الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٢٩ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 187 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٢٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
لما ذكر تعالى دلالة من خلقهم وما يشاهدونه من أنفسهم ، ذكر دليلا آخر مما يشاهدونه من خلق السماوات والأرض ، فقال : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء ) أي : قصد إلى السماء ، والاستواء هاهنا تضمن معنى القصد والإقبال ؛ لأنه عدي بإلى ( فسواهن ) أي : فخلق السماء سبعا ، والسماء هاهنا اسم جنس ، فلهذا قال : ( فسواهن ) .
( وهو بكل شيء عليم ) أي : وعلمه محيط بجميع ما خلق .
كما قال : ( ألا يعلم من خلق ) [ الملك : 14 ] وتفصيل هذه الآية في سورة " حم السجدة " وهو قوله : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ فصلت : 9 - 12 ] .
ففي هذا دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولا ثم خلق السماوات سبعا ، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك ، وقد صرح المفسرون بذلك ، كما سنذكره بعد هذا إن شاء الله .
فأما قوله تعالى : ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها ) [ النازعات : 27 - 32 ] فقد قيل : إن ) ثم ) هاهنا إنما هي لعطف الخبر على الخبر ، لا لعطف الفعل على الفعل ، كما قال الشاعر : قل لمن ساد ثم ساد أبوه ثم قد ساد قبل ذلك جده وقيل : إن الدحي كان بعد خلق السماوات ، رواه ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس .
وقد قال السدي في تفسيره ، عن أبي مالك - وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات [ وهو بكل شيء عليم ] ) قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء .
فلما أراد أن يخلق الخلق ، أخرج من الماء دخانا ، فارتفع فوق الماء فسما عليه ، فسماه سماء .
ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين في الأحد والاثنين ، فخلق الأرض على حوت ، والحوت هو النون الذي ذكره الله في القرآن : ( ن والقلم ) والحوت في الماء ، والماء على ظهر صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ، والملك على صخرة ، والصخرة في الريح ، وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض ، فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزلت الأرض ، فأرسى عليها الجبال فقرت ، فالجبال تفخر على الأرض ، فذلك قوله تعالى : ( وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ) [ النحل : 15 ] .
وخلق الجبال فيها ، وأقوات أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين ، في الثلاثاء والأربعاء ، وذلك حين يقول : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها ) [ فصلت : 9 ، 10 ] .
يقول : أنبت شجرها ( وقدر فيها أقواتها ) يقول : أقواتها لأهلها ( في أربعة أيام سواء للسائلين ) [ فصلت : 10 ] يقول : من سأل فهكذا الأمر .
( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) [ فصلت : 11 ] وذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين ، في الخميس والجمعة ، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض ، ( وأوحى في كل سماء أمرها ) [ فصلت : 12 ] قال : خلق الله في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها ، من البحار وجبال البرد وما لا نعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين .
فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، فذلك حين يقول : ( خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش ) [ الأعراف : 54 ] ويقول ( كانتا رتقا ففتقناهما ) [ الأنبياء : 30 ] .
وقال ابن جرير : حدثني المثنى ، حدثنا عبد الله بن صالح ، حدثني أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد ، عن عبد الله بن سلام أنه قال : إن الله بدأ الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين في الأحد والاثنين ، وخلق الأقوات والرواسي في الثلاثاء والأربعاء ، وخلق السماوات في الخميس والجمعة ، وفرغ في آخر ساعة من يوم الجمعة ، فخلق فيها آدم على عجل ، فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة .
وقال مجاهد في قوله : ( هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ) قال : خلق الله الأرض قبل السماء ، فلما خلق الأرض ثار منها دخان ، فذلك حين يقول : ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) ( فسواهن سبع سماوات ) قال : بعضهن فوق بعض ، وسبع أرضين ، يعني بعضهن تحت بعض .
وهذه الآية دالة على أن الأرض خلقت قبل السماء ، كما قال في آية السجدة : ( قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ) [ فصلت : 9 - 12 ] فهذه وهذه دالتان على أن الأرض خلقت قبل السماء ، وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء إلا ما نقله ابن جرير عن قتادة : أنه زعم أن السماء خلقت قبل الأرض ، وقد توقف في ذلك القرطبي في تفسيره لقوله تعالى : ( أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها ) [ النازعات : 27 - 31 ] قالوا : فذكر خلق السماء قبل الأرض .
وفي صحيح البخاري : أن ابن عباس سئل عن هذا بعينه ، فأجاب بأن الأرض خلقت قبل السماء وأن الأرض إنما دحيت بعد خلق السماء ، وكذلك أجاب غير واحد من علماء التفسير قديما وحديثا ، وقد قررنا ذلك في تفسير سورة النازعات ، وحاصل ذلك أن الدحي مفسر بقوله : ( والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها ) [ النازعات : 30 - 32 ] ففسر الدحي بإخراج ما كان مودعا فيها بالقوة إلى الفعل لما اكتملت صورة المخلوقات الأرضية ثم السماوية دحى بعد ذلك الأرض ، فأخرجت ما كان مودعا فيها من المياه ، فنبتت النباتات على اختلاف أصنافها وصفاتها وألوانها وأشكالها ، وكذلك جرت هذه الأفلاك فدارت بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارة ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن مردويه في تفسير هذه الآية الحديث الذي رواه مسلم والنسائي في التفسير - أيضا - من رواية ابن جريج قال : أخبرني إسماعيل بن أمية ، عن أيوب بن خالد ، عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة ، عن أبي هريرة ، قال : أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال : خلق الله التربة يوم السبت ، وخلق الجبال فيها يوم الأحد ، وخلق الشجر فيها يوم الاثنين ، وخلق المكروه يوم الثلاثاء ، وخلق النور يوم الأربعاء ، وبث فيها الدواب يوم الخميس ، وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة من آخر ساعة من ساعات الجمعة ، فيما بين العصر إلى الليل .
وهذا الحديث من غرائب صحيح مسلم ، وقد تكلم عليه علي بن المديني والبخاري وغير واحد من الحفاظ ، وجعلوه من كلام كعب ، وأن أبا هريرة إنما سمعه من كلام كعب الأحبار ، وإنما اشتبه على بعض الرواة فجعلوه مرفوعا ، وقد حرر ذلك البيهقي .
وبنحو الذي قلنا في قوله: " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا "، كان قتادة يقول: 587- حدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة، قوله: " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا "، نَعَمْ والله سخر لكم ما في الأرض (100) .
القول في تأويل قوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ قال أبو جعفر: اختلفوا في تأويل قوله: " ثم استوى إلى السَّماء ".
فقال بعضهم: معنى استوى إلى السماء, أقبل عليها, كما تقول: كان فلان مقبلا على فلان، ثم استوَى عليّ يشاتمني - واستوَى إليّ يشاتمني.
بمعنى: أقبل عليّ وإليّ يشاتمني.
واستُشْهِد على أنّ الاستواء بمعنى الإقبال بقول الشاعر: أَقُــولُ وَقَـدْ قَطَعْـنَ بِنَـا شَـرَوْرَى سَــوَامِدَ, وَاسْـتَوَيْنَ مِـنَ الضَّجُـوعِ (101) فزعم أنه عنى به أنهن خرجن من الضّجوع, وكان ذلك عنده بمعنى: أقبلن.
وهذا من التأويل في هذا البيت خطأ, وإنما معنى قوله: " واستوين من الضجوع "، استوين على الطريق من الضجوع خارجات, بمعنى استقمن عليه.
وقال بعضهم: لم يكن ذلك من الله جل ذكره بتحوُّل, ولكنه بمعنى فعله, كما تقول: كان الخليفة في أهل العراق يواليهم، ثم تحوَّل إلى الشام.
إنما يريد: &; 1-429 &; تحوّل فِعله.
[وقال بعضهم: قوله: " ثم استوى إلى السماء " يعني به: استوت] (102) .
كما قال الشاعر: أَقُـولُ لَـهُ لَمَّـا اسْـتَوَى فِـي تُرَابِهِ عَـلَى أَيِّ دِيـنٍ قَتَّـلَ النَّـاسَ مُصْعَبُ (103) وقال بعضهم: " ثم استوى إلى السماء "، عمدَ لها (104) .
وقال: بل كلُّ تارك عملا كان فيه إلى آخر، فهو مستو لما عمد له، ومستوٍ إليه.
وقال بعضهم: الاستواء هو العلو, والعلوّ هو الارتفاع.
وممن قال ذلك الربيع بن أنس.
588- حُدِّثت بذلك عن عمار بن الحسن, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " ثم استوى إلى السماء ".
يقول: ارتفع إلى السماء (105) .
ثم اختلف متأوّلو الاستواء بمعنى العلوّ والارتفاع، في الذي استوى إلى السّماء.
فقال بعضهم: الذي استوى إلى السماء وعلا عليها، هو خالقُها ومنشئها.
وقال بعضهم: بل العالي عليها: الدُّخَانُ الذي جعله الله للأرض سماء (106) .
قال أبو جعفر: الاستواء في كلام العرب منصرف على وجوه: منها انتهاءُ شباب الرجل وقوّته, فيقال، إذا صار كذلك: قد استوى الرّجُل.
ومنها استقامة ما كان فيه أوَدٌ من الأمور والأسباب, يقال منه: استوى لفلان أمرُه.
إذا استقام بعد أوَدٍ، ومنه قول الطِّرِمَّاح بن حَكيم: طَــالَ عَــلَى رَسْـمِ مَهْـدَدٍ أبَـدُهْ وَعَفَـــا وَاسْــتَوَى بِــهِ بَلَــدُه (107) يعني: استقام به.
ومنها: الإقبال على الشيء يقال استوى فلانٌ على فلان بما يكرهه ويسوءه بَعد الإحسان إليه.
ومنها.
الاحتياز والاستيلاء (108) ، كقولهم: استوى فلان على المملكة.
بمعنى احتوى عليها وحازَها.
ومنها: العلوّ والارتفاع, كقول القائل، استوى فلان على سريره.
يعني به علوَّه عليه.
وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه: " ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن "، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات.
والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: " ثم استوى إلى السماء "، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر.
ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه!
فيقال له: زعمت أن تأويل قوله " استوى " أقبلَ, أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟
فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير, قيل له: فكذلك فقُلْ: علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال.
ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله.
ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا لقول أهل الحق فيه مخالفًا.
وفيما بينا منه ما يُشرِف بذي الفهم على ما فيه له الكفاية إن شاء الله تعالى.
قال أبو جعفر: وإن قال لنا قائل (109) أخبرنا عن استواء الله جل ثناؤه إلى السماء, كان قبل خلق السماء أم بعده؟
قيل: بعده, وقبل أن يسويهن سبعَ سموات, كما قال جل ثناؤه: &; 1-431 &; ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا [سورة فصلت: 11].
والاستواء كان بعد أن خلقها دُخانًا, وقبل أن يسوِّيَها سبعَ سموات.
وقال بعضهم: إنما قال: " استوى إلى السّماء "، ولا سماء, كقول الرجل لآخر: " اعمل هذا الثوب "، وإنما معه غزلٌ.
وأما قوله " فسواهن " فإنه يعني هيأهن وخلقهن ودبَّرهن وقوَّمهن.
والتسوية في كلام العرب، التقويم والإصلاح والتوطئة, كما يقال: سوَّى فلان لفلان هذا الأمر.
إذا قوّمه وأصلحه وَوَطَّأه له.
فكذلك تسوية الله جل ثناؤه سمواته: تقويمه إياهن على مشيئته, وتدبيره لهنّ على إرادته, وتفتيقهنّ بعد ارتتاقهنّ (110) .
589- كما: حُدِّثت عن عمار, قال: حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس: " فسوَّاهن سبع سموات " يقول: سوّى خلقهن، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (111) .
وقال جل ذكره: " فسواهن "، فأخرج مكنِيَّهن مخرج مكنيِّ الجميع (112) ، وقد قال قبلُ: " ثم استوى إلى السماء " فأخرجها على تقدير الواحد.
وإنما أخرج مكنيَّهن مخرج مكنيِّ الجمع، لأن السماء جمع واحدها سماوة, فتقدير واحدتها وجميعها إذا تقدير بقرة وبقر ونخلة ونخل، وما أشبه ذلك.
ولذلك أنِّثت مرة فقيل: هذه سماءٌ, وذُكِّرت أخرى (113) فقيل: السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ [سورة المزمل: 18]، &; 1-432 &; كما يُفعل ذلك بالجمع الذي لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها, فيقال: هذا بقر وهذه بقر, وهذا نخل وهذه نخل, وما أشبه ذلك.
وكان بعض أهل العربية يزعم أنّ السماء واحدة, غير أنها تدلّ على السموات, فقيل: " فسواهن "، يراد بذلك التي ذُكِرت وما دلت عليه من سائر السموات التي لم تُذْكر معها (114) .
قال: وإنما تُذكر إذا ذُكِّرت وهي مؤنثة, فيقال: السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ ، كما يذكر المؤنث (115) ، وكما قال الشاعر: فَـــلا مُزْنَــةٌ وَدَقَــتْ وَدْقَهَــا وَلا أَرْضَ أَبْقَـــــل إِبْقَالَهَــــا (116) وكما قال أعشى بني ثعلبة: فَإِمَّـــا تَـــرَيْ لِمَّتِــي بُــدِّلَتْ فَـــإِنَّ الْحَـــوَادِثَ أَزْرَى بِهَــا (117) وقال بعضهم: السماء وإن كانت سماء فوق سماء وأرضًا فوق أرض, فهي في التأويل واحدةٌ إن شئت, ثم تكون تلك الواحدة جماعًا, كما يقال: ثوبٌ أخلاقٌ وأسمالٌ, وبُرْمة أعشار، للمتكسرة, وبُرْمة أكسار وأجبار.
وأخلاق، أي أنّ نواحيه أخلاق (118) .
فإن قال لنا قائل: فإنك قد قلت إن الله جل ثناؤه استوَى إلى السماء وهي دخان قبل أن يسويها سبع سموات, ثم سواها سبعًا بعد استوائه إليها, فكيف زعمت أنها جِماع؟
قيل: إنهن كنّ سبعًا غيرَ مستويات, فلذلك قال جل ذكره: فسوَّاهن سبعًا.
كما:- 590- حدثني محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة بن الفضل, قال: قال محمد بن إسحاق: كان أوّلَ ما خلق الله تبارك وتعالى النورُ والظلمةُ, ثم ميَّز بينهما، فجعل الظلمة ليلا أسود مظلمًا, وجعل النور نهارًا مضيئًا مبصرًا, ثم سمك السموات السبع من دخان - يقال، والله أعلم، من دخان الماء - حتى استقللن ولم يحبُكْهن (119) .
وقد أغطش في السماء الدنيا ليلها، وأخرج ضُحاها, فجرى فيها الليل والنهار, وليس فيها شمس ولا قمر ولا نجوم.
ثم دحا الأرض وأرْساها بالجبال, وقدر فيها الأقوات, وبث فيها ما أراد من الخلق, ففرَغ من الأرض وما قدر فيها من أقواتها في أربعة أيام.
ثم استوى إلى السماء وهي دخان -كما قال- فحبكهن, وجعل في السماء الدنيا شمسها وقمرها ونجومها, وأوحى في كل سماء أمرها, فأكمل &; 1-434 &; خلقهن في يومين، ففرغ من خلق السموات والأرض في ستة أيام.
ثم استوى في اليوم السابع فوق سمواته, ثم قال للسموات والأرض: ائتيا طوعًا أو كرهًا لما أردت بكما, فاطمئنا عليه طوعًا أو كرهًا, قالتا: أتينا طائعين (120) .
فقد أخبر ابن إسحاق أنّ الله جل ثناؤه استوى إلى السماء - بعد خلق الأرض (121) وما فيها - وهن سبع من دخان, فسواهن كما وَصف.
وإنما استشهدنا لقولنا الذي قلنا في ذلك بقول ابن إسحاق، لأنه أوضح بيانًا - عن خلق السموات (122) ، أنهن كُنّ سبعًا من دخان قبل استواء ربنا إليها لتسويتها - من غيره (123) ، وأحسنُ شرحًا لما أردنا الاستدلال به، من أن معنى السماء التي قال الله تعالى ذكره فيها: " ثم استوى إلى السماء " بمعنى الجميع (124) ، على ما وصفنا.
وأنه إنما قال جل ثناؤه: " فسوَّاهن "، إذ كانت السماء بمعنى الجميع، على ما بينا.
قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: فما صفة تسوية الله جل ثناؤه السموات التي ذكرها في قوله " فسواهن "، إذ كن قد خُلِقن سبعًا قبل تسويته إياهن؟
وما وجه ذِكْر خَلْقهن بعد ذِكْر خَلْق الأرض؟
ألأنها خلقت قبلها, أم بمعنى غير ذلك (125) ؟
قيل: قد ذكرنا ذلك في الخبر الذي رويناه عن ابن إسحاق, ونؤكد ذلك تأكيدًا بما نضم إليه من أخبار بعض السلف المتقدمين وأقوالهم (126) .
&; 1-435 &; 591- فحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " هو الذي خلقَ لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ".
قال: إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء, ولم يخلق شيئًا غير ما خلق قبل الماء.
فلما أراد أن يخلق الخلق، أخرج من الماء دخانًا, فارتفع فوق الماء فسما عليه, فسماه سماء.
ثم أيبس الماء فجعله أرضًا واحدة, ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين - في الأحد والاثنين, فخلق الأرض على حوت, والحوتُ هو النون الذي ذكره الله في القرآن: ن وَالْقَلَمِ ، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة, والصفاةُ على ظهر ملَك, والملك على صخرة, والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان - ليست في السماء ولا في الأرض: فتحرك الحوت فاضطرب, فتزلزت الأرض, فأرسى عليها الجبال فقرّت, فالجبال تخر على الأرض, فذلك قوله: وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ (127) [سورة النحل: 15].
وخلق الجبالَ فيها، وأقواتَ أهلها وشجرها وما ينبغي لها في يومين، في الثلاثاء والأربعاء, وذلك حين يقول: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا يقول: أنبت شجرها وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا يقول: أقواتها لأهلها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ يقول: قل لمن يسألك: هكذا الأمر (128) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ [سورة فصلت: 9-11]، وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس, فجعلها &; 1-436 &; سماء واحدة, ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين - في الخميس والجمعة, وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض - وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها, من البحار وجبال البَرَد وما لا يُعلم، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب, فجعلها زينةً وحِفظًا، تُحفظُ من الشياطين.
فلما فرغ من خلق ما أحبّ، استوى على العرش.
فذلك حين يقول : خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [سورة الأعراف: 54].
ويقول: كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا (129) [سورة الأنبياء: 30].
592- وحدثني الحسن بن يحيى, قال: أخبرنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا معمر، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد، في قوله: " هوَ الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا ثم استوى إلى السماء ".
قال: خلق الأرض قبل السماء, فلما خلق الأرضَ ثار منها دخان, فذلك حين يقول: " ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات ".
قال: بعضُهن فوق بعض, وسبعَ أرضين، بعضُهن تحت بعض (130) .
&; 1-437 &; 593- حدثنا الحسن بن يحيى, قال: أنبأنا عبد الرزّاق, قال: أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: " فسواهنّ سبعَ سموات " قال: بعضُهن فوق بعض, بين كل سماءين مسيرة خمسمئة عام.
594- حدثنا المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا أبو صالح, قال: حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس في قوله:- حيث ذكر خلق الأرض قبل السماء, ثم ذكر السماء قبل الأرض, وذلك أن الله خلق الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء -" ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سموات ", ثم دحا الأرض بعد ذلك، فذلك قوله: وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا [سورة النازعات: 30].
595- حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال حدثني أبو معشر, عن سعيد بن أبي سعيد, عن عبد الله بن سلام أنه قال: إنّ الله بدأ الخلق يوم الأحد, فخلق الأرَضِين في الأحد والاثنين, وخلق الأقواتَ والرواسيَ في الثلاثاء والأربعاء, وخلق السموات في الخميس والجمعة, وفرَغ في آخر ساعة من يوم الجمعة, فخلق فيها آدم على عجل.
فتلك الساعة التي تقوم فيها الساعة.
قال أبو جعفر: فمعنى الكلام إذًا: هو الذي أنعم عليكم, فخلق لكم ما في الأرض جميعا وسخَّره لكم تفضُّلا منه بذلك عليكم, ليكون لكم بلاغًا في دنياكم ومتاعًا إلى موافاة آجالكم, ودليلا لكم على وَحدانية ربكم.
ثم علا إلى السموات السبع وهي دخان, فسوَّاهنَّ وحبَكهن, وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه, وقدر في كل واحدة منهن ما قدر من خلقه (131) .
القول في تأويل قوله : وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) يعني بقوله جل جلاله: " وهو " نفسَه، وبقوله: " بكل شيء عليم " أن الذي خلقكم، وخلق لكم ما في الأرض جميعًا, وسوّى السموات السبع بما فيهن فأحكمهن من دخان الماء، وأتقن صُنعهنّ, لا يخفى عليه - أيها المنافقون والملحدون الكافرون به من أهل الكتاب (132) - ما تُبدون وما تكتمون في أنفسكم, وإن أبدى منافقوكم بألسنتهم قولهم: آمنا بالله وباليوم الآخر، وهم على التكذيب به منطوون.
وكذّبتْ أحباركم بما أتاهم به رسولي من الهدى والنور، وهم بصحته عارفون.
وجحدوه وكتموا ما قد أخذتُ عليهم -ببيانه لخلقي من أمر محمد ونُبوّته- المواثيق وهم به عالمون.
بل أنا عالم بذلك من أمركم وغيره من أموركم.
وأمور غيركم (133) ، إني بكل شيء عليم.
وقوله: " عليم " بمعنى عالم.
ورُوي عن ابن عباس أنه كان يقول: هو الذي قد كمَل في علمه.
596- حدثني المثنى, قال: حدثنا عبد الله بن صالح, قال: حدثنا معاوية بن صالح, قال: حدثني علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: العالم الذي قد كمَل في علمه (134) .
------------------ الهوامش : (101) البيت لتميم بن أبي بن مقبل (معجم ما استعجم : 795 ، 857) ، وروايته"ثواني" مكان"سوامد" .
وشرورى : جبل بين بني أسد وبني عامر ، في طريق مكة إلى الكوفة .
والضجوع -بفتح الضاد المعجمة- : موضع أيضًا بين بلاد هذيل وبني سليم .
وقوله : "سوامد" جمع سامد .
سمدت الإبل في سيرها : جدت وسارت سيرًا دائمًا ، ولم تعرف الإعياء .
وسوامد : دوائب لا يلحقهن كلال .
والنون في"قطعن" للإبل .
(102) هذه الجملة بين القوسين ، ليست في المخطوطة ، وكأنها مقحمة .
(103) لم أجد هذا البيت .
وفي المطبوعة : "قبل الرأس مصعب" ، وهو خطأ لا شك فيه .
وفي المخطوطة : "في ثراته" ، ولا معنى لها ، ولعلها"في تراثه" .
وأنا في شك من كل ذلك .
بيد أن مصعبًا الذي ذكر في الشعر ، هو فيما أرجح مصعب بن الزبير .
(104) في المطبوعة : "عمد إليها" .
(105) الأثر : 588- في الدر المنثور 1 : 43 ، والأثر التالي : 589 ، من تمامه .
(106) في المطبوعة : "العالى إليها" .
(107) ديوانه : 110 ، واللسان (سوى) قال : "وهذا البيت مختلف الوزن ، فالمصراع الأول من المنسرح ، والثاني من الخفيف" .
والرسم : آثار الديار اللاصقة بالأرض .
ومهدد اسم امرأة .
والأبد : الدهر الطويل ، والهاء في"أبده" راجع إلى الرسم .
وعفا : درس وذهب أثره .
والبلد : الأثر يقول : انمحى رسمها حتى استوى بلا أثر .
(108) في المخطوطة : "الاستيلاء والاحتواء" .
(109) في المطبوعة : "وإن قال .
.
.
" .
(110) في المطبوعة : "بعد إرتاقهن" وليست بشيء ، وفي المخطوطة : "بعد أن تتاقهن" ، وظاهر أنها تحريف لما أثبتناه .
وارتتق الشيء : التأم والتحم حتى ليس به صدع .
وهذا من تأويل ما في سورة الأنبياء : 30 من قول الله سبحانه : {أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا} والفتق : الشق .
(111) الأثر : 589- في الدر المنثور 1 : 43 ، وهو من تمام الأثر السالف : 588 .
(112) المكني : هو الضمير ، فيما اصطلح عليه النحويون ، لأنه كناية عن الذي أخفيت ذكره .
وفي المطبوعة : "الجمع" مكان"الجميع" حيث ذكرت في المواضع الآتية في هذه العبارة .
(113) في المطبوعة : "أنث السماء .
.
.
وذكر" بطرح التاء .
(114) "بعض أهل العربية" هو الفراء ، وإن لم يكن اللفظ لفظه ، في كتابه معاني القرآن 1 : 25 ، ولكنه ذهب هذا المذهب ، في كتابه أيضًا ص : 126 - 131 .
(115) هكذا في الأصول"كما يذكر المؤنث" ، وأخشى أن يكون صواب هذه العبارة : "كما تذكر الأرض ، كما قال الشاعر : .
.
.
" وقد ذكر الفراء في معاني القرآن ذلك فقال : " .
.
فإن السماء في معنى جمع فقال : (فسواهن) للمعنى المعروف أنهن سبع سموات .
وكذلك الأرض يقع عليها -وهي واحدة- الجمع .
ويقع عليهما التوحيد وهما مجموعتان ، قال الله عز وجل : (رب السموات والأرض) ثم قال : (وما بينهما) ، ولم يقل : بينهن .
فهذا دليل على ما قلت لك" .
معاني القرآن .
1 : 25 ، وانظر أيضًا ص : 126 - 131 .
(116) البيت من شعر عامر بن جوين الطائي ، في سيبويه 1 : 240 ، ومعاني القرآن 1 : 127 والخزانة 1 : 21 - 26 ، وشرح شواهد المغني : 319 ، والكامل 1 : 406 ، 2 : 68 ، وقبله ، يصف جيشًا : وَجَارِيَــةٍ مِــنْ بَنَــاتِ الْمُلُــو كِ قَعْقَعْـــتُ بِــالْخَيْلِ خَلْخَالَهَــا كَكِــرْ فِئَــةِ الْغَيْـثِ ذَاتِ الصَّبِـيرِ تَــرْمِي السَّــحَابَ وَيَــرْمِي لَهَـا تَوَاعَدْتُهَــا بَعْــدَ مَــرِّ النُّجُـومِ, كَلْفَــــاءَ تُكْـــثِرُ تَهْطَالَهَـــا فـــلا مزنـــة .
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
.
(117) أعشى بني ثعلبة ، وأعشى بني قيس ، والأعشى ، كلها واحد ، ديوانه 1 : 120 ، وفي سيبويه 1 : 239 ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 128 ، والخزانة 4 : 578 ، ورواية الديوان : فَـــإِنْ تَعْهَــدِينِي وَلِــي لِمَّــةٌ فَـــإِنَّ الْحَــوَادِثَ أَلْــوَى بِهَــا ورواية سيبويه كما في الطبري ، إلا أنه روى"أودى بها" .
وألوى به : ذهب به وأهلكه .
وأودى به : أهلكه ، أيضًا .
وأما"أزرى بها" : أي حقرها وأنزل بها الهوان ، من الزرارية وهي التحقير .
وكلها جيد .
(118) أخلاق ، جمع خلق (بفتحتين) : وهو البالي .
وأسمال جمع سمل (بفتحتين) : وهو الرقيق المتمزق البالي .
وبرمة أجبار ، ضد قولهم برمة أكسار ، كأنه جمع برمة جبر (بفتح فسكون) وإن لم يقولوه مفردًا ، كما لم يقولوا برمة كسر ، مفردًا .
وأصله من جبر العظم ، وهو لأمه بعد كسره .
(119) في المخطوطة : "ولم يحبكن" .
(120) الأثر : 590- هذا الأثر في الحقيقة تفسير للآيات 9 - 12 من سورة فصلت .
ولم يذكره الطبري في موضعه عند تفسيرها (24 : 60 - 65 طبعة بولاق) .
وكذلك لم يذكره ابن كثير والسيوطي والشوكاني- في هذا الموضع ، ولا في موضعه من تفسير سورة فصلت .
وهو من كلام ابن إسحاق ، ولا بأس عليهم في الإعراض عن إخراجه .
وقد صرح الطبري -بعد- أنه إنما ذكره استشهادًا ، لا استدلالا ، إذ وجده أوضح بيانا ، وأحسن شرحًا .
(121) في المطبوعة : "بعد خلقه الأرض" .
(122) في المطبوعة : "عن خبر السموات" .
(123) في المطبوعة : "بتسويتها" ، وسياق كلامه : "أوضح بيانًا .
.
.
من غيره" ، وما بينهما فصل .
(124) في المطبوعة"بمعنى الجمع" ، وفي التي تليها ، وقد مضى مثل ذلك آنفًا .
(125) في المطبوعة : "أم بمعنى" ، وهذه أجود .
(126) في المطبوعة : "ونزيد ذلك توكيدًا" .
(127) في الأصول : "وجعل لها رواسي أن تميد بكم" ، وهو وهم سبق إليه القلم من النساخ فيما أرجح ، والآية كما ذكرتها في سورة النحل ، ومثلها في سورة لقمان : 10 (128) في المخطوطة : "يقول : من سأل ، فهكذا الأمر" .
(129) الخبر : 591- في ابن كثير 1 : 123 ، والدر المنثور 1 : 42 - 43 ، والشوكاني 1 : 48 .
وقد مضى الكلام في هذا الإسناد ، واستوعب أخي السيد أحمد شاكر تحقيقه في موضعه (انظر الخبر : 168) ، وقد مضى أيضًا قول الطبري ، حين عرض لهذا الإسناد في الأثر رقم : 465 ص : 353 : "فإن كان ذلك صحيحًا ، ولست أعلمه صحيحًا ، إذ كنت بإسناده مرتابًا .
.
" .
وقد مضى الطبري في تفسيره على رواية ما لم يصح عنده إسناده ، لعلمه أن أهل العلم كانوا يومئذ يقومون بأمر الإسناد والبصر به ، ولا يتلقون شيئًا بالقبول إلا بعد تمحيص إسناده .
فلئن سألت : فيم يسوق الطبري مثل هذا الخبر الذي يرتاب في إسناده؟
وجواب ذلك : أنه لم يسقه ليحتج بما فيه ، بل ساقه للاعتبار بمعنى واحد ، وهو أن الله سبحانه سمك السموات السبع من دخان ، ثم دحا الأرض وأرساها بالجبال ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان ، فحبكهن سبعًا ، وأوحى في كل سماء أمرها .
وليس في الاعتبار بمثل هذا الأثر ضرر ، لأن المعنى الذي أراده هو ظاهر القرآن وصريحه .
وإن كان الخبر نفسه مما تلقاه بعض الصحابة عن بني إسرائيل ، لا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ولا حجة إلا فيما أنزل الله في كتابه ، أو في الذي أوحى إلى نبيه مما صح عنه إسناده إليه .
وكل ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قبلناه لا نحكم فيه أحدًا ، فإن قوله هو المهيمن بالحق على أقوال الرجال .
(130) الأثر : 592- في ابن كثير 1 : 124 ، والدر المنثور 1 : 42 ، والشوكاني 1 : 48 .
(131) الآثار : 593 - 595 ، لم نجدها في شيء من تلك المراجع .
(132) في المخطوطة : "وأهل الكتاب" عطفًا .
(133) في المطبوعة : "بل أنا عالم بذلك وغيره من أموركم .
.
" .
(134) الخبر : 596- ليس في مراجعنا .
قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات وهو بكل شيء عليمقوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعافيه عشر مسائل : الأولى : " خلق " معناه اخترع وأوجد بعد العدم .
وقد يقال في الإنسان : " خلق " عند إنشائه شيئا ، ومنه قول الشاعر :من كان يخلق ما يقو ل فحيلتي فيه قليلهوقد تقدم هذا المعنى .
وقال ابن كيسان : " خلق لكم " أي من أجلكم .
وقيل : المعنى أن جميع ما في الأرض منعم به عليكم فهو لكم .
وقيل : إنه دليل على التوحيد والاعتبار .[ ص: 239 ] قلت : وهذا هو الصحيح على ما نبينه .
ويجوز أن يكون عني به ما هم إليه محتاجون من جميع الأشياء .الثانية : استدل من قال إن أصل الأشياء التي ينتفع بها الإباحة بهذه الآية وما كان مثلها - كقوله : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه الآية - حتى يقوم الدليل على الحظر .
وعضدوا هذا بأن قالوا : إن المآكل الشهية خلقت مع إمكان ألا تخلق فلم تخلق عبثا ، فلا بد لها من منفعة .
وتلك المنفعة لا يصح رجوعها إلى الله تعالى لاستغنائه بذاته ، فهي راجعة إلينا .
ومنفعتنا إما في نيل لذتها ، أو في اجتنابها لنختبر بذلك ، أو في اعتبارنا بها .
ولا يحصل شيء من تلك الأمور إلا بذوقها ، فلزم أن تكون مباحة .
وهذا فاسد ; لأنا لا نسلم لزوم العبث من خلقها إلا لمنفعة ، بل خلقها كذلك لأنه لا يجب عليه أصل المنفعة ، بل هو الموجب .
ولا نسلم حصر المنفعة فيما ذكروه ، ولا حصول بعض تلك المنافع إلا بالذوق ، بل قد يستدل على الطعوم بأمور أخر كما هو معروف عند الطبائعيين .
ثم هو معارض بما يخاف أن تكون سموما مهلكة ، ومعارضون بشبهات أصحاب الحظر .
وتوقف آخرون وقالوا : ما من فعل لا ندرك منه حسنا ولا قبحا إلا ويمكن أن يكون حسنا في نفسه ، ولا معين قبل ورود الشرع ، فتعين الوقف إلى ورود الشرع .
وهذه الأقاويل الثلاثة للمعتزلة .وقد أطلق الشيخ أبو الحسن وأصحابه وأكثر المالكية والصيرفي في هذه المسألة القول بالوقف .
ومعناه عندهم أن لا حكم فيها في تلك الحال ، وأن للشرع إذا جاء أن يحكم بما شاء ، وأن العقل لا يحكم بوجوب ولا غيره وإنما حظه تعرف الأمور على ما هي عليه .
قال ابن عطية : وحكى ابن فورك عن ابن الصائغ أنه قال : لم يخل العقل قط من السمع ، ولا نازلة إلا وفيها سمع ، أو لها تعلق به ، أو لها حال تستصحب .
قال : فينبغي أن يعتمد على هذا ، ويغني عن النظر في حظر وإباحة ووقف .الثالثة : الصحيح في معنى قوله تعالى : خلق لكم ما في الأرض الاعتبار .
يدل عليه ما قبله وما بعده من نصب العبر : الإحياء والإماتة والخلق والاستواء إلى السماء وتسويتها ، أي الذي قدر على إحيائكم وخلقكم وخلق السماوات والأرض ، لا تبعد منه القدرة على الإعادة .فإن قيل : إن معنى لكم الانتفاع ، أي لتنتفعوا بجميع ذلك ، قلنا المراد بالانتفاع الاعتبار لما ذكرنا .
فإن قيل : وأي اعتبار في العقارب والحيات ، قلنا : قد يتذكر الإنسان ببعض ما يرى من المؤذيات ما أعد الله للكفار في النار من العقوبات فيكون سببا للإيمان وترك [ ص: 240 ] المعاصي ، وذلك أعظم الاعتبار .
قال ابن العربي : وليس في الإخبار بهذه القدرة عن هذه الجملة ما يقتضي حظرا ولا إباحة ولا وقفا ، وإنما جاء ذكر هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه ليستدل بها على وحدانيته .وقال أرباب المعاني في قوله : خلق لكم ما في الأرض جميعا لتتقووا به على طاعته ، لا لتصرفوه في وجوه معصيته .
وقال أبو عثمان : وهب لك الكل وسخره لك لتستدل به على سعة جوده ، وتسكن إلى ما ضمن لك من جزيل عطائه في المعاد ، ولا تستكثر كثير بره على قليل عملك ، فقد ابتدأك بعظيم النعم قبل العمل وهو التوحيد .الرابعة : روى زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يعطيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما عندي شيء ، ولكن ابتع علي فإذا جاء شيء قضينا فقال له عمر : هذا أعطيت إذا كان عندك فما كلفك الله ما لا تقدر .
فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قول عمر ، فقال رجل من الأنصار : يا رسول الله :أنفق ولا تخش من ذي العرش إقلالافتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعرف السرور في وجهه لقول الأنصاري .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بذلك أمرت ) .
قال علماؤنا رحمة الله عليهم : فخوف الإقلال من سوء الظن بالله ; لأن الله تعالى خلق الأرض بما فيها لولد آدم ، وقال في تنزيله : خلق لكم ما في الأرض جميعا وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه .
فهذه الأشياء كلها مسخرة للآدمي قطعا لعذره وحجة عليه ، ليكون له عبدا كما خلقه عبدا ، فإذا كان العبد حسن الظن بالله لم يخف الإقلال لأنه يخلف عليه ، كما قال تعالى : وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقال : فإن ربي غني كريم ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى : سبقت رحمتي غضبي ، يا ابن آدم أنفق أنفق عليك ، يمين الله ملأى سحا لا يغيضها شيء الليل والنهار .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا .
ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا .[ ص: 241 ] وكذا في المساء عند الغروب يناديان أيضا ، وهذا كله صحيح رواه الأئمة والحمد لله .
فمن استنار صدره ، وعلم غنى ربه وكرمه أنفق ولم يخف الإقلال ، وكذلك من ماتت شهواته عن الدنيا واجتزأ باليسير من القوت المقيم لمهجته ، وانقطعت مشيئته لنفسه ، فهذا يعطي من يسره وعسره ولا يخاف إقلالا .
وإنما يخاف الإقلال من له مشيئة في الأشياء ، فإذا أعطى اليوم وله غدا مشيئة في شيء خاف ألا يصيب غدا ، فيضيق عليه الأمر في نفقة اليوم لمخافة إقلاله .
روى مسلم عن أسماء بنت أبي بكر قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم انفحي أو انضحي أو أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك ولا توعي فيوعي عليك .
وروى النسائي عن عائشة قالت : دخل علي سائل مرة وعندي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرت له بشيء ثم دعوت به فنظرت إليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أما تريدين ألا يدخل بيتك شيء ولا يخرج إلا بعلمك ؟
قلت : نعم ، قال : مهلا يا عائشة ، لا تحصي فيحصي الله عز وجل عليك .الخامسة : قوله تعالى : ثم استوى ثم لترتيب الإخبار لا لترتيب الأمر في نفسه .
والاستواء في اللغة : الارتفاع والعلو على الشيء ، قال الله تعالى : فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك ، وقال لتستووا على ظهوره ، وقال الشاعر :فأوردتهم ماء بفيفاء قفرة وقد حلق النجم اليماني فاستوىأي ارتفع وعلا ، واستوت الشمس على رأسي واستوت الطير على قمة رأسي ، بمعنى علا .
وهذه الآية من المشكلات ، والناس فيها وفيما شاكلها على ثلاثة أوجه قال بعضهم : نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها ، وذهب إليه كثير من الأئمة ، وهذا كما روي عن مالك رحمه الله أن رجلا سأله عن قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى قال مالك : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة ، وأراك رجل سوء أخرجوه .وقال بعضهم : نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة .
وهذا قول المشبهة .وقال بعضهم : نقرؤها ونتأولها ونحيل حملها على ظاهرها .وقال الفراء في قوله عز وجل ثم استوى إلى السماء فسواهن قال : الاستواء في كلام العرب على وجهين ، أحدهما : أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته ، أو يستوي عن اعوجاج .
فهذان وجهان .
ووجه ثالث أن [ ص: 242 ] تقول : كان فلان مقبلا على فلان ، ثم استوى علي وإلي يشاتمني .
على معنى أقبل إلي وعلي .
فهذا معنى قوله : ثم استوى إلى السماء والله أعلم .
قال وقد قال ابن عباس : ثم استوى إلى السماء صعد .
وهذا كقولك : كان قاعدا فاستوى قائما ، وكان قائما فاستوى قاعدا ، وكل ذلك في كلام العرب جائز .وقال البيهقي أبو بكر أحمد بن علي بن الحسين : قوله استوى بمعنى أقبل - صحيح ، لأن الإقبال هو القصد إلى خلق السماء ، والقصد هو الإرادة ، وذلك جائز في صفات الله تعالى .
ولفظة " ثم " تتعلق بالخلق لا بالإرادة .
وأما ما حكي عن ابن عباس فإنما أخذه عن تفسير الكلبي ، والكلبي ضعيف .
وقال سفيان بن عيينة وابن كيسان في قوله ثم استوى إلى السماء : قصد إليها ، أي بخلقه واختراعه ، فهذا قول .
وقيل : على دون تكييف ولا تحديد ، واختاره الطبري .
ويذكر عن أبي العالية الرياحي في هذه الآية أنه يقال : استوى بمعنى أنه ارتفع .
قال البيهقي : ومراده من ذلك - والله أعلم - ارتفاع أمره ، وهو بخار الماء الذي وقع منه خلق السماء .
وقيل : إن المستوي الدخان .
وقال ابن عطية : وهذا يأباه وصف الكلام .
وقيل : المعنى استولى ، كما قال الشاعر :[ ص: 243 ]قد استوى بشر على العراق من غير سيف ودم مهراققال ابن عطية : وهذا إنما يجيء في قوله تعالى : الرحمن على العرش استوى .
قلت : قد تقدم في قول الفراء علي وإلي بمعنى .
وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في سورة " الأعراف " إن شاء الله تعالى .
والقاعدة في هذه الآية ونحوها منع الحركة والنقلة .السادسة : يظهر من هذه الآية أنه سبحانه خلق الأرض قبل السماء ، وكذلك في " حم السجدة " .
وقال في النازعات : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها فوصف خلقها ، ثم قال : والأرض بعد ذلك دحاها .
فكأن السماء على هذا خلقت قبل الأرض ، وقال تعالى الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وهذا قول قتادة : إن السماء خلقت أولا ، حكاه عنه الطبري .
وقال مجاهد وغيره من المفسرين : إنه تعالى أيبس الماء الذي كان عرشه عليه فجعله أرضا وثار منه دخان فارتفع ، فجعله سماء فصار خلق الأرض قبل خلق السماء ، ثم قصد أمره إلى السماء فسواهن سبع سماوات ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وكانت إذ خلقها غير مدحوة .قلت : وقول قتادة يخرج على وجه صحيح إن شاء الله تعالى ، وهو أن الله تعالى خلق أولا دخان السماء ثم خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان فسواها ، ثم دحا الأرض بعد ذلك .ومما يدل على أن الدخان خلق أولا قبل الأرض ما رواه السدي عن أبي مالك ، وعن أبي صالح عن ابن عباس ، وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله عز وجل : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات قال : إن الله تبارك وتعالى كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا قبل الماء ، فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء ، فسما عليه ، فسماه سماء ، ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين ، في الأحد والاثنين .
فجعل الأرض على حوت - والحوت هو النون الذي ذكر الله تبارك وتعالى في القرآن بقوله : ن والقلم - والحوت في الماء والماء على صفاة ، والصفاة على ظهر ملك ، والملك على الصخرة ، والصخرة في الريح - وهي الصخرة التي ذكر لقمان : ليست في السماء ولا في الأرض - فتحرك الحوت فاضطرب ، فتزلزلت الأرض ، فأرسل عليها [ ص: 244 ] الجبال فقرت ، فالجبال تفخر على الأرض ، وذلك قوله تعالى : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وخلق الجبال فيها ، وأقوات أهلها وشجرها ، وما ينبغي لها في يومين ، في الثلاثاء والأربعاء ، وذلك حين يقول : قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين يقول : من سأل فهكذا الأمر ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس ، فجعلها سماء واحدة ، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات في يومين ، في الخميس والجمعة وإنما سمي يوم الجمعة ; لأنه جمع فيه خلق السماوات والأرض ، وأوحى في كل سماء أمرها قال : خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي فيها من البحار وجبال البرد وما لا يعلم ، ثم زين السماء الدنيا بالكواكب ، فجعلها زينة وحفظا تحفظ من الشياطين .
فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش ، قال فذلك حين يقول : خلق السماوات والأرض في ستة أيام ويقول : كانتا رتقا ففتقناهما وذكر القصة في خلق آدم عليه السلام ، على ما يأتي بيانه في هذه السورة إن شاء الله تعالى .وروى وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال : ( إن أول ما خلق الله عز وجل من شيء " القلم " فقال له : اكتب .
فقال : يا رب ، وما أكتب ؟
قال : اكتب القدر .
فجرى بما هو كائن من ذلك اليوم إلى قيام الساعة .
قال : ثم خلق النون فدحا الأرض عليها ، فارتفع بخار الماء ففتق منه السماوات ، واضطرب النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال ، فإن الجبال تفخر على الأرض إلى يوم القيامة .
) ففي هذه الرواية خلق الأرض قبل ارتفاع بخار الماء الذي هو الدخان ، خلاف الرواية الأولى .
والرواية الأولى عنه وعن غيره أولى ، لقوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها والله أعلم بما فعل ، فقد اختلفت فيه الأقاويل ، وليس للاجتهاد فيه مدخل .وذكر أبو نعيم عن كعب الأحبار أن إبليس تغلغل إلى الحوت الذي على ظهره الأرض كلها ، فألقى في قلبه ، فقال : هل تدري ما على ظهرك يا لوثيا من الأمم والشجر والدواب [ ص: 245 ] والناس والجبال ؟
لو نفضتهم ألقيتهم عن ظهرك أجمع .
قال : فهم لوثيا بفعل ذلك ، فبعث الله دابة فدخلت في منخره ، فعج إلى الله فخرجت .
قال كعب : والذي نفسي بيده ، إنه لينظر إليها بين يديه وتنظر إليه إن هم بشيء من ذلك عادت حيث كانت .السابعة : أصل خلق الأشياء كلها من الماء لما رواه ابن ماجه في سننه ، وأبو حاتم البستي في صحيح مسنده عن أبي هريرة قال قلت : يا رسول الله ، إذا رأيتك طابت نفسي وقرت عيني ، أنبئني عن كل شيء .
قال : كل شيء خلق من الماء فقلت : أخبرني عن شيء إذا عملت به دخلت الجنة .
قال : أطعم الطعام وأفش السلام ، وصل الأرحام ، وقم الليل والناس نيام تدخل الجنة بسلام .
قال أبو حاتم : قول أبي هريرة : " أنبئني عن كل شيء " أراد به عن كل شيء خلق من الماء .
والدليل على صحة هذا - جواب المصطفى عليه السلام إياه حيث قال : كل شيء خلق من الماء وإن لم يكن مخلوقا .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه كان يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن أول شيء خلقه الله القلم وأمره فكتب كل شيء يكون ويروى ذلك أيضا عن عبادة بن الصامت مرفوعا .
قال البيهقي : وإنما أراد والله أعلم : أول شيء خلقه بعد خلق الماء والريح والعرش " القلم " .
وذلك بين في حديث عمران بن حصين ، ثم خلق السماوات والأرض .
وذكر عبد الرزاق بن عمر بن حبيب المكي [ ص: 246 ] عن حميد بن قيس الأعرج عن طاوس قال : جاء رجل إلى عبد الله بن عمرو بن العاص فسأله : مم خلق الخلق ؟
قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب .
قال الرجل : فمم خلق هؤلاء ؟
قال : لا أدري .
قال : ثم أتى الرجل عبد الله بن الزبير فسأله ، فقال مثل قول عبد الله بن عمرو .
قال : فأتى الرجل عبد الله بن عباس فسأله ، فقال : مم خلق الخلق ؟
قال : من الماء والنور والظلمة والريح والتراب .
قال الرجل : فمم خلق هؤلاء ؟
فتلا عبد الله بن عباس : وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه فقال الرجل : ما كان ليأتي بهذا إلا رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم .
قال البيهقي : أراد أن مصدر الجميع منه ، أي من خلقه وإبداعه واختراعه .
خلق الماء أولا ، أو الماء وما شاء من خلقه لا عن أصل ولا على مثال سبق ، ثم جعله أصلا لما خلق بعد ، فهو المبدع ، وهو البارئ لا إله غيره ولا خالق سواه ، سبحانه جل وعز .الثامنة : قوله تعالى : فسواهن سبع سماوات ذكر تعالى أن السماوات سبع .
ولم يأت للأرض في التنزيل عدد صريح لا يحتمل التأويل إلا قوله تعالى : ومن الأرض مثلهن وقد اختلف فيه ، فقيل : ومن الأرض مثلهن أي في العدد ; لأن الكيفية والصفة مختلفة بالمشاهدة والأخبار ، فتعين العدد .
وقيل : ومن الأرض مثلهن أي في غلظهن وما بينهن .
وقيل : هي سبع إلا أنه لم يفتق بعضها من بعض ، قال الداودي : والصحيح الأول ، وأنها سبع كالسماوات سبع .
روى مسلم عن سعيد بن زيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من أخذ شبرا من الأرض ظلما طوقه إلى سبع أرضين .
وعن عائشة رضي الله عنها مثله ، إلا أن فيه " من " بدل " إلى " .
ومن حديث أبي هريرة : لا يأخذ أحد شبرا من الأرض بغير حقه إلا طوقه الله إلى سبع أرضين وروى النسائي عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : قال موسى عليه السلام يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال يا موسى قل لا إله إلا الله قال موسى يا رب كل عبادك يقول هذا قال قل لا إله إلا الله قال لا إله إلا أنت إنما أريد شيئا تخصني به قال يا موسى لو أن السماوات السبع وعامرهن [ ص: 247 ] غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله .
وروى الترمذي عن أبي هريرة قال : بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب ، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم : هل تدرون ما هذا فقالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : هذا العنان هذه روايا الأرض يسوقه الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه - قال - هل تدرون ما فوقكم قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف - ثم قال - هل تدرون كم بينكم وبينها قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : بينكم وبينها مسيرة خمسمائة عام - ثم قال : - هل تدرون ما فوق ذلك قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن فوق ذلك سماءين بعد ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة ثم قال كذلك حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين ما بين السماء والأرض .
ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السماءين - ثم قال : - هل تدرون ما الذي تحتكم قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإنها الأرض - ثم قال : - هل تدرون ما تحت ذلك قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : فإن تحتها الأرض الأخرى ، بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين ، بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة ، ثم قال : والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله - ثم قرأ - هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم .
قال أبو عيسى : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد : لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه ، في كل مكان وهو على عرشه كما وصف نفسه في كتابه .
قال : هذا حديث غريب ، والحسن لم يسمع من أبي هريرة والآثار بأن الأرضين سبع كثيرة ، وفيما ذكرنا كفاية .
وقد روى أبو الضحى - واسمه مسلم - عن ابن عباس أنه قال : الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن ، قال : سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم ، وآدم كآدم ، ونوح كنوح ، وإبراهيم كإبراهيم ، وعيسى كعيسى .
قال البيهقي : إسناد هذا عن ابن عباس صحيح ، وهو شاذ بمرة لا أعلم لأبي الضحى عليه دليلا ، والله أعلم .التاسعة : قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض ابتداء وخبر .
" ما " في موضع نصب جميعا عند سيبويه نصب على الحال ثم استوى أهل نجد يميلون [ ص: 248 ] ليدلوا على أنه من ذوات الياء ، وأهل الحجاز يفخمون .
" سبع " منصوب على البدل من الهاء والنون ، أي فسوى سبع سماوات .
ويجوز أن يكون مفعولا على تقدير يسوي بينهن سبع سماوات ، كما قال الله جل وعز : واختار موسى قومه سبعين رجلا أي من قومه ، قاله النحاس .
وقال الأخفش : انتصب على الحال .
وهو بكل شيء عليم ابتداء وخبر والأصل في " هو " تحريك الهاء ، والإسكان استخفاف .
والسماء تكون واحدة مؤنثة ، مثل عنان ، وتذكيرها شاذ ، وتكون جمعا لسماوة في قول الأخفش ، وسماءة في قول الزجاج ، وجمع الجمع سماوات وسماءات .
فجاء سواهن إما على أن السماء جمع وإما على أنها مفرد اسم جنس .
ومعنى سواهن سوى سطوحهن بالإملاس .
وقيل : جعلهن سواء .العاشرة : قوله تعالى : وهو بكل شيء عليم أي بما خلق وهو خالق كل شيء ، فوجب أن يكون عالما بكل شيء ، وقد قال : ألا يعلم من خلق فهو العالم والعليم بجميع المعلومات بعلم قديم أزلي واحد قائم بذاته ، ووافقنا المعتزلة على العالمية دون العلمية .
وقالت الجهمية : عالم بعلم قائم لا في محل ، تعالى الله عن قول أهل الزيغ والضلالات ، والرد على هؤلاء في كتب الديانات .
وقد وصف نفسه سبحانه بالعلم فقال : أنزله بعلمه والملائكة يشهدون ، وقال : فاعلموا أنما أنزل بعلم الله ، وقال : فلنقصن عليهم بعلم ، وقال : وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه ، وقال : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو الآية .
وسندل على ثبوت علمه وسائر صفاته في هذه السورة عند قوله : يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر إن شاء الله تعالى .
وقرأ الكسائي وقالون عن نافع بإسكان الهاء من : هو وهي ، إذا كان قبلها فاء أو واو أو لام أو ثم ، وكذلك فعل أبو عمرو إلا مع ثم .
وزاد أبو عون عن الحلواني عن قالون إسكان الهاء من " أن يمل هو " والباقون بالتحريك .
{ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } أي: خلق لكم, برا بكم ورحمة, جميع ما على الأرض, للانتفاع والاستمتاع والاعتبار.
وفي هذه الآية العظيمة دليل على أن الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة, لأنها سيقت في معرض الامتنان، يخرج بذلك الخبائث, فإن [تحريمها أيضا] يؤخذ من فحوى الآية, ومعرفة المقصود منها, وأنه خلقها لنفعنا, فما فيه ضرر, فهو خارج من ذلك، ومن تمام نعمته, منعنا من الخبائث, تنزيها لنا.
وقوله: { ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } { اسْتَوَى } ترد في القرآن على ثلاثة معاني: فتارة لا تعدى بالحرف، فيكون معناها, الكمال والتمام, كما في قوله عن موسى: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى } وتارة تكون بمعنى \" علا \" و \" ارتفع \" وذلك إذا عديت بـ \" على \" كما في قوله تعالى: { ثم استوى على العرش } { لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ } وتارة تكون بمعنى \" قصد \" كما إذا عديت بـ \" إلى \" كما في هذه الآية، أي: لما خلق تعالى الأرض, قصد إلى خلق السماوات { فسواهن سبع سماوات } فخلقها وأحكمها, وأتقنها, { وهو بكل شيء عليم } فـ { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها } و { يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ } يعلم السر وأخفى.
وكثيرا ما يقرن بين خلقه للخلق وإثبات علمه كما في هذه الآية, وكما في قوله تعالى: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } لأن خلقه للمخلوقات, أدل دليل على علمه, وحكمته, وقدرته.
قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً} لكي تعتبروا وتستدلوا وقيل: لكي تنتفعوا.
{ثم استوى إلى السماء} قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: "أي ارتفع إلى السماء".
وقال ابن كيسان والفراء وجماعة من النحويين: "أي أقبل على خلق السماء".
وقيل: قصد لأنه خلق الأرض أولاً ثم عمد إلى خلق السماء.
{فسواهن سبع سماوات} خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدع.
{وهو بكل شيء عليم} قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون و(هو) و(هي) بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء واو أو فاء أو لام، زاد الكسائي وقالون: (ثم هو)، وقالون {أن يمل هو} [282-البقرة].
«هو الذي خلق لكم ما في الأرض» أي الأرض وما فيها «جميعاً» لتنتفعوا به وتعتبروا «ثم استوى» بعد خلق الأرض أي قصد «إلى السماء فسواهن» الضمير يرجع إلى السماء لأنها في معنى الجمع الآيلة إليه: أي صيَّرها كما في آية أخرى (فقضاهن) «سبع سماوات وهو بكل شيء عليم» مجملا ومفصلا أفلا تعتبرون أن القادر على خلق ذلك ابتداءً وهو أعظم منكم قادر على إعادتكم.
اللهُ وحده الذي خَلَق لأجلكم كل ما في الأرض من النِّعم التي تنتفعون بها، ثم قصد إلى خلق السموات، فسوَّاهنَّ سبع سموات، وهو بكل شيء عليم.
فعِلْمُه -سبحانه- محيط بجميع ما خلق.
وبعد أن ذكر - سبحانه - ما يشهد بقدرته ووحدانيته عن طريق الأدلة المتعلقة بذوات المكلفين ، أردف ذلك بالكلام عن الأدلة الكونية فقال تعالى :( هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ) .أي : أنه خلق جميع ما في الأرض من نحو الحيوان والنبات والمعادن والجبال من أجلكم ، فهو المنعم عليكم لتنتفعوا بها في دنياكم ، وتستعينوا بها على طاعته .وقد أخذ العلماء من هذه الآية شاهداً على أن الأشياء التي فيها منافع مأذون فيها حتى يقوم دليل على حرمتها .ثم استدل - سبحانه - على مظاهر قدرته بخلق السموات فقال :( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم ) .استوى إلى السماء : أقبل وعمد إليها بإرادته .
وتسويتها معناه : تعديل خلقها وتقويمه .والسماء ليس المراد منها فردا من أفراد السموات ، وإنما المراد منها الأجرام العلوية الشاملة لجميع السموات ، فصح أن يعود عليها ضمير جمع الإِناث في قوله : ( فَسَوَّاهُنَّ ) ، وكذلك علماء البيان يزيدون أن اللفظ إذا أريد منه جنس ما وضع له صار في معنى الجمع .فمعنى ( ثُمَّ استوى إِلَى السمآء ) علا إليها وارتفع ، من غير تكييف ولا تحديد ولا تشبيه ، مع كمال التنزيه عن سمات المحدثات ، وقد سئل الإِمام مالك عن الاستواء على العرش فقال : الاستواء غير مجهول ، والكيف غير معقول ، والإِيمان به واجب ، والسؤال عنه بدعة .وقدم الأرض هنا لأنها أدل لشدة المسلابسة والمباشرة .وجملة ( ثُمَّ استوى ) معطوفة على جملة ( خَلَقَ لَكُمْ ) ، وكان العطف بثم لعظم خلق السماء عن خلق الأرض .وعبر بسواهن للإِشعار بأنه - سبحانه - خلقهن في استقامة ، واستقامة الخلق هي انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا اضطراب .
قال - تعالى - :( مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمن مِن تَفَاوُتٍ ) وجملة ( وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) مقررة لما ذكر قبلها من خلق السموات والأرض وما فيهما على هذه الصورة الحكيمة ، فقد دلت على أن ترتيب أجزاء تلك المصنوعات وموافقة جميعها للمنافع المقصودة منها ، إنما حدث عن عالم بحقائق تلك الأجزاء وخواصها ، ولإِِحاطته بكل شيء علماً وضع كل جزء في موضعه اللائق به .وبعد أن بين سبحانه للناس أنه قد من عليهم بنعمة خلقه ما في الأرض جميعاً ، بدأ بعد ذلك يذكرهم بنعمة أخرى هي نعمة خلقه لأبيهم آدم ، وخلق آدم مبدأ لخلق ذريته ، وتكريمه موصول بتكريمهم فقال تعالى :( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً قَالُواْ .
.
.
)
اعلم أن هذا هو النعمة الثانية التي عمت المكلفين بأسرهم وما أحسن ما رعى الله سبحانه وتعالى هذا الترتيب فإن الانتفاع بالأرض والسماء إنما يكون بعد حصول الحياة فلهذا ذكر الله أمر الحياة أولاً ثم أتبعه بذكر السماء والأرض، أما قوله: ﴿ خُلِقَ ﴾ فقد مر تفسيره في قوله: ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ ﴾ وأما قوله: ﴿ لَكُمْ ﴾ فهو يدل على أن المذكور بعد قوله خلق لأجل انتفاعنا في الدين والدنيا، أما في الدنيا فليصلح أبداننا ولنتقوى به على الطاعات وأما في الدين فللاستدلال بهذه الأشياء والاعتبار بها وجمع بقوله: ﴿ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ﴾ جميع المنافع، فمنها ما يتصل بالحيوان والنبات والمعادن والجبال ومنها ما يتصل بضروب الحرف والأمور التي استنبطها العقلاء وبين تعالى أن كل ذلك إنما خلقها كي ينتفع بها كما قال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ فكأنه سبحانه وتعالى قال كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم وكيف تكفرون بالله وقد خلق لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً أو يقال كيف تكفرون بقدرة الله على الإعادة وقد أحياكم بعد موتكم ولأنه خلق لكم ما في الأرض جميعاً فكيف يعجز عن إعادتكم ثم إنه تعالى ذكر تفاصيل هذه المنافع في سورة مختلفة كما قال: ﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الماء صَبّاً ﴾ وقال في أول سورة أتى أمر الله ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ ﴾ إلى آخره وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال أصحابنا: إنه سبحانه وتعالى لا يفعل فعلاً لغرض لأنه لو كان كذلك كان مستكملاً بذلك الغرض والمستكمل بغيره ناقص بذاته وذلك على الله تعالى محال فإن قيل: فعله تعالى معلل بغرض غير عائد إليه بل إلى غيره، قلنا: عود ذلك الغرض إلى ذلك الغير هل هو أولى لله تعالى من عود ذلك الغرض إليه أو ليس أولى؟
فإن كان أولى فهو تعالى قد انتفع بذلك الفعل فيعود المحذور المذكور وإن كان الثاني لم يكن تحصيل ذلك الغرض المذكور لذلك الغير غرضاً لله تعالى فلا يكون مؤثراً فيه.
وثانيها: أن من فعل فعلاً لغرض كان عاجزاً عن تحصيل ذلك الغرض إلا بواسطة ذلك الفعل والعجز على الله تعالى محال.
وثالثها: أنه تعالى لو فعل فعلاً لغرض لكان ذلك الغرض إن كان قديماً لزم قدم الفعل وإن كان محدثاً كان فعله لذلك الغرض لغرض آخر ويلزم التسلسل وهو محال.
ورابعها: أنه تعالى لو كان يفعل لغرض لكان ذلك الغرض هو رعاية مصلحة المكلفين ولو توقفت فاعليته على ذلك لما فعل ما كان مفسدة في حقهم لكنه قد فعل ذلك حيث كلف من علم أنه لا يؤمن ثم إنهم تكلموا في اللام في قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ﴾ وفي قوله: ﴿ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ فقالوا إنه تعالى لما فعل ما لو فعله غيره لكان فعله لذلك الشيء لأجل الغرض لا جرم أطلق الله عليه لفظ الغرض بسبب هذه المشابهة.
المسألة الثانية: احتج أهل الإباحة بقوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ﴾ على أنه تعالى خلق الكل للكل فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً وهو ضعيف لأنه تعالى قابل الكل بالكل، فيقتضي مقابلة الفرد بالفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل والفقهاء رحمهم الله استدلوا به على أن الأصل في المنافع الإباحة وقد بيناه في أصول الفقه.
المسألة الثالثة: قيل إنها تدل على حرمة أكل الطين لأنه تعالى خلق لنا ما في الأرض دون نفس الأرض، ولقائل أن يقول في جملة الأرض ما يطلق عليه أنه في الأرض فيكون جمعاً للموضعين، ولا شك أن المعادن داخلة في ذلك وكذلك عروق الأرض وما يجري مجرى بعض لها ولأن تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفي الحكم عما عداه.
المسألة الرابعة: قوله: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ﴾ يقتضي أنه لا تصح الحاجة على الله تعالى وإلا لكان قد فعل هذه الأشياء لنفسه أيضاً لا لغيره، وأما قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: الاستواء في كلام العرب قد يكون بمعنى الانتصاب وضده الإعوجاج ولما كان ذلك من صفات الأجسام، فالله تعالى يجب أن يكون منزهاً عن ذلك ولأن في الآية ما يدل على فساده لأن قوله: ﴿ ثُمَّ استوى ﴾ يقتضي التراخي ولو كان المراد من هذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أولاً ولو كان حاصلاً أولاً لما كان متأخراً عن خلق ما في الأرض لكن قوله: ﴿ ثُمَّ استوى ﴾ يقتضي التراخي، ولما ثبت هذا وجب التأويل وتقريره أن الاستواء هو الاستقامة يقال استوى العود إذا قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلتفت إلى شيء آخر ومنه استعير قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ أي خلق بعد الأرض السماء ولم يجعل بينهما زماناً ولم يقصد شيئاً آخر بعد خلقه الأرض.
المسألة الثانية: قوله تعالى: ﴿ هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ مفسر بقوله: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ بمعنى تقدير الأرض في يومين وتقدير الأقوات في يومين آخرين كما يقول القائل من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً، وإلى مكة ثلاثون يوماً يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين ومجموع ذلك ستة أيام على ما قال: ﴿ خُلِقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ .
المسألة الثالثة: قال بعض الملحدة هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء وكذا قوله: ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذى خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِى خَلَقَ ٱلْأَرْضَ فِى يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادًا ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلْعَٰلَمِينَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِىَ مِن فَوْقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَٰتَهَا فِىٓ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَآءً لِّلسَّآئِلِينَ ﴾ وقال في سورة النازعات: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَىٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَىٰهَا وَٱلْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَىٰهَآ ﴾ وهذا يقتضي أن يكون خلق الأرض بعد السماء وذكر العلماء في الجواب عنه وجوهاً: أحدها: يجوز أن يكون خلق الأرض قبل خلق السماء إلا أنه ما دحاها حتى خلق السماء لأن التدحية هي البسط ولقائل أن يقول هذا أمر مشكل من وجهين: الأول: أن الأرض جسم عظيم فامتنع انفكاك خلقها عن التدحية وإذا كانت التدحية متأخرة عن خلق السماء كان خلقها أيضاً لا محالة متأخراً عن خلق السماء.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض جَمِيعاً ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ يدل على أن خلق الأرض وخلق كل ما فيها متقدم على خلق السماء لكن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوة فهذه الآية تقتضي تقدم كونها مدحوة قبل خلق السماء وحينئذٍ يتحقق التناقض.
والجواب: أن قوله تعالى: ﴿ والأرض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ يقتضي تقديم خلق السماء على الأرض ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وعلى هذا التقدير يزول التناقض، ولقائل أن يقول: قوله تعالى: ﴿ ءَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ ٱلسَّمَآءُ بَنَىٰهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّىٰهَا ﴾ يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدم على تدحية الأرض ولكن تدحية الأرض ملازمة لخلق ذات الأرض فإن ذات السماء وتسويتها متقدمة على ذات الأرض وحينئذٍ يعود السؤال.
وثالثها: وهو الجواب الصحيح أن قوله: ثم ليس للترتيب هاهنا وإنما هو على جهة تعديد النعم، مثاله قول الرجل لغيره: أليس قد أعطيتك النعم العظيمة ثم رفعت قدرك ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم فكذا هاهنا والله أعلم.
المسألة الرابعة: الضمير في فسواهن ضمير مبهم، وسبع سموات تفسير له كقوله ربة رجلاً وفائدته أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبين أولاً لأنه إذا أبهم تشوفت النفوس إلى الاطلاع عليه وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوف، وقيل الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس وقيل جمع سماءة، والوجه العربي هو الأول ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وإخلاؤه من العوج والفطور وإتمام خلقهن.
المسألة الخامسة: اعلم أن القرآن هاهنا قد دل على وجود سبع سموات، وقال أصحاب الهيئة أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، قالوا ولا طريق إلى معرفة هذا الترتيب إلا من وجهين: الأول: الستر وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يصيران ككوكب واحد ويتميز الساتر عن المستور بكونه الغالب كحمرة المريخ وصفرة عطارد، وبياض الزهرة، وزرقة المشتري، وكدورة زحل كما أن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة.
وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ، وهذا الترتيب على هذا الطريق يدل على كون الشمس فوق القمر لانكسافها به ولكن لا يدل على كونها تحت سائر الكواكب أو فوقها لأنها لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال سائر الكواكب عند طلوعها فعند هذا ذكروا طريقين: أحدهما: ذكر بعضهم أنه رأى الزهرة كشامة في صحيفة الشمس، وهذا ضعيف لأن منهم من زعم أن في وجه الشمس شامة كما أن حصل في وجه القمر المحو.
الثاني: اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فإنه قليل جداً فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين هذا ما قاله الأكثرون إلا أن أبا الريحان قال في تلخيصه لفصول الفرغاني: إن اختلاف المنظر لا يحس إلا في القمر فبطلت هذه الوجوه وبقي موضع الشمس مشكوكاً.
واعلم أن أصحاب الأرصاد وأرباب الهيئة زعموا أن الأفلاك تسعة، فالسبعة هي هذه التي ذكرناها والفلك الثامن هو الذي حصلت هذه الكواكب الثابتة فيه، وأما الفلك التاسع فهو الفلك الأعظم وهو يتحرك في كل يوم وليلة دورة واحدة بالتقريب، واحتجوا على إثبات الفلك الثامن بأنا وجدنا لهذه الكواكب الثابتة حركات بطيئة وثبت أن الكواكب لا تتحرك إلا بحركة فلكها والأَفلاك الحاملة لهذه السيارات تتحرك حركات سريعة فلابد من جسم آخر يتحرك حركة بطيئة ويكون هو الحامل لهذه الثوابت، وهذه الدلالة ضعيفة من وجوه: أولها: لم لا يجوز أن يقال الكواكب تتحرك بأنفسها من غير أن تكون مركوزة في جسم آخر وهذا الاحتمال لا يفسد إلا بإفساد المختار ودونه خرط القتاد.
وثانيها: سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يقال إن هذه الكواكب مركوزة في ممثلات السيارات والسيارات مركوزة في حواملها، وعند ذلك لا يحتاج إلى إثبات الفلك الثامن.
وثالثها: لم لا يجوز أن يكون ذلك الفلك تحت فلك القمر فيكون تحت كرات السيارات لا فوقها فإن قيل إنا نرى هذه السيارات تكسف هذه الثوابت والكاسف تحت المكسوف لا محالة قلنا هذه السيارات إنما تكسف الثوابت القريبة من المنطقة فأما الثوابت القريبة من القطبين فلا، فلم لا يجوز أن يقال هذه الثوابت القريبة من المنطقة مركوزة في الفلك الثامن الذي هو فوق كرة زحل وهذه الثوابت القريبة من القطبين التي لا يمكن انكسافها بالسيارات مركوزة في كرة أخرى تحت كرة القمر وهذا الاحتمال لا دافع له، ثم نقول هب أنكم أثبتم هذه الأفلاك التسعة فما الذي دلكم على نفي الفلك العاشر، أقصى ما في الباب أن الرصد ما دل إلا على هذا القدر إلا أن عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول، والذي يحقق ذلك أنه قال بعض المحققين منهم: إنه ما تبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة أو كرات منطو بعضها على بعض وأقول هذا الاحتمال واقع، لأن الذي يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال إن حركاتها متشابهة ومتى كان الأمر كذلك كانت مركوزة في كرة واحدة وكلتا المقدمتين غير يقينيتين.
أما الأولى: فلأن حركاتها وإن كانت في الحس واحدة ولكن لعلها لا تكون في الحقيقة واحدة، لأنا لو قدرنا أن واحداً منها يتمم الدورة في ستة وثلاثين ألف سنة.
والآخر يتمم الدورة في مثل هذه المدة بنقصان سنة واحدة فإذا وزعنا ذلك النقصان على هذه السنين كان الذي هو حصة السنة الواحدة ثلاثة عشر جزءاً من ألف ومائتي جزء من واحد، وهذا القدر مما لا يحس به بل العشر سنين والمائة والألف مما لا يحس به ألبتة، وإذا كان ذلك محتملاً سقط القطع ألبتة عن استواء حركات الثوابت.
وأما الثانية: فلأن استواء حركات الثوابت في مقادير حركاتها لا يوجب كونها بأسرها مركوزة في كرة واحدة لاحتمال كونها مركوزة في كرات متباينة وإن كانت مشتركة في مقادير حركاتها وهذا كما يقولون في ممثلات أكثر الكواكب فإنها في حركاتها مساوية لفلك الثوابت فكذا هاهنا.
وأقول: إن هذا الاحتمال الذي ذكره هذا القائل غير مختص بفلك الثوابت فلعل الجرم المتحرك بالحركة اليومية ليس جرماً واحداً بل أجراماً كثيرة إما مختلفة الحركات لكن بتفاوت قليل لا تفي بإدراكها أعمارنا وأرصادنا وإما متساوية على الإطلاق ولكن تساويها لا يوجب وحدتها، ومن أصحاب الهيئة من قطع بإثبات أفلاك أخر غير هذه التسعة فإن من الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت وتحت الفلك الأعظم واستدل عليه من وجوه: الأول: أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار فكل من كان رصده أقدم وجد مقدار الميل أعظم فإن بطليموس وجده لح يا ثم وجد في زمان المأمون كح له ثم وجد بعد المأمون قد تناقص بدقيقة وذلك يقتضي أن من شأن المنطقتين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل وتكون كرة الثوابت يدور قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضاً وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعاً فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب عندما يرتفع قطب فلك الثوابت إلى الجنوب، وتارة إلى الشمال.
كما هو الآن.
الثاني: أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطراباً شديداً في مقدار سير الشمس على ما هو مشروح في كتب النجوم حتى أن بطليموس حكى عن أبرخيس أنه كان شاكاً في أن هذه العودة تكون في أزمنة متساوية أو مختلفة وأنه يقول في بعض أقاويله: إنها مختلفة، وفي بعضها: إنها متساوية في أن الناس ذكروا في سبب اختلافه قولين: أحدهما: قول من يجعل أوج الشمس متحركاً فإنه زعم أن الاختلاف الذي يلحق حركة الشمس من هذه الجهة يختلف عند نقطة الاعتدال لاختلاف بعدها عن الأوج فيختلف زمان سير الشمس من أجله.
الثاني: قول أهل الهند والصين وبابل وأكثر قدماء الروم ومصر والشام: إن السبب فيه انتقال فلك البروج وارتفاع قطبه وانحطاطه، وحكي عن أبرخيس أنه كان يعتقد هذا الرأي وذكر بارياء الإسكندراني أن أصحاب الطلسمات كانوا يعتقدون ذلك وأن نقطة فلك البروج تتقدم عن موضعها وتتأخر ثمان درجات وقالوا إن ابتداء الحركة من كب درجة من الحوت إلى أول الحمل واعلم أن هذا الخبط مما ينبهك على أنه لا سبيل للعقول البشرية إلى إدراك هذه الأشياء وأنه لا يحيط بها إلا علم فاطرها وخالقها فوجب الاقتصار فيه على الدلائل السمعية، فإن قال قائل فهل يدل التنصيص على سبع سموات على نفي العدد الزائد؟
قلنا الحق أن تخصيص العدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد.
المسألة السادسة: قوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلّ شَيء عَلِيمٌ ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى لا يمكن أن يكون خالقاً للأرض وما فيها وللسموات وما فيها من العجائب والغرائب إلا إذا كان عالماً بها محيطاً بجزئياتها وكلياتها، وذلك يدل على أمور: أحدها: فساد قول الفلاسفة الذين قالوا إنه لا يعلم الجزئيات وصحة قول المتكلمين، وذلك لأن المتكلمين استدلوا على علم الله تعالى بالجزئيات بأن قالوا: إن الله تعالى فاعل لهذه الأجسام على سبيل الإحكام والإتقان وكل فاعل على هذا الوجه فإن لابد وأن يكون عالماً بما فعله وهذه الدلالة بعينها ذكرها الله تعالى في هذا الموضع لأنه ذكر خلق السموات والأرض ثم فرع على ذلك كونه عالماً، فثبت بهذا أن قول المتكلمين في هذا المذهب وفي هذا الاستدلال مطابق للقرآن.
وثانيها: فساد قول المعتزلة وذلك لأنه سبحانه وتعالى بين أن الخالق للشيء على سبيل التقدير والتحديد لابد وأن يكون عالماً به وبتفاصيله لأن خالقه قد خصه بقدر دون قدر والتخصيص بقدر معين لابد وأن يكون بإرادة وإلا فقد حصل الرجحان من غير مرجح والإرادة مشروطة بالعلم فثبت أن خالق الشيء لابد وأن يكون عالماً به على سبيل التفصيل.
فلو كان العبد موجداً لأفعال نفسه لكان عالماً بها وبتفاصيلها في العدد والكمية والكيفية فلما لم يحصل هذا العلم علمنا أنه غير موجد نفسه.
وثالثها: قالت المعتزلة: إذا جمعت بين هذه الآية وبين قوله: ﴿ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ ظهر أنه تعالى عالم بذاته، والجواب: قوله تعالى: ﴿ وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ عام وقوله: ﴿ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ ﴾ خاص والخاص مقدم على العام.
والله تعالى أعلم.
<div class="verse-tafsir"
معنى الهمزة التي في ﴿ كَيْفَ ﴾ مثله في قولك: أتكفرون بالله ومعكم ما يصرف عن الكفر ويدعو إلى الإيمان، وهو الإنكار والتعجب.
ونظيره قولك: أتطير بغير جناج، وكيف تطير بغير جناح؟
فإن قلت: قولك: أتطير بغير جناح إنكار للطيران، لأنه مستحيل بغير جناح، وأما الكفر فغير مستحيل مع ما ذكر من الإماتة والإحياء.
قلت: قد أخرج في صورة المستحيل لما قوى من الصارف عن الكفر والداعي إلى الإيمان.
فإن قلت: فقد تبين أمر الهمزة وأنها لإنكار الفعل والإيذان باستحالته في نفسه، أو لقوة الصارف عنه، فما تقول في ﴿ كَيْفَ ﴾ حيث كان إنكاراً للحال التي يقع عليها كفرهم؟
قلت: حال الشيء تابعة لذاته، فإذا امتنع ثبوت الذات تبعه امتناع ثبوت الحال؛ فكان إنكار حال الكفار لأنها تبيع ذات الكفر ورديفها إنكاراً لذات الكفر، وثباتها على طريق الكناية، وذلك أقوى لإنكار الكفر وأبلغ.
وتحريره: أنه إذا أنكر أن يكون لكفرهم حال يوجد عليها.
وقد علم أنّ كل موجود لا ينفك عن حال وصفةٍ عند وجوده.
ومحال أن يوجد بغير صفة من الصفات كان إنكاراً لوجوده على الطريق البرهاني.
والواو في قوله: ﴿ وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ للحال، فإن قلت: فكيف صح أن يكون حالاً وهو ماض، ولا يقال جئت وقام الأمير، ولكن وقد قام، إلا لأن يضمر قد؟
قلت: لم تدخل الواو على ﴿ كُنتُمْ أمواتا ﴾ وحده، ولكن على جملة قوله: ﴿ كُنتُمْ أمواتا ﴾ إلى ﴿ تُرْجَعُونَ ﴾ ، كأنه قيل: كيف تكفرون بالله وقصتكم هذه وحالكم أنكم كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة، ثم يحييكم بعد الموت، ثم يحاسبكم.
فإن قلت: بعض القصة ماض وبعضها مستقبل، والماضي والمستقبل كلاهما لا يصح أن يقعا حالاً حتى يكون فعلاً حاضراً وقت وجود ما هو حال عنه، فما الحاضر الذي وقع حالاً؟
قلت: هو العلم بالقصة، كأنه قيل: كيف تكفرون وأنتم عالمون بهذه القصة بأولها وآخرها.
فإن قلت: فقد آل المعنى إلى قولك: على أي حال تكفرون في حال علمكم بهذه القصة فما وجه صحته؟
قلت: قد ذكرنا أنّ معنى الاستفهام في ﴿ كَيْفَ ﴾ الإنكار.
وأنّ إنكار الحال متضمن لإنكار الذات على سبيل الكناية، فكأنه قيل: ما أعجب كفركم مع علمكم بحالكم هذه!
فإن قلت: إن اتصل علمهم بأنهم كانوا أمواتاً فأحياهم ثم يميتهم، فلم يتصل بالإحياء الثاني والرجوع؟
قلت: قد تمكنوا من العلم بهما بالدلائل الموصلة إليه، فكان ذلك بمنزلة حصول العلم.
وكثير منهم علموا ثم عاندوا.
والأموات: جمع ميت، كالأقوال في جمع قَيِّل.
فإن قلت: كيف قيل لهم أموات في حال كونهم جماداً، وإنما يقال ميت فيما يصح فيه الحياة من البتى؟
قلت: بل يقال ذلك لعادم الحياة، كقوله: ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ [الفرقان: 49] ، ﴿ وَءايَةٌ لَّهُمُ الارض الميتة ﴾ [يس: 33] ، ﴿ أموات غَيْرُ أَحْيَاء ﴾ [النحل: 21] .
ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس، فإن قلت: ما المراد بالإحياء الثاني؟
قلت: يجوز أن يراد به الإحياء في القبر: وبالرجوع: النشور.
وأن يراد به النشور، وبالرجوع: المصير إلى الجزاء.
فإن قلت: لم كان العطف الأوّل بالفاء والإعقاب بثم؟
قلت: لأنّ الإحياء الأوّل قد تعقب الموت بغير تراخ، وأما الموت فقد تراخى عن الإحياء.
والإحياء الثاني كذلك متراخ عن الموت إن أريد به النشور تراخيا ظاهراً.
وإن أريد به إحياء القبر فمنه يكتسب العلم بتراخيه والرجوع إلى الجزاء أيضاً متراخ عن النشور.
فإن قلت: من أين أنكر اجتماع الكفر مع القصة التي ذكرها الله، ألأنها مشتملة على آيات بينات تصرفهم عن الكفر، أم على نعم جسام حقها أن تشكر ولا تكفر؟
قلت: يحتمل الأمرين جميعاً، لأنّ ما عدّده آيات وهي مع كونها آيات من أعظم النعم.
﴿ قبلكمْ ﴾ لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم ودينكم.
أما الانتفاع الدنيوي فظاهر.
وأمّا الانتفاع الديني فالنظر فيه وما فيه من عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، وما فيه من التذكير بالآخرة وبثوابها وعقابها، لاشتماله على أسباب الأنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والمشقة من أنواع المكاره كالنيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف.
وقد استدل بقوله: ﴿ خَلَقَ لَكُمْ ﴾ على أنّ الأشياء التي يصح أن ينتفع بها ولم تجر مجرى المحظورات في العقل خلقت في الأصل مباحة مطلقاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها.
فإن قلت: هل لقول من زعم أنّ المعنى خلق لكم الأرض وما فيها وجه صحة؟
قلت: إن أراد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما تذكر السماء وتراد الجهات العلوية: جاز ذلك، فإنّ الغبراء وما فيها واقعة في الجهات السفلية.
و ﴿ جَمِيعاً ﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني.
والاستواء: الاعتدال والاستقامة.
يقال: استوى العود وغيره، إذا قام واعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً، من غير أن يلوي على شيء.
ومنه استعير قوله: ﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السماء ﴾ ، أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض، من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر.
والمراد بالسماء جهات العلو، كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق.
والضمير في ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ ضمير مبهم.
و ﴿ سَبْعَ سماوات ﴾ تفسيره، كقولهم: ربه رجلاً.
وقيل: الضمير راجع إلى السماء.
والسماء في معنى الجنس.
وقيل: جمع سماءة، والوجه العربي هو الأوّل.
ومعنى تسويتهنّ: تعديل خلقهنّ، وتقديمه، وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهنّ ﴿ وَهُوَ بِكُلّ شَيْء عَلِيمٌ ﴾ فمن ثم خلقهنّ خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت، مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم ومصالحهم، فإن قلت: ما فسرت به معنى الاستواء إلى السماء يناقضه (ثم) لإعطائه معنى التراخي والمهلة قلت: (ثم) هاهنا لما بين الخلقين من التفاوت وفضل خلق السموات على خلق الأرض، لا للتراخي في الوقت كقوله: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ ﴾ [البلد: 17] .
على أنه لو كان لمعنى التراخي في الوقت لم يلزم ما اعترضت به، لأن المعنى أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر.
فإن قلت: أما يناقض هذا قوله: ﴿ والارض بَعْدَ ذَلِكَ دحاها ﴾ [النازعات: 30] ؟
قلت: لا؛ لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء.
وأمّا دحوها فمتأخر.
وعن الحسن: خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر، عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات، وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض، فذلك قوله: ﴿ كَانَتَا رَتْقاً ﴾ [الأنبياء: 30] وهو الالتزاق.
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ بَيانُ نِعْمَةٍ أُخْرى مُرَتَّبَةٍ عَلى الأُولى، فَإنَّها خَلْقُهم أحْياءً قادِرِينَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرى، وهَذِهِ خَلْقُ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ بَقاؤُهم وتَمَّ بِهِ مَعاشُهم.
ومَعْنى ﴿ لَكُمْ ﴾ لِأجْلِكم وانْتِفاعِكم في دُنْياكم بِاسْتِنْفاعِكم بِها في مَصالِحِ أبْدانِكم بِوَسَطٍ أوْ بِغَيْرِ وسَطٍ، ودِينِكم بِالِاسْتِدْلالِ والِاعْتِبارِ والتَّعَرُّفِ لِما يُلائِمُها مِن لَذّاتِ الآخِرَةِ وآلامِها، لا عَلى وجْهِ الغَرَضِ، فَإنَّ الفاعِلَ لِغَرَضٍ مُسْتَكْمَلٌ بِهِ، بَلْ عَلى أنَّهُ كالغَرَضِ مِن حَيْثُ إنَّهُ عاقِبَةُ الفِعْلِ ومُؤَدّاهُ وهو يَقْتَضِي إباحَةَ الأشْياءِ النّافِعَةِ، ولا يَمْنَعُ اخْتِصاصَ بَعْضِها بِبَعْضٍ لِأسْبابٍ عارِضَةٍ، فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ لِلْكُلِّ لا أنَّ كُلَّ واحِدٍ لِكُلِّ واحِدٍ.
وما يَعُمُّ كُلَّ ما في الأرْضِ، إلّا إذا أُرِيدَ بِها جِهَةُ السُّفْلِ كَما يُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ.
وجَمِيعًا: حالٌ مِنَ المَوْصُولِ الثّانِي.
﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ قَصَدَ إلَيْها بِإرادَتِهِ، مِن قَوْلِهِمُ اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ، إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْوِيَ عَلى شَيْءٍ.
وأصْلُ الِاسْتِواءِ طَلَبُ السَّواءِ، وإطْلاقُهُ عَلى الِاعْتِدالِ لِما فِيهِ مِن تَسْوِيَةِ وضْعِ الأجْزاءِ، ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مِن خَواصِّ الأجْسامِ وقِيلَ اسْتَوى أيِ: اسْتَوْلى ومَلَكَ، قالَ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ...
مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مُهْراقِ والأوَّلُ أوْفَقُ لِلْأصْلِ والصِّلَةِ المُعْدّى بِها والتَّسْوِيَةِ المُتَرَتِّبَةِ عَلَيْهِ بِالفاءِ، والمُرادُ بِالسَّماءِ هَذِهِ الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، أوْ جِهاتُ العُلُوِّ، و ﴿ ثُمَّ ﴾ لَعَلَّهُ لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ وفَضْلِ خَلْقِ السَّماءِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ لا لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، فَإنَّهُ يُخالِفُ ظاهِرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى تَأخُّرِ دَحْوِ الأرْضِ المُتَقَدِّمِ عَلى خَلْقِ ما فِيها عَنْ خَلْقِ السَّماءِ وتَسْوِيَتِها، إلّا أنْ تَسْتَأْنِفَ بَدَحاها مُقَدَّرًا لِنَصْبِ الأرْضِ فِعْلًا آخَرَ دَلَّ عَلَيْهِ ﴿ أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا ﴾ مِثْلَ تَعَرَّفِ الأرْضَ وتَدَبَّرْ أمْرَها بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ.
﴿ فَسَوّاهُنَّ ﴾ عَدَّلَهُنَّ وخَلَقَهُنَّ مَصُونَةً مِنَ العِوَجِ والفُطُورِ.
و (هُنَّ) ضَمِيرُ السَّماءِ إنْ فُسِّرَتْ بِالأجْرامِ لِأنَّهُ جَمْعٌ.
أوْ هو في مَعْنى الجَمْعِ، وإلّا فَمُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ كَقَوْلِهِمْ: رُبَّهُ رَجُلًا.
﴿ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ بَدَلٌ أوْ تَفْسِيرٌ.
فَإنْ قِيلَ: ألَيْسَ إنَّ أصْحابَ الأرْصادِ أثْبَتُوا تِسْعَةَ أفْلاكٍ؟
قُلْتُ: فِيما ذَكَرُوهُ شُكُوكٌ، وإنْ صَحَّ فَلَيْسَ في الآيَةِ نَفْيُ الزّائِدِ مَعَ أنَّهُ إنْ ضُمَّ إلَيْها العَرْشُ والكُرْسِيُّ لَمْ يَبْقَ خِلافٌ.
﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ تَعْلِيلٌ كَأنَّهُ قالَ: ولِكَوْنِهِ عالِمًا بِكُنْهِ الأشْياءِ كُلِّها، خَلَقَ ما خَلَقَ عَلى هَذا النَّمَطِ الأكْمَلِ والوَجْهِ الأنْفَعِ، واسْتِدْلالٌ بِأنَّ مَن كانَ فِعْلُهُ عَلى هَذا النَّسَقِ العَجِيبِ، والتَّرْتِيبِ الأنِيقِ كانَ عَلِيمًا، فَإنَّ إتْقانَ الأفْعالِ وإحْكامَها وتَخْصِيصَها بِالوَجْهِ الأحْسَنِ الأنْفَعِ، لا يُتَصَوَّرُ إلّا مِن عالِمٍ حَكِيمٍ رَحِيمٍ، وإزاحَةٌ لِما يَخْتَلِجُ في صُدُورِهِمْ مِن أنَّ الأبْدانَ بَعْدَ ما تَبَدَّدَتْ وتَفَتَّتَتْ أجْزاؤُها واتَّصَلَتْ بِما يُشاكِلُها، كَيْفَ تُجْمَعُ أجْزاءُ كُلِّ بَدَنٍ مَرَّةً ثانِيَةً بِحَيْثُ لا يَشِذُّ شَيْءٌ مِنها، ولا يَنْضَمُّ إلَيْها ما لَمْ يَكُنْ مَعَها فَيُعادُ مِنها كَما كانَ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ .
واعْلَمْ أنَّ صِحَّةَ الحَشْرِ مَبْنِيَّةٌ عَلى ثَلاثِ مُقَدِّماتٍ، وقَدْ بَرْهَنَ عَلَيْها في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: أمّا الأُولى فَهِيَ: أنَّ مَوادَّ الأبْدانِ قابِلَةٌ لِلْجَمْعِ والحَياةِ وأشارَ إلى البُرْهانِ عَلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ فَإنَّ تَعاقُبَ الِافْتِراقِ والِاجْتِماعِ والمَوْتِ والحَياةِ عَلَيْها يَدُلُّ عَلى أنَّها قابِلَةٌ لَها بِذاتِها، وما بِالذّاتِ يَأْبى أنْ يَزُولَ ويَتَغَيَّرَ.
وأمّا الثّانِيَةُ والثّالِثَةُ: فَإنَّهُ عَزَّ وجَلَّ عالِمٌ بِها وبِمَواقِعِها، قادِرٌ عَلى جَمْعِها وإحْيائِها، وأشارَ إلى وجْهِ إثْباتِهِما بِأنَّهُ تَعالى قادِرٌ عَلى إبْدائِها وإبْداءِ ما هو أعْظَمُ خَلْقًا وأعْجَبُ صُنْعًا، فَكانَ أقْدَرَ عَلى إعادَتِهِمْ وإحْيائِهِمْ، وأنَّهُ تَعالى خَلَقَ ما خَلَقَ خَلْقًا مُسْتَوِيًا مُحْكَمًا مِن غَيْرِ تَفاوُتِ واخْتِلالٍ مَراعِي فِيهِ مَصالِحَهم وسَدَّ حاجاتِهِمْ.
وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى تَناهِي عِلْمِهِ وكَمالِ حِكْمَتِهِ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ ودَقَّتْ حِكْمَتُهُ.
وقَدْ سَكَّنَ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ: الهاءَ مِن نَحْوِ فَهْوَ وهْوَ تَشْبِيهًا لَهُ بِعَضْدٍ.
<div class="verse-tafsir"
هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)
{هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأرض} أى لأجلكم ولا نتفاعكم به في دنياكم ودينكم أما الأول فظاهر وأما الثاني فالنظر فيه وما فيه من العجائب الدالة على صانع قادر حكيم عليم وما فيه من التذكير بالآخرة لأن ملاذها تذكر ثوابها ومكارهها تذكر عقابها وقد استدل الكرخي وأبو بكر الرازي والمعتزلة بقوله خلق لكم على أن الأشياء التي يصح أن ينتفع بها خلقت مباحة في الأصل {جَمِيعاً} نصب على الحال من ما {ثُمَّ استوى إِلَى السماء} الاستواء الاعتدال والاستقامة يقال استوى العود أي قام واعتدل ثم قيل استوى إليه كالسهم المرسل أي قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه قوله تعالى ثم استوى إلى السماء أي أقبل وعمد إلى خلق
السموات بعد ما خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل ثم استوى إلى فوق والضمير في {فسوّاهنّ} مبهم يفسره {سَبْعَ سماوات} كقولهم ربه رجلاً وقيل الضمير راجع إلى السماء ولفظها واحد ومعناها الجمع لأنها في معنى الجنس ومعنى تسويتهن تعديل خلقن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور أو إتمام خلقهمن وثم هنا لبيان فضل خلق السموات على خلق الأرض ولا يناقض هذا قوله والأرض بعد ذلك دحاها لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء وأما دحوها فمتأخر وعن الحسن خلق الله الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها ثم أصعد الدخان وخلق
البقرة (٢٩ _ ٣١)
منه السموات وأمسك الفهر في موضعها وبسط منها الأرض فذلك قوله تعالى {كانتا رتقا} وهو الالتزاق {وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب حاجات أهلها ومنافعهم وهو وأخواته مدني غير ورش وَهُوَ هو وأبو عمرو وعلي جعلوا الواو كأنها من نفس الكلمة فصار بمنزلة عضد وهم يقولون فى عضد عضد بالسكون
﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكُنْتُمْ ﴾ وتَرَكَ الحَرْفَ إمّا لِكَوْنِهِ كالنَّتِيجَةِ لَهُ، أوْ لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِاسْتِقْلالِ في إفادَةِ ما أفادَهُ، وذَكَرَ أنَّهُ بَيانُ نِعْمَةٍ أُخْرى مُتَرَتِّبَةٍ عَلى الأُولى، وأُرِيدَ بِتَرَتُّبِها أنَّ الِانْتِفاعَ بِها يَتَوَقَّفُ عَلَيْها، فَإنَّ النِّعْمَةَ إنَّما تُسَمّى نِعْمَةً مِن حَيْثُ الِانْتِفاعُ بِها، (وهُوَ) لِغَيْرِ المُتَكَلِّمِ والمُخاطَبِ وفِيهِ لُغاتٌ: تَخْفِيفُ الواوِ مَفْتُوحَةً وحَذْفُها في الشِّعْرِ، وتَشْدِيدُها لِهَمْدانَ، وتَسْكِينُها لِأسَدٍ وقَيْسٍ، (وهُوَ) عِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى يُنْبِئُ عَنْ كُنْهِ حَقِيقَتِهِ المَخْصُوصَةِ المُبَرَّأةِ عَنْ جَمِيعِ جِهاتِ الكَثْرَةِ، وهو اسْمٌ مُرَكَّبٌ مِن حَرْفَيْنِ الهاءِ والواوِ، والهاءُ أصْلٌ، والواوُ زائِدَةٌ بِدَلِيلِ سُقُوطِها في التَّثْنِيَةِ والجَمْعِ، فَلَيْسَ في الحَقِيقَةِ إلّا حَرْفٌ واحِدٌ دالٌّ عَلى الواحِدِ الفَرْدِ الَّذِي لا مَوْجُودَ سِواهُ، وكُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلّا وجْهَهُ، ولِمَزِيدِ ما فِيهِ مِنَ الأسْرارِ اتَّخَذَهُ الأجِلَّةُ مَدارًا لِذِكْرِهِمْ، وسِراجًا لِسِرِّهِمْ، وهو جارٍ مَعَ الأنْفاسِ، ومُسَمّاهُ غائِبٌ عَنِ الحَدْسِ والقِياسِ، وفي جَعْلِ الضَّمِيرِ مُبْتَدَأً والمَوْصُولِ خَبَرًا مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الجَلالَةِ ما لا يَخْفى، وتَقْدِيمُ الظَّرْفِ عَلى المَفْعُولِ الصَّرِيحِ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ، واللّامُ لِلتَّعْلِيلِ، والِانْتِفاعِ أيْ خَلَقَ لِأجْلِكم جَمِيعَ ما في الأرْضِ لِتَنْتَفِعُوا بِهِ في أُمُورِ دُنْياكم بِالذّاتِ أوْ بِالواسِطَةِ، وفي أُمُورِ دِينِكم بِالِاسْتِدْلالِ، والِاعْتِبارِ، واسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ السُّنَّةِ الحَنَفِيَّةِ والشّافِعِيَّةِ بِالآيَةِ عَلى إباحَةِ الأشْياءِ النّافِعَةِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ، وعَلَيْهِ أكْثَرُ المُعْتَزِلَةِ، واخْتارَهُ الإمامُ في المَحْصُولِ والبَيْضاوِيُّ في المِنهاجِ.
واعْتُرِضَ بِأنَّ اللّامَ تَجِيءُ لِغَيْرِ النَّفْعِ، كَـ ﴿ وإنْ أسَأْتُمْ فَلَها ﴾ وأُجِيبَ بِأنَّها مَجازٌ لِاتِّفاقِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ عَلى أنَّها لِلْمِلْكِ، ومَعْناهُ الِاخْتِصاصُ النّافِعُ وبِأنَّ المُرادَ النَّفْعُ بِالِاسْتِدْلالِ، وأُجِيبَ بِأنَّ التَّخْصِيصَ خِلافُ الظّاهِرِ مَعَ أنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ لِكُلِّ مُكَلَّفٍ مِن نَفْسِهِ، فَيُحْمَلُ عَلى غَيْرِهِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ الأصْلَ في الأشْياءِ قَبْلَ الحَظْرِ، وقالَ قَوْمٌ بِالوَقْفِ لِتَعارُضِ الأدِلَّةِ عِنْدَهُمْ، واسْتَدَلَّتِ الإباحِيَّةُ بِالآيَةِ عَلى مُدَّعاهم قائِلِينَ: إنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ ما في الأرْضِ جَمِيعًا خُلِقَ لِلْكُلِّ، فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ اخْتِصاصٌ بِشَيْءٍ أصْلًا، ويَرُدُّهُ أنَّها تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُلَّ لِلْكُلِّ، ولا يُنافِي اخْتِصاصُ البَعْضِ بِالبَعْضِ لِمُوجِبٍ، فَهُناكَ شِبْهُ التَّوْزِيعِ، والتَّعْيِينُ يُسْتَفادُ مِن دَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ، ولا يَلْزَمُ اخْتِصاصُ كُلِّ شَخْصٍ بِشَيْءٍ واحِدٍ كَما ظَنَّهُ السّالِيكُوتِيُّ، وما تَعُمُّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ لِأنْفُسِها، إذْ لا يَكُونُ الشَّيْءُ ظَرْفًا لِنَفْسِهِ إلّا أنْ يُرادَ بِها جِهَةُ السُّفْلِ، كَما يُرادُ بِالسَّماءِ جِهَةُ العُلُوِّ، ويَكْفِي في التَّحَدُّرِ العَرْشُ المُحِيطُ، أوْ تُجْعَلُ الجِهَةُ اعْتِبارِيَّةً، نَعَمْ قِيلَ: تَعُمُّ كُلَّ جُزْءٍ مِن أجْزاءِ الأرْضِ، فَإنَّهُ مِن جُمْلَةِ ضَرُوراتِها ما فِيها ضَرُورَةُ وُجُودِ الجُزْءِ في الكُلِّ، والمُغايَرَةُ اعْتِبارِيَّةٌ، والقَوْلُ بِأنَّ الكَلامَ عَلى تَقْدِيرِ مَعْطُوفٍ أيْ خَلَقَ ما في الأرْضِ، والأرْضَ، لا أرْضى بِهِ، وبَعْضُهم لَمْ يَتَكَلَّفْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، واسْتَغْنى بِتَقَدُّمِ الِامْتِنانِ بِالأرْضِ في قَوْلِهِ تَعالى: ”وجَعَلَ لَكم الأرْضَ فِراشًا“ (وجَمِيعًا) حالٌ مُؤَكِّدَةٌ مِن كَلِمَةِ (ما)، ولا دِلالَةَ لَهُما كَما ذَكَرَهُ البَعْضُ عَلى الِاجْتِماعِ الزَّمانِيِّ، وهَذا بِخِلافِ مَعًا، وجَعْلُهُ حالًا مِن ضَمِيرِ لَكم يُضْعِفُهُ السِّياقُ، لِأنَّهُ لِتِعْدادِ النِّعَمِ دُونَ المُنْعَمِ عَلَيْهِ، مَعَ أنَّ مَقامَ الِامْتِنانِ يُناسِبُهُ المُبالَغَةُ في كَثْرَةِ النِّعَمِ، ولِاعْتِبارِ المُبالَغَةِ لَمْ يَجْعَلُوهُ حالًا مِنَ الأرْضِ أيْضًا، ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ أيْ عَلا إلَيْها وارْتَفَعَ مِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ ولا تَحْدِيدٍ، قالَهُ الرَّبِيعُ أوْ قَصَدَ إلَيْها بِإرادَتِهِ قَصْدًا سَوِيًّا بِلا صارِفٍ يَلْوِيهِ ولا عاطِفٍ يُثْنِيهِ مِن قَوْلِهِمُ: اسْتَوى إلَيْهِ كالسَّهْمِ المُرْسَلِ، إذا قَصَدَهُ قَصْدًا مُسْتَوِيًا مِن غَيْرِ أنْ يَلْوِي عَلى شَيْءٍ، قالَهُ الفَرّاءُ، وقِيلَ: اسْتَوْلى، ومَلَكَ كَما في قَوْلِهِ: فَلَمّا عَلَوْنا واسْتَوَيْنا عَلَيْهِمْ تَرَكْناهم صَرْعى لِنَسْرٍ وكاسِرِ وهُوَ خِلافُ الظّاهِرِ لِاقْتِضائِهِ كَوْنَ إلى بِمَعْنى عَلى، وأيْضًا الِاسْتِيلاءُ مُؤَخَّرٌ عَنْ وُجُودِ المُسْتَوْلى عَلَيْهِ، فَيَحْتاجُ إلى القَوْلِ بِأنَّ المُرادَ اسْتَوْلى عَلى إيجادِ السَّماءِ، فَلا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ الوُجُودِ ولا يَخْفى ما فِيهِ، والمُرادُ بِالسَّماءِ الأجْرامُ العُلْوِيَّةُ، أوْ جِهَةُ العُلُوِّ، وثُمَّ، قِيلَ: لِلتَّراخِي في الوَقْتِ، وقِيلَ: لِتَفاوُتِ ما بَيْنَ الخَلْقَيْنِ، وفُضِّلَ خَلْقُ السَّماءِ عَلى خَلْقِ الأرْضِ، والنّاسُ مُخْتَلِفُونَ في خَلْقِ السَّماءِ، وما فِيها، والأرْضِ وما فِيها، بِاعْتِبارِ التَّقَدُّمِ والتَّأخُّرِ، لِتَعارُضِ الظَّواهِرِ في ذَلِكَ، فَذَهَبَ بَعْضٌ إلى تَقَدُّمِ خَلْقِ السَّماواتِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أمِ السَّماءُ بَناها ﴾ ﴿ رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها ﴾ ﴿ وأغْطَشَ لَيْلَها وأخْرَجَ ضُحاها ﴾ ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ ﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ومَرْعاها ﴾ ﴿ والجِبالَ أرْساها ﴾ وذَهَبَ آخَرُونَ إلى تَقَدُّمِ خَلْقِ الأرْضِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِن فَوْقِها وبارَكَ فِيها وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في أرْبَعَةِ أيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ وهي دُخانٌ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ ﴿ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها ﴾ وجَمَعَ بَعْضُهم فَقالَ: إنَّ ﴿ أخْرَجَ مِنها ماءَها ﴾ بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ لِدَحاها، أيْ بَسَطَها مُبَيِّنٌ لِلْمُرادِ مِنهُ، فَيَكُونُ تَأخُّرُها لَيْسَ بِمَعْنى تَأخُّرِ ذاتِها، بَلْ بِمَعْنى تَأخُّرِ خَلْقِ ما فِيها، وتَكْمِيلِهِ وتَرْتِيبِهِ بَلْ خَلْقِ التَّمَتُّعِ والِانْتِفاعِ بِهِ، فَإنَّ البَعْدِيَّةَ كَما تَكُونُ بِاعْتِبارِ نَفْسِ الشَّيْءِ تَكُونُ بِاعْتِبارِ جُزْئِهِ الأخِيرِ وقَيْدِهِ المَذْكُورِ، كَما لَوْ قُلْتَ: بَعَثْتُ إلَيْكَ رَسُولًا، ثُمَّ كُنْتَ بَعَثْتَ فُلانًا لِيَنْظُرَ ما يُبَلِّغُهُ، فَبَعْثُ الثّانِي وإنْ تَقَدَّمَ لَكِنْ ما بُعِثَ لِأجْلِهِ مُتَأخِّرٌ، فَجَعَلَ نَفْسَهُ مُتَأخِّرًا، وما رَواهُ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما في التَّوْفِيقِ بَيْنَ الآيَتَيْنِ يُشِيرُ إلى هَذا، ولا يُعارِضُهُ ما رَواهُ ابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُ وصَحَّحُوهُ عَنْهُ أيْضًا، «(إنَّ اليَهُودَ أتَتِ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ فَسَألَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ فَقالَ: خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الأرْضَ يَوْمَ الأحَدِ والإثْنَيْنِ، وخَلَقَ الجِبالَ وما فِيهِنَّ مِنَ المَنافِعِ يَوْمَ الثُّلاثاءِ، وخَلَقَ يَوْمَ الأرْبِعاءِ الشَّجَرَ والماءَ والمَدائِنَ والعُمْرانَ والخَرابَ فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ، فَقالَ تَعالى: ﴿ أإنَّكم لَتَكْفُرُونَ ﴾ إلى ﴿ سَواءً لِلسّائِلِينَ ﴾ وخَلَقَ يَوْمَ الخَمِيسِ السَّماءَ، وخَلَقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والمَلائِكَةَ)،» لِجَوازِ أنْ يُحْمَلَ عَلى أنَّهُ خَلَقَ مادَّةَ ذَلِكَ، وأُصُولَهُ، إذْ لا يُتَصَوَّرُ المَدائِنُ والعُمْرانُ والخَرابُ قَبْلُ، فَعَطَفَهُ عَلَيْهِ قَرِينَةً لِذَلِكَ، واسْتِشْكالُ الإمامِ الرّازِيِّ تَأخُّرَ التَّدْحِيَةِ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ بِأنَّ الأرْضَ جِسْمٌ عَظِيمٌ فامْتَنَعَ انْفِكاكُ خَلْقِها عَنِ التَّدْحِيَةِ، فَإذا كانَتِ التَّدْحِيَةُ مُتَأخِّرَةً كانَ خَلْقُها أيْضًا مُتَأخِّرًا، مَبْنِيٌّ كَما قِيلَ: عَلى الغَفْلَةِ لِأنَّ مَن يَقُولُ بِتَأخُّرِ دَحْوِها عَنْ خَلْقِها لا يَقُولُ بِعِظَمِها ابْتِداءً، بَلْ يَقُولُ: إنَّها في أوَّلِ الخَلْقِ كانَتْ كَهَيْئَةِ الفِهْرِ، ثُمَّ دُحِيَتْ، فَيَتَحَقَّقُ الِانْفِكاكُ، ويَصِحُّ تَأخُّرُ دَحْوِها عَنْ خَلْقِها، وقَوْلُهُ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ خَلْقَ الأشْياءِ في الأرْضِ لا يُمْكِنُ إلّا إذا كانَتْ مَدْحُوَّةً لا يَخْفى دَفْعُهُ، بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ خَلْقُ المَوادِّ، والأُصُولِ، لا خَلْقُ الأشْياءِ فِيها، كَما هو اليَوْمَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في أنَّ خَلْقَ السَّماءِ مُقَدَّمٌ عَلى خَلْقِ الأرْضِ أوْ مُؤَخَّرٌ، نَقَلَ الإمامُ الواحِدِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ الأوَّلَ، واخْتارَهُ المُحَقِّقُونَ، ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِمّا تَرى مُؤَخَّرٌ عَنْ خَلْقِ السَّماواتِ السَّبْعِ، بَلِ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، فَحِينَئِذٍ يُجْعَلُ الخَلْقُ في الآيَةِ الكَرِيمَةِ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ، لا الإيجادِ، أوْ بِمَعْناهُ، ويُقَدِّرُ الإرادَةَ، ويَكُونُ المَعْنى: أرادَ خَلْقَ ما في الأرْضِ جَمِيعًا لَكم عَلى حَدِّ ﴿ إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ ﴾ و ﴿ وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ ﴾ ولا يُخالِفُهُ، ﴿ والأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحاها ﴾ فَإنَّ المُتَقَدِّمَ عَلى خَلْقِ السَّماءِ إنَّما هو تَقْدِيرُ الأرْضِ، وجَمِيعُ ما فِيها، أوْ إرادَةُ إيجادِها، والمُتَأخِّرُ عَنْ خَلْقِ السَّماءِ إيجادُ الأرْضِ، وجَمِيعُ ما فِيها، فَلا إشْكالَ، وأمّا قَوْلُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ خَلَقَ الأرْضَ في يَوْمَيْنِ ﴾ فَعَلى تَقْدِيرِ الإرادَةِ، والمَعْنى: أرادَ خَلْقَ الأرْضِ، وكَذا ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِمَعْنى أرادَ أنْ يَجْعَلَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا طَوْعًا أوْ كَرْهًا قالَتا أتَيْنا طائِعِينَ ﴾ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُرادَ: ائْتِيا في الوُجُودِ، ولَوْ كانَتِ الأرْضُ مَوْجُودَةً سابِقَةً لَما صَحَّ هَذا، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: أئِنَّكم لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي أرادَ إيجادَ الأرْضِ وما فِيها مِنَ الرَّواسِي والأقْواتِ في أرْبَعَةِ أيّامٍ، ثُمَّ قَصَدَ إلى السَّماءِ، فَتَعَلَّقَتْ إرادَتُهُ بِإيجادِ السَّماءِ والأرْضِ فَأطاعا بِأمْرِ التَّكْوِينِ، فَأوْجَدَ سَبْعَ سَماواتٍ في يَوْمَيْنِ، وأوْجَدَ الأرْضَ، وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ.
بَقِيَ ها هُنا بَيانُ النُّكْتَةِ في تَغْيِيرِ الأُسْلُوبِ، حَيْثُ قَدَّمَ في الظّاهِرِ ها هُنا، وفي (حم السَّجْدَةِ) خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها عَلى خَلْقِ السَّماواتِ، وعَكَسَ في النّازِعاتِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ المَقامَ في الأوَّلَيْنِ مَقامُ الِامْتِنانِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو نِعْمَةٌ نَظَرًا إلى المُخاطَبِينَ، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: هو الَّذِي دَبَّرَ أمْرَكم قَبْلَ خَلْقِ السَّماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ، والمَقامُ في الثّالِثَةِ مَقامُ بَيانِ كَمالِ القُدْرَةِ، فَمُقْتَضاهُ تَقْدِيمُ ما هو أدَلُّ عَلى كَمالِها، هَذا والَّذِي يُفْهَمُ مِن بَعْضِ عِباراتِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ المُحَدَّدَ، ويُقالُ لَهُ سَماءٌ أيْضًا مَخْلُوقٌ قَبْلَ الأرْضِ وما فِيها، وأنَّ الأرْضَ نَفْسَها خُلِقَتْ بَعْدُ، ثُمَّ بَعْدَ خَلْقِها خُلِقَتِ السَّماواتُ السَّبْعُ، ثُمَّ بَعْدَ السَّبْعِ خُلِقَ ما في الأرْضِ مِن مَعادِنَ ونَباتٍ، ثُمَّ ظَهَرَ عالَمُ الحَيَوانِ، ثُمَّ عالَمُ الإنْسانِ، فَمَعْنى ﴿ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ ﴾ حِينَئِذٍ قَدَّرَهُ، أوْ أرادَ إيجادَهُ، أوْ أوْجَدَ مَوادَّهُ، ومَعْنى ﴿ وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ﴾ إلَخْ، في الآيَةِ الأُخْرى عَلى نَحْوِ هَذا، وخَلْقُ الأرْضِ فِيها عَلى ظاهِرِهِ، ولا يَأْباهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ فَقالَ لَها ولِلأرْضِ ائْتِيا ﴾ إلَخْ، لِجَوازِ حَمْلِهِ عَلى مَعْنى ائْتِيا بِما خَلَقْتُ فِيكُما مِنَ التَّأْثِيرِ والتَّأثُّرِ وإبْرازِ ما أوْدَعْتُكُما مِنَ الأوْضاعِ المُخْتَلِفَةِ، والكائِناتِ المُتَنَوِّعَةِ، أوْ إتْيانُ السَّماءِ حُدُوثُها، وإتْيانُ الأرْضِ أنْ تَصِيرَ مَدْحُوَّةً، أوْ لِيَأْتِ كُلٌّ مِنكُما الأُخْرى في حُدُوثِ ما أُرِيدَ تَوْلِيدُهُ مِنكُما، وبَعْدَ هَذا كُلِّهِ لا يَخْلُو البَحْثُ مِن صُعُوبَةٍ، ولا زالَ النّاسُ يَسْتَصْعِبُونَهُ مِن عَهْدِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمُ إلى الآنَ، ولَنا فِيهِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى عَوْدَةٌ بَعْدَ عَوْدَةٍ، ونَسْألُ اللَّهَ تَعالى التَّوْفِيقَ، ﴿ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ ﴾ الضَّمِيرُ لِلسَّماءِ، إنْ فُسِّرَتْ بِالأجْرامِ، وجازَ أنْ يَرْجِعَ إلَيْها بِناءً عَلى أنَّها جَمْعٌ، أوْ مُؤَوَّلَةٌ بِهِ، وإلّا فَمُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَهُ عَلى حَدِّ نِعْمَ رَجُلًا، وفِيهِ مِنَ التَّفْخِيمِ والتَّشْوِيقِ والتَّمْكِينِ في النَّفْسِ ما لا يَخْفى، وفي نَصْبِ ﴿ سَبْعَ ﴾ خَمْسَةُ أوْجُهٍ: البَدَلُ مِنَ المُبْهَمِ أوِ العائِدِ إلى السَّماءِ أوْ مَفْعُولٌ بِهِ أيْ سَوّى مِنهُنَّ، أوْ حالٌ مُقَدَّرَةٌ أوْ تَمْيِيزٌ أوْ مَفْعُولٌ ثانٍ لِسَوّى بِناءً عَلى أنَّها بِمَعْنى صَيَّرَ، ولَمْ يَثْبُتْ، والبَدَلِيَّةُ أرْجَحُ لِعَدَمِ الِاشْتِقاقِ، وبَعْدَها الحالِيَّةُ كَما في البَحْرِ، وأُرِيدَ بِسَوّاهُنَّ، أتَمَّهُنَّ وقَوَّمَهُنَّ، وخَلَقَهُنَّ ابْتِداءً مَصُوناتٍ عَنِ العِوَجِ، والفُطُورِ، لا أنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى سَوّاهُنَّ بَعْدُ، إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: ضَيِّقْ فَمَ البِئْرِ ووَسِّعِ الدّارَ، وفي مُقارَنَةِ التَّسْوِيَةِ والِاسْتِواءِ حُسْنٌ لا يَخْفى، لا يُقالُ: إنَّ أرْبابَ الأرْصادِ أثْبَتُوا تِسْعَةَ أفْلاكٍ وهَلْ هي إلّا سَماواتٌ، لِأنّا نَقُولُ: هم شاكُّونَ إلى الآنَ في النُّقْصانِ والزِّيادَةِ، فَإنَّ ما وجَدُوهُ مِنَ الحَرَكاتِ يُمْكِنُ ضَبْطُها بِثَمانِيَةٍ وسَبْعَةٍ، بَلْ بِواحِدٍ، وبَعْضُهم أثْبَتُوا بَيْنَ فَلَكِ الثَّوابِتِ والأطْلَسِ كُرَةً لِضَبْطِ المَيْلِ الكُلِّيِّ، وقالَ بَعْضُ مُحَقِّقِيهِمْ: لَمْ يَتَبَيَّنْ لِي إلى الآنَ أنَّ كُرَةَ الثَّوابِتِ كُرَةٌ واحِدَةٌ أوْ كُراتٌ مُنْطَوِيَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وأطالَ الإمامُ الرّازِيُّ الكَلامَ في ذَلِكَ وأجادَ، عَلى أنَّهُ إنْ صَحَّ ما شاعَ، فَلَيْسَ في الآيَةِ ما يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزَّوائِدِ بِناءً عَلى ما اخْتارَهُ الإمامُ مِن أنَّ مَفْهُومَ العَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ، وكَلامُ البَيْضاوِيِّ في تَفْسِيرِهِ يُشِيرُ إلَيْهِ خِلافًا لِما في مِنهاجِهِ المُوافِقِ لِما عَلَيْهِ الإمامُ الشّافِعِيُّ، ونَقَلَهُ عَنْهُ الغَزالِيُّ في المَنخُولِ، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّ الحَقَّ أنَّ تَخْصِيصَ العَدَدِ بِالذِّكْرِ لا يَدُلُّ عَلى نَفْيِ الزّائِدِ، والخِلافُ في ذَلِكَ مَشْهُورٌ، وإذا قُلْنا بِكَرَوِيَّةِ العَرْشِ، والكُرْسِيِّ لَمْ يَبْقَ كَلامٌ.
﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ تَذْيِيلٌ مُقَرِّرٌ لِما قَبْلَهُ مِن خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ وما فِيها، عَلى هَذا النَّمَطِ العَجِيبِ، والأُسْلُوبِ الغَرِيبِ، ﴿ ما تَرى في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفاوُتٍ فارْجِعِ البَصَرَ هَلْ تَرى مِن فُطُورٍ ﴾ ﴿ ثُمَّ ارْجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرَ خاسِئًا وهو حَسِيرٌ ﴾ وفي عَلِيمٍ مِنَ المُبالَغَةِ ما لَيْسَ في عالِمٍ، ولَيْسَ ذَلِكَ راجِعًا إلى نَفْسِ الصِّفَةِ، لِأنَّ عِلْمَهُ تَعالى واحِدٌ لا تَكَثُّرَ فِيهِ، لَكِنْ لَمّا تَعَلَّقَ بِالكُلِّيِّ والجُزْئِيِّ والمَوْجُودِ والمَعْدُومِ والمُتَناهِي وغَيْرِ المُتَناهِي وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِما دَلَّ عَلى المُبالَغَةِ، والشَّيْءُ هُنا عامٌّ باقٍ عَلى عُمُومِهِ، لا تَخْصِيصَ فِيهِ بِوَجْهٍ خِلافًا لِمَن ضَلَّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِـ(عَلِيمٍ)، وإنَّما تَعَدّى بِالباءِ مَعَ أنَّهُ مِن عَلِمَ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، والتَّقْوِيَةُ تَكُونُ بِاللّامِ لِأنَّ أمْثِلَةَ المُبالَغَةِ كَما قالُوا: خالَفَتْ أفْعالها، لِأنَّها أشْبَهَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ لِما فِيها مِنَ الدِّلالَةِ عَلى الزِّيادَةِ، فَأُعْطِيَتْ حُكْمَهُ في التَّعْدِيَةِ، وهو أنَّهُ إنْ كانَ فِعْلُهُ مُتَعَدِّيًا، فَإنْ أفْهَمَ عِلْمًا أوْ جَهْلًا تَعَدّى بِالباءِ، كَأعْلِمْ بِهِ، وأجْهِلْ بِهِ، وعَلِيمٍ بِهِ، وجَهُولٍ بِهِ، وأعْلَمَ مَن يَضِلُّ عَلى التَّأْوِيلِ، وإلّا تَعَدّى بِاللّامِ: كَأضْرَبَ لِزَيْدٍ، و ﴿ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ ﴾ ، وإلّا تَعَدّى بِما يَتَعَدّى بِهِ فِعْلُهُ: كَأصْبَرَ عَلى النّارِ، وصَبُورٍ عَلى كَذا، ولَعَلَّ ذَلِكَ أغْلَبِيٌّ، إذْ يُقالُ: رَحِيمٌ بِهِ، فافْهَمْ، <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً، أي قدَّر خَلْقَهَا لأن الأشياء كلها لم تُخلق في ذلك الوقت، لأن الدواب وغيرها من الثمار التي في الأرض تخلق وقتاً بعد وقت، ولكن معناه قدَّر خلق الأشياء التي في الأرض.
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ هذه الآية من المشكلات والناس في هذه الآية وما شاكلها على ثلاثة أوجه: قال بعضهم: نقرؤها ونؤمن بها ولا نفسرها، وهذا كما روي عن مالك بن أنس- رحمه الله- أن رجلاً سأله عن قوله: الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى [طه: 5] ، فقال مالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا ضالاً فأخرجوه فطردوه، فإذا هو جهم بن صفوان.
وقال بعضهم: نقرؤها ونفسرها على ما يحتمله ظاهر اللغة وهذا قول المشبهة.
وللتأويل في هذه الآية وجهان: أحدهما: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ، أي صعد أمره إلى السماء، وهو قوله: (كُنَّ فكان) ، وتأويل آخر وهو قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ أي أقبل إلى خلق السماء.
فإن قيل: قد قال في آية أُخرى أَمِ السَّماءُ بَناها (27) رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها (28) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها (30) [النازعات: 27، 28، 30] فذكر في تلك الآية أن الأرض خلقت بعد السماء، وذكر في هذه الآية أن الأرض خلقت قبل السماء.
الجواب عن هذا أن يقال: خلق الأرض قبل السماء وهي ربوة حمراء في موضع الكعبة، فلما خلق السماء بسط الأرض بعد خلق السماء فذلك قوله تعالى: وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي بسطها.
ثم قال تعالى: فَسَوَّاهُنَّ أي خلقهن سَبْعَ سَماواتٍ وهن أعظم من خلقكم وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي بخلق كل شيء عليم.
ومعناه: أن الذي خلق لكم مَّا فِى الارض جميعاً وخلق السماوات قادر على أن يحييكم بعد الممات.
قرأ نافع والكسائي وأبو عمرو (وهْو) بجزم الهاء.
وقرأ الباقون بضم الهاء وَهُوَ في جميع القرآن، وهما لغتان ومعناهما واحد.
<div class="verse-tafsir"
يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ «١» وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا:
نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» «٢» انتهى من «التذْكرَةِ» «٣» .
وقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.
إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٢٧) كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨) هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا
بالذُّبَابِ ونحوه.
واختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟
ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار.
ع «١» : وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره.
قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال.
واختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ...
الآية.
فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة «٢» ، وهذا التأويل هو ١٣ ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها.
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ﴾ أيْ: لِأجْلِكم، فَبَعْضُهُ لِلِانْتِفاعِ، وبَعْضُهُ لِلِاعْتِبارِ.
﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ أيْ: عَمَدَ إلى خُلُقِها، والسَّماءِ: لَفْظُها لَفْظُ الواحِدِ، ومَعْناها، مَعْنى الجَمْعِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ فَسَوّاهُنَّ ﴾ .
وَأيُّهُما أسْبَقُ في الخَلْقِ: الأرْضُ، أمِ السَّماءُ؟
فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: الأرْضُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
والثّانِي: السَّماءُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.
واخْتَلَفُوا في كَيْفِيَّةِ تَكْمِيلِ خَلْقِ الأرْضِ وما فِيها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَدَأ بِخَلْقِ الأرْضِ في يَوْمَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ في يَوْمَيْنِ، وقَدَّرَ فِيها أقْواتَها في يَوْمَيْنِ.
وقالَ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ: جَمَعَ خَلْقَ الأرْضِ وما فِيها في أرْبَعَةِ أيّامٍ مُتَوالِيَةٍ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماءَ في يَوْمَيْنِ.
والعَلِيمُ: جاءَ عَلى بِناءِ: فَعِيلٍ، لِلْمُبالَغَةِ في وصْفِهِ بِكَمالِ العِلْمِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثاقِهِ ويَقْطَعُونَ ما أمَرَ اللهِ بِهِ أنْ يُوصَلَ ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ﴾ ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ وكُنْتُمْ أمْواتًا فَأحْياكم ثُمَّ يُمِيتُكم ثُمَّ يُحْيِيكم ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوى إلى السَماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وهو بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ النَقْضُ: رَدُّ ما أُبْرِمَ عَلى أوَّلِهِ غَيْرُ مُبْرَمٍ.
والعَهْدُ في هَذِهِ الآيَةِ: التَقَدُّمُ في الشَيْءِ والوِصايَةُ بِهِ.
واخْتُلِفَ في تَفْسِيرِ هَذا العَهْدِ، فَقالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى بَنِي آدَمَ حِينَ اسْتَخْرَجَهم مِن ظَهْرِ أبِيهِمْ آدَمَ كالذَرِّ، وقالَ آخَرُونَ: بَلْ: نَصَبَ الأدِلَّةَ عَلى وحْدانِيَّةِ اللهِ بِالسَماواتِ والأرْضِ وسائِرِ الصَنْعَةِ هو بِمَنزِلَةِ العَهْدِ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى عِبادِهِ بِواسِطَةِ رُسُلِهِ: أنْ يُوَحِّدُوهُ، وألّا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ.
وقالَ آخَرُونَ: بَلْ هَذا العَهْدُ هو الَّذِي أخَذَهُ اللهُ عَلى اتِّباعِ الرُسُلِ والكُتُبُ المُنَزَّلَةُ: أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ، وأنْ لا يَكْتُمُوا أمْرَهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فالآيَةُ عَلى هَذا في أهْلِ الكِتابِ، وظاهِرُ ما قَبْلُ وبَعْدُ أنَّهُ في جَمِيعِ الكُفّارِ.
وقالَ قَتادَةُ: هَذِهِ الآيَةُ هي فِيمَن كانَ آمَنَ بِالنَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ ثُمَّ كَفَرَ بِهِ فَنَقَضَ العَهْدَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لَمْ يَنْسِبِ الطَبَرِيُّ شَيْئًا مِن هَذِهِ الأقْوالِ.
وكُلُّ عَهْدٍ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ فَنَقْضُهُ لا يَحِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ.
والضَمِيرُ في "مِيثاقِهِ" يَحْتَمِلُ العَوْدَةَ عَلى "العَهْدِ"، أو عَلى (اسْمِ اللهِ تَعالى)، و"مِيثاقُ" مِفْعالُ مِنَ الوَثاقَةِ، وهي الشَدُّ في العَقْدِ والرَبْطِ ونَحْوِهِ، وهو في هَذِهِ الآيَةِ اسْمٌ في مَوْضِعِ المَصْدَرِ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ شَبِيمٍ: أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِتاعا؟
أرادَ بَعْدَ إعْطائِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما أمَرَ اللهُ بِهِ أنْ يُوصَلَ ﴾ .
"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِ "يَقْطَعُونَ"، واخْتَلَفَ ما الشَيْءُ الَّذِي أمَرَ بِوَصْلِهِ، فَقالَ قَتادَةُ: الأرْحامُ عامَّةً في الناسِ، وقالَ غَيْرُهُ: خاصَّةً فِيمَن آمَنَ بِمُحَمَّدٍ، كَأنَّ الكُفّارَ يُقَطِّعُونَ أرْحامَهم.
وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: الإشارَةُ في هَذِهِ الآيَةِ إلى دِينِ اللهِ وعِبادَتِهِ في الأرْضِ، وإقامَةِ شَرائِعِهِ، وحِفْظِ حُدُودِهِ.
وهَذا هو الحَقُّ، والرَحِمُ جُزْءٌ مِن هَذا، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بَدَلٌ مِن "ما"، أو مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، وقِيلَ: "أنْ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ الضَمِيرِ في "بِهِ"، وهَذا مُتَّجَهٌ.
﴿ وَيُفْسِدُونَ في الأرْضِ ﴾ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللهِ، ويَجُورُونَ في الأفْعالِ إذْ هي بِحَسَبَ شَهَواتِهِمْ، و"الخاسِرُ": الَّذِي نَقَصَ نَفْسَهُ حَظَّها مِنَ الفَلاحِ والفَوْزِ.
والخُسْرانُ: النَقْصُ كانَ في مِيزانٍ أو غَيْرِهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ ﴾ لَفْظُهُ الِاسْتِفْهامُ، ولَيْسَ بِهِ، بَلْ هو تَقْرِيرٌ وتَوْبِيخٌ.
أيْ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللهِ ونِعَمِهِ عَلَيْكم وقُدْرَتِهِ هَذِهِ؟
و"كَيْفَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، والعامِلُ فِيها "تَكْفُرُونَ"، وتَقْدِيرُها: أجاحِدِينَ تَكْفُرُونَ؟
أمُنْكِرِينَ تَكْفُرُونَ؟
و"كَيْفَ" مَبْنِيَّةٌ، وخُصَّتْ بِالفَتْحِ لِخِفَّتِهِ.
ومَن قالَ: إنَّ "كَيْفَ" تَقْرِيرٌ وتَعَجُّبٌ، فَمَعْناهُ: إنَّ هَذا الأمْرَ إنْ عَنَّ فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَجَّبَ مِنهُ لِغَرابَتِهِ وبُعْدِهِ عَنِ المَأْلُوفِ مِن شُكْرِ المُنْعِمِ، و"الواوُ" في قَوْلِهِ: "وَكُنْتُمْ" واوُ الحالِ.
واخْتَلَفَ في تَرْتِيبِ هاتَيْنِ المَوْتَتَيْنِ والحَياتَيْنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، ومُجاهِدٌ: فالمَعْنى كُنْتُمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ قَبْلَ أنْ تُخْلَقُوا دارِسِينَ، كَما يُقالُ لِلشَّيْءِ الدارِسِ: مَيِّتٌ.
ثُمَّ خُلِقْتُمْ وأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا فَأحْياكُمْ، ثُمَّ أماتَكُمُ المَوْتُ المَعْهُودُ، ثُمَّ يُحْيِيكم لِلْبَعْثِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقالَ آخَرُونَ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِكَوْنِ آدَمَ مِن طِينٍ مَيِّتًا قَبْلَ أنْ يَحْيا، ثُمَّ نَفَخَ فِيهِ الرُوحَ فَأحْياكم بِحَياةِ آدَمَ، ثُمَّ يُمِيتُكُمْ، ثُمَّ يُحْيِيكم عَلى ما تَقَدَّمَ.
وقالَ قَتادَةُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" في أصْلابِ آبائِكُمْ، فَأُخْرِجْتُمْ إلى الدُنْيا، فَأحْياكُمْ، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ غَيْرُهُ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" فِي الأرْحامِ قَبْلَ نَفْخِ الرُوحِ، ثُمَّ أحْياكم بِالخُرُوجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: إنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ نِسَمَ بَنِي آدَمَ أمْثالَ الذَرِّ، ثُمَّ أماتَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَهو قَوْلُهُ: ﴿ وَكُنْتُمْ أمْواتًا ﴾ ، ثُمَّ أحْياهم بِالإخْراجِ إلى الدُنْيا، ثُمَّ كَما تَقَدَّمَ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو صالِحٍ: "كُنْتُمْ أمْواتًا" بِالمَوْتِ المَعْهُودِ، ثُمَّ أحْياكم لِلسُّؤالِ في القُبُورِ، ثُمَّ أماتَكم فِيها، ثُمَّ أحْياكم لِلْبَعْثِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّهُ قالَ: وكُنْتُمْ أمْواتًا بِالخُمُولِ، فَأحْياكم بِأنْ ذُكِرْتُمْ وشُرِّفْتُمْ بِهَذا الدِينِ والنَبِيِّ الَّذِي جاءَكم.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والقَوْلُ الأوَّلُ هو أولى هَذِهِ الأقْوالِ، لِأنَّهُ الَّذِي لا مَحِيدَ لِلْكَفّارِ عَنِ الإقْرارِ بِهِ في أوَّلِ تَرْتِيبِهِ.
ثُمَّ إنَّ قَوْلَهُ أوَّلًا: ( كُنْتُمْ أمْواتًا ) وإسْنادُهُ آخِرًا الإماتَةُ إلَيْهِ تَبارَكَ وتَعالى مِمّا يُقَوِّي ذَلِكَ القَوْلَ، وإذا أذْعَنَتْ نُفُوسُ الكُفّارِ لِكَوْنِهِمْ أمْواتًا مَعْدُومِينَ، ثُمَّ لِلْإحْياءِ في الدُنْيا، ثُمَّ لِلْإماتَةِ فِيها قَوِيَ عَلَيْهِمْ لُزُومُ الإحْياءِ الآخَرِ، وجاءَ جَحْدُهم لَهُ دَعْوى لا حُجَّةَ عَلَيْها.
والضَمِيرُ في "إلَيْهِ" عائِدٌ عَلى اللهِ تَعالى، أيْ إلى ثَوابِهِ أو عِقابِهِ، وقِيلَ: هو عائِدٌ عَلى الأحْياءِ، والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "تَرْجِعُونَ" بِضَمِّ التاءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ وابْنُ يَعْمُرَ، وسَلامٌ، والفَيّاضُ بْنُ غَزَوانَ، ويَعْقُوبُ الحَضْرَمِيُّ: "يَرْجِعُونَ، وتَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ والتاءِ حَيْثُ وقَعَ.
و"خَلَقَ" مَعْناهُ: اخْتَرَعَ وأوجَدَ بَعْدَ العَدَمِ، وقَدْ يُقالُ في الإنْسانِ خَلَقَ بَعْدَ إنْشائِهِ شَيْئًا، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ∗∗∗ ـضُ القَوْمِ يُخْلَقُ ثُمَّ لا يَفْرِي وَمِنهُ قَوْلُ الآخَرِ: مَن كانَ يَخْلُقُ ما يَقْوَ ∗∗∗ لُ فَحِيلَتِي فِيهِ قَلِيلَةٌ و"لَكُمْ" مَعْناهُ: لِلِاعْتِبارِ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما قَبْلُهُ وما بَعْدَهُ مِن نَصْبٍ.
العِبَرُ: الإحْياءُ، والإماتَةُ والخَلْقُ، والِاسْتِواءُ إلى السَماءِ، وتَسْوِيَتُها.
وقالَ قَوْمٌ: بَلْ مَعْنى "لَكُمْ" إباحَةُ الأشْياءِ وتَمْلِيكُها، وهَذا قَوْلُ مَن يَقُولُ: إنَّ الأشْياءَ قَبْلَ وُرُودِ السَمْعِ عَلى الإباحَةِ بَيَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وخالَفَهم في هَذا التَأْوِيلِ القائِلُونَ بِالحَظْرِ، والقائِلُونَ بِالوَقْفِ.
وأكْثَرُ القائِلِينَ بِالحَظْرِ اسْتَثْنَوْا أشْياءَ اقْتَضَتْ حالَها مَعَ وُجُودِ الإنْسانِ الإباحَةَ كالتَنَفُّسِ، والحَرَكَةِ، ويَرُدُّ عَلى القائِلِينَ بِالحَظْرِ: كُلُّ حَظْرٍ في القُرْآنِ، وعَلى القائِلِينَ بِالإباحَةِ: كُلُّ تَحْلِيلٍ في القُرْآنِ وإباحَةٍ.
ويَتَرَجَّحُ الوَقْفُ إذا قَدَّرْنا نازِلَةً لا يُوجَدُ فِيها سَمْعٌ ولا تَتَعَلَّقُ بِهِ، ومَعْنى الوَقْفِ: أنَّهُ اسْتِنْفادُ جُهْدِ الناظِرِ فِيما يَحْزُبُ مِنَ النَوازِلِ.
وحَكى ابْنُ فَوْرِكٍ عَنِ ابْنِ الصائِغِ أنَّهُ قالَ: لَمْ يَخْلُ العَقْلُ قَطُّ مِنَ السَمْعِ، ولا نازِلَةٍ إلّا وفِيها سَمْعٌ، أوَّلُها بِهِ تَعَلُّقٌ، أوَّلُها حالٌ تُسْتَصْحَبُ، قالَ: فَيَنْبَغِي أنْ يَعْتَمِدَ عَلى هَذا، ويُغْنِيَ عَنِ النَظَرِ في حَظْرٍ وإباحَةٍ ووَقْفٍ.
و"جَمِيعًا" نُصِبَ عَلى الحالِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى ﴾ ، ثُمَّ هُنا: هي لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ، لا لِتَرْتِيبِ الأمْرِ في نَفْسِهِ، وَ"اسْتَوى": قالَ قَوْمٌ مَعْناهُ: عَلا دُونَ تَكْيِيفٍ ولا تَحْدِيدٍ، هَذا اخْتِيارُ الطَبَرِيِّ، والتَقْدِيرُ: عَلا أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وسُلْطانُهُ، وقالَ ابْنُ كَيْسانَ: مَعْناهُ قُصِدَ إلى السَماءِ، أيْ بِخَلْقِهِ واخْتِراعِهِ، وقِيلَ: مَعْناهُ كَمُلَ صُنْعُهُ فِيها، كَما تَقُولُ اسْتَوى الأمْرُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَلَقٌ.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن قَوْمٍ أنَّ المَعْنى أقْبَلَ، وضَعَّفَهُ.
وحُكِيَ عن قَوْمٍ أنَّ المُسْتَوِيَ هو الدُخّانُ، وهَذا أيْضًا يَأْباهُ رَصْفُ الكَلامِ.
وقِيلَ المَعْنى: اسْتَوْلى، كَما قالَ الشاعِرُ: قَدِ اسْتَوى بِشْرٌ عَلى العِراقِ ∗∗∗ مِن غَيْرِ سَيْفٍ ودَمٍ مِهْراقِ وهَذا إنَّما يَجِيءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلى العَرْشِ اسْتَوى ﴾ والقاعِدَةُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها مَنعُ النَقْلَةِ وحُلُولُ الحَوادِثِ، ويَبْقى اسْتِواءُ القُدْرَةِ والسُلْطانِ.
و"سَوّاهُنَّ"، قِيلَ: المَعْنى جَعَلَهُنَّ سَواءً، وقِيلَ: سَوّى سُطُوحَها بِالإمْلاسِ و"سَبْعَ" نُصِبَ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَمِيرِ، أو عَلى المَفْعُولِ بـ "سَوّى"، بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الجارِّ مِنَ الضَمِيرِ، كَأنَّهُ قالَ: فَسَوّى مِنهُنَّ سَبْعًا.
وقِيلَ: نُصِبَ عَلى الحالِ، وقالَ: "سَوّاهُنَّ" إمّا عَلى أنَّ السَماءَ جَمْعٌ، وإمّا عَلى أنَّهُ مُفْرَدُ اسْمِ جِنْسٍ، فَهو دالٌّ عَلى الجَمْعِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مَعْناهُ: بِالمَوْجُوداتِ، وتَحَقَّقَ عِلْمُهُ بِالمَعْدُوماتِ مِن آياتٍ أُخَرَ.
وَهَذِهِ الآيَةُ تَقْتَضِي أنَّ الأرْضَ وما فِيها خُلِقَ قَبْلَ السَماءِ، وذَلِكَ صَحِيحٌ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ بَعْدَ خَلْقِ السَماءِ، وبِهَذا تَتَّفِقُ مَعانِي الآياتِ هَذِهِ والَّتِي في سُورَةِ (المُؤْمِنِ) وفي (النازِعاتِ).
<div class="verse-tafsir"
﴿ هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الارض جَمِيعاً ﴾ .
هذا، إما استدلال ثاننٍ على شناعة كفرهم بالله تعالى وعلى أنه مما يقضي منه العجب فإن دلائل ربوبية الله ووحدانيته ظاهرة في خلق الإنسان وفي خلق جميع ما في الأرض فهو ارتقاء في الاستدلال بكثرة المخلوقات، وفصْل الجملةِ السابقة يجوز أن يكون لمراعاة كمال الاتصال بين الجملتين لأن هذه كالنتيجة للدليل الأول لأن في خلق الأرض وجميع ما فيها وفي كون ذلك لمنفعة البشر إكمالاً لإيجادهم المشار إليه بقوله: ﴿ وكنتم أمواتاً فأحياكم ﴾ [البقرة: 28] لأن فائدة الإيجاد لا تكمل إلا بإمداد الموجود بما فيه سلامته من آلام الحاجة إلى مقومات وجوده.
ويجوز أن يكون ترك العطف لدفع أن يوهم العطف أن الدليل هو مجموع الأمرين فبترك العطف يعلم أن الدليل الأول مستقل بنفسه وفي الأول بُعد وفي الثاني مخالفة الأصل لأن أصل الفصل أن لا يكون قطعاً على أنه توهم لا يضير.
وإما أن يكون قوله: ﴿ هو الذي خلق ﴾ امتناناً عليهم بالنعم لتسجيل أن إشراكهم كفران بالنعمة أدمج فيه الاستدلال على أنه خالق لما في الأرض من حيوان ونبات ومعادن استدلالاً بما هو نعمة مشاهدة كما أشار إليه قوله: ﴿ لكم ﴾ فيكون الفصل بين الجملتين كما قرر آنفاً، ولم يلتفت إلى ما في هذه الجملة من مغايرة للجملة الأولى بالامتنان لأن ما أدمج فيها من الاستدلال رجح اعتبار الفصل.
والخلق تقدم تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم ﴾ [البقرة: 21].
والأرض اسم للعالم الكروي المشتمل على البر والبحر الذي يعمره الإنسان والحيوان والنبات والمعادن وهي المواليد الثلاثة وهذه الأرض هي موجود كائن هو ظرف لما فيه من أصناف المخلوقات، وحيث إن العبرة كائنة في مشاهدة الموجودات من المواليد الثلاثة، علق الخلق هنا بما في الأرض مما يحتويه ظرفها من ظاهره وباطنه ولم يعلق بذات الأرض لغفلة جل الناس عن الاعتبار ببديع خلقها إلا أن خالق المظروف جدير بخلق الظرف إذ الظرف إنما يقصد لأجل المظروف فلو كان الظرف من غير صنع خالق المظروف للزم إما تأخر الظرف عن مظروفه وفي ذلك إتلاف المظروف، والمشاهدةُ تنفي ذلك، وإما تقدم الظرف وذلك عبث.
فاستفادة أنه خلق الأرض مأخوذة بطريق الفحوى فمن البعيد أن يجَوِّز صاحب «الكشاف» أن يراد بالأرض الجهة السفلية كما يراد بالسماء الجهة العلوية، وبعده من وجهين أحدهما أن الأرض لم تطلق قط على غير الكرة الأرضية إلا مجازاً كما في قول شاعر أنشده صاحب «المفتاح» في بحث التعريف باللام ولم ينسبه هو ولا شارحوه: الناس أرض بكل أرض *** وأنت من فوقهم سماء بخلاف السماء أطلقت على كل ما علا فأظل، والفرق بينهما أن الأرض شيء مشاهد والسماء لا يتعقل إلا بكونه شيئاً مرتفعاً.
الثاني على تسليم القياس فإن السماء لم تطلق على الجهة العليا حتى يصح إطلاق الأرض على الجهة السفلى بل إنما تطلق السماء على شيء عال لا على نفس الجهة.
وجملة: ﴿ هو الذي خلق لكم ﴾ صيغة قصر وهو قصر حقيقي سيق للمخاطبين من المشركين الذين لا شك عندهم في أن الله خالق ما في الأرض ولكنهم نُزلوا منزلةَ الجاهل بذلك فسيق لهم الخبر المحصور لأنهم في كفرهم وانصرافهم عن شكره والنظر في دعوته وعبادته كحال من يجهل أن الله خالق جميع الموجودات.
ونظير هذا قوله: ﴿ أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ﴾ [النحل: 17] ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذباباً ولو اجتمعوا له ﴾ [الحج: 73] فإن المشركين ما كانوا يثبتون لأصنامهم قدرة على الخلق وإنما جعلوها شفعاء ووسائط وعبدوها وأعرضوا عن عبادة الله حق عبادته ونسوا الخلق الملتصق بهم وبما حولهم من الأحياء والمقصود من الكلام فيما أراه موافقاً للبلاغة التذكير بأن الله هو خالق الأرض وما عليها وما في داخلها وأن ذلك كله خلقه بقدر انتفاعنا بها وبما فيها في مختلف الأزمان والأحوال فأُوجز الكلامُ إيجازاً بديعاً بإقحام قوله: ﴿ لكم ﴾ فأَغْنَى عن جملة كاملة فالكلام مسوق مساق إظهار عظيم القدرة وإظهار عظيم المنة على البشر وإظهار عظيم منزلة الإنسان عند الله تعالى، وكل أولئك يقتضي اقتلاع الكفر من نفوسهم.
وفي هذه الآية فائدتان: الأولى: أن لام التعليل دلت على أن خلق ما في الأرض كان لأجل الناس وفي هذا تعليل للخلق وبيان لثمرته وفائدتهِ فتثار عنه مسألةُ تعليل أفعال الله تعالى وتعلقها بالأغراض والمسألة مختلف فيها بين المتكلمين اختلافاً يشبه أن يكون لفظياً فإن جميع المسلمين اتفقوا على أن أفعال الله تعالى ناشئة عن إرادة واختيار وعلى وفق علمه وأن جميعها مشتمل على حِكَم ومصالح وأن تلك الحكم هي ثمرات لأفعاله تعالى ناشئة عن حصول الفعل فهي لأجل حصولها عند الفعل تثمر غايات، هذا كله لا خلاف فيه وإنما الخلاف في أنها أتوصف بكونها أغراضاً وعللاً غائية أم لا؟
فأثبت ذلك جماعة استدلالاً بما ورد من نحو قوله تعالى: ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [الذاريات: 56]، ومنع من ذلك أصحاب الأشعري فيما عزاه إليهم الفخر في «التفسير» مستدلين بأن الذي يفعل لغرض يلزم أن يكون مستفيداً من غرضه ذلك ضرورة أن وجود ذلك الغرض أَوْلَى بالقياس إليه من عدمه، فيكون مستفيداً من تلك الأولوية ويلزم من كون ذلك الغرض سبباً في فعله أن يكون هو ناقصاً في فاعليته محتاجاً إلى حصول السبب.
وقد أجيب بأن لزوم الاستفادة والاستكمال إذا كانت المنفعة راجعة إلى الفاعل، وأما إذا كانت راجعة للغير كالإحسان فَلا، فردَّه الفخر بأنه إذا كان الإحسان أرجح من غيره وأولى لزمت الاستفادة.
وهذا الرد باطل لأن الأرجحية لا تستلزم الاستفادة أبداً بل إنما تستلزم تعلق الإرادة، وإنما تلزم الاستفادةُ لو ادعينا التعين والوجوب.
والحاصل أن الدليل الذي استدلوا به يشتمل على مقدمتين سفسطائيتين أولاهما قولهم إنه لو كان الفعل لغرض للزم أن يكون الفاعل مستكملاً به وهذا سفسطة شُبِّه فيها الغرض النافع للفاعل بالغرض بمعنى الداعي إلى الفعل والراجع إلى ما يناسبه من الكمال لا توقف كماله عليه.
الثانية قولهم إذا كان الفعل لغرض كان الغرض سبباً يقتضي عجز الفاعل وهذا شُبه فيه السبب الذي هو بمعنى الباعث بالسبب الذي يلزم من وجوده الوجود ومن عدمه العدم وكلاهما يطلق عليه سبب.
ومن العجائب أنهم يسلمون أن أفعال الله تعالى لا تخلو عن الثمرة والحكمة ويمنعون أن تكون تلك الحكم عللاً وأغراضاً مع أن ثمرة فعل الفاعل العالم بكل شيء لا تخلو من أن تكون غرضاً لأنها تكون داعياً للفعل ضرورة تحقق علم الفاعل وإرادته.
ولم أدر أي حرج نظروا إليه حين منعوا تعليل أفعال الله تعالى وأغراضها.
ويترجح عندي أن هاته المسألة اقتضاها طرد الأصول في المناظرة، فإن الأشاعرة لما أنكروا وجوب فعل الصلاح والأصلح أَورد عليهم المعتزلة أو قدَّرُوا هُم في أنفسهم أن يُورَد عليهم أن الله تعالى لا يفعل شيئاً إلا لغرض وحكمة ولا تكون الأغراض إلا المصالح فالتزموا أن أفعال الله تعالى لا تناط بالأغراض ولا يعبر عنها بالعلل وينبئ عن هذا أنهم لما ذكروا هذه المسألة ذكروا في أدلتهم الإحسان للغير ورعي المصلحة.
وهنالك سبب آخر لفرض المسألة وهو التنزه عن وصف أفعال الله تعالى بما يوهم المنفعة له أو لغيره وكلاهما باطل لأنه لا ينتفع بأفعاله ولأن الغير قد لا يكون فعلُ الله بالنسبة إليه منفعةً.
هذا وقد نقل أبو إسحاق الشاطبي في «الموافقات» عن جمهور الفقهاء والمتكلمين أن أحكام الله تعالى معللة بالمصالح ودرء المفاسد، وقد جمع الأقوال الشيخ ابن عرفة في «تفسيره» فقال: «هذا هو تعليل أفعال الله تعالى وفيه خلاف وأما أحكامه فمعللة».
الفائدة الثانية: أخذوا من قوله تعالى: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ أن أصل استعمال الأشياء فيما يراد له من أنواع الاستعمال هو الإباحة حتى يدل دليل على عدمها لأنه جعل ما في الأرض مخلوقاً لأجلنا وامتن بذلك علينا وبذلك قال الإمام الرازي والبيضاوي وصاحب «الكشاف» ونسب إلى المعتزلة وجماعة من الشافعية والحنفية منهم الكرخي ونسب إلى الشافعي.
وذهب المالكية وجمهور الحنفية والمعتزلة في نقل ابن عرفة إلى أن الأصل في الأشياء الوقف ولم يروا الآية دليلاً قال ابن العربي في «أحكامه»: «إنما ذكر الله تعالى هذه الآية في معرض الدلالة والتنبيه على طريق العلم والقدرة وتصريف المخلوقات بمقتضى التقدير والإتقان بالعلم» الخ.
والحق أن الآية مجملة قصد منها التنبيه على قدرة الخالق بخلق ما في الأرض وأنه خلق لأجلنا إلا أن خلقه لأجلنا لا يستلزم إباحة استعماله في كل ما يقصد منه بل خلق لنا في الجملة، على أن الامتنان يصدق إذا كان لكل من الناس بعض مما في العالم بمعنى أن الآية ذكرت أن المجموع للمجموع لا كل واحد لكل واحد كما أشار إليه البيضاوي لا سيما وقد خاطب الله بها قوماً كافرين منكراً عليهم كفرهم فكيف يعلمون إباحة أو منعاً، وإنما محل الموعظة هو ما خلقه الله من الأشياء التي لم يزل الناس ينتفعون بها من وجوه متعددة.
وذهب جماعة إلى أن أصل الأشياء الحظر ونقل عن بعض أهل الحديث وبعض المعتزلة فللمعتزلة الأقوال الثلاثة كما قال القرطبي.
قال الحموي في «شرح كتاب الأشباه» لابن نجيم نقلاً عن الإمام الرازي وإنما تظهر ثمرة المسألة في حكم الأشياء أيام الفترة قبل النبوة أي فيما ارتكبه الناس من تناول الشهوات ونحوها ولذلك كان الأصح أن الأمر موقوف وأنه لا وصف للأشياء يترتب من أجله عليها الثواب والعقاب.
وعندي أن هذا لا يحتاج العلماء إلى فرضه لأن أهل الفترة لا شرع لهم وليس لأفعالهم أحكام إلا في وجوب التوحيد عند قوم، وأما بعد ورود الشرع فقد أغنى الشرع عن ذلك فإن وجد فعل لم يدل عليه دليل من نص أو قياس أو استدلال صحيح فالصحيح أن أصل المضار التحريم والمنافع الحل وهذا الذي اختاره الإمام في «المحصول» فتصير للمسألة ثمرة باعتبار هذا النوع من الحوادث في الإسلام.
﴿ ثُمَّ استوى إِلَى السمآء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سموات وَهُوَ بِكُلِّ شَئ عَلِيمٌ ﴾ .
انتقال من الاستدلال بخلق الأرض وما فيها وهو مما علمه ضروري للناس، إلى الاستدلال بخلق ما هو أعظم من خلق الأرض وهو أيضاً قد يُغفل عن النظر في الاستدلال به على وجود الله، وذلك خلق السماوات، ويشبه أن يكون هذا الانتقال استطراداً لإكمال تنبيه الناس إلى عظيم القدرة.
وعَطَفَتْ (ثُمَّ) جملةَ (استوى) على جملة ﴿ خَلَقَ لكم ﴾ .
ولدلالة (ثُمَّ) على الترتيب والمهلة في عطف المفرد على المفرد كانت في عطف الجملة على الجملة للمهلة في الرتبة وهي مهلة تخييلية في الأصل تشير إلى أن المعطوف بثُم أعرق في المعنى الذي تتضمنه الجملة المعطوف عليها حتى كأنَّ العَقْل يتمهل في الوصول إليه بعد الكلام الأول فينتبه السامع لذلك كي لا يغفل عنه بما سمع من الكلام السابق، وشاع هذا الاستعمال حتى صار كالحقيقة، ويسمى ذلك بالترتيب الرتبي وبترتب الإخبار (بكسر الهمزة) كقوله تعالى: ﴿ فلا اقتحم العقبة وما أدراك ما العقبة فَكُّ رقبةٍ ﴾ [البلد: 11 13] إلى أن قال: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ [البلد: 17] فإن قوله: ﴿ فَكُّ رقبة ﴾ خبرُ مبتدأ محذوف ولما كان ذكر هاته الأمور التي يعز إيفاؤها حقها مما يُغفل السامع عن أمر آخر عظيم نُبه عليه بالعطف بثم للإشارة إلى أنه آكد وأهم، ومنه قول طرفة بن العبد يصف راحلته: جَنُوح دِفاق عَنْدَلٌ ثم أُفرِعَت *** لَهَا كَتِفَاها في مُعَالىً مُصَعَّد فإنه لما ذكر من محاسنها جملة نبه على وصف آخر أهم في صفات عنقها وهو طول قامتها قال المرزوقي في «شرح الحماسة» في شرح قول جَعفر بن عُلبة الحارثي: لا يَكْشِفُ الغَمَّاءَ إلاَّ ابنُ حُرَّة *** يَرَى غَمَرَاتتِ المَوْتتِ ثم يزورها إن ثم وإن كان في عطفه المفرد على المفرد يدل على التراخي فإنه في عطفه الجملة على الجملة ليس كذلك وذكر قوله تعالى: ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ ا ه.
وإفادة التراخي الرتبي هو المعتبر في عطف ثم للجمل سواء وافقت الترتيب الوجودي مع ذلك أو كان معطوفها متقدماً في الوجود وقد جاء في الكلام الفصيح ما يدل على معنى البعدية مراداً منه البعدية في الرتبة وإن كان عكس الترتيب الوجودي فتكون البعدية مجازية مبنية على تشبيه البَوْن المعنوي بالبعد المكاني أو الزماني ومنه قوله تعالى: ﴿ همَّاز مَشَّاءٍ بنَميم منَّاععٍ للخير مُعْتَد أثيم عُتُلّ بعدَ ذلك زنيم ﴾ [القلم: 11 13] فإن كونه عُتُلا وزنيماً أسبق في الوجود من كونه همَّازاً مشَاء بنميم لأنهما صفتان ذاتيتان بخلاف هماز مشاء بنميم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالحُ المؤمنين والملائكةُ بعد ذلك ظهير ﴾ [التحريم: 4].
فإذا تمحضت ثم للتراخي الرتبي حملت عليه وإن احتملته مع التراخي الزمني فظاهر قول المرزوقي: «فإنه في عطف الجملة ليس كذلك» إنه لا يَحتمل حينئذٍ التراخي الزمني.
ولكن يظهر جَواز الاحتمالين وذلك حيث يكون المعطوف بها متأخراً في الحصول على ما قبلها وهو مع ذلك أهم كما في بيت جعفر بن عُلبة.
قلت وهو إما مجاز مرسل أو كناية، فإن ألقت (ثم) وأريد منها لازم التراخي وهو البعد التعظيمي كما أريد التعظيم من اسم الإشارة الموضوع للبعيد، والعلاقة وإن كانت بعيدة إلا أنها لشهرتها في كلامهم واستعمالهم ومع القرائن لم يكن هذا الاستعمال مردوداً.
واعلم أني تتبعت هذا الاستعمال في مواضعه فرأيته أكثر ما يرد فيما إذا كانت الجمل إخباراً عن مخبر عنه واحد بخلاف ما إذا اختلف المخبر عنه فإن (ثم) تتعين للمهلة الزمنية كقوله تعالى: ﴿ وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم إلى قوله: ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [البقرة: 84، 85] أي بعد أن أخذنا الميثاق بأزمان صرتم تقتلون أنفسكم ونحو قولك: مرت كتيبة الأنصار ثم مرت كتيبة المهاجرين.
فأما هذه الآية فإنه إذا كانت السماوات متأخراً خلقها عن خلق الأرض فثُم للتراخي الرتبي لا محالة مع التراخي الزمني وإن كان خلق السماوات سابقاً فثُم للترتيب الرتبي لا غير.
والظاهر هو الثاني.
وقد جرى اختلاف بين علماء السلف في مقتضى الأخبار الواردة في خلق السماوات والأرض فقال الجمهور منهم مجاهد والحسن ونسب إلى ابن عباس إن خلق الأرض متقدم على خلق السماء لقوله تعالى هنا: ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ وقوله في سورة حم السجدة (9 11): ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين ﴾ إلى أن قال: ثم استوى إلى السماء وهي دخان.
وقال قتادة والسدي ومقاتل إن خلق السماء متقدم واحتجوا بقوله تعالى: بناها رَفع سمكها فسواها إلى قوله: ﴿ والأرضَ بعد ذلك دحاها ﴾ [النازعات: 27 30].
وقد أجيب بأن الأرض خلقت أولاً ثم خلقت السماء ثم دُحيت الأرض فالمتأخر عن خلق السماء هو دحْو الأرض، على ما ذهب إليه علماء طبقات الأرض من أن الأرض كانت في غاية الحرارة ثم أخذت تبرد حتى جمدت وتكونت منها قشرة جامدة ثم تشققت وتفجرت وهبطت منها أقسام وعلت أقسام بالضغط إلا أن علماء طبقات الأرض يقدرون لحصول ذلك أزمنة متناهية الطول وقدرة الله صالحة لإحداث ما يحصل به ذلك التقلب في أمد قليل بمقارنة حوادث تعجل انقلاب المخلوقات عما هي عليه.
وأرجح القولين هو أن السماء خلقت قبل الأرض لأن لفظ ﴿ بعد ذلك ﴾ أظهر في إفادة التأخر من قوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ ولأن أنظار علماء الهيئة ترى أن الأرض كرة انفصلت عن الشمس كبقية الكواكب السيارة من النظام الشمسي.
وظاهر سفر التكوين يقتضي أن خلق السماوات متقدم على الأرض.
وأحسب أن سلوك القرآن في هذه الآيات أسلوب الإجمال في هذا الغرض لقطع الخصومة بين أصحاب النظريتين.
والسماء إن أريد بها الجو المحيط بالكرة الأرضية فهو تابع لها متأخر عن خلقها، وإن أريد بها الكواكب العلوية وذلك هو المناسب لقوله: ﴿ فسوتهن سبع سموات ﴾ فالكواكب أعظم من الأرض فتكون أسبق خلقاً وقد يكون كل من الاحتمالين ملاحظاً في مواضع من القرآن غير الملاحظ فيها الاحتمال الآخر.
والاستواء أصله الاستقامة وعدم الاعوجاج يقال صراط مستو، واستوى فلان وفلان واستوى الشيء مطاوع سواء، ويطلق مجازاً على القصد إلى الشيء بعزم وسرعة كأنه يسير إليه مستوياً لا يلوي على شيء فيعدى بإلى فتكون (إلى) قرينة المجاز وهو تمثيل، فمعنى استواء الله تعالى إلى السماء تعلق إرادته التنجيزي بإيجادها تعلقاً يشبه الاستواء في التهيئ للعمل العظيم المتقن.
ووزن استوى افتعل لأن السين فيه حرف أصلي وهو افتعال مجازي وفيه إشارة إلى أنه لما ابتدأ خلق المخلوقات خلق السماوات ومن فيها ليكون توطئة لخلق الأرض ثم خلق الإنسان وهو الذي سيقت القصة لأجله.
و (سواهن) أي خلقهن في استقامة، واستقامة الخلق هي انتظامه على وجه لا خلل فيه ولا ثلم.
وبين استوى وسواهن الجناس المحرف.
والسماء مشتقة من السمو وهو العلو واسم السماء يطلق على الواحد وعلى الجنس من العوالم العليا التي هي فوق العالم الأرضي والمراد به هنا الجنس بقرينة قوله: ﴿ فسواهن سبع سماوات ﴾ إذ جعلها سبعاً، والضمير في قوله: ﴿ فسواهن ﴾ عائد إلى (السماء) باعتبار إرادة الجنس لأنه في معنى الجمع وجوز صاحب «الكشاف» أن يكون المراد من السماء هنا جهة العلو، وهو وإن صح لكنه لا داعي إليه كما قاله التفتزاني.
وقد عد الله تعالى في هذه الآية وغيرها السماوات سبعاً وهو أعلم بها وبالمراد منها إلا أن الظاهر الذي دلت عليه القواعد العلمية أن المراد من السماوات الأجرام العلوية العظيمة وهي الكواكب السيارة المنتظمة مع الأرض في النظام الشمسي ويدل لذلك أمور: أحدها: أن السماوات ذكرت في غالب مواضع القرآن مع ذكر الأرض وذكر خلقها هنا مع ذكر خلق الأرض فدل على أنها عوالم كالعالم الأرضي وهذا ثابت للسيارات.
ثانيها: أنها ذكرت مع الأرض من حيث إنها أدلة على بديع صنع الله تعالى فناسب أن يكون تفسيرها تلك الأجرام المشاهدة للناس المعروفة للأمم الدال نظام سيرها وباهر نورها على عظمة خالقها.
ثالثها: أنها وصفت بالسبع وقد كان علماء الهيئة يعرفون السيارات السبع من عهد الكلدان وتعاقب علماء الهيئة من ذلك العهد إلى العهد الذي نزل فيه القرآن فما اختلفوا في أنها سبع.
رابعها: أن هاته السيارات هي الكواكب المنضبط سيرها بنظام مرتبط مع نظام سير الشمس والأرض، ولذلك يعبر عنها علماء الهيئة المتأخرون بالنظام الشمسي فناسب أن تكون هي التي قرن خلقها بخلق الأرض.
وبعضهم يفسر السماوات بالأفلاك وهو تفسير لا يصح لأن الأفلاك هي الطرق التي تسلكها الكواكب السيارة في الفضاء، وهي خطوط فرضية لا ذوات لها في الخارج.
هذا وقد ذكر الله تعالى السماوات سبعاً هنا وفي غير آية، وقد ذكر العرش والكرسي بما يدل على أنهما محيطان بالسماوات وجعل السماوات كلها في مقابلة الأرض وذلك يؤيد ما ذهب إليه علماء الهيئة من عد الكواكب السيارة تسعة وهذه أسماؤها على الترتيب في بعدها من الأرض: نِبْتون، أُورَانوس، زُحَل، المشتري، المريخ، الشمس، الزهرة، عطارد، بلكان.
والأرض في اصطلاحهم كوكب سيار، وفي اصطلاح القرآن لم تعد معها لأنها التي منها تنظر الكواكب وعُد عوضاً عنها القمر وهو من توابع الأرض فعده معها عوض عن عد الأرض تقريباً لأفهام السامعين.
وأما الثوابت فهي عند علماء الهيئة شموس سابحة في شاسع الأبعاد عن الأرض وفي ذلك شكوك.
ولعل الله لم يجعلها سماوات ذات نظام كنظام السيارات السبع فلم يعدها في السماوات أو أن الله إنما عد لنا السماوات التي هي مرتبطة بنظام أرضنا.
وقوله: ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ نتيجة لما ذكره من دلائل القدرة التي لا تصدر إلا من عليم فلذلك قال المتكلمون، إن القدرة يجري تعلقها على وفق الإرادة، والإرادةَ على وفق العلم.
وفيه تعريض بالإنكار على كفرهم والتعجيب منه فإن العليم بكل شيء يقبح الكفر به.
وهذه الآية دليل على عموم العلم وقد قال بذلك جميع الملِّيِّين كما نقله المحقق السلكوتي في «الرسالة الخَاقَانِيَّة» وأنكر الفلاسفة علمه بالجزئيات وزعموا أن تعلق العلم بالجزئيات لا يليق بالعلم الإلهي وهو توهم لا داعي إليه.
وقرأ الجمهور هاء «وهو» بالضم على الأصل، وقرأها قالون وأبو عمرو والكسائي وأبو جعفر بالسكون للتخفيف عند دخول حرف العطف عليه، والسكون أكثر من الضم في كلامهم وذلك مع الواو والفاء ولاممِ الابتداء ووجهه أن الحروف التي هي على حرف واحد إذا دخلت على الكلمة تنزلت منزلة الجزء منها فصارت الكلمة ثقيلة بدخول ذلك الحرف فيها فخففت بالسكون كما فعلوا ذلك في حركة لام الأمر مع الواو والفاء، ومما يدل على أن أفصح لغات العرب إسكان الهاء مِن (هو) إذا دخل عليه حرف، أنك تجده في الشعر فلا يتزن البيت إلا بقراءة الهاء ساكنة ولا تكاد تجد غير ذلك بحيث لا يمكن دَعوى أنه ضرورة.
[ <div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ اسْتَوى إلى السَّماءِ ﴾ أيْ أقْبَلَ عَلَيْها، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ.
والثّانِي: مَعْناهُ: عَمَدَ إلَيْها، وقَصَدَ إلى خَلْقِها.
والثّالِثُ: أنَّ فِعْلَ اللَّهِ تَحَوَّلَ إلى السَّماءِ، وهو قَوْلُ المُفَضَّلِ.
والرّابِعُ: مَعْناهُ: ثُمَّ اسْتَوى أمْرُهُ وصُنْعُهُ الَّذِي صَنَعَ بِهِ الأشْياءَ إلى السَّماءِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والخامِسُ: مَعْناهُ ثُمَّ اسْتَوَتْ بِهِ السَّماءُ.
السّادِسُ: أنَّ الِاسْتِواءَ والِارْتِفاعَ والعُلُوَّ، ومِمَّنْ قالَ بِذَلِكَ: الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ، ثُمَّ اخْتَلَفَ قائِلُو هَذا التَّأْوِيلِ في الَّذِي اسْتَوى إلى السَّماءِ فِعْلًا عَلَيْها عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خالِقُها ومُنْشِئُها.
والثّانِي: أنَّهُ الدُّخانُ، الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِلْأرْضِ سَماءً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً كرامة من الله، ونعمة لابن آدم.
متاعاً وبلغة، ومنفعة إلى أجل.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن مجاهد في قوله: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ قال: سخر لكم ما في الأرض جميعاً ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ قال: خلق الله الأرض قبل السماء، فلما خلق الأرض ثار منها دخان، فذلك قوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ﴾ يقول: خلق سبع سموات بعضهن فوق بعض، وسبع أرضين بعضهن تحت بعض.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسوّاهن سبع سماوات ﴾ قال: إن الله كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئاً قبل الماء، فلما أراد أن يخلق أخرج مي الماء دخاناً، فارتفع فوق الماء، فسما سماء، ثم أيبس الماء فجعله أرضاً فتقها واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين في يومين.
في الأحد والإِثنين، فخلق الأرض على حوت وهو الذي ذكره في قوله: ﴿ ن والقلم ﴾ والحوت من الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي ذكرها لقمان؛ ليست في السماء ولا في الأرض، فتحرك الحوت فاضطرب فتزلزلت الأرض، فأرسى عليها الجبال، فالجبال تفخر على الأرض.
فذلك قوله: ﴿ وجعل لها رواسي أن تميد بكم ﴾ [ النحل: 15] .
وخلق الجبال فيها، وأقوات أهلها، وشجرها، وما ينبغي لها في يومين: في الثلاثاء، والأربعاء، وذلك قوله: ﴿ أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض ﴾ [ فصلت: 9] إلى قوله: ﴿ وبارك فيها ﴾ [ فصلت: 10] يقول: أنبت شجرها، وقدر فيها أقواتها، يقول لأهلها ﴿ في أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ [ فصلت: 10] يقول: من سأل فهكذا الأمر ﴿ ثم استوى إلى السماء وهي دخان ﴾ وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، ثم جعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات في يومين: في الخميس، والجمعة، وإنما سمي يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض ﴿ وأوحى في كل سماء أمرها ﴾ [ فصلت: 12] قال: خلق في كل سماء خلقها من الملائكة، والخلق الذي فيها، من البحار، وجبال، البرد، وما لا يعلم.
ثم زين السماء الدنيا بالكواكب، فجعلها زينة وحفظاً من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش.
وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ يعني خلق سبع سموات قال: أجرى النار على الماء، فبخر البحر، فصعد في الهواء، فجعل السموات منه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي عن أبي العالية في قوله: ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ قال: ارتفع.
وفي قوله: ﴿ فسوّاهن ﴾ قال: سوى خلقهن.
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية عن عبد الله بن عمرو قال: لما أراد الله أن يخلق الأشياء إذ كان عرشه على الماء، وإذ لا أرض ولا سماء.
خلق الريح فسلطها على الماء حتى اضطربت أمواجه، وأثار ركامه، فأخرج من الماء دخاناً وطيناً وزبداً، فأمر الدخان فعلا وسما ونما، فخلق منه السموات، وخلق من الطين الأرضين، وخلق من الزبد الجبال.
وأخرج أحمد والبخاري في التاريخ ومسلم والنسائي وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي في كتاب الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: «أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بيدي فقال: خلق الله التربة يوم السبت، وخلق فيها الجبال يوم الأحد، وخلق الشجر يوم الإِثنين، وخلق المكروه يوم الثلاثاء، وخلق النور يوم الأربعاء، وبث فيها الدواب يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، بعد العصر» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجة وعثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن أبي الدنيا في كتاب المطر وابن أبي عاصم في السنة وأبو يعلى وابن خزيمة في التوحيد وابن أبي حاتم وأبو أحمد والحاكم في الكنى والطبراني في الكبير وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه واللالكائي في السنة والبيهقي في الأسماء والصفات عن العباس بن عبد المطلب قال: «كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدرون كم بين السماء والأرض؟
قلنا: الله ورسوله أعلم!
قال: بينهما مسيرة خمسمائة عام، ومن مسيرة سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة عام، وكثف كل سماء خمسمائة سنة، وفوق السماء السابعة بحر.
بين أعلاه واسفله كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال، بين وركهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض، ثم فوق ذلك العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض، والله سبحانه وتعالى علمه فوق ذلك، وليس يخفى عليه من أعمال بني آدم شيء» .
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده والبزار وأبو الشيخ في العظمة وابن مردويه والبيهقي عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام، كذلك إلى السماء السابعة.
والأرضون مثل ذلك، وما بين السماء السابعة إلى العرش مثل جميع ذلك، ولو حفرتم لصاحبكم ثم دليتموه لوجد الله ثمة يعني علمه» .
وأخرج الترمذي وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «كنا حلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت سحابة فقال: أتدرون ما هذه؟
قالوا: الله ورسوله أعلم فقال: هذه الغبابة، هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى بلد لا يعبدونه ولا يشكرونه.
هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن فوق ذلك سماء.
هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن فوق ذلك موجاً مكفوفاً وسقفاً محفوظاً.
هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن فوق ذلك سماء.
هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن فوق ذلك سماء أخرى.
هل تدرون كم ما بينهما؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن بينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سموات بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن فوق ذلك العرش.
فهل تدرون كم بينهما؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: فإن بيق ذلك كما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما هذه؟
هذه أرض.
هل تدرون ما تحتها؟
قالوا: الله ورسوله أعلم!
قال: أرض أخرى وبينهما مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة عام» .
وأخرج عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه واللالكائي والبيهقي عن ابن مسعود قال: بين السماء والأرض خمسمائة عام، وما بين كل سماءين خمسمائة عام، ومصير كل سماء يعني غلظ ذلك مسيرة خمسمائة عام، وما بين السماء إلى الكرسي مسيرة خمسمائة عام، وما بين ذلك الكرسي والماء مسيرة خمسمائة عام.
والعرش على الماء، والله فوق العرش، وهو يعلم ما أنتم عليه.
وأخرج البيهقي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه نظر إلى السماء فقال: تبارك الله ما أشد بياضها، والثانية أشد بياضاً منها، ثم كذلك حتى بلغ سبع سموات.
وخلق فوق السابعة الماء، وجعل فوق الماء العرش، وجعل فوق السماء الدنيا الشمس، والقمر، والنجوم، والرجوم.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس قال: «قال رجل: يا رسول الله ما هذه السماء؟
قال: هذه موج مكفوف عنكم» .
وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وأبو الشيخ عن الربيع بن أنس قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية مرمرة بيضاء، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوتة حمراء، وما فوق ذلك صحارى من نور، ولا يعلم ما فوق ذلك إلا الله، وملك موكل بالحجب يقال له ميطاطروش.
وأخرج أبو الشيخ عن سلمان الفارسي قال: السماء الدنيا من زمردة خضراء واسمها رقيعاء، والثانية من فضة بيضاء واسمها أزقلون، والثالثة من ياقوتة حمراء واسمها قيدوم، والرابعة من درة بيضاء واسمها ماعونا، والخامسة من ذهبة حمراء واسمها ريقا، والسادسة منق ياقوتة صفراء واسمها دقناء، والسابعة من نور واسمها عربيا.
وأخرج أبو الشيخ عن علي بن أبي طالب قال: اسم السماء الدنيا رقيع، واسم السابعة الصراخ.
وأخرج عثمان بن سعيد الدرامي في كتاب الرد على الجهمية وابن المنذر عن ابن عباس قال: سيد السموات السماء التي فيها العرش، وسيد الأرضين الأرض التي أنتم عليها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الشعبي قال: كتب ابن عباس إلى أبي الجلد يسأله عن السماء من أي شيء هي؟
فكتب إليه: إن السماء من موج مكفوف.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حبة العوفي قال: سمعت علياً ذات يوم يحلف، والذي خلق السماء من دخان وماء.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن كعب قال: السماء أشد بياضاً من اللبن.
وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري قال: تحت الأرضين صخرة، بلغنا أن تلك الصخرة منها خضرة السماء.
وأخرج أبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات الله، فإن بين السماء السابعة إلى كرسيه سبعة لآف نور.
وهو فوق ذلك.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ فسواهن سبع سماوات ﴾ قال: بعضهن فوق بعض، بين كل سماءين مسيرة خمسمائة عام.
أما قوله تعالى: ﴿ وهو بكل شيء عليم ﴾ .
أخرج ابن الضريس عن ابن مسعود قال: إن أعدل آية في القرآن آخرها اسم من أسماء الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (١) وقوله تعالى: ﴿ لَكُمْ ﴾ أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار (٢) (٣) (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ .
أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ (١٣) وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء (١٤) وأقرأني سعيد بن محمد الحيري (١٥) ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ : عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه.
قال: وقول ابن عباس: ﴿ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء (١٦) (١٧) (١٨) وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 218، "تفسير الطبري" 1/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 74.
وكل هذِه "المعاني" التي ذكرها من باب التأويل، والمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.
قال الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة": (وإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟
قيل له: نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) ﴾ ، وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ، وقال: ﴿ بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ﴾ ..) ثم قال: (..
وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحروية: إن قول الله عز وجل: ﴿ الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ﴾ [طه:5]، إنه استولى وملك وقهر، وإن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم ..) "الإبانة عن أصول الديانة" ص 81، انظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص 343، "الرسالة التدمرية" ص 81، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" 5/ 95، 144،136.]].
والأصل في (الاستواء) الاستقامة (١٩) (٢٠) وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) (٢١) (٢٢) وقال الأخفش: استوى (٢٣) (٢٤) (٢٥) وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه (٢٦) (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ .
حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون بالفعل (٢٩) وجمع الكناية (٣٠) ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع (٣١) ﴿ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ .
وكما أنشده (٣٢) أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ ...
دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ (٣٣) ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل (٣٤) (٣٥) ﴿ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ﴾ .
(السبع) عدد المؤنث، والسبعة للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما (٣٦) (٣٧) (٣٨) ولهذا علل كثيرة يذكر (٣٩) (٤٠) وقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد.
وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) والآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا (٤٥) وكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام (٤٦) وذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما (٤٧) (٤٨) (٤٩) وإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) (٥٠) (٥١) (٥٢) ﴿ ثُمَّ هُوَ ﴾ لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف.
والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة (٥٣) (٥٤) ومثل تخفيفهم (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) ﴿ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ ﴾ ، لما كان (تَقِه) (٦٠) ومثل ذلك ما أنشده الخليل: أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ ...
وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) فَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ (٧٢) (٧٣) فـ (رَبْ غَيْ) (٧٤) قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا (٧٥) (١) ذكره أبو الليث عن الكلبي 1/ 309، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، انظر: "الطبري" 1/ 190، وابن كثير 1/ 72.
(٢) في (أ): (الاعتبار)، وما في (ب)، (ج) أصح.
(٣) في (أ)، (ج): (أرى)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.
(٤) في (ج): (عليه).
(٥) في (ج): (إليه).
(٦) وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم.
انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 223، "الكشاف" 1/ 170، "زاد المسير" 1/ 58، "القرطبي" 1/ 216.
(٧) هو أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، بن أبي عمرو النيسابوري، سمع من الأصم وأكثر عنه، كان ثقةً مأمونًا، مات في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة.
انظر: "سير أعلام النبلاء" 17/ 350، "شذرات الذهب" 3/ 220.
(٨) هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب المعقلي المعروف بالأصم، تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٩) في (ج): (ثنا).
(١٠) هو محمد بن الجهم السمري، أبو عبد الله، الكاتب، تلميذ الفراء وراوية كتبه، == كان من أئمة العربية العارفين بها، قال الدارقطني: ثقة، مات سنة سبع وسبعين ومائتين.
انظر تاريخ بغداد 2/ 161، "معجم الأدباء" 18/ 109، "سير أعلام النبلاء" 31/ 163.
(١١) في "معاني القرآن" للفراء (أو) وهو أصح 1/ 25، وانظر "تهذيب اللغة" 2/ 1794.
(١٢) في (أ)، (ج): (يكلمين) غير واضحة المعنى، والتصحيح من "معاني القرآن"، ومن "تهذيب اللغة" 2/ 1794.
(١٣) انتهى ما نقله عن الفراء، وفي "معاني القرآن" قال: (وقال ابن عباس ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ صعد ..
وكل كلام في كلام العرب جائزٌ، انظر: "معاني القرآن" 1/ 25، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.
(١٤) "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.
(١٥) أحد شيوخ الواحدي مضت ترجمته.
(١٦) هذا تأويل وصرف لكلام ابن عباس.
(١٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75، 75، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794، ونص عبارة الواحدي أقرب إلى عبارة "التهذيب".
(١٨) نهاية السقط من نسخة (ب).
(١٩) الاستواء في (كلام العرب) يأتي على وجوه كما مر قريبا في كلام الفراء ومن تلك الوجوه ما ذكره عن ابن عباس: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ : صعد، ثم قال: (وكل في (كلام العرب) جائز) انظر "معاني القرآن" للفراء1/ 25، "تفسير الطبري" 1/ 191، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.
(٢٠) في (ب): (أهل المعاني).
(٢١) في (ب): (واستولى).
(٢٢) قال أبو الحسن الأشعري في (الإبانة): (...
فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها، لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء ....
لأنه قادر على الأشياء مستول عليها ..
لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها ...) "الإبانة عن أصول الديانة" ص 49.
وذكر ابن تيمية اثني عشر وجها في الرد على من فسر ﴿ اسْتَوَى ﴾ معنى (استولى) ومن تلك الوجوه: أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم.
ثم هو ضعيف لغة.
انظر: "مجموع الفتاوى" 5/ 144 - 149.
(٢٣) في (ب): (يقول: أي علا).
(٢٤) في (ب): (يقول) وفي "تهذيب اللغة" (وتقول) 2/ 1794.
(٢٥) انظر كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (لفيف السين) 2/ 1794.
(٢٦) (الواو) ساقطة من (ب).
(٢٧) رجح ابن جرير: أن الاستواء بمعنى العلو، فقال -بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء-: (وأولى المعاني) بقول الله جل ثناؤه: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات.
والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ ﴾ ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه!، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى) أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟
فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له فكذلك، فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا، لقول أهل الحق فيه مخالفا ....) "الطبري" 1/ 192.
ونرى في سياق كلام الطبري أنه رجح في معنى (الاستواء) ما قال به السلف ثم أخذ يحاور المؤوّلين، ومن باب إلزام الحجة لهم قال: (قل: علا عليها علو ملك وسلطان ...) ولا شك أن هذِه العبارة ليس من نهج السلف في الإثبات والله أعلم.
(٢٨) قول ابن عباس: إنه بمعنى صعد، كما ذكر الفراء 1/ 25، وإنما أوله الزجاج بمعنى: يصعد أمره.
انظر.
"معاني القرآن" للزجاج 1/ 75.
(٢٩) قال ابن جرير: ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ يعني هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في (كلام العرب): التقويم والإصلاح والتوطئة ففسر (التسوية) بالاستقامة، انظر "الطبري" 1/ 192، وانظر: "الكشاف" 1/ 271.
(٣٠) الكناية: الضمير.
(٣١) ذكره الزجاج عن الأخفش، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 75، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 217، "معانىِ القرآن" للفراء 1/ 25، وذكر هذا الرأي "الطبري"، وأختار غيره كما يأتي 1/ 193.
(٣٢) في (ب): (أنشد).
(٣٣) البيت لحيان بن جُلْبَة المحاربي، جاهلي ذكره أبو زيد في "نوادره" مع بيت بعده ص 444، وكذا البكري في "معجم ما استعجم" 1/ 137، والسيوطي في "همع الهوامع" 6/ 119.
(٣٤) ذكره عند قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ ﴾ البقرة: 19، ص 547، وقد ذكر هذا الرأي "الطبري" واختاره 1/ 192، والزجاج 1/ 75.
(٣٥) فجمع باعتبار تعدد أجزائها ونواحيها، انظر "الطبري" 1/ 193.
(٣٦) (لما) ساقط من (ب).
(٣٧) في (ب): (تعليقه بعد ذلك).
(٣٨) الأول في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المذكر، والثاني في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المؤنث.
(٣٩) (يذكر) ساقط من (ب)، والأولى للسياق تذكر.
(٤٠) اختلف النحويون في علة ذلك على أقوال كثيرة، انظر بعض هذِه العلل في "جمل الزجاجي" ص 125، "وشرح جمل الزجاجي" لابن عصفور 2/ 30.
(٤١) هذا من التأويل، بل (الاستواء العلو).
(٤٢) في (ب): (وصف).
(٤٣) في (ب): (وهو).
(٤٤) والأولى عموم ذلك، فالذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض، وسوى السموات السبع فأحكمهن واستوى على عرشه، لا يخفى عليه منكم شيء، انظر.
"الطبري" 1/ 195، "تفسير أبي الليث" 1/ 107، "الكشاف" 1/ 271، "القرطبي" 1/ 223.
(٤٥) في هذِه المسألة نزاع بين المفسرين، وقول الجمهور على أن الله خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء، لكن دحو الأرض كان بعد خلق السماء.
وجمع "القرطبي" بين الأقوال بأن الدخان الذي خلقت منه السماء خلق أولا، ثم الأرض ثم سويت السماء من ذلك الدخان ثم دحيت الأرض بعد ذلك، وعلى هذا يدل كلام الواحدي، انظر.
"تفسير الطبري" 1/ 193 - 195، "تفسير أبي الليث" 1/ 107، "زاد المسير" 1/ 58، "الكشاف" 1/ 271، "القرطبي" 1/ 219 - 221، و"ابن كثير" 1/ 72 - 73.
(٤٦) الهاء إذا سبقت بالواو أو الفاء أو اللام أو ثم (وهو، فهو، ولهو، وثم، هو) فابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة يقرؤون بتحريك الهاء في ذلك كله، والكسائي بتخفيف ذلك وإسكان الهاء، وأبو عمرو يسكنها في القرآن ماعدا قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ، فيضم الهاء، وعن نافع روايتان التثقيل والتخفيف، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص 151، "الحجة" لأبي علي 1/ 406، "الكشف" 1/ 234، "التيسير" ص 72، "النشر" 2/ 209.
(٤٧) في (ب): (مما لم).
(٤٨) في (ب): (إذ).
(٤٩) في (ب): (تقسيمها).
(٥٠) في (ب): (العينان).
(٥١) فيقال: (سَبْع) و (عَضْد) بتسكين العين.
انظر: "الحجة" 1/ 407، "الكشف" لمكي 1/ 234.
(٥٢) قوله: (ولا يخففان) يعود على الكسائي وأبي عمرو، والصحيح (ولا يخفف أبو عمرو، أما الكسائي فإنه يخفف (ثم هو) انظر: "الحجة" 1/ 407 - 409، فلعل العبارة تصحيف، أو وهم من المؤلف.
(٥٣) إذا اتصل بالكلمة بخلاف (ثم)، انظر: "الحجة" 1/ 408.
(٥٤) فجعلوا اللام كأنها من بنية الكلمة، وأبدلوها مكان (الراء).
(٥٥) في (ب): (تحقيقهم).
(٥٦) في (ب): (مستحقا).
(٥٧) الأصل في (تفخا) كسر الفاء، وخففت في (مُنْتَفْخاً) بالإسكان.
(٥٨) في جميع النسخ (كيف) والتصحيح من "الحجة" 1/ 408، و (كتف) يخفف في لغة بإسكان الوسط فيقال.
(كَتْف).
(٥٩) وهي قراءة حفص عن عاصم (ويَتَّقْه)، انظر "السبعة" ص 408، "الكشف" 2/ 140.
(٦٠) أي أنه شبه (تقه) (كتف) حيث خفف الثاني بالإسكان.
(٦١) البيت لعمرو الجنبي، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والمولود الذي ليس له == أب هو عيسى ، والذي لم يلده أبوان هو آدم.
والشاهد في البيت (يَلْدَه) أراد لم يلده بسكون الدال، فلما التقى ساكنان اللام والدال حرك الدال بحركة أقرب متحرك منها وهو الياء ففتحها.
ورد البيت في "الكتاب" 2/ 266، "الكامل" 3/ 177، "الحجة" 1/ 66،409، "التكملة" ص 7، "المخصص" 14/ 221، 17/ 63، "الخصائص" 2/ 333، "شرح المفصل" 4/ 48، 9/ 123، 126، "مغنى اللبيب" 1/ 135، "الهمع" 1/ 186، "الخزانة" 2/ 381.
(٦٢) في (أ)، (ج).
(كيف) وأثبت ما في (ب) لأنه الصواب وموافق لما في "الحجة".
(٦٣) في (ب): (لا كان).
(٦٤) في (ب): (هوى).
(٦٥) في (أ)، (ج): (من ها ولا مكان) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصحيح وموافق لما في "الحجة" 1/ 409.
(٦٦) في (ج): (ولم).
ومن خفف هو الكسائي: انظر: "الحجة" 1/ 409.
(٦٧) في (ج): (تقول).
(٦٨) في (ب): (ليس).
(٦٩) في (ب): (أقدموا).
(٧٠) فأدغموا الدال من (يد) في دال (داود) وهما في كلمتين منفصلتين وكذا (جعل لك).
(٧١) وهما في كلمة واحدة.
(٧٢) (غير) ساقطة من (ج) (٧٣) البيت لامرئ القيس وتمامه: إِثْمًا مِنَ الله وَلَاَ واغِل قاله بعد أن أدرك ثأره في أبيه، وكان قد نذر لا يشرب الخمر، فلما أدرك ثأره رأى أنه تحلل من نذره، والمستحقب: المتكسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع.
والبيت من "شواهد سيبويه" 4/ 204، "الحجة" 1/ 117/، 410، 2/ 80، "نوادر أبي زيد" ص187، "الخصائص" 1/ 74، 2/ 317، 340، 3/ 96، "شرح المفصل" 1/ 48، "الهمع" 1/ 187، "الخزانة" 1/ 152، 3/ 463، 4/ 106، 484، 8/ 339، وفي "ديوان امرئ القيس" ص 122، برواية (أسقى) بدل أشرب، وعليه فلا شاهد فيه، وبهذا أخذ المبرد، ولكنه في "الديوان" ص 134، برواية (أَشربْ) والشاهد فيه عند النحويين، تسكين الحرف في أشرب، وحذف الضمة.
(٧٤) في (ب): (على)، وفي "الحجة" فـ (رب غ) أي أنه جعل آخر كلمة (أشرب) مع أول كلية (غير) مثل كلمة واحد كـ (سبع) فأسكن.
(٧٥) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العُذَاِفِر الكندي) وبعده: وهَات بُرَّ البَخْسِ أَوْ دَقِيقَا وفي جميع المصادر (سويقا) بدل (دقيقًا)، أورده أبو زيد في "النوادر" ص 170، وفي "الحجة" لأبي على1/ 67، 410، "التكملة" ص 8، "الخصائص" 2/ 340، 3/ 96، "المنصف" 2/ 237، "اللسان" (بخس) 6/ 25.
وبهذا البيت ينتهي ما نقله الواحدي في هذا الموضع من (الحجة) أبي علي الفارس بتصرف 1/ 407، 410، وانظر: "الحجة في القراءات" لابن خالويه ص 73، "الكشف" لمكي 1/ 234، 235.
<div class="verse-tafsir"
﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض ﴾ دليل على إباحة الانتفاع بما في الأرض ﴿ ثُمَّ استوى ﴾ أي قصد لها والسماء هنا جنس ولأجل ذلك أعاد عليها بعد ضمير الجماعة ﴿ فَسَوَّاهُنَّ ﴾ أي أتقن خلقهن: كقوله: ﴿ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ ﴾ [الإنفطار: 7]، وقيل جعلهنّ سواء.
فائدة: هذه الآية تقتضي أنه خلق السماء بعد الأرض، وقوله: ﴿ والأرض بَعْدَ ذلك دَحَاهَا ﴾ [النازعات: 30] ظاهرة خلاف ذلك، والجواب من وجهين: أحدهما: أن الأرض خلقت قبل السماء، ودحيت بعد ذلك فلا تعارض، والآخر: تكون ثم لترتيب الأخبار.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فأحياكم ﴾ وبابه بالإمالة: علي.
﴿ ترجعون ﴾ بفتح التاء وكسر الجيم كل القرآن: يعقوب.
وهو وبابه بسكون الهاء: أبو جعفر ونافع غير ورش وعلي وأبو عمرو.
الوقوف: ﴿ فأحياكم ﴾ (ج) للعدول أي ثم هو يميتكم مع اتحاد مقصود الكلام ﴿ ترجعون ﴾ (ط) ﴿ سموات ﴾ (ط) ﴿ عليم ﴾ (ه).
التفسير: هذه الآية مسوقة لبيان التعجب من حال الكفرة، وذلك أن الاستفهام من علام الغيوب يمتنع إجراؤه على أصله، فيتولد بمعونة قرائن الأحوال ما ذكرنا.
ووجهه هو أن الكفار حين صدور الكفر منهم لا بد من أن يكونوا على أحد الحالين: إما عالمين بالله وإما جاهلين به فلا ثالثة.
فإذا قيل لهم: كيف تكفرون بالله؟
ومن المعلوم أن "كيف" للسؤال عن الحال وللكفر مزيد اختصاص من بين سائر أحوال الكافر بالعلم بالصانع أو الجهل به، لأنه لا يمكن تصور كفر الكافر بالصانع مع الذهول عن كونه عالماً بالله أو جاهلاً به، بخلاف سائر أحواله المتقابلة كالقعود والقيام والسكون والحركة، فإنه يمكن تصور كفره مع الذهول عنها وإن كان لا ينفك الكافر في الوجود عنها كما لا ينفك من العلم بالصانع أو الجهل به في الوجود.
وتوجه الاستفهام إلى ذلك الذي له مزيد اختصاص فأفاد الاستفهام، أفي حال العلم بالله تكفرون أم في حال الجهل به؟
لكن الجهل بعيد عن العاقل، لأن الحال حال علم بهذه القصة وهي أن كانوا أمواتاً فصاروا أحياء، وسيكون كذا والحال كذا من الإماتة، ثم الإحياء ثم الرجع إليه، فبقي أن يكون الحال حال العلم بالصانع الموجبة للصرف عن الكفر.
فصدور الفعل عمن له صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب وإنكار وتوبيخ فكأنه قيل: ما أعجب كفركم والحال أنكم عالمون بهذه القصة وهي أن كنتم أمواتاً نطفاً في أصلاب آبائكم فجعلكم أحياء ثم يميتكم بعد هذه الحياة!
وهذه مما لا يشك فيها لأنها من المشاهدات، ثم يحييكم حين ينفخ في الصور أو حين تسألون في القبور، ثم إليه أي إلى حكمه ترجعون أي بعد الحشر للثواب والعقاب أو من قبوركم.
وهذه القضايا أيضاً مما لا يشك فيها لنصب الأدلة وإزاحة العلة.
والأموات جمع ميت كالأقوال جمع قيل، وقد يطلق الميت على الجماد كقوله ﴿ بلدة ميتاً ﴾ ويجوز أن يكون استعارة لاجتماعهما في أن لا روح ولا إحساس.
ويحتمل أن يقال: المراد به خمول الذكر كقوله ﴿ هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً ﴾ قال أبو نخيلة السعدي: وأحييت لي ذكري وما كنت خاملاً *** ولكنّ بعض الذكر أنبه من بعض ولا يخفى أن الآية بالنسبة إلى العامة، فأما بعض الناس فقد أماتهم ثلاث مرات ﴿ فأماته الله مائة عام ثم بعثه ﴾ ﴿ فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ﴾ ﴿ ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ﴾ ﴿ وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم ﴾ ﴿ وآتيناه أهله ومثلهم معهم ﴾ واعلم أن هذه الآية دالة على أمور منها: اشتمالها على وجود ما يدل على الصانع القادر العلم الحي السميع البصير الغني عما سواه.
ومنها الدلالة على أنه لا قدرة على الإحياة والإماتة إلا الله، فيبطل قول الدهري ﴿ وما يهلكنا إلا الدهر ﴾ ومنها الدلالة على صحة الحشر والنشر مع التنبيه على الدليل القطعي الدال عليه، لأن الإعادة أهون من الإبداء.
ومنها الدلالة على التكليف والترغيب والترهيب، ومنها الدلالة على وجوب الزهد في الدنيا لأنه قال: ﴿ فأحياكم ﴾ أي بعقب كونكم نطفاً من غير تخلل حالة أخرى بينهما، ثم يميتكم بعد انقضاء مهلة الحياة، ثم بيّن أنه لا يترك على هذا الموت بل لا بد من حياة ثانية للسؤال أو للحشر، ثم من الرجوع إليه للثواب أو العقاب.
فبين أنه بعد ما كان نطفة فإنه أحياه وصوّره أحسن صورة وجعله بشراً سوياً وأكمل عقله وبصره بأنواع المضار والمنافع، وملكه الأموال والأولاد والدور والقصور.
ثم إنه يزيل كل ذلك عنه بأن يميته ويصيره بحيث لا يملك شيئاً ولا يبقى منه في الدنيا خبر ولا أثر، ويبقى مدة مديدة في اللحد ﴿ ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ﴾ \[المؤمنون: 100\] ينادي فلا يجيب، ويستنطق فلا يتكلم، ثم لا يزوره الأقربون بل ينساه الأهل والبنون.
يمرّ أقاربي بحذاء قبري *** كأن أقاربي لم يعرفوني الهي إذا قمنا من ثرى الأجداث مغبرة رؤوسنا شاحبة وجوهنا جائعة بطوننا مثقلة من حمل الأوزار ظهورنا بادية لأهل القيامة سوآتنا، فلا تضغف مصائبنا بإعراضك عنا، يا واسع المغفرة، ويا باسط اليدين بالرحمة.
ولما ذكر الله في الآية الأولى أصل جميع النعم وهو الإحياء الذي من حقه أن يشكر ولا يكفر، أعقبها بذكر ما هو كالأصل لسائر النعم وهو خلق الأرض بما فيها، وخلق السماء.
ومعنى ﴿ لكم ﴾ لأجلكم ولانتفاعكم به في دنياكم وذلك ظاهر، وفي دينكم من النظر في عجائب الصنع الدالة على الصانع القادر الحكيم، ومن التذكير بالآخرة وثوابها وعقابها لاشتماله على أسباب الإنس واللذة من فنون المطاعم والمشارب والفواكه والمناكح والمراكب والمناظر الحسنة البهية، وعلى أسباب الوحشة والألم من النيران والصواعق والسباع والأحناش والسموم والغموم والمخاوف.
فظاهر الآية لا يدل إلا على خلق ما في الأرض لأجلهم دون الأرض.
فإن أريد بالأرض الجهات السفلية دون الغبراء كما يذكر السماء ويراد به الجهات العلوية جاز أن يراد خلق لكم الأرض وما فيها.
و ﴿ جميعاً ﴾ نصب على الحال من الموصول الثاني وهو "ما" أي مجموعة، والمجموع الذي جمع من ههنا وههنا وإن لم يجعل كالشيء الواحد ويندرج فيها جميع البسائط من الماء والهواء والنار وجميع المواليد من المعادن والنبات والحيوان وجميع الصنائع والحرف.
وبعضهم يستدل بهذا على أن الأصل في الأشياء الإباحة عقلاً لكل أحد أن يتناولها ويستنفع بها ويمكن أن يقال بل بهذه الآية وإلا كان تصرفاً في ملك الغير من غير إذنه.
ولا يلزم من أنه خلق ما في الأرض لأجل المكلفين أن يكون فعله معللاً بغرض، وإن كان لا يخلو من فائدة وغاية، وإلا كان عبثاً لأنه لا يلزم من استتباع الفعل الغاية أن تكون تلك الغاية علة لعلية فاعلة، لأن هذا فيما إذا كانت فاعليته ناقصة لتتكمل بتلك الغاية، أما إذا كانت فاعليته تامة فإنه يوجد الشيء ذا الغاية من غير أن تكون تلك الغاية حاملة له على ذلك، وهذا فرق دقيق يتنبه له من يسر عليه قيل: إنه خلق الكل للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلاً، قلنا: قابل الكل بالكل فيقتضي مقابلة الفرد للفرد، والتعيين يستفاد من دليل منفصل.
والاستواء بمعنى الانتصاب ضد الاعوجاج من صفات الأجسام، وإنه منزه عن ذلك.
وأيضاً "ثم" تقتضي التراخي، فلو كان المراد بهذا الاستواء العلو بالمكان لكان ذلك العلو حاصلاً أزلاً ولم يكن متأخراً عن خلق ما في الأرض، فيجب التأويل.
وتقريره أن يقال: استوى العود إذا اعتدل، ثم قيل: استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصداً مستوياً من غير أن يلوي على شيء ومنه استعير قوله ﴿ ثم استوى إلى السماء ﴾ أي قصد إليها بإرادته ومشيئته بعد خلق ما في الأرض من غير أن يريد فيما بين ذلك خلق شيء آخر.
والمراد بالسماء جهات العلو كأنه قيل: ثم استوى إلى فوق، أو هذا كقولك لآخر "اعمل هذا الثوب" وإنما معه غزل.
على أنها كانت دخاناً ثم سواها سبع سموات.
و "ثم" ههنا إما للتراخي في الوقت والمراد أنه حين قصد إلى السماء لم يحدث فيما بين ذلك أي في تضاعيف القصد إليها خلقاً آخر كما قلنا، أو للتفاوت بين الخلقين.
وفضل خلق السموات على خلق الأرض كقوله ﴿ فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر ﴾ \[المؤمنون: 14\] وكقوله ﴿ ثم كان من الذين آمنوا ﴾ وتفسير هذه الآية في قوله ﴿ قل أئِنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أنداداً ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ﴾ يعني تقدير الأرض في يومين، وتقدير الأقوات في يومين، كما يقول القائل: من الكوفة إلى المدينة عشرون يوماً، وإلى مكة ثلاثون يوماً، يريد أن جميع ذلك هو هذا القدر.
ثم استوى إلى السماء في يومين آخرين، ومجموع ذلك ستة أيام كما قال ﴿ خلق السموات والأرض في ستة أيام ﴾ فإن قيل: أما يناقض هذا قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ قلنا: أجاب في الكشاف لا، لأن جرم الأرض تقدم خلقه خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر.
وعن الحسن: خلق الأرض في موضع بيت المقدس كهيئة الفهر عليها دخان ملتزق بها، ثم أصعد الدخان وخلق منه السموات وأمسك الفهر في موضعه وبسط منه الأرض فذلك قوله ﴿ كانتا رتقاً ﴾ وهو الالتزاق، وزيف بأن الأرض جسم عظيم يمتنع انفكاك خلقها عن التدحية.
وأيضاً قوله ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء ﴾ يدل على أن خلق الأرض وخلق ما فيها مقدم على خلق السماء، لأن خلق الأشياء في الأرض لا يمكن إلا إذا كانت مدحوّة.
وقال بعض العلماء في دفع التناقض قوله ﴿ والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ يقتضي تقدم خلق السماء على الأرض، ولا يقتضي أن تكون تسوية السماء مقدمة على خلق الأرض، وزيف أيضاً بأن قوله ﴿ ءأنتم أشد خلقاً أم السماء بناها رفع سمكها فسوّاها.
وأغطش ليلها وأخرج ضحاها.
والأرض بعد ذلك دحاها ﴾ يقتضي أن يكون خلق السماء وتسويتها مقدماً على تدحية الأرض، بل على خلقها لأنهما متلازمان.
وحينئذ يعود التناقض والمعتمد عند بعضهم في دفعه أن يقال "ثم" ليس للترتيب ههنا، وإنما هو على جهة تعديد النعم.
مثاله: أن تقول لغيرك: ألست قد أعطيتك نعماً عظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت عنك الخصوم؟
ولعل بعض ما أخرته في الذكر مقدم في الوقوع.
(قلت): وهذا صحيح معقول من حيث ابتداء الوجود من الأشرف فالأشرف والألطف فالألطف إن ساعده النقل وإلا فلا إحالة في أنه خلق الأرض أولاً في غاية الصغر وجعل فيها أصول الجبال ووضع فيها البركة وقدر الأقوات ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً ثم دحا الأرض بأن جعلها أعظم مما كانت عليه كهيئتها الآن والله أعلم.
والضمير في ﴿ سوّاهن ﴾ ضمير مبهم، و ﴿ سبع سموات ﴾ تفسيره نحو: ربه رجلاً.
وفائدة الإبهام أولاً ثم البيان ثانياً أن الكلام هكذا أوقع في النفس، لأن المحصول بعد الطلب أعز من المنساق بلا تعب.
وقيل: الضمير راجع إلى السماء، والسماء في معنى الجنس.
وقيل: جمع سماءة والوجه العربي هو الأول.
ومعنى تسويتهن تعديل خلقهن وتقويمه وإخلاؤه من العوج والفطور، أو إتمام خلقهن وهو بكل شيء عليم، فمن ثم خلقهن خلقاً مستوياً محكماً من غير تفاوت مع خلق ما في الأرض على حسب الحاجات وكفاء المصالح، ومقتضى الحكمة والتدبير.
وهذا عام لم يدخله التخصيص قط، وبه يهدم بناء من زعم أنه غير عالم بالجزئيات، لأنه لو لم يعرف تفاصيلها لم تكن مخلوقاته على غاية الإتقان والإحكام، ف من خبير يعلم الذرة في الأجواف، والدرة في الأصداف، والقطرة في البحر، والخطرة في النحر، وعلى هذا يدور نظام العالم وبه يحصل قوام مناهج بني آدم.
ثم إن العقل قد يدل على وجود سبع سموات، وتخصيص عدد بالذكر لا يدل على نفي الزائد، فأثبت أهل الأرصاد تسعة أفلاك على ما استقر عليه رأيهم، أولها من الجانب الأعلى للحركة اليومية، لأن هذه الحركة تشمل جميع الأجرام، فيجب أن يكون فلكها حاوياً للكل.
وثانيها للثوابت جميعها تحديداً لأدنى الدرجات لاتحاد الحركات وإن كان كونها على أفلاك شتى جائزاً.
والسبعة الباقية للسيارات السبعة جميع ذلك بوجود اختلاف المنظر وعدمه.
وعلى ترتيب خسف بعضها بعضاً، أولها مما يلينا للقمر وفوقه لعطارد ثم للزهرة ثم للشمس ثم للمريخ ثم للمشتري ثم لزحل.
ونازعهم بعض الناس في زيادة الفلكين الثامن والتاسع فقال: من المحتمل أن تتصل نفس بمجموع السبعة فتحركها حركة الكل، ثم يكون لكل فلك نفس على حدة تحركه حركته الخاصة به، وتكون الثوابت على محدب ممثل زحل مثلاً.
وبالجملة فلم يتبين لأحد من الأوائل والأواخر كمية أعداد السموات على ما هي عليه لا عقلاً ولا سمعاً ﴿ وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر ﴾ .
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .
كأن هذا - والله أعلم - يخرج جواباً على أثر قول قاله الكفرةُ لرسول الله - على ما ذكره بعض أَهل التأْويل - فقالوا: ما يستحي ربك أَن يذكر البعوض والذباب ونحوها مما يصغر في نفسه، وملوكُ الأَرض لا يذكرون ذلك، ويستحيون؟
فقال عز وجل جواباً لقولهم: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَسْتَحْى...
﴾ الآية.
لأَن ملوك الأَرض إنما ينظرون إلى هذه الأَشياءِ بالاسحقار لها، والاستذلال؛ فيستحيون ذكرها على الإنكاف، والأَنَفَة.
والله - عز وجل - لا يستحيى عن ذلك؛ لأَن الأعجوبة في الدلالة على وحدانية الله وربوبيته في خلق الصغير من الجثة والجسم، أَكبر من الكبارِ منها والعظام؛ لأَن الخلائق لو اجتمعوا على تصوير صورة من نحو البعوض والذباب، وتركيب ما يحتاج إليه من الفم والأَنف والرجل واليد والمدخل والمخرج - ما قَدروا، ولعلهم يقدرون على ذلك في العظام من الأَجسام والكبار منها.
فأُولئك لم ينظروا إليها لما فيه من الأعجوبة واللطافة، ولكن نظروا للحقارة، والخساسة أنفاً منهم وإِنكافاً.
ثم اختلف أَهل الكلام في إضافة الحياءِ إِلى الله : فقال قوم: يجوز ذلك بما رُوي في الخبر: "أَن الله يستحيى أَن يعذب من شاب فى الإسلام" ولأنه يجوز كالتكبر، والاستهزاءِ، والمخادعة، وقد ذكرنا الوجه فيما تقدم.
وقال آخرون: لا يجوز إضافته إلى الله ؛ لأَن تحته الإِنكاف والأَنفه، وذلك عن الله مَنْفِيٌّ، ولكن الحياء هو الرضاء هاهنا، والحياء الترك؛ أَي: لا يترك ولا يدع.
وقوله: ﴿ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ﴾ .
أي: علموا أن ضرب المثل بما ذكر من صغار الأَجسام والجثة حق؛ لما نظروا إلى ما فيها من الأُعجوبة والحكمة واللطافة.
وقوله: ﴿ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ .
لم ينظروا فيها لما فيها من الأُعجوبة والحكمة، ولكن نظروا للخساسة والحقارة.
وقوله: ﴿ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً ﴾ .
الآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنه جواب قولهم: ﴿ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَـٰذَا مَثَلاً ﴾ فقال: أَرَاد أَن يضل بهذا المثل كثيراً، وأَراد أن يهدي به كثيراً، أَضل به من علم منه أَنه يختار الضلالة، ويهدي به من علم أَنه يختار الهدى، أراد من كل ما علم منه أَنه يختار ويُؤثر، والله أَعلم.
وهم يقولون: بل أَراد أن يهدي به الكلَّ ولكنهم لم يهتدوا.
والثاني: يُضلُّ به كثيراً؛ أَي: خَلَقَ فِعْلَ الضلالة من الضال، وخلقَ فعل الاهتداءِ من المُهتدِي.
وقد ذكرنا فيما تقدم.
وقوله: ﴿ وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ ٱلْفَٰسِقِينَ ﴾ .
أي: ما يُضِل بهذا المثَل إلا الفاسق الذي لا ينظر إلى ما فيها من الأُعجوبة واللطافة في الدلالة.
وقوله: ﴿ ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ ٱللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَٰقِهِ ﴾ .
عهد الله يكون على وجهين: عهدُ خِلْقةٍ؛ لما يشهد خَلْقه كُلُّ أحدٍ على وحدانية الرب؛ كقوله: ﴿ وَفِيۤ أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ ﴾ .
وكقوله: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِيۤ أَنفُسِهِمْ...
﴾ الآية [الروم: 8].
إنه إن نظر في نفسه وتأَمل عرف أَن له صانعاً وأَنه واحد لا شريك له.
وعَهْدُ رسالةٍ على أَلْسِنة الأَنبياءِ والرسل عليهم السلام؛ كقوله: ﴿ وَقَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...
﴾ الآية [المائدة: 12].
وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية [آل عمران: 187].
فنقضوا العهدين جميعاً؛ عهدَ الخلقة، وعهد الرسالة.
وقوله: ﴿ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ ﴾ .
يَحْتَمِل وجهين: يقطعون الإيمان ببعض الرسل وقد أُمروا بالوصل؛ كقوله: ﴿ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ ﴾ .
وقيل: يقطعون ما أمر الله أَن يوصل من صلة الأرحام.
وقوله: ﴿ وَيُفْسِدُونَ فِي ٱلأرْضِ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: يفسدون بما يأمرون في الأرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ يَأْمُرُونَ بِٱلْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمَعْرُوفِ ﴾ .
وقيل: يفسدون، أي: يتعاطَوْن بِأنفسهم في الأَرض بالفساد؛ كقوله: ﴿ وَيَسْعَوْنَ فِي ٱلأَرْضِ فَسَاداً ﴾ .
وقوله: ﴿ أُولَـۤئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ .
يحتمل أَيضاً وجهين: خسروا لما فات عنهم، وذهب من المنى والأَماني في الدنيا.
ورُوي عن الحسن أَنه قال في قوله: ﴿ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ ﴾ : أي: قذفوا أَنفسهم - باختيارهم الكفر - بين أَطباق النار؛ فذلك هو الخسران المبين.
وقوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: "كيف": من أَين ظهرت لكم الحجةُ أَن تعبدوا من دون الله من الأَصنام وغيرها أَنه حق، ولم يظهر لكم منها الإنشاء بعد الموت، ولا الإِماتةُ بعد الإِحياءِ؟
وقيل: كيف تكفرون بالبعث بعد الموت ﴿ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ يعني نُطَفاً ﴿ فَأَحْيَٰكُمْ ﴾ ، وأَنتم لا تنكرون إنشاء الأَول فكيف تنكرون البعث والإِحياء بعد الموت؟
وقيل: كيف تكفرون بالإِحياءِ والبعث بعد الموت، وفي العقل أن خَلْقَ الخلْق للإِفناءِ والإماتة من غير قصد العاقبةِ عبثٌ ولعبٌ؛ لأَن كل بانٍ بنى للنقض فهو عابث، وكذلك كل ساع فيما لا عاقبة له فهو عابث هازل، فكيف تجعلون فعله عز وجل؛ إذ لو لم يجعل للخلق داراً للجزاءِ، والعقاب كان في خلقه إياهم عابثاً هازلاً خارجاً من الحكمة؟!
عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً.
وقوله: ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ .
أَي: تعلمون أَنكم تُرجَعون إليه، وكذلك المصير والمآب.
والثاني: ترجعون إلى ما أعَدَّ لَكُم من العذاب.
احتج عليهم بما أَخبرهم الله أَنه أَنشأَهم بعد الموتة الأُولى، وأنه يبعثهم بعد الموتة الأُخرى ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ كأَنه يقول: ثم اعلموا أَنكم إليه ترجعون.
قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً ﴾ .
قيل: إنه صلة قوله: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ أي: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأرض ما يدلكم على وحدانيته؛ لأَنه ليس شيء من الأرض إلا وفيه دلالة وحدانيته.
ويحتمل: كيف تكفرون بالذي خلق لكم ما في الأَرض نعيماً من غير أَن كان وجب لكم عليه حق من ذلك لتشكروا لَهُ عليها، فكيف وجََّهتم أنتم الشكر فيها إلى غيره؟
ويحتمل ﴿ خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ ﴾ : محنة يمتحنكم بها في الدنيا؛ كقوله: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ ثم لتجزون في دار أخرى فكيف أنكرتم البعث؟!
وفي بيان حكمةِ خلق الخلق في الدنيا للفناءِ، والإحياء للآخرة - حكمةٌ، وفي إنكارها ذهاب الحكمة.
وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: استوى إلى الدخان؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ ﴾ .
وقيل: استوى: تمَّ؛ كقوله: ﴿ بَلَغَ أَشُدَّهُ وَٱسْتَوَىٰ ﴾ أي: تَمَّ.
وقيل: استوى: أَي: استولى.
والأَصل عندنا في قوله: ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ﴾ و ﴿ ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ عَلَى ٱلْعَرْشِ ﴾ ، وغيرها من الآيات من قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ...
﴾ الآية [الفجر: 22]، وقوله: ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية [البقرة: 210] من الآيات التي ظنت المشبِّهةُ أَن فيها تحقيق وصف الله بما يستحق كثيرٌ من الخلق الوصفَ به على التشابه.
في الحقيقة إنها تحتمل وجوهاً: أحدها: أَنْ نَصِفَهُ بالذي جاء به التنزيل على ما جاء، ونعلم أَنه لا يشبه على ما ذُكر من الفعل فيه بغيره؛ لأنك بالجملة تعتقد أن الله ليس كمثله شيء، وأنه لا يجوز أَن يكون له مثل في شيء؛ إذ لا يوجد حدثه فيه، أَو قدم ذلك الشيء من الوجه الذي أشبه الله.
وذلك مدفوع بالعقل والسمع جميعاً، مع ما لم يجز أَن يقدر الصانع عند الوصف بالفعل كغيره، وأنه حي، قدير، سميع، بصير، نفى ما عليه أمر الخلق لما يصير بذلك أَحد الخلائق.
وإذا بطل هذا بطل التشابه وانتفى، ولزم أَمر السمع والتنزيل على ما أَراد الله.
وبالله التوفيق.
والثاني: أَن يمكن فيه معان تُخرِج الكلام مَخْرج الاختصار والاكتفاءِ بمواضع إفهام في تلك المواضع على إتمام البيان، وذلك نحو قوله: ﴿ وَجَآءَ رَبُّكَ وَٱلْمَلَكُ ﴾ أَي: بالملك.
وذلك كقوله: ﴿ فَٱذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ...
﴾ أَي: بربك ﴿ فَقَاتِلاۤ ﴾ ؛ إذ معلوم أَنّه يقاتل بربه؛ ففهم منه ذلك.
وكذلك معلم أَن الملائكة يأتُون، فكأنه بين ذلك.
يدل عليه قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ ، وكذلك ﴿ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ ٱللَّهُ...
﴾ الآية: [البقرة: 210].
ومما يوضح أَنه لم يكن أَحدٌ اعتقد أَو تصوَّر في وهْمِه النظرُ لإتيان الربِّ ومجيئه، ولا كان بنزوله وعد بنظر.
وكان بِنزولِ الملائِكة؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَىٰ...
﴾ الآية [الفرقان: 22]، وقوله: ﴿ مَا نُنَزِّلُ ٱلْمَلائِكَةَ إِلاَّ بِٱلحَقِّ وَمَا كَانُواْ إِذاً مُّنظَرِينَ ﴾ .
فيما ذكرنا عظيمُ أَمرهم، وجليلُ شأْنهم، ومثله في قوله: ﴿ ٱلرَّحْمَـٰنُ عَلَى ٱلْعَرْشِ ٱسْتَوَىٰ ﴾ مع ما له وجهان: أَحدهما: أَن يكون معنى العرش الْملك والاستواءُ التام الذي لا يوصف بنقصان في ملك، أَو الاستيلاءُ عليه، وألا سلطان لغيره، ولا تدبير لأَحد فيه.
والثاني: أَن يكون العرش أَعلى الخلق وأَرفعه.
وكذلك تقدرُه الأَوهام؛ فيكون موصوفاً بعلوه على التعالي عن الأمكنة، وأَنه على ما كان قبل كون الأَمكنة، وهو فوق كل شيءٍ؛ أي بالغلبة، والقدرة، والجلال عن الأَمكنة، ولا قوة إلا بالله.
وأَصله ما ذكرنا: ألا نُقَدِّرَ فعلَه بفعل الخلق، ولا وصفه بوصف الخلق؛ لأَنه أخبر أنه ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .
مرة قال: ﴿ فَسَوَّٰهُنَّ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ خَلَقَ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ ، ومرة قال: ﴿ فَقَضَٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ ﴾ الآية [فصلت: 12]، ومرة قال: ﴿ بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
وكله يرجع إلى واحد.
<div class="verse-tafsir"
والله وحده الَّذي خلق لكم جميع ما في الأرض من أنهار وأشجار وغير ذلك مما لا يُحْصَى عدده، وأنتم تنتفعون به وتستمتعون بما سخَّره لكم، ثم ارتفع على السماء فخلقهن سبع سماوات مستويات، وهو الَّذي أحاط علمه بكل شيء.
من فوائد الآيات من كمال النعيم في الجنّة أن ملذاتها لا يكدرها أي نوع من التنغيص، ولا يخالطها أي أذى.
الأمثال التي يضربها الله تعالى لا ينتفع بها إلا المؤمنون؛ لأنهم هم الذين يريدون الهداية بصدق، ويطلبونها بحق.
من أبرز صفات الفاسقين نقضُ عهودهم مع الله ومع الخلق، وقطعُهُم لما أمر الله بوصله، وسعيُهُم بالفساد في الأرض.
الأصل في الأشياء الإباحة والطهارة؛ لأن الله تعالى امتنَّ على عباده بأن خلق لهم كل ما في الأرض.
<div class="verse-tafsir" id="91.WgqGj"
الكلام متصل بما قبله ومرتبط به ارتباطًا محكمًا والخطاب للفاسقين الذين يضلون بالمثل فإنه وصفهم أولًا بنقض العهد الإلهي الموثق، وقطع ما أمر به سبحانه أن يوصل، سواء كان الأمر أمرَ تكوين وهو السنن الكونية، أو أمر تشريع وهو الديانة السماوية، ثم بعد هذا البيان جاء بهذا الاستفهام التعجبي عن صفة كفرهم مقترنًا بالبرهان الناصع على أنه لا وجه له، ولا شبهة تسوغ الإقامة عليه فقال ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾ ؟
أي بأي صفة من صفات الكفر بالله تعالى تأخذون وعلى أية شبهة فيه تعتمدون، وحالكم في موتيكم وحياتيكم تأبى عليكم ذلك، ولا تدع لكم عذرًا فيه؟
وبين هذه الحال بقوله ﴿ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ﴾ أي والحال أنكم كنتم قبل هذه النشأة الأولى من حياتكم الدنيا أمواتًا منبثة أجزاؤكم في الأرض، بعضها في طبقتها الجامدة وبعضها في طبقتها السائلة وبعضها في طبقتها الغازية (الهوائية) لا فرق في ذلك بينها وبين أجزاء سائر الحيوان والنبات، فخلقكم أطوارًا من سلالة من طين، فكنتم بالطور الأخير في أحسن تقويم، وفضلكم على غيركم بما وهبكم من العقل والإدراك وما سخر لكم من الكائنات ﴿ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ﴾ يقبض الروح الحي الذي به نظام حياتكم هذه فتنحل أبدانكم بمفارقته إياها وتعود إلى أصلها الميت وتنبث في طبقات الأرض وتدغم في عوالمها، حتى ينعدم هذا الوجود الخاص به ﴿ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ﴾ حياة ثانية كما أحياكم بعد الموتة الأولى بلا فرق إلا ما تكون به الحياة الثانية أرقى في مرتبة الوجود وأكمل لمن يزكون أنفسهم في تلك، وأدنى منها وأسفل فيمن يدسونها ويفسدون فطرتها ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ﴾ ﴿ ثُمَّ إلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ فينبئكم بما عملتم، ويحاسبكم على ما قدمتم، ويجازيكم به.
وأقول: إن تراخي الإرجاع إلى الله تعالى عن حياة البعث عبارة عن تأخير الحساب والجزاء وطول زمن الوقوف والانتظار كما ورد في حديث الشفاعة العظمى وغيره.
فإذا كان هذا شأنكم معه وهذا فضله عليكم، وهذا مبدأكم وذلك منتهاكم، فكيف تكفرون به وتنكرون عليه أن يضرب لكم مثلًا تهتدون به، ويبعث فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياته ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون من قيام مصالحكم في حياتكم الأولى، وسعادتكم في حياتكم الأخرى؟
لا يقال كيف يحتج عليهم بالحياة الثانية قبل الإيمان بالوحي الذي هو دليلها ومثبتها، لأنه احتجاج على مجموع الناس بما عليه الأكثرون منهم، ولا عبرة بالشذاذ المنكرين للبعث في هذا المقام، لأن الاحتجاج بالحياة الأولى بعد الموتة الأولى كاف للتعجب من كفرهم بالله وإنكارهم عليه أن يضرب مثلًا ما لهداية الناس زعمًا أن هذا لا يليق بعظمته، فإن من أوجد هذا الإنسان الكريم، وجعله في أحسن تقويم، وركب صورته من تلك الذرات الصغيرة، والنطفة المهينة الحقيرة، والعلقة الدموية أو الدودية، والمضغة اللحمية، ﴿ لا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾ .
والكلام مسوق لإبطال شبه منكري المثل والقرآن الذي جاء به، لا لإبطال شبه منكري البعث بلوامع شهبه، ثم عن تمثيل إحدى الحياتين بعد الموت بالأخرى داحض لحجة من يزعم عدم إمكان الثانية، لأن ما جاز في أحد المثلين جاز في الآخر، والكلام في إثبات الوحي الإلهي للنبي المرسل من البشر والإيمان بالبعث تابع له.
ثم بعد بيان بعض آياته في أنفسهم بذكر المبدأ والمنتهي ذكرهم بآياته في الآفاق فقال ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ ، فالكلام على اتصاله وترتيبه، وانتظام جواهره في سلك أسلوبه، فليس في قوله كيف تكفرون إلخ، انتقال لإثبات البعث كما قال بعض المفسرين غفلة عن هذا الاتصال المتين، ولعمري إن وجوه الاتصال بين الآيات، وما فيها من دقائق المناسبات، لهي ضرب من ضروب البلاغة، وفن من فنون الإعجاز، إذا أمكن للبشر الإشراف عليه، فلا يمكنهم البلوغ إليه، والكلام في البعث في القرآن كثير جدًا فلا حاجة إلى الإسراع إليه هنا.
يصور لنا قوله تعالى ﴿ خَلَقَ لَكُم ﴾ قدرته الكاملة، ونعمه الشاملة، وأي قدرة أكبر من قدرة الخالق؟
وأي نعمة أكمل من جعل كل ما في الأرض مهيئًا لنا، ومعدًا لمنافعنا؟
وللانتفاع بالأرض طريقان: (أحدهما): الانتفاع بأعيانها في الحياة الجسدية.
(وثانيهما): النظر والاعتبار بها في الحياة العقلية، والأرض هي ما في الجهة السفلى، أي ما تحت أرجلنا، كما أن المراد بالسماء كل ما في الجهة العليا أي فوق رؤوسنا، وإننا ننتفع فيه بعقولنا بالاستدلال به على قدرة مبدعه وحكمته.
والتعبير يفي بتناول ما في جوف الأرض من المعادن بالنص الصريح.
قال تعالى ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ ﴾ يقال استوى إلى الشيء إذا قصد إليه قصدًا مستويًا خاصًا به لا يلوي على غيره.
وقال الراغب: إذا تعدى استوى بإلى اقتضى الانتهاء إلى الشيء، إما بالذات وإما بالتدبير، والمراد أن إرادته توجهت إلى مادة السماء كما قال في سورة فصلت ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إلَى السَّمَاءِ وهِيَ دُخَانٌ ﴾ إلخ ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ فأتم خلقهن من تلك المادة الدخانية، فجعلهن سبع سموات تامات منتظمات الخلق.
وهذا الترتيب يوافق ما كان معروفًا عند اليهود عن سيدنا موسى من أن الله تعالى خلف الأرض أولًا، ثم خلق السموات والنور، ولا مانع من الأخذ بظاهر الآية، فإن الخلق غير التسوية، ألا ترى أن الإنسان في طور النطفة والعلقة يكون مخلوقًا ولكنه لا يكون بشرًا سويًا في أحسن تقويم كما يكون عند إنشائه خلقًا آخر، وسنبين إن شاء الله تعالى عند تفسير قوله تعالى ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ﴾ أن العالم كان شيئًا واحدًا ثم فصله الله تعالى بالخلق تفصيلًا، وقدره تقديرًا، فلا مانع إذن من أن يكون خلق الأرض وما فيها سابقًا على تسوية السماء سبعًا، نعم إن هذا من أسرار الخلقة التي لا نعرفها وربما يتوهم أن هذه الآية تناقض أو تخالف قوله تعالى بعد ذكر خلق السماء وأنوارها ﴿ والأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾ والجواب عنه من وجهين: أحدهما-أن البعدية ليست بعدية الزمان ولكنها البعدية في الذكر، وهي معروفة في كلام العرب وغيرهم، فلا بعد في أن نقول فعلت كذا لفلان وأحسنت عليه بكذا وبعد ذلك ساعدته في عمل كذا كما تقول وزيادة على ذلك ساعدته في عمله، تريد نوعًا آخر من أنواع الإحسان من غير ملاحظة التأخر في الزمان.
ثانيهما-أن الذي كان بعد خلق السماء هو دحو الأرض أي جعلها ممهدة مدحوة قابلة للسكنى والاستعمار لا مجرد خلقها وتقدير أقواتها فيها، وخلق الله وتقديره لم ينقطع من الأرض ولا ينقطع منها ما دامت، وكذلك يقال في غيرها.
وحاصل القول إن الله تعالى خلق هذه الأرض وهذه السماوات التي فوقنا بالتدريج، وما أشهدنا خلقهن، وإنما ذكر لنا ما ذكره للاستدلال على قدرته وحكمته، وللامتنان علينا بنعمته، لا لبيان تاريخ تكوينهما بالترتيب، لأن هذا ليس من مقاصد الدين، فابتداء الخلق غير معروف، ولا ترتيبه، إلا أن تسوية السماء سبع سماوات يظهر أنه كان بعد تكوين الأرض، ويظهر أن السماء كانت موجودة إلا أنها لم تكن سبعًا، ولذلك ذكر الاستواء إليها وقال ﴿ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ ﴾ فنؤمن بأنه فعل ذلك لحكم يعلمها، وقد عرض علينا ذلك لنتدبر ونتفكر، فمن أراد أن يزداد علمًا فليطلبه من البحث في الكون، وعليه بدراسة ما كتب الباحثون فيه من قبل، وما اكتشف المكتشفون من شؤونه، وليأخذ من ذلك بما قام عليه الدليل الصحيح لا بما يتخرص به المتخرصون ويخترعونه من الأوهام والظنون، وحسبه أن الكتاب أرشده إلى ذلك وأباحه له.
هذه الإباحة للنظر والبحث في الكون، بل هذا الإرشاد إليها بالصيغ التي تبعث الهمم وتشوق النفوس ككون كل ما في الأرض مخلوقًا لنا محبوسًا على منافعنا هو مما امتاز به الإسلام في ترقية الإنسان، فقد خاطبنا القرآن بهذا على أن أهل الكتاب كانوا متفقين في تقاليدهم وسيرتهم العملية على أن العقل والدين ضدان لا يجتمعان، والعلم والدين خصمان لا يتفقان، وأن جميع ما يستنتجه العقل خارجًا عن نص الكتاب فهو باطل.
ولذلك جاء القرآن يلح أشد الإلحاح بالنظر العقلي، والتفكر والتدبر والتذكر، فلا تقرأ منه قليلًا إلا وتراه يعرض عليك الأكوان ويأمرك بالنظر فيها واستخراج أسرارها واستجلاء حكم اتفاقها واختلافها ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ ﴾ ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الخَلْقَ ﴾ ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا ﴾ ﴿ أَفَلا يَنظُرُونَ إلَى الإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة جدًا.
وإكثار القرآن من شيء دليل على تعظيم شأنه ووجوب الاهتمام به، ومن فوائد الحث على النظر في الخليقة للوقوف على أسرارها بقدر الطاقة، واستخراج علومها لترقية النوع الإنساني الذي خلقت هي لأجله- مقاومة تلك التقاليد الفاسدة التي كان عليها أهل الكتاب فأودت بهم وحرمتهم من الانتفاع بما أمر الله الناس أن ينتفعوا به.
كانت أوروبا المسيحية في غمرة من الجهل، وظلمات من الفتن، تسيل الدماء فيها أنهارًا لأجل الدين، وباسم الدين وللإكراه على الدين، ثم فاض طوفان تعصبها على المشرق ورجعت بعد الحروب الصليبية تحمل قبسًا من دين الإسلام وعلوم أهله، فظهر فيهم بعد ذلك قوم قالوا: إن لنا الحق في أن نتفكر، وأن نعلم أو نستدل، فحاربهم الدين ورجاله حربًا عوانًا انتهت بظفر العلم ورجاله بالدين ورجاله، وبعد غسل الدماء المسفوكة قام منذ مائتي سنة إلى اليوم رجال منهم يسمون هذه المدنية القائمة على دعائم العلم: المدنية المسيحية، ويقولون بوجوب محق سائر الأديان ومحوها بعد انهزامها من أمام الدين المسيحي لأنها لا تتفق مع العلم وفي مقدمتها الدين الإسلامي، وحجتهم على ذلك حال المسلمين، نعم إن المسلمين أصبحوا وراء الأمم كلها في العلم حتى سقطوا في جاهلية أشد جهلًا من الجاهلية الأولى، فجهلوا الأرض التي هم عليها، وضعفوا عن استخراج منافعها، فجاء الأجنبي يتخطفها من بين أيديهم وهم ينظرون وكتابهم قائم على صراطه يصيح بهم ﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ﴾ .
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ ﴾ ﴿ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ الآية وأمثال ذلك ولكنهم ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾ ..
إلا من رحم الله، ولو عقلوا لعادوا، ولو عادوا لاستفادوا، وبلغوا ما أرادوا، وها نحن أولاء نذكرهم بكلام الله لعلهم يرجعون، ولا نيأس من روح الله ﴿ إنَّهُ لا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إلاَّ القَوْمُ الكَافِرُونَ ﴾ .
ثم ختم الآية بقوله ﴿ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ أي فهو المحيط بكيفية التكوين وحكمته، وبما ينفع الناس بيانه، وإذا كان العاقل يدرك أن هذا النظام المحكم لا يكون إلا من عليم حكيم فكيف يصح له أن ينكر عليه أن يرسل من يشاء من خلقه لهداية من شاء من عباده؟
فهذا الآخر يتصل بأول الآية في تقرير رسالة النبي وإبطال شبه الذين أنكروا أن يكون البشر رسولًا، والذين أنكروا أن يكون من العرب رسول، لأن قصارى ذلك كله اعتراض الجاهلين، على من هو بكل شيء عليم.
<div class="verse-tafsir"