وإن كانت منفعة غيرها سمي إجارة ، وإن كان عينا بعين فهو بيع النقد وهو الصرف ، وإن كان بدين مؤجل فهو السلم ، وسيأتي بيانه في آية الدين .

وقد مضى حكم الصرف ، ويأتي حكم الإجارة في " القصص " وحكم المهر في النكاح في ( النساء ) كل في موضعه إن شاء الله تعالى .السابعة عشرة : البيع قبول وإيجاب يقع باللفظ المستقبل والماضي ، فالماضي فيه حقيقة والمستقبل كناية ، ويقع بالصريح والكناية المفهوم منها نقل الملك .

فسواء قال : بعتك هذه السلعة بعشرة فقال : اشتريتها ، أو قال المشتري : اشتريتها وقال البائع : بعتكها ، أو قال البائع : أنا أبيعك بعشرة فقال المشتري : أنا أشتري أو قد اشتريت ، وكذلك لو قال : خذها بعشرة أو أعطيتكها أو دونكها أو بورك لك فيها بعشرة أو سلمتها إليك - وهما يريدان البيع - فذلك كله بيع لازم .

ولو قال البائع : بعتك بعشرة ثم رجع قبل أن يقبل المشتري فقد قال : ليس له أن يرجع حتى يسمع قبول المشتري أو رده ؛ لأنه قد بذل ذلك من نفسه وأوجبه عليها ، وقد قال ذلك له ؛ لأن العقد لم يتم عليه .

ولو قال البائع : كنت لاعبا ، فقد اختلفت الرواية عنه ، فقال مرة : يلزمه البيع ولا يلتفت إلى قوله وقال مرة : ينظر إلى قيمة السلعة .

فإن كان الثمن يشبه قيمتها فالبيع لازم ، وإن كان متفاوتا كعبد بدرهم ودار بدينار ، علم أنه لم يرد به البيع ، وإنما كان هازلا فلم يلزمه .الثامنة عشرة : قوله تعالى : وحرم الربا الألف واللام هنا للعهد ، وهو ما كانت العرب تفعله كما بيناه ، ثم تتناول ما حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهى عنه من البيع الذي يدخله الربا وما في معناه من البيوع المنهي عنها .التاسعة عشرة : عقد الربا مفسوخ لا يجوز بحال ، لما رواه الأئمة واللفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري قال : جاء بلال بتمر برني فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من أين هذا ) ؟

فقال بلال : [ ص: 326 ] من تمر كان عندنا رديء ، فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك : أوه عين الربا لا تفعل ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به وفي رواية ( هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ) .

قال علماؤنا : فقوله ( أوه عين الربا ) أي هو الربا المحرم نفسه لا ما يشبهه .

وقوله : ( فردوه ) يدل على وجوب فسخ صفقة الربا وأنها لا تصح بوجه ، وهو قول الجمهور ، خلافا لأبي حنيفة حيث يقول : إن بيع الربا جائز بأصله من حيث هو بيع ، ممنوع بوصفه من حيث هو ربا ، فيسقط الربا ويصح البيع .

ولو كان على ما ذكر لما فسخ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الصفقة ، ولأمره برد الزيادة على الصاع ولصحح الصفقة في مقابلة الصاع .الموفية عشرين : كل ما كان من حرام بين ففسخ فعلى المبتاع رد السلعة بعينها .

فإن تلفت بيده رد القيمة فيما له القيمة ، وذلك كالعقار والعروض والحيوان ، والمثل فيما له مثل من موزون أو مكيل من طعام أو عرض .

قال مالك : يرد الحرام البين فات أو لم يفت ، وما كان مما كره الناس رد إلا أن يفوت فيترك .الحادية والعشرون : قوله تعالى : فمن جاءه موعظة من ربه قال جعفر بن محمد الصادق رحمهما الله : حرم الله الربا ليتقارض الناس .

وعن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قرض مرتين يعدل صدقة مرة أخرجه البزار ، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى .

وقال بعض الناس : حرمه الله لأنه متلفة للأموال مهلكة للناس .

وسقطت علامة التأنيث في قوله تعالى : ( فمن جاءه ) لأن تأنيث " الموعظة " غير حقيقي وهو بمعنى وعظ .

وقرأ الحسن " فمن جاءته " بإثبات العلامة .هذه الآية تلتها عائشة لما أخبرت بفعل زيد بن أرقم .

روى الدارقطني عن العالية بنت أنفع قالت : خرجت أنا وأم محبة إلى مكة فدخلنا على عائشة رضي الله عنها فسلمنا عليها ، فقالت لنا : ممن أنتن ؟

قلنا من أهل الكوفة ، قالت : فكأنها أعرضت عنا ، فقالت لها أم محبة : يا أم المؤمنين!

كانت لي جارية وإني بعتها من زيد بن أرقم الأنصاري بثمانمائة درهم إلى عطائه وإنه أراد بيعها فابتعتها منه بستمائة درهم نقدا .

قالت : فأقبلت علينا فقالت : بئسما [ ص: 327 ] شريت وما اشتريت!

فأبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب .

فقالت لها : أرأيت إن لم آخذ منه إلا رأس مالي ؟

قالت : فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف .

العالية هي زوج أبي إسحاق الهمداني الكوفي السبيعي أم يونس بن أبي إسحاق .

وهذا الحديث أخرجه مالك من رواية ابن وهب عنه في بيوع الآجال ، فإن كان منها ما يؤدي إلى الوقوع في المحظور منع منه وإن كان ظاهره بيعا جائزا .

وخالف مالكا في هذا الأصل جمهور الفقهاء وقالوا : الأحكام مبنية على الظاهر لا على الظنون .

ودليلنا القول بسد الذرائع ، فإن سلم وإلا استدللنا على صحته .

وقد تقدم .

وهذا الحديث نص ولا تقول عائشة ( أبلغي زيدا أنه قد أبطل جهاده إلا أن يتوب ) إلا بتوقيف ، إذ مثله لا يقال بالرأي فإن إبطال الأعمال لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالوحي كما تقدم .

وفي صحيح مسلم عن النعمان بن بشير قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى ، حول الحمى يوشك أن يوقع فيه ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه .

وجه دلالته أنه منع من الإقدام على المتشابهات مخافة الوقوع في المحرمات وذلك سد للذريعة .

وقال صلى الله عليه وسلم : إن من الكبائر شتم الرجل والديه قالوا : وكيف يشتم الرجل والديه ؟

قال : يسب أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه فيسب أمه .

فجعل التعريض لسب الآباء كسب الآباء .

ولعن صلى الله عليه وسلم اليهود إذ أكلوا ثمن ما نهوا عن أكله .

وقال أبو بكر في كتابه : لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة .

ونهى ابن عباس عن دراهم بدراهم بينهما جريرة .

واتفق العلماء على منع الجمع بين بيع وسلف ، وعلى تحريم قليل الخمر وإن كان لا يسكر ، وعلى تحريم الخلوة بالأجنبية وإن كان عنينا ، وعلى تحريم النظر إلى وجه المرأة الشابة إلى غير ذلك مما يكثر ويعلم على القطع والثبات أن الشرع حكم فيها بالمنع ؛ لأنها ذرائع المحرمات .

والربا أحق ما حميت مراتعه وسدت طرائقه ، ومن أباح هذه الأسباب فليبح حفر البئر ونصب الحبالات لهلاك المسلمين والمسلمات ، وذلك لا يقوله أحد .

وأيضا [ ص: 328 ] فقد اتفقنا على منع من باع بالعينة إذا عرف بذلك وكانت عادته ، وهي في معنى هذا الباب .

والله الموفق للصواب .الثانية والعشرون : روى أبو داود عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم .

في إسناده أبو عبد الرحمن الخراساني .

ليس بمشهور .

وفسر أبو عبيد الهروي العينة فقال : هي أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى ، ثم يشتريها منه بأقل من الثمن الذي باعها به .

قال : فإن اشترى بحضرة طالب العينة سلعة من آخر بثمن معلوم وقبضها ثم باعها من طالب العينة بثمن أكثر مما اشتراه إلى أجل مسمى ، ثم باعها المشتري من البائع الأول بالنقد بأقل من الثمن ، فهذه أيضا عينة ، وهي أهون من الأولى ، وهو جائز عند بعضهم .

وسميت عينة لحضور النقد لصاحب العينة ، وذلك أن العين هو المال الحاضر والمشتري إنما يشتريها ليبيعها بعين حاضر يصل إليه من فوره .الثالثة والعشرون : قال علماؤنا : فمن باع سلعة بثمن إلى أجل ثم ابتاعها بثمن من جنس الثمن الذي باعها به ، فلا يخلو أن يشتريها منه بنقد ، أو إلى أجل دون الأجل الذي باعها إليه ، أو إلى أبعد منه ، بمثل الثمن أو بأقل منه أو بأكثر ، فهذه ثلاث مسائل : وأما الأولى والثانية فإن كان بمثل الثمن أو أكثر جاز ، ولا يجوز بأقل على مقتضى حديث عائشة ؛ لأنه أعطى ستمائة ليأخذ ثمانمائة والسلعة لغو ، وهذا هو الربا بعينه .

وأما الثالثة إلى أبعد من الأجل ، فإن كان اشتراها وحدها أو زيادة فيجوز بمثل الثمن أو أقل منه ، ولا يجوز بأكثر ، فإن اشترى بعضها فلا يجوز على كل حال لا بمثل الثمن ولا بأقل ولا بأكثر .

ومسائل هذا الباب حصرها علماؤنا في سبع وعشرين مسألة ، ومدارها على ما ذكرناه فاعلم .الرابعة والعشرون : فله ما سلف أي من أمر الربا لا تباعة عليه منه في الدنيا ولا في الآخرة ، قاله السدي وغيره .

وهذا حكم من الله تعالى لمن أسلم من كفار قريش وثقيف ومن كان يتجر هنالك .

وسلف : معناه تقدم في الزمن وانقضى .الخامسة والعشرون : قوله تعالى : وأمره إلى الله فيه أربع تأويلات : أحدها أن الضمير عائد إلى الربا ، بمعنى وأمر الربا إلى الله في إمرار تحريمه أو غير ذلك .

والآخر أن يكون الضمير عائدا على ما سلف أي أمره إلى الله تعالى في العفو عنه وإسقاط التبعة فيه .

والثالث أن يكون الضمير عائدا على ذي الربا ، بمعنى أمره إلى الله في أن يثبته على الانتهاء أو [ ص: 329 ] يعيده إلى المعصية في الربا .

واختار هذا القول النحاس ، قال : وهذا قول حسن بين ، أي وأمره إلى الله في المستقبل إن شاء ثبته على التحريم وإن شاء أباحه .

والرابع أن يعود الضمير على المنتهى ، ولكن بمعنى التأنيس له وبسط أمله في الخير ، كما تقول : وأمره إلى طاعة وخير ، وكما تقول : وأمره في نمو وإقبال إلى الله تعالى وإلى طاعته .السادسة والعشرون : ومن عاد يعني إلى فعل الربا حتى يموت ، قاله سفيان .

وقال غيره : من عاد فقال إنما البيع مثل الربا فقد كفر .

قال ابن عطية : إن قدرنا الآية في كافر فالخلود خلود تأبيد حقيقي ، وإن لحظناها في مسلم عاص فهذا خلود مستعار على معنى المبالغة ، كما تقول العرب : ملك خالد ، عبارة عن دوام ما لا يبقى على التأبيد الحقيقي .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن أكلة الربا وسوء مآلهم وشدة منقلبهم، أنهم لا يقومون من قبورهم ليوم نشورهم { إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أي: يصرعه الشيطان بالجنون، فيقومون من قبورهم حيارى سكارى مضطربين، متوقعين لعظيم النكال وعسر الوبال، فكما تقلبت عقولهم و { قالوا إنما البيع مثل الربا } وهذا لا يكون إلا من جاهل عظيم جهله، أو متجاهل عظيم عناده، جازاهم الله من جنس أحوالهم فصارت أحوالهم أحوال المجانين، ويحتمل أن يكون قوله: { لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس } أنه لما انسلبت عقولهم في طلب المكاسب الربوية خفت أحلامهم وضعفت آراؤهم، وصاروا في هيئتهم وحركاتهم يشبهون المجانين في عدم انتظامها وانسلاخ العقل الأدبي عنهم، قال الله تعالى رادا عليهم ومبينا حكمته العظيمة { وأحل الله البيع } أي: لما فيه من عموم المصلحة وشدة الحاجة وحصول الضرر بتحريمه، وهذا أصل في حل جميع أنواع التصرفات الكسبية حتى يرد ما يدل على المنع { وحرم الربا } لما فيه من الظلم وسوء العاقبة، والربا نوعان: ربا نسيئة كبيع الربا بما يشاركه في العلة نسيئة، ومنه جعل ما في الذمة رأس مال، سلم، وربا فضل، وهو بيع ما يجري فيه الربا بجنسه متفاضلا، وكلاهما محرم بالكتاب والسنة، والإجماع على ربا النسيئة، وشذ من أباح ربا الفضل وخالف النصوص المستفيضة، بل الربا من كبائر الذنوب وموبقاتها { فمن جاءه موعظة من ربه } أي: وعظ وتذكير وترهيب عن تعاطي الربا على يد من قيضه الله لموعظته رحمة من الله بالموعوظ، وإقامة للحجة عليه { فانتهى } عن فعله وانزجر عن تعاطيه { فله ما سلف } أي: ما تقدم من المعاملات التي فعلها قبل أن تبلغه الموعظة جزاء لقبوله للنصيحة، دل مفهوم الآية أن من لم ينته جوزي بالأول والآخر { وأمره إلى الله } في مجازاته وفيما يستقبل من أموره { ومن عاد } إلى تعاطي الربا ولم تنفعه الموعظة، بل أصر على ذلك { فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } اختلف العلماء رحمهم الله في نصوص الوعيد التي ظاهرها تخليد أهل الكبائر من الذنوب التي دون الشرك بالله، والأحسن فيها أن يقال هذه الأمور التي رتب الله عليها الخلود في النار موجبات ومقتضيات لذلك، ولكن الموجب إن لم يوجد ما يمنعه ترتب عليه مقتضاه، وقد علم بالكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن التوحيد والإيمان مانع من الخلود في النار، فلولا ما مع الإنسان من التوحيد لصار عمله صالحا للخلود فيها بقطع النظر عن كفره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( الذين يأكلون الربا ) أي يعاملون به وإنما خص الأكل لأنه معظم المقصود من المال ( لا يقومون ) يعني يوم القيامة من قبورهم ( إلا كما يقوم الذي يتخبطه ) أي يصرعه ( الشيطان ) أصل الخبط الضرب والوطء وهو ضرب على غير استواء يقال : ناقة خبوط للتي تطأ الناس وتضرب الأرض بقوائمها ( من المس ) أي الجنون يقال : مس الرجل فهو ممسوس إذا كان مجنونا ومعناه : أن آكل الربا يبعث يوم القيامة وهو كمثل المصروع .

أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم السرخسي أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أخبرنا عبد الله بن حامد ، أخبرنا أحمد بن محمد بن يوسف ، أخبرنا عبد الله بن يحيى ، أخبرنا يعقوب بن سفيان أخبرنا إسماعيل بن سالم ، أخبرنا عباد بن عباد عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قصة الإسراء قال : " فانطلق بي جبريل عليه السلام إلى رجال كثير كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم منضدين على سابلة آل فرعون - وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا - قال : فيقبلون مثل الإبل المنهومة يخبطون الحجارة والشجر لا يسمعون ولا يعقلون فإذا أحس بهم أصحاب تلك البطون قاموا فتميل بهم بطونهم فيصرعون ثم يقوم أحدهم فيميل به بطنه فيصرع فلا يستطيعون أن يبرحوا حتى يغشاهم آل فرعون فيردوهم مقبلين ومدبرين فذلك عذابهم في البرزخ بين الدنيا والآخرة ( قال ) وآل فرعون يقولون : اللهم لا تقم الساعة أبدا ( قال ) ويوم القيامة يقال : " أدخلوا آل فرعون أشد العذاب " ( 46 - غافر ) قلت : يا جبريل من هؤلاء؟

قال : هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس " .

قوله تعالى : ( ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ) أي ذلك الذي نزل بهم لقولهم هذا واستحلالهم إياه وذلك أن أهل الجاهلية كان أحدهم إذا حل ماله على غريمه فطالبه به فيقول الغريم لصاحب الحق : زدني في الأجل حتى أزيدك في المال فيفعلان ذلك ويقولون سواء علينا الزيادة في أول البيع بالربح أو عند المحل لأجل التأخير فكذبهم الله تعالى وقال : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ) واعلم أن الربا في اللغة الزيادة قال الله تعالى : " وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس " أي ليكثر " فلا يربو عند الله " ( 39 - الروم ) وطلب الزيادة بطريق التجارة غير حرام في الجملة إنما المحرم زيادة على صفة مخصوصة في مال مخصوص بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرنا عبد الوهاب بن محمد الخطيب ، أخبرنا عبد العزيز بن أحمد الخلال ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، أخبرنا الربيع أخبرنا الشافعي أخبرنا عبد الوهاب عن أيوب بن أبي تميمة عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار ورجل آخر عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين يدا بيد ولكن بيعوا الذهب بالورق والورق بالذهب والبر بالشعير والشعير بالبر والتمر بالملح والملح بالتمر يدا بيد كيف شئتم - ونقص أحدهما الملح أو التمر وزاد أحدهما من زاد وازداد فقد أربى " .

وروى هذا الحديث مطرف عن محمد بن سيرين عن مسلم بن يسار وعبد الله بن عتيك عن عبادة فالنبي صلى الله عليه وسلم نص على ستة أشياء .

وذهب عامة أهل العلم إلى أن حكم الربا يثبت في هذه الأشياء الست بالأوصاف فيها فيتعدى إلى كل مال توجد فيه تلك الأوصاف ثم اختلفوا في تلك الأوصاف فذهب قوم إلى أن المعنى في جميعها واحد وهو النفع وأثبتوا الربا في جميع الأموال وذهب الأكثرون إلى أن الربا يثبت في الدراهم والدنانير بوصف وفي الأشياء المطعومة بوصف آخر واختلفوا في ذلك الوصف فقال قوم : ثبت في الدراهم والدنانير بوصف النقدية وهو قول مالك والشافعي وقال قوم : ثبت بعلة الوزن وهو قول أصحاب الرأي وأثبتوا الربا في جميع الموزونات مثل الحديد والنحاس والقطن ونحوها .

وأما الأشياء الأربعة فذهب قوم إلى أن الربا ثبت فيها بعلة الكيل وهو قول أصحاب الرأي وأثبتوا الربا في جميع المكيلات مطعوما كان أو غير مطعوم كالجص والنورة ونحوها وذهب جماعة إلى أن العلة فيها الطعم مع الكيل والوزن فكل مطعوم وهو مكيل أو موزون يثبت فيه الربا ولا يثبت فيما ليس بمكيل ولا موزون وهو قول سعيد بن المسيب وقاله الشافعي رحمه الله في القديم وقال في الجديد : يثبت فيها الربا بوصف الطعم وأثبت الربا في جميع الأشياء المطعومة من الثمار والفواكه والبقول والأدوية مكيلة كانت أو موزونة لما روي عن معمر بن عبد الله قال : كنت أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " الطعام بالطعام مثلا بمثل " .

فجملة مال الربا عند الشافعي ما كان ثمنا أو مطعوما والربا نوعان : ربا الفضل وربا النساء فإذا باع مال الربا بجنسه مثلا بمثل بأن باع أحد النقدين بجنسه أو باع مطعوما بجنسه كالحنطة بالحنطة ونحوها يثبت فيه كلا نوعي الربا حتى لا يجوز إلا متساويين في معيار الشرع فإن كان موزونا كالدراهم والدنانير فيشترط المساواة في الوزن وإن كان مكيلا كالحنطة والشعير بيع بجنسه فيشترط المساواة في الكيل ويشترط التقابض في مجلس العقد وإذا باع مال الربا بغير جنسه نظر : إن باع بما لا يوافقه في وصف الربا مثل أن باع مطعوما بأحد النقدين فلا ربا فيه كما لو باعه بغير مال الربا أو إن باعه بما يوافقه مع الوصف مثل أن باع الدراهم بالدنانير أو باع الحنطة بالشعير أو باع مطعوما بمطعوم آخر من غير جنسه فلا يثبت فيه ربا الفضل حتى يجوز متفاضلا أو جزافا ويثبت فيه ربا النساء حتى يشترط التقابض في المجلس وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تبيعوا الذهب بالذهب - إلى أن قال - إلا سواء بسواء " فيه إيجاب المماثلة وتحريم الفضل عند اتفاق الجنس وقوله " عينا بعين " فيه تحريم النساء وقوله " يدا بيد كيف شئتم " فيه إطلاق التفاضل عند اختلاف الجنس مع إيجاب التقابض في المجلس هذا في ربا المبايعة .

ومن أقرض شيئا بشرط أن يرد عليه أفضل فهو قرض جر منفعة وكل قرض جر منفعة فهو ربا .

قوله تعالى : ( فمن جاءه موعظة من ربه ) تذكير وتخويف وإنما ذكر الفعل ردا إلى الوعظ ( فانتهى ) عن أكل الربا ( فله ما سلف ) أي ما مضى من ذنبه قبل النهي مغفور له ( وأمره إلى الله ) بعد النهي إن شاء عصمه حيث يثبت على الانتهاء وإن شاء خذله حتى يعود وقيل : ( ما سلف وأمره إلى الله ) فيما يأمره وينهاه ويحل له ويحرم عليه وليس إليه من أمر نفسه شيء ( ومن عاد ) بعد التحريم إلى أكل الربا مستحلا له ( فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أخبرنا محمد بن إسماعيل ، أخبرنا محمد بن المثنى حدثني غندر أخبرنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه قال : إن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر الجرجاني ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد الفارسي ، أخبرنا محمد بن عيسى الجلودي أخبرنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، أخبرنا مسلم بن الحجاج ، أخبرنا زهير بن حرب ، أخبرنا هشيم أخبرنا أبو الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال : " هم سواء " .

أخبرنا أبو سعيد الشريحي ، أخبرنا أبو إسحاق الثعلبي ، أنا أبو محمد المخلدي ، أنا أبو حامد بن الشرقي أخبرنا أحمد بن يوسف السلمي ، أخبرنا النضر بن محمد ، أخبرنا عكرمة بن عمار ، أخبرنا يحيى هو ابن أبي كثير قال : حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الربا سبعون بابا أهونها عند الله عز وجل كالذي ينكح أمه " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الذين يأكلون الربا» أي ياخذونه وهو الزيادة في المعاملة بالنقود والمطعومات في القدر أو الأجل «لا يقومون» من قبورهم «إلا» قياما «كما يقوم الذي يتخبطه» يصرعه «الشيطان من المس» الجنون، متعلق بيقومون «ذلك» الذي نزل بهم «بأنهم» بسبب أنهم «قالوا إنما البيع مثل الربا» في الجواز وهذا من عكس التشبيه مبالغة فقال تعالى ردا عليهم: «وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه» بلغه «موعظة» وعظ «من ربِّه فانتهى» عن أكله «فله ما سلف» قبل النهي أي لا يسترد منه «وأمره» في العفو عنه «إلى الله ومن عاد» إلى أكله مشبها له بالبيع في الحلِّ «فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الذين يتعاملون بالربا -وهو الزيادة على رأس المال- لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون؛ ذلك لأنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، في أن كلا منهما حلال، ويؤدي إلى زيادة المال، فأكذبهم الله، وبيَّن أنه أحل البيع وحرَّم الربا؛ لما في البيع والشراء من نفع للأفراد والجماعات، ولما في الربا من استغلال وضياع وهلاك.

فمن بلغه نهي الله عن الربا فارتدع، فله ما مضى قبل أن يبلغه التحريم لا إثم عليه فيه، وأمره إلى الله فيما يستقبل من زمانه، فإن استمرَّ على توبته فالله لا يضيع أجر المحسنين، ومن عاد إلى الربا ففعله بعد بلوغه نهي الله عنه، فقد استوجب العقوبة، وقامت عليه الحجة، ولهذا قال سبحانه: (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

قوله - تعالى - : ( الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس .

.

.

) استئناف قصد به الترهيب من تعاطي الربا ، بعد الترغيب في بذل الصدقة لمستحقيها .ولم يعطف على ما قبله لما بينهما من تضاد ، لأن الصدقة - كما يقول الفخر الرازي - عبارة عن تنقيص المال - في الظاهر - بسبب أمرالله بذلك ، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهى الله عنه فكانا متضادين .والأكل في الحقيقة : ابتلاع الطعام ، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص وهو المراد هنا .

وعبر عن التعامل بالربا بالأكل ، لأن معظم مكاسب الناس تنفق في الأكل .والربا في اللغة : الزيادة مطلقاً ، يقال : ربا الشيء يربو إذا زاد ونما ، ومنه قوله - تعالى - : ( وَتَرَى الأرض هَامِدَةً فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت وَرَبَتْ .

.

.

) أي : زادت .وهو في الشرع : - كما قال الآلوسي - عبارة عن فضل مال لا يقابله عوض في معاوضة مال بمال .وقوله : ( يَتَخَبَّطُهُ ) : من التخبط بمعنى الخبط وهو الضرب على غير استواء واتساق .

يقال : خبطته أخبطه أي ضربته ضرباً متوالبياً على أنحاء مختلفة .

ويقالِ : تخبط البعير الأرض إذا ضربها بقوائمه ويقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه يخبط خبط عشواء .

قال زهير بن أبي سلمى في معلقته :رأيت المناي خبط عشواء من تصب ...

تمته ومن تخطى يعمر فيهرموالمس : الخبل والجنون يقال : مس الرجل فهو ممسوس إذا أصابه الجنون .

وأصل المس اللمس باليد ، ثم استعير للجنون ، لأن الشيطان يمس الإِنسان فيجنه .والمعنى : ( الذين يَأْكُلُونَ ) أي يتعاملون به أخذا وإعطاء ( لاَ يَقُومُونَ ) يوم القيامة للقاء الله إلا قياماً كقيام المتخبط المصروع المجنون حال صرعه وجنونه ، وتخبط الشيطان له ، وذلك لأنه قياماً منكراً مفزعا بسبب أخذه الربا الذي حرم الله أخذه .فالآية الكريمة تصور المرابي بتلك الصورة المرعبة المفزعة ، التي تحمل كل عاقل على الابتعاد عن كل معاملة يشم منها رائحة الربا .وهنا نحب أن نوضح أمرين :أما الأمر الأول : فهو أن جمهو المفسرين يرون أن هذا القيام المفزع للمرابين يكون يوم القيامة حين يبعثون من قبورهم كما أشرنا إلى ذلك .قال الآلوسي : وقيام المرابي يوم القيامة كذلك مما نطقت به الآثار ، فقد أخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياك والذنوب التي لا تغفر .

الغلول فمن غل شيئا أتى به يوم القيامة ، وأكل الربا فمن أكل الربا فبعثيوم القيامة مجنوناً يتخبط " ثم قرأ الآية ، وهو مما لا يحيله العقل ولا يمنعه ، ولعل الله - تعالى - جعل ذلك علامة له يعرف بها يوم الجمع الأعظم عقوبة له ..

.

ثم قال .

وقال ابن عطية : المراد تشبيه المرابي في حرصه وتحركه في اكتسابه في الدنيا بالمتخبط المصروع كما يقال لمن يسرع بحركات مختلفة : قد جن ، ولا يخفى أنه مصادمة لما عليه سلف الأمة ولما روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير داع سوى الاستبعاد الذي لا يعتبر في مثل هذه المقامات " .والذي نراه أنه لا مانع من أن تكون الآية تصور حال المرابين في الدنيا والآخرة ، فهم في الدنيا في قلق مستمر ، وانزعاج دائم ، واضطراب ظاهر بسبب جشعهم وشرهم في جمع المال ، ووساوسهم التي لا تكاد تفارقهم وهم يفكرون في مصير أموالهم .

.

.

ومن يتتبع أحوال بعض المتعاملين بالربا يراهم أشبه بالمجانين في أقوالهم وحركاتهم .

أما في الآخرة فقد توعدهم الله - تعالى - بالعقاب الشديد ، والعذاب الأليم .وقد رجح الإِمام الرازي أن الآية الكريمة تصور حال المرابي في الدنيا والآخرة فقال ما ملخصه : " إن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله ، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً .

.

.

وآكل الربا بلا شك أنه يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكا فيها ، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك حجاباً بينه وبين الله - تعالى - ، فالخبط الذي كان حاصلا له في الدينا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذل الحجاب ، وهذا التأويل أقرب عندي من غيره " .وأما الأمر الثاني : فهو أن جمهور المفسرين يرون أيضاً أن التشبيه في الآية الكريمة على الحقيقة ، بمعنى أن الآية تشبه حال بحال المجنون الذي مسه الشيطان ، لأن الشسيطان قد يمس الإنسان فيصيبه بالصرع والجنون .ولكن الزمخشري ومن تابعه ينكرون ذلك ، ويرون أن كون الصرع أو الجنون من الشيطان باطل لأنه لا يقدر على ذلك ، فقد قال الزمخشري في تفسيره : " وتخبط الشيطان من زعمات العرب ، يزعمون أن الشيطان يخبط الإِنسان فيصرع .

المس والجنون ، ورجل ممسوس - أي مجنون - وهذا أيضاً من زعماتهم ، وأن الجني يممسه فيختلط عقله ، وكذلك جن الرجل معناه ضربته الجن ، ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب ، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات " .ومن العلماء الذين تصدون للرد على الزمخشري ومن تابعه الإِمام القرطبي فقد قال : " وفي هذه الآية دليل على فساد إنكار من إنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع ، وأن الشيطان لا يسلك في الإِنسان ولا يكون منه مس .

وقد روى النسائي عن أبي اليسر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول : " اللهم إني أعوذ بك من التردي والغرق والهدم والحريق ، وأعوذ بك من أن يتخبطني الشيطان عند الموت ، وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبراً وأعوذ بك أن أموت لديغاً " .وقال الشيخ أحمد بن المنير : ومعنى قول الزمخشري أن تخبط الشيطان من زعمات العرب ، أي من كذباتهم وزخارفهم التي لا حقيقة لها ، كما يقال في الغول والعنقاء ونحو ذلك .

وهذا القول من تخبط - الشيسطان بالقدرية - أي المعتزلة - في زعماتهم المردودة بقواطع الشرع ، ثم قال : واعتقاد السلف وأهل السنة أن هذه أمور على حقائقها واقعة كما أخبر الشارع عنها ، والقدرية ينكرون كثيراً مما يزعمونه مخالفاً لقواعدهم .

.

من ذلك السحر ، وخبطة الشيطان ، وينبئ عنه ظاهر الشرع في خيط طويل لهم ، والذي نراه أن ما عليه جمهور العلماء من أن التشبيه على الحقيقة هو الحق ، لأن الشيطان قد يمس الإِنسان فيصيبه بالجنون ، ولأنه لا يسوغ لنا أن نؤول القرآن بغير ظاهره بسبب اتجاه دليل عليه .وقوله : ( مِنَ المس ) متعلق بيقومون أي لا يقومون من المس الذي حل بهم بسبب أكلهم الربا إلا كما المصروع من جنونه .وقوله - تعالى - : ( ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قالوا إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ) بيان لزعمهم الباطل الذي سوغ لهم التعامل بالربا ، ورد عليه بما يهدمه .واسم الإِشارة " ذلك " سيعود إلى الأكل أو إلى العقاب الذي نزل بهم .

والمعنى : ذلك الأكل الذي استحلوه عن طريق الربا ، أو ذلك العذاب الذي حل بهم والذي من مظاهره قيامهم المتخبط ، سببه قولهم إن البيع الذي أحله الله يشابه الريا الذي نتعامل به في أن كلا منهما معاوضة .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : " هلا قيل إنما الربا لا في البيع ، فوجب أن يقال إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه وكانت شبهتهم أنهم قالوا : لو اشتري الرجل الشيء الذي لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز ، فكذلك إذا باع درهما بدرهمين؟

قلت : جيء به على طريق المبالغة .

وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شهبوا به البيع " .وقوله : ( وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ) جملة مستأنفة ، وهي رد من الله - تعالى - عليهم ، وإنكار لتسويتهم الربا بالبيع .قال الآلوسي : وحاصل هذا الرد من الله - تعالى - عليهم : أن ما ذكرتم - " من أن الربا مثل البيع - قياس فاسد الوضع لأنه معارض للنص فهو من عمل الشيطان ، على أن بين البابين فرقاً ، وهو أن من باع ثوباً يساوي درهما بدرهمين فقد جعل الثوب مقابلا لدرهمين فلا شيء منهما إلا وهو في مقابلة شيء من الثوب .

وأما إذا باع درهما بدرهمين فقد أخذ الدرهم الزائد بدون عوض ، ولا يمكن جعل الإِمهال عوضا إذا الإِمهال ليس بمال في مقابلة المال " .وقوله : ( فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ) .تفريع على الوعيد السابق في قوله : ( الذين يَأْكُلُونَ الربا .

.

.

) إلخ .والمجيء بمعنى العلم والبلاغ ، والموعظة : ما يعظ الله - تعالى - به عباده عن طريق زجرهم وتخويفهم وتذكيرهم بسوء عاقبة المخالفين لأوامره .أي : فمن بلغه نهي الله - تعالى - عن الربا ، فامتثل وأطاع وابتعد عما نهاه الله عنه ، ( فَلَهُ مَا سَلَفَ ) أي فله ما تقدم قبضه من مال الربا قبل التحريم وليس له ما تقدم الاتفاق عليه ولم يقبضه .

.

لأن الله - تعالى - يقول بعد ذلك ( وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ .

.

) .وقوله : ( وَأَمْرُهُ إِلَى الله ) أي أمر هذا المرابي الذي تعامل بالربا قبل التحريم واجتنبه بعده ، أمره مفوض إلى الله - تعالى - فهو الذي يعامله بما يقتضيه فضله وعفوه وكرمه .قال ابن كثير : ( فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ ) .

.

إلخ أي ما بلغه نهى الله عن الربا فانتهى حال وصول الشرع إليه فله ما سلف من المعاملة لقوله : ( عَفَا الله عَمَّا سَلَف ) وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " وكل ربا في الجاهلية موضوع تحت قدمي خاتين وأول ربا أضع ربا عمي العباس " ، ولم يأمرهم برد الزيادات المأخوذة في حال الجاهلية بل عفا عما سلف كما قال - تعالى - : ( فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ) أي ففله ما كان قد أكل من الربا قبل التحريم .و " من " في قوله : ( فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ ) شرطية وهو الظاهر ، ويحتمل أن تكون موصولة وعلى التقديريرن فهي في محل رفع بالابتداء ، وقوله : ( فَلَهُ مَا سَلَفَ ) هو الجزاء أو الخبر ، و ( موعظة ) فاعل جاء ، وسقطت التاء من الفعل للفصل بينه وبين الفاعل أو تكون الموعظة هنا بمعنى الوعظ فهي في معنى المذكر .وقوله : ( مِّنْ رَّبِّهِ ) جار ومجرور متعلق بجاءه ، أو بمحذوف وقع صفة لموعظة .وفي قوله : ( مِّنْ رَّبِّهِ ) تفخيم لشأن الموعظة ، وإغراء بالامتثال والطاعة لأنها صادرة من الله - تعالى - المربى لعباده .وفي هذه الجملة الكريمة بيان لمظهر من مظاهر السماحة فيما شرعه الله لعباده ، لأنه - سبحانه - لم يعاقب المرابين على ما مضى من أمرهم قبل وجود الأمر والنهي ، ولم يجعل تشريعه بأثر رجعي بل جعله للمستقبل ، إذ الإِسلام يجب ما قبله .

فما أكله المرابي قبل تحريم الربا فلا عقاب عليه فيه وهو ملك له ، إلا أنه ليس له أن يتعامل به بعد التحريم ، وإذا تعامل به فلن تقبل توبته حتى يتخلص من هذا المال الناتج عنه الربا .ولقد توعد الله - تعالى - من يعود إلى التعامل بالربا بعد أن حرمه الله - تعالى - فقال ( وَمَنْ عَادَ فأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) .أي ومن عاد إلى التعامل بالربا بعد أن هى الله عنه فأولئك العائدون هم أصحاب النار الملازمون لها ، والماكثون فيها بسبب تعديهم لما نهى الله عنه .وفي هذه الجملة الكريمة تأكيد للعقاب النازل بأولئك العائدين بوجوه من المؤكدات منها : التعبير فيها بأولئك التي تدل على البعيد فهم بعيدون عن رحمة الله ، والتعبير بالجملة الاسمية التي تفيد الدوام والاستمرار والتعبير ، بكلمة أصحاب الدالة على الملازمة والمصاحبة ، وبكلمة ( خَالِدُونَ ) التي تدل على طول المكث .ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المرابين ، وحسن عاقبة المتصدقين فقال : ( يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِي الصدقات ) .والمحق : النقصان والإِزالة للشيء حالا بعد حال ، ومنه محاق القمر ، أي انتقاصه في الرؤية شيئاً فشيئاً حتى لا يرى ، فكأنه زال وذهب ولم يبق منه شيء .أي : أن المال الذي يدخله الربا يمحقه الله ، ويذهب بركته ، أما المال الذي يبذل منه صاحبه في سبيل الله فإنه - سبحانه - يباركه وينميه ويزيده لصاحبه .قال الإِمام الرازي عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : اعلم أنه لما كان الداعي إلى التعامل بالربا تحصيل المزيد من الخيرات ، والصارف عن الصدقات الاحتراز عن نقصان المال ، لما كان الأمر كذلك بين - سبحانه - أن الربا ، وإن كان زيادة في الحال إلا أنه نقصان في الحقيقة ، وأن الصدقة وإن كانت نقصاناً في الصورة إلا أنها زيادة في المعنى ، واللائق بالعقال أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الطبع والحس والدواعي والصوارف ، بل يعول على ما أمر به الشرع .ثم قال : واعلم أن محق الربا وإرباء الصدقات يحتمل أن يكون في الدنيا وأن يكون في الآخرة .

أما محق الربا في الدنيا فمن وجوه :أحدها : أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤول عاقبته إلى الفقر ، وتزول البركة عنه ، ففي الحديث : الربا وإن كثر فإلى قل .وثانيها : إن لم ينقص ماله فإن عاقبته الذم والنقص وسقوط العدالة وزوال الأمانة .وثالثها : إن الفقراء يلعنونه ويبغضونه بسبب أخذه لأموالهم .

.

.ورابعها : أن الأطماع تتوجه إليه من كل ظالم وطماع بسبب اشتهاره أنه قد جمع ماله من الربا ويقولون : إن ذلك المال ليس له في الحقيقة فلا يترك في يده .وأما أن الربا مسبب للمحق في الآخرة فلوجوه منها أن الله - تعالى - لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا صلة رحم - كما قال ابن عباس - ، ومنها أن مال الدنيا لا يبقى عند الموت بل الباقي هو العقاب وذلك هو الخسران الأكبر .وأما إرباء الصدقات في الدنيا فمن وجوه : منها : أن من كان لله كان الله له ، ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه وزاده من فضله ، ومنها أن يزداد كل يوم في ذكره الجميل وميل القلوب إليه ، ومنها أن الفقراء يدعون له بالدعوات الصالحة وتنقطع عنه الأطماع .وأما إرباؤها في الآخرة فقد روى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله - تعالى - يقبل الصدقات ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره ، أو فلوه حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن بين الربا وبين الصدقة مناسبة من جهة التضاد، وذلك لأن الصدقة عبارة عن تنقيص المال بسبب أمر الله بذلك، والربا عبارة عن طلب الزيادة على المال مع نهي الله عنه، فكانا متضادين، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِى الصدقات ﴾ فلما حصل بين هذين الحكمين هذا النوع من المناسبة، لا جرم ذكر عقيب حكم الصدقات حكم الربا.

أما قوله: ﴿ الذين يَأْكُلُونَ الربا ﴾ فالمراد الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر، كما قال: ﴿ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً  ﴾ وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، ولكنه نبّه بالأكل على ما سواه وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل  ﴾ وأيضاً فلأن نفس الربا الذي هو الزيادة في المال على ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يؤكل، إنما يصرف في المأكول فيؤكل، والمراد التصرف فيه، فمنع الله من التصرف في الربا بما ذكرنا من الوعيد، وأيضاً فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم: «لعن آكل الربا وموكله وشاهده وكاتبه والمحلل له» فعلمنا أن الحرمة غير مختصة بالآكل، وأيضاً فقد ثبت بشهادة الطرد والعكس، أن ما يحرم لا يوقف تحريمه على الأكل دون غيره من التصرفات فثبت بهذه الوجوه الأربعة أن المراد من أكل الربا في هذه الآية التصرف في الربا، وأما الربا ففيه مسائل: المسألة الأولى: الربا في اللغة عبارة عن الزيادة يقال: ربا الشيء يربو ومنه قوله: ﴿ اهتزت وَرَبَتْ  ﴾ أي زادت، وأربى الرجل إذا عامل في الربا، ومنه الحديث: «من أجبى فقد أربى» أي عامل بالربا، والاجباء بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، هذا معنى الربا في اللغة.

المسألة الثانية: قرأ حمزة والكسائي ﴿ الربا ﴾ بالإمالة لمكان كسرة الراء والباقون بالتفخيم بفتح الباء، وهي في المصاحف مكتوبة بالواو، وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو والياء، قال صاحب الكشاف: الربا كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع.

المسألة الثالثة: إعلم أن الربا قسمان: ربا النسيئة، وربا الفضل.

أما ربا النسيئة فهو الأمر الذي كان مشهوراً متعارفاً في الجاهلية، وذلك أنهم كانوا يدفعون المال على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ويكون رأس المال باقياً، ثم إذا حل الدين طالبوا المديون برأس المال، فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل، فهذا هو الربا الذي كانوا في الجاهلية يتعاملون به.

وأما ربا النقد فهو أن يباع من الحنطة بمنوين منها وما أشبه ذلك.

إذا عرفت هذا فنقول: المروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول فكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة، وكان يجوز بالنقد، فقال له أبو سعيد الخدري: شهدت ما لم تشهد، أو سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم تسمع ثم روي أنه رجع عنه قال محمد بن سيرين: كنا في بيت ومعنا عكرمة، فقال رجل: يا عكرمة ما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس، فقال: إنما كنت استحللت التصرف برأيي، ثم بلغني أنه صلى الله عليه وسلم حرمه، فاشهدوا أني حرمته وبرئت منه إلى الله، وحجة ابن عباس أن قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً، وقوله: ﴿ وَحَرَّمَ الربا ﴾ لا يتناوله لأن الربا عبارة عن الزيادة، وليست كل زيادة محرمة، بل قوله: ﴿ وَحَرَّمَ الربا ﴾ إنما يتناول العقد المخصوص الذي كان مسمى فيما بينهم بأنه ربا.

وذلك هو ربا النسيئة، فكان قوله: ﴿ وَحَرَّمَ الربا ﴾ مخصوصاً بالنسيئة، فثبت أن قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ يتناول ربا النقد، وقوله: ﴿ وَحَرَّمَ الربا ﴾ لا يتناوله، فوجب أن يبقى على الحل، ولا يمكن أن يقال: إنما يحرمه بالحديث، لأنه يقتضي تخصيص ظاهر القرآن بخبر الواحد وأنه غير جائز، وهذا هو عرف ابن عباس وحقيقته راجعة إلى أن تخصيص القرآن بخبر الواحد هل يجوز أم لا؟

وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على تحريم الربا في القسمين، أما القسم الأول فبالقرآن، وأما ربا النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة، ثم اختلفوا فقال عامة الفقهاء: حرمة التفاضل غير مقصورة على هذه الستة، بل ثابتة في غيرها، وقال نفاة القياس: بل الحرمة مقصورة عليها وحجة هؤلاء من وجوه: الحجة الأولى: أن الشارع خص من المكيلات والمطعومات والأقوات أشياء أربعة، فلو كان الحكم ثابتاً في كل المكيلات أو في كل المطعومات لقال: لا تبيعوا المكيل بالمكيل متفاضلاً، أو قال: لا تبيعوا المطعوم بالمطعوم متفاضلاً، فإن هذا الكلام يكون أشد اختصاراً، وأكثرر فائدة، فلما لم يقل ذلك بل عد الأربعة، علمنا أن حكم الحرمة مقصور عليها فقط.

الحجة الثانية: أنا بينا في قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ يقتضي حل ربا النقد فأنتم أخرجتم ربا النقد من تحت هذا العموم بخبر الواحد في الأشياء الستة، ثم أثبتم الحرمة في غيرها بالقياس عليها، فكان هذا تخصيصاً لعموم نص القرآن في الأشياء الستة بخبر الواحد، وفي غيرها بالقياس على الأشياء الستة، ثبت الحكم فيها بخبر الواحد، ومثل هذا القياس يكون أضعف بكثير من خبر الواحد، وخبر الواحد أضعف من ظاهر القرآن، فكان هذا ترجيحاً للأضعف على الأقوى، وأنه غير جائز.

الحجة الثالثة: أن التعدية من محل النص إلى غير محل النص، لا تمكن إلا بواسطة تعليل الحكم في مورد النص، وذلك غير جائز، أما أولاً: فلأنه يقتضي تعليل حكم الله، وذلك محال على ما ثبت في الأصول، وأما ثانياً: فلأن الحكم في مورد النص معلوم، واللغة مظنونة وربط المعلوم بالمظنون غير جائز، وأما جمهور الفقهاء فقد اتفقوا على أن حرمة ربا النقد غير مقصورة على هذه الأشياء الستة، بل هي ثابتة في غيرها، ثم من المعلوم أنه لا يمكن تعدية الحكم عن محل النص إلى غير محل النص إلا بتعليل الحكم الثابت في محل النص بعلة حاصلة في غير محل النص فلهذا المعنى اختلفوا في العلة على مذاهب.

فالقول الأول: وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه: أن العلة في حرمة الربا الطعم في الأشياء الأربعة واشتراط اتحاد الجنس، وفي الذهب والفضة النقدية.

والقول الثاني: قول أبي حنيفة رضي الله عنه: أن كل ما كان مقدراً ففيه الربا، والعلة في الدراهم والدنانير الوزن، وفي الأشياء الأربعة الكيل واتحاد الجنس.

والقول الثالث: قول مالك رضي الله عنه أن العلة هو القوت أو ما يصلح به القوت، وهو الملح.

والقول الرابع: وهو قول عبد الملك بن الماجشون: أن كل ما ينتفع به ففيه الربا، فهذا ضبط مذاهب الناس في حكم الربا، والكلام في تفاريع هذه المسائل لا يليق بالتفسير.

المسألة الرابعة: ذكروا في سبب تحريم الربا وجوهاً أحدها: الربا يقتضي أخذ مال الإنسان من غير عوض، لأن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة فيحصل له زيادة درهم من غير عوض، ومال الإنسان متعلق حاجته وله حرمة عظيمة، قال صلى الله عليه وسلم: «حرمة مال الإنسان كحرمة دمه» فوجب أن يكون أخذ ماله من غير عوض محرماً.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يكون لبقاء رأس المال في يده مدة مديدة عوضاً عن الدرهم الزائد، وذلك لأن رأس المال لو بقي في يده هذه المدة لكان يمكن المالك أن يتجر فيه ويستفيد بسبب تلك التجارة ربحاً فلما تركه في يد المديون وانتفع به المديون لم يبعد أن يدفع إلى رب المال ذلك الدرهم الزائد عوضاً عن انتفاعه بماله.

قلنا: إن هذا الانتفاع الذي ذكرتم أمر موهوم قد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد أمر متيقن، فتفويت المتيقن لأجل الأمر الموهوم لا ينفك عن نوع ضرر.

وثانيها: قال بعضهم: الله تعالى إنما حرم الربا من حيث إنه يمنع الناس عن الاشتغال بالمكاسب، وذلك لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً كان أو نسيئة خف عليه اكتساب وجه المعيشة، فلا يكاد يتحمل مشقة الكسب والتجارة والصناعات الشاقة، وذلك يفضي إلى انقطاع منافع الخلق، ومن المعلوم أن مصالح العالم لا تنتظم إلا بالتجارات والحرف والصناعات والعمارات.

وثالثها: قيل: السبب في تحريم عقد الربا، أنه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، لأن الربا إذا طابت النفوس بقرض الدرهم واسترجاع مثله، ولو حل الربا لكانت حاجة المحتاج تحمله على أخذ الدرهم بدرهمين، فيفضي ذلك إلى انقطاع المواساة والمعروف والإحسان.

ورابعها: هو أن الغالب أن المقرض يكون غنياً، والمستقرض يكون فقيراً، فالقول بتجويز عقد الربا تمكين للغنى من أن يأخذ من الفقير الضعيف مالاً زائداً، وذلك غير جائز برحمة الرحيم.

وخامسها: أن حرمة الربا قد ثبتت بالنص، ولا يجب أن يكون حكم جميع التكاليف معلومة للخلق، فوجب القطع بحرمة عقد الربا، وإن كنا لا نعلم الوجه فيه.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَ يَقُومُونَ ﴾ فأكثر المفسرين قالوا: المراد منه القيام يوم القيامة، وقال بعضهم: المراد منه القيام من القبر، واعلم أنه لا منافاة بين الوجهين، فوجب حمل اللفظ عليهما.

أما قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: التخبط معناه الضرب على غير استواء، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: إنه يخبط خبط عشواء، وخبط البعير للأرض بأخفافه، وتخبطه الشيطان إذا مسّه بخبل أو جنون لأنه كالضرب على غير الاستواء في الادهاش، وتسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل خبطة، ويقال: به خبطة من جنون، والمس الجنون، يقال: مس الرجل فهو ممسوس وبه مس، وأصله من المس باليد، كأن الشيطان يمس الإنسان فيجنه، ثم سمي الجنون مساً، كما أن الشيطان يتخبطه ويطؤه برجله فيخبله، فسمي الجنون خبطة، فالتخبط بالرجل والمس باليد، ثم فيه سؤالان: السؤال الأول: التخبط تفعل، فكيف يكون متعدياً؟.

الجواب: تفعل بمعنى فعل كثير، نحو تقسمه بمعنى قسمه، وتقطعه بمعنى قطعه.

السؤال الثاني: بم تعلق قوله: ﴿ مِنَ المس ﴾ .

قلنا: فيه وجهان: أحدهما: بقوله: ﴿ لاَ يَقُومُونَ ﴾ والتقدير: لا يقومون من المس الذي لهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان والثاني: أنه متعلق بقوله: ﴿ يقوم ﴾ والتقدير لا يقومون إلا كما يقوم المتخبط بسبب المس.

المسألة الثانية: قال الجبائي: الناس يقولون المصروع إنما حدثت به تلك الحالة لأن الشيطان يمسه ويصرعه وهذا باطل، لأن الشيطان ضعيف لا يقدر على صرع الناس وقتلهم ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى حكاية عن الشيطان ﴿ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى  ﴾ وهذا صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على الصرع والقتل والإيذاء والثاني: الشيطان إما أن يقال: إنه كثيف الجسم، أو يقال: إنه من الأجسام اللطيفة، فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد، إذ لو جاز فيه أن يكون كثيفاً ويحضر ثم لا يرى لجاز أن يكون بحضرتنا شموس ورعود وبروق وجبال ونحن لا نراها، وذلك جهالة عظيمة، ولأنه لو كان جسماً كثيفاً فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان، وأما إن كان جسماً لطيفاً كالهواء، فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة وقوة، فيمتنع أن يكون قادراً على أن يصرع الإنسان ويقتله الثالث: لو كان الشيطان يقدر على أن يصرع ويقتل لصح أن يفعل مثل معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك يجر إلى الطعن في النبوّة الرابع: أن الشيطان لو قدر على ذلك فلم لا يصرع جميع المؤمنين ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان، ولم لا يغصب أموالهم، ويفسد أحوالهم، ويفشي أسرارهم، ويزيل عقولهم؟

وكل ذلك ظاهر الفساد، واحتج القائلون بأن الشيطان يقدر على هذه الأشياء بوجهين: الأول: ما روي أن الشياطين في زمان سليمان بن داود عليهما السلام كانوا يعملون الأعمال الشاقة على ما حكى الله عنهم أنهم كانوا يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجوابي وقدور راسيات.

والجواب عنه: أنه تعالى كلفهم في زمن سليمان فعند ذلك قدروا على هذه الأفعال وكان ذلك من المعجزات لسليمان عليه السلام والثاني: أن هذه الآية وهي قوله: ﴿ يَتَخَبَّطُهُ الشيطان ﴾ صريح في أن يتخبطه الشيطان بسبب مسّه.

والجواب عنه: أن الشيطان يمسّه بوسوسته المؤذية التي يحدث عندها الصرع، وهو كقول أيوب عليه السلام ﴿ أَنّى مَسَّنِىَ الشيطان بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ  ﴾ وإنما يحدث الصرع عند تلك الوسوسة لأن الله تعالى خلقه من ضعف الطباع، وغلبة السوداء عليه بحيث يخاف عند الوسوسة فلا يجترئ فيصرع عند تلك الوسوسة، كما يصرع الجبان من الموضع الخالي، ولهذا المعنى لا يوجد هذا الخبط في الفضلاء الكاملين، وأهل الحزم والعقل وإنما يوجد فيمن به نقص في المزاج وخلل في الدماغ فهذا جملة كلام الجبائي في هذا الباب، وذكر القفال فيه وجه آخر، وهو أن الناس يضيفون الصرع إلى الشيطان وإلى الجن، فخوطبوا على ما تعارفوه من هذا، وأيضاً من عادة الناس أنهم إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿ طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤوسُ الشياطين  ﴾ .

المسألة الثالثة: للمفسرين في الآية أقوال الأول: أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً وذلك كالعلامة المخصوصة بآكل الربا، فعرفه أهل الموقف لتلك العلامة أنه آكل الربا في الدنيا، فعلى هذا معنى الآية: أنهم يقومون مجانين، كمن أصابه الشيطان بجنون.

والقول الثاني: قال ابن منبه: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين لقوله: ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجداث سِرَاعاً  ﴾ إلا آكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس وذلك لأنهم أكلوا الربا في الدنيا، فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم فهم ينهضون، ويسقطون، ويريدون الإسراع، ولا يقدرون، وهذا القول غير الأول لأنه يريد أن آكلة الربا لا يمكنهم الإسراع في المشي بسبب ثقل البطن، وهذا ليس من الجنون في شيء، ويتأكد هذا القول بما روي في قصة الإسراء أن النبي صلى الله عليه وسلم انطلق به جبريل إلى رجال كل واحد منهم كالبيت الضخم، يقوم أحدهم فتميل به بطنه فيصرع، فقلت: يا جبريل من هؤلاء؟

قال: ﴿ الذين يَأْكُلُونَ الربا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ﴾ .

والقول الثالث: أنه مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين اتقوا إِذَا مَسَّهُمْ طَئِفٌ مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ  ﴾ وذلك لأن الشيطان يدعو إلى طلب اللذات والشهوات والاشتغال بغير الله، فهذا هو المراد من مس الشيطان، ومن كان كذلك كان في أمر الدنيا متخبطاً، فتارة الشيطان يجره إلى النفس والهوى، وتارة الملك يجره إلى الدين والتقوى، فحدثت هناك حركات مضطربة، وأفعال مختلفة، فهذا هو الخبط الحاصل بفعل الشيطان وآكل الربا لا شك أنه يكون مفرطاً في حب الدنيا متهالكاً فيها، فإذا مات على ذلك الحب صار ذلك الحب حجاباً بينه وبين الله تعالى، فالخبط الذي كان حاصلاً في الدنيا بسبب حب المال أورثه الخبط في الآخرة، وأوقعه في ذل الحجاب، وهذا التأويل أقرب عندي من الوجهين اللذين نقلناهما عمن نقلنا.

أما قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: القوم كانوا في تحليل الربا على هذه الشبهة، وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر فهذا حلال، فكذا إذا باع العشرة بأحد عشرة يجب أن يكون حلال، لأنه لا فرق في العقل بين الأمرين، فهذا في ربا النقد، وأما في ربا النسيئة فكذلك أيضاً، لأنه لو باع الثوب الذي يساوي عشرة في الحال بأحد عشر إلى شهر جاز فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر إلى شهر، وجب أن يجوز لأنه لا فرق في العقل بين الصورتين، وذلك لأنه إنما جاز هناك، لأنه حصل التراضي من الجانبين، فكذا هاهنا لما حصل التراضي من الجانبين وجب أن يجوز أيضاً، فالبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات، ولعلل الإنسان أن يكون صفر اليد في الحال شديد الحاجة، ويكون له في المستقبل من الزمان أموال كثيرة، فإذا لم يجز الربا لم يعطه رب المال شيئاً فيبقى الإنسان في الشدة والحاجة، إما بتقدير جواز الربا فيعطيه رب المال طمعاً في الزيادة، والمديون يرده عند وجدان المال، وإعطاء تلك الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال، فهذا يقتضي حل الربا كما حكمنا بحل سائر البياعات لأجل دفع الحاجة، فهذا هو شبهة القوم، والله تعالى أجاب عنه بحرف واحد، وهو قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ ووجه الجواب أن ما ذكرتم معارضة للنص بالقياس، وهو من عمل إبليس، فإنه تعالى لما أمره بالسجود لآدم صلى الله عليه وسلم عارض النص بالقياس، فقال: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ [ص: 76] واعلم أن نفاة القياس يتمسكون بهذا الحرف، فقالوا: لو كان الدين بالقياس لكانت هذه الشبهة لازمة، فلما كانت مدفوعة علمنا أن الدين بالنص لا بالقياس، وذكر القفال رحمة الله عليه الفرق بين البابين، فقال: من باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابلاً بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صار كل واحد منهما مقابلاً للآخر في المالية عندهما، فلم يكن أخذ من صاحبه شيئاً بغير عوض، أما إذا باع العشرة بالعشرة فقد أخذ العشرة الزائدة من غير عوض، ولا يمكن أن يقال: إن غرضه هو الامهال في مدة الأجل، لأن الامهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة، فظهر الفرق بين الصورتين.

المسألة الثانية: ظاهر قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ يدل على أن الوعيد إنما يحصل باستحلالهم الربا دون الإقدام عليه، وأكله مع التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون الربا من الكبائر.

فإن قيل: مقدمة الآية تدل على أن قيامهم يوم القيامة متخبطين كان بسبب أنهم أكلوا الربا.

قلنا: إن قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ صريح في أن العلة لذلك التخبط هو هذا القول والاعتقاد فقط، وعند هذا يجب تأويل مقدمة الآية، وقد بينا أنه ليس المراد من الأكل نفس الأكل، وذكرنا عليه وجوهاً من الدلائل، فأنتم حملتموه على التصرف في الربا، ونحن نحمله على استحلال الربا واستطابته، وذلك لأن الأكل قد يعبر به عن الاستحلال، يقال: فلان يأكل مال الله قضماً خصماً، أي يستحل التصرف فيه، وإذا حملنا الأكل على الاستحلال، صارت مقدمة الآية مطابقة لمؤخرتها، فهذا ما يدل عليه لفظ الآية، إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا، لا على وعيد من يستحل هذا العقد.

المسألة الثالثة: في الآية سؤال، وهو أنه لم لم يقل: إنما الربا مثل البيع، وذلك لأن حل البيع متفق عليه، فهم أرادوا أن يقيسوا عليه الربا، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، فكان نظم الآية أن يقال: إنما الربا مثل البيع، فما الحكمة في أن قلب هذه القضية، فقال: ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ .

والجواب: أنه لم يكن مقصود القوم أن يتمسكوا بنظم القياس، بل كان غرضهم أن الربا والبيع متماثلان من جميع الوجوه المطلوبة فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحل والثاني بالحرمة وعلى هذا التقدير فأيهما قدم أو أخر جاز.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: يحتمل أن يكون هذا الكلام من تمام كلام الكفار، والمعنى أنهم قالوا: البيع مثل الربا، ثم إنكم تقولون ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ فكيف يعقل هذا؟

يعني أنهما لما كانا متماثلين فلو حل أحدهما وحرم الآخر لكان ذلك إيقاعاً للتفرقة بين المثلين، وذلك غير لائق بحكمة الحكيم فقوله: ﴿ أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ ذكره الكفار على سبيل الاستبعاد، وأما أكثر المفسرين فقد اتفقوا على أن كلام الكفار انقطع عند قوله: ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ وأما قوله: ﴿ أَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ فهو كلام الله تعالى ونصه على هذا الفرق ذكره إبطالاً لقول الكفار إنما البيع مثل الربا، والحجة على صحة هذا القول وجوه: الحجة الأولى: أن قول من قال: هذا كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار زيادات بأن يحمل ذلك على الاستفهام على سبيل الإنكار، أو يحمل ذلك على الرواية من قول المسلمين، ومعلوم أن الإضمار خلاف الأصل، وأما إذا جعلناه كلام الله ابتداء لم يحتج فيه إلى هذا الإضمار، فكان ذلك أولى.

الحجة الثانية: أن المسلمين أبداً كانوا متمسكين في جميع مسائل البيع بهذه الآية ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار، وإلا لما جاز لهم أن يستدلوا به، وفي هذه الحجة كلام سيأتي في المسألة الثانية.

الحجة الثالثة: أنه تعالى ذكر عقيب هذه الكلمة قوله: ﴿ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى الله وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا ﴾ فظاهر هذا الكلام يقتضي أنهم لما تمسكوا بتلك الشبهة وهي قوله: ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا ﴾ فالله تعالى قد كشف عن فساد تلك الشبهة وعن ضعفها، ولو لم يكن قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ كلام الله لم يكن جواب تلك الشبهة مذكوراً فلم يكن قوله: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ ﴾ لائقاً بهذا الموضع.

المسألة الثانية: مذهب الشافعي رضي الله عنه أن قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا ﴾ من المجملات التي لا يجوز التمسك بها، وهذا هو المختار عندي، ويدل عليه وجوه: الأول: أنا بينا في أصول الفقه أن الاسم المفرد المحلي بلام التعريف لا يفيد العموم ألبتة، بل ليس فيه إلا تعريف الماهية، ومتى كان كذلك كفى العمل به في ثبوت حكمه في صورة واحدة.

والوجه الثاني: وهو أنا إذا سلمنا أنه يفيد العموم، ولكنا لا نشك أن إفادته العموم أضعف من إفادة ألفاظ الجمع للعموم، مثلاً قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ وإن أفاد الاستغراق إلا أن قوله وأحل الله البيعات أقوى في إفادة الاستغراق، فثبت أن قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ لا يفيد الاستغراق إلا إفادة ضعيفة، ثم تقدير العموم لابد وأن يطرق إليها تخصيصات كثيرة خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، لأنه كذب والكذب على الله تعالى محال، فأما العام الذي يكون موضع التخصيص منه قليلاً جداً فذلك جائز لأن إطلاق لفظ الاستغراق على الأغلب عرف مشهور في كلام العرب، فثبت أن حمل هذا على العموم غير جائز.

الوجه الثالث: ما روي عن عمر رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا وما سألناه عن الربا، ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لما قال ذلك فعلمنا أن هذه الآية من المجملات.

الوجه الرابع: أن قوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: ﴿ وَحَرَّمَ الربا ﴾ يقتضي أن يكون كل ربا حراماً، لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع، وآخرها حرم الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، فكانت مجملة، فوجب الرجوع في الحلال والحرام إلى بيان الرسول صلى الله عليه وسلم.

أما قوله: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ ﴾ فاعلم أنه ذكر فعل الموعظة لأن تأنيثها غير حقيقي ولأنها في معنى الوعظ، وقرأ أبي والحسن ﴿ فَمَنْ جَاءتْهُ مَّوْعِظَةٌ ﴾ ثم قال: ﴿ فانتهى ﴾ أي فامتنع، ثم قال: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: في التأويل وجهان الأول: قال الزجاج: أي صفح له عما مضى من ذنبه من قبل نزول هذه الآية، وهو كقوله: ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن يَنتَهُواْ يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ وهذا التأويل ضعيف لأنه قبل نزول الآية في التحريم لم يكن ذلك حراماً ولا ذنباً، فكيف يقال المراد من الآية الصفح عن ذلك الذنب مع أنه ما كان هناك ذنب، والنهي المتأخر لا يؤثر في الفعل المتقدم ولأنه تعالى أضاف ذلك إليه بلام التمليك، وهو قوله: ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ فكيف يكون ذلك ذنباً الثاني: قال السدي: له ما سلف أي له ما أكل من الربا، وليس عليه رد ما سلف، فأما من لم يقض بعد فلا يجوز له أخذه، وإنما له رأس ماله فقط كما بينه بعد ذلك بقوله: ﴿ وإِن تبتم فلكم رؤوؤس أموالكم  ﴾ .

المسألة الثانية: قال الواحدي: السلف المتقدم، وكل شيء قدمته أمامك فهو سلف، ومنه الأمة السالفة، والسالفة العنق لتقدمه في جهة العلو، والسلفة ما يقدم قبل الطعام، وسلافة الخمر صفوتها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها.

أما قوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ ففيه وجوه للمفسرين، إلا أن الذي أقوله: إن هذه الآية مختصة بمن ترك استحلال الربا من غير بيان أنه ترك أكل الربا، أو لم يترك، والدليل عليه مقدمة الآية ومؤخرتها.

أما مقدمة الآية فلأن قوله: ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ فانتهى ﴾ ليسس فيه بيان أنه انتهى عماذا فلابد وأن يصرف ذلك المذكور إلى السابق، وأقرب المذكورات في هذه الكلمة ما حكى الله أنهم قالوا: إنما البيع مثل الربا، فكان قوله: ﴿ فانتهى ﴾ عائداً إليه، فكان المعنى: فانتهى عن هذا القول.

وأما مؤخرة الآية فقوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ ومعناه: عاد إلى الكلام المتقدم، وهو استحلال الربا ﴿ فأمره إِلَى الله ﴾ ثم هذا الإنسان إما أن يقال: إنه كما انتهى عن استحلال الربا انتهى أيضاً عن أكل الربا، أو ليس كذلك، فإن كان الأول كان هذا الشخص مقراً بدين الله عالماً بتكليف الله، فحينئذ يستحق المدح والتعظيم والإكرام، لكن قوله: ﴿ فأمره إِلَى الله ﴾ ليس كذلك لأنه يفيد أنه تعالى إن شاء عذبه وإن شاء غفر له، فثبت أن هذه الآية لا تليق بالكافر ولا بالمؤمن المطيع، فلم يبق إلا أن يكون مختصاً بمن أقر بحرمة الربا ثم أكل الربا فهاهنا أمره لله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له وهو كقوله: ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ فيكون ذلك دليلاً ظاهراً على صحة قولنا أن العفو من الله مرجو.

أما قوله: ﴿ وَمَنْ عَادَ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ فالمعنى: ومن عاد إلى استحلال الربا حتى يصير كافراً.

واعلم أن قوله: ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ دليل قاطع في أن الخلود لا يكون إلا للكافر لأن قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ أصحاب النار ﴾ يفيد الحصر فيمن عاد إلى قول الكافر وكذلك قوله: ﴿ هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ يفيد الحصر، وهذا يدل على أن كونه صاحب النار، وكونه خالداً في النار لا يحصل إلا في الكفار أقصى ما في الباب أنا خالفنا هذا الظاهر وأدخلنا سائر الكفار فيه، لكنه يبقى على ظاهره في صاحب الكبيرة فتأمل في هذه المواضع، وذلك أن مذهبنا أن صاحب الكبيرة إذا كان مؤمناً بالله ورسوله يجوز في حقه أن يعفو الله عنه، ويجوز أن يعاقبه الله وأمره في البابين موكل إلى الله، ثم بتقدير أن يعاقبه الله فإنه لا يخلد في النار بل يخرجه منها، والله تعالى بيّن صحة هذا المذهب في هذه الآيات بقوله: ﴿ فأمره إِلَى الله ﴾ على جواز العفو في حق صاحب الكبيرة على ما بيناه.

ثم قوله: ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ يدل على أن بتقدير أن يدخله الله النار لكنه لا يخلده فيها الأن الخلود مختص بالكفار لا بأهل الإيمان، وهذا بيان شريف وتفسير حسن.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الرباا ﴾ كتب بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة وزيدت الألف بعدها تشبيها بواو الجمع ﴿ لاَ يَقُومُونَ ﴾ إذا بعثوا من قبورهم ﴿ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان ﴾ أي المصروع.

وتخبط الشيطان من زعمات العرب، يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع.

والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء، فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس: الجنون.

ورجل ممسوس، وهذا أيضاً من زعماتهم، وأن الجنيَّ يمسه فيختلط عقله، وكذلك جن الرجل: معناه ضربته الجنّ ورأيتهم لهم في الجن قصص وأخبار وعجائب، وإنكار ذلك عندهم كإنكار المشاهدات.

فإن قلت: بم يتعلق قوله: ﴿ مِنَ المس ﴾ ؟

قلت: ب (لا يقومون)، أي لا يقومون من المسّ الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

ويجوز أن يتعلق بيقوم، أي كما يقوم المصروع من جنونه.

والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين، تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون، إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين، لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم، فلا يقدرون على الإيفاض ﴿ ذَلِكَ ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الرباا ﴾ .

فإن قلت: هلا قيل إنما الربا مثل البيع لأنّ الكلام في الربا لا في البيع فوجب أن يقال: إنهم شبهوا الربا بالبيع فاستحلوه، وكانت شبهتهم أنهم قالوا: لو اشترى الرجل ما لا يساوي إلا درهما بدرهمين جاز، فكذلك إذا باع درهماً بدرهمين؟

قلت: جيء به على طريق المبالغة، وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلا وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع.

وقوله: ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الرباا ﴾ إنكار لتسويتهم بينهما، ودلالة عل أنّ القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه ﴿ فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا ﴿ فانتهى ﴾ فتبع النهي وامتنع ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ فلا يؤخذ بما مضى منه، لأنه أخذ قبل نزول التحريم ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ يحكم في شأنه يوم القيامة، وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ إلى الربا ﴿ فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون ﴾ وهذا دليل بيِّن على تخليد الفساق.

وذكر فعل الموعظة لأنّ تأنيثها غير حقيقي، ولأنها في معنى الوعظ.

وقرأ أبيٌّ والحسن: ﴿ فمن جاءته ﴾ .

﴿ يَمْحَقُ الله الرباا ﴾ يذهب ببركته ويهلك المال الذي يدخل فيه.

وعن ابن مسعود رضي الله عنه: الربا وإن كثر إلى قلّ.

﴿ وَيُرْبِى الصدقات ﴾ ما يتصدّق به بأن يضاعف عليه الثواب ويزيد المال الذي أخرجت منه الصدقة ويبارك فيه.

وفي الحديث: «ما نقَّصَتْ زكاةٌ من مال قط» ﴿ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ تغليظ في أمر الربا وإيذان بأنه من فعل الكفار لا من فعل المسلمين.

أخذوا ما شرطوا على الناس من الربا وبقيت لهم بقايا، فأمروا أن يتركوها ولا يطالبوا بها.

روي: أنها نزلت في ثقيف، وكان لهم على قوم من قريش مال فطالبوهم عند المحل بالمال والربا.

وقرأ الحسن رضي الله عنه: ﴿ ما بقى ﴾ ، بقلب الياء ألفاً على لغة طيئ: وعنه ﴿ ما بقيْ ﴾ بياء ساكنة.

ومنه قول جرير: هُوَ الْخَلِيفَةُ فَارْضَوْا مَا رَضِي لَكُمُو ** مَاضِي الْعَزِيمَةِ مَا فِي حُكْمِهِ جَنَفُ ﴿ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴾ إن صح إيمانكم، يعني أنّ دليل صحة الإيمان وثباته امتثال ما أمرتم به من ذلك ﴿ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ ﴾ فاعلموا بها، من أذن بالشيء إذا علم به.

وقرئ: ﴿ فآذنوا ﴾ ، فأعلموا بها غيركم، وهو من الإذن وهو الاستماع، لأنه من طرق العلم.

وقرأ الحسن: ﴿ فأيقنوا ﴾ ، وهو دليل لقراءة العامّة.

فإن قلت: هلا قيل بحرب الله ورسوله؟

قلت: كان هذا أبلغ، لأن المعنى: فأذنوا بنوع من الحرب عظيم عند الله ورسوله.

وروي أنها لما نزلت قالت ثقيف: لا يديْ لنا بحرب الله ورسوله.

﴿ وَإِن تُبتُمْ ﴾ من الارتباء ﴿ فَلَكُمْ رُءوسُ أموالكم لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ المديونين بطلب الزيادة عليها ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ بالنقصان منها.

فإن قلت: هذا حكمهم إن تابوا، فما حكمهم لو لم يتوبوا قلت: قالوا: يكون مالهم فيئاً للمسلمين، وروى المفضل عن عاصم: (لا تظلمون ولا تظلمون) ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ ﴾ وإن وقع غريم من غرمائكم ذو عسرة أو ذو إعسار: وقرا عثمان رضي الله عنه.

﴿ ذا عسرة ﴾ على وإن كان الغريم ذا عسرة.

وقرئ: (ومن كان ذا عسرة) ﴿ فَنَظِرَةٌ ﴾ أي فالحكم أو فالأمر نظرة وهي الإنظار.

وقرئ: ﴿ فنظْرة ﴾ بسكون الظاء.

وقرأ عطاء: ﴿ فناظره ﴾ .

بمعنى فصاحب الحق ناظره: أي منتظره، أو صاحب نظرته على طريقة النسب كقولهم: مكان عاشب وباقل، أي ذو عشب وذو بقل.

وعنه: فناظرْه، على الأمر بمعنى فسامحه بالنظرة وياسره بها ﴿ إلى مَيْسَرَةٍ ﴾ إلى يسار وقرئ بضم السين، كمقبرة ومقبرة ومشرقة ومشرقة.

وقرئ بهما مضافين بحذف التاء عند الإضافة كقوله: وَأخْلَفُوكَ عِدَا الأَمْرِ الَّذِي وَعَدُوا وقوله تعالى: ﴿ وإقام الصلاة ﴾ [النور: 37] .

﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ندب إلى أن يتصدقوا برؤس أموالهم على من أعسر من غرمائهم أو ببعضها، كقوله تعالى: ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [البقرة: 237] .

وقيل: أريد بالتصدق الإنظار لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة» ﴿ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه خير لكم فتعملوا به، جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه.

وقرئ ﴿ تصدّقوا ﴾ بتخفيف الصاد على حذف التاء ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ قرئ على البناء للفاعل والمفعول: وقرئ: ﴿ يرجعون ﴾ بالياء على طريقة الالتفات.

وقرأ عبد الله: ﴿ تردّون ﴾ : وقرأ أبيّ: ﴿ تصيرون ﴾ .

وعن ابن عباس: أنها آخر آية نزل بها جبريل عليه السلام، وقال: ضعها في رأس المائتين والثمانين من البقرة.

وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها أحداً وعشرين يوماً.

وقيل: أحداً وثمانين.

وقيل: سبعة أيام.

وقيل: ثلاث ساعات.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ﴾ أيِ الآخِذُونَ لَهُ، وإنَّما ذَكَرَ الأكْلَ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِ المالِ، ولِأنَّ الرِّبا شائِعٌ في المَطْعُوماتِ وهو زِيادَةٌ في الأجَلِ، بِأنْ يُباعَ مَطْعُومٌ بِمَطْعُومٍ، أوْ نَقْدٌ بِنَقْدٍ إلى أجَلٍ، أوْ في العِوَضِ بِأنْ يُباعَ أحَدُهُما بِأكْثَرَ مِنهُ مِن جِنْسِهِ، وإنَّما كُتِبَ بِالواوِ كالصَّلاةِ لِلتَّفْخِيمِ عَلى لُغَةٍ وزِيدَتِ الألِفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ.

﴿ لا يَقُومُونَ ﴾ إذا بُعِثُوا مِن قُبُورِهِمْ.

﴿ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ ﴾ إلّا قِيامًا كَقِيامِ المَصْرُوعِ، وهو وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُونَ أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ، والخَبْطُ ضَرْبٌ عَلى غَيْرِ اتِّساقٍ كَخَبْطِ العَشْواءِ.

﴿ مِنَ المَسِّ ﴾ أيِ الجُنُونِ، وهَذا أيْضًا مِن زَعَماتِهِمْ أنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ ولِذَلِكَ قِيلَ: جُنَّ الرَّجُلُ.

وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ ﴿ لا يَقُومُونَ ﴾ أيْ لا يَقُومُونَ مِنَ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ بِسَبَبِ أكْلِ الرِّبا، أوْ بِيَقُومُ أوْ بِيَتَخَبَّطُ فَيَكُونُ نُهُوضُهم وسُقُوطُهم كالمَصْرُوعِينَ لا لِاخْتِلالِ عُقُولِهِمْ ولَكِنْ لِأنَّ اللَّهَ أرْبى في بُطُونِهِمْ ما أكَلُوهُ مِنَ الرِّبا فَأثْقَلَهم.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ أيْ ذَلِكَ العِقابُ بِسَبَبِ أنَّهم نَظَّمُوا الرِّبا والبَيْعَ في سِلْكٍ واحِدٍ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ فاسْتَحَلُّوهُ اسْتِحْلالَهُ.

وكانَ الأصْلُ إنَّما الرِّبا مِثْلُ البَيْعِ ولَكِنْ عُكِسَ لِلْمُبالَغَةِ، كَأنَّهم جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا وقاسُوا بِهِ البَيْعَ، والفَرْقُ بَيْنَ فَإنَّ مَن أعْطى دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ ضَيَّعَ دِرْهَمًا، ومَنِ اشْتَرى سِلْعَةً تُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَلَعَلَّ مِساسَ الحاجَةِ إلَيْها، أوْ تَوَقُّعَ رَواجِها يُجْبِرُ هَذا الغَبْنَ.

﴿ وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا ﴾ إنْكارٌ لِتَسْوِيَتِهِمْ، وإبْطالُ القِياسِ بِمُعارَضَةِ النَّصِّ.

﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى وزَجْرٌ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا.

﴿ فانْتَهى ﴾ فاتَّعَظَ وتَبِعَ النَّهْيَ.

﴿ فَلَهُ ما سَلَفَ ﴾ تَقَدَّمَ أخْذُهُ التَّحْرِيمَ ولا يُسْتَرَدُّ مِنهُ، وما في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالظَّرْفِ إنْ جُعِلَتْ مَن مَوْصُولَةً، وبِالِابْتِداءِ إنْ جُعِلَتْ شُرْطِيَّةً عَلى رَأْيِ سِيبَوَيْهِ إذِ الظَّرْفُ غَيْرُ مُعْتَمَدٍ عَلى ما قَبْلَهُ.

وأمْرُهُ إلى اللَّهِ يُجازِيهِ عَلى انْتِهائِهِ إنْ كانَ مِن قَبُولِ المَوْعِظَةِ وصِدْقِ النِّيَّةِ.

وَقِيلَ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ ولا اعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ.

﴿ وَمَن عادَ ﴾ إلى تَحْلِيلِ الرِّبا، إذِ الكَلامُ فِيهِ.

﴿ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ لِأنَّهم كَفَرُوا بِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)

{الذين يَأْكُلُونَ الربا} هو فضل مال خال عن العوض في معاوضة مال بمال وكتب الربوا بالواو على لغة من يفخم كماكتبت الصلوة والزكوة وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع {لاَ يَقُومُونَ} إذا بعثوا من قبورهم {إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذى يَتَخَبَّطُهُ الشيطان} أي المصروع لأنه تخبط فى المعاملة فجوزى

البقرة (٢٧٥ _ ٢٧٨)

على المقابلة والخبط الضرب على غير استواء كحبط العشواء {مِنَ المس} من الجنون وهو يتعلق بلا يقومون أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع أو بيقوم أي كما يقوم المصروع من جنونه والمعنى أنهم يقومون يوم القيامة مخبلين كالمصروعين تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف وقيل الذين يخرجون من الأجداث يوفضون الاأكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم حتى أثقلهم فلا يقدرون على الإيفاض {ذلك} العقاب {بِأَنَّهُمْ} بسبب أنهم {قَالُواْ إِنَّمَا البيع مِثْلُ الربا} ولم يقل إنما الربا مثل البيع مع أن الكلام في الربا لا في البيع لأنه جيء به على طريقة المبالغة وهو أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع {وَأَحَلَّ الله البيع وَحَرَّمَ الربا} إنكار لتسويتهم بينهما إذ الحل مع الحرمة ضدان فأنى يتماثلان ودلالة على أن القياس يهدمه النص لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم إحلال الله وتحريمه {فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مّنْ رَّبّهِ} فمن بلغه وعظ من الله وزجر بالنهي عن الربا {فانتهى} فتبع

النهي وامتنع {فَلَهُ مَا سَلَفَ} فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم {وَأَمْرُهُ إِلَى الله} يحكم في شأنه يوم القيامة وليس من أمره إليكم شيء فلا تطالبوه به {وَمَنْ عَادَ} إلى استحلال الربا عن الزجاج أو إلى الربا مستحلاً {فأولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون} لأنهم بالاستحلال صاروا كافرين لأن من أحل ما حرم الله عز وجل فهو كافر فإذا استحق الخلود بهذا تبين أنه لا تعلق للمعتزلة بهذه الآية في تخليد الفساق

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ﴾ أيْ يَأْخُذُونَهُ فَيَعُمُّ سائِرَ أنْواعِ الِانْتِفاعِ، والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالأكْلِ لِأنَّهُ مُعْظَمُ ما قُصِدَ بِهِ، والرِّبا في الأصْلِ الزِّيادَةُ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا الشَّيْءُ يَرْبُو إذا زادَ، وفي الشَّرْعِ عِبارَةً عَنْ فَضْلِ مالٍ لا يُقابِلُهُ عِوَضٍ في مُعاوَضَةِ مالٍ بِمالٍ وإنَّما يُكْتَبُ بِالواوِ كالصَّلاةِ لِلتَّفْخِيمِ عَلى لُغَةِ مَن يُفَخِّمُ وزِيدَتِ الألْفُ بَعْدَها تَشْبِيهًا بِواوِ الجَمْعِ فَصارَ اللَّفْظُ بِهِ عَلى طِبْقِ المَعْنى في كَوْنِ كُلٍّ مِنهُما مُشْتَمِلًا عَلى زِيادَةٍ غَيْرِ مُسْتَحَقَّةٍ، فَأخَذَ لَفْظُ الرِّبا الحَرْفَ الزّائِدَ وهو الألْفُ بِسَبَبِ اللَّفْظِ الَّذِي يُشابِهُهُ وهو واوُ الجَمْعِ حَيْثُ زِيدَتْ فِيهِ الألْفُ كَما يَأْخُذُ مَعْنى لَفْظِ الرِّبا بِمُشابَهَتِهِ مَعْنى لَفْظِ البَيْعِ لِاشْتِمالِ المَعْنَيَيْنِ عَلى مُعاوَضَةِ المالِ بِالمالِ بِالرِّضا، وإنْ كانَ أحَدُ العِوَضَيْنِ أزِيدَ، وقِيلَ: الكِتابَةُ بِالواوِ والألِفِ لِأنَّ لِلَّفْظِ نَصِيبًا مِنهُما، وإنَّما لَمْ تَكْتُبِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ بِهِما لِئَلّا يَكُونُ في مَظِنَّةِ الِالتِباسِ بِالجَمْعِ، وقالَ الفَرّاءُ: إنَّهم تَعَلَّمُوا الخَطَّ مِن أهْلِ الحَيْرَةِ وهم نَبَطٌ لُغَتُهم رَبُوا بِواوٍ ساكِنَةٍ فَكُتِبَ كَذَلِكَ، وهَذا مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وأجازَ الكُوفِيُّونَ كِتابَتَهُ وكَذا تَثْنِيَتُهُ بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي في أوَّلِهِ، قالَ أبُو البَقاءِ: وهو خَطَأٌ عِنْدِنا.

﴿ لا يَقُومُونَ ﴾ أيْ يَوْمَ القِيامَةِ وبِهِ قُرِئَ كَما في «اَلدُّرِّ المَنثُورِ» ﴿ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ ﴾ أيْ إلّا قِيامًا كَقِيامِ المُتَخَبِّطِ المَصْرُوعِ في الدُّنْيا، والتَّخَبُّطُ تَفَعُّلٌ بِمَعْنى فَعْلٍ وأصْلُهُ ضَرْبٌ مُتَوالٍ عَلى أنْحاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، ثُمَّ تُجُوِّزَ بِهِ عَنْ كُلِّ ضَرْبٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، وقِيامُ المُرابِي يَوْمَ القِيامَةِ كَذَلِكَ مِمّا نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «إيّاكَ والذُّنُوبَ الَّتِي لا تُغْفَرُ، الغُلُولُ فَمَن غَلَّ شَيْئًا أتى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأكْلُ الرِّبا فَمِن أكْلِ الرِّبا بُعِثَ يَوْمَ القِيامَةِ مَجْنُونًا يَتَخَبَّطُ ”ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ،» وهو مِمّا لا يُحِيلُهُ العَقْلُ ولا يَمْنَعُهُ، ولَعَلَّ اللَّهَ تَعالى جَعَلَ ذَلِكَ عَلامَةً لَهُ يُعْرَفُ بِها يَوْمَ الجَمْعِ الأعْظَمِ عُقُوبَةً لَهُ كَما جَعَلَ لِبَعْضِ المُطِيعِينَ أمارَةً تَلِيقُ بِهِ يُعْرَفُ بِها كَرامَةً لَهُ، ويَشْهَدُ لِذَلِكَ أنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِن آثارِ الوُضُوءِ وإلى هَذا ذَهَبَ اِبْنُ عَبّاسٍ وابْنُ مَسْعُودٍ وقَتادَةُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ وقالَ اِبْنُ عَطِيَّةَ: المُرادُ تَشْبِيهُ المُرابِي في حِرْصِهِ وتَحَرُّكِهِ في اِكْتِسابِهِ في الدُّنْيا بِالمُتَخَبِّطِ المَصْرُوعِ كَما يُقالُ لِمَن يُسْرِعُ بِحَرَكاتٍ مُخْتَلِفَةٍ: قَدْ جُنَّ، ولا يَخْفى أنَّهُ مُصادَمَةٌ لِما عَلَيْهِ سَلَفُ الأُمَّةِ، ورُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  مِن غَيْرِ داعٍ سِوى الِاسْتِبْعادِ الَّذِي لا يُعْتَبَرُ في مِثْلِ هَذِهِ المَقاماتِ.

﴿ مِنَ المَسِّ ﴾ أيِ الجُنُونِ، يُقالُ: مُسَّ الرَّجُلُ فَهو مَمْسُوسٌ إذا جُنَّ وأصْلُهُ اللَّمْسُ بِاليَدِ وسُمِّيَ بِهِ لِأنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَمَسُّ الرَّجُلَ وأخْلاطُهُ مُسْتَعِدَّةٌ لِلْفَسادِ فَتَفْسَدُ ويَحْدُثُ الجُنُونُ، وهَذا لا يُنافِي ما ذَكَرَهُ الأطِبّاءُ مِن أنَّ ذَلِكَ مِن غَلَبَةِ مُرَّةِ السَّوْداءِ لِأنَّ ما ذَكَرُوهُ سَبَبٌ قَرِيبٌ وما تُشِيرُ إلَيْهِ الآيَةُ سَبَبٌ بَعِيدٌ ولَيْسَ بِمُطَّرِدٍ أيْضًا بَلْ ولا مُنْعَكِسٍ فَقَدْ يَحْصُلُ مَسٌّ ولا يَحْصُلُ جُنُونٌ كَما إذا كانَ المِزاجُ قَوِيًّا وقَدْ يَحْصُلُ جُنُونٌ ولَمْ يَحْصُلْ مَسٌّ كَما إذا فَسَدَ المِزاجُ مِن دُونِ عُرُوضِ أجْنَبِيٍّ، والجُنُونُ الحاصِلُ بِالمَسِّ قَدْ يَقَعُ أحْيانًا، ولَهُ عِنْدُ أهْلِ الحاذِقِينَ أماراتٌ يَعْرِفُونَهُ بِها، وقَدْ يَدْخُلُ في بَعْضِ الأجْسادِ عَلى بَعْضِ الكَيْفِيّاتِ رِيحٌ مُتَعَفِّنٌ تَعَلَّقَتْ بِهِ رُوحٌ خَبِيثَةٌ تُناسِبُهُ فَيَحْدُثُ الجُنُونُ أيْضًا عَلى أتَمِّ وجْهٍ ورُبَّما اِسْتَوْلى ذَلِكَ البُخارُ عَلى الحَواسِّ وعَطَّلَها، واسْتَقَلَّتْ تِلْكَ الرُّوحُ الخَبِيثَةُ بِالتَّصَرُّفِ فَتَتَكَلَّمُ وتَبْطِشُ وتَسْعى بِآلاتِ ذَلِكَ الشَّخْصِ الَّذِي قامَتْ بِهِ مِن غَيْرِ شُعُورٍ لِلشَّخْصِ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ أصْلًا، وهَذا كالمُشاهَدِ المَحْسُوسِ الَّذِي يَكادُ يُعَدُّ مُنْكِرُهُ مُكابِرًا مُنْكِرًا لِلْمُشاهَداتِ.

وقالَ المُعْتَزِلَةُ والقَفّالُ مِنَ الشّافِعِيَّةِ: إنَّ كَوْنَ الصَّرَعِ والجُنُونِ مِنَ الشَّيْطانِ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَنْهُ: ﴿ وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ ﴾ الآيَةَ و(ما) هُنا وارِدٌ عَلى ما يَزْعُمُهُ العَرَبُ ويَعْتَقِدُونَهُ مِن أنَّ الشَّيْطانَ يَخْبِطُ الإنْسانَ فَيُصْرَعُ وأنَّ الجِنِّيَّ يَمَسُّهُ فَيَخْتَلِطُ عَقْلُهُ ولَيْسَ لِذَلِكَ حَقِيقَةٌ ولَيْسَ بِشَيْءٍ بَلْ هو مِن تَخَبُّطِ الشَّيْطانِ بِقائِلِهِ ومِن زَعَماتِهِ المَرْدُودَةِ بِقَواطِعِ الشَّرْعِ، فَقَدْ ورَدَ «“ ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا يَمَسُّهُ الشَّيْطانُ فَيَسْتَهِلُّ صارِخًا ”وفي بَعْضِ الطُّرُقِ: «إلّا طَعَنَ الشَّيْطانُ في خاصِرَتِهِ»» ومِن ذَلِكَ يَسْتَهِلُّ صارِخًا إلّا مَرْيَمَ وابْنَها لِقَوْلِ أُمِّها: ﴿ وإنِّي أُعِيذُها بِكَ وذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ ﴾ وقَوْلُهُ  : «“ كُفُّوا صِبْيانَكم أوَّلَ العَشاءِ فَإنَّهُ وقْتُ اِنْتِشارِ الشَّياطِينِ» وقَدْ ”ورَدَ في حَدِيثِ المَفْقُودِ الَّذِي اِخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِينُ ورَدَّتْهُ في زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّهُ حَدَثَ مِن شَأْنِهِ مَعَهم قالَ: ««فَجاءَنِي طائِرٌ كَأنَّهُ جَمَلٌ قَبَعْثَرِيٌّ فاحْتَمَلَنِي عَلى خافِيَةٍ مِن خَوافِيهِ“» إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآثارِ، وفي «لُقَطِ المَرْجانِ في أحْكامِ الجانِّ» كَثِيرٌ مِنها، واعْتِقادُ السَّلَفِ وأهْلِ السُّنَّةِ أنَّ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ أُمُورٌ حَقِيقِيَّةٌ واقِعَةٌ كَما أخْبَرَ الشَّرْعُ عَنْها، والتِزامُ تَأْوِيلِها كُلِّها يَسْتَلْزِمُ خَبْطًا طَوِيلًا لا يَمِيلُ إلَيْهِ إلّا المُعْتَزِلَةُ ومَن حَذا حَذْوَهم وبِذَلِكَ ونَحْوِهِ خَرَجُوا عَنْ قَواعِدِ الشَّرْعِ القَوِيمِ فاحْذَرْهم قاتَلَهُمُ اللَّهُ أنّى يُؤْفِكُونَ، والآيَةُ الَّتِي ذَكَرُوها في مَعْرِضِ الِاسْتِدْلالِ عَلى مُدَعّاهم لا تَدُلُّ عَلَيْهِ إذِ السُّلْطانُ المَنفِيُّ فِيها إنَّما هُوَ القَهْرُ والإلْجاءُ إلى مُتابَعَتِهِ لا التَّعَرُّضُ لِلْإيذاءِ والتَّصَدِّي لِما يَحْصُلُ بِسَبَبِهِ الهَلاكُ، ومَن تَتَبَّعَ الأخْبارَ النَّبَوِيَّةَ وجَدَ الكَثِيرَ مِنها قاطِعًا بِجَوازِ وُقُوعِ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطانِ بَلْ وُقُوعِهِ بِالفِعْلِ، وخَبَرُ ««اَلطّاعُونُ مِن وخْزِ أعْدائِكُمُ الجِنِّ»» صَرِيحٌ في ذَلِكَ، وقَدْ حَمَلَهُ بَعْضُ مَشايِخِنا المُتَأخِّرِينَ عَلى نَحْوِ ما حَمَلْنا عَلَيْهِ مَسْألَةَ التَّخَبُّطِ والمَسِّ حَيْثُ قالَ: إنَّ الهَواءَ إذا تَعَفَّنَ تَعَفُّنًا مَخْصُوصًا مُسْتَعِدًّا لِلْخَلْطِ والتَّكْوِينِ تَنْفَرِزُ مِنهُ وتَنْحازُ أجْزاءٌ سَمِيَّةٌ باقِيَةٌ عَلى هَوائِيَّتِها أوْ مُنْقَلِبَةٌ بِأجْزاءٍ نارِيَّةٍ مُحْرِقَةٍ فَيَتَعَلَّقُ بِها رُوحٌ خَبِيثَةٌ تُناسِبُها في الشَّرارَةِ وذَلِكَ نَوْعٌ مِنَ الجِنِّ فَإنَّها عَلى ما عُرِفَ في الكَلامِ أجْسامٌ حَيَّةٌ لا تُرى؛ إمّا الغالِبُ عَلَيْها الهَوائِيَّةُ أوِ النّارِيَّةُ، ولَها أنْواعٌ عُقَلاءُ وغَيْرُ عُقَلاءَ تَتَوالَدُ وتَتَكَوَّنُ، فَإذا نَزَلَ واحِدٌ مِنها طَبْعًا أوْ إرادَةً عَلى شَخْصٍ أوْ نَفَذَ في مَنافِذِهِ، أوْ ضَرَبَ وطَعَنَ نَفْسَهُ بِهِ يَحْصُلُ فِيهِ بِحَسَبِ ما في ذَلِكَ الشَّرِّ مِنَ القُوَّةِ السَّمِيَّةِ وما في الشَّخْصِ مِنَ الِاسْتِعْدادِ لِلتَّأثُّرِ مِنهُ كَما هو مُقْتَضى الأسْبابِ العادِيَّةِ في المُسَبِّباتِ ألَمٌ شَدِيدٌ مُهْلِكٌ غالِبًا مَظْهَرٌ لِلدَّمامِيلِ والبَثَراتِ في الأكْثَرِ بِسَبَبِ إفْسادِهِ لِلْمِزاجِ المُسْتَعِدِّ، وبِهَذا يَحْصُلُ الجَمْعُ بَيْنَ الأقْوالِ في هَذا البابِ وهو تَحْقِيقٌ حَسَنٌ لَمْ نَجِدْهُ لِغَيْرِهِ كَما لَمْ نَجِدْ ما حَقَّقْناهُ في شَأْنِ اِلْمَسِّ لِأحَدٍ سِوانا فَلْيُحْفَظْ.

والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِما قَبْلَهُ مِنَ الفِعْلِ المَنفِيِّ بِناءً عَلى أنَّ ما قَبْلَ (إلّا) يَعْمَلُ فِيما بَعْدَها إذا كانَ ظَرْفًا كَما في «اَلدُّرِّ المَصُونِ» أيْ لا يَقُومُونَ مِن جِهَةِ المَسِّ الَّذِي بِهِمْ بِسَبَبِ أكْلِهِمُ الرِّبا أوْ بِ (يَقُومُ) أوْ بِ (يَتَخَبَّطُهُ) .

(ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى الأكْلِ أوْ إلى ما نَزَلَ بِهِمْ مِنَ العَذابِ ﴿ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ أرادُوا نَظْمَهُما في سِلْكٍ واحِدٍ لِإفْضائِهِما إلى الرِّبْحِ فَحَيْثُ حَلَّ بَيْعٌ ما قِيمَتُهُ دِرْهَمٌ بِدِرْهَمَيْنِ حَلَّ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ إلّا أنَّهم جَعَلُوا الرِّبا أصْلًا في الحِلِّ وشَبَّهُوا البَيْعَ بِهِ رَوْمًا لِلْمُبالَغَةِ كَما في قَوْلِهِ: ومُهِمُّهُ مُغْبَرَّةٌ أرْجاؤُهُ كَأنَّ (لَوْنَ أرْضِهِ سَماؤُهُ) وقِيلَ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ غَيْرَ مَقْلُوبٍ بِناءً عَلى ما فَهِمُوهُ أنَّ البَيْعَ إنَّما حَلَّ لِأجْلِ الكَسْبِ والفائِدَةِ وذَلِكَ في الرِّبا مُتَحَقِّقٌ وفي غَيْرِهِ مَوْهُومٌ.

﴿ وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا ﴾ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى رَدًّا عَلَيْهِمْ وإنْكارًا لِتَسْوِيتِهِمْ، وحاصِلُهُ أنَّ ما ذَكَرْتُمْ قِياسٌ فاسِدُ الوَضْعِ لِأنَّهُ مُعارِضٌ لِلنَّصِّ فَهو مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ عَلى أنَّ بَيْنَ البابَيْنِ فَرْقًا، وهو أنَّ مَن باعَ ثَوْبًا يُساوِي دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ جُعِلَ الثَّوْبُ مُقابِلًا لِدِرْهَمَيْنِ فَلا شَيْءَ مِنهُما إلّا وهو في مُقابَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الثَّوْبِ، وأمّا إذا باعَ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَيْنِ فَقَدْ أخَذَ الدِّرْهَمَ الزّائِدَ بِغَيْرِ عِوَضٍ ولا يُمْكِنُ جَعْلُ الإمْهالِ عِوَضًا إذِ الإمْهالُ لَيْسَ بِمالٍ حَتّى يَكُونَ في مُقابَلَةِ المالِ، وقِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَهُما أنَّ أحَدَ الدِّرْهَمَيْنِ في الثّانِي ضائِعٌ حَتْمًا وفي الأوَّلِ مُنْجَبِرٌ بِمِساسِ الحاجَةِ إلى السِّلْعَةِ أوْ بِتَوَقُّعِ رَواجِها، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مِن تَتِمَّةِ كَلامِ الكُفّارِ إنْكارًا لِلشَّرِيعَةِ ورَدًّا لَها أيْ مِثْلَ هَذا مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ المُتَماثِلاتِ لا يَكُونُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى فَهي حِينَئِذٍ حالِيَّةٌ، وفِيها قَدُّ مَقْدِرَةٍ ولا يَخْفى أنَّهُ مِنَ البُعْدِ بِمَكانٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ البَيْعِ والرِّبا في كُلِّ بَيْعٍ وفي كُلِّ رِبا إلّا ما خَصَّهُ الدَّلِيلُ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البُيُوعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، وقِيلَ: هُما مُجْمَلانِ فَلا يُقْدَمُ عَلى تَحْلِيلِ بَيْعٍ ولا تَحْرِيمِ رِبًا إلّا بِبَيانٍ، ويُؤَيِّدُهُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: مِن آخِرِ ما أُنْزِلَ آيَةُ الرِّبا وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قُبِضَ قَبْلَ أنْ يُفَسِّرَها لَنا فَدَعَوا الرِّبا والرِّيبَةَ.

﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ﴾ أيْ فَمَن بَلَغَهُ وعْظٌ وزَجْرٌ كالنَّهْيِ عَنِ الرِّبا واسْتِحْلالِهِ، و(مَن) شَرْطِيَّةٌ أوْ مَوْصُولَةٌ، و ﴿ مَوْعِظَةٌ ﴾ فاعِلُ جاءَ وسَقَطَتِ التّاءُ لِلْفَصْلِ وكَوْنِ التَّأْنِيثِ مَجازِيًّا مَعَ ما في المَوْعِظَةِ مَعْنًى مِنَ التَّذْكِيرِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ (جاءَتْهُ) بِإلْحاقِ التّاءِ، ﴿ مِن رَبِّهِ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِ (جاءَهُ) أوْ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِمَوْعِظَةٍ وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِها وفي ذِكْرِ الرَّبِّ تَأْنِيسٌ لِقَبُولِ المَوْعِظَةِ إذْ فِيهِ إشْعارٌ بِإصْلاحِ عَبْدِهِ و(مِن) لِابْتِداءِ الغايَةِ أوْ لِلتَّبْعِيضِ وحُذِفَ المُضافُ، ﴿ فانْتَهى ﴾ عُطِفَ عَلى ﴿ جاءَهُ ﴾ أيْ فاتَّعِظْ بِلا تَراخٍ وتَبِعَ النَّهْيَ ﴿ فَلَهُ ما سَلَفَ ﴾ أيْ ما تَقَدَّمَ أخْذُهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ لا يُسْتَرَدُّ مِنهُ، وهَذا هو المَرْوِيُّ عَنِ الباقِرِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقِيلَ: المُرادُ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ فِيما تَقَدَّمَ لَهُ أخَذُهُ مِنَ الرِّبا قَبْلُ، والفاءُ إمّا لِلْجَوابِ أوْ صِلَةٌ في الخَبَرِ، و(ما) في مَوْضِعِ الرَّفْعِ بِالظَّرْفِ إنْ جُعِلَتْ (مَن) مَوْصُولَةً، وبِالِابْتِداءِ إنْ جُعِلَتْ شَرْطِيَّةً عَلى رَأْيِ مَن يَشْتَرِطُ الِاعْتِمادَ، وكَوْنُ المَرْفُوعِ اِسْمُ حَدَثٍ، ومَن لا يَشْتَرِطُهُما يُجَوِّزُ كَوْنَهُ فاعِلَ الظَّرْفِ ﴿ وأمْرُهُ ﴾ أيِ المُنْتَهى بَعْدَ التَّحْرِيمِ ﴿ إلى اللَّهِ ﴾ إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنَ الرِّبا فَلَمْ يَفْعَلْ وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، وقِيلَ: المُرادُ إنَّهُ يُجازِيهِ عَلى اِنْتِهائِهِ إنْ كانَ عَنْ قَبُولِ المَوْعِظَةِ وصِدْقِ النِّيَّةِ أوْ يَحْكُمُ في شَأْنِهِ يَوْمَ القِيامَةِ بِما شاءَ لا اِعْتِراضَ لَكم عَلَيْهِ.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ لِما سَلَفَ أوْ لِلرِّبا وكِلاهُما خِلافُ الظّاهِرِ.

﴿ ومَن عادَ ﴾ أيْ رَجَعَ إلى ما سَلَفَ ذِكْرُهُ مِن فِعْلِ الرِّبا واعْتِقادِ جَوازِهِ والِاحْتِجاجِ عَلَيْهِ بِقِياسِهِ عَلى البَيْعِ ﴿ فَأُولَئِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَن عادَ والجَمْعُ بِاعْتِبارِ المَعْنى ﴿ أصْحابُ النّارِ ﴾ أيْ مُلازِمُوها ﴿ هم فِيها خالِدُونَ  ﴾ أيْ ماكِثُونَ أبَدًا لِكَفْرِهِمْ، والجُمْلَةُ مُقَرِّرَةٌ لِما قَبْلَها؛ وجَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَعَلِّقُ عادَ الرِّبا فاسْتُدِلَّ بِالآيَةِ عَلى تَخْلِيدِ مُرْتَكِبِ الكَبِيرَةِ وعَلى ما ذَكَرَنا وهو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ لا يَبْقى لِلِاسْتِدْلالِ بِها مُساغٌ، واعْتُرِضَ بِأنَّ الخُلُودَ لَوْ جُعِلَ جَزاءً لِلِاسْتِحْلالِ بَقِيَ جَزاءُ مُرْتَكِبِ الفِعْلِ مِن غَيْرِ اِسْتِحْلالٍ غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ أصْلًا لا عِبارَةً ولا إشارَةً مَعَ أنَّهُ المَقْصُودُ الأهَمُّ بِخِلافِ ما لَوْ جُعِلَ ذَلِكَ جَزاءَ أصْلِ الفِعْلِ فَإنَّ المَقْصُودَ يَكُونُ مَذْكُورًا صَرِيحًا مَعَ إفادَتِهِ جَزاءَ الِاسْتِحْلالِ وأنَّهُ أمْرٌ فَوْقَ الخُلُودِ، وأُجِيبَ بِأنَّ ما يُكَفِّرُ مُسْتَحِلَّهُ لا يَكُونُ إلّا مِن كَبائِرِ المُحَرَّماتِ وجَزاؤُها مَعْلُومٌ ولِذا لَمْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ في الجَوابِ: إنَّ جَعْلَ ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الأكْلِ كانَ الجَزاءُ القِيامَ المَذْكُورَ مِنَ القُبُورِ إلى المَوْقِفِ وكَفى بِهِ نَكالًا، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ حامِلَهم عَلى الأكْلِ كانَ هَذا القَوْلُ فَأشْعَرَ الوَصْفُ أوَّلًا أنَّ الوَعِيدَ بِهِ ثُمَّ ذَكَرَ مُوجِبَ اِجْتِرائِهِمْ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ وعِيدُ كُلِّ آكِلٍ سَواءً كانَ حامِلُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ القَوْلُ أوْ لا.

وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن عادَ ﴾ فَهو في القائِلِ المُعْتَقِدِ وإنَّ جُعِلَ إشارَةً إلى القِيامِ المَذْكُورِ فالجَزاءُ ما يُفْهَمُ مِن ضَمِّ الفِعْلِ إلى القَوْلِ فَإنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَدْخَلٌ في التَّعْذِيبِ لَمْ يَحْسُنْ في مَعْرِضِ الوَعِيدِ، والقَوْلُ بِأنَّ المُتَعَلِّقَ الرِّبا والآيَةَ مَحْمُولَةٌ عَلى التَّغْلِيظِ خِلافُ الظّاهِرِ، فَتَدَبَّرْ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا يعني يأكلون الربا استحلالاً لاَ يَقُومُونَ يوم القيامة من قبورهم إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ أي يتخبطه الشيطان مِنَ الْمَسِّ أي من الجنون.

ويقال: أنهم يبعثون يوم القيامة، وقد انتفخت بطونهم كالحباب، وكلما قاموا سقطوا، والناس يمشون عليهم، فيكون ذلك علامة آكل الربا ويقال يكون بمنزلة المجنون ذلِكَ بِأَنَّهُمْ يعني الذي نزل بهم لأنهم قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه استحلوا الرِّبا، وكان الرجل إذا حل أجل ماله طالبه فيقول له المطلوب: زدني في الأجل، وأزيدك في مالك فيفعلان ذلك.

فإذا قيل لهما: إن هذا رباً قالا: الزيادة في أول البيع، وعند حلول الأجل سواء.

ويقال: إنهم استحلوا الربا وقالوا: الربا والبيع في الحل سواء، فالله تعالى أبطل قولهم فقال تعالى: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ ولم يقل جاءته، لأن التأنيث ليس بحقيقي، ويجوز أن يذكر ويؤنث، لأنه انصرف إلى المعنى، يعني فمن جاءه نهي مِنْ رَبِّهِ في القرآن في بيان تحريم الربا فَانْتَهى عن أكل الربا فَلَهُ مَا سَلَفَ يعني ليس عليه إثم فيما مضى قبل النهي، لأن الحجة لم تقم عليهم، ولم يعلموا بحرمته، وأما اليوم فمن تاب عن الربا، فلا بدَّ له من أن يرد الفضل، ولا يكون له ما سلف، لأن حرمة الربا ظاهرة بين المسلمين، لأن كتاب الله تعالى فيهم.

ثم قال عز وجل: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ في المستأنف إن شاء عصمه، وإن شاء لم يعصمه وَمَنْ عادَ إلى استحلال الرِّبا فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ قال ابن مسعود آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه ملعونون على لسان محمد  .

وقال عليه الصلاة والسلام: «سَيَأْتِي عَلَى الَّناسِ زَمَانٌ لا يبقى أحد إلا أَكَلَ الرِّبا، وَمَنْ لَمْ يَأْكُلِ الرِّبا أَصَابَهُ مِنْ غُبَارِهِ» .

وروي عن النبي  أنه قال: «الرِّبا بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً، أدْنَاها كَإِتْيَانِ الرَّجُلِ أُمَّهُ» ، يعني كالزاني بأمه.

ثم قال تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا أي يبطله، ويذهب ببركته وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ يقول: يقبلها ويضاعفها.

ويقال: إن مال آكل الربا لا يخلو من أحد أوجه ثلاثة، إما أن يذهب عنه أم عن ولده، أو ينفقه فيما لا يصلح وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ يعني جاحد بتحريم الرِّبا أَثِيمٍ يعني عاص بأكله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يعني الطاعات فيما بينهم وبين ربهم وَأَقامُوا الصَّلاةَ يعني الصلوات الخمس وَآتَوُا الزَّكاةَ يعني أعطوا الزَّكاة المفروضة لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ وقد ذكرناه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ أي أطيعوا الله ولا تعصوه فيما نهاكم من أمر الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين بتحريمه.

وقال أهل اللغة: إن الحقيقة على ثلاثة أوجه: إن بمعنى ما، كقوله: إِنِ الْكافِرُونَ إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً [يس: 29] .

وإن بمعنى لقد، كقوله إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا [الإسراء: 108] .

وتَاللَّهِ إِنْ كُنَّا، قالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ [الصافات: 56] ، إِنْ كُنَّا عَنْ عِبادَتِكُمْ لَغافِلِينَ [يونس: 29] ، وإن بمعنى إذ كقوله: وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين، وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [آل عمران: 139] ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا [البقرة: 278] نزلت هذه الآية في نفر من بني ثقيف، وفي بني المغيرة من قريش، وكانت ثقيف يربون لبني المغيرة في الجاهلية، وكانوا أربعة أخوة منهم مسعود وعبد ياليل وأخواهما يربون لبني المغيرة، فلما ظهر النبيّ  على أهل مكة، وضع الرِّبا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم على الناس يأخذونه، وما كان عليهم من رباً للناس، فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، وقد كان رسول الله  كتب لهم كتاباً، وكتب في أسفله إنَّ لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم، فلما حلّ الأجل طلب ثقيف رباهم، فاختصموا إلى أمير مكة، وهو عتاب بن أسيد، فكتب بذلك إلى رسول الله  ، فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولا تستحلوا الرِّبا وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يعني مصدقين بتحريم الرِّبا.

ثم خوفهم فقال تعالى: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا أي لم تقروا بتحريم الربا ولم تتركوه فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ.

قرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر فآذِنوا بمد الألف وكسر الذال، وقرأ أبو عمرو وورش عن نافع، فأْذَنُوا بترك الهمزة ونصب الذال، وقرأ الباقون بجزم الألف ونصب الذال، فمن قرأ فَأْذَنُوا بالجزم معناه: فاعلموا بِحَرْبٍ مِّنَ الله، يعني بإهلاك من الله.

ويقال معناه: فاعلموا بأنكم كفار بالله وَرَسُولِهِ ومن قرأ فآذنوا بالمد يقول: اعلموا بعضكم بعضاً بحرب، أي بإهلاك من الله تعالى ورسوله.

فقالوا: ما لنا بحرب من الله ورسوله طاقة فما توبتنا؟؟

فقال تعالى: وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ التي أسلفتم.

وقال النبيّ  : «كُلُّ رِباً كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ وَأَوَّلُ رباً وُضِعَ رِبَا العَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكُلُّ دَمٍ كانَ في الجَاهِلِيَّةِ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَأَوَّلُ دَمٍ وُضِعَ دَمُ رَبِيعَةَ بْنِ الحارث بن عبد المطلب» .

ثم قال: لاَ تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ يعني الطالب لا يظلم بطلب الزيادة، ويرضى برأس المال، ولا يظلم المطلوب، فينتقص عن رأس المال، وذلك أنهم طلبوا رؤوس أموالهم من بني المغيرة، فشكوا العسرة يعني بني المغيرة وقالوا: ليس لنا شيء، وطلبوا الأجل إلى وقت إدراك ثمارهم، فنزل قوله تعالى: وَإِنْ كانَ ذُو عُسْرَةٍ يعني إن كان المطلوب ذو شدة فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ يقول: أجله أن يتيسر عليه بإدراك ثماره وَأَنْ تَصَدَّقُوا يقول: لو تصدقتم ولا تأخذونه فهو خَيْرٌ لَكُمْ ويقال: لئن تصدقتم بالتأخير فهو خَيْرٌ لَّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ أن الصدقة خير لكم.

قرأ نافع إلى ميسرة بضم السين.

وقرأ الباقون والنصب، وهما لغتان ومعناهما واحد.

وقرأ عطاء فناظرة بالألف.

وقرأ العامة بغير ألف، ومعناها واحد.

وقرأ عاصم وأن تصدقوا بتخفيف الصاد.

وقرأ الباقون بالتشديد، لأن التاء أدغم في الصاد، وأصله تتصدقوا.

ثم قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ يقول اجتنبوا عذاب يوم ترجعون فِيهِ إِلَى اللَّهِ يعني في يوم القيامة ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ من خير أو شر وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ يقول: وهم لا ينقصون من ثواب أعمالهم شيئاً.

وروى الضحاك عن ابن عباس أنه قال آخر آية نزلت من القرآن وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ قرأ أبو عمرو تُرْجَعُونَ بنصب التاء وكسر الجيم وقرأ الباقون بالضم ونصب الجيم قوله تعالى: <div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

عبد الملكِ بْنُ محمَّدِ بْنِ أبي القَاسِم بْن الكَرْدَبُوسِ «١» في «الاكتفاء فِي أخبار الخُلَفَاء» ، قال: وتكلَّم علي بن أبي طالب- رضي اللَّه عنه- بتسْعِ كلماتٍ، ثلاثٌ في المناجاةِ، وثلاثٌ في الحكمة، وثلاثٌ في الآداب أمَّا المناجاة، فقال: كَفَانِي فَخْراً أَنْ تَكُونَ لِي رَبًّا، وكَفَانِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْداً، وَأَنْتَ كَمَا أُحِبُّ، فاجعلني كَمَا تُحِبُّ، وَأَمَّا الحكمة، فقال: قيمة كلّ امرئ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ، وَمَا هَلَكَ امرؤ عَرَفَ قَدْرَ نَفْسِهِ، وَالمَرْءُ مَخْبُوءٌ تَحْتَ لِسَانِهِ، وَأَمَّا الآدَابُ، فَقَالَ: استغن عَمَّنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ نَظِيرُهُ، وَتَفَضَّلْ على مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَمِيرُهُ، واضرع إلى مَنْ شِئْتَ، فَأَنْتَ أَسِيرُهُ.

انتهى.

ولما كانتِ السيما تدلُّ على حال صاحبِها، ويعرف بها حاله، أقامَها اللَّه سبحانه مُقَامَ الإِخبار عن حَالِ صاحبِها، فقال: «تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ» ، وقد قال الشيخُ العارفُ باللَّهِ صاحبُ «الكَلِمِ الفارقيَّة والحِكَمِ الحقيقيَّة» : كلُّ ما دلَّ على معنًى، فقد أخبر عنه، ولو كان صامتاً، وأشار إليه، ولو كان ساكتاً، لكنَّ حصول الفهْمِ والمعرفةِ بحَسَب اعتبار المعتَبِرِ، ونَظَر المتأمِّل المتدبِّر.

انتهى.

قال ع «٢» : وفي الآية تنبيهٌ على سوء حالة من يسأل النَّاسَ إِلحافاً، وقال: ص: وقوله تعالى: لاَ يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً، إِذا نُفِيَ حُكْمٌ مِنْ محكومٍ عليه بقَيْدٍ، فالأكثر في لسانهم انصراف النفْيِ إلى ذلك القيدِ، فالمعنى على هذا: ثبوتُ سؤالهم، ونَفْي الإِلحاح، ويجوز أنْ ينفي الحُكْم، فينتفي ذلك القَيْد، فينتفي السؤالُ والإِلحاح، وله نظائر.

انتهى.

وقوله تعالى: وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ: وعدٌ محضٌ، أي: يعلمه، ويحصيه ليجازي عليه، ويثيب.

الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤) الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧)

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ...

الآية: قال ابْنُ عَبَّاس:

نزلَتْ هذه الآيةُ في عليِّ بن أبِي طَالِبٍ- رضي اللَّه عنه- كانَتْ لِه أربعةُ دراهِمَ، فتصدَّق بدرهمٍ لَيْلاً، وبدرهمٍ نَهَاراً، وبدرهمٍ سرًّا، وبدرهمٍ علانيةً «١» ، وقال قتادةُ: نزلَتْ في المنْفِقِينَ في سبيل اللَّه مِنْ غَيْر تبذيرٍ ولا تقتيرٍ، قال ع «٢» : والآية، وإنْ كانَتْ نزلَتْ في عليٍّ- رضي اللَّه عنه- فمعناها يتناولُ كُلَّ مَنْ فعل فِعْلَه، وكلَّ مشَّاءٍ بصدَقَته في الظلم إِلى مَظِنَّةِ الحاجة.

وقوله تعالى: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ...

الآية: الرِّبا: هو الزيادةُ، مأخوذ من:

رَبَا يَرْبُو، إِذا نَمَا، وزاد على ما كان، وغالبه: ما كانت العربُ تفعله من قولها للغريم:

«أَتَقْضِي، أَمْ تُرْبِي» ، فكان الغريم يزيدُ في عدد المالِ، ويصبر الطالب عليه، ومن الربا البيِّن التفاضُلُ في النوع الواحِدِ وكذلك أكثر البيوعِ الممنوعَة، إِنما تجد منْعها لمعنى زيادةٍ إِما في عينِ مالٍ، أو في منفعةٍ لأحدهما مِنْ تأخيرٍ ونحوه، ومعنى الآية: الذين يكْسِبُون الربا، ويفعلونه، وإِنما قصد إِلى لفظة الأكْل لأنها أقوى مقاصدِ الناسِ في المَالِ، قال ابن عبَّاس وغيره: معنَى قوله سبحانه: لاَ يَقُومُونَ، أي: من قبورِهِمْ في البَعْثِ يوم القيامة إلّا ٧٢ ب كما/ يقومُ الَّذي يتخبَّطه الشيطانُ من المَسِّ «٣» ، قالوا: كلُّهُم يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عقوبةً له وتمقيتاً عند جميع المَحْشَرِ ويقوِّي هذا التأويلَ المجْمَع علَيْه أنَّ في قراءة عبد اللَّه بن مسعود: «لاَ يَقُومُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ» .

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا معناه عند جميع المتأولين:

في الكفار، وأنه قول بتكذيب الشريعة، والآية كلُّها في الكفار المُرْبِينَ، نزلَتْ، ولهم قيلَ:

فَلَهُ مَا سَلَفَ، ولا يقال ذلك لمؤمنٍ عاصٍ، ولكن يأخذ العصاة في الربا بطرف من وعيدِ هذه الآيةِ، ثم جزم اللَّه سبحانه الخَبَر في قوله: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا، قيل: هذا من عموم القُرآن المخصَّص، وقيل: من مُجْمَلِهِ المبيَّن، قال جعفر بن محمَّدٍ الصَّادِقُ «١» : وحرم اللَّه الربَا ليتقارض النَّاسُ.

وقوله تعالى: فَلَهُ مَا سَلَفَ، أي: من الربا لا تباعة علَيْه في الدنيا والآخرة، وهذا حكْمٌ مِنَ اللَّه سبحانه لِمَنْ أسلم من الكفار، وفي قوله تعالى: وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ أربعُ تأويلات:

أحدها: أمْرُ الربا في إِمرار تحريمه وغير ذلك.

والثاني: أمر ما سَلَف، أي: في العفْوِ وإِسقاطِ التَّبَعَةِ فيها.

والثالث: أنَّ الضمير عائدٌ على ذي الربا بمعنى: أمره إِلى اللَّه في أنْ يثبته على الاِنتهاء أو يعيدَهُ إِلى المعصية.

والرابع: أنْ يعود الضميرُ على المنتهى، ولكنْ بمعنى التأنيسِ له، وبَسْط أمله في الخَيْر.

وقوله تعالى: وَمَنْ عادَ، يعني: إِلى فِعْلِ الربا، والقولِ إِنما البيعُ الرِّبَا، والخلودُ في حق الكافر: خلودُ تأبيدٍ حقيقيّ، وإِن لحظنا الآيةَ في مُسْلمٍ عاصٍ، فهو خلودٌ مستعارٌ على معنى المبالغة.

وقوله تعالى: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ، يَمْحَقُ: معناه: ينقص، ويذهب ومنه: مِحَاقُ القَمَرِ «٢» ، وهو انتقاصه، وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ: معناه: ينميها، ويزيد ثوابها تضاعفاً، تقولُ: رَبَتِ الصدقةُ، وأرْبَاهَا اللَّه تعالى، وربَّاهَا، وذلك هو التضعيف لمن يشاء ومنه قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم «إِنَّ صَدَقَةَ أَحَدِكُمْ لَتَقَعُ فِي يَدِ اللَّهِ تعالى،

فَيُرَبِّيهَا كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ حتى تَجِيءَ يَوْمَ القِيَامَةِ، وإِنَّ اللُّقْمَةَ لعلى قَدْرِ أُحُدٍ» «١» .

قال ع «٢» : وقد جعل اللَّه سبحانه هذَيْن الفعلَيْن بعَكْس ما يظنُّه الحريصُ الجَشِيعُ من بني آدم إِذ يظن الربا يغنيه، وهو في الحقيقة مُمْحَقٌ، ويظن الصدَقَةَ تُفْقِرُه، وهي في الحقيقة نماءٌ في الدنيا والآخرة، وعن يزيدَ بْنِ أبي حَبِيبٍ «٣» أنَّ أبا الخير «٤» حدثه أَنَّه سمع عقبة بن عامر يقول: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول: «كلّ امرئ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ» أوْ قَالَ: «حتى يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ» ، قال يزيد: وكان أبو الخَيْرِ لاَ يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لاَ يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ فِيهِ، وَلَوْ كَعْكَةٍ أَوْ بَصَلَةٍ، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط مسلمٍ، ولم يخرِّجاه، يعني: البخاريَّ ومسلماً «٥» .

انتهى من «الإلمام في أحاديث الأحكام» لابن دقيق العيد.

قال الشيخُ ابن أبي جَمْرَة: ولا يُلْهَمُ لِلصدقةِ إِلاَّ مَنْ سبقَتْ له سابقةُ خَيْر.

انتهى.

قال أبو عمر في «التمهيد» : وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ إِلاَّ أَحْسَنَ اللَّهُ الخِلاَفَةَ على بَنِيهِ، وَكَانَ فِي ظِلِّ اللَّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ، وحُفِظَ فِي يَوْمِ صَدَقَتِهِ مِنْ كُلِّ عَاهَةٍ وَآفَةٍ «١» .

انتهى.

وروى أبو داود في «سننه» ، أنَّ سَعْدَ بْنَ عْبَادَةَ «٢» ، قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمَّ سَعْدٍ «٣» مَاتَتْ، فَأَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟

قَالَ: المَاءُ، فَحَفَرَ بئْراً، وَقَالَ: هَذِهِ لأمّ سعد» «٤» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ﴾ الرِّبا: أصْلُهُ في اللُّغَةِ: الزِّيادَةُ، ومِنهُ الرَّبْوَةُ والرّابِيَةُ، وأرْبى فُلانٌ عَلى فُلانٍ: زادَ.

وهَذا الوَعِيدُ يَشْمَلُ الآَكِلَ، والعامِلَ بِهِ، وإنَّما خُصَّ الآَكِلُ بِالذِّكْرِ، لِأنَّهُ مُعْظَمُ المَقْصُودِ.

وقَدْ صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ « "لَعَنَ آَكِلَ الرِّبا ومُوَكِّلَهُ وشاهِدَيْهِ وكاتِبَهُ" .» قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا يَقُومُونَ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ أيْ: يَوْمُ البَعْثِ مِنَ القُبُورِ.

والمَسُّ: الجُنُونُ، يُقالُ: رَجُلٌ مَمْسُوسٌ.

فالنّاسُ إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ أسْرَعُوا كَما قالَ تَعالى: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الأجْداثِ سِراعًا  ﴾ .

إلّا أكَلَةُ الرِّبا، فَإنَّهم يَقُومُونَ ويَسْقُطُونَ، لِأنَّ اللَّهَ أرْبى الرِّبا في بُطُونِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى أثْقَلَهم، فَلا يَقْدِرُونَ عَلى الإسْراعِ.

وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: تِلْكَ عَلّامَةُ آَكِلِ الرِّبا إذا اسْتَحَلَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ: هَذا الَّذِي ذُكِرَ مِن عِقابِهِمْ ﴿ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ وقِيلَ: إنْ ثَقِيفًا كانُوا أكْثَرَ العَرَبِ رِبًا، فَلَمّا نُهُوا عَنْهُ؛ قالُوا: إنَّما هو مِثْلُ البَيْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ تَأْنِيثٍ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، فَتَذْكِيرُهُ جائِزٌ، ألا تَرى أنَّ الوَعْظَ والمَوْعِظَةَ مُعَبِّرانِ عَنْ مَعْنًى واحِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلَهُ ما سَلَفَ ﴾ أيْ: ما أكَلَ مِنَ الرِّبا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأمْرُهُ إلى اللَّهِ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ "الهاءَ" تَرْجِعُ إلى المُرْبِي، فَتَقْدِيرُهُ: إنْ شاءَ عَصَمَهُ مِنهُ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الرِّبا، فَمَعْناهُ: يَعْفُو اللَّهُ عَمّا شاءَ مِنهُ، ويُعاقِبُ عَلى ما شاءَ مِنهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن عادَ ﴾ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ: مَن عادَ إلى الرِّبا مُسْتَحِلًّا مُحْتَجًّا بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَيْلِ والنَهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً فَلَهم أجْرُهم عِنْدَ رَبِّهِمْ ولا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَيْطانُ مِنَ المَسِّ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا وأحَلَّ اللهُ البَيْعُ وحَرَّمَ الرِبا فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنَ رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وأمْرُهُ إلى اللهُ ومَن عادَ فَأُولَئِكَ أصْحابُ النارِ هم فِيها خالِدُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، كانَتْ لَهُ أرْبَعَةُ دَراهِمَ، فَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ لَيْلًا، وبِدِرْهَمٍ نَهارًا، وبِدِرْهَمٍ سِرًّا، وبِدِرْهَمٍ عَلانِيَةً، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ ولَمْ يُسَمِّ عَلِيًّا ولا غَيْرَهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَلَفِ الخَيْلِ، وقالَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ بِشْرٍ الغافِقِيُّ، وأبُو ذَرٍّ وأبُو أُسامَةَ، والأوزاعِيُّ، وأبُو الدَرْداءِ، قالُوا: هي في عَلَفِ الخَيْلِ والمُرْتَبِطَةِ في سَبِيلِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ في المُنْفِقِينَ في سَبِيلِ اللهِ مِن غَيْرِ تَبْذِيرٍ ولا تَقْتِيرٍ.

والآيَةُ - وإنْ كانَتْ نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - فَمَعْناها يَتَناوَلُ كُلَّ مَن فَعَلَ فِعْلَهُ وكُلَّ مَشّاءٍ بِصَدَقَتِهِ في الظُلَمِ إلى مَظِنَّةِ ذِي الحاجَةِ.

وأمّا عَلَفُ الخَيْلِ والنَفَقَةُ عَلَيْها فَإنَّ ألْفاظَ الآيَةِ.

تَتَناوَلُها تَناوُلًا مُحْكَمًا، وكَذَلِكَ المُنْفِقُ في الجِهادِ المُباشِرُ لَهُ إنَّما يَجِيءُ إنْفاقُهُ عَلى رُتَبِ الآيَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: كانَ المُؤْمِنُونَ يَعْمَلُونَ بِهَذِهِ الآياتِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ إنْ تُبْدُوا الصَدَقاتِ  ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلا هم يَحْزَنُونَ ﴾ ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَراءَةٌ بِتَفْصِيلِ الزَكاةِ قَصَرُوا عَلَيْها.

وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ عَلى نَفْيِ الخَوْفِ والحُزْنِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ: "فَلَهُمْ" دَخَلَتْ لِما في "الَّذِينَ" مِنَ الإبْهامِ، فَهو يُشْبِهُ بِإبْهامِهِ الإبْهامَ الَّذِي في الشَرْطِ، فَحَسُنَتِ الفاءُ في جَوابِهِ كَما تَحْسُنُ في الشَرْطِ، وإنَّما يُوجَدُ الشَبَهُ إذا كانَ "الَّذِي" مَوْصُولًا بِفِعْلٍ وإذا لَمْ يَدْخُلْ عَلى "الَّذِي" عامِلٌ يُغَيِّرُ مَعْناهُ.

فَإنْ قُلْتَ: "الَّذِي أبُوهُ زَيْدٌ هو عَمْرٌو" فَلا تَحْسُنُ الفاءُ في قَوْلِكَ: "فَهُوَ"، بَلْ تُلَبِّسُ المَعْنى، وإذا قُلْتَ: "لَيْتَ الَّذِي جاءَنِي جاءَنِي" لَمْ يَكُنْ لِلْفاءِ - مَدْخَلٌ في المَعْنى.

وهَذِهِ الفاءُ المَذْكُورَةُ إنَّما تَجِيءُ مُؤَكِّدَةً لِلْمَعْنى، وقَدْ يُسْتَغْنى عنها إذا لَمْ يُقْصَدِ التَأْكِيدُ كَقَوْلِهِ بَعْدُ: "لا يَقُومُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِبا ﴾ الآيَةُ.

الرِبا: هو الزِيادَةُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن: رَبا يَرْبُو إذا نَما وزادَ عَلى ما كانَ.

وغالِبُهُ ما كانَتِ العَرَبُ تَفْعَلُهُ مِن قَوْلِها لِلْغَرِيمِ: أتَقْضِي أمْ تُرْبِي؟

فَكانَ الغَرِيمُ يَزِيدُ في عَدَدِ المالِ ويَصْبِرُ الطالِبُ عَلَيْهِ، ومِنَ الرِبا البَيِّنِ التَفاضُلُ في النَوْعِ الواحِدِ لِأنَّها زِيادَةٌ، وكَذَلِكَ أكْثَرُ البُيُوعِ المَمْنُوعَةِ إنَّما تَجِدُ مَنعَها لِمَعْنى زِيادَةٍ، إمّا في عَيْنِ مالٍ، وإمّا في مَنفَعَةٍ لِأحَدِهِما مِن تَأْخِيرٍ ونَحْوِهِ.

ومِنَ البُيُوعِ ما لَيْسَ فِيهِ مَعْنى الزِيادَةِ، كَبَيْعِ الثَمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلاحِها، وكالبَيْعِ ساعَةَ النِداءِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَإنْ قِيلَ لِفاعِلِها: آكِلُ رِبًا فَبِتَجَوُّزٍ وتَشْبِيهٍ.

والرِبا مِن ذَواتِ الواوِ، وتَثْنِيَتُهُ: رِبَوانِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ويُكْتَبُ بِالألِفِ، قالَ الكُوفِيُّونَ: يُكْتَبُ ويُثَنّى بِالياءِ لِأجْلِ الكَسْرَةِ الَّتِي في أوَّلِهِ، وكَذَلِكَ يَقُولُونَ في الثُلاثِيِّ مِن ذَواتِ الواوِ إذا انْكَسَرَ الأوَّلُ أوِ انْضَمَّ نَحْوُ "ضُحى"، فَإنْ كانَ مَفْتُوحًا نَحْوَ صَفا فَكَما قالَ البَصْرِيُّ.

ومَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الرِبا ويَفْعَلُونَهُ، وقَصَدَ إلى لَفْظَةِ الأكْلِ، لِأنَّها أقْوى مَقاصِدِ الإنْسانِ في المالِ، ولِأنَّها دالَّةٌ عَلى الجَشَعِ، فَأُقِيمَ هَذا البَعْضُ مِن تَوابِعِ الكَسْبِ مَقامَ الكَسْبِ كُلِّهِ، فاللِباسُ والسُكْنى والِادِّخارُ والإنْفاقُ عَلى العِيالِ وغَيْرُ ذَلِكَ داخِلٌ كُلُّهُ في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ ﴾ .

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والرَبِيعُ، والضَحّاكُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ: مَعْنى قَوْلِهِ: "لا يَقُومُونَ" مِن قُبُورِهِمْ في البَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَ بَعْضُهُمْ: يُجْعَلُ مَعَهُ شَيْطانٌ يَخْنُقُهُ، وقالُوا كُلُّهُمْ: يُبْعَثُ كالمَجْنُونِ عُقُوبَةً لَهُ وتَمْقِيتًا عِنْدَ جَمْعِ المَحْشَرِ، ويُقَوِّي هَذا التَأْوِيلَ المُجْمَعَ عَلَيْهِ أنَّ في قِراءَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: "لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا كَما يَقُومُ المَجْنُونُ"، وأمّا ألْفاظُ الآيَةِ فَكانَتْ تَحْتَمِلُ تَشْبِيهَ حالِ القائِمِ بِحِرْصٍ وجَشَعٍ إلى تِجارَةِ الرِبا بِقِيامِ المَجْنُونِ، لِأنَّ الطَمَعَ والرَغْبَةَ تَسْتَفِزُّهُ حَتّى تَضْطَرِبَ أعْضاؤُهُ، وهَذا كَما تَقُولُ لِمُسْرِعٍ في مَشْيِهِ، مُخَلِّطٍ في هَيْئَةِ حَرَكاتِهِ إمّا مِن فَزَعٍ أو غَيْرِهِ: قَدْ جُنَّ هَذا.

وقَدْ شَبَّهَ الأعْشى ناقَتَهُ في نَشاطِها بِالجُنُونِ في قَوْلِهِ: وتُصْبِحُ مِن غِبِّ السُرى وكَأنَّما ∗∗∗ ألَمَّ بِها مِن طائِفِ الجِنِّ أولَقُ لَكِنَّ ما جاءَتْ بِهِ قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وتَظاهَرَتْ بِهِ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ يُضْعِفُ هَذا التَأْوِيلَ.

وَ"يَتَخَبَّطُهُ" يَتَفَعَّلُهُ مِن: خَبَطَ يَخْبِطُ، كَما تَقُولُ: تَمَلَّكَهُ وتَعَبَّدَهُ وتَحَمَّلَهُ.

والمَسُّ الجُنُونُ، وكَذَلِكَ الأولَقُ والألْسُ والزُؤْدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ جَمِيعِ المُتَأوِّلِينَ: في الكُفّارِ، وأنَّهُ قَوْلُ تَكْذِيبٍ لِلشَّرِيعَةِ ورَدٌّ عَلَيْها، والآيَةُ كُلُّها في الكُفّارِ المُرْبِينَ نَزَلَتْ، ولَهم قِيلَ: "فَلَهُ ما سَلَفَ" ولا يُقالُ ذَلِكَ لِمُؤْمِنٍ عاصٍ ولَكِنْ يَأْخُذُ العُصاةُ في الرِبا بِطَرَفٍ مِن وعِيدِ هَذِهِ الآيَةِ.

ثُمَّ جَزَمَ تَعالى الخَبَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِبا ﴾ ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأحَلَّ اللهُ البَيْعَ ﴾ ، هَذا مِن عُمُومِ القُرْآنِ، لِأنَّ العَرَبَ كانَتْ تَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ، لِأنَّ الأخْذَ والإعْطاءَ عِنْدَها بَيْعٌ، وكُلُّ ما عارَضَ العُمُومَ فَهو تَخْصِيصٌ مِنهُ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: "هُوَ مِن مُجْمَلِ القُرْآنِ الَّذِي فُسِّرَ بِالمُحَلَّلِ مِنَ البَيْعِ، وبِالمُحَرَّمِ مِنَ الرِبا".

والقَوْلُ الأوَّلُ عِنْدِي أصَحُّ، قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصادِقُ: "حَرَّمَ اللهُ الرِبا لِيَتَقارَضَ الناسُ".

وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: حَرَّمَهُ اللهُ لِأنَّهُ مَتْلَفَةٌ لِلْأمْوالِ مَهْلَكَةٌ لِلنّاسِ.

وسَقَطَتْ عَلامَةُ التَأْنِيثِ في قَوْلِهِ: "فَمَن جاءَهُ" لِأنَّ تَأْنِيثَ المَوْعِظَةِ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ وهو بِمَعْنى: وعَظَ.

وقَرَأ الحَسَنُ: "فَمَن جاءَتْهُ" بِإثْباتِ العَلامَةِ.

وقَوْلُهُ: "فَلَهُ ما سَلَفَ" أيْ مِنَ الرِبا لا تِباعَةَ عَلَيْهِ مِنهُ في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، قالَهُ السُدِّيُّ وغَيْرُهُ، وهَذا حُكْمٌ مِنَ اللهِ تَعالى لِمَن أسْلَمَ مِن كُفّارِ قُرَيْشٍ وثَقِيفٍ ومَن كانَ يَتَّجِرُ هُناكَ، و"سَلَفَ" مَعْناهُ: تَقَدَّمَ في الزَمَنِ وانْقَضى.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأمْرُهُ إلى اللهِ ﴾ أرْبَعُ تَأْوِيلاتٍ أحَدُها: أنَّ الضَمِيرَ عائِدٌ عَلى "الرِبا"، بِمَعْنى: وأمْرُ الرِبا إلى اللهِ في إمْرارِ تَحْرِيمِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ.

والآخَرُ: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى "ما سَلَفَ" أيْ أمْرُهُ إلى اللهِ في العَفْوِ عنهُ وإسْقاطِ التَبِعَةِ فِيهِ، والثالِثُ: أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ عائِدًا عَلى ذِي الرِبا، بِمَعْنى: أمْرُهُ إلى اللهِ في أنْ يُثَبِّتَهُ عَلى الِانْتِهاءِ أو يُعِيدَهُ إلى المَعْصِيَةِ في الرِبا.

والرابِعُ: أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى المُنْتَهِي، ولَكِنْ بِمَعْنى التَأْنِيسِ لَهُ، وبَسْطِ أمَلِهِ في الخَيْرِ،كَما تَقُولُ: وأمْرُهُ إلى طاعَةٍ وخَيْرٍ، ومَوْضِعُ رَجاءٍ، وكَما تَقُولُ: وأمْرُهُ في نُمُوٍّ أو إقْبالٍ إلى اللهِ وإلى طاعَتِهِ.

ويَجِيءُ الأمْرُ هاهُنا لَيْسَ في الرِبا خاصَّةً، بَلْ وجُمْلَةِ أُمُورِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن عادَ ﴾ يَعْنِي إلى فِعْلِ الرِبا، والقَوْلِ إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِبا، وإنْ قَدَّرْنا الآيَةَ في كافِرٍ فالخُلُودُ خُلُودُ تَأْبِيدٍ حَقِيقِيٍّ، وإنْ لَحِظْناها في مُسْلِمٍ عاصٍ، فَهَذا خُلُودٌ مُسْتَعارٌ عَلى مَعْنى المُبالَغَةِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: "مُلْكٌ خالِدٌ": عِبارَةً عن دَوامٍ ما، لا عَلى التَأْبِيدِ الحَقِيقِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

نَظَم القرآنُ أهمّ أصول حفظِ مال الأمَّة في سِلك هاته الآيات.

فبعد أن ابتدأ بأعظم تلك الأصول وهو تأسيس مال للأمة به قوام أمرها، يؤخذ من أهل الأموال أخذا عدْلاً مما كان فضلاً عن الغنى فقرضه على الناس، يؤخذ من أغنيائهم فيردّ على فقرائهم، سواء في ذلك ما كان مفروضاً وهو الزكاة أو تطوّعاً وهو الصدقة، فأطنب في الحثّ عليه، والترغيب في ثوابه، والتحذير من إمساكه، ما كان فيه موعظة لمن اتّعظ، عَطف الكلام إلى إبطال وسيلة كانت من أسباب ابتزاز الأغنياء أموال المحتاجين إليهم، وهي المعاملة بالربا الذي لقّبه النبي صلى الله عليه وسلم ربَا الجاهليةِ، وهو أن يعطي المدين مالاً لدائنه زائداً على قدر الدين لأجل الانتظار، فإذا حلّ الأجل ولم يدفع زَاد في الدين، يقولون: إمّا أن تَقْضيَ وإمّا أن تُربِي.

وقد كان ذلك شائعاً في الجاهلية كذا قال الفقهاء.

والظاهر أنّهم كانوا يأخذون الربا على المدين من وقت إسلافه وكلّما طلبَ النظرة أعطى ربا آخر، وربّما تسامح بعضهم في ذلك.

وكان العباس بنُ عبد المطلب مشتهراً بالمراباة في الجاهلية، وجاء في خطبة حجّة الوداع " ألا وإنّ ربا الجاهلية موضوع وإنّ أول ربا أبْدَأ به ربا عمّي عباس بن عبد المطلب ".

وجملة ﴿ الذين يأكلون الربوا ﴾ استئناف، وجيء بالموصول للدلالة على علّة بناء الخبر وهو قوله: ﴿ لا يقومون ﴾ إلى آخره.

والأكل في الحقيقة ابتلاعُ الطعام، ثم أطلق على الانتفاع بالشيء وأخذه بحرص، وأصله تمثيل، ثم صار حقيقة عرفية فقالوا: أكل مال الناس ﴿ إن الذين يأكلون أموال اليتامى ﴾ [النساء: 10] ﴿ ألا تأكلوا أموالكم ﴾ [الصافات: 91، 92]، ولا يختصّ بأخذ الباطل ففي القرآن ﴿ فإن طبْن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾ [النساء: 4].

والربا: اسم على وزن فِعَل بكسر الفاء وفتح العين لعلّهم خفّفوه من الرباء بالمد فصيّروه اسم مصدر، لفعل رَبَا الشيء يربو رَبْواً بسكون الباء على القياس كما في «الصحاح» وبضم الراء والباء كعُلُو وربّاء بكسر الراء وبالمد مثل الرِّماء إذا زاد قال تعالى: ﴿ فلا يربو عند الله ﴾ [الروم: 39]، وقال: ﴿ اهتَزّتْ ورَبَتْ ﴾ [الحج: 5]، ولكونه من ذوات الواو ثني على رِبَواننِ.

وكتب بالألف، وكتبه بعض الكوفيين بالياء نظراً لجواز الإمالة فيه لمكان كسرة الراء ثم ثنّوه بالياء لأجل الكسرة أيضاً قال الزجاج: ما رأيت خطأ أشنع من هذا، ألا يكفيَهم الخَطأ في الخطّ حتى أخطؤوا في التثنية كيف وهم يقرؤون ﴿ وما آتيتم من رِبا لتُربُوَ ﴾ [الروم: 39] بفتحة على الواو ﴿ في أموال الناس ﴾ [الروم: 39] يشير إلى قراءة عاصم والأعمش، وهما كوفيان، وبقراءتهما يقرأ أهل الكوفة.

وكُتب الربا في المصحف حيثما وقع بواو بعدها ألف، والشأن أن يكتب ألفاً، فقال صاحب «الكشاف»: كتبت كذلك على لغة من يفخّم أي ينحو بالألف منحى الواو، والتفخيم عكس الإمالة، وهذا بعيد؛ إذ ليس التفخيم لغة قريش حتى يكتب بها المصحف.

وقال المبرّد: كتب كذلك للفرق بين الربا والزنا، وهو أبعد لأنّ سياق الكلام لا يترك اشتبَاهاً بينهما من جهة المعنى إلاَّ في قوله تعالى: ﴿ ولا تقربوا الزنا ﴾ [الإسراء: 32].

وقال الفراء: إنّ العرب تعلّموا الخطّ من أهل الحيرة وهم نبط يقولون في الربا: رِبَوْ بواو ساكنة فكتبت كذلك، وهذا أبعد من الجميع.

والذي عندي أنّ الصحابة كتبوه بالواو ليشيروا إلى أصله كما كتبوا الألفات المنقلبة عن الياء في أواسط الكلمات بياءات عليها ألفات، وكأنَّهم أرادوا في ابتداء الأمر أن يجعلوا الرسم مشيراً إلى أصول الكلمات ثم استعجلوا فلم يطّرد في رسمهم، ولذلك كتبوا الزكاة بالواو، وكتبوا الصلاة بالواو تنبيهاً على أنّ أصلها هو الركوع من تحريك الصَّلْوَيْن لا من الاصطلاء.

وقال صاحب «الكشاف»: وكتبوا بعدها ألفاً تشبيهاً بواو الجمع.

وعندي أنّ هذا لا معنى للتعليل به، بل إنّما كتبوا الألف بعدها عوضاً عن أن يضعوا الألف فوق الواو، كما وضعوا المنقلب عن ياء ألفاً فوق الياء لئلاّ يقرأها الناس الربُو.

وأريد بالذين يأكلون الربا هنا من كان على دين الجاهلية؛ لأن هذا الوعيد والتشنيع لا يناسب إلاّ التوجّه إليهم لأنّ ذلك من جملة أحوال كفرهم وهم لا يرعوون عنها ما داموا على كفرهم.

أما المسلمون فسبق لهم تشريع بتحريم الربا بقوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ﴾ في سورة آل عمران (130)، وهم لا يقولون إنّما البيع مثل الربا، فجعل الله هذا الوعيد من جملة أصناف العذاب خاصاً للكافرين لأجل ما تفرّع عن كفرهم من وضع الربا.

وتقدم ذلك كلّه إنكارُ القرآن على أهل الجاهلية إعطاءهم الربا، وهو من أول ما نعاه القرآن عليهم في مكة، فقد جاء في سورة الروم (39): وما آتيتم من ربا لتُربوا في أموال الناس فلا يَربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المُضعفون وهو خطاب للمشركين لأنّ السورة مكية ولأنّ بعد الآية قوْلُه: الله خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء}.

ومن عادات القرآن أن يذكر أحوال الكفّار إغلاظاً عليهم، وتعريضاً بتخويف المسلمين، ليكرّه إياهم لأحوال أهل الكفر.

وقد قال ابن عباس: كلّ ما جاء في القرآن من ذمّ أحوال الكفار فمراد منه أيضاً تحذير المسلمين من مثله في الإسلام، ولذلك قال الله تعالى: ﴿ ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ [البقرة: 275] وقال تعالى: ﴿ والله لا يحب كلّ كفّار أثيم ﴾ [البقرة: 276].

ثم عطف إلى خطاب المسلمين فقال: ﴿ يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ﴾ [البقرة: 278] الآيات، ولعلّ بعض المسلمين لم ينكفّ عن تعاطي الربا أو لعلّ بعضهم فتن بقول الكفار: إنّما البيع مثل الربا.

فكانت آية سورة آل عمران مبدأ التحريم، وكانت هذه الآية إغلاق باب المعذرة في أكل الربا وبياناً لكيفية تدارك ما سلف منه.

والربا يقع على وجهين: أحدهما السلف بزيادة على ما يعطيه المسلف، والثاني السلف بدون زيادة إلى أجل، يعني فإذا لم يوف المستسلف أداء الدين عند الأجل كان عليه أن يزيد فيه زيادة يتّفقان عليها عند حلول كل أجل.

وقوله: ﴿ لا يقومون ﴾ حقيقة القيام النهوض والاستقلال، ويطلق مجازاً على تحسّن الحال، وعلى القوة، من ذلك قامت السوق، وقامت الحرب.

فإن كان القيام المنفي هنا القيام الحقيقي فالمعنى: لا يقومون يوم يقوم الناس لرب العالمين إلاّ كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان، أي إلاّ قياماً كقيام الذي يتخبّطه الشيطان، وإن كان القيامَ المجازي فالمعنى إما على أنّ حرصهم ونشاطهم في معاملات الربا كقيام المجنون تشنيعاً لجشعهم، قاله ابن عطية، ويجوز على هذا أن يكون المعنى تشبيه ما يعجب الناس من استقامة حالهم، ووفرة مالهم، وقوة تجارتهم، بما يظهر من حال الذي يتخبّطه الشيطان حتى تخاله قوياً سريع الحركة، مع أنّه لا يملك لنفسه شيئاً.

فالآية على المعنى الحقيقي وعيد لهم بابتداء تعذيبهم من وقت القيام للحساب إلى أن يدخلوا النار، وهذا هو الظاهر وهو المناسب لقوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربوا ﴾ ، وهي على المعنى المجازي تشنيع، أو توعّد بسوء الحال في الدنيا ولُقِّيَ المتَاعب ومرارة الحياة تحت صورة يخالها الرائي مستقيمة.

والتخبّط مطاوع خَبَطه إذا ضربه ضرباً شديداً فاضطرب له، أي تحرّك تحرّكاً شديداً، ولما كان من لازم هذا التحرّك عدم الاتّساق، أطلق التخبّط على اضطراب الإنسان من غير اتّساق.

ثم إنّهم يعمدون إلى فعل المطاوعة فيجعلونه متعدّياً إلى مفعول إذا أرادوا الاختصار، فعِوضاً عن أنّ يقولوا خبطه فتخبّط يقولون تخبّطه كما قالوا: اضطَرّه إلى كذا.

فتخبُّط الشيطان المرءَ جَعْله إياه متخبّطاً، أي متحرّكاً على غير اتّساق.

والذي يتخبّطه الشيطان هو المجنون الذيب أصابه الصرع.

فيضطرب به اضطرابات، ويسقط على الأرض إذا أراد القيام، فلما شبهت الهيأة بالهيأة جيء في لفظ الهيأة المشبه بها بالألفاظ الموضوعة للدلالة عليها في كلامهم وإلاّ لَما فهمت الهيأة المشبّه بها، وقد عُرِف ذلك عندهم.

قال الأعشى يصف ناقته بالنشاط وسرعة السير، بعد أن سارت ليلاً كاملاً: وتُصبح عن غِب السري وكأنّها *** ألمّ بها من طائف الجنِّ أوْلَقُ والمسّ في الأصل هو اللمس باليد كقولها: «المَسُّ مَس أرنب»، وهو إذا أطلق معرّفاً بدون عهدِ مسَ معروف دل عندهم على مسّ الجن، فيقولون: رجل ممسوس أي مجنون، وإنّما احتيج إلى زيادة قوله من المسّ ليظهر المراد من تخبّط الشيطان فلا يظنّ أنّه تخبّط مجازي بمعنى الوسوسة.

و (مِن) ابتدائية متعلقة بيتخبّطه لا محالة.

وهذا عند المعتزلة جارٍ على ما عهده العربي مثل قوله: «طَلْعُها كأنّه رُؤوس الشياطين»، وقول امرئ القيس: ومسنونةٌ زُرقٌ كأنياببِ أغوال *** إلاّ أنّ هذا أثره مشاهد وعلته مُتخيَّلة والآخران متخيَّلان لأنّهم ينكرون تأثير الشياطين بغير الوسوسة.

وعندنا هو أيضاً مبني على تخييلهم والصرع إنّما يكون من علل تعتري الجسم مثل فيضان المِرّة عند الأطبّاء المتقدمين وتشنّج المجموع العصبي عند المتأخرين، إلاّ أنّه يجوز عندنا أن تكون هاته العلل كلّها تنشأ في الأصل من توجّهات شيطانية، فإنّ عوالم المجرّدات كالأرواح لم تنكشف أسرارها لنا حتى الآن ولعلّ لها ارتباطات شعاعية هي مصادر الكون والفساد.

وقوله: ﴿ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ﴾ الإشارة إلى ﴿ كما يقوم ﴾ لأنّ ما مصدرية، والباء سببية.

والمحكيّ عنهم بقوله: ﴿ قالوا إنما البيع مثل الربوا ﴾ ، إن كان قولاً لسانياً فالمراد به قول بعضهم أو قول دُعاتهم وهم المنافقون بالمدينة، ظنّوا بسوء فهمهم أنّ تحريم الربا اضطراب في حيننِ تحليل البيع، لقصد أن يفتنوا المسلمين في صحة أحكام شريعتهم؛ إذ يتعذّر أن يكون كل من أكل الربا قال هذا الكلام، وإن كان قولاً حالياً بحيث يقوله كل من يأكل الربا لو سأله سائل عن وجه تعاطيه الربا، فهو استعارة.

ويجوز أن يكون ﴿ قالوا ﴾ مجازاً لأنّ اعتقادهم مساواة البيع للربا يستلزم أن يقوله قائل، فأطلق القول وأريد لازمه، وهو الاعتقاد به.

وقولهم: ﴿ إنما البيع مثل الربوا ﴾ قصر إضافي للردّ على من زعم تخالف حكمهما فحرم الربا وأحل البيع، ولمّا صُرح فيه بلفظ مِثل ساغ أن يقال البيع مثل الربا كما يسوغ أن يقال الربا مثل البيع، ولا يقال: إنّ الظاهر أن يقولوا إنّما الربا مثل البيع لأنّه هو الذي قصد إلحاقه به، كما في سؤال الكشاف وبنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة؛ لأنّا نقول: ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأصول على طريقة القياس بل هم كانوا يتعاطون الربا والبيع، فهما في الخطور بأذهانهم سواء، غير أنّهم لما سمعوا بتحريم الربا وبقاء البيع على الإباحة سبق البيعُ حينئذ إلى أذهانهم فأحضروه ليثبتوا به إباحة الربا، أو أنّهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضاً بالإسلام في تحريمه الربا على الطريقة المسمّاة في الأصول بقياس العكس؛ لأنّ قياس العكس إنّما يُلتجأ إليه عند كفاح المناظرة؛ لا في وقت استنباط المجتهد في خاصّة نفسه.

وأرادوا بالبيع هنا بيع التجارة لا بيع المحتاج سلعته برأس ماله.

وقوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربوا ﴾ من كلام الله تعالى جواب لهم وللمسلمين، فهو إعراض عن مجادلتهم إذ لا جدوى فيها لأنّهم قالوا ذلك كفراً ونفاقاً فليسوا ممّن تشملهم أحكام الإسلام.

وهو إقناع للمسلمين بأنّ ما قاله الكفار هو شبهة محضة، وأنّ الله العليم قد حرّم هذا وأباح ذاك، وما ذلك إلاّ لحكمة وفروق معتبرة لو تدبّرها أهل التدبّر لأدركوا الفرق بين البيع والربا، وليس في هذا الجواب كشف للشبهة فهو ممّا وكله الله تعالى لمعرفة أهل العلم من المؤمنين، مع أنّ ذكر تحريم الربا عقب التحريض على الصدقات يومئ إلى كشف الشبهة.

واعلم أنّ مبنى شبهة القائلين ﴿ إنما البيع مثل الربوا ﴾ أنّ التجارة فيها زيادة على ثمن المبيعات لقصد انتفاع التاجر في مقابلة جلب السلع وإرصادها للطالبين في البيع الناض، ثم لأجل انتظار الثمن في البيع المؤجّل، فكذلك إذا أسلف عشرة دراهم مثلاً على أنّه يرجعها له أحد عشر درهماً، فهو قد أعطاه هذا الدرهم الزائد لأجل إعداد ماله لمن يستسلفه؛ لأنّ المقرض تصدّى لإقراضه وأعدّ ماله لأجله، ثم لأجل انتظار ذلك بعد محل أجله.

وكشف هاته الشبهة قد تصدّى له القفال فقال: «من باع ثوباً يساوي عشرة بعشرين فقد جعل ذات الثوب مقابَلاً بالعشرين، فلما حصل التراضي على هذا التقابل صارت العشرون عوضاً للثوب في المالية فلم يأخذ البائع من المشتري شيئاً بدون عوض، أما إذا أقرضه عشرة بعشرين فقد أخذ المقرض العشرة الزائدة من غير عوض.

ولا يقال إنّ الزائد عوض الإمهال لأنّ الإمهال ليس مالاً أو شيئاً يشار إليه حتى يجعله عوضاً عن العشرة الزائدة».

ومرجع هذه التفرقة إلى أنّها مجرّد اصطلاح اعتباري فهي تفرقة قاصرة.

وأشار الفخر في أثناء تقرير حكمة تحريم الربا إلى تفرقة أخرى زادها البيضاوي تحريراً، حاصلها أنّ الذي يبيع الشيء المساوي عشرة بأحد عشر يكون قد مكّن المشتري من الانتفاع بالمبيع إما بذاته وإما بالتجارة به، فذلك الزائد لأجل تلك المنفعَة وهي مسيس الحاجة أو توقع الرّواج والربح، وأما الذي دفع درهماً لأجل السلف فإنّه لم يحصّل منفعة أكثر من مقدار المال الذي أخذه، ولا يقال: إنّه يستطيع أن يتَّجر به فيربح لأنّ هذه منفعة موهومة غير محقّقة الحصول، مع أنّ أخذ الزائد أمر محقّق على كل تقدير.

وهذه التفرقة أقرب من تفرقة القفال، لكنّها يردّ عليها أنّ انتفاع المقترض بالمال فيه سدّ حاجاته فهو كانتفاع المشتري بالسلعة، وأما تصدِّيهِ للمتاجرة بمال القرض أو بالسلعة المشتراة فأمر نادر فيها.

فالوجه عندي في التفرقة بين البيع والربا أنّ مرجعها إلى التعليل بالمظنّة مراعاة للفرق بين حالي المقترض والمشتري، فقد كان الاقتراض لدفع حاجة المقترض للإنفاق على نفسه وأهله لأنّهم كانوا يعدّون التداين همّاً وكرباً، وقد استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم وحال التاجر حال التفضّل.

وكذلك اختلاف حالي المُسْلِف والبائع، فحال باذل ماله للمحتاجين لينتفع بما يدفعونه من الربا فيزيدهم ضيقاً؛ لأنّ المُتسلّف مظنّة الحاجة، ألا تراه ليس بيده مال، وحال بائع السلعة تجارةً حالُ من تجشّم مشقّة لجلب ما يحتاجه المتفضّلون وإعداده لهم عند دعاء حاجتهم إليه مع بذلهم له ما بيدهم من المال.

فالتجارة معاملة بين غنيّين: ألا ترى أنّ كليهما باذل لما لا يحتاج إليه وآخذٌ ما يحتاج إليه، فالمتسلّف مظنّة الفقر، والمشتري مظنّة الغِنى، فلذلك حرم الربا لأنّه استغلال لحاجة الفقير وأحلّ البيع لأنّه إعانة لطالب الحاجات.

فتبيّن أنّ الإقراض من نوع المواساةِ والمعروف، وأنّها مؤكّدة التعيُّن على المواسي وجوباً أو ندْباً، وأيَّا ما كان فلا يحل للمقرض أن يأخذ أجراً على عمل المعروف.

فأما الذي يستقرض مالاً ليتجَّر به أو ليوسع تجارته فليس مظنّة الحاجة، فلم يكن من أهل استحقاق مواساة المسلمين، فلذلك لا يجب على الغني إقراضه بحال فإذا قرضه فقد تطوّع بمعروف.

وكفى بهذا تفرقة بين الحالين.

وقد ذكر الفخر لحكمة تحريم الربا أسباباً أربعة: أولها أنّ فيه أخذ مال الغير بغير عوض، وأورد عليه ما تقدم في الفرق بينه وبين البيع، وهو فرق غير وجيه.

الثاني أنّ في تعاطي الربا ما يمنع الناس من اقتحام مشاقّ الاشتغال في الاكتساب؛ لأنّه إذا تعوّد صاحب المال أخذ الربا خفّ عنه اكتساب المعيشة، فإذا فشا في الناس أفضى إلى انقطاع منافع الخلق لأنّ مصلحة العالم لا تنتظم إلاّ بالتجارة والصناعة والعمارة.

الثالث أنّه يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس بالقرض.

الرابع أنّ الغالب في المقرِض أن يكون غنياً، وفي المستقرض أن يكون فقيراً، فلو أبيح الربا لتمكّن الغني من أخذ مال الضعيف.

وقد أشرنا فيما مرّ في الفرق بين الربا والبيع إلى علة تحريمه وسنبسط ذلك عند قوله تعالى: ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ﴾ من سورة آل عمران (130).

هذا وقد تعرّضت الآية إلى حكم هو تحليل البيع وتحريم الربا؛ لأنّها من قول الله تعالى لإعلان هذا التشريع بعد تقديم الموعظة بين يديه.

و (أل) في كل من البيع والربا لتعريف الجنس، فثبت بها حكم أصلين عظيمين في معاملات الناس محتاج إليهما فيها: أحدهما يسمّى بيعاً والآخر يسمّى ربا.

أولهما مباح معتبر كونه حاجياً للأمة، وثانيهما محرّم ألغيت حاجيته لما عارضها من المفسدة.

وظاهر تعريف الجنس أنّ الله أحل البيع بجنسه فيشمل التحليلُ سائر أفراده، وأنّه حرم الربا بجنسه كذلك.

ولما كان معنى أحل الله البيع} أذِنَ فيه كان في قوة قضية موجَبة، فلم يقتض استغراق الجنس بالصيغة، ولم تقم قرينة على قصد الاستغراق قيامَها في نحو الحمدُ لله، فبقي محتملاً شمول الحِلّ لسائر أفراد البيع.

ولما كان البيع قد تعتريه أسباب توجب فساده وحرمته تتبّعت الشريعة أسباب تحريمه، فتعطّل احتمال الاستغراق في شأنه في هذه الآية.

أما معنى قوله: ﴿ وحرم الربوا ﴾ فهو في حكم المنفي لأنّ حرم في معنى منع، فكان مقتضياً استغراق جنس الربا بالصيغة؛ إذ لا يطرأ عليه ما يصيّره حلالاً.

ثم اختلف علماء الإسلام في أنّ لفظ الربا في الآية باق على معناه المعروف في اللغة، أو هو منقول إلى معنى جديد في اصطلاح الشرع.

فذَهَب ابن عباس وابن عمر ومعاوية إلى أنّه باق على معناه المعروف وهو ربا الجاهلية، أعني الزيادة لأجل التأخير، وتمسك ابن عباس بحديث أسامة " إنّما الربا في النسيئة " ولم يأخذ بما ورد في إثبات ربا الفضل بدون نسيئة، قال الفخر: «ولعلّه لا يرى تخصيص القرآن بخبر الآحاد»، يعني أنّه حمل ﴿ أحل الله البيع ﴾ على عمومه.

وأما جمهور العلماء فذهبوا إلى أنّ الربا منقول في عرف الشرع إلى معنى جديد كما دلّت عليه أحاديث كثيرة، وإلى هذا نحا عمر بن الخطاب وعائشة وأبو سعيد الخدري وعبادة بن الصامت بل رأى عمر أنّ لفظ الربا نقل إلى معنى جديد ولم يبيَّن جميعُ المراد منه فكأنّه عنده ممّا يشبه المجمل، فقد حَكى عنه ابن رشد في المقدمات أنّه قال: «كان من أخر ما أنزل الله على رسوله آية الربا فتوفي رسول الله ولم يفسرها، وإنّكم تزعمون أنّا نعلم أبواب الربا، ولأنْ أكون أعلَمُها أحبُ إليّ من أن يكون لي مثل مصر وكورها» قال ابن رشد: ولم يرُد عمر بذلك أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفسر آية الربا، وإنّما أراد والله أعلم أنّه لم يعمّ وجوه الربا بالنص عليها.

وقال ابن العربي: بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى الربا في ستة وخمسين حديثاً.

والوجهُ عندي أن ليس مراد عمر أنّ لفظ الربا مجمل لأنّه قابله بالبيان وبالتفسير، بل أراد أنّ تحقيق حكمه في صور البيوع الكثيرة خفي لم يَعمَّه النبي صلى الله عليه وسلم بالتنصيص؛ لأنّ المتقدمين لا يتوخّون في عباراتهم ما يساوي المعاني الاصطلاحية، فهؤلاء الحنفية سمّوا المخصّصات بيانَ تغيير.

وذكر ابن العربي في العواصم أنّ أهل الحديث يتوسّعون في معنى البيان.

وفي تفسير الفخر عن الشافعي أنّ قوله تعالى: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربوا ﴾ من المجملات التي لا يجوز التمسك بها، أي بعمومَيْها: عموم البيععِ وعموممِ الربا؛ لأنّه إن كان المراد جنس البيع وجنس الزيادة لزم بيان أيّ بيع وأيّ زيادة، وإن كان المراد كل بيع وكل زيادة فما من بيع إلاّ وفيه زيادة، فأول الآية أباح جميع البيوع وآخرها حرم الجميع، فوجب الرجوع إلى بيان الرسول عليه السلام.

والذي حمل الجمهورَ على اعتبار لفظ الربا مستعملاً في معنى جديد أحاديثُ وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل دلت على تفسير الربا بما هو أعم من ربا الجاهلية المعروف عندهم قبل الإسلام، وأصولها ستة أحاديث: الحديث الأول حديث أبي سعيد الخِدْري: «الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة والبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتَّمر بالتمر والمِلح بالمِلح مِثْلاً بِمثْللٍ يداً بيد، فمن زاد وازداد فقد أربى، الآخِذ والمعطي في ذلك سواء».

الثاني حديث عبادة بن الصامت: «الذهبُ بالذهب تِبْرُها وعَيْنُها والفضّة بالفضّة تِبْرها وعَينها والبُرّ بالبُرّ مُدّاً بمدّ وَالشعير بالشعير مُداً بمد والتمر بالتمر مُداً بمد والمِلْح بالملح مداً بمد، فمن زاد واستزاد فقد أربى، ولا بأس ببيع الذهب بالفضّة والفضّة بالذهب أكثرهما يداً بيد، وأما النسيئة فلا» رواه أبو داود، فسمّاه في هذين الحديثين ربا.

الثالث حديث أبي سعيد: أنّ بلالاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر بَرْنِيَ، فقال له: من أين هذا فقال بلال: تَمر كان عندنا رديء فبعتُ منه صاعين بصاع لطَعم النبي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أوّهْ عين الربا، لا تفعل، ولكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ثم اشتر من هذا» فسمّى التفاضل ربا.

الرابع حديث «الموطأ» و«البخاري» عن ابن سعيد وأبي هريرة أنّ سواد بن غَزِيَّةِ جاء في خيبر بتمر جَنِيب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " أكُلُّ تمرِ خيبرَ هكذا " فقال: «يا رسول الله إنّا لنأخُذُ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة» فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تَفْعَلْ، بع الجمعْ بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنِيبا ".

الخامس حديث عائشة في «صحيح البخاري»: قالت " لما نزلت الآيات من آخر البقرة في الربا قرأها النبي ثم حَرّم التجارة في الخمر " فظاهره أنّ تحريم التجارة في الخمر كان عملاً بآية النهي عن الربا وليس في تجارة الخمر معنى من معنى الربا المعروف عندهم وإنّما هو بيع فاسد.

السادس حديث الدارقطني ورواه ابن وهب عن مالك أنّ العالية بنت أيْنَع وفدت إلى المدينة من الكوفة، فلقيت عائشة فأخبرتْها أنّها باعت من زيد بن أرقم في الكوفة جارية بثمانمائة درهم إلى العطاء، ثم إنّ زيداً باع الجارية فاشترتها العالية منه بستمائة نقداً، فقالت لها عائشة: «بئسما شَرَيْتتِ وما اشتريتتِ، أبْلِغِي زيداً أنّه قد أبطل جِهاده مع رسول الله إلاّ أن يتوب»، قالت: فقلت لها: «أرأيتتِ إن لم آخذ إلاّ رأس مالي» قالت: «فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف» فجعلته عائشة من الربا ولذلك تلت الآية.

فلأجل هذه الأحاديث الستة أثبت الفقهاء ثلاثة أنواع للربا في اصطلاح الشرع: الأول ربا الجاهلية وهو زيادة على الدين لأجل التأخير.

الثاني ربا الفضل وهو زيادة في أحد العوضين في بيع الصنف بصنفه من الأصناف المذكورة في حديث أبي سعيد وعُبادة بن الصامت.

الثالث ربا النسيئة وهو بيع شيء من تلك الأصناف بمثله مؤخّراً.

وزاد المالكية نوعاً رابعاً: وهو ما يؤول إلى واحد من الأصناف بتهمة التحيّل على الربا، وترجمُه في المدوّنة ببيوع الآجال، ودليل مالك فيه حديث العالية.

ومن العلماء من زعم أنّ لفظ الربا يشمل كل بيع فاسد أخذا من حديث في تحريم تجارة الخمر، وإليه مال ابن العربي.

وعندي أنّ أظهر المذاهب في هذا مذهب ابن عباس، وأنّ أحاديث ربا الفضل تحمل على حديث أسامة " إنّما الربا في النسيئة " ليجمع بين الحديثين، وتسمية التفاضل بالربا في حديثي أبي سعيد وعُبادة بن الصامت دليل على ما قلناه، وأنّ ما راعاه مالك من إبطال ما يفضي إلى تعامل الربا إن صدر من مواقع التهمة رعي حسن، وما عداه إغراق في الاحتياط، وقد يؤخذ من بعض أقوال مالك في «الموطأ» وغيره أنّ انتفاء التهمة لا يبطل العقد.

ولا متمسّك في نحو حديث عائشة في زيد بن أرقم لأنّ المسلمين في أمرهم الأول كانوا قريبي عهد بربا الجاهلية، فكان حالهم مقتضياً لسدّ الذرائع.

وفي «تفسير القرطبي»: كان معاوية بن أبي سفيان يذهب إلى أنّ النهي عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة متفاضلاً إنّما ورد في الدينار المضروب والدرهم المضروب لا في التبر ولا في المصوغ، فروى مسلم عن عبادة بن الصامت قال: غزونا وعَلى الناس معاوية فغنمنا غنائم كثيرة، فكان فيما غنمنا آنيَة من ذهب، فأمر معاوية رجالاً ببيعها في أعطياتتِ الناس، فتنازع الناس في ذلك، فبلغ ذلك عُبادة بن الصامت فقام فقال: «سمعتُ رسول الله ينهَى عن بيع الذهب بالذهب والفضّة بالفضّة إلاّ سواء بسواء عيْناً بعين، من زاد وازداد فقد أربَى» فبلغ ذلك معاويةَ فقام خطيباً فقال: «ألا ما بال أقوام يتحدّثون عن رسول الله أحاديث قد كنّا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه» فقال عبادة بن الصامت: «لنحدّثن بما سمعنا من رسول الله وإن كَرِه معاوية».

والظاهر أنّ الآية لم يُقصد منها إلاّ ربا الجاهلية، وأنّ ما عداه من المعاملات الباطلة التي فيها أكل مال بالباطل مُندرجة في أدلة أخرى.

وقوله: ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ﴾ الآية تفريع على الوعيد في قوله: ﴿ الذين يأكلون الربوا ﴾ .

والمجيء بمعنى العلم والبلاغ، أي من علم هذا الوعيد، وهذا عذر لمن استرسل على معاملة الربا قبل بلوغ التحريم إليه، فالمراد بالموعظة هذه الآية وآية آل عمران.

والانتهاء مطاوع نهاه إذا صدّه عمّا لا يليق، وكأنّه مشتق من النُّهَى بضم النون وهو العقل.

ومعنى «فله ما سلف»، أي ما سلف قبْضُه من مال الربا لا ما سلف عقده ولم يُقبض، بقرينة قوله الآتي ﴿ وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم ﴾ [البقرة: 279].

وقوله: ﴿ وأمره إلى الله ﴾ فرَضَوا فيه احتمالات يرجع بعضها إلى رجوع الضمير إلى «من جاءه» وبعضها إلى رجوعه إلى ما سلف، والأظهر أنّه راجع إلى من جاءه لأنّه المقصود، وأنّ معنى ﴿ وأمره إلى الله ﴾ أنّ أمر جزائه على الانتهاء موكول إلى الله تعالى، وهذا من الإيهام المقصود منه التفخيم.

فالمقصود الوعد بقرينة مقابلته بالوعيد في قوله: ﴿ ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ .

وجُعل العائد خالداً في النار إما لأنّ المراد العود إلى قوله: ﴿ إنما البيع مثل الربوا ﴾ ، أي عاد إلى استحلال الربا وذلك نِفاق؛ فإنّ كثيراً منهم قد شقّ عليهم ترك التعامل بالربا، فعلم الله منهم ذلك وجعَل عدم إقلاعهم عنه أمارة على كذب إيمانهم، فالخلود على حقيقته.

وإما لأنّ المراد العود إلى المعاملة بالربا، وهو الظاهر من مقابلته بقوله: ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ﴾ والخلود طول المكث كقول لبيد: فوقفْتُ أسألُها وكيفَ سؤالُنا *** صُمّاً خَوَالِدَ ما يَبِين كلامُها ومنه: خلَّد الله مُلك فلان.

وتمسك بظاهر هاته الآية ونحوها الخوارج القائلون بتكفير مرتكب الكبيرة كما تمسكوا بنظائرها.

وغفلوا عن تغليظ وعيد الله تعالى في وقت نزول القرآن؛ إذ الناس يومئذ قريبٌ عهدهم بكفر.

ولا بد من الجمع بين أدلّة الكتاب والسنة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا ﴾ يَعْنِي يَأْخُذُونَ الرِّبا فَعَبَّرَ عَنِ الأخْذِ بِالأكْلِ لِأنَّ الأخْذَ إنَّما يُرادُ لِلْأكْلِ، والرِّبا: هو الزِّيادَةُ مِن قَوْلِهِمْ: رَبا السَّوِيقُ يَرْبُو إذا زادَ، وهو الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الدَّيْنِ لِمَكانِ الأجَلِ.

﴿ لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ ﴾ يَعْنِي مِن قُبُورِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: كالسَّكْرانِ مِنَ الخَمْرِ يُقَطَّعُ ظَهْرًا لِبَطْنٍ، ونُسِبَ إلى الشَّيْطانِ لِأنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ في سُكْرِهِ.

والثّانِي: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والحَسَنُ: لا يَقُومُونَ يَوْمَ القِيامَةِ مِن قُبُورِهِمْ إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ، يَعْنِي الَّذِي يَخْنُقُهُ الشَّيْطانُ في الدُّنْيا مِنَ المَسِّ، يَعْنِي الجُنُونَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ في القِيامَةِ عَلامَةً لِأكْلِ الرِّبا في الدُّنْيا.

واخْتَلَفُوا في مَسِّ الجُنُونِ، هَلْ هو بِفِعْلِ الشَّيْطانِ؟

فَقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا مِن فِعْلِ اللَّهِ بِما يُحْدِثُهُ مِن غَلَبَةِ السَّوْداءِ فَيَصْرَعُهُ، يُنْسَبُ إلى الشَّيْطانِ مَجازًا تَشْبِيهًا بِما يَفْعَلُهُ مِن إغْوائِهِ الَّذِي يَصْرَعُهُ.

وَقالَ آخَرُونَ: بَلْ هو مِن فِعْلِ الشَّيْطانِ بِتَمْكِينِ اللَّهِ لَهُ مِن ذَلِكَ في بَعْضِ النّاسِ دُونَ بَعْضٍ، لِأنَّهُ ظاهِرُ القُرْآنِ ولَيْسَ في العَقْلِ ما يَمْنَعُهُ.

﴿ ذَلِكَ بِأنَّهم قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ﴾ قِيلَ: إنَّهُ يَعْنِي ثَقِيفًا لِأنَّهم كانُوا أكْثَرَ العَرَبِ رِبًا، فَلَمّا نُهُوا عَنْهُ قالُوا: كَيْفَ نُنْهى عَنِ الرِّبا وهو مِثْلُ البَيْعِ فَحَكى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ عَنْهم، ثُمَّ أبْطَلَ ما ذَكَرُوهُ مِنَ التَّشْبِيهِ بِالبَيْعِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا ﴾ ولِلشّافِعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مِنَ العامِّ الَّذِي يَجْرِي عَلى عُمُومِهِ في إباحَةِ كُلِّ بَيْعٍ وتَحْرِيمِ كُلِّ رِبًا إلّا ما خَصَّهُما دَلِيلٌ مِن تَحْرِيمِ بَعْضِ البَيْعِ وإحْلالِ بَعْضِ الرِّبا، فَعَلى هَذا اخْتُلِفَ في قَوْلِهِ، هَلْ هو مِنَ العُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ، أوْ مِنَ العُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ وإنْ دَخَلَهُ دَلِيلُ التَّخْصِيصِ.

والثّانِي: أنَّهُ عُمُومٌ أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ.

وَفِي الفَرْقِ بَيْنَهُما وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ العُمُومَ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ: أنْ يَكُونَ الباقِي مِنَ العُمُومِ مِن بَعْدِ التَّخْصِيصِ أكْثَرَ مِنَ المَخْصُوصِ، والعُمُومُ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ أنْ يَكُونَ الباقِي مِنهُ بَعْدَ التَّخْصِيصِ أقَلَّ مِنَ المَخْصُوصِ.

والفَرْقُ الثّانِي: أنَّ البَيانَ فِيما أُرِيدَ بِهِ الخُصُوصُ مُتَقَدِّمٌ عَلى اللَّفْظِ، وأنَّ ما أُرِيدَ بِهِ العُمُومُ مُتَأخِّرٌ عَنِ اللَّفْظِ ومُقْتَرِنٌ بِهِ، [هَذا] أحَدُ أقاوِيلِهِ: والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ المُجْمَلُ الَّذِي لا يُمْكِنُ [أنْ] يُسْتَعْمَلَ في إحْلالِ بَيْعٍ أوْ تَحْرِيمِهِ إلّا أنْ يَقْتَرِنَ بِهِ بَيانٌ مِن سُنَّةِ الرَّسُولِ، وإنْ دَلَّ عَلى إباحَةِ البُيُوعِ في الجُمْلَةِ دُونَ التَّفْصِيلِ.

وَهَذا فَرْقُ ما بَيْنَ العُمُومِ والمُجْمَلِ، أنَّ العُمُومَ يَدُلُّ عَلى إباحَةِ البُيُوعِ في الجُمْلَةِ ولا يَدُلُّ عَلى إباحَتِها في التَّفْصِيلِ حَتّى يَقْتَرِنَ بِهِ بَيانٌ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ أنَّها مُجْمَلَةٌ اخْتُلِفَ في إجْمالِها، هَلْ هو لِتَعارُضٍ فِيها أوْ لِمُعارَضَةِ غَيْرِها لَها عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا تَعارَضَ ما في الآيَةِ مِن إحْلالِ البَيْعِ وتَحْرِيمِ الرِّبا وهو بَيْعٌ صارَتْ بِهَذا التَّعارُضِ مُجْمَلَةً وكانَ إجْمالُها مِنها.

والثّانِي: أنَّ إجْمالَها بِغَيْرِها لِأنَّ السُّنَّةَ مَنَعَتْ مِن بُيُوعٍ وأجازَتْ بُيُوعًا فَصارَتْ بِالسُّنَّةِ مُجْمَلَةً.

وَإذا صَحَّ إجْمالُها فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ: هَلْ هو إجْمالٌ في المَعْنى دُونَ اللَّفْظِ، لِأنَّ لَفْظَ البَيْعِ مَعْلُومٌ في اللُّغَةِ وإنَّما الشَّرْعُ أجْمَلَ المَعْنى والحُكْمَ حِينَ أحَلَّ بَيْعًا وحَرَّمَ بَيْعًا.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ الإجْمالَ في لَفْظِها ومَعْناها، لِأنَّهُ لَمّا عَدَلَ بِالبَيْعِ عَنْ إطْلاقِهِ عَلى ما اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ في الشَّرْعِ فاللَّفْظُ والمَعْنى مُحْتَمَلانِ مَعًا، فَهَذا شَرْحُ القَوْلِ الثّانِي.

والقَوْلُ الثّالِثُ: أنَّها داخِلَةٌ في العُمُومِ والمُجْمَلِ، فَيَكُونُ عُمُومًا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، ومُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ، لِاحْتِمالِ عُمُومِها في اللَّفْظِ وإجْمالِها في المَعْنى، فَيَكُونُ اللَّفْظُ عُمُومًا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، والمَعْنى مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.

والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ عُمُومَها في أوَّلِ الآيَةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا ﴾ ، وإجْمالَها في آخِرِها مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبا ﴾ ، فَيَكُونُ أوَّلُها عامًّا دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ، وآخِرُها مُجْمَلًا لَحِقَهُ التَّفْسِيرُ.

والوَجْهُ الثّالِثُ: أنَّ اللَّفْظَ كانَ مُجْمَلًا، فَلَمّا بَيَّنَهُ الرَّسُولُ صارَ عامًّا، فَيَكُونُ داخِلًا في المُجْمَلِ قَبْلَ البَيانِ، في العُمُومِ بَعْدَ البَيانِ.

ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى ﴾ في المَوْعِظَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: التَّحْرِيمُ.

والثّانِي: الوَعِيدُ.

﴿ فَلَهُ ما سَلَفَ ﴾ قالَهُ السُّدِّيُّ: يَعْنِي ما أكَلَ مِنَ الرِّبا لا يَلْزَمُهُ رَدُّهُ.

﴿ وَأمْرُهُ إلى اللَّهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في المُحاسَبَةِ والجَزاءِ.

والثّانِي: في العَفْوِ والعُقُوبَةِ.

وَقِيلَ فِيهِ وجْهٌ ثالِثٌ: في العِصْمَةِ والتَّوْفِيقِ.

وَقِيلَ فِيهِ وجْهٌ رابِعٌ: فَأمْرُهُ إلى اللَّهِ والمُسْتَقِلُّ في تَثْبِيتِهِ عَلى التَّحْرِيمِ أوِ انْتِقالِهِ إلى الِاسْتِباحَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج أبو يعلى من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله: ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ قال: يعرفون يوم القيامة بذلك، لا يستطيعون القيام إلا كما يقوم المتخبط المنخنق، ﴿ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ﴾ وكذبوا على الله ﴿ و أحل الله البيع وحرم الربا ﴾ ومن عاد لأكل الربا ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ وفي قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا...

﴾ [ البقرة: 278] الآية.

قال: بلغنا أن هذه الآية نزلت في بني عمرو بن عوف من ثقيف، وبني المغيرة من بني مخزوم، كان بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة ووضع يومئذ الربا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن لهم رباهم وما كان عليهم من ربا فهو موضوع، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر صحيفتهم أن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين، أن لا يأكلوا الربا ولا يؤكلوه.

فأتى بنو عمرو بن عمير ببني المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا ووضع عن الناس غيرنا.

فقال بنو عمرو بن عمير: صولحنا على أن لنا ربانا.

فكتب عتاب بن أسيد ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ﴾ [ البقرة: 279] .

وأخرج الأصبهاني في ترغيبه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «يأتي آكل الربا يوم القيامة مختبلاً يجر شقيه، ثم قرأ ﴿ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ » .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً يخنق.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر من وجه آخر عن ابن عباس ﴿ لا يقومون...

﴾ الآية.

قال: ذلك حين يبعث من قبره.

وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس قال: «خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الربا وعظم شأنه، فقال: إن الرجل يصيب درهماً من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا والبيهقي في شعب الإِيمان عن عبد الله بن سلام قال: الربا اثنتان وسبعون حوبا، أصغرها حوباً كمن أتى أمه في الإِسلام، ودرهم في الربا أشد من بضع وثلاثين زنية.

قال: ويؤذن للناس يوم القيامة البر والفاجر في القيام إلا أكله الربا، فانهم لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس.

وأخرج البيهقي عن عبد الله بن سلام قال: الربا سبعون حوباً، أدناها فجرة مثل أن يضطجع الرجل مع أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه المسلم بغير حق.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبيهقي عن كعب قال: لإِن أزني ثلاثة وثلاثين زنية أحب إليّ من أن آكل درهماً ربا يعلم الله أني أكلته ربا.

وأخرج الطبراني في الأوسط والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «درهم ربا أشد على الله من ستة وثلاثين زنية.

وقال: من نبت لحمه من السحت فالنار أولى به» وأخرج الحاكم وصححه البيهقي عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» .

وأخرج الحاكم والبيهقي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الربا سبعون باباً، أدناها مثل ما يقع الرجل على أمه، وأربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغيبة والبيهقي عن أنس قال: «خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر الربا وعظم شأنه فقال: إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى عرض الرجل المسلم» .

وأخرج الطبراني عن عوف بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياك والذنوب التي لا تغفر.

الغلول، فمن غل شيئاً أتى به يوم القيامة، وأكل الربا، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنوناً يتخبط، ثم قرأ ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ » .

وأخرج أبو عبيد وابن أبي حاتم عن ابن مسعود، أنه كان يقرأ ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ يوم القيامة.

واخرج ابن جرير عن الربيع في الآية قال: يبعثون يوم القيامة وبهم خبل من الشيطان، وهي في بعض القراءة لا يقومون يوم القيامة.

وأخرج عبد الرزاق وأحمد والبخاري ومسلم وابن المنذر عن عائشة قالت «لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقرأهن على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر» .

وأخرج الخطيب في تاريخه عن عائشة قالت: «لما نزلت سورة البقرة نزل فيها تحريم الخمر، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك» .

وأخرج أبو داود والحاكم وصححه عن جابر قال: لما نزلت ﴿ الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لم يترك المخابرة فليؤذن بحرب من الله ورسوله» .

وأخرج أحمد وابن ماجة وابن الضريس وابن جرير وابن المنذر عن عمر أنه قال: من آخر ما أنزل آية الربا، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يفسرها لنا، فدعوا الربا والريبة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه خطب فقال: إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا والريبة.

وأخرج ابن جرير وابن مردويه عن عمر بن الخطاب أنه خطب فقال: إن من آخر القرآن نزولاً آية الربا، وإنه قد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يبينه لنا، فدعوا ما يريبكم إلى ما لا يريبكم.

وأخرج البخاري وأبو عبيد وابن جرير والبيهقي في الدلائل من طريق الشعبي عن ابن عباس قال: آخر آية أنزلها الله على رسوله آية الربا.

وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق سعيد بن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: آخر ما أنزل الله آية الربا.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في الربا الذي نهى الله عنه قال: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدين، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني فيؤخر عنه.

وأخرج ابن جرير عن قتادة.

أن ربا أهل الجاهلية يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاده وأخر عنه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ يعني استحلالاً لأكله ﴿ لا يقومون ﴾ يعني يوم القيامة، ذلك يعني الذي نزل بهم بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا، كان الرجل إذا حل ماله على صاحبه يقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وازيدك على مالك، فإذا فعل ذلك قيل لهم هذا رباً.

قالوا: سواء علينا إن زدنا في أول البيع أو عند محل المال فهما سواء، فاكذبهم الله فقال: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ يعني البيان الذي في القرآن في تحريم الربا ﴿ فانتهى عنه فله ما سلف ﴾ يعني فله ما كان أكل من الربا قبل التحريم ﴿ وأمره إلى الله ﴾ يعني بعد التحريم وبعد تركه، إن شاء عصمه منه وإن شاء لم يفعل ﴿ ومن عاد ﴾ يعني في الربا بعد التحريم فاستحله لقولهم إنما البيع مثل الربا ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ يعني لا يموتون.

وأخرج أحمد والبزار عن رافع بن خديج قال: «قيل يا رسول الله أي الكسب أطيب؟

قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور» .

وأخرج مسلم والبيهقي عن أبي سعيد قال: «أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فقال: ما هذا من تمرنا.

فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا صاعين بصاع من هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذلك الربا، ردوه ثم بيعوه تمرنا ثم اشتروا لنا من هذا» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن عائشة.

أن امرأة قالت لها: إني بعت زيد بن أرقم عبداً إلى العطاء بثمانمائة، فاحتاج إلى ثمنه فاشتريته قبل محل الأجل بستمائة، فقالت: بئسما شريت وبئسما اشتريت، أبلغي زيداً أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لم يتب.

قلت: أفرأيت إن تركت المائتين وأخذت الستمائة؟

فقالت: نعم، ﴿ من جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف ﴾ .

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد أنه سئل لم حرم الله الربا؟

قال: لئلا يتمانع الناس المعروف.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا ﴾ يريد: الذين يعاملون به، وخص الأكل لأنه معظم الأمر كما قال: ﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى  ﴾ وكما لا يجوز أكل مال اليتيم لا يجوز إتلافه، لكنه (١) (٢) والربا في اللغة: الزيادة، يقال: رَبَا الشيءُ يَرْبُو رَبْوًا، ومنه قوله: ﴿ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ  ﴾ أي: زادت، وأرْبى الرجل، إذا عامل في الربا، ومنه الحديث: "من أجْبَى فقد أربى" (٣) (٤) فأما في الشرع: فهو اسم للزيادة على أصل المال من غير بيع (٥) وما يجري فيه الربا مما لا يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلًا لا يمكن ذكره هاهنا، يطول الكلام فيه (٦) وقوله تعالى: ﴿ يَقُومُونَ ﴾ يعني: يوم القيامة من قبورهم (٧) ﴿ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ ﴾ والتَّخَبُّطُ: معناه: الضَّرْبُ على غير استواءِ، وخَبَطَ البَعِيرُ الأرضَ بأخفافه، ويقال للرجل الذي يتصرف في أمر ولا يهتدي فيه: تَخَبَّطَ خَبْطَ عشْواءٍ، قال زهير: رأيتُ المَنَايا خَبْطَ عَشْوَاءَ من تُصِبْ ...

تُمِتْهُ وَمَنْ تخطئ يُعمّر فيهرَمِ (٨) وتخبّطه الشيطان: إذا مسّه بخبْلٍ أو جنونٍ؛ لأنه كالضرب على غير استواءٍ في الإدهاش، ويسمى إصابة الشيطان بالجنون والخبل: خَبْطَةٌ، ويقالُ: به خَبْطة من جنون (٩) والمَسُّ: الجنونُ، يقال: مُسَّ الرجلُ فهو مَمْسُوس، وبه مَسٌّ وأَلْسٌ، أنشد ابن الأنباري: أُعلّلُ نَفْسِي بما لا يكونُ ...

كذِي المَسِّ جُنّ ولم يخنق (١٠) وأصله: من المَسِّ باليد، كأن الشيطان يَمَسُّ الإنسانَ فيُجِنُّه، ثم سُمِّىِ الجنونُ مسًّا، كما أن الشيطان يتخبطه ويَطَؤُهُ برجْلِه فيخبّله، فسمي الجنونُ خَبْطَةً، فالتخبط بالرِّجل، والمَسّ باليد (١١) فأما التفسير: فقال قتادة: إن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونًا، وذلك عَلَم لأكلة الربا يعرفهم به أهل الموقف، يُعْلَم أنهم أكلة الربا في الدنيا، يبعثون وبهم خبْلٌ من الشيطان (١٢) (١٣) وقال ابن قتيبة: يريد: أنه إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين، لقوله: ﴿ يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا  ﴾ إلا أكلةُ الرِّبا، فإنهم يقومون فيسقطون، كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان ويسقط؛ لأنهم أكلوا الرِّبَا في الدنيا فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فهم ينهضون ويسقطون، ويريدون الإسراع فلا يقدرون (١٤) (١٥)  انطلق به جبريل إلى رجال كثيرٍ، كلُّ رجلٍ منهم بطنُهُ مثلُ البيتِ الضَّخْم، يقومُ أحدُهم فيميل به بطنه فيصرع (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ﴾ أي: ذلك الذي نزل بهم بقولهم هذا، واستحلالهم إياه، وذلك لأن المشركين قالوا: الزيادة على رأس المال بعد محل الدين كالزيادة بالربح في أول البيع.

وكان أحدهم إذا حلَّ له مال على إنسان قال لغريمه: زدني في المال حتى أزيدك في الأجل.

فكذبهم الله سبحانه فقال: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ (١٨) قال أصحابنا: هذه الآية مجملة، والمجمل: ما لا يعرف المراد من ظاهره إلا بقرينة تقترن به، كقوله: ﴿ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ  ﴾ أوجبَ الإِيتَاءَ، وليس يعرف من هذه الآية أن الحق الذي يجب إيتاؤه كم هو، وإنما يعرف ذلك بدليل آخر، كذلك قوله: ﴿ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ﴾ اقتضى أن يكون كلّ بيع حلالًا.

وقوله تعالى: ﴿ وَحَرَّمَ الرِّبَا ﴾ اقتضى أن يكون كلُّ بيع حَرامًا، لأن الربا هو الزيادة، ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، فأول الآية إباح جميع البيوع، وآخرها حرم الجميع، فلا يعرف الحلال من الحرام بهذه الآية، ولكن يعرف ذلك ببيان رسول الله  .

وقوله تعالى: ﴿ فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ ﴾ أي وَعْظٌ، ولذلك جاز تذكير (جاءه) (١٩) قال السدي: الموعظة: القرآن (٢٠) ﴿ فَانْتَهَى ﴾ عن أكل الربا ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ قال الزجاج: أي: قد صُفح له عما سلف (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) ومعنى سلف، أي: تقدم ومضى، والسُّلُوف: التقدُّم، وكل شيء قدمته أمامك فهو سَلَفُكَ، ومنه: الأمم السَّالِفَة، والسَّالِفَةُ: العنق؛ لتقَدُّمِه في جهة العلوّ، والسُّلفة ما تَقَدَّم قبل الطعام، وسُلاَفَةُ الخَمْرِ: صَفْوُها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ قال أبو إسحاق: أي: الله وليه (٢٧) وقيل: وأمره إلى الله بعد النهي، إن شاء عصمه حتى ثبت على الانتهاء، وإن شاء خذله حتى يعود (٢٨) ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ أي: إلى استحلال الربا (٢٩) ﴿ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ قال أبو إسحاق: وهؤلاء قالوا: إنما البيع مثل الربا، ومن اعتقد هذا فهو كافر (٣٠) (١) في (ي) ولكنه.

(٢) ينظر: "تفسير الطبري" 3/ 103، "تفسير الثعلبي" 2/ 1705، "تفسير السمعاني" 2/ 452.

(٣) رواه الطبراني في "الكبير" 20/ 336 برقم 795، 22/ 48 برقم 117، وفي "المعجم الصغير" 2/ 284 برقم 1176، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني" 5/ 173 برقم 2708، والحارث بن أبي أسامة في "مسنده" 1/ 388 برقم 292، والبيهقي في "شعب الإيمان" 2/ 159 برقم 1433، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 75، 9/ 374 وقال: فيه بقية ولكنه مدلس وهو ثقة.

قال في "النهاية" 1/ 237: في كتاب: وائل بن حجر ومن أجبا فقد أربى الإجباء: بيع الزرع قبل أن يبدو صلاحه، وقيل: هو أن يغيب إبله عن المصَدِّق من أجبأته إذا واريته.

والأصل في هذه اللفظة الهمز، ولكنه هكذا روي غير مهموز، فإما أن يكون تحريفًا من الراوي، أو يكون ترك الهمز للازدواج بأربى.

وقيل: أراد بالإجباء العينة، وهو أن يبيع من رجل سلعة بثمن معلوم إلى أجل مسمى، ثم يشتريها منه بالنقد بأقل من الثمن الذي باعها به.

(٤) ينظر: في الربا: "تهذيب اللغة" 2/ 1334 - 1335، "المفردات" ص193، "اللسان" 3/ 1572 - 1574.

(٥) ينظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 241 - 242، "تفسير القرطبي" 3/ 348.

(٦) ينظر: "الأم" 3/ 15 - 31، و"اختلاف الفقهاء" للمروزي ص 246، و"المجموع" 9/ 401، و"أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 241 - 242، و"تفسير القرطبي" 3/ 348 وما بعدها.

(٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1709.

(٨) البيت في "ديوان زهير" ص 29،.

"تهذيب اللغة" 11/ 979 "الوسيط" للواحدي 1/ 394.

وقوله: بْطَ عشواء، وهي الناقة التي في بصرها ضعف تخبِط إذا مشت لا تتوقى شيئًا.

فهو يقول: رأيت المنايا تخبط الخلق خَبْطَ العشواء من الإبل، وهي التي لا تبصر، فهي تخبطُ الكل لا تبقي على أحد فممّن خبطته المنايا من تميته، ومنهم من تُعِلّه فيبرأ، والهرمُ غايته ثم الموت.

ينظر "اللسان" 2/ 1093.

(٩) ينظر في خبط: "تهذيب اللغة" 1/ 978 - 979، "معجم مقاييس اللغة" 2/ 241، "المفردات" 148، "اللسان" 2/ 1093 - 1095.

(١٠) جاء في: "البيان والتبيين" 1/ 388 بيتًا شبيهًا بهذا وهو: أعلل نفسي بما لا يكون ...

كما يفعل المائق الأحمق.

(١١) ينظر في المس: "تفسير غريب القرآن" ص 87 - 88، "تفسير الطبري" 3/ 103،== "تهذيب اللغة" 4/ 3394 - 3395، "المفردات" ص 470، "اللسان" 7/ 4201 - 4202، قال الراغب: المس كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء وإن لم يوجد كما قال الشاعر: وألمسه فلا أجده.

والمس يقال فيما يكون معه إدراك بحاسة اللمس، واللمس يقال في كل ما ينال الإنسان من أذى: (١٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 110، والطبري في "تفسيره" 3/ 102، وذكره ابن أبى حاتم في "تفسيره" 2/ 544.

(١٣) "معاني القرآن" 1/ 358.

(١٤) ذكره ابن الجوزي عنه في "زاد المسير" 1/ 330.

(١٥) في (ي) (فأصابه).

(١٦) في (م): (فيهرع).

(١٧) يريد حديث أبي سعيد الخدري رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 25/ 365، ومن طريقه رواه الطبري في "تفسيره" 15/ 11 والبيهقي في "دلائل النبوة" 2/ 390، والأصبهاني في "الترغيب والترهيب" 2/ 185، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1711، وفي إسناده أبو هارون العبدي متروك، وفي الباب: حديث أبي هريرة، رواه ابن ماجه (2273) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، والإمام أحمد 2/ 353، وضعَّف إسناده ابن كثير في "تفسيره" 1/ 350، وقال البوصيري في "مصباح الزجاج" 2/ 23: هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد.

(١٨) ينظر: "تفسير مقاتل" 1/ 145، "تفسير الطبري" 3/ 103، "تفسير ابن أبي حاتم" 2/ 545، "تفسير الثعلبي" 2/ 1714.

(١٩) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 358، "تفسير الثعلبي" 2/ 1715.

(٢٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 104، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 545.

(٢١) "معاني القرآن" 1/ 358.

(٢٢) "تفسير الثعلبي" 2/ 1715.

(٢٣) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 104، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 546.

(٢٤) في (ش): (فلا يكون).

(٢٥) سقطت من (أ) و (م).

(٢٦) ينظر في سلف: "تهذيب اللغة" 2/ 1735، " المفردات" ص 244، "اللسان" 4/ 2068، وذكر الأزهري أن السلف يطلق في المعاملات على معنيين: القرض== والسلم، وله معنيان آخران: أحدهما: ما قدمه العبد من عمل صالح، أو ولد فرط تقدمه فهو سلف، والثاني: من تقدمك من آبائك وذوي قرابتك الذين هم فوقك في السن والفضل.

(٢٧) "معاني القرآن" 1/ 358.

(٢٨) "تفسير الطبري" 3/ 104، "معاني القرآن" للنحاس 1/ 307، وقال.

هذا قول حسن بين، "تفسير الثعلبي" 2/ 1715.

(٢٩) "تفسير الثعلبي" 2/ 1716.

(٣٠) "معاني القرآن" 1/ 359.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الذين يَأْكُلُونَ الرباوا ﴾ أي ينتفعون به، وعبر عن ذلك بالأكل لأنه أغلب المنافع.

وسواء من أعطاه أو من أخذه، والربا في اللغة الزيادة، ثم استعمل في الشريعة في بيوعات ممنوعة أكثرها راجع إلى الزيادة، فإنّ غالب الربا في الجاهلية قولهم للغريم: أتقضي أم تربي، فكان الغريم يزيد في عدد المال، ويصبر الطالب عليه، ثم إن الربا على نوعين: ربا النسيئة، وربا التفاضل وكلاهما يكون في الذهب والفضة، وفي الطعام، فأما النسيئة؛ فتحرم في بيع الذهب بالذهب وبيع الفضة بالفضة وفي بيع الذهب بالفضة، وهو الصرف، وفي الطعام بالطعام مطلقاً، وأما التفاضل: فإنما يحرم في بيع الجنس الواحد بجنسه من النقدين ومن الطعام، ومذهب مالك أنه يحرم التفاضل في المقتات المدخر من الطعام، ومذهب الشافعي أنه يحرم في كل طعام، ومذهب أبي حنيفة أنه يحرم في المكيل والموزون من الطعام وغيره ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الذي يَتَخَبَّطُهُ الشيطان مِنَ المس ﴾ أجمع المفسرون أن المعنى لا يقومون من قبورهم في البعث إلاّ كالمجنون، ويتخبطه يتفعله من قولك: خبط يخبط، والمس الجنون، ومن تتعلق بيقوم ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ ﴾ تعليل للعقاب الذي يصيبهم، وإنما هذا للكفار، لأن قولهم: إنما البيع مثل الربا: ردّ على الشريعة وتكذيب للإثم وقد يأخذ العصاة بحظ من هذا الوعيد، فإن قيل: هلا قيل إنما الربا مثل البيع، لأنهم قاسوا الربا على البيع في الجواز، فالجواب: أن هاذ مبالغة، فإنهم جعلوا الربا أصلاً حتى شبهوا به البيع ﴿ وَأَحَلَّ الله البيع ﴾ عموم يخرج منه البيوع الممنوعة شرعاً، وقد عددناها في الفقه ثمانين نوعاً ﴿ وَحَرَّمَ الرباوا ﴾ ردّ على الكفار وإنكار للتسوية بين البيع والربا، وفي ذلك دليل على أن القياس يهدمه النص، لأنه جعل الدليل على بطلان قياسهم تحليل الله وتحريمه ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ أي له ما أخذ من الربا، أي لا يؤاخذ بما فعل منه قبل نزول التحريم ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى الله ﴾ الضمير عائد على صاحب الربا، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل: الضمير عائد على صاحب الربا، والمعنى أن الله يحكم فيه يوم القيامة، فلا تؤاخذوه في الدنيا، وقيل: الضمير عائد على الربا، والمعنى أن أمر الربا إلى الله في تحريم أو غير ذلك ﴿ وَمَنْ عَادَ ﴾ الآية: يعني من عاد إلى فعل الربا وإلى القول: إنما البيع مثل الربا، ولذلك حكم عليه بالخلود في النار، لأن ذلك القول لا يصدر إلاّ من كافر، فلا حجة فيها لمن قال بتخليد العصاة لكونها في الكفار ﴿ يَمْحَقُ الله الرباوا ﴾ ينقصه ويذهبه ﴿ وَيُرْبِي الصدقات ﴾ ينميها في الدنيا بالبركة، وفي الآخرة بمضاعفة الثواب ﴿ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ أي من يجمع بين الكفر والإثم بفعل الربا، وهذا يدل على أن الآية في الكفار <div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ الربا ﴾ حيث كان بالإمالة: حمزة وعلي وخلف.

وهذا إذا كان معرّفاً ولا يميلون المنكر في الوصل لأجل التنوين كقوله: ﴿ وما آتيتم من ربا  ﴾ ويميلون في الوقف لزوال التنوين ﴿ فأذنوا ﴾ ممدودة مكسورة الذال: حمزة وحماد وأبو بكر غير ابن غالب والبرجمي حمزة يقف بغير همزة أي بالتليين.

الباقون فأذنوا بسكون الهمزة وفتح الذال ﴿ لا تظلمون ولا تظلمون ﴾ الأول مبني للمفعول والثاني للفاعل المفضل.

الباقون بالعكس ﴿ ميسره ﴾ بضم السين: نافع ﴿ ميسرة ﴾ بضم السين وإثبات التاء: زيد عن يعقوب، الباقون بفتح السين وعدم التاء.

﴿ وأن تصدقوا ﴾ خفيفاً بحذف إحدى التاءين: عاصم.

الباقون بتشديد الصاد لإدغام تاء التفعل في الصاد.

﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم: أبو عمرو ويعقوب عباس مخير.

الباقون مبنياً للمفعول.

الوقوف: ﴿ من المس ﴾ ط،/ ﴿ مثل الربا ﴾ م كيلا يظن أن ما بعده من قولهم وإن أمكن جعل ﴿ وأحل ﴾ حالاً بإضمار "قد" ﴿ وحرم الربا ﴾ ط لابتداء الشرط واستئناف المعنى، ﴿ ما سلف ﴾ ط لتناهي الجزاء، ﴿ إلى الله ﴾ ج، ﴿ النار ﴾ ج، ﴿ خالدون ﴾ ه، ﴿ الصدقات ﴾ ط، ﴿ أثيم ﴾ ه ﴿ عند ربهم ﴾ ج، ﴿ يحزنون ﴾ ه، ﴿ مؤمنين ﴾ ه، ﴿ ورسوله ﴾ ج، ﴿ أموالكم ﴾ ج لأن ما بعده مستأنف أو حال عاملة معنىالفعل في لام التمليك، ﴿ ولا تظلمون ﴾ ه، ﴿ ميسرة ﴾ ط، ﴿ تعلمون ﴾ ه، ﴿ لا يظلمون ﴾ ه.

التفسير: الحكم الثاني من الأحكام الشرعية المذكورة في هذا الموضع حكم الربا.وذلك أنَّ بين الصدقة وبين الربا مناسبة التضاد، فإن الصدقة تنقيص مأمور بها، والربا زيادة منهي عنها.

وأيضاً لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب وجب أن يردف بالكسب الحرام وهو الربا، والحلال وهو البيع ما يناسب من الدين والرهن وغيرهما فقال ﴿ الذين يأكلون الربا ﴾ أما الأكل فيعم جميع التصرفات إلا أنه عبر عن الشيء بمعظم مقاصده وكيف لا وقد " لعن رسول الله  آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمحلل له" " وأيضاً نفس الربا لا يمكن أن يؤكل ولكن يصرف إلى المأكول فيؤكل، فالمراد التصرف فيه.

والربا في اللغة الزيادة من ربا يربو، ومن أمالها فلمكان كسرة الراء.

وهو في المصاحف مكتوب بالواو وأنت مخير في كتابتها بالألف والواو.

وفي الكشاف: كتبت بالواو على لغة من يفخم كما كتبت الصلاة والزكاة.

وزيدت الألف بعدها تشبيهاً بواو الجمع.

ثم الربا قسمان: ربا النسيئة وربا الفضل.

أما الأول فهو الذي كانوا يتعارفونه في الجاهلية، كانوا يدفعون المال مدة على أن يأخذوا كل شهر قدراً معيناً، ثم إذا حل الدين طالب المديون برأس المال فإن تعذر عليه الأداء زادوا في الحق والأجل.

وأما ربا الفضل فأن يباع مَنٌّ من الحنطة بمنوين مثلاً.

والمروي عن ابن عباس أنه كان لا يحرم إلا القسم الأول وكان يقول: لا ربا إلا في النسيئة.

ويجوّز ربا النقد فقال له أبو سعيد الخدري: أشهدت ما لم نشهد أسمعت ما لم نسمع؟

فروى له الحديث المشهور في هذا الباب.

وله روايات منها.

" الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل يداً بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطى فيه سواء" ثم قال أبو سعيد: لا أرني وإياك في ظل بيت ما دمت على هذا.

فيروى أنه رجع عنه.

قال محمد بن سيرين: كنا في بيت معنا عكرمة فقال رجل: يا عكرمة، أما تذكر ونحن في بيت فلان ومعنا ابن عباس؟

فقال: إنما كنت/ استحللت الصرف برأيي ثم بلغني أن رسول الله  حرمه فاشهدوا أني قد حرمته وبرئت إلى الله منه.

حجة ابن عباس أن قوله  : ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يتناول بيع الدرهم بالدرهمين نقداً.

وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ لا يتناوله لأن كل زيادة ليست محرمة فوجب أن تبقى على الحل ولا يخرج إلا العقد المخصوص الذي كان يسمى فيما بينهم ربا وهو ربا النسيئة.

وقد تأكد هذا الرأي بما روى أسامة ين زيد أن النبي  قال: " الربا في النسيئة " وفي رواية " لا ربا فيما كان يداً بيد " وذكر أبو المنهال أنه سأل البراء بن عازب وزيد بن أرقم "فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله  فسألنا رسول الله  عن الصرف فقال: إن كان يداً بيد فلا بأس، وإن كان نسيئة فلا يصح" وأما جمهور المجتهدين فقد اتفقوا على حرمة الربا في القسمين.

أما النسيئة فبالقرآن، وأما النقد فبالخبر، ثم إن الخبر دل على حرمة ربا النقد في الأشياء الستة: النقدان والمطعومات الأربعة.

ولا شك أن الربا إنما ثبت فيها لمعنى، فإذا عرف ذلك المعنى ألحق بها ما يشاركها فيه.

أما الأشياء الأربعة فللشافعي في علة الربا فيها قولان: الجديد أن العلة الطعم لما روي عن معمر بن عبد الله قال: كنت أسمع رسول الله  يقول " الطعام بالطعام مثل بمثل " علق الحكم باسمي الطعام، والحكم المعلق بالاسم المشتق معلل بما منه الاشتقاق كالقطع المعلق باسم السارق، والجلد المعلق باسم الزاني.

والقديم أن العلة فيها الطعم مع الكيل أو الوزن لما روي أنه  قال: " "الذهب بالذهب وزناً بوزن والبر بالبر كيلاً بكيل " فعلى هذا يثبت الربا في كل مطعوم مكيل أو موزون دون ما ليس بمكيل ولا موزون كالسفرجل والرمان والبيض والجوز.

وقال مالك: العلة الاقتيات، فكل ما هو قوت أو يستصلح به القوت كالملح يجري فيه الربا.

وعند أبي حنيفة العلة الكيل حتى ثبت الربا في الجص والنورة.

وعن أحمد رواية كأبي حنيفة والأخرى كالجديد.

وأما النقدان فعن بعض الأصحاب أن العلة فيهما لعينهما لا لعلة.

والمشهور أن العلة فيهما صلاحية الثمنية الغالبة فيشمل التبر والمضروب والحلي والأواني المتخذة منها، ولا يتعدى الحكم إلى الفلوس على الأصح وإن راجت رواج الذهب والفضة لانتفاء العلة.

وقال أحمد وأبو حنيفة: العلة فيهما الوزن فيتعدى الحكم إلى كل موزون كالحديد والرصاص.

فهذا ضبط المذاهب وتفاريعها إلى الفقه.

وأما السبب في تحريم الربا/ فهو أن من يبيع الدرهم بالدرهمين نقداً أو نسيئة يحصل له زيادة درهم من غير عوض، وأخذ مال المسلم من غير عوض محرم لقوله  : " "حرمة مال المسلم كحرمة دمه " وإبقاء رأس المال في يده مدة مديدة وتمكينه من أن يتجر فيه وينتفع به أمر موهوم فقد يحصل وقد لا يحصل، وأخذ الدرهم الزائد متيقن وتفويت المتيقن لأجل الموهوم لا يخلو من ضرر.

وقيل: سبب تحريمه أنه يمنع الناس من الاشتغال بالمكاسب، لأن صاحب الدرهم إذا تمكن بواسطة عقد الربا من تحصيل الدرهم الزائد نقداً أو نسيئة أعرض عن وجوه المكاسب فيختل نظام العالم.

وقيل: لما يفضي إلى انقطاع المعروف بين الناس من القرض، ولأنه تمكين للغني من أن يأخذ مالاً زائداً من الفقير.

وقيل: إن حرمة الربا قد ثبتت بالنص ولا يجب أن تكون حكمة كل تكليف معلومة لنا.

﴿ لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ﴾ التخبط الضرب على غير استواء ومنه خبط العشواء وتخبط الشيطان.

قيل: من زعمات العرب يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع فورد على ما كانوا يعتقدون.

والمس الجنون رجل ممسوس أي مسه الجني فاختلط عقله، وكذلك جن الرجل ضربته الجن وهذا أيضا من زعماتهم.

وقيل: من عادة الناس إذا أرادوا تقبيح شيء أن يضيفوه إلى الشيطان كما في قوله  : ﴿ طلعها كأنه رؤوس الشياطين  ﴾ فورد القرآن على ذلك.

وقيل: إن الشيطان يمسه بالوسوسة المؤذية التي يحدث عندها الفزع فيصرع كما يصرع الجبان في الموضع الخالي، ولهذا لا يوجد هذا الخبط في العقلاء وأرباب الحزم واللب.

وأكثر المسلمين على أن الشيطان لا يبعد أن يكون قوياً على الصرع والقتل والإيذاء بتقدير الله  .

وللمفسرين في الآية أقوال: أحدها أن آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنوناً تلك سيماهم يعرفون بها عند أهل الموقف.

وقوله: ﴿ من المس ﴾ يتعلق بـ ﴿ لا يقومون ﴾ أي لا يقومون من المس الذي بهم إلا كما يقوم المصروع.

أو يتعلق بـ ﴿ يقوم ﴾ أي كما يقوم المصروع من جنونه، وقال ابن قتيبة: يريد إذا بعث الناس من قبورهم خرجوا مسرعين إلا أكلة الربا فإنهم ينهضون ويسقطون كالمصروعين لأنهم أكلوا الربا فأرباه الله في بطونهم فأثقلهم.

وقيل: إنه مأخوذ من قوله  : ﴿ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا  ﴾ وذلك أن الشيطان يدعوه إلى الهوى، والملك يجره إلى التقوى، فيقع هناك حركات مضطربة وأفعال مختلفة وهو الخبط، فإذا مات آكل الربا على ذلك أورثه الخبط في الآخرة وأوقعه في ذلك الحجاب بينه وبين الله/ تعالى.

﴿ ذلك ﴾ العقاب بسبب قولهم ﴿ إنما البيع مثل الربا ﴾ وذلك أنه قد بلغ من اعتقادهم في حل الربا أنهم جعلوه أصلاً وقانوناً في الحل حتى شبهوا به البيع وإلا كان حق النظم في الظاهر أن يعكس فيقال: إنما الربا مثل البيع.

لأن الكلام في الربا لا في البيع، ومن حق القياس أن يشبه محل الخلاف بمحل الوفاق، ثم إنهم كانوا يعولون في تحليل الربا على هذه الشبهة وهي أن من اشترى ثوباً بعشرة ثم باعه بأحد عشر نقداً أو نسيئة فهذا حلال، فكذا إذا أعطى العشرة بأحد عشر لا فرق بين الصورتين إذا حصل التراضي من الجانبين، والبياعات إنما شرعت لدفع الحاجات.

ولعل الإنسان يكون صفر اليد في الحال وسيحصل له أموال كثيرة في المآل فإعطاؤه الزيادة عند وجدان المال أسهل عليه من البقاء في الحاجة قبل وجدان المال.

فأجاب الله  عنها بحرف واحد وهو قوله: ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ وحاصلة إنكار التسوية وأن النص لا يعارض بالقياس فإن ذلك من عمل إبليس، أمره الله تعالى بالسجود فعارض النص بالقياس وقال أنا خير منه.

ثم ظاهر الآية يدل على أن الوعيد إنما لحقهم باستحلالهم الربا دون الإقدام على أكله مع اعتقاد التحريم، وعلى هذا التقدير لا يثبت بهذه الآية كون أكل الربا من الكبائر، ويجب تأويل مقدمة الآية بأن المراد من أكلهم الربا استطابته واستحلاله كما يقال: فلان يأكل مال الله قضماً وهضماً.

أي يستحل التصرف فيه إلا أن جمهور المفسرين حملوا الآية على وعيد من يتصرف في مال الربا لا على وعيد من يستحل هذا العقد.

قيل: ويحتمل أن يكون قوله ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ من تمام كلام الكفار على سبيل الاستبعاد.

وأكثر المفسرين على خلافه لأن جعله من كلام الكفار لا يتم إلا بإضمار هو أن يحمل ذلك على الاستفهام بطريق الإنكار، أو على الرواية عن قول المسلمين والإضمار خلاف الأصل.

وأيضاً لو كان من تمام كلامهم فلم يكشف الله  عن فساد شبهتهم، فلم يكن قوله بعد ذلك ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه ﴾ لائقاً بالمقام وأيضاً المسلمون لم يزالوا متمسكين في البيع بهذه الآية، ولولا أنهم علموا أن ذلك كلام الله لا كلام الكفار لم يصح منهم الاستدلال بها.

وههنا بحث للشافعي وهو أن الآية من المجملات التي لا يجوز التمسك بها بناء على أن الاسم المفرد باللام لا يفيد العموم وليس فيه إلا تعريف الماهية فيكفي في العمل به ثبوت صورة واحدة.

ولو سلم إفادة العموم فلا شك أن إفادته مما لو قيل: وأحل الله البياعات: بلفظ الجمع.

ومع ذلك فقد تطرق إليه تخصيصات خارجة عن الحصر والضبط، ومثل هذا العموم لا يليق بكلام الله لأنه قريب من الكذب.

نعم إطلاق اللفظ المستغرق على الأغلب عرف مشهور، وأيضاً روي أن عمر قال: " خرج رسول الله  من الدنيا وما سألناه عن الربا" .

ولو كان هذا اللفظ مفيداً للعموم لم يقل/ ذلك.

وأيضاً قوله ﴿ وأحل الله البيع ﴾ يقتضي أن يكون كل بيع حلالاً، وقوله: ﴿ وحرم الربا ﴾ يقتضي أن يكون كل رباً حراماً.

لأن الربا هو الزيادة ولا بيع إلا ويقصد به الزيادة، وإذا تعارضا وتساقطا ووجب الرجوع إلي بيان النبي  .

﴿ فمن جاءه موعظة ﴾ فمن بلغه وعظ ﴿ من ربه فانتهى ﴾ امتنع من استحلال الربا وتبع النهي ﴿ فله ما سلف ﴾ فلا يؤاخذ بما مضى منه لأنه أخذ قبل نزول التحريم كقوله ﴿ إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف  ﴾ عن الزجاج: والتنوين في ﴿ موعظة ﴾ للتعظيم أو للتقليل أي موعظة بليغة أو شيء من المواعظ.

وقيل: النهي المتأخر كيف يؤثر في الفعل المتقدم حتى يكون ما سلف ذنباً؟

فالمراد له ما أكل من الربا وليس عليه رد ما سلف.

عن السدي: والسلوف التقدم ومنه الأمم السالفة، وسلافة الخمر صفوتها لأنه أول ما يخرج من عصيرها، ﴿ وأمره إلى الله ﴾ لأنه إن انتهى عن أكل الربا كما انتهى عن استحلاله فهو المقر بدين الله العامل بتكليفه فيستحق المدح والثواب، وإن انتهى عن الاستحلال دون الأكل فإن شاء عذبه وإن شاء غفر له لقوله: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء  ﴾ ﴿ ومن عاد ﴾ إلى استحلال الربا وأنه مثل البيع ﴿ فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ﴾ لأنه كفر باستحلال ما هو محرم إجماعاً.

وأما القائلون بتخليد الفساق فيقولون: ومن عاد إلى أكل الربا.

ثم إنه تعالى لما بالغ في الزجر عن الربا وكان قد بالغ في الآي السالفة في الحث على الصدقات، ذكر ما يجري مجرى الداعي إلى ترك الربا وفعل الصدقة فقال ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ والمحق نقص الشيء حالاً بعد حال ومنه "محاق القمر" وكل من محق الربا وإرباء الصدقات إما في الدنيا وإما في الآخرة.

وذلك أن الغالب في المرابي وإن كثر ماله أن تؤل عاقبته إلى الفقر وتزول البركة عن ماله.

عن ابن مسعود أن النبي  قال: " "الربا وإن كثر إلى قل " وذلك لدعاء الناس عليه وبغضهم إياه لسقوط عدالته وشهرته بالفسق والعدوان، وربما يطمع الظلمة في ماله ظناً منهم من أن المال في الحقيقة ليس له.

وعن ابن عباس في تفسير هذا المحق أن الله  لا يقبل منه صدقة ولا جهاداً ولا حجاً ولا صلة.

ثم إن مال الربا لا يبقى عند الموت وتبقى التبعة عليه.

وقد ثبت في الحديث " أن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام " هذا حال الغني من الحلال فكيف حال الغني من الحرام المقطوع بحرمته؟

قال القفال: نظير قوله ﴿ يمحق الله الربا ﴾ المثل الذي ضربه فيما تقدم ﴿ كمثل صفوان عليه تراب  ﴾ ونظير قوله: ﴿ ويربي الصدقات ﴾ المثل الآخر ﴿ كمثل جنة بربوة  ﴾ .

﴿ كمثل حبة أنبتت سبع سنابل  ﴾ عن أبي هريرة/ عن رسول الله  : " إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا الطيب ويأخذها بيمينه فيربيها كما يربي أحدكم مهره أو فلوه حتى أن اللقمة لتصير مثل أحد " وأيضاً المتصدق يزداد كل يوم جاهه وذكره الجميل وتميل القلوب إليه وتنقطع الأطماع عنه متى اشتهر منه أنه متشمر لإصلاح مهمات الضعفاء وسد خلة الفقراء، فتبين أن الربا وإن كان زيادة في المال إلا أنه نقصان في المآل، والصدقة وإن كانت نقصاناً في الحال إلا أنها زيادة في الاستقبال.

فعلى العاقل أن لا يلتفت إلى ما يقضي به الحس والطبع ويعوّل على ما ندب إليه العقل والشرع ﴿ والله لا يحب كل كفار أثيم ﴾ الكفار فعال من الكفر ومعناه المقيم على ذلك، والصيغة للمزاولة كـ "تمار وقوال" والأثيم "فعيل" بمعنى "فاعل" وهو أيضا للمبالغة في الاستمرار على اكتساب الآثام، وذلك لا يليق إلا بمن ينكر تحريم الربا فيكون جاحداً.

ووجه آخر وهو أن يكون الكفار عائداً إلى المستحل، والأثيم إلى الآكل مع اعتقاد التحريم.

ويحتمل أن يعود كلاهما إلى أكل الربا ويكون تغليظاًَ في أمر الربا وإيذاناً بأنه من فعل الكفرة لا من فعل المسلمين.

وفي الآية دلالة على أنه  سبقت رحمته غضبه.

بيانه أنه لم ينف المحبة إلا عن الجامع بين الإصرار على الكفر وبين المواظبة على سائر الآثام كالربا.

فإن استحلاله كفر وهو في نفسه إثم مذموم في جميع الأديان، لأنه سلب مال المحتاج بنوع من الإكراه والإلجاء، فتبقى الآية ساكنة عمن جمع بين الأمرين لا على سبيل الإصرار والمواظبة وعن الذي لم يجمع بينهما.

نعم قد عرف بدليل آخر أن الكفار الذي لم يواظب على سائر الآثام لا يستأهل محبة الله  وذلك لا ينافي السكوت عن حكمه ههنا والله أعلم.

ثم ذكر الترغيب عقيب الترهيب على عادته من ذكر الوعد مع الوعيد فقال ﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ الآية.

فاحتج به من قال العمل الصالح خارج عن مسمى الإيمان كما مر.

وأجيب بأنه قال في الآية: ﴿ وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ﴾ مع أن الصلاة والزكاة من الأعمال الصالحة.

ورد بأن الأصل حمل كل لفظ على فائدة جديدة ترك العمل به عند التعذر فيبقى في غيره على الأصل ﴿ لهم أجرهم عند ربهم ﴾ لم يقل "على ربهم" لأن الأول يجري مجرى ما إذا باع بالنقد وذلك النقد حاضر متى شاء البائع أخذه، والثاني جارٍ مجرى البيع في الذمة نسيئة، ولا شك أن الأول أفضل ﴿ ولا خوف عليهم ﴾ عن ابن عباس: أي فيما يستقبلهم من أحوال القيامة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ بسبب ما تركوه في الدنيا، فإن المنتقل من حال إلى حال أخرى فوقها ربما يتحسر على بعض ما فاته من الأحوال السالفة وإن كان مغتبطاً بالثانية لأجل إلف وعادة، فبيّن  أن هذا القدر من الندامة لا يلحق أهل الثواب والكرامة.

وقال الأصم: لا خوف عليهم من عذاب يومئذٍ ولا هم يحزنون بسبب أنهم فاتهم النعيم الزائد الذي حصل لغيرهم من السعداء لأنه لا منافسة في الآخرة، وأيضاً إنهم لا يحزنون بسبب إنه لم يصدر منا طاعة أزيد مما صدر حتى صرنا بها مستحقين بثواب أزيد مما وجدناه لأن هذه الخواطر لا توجد في الجنة.

وههنا سؤال وهو أن المرأة إذا بلغت عارفة بالله، ولما بلغت حاضت.

وعند انقطاع حيضها ماتت.

أو الرجل بلغ عارفاً بالله، وقبل أن تجب عليه الصلاة والزكاة مات.

فهما بالاتفاق من أهل الثواب مع خلوهما عن الأعمال، فكيف وقف الله ههنا حصول الأجر على حصول الأعمال؟

والجواب أن الموجبة الكلية لا تنعكس كنفسها، وقد دلت الآية على أن كل مؤمن عمل صالحاً فله الأجر فلا يلزم العكس الكلي ثم إنه  لما بيَّن أن من انتهى عن الربا فله ما سلف كان يجوز أن يظن أنه لا فرق بين المقبوض منه وبين الباقي في ذمة القوم فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا ﴾ فبين أنه يحرم أخذ ما بقي من الربا في ذمتهم.

فإن قيل: كيف قال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ثم قال في آخره ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ ؟

فالجواب أن هذا كما يقال: إن كنت أخي فأكرمني.

معناه أن من كان أخاً أكرم أخاه.

ومعناه إذ كنتم مؤمنين أو إن كنتم تريدون استدامة الحكم لكم بالإيمان، أو يا أيها الذين آمنوا بلسانكم ذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين بقلوبكم.

قال القاضي: وفيه دلالة على أن الإيمان لا يتكامل إذا أصر الإنسان على كبيرة، وإنما يصير مؤمناً بالإطلاق متى تجنب كل الكبائر.

وأجيب بأن المراد إن كنتم عاملين بمقتضى الإيمان.

وهذا بناء على أن العمل الصالح غير داخل في مسمى الإيمان، وإنما شدد الله في ذلك لأن المنتظر لحلول الأجل إذا حضر الوقت وطن نفسه على أن تلك الزيادة قد حصلت له ففطامه عنها يكون شديداً عليه فقال ﴿ اتقوا الله ﴾ واتقاؤه إنما يكون باتقاء ما نهى عنه.

وهذه الآية أصل كبير في أحكام الكفار.

إذا أسلموا، فإن ما مضى في الكفر يبقى ولا ينقض ولا يفسخ، وما لم يوجد منه في حال الكفر فحكمه محمول على الإسلام، فإذا تناكحوا على ما يجوز عندهم ولا يجوز في الإسلام فهو عفو لا يتعقب وإن كان النكاح وقع على مهر حرام فقبضته المرأة فقد مضى، وإن كانت لم تقبضه فلها مهر مثلها دون ما سمى وهذا مذهب الشافعي.

وأما سبب نزول الآية فعن ابن عباس: "بلغنا - والله أعلم - أنها نزلت في بني عمرو بن عمير من ثقيف وفي بني المغيرة بني مخزوم.

كانت بنو المغيرة يربون لثقيف، فلما أظهر الله رسوله على مكة وضع يومئذ الربا كله فأتى بنو عمرو بن عمير وبنو المغيرة إلى عتاب بن أسيد وهو على مكة فقال بنو المغيرة: ما جعلنا أشقى الناس بالربا أوضع عن/ الناس غيرنا.

فقال بنو عمر: وصولحنا على أن لنا ربنا، فكتب عتاب في ذلك إلى رسول الله  فنزلت هذه الآية والتي بعدها ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ فعرف بنو عمرو أن لا يدان لهم بحرب من الله ورسوله" .

وقال عطاء وعكرمة: "نزلت في العباس بن عبد المطلب وعثمان بن عفان وكانا قد أسلفا في التمر، فلما حضر الجداد قال لهما صاحب التمر: لا يبقى لي ما يكفي عيالي إن أنتما أخذتما حقكما كله.

فهل لكما أن تأخذا النصف وتؤخرا النصف وأضعف لكما؟

ففعلا.

فلما جاء الأجل طلبا الزيادة فبلغ ذلك رسول الله  فنهاهما ونزلت الآية" فسمعا وأطاعا وأخذا رؤوس أموالهما.

وقال السدي: "نزلت في العباس وخالد بن الوليد وكانا شريكين في الجاهلية يسلفان في الربا، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله  هذه الآية فقال النبي  : ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب" ﴿ فإن لم تفعلوا فأذنوا ﴾ قيل: خطاب مع الكفار المستحلين للربا.

ومعنى قوله: ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ معترفين بتحريم الربا ﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ أي فإن لم تكونوا معترفين بتحريمه ﴿ فأذنوا ﴾ ومن ذهب إلى هذا القول قال: فيه دليل على أن من كفر بشريعة واحدة من شرائع الإسلام فهو خارج عن الملة كما لو كفر بجميع شرائعه، وعلى هذا يكون مالهم فيئاً للمسلمين.

وقيل: خطاب مع المؤمنين المصرين على معاملة الربا لأنه خطاب مع قوم تقدم ذكرهم وما هم إلا المخاطبون بقوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ ومعنى قوله: ﴿ فآذنوا ﴾ عند من جعله من الإيذان أعلموا من لم ينته عن الربا بحرب من الله، فالمفعول محذوف.

وإذا أمروا بإعلام غيرهم فهم أيضا قد علموا ذلك، لكن ليس في علمهم دلالة علي إعلام غيرهم.

فهذه القراءة في الإبلاغ آكد ممن قرأ ﴿ فأذنوا ﴾ من أذن بالشيء إذا أعلم به أي كونوا على إذن وعلم.

فإن قيل: كيف أمربالمحاربة مع المسلمين؟

قلنا: هذه اللفظة قد تطلق على من عصى الله غير مستحل كما جاء في الخبر " من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة " وعن جابر عن النبي  : " "من لم يدع المخابرة فليأذن بحرب من الله ورسوله " وقد جعل كثير من المفسرين والفقهاء قوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله  ﴾ أصلاً في قطاع الطريق من المسلمين./ فثبت أن ذكر هذا النوع من التهديد مع المسلمين وارد في كتاب الله وسنة رسوله.

ثم التفضيل فيه أن المصر على عمل الربا إن كان شخصاً قدر الإمام عليه قبض عليه وأجرى عليه حكم الله من التعزير والحبس إلى أن تظهر منه التوبة، وإن كان له عسكر وشوكة حاربه الإمام كما يحارب الفئة الباغية، وكما حارب أبو بكر مانعي الزكاة.

وكذا القول لو أجمعوا على ترك الأذان وترك دفن الموتى فإنه يفعل بهم ما ذكرناه ﴿ وإن تبتم ﴾ من استحلال الربا أو عن معاملة ﴿ فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ﴾ الغريم يطلب زيادة على رأس المال ﴿ ولا تظلمون ﴾ أنتم بنقصان رأس المال.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ إن وقع غريم من غرمائكم ذو إعسار على أن "كان" هي التي تسمى تامة بمعنى وجد الشيء وحدث في نفسه لا بمعنى وجد موصوفاً بشيء فإنها حينئذٍ تكون ناقصة تحتاج إلى الخبر.

وقرأ عثمان ﴿ ذا عسرة ﴾ بمعنى وإن كان الغريم أو المستربي ذا عسرة.

والقراءة المشهورة أولى كيلا تكون النظرة مقصورة على الغريم المستربي بل تعمه وغيره من أرباب العسرة وهي اسم من الإعسار وهو تعذر الموجود من المال.

والنظرة التأخير والإمهال وفي الآية حذف والتقدير: فالحكم أو فالأمر نظرة.

وقرىء ﴿ فنظرة ﴾ بسكون الظاء، وقرأ عطاء ﴿ فناظره ﴾ على الأمر أي سامحه بالإنظار وناظره أي صاحب الحق ناظره أي منتظره، أو ذو نظرته مثل مكان عاشب أي ذو عشب.

والميسرة اليسار ضد الإعسار.

وقرىء بضم السين كمقبرة ومقبرة.

ومن قرأ بالإضافة إلى الضمير فقد حذف التاء كقوله: ﴿ وأقام الصلاة ﴾ واختلفوا في أن حكم الإنظار مختص بالربا أو عام في الكل؟

فعن ابن عباس وشريح والضحاك والسدي وإبراهيم: الآية في الربا.

قال الكلبي: قال بنو عمرو لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم الربا ندعه لكم.

فقال بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة فأخرونا إلى أن تدرك الثمرة فأبوا أن يؤخروهم فنزلت ﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ وعن مجاهد وسائر المفسرين أنها عامة في كل دين، ولهذا ورد "كان" تامة.

ولو فرض أن سبب النزول خاص فلا بد من إلحاق سائر الصور به لأن العاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وهو قول أكثر الفقهاء كمالك وأبي حنيفة والشافعي.

والإعسار في الشرع هو أن لا يجد في ملكه ما يؤديه بعينه ولا يكون له ما لو باعة لأمكن أداء الدين من ثمنه.

فمن وجد داراً أو ثوباً لا يعد من ذوي العسرة إذا أمكنه بيعها وأداء ثمنها، ولا يجوز له أن يحبس إلا قوت يومه لنفسه وعياله وما لا بد لهم من كسوة لصلاتهم ودفع الحر والبرد عنهم.

وهل يلزمه أن يؤخر نفسه من صاحب الدين أو غيره؟

الأصح أنه لا يلزمه، وكذا لو بذل له غيره ما يؤديه لا يلزمه القبول.

فأما من له بضاعة كسدت عليه فواجب عليه أن يبيعها بالنقصان إن لم يمكن إلا ذلك.

وإذا علم الإنسان أن/ غريمه معسر حرام عليه حبسه وأن يطالبه بما له عليه ووجب الإنظار إلى وقت اليسار فأما إن كان غريمه في إعساره جاز أن يحبسه إلى ظهور الإعسار.

وإذا ادعى الإعسار وكذبه الغريم فإن كان الدين الذي حصل لزمه حصل له عن عوض كالبيع أو القرض فلا بد له من إقامة شاهدين عدلين على أن ذلك العوض قد هلك، فإن لم يكن عن عوض كإتلاف وضمان وصداق فالقول قوله وعلى الغريم البينة، لأن الأصل هو الفقر، ﴿ وأن تصدقوا ﴾ على المعسر بما عليه من الدين يدل على ذلك ذكر المعسر وذكر رأس المال ﴿ خير لكم ﴾ لحصول الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ أن هذا التصدق خير لكم فتعملوا به جعل من لا يعمل به وإن علمه كأنه لا يعلمه، أو تعلمون فضل التصدق على الإنظار والقبض بعده، أو تعلمون أن ما يأمركم به ربكم أصلح لكم.

وقيل: المراد بالتصدق الإنظار لقوله  : " لا يحل دين رجل مسلم فيؤخره إلا كان له بكل يوم صدقة " وزيف بأن الإنظار ثبت وجوبه بالآية الأولى فلا بد من فائدة جديدة ولأن قوله ﴿ خير لكم ﴾ إنما يليق بالمندوب لا بالواجب.

ثم إن المعاملين بالربا كانوا أصحاب شرف وجلالة وأعوان وتغلب على الناس، فاحتاجوا إلى مزيد زجر ووعيد فلا جرم وقع ختم أحكام الربا بقوله ﴿ واتقوا يوماً ﴾ والمراد اتقاء ما يحدث فيه من الشدائد والأهوال.

واتقاء ذلك لا يمكن إلا باجتناب المعاصي وفعل الأوامر في الدنيا فهذا القول يتضمن الإتيان بجميع التكاليف.

وانتصب ﴿ يوماً ﴾ على أنه مفعول به.

والمعنى: تأهبوا بما تسلفون من العمل الصالح للقاء يوم ﴿ ترجعون فيه إلى الله ﴾ أي إلى ما أعد لكم من ثواب أو عقاب، وإلى علمه وحفظه وذلك أن الإنسان له أحوال ثلاث على الترتيب: الأولى كونه جنيناً لا يملك تصرفاً فلا تصرف فيه إلا لله، والثانية خروجه إلى فضاء وهنالك يرى للأبوين لغيرهما تصرف فيه ظاهر.

الثالثة ما بعد الموت وهنالك لا يكون التصرف فيه ظاهراً وفي الحقيقة إلا لله  فكأنه عاد إلى الحالة الأولى.

وهذا معنى الرجوع إلى الله ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ أي جزاء ذلك أو المكتسب هو الجزاء كما يقال: كسب الرجل لما يحصله بتجارته.

والمراد أن كل مكلف فإنه يصل إليه جزاء عمله بالتمام عند الرجوع إلى الله  كقوله: ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره  ﴾ ثم كان لقائل أن يقول: كيف يليق بأكرم الأكرمين إيصال العذاب إلى عبيده الكفار والفساق فقال ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ بل العبد هو الذي أوقع نفسه في تلك الورطة لأن الله  مكنه وأزاح عذره وسهل طريق الاستدلال عليه وأمهل.

هذا على أصول المعتزلة.

وأما على أصول الأصحاب فهو إشارة إلى أنه  ملك الملوك وخالق الخلائق، والملك إذا تصرف في ملكه كيف شاء وأراد لم يكن ظلماً.

"عن ابن عباس أنها آخر آية نزلت على رسول الله  نزل بها جبريل وقال:/ ضعها على رأس المائتين والثمانين من البقرة" ، وعاش  بعدها أحداً وثمانين يوماً، وقيل أحداً وعشرين، وقيل سبعة أيام، وقيل ثلاث ساعات، والله  أعلم بحقيقة الحال.

التأويل: أخبر عن حرص أهل الدنيا وهم أكلة الربا بعد ذكر قناعة أهل العقبى.

فمثل آكل الربا كمثل من به جوع الكلب يأكل ولا يشبع حتى ينتفخ بطنه ويثقل عليه فلا يقوم إلا كما يقوم المصروع لأنه كلما أقام صرعه ثقل بطنه، ومثله قوله  : " إن هذا المال خضر حلو وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم إلا آكلة الخضر فإنها أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت ثم رتعت فمن أخذه بحقه ووضعه بحقه فنعم المعونة هو ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع " وفي الحديث مثلان: أحدهما للمفرط في جمع الدنيا بحيث يفضي به إلى الهلاك في الدنيا والعقبى وأشار إليه بقوله: " "وإن مما ينبت الربيع يقتل حبطاً أو يلم " وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر منها الماشية لاستطابتها إياها حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاعتدال فتنشق أمعاؤها فتهلك أو تقارب الهلاك.

والمثل الآخر للمقتصد وذلك قوله "إلا آكلة الخضر" وذلك أن الخضر ليست من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره ولكنها من كلإ الصيف التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها حيث لا تجد سواها، فلا ترى الماشية تكثر منها وهو مثل التاجر الذي يكتسب المال بطريق البيع والشراء ويؤدي حقه وإن كان له حرص في الطلب والجمع.

ولكن لما كان بأمر الشرع وطريق الحل ما أضربه ﴿ وأحل الله البيع وحرم الربا ﴾ يعني كيف يكون ما أزال نور الأمر ظلمته مثل ما زاد ظلمته ارتكاب المنهي؟

فمرتكب الربا في ظلمات ثلاث: ظلمة الحرص وظلمة الدنيا وظلمة المعصية.

﴿ وأمره إلى الله ﴾ يرزقه من حيث لا يحتسب ﴿ والله لا يحب كل كفار ﴾ بنعمة الشرع وأنواره ﴿ أثيم ﴾ عامل بالطبع مقيم في ظلمة إصراره.

ثم أخبر عن العاملين بالشرع الخارجين عن الطبع الذين آمنوا إيمان التصديق بالتحقيق مقروناً بالتوفيق، ثم خرجوا عن ظلمة اتباع الهوى بإقامة الصلاة وعالجوا ظلمة الركون إلى الدنيا بأنوار إيتاء الزكاة، فجذبتهم العناية من حضيض العبدية إلى ذروة العندية ﴿ ولهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ﴾ من الرجوع إلى ظلمات الطبيعة ﴿ ولا هم يحزنون ﴾ لفوات أنوار الشريعة.

ثم أخبر عن أهل الإيمان المجازي فقال ﴿ يا أيها الذين آمنوا ﴾ باللسان ﴿ اتقوا الله ﴾ أي بالله كما جاء.

"كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله  ".

أي جعلناه قدامنا.

ومن شرط المؤمن الحقيقي اتقاؤه بالله في ترك الزيادات كما قال: " "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه " و ﴿ ذروا ما بقي من الربا ﴾ تركوا ما سوى الله في طلبه ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ إيماناً حقيقياً.

﴿ فإن لم تفعلوا ﴾ لم تتركوا كل زيادة تمنعكم ﴿ فأذنوا بحرب من الله ورسوله ﴾ ببعد منهما وبغض.

﴿ وإن تبتم ﴾ تركتم غيره ﴿ فلكم رؤوس أموالكم ﴾ وهي الكرامة التي فضلكم بها على كثير من خلقه وهي المحبة يحبهم ويحبونه ﴿ لا تظلمون ﴾ بوضع محبتي في غير موضعها من المخلوقات ﴿ ولا تظلمون ﴾ بوضع محبتكم في غير موضعها.

﴿ وإن كان ذو عسرة ﴾ لم يصل إليه ما أعد لأجله عاجلاً ﴿ فنظرة إلى ميسرة ﴾ وهو وقت وصوله إليه آجلاً ﴿ وأن تصدقوا ﴾ تبذلوا فينا ما تتمنون من صنوف برنا في الدنيا والعقبى على قدر همتكم ﴿ فهو خير لكم ﴾ لأنا نجازيكم على قدر مواهبنا ﴿ إن كنتم تعلمون ﴾ قدرها ﴿ ومن يتوكل على الله فهو حسبه ﴾ " من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين " ثم إنه  كما جمع في القرآن خلاصة الكتب السماوية جمع في خاتمة الوحي خلاصة أي القرآن فقال: ﴿ واتقوا يوماً ﴾ الآية.

وذلك أن فائدة جميع الكتب راجعة إلى معنيين: النجاة من الدركات السفلى وهي سبعة: الكفر والشرك والجهل والمعاصي والأخلاق المذمومة وحجب الأوصاف وحجاب النفس.

والفوز بالدرجات العلى وهي ثمانية: المعرفة والتوحيد والعلم والطاعات والأخلاق المحمودة وجذبات الحق والفناء عن أنانيته والبقاء بهويته.

فقوله ﴿ واتقوا ﴾ شامل لما يتعلق بالسعي الإنساني من هذه المعاني، لأن حقيقة التقوى مجانبة ما يبعدك عن الله ومباشرة ما يقربك إليه، فتقوى العام الخروج بسبب الإقامة بشرائط ﴿ جاهدوا فينا  ﴾ عن الكفر بالمعرفة، وعن الشرك بالتوحيد، وعن الجهل بالعلم، وعن المعاصي بالطاعات، وعن الأخلاق المذمومة بالأخلاق المحمودة.

ثم من ههنا تقوى الخاص تخرجهم جذبات ﴿ لنهدينهم سبلنا  ﴾ من حجب أوصافهم إلى درجة تجلي صفات الحق فيستظلون بظل سدرة المنتهى ﴿ عندها جنة المأوى  ﴾ فينتفعون بمواهب ﴿ إذ يغشى السدرة ما يغشى  ﴾ ثم من ههنا تقوى خاص الخاص فتخرجه العناية بجذبات ﴿ ما زاغ البصر وما طغى  ﴾ من سدرة المنتهى الأوصاف إلى قاب قوسين نهاية حجاب النفس وبدية أنوار القدس.

وهناك من عرف نفسه فقد عرف ربه وهو مقام أو أدنى ترجعون فيه إلى الله.

لأن مبدأ وجودك النفخة، وآخر حالك الجذبة، وبها/ اصطفى آدم وكرم نبيه ولهذا لم يقل: ولقد كرمنا أولاد آدم، لأن أهل الكرامة منهم من هو بوصف الرجال دون النساء.

ثم وصف الرجال بقوله: ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله  ﴾ فمن كان من النساء بهذا الوصف فهو من الرجال في المعنى، ومن لم يكن من الرجال بهذا الوصف فهو من النساء في الحقيقة، وفي هذا الرجوع وعد وبشارة للأولياء، ووعيد وإنذار للأعداء ﴿ ثم توفى كل نفس ما كسبت ﴾ فبقدر مراتبه في العبودية والتقوى يهتدي إلى مقامات القرب من المولى، وبحسب فنائه عن حجاب نفسه يبقى ببقاء ذاته وهويته، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ فإن دخول النور في البيت وخروج الظلمة منه إنما يكون على مقدار سعة فتح الروزنة وضيقة ولا تظلم الشمس عليه مثقال ذرة ﴿ فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

قال بعضهم: قوله  : ﴿ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، ليس على حقيقة الأكل، ولكنه كان على الأخذ كقوله  : ﴿ وَأَخْذِهِمُ ٱلرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ  ﴾ .

فإذا كان هذا على الأخذ فقوله  : ﴿ لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيْطَانُ مِنَ ٱلْمَسِّ ﴾ هو على التمثيل، ليس على التحقيق.

وقال آخرون: هو على نفس الأكل، وما ذكر من العقوبة، لما أكلوا من الربا لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم المجنون المنخنق.

وقال غيرهم: ذلك لاستحلالهم الربا، وتخبيطهم الله عز وجل في الحكم في تحريمهم الربا بقولهم: ﴿ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

ثم قوله: ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوۤاْ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، فيه دليل جواز القياس في العقل؛ لأنه لو لم يكن في العقل جوازه لم يكن لقولهم: ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ معنى: لكنهم لم يعرفوا معنى المماثلة.

ثم المماثلة على الوجهين: مماثلة أسباب، ومماثلة أحوال.

فالمماثلة التي هي مماثلة أحوال: هي ابتداء محنة في الفعل، لا يقاس على غيره، نحو أن يقال: اقعد، أو أن يقال: قم، لا يقاس القيام على القعود، ولا القعود على القيام، إنما هو محنة لا يلزم غير المخاطب به.

وأما مماثلة الأسباب: فهي مماثلة الإيجاب، نحو أن يقال: حرم الله السكر في الخمر، فحيث ما وجد السكر يحرم؛ لأنه يجني على العقل، فكل شيء يجني عليه فهو محرم التناول منه.

وقوله  : ﴿ إِنَّمَا ٱلْبَيْعُ مِثْلُ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ .

يقولون: لما جاز أن يباع ثوب يساوي عشرة بأحد عشر، كيف لا جاز أن يباع عشرة بأحد عشر؟

وقيل: كان الرجل منهم إذا حل ما له على صاحبه طلبه، فيقول المطلوب للطالب: زدني في الأجل وأزيدك على ما لك.

فيفضلان على ذلك ويعملان به.

فإذا قيل لهما: هذا ربا، قالا: هما سواء: الزيادة في البيع، أو الزيادة عند محل البيع.

فأكذبهم الله  في ذلك وقال: ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ ﴾ ، أي: ليس هكذا: البيع كالربا.

ويحتمل: فيه ابتداء حرمة أن حل ما هو بيع لا ما هو ربا.

ثم قوله  : ﴿ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلْبَيْعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ : فلقائل أن يقول: إنما يحرم منه قدر الربا، وأما العقد فإنه يجوز لما ليس فيه ربا.

لكن الأصل عندنا فيه: أن الدرهم الزائد يأخذ كل درهم من العشرة قسطاً منه وجزءاً من أجزاء كل درهم منه، فلا سبيل إلى إمضاء العقد لأخذ أجزائه كل درهم من الذي فيه العقد، وهو ربا.

وفيه وجه آخر: وهو أنه ختم الكلام على قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، ولا يزاد رأس المال في عقد قد مضى.

ثم معرفة الربا من غير الربا ما ليس بإرادة بدل.

ثم فيه دلالة أن حرمة الربا كان ظاهراً عندهم حتى حكوا، وكان حرمته فيما بينهم كهو فيما بين أهل الإسلام؛ لذلك قال أبو حنيفة - رضي الله  عنه -: أن لا يجوز بيع الربا فيما بين أهل الإسلام وبين أهل الذمة.

وعلى ذلك خرج الخطاب منه - عز وجل - بقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ أَضْعَٰفاً مُّضَٰعَفَةً  ﴾ .

وقوله  : ﴿ فَمَن جَآءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ : قيل: ﴿ مَوْعِظَةٌ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ ، بيان تحريم الربا.

وقيل: ﴿ فَمَن جَآءَهُ ﴾ نهى في القرآن ﴿ مِّنْ رَّبِّهِ ﴾ في تحريم الربا، ﴿ فَٱنْتَهَىٰ ﴾ عن الربا.

ويحتمل: الموعظة، هي التذكير لما سبق منه، فيتذكر فيرجع عن صنيعه.

وقوله  : ﴿ فَلَهُ مَا سَلَفَ ﴾ ، قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ مَا سَلَفَ ﴾ له في الجاهلية صار مغفوراً له، وهو كقوله  : ﴿ قُل لِلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ  ﴾ .

ويحتمل قوله  : ﴿ مَّا قَدْ سَلَفَ ﴾ ، وذلك أن الكافر إذا تاب ورجع عن صنيعه، يرجع لا أن يعود إلى فعله أبداً، ويندم على كل سيئة ارتكبها، فيجعل الله كل سيئة كانت منه حسنة، وهو كقوله  : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ  ﴾ .

وقوله  : ﴿ وَأَمْرُهُ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ، في حادث الوقت أن يعصمه.

وقوله  : ﴿ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـٰئِكَ أَصْحَابُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ .

إن المعتزلة استدلوا على الوعيد لأهل الإسلام بما ذكر فيه من العود.

لكن بدء الآية على الاستحلال، فعلى ذلك العود إليه على جهة الاستحلال، يدل عليه قوله  : ﴿ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ فأثبت له الكفر بالذي كان منه في الابتداء، وهو الاستحلال؛ فكذلك العود إليه.

وقوله  : ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَٰواْ وَيُرْبِي ٱلصَّدَقَٰتِ وَٱللَّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ : قيل: ﴿ يَمْحَقُ ٱللَّهُ ﴾ : يهلك.

وقيل: ﴿ يَمْحَقُ ﴾ : يبطل.

ولكن أصل "المحق" هو رفع البركة؛ وذلك أن الناس يقصدون بجمع الأموال والشح عليها، لينتفع أولادهم من بعدهم إشفاقاً عليهم، وكذلك يمتنعون من التصدق على الناس.

فأخبر الله  : أن الأموال التي جمعت من جهة الربا ألا ينتفع أولادهم بها، وهو الأمر الظاهر في الناس.

وأخبر أن الصدقات التي لا يمتنعون من الإنفاق عنها يربي ويخلف أودلاهم إذا تصدقوا، ويمحق الربا ويرفع البركة عنها؛ حتى لا ينتفع أولادهم بها.

وهو ما روي عن رسول الله  أنه قال: "كل متبايعين بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما فيه، وإن كذبا وكتما محقت عنهما البركة" وقوله  : ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَآتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ الآية ظاهرة.

وقوله  : ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ ﴾ من عمركم ﴿ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ إذا صرتم مؤمنين.

وقيل: ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، الذى تقبضون ﴿ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

وفي الآية دلالة على أن الربا الذي لم يقبض إذا ورد عليه حرمة القبض أفسدته.

لذلك قال أصحابنا - رحمهم الله  -: إن فوت القبض عن المبيع يوجب فساد العقد، كما كان فوت قبض الربا في ذلك العقد أوجب منع قبض الربا.

والذي يدل عليه قوله  : ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فأوجب الفسخ فيه حتى أوجب رد رأس المال.

وفي الآية دليل وجه آخر: وهو أنه جعل حدوث الحرمة المانعة للقبض، يرتفع به العقد في فساد العقد؛ فعلى ذلك يجعل حدوث شيء في عقد معقود قبل القبض كالمعقود عليه في استئجار حصته من الثمن.

وقوله  : ﴿ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَٰواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ ﴾ ، فيه دلالة: أن ماجرت بين أهل الإسلام وأهل الحرب من المداينات والمقارضات ثم أسلموا يرد، وما أخذوا قهراً لا يردون؛ وذلك أن الربا الذي قبضوا لئلا يرد لم يؤمر برده.

فعلى ذلك ما أخذوا قهرا أخذوا لئلا يرد، لم يجب رده.

وأما رأس المال فإنما أخذوا للرد؛ فعلى ذلك ما أخذ بعضهم من بعض دَيْناً أو قرضاً وجب رده.

ففيه دليل لقول أصحابنا - رحمهم الله  - على ما ذكرنا.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ .

عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قال: فمن كان مقيماً على الربا مستحلاًّ له لا ينزع عنه، فحق على إمام المسلمين أن يستتيبه: فإن تاب ونزع عنه، وإلا ضرب عنقه.

وقوله  : ﴿ فَأْذَنُواْ ﴾ ، فيه لغتان: بالقطع، والوصل.

فمن قرأ بالقطع، فهو على الأمر وبالإعلام لمستحليه أنه يصير حربا له بالاستحلال.

ومن قرأ بالوصل، فهو على العلم، كأنه قال للمؤمنين: إنه حرب لنا.

وقوله  : ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه - قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَٰلِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ ، أي: ﴿ لاَ تَظْلِمُونَ ﴾ فتربون، ﴿ وَلاَ تُظْلَمُونَ ﴾ : فتنقصون.

وقتادة - رضي الله  عنه - يقول: بطل الربا وبقيت رءوس الأموال.

وقوله  : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ : عن ابن عباس - رضي الله  عنه -: ﴿ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ﴾ قال: هوالمطلوب، وهو في الربا.

وفيه دلالة جواز التقلب في البيع الفاسد؛ لأنه جعل لأرباب الأموال النظرة إلى ميسرة من عليه المال.

فلو كان له حق أخذه حيثما وجده بعد ما تناسخت الأيدي، او كان له حق تضمين من هو أغنى لم يكن لإنظار المعسر إلى وقت الميسرة معنى.

ولكن يحتاج إلى تضمين أيسرهم وأغناهم إذا كان يقدر، فله خصومته، وإذا كان شرط سقطت الخصومة، كما تقول في الذي يكفل عن معسر أو عمن أجل، ثم النظرة بالاختيار ممن له الحق، لا أنه يكون هكذا شاء هو أو أبى.

دليله قوله  : "لصاحب الحق اليد واللسان" .

أما اللسان فيتقاضاه، وأما اليد فيلازمه بها ويحبسه.

ولكنه إذا أجل قطع على نفسه حق اللسان واليد إلى أن يمضي ذلك الوقت، [فإذا مضى ذلك الوقت] ثبت له حق اللسان واليد.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ ، يعني برءوس الأموال إذا ظهر إعساره.

وعن الضحاك - رضي الله  عنه - أنه قال في قوله: ﴿ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ ، قال: أخذ رأس المال حسن، وتركه أحسن.

وإنما الصدقة على المعسر، فأما على الموسر فلا.

وفيه دليل جواز صدقة الدين وهبته ممن عليه دين، وهو الأخْيَرُ له إذا ظهر إعساره وفقره.

والله أعلم.

وقوله  : ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ .

قال عامة أهل التأويل: إن هذه الآية آخر ما نزلت على رسول الله  .

وكذلك روي عن ابن عباس، رضي الله  عنه.

فإن كان ما ذكروا فهو - والله أعلم - أنه عز وجل رغبهم في ذكر ذلك اليوم؛ لما في ترك ذكره بطول الأمل، وطول الأمل يورث الحرص، والحرص يورث البخل ويشغله عن إقامة العبادات والطاعات.

فإذا كان كذلك فأحق ما يختم القرآن به هذا؛ لئلا يتركوا ذكر ذلك اليوم فيسقطوا عن منزلته الثواب والجزاء.

والله أعلم.

قال الشيخ - رحمه الله  -: ويصير كأنه قال: اتقوا وعيده  في جميع ما يعدكم وما ألزمكم من الحق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الذين يتعاملون بالربا ويأخذونه لا يقومون يوم القيامة من قبورهم إلا مثل ما يقوم الذي به مس من الشيطان، فيقوم من قبره يخبط كما يخبط من به صرع في قيامه وسقوطه؛ ذلك بسبب أنهم استحلوا أكل الربا، ولم يفرقوا بين الربا وبين ما أحل الله من مكاسب البيع، فقالوا: إنما البيع مثل الربا في كونه حلالًا، فكل منهما يؤدي إلى زيادة المال ونمائه، فرد الله عليهم وأبطل قياسهم وأكذبهم، وبيَّن أنه تعالى أحل البيع لما فيه من نفع عام وخاص، وحرم الربا لما فيه من ظلم وأكل لأموال الناس بالباطل بلا مقابل، فمن جاءته موعظة من ربه فيها النهي والتحذير من الربا، فانتهى عنه وتاب إلى الله منه، فله ما مضى من أخذه للربا لا إثم عليه فيه، وأمره إلى الله فيما يستقبل بعد ذلك، ومن عاد إلى أخذ الربا بعد أن بلغه النهي من الله، وقامت عليه الحجة؛ فقد استحق دخول النار والخلود فيها.

وهذا الخلود في النار المقصود به البقاء الطويل فيها، فإن الخلود الدائم فيها لا يكون إلا للكفار، أما أهل التوحيد فلا يخلدون فيها.

ولما ذكر الله الإنفاق في سبيله وأَخذ الربا، بيَّن الفرق بينهما في الجزاء، فقال: <div class="verse-tafsir" id="91.v57Kx"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء، إن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا، فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب، ومن كان غنيًا منهم لا يعطي بالربا، فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو.

ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين، يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم.

وهذه أوهام لم تُقَل عن اختبار، فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم، ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم.

فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين؟

ألم تسبقنا جميع الأمم إلى اتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في اتقان كل شيء؟

الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريًا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم، فمن يدعي أن الدين عاتق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرًا منها، وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه، ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم، فهي لا تدري من أني أُخِذَت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.

إن أثر الربا فينا لا يمكنا أن نزيله بمئات من السنين، ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا.

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا  ﴾ إلخ مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم، والنصارى يرابي بعضهم بعضًا ويرابون سائر الناس، وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنًا طويلًا، ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار، وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية، وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلًا فيعطيه المئة نقدًا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه!

على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدًا ولكن الذين يُؤكلونه غيرهم كثيرون جدًا حتى لا تكاد تجد متمولًا في هذه البلاد سالمًا من الاستدانة بالربا إلا قليلًا، والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة، بل كثيرًا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزامًا لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات، ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها.

ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدًا بعشرين درهمًا نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة الدراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهمًا لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل.

هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.

والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين، ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا.

وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس، ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة، وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه.

والمعنى الصحيح: أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونًا للآخر لا سيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواجد مال الفقير الفاقد.

فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.

وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشتهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل، ولم يجعل لأحد منهم حقًا على آخر بغير عمل، لأنه باطل لا مقابل له، وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضًا يقابل عوضًا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائمًا انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعًا حقيقيًا لأن من يشتري قمحًا مثلًا فإنه يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعًا حقيقيًا.

وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فيما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل.

وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانًا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم، فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودًا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء.

ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات، ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها.

لذلك حرم الله الربا، وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.

وأما واضعوا القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام، من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل.

وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها ليموت جوعًا ولا يجد من يجود عليه بما يسد رمقه، فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفَعَلَة والعمال على أصحاب الأموال واعتصابهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقون، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابًا كبيرًا في العالم، ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة، وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين.

وقد ألف"تولستوي"الفيلسوف الروسي كتابًا سماه (ما العمل؟) وفيه أمُور يضطرب لفظاعتها القارئ، وقد قال في آخره: إن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار (الجنيه) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يومًا ما.

وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا، وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة.

كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضًا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين أنه لا يحدث الناس بأنه منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلًا عليه.

رأيت هذا من كثيرين في بلادهم متعددة، ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المماحكة.

ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضًا طلبه إلا لسند وشهود فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك؟!

قال: نعم.

قلت: فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما عملت عليه من سوء؟

قال: لا أعرف سبب ذلك، إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي.

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ  ﴾ ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال، فإن هذا مكابرة للمشاهدة والاختبار، وإنما المراد به ما يلاقي المرابي من عداوة الناس، وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها.

أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض الموزعين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد أثر ذلك في الأمم التي نشأ فيها الربا، إذ قام الفقراء يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم، حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم.

وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو ما لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ أي إن كان إيمانكم تامًا شاملًا لجميع ما جاء به محمد  من الأحكام فذروا بقايا الربا، وقد عهد في الأسلوب العربي أن يقال: إن كنت متصفًا بهذا الشيء فافعل كذا: ويذكر أمرًا من شأنه أن يكون أثرًا لذلك الوصف.

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ  ﴾ حرب الله لهم غضبه وانتقامه.

ونحن إن لم نر أثر هذا في الماضين فإننا نراه في الحاضرين ممن أصبحوا بعد الغنى يتكففون، ومن باتوا والمسألة الاجتماعية تهددهم بالويل والثبور.

وأما الحرب من رسوله لهم فهي مقاومتهم بالفعل في زمنه، واعتبارهم أعداء له في هذا الزمن الذي لا يخلفه فيه أحد يقيم شرعه.

﴿ وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ  ﴾ : أما حقيقة الرجوع فلا تصح هنا لأننا ما غبنا عن الله طرفة عين ولا يمكن أن نغيب عنه فنرجع إليه، ولكن الإنسان في غفلته وشغله بشؤونه الحيوانية يتوهم أن له استقلالًا تامًا بنفسه، وأن له رؤساء وأمراء يخافهم ويرجوهم، ويرى أنه تعرض له حاجات وضرورات يجب عليه أن يستعد لها بتكثير المال وجمعه من حرام وحلال.

فأمثال هذه الخواطر تكون له شغلًا شاغلًا ربما يستغرق وقته فيصرفه عن التفكير في منافع التسامح في معاملة الناس والتصدق على المحتاج منهم، فكان أنفع دواء لمرض انصرف النفس عن التفكير في سلطان الله وقدرته، والتقرب إليه بما فيه تمام حكمته والتذكير بيوم القيامة الذي تبطل فيه هذه الشواغل، وتتلاشى هذه الصوارف حتى لا يشغل الإنسان فيه شيء ما عن الله تعالى وما أعده من الجزاء للعباد على قدر أعمالهم.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله