الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٨٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 187 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٨٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن ، وأنه المطلع على ما فيهن ، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر ، وإن دقت وخفيت ، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم كما قال : ( قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شيء قدير ) [ آل عمران : 29 ] ، وقال : ( يعلم السر وأخفى ) [ طه : 7 ] ، والآيات في ذلك كثيرة جدا ، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم ، وهو : المحاسبة على ذلك ، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة ، رضي الله عنهم ، وخافوا منها ، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها ، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم .
قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثني أبو عبد الرحمن يعني العلاء عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم جثوا على الركب ، وقالوا : يا رسول الله ، كلفنا من الأعمال ما نطيق : الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم : سمعنا وعصينا ؟
بل قولوا : سمعنا وأطعنا ، غفرانك ربنا وإليك المصير " .
فلما أقر بها القوم وذلت بها ألسنتهم ، أنزل الله في أثرها : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) إلى آخره .
ورواه مسلم منفردا به ، من حديث يزيد بن زريع ، عن روح بن القاسم ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، فذكر مثله ، ولفظه : " فلما فعلوا [ ذلك ] نسخها الله ، فأنزل : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) قال : نعم ، ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) قال : نعم ، ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) قال : نعم ، ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ) قال : نعم .
حديث ابن عباس في ذلك : قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن آدم بن سليمان ، سمعت سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء ، قال : فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا " .
فألقى الله الإيمان في قلوبهم ، فأنزل الله .
( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ) إلى قوله : ( فانصرنا على القوم الكافرين ) وهكذا رواه مسلم ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبي كريب ، وإسحاق بن إبراهيم ، ثلاثتهم عن وكيع ، به وزاد : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) قال : قد فعلت ( ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ) قال : قد فعلت ، ( ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ) قال : قد فعلت ( واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا [ فانصرنا ] ) قال : قد فعلت .
طريق أخرى عن ابن عباس : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن حميد الأعرج ، عن مجاهد ، قال : دخلت على ابن عباس فقلت : يا أبا عباس ، كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى .
قال : أية آية ؟
قلت : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) قال ابن عباس ، إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا ، وغاظتهم غيظا شديدا ، يعني ، وقالوا : يا رسول الله ، هلكنا ، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل ، فأما قلوبنا فليست بأيدينا ، فقال لهم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : " قولوا : سمعنا وأطعنا " .
قالوا : سمعنا وأطعنا .
قال : فنسختها هذه الآية : ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ) إلى ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ) فتجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال .
طريق أخرى عنه : قال ابن جرير : حدثني يونس ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني يونس بن يزيد ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن مرجانة ، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية : ( لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ) الآية .
فقال : والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن ، ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه .
قال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس ، فذكرت له ما قال ابن عمر ، وما فعل حين تلاها ، فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن .
لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر ، فأنزل الله بعدها : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) إلى آخر السورة ، قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها ، وصار الأمر إلى أن قضى الله ، عز وجل ، أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل .
طريق أخرى : قال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا إسحاق ، حدثنا يزيد بن هارون ، عن سفيان بن حسين ، عن الزهري ، عن سالم : أن أباه قرأ : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فدمعت عيناه ، فبلغ صنيعه ابن عباس ، فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن ، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت ، فنسختها الآية التي بعدها : ( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) .
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس ، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس .
قال البخاري : حدثنا إسحاق ، حدثنا روح ، حدثنا شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن مروان الأصفر ، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ) قال : نسختها الآية التي بعدها .
وهكذا روي عن علي ، وابن مسعود ، وكعب الأحبار ، والشعبي ، والنخعي ، ومحمد بن كعب القرظي ، وعكرمة ، وسعيد بن جبير ، وقتادة : أنها منسوخة بالتي بعدها .
وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ، ما لم تكلم أو تعمل " .
وفي الصحيحين ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : إذا هم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه ، فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها فاكتبوها عشرا " .
لفظ مسلم وهو في أفراده من طريق إسماعيل بن جعفر ، عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله : إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة ، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة " .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة ، عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة ، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل ، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها ، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ، ما لم يعملها ، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قالت الملائكة : رب ، وإن عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به فقال : ارقبوه ، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، وإنما تركها من جراي " .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أحسن أحد إسلامه ، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله عز وجل " .
تفرد به مسلم عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ وبعضه في صحيح البخاري .
وقال مسلم أيضا : حدثنا أبو كريب ، حدثنا أبو خالد الأحمر ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له [ عشرا ] إلى سبعمائة ضعف ، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب ، وإن عملها كتبت " .
تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب .
[ وقال مسلم ] حدثنا شيبان بن فروخ ، حدثنا عبد الوارث ، عن الجعد أبي عثمان ، حدثنا أبو رجاء العطاردي ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه تعالى قال : " إن الله كتب الحسنات والسيئات ، ثم بين ذلك ، فمن هم بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة .
وإن هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة ، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة " .
ثم رواه مسلم ، عن يحيى بن يحيى ، عن جعفر بن سليمان ، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الوارث وزاد : " ومحاها الله ، ولا يهلك على الله إلا هالك " .
وفي حديث سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : جاء ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسألوه : إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به .
قال : " وقد وجدتموه ؟
" قالوا : نعم .
قال : " ذاك صريح الإيمان " .
لفظ مسلم وهو عند مسلم أيضا من طريق الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، به .
وروى مسلم [ أيضا ] من حديث مغيرة ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله ، قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة ، قال : " تلك صريح الإيمان " .
وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فإنها لم تنسخ ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم ، مما لم يطلع عليه ملائكتي ، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم ، وهو قوله : ( يحاسبكم به الله ) يقول : يخبركم ، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله : ( فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) وهو قوله : ( ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ) [ البقرة : 225 ] أي : من الشك والنفاق .
وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبا من هذا .
وروى ابن جرير ، عن مجاهد والضحاك ، نحوه .
وعن الحسن البصري أنه قال : هي محكمة لم تنسخ .
واختار ابن جرير ذلك ، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة ، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر ، وقد يحاسب ويعاقب بالحديث الذي رواه عند هذه الآية ، قائلا : حدثنا ابن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن سعيد وهشام ، ( ح ) وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا ابن علية ، حدثنا هشام ، قالا جميعا في حديثهما : عن قتادة ، عن صفوان بن محرز ، قال : بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر ، وهو يطوف ، إذ عرض له رجل فقال : يا ابن عمر ، ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ؟
فقال : سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يدنو المؤمن من ربه ، عز وجل ، حتى يضع عليه كنفه ، فيقرره بذنوبه فيقول : هل تعرف كذا ؟
فيقول : رب أعرف مرتين حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم " .
قال : " فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه ، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد : ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) [ هود : 18 ] .
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة ، عن قتادة ، به .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أمية قالت : سألت عائشة عن هذه الآية : ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ) فقالت : ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها فقال : " هذه مبايعة الله العبد ، وما يصيبه من الحمى ، والنكبة ، والبضاعة يضعها في يد كمه ، فيفتقدها فيفزع لها ، ثم يجدها في ضبنه ، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر [ من الكير ] " .
وكذا رواه الترمذي ، وابن جرير من طريق حماد بن سلمة ، به .
وقال الترمذي : غريب لا نعرفه إلا من حديثه .
قلت : وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف ، يغرب في رواياته وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه : أم محمد أمية بنت عبد الله ، عن عائشة ، وليس لها عنها في الكتب سواه .
لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء القول في تأويل قوله تعالى : { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } يعني جل ثناؤه بقوله : { لله ما في السموات وما في الأرض } لله ملك كل ما في السموات وما في الأرض من صغير وكبير , وإليه تدبير جميعه , وبيده صرفه وتقليبه , لا يخفى عليه منه شيء , لأنه مدبره ومالكه ومصرفه .
وإنما عنى بذلك جل ثناؤه : كتمان الشهود الشهادة , يقول : لا تكتموا الشهادة أيها الشهود , ومن يكتمها يفجر قلبه , ولن يخفى علي كتمانه , وذلك لأني بكل شيء عليم , وبيدي صرف كل شيء في السموات والأرض وملكه , أعلمه خفي ذلك وجليه , فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادة .
وعيدا من الله بذلك من كتمها وتخويفا منه له به .
ثم أخبرهم عما هو فاعل بهم في آخرتهم , وبمن كان من نظرائهم ممن انطوى كشحا على معصية فأضمرها , أو أظهر موبقة فأبداها من نفسه من المحاسبة عليها , فقال : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } يقول : وإن تظهروا فيما عندكم من الشهادة على حق رب المال الجحود والإنكار , أو تخفوا ذلك فتضمروه في أنفسكم وغير ذلك من سيئ أعمالكم , { يحاسبكم به الله } يعني بذلك : يحتسب به عليكم من أعماله , فيجازي من شاء منكم من المسيئين بسوء عمله , وغافر لمن شاء منكم من المسيئين .
ثم اختلف أهل التأويل فيما عنى بقوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فقال بعضهم بما قلنا من أنه عنى به الشهود في كتمانهم الشهادة , وأنه لاحق بهم كل من كان من نظرائهم ممن أضمر معصية أو أبداها .
ذكر من قال ذلك : 5062 - حدثني أبو زائدة زكريا بن يحيى بن أبي زائدة , قال : ثنا أبو نفيل , عن يزيد ابن أبي زياد , عن مجاهد , عن ابن عباس في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يقول : يعني في الشهادة .
* - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن يزيد بن أبي زياد , عن مقسم , عن ابن عباس في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : في الشهادة .
5063 - حدثنا محمد بن المثنى , قال : ثنا عبد الأعلى , قال : سئل داود عن قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فحدثنا عن عكرمة , قال : هي الشهادة إذا كتمتها .
* - حدثنا ابن المثنى , قال : ثنا محمد بن جعفر , قال : ثنا شعبة , عن عمرو وأبي سعيد أنه سمع عكرمة يقول في هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : في الشهادة .
5064 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن السدي , عن الشعبي في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : في الشهادة .
* - حدثنا يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا يزيد بن أبي زياد , عن مقسم , عن ابن عباس , أنه قال في هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها .
* - حدثني يحيى بن أبي طالب قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن عكرمة في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يعني كتمان الشهادة وإقامتها على وجهها .
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية إعلاما من الله تبارك وتعالى عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وحدثتهم به أنفسهم مما لم يعملوه .
ثم اختلف متأولو ذلك كذلك , فقال بعضهم : ثم نسخ الله ذلك بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 ذكر من قال ذلك : 5065 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا إسحاق بن سليمان , عن مصعب بن ثابت , عن العلاء بن عبد الرحمن , عن أبيه , عن أبي هريرة , قال : لما نزلت : { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } اشتد ذلك على القوم , فقالوا : يا رسول الله إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا ؟
هلكنا !
فأنزل الله عز وجل : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 186 الآية , إلى قوله : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } 2 286 قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله : نعم " .
{ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } 2 286 إلى آخر الآية , قال أبي : قال أبو هريرة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله عز وجل نعم " .
5066 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا وكيع , وحدثنا سفيان بن وكيع , قال : ثنا سفيان , عن آدم بن سليمان مولى خالد بن خالد , قال : سمعت سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } دخل قلوبهم منها شيء لم يدخلها من شيء , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سمعنا وأطعنا وسلمنا " .
قال : فألقى الله عز وجل الإيمان في قلوبهم , قال : فأنزل الله عز وجل : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه } 2 285 قال أبو كريب : فقرأ : { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } 2 286 قال : فقال : " قد فعلت " .
{ ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا } 2 286 قال : " قد فعلت " .
{ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } 2 286 قال : " قد فعلت " .
{ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين } 2 286 قال : " قد فعلت " .
5067 - حدثني أبو الرداد المصري عبد الله بن عبد السلام , قال : ثنا أبو زرعة وهب الله بن راشد , عن حيوة بن شريح , قال : سمعت يزيد بن أبي حبيب , يقول : قال ابن شهاب : حدثني سعيد بن مرجانة , قال : جئت عبد الله بن عمر , فتلا هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } ثم قال ابن عمر : لئن آخذنا بهذه الآية لنهلكن .
ثم بكى ابن عمر حتى سالت دموعه .
قال : ثم جئت عبد الله بن العباس , فقلت : يا أبا عباس , إني جئت ابن عمر فتلا هذه الآية : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } .
..
الآية , ثم قال : لئن واخذنا بهذه الآية لنهلكن !
ثم بكى حتى سالت دموعه .
فقال ابن عباس : يغفر الله لعبد الله بن عمر لقد فرق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منها كما فرق ابن عمر منها , فأنزل الله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 فنسخ الله الوسوسة , وأثبت القول والفعل .
* - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : أخبرني يونس بن يزيد , عن ابن شهاب , عن سعيد بن مرجانة يحدث : أنه بينا هو جالس سمع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية : { لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } .
..
الآية , فقال : والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن !
ثم بكى ابن عمر حتى سمع نشيجه .
فقال ابن مرجانة : فقمت حتى أتيت ابن عباس , فذكرت له ما تلا ابن عمر , وما فعل حين تلاها , فقال عبد الله بن عباس : يغفر الله لأبي عبد الرحمن , لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر , فأنزل الله بعدها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 إلى آخر السورة .
قال ابن عباس : فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها , وصار الأمر إلى أن قضى الله عز وجل : أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل .
5068 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , قال : سمعت الزهري يقول في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : قرأها ابن عمر , فبكى وقال : إنا لمؤاخذون بما نحدث به أنفسنا !
فبكى حتى سمع نشيجه , فقام رجل من عنده , فأتى ابن عباس , فذكر ذلك له , فقال : رحم الله ابن عمر لقد وجد المسلمون نحوا مما وجد , حتى نزلت : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5069 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا عبد الرزاق , عن جعفر بن سليمان , عن حميد الأعرج , عن مجاهد قال : كنت عند ابن عمر فقال : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } .
..
الآية .
فبكى !
فدخلت على ابن عباس , فذكرت له ذلك , فضحك ابن عباس فقال : يرحم الله ابن عمر , أو ما يدري فيم أنزلت ؟
إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غما شديدا , وقالوا : يا رسول الله هلكنا !
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قولوا سمعنا وأطعنا " , فنسختها : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله } 2 285 إلى قوله : { وعليها ما اكتسبت } 2 286 فتجوز لهم من حديث النفس , وأخذوا بالأعمال .
5070 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا يزيد بن هارون , عن سفيان بن حسين , عن الزهري , عن سالم أن أباه قرأ : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فدمعت عينه .
فبلغ صنيعه ابن عباس , فقال : يرحم الله أبا عبد الرحمن !
لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت , فنسختها الآية التي بعدها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 5071 - حدثنا محمد بن بشار , قال أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن عطاء بن السائب , عن سعيد بن جبير , قال : نسخت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 5072 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا أبو أحمد , قال : ثنا سفيان , عن آدم بن سليمان , عن سعيد بن جبير , قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قالوا : أنؤاخذ بما حدثنا به أنفسنا ولم تعمل به جوارحنا ؟
قال : فنزلت هذه الآية : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } 2 286 قال : ويقول : قد فعلت .
قال : فأعطيت هذه الأمة خواتيم سورة البقرة , لم تعطها الأمم قبلها .
5073 - حدثنا أبو كريب , قال : ثنا جرير بن نوح , قال : ثنا إسماعيل , عن عامر : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } قال : فنسختها الآية بعدها قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5074 - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن مغيرة , عن الشعبي : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نسختها الآية التي بعدها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 وقوله : { وإن تبدوا } قال : يحاسب بما أبدى من سر أو أخفى من سر , فنسختها التي بعدها .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا هشيم , قال : أخبرنا سيار , عن الشعبي , قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } قال : فكان فيها شدة حتى نزلت هذه الآية التي بعدها : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 قال : فنسخت ما كان قبلها .
* - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , عن ابن عون , قال : ذكروا عند الشعبي : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } حتى بلغ : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } قال : فقال الشعبي : إلى هذا صار , رجعت إلى آخر الآية .
5075 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } قال : قال ابن مسعود : كانت المحاسبة قبل أن تنزل : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها .
* - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ يقول : ثنا عبيد , قال : سمعت الضحاك , يذكر عن ابن مسعود , نحوه .
* - حدثنا ابن حميد , قال : ثنا جرير , عن بيان , عن الشعبي , قال : نسخت { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5076 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن موسى بن عبيدة , عن محمد بن كعب وسفيان , عن جابر , عن مجاهد , وعن إبراهيم بن مهاجر , عن مجاهد , قالوا : نسخت هذه الآية : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 { إذ تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } .
..
الآية .
5077 - حدثنا ابن وكيع , قال : ثنا أبي , عن إسرائيل , عن جابر , عن عكرمة وعامر , بمثله .
5078 - حدثنا المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا حماد بن حميد , عن الحسن في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه } إلى آخر الآية , قال : محتها : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5079 - حدثنا بشر , قال : ثنا يزيد , قال : ثنا سعيد , عن قتادة , أنه قال : نسخت هذه الآية , يعني قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } .
..
2 286 الآية التي كانت قبلها : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } * - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نسختها قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 5080 - حدثني يونس , قال : أخبرنا ابن وهب , قال : ثني ابن زيد , قال : لما نزلت هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } .
..
إلى آخر الآية , اشتدت على المسلمين , وشقت مشقة شديدة , فقالوا : يا رسول الله لو وقع في أنفسنا شيء لم نعمل به واخذنا الله به ؟
قال : " فلعلكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا " , قالوا : بل سمعنا وأطعنا يا رسول الله .
قال : فنزل القرآن يفرجها عنهم : { آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } 2 285 إلى قوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 قال : فصيره إلى الأعمال , وترك ما يقع في القلوب .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا الحجاج , قال : ثنا هشيم , عن سيار , عن أبي الحكم , عن الشعبي , عن أبي عبيدة , عن عبد الله بن مسعود في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : نسخت هذه الآية التي بعدها : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 5081 - حدثني موسى , قال : ثنا عمرو , قال : ثنا أسباط , عن السدي قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : يوم نزلت هذه الآية كانوا يؤاخذون بما وسوست به أنفسهم وما عملوا , فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقالوا : إن عمل أحدنا وإن لم يعمل أخذنا به ؟
والله ما نملك الوسوسة !
فنسخها الله بهذه الآية التي بعدها بقوله : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } 2 286 فكان حديث النفس مما لم تطيقوا .
5082 - حدثت عن عمار , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن قتادة أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت : نسختها قوله : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 وقال آخرون ممن قال معنى ذلك : " الإعلام من الله عز وجل عباده أنه مؤاخذهم بما كسبته أيديهم وعملته جوارحهم , وبما حدثتهم به أنفسهم مما لم يعلموه " .
هذه الآية محكمة غير منسوخة , والله عز وجل محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما أصروه في أنفسهم ونووه وأرادوه , فيغفره للمؤمنين , ويؤاخذ به أهل الكفر والنفاق .
ذكر من قال ذلك : 5083 - حدثني المثنى , قال : ثنا عبد الله بن صالح , قال : ثني معاوية , عن علي , عن ابن عباس قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فإنها لم تنسخ , ولكن الله عز وجل إذا جمع الخلائق يوم القيامة , يقول الله عز وجل : إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي , فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم , وهو قوله : { يحاسبكم به الله } يقول : يخبركم .
وأما أهل الشك والريب , فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب , وهو قوله : { فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء } وهو قوله : { ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم } 2 225 من الشك والنفاق .
5084 - حدثني محمد بن سعد , قال : ثني أبي , قال : ثني عمي , قال : ثني أبي , عن أبيه , عن ابن عباس : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } فذلك سر عملكم وعلانيته , يحاسبكم به الله , فليس من عبد مؤمن يسر في نفسه خيرا ليعمل به , فإن عمل به كتبت له به عشر حسنات , وإن هو لم يقدر له أن يعمل به كتبت له به حسنة من أجل أنه مؤمن , والله يرضى سر المؤمنين وعلانيتهم , وإن كان سوءا حدث به نفسه اطلع الله عليه وأخبره به يوم تبلى السرائر , وإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به , فإن هو عمل به تجاوز الله عنه , كما قال : { أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم } 46 16 5085 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم الله } .
..
الآية .
قال : قال ابن عباس : إن الله يقول يوم القيامة : إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها , فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم , فأغفر لمن شئت , وأعذب من شئت .
5086 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : أخبرنا علي بن عاصم , قال : أخبرنا بيان , عن بشر , عن قيس بن أبي حازم , قال : إذا كان يوم القيامة , قال الله عز وجل يسمع الخلائق : إنما كان كتابي يكتبون عليكم ما ظهر منكم , فأما ما أسررتم فلم يكونوا يكتبونه , ولا يعلمونه , أنا الله أعلم بذلك كله منكم , فأغفر لمن شئت , وأعذب من شئت .
5087 - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } كان ابن عباس يقول : إذا دعي الناس للحساب , أخبرهم الله بما كانوا يسرون في أنفسهم مما لم يعملوه , فيقول : إنه كان لا يعزب عني شيء , وإني مخبركم بما كنتم تسرون من السوء , ولم تكن حفظتكم عليكم مطلعين عليه .
فهذه المحاسبة .
* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثنا أبو تميلة , عن عبيد بن سليمان , عن الضحاك , عن ابن عباس , نحوه .
5088 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : هي محكمة لم ينسخها شيء , يقول : يحاسبكم به الله , يقول : يعرفه الله يوم القيامة أنك أخفيت في صدرك كذا وكذا لا يؤاخذه .
5089 - حدثني المثنى , قال : ثنا إسحاق , قال : ثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه , عن عمرو بن عبيد , عن الحسن , قال : هي محكمة لم تنسخ .
5090 - حدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : ثنا ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : من الشك واليقين .
* - حدثني محمد بن عمرو , قال : ثنا أبو عاصم , عن عيسى , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد في قول الله عز وجل : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } يقول : في اليقين والشك .
* - حدثني المثنى , قال : ثنا أبو حذيفة , قال : ثنا شبل , عن ابن أبي نجيح , عن مجاهد , مثله .
فتأويل هذه الآية على قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من شيء من الأعمال , فتظهروه بأبدانكم وجوارحكم , أو تخفوه فتسروه في أنفسكم , فلم يطلع عليه أحد من خلقي , أحاسبكم به , فأغفر كل ذلك لأهل الإيمان , وأعذب أهل الشرك والنفاق في ديني .
وأما على الرواية التي رواها عنه الضحاك من رواية عبيد بن سليمان عنه , وعلى ما قاله الربيع بن أنس , فإن تأويلها : إن تظهروا ما في أنفسكم فتعملوه من المعاصي , أو تضمروا إرادته في أنفسكم , فتخفوه , يعلمكم به الله يوم القيامة , فيغفر لمن يشاء , ويعذب من يشاء .
وأما قول مجاهد فشبيه معناه بمعنى قول ابن عباس الذي رواه علي بن أبي طلحة .
وقال آخرون ممن قال : " هذه الآية محكمة وهي غير منسوخة " ووافقوا الذين قالوا : " معنى ذلك أن الله عز وجل أعلم عباده ما هو فاعل بهم فيما أبدوا وأخفوا من أعمالهم " معناها : أن الله محاسب جميع خلقه بجميع ما أبدوا من سيئ أعمالهم , وجميع ما أسروه , ومعاقبهم عليه , غير أن عقوبته إياهم على ما أخفوه مما لم يعملوه ما يحدث لهم في الدنيا من المصائب , والأمور التي يحزنون عليها ويألمون منها .
ذكر من قال ذلك : 5091 - حدثني يحيى بن أبي طالب , قال : ثنا يزيد , قال : أخبرنا جويبر , عن الضحاك في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } .
..
الآية , قال : كانت عائشة رضي الله عنها تقول : من هم بسيئة فلم يعملها أرسل الله عليه من الهم والحزن مثل الذي هم به من السيئة فلم يعملها , فكانت كفارته .
* - حدثت عن الحسين , قال : سمعت أبا معاذ , قال : أخبرنا عبيد , قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : { وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } قال : كانت عائشة تقول : كل عبد يهم بمعصية , أو يحدث بها نفسه , حاسبه الله بها في الدنيا , يخاف ويحزن ويهتم .
* - حدثنا القاسم , قال : ثنا الحسين , قال : ثني أبو تميلة , عن عبيد , عن الضحاك , قال : قالت عائشة في ذلك : كل عبد هم بسوء ومعصية , وحدث نفسه به , حاسبه الله في الدنيا , يخاف ويحزن ويشتد همه , لا يناله من ذلك شيء , كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئا .
5092 - حدثنا الربيع , قال : ثنا أسد بن موسى , قال : ثنا حماد بن سلمة , عن علي بن زيد , عن أمه أنها سألت عائشة عن هذه الآية : { إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله } { ومن يعمل سوءا يجز به } 4 123 فقالت : ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقال : " يا عائشة , هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة , حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفزع لها , فيجدها في ضبنه حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير " .
وأولى الأقوال التي ذكرناها بتأويل الآية قول من قال : إنها محكمة وليست بمنسوخة , وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر له ناف من كل وجوهه , وليس في قوله جل وعز : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 نفى الحكم الذي أعلم عباده بقوله : { أو تخفوه يحاسبكم به الله } لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة , ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه , وقد أخبر الله عز وجل عن المجرمين أنهم حين تعرض عليهم كتب أعمالهم يوم القيامة , يقولون : { يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها } 18 49 فأخبر أن كتبهم محصية عليهم صغائر أعمالهم وكبائرها , فلم تكن الكتب وإن أحصت صغائر الذنوب وكبائرها بموجب إحصائها على أهل الإيمان بالله ورسوله وأهل الطاعة له , أن يكونوا بكل ما أحصته الكتب من الذنوب معاقبين , لأن الله عز وجل وعدهم العفو عن الصغائر باجتنابهم الكبائر , فقال في تنزيله : { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما } 4 31 فدل أن محاسبة الله عباده المؤمنين بما هو محاسبهم به من الأمور التي أخفتها أنفسهم غير موجبة لهم منه عقوبة , بل محاسبته إياهم إن شاء الله عليها ليعرفهم تفضله عليهم بعفوه لهم عنها كما بلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخبر الذي : 5093 - حدثني به أحمد بن المقدام , قال : ثنا المعتمر بن سليمان , قال : سمعت أبي , عن قتادة , عن صفوان بن محرز , عن ابن عمر , عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال : " يدني الله عبده المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه فيقرره بسيئاته يقول : هل تعرف ؟
فيقول نعم , فيقول : سترتها في الدنيا وأغفرها اليوم .
ثم يظهر له حسناته , فيقول : هاؤم اقرءوا كتابيه " أو كما قال : " وأما الكافر , فإنه ينادى به على رءوس الأشهاد " .
5094 - حدثنا ابن بشار , قال : ثنا ابن أبي عدي وسعيد وهشام , وحدثني يعقوب , قال : ثنا ابن علية , قال : أخبرنا هشام , قالا جميعا في حديثهما , عن قتادة , عن صفوان بن محرز , قال : بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر وهو يطوف , إذ عرض له رجل , فقال : يا ابن عمر أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى ؟
فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يدنو المؤمن من ربه حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه , فيقول : هل تعرف كذا ؟
فيقول : رب اغفر مرتين , حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا , وأنا أغفرها لك اليوم " , قال : " فيعطى صحيفة حسناته أو كتابه بيمينه .
وأما الكفار والمنافقون , فينادى بهم على رءوس الأشهاد : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم , ألا لعنة الله على الظالمين " .
إن الله يفعل بعبده المؤمن من تعريفه إياه سيئات أعماله حتى يعرفه تفضله عليه بعفوه له عنها , فكذلك فعله تعالى ذكره في محاسبته إياه بما أبداه من نفسه , وبما أخفاه من ذلك , ثم يغفر له كل ذلك بعد تعريفه تفضله وتكرمه عليه , فيستره عليه , وذلك هو المغفرة التي وعد الله عباده المؤمنين , فقال : يغفر لمن يشاء .
فإن قال قائل : فإن قوله : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 ينبئ عن أن جميع الخلق غير مؤاخذين إلا بما كسبته أنفسهم من ذنب , ولا مثابين إلا بما كسبته من خير .
قيل : إن ذلك كذلك , وغير مؤاخذ العبد بشيء من ذلك إلا بفعل ما نهي عن فعله , أو ترك ما أمر بفعله .
فإن قال : فإذا كان ذلك كذلك , فما معنى وعيد الله عز وجل إيانا على ما أخفته أنفسنا بقوله : { ويعذب من يشاء } إن كان { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } 2 286 وما أضمرته قلوبنا وأخفته أنفسنا , من هم بذنب , أو إرادة لمعصية , لم تكتسبه جوارحنا ؟
قيل له : إن الله جل ثناؤه قد وعد المؤمنين أن يعفوا لهم عما هو أعظم مما هم به أحدهم من المعاصي فلم يفعله , وهو ما ذكرنا من وعده إياهم العفو عن صغائر ذنوبهم إذا هم اجتنبوا كبائرها , وإنما الوعيد من الله عز وجل بقوله : { ويعذب من يشاء } على ما أخفته نفوس الذين كانت أنفسهم تخفي الشك في الله , والمرية في وحدانيته , أو في نبوة نبيه صلى الله عليه وسلم , وما جاء به من عند الله , أو في المعاد والبعث من المنافقين , على نحو ما قال ابن عباس ومجاهد , ومن قال بمثل قولهما أن تأويل قوله : { أو تخفوه يحاسبكم به الله } على الشك واليقين .
غير أنا نقول إن المتوعد بقوله : { ويعذب من يشاء } هو من كان إخفاء نفسه ما تخفيه الشك والمرية في الله , وفيما يكون الشك فيه بالله كفرا , والموعود الغفران بقوله : { فيغفر لمن يشاء } هو الذي أخفى , وما يخفيه الهمة بالتقدم على بعض ما نهاه الله عنه من الأمور التي كان جائزا ابتداء تحليله وإباحته , فحرمه على خلقه جل ثناؤه , أو على ترك بعض ما أمر الله بفعله مما كان جائزا ابتداء إباحة تركه , فأوجب فعله على خلقه .
فإن الذي يهم بذلك من المؤمنين إذا هو لم يصحح همه بما يهم به , ويحقق ما أخفته نفسه من ذلك بالتقدم عليه لم يكن مأخوذا , كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة , ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه " , فهذا الذي وصفنا , هو الذي يحاسب الله به مؤمني عباده ثم لا يعاقبهم عليه .
فأما من كان ما أخفته نفسه شكا في الله وارتيابا في نبوة أنبيائه , فذلك هو الهالك المخلد في النار , الذي أوعده جل ثناؤه العذاب الأليم بقوله : { ويعذب من يشاء } فتأويل الآية إذا : { وإن تبدوا ما في أنفسكم } أيها الناس , فتظهروه { أو تخفوه } فتنطوي عليه نفوسكم , { يحاسبكم به الله } فيعرف مؤمنكم تفضله بعفوه عنه , ومغفرته له , فيغفره له , ويعذب منافقكم على الشك الذي انطوت عليه نفسه في وحدانية خالقه ونبوة أنبيائه .والله على كل شيء قدير القول في تأويل قوله تعالى : { والله على كل شيء قدير } يعني بذلك جل ثناؤه : والله عز وجل على العفو عما أخفته نفس هذا المؤمن من الهمة بالخطيئة , وعلى عقاب هذا الكافر على ما أخفته نفسه من الشك في توحيد الله عز وجل , ونبوة أنبيائه , ومجازاة كل واحد منهما على كل ما كان منه , وعلى غير ذلك من الأمور قادر .
قوله تعالى : لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قديرقوله تعالى : لله ما في السماوات وما في الأرض تقدم معناه .قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيه مسألتان :الأولى : اختلف الناس في معنى قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله على أقوال خمسة :( الأول ) أنها منسوخة ، قاله ابن عباس وابن مسعود وعائشة وأبو هريرة والشعبي وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وموسى بن عبيدة وجماعة من الصحابة والتابعين ، وأنه بقي هذا التكليف حولا حتى أنزل الله الفرج بقوله : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها .
وهو قول ابن مسعود وعائشة وعطاء ومحمد بن سيرين ومحمد بن كعب وغيرهم .
وفي صحيح مسلم عن ابن عباس قال : لما نزلت وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله قال : دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال : فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال : ( قد فعلت ) ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا قال : ( قد فعلت ) ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرينقال : ( قد فعلت ) : في رواية فلما فعلوا ذلك نسخها الله ثم أنزل تعالى : لا يكلف الله نفسا إلا وسعها وسيأتي .[ ص: 383 ] ( الثاني ) قال ابن عباس وعكرمة والشعبي ومجاهد : إنها محكمة مخصوصة ، وهي في معنى الشهادة التي نهى عن كتمها ، ثم أعلم في هذه الآية أن الكاتم لها المخفي ما في نفسه محاسب .( الثالث ) أن الآية فيما يطرأ على النفوس من الشك واليقين ، وقاله مجاهد أيضا .( الرابع ) أنها محكمة عامة غير منسوخة ، والله محاسب خلقه على ما عملوا من عمل وعلى ما لم يعملوه مما ثبت في نفوسهم وأضمروه ونووه وأرادوه ، فيغفر للمؤمنين ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ، ذكره الطبري عن قوم ، وأدخل عن ابن عباس ما يشبه هذا .
روي عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه قال : لم تنسخ ، ولكن إذا جمع الله الخلائق يقول : ( إني أخبركم بما أكننتم في أنفسكم ) فأما المؤمنون فيخبرهم ثم يغفر لهم ، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوه من التكذيب ، فذلك قوله : يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو قوله عز وجل : ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم من الشك والنفاق .
وقال الضحاك : يعلمه الله يوم القيامة بما كان يسره ليعلم أنه لم يخف عليه .
وفي الخبر : ( إن الله تعالى يقول يوم القيامة هذا يوم تبلى فيه السرائر وتخرج الضمائر وأن كتابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من أعمالكم وأنا المطلع على ما لم يطلعوا عليه ولم يخبروه ولا كتبوه فأنا أخبركم بذلك وأحاسبكم عليه فأغفر لمن أشاء وأعذب من أشاء ) فيغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين ، وهذا أصح ما في الباب ، يدل عليه حديث النجوى على ما يأتي بيانه ، لا يقال : فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم يتكلموا أو يعملوا به .
فإنا نقول : ذلك محمول على أحكام الدنيا ، مثل الطلاق والعتاق والبيع التي لا يلزمه حكمها ما لم يتكلم به ، والذي ذكر في الآية فيما يؤاخذ العبد به بينه وبين الله تعالى في الآخرة .
وقال الحسن : الآية محكمة ليست بمنسوخة .
قال الطبري : وقال آخرون نحو هذا المعنى الذي ذكر عن ابن عباس ، إلا أنهم قالوا : إن العذاب الذي يكون جزاء لما خطر في النفوس وصحبه الفكر إنما هو بمصائب الدنيا وآلامها وسائر مكارهها .
ثم أسند عن عائشة نحو هذا المعنى ، وهو ( القول الخامس ) : [ ص: 384 ] ورجح الطبري أن الآية محكمة غير منسوخة : قال ابن عطية : وهذا هو الصواب ، وذلك أن قوله تعالى : وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه معناه مما هو في وسعكم وتحت كسبكم ، وذلك استصحاب المعتقد والفكر ، فلما كان اللفظ مما يمكن أن تدخل فيه الخواطر أشفق الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم ، فبين الله لهم ما أراد بالآية الأخرى ، وخصصها ونص على حكمه أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها ، والخواطر ليست هي ولا دفعها في الوسع ، بل هي أمر غالب وليست مما يكتسب ، فكان في هذا البيان فرجهم وكشف كربهم ، وباقي الآية محكمة لا نسخ فيها : ومما يدفع أمر النسخ أن الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ ، فإن ذهب ذاهب إلى تقدير النسخ فإنما يترتب له في الحكم الذي لحق الصحابة حين فزعوا من الآية ، وذلك أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم : ( قولوا سمعنا وأطعنا ) يجيء منه الأمر بأن يثبتوا على هذا ويلتزموه وينتظروا لطف الله في الغفران .
فإذا قرر هذا الحكم فصحيح وقوع النسخ فيه ، وتشبه الآية حينئذ قوله تعالى : إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فهذا لفظه الخبر ولكن معناه التزموا هذا واثبتوا عليه واصبروا بحسبه ، ثم نسخ بعد ذلك .
وأجمع الناس فيما علمت على أن هذه الآية في الجهاد منسوخة بصبر المائة للمائتين .
قال ابن عطية : وهذه الآية في " البقرة " أشبه شيء بها .
وقيل : في الكلام إضمار وتقييد ، تقديره يحاسبكم به الله إن شاء ، وعلى هذا فلا نسخ .
وقال النحاس : ومن أحسن ما قيل في الآية - وأشبه بالظاهر - قول ابن عباس : إنها عامة ، ثم أدخل حديث ابن عمر في النجوى ، أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما ، واللفظ لمسلم قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه جل وعز حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه ؛ فيقول : هل تعرف ؟
فيقول : أي رب أعرف ، قال : فإني قد سترتها عليك في الدنيا وإني أغفرها لك اليوم فيعطى صحيفة حسناته ، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رءوس الخلائق هؤلاء الذين كذبوا على الله .
وقد قيل : إنها نزلت في الذين يتولون الكافرين من المؤمنين ، أي وإن تعلنوا ما في أنفسكم أيها المؤمنون من ولاية الكفار أو تسروها يحاسبكم به الله ، قاله الواقدي ومقاتل ، واستدلوا بقوله تعالى في ( آل عمران ) قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه من ولاية الكفار يعلمه الله يدل عليه ما قبله من قوله : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين .[ ص: 385 ] قلت : وهذا فيه بعد ؛ لأن سياق الآية لا يقتضيه ، وإنما ذلك بين في " آل عمران " والله أعلم .
وقد قال سفيان بن عيينة : بلغني أن الأنبياء عليهم السلام كانوا يأتون قومهم بهذه الآية لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله .قوله تعالى : فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي " فيغفر ويعذب " بالجزم - عطف - على الجواب .
وقرأ ابن عامر وعاصم بالرفع فيهما على القطع ، أي فهو يغفر ويعذب .
وروي عن ابن عباس والأعرج وأبي العالية وعاصم الجحدري بالنصب فيهما على إضمار " أن " .
وحقيقته أنه عطف على المعنى ، كما في قوله تعالى : فيضاعفه له وقد تقدم .
والعطف على اللفظ أجود للمشاكلة ، كما قال الشاعر :ومتى ما يع منك كلاما يتكلم فيجبك بعقلقال النحاس : وروي عن طلحة بن مصرف " يحاسبكم به الله يغفر " بغير فاء على البدل .
ابن عطية : وبها قرأ الجعفي وخلاد .
وروي أنها كذلك في مصحف ابن مسعود .
قال ابن جني : هي على البدل من " يحاسبكم " وهي تفسير المحاسبة ، وهذا كقول الشاعر :رويدا بني شيبان بعض وعيدكم تلاقوا غدا خيلي على سفوانتلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى إذا ما غدت في المأزق المتدانيفهذا على البدل .
وكرر الشاعر الفعل ؛ لأن الفائدة فيما يليه من القول .
قال النحاس : وأجود من الجزم - لو كان بلا فاء - الرفع ، يكون في موضع الحال ، كما قال الشاعر :متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نار عندها خير موقد
هذا إخبار من الله أنه له ما في السماوات وما في الأرض، الجميع خلقهم ورزقهم ودبرهم لمصالحهم الدينية والدنيوية، فكانوا ملكا له وعبيدا، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، وهو ربهم ومالكهم الذي يتصرف فيهم بحكمته وعدله وإحسانه، وقد أمرهم ونهاهم وسيحاسبهم على ما أسروه وأعلنوه، { فيغفر لمن يشاء } وهو لمن أتى بأسباب المغفرة، ويعذب من يشاء بذنبه الذي لم يحصل له ما يكفره { والله على كل شيء قدير } لا يعجزه شيء، بل كل الخلق طوع قهره ومشيئته وتقديره وجزائه
( لله ما في السماوات وما في الأرض ) ملكا [ وأهلها له عبيد وهو مالكهم ] ( وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ) اختلف العلماء في هذه الآية فقال قوم : هي خاصة ثم اختلفوا في وجه [ خصوصها ] فقال بعضهم : هي متصلة بالآية الأولى نزلت في كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان يحاسبكم به الله وهو قول الشعبي وعكرمة وقال بعضهم : نزلت فيمن يتولى الكافرين دون المؤمنين يعني وإن تعلنوا ما في أنفسكم من ولاية الكفار أو تسروا يحاسبكم به الله وهو قول مقاتل كما ذكر في سورة آل عمران " لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين " إلى أن قال " قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله " ( 29 - آل عمران ) .
قال: اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله صلى الله عليه وسلم كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها قال رسول الله صلى الله عليه وسلمك أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا بل قولوا " سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها " آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير " فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى:" لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا " قال نعم " ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا " قال نعم " ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به " قال نعم " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين " قال نعم" وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما بمعناه، وقال في كل ذلك: قد فعلت، بدل قوله نعم، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم وإليه ذهب محمد بن سيرين و محمد بن كعب و قتادة و الكلبي .
اخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ، أخبرنا أبو محمد عبد ا لله بن يوسف الأصفهاني ، أخبرنا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه ، أخبرنا يعقوب بن يوسف القزويني ، أخبرنا القاسم بن الحكم العرني ، أخبرنا مسعر بن كدام عن قتادة عن زرارة بن أوفى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبسي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل تجاوز عن أمتي ما وسوست به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ".
وقال بعضهم الآية غير منسوخة لأن النسخ لا يرد على الأخبار إنما يرد على الأمر والنهي وقوله " يحاسبكم به الله " خبر لايرد عليه النسخ، ثم اختلفوا في تأويلها فقال قوم: قد أثبت الله تعالى للقلب كسباً فقال " بما كسبت قلوبكم " (225-البقرة) فليس لله عبد أسر عملاً أو أعلنه من حركة من جوارحه أو همسة في قلبع إلا يخبره الله به ويحاسبه عليه ثم يغفر ما يشاء ويعذب بما يشاء، وهذا معنى قول الحسن يدل عليه قوله تعالى " إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا " (36-الإسراء) وقال الآخرون: معنى الآية أن الله عز وجل يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من أعمالهم أو أخفوه ويعقبهم عليه، غير أن معاقبته على ما أخفوه ويعاقبهم عليه، غير أن معاقبته على ما أخفوه مما لم يعلموه بما يحدث لهم في الدنيا من النوائب والمصائب والأأمور التي يحزنون عليها وهذا قول عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فقال: " يا عائشة هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى الشوكة والبضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيروع لها حتى يخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير ".
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أخبرنا أبو منصور السمعاني أخبرنا أبو جعفر الرياني، أخبرنا حميد بن زنجويه ، أخبرنا عبد الله بن صالح ، حدثني الليث، حدثني يزيد بن أبي حبيب عن سعيد بن سنان عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر بعبده أمسك عليه بذنبه حتى يوافيه به يوم القيامه ".
وقال بعضهم " وإن تبدوا ما في أنفسكم " يعني ما في قلوبكم مما عزمتم عليه " أو تخفوه يحاسبكم به الله " ولا تبدوه وأنتم عازمون عليه يحاسبكم به الله فأما ما حدثت به أنفسكم مما لم تعزموا عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ولا يؤاخذكم به، دليله قوله تعالى " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " (225-البقرة).
وقال عبد الله بن المبارك : قلت لسفيان: أيؤاخذ العبد بالهمة قال: إذا كان عزماً أخذ بها، وقيل معنى المحاسبة الإخبار والتعريف، ومعنى الآية: وإن تبدوا ما في أنفسكم فتعملوا به أو تخفوه مما أضمرتم ونويتم يحاسبكم به الله ويجزيكم به ويعرفكم إياه، ثم يغفر للمؤمنين إظهاراً لفضله، ويعذب الكافرين إظهاراً لعدله، وهذا معنى قول الضحاك ، ويروى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما، يدل عليه أنه قال: يحاسبكم به الله ولم يقل يؤاخذكم به، والمحاسبة غير المؤاخذة والدليل عليه ما أخبرنا أبو طاهر محمد بن علي الزراد ، أخبرنا أبو القاسم علي بن أحمد الخزاعي ، أنا أبو سعيد الهيثم بن كليب ، أنا عيسى بن أحمد العسقلاني ، أنا يزيد بن هارون ، أنا همام بن يحيى عن قتادة عن صفوان بن محرز قال: كنت آخذاً بيد عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فأتاه رجل فقال.
كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى؟
فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الله تعالى يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه يستره من الناس فيقول: أي عبدي أتعرف ذنب كذا وكذا؟
فيقول: نعم أي رب ثم يقول أي عبدي تعرف ذنب كذا وكذا؟
فيقول: نعم أي رب، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك، قال فإني سترتها عليك في الدنيا وقد غفرتها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكافر والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين " (18-هود).
قوله تعالى: " فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء " رفع الراء والياء أبو جعفر وابن عامر وعاصم ويعقوب وجزمهما الآخرون، فالرفع على الابتداء والجزم على النسق، وروى طاووس عن ابن عباس رضي الله عنهما، فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم ويعذب من يشاء على الذنب الصغير، " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " " والله على كل شيء قدير " (230-الأنبياء).
«لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا» تظهروا «ما في أنفسكم» من السوء والعزم عليه «أو تخفوه» تسروه «يحاسبكم» يخبركم «به الله» يوم القيامة «فيغفرْ لمن يشاء» المغفرة له «ويعذبْ من يشاء» تعذيبه والفعلان بالجزم عطف على جواب الشرط والرفع أي فهو «والله على كل شيء قدير» ومنه محاسبتكم وجزاؤكم.
لله ملك السماوات والأرض وما فيهما ملكًا وتدبيرًا وإحاطة، لا يخفى عليه شيء.
وما تظهروه مما في أنفسكم أو تخفوه فإن الله يعلمه، وسيحاسبكم به، فيعفو عمن يشاء، ويؤاخذ من يشاء.
والله قادر على كل شيء، وقد أكرم الله المسلمين بعد ذلك فعفا عن حديث النفس وخطرات القلب ما لم يتبعها كلام أو عمل، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ما دام الأمر كذلك فعليكم - أيها المؤمنون - أن تبذلوا نهاية جهدكم في العمل الصالح الذي بين أيديكم إنما هو عارية مستردة ، وأن المالك الحقيقي له إنما هو الله رب العالمين ، فأنفقوا من هذا المال - الذي هو أمانة بين أديكم - في وجوه الخير واجمعوه م نطريق حلال ، وكونوا من القوم العقلاء الصالحين الذين لم تشغلهم دنياهم عن أخراهم ، بل كانوا كما قالوا : ( رَبَّنَآ آتِنَا فِي الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النار ) وقوله - سبحانه - : ( وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ) بيان لشمون علم الله - تعالى - لما أظهره الإِنسان أو أخفاه من أقوال وأعمال ، وأنه سيحاسبه على ذلك بما يستحقه من خير أو شر .والجملة الكريمة صريحة في أن الله - تعالى - يحاسب العباد على نياتهم وما تكسبه قلوبهم سواء أأخفوه أم أظهروه .وقد بين المحققون من العلماء أن هذه المحاسبة إنم اتكون على ما يعزم عليه الإِنسان وينويه ويصر على فعله ، سواء أنفذ ما اعتزم عليه أم حالت دونه حوائل خارجة عن إرادته : كمن عزم على السرقة واتخذ الوسائل لذلك ولكن لم يستطع التنفيذ لأسباب لم يتمكن معها من السرقة التي أصر عليها .أما الخواطر النفسية التي تجول في النفس ، وتعرض للإِنسان دون أن يعزم على تنفيذها ، فإنها ليست موضع مؤاخذة ، بل إن التغلب عليها ، وكفها بعد مكافحتها يجعله أهلاً للثواب .ففي الحصحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال الله - تعالى - : إذا هم عبدى بسيئة فلا تكتبوها عليه فإن عملها فاكتبوها سيئة ، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة ، فإن عملها فاكتبوها عشر " .وروى الجماعة في كتبهم عن أبي هريرة قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله تجاوزوا لي عن أمتي ما وسوست به صدورها ما لم تعمل أو تتكلم " .قال الفخر الرازي : الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين : فمنها ما يوطن الإِنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود ، ومنها ما لا يكون كذلك ، بل تكون أموراً خاطرة بالبال مع أن الإِنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس .فالقسم الأول يكون مؤاخذاً به .والثاني لا يكون مؤاخذاً به ، ألا ترى إلى قوله - تعالى - : ( لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو في أَيْمَانِكُمْ ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) وقال الآلوسي : المؤاخذة على تصميم العزم على إيقاع المعصية في الأعيان وهو من الكيفيات النفسانية التي تلحق بالملكات ، وليس كذلك سائر ما يحدث في النفس - أي من خواطر لا تصميم ولا عزم معها - قال بعضهم :مراتب القصد خمس هاجس ذكروا ...
فخاطر فحديث النفس فاستمعايليه هم فعزم كلها رفعت ...
سوى الأخير ففيه الأخذ قد وقعاوقوله - تعالى - : ( فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ) بيان لنتيجة المحابة التي تكون من الخالق - عز وجل - لعباده .أي : أنه - سبحانه - بمقتضى علمه الشامل ، وإرادته النافذة ، يحاسب عباده على ما أسروه وما أعلنوه من أقوال وأعمال ، فيغفر بفضله لمن يشاء أو يغفر له ، ويعذب بعدله من يشاء أن يعذبه ، لا راد لمشيئته ولا معقب لحكمه .وقوله : ( فيغفر ) ويعذب ، قرأه عاصم وابن عامر ويعقوب وأبو جعفر برفع الراء والباء على الاستئناف أي فهو يغفر : وقرأ الباقون بإسكانهما عطفاً على جواب الشرط وهو قوله : ( يُحَاسِبْكُمْ ) .وقوله : ( والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) تذييل مقرر لمضمون ما قبله فإن كمال قدرته - سبحانه - على جميع الأشياء موجب لقدرته على ما سبق ذكره من المحاسبة لعباده ، وإثابة من يشاء إثابته وتعذيب من يشاء تعذيبه ، فهو القاهر فوق عباده ، وهو الحكيم الخبير .ثم ختم - سبحانه - سورة البقرة بآيتين كريمتين في أولاهما أن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم امتداد للرسالات السماوية السباقة وخاتمة لها ومهيمنة عليها ، وبين في الثانية أنه - سبحانه - لم يكلف الناس إلا مبا في قدرتهم ، وأنهم سيحاسبون على أعمالهم ، وأن من شأن الأخيار أن يكثروا من التضرع إليه بخلاص الدعاء .
قال - تعالى - :( آمَنَ الرسول بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ .
.
.
)
في الآية مسائل: المسألة الأولى: في كيفية النظم وجوه: الأول: قال الأصم: إنه تعالى لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول، وهو دليل التوحيد والنبوّة، وأشياء كثيرة من علم الأصول ببيان الشرائع والتكاليف، وهي في الصلاة، والزكاة، والقصاص، والصوم، والحج، والجهاد، والحيض، والطلاق، والعدة، والصداق، والخلع، والإيلاء، والرضاع، والبيع، والربا، وكيفية المداينة ختم الله تعالى هذه السورة بهذه الآية على سبيل التهديد.
وأقول إنه قد ثبت أن الصفات التي هي كمالات حقيقية ليست إلا القدرة والعلم، فعبّر سبحانه عن كمال القدرة بقوله: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ملكا وملكاً، وعبر عن كمال العلم المحيط بالكليات والجزئيات بقوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ وإذا حصل كمال القدرة والعلم، فكان كل من في السموات والأرض عبيداً مربوبين وجدوا بتخليقه وتكوينه كان ذلك غاية الوعد للمطيعين، ونهاية الوعيد للمذنبين، فلهذا السبب ختم الله هذه السورة بهذه الآية.
والوجه الثاني: في كيفية النظم، قال أبو مسلم: إنه تعالى لما قال في آخر الآية المتقدمة ﴿ والله بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ذكر عقيبه ما يجري مجرى الدليل العقلي فقال: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ ومعنى هذا الملك أن هذه الأشياء لما كانت محدثة فقد وجدت بتخليقه وتكوينه وإبداعه ومن كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة العجيبة الغريبة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع العظيمة لابد وأن يكون عالماً بها إذ من المحال صدور الفعل المحكم المتقن عن الجاهل به، فكان الله تعالى احتج بخلقه السموات والأرض مع ما فيهما من وجوه الإحكام والإتقان على كونه تعالى عالماً بها محيطاً بأجزائها وجزئياتها.
الوجه الثالث: في كيفية النظم، قال القاضي: إنه تعالى لما أمر بهذه الوثائق أعني الكتبة والإشهاد والرهن، فكان المقصود من الأمر بها صيانة الأموال، والاحتياط في حفظها بيّن الله تعالى أنه إنما المقصود لمنفعة ترجع إلى الخلق لا لمنفعة تعود إليه سبحانه منها فإنه له ملك السموات والأرض.
الوجه الرابع: قال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه تعالى لما نهى عن كتمان الشهادة وأوعد عليه بيّن أنه له ملك السموات والأرض فيجازي على الكتمان والإظهار.
المسألة الثانية: احتج الأصحاب بقوله: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ على أن فعل العبد خلق الله تعالى، لأنه من جملة ما في السموات والأرض بدليل صحة الاستثناء، واللام في قوله: ﴿ لِلَّهِ ﴾ ليس لام الغرض، فإنه ليس غرض الفاسق من فسقه طاعة الله، فلابد وأن يكون المراد منه لام الملك والتخليق.
المسألة الثالثة: احتج الأصحاب بهذه الآية على أن المعدوم ليس بشيء لأن من جملة ما في السموات والأرض حقائق الأشياء وماهياتها فهي لابد وأن تكون تحت قدرة الله سبحانه وتعالى وإنما تكون الحقائق والماهيات تحت قدرته لو كان قادراً على تحقيق تلك الحقائق، وتكوين تلك الماهيات، فإذا كان كذلك كانت قدرة الله تعالى مكونة للذوات، ومحققة للحقاق، فكان القول بأن المعدوم شيءً باطلاً.
ثم قال تعالى: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ يروى عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف ومعاذ وناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله كلفنا من العمل ما لا نطيق إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وإن له الدنيا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلعلّكم تقولون كما قال بنو إسرائيل سمعنا وعصينا قولوا: سمعنا وأطعنا»، فقالوا سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم فمكثوا في ذلك حولاً فأنزل الله تعالى: ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ فنسخت هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثوا به أنفسهم مالم يعملوا أو يتكلموا به».
واعلم أن محل البحث في هذه الآية أن قوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ يتناول حديث النفس، والخواطر الفاسدة التي ترد على القلب، ولا يتمكن من دفعها، فالمؤاخذة بها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، والعلماء أجابوا عنه من وجوه: الوجه الأول: أن الخواطر الحاصلة في القلب على قسمين، فمنها ما يوطن الإنسان نفسه عليه ويعزم على إدخاله في الوجود، ومنها ما لا يكون كذلك بل تكون أموراً خاطرة بالبال مع أن الإنسان يكرهها ولكنه لا يمكنه دفعها عن النفس، فالقسم الأول: يكون مؤاخذاً به، والثاني: لا يكون مؤاخذاً به، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِي أيمانكم ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ وقال في آخر هذه السورة ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكتسبت ﴾ وقال: ﴿ إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين ءَامَنُواْ ﴾ هذا هو الجواب المعتمد.
والوجه الثاني: أن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل، فهو في محل العفو وقوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ فالمراد منه أنه يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية وأما ما وجد في القلب من العزائم والإرادات ولم يتصل بالعمل فكل ذلك في محل العفو وهذا الجواب ضعيف، لأن أكثر المؤاخذات إنما تكون بأفعال القلوب ألا ترى أن اعتقاد الكفر والبدع ليس إلا من أعمال القلوب: وأعظم أنواع العقاب مرتب عليه، وأيضاً فأفعال الجوارح إذا خلت عن أفعال القلوب لا يترتب عليها عقاب كأفعال النائم والساهي فثبت ضعف هذا الجواب.
والوجه الثالث في الجواب: أن الله تعالى يؤاخذه بها لكن مؤاخذتها هي الغموم والهموم في الدنيا، روى الضحاك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه بغم يبتليه به في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب عليه، وروت أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.
فإن قيل: المؤاخذة كيف تحصل في الدنيا مع قوله تعالى: ﴿ اليوم تجزى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ﴾ .
قلنا: هذا خاص فيكون مقدماً على ذلك العام.
الوجه الرابع في الجواب: أنه تعالى قال: ﴿ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ ولم يقل: يؤاخذكم به الله وقد ذكرنا في معنى كونه حسيباً ومحاسباً وجوهاً كثيرة، وذكرنا أن من جملة تفاسيره كونه تعالى عالماً بها، فرجع معنى هذه الآية إلى كونه تعالى عالماً بكل ما في الضمائر والسرائر، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن الله تعالى إذا جمع الخلائق يخبرهم بما كان في نفوسهم، فالمؤمن يخبره ثم يعفو عنه، وأهل الذنوب يخبرهم بما أخفوا من التكذيب والذنب.
الوجه الخامس في الجواب: أنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ فيكون الغفران نصيباً لمن كان كارهاً لورود تلك الخواطر، والعذاب يكون نصيباً لمن يكون مصراً على تلك الخواطر مستحسناً لها.
الوجه السادس: قال بعضهم: المراد بهذه الآية كتمان الشهادة، وهو ضعيف، لأن اللفظ عام، وإن كان واراه عقيب تلك القضية لا يلزم قصره عليه.
الوجه السابع في الجواب: ما روينا عن بعض المفسرين أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿ لا يُكَلّفُ الله نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ وهذا أيضاً ضعيف لوجوه: أحدها: أن هذا النسخ إنما يصح لو قلنا: أنهم كانوا قبل هذا النسخ مأمورين بالاحتراز عن تلك الخواطر التي كانوا عاجزين عن دفعها، وذلك باطل، لأن التكليف قط ما ورد إلا بما في القدرة، ولذلك قال عليه السلام: «بعثت بالحنيفية السهلة السمحة».
والثاني: أن النسخ إنما يحتاج إليه لو دلت الآية على حصول العقاب على تلك الخواطر، وقد بينا أن الآية لا تدل على ذلك والثالث: أن نسخ الخبر لا يجوز إنما الجائز هو نسخ الأوامر والنواهي.
واعلم أن الناس اختلافاً في أن الخبر هل ينسخ أم لا؟
وقد ذكرنا في أصول الفقه، والله أعلم.
ثم قال: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ وفيه مسألتان: المسألة الأولى: الأصحاب قد احتجوا بهذه الآية على جواز غفران ذنوب أصحاب الكبائر وذلك لأن المؤمن المطيع مقطوع بأنه يثاب ولا يعاقب، والكافر مقطوع بأنه يعاقب ولا يثاب، وقوله: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذّبُ مَن يَشَاء ﴾ رفع للقطع واحد من الأمرين، فلم يبق إلا أن يكون ذلك نصيباً للمؤمن يرثه المذنب بأعماله.
المسألة الثانية: قرأ عاصم وابن عامر ﴿ فَيَغْفِرُ ﴾ ، ﴿ يُعَذّبُ ﴾ برفع الراء والباء، وأما الباقون فبالجزم أما الرفع فعلى الاستئناف، والتقدير: فهو يغفر، وأما الجزم فبالعطف على يحاسبكم ونقل عن أبي عمرو أنه أدغم الراء في اللام في قوله: ﴿ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء ﴾ قال صاحب الكشاف: إنه لحن ونسبته إلى أبي عمرو كذب، وكيف يليق مثل هذا اللحن بأعلم الناس بالعربية.
ثم قال: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ وقد بيّن بقوله: ﴿ للَّهِ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ أنه كامل الملك والملكوت، وبين بقوله: ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله ﴾ أنه كامل العلم والإحاطة، ثم بيّن بقوله: ﴿ والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ ﴾ أنه كامل القدرة مستولي على كل الممكنات بالقهر والقدرة والتكوين والإعدام ولا كمال أعلى وأعظم من حصول الكمال في هذه الصفات والموصوف بهذه الكمالات يجب على كل عاقل أن يكون عبداً منقاداً له، خاضعاً لأوامره ونواهيه محترزاً عن سخطه ونواهيه، وبالله التوفيق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ ﴾ يعني من السوء يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء لمن استوجب المغفرة بالتوبة مما أظهر منه أو أضمره ﴿ وَيُعَذّبُ مَن يَشَاءُ ﴾ ممن استوجب العقوبة بالإصرار.
ولا يدخل فيما يخفيه الإنسان: الوساوس وحديث النفس، لأنّ ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما اعتقده وعزم عليه.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه تلاها فقال: لئن آخذنا الله بهذا لنهلكنّ، ثم بكى حتى سمع نشيجه فذكر لابن عباس فقال: يغفر الله لأبي عبد الرحمن.
قد وجد المسلمون منها مثل ما وجد فنزل ﴿ لاَ يُكَلّفُ الله ﴾ وقرئ: ﴿ فيغفر ﴾ و ﴿ يعذب ﴾ ، مجزومين عطفاً على جواب الشرط، ومرفوعين على: فهو يغفر ويعذب.
فإن قلت: كيف يقرأ الجازم؟
قلت: يظهر الراء ويدغم الباء.
ومدغم الراء في اللام لاحن مخطئ خطأ فاحشا.
وراويه عن أبي عمرو مخطئ مرّتين، لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس بالعربية ما يؤذن بجهل عظيم.
والسبب في نحو هذه الروايات قلة ضبط الرواة، والسبب في قلة الضبط قلة الدراية، ولا يضبط نحو هذا إلا أهل النحو.
وقرأ الأعمش: ﴿ يغفر ﴾ بغير فاء مجزوماً على البدل من يحاسبكم، كقوله: مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا في دِيَارِنَا ** تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وَنَاراً تَأجَّجَا ومعنى هذا البدل التفصيل لجملة الحساب، لأنّ التفصيل أوضح من المفصل، فهو جار مجرى بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه، وأحب زيداً عقله، وهذا البدل واقع في الأفعال وقوعه في الأسماء لحاجة القبيلين إلى البيان.
﴿ والمؤمنون ﴾ إن عطف على الرسول كان الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل راجعاً إلى الرسول والمؤمنين، أي كلهم آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله من المذكورين.
ووقف عليه.
وإن كان مبتدأ كان الضمير للمؤمنين.
ووحد ضمير كل في آمن على معنى: كل واحد منهم آمن، وكان يجوز أن يجمع، كقوله: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ داخرين ﴾ [النمل: 87] .
وقرأ ابن عباس: ﴿ وكتابه ﴾ ، يريد القرآن أو الجنس وعنه الكتاب أكثر من الكتب.
فإن قلت: كيف يكون الواحد أكثر من الجمع؟
قلت: لأنه إذا أريد بالواحد الجنس والجنسية قائمة في وحدان الجنس كلها لم يخرج منه شيء.
فأما الجمع فلا يدخل تحته إلا ما فيه الجنسية من الجموع ﴿ لاَنُفَرِّقُ ﴾ يقولون لا نفرق.
وعن أبي عمرو: ﴿ يفرق ﴾ بالياء، على أن الفعل لكل.
وقرأ عبد الله: ﴿ لا يفرقون ﴾ .
و ﴿ أَحَدٍ ﴾ في معنى الجمع، كقوله تعالى: ﴿ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين ﴾ [الحاقة: 47] ولذلك دخل عليه بين.
﴿ سَمِعْنَا ﴾ أجبنا ﴿ غُفْرَانَكَ ﴾ منصوب بإضمار فعله.
يقال: غفرانك لا كفرانك، أي نستغفرك ولا نكفرك وقرئ: ﴿ وكتبه ورسله ﴾ بالسكون.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ خَلْقًا ومُلْكًا.
﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ ﴾ يَعْنِي ما فِيها مِنَ السُّوءِ والعَزْمِ عَلَيْهِ لِتَرَتُّبِ المَغْفِرَةِ والعَذابِ عَلَيْهِ.
﴿ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ يَوْمَ القِيامَةِ.
وهو حُجَّةٌ عَلى مَن أنْكَرَ الحِسابَ كالمُعْتَزِلَةِ والرَّوافِضِ.
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ مَغْفِرَتَهُ.
﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ تَعْذِيبَهُ، وهو صَرِيحٌ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ.
وقَدْ رَفَعَهُما ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ عَلى الِاسْتِئْنافِ، وجَزَمَهُما الباقُونَ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، ومَن جَزَمَ بِغَيْرِ فاءٍ جَعَلَهُما بَدَلًا مِنهُ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ أوِ الِاشْتِمالِ كَقَوْلِهِ: مَتى تَأْتِنا تُلْمِمْ بِنا في دِيارِنا...
تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا ونارًا تَأجَّجا وَإدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ لَحْنٌ إذِ الرّاءُ لا تُدْغَمُ إلّا في مِثْلِها.
﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ فَيَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والمُحاسَبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{لِلَّهِ مَا فِى السماوات وَمَا فِى الأرض} خلقاً وملكاً {وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أو تخفوه}
يعني من السوء {يُحَاسِبْكُم بِهِ الله} يكافئكم ويجازيكم ولا تدخل الوساوس وحديث النفس فيما يخفيه الإنسان لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه ولكن ما اعتقده وعزم عليه والحاصل أن عزم الكفر كفر وخطرة الذنوب من غير عزم معفوة وعزم الذنوب إذا ندم عليه ورجع عنه واستغفر منه مغفور فأما إذا هم بسيئة وهو ثابت على ذلك إلا أنه منع عنه بمانع ليس باختياره فإنه لا يعاقب على ذلك عقوبة فعله أي بالعزم على الزنا لا يعاقب عقوبة الزنا وهل يعاقب عقوبة عزم الزنا قيل لا لقوله عليه السلام إن الله عفى عن أمتي ما حدثت به أنفسها
ما لم تعمل أو تتكلم به والجمهور على أن الحديث في الخطرة دون العزم وأن المؤاخذة في العزم ثابتة وإليه مال الشيخ أبو منصور وشمس الأئمة الحلواني رحمهما الله والدليل عليه قوله تعالى {إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أن تشيع الفاحشة} الآية وعن عائشة رضي الله عنها ما هم العبد بالمعصية من غير عمل يعاقب على ذلك ما يلحقه من الهم والحزن في الدنيا وفي أكثر التفاسير أنه لما نزلت هذه الآية جزعت الصحابة رضى الله عنهم وقالوا أنؤاخذ بكل ما حدثت به أنفسنا فنزل قوله {آمن الرسول} إلى قوله {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} فتعلق ذلك بالكسب دون العزم وفي بعضها أنها نسخت بهذه الآية والمحققون على أن النسخ يكون في الأحكام لا في الأخبار {فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ} برفعهما شامي وعاصم أي فهو يغفر ويعذب ويجزمهما غيرهم عطفاً على جواب الشرط وبالإدغام أبو عمرو وكذا في الإشارة والبشارة وقال صاحب الكشاف مدغم الراء فى اللام لاحن مخطئ لأن الراء حرف مكرر فيصير بمنزلة المضاعف ولا يجوز ادغام المضاعف وراوية عن ابى عمرو مخطى مرتين لأنه يلحن وينسب إلى أعلم الناس في العربية ما يؤذن بجهل عظيم {والله على كُلِّ شَىْءٍ} من المغفرة والتعذيب وغيرهما {قدير} قادر
﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ مِنَ الأُمُورِ الدّاخِلَةِ في حَقِيقَتِهِما والخارِجَةِ عَنْهُما كَيْفَ كانَتْ أيْ كُلُّها مِلْكٌ لَهُ تَعالى ومُخْتَصَّةٌ بِهِ فَلَهُ أنْ يُلْزِمَ مَن شاءَ مِن مَمْلُوكاتِهِ بِما شاءَ مِن تَكْلِيفاتِهِ ولَيْسَ لِأحَدٍ أنَّ يَقُولَ المالُ مالِي أتَصَرَّفُ بِهِ كَيْفَ شِئْتُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ هَذِهِ الجُمْلَةَ كالدَّلِيلِ لِما قَبْلَها ﴿ وإنْ تُبْدُوا ﴾ أيْ تُظْهِرُوا لِلنّاسِ ﴿ ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ ما حَصَلَ فِيها حُصُولًا أصْلِيًّا بِحَيْثُ يُوجِبُ اِتِّصافَها بِهِ كالمَلَكاتِ الرَّدِيئَةِ والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ كالحَسَدِ والكِبْرِ والعَجَبِ والكُفْرانِ وكِتْمانِ الشَّهادَةِ ﴿ أوْ تُخْفُوهُ ﴾ بِأنْ لا تُظْهِرُوهُ.
﴿ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ أيْ يُجازِيكم بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، وأمّا تَصَوُّرُ المَعاصِي والأخْلاقِ الذَّمِيمَةِ فَهو لِعَدَمِ إيجابِهِ اِتِّصافَ النَّفْسِ بِهِ لا يُعاقَبُ عَلَيْهِ ما لَمْ يُوجَدْ في الأعْيانِ، وإلى هَذا الإشارَةُ بِقَوْلِهِ : «إنَّ اللَّهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتِي ما حَدَّثَتْ بِهِ أنْفُسَها ما لَمْ تَعْمَلْ أوْ تَتَكَلَّمْ» أيْ إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يُعاقِبُ أُمَّتِي عَلى تَصَوُّرِ المَعْصِيَةِ وإنَّما يُعاقِبُ عَلى عَمَلِها، فَلا مُنافاةَ بَيْنَ الحَدِيثِ والآيَةِ خِلافًا لِمَن تَوَهَّمَ ذَلِكَ ووَقَعَ في حَيْصَ بَيْصَ لِدَفْعِهِ.
ولا يُشْكِلُ عَلى هَذا أنَّهم قالُوا: إذا وصَلَ التَّصَوُّرُ إلى حَدِّ التَّصْمِيمِ والعَزْمِ يُؤاخَذُ بِهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ لِأنّا نَقُولُ: المُؤاخَذَةُ بِالحَقِيقَةِ عَلى تَصْمِيمِ العَزْمِ عَلى إيقاعِ المَعْصِيَةِ في الأعْيانِ وهو أيْضًا مِنَ الكَيْفِيّاتِ النَّفْسانِيَّةِ الَّتِي تَلْحَقُ بِالمَلَكاتِ ولا كَذَلِكَ سائِرُ ما يَحْدُثُ في النَّفْسِ ونَظَمَهُ بَعْضُهم بِقَوْلِهِ: مَراتِبُ القَصْدِ خَمْسٌ هاجِسٌ ذَكَرُوا فَخاطِرٌ فَحَدِيثُ النَّفْسِ فاسْتَمِعا يَلِيهِ هَمٌّ فَعَزْمٌ كُلُّها رُفِعَتْ ∗∗∗ سِوى الأخِيرِ فَفِيهِ الأخْذُ قَدْ وقَعا فالآيَةُ عَلى ما قَرَّرَنا مُحْكَمَةٌ، وادَّعى بَعْضُهم أنَّها مَنسُوخَةٌ مُحْتَجًّا بِما أخْرَجَهُ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةَ اِشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ جَثَوا عَلى الرَّكْبِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ الصَّلاةَ والصَّوْمَ والجِهادَ والصَّدَقَةَ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ولا نُطِيقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَ أهْلُ الكِتابَيْنِ مِن قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟
بَلْ قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ ”، فَلَمّا اِقْتَرَأها القَوْمُ وزَلَّتْ بِها ألْسِنَتُهم أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في إثْرِها ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ الآيَةَ فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَها اللَّهُ تَعالى فَأنْزَلَ سُبْحانَهُ ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ الخ،» وصَحَّ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ مَرْوانَ الأصْغَرِ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ [قالَ] أحْسَبُهُ اِبْنَ عُمَرَ ﴿ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ ﴾ قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها، وعَلى هَذا لا يُحْتاجُ إلى التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَةِ وذَلِكَ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِوَجْهٍ، ويَكُونُ الحَدِيثُ إخْبارًا عَمّا كانَ بَعْدَ النَّسْخِ.
واسْتُشْكِلَ ذَلِكَ بِأنَّ النَّسْخَ مُخْتَصٌّ بِالإنْشاءِ ولا يَجْرِي في الخَبَرِ والآيَةُ الكَرِيمَةُ مِنَ القِسْمِ الثّانِي ومِن هُنا قالَ الطَّبَرْسِيُّ وأخْطَأ أنَّ الرِّواياتِ في النَّسْخِ كُلُّها ضَعِيفَةٌ، وأُجِيبَ بِأنَّ النُّسَخَ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلى مَدْلُولِ الخَبَرِ نَفْسِهِ سَواءٌ قُلْنا إنَّهُ مِمّا يَتَغَيَّرُ كَإيمانِ زَيْدٍ وكُفْرِ عَمْرٍو أمْ لا كَوُجُودِ الصّانِعِ وحُدُوثِ العالِمِ بَلْ إنَّ النَّهْيَ المَفْهُومَ مِنهُ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ الصَّحابَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ : ««كُلِّفْنا مِنَ الأعْمالِ ما نُطِيقُ وقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْكَ هَذِهِ الآيَةَ ولا نُطِيقُها»» فَإنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ في أنَّهم فَهِمُوا مِنَ الآيَةِ تَكْلِيفًا، والحُكْمُ الشَّرْعِيُّ المَفْهُومُ مِنَ الخَبَرِ يَجُوزُ نَسْخُهُ بِالِاتِّفاقِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلامُ العَضُدِ وغَيْرِهِ.
وبَعْضُ مَنِ اِدَّعى أنَّ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ وتَوَقَّفَ في قَبُولِ هَذا الجَوابِ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ مِنَ النَّسْخِ البَيانُ وإيضاحُ المُرادِ مَجازًا كَما مَرَّتِ الإشارَةُ إلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاعْفُوا واصْفَحُوا ﴾ كَأنَّهُ قِيلَ: كَيْفَ يُحْمَلُ ﴿ ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ عَلى ما يَعُمُّ الوَساوِسَ الضَّرُورِيَّةَ وهو يَسْتَلْزِمُ التَّكْلِيفَ بِما لَيْسَ في الوُسْعِ واَللَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها، واعْتُرِضَ هَذا بِأنَّهُ عَلى بُعْدِهِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهُ أقَرَّ الصَّحابَةَ عَلى ما فَهِمُوهُ وهو بِمَعْزِلٍ عَنْ مُرادِ اللَّهِ تَعالى ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَهم مَعَ ما هم فِيهِ مِنَ الِاضْطِرابِ والوَجَلِ الَّذِي جَثَوا بِسَبَبِهِ عَلى الرَّكْبِ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى، ويُمْكِنُ أنْ يُجابَ عَلى بُعْدٍ بِأنَّهُ لا مَحْذُورَ في هَذا اللّازِمِ ويَلْتَزِمُ بِأنَّهُ مِن قَبِيلِ إقْرارِهِ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ حِينَ فَسَّرَ الرُّؤْيا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ، والسَّلامُ وقالَ: «“ أخْطَأْتُ أمْ أصَبْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقالَ لَهُ : أصَبْتَ بَعْضَها وأخْطَأْتَ بَعْضَها» ولَمْ يُبَيِّنْ لَهُ فِيما أصابَ وفِيما أخْطَأ لِأمْرٍ ما، ولَعَلَّهُ هُنا اِبْتِلاؤُهم وأنْ يُمَحِّصَ ما في صُدُورِهِمْ وهَذا عَلى العِلّاتِ أوْلى مِن حَمْلِ النَّسْخِ عَلى التَّخْصِيصِ لِاسْتِلْزامِهِ مَعَ ما فِيهِ وُقُوعَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ كَما لا يَخْفى، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ إنْ تُعْلِنُوا ما في أنْفُسِكم مِنَ السُّوءِ، أوْ لَمْ تُعْلِنُوهُ بِأنْ تَأْتُوا بِهِ خُفْيَةً يُعاقِبْكُمُ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، ويَؤُولُ إلى قَوْلِنا إنْ تُدْخِلُوا الأعْمالَ السَّيِّئَةَ في الوُجُودِ ظاهِرًا أوْ خُفْيَةً يُحاسِبْكم بِها اللَّهُ تَعالى، أوْ إنْ تُظْهِرُوا ما في أنْفُسِكم مِن كِتْمانِ الشَّهادَةِ بِأنْ تَقُولُوا لِرَبِّ الشَّهادَةِ عِنْدَنا شَهادَةٌ ولَكِنْ نَكْتُمُها ولا نُؤَدِّيها لَكَ عِنْدَ الحُكّامِ، أوْ تُخْفُوهُ بِأنْ تَقُولُوا لَهُ لَيْسَ في عِلْمِنا خَبَرُ ما تُرِيدُ أنْ نَشْهَدَ بِهِ وأنْتُمْ كاذِبُونَ في ذَلِكَ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ وأُيِّدَ هَذا بِما أخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ قالَ: نَزَلَتْ في الشَّهادَةِ، وقِيلَ: الآيَةُ عَلى ظاهِرِها، و ﴿ ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ عَلى عُمُومِهِ الشّامِلِ لِجَمِيعِ الخَواطِرِ إلّا أنَّ مَعْنى ﴿ يُحاسِبْكُمْ ﴾ يُخْبِرْكم بِهِ اللَّهُ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ، وقَدْ عُدُّوا مِن جُمْلَةِ مَعْنى الحَسِيبِ العَلِيمِ، وجَمِيعُ هَذِهِ الأقْوالِ لا تَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، فَتَدَبَّرْ.
وارْجِعْ إلى ذِهْنِكَ فَلا أخالُكَ تَجِدُ فَوْقَ ما ذَكَرْناهُ أوْ مِثْلَهُ في كِتابٍ.
وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى الفاعِلِ لِلِاعْتِناءِ بِهِ، وأمّا تَقْدِيمُ الإبْداءِ عَلى الإخْفاءِ عَلى عَكْسِ ما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ إنْ تُخْفُوا ما في صُدُورِكم أوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ فَلَمّا قِيلَ: إنَّ المُعَلَّقَ بِما في أنْفُسِهِمْ هُنا المُحاسَبَةُ والأصْلُ فِيها الأعْمالُ البادِيَةُ، وأمّا العِلْمُ فَتَعَلُّقُهُ بِها كَتَعَلُّقِهِ بِالأعْمالِ الخافِيَةِ ولا يَخْتَلِفُ الحالُ عَلَيْهِ تَعالى بَيْنَ الأشْياءِ البارِزَةِ والكامِنَةِ بَلْ لا كامِنَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ خَلا أنَّ مَرْتَبَةَ الإخْفاءِ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى مَرْتَبَةِ الإبْداءِ [إذْ] ما مِن شَيْءٍ يَبْدُو إلّا وهو أوْ مُبادِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ مُضْمَرٌ في النَّفْسِ فَتَعَلُّقُ عِلْمِهِ تَعالى بِحالَتِهِ الأُولى مُتَقَدِّمٌ عَلى تَعَلُّقِ عِلْمِهِ بِحالَتِهِ الثّانِيَةِ.
﴿ فَيَغْفِرُ ﴾ بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ أيْ فَهو يَغْفِرُ بِفَضْلِهِ ﴿ لِمَن يَشاءُ ﴾ أنْ يَغْفِرَ لَهُ مِن عِبادِهِ ﴿ ويُعَذِّبُ ﴾ بِعَدْلِهِ.
﴿ مَن يَشاءُ ﴾ أنْ يُعَذِّبَهُ مِن عِبادِهِ، وتَقْدِيمُ المَغْفِرَةِ عَلى التَّعْذِيبِ لِتَقَدُّمِ رَحْمَتِهِ عَلى غَضَبِهِ، وقَرَأ غَيْرُ اِبْنِ عامِرٍ وعاصِمٍ ويَعْقُوبَ بِجَزْمِ الفِعْلَيْنِ عَطْفًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، وقَرَأ اِبْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما بِنَصْبِهِما بِإضْمارِ أنْ وتَكُونُ هي وما في حَيِّزِها بِتَأْوِيلِ مَصْدَرٍ مَعْطُوفٍ عَلى المَصْدَرِ المُتَوَهَّمِ مِنَ الفِعْلِ السّابِقِ، والتَّقْدِيرُ تَكُنْ مُحاسَبَةٌ فَغُفْرانٌ وعَذابٌ، ومِنَ القَواعِدِ المُطَّرِدَةِ أنَّهُ إذا وقَعَ بَعْدَ جَزاءِ الشَّرْطِ فِعْلٌ بَعْدَ واوٍ أوْ فاءٍ جاءَ فِيهِ الأوْجُهُ الثَّلاثَةُ وقَدْ أشارَ لَها اِبْنُ مالِكٍ: والفِعْلُ مِن بَعْدِ الجَزا إنْ يَقْتَرِنْ ∗∗∗ بِالفاءِ أوِ الواوِ بِتَثْلِيثٍ قَمِن وقَرَأ اِبْنُ مَسْعُودٍ يَغْفِرُ ويُعَذِّبُ بِالجَزْمِ بِغَيْرِ فاءٍ، ووَجْهُهُ عِنْدَ القائِلِ بِجَوازِ تَعَدُّدِ الجَزاءِ كالخَبَرِ ظاهِرٌ، وأمّا عِنْدُ غَيْرِهِ فالجَزْمُ عَلى أنَّهُما بَدَلٌ مِن ﴿ يُحاسِبْكُمْ ﴾ بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ أوِ الِاشْتِمالِ، فَإنَّ كُلًّا مِنَ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ بَعْضٌ مِنَ الحِسابِ المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِ (يُحاسِبْكُمْ) ومُطْلَقُ الحِسابِ جامِعٌ لَهُما فَإنِ اُعْتُبِرَ جَمْعُهُ لَهُما عَلى طَرِيقِ اِشْتِمالِ الكُلِّ عَلى الأجْزاءِ يَكُونُ بَدَلَ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ وإنِ اُعْتُبِرَ عَلى طَرِيقِ الشُّمُولِ كَشُمُولِ الكُلِّيِّ لِأفْرادِهِ يَكُونُ بَدَلَ اِشْتِمالٍ كَذا قِيلَ، وقِيلَ: إنْ أُرِيدَ بِ (يُحاسِبْكُمْ) مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ فالبَدَلُ بَدَلُ اِشْتِمالٍ كَأُحِبُّ زَيْدًا عِلْمَهُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ المُجازاةُ فالبَدَلُ بَدَلُ بَعْضٍ كَ ضَرَبْتُ زَيْدًا رَأْسَهُ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وذَهَبَ أبُو حَيّانَ إلى تَعَيُّنِ الِاشْتِمالِ، قالَ: ووُقُوعُهُ في الأفْعالِ صَحِيحٌ لِأنَّ الفِعْلَ يَدُلُّ عَلى جِنْسٍ تَحْتَهُ أنْواعٌ يَشْتَمِلُ عَلَيْها ولِذَلِكَ إذا وقَعَ عَلَيْهِ النَّفْيُ اِنْتَفَتْ جَمِيعُ أنْواعِ ذَلِكَ الجِنْسِ، وأمّا بَدَلُ البَعْضِ مِنَ الكُلِّ فَلا يُمْكِنُ في الفِعْلِ إذِ الفِعْلُ لا يَقْبَلُ التَّجَزِّي فَلا يُقالُ فِيهِ لَهُ كُلٌّ وبَعْضٌ إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، واعْتَرَضَهُ الحَلَبِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ لِأنَّ الكُلِّيَّةَ والبَعْضِيَّةَ صادِقَتانِ عَلى الجِنْسِ ونَوْعِهِ فَإنَّ الجِنْسَ كُلٌّ والنَّوْعَ بَعْضٌ فالصَّحِيحُ وُقُوعُ النَّوْعَيْنِ في الفِعْلِ وقَدْ قِيلَ بِهِما في قَوْلِهِ: مَتى تَأْتِنا تَلْمُمْ بِنا في دِيارِنا ∗∗∗ تَجِدْ خَيْرَ نارٍ عِنْدَها خَيْرُ مَوْقِدِ فَإنَّهم جَعَلُوا الإلْمامَ بَدَلًا مِنَ الإتْيانِ؛ إمّا بَدَلُ بَعْضٍ لِأنَّهُ إتْيانٌ لا تَوَقُّفٌ فِيهِ فَهو بَعْضُهُ، أوِ اِشْتِمالٍ لِأنَّهُ نُزُولٌ خَفِيفٌ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ، وطَعَنَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في الطَّعْنِ في القِراءاتِ السَّبْعِ إذا لَمْ تَكُنْ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ ومِن قَواعِدِهِمْ أنَّ الرّاءَ لا تُدْغَمُ إلّا في الرّاءِ لِما فِيها مِنَ التَّكْرارِ الفائِتِ بِالإدْغامِ في اللّامِ وقَدْ يُجابُ بِأنَّ القِراءاتِ السَّبْعَ مُتَواتِرَةٌ والنَّقْلَ بِالمُتَواتِرِ إثْباتٌ عِلْمِيٌّ، وقَوْلُ النُّحاةِ نَفْيٌ ظَنِّيٌّ ولَوْ سُلِّمَ عَدَمُ التَّواتُرِ فَأقَلُّ الأمْرِ أنْ تَثْبُتَ لُغَةً بِنَقْلِ العُدُولِ وتُرَجَّحَ بِكَوْنِهِ إثْباتًا، ونُقِلَ إدْغامُ الرّاءِ في اللّامِ عَنْ أبِي عَمْرٍو مِنَ الشُّهْرَةِ والوُضُوحِ بِحَيْثُ لا مَدْفَعَ لَهُ، ومِمَّنْ رَوى ذَلِكَ عَنْهُ أبُو مُحَمَّدٍ اليَزِيدِيُّ وهو إمامٌ في النَّحْوِ إمامٌ في القِراءاتِ إمامٌ في اللُّغاتِ، ووَجْهُهُ مِن حَيْثُ التَّعْلِيلُ ما بَيْنَهُما مِن شِدَّةِ التَّقارُبِ حَتّى كَأنَّهُما مَثَلانِ بِدَلِيلِ لُزُومِ إدْغامِ اللّامِ في الرّاءِ في اللُّغَةِ الفَصِيحَةِ إلّا أنَّهُ لَمَحَ تَكْرارَ الرّاءِ فَلَمْ يَجْعَلْ إدْغامَهُ في اللّامِ لازِمًا عَلى أنَّ مَنعَ إدْغامِ الرّاءِ في اللّامِ مَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ، وقَدْ أجازَهُ الكُوفِيُّونَ وحَكَوْهُ سَماعًا، مِنهُمُ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ وأبُو جَعْفَرٍ الرُّؤاسِيُّ، ولِسانُ العَرَبِ لَيْسَ مَحْصُورًا فِيما نَقَلَهُ البَصْرِيُّونَ فَقَطْ، والقُرّاءُ مِنَ الكُوفِيِّينَ لَيْسُوا بِمُنْحَطِّينَ عَنْ قُرّاءِ البَصْرَةِ وقَدْ أجازُوهُ عَنِ العَرَبِ فَوَجَبَ قَبُولُهُ والرُّجُوعُ فِيهِ إلى عِلْمِهِمْ ونَقْلِهِمْ إذْ مَن عَلِمَ حُجَّةٌ عَلى مَن لَمْ يَعْلَمْ.
﴿ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلَهُ فَإنَّ كَمالَ قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ مُوجِبٌ لِقُدْرَتِهِ عَلى ما ذَكَرَ مِنَ المُحاسَبَةِ وما فُرِّعَ عَلَيْهِ مِنَ المَغْفِرَةِ والتَّعْذِيبِ، وفي الآيَةِ دَلِيلٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ في نَفْيِ وُجُوبِ التَّعْذِيبِ حَيْثُ عُلِّقَ بِالمَشِيئَةِ واحْتِمالِ أنَّ تِلْكَ المَشِيئَةَ واجِبَةٌ كَمَن يَشاءُ صَلاةَ الفَرْضِ فَإنَّهُ لا يَقْتَضِي عَدَمَ الوُجُوبِ خِلافَ الظّاهِرِ.
<div class="verse-tafsir"
لِلَّهِ مَّا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ من الخلق كلهم عبيده وإماؤه، وهو خالقهم ورازقهم، وحكمه نافذ فيهم، معناه لا تعبدوا أحداً سواه، لأنه هو الذي خلق المسيح والملائكة والأصنام، ويقال: لله ما فى السموات وما في الارض، يعني في كل شيء دلالة ربوبيته ووحدانيته، ثم قال: وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يعني إن تظهروا ما في قلوبكم أو تضمروه يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ أي يجازيكم به الله.
وقال بعضهم: يعني في كتمان الشهادة أن تعلنوا الشهادة أو تخفوها يحاسبكم به الله، أي يجازيكم به الله.
وقال الكلبي: وإن تعلنوا ما في أنفسكم من المعصية أو تسروها، ولا تظهروها يجازيكم.
قال: لما نزلت هذه الآية شقّ على المسلمين، وقالوا: يا رسول الله إنا لنحدث أنفسنا بالأمر المعصية، ثم لا نعملها، أو نعملها فهو سواء، فشق ذلك على المؤمنين مشقة شديدة، فلما علم الله مشقة ذلك على المؤمنين، أنزل على نبيه ما هو أهون عليه منه فقال: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286] .
قال الفقيه حدثنا الخليل بن أحمد، قال: حدثنا الدبيلي، قال حدّثنا أبو عبيد الله عن سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : «سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي» .
قال سفيان: بلغني أن الأنبياء كانوا يأتون قومهم بهذه الآية وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فيقولون: لا نطيق هذا، ولا نحتمله، فأعقبهم الله المؤاخذة، فلما عرض على هذه الأمة قبلوا، فأعقبهم الله تعالى أن وضعها عنهم، فأنزل الله تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها [البقرة: 286] الآية.
ثم قال عز وجل: فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي لمن تاب عن الذنوب وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي من أقام على ذلك، وأصر عليه.
ويقال: فيغفر لمن يشاء الذنب العظيم، لمن انتزع عنه، ويعذب من يشاء بالذنب الصغير إذا أصر عليه.
ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
قرأ عاصم وابن عامر، فيغفر بضم الراء على معنى الابتداء وقرأ الباقون بالجزم على جواب الشرط، وكذلك في قوله: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ثم قال: وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ عَلى سَفَرٍ ...
الآية: لما ذكر اللَّه تعالى الندْبَ إِلى الإِشهاد، والكتْبِ لمصلحة حفظ الأموال والأديان- عقَّب ذلك بذكْر حال الأعذار المانعة من الكتب، وجعل بدلها الرهْنَ، ونصَّ على السفر إِذ هو الغالب من الأعذار، ويدخل في ذلك بالمعنى كلُّ عذر.
/
قال ع «١» : رَهَنَ الشَّيْءَ في كلام العرب معناه: دَامَ، واستمر، قيل: ولما كان الرهنُ بمعنى الثبوتِ، والدوامِ «٢» ، فمِنْ ثَمَّ بطَل الرهْنُ عند الفقهاء: إِذا خرج مِنْ يد
المرتَهِن إِلى يد الراهِنِ لأنه فَارَقَ ما جُعِلَ له.
وقوله تعالى: مَقْبُوضَةٌ: هي بينونةُ المرتَهَنِ بالرَّهْن.
وأجمع الناس على صحَّة قَبْض المرتَهَن وكذلك على قبض وكيله فيما علمتُ.
واختلفوا في قَبْض عدلٍ «١» يوضَعُ الرهْنُ على يديه.
فقال مالك، وجميعُ أصحابه، وجمهور العلماء: قَبْض العَدْل قبضٌ.
وقال الحَكَم بن عُتَيْبَةَ «١» ، وغيره: ليس بقَبْض.
وقولُ الجمهورِ أصحُّ من جهة المعنى في الرهن.
وقوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: شرطٌ ربَطَ به وصيَّةَ الذي علَيْه الحقُّ بالأداء.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : قوله تعالى: فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً: معناه: إن أسقط الكَتْبَ، والإِشهادَ، والرَّهْنَ، وعوَّل على أمانة المعامَلِ، فليؤدِّ الأمانةَ، وليتَّقِ اللَّه ربَّه وهذا يبيِّن أنَّ الإِشهاد ليس بواجبٍ إِذ لو كان واجباً، لما جاز إِسقاطه، ثم قال:
وجملة الأمر أنَّ الإِشهاد حزْم، والاِئتمانَ ثقةٌ باللَّه تعالى من الدائنِ، ومروءةٌ من المِدْيَان، ثم ذكر الحديثَ الصحيحَ «٣» في قصَّة الرَّجُل من بني إِسرائيل الذي استسْلَفَ ألْفَ دينارٍ، وكيف تَعَامَلاَ على الائتمان، ثم قال ابنُ العربيِّ: وقد رُوِيَ عن أبي سعيد الخدريِّ أنه قرأ هذه الآية، فقال: هذا نسخ لكلِّ ما تقدَّم، يعني: من الأمر بالكتب، والإشهاد،
والرهن.
اهـ.
وقوله: فَلْيُؤَدِّ: أمر بمعنى الوجوبِ، وقوله: أَمانَتَهُ: مصْدَرٌ سُمِّيَ به الشيْء الذي في الذمَّة.
وقوله تعالى: وَلا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ...
الآية: نهي فيه تهديدٌ ووعيدٌ، وخص تعالى ذكْر القَلْب إذ الكَتْم من أفعاله، وإِذ هو البُضْعَةُ التي بصلاحها يصْلُحُ الجَسَدُ كُلُّه كما قال صلّى الله عليه وسلم، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ توعُّدٌ، وإِنْ كَانَ لفظُها يعمُّ الوعيدَ والوَعْدَ.
وروى البزّار في «مسنده» ، عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «مَنْ مشى إلى غَرِيمِهِ بِحَقِّهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ دَوَابُّ الأَرْضِ، وَنُونُ المَاءِ، ونَبَتَتْ لَهُ بِكُلِّ خَطْوَةٍ شَجَرَةٌ، تُغْرَسُ فِي الجَنَّةِ، وَذَنْبُهُ يُغْفَرُ» «١» اهـ من «الكوكب الدري» .
قوله تعالى: لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ...
الآية: المعنى: جميعُ ما في السمواتِ، وما في الأرض مِلْكٌ له سُبْحَانَهُ.
وقوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ...
الآية: قوله: مَا فِي أَنْفُسِكُمْ يقتضي قوَّةُ اللفظ أنَّه ما تقرَّر في النفْسِ، واستصحبت الفكْرةَ فيه، وأما الخواطر التي لا يُمْكِنُ دفْعُها، فليسَتْ في النفْسِ، إِلا على تجوُّز.
واختلف في معنى هذه الآية.
فقال عِكْرِمَةُ وغيره: هي في معنى الشهادةِ التي نُهِيَ عن كتمها «٢» ، فلفظ الآية على هذا التأويل: العمومُ، ومعناه الخصوصُ وكذا نقل الثعلبيُّ.
وقال ابن عبَّاس: وأبو هريرة، وجماعةٌ من الصَّحابة والتابعين: إِن هذه الآية، لَمَّا نزلَتْ، شَقَّ ذلك على الصَّحابة، وقالوا: هَلَكْنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ حُوسِبْنَا بخواطر نفوسنا، وشقّ ذلك على النّبيّ صلّى الله عليه وسلم لكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: «أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا، كَمَا قالت بنو إسرائيل: سمعنا ٧٥ ب وَعَصَيْنَا، بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، / فَقَالُوهَا: فَأَنْزَلَ الله بعد ذلك:
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها «١» [البقرة: ٢٨٦] ونَسَخ بِهَذِهِ تِلْكَ» هذا معنى الحديثِ الصحيحِ، وله طرقٌ من جهاتٍ، واختلفتْ عباراته، وتعاضَدَتْ عبارةُ هؤلاء القائلين بلفظة النَّسْخِ في هذه النازلةِ.
وقال ابن عبَّاس: لما شقَّ ذلك علَيْهم، فأنزل اللَّه تعالى: لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ...
الآية، فنسختِ الوسوسةُ، وثَبَتَ القوْلُ، والفعْلُ.
وقال آخرون: هذه الآيةُ محكمةٌ غير منْسُوخةٍ، واللَّه محاسِبٌ خلقه على ما عملوه، وأضمروه، وأرادوه، ويَغْفِرُ للمؤمنين، ويأخذ به أهل الكفر والنفاق ورجّح الطبريّ «٢» أنّ
الآية محكَمَةٌ غير منْسُوخة.
ع «١» : وهذا هو الصوابُ، وإِنَّما هي مخصَّصة، وذلك أنَّ قوله تعالى: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ: معناه: بما هو في وُسْعكم، وتحْتَ كَسْبِكُم، وذلك استصحابُ المعتقد، والفِكْر فيه، فلما كان اللفظ ممَّا يمكنُ أنْ تدخل فيه الخواطر، أشفق الصحابة، والنبيّ صلّى الله عليه وسلم فبيَّن اللَّه تعالى لهم ما أراد بالآيةِ الأولى، وخصَّصَها، ونصَّ على حُكْمِهِ أنه لا يكلِّف نفْساً إِلا وسْعَهَا، والخواطرُ ليْسَتْ هي، ولا دفعُهَا في الوُسْع، بل هي أمر غالبٌ، وليست مما يُكْسَبُ، ولا يُكْتَسَبُ، وكان في هذا البيان فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كربهم، وتأتي الآية محكمةً لا نَسْخَ فيها، وممَّا يدفع أمر النَّسْخ أن الآية خَبَرٌ، والأخبار يدخُلُها النَّسْخُ، فإن ذهب ذاهبٌ إِلى تقرير النَّسْخِ، فإِنما يترتَّب له في الحُكْم الذي لَحِقَ الصحابة، حِينَ فزعوا من الآية، وذلك أن قول النبيّ صلّى الله عليه وسلم لهم: «قولُوا سَمِعْنَا وأطعنا» ، يجيء منْه: الأمر بأن يبنُوا على هذا، ويلتزموه، وينتظروا لُطْفَ اللَّه في الغُفْران، فإِذا قرّر هذا الحكم، فصحيحٌ وقوعُ النَّسْخ فيه، وتشبه الآية حينئذٍ قوله تعالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الأنفال: ٦٥] ، فهذا لفظه الخَبَرُ، ولكنَّ معناه: التزموا هذا، وابنوا عليه، واصبروا بحَسَبِهِ، ثم نسخ ذلك بَعْد ذلك، فهذه الآية في البقرة أشبهُ شَيْء بها.
وقوله تعالى: وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ، يعني: من العصاةِ، وتعلَّق قومٌ بهذه الآية ممَّن قال بجوازِ تكْليفِ ما لا يُطَاقُ، وقالوا: إِن اللَّه قد كلَّفهم أمْرَ الخواطرِ، وذلك مما لا يِطَاق، قال ع «٢» : وهذا غير بيِّن، وإِنما كان أمر الخواطر تأويلا أوّله أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم ولم يثبتْ تكليفاً إِلا على الوَجْه الذي ذكرناه من تقرير النبي صلى الله عليه وسلم، إِنَّهُ على ذلك، قال الشيخ الوليُّ العارفُ باللَّه ابن أبي جَمْرَةَ: والخواطرُ عندهم ستَّةٌ يعني عند العلماءِ العارفينَ باللَّه: أولُها الهَمَّة، ثم اللَّمَّة، ثم الخَطْرة وهذه الثلاثُ عندهم غَيرْ مُؤاخذٍ بها، ثم نِيَّة، ثمَّ إرادَةٌ، ثم عَزِيمَةٌ، وهذه الثلاثُ مؤَاخذ بها.
اهـ.
وقوله تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ ...
الآية: سببُ هذه الآية أنَّه لما نزلَتْ: وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ، وأشفق منها النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم تقرَّر الأمر على أنْ قالوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا، ورجعوا إِلى التضرُّع والاِستكانةِ، مدَحَهم اللَّه تعالى، وأثنى عليهم في هذه الآيةِ، وقدَّم ذلك بين يدَيْ رِفْقِهِ بهم، فجمع لهم تعالَى التشْريفِ بالمَدْحِ، والثناءِ، ورفع المشقَّة في أمر الخواطرِ، وهذه ثمرة الطَّاعَة والانقطاعِ إلى الله تعالى، لا كما
قالتْ بنو إِسرائيل: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: ٩٣] فأعقبهم ضدَّ ذلك، وهذه ثمرة العصيان، أعاذنا اللَّه من نقمه.
وآمَنَ معناه: صدّق، والرسول: محمّد صلّى الله عليه وسلم، وبِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ: القُرآن، وسائرُ ما أوحى اللَّه إليه من حملة ذلك، وكُلُّ لفظة تصلح للإِحاطة، وهي كذلك هُنَا، والإِيمانُ باللَّه: هو التصديقُ به، أي: بوجودِهِ وصفاتِهِ، ورفْضُ كلِّ معبود سواه، والإِيمان بملائكته:
هو اعتقادُهم أنهم عبادُ لِلَّهِ مكْرَمُون، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يُؤْمَرون، والإِيمان بكتبه: هو التصديقُ بكلِّ ما أَنْزَلَ سبحانه على أنبيائه.
وقرأ الجمهور: لاَ نُفَرِّقُ بالنون «١» .
والمعنى: يقولون: لا نفرِّق.
ومعنى هذه الآية: أن المؤمنين ليسوا كاليَهُودِ والنصارى في أنَّهم يؤمنون ببَعْضٍ، ويكفرون ببعض.
وقوله تعالى: وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا: مدح يقتضي الحضَّ على هذه المقالة، وأنْ يكون المؤمنُ يمتثلُها غابر الدّهر، والطاعة: قبول الأوامر، وغُفْرانَكَ: مصدرٌ، والعاملُ فيه فَعْلٌ، تقديره: نَطْلُبُ أوْ نَسْأَلُ غُفْرَانَكَ.
ت: وزاد أبو حَيَّان «٢» ، قال: وجوَّز بعضُهم الرفْعَ فيه، على أنْ يكون مبتدأً، أيْ: غفرانُكَ بُغْيَتُنَا.
اهـ.
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ: إِقرار بالبعثِ، والوقوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ سبحانه، وروي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لما أنزلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ، قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَجَّلَ الثَّنَاءَ عَلَيْكَ، وعلى أُمَّتِكَ، فَسَلْ تُعْطَهْ، فَسَأَلَ إلى آخر السّورة «٣» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ أمّا إبْداءُ ما في النَّفْسِ، فَإنَّهُ العَمَلُ بِما أضْمَرَهُ العَبْدُ، أوِ النُّطْقُ، وهَذا مِمّا يُحاسَبُ عَلَيْهِ العَبْدُ، ويُؤاخَذُ بِهِ، وأمّا ما يُخْفِيهِ في نَفْسِهِ، فاخْتَلَفَ العُلَماءُ في المُرادِ بِالمَخْفِيِّ في هَذِهِ الآَيَةِ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ المَخْفِيّاتِ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.
واخْتَلَفُوا: هَلْ هَذا الحُكْمُ ثابِتٌ في المُؤاخَذَةِ، أمْ مَنسُوخٌ؟
عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ .
هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وابْنِ سِيرِينَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ، والسُّدِّيِّ، وابْنِ زَيْدٍ، ومُقاتِلٍ.
والثّانِي: أنَّهُ ثابِتٌ في المُؤاخَذَةِ عَلى العُمُومِ، فَيُؤاخِذُ بِهِ مَن يَشاءُ، ويَغْفِرُهُ لِمَن يَشاءُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، والحَسَنِ، واخْتارَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ، والقاضِي أبُو يَعْلى.
ورَوى ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: هَذِهِ الآَيَةُ لَمْ تُنْسَخْ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا جَمَعَ الخَلائِقَ، يَقُولُ لَهُمْ: إنِّي مُخْبِرُكم بِما أخْفَيْتُمْ في أنْفُسِكم مِمّا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلائِكَتِي، فَأمّا المُؤْمِنُونَ فَيُخْبِرُهم، ويَغْفِرُ لَهم ما حَدَّثُوا بِهِ أنْفُسَهم، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ يَقُولُ: يُخْبِرُكم بِهِ اللَّهُ، وأمّا أهْلُ الشِّرْكِ والرَّيْبِ، فَيُخْبِرُهم بِما أخْفَوْا مِنَ التَّكْذِيبِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ .
والأكْثَرُونَ عَلى تَسْكِينِ راءِ "فَيَغْفِرُ" وباءِ "يُعَذِّبُ" مِنهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.
وإنَّما جَزَمُوا لِإتْباعِ هَذا ما قَبْلَهُ، وهو "يُحاسِبُكُمْ" وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ ويَعْقُوبُ: بِرَفْعِ الرّاءِ، والباءِ فِيهِما.
فَهَؤُلاءِ قَطَعُوا الكَلامَ عَنِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ المُحاسَبَةَ هاهُنا هي إطْلاعُ اللَّهِ العَبْدَ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ما كانَ حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ في الدُّنْيا، لِيَعْلَمَ أنَّهُ لَمْ يَعْزُبْ عَنْهُ شَيْءٌ.
قالَ: والَّذِي نَخْتارُهُ أنْ تَكُونَ الآَيَةُ مَحْكَمَةً، لِأنَّ النَّسْخَ إنَّما يَدْخُلُ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ.
وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: أمّا ما أعْلَنْتَ، فاللَّهُ يُحاسِبُكَ بِهِ، وأمّا ما أخْفَيْتَ، فَما عُجِّلَتْ لَكَ بِهِ العُقُوبَةُ في الدُّنْيا.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ أمْرٌ خاصٌّ في نَوْعٍ مِنَ المَخْفِيّاتِ، ولِأرْبابِ هَذا القَوْلِ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كِتْمانُ الشَّهادَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ الشَّكُّ واليَقِينُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
فَعَلى هَذا المَذْكُورِ تَكُونُ الآَيَةُ مَحْكَمَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِلَّهِ ما في السَماواتِ وما في الأرْضِ وإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ المَعْنى: جَمِيعُ ما في السَمَواتِ وما في الأرْضِ مِلْكٌ لِلَّهِ وطاعَةٌ لِأنَّهُ المُوجِدُ المُخْتَرِعُ لا رَبَّ غَيْرُهُ، وعَبَّرَ بِـ "ما" وإنْ كانَ ثَمَّ مَن يَعْقِلُ لِأنَّ الغالِبَ إنَّما هو جَمادٌ وحَيَوانٌ لا يَعْقِلُ، ويَقِلُّ مَن يَعْقِلُ مِن حَيْثُ قِلَّةِ أجْناسِهِ إذْ هي ثَلاثَةٌ: مَلائِكَةٌ، وإنْسٌ، وجِنٌّ - وأجْناسُ الغَيْرِ كَثِيرَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ ﴾ مَعْناهُ أنَّ الأمْرَ سَواءٌ لا تَنْفَعُ فِيهِ المُواراةُ والكَتْمُ، بَلْ يَعْلَمُهُ ويُحاسِبُ بِهِ، وقَوْلُهُ: ﴿ فِي أنْفُسِكُمْ ﴾ تَقْتَضِي قُوَّةُ اللَفْظِ أنَّهُ ما تَقَرَّرَ في النَفْسِ، واعْتُقِدَ، واسْتُصْحِبَتِ الفِكْرَةُ فِيهِ، وأمّا الخَواطِرُ الَّتِي لا يُمْكِنُ دَفْعُها فَلَيْسَتْ في النَفْسِ إلّا عَلى تَجَوُّزٍ.
واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ - فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَعْبِيُّ: هي في مَعْنى الشَهادَةِ الَّتِي نُهِيَ عن كَتْمِها، ثُمَّ أعْلَمَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ الكاتِمَ لَها، المُخْفِيَ في نَفْسِهِ مُحاسَبٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا وأبُو هُرَيْرَةَ والشَعْبِيُّ، وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ والتابِعِينَ: « "إنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ شَقَّ ذَلِكَ عَلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ وقالُوا: هَلَكْنا يا رَسُولَ اللهِ إنْ حُوسِبْنا بِخَواطِرِ نُفُوسِنا، وشَقَّ ذَلِكَ عَلى النَبِيِّ ، لَكِنَّهُ قالَ لَهُمْ: أتُرِيدُونَ أنْ تَقُولُوا كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: سَمِعْنا وعَصَيْنا؟
بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا وأطَعْنا - فَقالُوها، فَأنْزَلَ اللهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ فَكَشَفَ عنهُمُ الكُرْبَةَ، ونَسَخَ اللهُ بِهَذِهِ الآيَةِ تِلْكَ"».
هَذا مَعْنى الحَدِيثِ المَرْوِيِّ، ولَهُ طُرُقٌ مِن جِهاتٍ، واخْتَلَفَتْ عِباراتُهُ، واسْتَتَبَّتْ عِبارَةُ هَؤُلاءِ القائِلِينَ بِلَفْظَةِ النَسْخِ في هَذِهِ النازِلَةِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ مَرْجانَةَ: جِئْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ فَتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللهُ ﴾ ثُمَّ قالَ: واللهِ لَئِنْ أُخِذْنا بِهَذِهِ الآيَةِ لَنَهْلِكَنَّ، ثُمَّ بَكى حَتّى سالَتْ دُمُوعُهُ وسُمِعَ نَشِيجُهُ، قالَ ابْنُ مَرْجانَةَ: فَقُمْتُ حَتّى جِئْتُ ابْنَ عَبّاسٍ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ ابْنُ عُمَرَ وبِما فَعَلَ، فَقالَ: يَرْحَمُ اللهُ أبا عَبْدِ الرَحْمَنِ، لَقَدْ وجَدَ المُسْلِمُونَ مِنها حِينَ نَزَلَتْ مِثْلَ ما وجَدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ فَأنْزَلَ اللهُ: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ الآيَةَ، فَنَسَخَتِ الوَسْوَسَةَ وثَبَتَ القَوْلُ والفِعْلُ - وقالَ الطَبَرِيُّ، وقالَ آخَرُونَ: هَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ واللهُ تَعالى يُحاسِبُ خَلْقَهُ عَلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ وعَلى ما لَمْ يَعْمَلُوهُ مِمّا ثَبَتَ في نُفُوسِهِمْ فَأضْمَرُوهُ ونَوَوْهُ وأرادُوهُ، فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ ويَأْخُذُ بِهِ أهْلَ الكُفْرِ والنِفاقِ، ثُمَّ أدْخَلَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ما يُشْبِهُ هَذا المَعْنى، وقالَ مُجاهِدٌ: الآيَةُ فِيما يَطْرَأُ عَلى النُفُوسِ مِنَ الشَكِّ واليَقِينِ.
وقالَ الحَسَنُ: الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ.
قالَ الطَبَرِيُّ: وقالَ آخَرُونَ نَحْوَ هَذا المَعْنى الَّذِي ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
إلّا أنَّهم قالُوا: إنَّ العَذابَ الَّذِي يَكُونُ جَزاءً لِما خَطَرَ في النَفْسِ وصَحِبَهُ الفِكْرُ هو بِمَصائِبِ الدُنْيا وآلامِها وسائِرِ مَكارِهِها، ثُمَّ أسْنَدَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها نَحْوَ هَذا المَعْنى.
ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ أنَّ الآيَةَ مُحْكَمَةٌ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وذَلِكَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أو تُخْفُوهُ ﴾ مَعْناهُ: مِمّا هو في وُسْعِكم وتَحْتَ كَسْبِكُمْ، وذَلِكَ اسْتِصْحابُ المُعْتَقَدِ والفِكْرُ فِيهِ، فَلَمّا كانَ اللَفْظُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ تَدْخُلَ فِيهِ الخَواطِرُ أشْفَقَ الصَحابَةُ والنَبِيُّ ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعالى لَهم ما أرادَ بِالآيَةِ الأُولى وخَصَّصَها، ونَصَّ عَلى حُكْمِهِ أنَّهُ لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها - والخَواطِرُ لَيْسَتْ هي ولا دَفْعُها في الوُسْعِ، بَلْ هو أمْرٌ غالِبٌ، ولَيْسَتْ مِمّا يُكْسَبُ ولا يُكْتَسَبُ، وكانَ في هَذا البَيانِ فَرَحُهُمْ، وكَشْفُ كَرْبِهِمْ وباقِي الآيَةِ مُحْكَمَةٌ لا نَسْخَ فِيها.
ومِمّا يَدْفَعُ أمْرَ النَسْخِ أنَّ الآيَةَ خَبَرٌ، والأخْبارُ لا يَدْخُلُها النَسْخُ، فَإنْ ذَهَبَ ذاهِبٌ إلى تَقْرِيرِ النَسْخِ فَإنَّما يَتَرَتَّبُ لَهُ في الحُكْمِ الَّذِي لَحِقَ الصَحابَةَ حِينَ فَزِعُوا مِنَ الآيَةِ، وذَلِكَ أنَّ قَوْلَ النَبِيِّ لَهُمْ: « "قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا"» يَجِيءُ مِنهُ الأمْرُ بِأنْ يَثْبُتُوا عَلى هَذا ويَلْتَزِمُوهُ، ويَنْتَظِرُوا لُطْفَ اللهِ في الغُفْرانِ، فَإذا قُرِّرَ هَذا الحُكْمُ فَصَحِيحٌ وُقُوعُ النَسْخِ فِيهِ، وتُشْبِهُ الآيَةُ حِينَئِذٍ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ يَكُنْ مِنكم عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ فَهَذا لَفْظُ الخَبَرِ ولَكِنَّ مَعْناهُ: التَزِمُوا هَذا، واثْبُتُوا عَلَيْهِ، واصْبِرُوا بِحَسَبِهِ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ، وأجْمَعَ الناسُ - فِيما عَلِمْتُ - عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في الجِهادِ مَنسُوخَةٌ بِصَبْرِ المِائَةِ لِلْمِائَتَيْنِ، وهَذِهِ الآيَةُ في البَقَرَةِ أشْبَهُ شَيْءٍ بِها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "فَيَغْفِرْ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبْ" جَزْمًا، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ "فَيَغْفِرُ ويُعَذِّبُ" رَفْعًا - فَوَجْهُ الجَزْمِ أنَّهُ أتْبَعَهُ ما قَبْلَهُ ولَمْ يَقْطَعْهُ وهَكَذا تَحْسُنُ المُشاكَلَةُ في كَلامِهِمْ، ووَجْهُ الرَفْعِ أنَّهُ قَطَعَهُ مِنَ الأوَّلِ - وقَطْعُهُ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ - إمّا أنْ تَجْعَلَ الفِعْلَ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، فَيَرْتَفِعُ الفِعْلُ لِوُقُوعِهِ مَوْقِعَ خَبَرِ المُبْتَدَإ، وإمّا أنْ تَعْطِفَ جُمْلَةً مِن فِعْلٍ وفاعِلٍ عَلى ما تَقَدَّمَها.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والأعْرَجُ، وأبُو حَيْوَةَ: "فَيَغْفِرَ ويُعَذِّبَ" بِالنَصْبِ عَلى إضْمارِ "أنْ" وهو مَعْطُوفٌ عَلى المَعْنى كَما في قَوْلِهِ: "فَيُضاعِفَهُ" وقَرَأ الجُعْفِيُّ، وخَلّادٌ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "يَغْفِرْ" بِغَيْرِ فاءٍ، ورُوِيَ أنَّها كَذَلِكَ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: هي عَلى البَدَلِ مِن "يُحاسِبُكُمْ" فَهي تَفْسِيرُ المُحاسَبَةِ، وهَذا كَقَوْلِ الشاعِرِ: رُوَيْدًا بَنِي شَيْبانَ بَعْضَ وعِيدِكم ∗∗∗ تُلاقُوا غَدًا خَيْلِي عَلى سَفَوانِ تُلاقُوا جِيادًا لا تَحِيدُ عَنِ الوَغى ∗∗∗ ∗∗∗ إذا ما غَدَتْ في المَأْزِقِ المُتَدانِ فَهَذا عَلى البَدَلِ، وكَرَّرَ الشاعِرُ الفِعْلَ لِأنَّ الفائِدَةَ فِيما يَلِيهِ مِنَ القَوْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ يَعْنِي مِنَ العُصاةِ الَّذِينَ يَنْفُذُ فِيهِمُ الوَعِيدُ، قالَ النَقّاشُ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ، أيْ: لِمَن يَنْزِعُ عنهُ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ، أيْ مَن أقامَ عَلَيْهِ، وقالَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ: يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ العَظِيمَ، ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ عَلى الصَغِيرِ.
وتَعَلَّقَ بِهَذِهِ قَوْمٌ مِمَّنْ قالَ بِجَوازِ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ، وقالَ: إنَّ اللهَ قَدْ كَلَّفَهم أمْرَ الخَواطِرِ وذَلِكَ مِمّا لا يُطاقُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا غَيْرُ بَيِّنٍ، وإنَّما كانَ أمْرُ الخَواطِرِ تَأْوِيلًا تَأوَّلَهُ أصْحابُ النَبِيِّ ، ولَمْ يَثْبُتْ تَكْلِيفًا إلّا عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا مِن تَقْرِيرِ النَبِيِّ إيّاهم عَلى ذَلِكَ، ومَسْألَةُ تَكْلِيفِ ما لا يُطاقُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْها فِيما بَعْدُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
ولَمّا ذَكَرَ المَغْفِرَةَ والتَعْذِيبَ بِحَسَبِ مَشِيئَتِهِ تَعالى عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ القُدْرَةِ عَلى جَمِيعِ الأشْياءِ إذْ ما ذَكَرَ جُزْءٌ مِنها.
<div class="verse-tafsir"
تعليل واستدلال على مضمون جملةوالله بما تعملون عليم لِّلَّهِ } وعلى ما تقدم آنفاً من نحو: ﴿ الله بكل شيء عليم ﴾ [آل عمران: 176] ﴿ واللَّه بما تعملون عليم واللَّه بما تعملون بصير ﴾ [الممتحنة: 30] ﴿ واللَّه بما تعملون خبير ﴾ [البقرة: 234] فإذا كان ذلك تعريضاً بالوعد والوعيد، فقد جاء هذا الكلام تصريحاً واستدلالاً عليه، فجملة ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ إلى آخرها هي محطُّ التصريح، وهي المقصود بالكلام، وهي معطوفة على جملة ﴿ ولا تكتموا الشهادة إلى والله بما تعملون عليم ﴾ [البقرة: 283] وجملةُ ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ هي موقع الاستدلال، وهي اعتراض بين الجملتين المتعاطفتين، أو علة لجملة ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ باعتبار إرادة الوعيد والوعد، فالمعنى: إنّكم عبيد ه فلا يفوته عملَكُم والجزاء عليه.
وعلى هذا الوجه تكون جملة «وإن تبدوا ما في أنفسكم» معطوفة على جملة ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ عطف جملة على جملة، والمعنى: إنكم عبيدُه، وهو محاسبكم، ونظيرُها في المعنى قوله تعالى: ﴿ وأسِرُّوا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور ألا يعلم من خلق ﴾ [الملك: 13، 14] ولا يخالف بينهما إلاّ أسلوب نظم الكلام.
ومعنى الاستدلال هنا: إنّ الناس قد علموا أنّ الله ربّ السموات والأرض، وخالق الخلق، فإذا كان في السموات والأرض لِلَّه، مخلوقاً له، لزم أن يكون جميع ذلك معلوماً له لأنَّه مكوِّن ضمائرِهم وخواطرهم، وعموم علمه تعالى بأحوال مخلوقاته من تمام معنى الخالقية والربوبية؛ لأنّه لو خفي عليه شيء لكان العبد في حالة اختفاء حاله عن علم الله مستقلاً عن خالقه.
ومالكيةُ الله تعالى أتَمّ أنواع الملك على الحَقيقة كسائر الصفات الثابتة لله تعالى، فهي الصفات على الحقيقة من الوجود الواجب إلى ما اقتضاه وجوبُ الوجود من صفات الكمال.
فقوله: ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ تمهيد لقوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ الآية.
وعُطف قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ بالواو دون الفاء للدلالة على أنّ الحكم الذي تضمَّنه مقصود بالذات، وأنّ ما قبله كالتمهيد له.
ويجوز أن يكون قوله: ﴿ وإن تبدوا ﴾ عطفاً على قوله: ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ [البقرة: 283] ويكون قوله: ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ اعتراضاً بينهما.
وإبداء ما في النفس: إظهاره، وهو إعلانه بالقول، فيما سبيله القول، وبالعمل فيما يترتّب عليه عمل؛ وإخفاؤه بخلاف ذلك، وعطف ﴿ أو تخفوه ﴾ للترقّي في الحساب عليه، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات.
وما في النفي يعمّ الخير والشر.
والمحاسبة مشتقّة من الحُسبان وهو العدّ، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة: يعُدُّه عليكم، إلاّ أنّه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة كما حكى الله تعالى: ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ .
وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة: ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء، فلا يقصّروا في اتّباع الخيرات النفيسة والعملية، إلاّ أنّه أثبت غفراناً وتعذيباً بوجه الإجمال على كلَ ممَّا نُبديه وما نخفيه.
وللعلماء في معنى هذه الآية، والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم " مَنْ هَمّ بسيئة فلم يعملها كتُبت له حسنة ".
وقوله: " إن الله تجاوز لأمَّتِي عمّا حدثتْها به أنفُسها " وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض، في شرحيهما «لصحيح مسلم»: وهو مع زيادة بيان أنّ ما يخطر في النفس إن كان مجرّد خاطرِ وتردّد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، إذ لا طاقة للمكلّف بصرفه عنه، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عمّا حدّثت به أنفسها، وإن كان قد جاش في النفس عَزم، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتّب عليها أفعال بدنية أوْ لا، فإن كان من الخواطر التي لا تترتَّب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكفر، والحسد، فلا خلاف في المؤاخذة به؛ لأنَّ مما يدخل في طوق المكلّف أن يصرفه عن نفسه، وإن كان من الخواطر التي تترتّب عليها آثار في الخارج، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختياراً لغير مانع منعه، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث " من همّ بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنةً " وإن رجع لمانععٍ قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان.
أي إنّ قوله تعالى: ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ محمول على معنى يجازيكم وأنّه مُجمل تُبَيّنه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة، وإنّ من سمَّى ذلك نسخاً من السلف فإنّما جرى على تسميةٍ سبقتْ ضَبطَ المصطلحات الأصولية فأطلق النّسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدّمين وهذه الأحاديث، وما دلّت عليه دلائل قواعد الشريعة، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى: ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ .
وفي «صحيح البخاري» عن ابن عباس «أنّ هذه الآية نُسِخت بالتي بعدها» أي بقوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ [البقرة: 286] كما سيأتي هنالك.
وقد تبيّن بهذا أنّ المشيئة هنا مترتّبة على أحوال المُبْدَى والمُحْفَى، كما هو بيّن.
وقرأ الجمهور: فيَغفرْ ويعذّب بالجزم، عطفاً على يحاسِبْكم، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: بالرفع على الاستئناف بتقدير فهو يغفر، وهم وجهان فصيحان، ويجوز النصب ولم يقرأ به إلا في الشاذ.
وقوله: ﴿ والله على كل شيء قدير ﴾ تذييل لما دلّ على عموم العلم، بما يدلّ على عموم القدرة.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ ﴾ في إضافَةِ ذَلِكَ إلى اللَّهِ تَعالى قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إضافَةُ تَمْلِيكٍ تَقْدِيرُهُ: اللَّهُ يَمْلِكُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.
والثّانِي: مَعْناهُ تَدْبِيرُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ.
﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ إبْداءُ ما في النَّفْسِ هو العَمَلُ بِما أضْمَرُوهُ، وهو مُؤاخَذٌ بِهِ ومُحاسَبٌ عَلَيْهِ، وأمّا إخْفاؤُهُ فَهو ما أضْمَرَهُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ ولَمْ يَعْمَلْ بِهِ.
وَفِيما أرادَ بِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ كِتْمانُ الشَّهادَةِ خاصَّةً، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، والشَّعْبِيُّ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ ما حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ مِن سُوءٍ، أوْ أضْمَرَ مِن مَعْصِيَةٍ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
واخْتُلِفَ في هَذِهِ الآيَةِ، هَلْ حُكْمُها ثابِتٌ في المُؤاخَذَةِ بِما أضْمَرَهُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ؟
أوْ مَنسُوخٌ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ في المُؤاخَذَةِ بِما أضْمَرَهُ، واخْتَلَفَ فِيهِ مَن قالَ بِثُبُوتِهِ عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ حُكْمَها ثابِتٌ عَلى العُمُومِ فِيما أضْمَرَهُ الإنْسانُ فَيُؤاخِذُ بِهِ مَن يَشاءُ، ويَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ.
والثّانِي: حُكْمُها ثابِتٌ في مُؤاخَذَةِ الإنْسانِ بِما أضْمَرَهُ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ، إلّا أنَّ اللَّهَ يَغْفِرُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ويُؤاخِذُ بِهِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والرَّبِيعُ، وَيَكُونُ ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ﴾ مَحْمُولًا عَلى المُسْلِمِينَ، ﴿ وَيُعَذِّبُ مَن يَشاءُ ﴾ مَحْمُولًا عَلى الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ.
والثّالِثُ: أنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ عَلى العُمُومِ في مُؤاخَذَتِهِ المُسْلِمِينَ بِما حَدَثَ لَهم في الدُّنْيا مِنَ المَصائِبِ والأُمُورِ الَّتِي يَحْزَنُونَ لَها، ومُؤاخَذَةِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ حُكْمَ الآيَةِ في المُؤاخَذَةِ بِما أضْمَرَهُ الإنْسانُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ وإنْ لَمْ يَفْعَلْهُ مَنسُوخٌ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِنَسْخِها فِيما نُسِخَتْ بِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بِما رَواهُ العَلاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكم أوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكم بِهِ اللَّهُ ﴾ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى القَوْمِ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا لَمُؤاخَذُونَ بِما نُحَدِّثُ بِهِ أنْفُسَنا، هَلَكْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلا وُسْعَها ﴾ » وهو أيْضًا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
والثّانِي: أنَّها نُسِخَتْ بِما رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿ وَإنْ تُبْدُوا ما في أنْفُسِكُمْ ﴾ دَخَلَ قُلُوبَهم مِنها شَيْءٌ لَمْ يَدْخُلْها مِن شَيْءٍ، فَقالَ النَّبِيُّ : (قُولُوا سَمِعْنا وأطَعْنا وسَلَّمْنا.
قالَ: فَألْقى اللَّهُ الإيِمانُ في قُلُوبِهِمْ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ الآيَةَ.
فَقَرَأ: ﴿ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا ﴾ فَقالَ تَعالى: قَدْ فَعَلْتُ.
﴿ رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنا ﴾ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ ﴿ رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ ﴾ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
﴿ واعْفُ عَنّا واغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا أنْتَ مَوْلانا فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ ﴾ قالَ: قَدْ فَعَلْتُ.
» والَّذِي أقُولُهُ فِيما أضْمَرَهُ وحَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ ولَمْ يَفْعَلْهُ إنَّهُ مُؤاخَذٌ بِمَأْثَمِ الِاعْتِقادِ دُونَ الفِعْلِ، إلّا أنْ يَكُونَ كَفُّهُ عَنِ الفِعْلِ نَدَمًا، فالنَّدَمُ تَوْبَةٌ تُمَحِّصُ عَنْهُ مَأْثَمَ الِاعْتِقادِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَمَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ﴾ أمّا إيمانُ الرَّسُولِ فَيَكُونُ بِأمْرَيْنِ: تَحَمُّلِ الرِّسالَةِ، وإبْلاغِ الأُمَّةِ، وأمّا إيمانُ المُؤْمِنِينَ فَيَكُونُ بِالتَّصْدِيقِ والعَمَلِ.
﴿ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ ﴾ والإيمانُ بِاللَّهِ يَكُونُ بِأمْرَيْنِ: بِتَوْحِيدِهِ، وقَبُولِ ما أنْزَلَ عَلى رَسُولِهِ.
وَفي الإيمانِ بِالمَلائِكَةِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الإيمانُ بِأنَّهم رُسُلُ اللَّهِ إلى أنْبِيائِهِ.
والثّانِي: الإيمانُ بِأنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنهم رَقِيبٌ وشَهِيدٌ.
( وكُتُبِهِ ) قِراءَةُ الجُمْهُورِ وقَرَأ حَمْزَةُ: ( وكِتابِهِ ) فَمَن قَرَأ: ( وكُتُبِهِ ) فالمُرادُ بِهِ جَمِيعُ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنها عَلى أنْبِيائِهِ.
وَمَن قَرَأ: ( وكِتابِهِ ) فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَنى القُرْآنَ خاصَّةً.
والثّانِي: أنَّهُ أرادَ الجِنْسَ، فَيَكُونُ مَعْناهُ بِمَعْنى الأوَّلِ وأنَّهُ أرادَ جَمِيعَ الكُتُبِ والإيمانَ بِها والِاعْتِرافَ بِنُزُولِها مِنَ اللَّهِ عَلى أنْبِيائِهِ.
وَفي لُزُومِ العَمَلِ بِما فِيها ما لَمْ يَرِدْ نَسْخٌ قَوْلانِ: ثُمَّ فِيما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن إيمانِ الرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ - وإنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبَرِ - قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ المُرادَ بِهِ مَدْحُهم بِما أخْبَرَ مِن إيمانِهِمْ.
والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهِ أنَّهُ يَقْتَدِي بِهِمْ مَن سِواهم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ ﴾ يَعْنِي في أنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، كَما فَعَلَ أهْلُ الكِتابِ، فَيَلْزَمُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهم في التَّصْدِيقِ، وفي لُزُومِ التَّسْوِيَةِ في التِزامِ شَرائِعِهِمْ ما قَدَّمْناهُ مِنَ القَوْلَيْنِ، وجَعَلَ هَذا حِكايَةً عَنْ قَوْلِهِمْ وما تَقَدَّمَهُ خَبَرًا عَنْ حالِهِمْ لِيَجْمَعَ لَهم بَيْنَ قَوْلٍ وعَمَلٍ وماضٍ ومُسْتَقْبَلٍ.
﴿ وَقالُوا سَمِعْنا وأطَعْنا ﴾ أيْ سَمِعْنا قَوْلَهُ وأطَعْنا أمْرَهُ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: أنْ يُرادَ بِالسَّماعِ القَبُولُ، وبِالطّاعَةِ العَمَلُ.
﴿ غُفْرانَكَ رَبَّنا ﴾ مَعْناهُ نَسْألُكَ غُفْرانَكَ، فَلِذَلِكَ جاءَ بِهِ مَنصُوبًا.
﴿ وَإلَيْكَ المَصِيرُ ﴾ يَعْنِي إلى جَزائِكَ.
وَيَحْتَمِلُ وجْهًا ثانِيًا: يُرِيدُ بِهِ إلى لِقائِكَ لِتَقَدُّمِ اللِّقاءِ عَلى الجَزاءِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق مجاهد عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ قال: نزلت في الشهادة.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر من طريق مقسم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه...
﴾ الآية.
قال: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها.
وأخرج أحمد ومسلم وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جثوا على الركب، فقالوا: يا رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة، والصيام، والجهاد، والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟
بل قولوا ﴿ سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ [ البقرة: 285] » فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها ﴿ آمن الرسول ﴾ [ البقرة: 285] الآية.
فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ [ البقرة: 286] إلى آخرها.
وأخرج أحمد ومسلم والترمذي والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ دخل في قلوبهم منه شيء لم يدخل من شيء فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم؟
فقال: «قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا» .
فألقى الله الإِيمان في قلوبهم، فأنزل الله: ﴿ آمن الرسول...
﴾ [ البقرة: 285] الآية ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ [ البقرة: 286] قال: قد فعلت ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: قد فعلت ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال: قد فعلت ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا...
﴾ الآية قال: قد فعلت.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وابن جرير وابن المنذر عن مجاهد قال: دخلت على ابن عباس فقلت: كنت عند ابن عمر فقرأ هذه الآية فبكى.
قال: أية آية؟
قلت ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ قال ابن عباس: إن هذه الآية حين أنزلت غمت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غماً شديداً وغاظتهم غيظاً شديداً، وقالوا: يا رسول الله هلكنا إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا؟
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم «قولوا سمعنا وأطعنا» .
قال: فنسختها هذه الآية ﴿ آمن الرسول ﴾ [ البقرة: 285] إلى ﴿ وعليها ما اكتسبت ﴾ فتجوّز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير والطبراني والبيهقي في الشعب عن سعيد بن مرجانة.
أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه...
﴾ الآية.
فقال: والله لئن آخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى حتى سمع نشيجه، قال ابن مرجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس فذكرت له ما قال ابن عمر وما فعل حين تلاها.
فقال ابن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، لعمري لقد وجد المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ [ البقرة: 286] إلى آخر السورة قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت من القول والعمل.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والنحاس في ناسخه والحاكم وصححه عن سالم أن أباه قرأ ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد صنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد في الزهد وعبد بن حميد عن نافع قال: لقلما أتى ابن عمر على هذه الآية إلا بكى ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ إلى آخر الآية.
ويقول: إن هذا لاحصاء شديد.
وأخرج البخاري والبيهقي في الشعب عن مروان الأصغر عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحسبه ابن عمر ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ قال: نسختها الآية التي بعدها.
وأخرج عبد بن حميد والترمذي عن علي قال: لما نزلت هذه الآية ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله...
﴾ الآية.
أحزنتنا قلنا: أيحدث أحدنا نفسه فيحاسب به لا ندري ما يغفر منه ولا ما لا يغفر منه؟!
فنزلت هذه الآية بعدها فنسختها ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير والطبراني عن ابن مسعود في الآية قال: كانت المحاسبة قبل أن تنزل ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ فلما نزلت نسخت الآية التي كانت قبلها.
وأخرج ابن جرير من طريق قتادة عن عائشة أم المؤمنين في الآية قال: نسختها ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ .
وأخرج سفيان وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن المنذر عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم وتعمل به» .
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي قال: «ما بعث الله من نبي ولا أرسل من رسول أنزل عليهم الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ فكانت الأمم تأبى على أنبيائها ورسلها، ويقولون: نؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟!
فيكفرون ويضلون، فلما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم، فقالوا: يا رسول الله أنؤاخذ بما نحدث به أنفسنا ولم تعمله جوارحنا؟
قال: نعم، فاسمعوا وأطيعوا واطلبوا إلى ربكم، فذلك قوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ [ البقرة: 285] الآية.
فوضع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح، لها ما كسبت من خير وعليها ما اكتسبت من شر ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ [ البقرة: 286] قال: فوضع عنهم الخطأ والنسيان ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصرا...
﴾ الآية.
قال: فلم يكلفوا ما لم يطيقوا، ولم يحمل عليهم الإِصر الذي جعل على الأمم قبلهم، وعفا عنهم وغفر لهم ونصرهم» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ فذلك سرائرك وعلانيتك ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ فإنها لم تنسخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم مما لم تطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم وهو قوله: ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ [ البقرة: 225] .
وأخرج عبد بن حميد وأبو داود في ناسخه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس عن مجاهد في قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ قال: من اليقين والشك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ وإن تبدو ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ فذلك سر عملك وعلانيته ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ فما من عبد مؤمن يسر في نفسه خيراً ليعمل به فإن عمل به كتبت له عشر حسنات، وإن هو لم يقدر له أن يعمل كتب له به حسنة من أجل أنه مؤمن، والله رضي سر المؤمنين وعلانيتهم، وان كان سوءاً حدث به نفسه اطلع الله عليه أخبره الله به يوم تبلى السرائر، فإن هو لم يعمل به لم يؤاخذه الله به حتى يعمل به، فإن هو عمل به تجاوز الله عنه كما قال: ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم ﴾ [ الأحقاف: 16] .
وأخرج أبو داود في ناسخه عن ابن عباس قال: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ نسخت فقال: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ [ البقرة: 286] .
وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ قال: لما نزلت اشتد ذلك على المسلمين وشق عليهم فنسخها الله، فانزل الله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ [ البقرة: 286] .
وأخرج الطبراني في مسند الشاميين عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه...
﴾ الآية أتى أبو بكر، وعمر، ومعاذ بن جبل، وسعد بن زرارة، رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما نزل علينا آية أشد من هذه.
وأخرج ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس في الآية قال: إن الله يقول يوم القيامة: إن كتابي لم يكتبوا من أعمالكم إلا ما ظهر منها، فأما ما أسررتم في أنفسكم فأنا أحاسبكم به اليوم، فأغفر لمن شئت وأعذب من شئت.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في الآية قال: هي محكمة لم ينسخها شيء يعرفه الله يوم القيامة إنك أخفيت في صدرك كذا وكذا ولا يؤاخذه.
وأخرج الطيالسي وأحمد والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب عن أمية، أنها سألت عائشة عن قول الله تعالى ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ وعن قوله: ﴿ من يعمل سوءاً يجز به ﴾ [ النساء: 123] فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هذه معاتبة الله العبد فيما يصيبه من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها فيفزع لها ثم يجدها في ضبينه، حتى إن العبد ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير.
وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير من طريق الضحاك عن عائشة في قوله: ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم...
﴾ الآية.
قالت: هو الرجل يهم بالمعصية ولا يعملها، فيرسل عليه من الغم والحزن بقدر ما كان هم من المعصية، فتلك محاسبته.
وأخرج ابن جرير عن عائشة قالت: كل عبد هم بسوء ومعصية وحدث به نفسه حاسبه الله به في الدنيا، يخاف ويحزن ويشتد همه لا يناله من ذلك شيء، كما هم بالسوء ولم يعمل منه شيئاً.
وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ﴾ بالرفع فيهما.
وأخرج عن الأعمش: انه قرأ بجزمهما.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش.
أنه قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ يحاسبكم به الله يغفر لمن يشاء ﴾ بغير فاء.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ فيغفر لمن يشاء...
﴾ الآية.
قال: يغفر لمن يشاء الكبير من الذنوب، ويعذب من يشاء على الصغير.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى ﴿ وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴾ وهو مالكُ أعيانه، يملك تصريفه وتدبيره ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ الآية.
اختلف الروايات عن ابن عباس في معنى هذه الآية، فقال في رواية مقسم ومجاهد (١) (٢) (٣) وقال في رواية سعيد بن جبير (٤) (٥) (٦) ، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا وكلفنا من العمل ما لا نطيق، إن أحدنا ليحدِّث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا، فقال النبي : "فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل: سمعنا وعصينا، فقولوا: سمعنا وأطعنا"، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتدَّ ذلك عليهم، فمكثوا بذلك حولًا، فأنزل الله عز وجل الفَرَجَ والرحمة، بقوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ فنسخت هذه الآية ما قبلها [[تابع المصنف.
رحمه الله.
شيخه الثعلبي في "تفسيره" في ذكر هذه القصة بهذا السياق ["تفسير الثعلبي" 2/ 1827] وهي ملفقة من عدة أحاديث وآثار منها الصحيح البالغ في الصحة، ومنها ما هو دون ذلك، ومنها الضعيف، ولذا أورد الحافظ في "العجاب" 1/ 654 هذه الرواية عن الثعلبي في "تفسيره" بتمامها وعقب قائلًا: وهذا من عيوب كتابه، ومن تبعه عليه، يجمعون الأقوال عن الثقات وغيرهم، ويسوقون القصة مساقًا واحدًا على لفظ من يُرْمَى بالكذب أو الضعف الشديد، ويكون == أصل القصة صحيحًا، والنكارة في ألفاظٍ زائدة، كما في هذه القصة من تسمية الذين ذكروا.
اهـ فمن الأحاديث هنا: حديث أبي هريرة، رواه مسلم في الإيمان، باب: بيان أنه سبحانه وتعالى لم يكلف إلا ما يطاق 1/ 115 برقم (125) وغيره.
ومنها حديث ابن عمر، رواه البخاري في التفسير، باب: سورة البقرة 5/ 195 برقم (6546) وغيره.
ومنها أثر ابن عباس في تسمية الصحابة المذكورين في القصة، رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 275، والطبراني في "مسند الشاميين" 3/ 326.
ينظر: تحقيق "تفسير الثعلبي" للمنيع 2/ 1828.]].
فقال النبي : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال في رواية الضحاك (١٥) ﴿ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ والعبد (١٦) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ وكل عامل مأخوذ بكسبه ومجازى على عمله، فمن أبدى ما في نفسه أو أخفاه مما عزم عليه وعقد عليه في قلبه يحاسبه الله به، فأما ما حَدَّث به نفسه مما لم يعزم عليه فإن ذلك مما لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ولا يؤاخذ به (١٧) (١٨) (١٩) وقال في رواية علي بن أبي طلحة (٢٠) (٢١) (٢٢) فمعنى الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ فتعملوا به ﴿ تُخْفُوهُ ﴾ مما أضمرتم ونويتم ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ﴾ ويخبركم به، ويعرفكم إياه، فيغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين.
يدل على هذا قوله: ﴿ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ﴾ ولم يقل: يؤاخذكم، والمحاسبة غير المعاقبة، فالحِسَابُ ثابتٌ والعِقَابُ ساقط (٢٣) وروى الضحاك عن عائشة ا، أنها قالت: ما حدَّث العبد به نفسه (٢٤) (٢٥) أنها سألته عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه (٢٦) والمحققون يختارون أن تكون الآية محكمة غير منسوخة، لأن النسخ إنما يكون في الأمر والنهي، والأخذ بقول عائشة، وبقولِ من لم يحكم على الآية بنسخ أولى (٢٧) وقوله تعالى ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ قُرِئ رفعًا وجزمًا (٢٨) (٢٩) ومن رفع قَطَعَه من (٣٠) إما أن يجعل الفعل خبرًا لمبتدأ محذوف، كأنه قيل: فهو يغفر، فيرتفع (٣١) وإما أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها (٣٢) (١) أما رواية مجاهد فأخرجها سعيد بن منصور في "تفسيره" 3/ 1004، والطبري في "تفسيره" 3/ 142، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.
وأما رواية مقسم فأخرجها أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 274، والطبري في "تفسيره" 2/ 143، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/ 315، وابن الجوزي في "نواسخ القرآن" ص280.
وقد بين الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" 4/ 316 أن هذا التأويل غير صحيح؛ لأن كتمان الشهادة مما لا يغفر؛ لأنه حق من المشهود، وفي الآية ما قد منع من ذلكُ، وكذلك اعترض الشوكاني عليه في "فتح القدير" 1/ 463 قائلا: فإنها لو كانت كذلك لم يشتد الأمر على الصحابة.
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 143، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1826.
(٣) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 274، والطبري في "تفسيره" 3/ 143، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.
(٤) رواه الطبراني في "الكبير" 11/ 362، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 296، والطبري في "تفسيره" 3/ 145، وذكرها ابن أبي حاتم 2/ 574.
(٥) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1829.
(٦) هو: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن زهرة القرشي الزهري، من كبار الصحابة، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، كان من الأجواد الشجعان العقلاء، شَهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها، كان من أثرياء الصحابة أنفق كثيرًا في سبيل الله، توفي سنة 32 هـ.
ينظر "أسد الغابة" 3/ 480، "الأعلام" 3/ 321.
(٧) في (ش) و (ي): (يعملوا).
(٨) أخرجه البخاري (5269) كتاب: الطلاق، باب: الطلاق في الإغلاق والكره، ومسلم (127) كتاب: الإيمان، باب: تجاوز الله عن حديث النفس.
وليس في روايتهما ما يدل على أن القصة المذكورة هى سبب ورود الحديث.
(٩) رواه سعيد بن منصور 3/ 1018، وأبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 275، والطبري في "تفسيره" 3/ 146، والطبراني في "الكبير" 9/ 211.
(١٠) ذكره النحاس في "معاني القرآن" 1/ 325، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1829.
(١١) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 146، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.
(١٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 1830، والبغوي في "تفسيره" 1/ 355، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 342.
(١٣) ذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 239، والثعلبي في "تفسيره" 2/ 1830، والبغوي في "تفسيره" 1/ 355.
(١٤) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 111، والطبري في "تفسيره" 3/ 146، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.
(١٥) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 147 - 148 بمعناه، وذكره الثعلبي في "تفسيره"2/ 1833.
(١٦) في (ي): (والعمل).
(١٧) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1832 - 1833، وبين أن مما يدل على هذا القول: قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ﴾ .
(١٨) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 148، وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 574.
(١٩) انظر المرجعين السابقين.
(٢٠) رواه عنه الطبري في "تفسيره" 3/ 147، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 572.
(٢١) رواه الطبري في "تفسيره" 3/ 147، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 573.
(٢٢) في (ش): (لا).
(٢٣) "تفسير الثعلبي" 2/ 1843 - 1843، وذكر حديثين يتأيد بهما هذا القول: الأول: حديث النجوى عن ابن عمر مرفوعا: "يدنو العبد من ربه حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف كذا؟
فيقول: رب أعرف، فيوقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا، فيقول الله عز وجل: أنا الذي سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، لا نطلع على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا"، وأما الكفار والمنافقون فينادون على رؤوس الأشهاد ﴿ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ رواه البخاري في المظالم، باب: قوله تعالى: ﴿ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ ﴾ 3/ 134 برقم (2441)، ومسلم في التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله 4/ 2120 برقم (2768).
والثاني: حديث أبي ذر مرفوعا: "يؤتى برجل يوم القيامة، فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه فتعرض عليه، فيقال له: عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، وهو يقر ولا ينكر، وتخبأ عنه كبار ذنوبه وهو منها مشفق، فيقال: أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة، فيقول: إن لي ذنوبا ما أراها هاهنا، قال: فلقد رأيت النبي ضحك حتى بدت نواجذه".
رواه مسلم (190) كتاب: الإيمان، باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها.
(٢٤) في (ي): (من نفسه).
(٢٥) رواه الطبري في "تفسيره" عنها 6/ 116 - 117.
(٢٦) حديث عائشة رواه الترمذي (2991) كتاب: التفسير، باب: سورة البقرة، وأحمد 6/ 218، والطيالسي 221 برقم 1584، وإسحاق بن راهويه في "مسنده" 3/ 783 برقم (1413)، والطبري في "تفسيره" 3/ 149، و"ابن أبي حاتم" في تفسيره 2/ 574 من طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أمية عن عائشة به.
قال الترمذي: حسن غريب من حديث عائشة، لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 365: وشيخه علي بن زيد بن جدعان ضعيف يغرب في رواياته، وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه أم محمد أمية بنت عبد الله عن عائشة، وليس لها في الكتب سواه.
ورواه أبو داود (3093) كتاب: الجنائز، باب: عيادة النساء، والطبري في "تفسيره" 5/ 295، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 2/ 1072 وغيرهم، من طريق صالح بن رستم أبي عامر الخزاز عن ابن أبي مليكة عنها مرفوعا بمعناه، ولفظ الحديث عن أمية أنها سألت عائشة عن هذه الآية: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ ، ﴿ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ﴾ فقالت: ما سألني عنها أحد مذ سألت رسول الله فقال: "يا عائشة هذه متابعة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة والشوكة، حتى البضاعة يضعها في كمه فيفقدها فيفرع لها يجدها في خبنه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير".
(٢٧) قال البيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 297: وهذا النسخ بمعنى التخصيص والتبيين، فإن الآية الأولى وردت مورد العموم، فوردت الآية التي بعدها، فبينت أن ما يخفى مما لا يؤاخذ به، وهو حديث النفس الذي لا يستطيع العبد دفعه عن قلبه، == وهذا لا يكون منه كسب في حدوثه وبقائه، وكثير من المتقدمين كانوا يطلقون عليه اسم النسخ على الاتساع، بمعنى: أنه لولا الآية الأخرى لكانت الأولى تدل على مؤاخذته بجميع ذلك.
وبِين شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 14/ 101، صحة هذا القول، وأن المراد بالنسخ في الأحاديث هنا نسخ ما وقع في نفوس الصحابة من فهم معنى، وإن كانت الآية لم تدل عليه لكنه محتمل، وهذه الآية من هذا الباب؛ فإن قوله: ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾ إنما تدل على أن الله يحاسب بما في النفوس لا على أنه يعاقب على كل ما في النفوس، وقوله ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ يقتضي أن الأمر إلِيه في المغفرة والعذاب لا إلى غيره.
وقال الطبري في "تفسيره" 3/ 149: وأولى الأقوال: أنها محكمة وليست بمنسوخة، وذلك أن النسخ لا يكون في حكم إلا ينفيه بآخر هو ناف له من كل وجوهه، وليس في قوله: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ نفي الحكم الذي أعلم عباده بقوله: ﴿ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ ؛ لأن المحاسبة ليست بموجبة عقوبة ولا مؤاخذة بما حوسب عليه العبد من ذنوبه.
اهـ كلامه، باختصار.
(٢٨) قرأ ابن عامر وعاصم بالرفع في: (فيغفرُ) و (يعذب)، وقرأ الباقون بالجزم.
ينظر: "السبعة" ص 195، "الحجة" 2/ 463.
(٢٩) في (ي): (المشاركة).
(٣٠) في (ي): (عن).
(٣١) في (ي): (ارتفع).
(٣٢) من "الحجة" 2/ 464 - 465 باختصار.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا في أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ الله ﴾ الآية: مقتضاها المحاسبة على ما في نفوس العباد من الذنوب، سواء أبدوه أم أخفوه، ثم المعاقبة على ذلك لمن يشاء الله أو الغفران لمن شاء الله، وفي ذلك إشكال لمعارضته لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنّ الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها» ففي الحديث الصحيح عن أبي هريرة: أنه لما نزلت شق ذلك على الصحابة وقالوا هلكنا إن حوسبنا على خواطر أنفسنا، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا سمعنا وأطعنا» ، فقالوها، فأنزل الله بعد ذلك: لا يكلف الله نفساً إلاّ وسعها، فكشف الله عنهم الكربة، ونسخ بذلك هذه الآية، وقيل: هي في معنى كتم الشهادة وإبدائها، وذلك محاسب به، وقيل يحاسب الله خلقه على ما في نفوسهم، ثم يغفر للمؤمنين ويعذب الكافرين والمنافقين، والصحيح التأويل الأوّل لوروده في الصحيح، وقد ورد أيضاً عن ابن عباس وغيره، فإن قيل: إنّ الآية خبر والأخبار لا يدخلها النسخ، فالجواب: أنّ النسخ إنما وقع في المؤاخذه والمحاسبة وذلك حكم يصح دخول النسخ فيه، فلفظ الآية خبر، ومعناها حكم ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ قرئ بجزمهما عطفاً على يحاسبكم وبرفعهما على تقدير فهو يغفر.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ بإدغام الراء في اللام: أبو عمرو.
وجملة أهل العلم على الإخفاء لا على الإدغام التام ﴿ فيغفر ﴾ و ﴿ يعذب ﴾ برفع الراء والباء: يزيد وابن عامر وعاصم وسهل ويعقوب.
وقرأ حمزة غير أبي عمرو والحلواني عن قالون وابن مجاهد وأبو عون وأبو ربيعة عن البزي وخلف لنفسه يعذب من بالإظهار، أبو عمرو يدغم ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ كل القرآن.
﴿ وكتابه ﴾ حمزة وعلي وخلف الباقون ﴿ وكتبه ﴾ جمعاً لا يفرق بياء الغيبة يعقوب.
الباقون بالنون ﴿ أخطأنا ﴾ مثل ﴿ فادارأتم ﴾ .
الوقوف: ﴿ وما في الأرض ﴾ ط ﴿ به الله ﴾ ط لمن قرأ ﴿ فيغفر ﴾ بالرفع على الاستئناف/ أي فهو يغفر، ومن جزم العطف لم يقف.
﴿ من يشاء ﴾ ط.
﴿ قدير ﴾ ه ﴿ والمؤمنون ﴾ ه، لمن لم يقف على من ربه.
﴿ المصير ﴾ ه، ﴿ وسعها ﴾ ط ﴿ ما اكتسبت ﴾ ط ﴿ أو أخطأنا ﴾ ج ﴿ من قبلنا ﴾ ج لأن النداء للابتداء ولكن الواو لعطف السؤال على السؤال ﴿ لنا به ﴾ ج ﴿ واعف عنه ﴾ وقفة ﴿ واغفر لنا ﴾ كذلك ﴿ واحمنا ﴾ كذلك للتفصيل بين أنواع المقاصد والاعتراف بأن أطماعنا غير واحد ﴿ الكافرين ﴾ ه.
التفسير: إنه لما جمع في هذه السورة أشياء كثيرة من علم الأصول وهي دلائل التوحيد والنبوة والمعاد وأشياء كثيرة من بيان الشرائع والتكاليف كالصلاة والزكاة والقصاص والصوم والحج والجهاد والحيض والطلاق والعدة والصداق والخلع والإيلاء والإرضاع والبيع والربا والمداينة، ختم السورة بكلام دل على كماله ملكه وهو قوله: ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض ﴾ وعلى كمال علمه وهو قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ وعلى كمال قدرته وهو قوله ﴿ فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ وفي ذلك غاية الوعد للمطيعين ونهاية الوعيد للمذنبين.
وعن أبي مسلم أنه لما قال: والله بما تعملون عليم.
ذكر عليه دليلاً عقلياً فإن من كان فاعلاً لهذه الأفعال المحكمة المتقنة المشتملة على الحكم المتكاثرة والمنافع الفاخرة لا بد أن يكون محيطاً بأجزائها وجزئياتها.
وقيل: لما أمر بالوثائق من الكتبة والأشهاد والرهن، ذكر ما علم منه أن المقصود يرجع إلى الخلق وأنه منزه على الانتفاع به.
وقال الشعبي وعكرمة ومجاهد: إنه لما أوعد على كتمان الشهادة ذكر أن له ما في السموات وما في الأرض فيجازي على الكتمان والإظهار.
عن ابن عباس وأبي هريرة واللفظ له: "لما نزل ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله ﴾ اشتد ذلك على أصحاب رسول الله .
فأتوا رسول الله ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والصدقة.
وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
قال رسول الله : أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟
بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فلما قرأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في إثرها ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل الله عزّوجل: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ قال: نعم ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ قال: نعم، ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ قال نعم ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ قال نعم.
" واعلم أن العلماء اتفقوا على أن الأمور التي تخطر بالبال مما يكرهها الإنسان ولا يمكنه إزالتها عن النفس، لا يؤاخذ بها لأنها تجري مجرى تكليف ما لا يطاق، وأما الخواطر التي يوطن الإنسان نفسه عليها ويعزم على إدخالها في الوجود فقد قيل: إنه يؤاخذ بها لقوله تعالى: ﴿ ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم ﴾ وكما يؤاخذ باعتقاد الكفر والبدع وأنه من أفعال القلوب، ثم قال بعضهم: إنما يؤاخذ بها الدنيا لما روى الضحاك عن عائشة أنها قالت: ما حدث العبد به نفسه من شر كانت محاسبة الله عليه.
نعم يبتليه في الدنيا أو حزن أو أذى، فإذا جاءت الآخرة لم يسأل عنه ولم يعاقب.
وروت أنها سألت النبي عن هذه الآية فأجابها بما هذا معناه.
وقيل: إن كل ما كان في القلب مما لا يدخل في العمل فإنه في محل العفو لما روي أنه قال بعد نزول قوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ " "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم ما لم يعملوا أو يتكلموا " وقيل: معنى قوله ﴿ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ﴾ أن يدخل ذلك العمل في الوجود إما ظاهراً وإما على سبيل الخفية، وعلى هذا فلا حاجة الى التزام النسخ.
وكذا لو قيل: إن معنى كونه حسيباً ومحاسباً كونه عالماً بما في الضمائر والسرائر فيغفر لمن يشاء وإن كان من أصحاب الكبائر لعموم اللفظ.
وعند المعتزلة لمن استوجب المغفرة بالتوبة وهو تخصيص من غير دليل ﴿ ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير ﴾ مستولِ على كل الممكنات بالقهر والغلبة والإيجاد والإعدام.
فعلى كل عاقل أن يكون له عبداً منقاداً خاضعاً لأوامره ومراضيه، محترزاً عن مساخطه ومناهيه ليستحق المدح والثناء بقوله ﴿ آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون ﴾ فإن كمال الربوبية في الواجب يستلزم كمال العبودية في الممكن، وكمال العبودية في الممكن يستتبع كمال الرحمة عليه وذلك قوله: ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إلى آخر السورة.
أو نقول: إنه بدأ السورة بذكر المتقين الذين يؤمنون بالغيب، فبيّن في آخرها أن الذين مدحتهم في أول السورة هم أمة محمد ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ ثم قال ههنا ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ كما قال هناك ﴿ ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ﴾ وقال ههنا ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ كما قال هنالك ﴿ وبالآخرة هم يوقنون ﴾ ثم حكى عنهم كيفية تضرعهم إلى ربهم بقوله: ﴿ ربنا لا تؤاخذنا ﴾ إلى آخر السورة كما قال هناك ﴿ أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون ﴾ \[البقرة:/ 5\] أو نقول: إنه لما ذكر في هذه السورة أنواع الشرائع والأحكام، بيّن أن الرسول اعترف لمعجزة دلت على صدق الملك أن ذلك وحي من الله وصل إليه، وأن الذي أخبره بذلك ملك مبعوث من قبل الله معصوم من التحريف وليس بشيطان مضل.
ثم ذكر عقيبه إيمان المؤمنين بذلك لمعجزات أظهرها الله على يد الرسول حتى استدلت الأمة بها على أنه صادق في دعواه وهو المرتبة المتأخرة.
ومن تأمل في نظم هذه السورة وفي بدائع ترتيبها علم أن القرآن كما أنه معجز بسبب فصاحة ألفاظه وبلاغة معانيه، فهو أيضا معجز بحسب ترتيبه ونظم مبانيه.
ولعل الذين قالوا إنه معجز بحسب أسلوبه أرادوا ذلك.
ثم ههنا احتمالان: أحدهما أن يكون تمام الكلام عند قوله: ﴿ المؤمنون ﴾ فيكون المعنى ﴿ آمن الرسول...والمؤمنون...
بما أنزل إليه من ربه ﴾ ثم ابتدأ بقول ﴿ كل آمن ﴾ فيكون الضمير الذي التنوين نائب عنه في كل عائداً إلى الرسول والمؤمنين أي كلهم آمن بل كل واحد ممن تقدم ذكره من الرسول والمؤمنين آمن، ولهذا وحد.
ومثل هذا الضمير يجوز أن يفرد بمعنى كل واحد، ويجوز أن يجمع كقوله ﴿ وكل أتوه داخرين ﴾ وهذا الاحتمال يشعر بأنه ما كان مؤمناً بربه ثم آمن، فيحمل عدم الإيمان على وقت الاستدلال وذلك أنه عرف بما ظهر من المعجزات على يد جبريل أن هذا القرآن وجملة ما فيه من الشرائع والأحكام منزل من عند الله وليس من باب إلقاء الشياطين ولا من نوع السحر والكهانة والشعبذة.
والاحتمال الثاني أن يتم الكلام عند قوله ﴿ من ربه ﴾ ثم ابتدأ من قوله ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ وفي هذا الاحتمال إشعار بأن الذي حدث هو إيمانه بالشرائع التي نزلت عليه كما قال ﴿ ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ أما الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على الإجمال فقد كان حاصلاً منذ خلق من أول الأمر بل كان نبياً وآدم بين الماء والطين، كما أن عيسى خلق كامل العقل حتى قال في المهد ﴿ إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبياً ﴾ وعلى هذا فإنما خص الرسول بذلك لأن الذي أنزل إليه من ربه قد يكون متلواً يسمعه الغير ويعرفه فيمكنه أن يؤمن به، وقد يكون وحياً لا يعلمه سواه.
فيكون هو مختصاً بالإيمان به ولا يتمكن الغير من الإيمان به.
واعلم أن الآية دلت على أن معرفة هذه المراتب الأربع من ضروريات الإيمان: المرتبة الأولى هي الإيمان بالله فإن صدق المبلغ والرسول يتوقف على وجود المبلغ والمرسل.
والثانية الإيمان بالملائكة فإنهم وسائط بين الله وبين البشر.
﴿ ينزل الملائكة بالروح/ من أمره على من يشاء من عباده ﴾ ﴿ علمه شديد القوى ﴾ .
والثالثة الكتب فإنه الوحي الذي يتلقفه الملك ويوصله إلى النبي .
فمثال الملك في عالم الصورة جرم القمر، ومثال الوحي نور القمر.
فكما أن القمر يستفيد من نور الشمس ويوصله إلينا فكذا الملك يأخذ الوحي من الله ويلقيه على الأنبياء فلا جرم وقع الرسل في المرتبة الرابعة.
وهذا الترتيب مما تقتضيه حكمة عالم التكليف والوسائط وإلا فمقام لي مع الله وقت لا يسعني فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل معلوم لنبينا ، وهذا سر تطلع منه على أسرار أخرى إن كنت من أهلها، ثم الإيمان بالله عبارة عن الإيمان بوجوده وبصفاته وبأفعاله بأحكامه وبأسمائه.
أما الإيمان بوجوده فهو أن تعلم أن وراء المتحيزات موجوداً خالقاً لها، وعلى هذا التقدير فالمجسم لا يكون مقراً بوجود الإله فيكون الخلاف معهم في ذات الله .
وأما الفلاسفة والمعتزلة فالخلاف معهم في الصفات لا في الذات، لأنهم مقرون بوجود موجود غير متحيز ولا حال في المتحيز، وأما الإيمان بصفاته فالصفات إما ثبوتية أو سلبية أو إضافية.
وقد عرفت في تفسير البسملة ما يصح وصفه بها وما لا يصح، وكذا في تفسير آية الكرسي.
وأما الإيمان بأفعاله فأن تعلم أن كل ما سواه فإنما حصل بتخليقه وتكوينه حتى الأفعال التي تسمى اختيارية للحيوانات، وذلك أن مشيئة الإنسان محدثة منتهية إلى الله فهو مضطر في صورة مختار.
وقد حققنا هذه المسألة في تفسير قوله ﴿ ختم الله على قلوبهم ﴾ وأما الإيمان بأحكامه فإن تعلم أنها غير معللة بغرض وإن كان يترتب عليها الفوائد، وأن تعلم أن المقصود من شرعها منافع عائدة إلى العباد لا إلى الله فإنه منزه عن جلب المنافع ودفع المضار، وأن تعلم أن له الإلزام والحكم في الدنيا كيف شاء وأراد، وأن تعلم أنه لا يجب على الحق بسبب الأعمال شيء، وأنه في الآخرة يغفر لمن يشاء بفضله ويعذب من يشاء بعدله ولا يقبح منه شيء، لأن الكل ملكه وملكه.
وأما الإيمان بأسمائه فهي الأسماء الواردة في كتب الله المنزلة وفي كلمات أنيبائه المرسلة، وقد مر في تفسير البسملة فهذا هو الإشارة إلى معاقد الإيمان بالله.
وأما الايمان بالملائكة فهو الإيمان بوجودها.
فأما البحث عن أنها روحانية محضة، أو جسمانية محضة، أو مركبة من القسمين، وبتقدير كونها جسمانية فلطيفة أو كثيفة، وإن كانت لطيفة فنورانية أو هوائية فذاك مقام العلماء الراسخين في العلوم القرآنية والبُرهانية ويدخل في الإيمان بالملائكة اعتقاد أنهم معصومون، وأن لذتهم بذكر الله، وحياتهم بمعرفته وطاعته، وأنهم وسائط بين الله وبين البشر، وبهم وصلت الكتب إلى الأنبياء، ولكل طائفة منهم مقام معلوم وجزء مقسوم من أقسام هذا العالم.
وأما الإيمان بالكتب/ فإن تعلم أن كلها وحي من عند الله وليس لأحد من المخلوقات أن يلقي فيها شيئاً من ضلالاتهم ولا سيما في القرآن العظيم.
وإن من قال: إن ترتيب القرآن على هذا الوجه شيء فعله عثمان، فقد أخرج القرآن عن كونه حجة وطرق إليه التغيير والتحريف.
وأن القرآن مشتمل على المحكم والمتشابه، ومحكمه يكشف عن متشابهه.
وأما الإيمان بالرسل فإن تعلم كونهم معصومين عن الذنوب في باب الاعتقاد في أمر التبيلغ وفي الفتيا وفي الأخلاق وفي الأفعال كما مر في قصة آدم، وأن تعلم أن النبي أفضل ممن ليس بني خلافاً لبعض الصوفية، وأن بعض الأنبياء أفضل من بعض كما قال : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ وأما فضلهم على الملائكة فقد قال بعضهم: إن الأنبياء أفضل من الملائكة.
وقال كثير من العلماء: إن الملائكة السماوية أفضل منهم وإنهم أفضل من الملائكة الأرضية.
وقد مر تحقيق ذلك في قصة آدم أيضاً.
وأن تعلم أن شرعهم وإن صار منسوخاً إلا أن نبوتهم لم تصر منسوخة.
وإنهم الآن أنبياء ورسل كما كانوا، وناقش بعض المتكلمين في ذلك.
فهذه إشارة إلى أصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وأما من قرأ ﴿ وكتابه ﴾ على الوحدة فإما أن يراد به القرآن، ثم الإيمان به يتضمن الإيمان بمجموع الكتب والرسل.
وإما أن يراد به جنس الكتب السماوية فإن اسم الجنس المضاف قد يفيد العموم كقوله: ﴿ وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ﴾ وقال ﴿ احل لكم ليلة الصيام الرفث ﴾ وهذا الإحلال شائع في جميع الصيام.
قال العلماء: قراءة الجمع أولى لمشاكلة ما قبله وما بعده.
وقيل: قراءة الإفراد أولى لأن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع.
ومن هنا قال ابن عباس: الكتاب أكثر من الكتب.
ومن قرأ ﴿ لا نفرق ﴾ بالنون فلا بد من إضمار أي يقولون لا نفرق.
ومن قرأ بالياء على أن الفعل لكل فلا حاجة إلى الإضمار، ثم إن الجملة خبر أو حال واحد في معنى الجمع.
أي بين كل منهم وبين آخر منهم، فإن النكرة في سياق النفي تعم ولذلك صلحت لدخول "بين" عليها.
وليس المراد بعدم التفريق عدم التفضيل لقوله : ﴿ تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ﴾ بل المراد عدم التفريق في الإيمان بهم وفي اعتقاد بنوتهم لظهور المعجزات على أيديهم حسب دعاويهم.
والغرض منه تزييف معتقد اليهود والنصارى الذين يقرون بنبوة موسى وعيسى دون نبوة محمد .
وعن أبي مسلم: لا نفرق ما جمعوا كقوله ﴿ واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ﴾ واعلم أن قوله ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ بين أحد من رسله ﴾ إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى استكمال القوة العملية بالأعمال/ الفاضلة الكاملة.
أو نقول: إن للإنسان إياماً ثلاثة الأمس والبحث عنه يسمى معرفة المبدأ، واليوم والبحث عنه يسمى بالوسط، والغد والفحص عنه يسمى بعلم المعاد.
فقوله: ﴿ آمن الرسول ﴾ إلى قوله ﴿ من رسله ﴾ إشارة إلى معرفة المبدأ ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الوسط و ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ علم المعاد ومثله في آخر سورة هود ﴿ ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ﴾ وهو معرفة المبدأ لأن الكمالاتالحقيقية ليست إلا العلم والقدرة.
وقوله: ﴿ ولله غيب السموات والأرض ﴾ فيه بيان كمال العلم، وقوله ﴿ وإليه يرجع الأمر ﴾ فيه كمال القدرة.
وأما علم الوسط وهو علم ما يجب أن يشتغل به اليوم فبدايته الاشتغال بالعبودية وهو قوله: ﴿ فاعبده ﴾ ونهايته قطع النظر عن الأسباب، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب وهو قوله ﴿ وتوكل عليه ﴾ وأما علم المعاد فقوله: ﴿ وما ربك بغافل عما تعملون ﴾ أي ليومك غد سيصل إليك فيه نتائج أعمالك ومثله ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون ﴾ وهو معرفة المبدأ ﴿ وسلام على المرسلين ﴾ وفيه إشارة إلى عالم الوسط ﴿ والحمد لله رب العالمين ﴾ إشارة إلى علم المعاد كقوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والوقوف على هذه الأسرار إنما يكون بجذبة من ضيق عالم الأسرار إلى فسحة عالم الأنوار.
أو نقول ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إشارة إلى الأحكام العقليات ﴿ وقالوا سمعنا وأطعنا ﴾ إشارة إلى الأحكام السمعيات.
قال الواحدي: أي سمعنا قوله وأطعنا أمره.
وقيل: حذف المفعول صورة.
ومعنى ههنا أولى ليفيد أنه ليس في الوجود قول يجب سمعه إلا قوله، ولا أمر تجب إطاعته إلا أمره.
والسماع ههنا بمعنى القبول أي سمعناه بآذان عقولنا وعرفنا صحته وتيقنا أن كل تكليف ورد على لسان الملائكة والأنبياء عليهم السلام، فهو حق صحيح واجب قبوله، ثم قال ﴿ وأطعنا ﴾ فدل هذا على أنه كما صح اعتقادهم في هذه التكاليف فهم ما أخلوا بشيء منها، فجمع الله بهذين اللفظين كل ما يتعلق بأبواب التكاليف علماً وعملاً.
﴿ غفرانك ﴾ مصدر منصوب بإضمار فعله أي اغفر.
ويقال: غفرانك اللهم لا كفرانك.
من قوله ﴿ وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ﴾ أي لن تعدموا جزاءه.
وفي الكشاف: أي نستغفرك ولا نكفرك.
وقيل: معناه نسألك غفرانك فيكون مفعولاً به.
والأشهر أنه مصدر حذف فعله وجوباً لكثرة الاستعمال وللاستغناء به عن فعله نحو: سقياً ورعياً.
وههنا سؤال وهو أن القوم لما قبلوا التكليف وعملوا به فأي حاجة بهم إلى طلب المغفرة؟
والجواب لعلهم خافوا أن يكون قد فرط منهم تقصير فيما يأتون/ ويذرون، أو لعلهم كانوا يرتقون في درجات العبودية فيستغفرون مما قد خلفوها، ومن ههنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
وقد حمل قوله : " وإني لأستغفر الله في اليوم سعبين مرة " على مثل هذا.
ولأن جميع الطاعات في جنب مواجب حقوق الإلهية جنايات وتقصير وقصور، ولهذا حكى عن أهل الجنة ﴿ دعواهم فيها سبحانك اللهم ﴾ } [يونس: 10] أي أنت منزه عن تسبيحنا وتقديسنا ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ أي كل الحمد له، وإن كنا لا نقدر على فهم ذلك الحمد بعقولنا ولا على ذكره بألسنتنا.
ثم إن طلب هذا الغفران مقرون بأمرين: أحدهما بالإضافة إليه، والثاني بقوله: ﴿ ربنا ﴾ أما القيد الأول فمعناه أطلب المغفرة منك وأنت الكامل في هذه الصفة والمطموع من الكامل في صفة أن يعطي عطية كاملة، وما ذاك إلا بأن يغفر جميع الذنوب ويبدّلها حسنات.
أو تكون الإضافة إشارة إلى ما ورد في الحديث: " "إن لله مائة جزء من الرحمة قسم جزءاً منها على الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوانات فبها يتراحمون ويتعاطفون.
وأخر تسعة وتسعين جزءاً ليوم القيامة " أو لعل العبد يقول: كل صفة من صفاتك فإنما يظهر أثرها في محل معين.
فلولا الوجود بعد العدم لما ظهرت آثار قدرتك، ولولا الترتيب العجيب والتأليف الأنيق لما ظهرت آثار علمك، ولولا جرم العبد وجنايته وعجزه وحاجته لم يظهر آثار مغفرتك ورأفتك.
فأنا أطلب الغفران الذي لا يمكن ظهوره إلا في حقي وفي حق أمثالي من المذنبين.
وأما القيد الثاني فمعناه ربيتني إذ أوجدتني مع أنك لو لم تربني في ذلك الوقت لم أتضرر به لأني كنت أبقى في العدم، والآن لو لم تربني أتضرر به فأسألك أن لا تهملني.
أو ربيتني حين لم أذكرك بالتوحيد فكيف يليق بكرمك أن لا تربيني وقد أفنيت عمري في توحيدك؟
أو ربيتني في الماضي فاجعل تربيتك لي في الماضي شفيعاً إليك في أن تربيني في المستقبل، أو ربيتني فيما مضى فأتمم هذه التربية فيما يستقبل فإن إتمام المعروف خير من ابتدائه، ﴿ وإليك المصير ﴾ حيث لا حكم إلا حكمك ولا يشفع أحد إلا بإذنك.
وفيه اعتراف بأنه عالم بالجزئيات قادر على كل الممكنات، له المحيا وله الممات.
قوله ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إن قلنا إنه من تمام كلام المؤمنين فوجه النظم أنهم قالوا: كيف لا نسمع ولا نطيع وإنه لا يكلفنا إلا ما في وسعنا وطاقتنا.
وإن قلنا إنه من كلام الله مستأنفاً فالوجه أنهم لما قالوا سمعنا وأطعنا ثم طلبوا المغفرة، دل ذلك على أنه لا يصدر عنهم زلة إلا على سبيل السهو والنسيان، فلا جرم خفف الله عنهم إجابة لدعائهم.
والوسع ما يسع الإنسان ولا يضيق عليه كالصلوات الخمس وصوم رمضان والحج، فإنه كان من إمكان الإنسان وطاقته أن يصلي أكثر من الخمس، ويصوم أكثر من الشهر، ويحج أكثر من حجة.
ولكنه ما جعل في الدين من حرج لكمال رحمته وشمول رأفته.
واعلم أن المعتزلة عولوا في نفي تكليف ما لا يطاق على هذه الآية، ثم استنبطوا منها أصلين: الأول أن العبد موجد لأفعال نفسه إذ لو كان بتخليق الله لم يكن للعبد قدرة على دفعها لضعف قدرته، ولا على فعلها إذ الموجود لا يوجد.
ثانياً، فتكليف العبد بالفعل يكون تكليف ما لا يطاق.
الثاني أن الاستطاعة قبل الفعل وإلا لكان المأمور بالإيمان غير قادر عليه، فيلزم تكليف ما لا يطاق.
أما الأشاعرة فقالوا: تكليف من مات على الكفر كأبي لهب مع العلم بعدم إيمانه تكليف بالجمع بين النقيضين.
والجواب أن العلم بعدم الإيمان ليس تكليفاً بعدم الإيمان حتى يلزم التكليف بالنقيضين، والتكليف بأمر ممكن لذاته ممتنع لغيره غير التكليف بأمر مستحيل لذاته الذي هو محل النزاع.
لكن الأشعري لما كانت حجته قوية عنده خصص الآية بأنها إنما وردت في التكاليف الممكنة، إذ التكليف بالممتنع ليس تكليفاً بالحقيقة وإنما هو إعلام وإشعار بأنه خلق من أهل النار.
على أنه لو جعلت من قول المؤمنين لم يبق فيها حجة، ويحتمل أن يقال: لما حكاه عنهم في معرض المدح وجب أن يكونوا صادقين فيه ﴿ لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ﴾ قال الواحدي: إن الكسب والاكتساب واحد.
قال : ﴿ ولا تكسب كل نفس إلا عليها ﴾ وقيل: الاكتساب أخص لأن الكسب لنفسه ولغيره، والاكتساب ما يكتسب لنفسه خاصة.
وقيل: في الاكتساب مزيد اعتمال وتصرف لهذا خص بجانب الشر دلالة على أن العبد لا يؤاخذ من السيئات إلا بما عقد الهمة عليه وربط القلب به بخلاف الخير فإنه يثاب عليه كيفما صدر عنه.
قالت المعتزلة: في الآية دليل على أن الخير والشر كلاهما مضاف إلى العبد، ولو كانا بتخليق الله لبطلت هذه الإضافة وجرى صدور أفعاله منه مجرى لونه وطوله وشكله مما لا قدرة له عليه ألبتة، ولانتفت فائدة التكليف وقد سبق تحقيق المسألة مراراً، وكذا تفسير الكسب وبيان المذاهب فيه في تفسير وبيان المذاهب فيه في تفسير قوله ﴿ تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ﴾ .
واحتج الأصحاب بالآية على فساد القول بالمخاطبة لأنه بيّن أن لها/ ثواب ما كسبت وعليها عقاب ما اكتسبت، وهذا صريح في أن الاستحقاقين يجتمعان، وأنه لا يلزم من طرّو أحدهما زوال الآخر.
وقال الجبائي: تقدير الآية لها ما كسبت من ثواب العمل الصالح إذا لم يبطله، وعليها ما اكتسبت إذا لم يكفر بالتوبة وإنما أضمرنا هذا الشرط لأن الثواب منفعة دائمة والعقاب مضرة دائمة، والجمع بينهما محال.
واحتج كثير من المتكلمين بالآية في أن الله لا يعذب الأطفال بذنوب آبائهم، والفقهاء تمسكوا بها في إثبات أن الأصل في الأملاك البقاء والاستمرار.
وفرعوا عليه مسائل منها: أن المضمونات لا تملك بأداء الضمان، لأن المقتضى لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ والعارض الموجود إما الغصب وإما الضمان وهما لا يوجبان زوال الملك بدليل أم الولد والمدبر.
ومنها أنه لا شفعة للجار لأن المقتضي لبقاء الملك قائم وهو قوله ﴿ لها ما كسبت ﴾ عدلنا عن الدليل في الشريك لكثرة تضرره بالشركة فيبقى في الجار على الأصل.
ومنها أن القطع لا يسقط الضمان لوجود المقتضي، والقطع لا يوجب زوال الملك بدليل أن المسروق متى كان باقياً وجب رده على المالك.
ومنها أن منكري وجوب الزكاة احتجوا به، والجواب أن دلائل وجوب الزكاة أخص والخاص مقدم على العام.
ثم إنه حكى عن المؤمنين أربعة أنواع من الدعاء: الأول ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ ومعنى لا تؤاخذنا لا تعاقبنا.
وقد يكون فاعل بمعنى فعل نحو: سافرت وعاقبت اللص.
وقيل: معنى المشاركة ههنا أن الناسي قد أمكن من نفسه وطرّق السبيل إليها بفعله فصار من يعاقبه بذنبه كالمعين لنفسه في إيذاء نفسه.
وفي التفسير الكبير: إن الله يأخذ المذنب بالذنب والمذنب يأخذ ربه بالعفو والكرم أي يتمسك عند الخوف من عذابه برحمته، وهذا معنى المؤاخذة بين العبد والرب.
والمراد بالنسيان إما الترك وهو أن يترك الفعل لتأويل فاسد كما أن الخطأ هو أنه يفعل الفعل لتأويل فاسد ومنه قوله : ﴿ نسوا الله فنسيهم ﴾ أي تركوا العمل لله فترك أن يثيبهم، وإما ضد الذكر.
وأورد عليه أن النسيان والخطأ متجاوز عنهما في قوله : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " فما معنى الدعاء؟
والجواب من وجوه: الأول أن النسيان منه ما يعذر صاحبه فيه ومنه ما لا يعذر.
فمن رأى دماً في ثوبه وأخر إزالته إلى أن نسي فصلى وهو على ثوبه عد مقصراً إذا كان يلزمه المبادرة إلى إزالته.
وكذا إذا تغافل عن تعاهد القرآن حتى نسي فإنه يكون ملوماً بخلاف ما لو واظب على القراة ومع/ ذلك نسي فإنه يكون معذوراً.
وروي "أنه كان إذا أراد أن يذكر حاجته شد خيطاً في أصبعه" فثبت أن الناسي قد لا يكون معذوراً وذلك إذا ترك التحفظ وأعرض عن أسباب التذكر، وإذا كان كذلك صح طلب غفرانه بالدعاء.
والحاصل أنه ذكر النسيان والخطأ والمراد بهما ما هما مسببان عنهما من التفريط والإغفال.
الثاني أن هذا على سبيل الفرض والتقدير وذلك أنهم كانوا متقين لله حق تقاته، فما كان يصدر عنهم ما لا ينبغي إلا على وجه الخطأ والنسيان، فكان وصفهم بالدعاء بذلك إيذاناً ببراءة ساحتهم عما يؤاخذون به فكأنه قيل: إن كان النسيان مما يجوز المؤاخذة به فلا تؤاخذنا به.
الثالث أن العلم بأن النسيان مغفور لا يمنع من حسن طلبه بالدعاء، فربما يدعو الإنسان بما يعلم أنه حاصل له قبل الدعاء من فضل الله إما لاستدامته وإما لاعتداد تلك النعمة أو لغير ذلك كقوله ﴿ قل رب احكم بالحق ﴾ ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ وقالت الملائكة: ﴿ فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك ﴾ .
الرابع أن مؤاخذة الناسي غير ممتنعة عقلاً وإنما عرف عدم المؤاخذة بالآية والحديث، فلما كان ذلك جائزاً في العقل حسن طلب المغفرة منه بالدعاء.
وقد يتمسك به من يجوّز تكليف ما لا يطاق فيقول الناسي غير قادر على الاحتراز عن الفعل، فلولا أنه جائز من الله عقلاً لما أرشد الله إلى طلب ترك المؤاخذة عليه.
وقد يستدل به على حصول العفو لأهل الكبائر قالوا: إن النسيان والخطأ لا بد أن يفسرا بما فيه العمد والقصد إلى فعل ما لا ينبغي.
إذ لو فسرا بما لا عمد فيه فالمؤاخذة على ذلك قبيحة عند الخصم، وما يقبح من الله فعله يمتنع طلب تركه بالدعاء.وإذا فسرا بما ذكرنا وقد أمر الله المسلمين أن أن يدعوه بترك المؤاخذة عل تعمد المعصية دل ذلك على أنه يعطيهم هذا المطلوب فيكون العفو لصاحب الكبيرة مرجواً.
النوع الثاني: من الدعاء ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا ﴾ الإصر الثقل والشدة ثم يسمى العهد إصراً لأنه ثقيل.
والإصر العطف لأن من عطفت عليه ثقل على قلبك ما يصل إليه من المكاره.
يقال: ما تأصرني على فلان آصرة أي ما تعطفني عليه قرابة ولا منة، والمعنى لا تشدد علينا في التكاليف كما شدّدت على من قبلنا من الهيود، قال المفسرون: إن الله فرض عليهم خمسين صلاة، وأمرهم بأداء ربع أموالهم في الزكاة، ومن أصاب ثوبه نجاسة قطعها، وكان عذابهم معجلاً في الدنيا.
فأجاب الله دعاءهم كما قال: ﴿ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ﴾ وقال " رفع عن أمتي المسخ والخسف والغرق" " وإنما طلبوا هذا التخفيف لأن التشديد مظنة التقصير والتقصير موجب العقوبة.
وقيل: معناه لا تحمل علينا عهداً أو ميثاقاً يشبه ميثاق من قبلنا في الغلظ والشدة وهو قريب من الأول.
قال بعض العلماء: اليهود لما كانت الفظاظة/ وغلظ القلب غالبة عليهم كانت مصالحهم في التكاليف الشديدة الشاقة، وهذه الأمة الرقة وكرم الخلق غالبة عليهم فكانت مصلحتهم في التخفيف وترك التغليظ.
وأما أن اليهود لما خصت بغلظ الطبع وهذه الأمة باللطافة والكرم فليس إلينا أن نعلم تفاصيل جميع الكائنات وما لا يدرك كله لا يترك كله.
النوع الثالث: الدعاء ﴿ ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به ﴾ ومن الأصحاب من تمسك به في جواز تكليف ما لا يطاق إذ لو لم يكن جائزاً لما حسن طلب تركه بالدعاء.
وأجاب المعتزلة عنه بأن معنى قوله: ﴿ لا طاقة لنا ﴾ أي ما يشق فعله لا الذي لا قدرة لنا عليه.
وفي الحديث أن النبي قال في المملوك: " له طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق " أي لا يشق عليه.
وزيف بأن معناه ومعنى الآية المتقدمة يكون حينئذٍ واحداً فعدلوا عن ذلك وقالوا: المراد منه العذاب أي لا تحملنا عذابك الذي لا نطيق احتماله.
سلمنا أنهم سألوا الله أن لا يكلفهم ما لا قدرة لهم عليه، لكن ذلك لا يدل على جواز أن يفعل خلاف ذلك كما أن قوله ﴿ رب احكم بالحق ﴾ لا يدل على جواز أن يحكم بباطل.
وكذا قول إبراهيم ﴿ ولا تخزني يوم يبعثون ﴾ لا يدل على أن خزي الأنبياء جائز.
قيل: لم خص التكليف الشاق بالحمل والتكليف الذي لا قدرة عليه بالتحميل؟
وأجيب بأن الحاصل فيما لا يطاق هو التحميل دون الحمل.
قيل: لما طلب أن لا يكلفه بالفعل الشاق كان من لوازمه أن لا يكلفه بما لا يطاق فكان المناسب طرح هذا الدعاء لا أقل من عكس الترتيب.
والجواب على تفسير المعتزلة ظاهر أي لا تحملنا عذابك فإنهم طلبوا الإعفاء عن التكليفات الشاقة التي كلفها من قبلهم، ثم عما نزل عليهم من العقوبات على تفريطهم في المحافظة عليها.
وأما على تفسير الأشاعرة فهو أنهم سألوا أن لا يكلفهم تكليفاً شاقاً مقيداً وهو التكليف بما كلف من قبلهم.
ثم سألوا أن لا يكلفهم التكليف الشاق الذي لا قدرة لهم عليه مطلقاً سواء كلف بذلك من قبلهم أم لا.
وقيل: الأول طلب ترك التشديد في مقام القيامبظاهر الشريعة، والثاني طلب ذلك في مقام الحقيقة وهو مقام الاشتغال بمعرفة الله وخدمته وطاعته وشكر نعمه أي لا تطلب مني حمداً يليق بجلالك ولا شكراً يليق بآلائك ونعمائك، ولا معرفة تليق بقدس عظمتك وكمالك.
وأما الفائدة في حكاية هذه الأدعية بصيغة الجمع في ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ ﴿ ولا تحمل علينا ﴾ فذلك أنه إذا اجتمعت النفوس والهمم على كل شيء كان حصوله أرجى.
النوع الرابع من الدعاء ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ وإنما حذف النداء وهو قوله "ربنا" ههنا لأن النداء يشعر بالبعد.
فترك النداء يؤذن بأن العبد إذا واظب على التضرع والدعاء نال مقام القربة والزلفى من الله.
والفرق بين العفو والمغفرة والرحمة أن العفو إسقاط العذاب، والمغفرة أن يستر عليه بعد ذلك جرمه صوناً له عن عذاب التخجيل والفضيحة فإن الخلاص من عذاب النار إنما يطيب إذا حصل عقيبة الخلاص من عذاب الفضيحة.
فالأول هو العذاب الجسماني والثاني هو العذاب الروحاني.
وبعد التخلص منهماأقبل على طلب الثواب وهو أيضاً قسمان: جسماني هو نعيم الجنة وطيباتها وهو قوله ﴿ وارحمنا ﴾ وروحاني هو إقبال العبد بكليته على مولاه وهو قوله ﴿ أنت مولانا ﴾ ففيه الاعتراف بأنه هو المتولي لكل نعمة ينالونها، وهو المعطي لكل مكرمة يفوزون بها، وأنهم بمنزلة الطفل الذي لا تتم مصلحته إلا بتدبير قيمه، والعبد الذي لا ينتظم شمل مهماته إلا بإصلاح مولاه.
وبهذا الاعتراف يحق الوصول إلى الحق "من عرف نفسه" أي بالإمكان والنقصان "عرف ربه" أي بالوجوب والتمام.
ثم إذا وصل إلى الحق أعرض بالكلية عما سواه وهو قوله ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ أعنا على قهر كل من خالفك وناواك وعلى غلبة القوى الجسمانية الداعية إلى ما سواك.
عن رسول الله " السورة التي تذكر فيها البقرة فسطاط القرآن فتعلموها فإن تعلمها بركة وتركها حسرة ولن تستطيعها البطلة قيل: وما البطلة؟
قال: السحرة " وعنه " "من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " وعنه " "أوتيت خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يؤتهن نبي قبلي " وعنه " "أنزل الله آيتين من كنوز الجنة كتبهما الرحمن بيده قبل أن يخلق الخلق بألفي سنة من قرأهما بعد العشاء الآخرة أجزأتاه عن قيام الليل " وروى الواحدي عن مقاتل بن سليمان "أنه لما أسري بالنبي إلى السماء أعطي خواتيم سورة البقرة فقالت الملائكة له: إن الله عز وجل أكرمك بحسن الثناء بقوله ﴿ آمن الرسول ﴾ فاسأله وارغب إليه.
فعلّمه جبريل كيف يدعو فقال النبي ﴿ غفرانك ربنا ﴾ فقال الله: قد غفرت لكم.
فقال: ﴿ لا تؤاخذنا ﴾ فقال الله: لا أؤاخذكم.
فقال: لا تحمل علينا إصراً.
فقال: لا أشدد عليكم.
فقال: لا تحملنا ما لا طاقة لنا به.
فقال: لا أحملكم ذلك.
فقال: ﴿ واعف عنا واغفر لنا وارحمنا ﴾ فقال الله: قد عفوت عنكم/ وغفرت لكم وانصركم على القوم الكافرين" .
وفي بعض الروايات أن محمداً كان يذكر هذه الدعوات والملائكة كانوا يقولون آمين.
التأويل: الإنسان مركب من عالمي الأمر والخلق.
له روح نوراني من عالم الأمر والملكوت، وله نفس ظلمانية من عالم الخلق والملك، ولكل منهما نزاع وشوق إلى عالمه.
فغاية بعثة الأنبياء تزكية النفوس عن ظلمة أوصافها وتحليتها بأنوار الأرواح، وحاصل تسويل الشيطان عكس هذه القضية وإليه الإشارة في قوله ﴿ إن تبدوا ما في أنفسكم ﴾ مودع من أنوار الأخلاق الروحانية في الظاهر بأعمال الشريعة في الباطن بأحوال الحقيقة ﴿ أو تخفوه ﴾ بإبراز ظلمات الأوصاف النفسية في الظاهر بمخالفات الشريعة، وفي الباطن بموافقات الطبيعة ﴿ يحاسبكم به الله ﴾ بطهارة النفس لقبول أنوار الروح أو بتلوث الروح لقبول ظلمات النفس ﴿ فيغفر لمن يشاء ﴾ فينور نفسه بأنوار الروح وروحه بأنوار الحق ﴿ ويعذب من يشاء ﴾ فيعاقب نفسه بنار دركات السعير وروحه بنار فرقة العلي الكبير ﴿ والله على كل شيء ﴾ من إظهار اللطف والقهر على تركيب عالمي الأمر والخلق ﴿ قدير ﴾ لما عرج بالنبي إلى سدرة المنتهى وبلغ المقصد الأعلى ﴿ ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى ﴾ أكرم بالسلام قبل الكلام فقيل: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
فأجاب بقوله: " " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" .
فقيل له ﴿ آمن الرسول ﴾ عياناً ﴿ بما أنزل إليه من ربه ﴾ فقال من كمال رأفته بأمته ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله ﴾ إلى قوله ﴿ سمعنا وأطعنا ﴾ فقال الله : ما يطلبون مني في جزاء السمع والطاعة؟
فقال النبي ﴿ غفرانك ربنا وإليك المصير ﴾ ما يطلبون إلا أن تسترهم بسربال فضلك ويكون مصيرهم إليك لا إلى غيرك كما كان مصيري إليك لا إلى من سواك.
قال الله في جوابه ﴿ لا يكلف الله نفساً إلا وسعها ﴾ إنك في مقام لا يسعك فيه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولهذا قال لك جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.
وإن الأنبياء والمرسلين الذين اصطفيناهم على العالمين وكل طائفة منهم في سماء واقفون حبستهم رحمتي كيلا تحرقهم سبحات وجهي وسطوات قهري، فكيف أكلف أمتك المذنبة المرحومة بهذا المصير وأنا بضعف حالهم بصير؟
وإنما بلغت هذا المقام حتى جاوزت الرسل الكرام أن اتخذتك حبيباً قبل أن أخلقك وخلقت الكائنات لمحبتك ولأن أمتك أكرم الأمم، ولهم بسبب شفاعتك اختصاص بمحبتي إياهم ما داموا في متابعتك فقل لهم ﴿ إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ﴾ فبقدر ما كسبت أمتك من أنوار متابعتك تستحق المصير إلى حضرة جلالنا وشواهد جمالنا، وعلى قدر ما اكتسبت بالتواني عن ظل متابعتك تستأهل المصير إلى دركات السعير.
فتارة/ أسكره لذة هذا الخطاب وأخرى أقحمته سطوة هذا العتاب.
فقال ﴿ ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ﴾ أي لا تعاقب أمتي إن نسيت عهدك الذي عاهدتهم أن يحبوك ولا يحبوا غيرك، أو أخطأت طريق طلبك ولكن ما أخطأت طريق عبوديتك فلم يعبدوا غيرك وأنت قلت: ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ﴿ ربنا ولا تحمل علينا إصراً ﴾ بأن تجعلنا أسرى النفس الأمارة فنعبد عجل الهوى ونار الشهوات كما عبد الذين من قبلنا ﴿ ولا تحملنا ما لا طاقة لنا ﴾ بالصبر عن شهود جمالك ﴿ واعف عنا ﴾ حجب أنانيتنا ﴿ واغفر لنا ﴾ بشواهد هويتك ﴿ وارحمنا ﴾ برفع البينونة من بيننا ﴿ أنت مولانا ﴾ وولينا في رفعوجودنا وناصرنا في نيل مقصودنا ﴿ فانصرنا على القوم الكافرين ﴾ بجذبات عنايتك وأعنا في المصير إليك على قمع كفار الأثنينية التي تمنعنا من وحدتك.
بيني وبينك إنيَّ يزاحمني *** فارفع بجودك إنّي من البين
قوله : ﴿ للَّهِ ما فِي ٱلسَّمَٰوٰتِ وَمَا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ .
هو ظاهر، إذ ما في السماوات والأرض كلهم عبيده وإماؤه، ردّاً على قولهم: ﴿ عُزَيْرٌ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ ٱللَّهِ ﴾ ، و"الملائكة بنات الله".
وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم في غير موضع.
وقوله : ﴿ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيۤ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ ٱللَّهُ ﴾ .
ومن الناس من استدل على نسخها بقوله: ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ ﴾ ، لكنه لا يحتمل؛ لأن الآية وعد وخبر بالمحاسبة، والوعد لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف وبداء، وذلك ممن يجهل بالعواقب، الله عز وجل عن ذلك علوا كبيراً.
ثم اختلف فيه: قال الحسن: هو على ما عزم ولا على ما خطر بالنفس.
وكذا قوله: "من هم".
ويحتمل أن يكون على التقديم والتأخير: إن تخفوا ما في أنفسكم أو تبدوه يحاسبكم به الله.
ويحتمل أيضاً: إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه وعزمتم عليه وعقدتم، لا على الخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي: "من هم بحسنة فله كذا، ومن هم بسيئة فكذا"، ليس على ما يخطر فيه أو حديث النفس، على ما روي، وتحدث النفس به، ولكن على العزم عليه والاعتقاد.
وكذلك قوله: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلاۤ أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾ ، همت هي به هم عزم، وهو هم بها هم خطر.
والمرء غير مؤاخذ بما يخطر في القلب وتحدث النفس به، إنما يؤاخذ على ما عزم واعتقد عليه.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ .
فيه دليل ما قلنا: إنه على العزم والاعتقاد عليه؛ لما ذكرنا من العفو والعقوبة عليه.
وقوله : ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ .
قوله: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ ، يحتمل وجهين: يحتمل: آمن بنفس المنزل ﴿ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ ، أنه من عند الله وكذلك ﴿ وَٱلْمُؤْمِنُونَ ﴾ أيضاً آمنوا بما أنزل إليه أنه من عند الله .
ويحتمل: ﴿ ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ ﴾ ، أي: آمن الرسول بما في المنزل إليه، وكان فيه ما ذكر: ﴿ آمَنَ بِٱللَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ ﴾ ، إلى قوله: ﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ ، وكذلك "المؤمنون" آمنوا بجميع ما في المنزل، وهو ما ذكرنا.
وفيه دليل أن الإيمان بالمنزل على رسول الله إيمان بجميع الرسل والكتب كلها والملائكة والبعث والجنة والنار.
وفيه دلالة نقض قول من يشك في إيمانه ويستثني؛ لأنه عز وجل شهد لهم بالإيمان، فلا يخلوا الاستثناء: إما أن يكون لشكهم في إتيان ما أمروا، أو في الذي أخبر الله عنه بما كان، ففيه الويل لهم.
وفيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه شهد لهم بالإيمان، وهم نفوا عنهم الاسم الذي شهد الله لهم بالإيمان به، وبالذي ذكر، وكل صاحب كبيرة مؤمن بجميع ما ذكر، وقد سماهم الله به مؤمنين، وشهد لهم به.
والله الموفق.
فإن قيل: فقد ذكر الطاعة في آخرها.
قيل: ذكر الطاعة في الإجابة، وبتلك الإجابة شهد لهم؛ فيلزمهم ما شهد الله لهم جل وعلا بما أجابوا.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ .
ويحتمل: أن يكون هنا خبرا أخبر الله عز وجل عن المؤمنين أنهم قالوا: ﴿ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ ﴾ كما فرق اليهود والنصارى.
وقوله : ﴿ ...وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ .
يحتمل: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ قولك ودعاءك، و ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ ، أي: أطعناك في الإجابة.
ويحتمل: ﴿ سَمِعْنَا ﴾ القرآن، و ﴿ وَأَطَعْنَا ﴾ ، أي: أطعنا ما فيه.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ ...غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ﴾ .
أي: اغفر لنا ربنا.
﴿ وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ ﴾ .
أي: المرجع.
وهذه الآية جمع جميع شرائط الإيمان؛ لذلك قلنا: إن الإيمان بالقرآن إيمان بجميع الكتب والأنبياء والبعث وغيره.
وبالله العصمة والنجاة.
وقوله : ﴿ لاَ يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ .
اختلف فيه: قال الحسن: قوله : ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ ، إلا ما يحل ويسع، لكن بعض الناس يقولون: هذا بعيد، لا يحتمل الآية، إذا كلف حل ووسع.
فإذا كان كذلك لم يكن لقوله معنى.
قيل: له: هو كقوله : ﴿ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَاتُ ﴾ ، إذا أحل طَيِّب وإذا طيب أحل.
فكذا الأول.
وكذا ذكرنا الأمرين جميعاً.
وتأويل ثان ﴿ إِلاَّ وُسْعَهَا ﴾ : إلا طاقتها وكذلك قول المعتزلة: [غير أنا اختلفنا في تقدم استطاعة الأفعال فمنعنا نحن تقدمها وقلنا لا تكون إلا مع الفعل، وقالت المعتزلة] بتقدم الفعل، وأما عندنا: فإنها على وجهين: استطاعة الأحوال والأسباب، واستطاعة الأفعال.
أما استطاعة الأحوال والأسباب: فإنها يتقدمها، وعلى ذلك يقع الخطاب، دليله: قوله عز وجل: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ مَنِ ٱسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً ﴾ .
قيل: يا رسول الله ما الاستطاعة؟
قال: "الزاد والراحلة".
ثم كل يجمع أن من كان بأقصى بلاد المسلمين قد يلزمه فرض الحج، على علم كل منهم أن تلك الاستطاعة لو صرفت إلى استطاعة الأفعال لم يبق إلى وقت وجود الأفعال، ثم قد لزمه ذلك؛ فبان أن الكلفة إنما تقع على استطاعة الأحوال والأسباب، وكذلك الكلفة في جميع الطاعات.
فإن قيل: قد يقع هذا على الخروج، فيوجد الفعل عقيب قوة الخروج، قيل: لو كان كذا لكان لا يلزم فرض الحج إلا بالخروج، وله ترك الخروج، إذ باكتساب الخروج يلزمه فرض الحج، فلا يلزم عليه فرض الحج؛ فثبت أنه لا يحتمله، بل هو على ما قاله أصحابنا - رحمهم الله -: إنها استطاعة الأحوال [والأسباب]، وتلك تتقدم، لما ذكرنا.
والله أعلم.
وأما استطاعة الأفعال: فإنها تحدث بحدوث الأفعال وتتلو كالأوقات التي لا تبقى في وقت ثاني، فهي كالوقت الذي لا يبقى في وقت ثان.
والله أعلم.
فإن سئلنا عن التكليف: أيكون فيما لا يطاق؟
فجوابنا: أنه فيما منعنا عنه فلا.
وفيما لم نمنع، وصنيعنا يشغلنا بغيره، فبلي.
ثم الكافر بما أعطي من القوة والاستطاعة، شغل نفسه بغير وضيع ما أعطي من القوة.
فإذا ضيع لم يكن تكليف ما لا يطيق ثم ننظر إينا أحق بالقول بتكليف ما لا يطاق.
فمن قول المعتزلة: إن القوة على الفعل ليوجده في الوقت الثاني.
ثم في الوقت الثاني جعلوه غير قادر عليه بقدرة توجد، ثم جعلوه أيضاً غير قادر على الترك للفعل.
والمتعارف من الأمر في الظاهر بشيء يفعله في وقت ألا يقع الأمر به وقت ما يسمعه ويقرع الخطاب السمع، بل في ثان من الوقت.
فحصل عندهم الأمر على الوقت الذي هو غير قادر فيه.
فأي تكليف على فقد الطوق والوسع أبين مما قالوا؟!
وبالله التوفيق.
ثم أفحش من هذا ما قالوا: إن القدرة تتقدم الفعل، والفعل هو الذي يدل على وجود الولاية، وهو في وقت إيجاد الفعل، إن كان كفرا يعادي، وإن كان إيماناً يوالي.
فحصل القول: على أن الموالاة والمعاداة أبدا تقع في غير وقت الانتهاء والائتمار.
ثم قولهم في قوله : ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي ٱلأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً ﴾ ، أنه على الجبر.
ولا يحتمل ذلك؛ لأنه قد أوجب لكل ذلك مرة بالجبر في الخلقة، وهو قوله: ﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ ٱللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ، فقد ألزمهم الإسلام بالخلقة، بان أن الثاني على الاختيار.
ثم قولهم: في استطاعة واحدة لفعلين خطأ؛ لأن من قولهم: إن الاستطاعة لا تبقى، ثم وجود الفعلين معاً في وقت باستطاعة واحدة محال، ووجود تلك الاستطاعة لأحد الفعلين بعدم الآخر مستحيل لعدم البقاء، ووجوده عندهم على البدل محال، إذ جعلوا عين ما هو الأصل لأحدهما للآخر؛ فثبت أنه خطأ.
وقوله : ﴿ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا ٱكْتَسَبَتْ ﴾ .
فيه دلالة: أن الله إنما يأمر عبيده وينهى، وإنما يأمر وينهى؛ لمنافع لهم ولضرر يلحقهم، لا لمنافع تكون له بالأمر فيأمر، أو بضر يلحقه فينهى عن ذلك.
فيكون الأمر جارّاً منفعة، وفي النهي دافعا مضرة.
كما يكون في الشاهد أن من أمر آخر بشيء إنما يأمر لمنفعة تتأمل فيه، وينهى عن شيء لدفع ضرر يخافه.
وتعالى الله عن ذلك.
وقوله : ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: ﴿ إِن نَّسِينَآ ﴾ ، يعني: تركنا، كقوله : ﴿ نَسُواْ ٱللَّهَ فَنَسِيَهُمْ ﴾ .
وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ ﴾ ، أي: ترك.
وقوله: ﴿ أَخْطَأْنَا ﴾ ، يعني: ارتكبنا ما نهيتنا.
وقيل: إنه على حقيقة النسيان والخطأ، كأنه على الإضمار أن قولوا ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا...
﴾ الآية.
ثم اختلف بعد هذا: قالت المعتزلة: أمر بالدعاء بهذا تعبدا أو تقرباً إليه.
وكذلك قوله : ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ ٱلْمِيعَادَ ﴾ ، وكذلك قوله: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، ونحوه، خرج الدعاء به مخرج التعبد والتقرب؛ لأن رسول الله أخبر أن لا يؤاخذنا بالنسيان والخطأ، وأخبر أنه لا يخلف المعياد، وكذلك معلوم أنه لا يحكم إلا بالحق.
وكذلك قوله : ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾ وقد أخبر أنه قد غفر ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولكنه على ما ذكرنا، وإلى هذا يذهب المعتزلة.
وأما الأصل عندنا في هذا: أنه جائز في الحكمة أن يعاقب على النسيان والخطأ، ليجتهدوا في حفظ حقوقه وحدوده وحرماته لئلا ينسوا.
ألا ترى أن الله أوجب على قاتل الخطأ الكفارة، ثم قال: ﴿ تَوْبَةً مِّنَ ٱللَّهِ ﴾ ، فلو لم يجز أن يعاقب على النسيان والخطأ، لم يكن لوجوب الكفارة عليه والتوبة معنى؛ دل أنه جائز في الحكمة المؤاخذة به.
والثاني: قوله عز وجل: ﴿ وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ ٱلشَّيْطَانُ ﴾ ، وفعل الشيطان مما يتقي ويحذر؛ لذلك كان ما ذكرنا - والله أعلم - لأنه لو اجتهد عن فعل السهو والنسيان سلم عنه، فجائز أن يسأل السلامة عنهما، إذ بالجهد يسلم عنه، وبالغفلة يقع فيه.
والثالث: ما ذكرنا: أن النسيان هو الترك، والخطأ هو ارتكاب المهني، والتارك لأمر الله، والمرتكب لنهيه يستوجب العقاب عليه.
والله أعلم.
فيصبح الدعاء على ذلك؛ لئلا يلحقهم العذاب بترك ذلك الأمر وارتكابه المنهي.
فإن قيل: ما معنى قوله : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" ؟
قيل: إنما جاء هذا في الكفر خاصة، لا في غيره؛ وذلك أن القوم كانوا حديثي العهد بالإسلام، يجري على ألسنتهم الكفر على النسيان والخطأ، وكذلك كانوا يكرهون على الكفر فيجرون على ألسنتهم الكفر مخافة القتل، فأخبرهم النبي أن ذلك مرفوعاً عنهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: وبعد فإن في الخبر العفو، فيكون في ذلك دليل جواز الأخذ، والعل الوعد بالعفو مقرونا بشرط الدعاء؛ فلذلك يدعون.
وذكر أن رسول الله دعا بهذا، فأجيبا لا أن يؤمر أحد أن يدعو ابتداء.
والله أعلم.
وأما قوله : ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا عَلَىٰ رُسُلِكَ ﴾ ، ففيه وجهان: أحدهما: أنه وعد الرسل والمؤمنين جملة الجنة.
فسؤال كل منهم أن يجعله من تلك الجملة التي وعدهم الجنة.
والثاني: يسأل الختم على ما به يستوجب الموعود.
وأما الأمر بالاستغفار: فهو يخرج على وجهين: أحدهما: ما روي: "المؤذن يغفر له مد صوته"، فهو على استيجاب أولئك المغفرة به؛ فعلى ذلك استغفاره، ليغفر به بعض أمته.
والثاني: أن المغفرة في اللغة هي التغطية والستر؛ فكأنه يسأل الستر عليه بعد التجاوز عنه.
قال الشيخ - رحمه الله -: ثم الأصل أن الاستغفار هو طلب المغفرة، فلو كان لا يجوز له التعذيب، فيكون التعذيب [جوراً]، فيصير السؤال في التحقيق سؤال ألا يجور، وذلك مما لا يسع المحنة.
وكذلك لو كان مغفورا له، كان الحق فيه الشكر لما أنعم عليه، وفي ذلك كتمان النعمة، والمحنة بكتمان نعم الله وكفرانها محال؛ لذلك لا بد أن يكون في الآيات ما يتمكن معه المحنة من المعنى.
والله أعلم.
وأما قوله عز وجل: ﴿ قَالَ رَبِّ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، قيل: الحق هاهنا هو العذاب، كأنه أمره أن يسأل بإنزال العذاب عليهم.
وقيل: ﴿ ٱحْكُم بِٱلْحَقِّ ﴾ ، أي احكم بحكمك الذي هو الحق.
فإذا كان ما ذكر محتملا، دل أنه ليس على ما ذهب إليه أولئك.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ﴾ .
قيل: "الإصر"، هو العهد، ويقول: لا تحمل علينا عهدا تعذبنا بتركه ونقضه ما حملته على الذين من قبلنا.
وكان من قبلهم إذا خُطِّئُوا خطيئة حرم الله عليهم على نحوها مما أحل لهم الطيبات، كقوله : ﴿ فَبِظُلْمٍ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ ﴾ ، وكأصحاب الأخدود، وغيرهم.
فخاف المسلمون ذلك فقالوا: ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً ﴾ ، في جرم أجرمناه فتحرم علينا الطيبات.
وأصل "الإصر"، الثقل والتشديد الذي كان عليهم من نحو ما كان توبتهم الأمر بقتل بعضهم بعضاً، كقوله : ﴿ فَتُوبُوۤاْ إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوۤاْ أَنفُسَكُمْ ﴾ .
وقوله : ﴿ رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ .
يحتمل وجهين: يحتمل: أن ﴿ وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ من القتل والهلاك، إذ في ذلك إفناؤهم، وفي الفناء ذهاب طاقتهم.
قال الشيخ - رحمه الله -: أي مما نشتغل عما أمرتنا، فيكون كالدعاء بالعصمة.
والله أعلم.
ويحتمل: أن يراد به طاقة الفعل، وهي لا تتقدم عندنا الفعل.
والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَٱعْفُ عَنَّا ﴾ .
قيل: اتركنا على ما نحن عليه، ولا تعذبنا.
وقوله : ﴿ وَٱغْفِرْ لَنَا ﴾ .
أي: استر لنا.
و"الغفر"، هو الستر؛ ولذلك يسمى المغفر "مغفراً"؛ لأنه يستر.
وستر الذنب هو أعظم النعم.
[وقوله : ﴿ وَٱرْحَمْنَآ ﴾ .
أي: تغمدنا برحمتك، لأنه لم ينج أحد إلا برحتمك].
وقوله : ﴿ أَنتَ مَوْلَٰـنَا ﴾ .
قيل: إنت أولى بنا.
وقيل: أنت حافظنا.
وقيل: أنت ولينا وناصرنا.
وقد ذكرنا هذا فيما تقدم.
وقوله : ﴿ فَٱنْصُرْنَا عَلَى ٱلْقَوْمِ ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .
يحتمل: الكفار المعروفين.
ويحتمل: الشياطين، أي: انصرنا عليهم.
لله وحده ما في السماوات وما في الأرض خلفًا وملكًا وتدبيرًا، وإن تُظهروا ما في قلوبكم أو تخفوه يعلمه الله، وسيحاسبكم عليه، فيغفر بعد ذلك لمن يشاء فضلًا ورحمة، ويعذب من يشاء عدلًا وحكمة، والله على كل شيء قدير.
<div class="verse-tafsir" id="91.ba5eA"
الآية متصلة بقوله تعالى ﴿ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ ويصح أن تكون متممة لها لأن مقتضى كونه عليمًا بكل شيء أن له كل شيء فهذا كالدليل على كونه عالمًا بكل شيء أي أنه عليم به لأنه له وهو خالقه فهو كقوله ﴿ أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ ﴾ وبهذا الاستدلال يتقرر النهي عن كتم الشهادة وكونه إثمًا يعاقب عليه، وأكده بقوله ﴿ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ ﴾ لدخول كتمان الشهادة في عموم ما في النفس.
ويصح أن تكون الآية متصلة بآية الدين من أولها لأنه شرع لنا أحكامًا تتعلق بالدين كالكتابة والشهادة فكأنه يقول: إن تساهلتم في هذه الأحكام وأضعتم الحقوق فتظاهرتم بالأمانة مع انطواء النفس على الخيانة وغالطتم الناس وأكلتم أموالهم بذلك أو أضعتموها بكتمان الشهادة ونحو ذلك فإن الله يحاسبكم ويعاقبكم على ذلك لأن ما في السموات وما في الأرض ومنها أنتم وأعمالكم النفسية أو البدنية.
والمراد بقوله ﴿ مَا فِي أَنفُسِكُمْ ﴾ الأشياء الثابتة في أنفسكم وتصدر عنها أعمالكم كالحقد والحسد وألفة المنكرات التي يترتب عليها ترك النهي عن المنكر، فإن السكوت عن النهي أمر كبير يحل الله عقوبته في الأمة بسببه، وليس هو مجرد اتفاق السكوت وإنما هو باعتبار سببه في النفس وهو ألفة المنكر والأنس به.
وللإنسان عمل اختياري في نفسه هو الذي يحاسب عليه.
نعم إن الخواطر والهواجس قد تأتي بغير إرادة الإنسان ولا يكون له فيها تعمل ولكنه إذا مضى معها واسترسل تحسب عليه عملًا يجازى عليه لأنه سايرها مختارًا وكان يقدر على مطاردتها وجهادتها، وسواء كانت هذه الخواطر والهواجس صادرة عن مَلَكة في النفس تثيرها أو عن شيء لا يدخل في حيز الملكة.
مثال ذلك الحسود تبعث ملكة الحسد في نفسه خواطر الانتقام من المحسود والسعي في إزالة نعمته لتمكنها في نفسه وامتلاكها لمنازع فكره، وهذه الخواطر مما يحاسب عليها، أبداها أو أخفاها، إلا أن يجاهدها ويدافعها، فذلك ما يكلفه.
ومثال الثاني المظلوم يذكر ظالمه فيشتغل فكره في دفع ظلمه والهرب من أذاه وربما استرسل مع خواطره إلى أن تجره إلى تدبير الحيل للإيقاع به ومقابلة ظلمه بما هو شر منه فيكون مؤاخذًا عليها، أبداها أو أخفاها.
وقد قال تعالى ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ وذلك أن فظاعة المنكر زالت من نفوسهم بالأنس بها من أول الأمر.
وهكذا يقال في كل أعمال القلب التي أمرنا الشرع بمجاهدتها، ولا يدخل في هذا ما يمر في النفس من الخواطر والوساوس، كما قيل، وبنوا عليه أن الصحابة شق عليهم العمل بالآية وشكوا للنبي الوسوسة فنزلت الآية التي بعدها دفعًا للحرج.
ولفظ الآية يدفع هذا لأنها نص فيما هو ثابت في النفس منها كالأخلاق والملكات والعزائم القوية التي يترتب عليها العمل بأثرها فيها إذا انتفت الموانع وتركت المجاهدة وكذلك يدفعه ما كان عليه الصحابة الكرام من علو الهمة والأخذ بالعزائم وهم الذين كانوا يفهمون القرآن حق الفهم ويتأدبون به ويقيمونه كما يجب، وما أبعدهم عن الاسترسال مع الوساوس والأوهام.
﴿ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ ﴾ شأن الله تعالى في المحاسبة أن يذكر الإنسان أو يسأله لم فعلت؟
فبعد أن يرى العبد أعماله الظاهرة والباطنة يغفر أو يعذب، فمن الناس من لم تصل أعماله المنكرة إلى أن تكون ملكات له فالله سبحانه يغفرها له ومنهم من تكون ملكات له فهو يعاقبه عليها، وهو يفعل ما يشاء ويختار.
وقد يظن من لا يؤمن بالكتاب كله أن في هذا سبيلًا للمروق من التكليف لأن أمر المغفرة والتعذيب موكول للمشيئة والرجاء فيه أكبر، وهذا ضلال عن فهم الكتاب بالمرة، فالآية إنذار وتخويف ليس فيها موضع للقطع بمغفرة ذنب ما وإن كان صغيرًا.
وقد قرر ما ذكر من تعليق الأمر بالمشيئة واحتج عليه بقوله: ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ أي فهو بقدرته ينفذ ما تعلقت به مشيئته فنسأله العناية والتوفيق لأقوم طريق.
قيل: إن الآيتين متعلقتان بما قبلهما لما فيه من ذكر كمال الألوهية الذي يقابله من كمال الإيمان والدعاء ما يناسبه، أو لما فيه من ذكر الحساب والعلم بالخفايا المقتضي للإيمان والدعاء.
وقيل: إنه لما افتتحت هذه السورة ببيان كون القرآن لا ريب فيه وكونه هدى للمتقين، وذكر صفات هؤلاء المتقين وأصول الإيمان التي أخذوا بها، وخبر سائر الناس من الكافرين والمرتابين، ثم ذكر فيها كثيرًا من الأحكام ومحاجة من لم يهتد به من بعض الأمم، ناسب بعد هذا كله ختم السورة بالشهادة للمؤمنين مع النبي بالإيمان وهم المهتدون تمام الاهتداء، ولقنهم من الدعاء ما ستعلم حكمته.
وهذا الوجه هو الذي أختاره.
<div class="verse-tafsir"