الآية ٣٠ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٠ من سورة البقرة

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّى جَاعِلٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ خَلِيفَةًۭ ۖ قَالُوٓا۟ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّىٓ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 364 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم ، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم ، فقال تعالى : ( وإذ قال ربك للملائكة ) أي : واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة ، واقصص على قومك ذلك .

وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [ وهو أبو عبيدة ] أنه زعم أن " إذ " هاهنا زائدة ، وأن تقدير الكلام : وقال ربك .

ورده ابن جرير .

قال القرطبي : وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج : هذا اجتراء من أبي عبيدة .

( إني جاعل في الأرض خليفة ) أي : قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل ، كما قال تعالى : ( وهو الذي جعلكم خلائف الأرض ) [ الأنعام : 165 ] وقال ( ويجعلكم خلفاء الأرض ) [ النمل : 62 ] .

وقال ( ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون ) [ الزخرف : 60 ] .

وقال ( فخلف من بعدهم خلف ) [ مريم : 59 ] .

[ وقرئ في الشاذ : " إني جاعل في الأرض خليقة " حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي ] .

وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم - عليه السلام - فقط ، كما يقوله طائفة من المفسرين ، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل ، وفي ذلك نظر ، بل الخلاف في ذلك كثير ، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره ، والظاهر أنه لم يرد آدم عينا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك ، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمإ مسنون [ أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس فيما يقع بينهم من المظالم ، ويرد عنهم المحارم والمآثم ، قاله القرطبي ] أو أنهم قاسوهم على من سبق ، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك .

وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ، ولا على وجه الحسد لبني آدم ، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [ وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول ، أي : لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقا .

قال قتادة : وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا : ( أتجعل فيها ) الآية ] وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ، يقولون : يا ربنا ، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء ، فإن كان المراد عبادتك ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، أي : نصلي لك كما سيأتي ، أي : ولا يصدر منا شيء من ذلك ، وهلا وقع الاقتصار علينا ؟

قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) أي : إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم ؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء ، والصالحون والعباد ، والزهاد والأولياء ، والأبرار والمقربون ، والعلماء العاملون والخاشعون ، والمحبون له تبارك وتعالى المتبعون رسله ، صلوات الله وسلامه عليهم .

وقد ثبت في الصحيح : أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم : كيف تركتم عبادي ؟

فيقولون : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون .

وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر ، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال عليه السلام : يرفع إليه عمل الليل قبل النهار ، وعمل النهار قبل الليل فقولهم : أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) وقيل : معنى قوله جوابا لهم : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها ، وقيل : إنه جواب لقولهم : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) فقال : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) أي : من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به .

وقيل : بل تضمن قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) طلبا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم ، فقال الله تعالى لهم : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم .

ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة ، والله أعلم .

ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه : قال ابن جرير : حدثني القاسم بن الحسن قال : حدثنا الحسين قال : حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ، ومبارك ، عن الحسن وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة ، قالوا : قال الله للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قال لهم : إني فاعل .

وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك .

وقال السدي : استشار الملائكة في خلق آدم .

رواه ابن أبي حاتم ، قال : وروي عن قتادة نحوه .

وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل ، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن ، والله أعلم .

( في الأرض ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو سلمة ، حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب ، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : دحيت الأرض من مكة ، وأول من طاف بالبيت الملائكة ، فقال الله : إني جاعل في الأرض خليفة ، يعني مكة .

وهذا مرسل ، وفي سنده ضعف ، وفيه مدرج ، وهو أن المراد بالأرض مكة ، والله أعلم ، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك .

( خليفة ) قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟

قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا .

قال ابن جرير : فكان تأويل الآية على هذا : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) مني ، يخلفني في الحكم بين خلقي ، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه .

وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه .

قال ابن جرير : وإنما [ كان تأويل الآية على هذا ] معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا .

قال : والخليفة الفعيلة من قولك ، خلف فلان فلانا في هذا الأمر : إذا قام مقامه فيه بعده ، كما قال تعالى : ( ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون ) [ يونس : 14 ] .

ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة ؛ لأنه خلف الذي كان قبله ، فقام بالأمر مقامه ، فكان منه خلفا .

قال : وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم .

قال ابن جرير : وحدثنا أبو كريب ، حدثنا عثمان بن سعيد ، حدثنا بشر بن عمارة ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، قال : أول من سكن الأرض الجن ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء ، وقتل بعضهم بعضا .

قال : فبعث الله إليهم إبليس ، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال .

ثم خلق آدم وأسكنه إياها ، فلذلك قال : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) .

وقال سفيان الثوري ، عن عطاء بن السائب ، عن ابن سابط : ( إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) قال : يعنون [ به ] بني آدم .

وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله عز وجل خلق إلا الملائكة ، والأرض ليس فيها خلق ، قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها [ ويسفك الدماء ] ؟

!

وقد تقدم ما رواه السدي ، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة : أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرية آدم ، فقالت الملائكة ذلك .

وتقدم آنفا ما رواه الضحاك ، عن ابن عباس : أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم ، فقالت الملائكة ذلك ، فقاسوا هؤلاء بأولئك .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن بكير بن الأخنس ، عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة ، فأفسدوا في الأرض ، وسفكوا الدماء ، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم ، حتى ألحقوهم بجزائر البحور ، فقال الله للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟

قال : إني أعلم ما لا تعلمون .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع ، عن أبي العالية في قوله : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) إلى قوله : ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) [ البقرة : 33 ] قال : خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس ، وخلق آدم يوم الجمعة ؛ فكفر قوم من الجن ، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم ، فكانت الدماء بينهم ، وكان الفساد في الأرض ، فمن ثم قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) كما أفسدت الجن ( ويسفك الدماء ) كما سفكوا .

قال ابن أبي حاتم : وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا مبارك بن فضالة ، حدثنا الحسن ، قال : قال الله للملائكة : ( إني جاعل في الأرض خليفة ) قال لهم : إني فاعل .

فآمنوا بربهم ، فعلمهم علما وطوى عنهم علما علمه ولم يعلموه ، فقالوا بالعلم الذي علمهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ؟

( قال إني أعلم ما لا تعلمون ) قال الحسن : إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء ، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون ، فقالوا بالقول الذي علمهم .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) كان [ الله ] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فذلك حين قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام الرازي ، حدثنا ابن المبارك ، عن معروف ، يعني ابن خربوذ المكي ، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول : السجل ملك ، وكان هاروت وماروت من أعوانه ، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب ، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما كان فيه من الأمور ، فأسر ذلك إلى هاروت وماروت ، وكانا من أعوانه ، فلما قال تعالى : ( إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) قالا ذلك استطالة على الملائكة .

وهذا أثر غريب .

وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الباقر ، فهو نقله عن أهل الكتاب ، وفيه نكارة توجب رده ، والله أعلم .

ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط ، وهو خلاف السياق .

وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم - أيضا - حيث قال : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن أبي عبد الله ، حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير ، قال : سمعت أبي يقول : إن الملائكة الذين قالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) كانوا عشرة آلاف ، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم .

وهذا - أيضا - إسرائيلي منكر كالذي قبله ، والله أعلم .

قال ابن جريج : إنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم ، فقالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) وقال ابن جرير : وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) ؛ لأن الله أذن لهم في السؤال عن ذلك ، بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم ، فسألته الملائكة ، فقالت على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم !

؟

فأجابهم ربهم : ( إني أعلم ما لا تعلمون ) يعني : أن ذلك كائن منهم ، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض من ترونه لي طائعا .

قال : وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك ، فكأنهم قالوا : يا رب خبرنا ، مسألة [ الملائكة ] استخبار منهم ، لا على وجه الإنكار ، واختاره ابن جرير .

وقال سعيد عن قتادة قوله : ( وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) فاستشار الملائكة في خلق آدم ، فقالوا : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ) وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ) فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، قال : وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا ، فابتلوا بخلق آدم ، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال : ( ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ) [ فصلت : 11 ] .

وقوله تعالى : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : التسبيح : التسبيح ، والتقديس : الصلاة .

وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود - وعن ناس من الصحابة : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) قال : يقولون : نصلي لك .

وقال مجاهد : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) قال : نعظمك ونكبرك .

وقال الضحاك : التقديس : التطهير .

وقال محمد بن إسحاق : ( ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ) قال : لا نعصي ولا نأتي شيئا تكرهه .

وقال ابن جرير : التقديس : هو التعظيم والتطهير ، ومنه قولهم : سبوح قدوس ، يعني بقولهم : سبوح ، تنزيه له ، وبقولهم : قدوس ، طهارة وتعظيم له .

ولذلك قيل للأرض : أرض مقدسة ، يعني بذلك المطهرة .

فمعنى قول الملائكة إذا : ( ونحن نسبح بحمدك ) ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهل الشرك بك ) ونقدس لك ) ننسبك إلى ما هو من صفاتك ، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك .

[ وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟

قال : ما اصطفى الله لملائكته : سبحان الله وبحمده وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى ] .

( قال إني أعلم ما لا تعلمون ) قال قتادة : فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة ، وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى : ( قال إني أعلم ما لا تعلمون ) وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما يختلفون فيه ، ويقطع تنازعهم ، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم ، ويقيم الحدود ، ويزجر عن تعاطي الفواحش ، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام ، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر ، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم ، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب ، أو بتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر ، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع ، والله أعلم ، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف ، وقد نص عليه الشافعي .

وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة ؟

فيه خلاف ، فمنهم من قال : لا يشترط ، وقيل : بلى ويكفي شاهدان .

وقال الجبائي : يجب أربعة وعاقد ومعقود له ، كما ترك عمر رضي الله عنه الأمر شورى بين ستة ، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف ، ومعقود له وهو عثمان ، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين ، وفي هذا نظر ، والله أعلم .

ويجب أن يكون ذكرا حرا بالغا عاقلا مسلما عدلا مجتهدا بصيرا سليم الأعضاء خبيرا بالحروب والآراء قرشيا على الصحيح ، ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافا للغلاة الروافض ، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا ؟

فيه خلاف ، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله عليه الصلاة والسلام : إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان وهل له أن يعزل نفسه ؟

فيه خلاف ، وقد عزل الحسن بن علي نفسه وسلم الأمر إلى معاوية لكن هذا لعذر وقد مدح على ذلك .

فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله عليه الصلاة والسلام : من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنا من كان .

وهذا قول الجمهور ، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد ، منهم إمام الحرمين ، وقالت الكرامية : يجوز نصب إمامين فأكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة ، قالوا : وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة ؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف ، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما ، وتردد إمام الحرمين في ذلك ، قلت : وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وإذ قال ربك القول في تأويل قوله تعالى : { وإذ قال ربك } قال أبو جعفر : زعم بعض المنسوبين إلى العلم بلغات العرب من أهل البصرة أن تأويل قوله : { وإذ قال ربك } وقال ربك , وأن " إذ " من الحروف الزوائد , وأن معناها الحذف .

واعتل لقوله الذي وصفنا عنه في ذلك ببيت الأسود بن يعفر : فإذا وذلك لامهاه لذكره والدهر يعقب صالحا بفساد ثم قال : ومعناها : وذلك لامهاه لذكره .

وببيت عبد مناف بن ربع الهذلي : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا كما تطرد الجمالة الشردا وقال : معناه : حتى أسلكوهم .

قال أبو جعفر : والأمر في ذلك بخلاف ما قال ; وذلك أن " إذ " حرف يأتي بمعنى الجزاء , ويدل على مجهول من الوقت , وغير جائز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام .

إذ سواء قيل قائل هو بمعنى التطول , وهو في الكلام دليل على معنى مفهوم .

وقيل آخر في جميع الكلام الذي نطق به دليلا على ما أريد به وهو بمعنى التطول .

وليس لمدعي الذي وصفنا قوله في بيت الأسود بن يعفر , أن " إذا " بمعنى التطول وجه مفهوم ; بل ذلك لو حذف من الكلام لبطل المعنى الذي أراده الأسود بن يعفر من قوله : فإذا وذلك لامهاه لذكره وذلك أنه أراد بقوله : فإذا الذي نحن فيه , وما مضى من عيشنا .

وأشار بقوله ذلك إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لامهاه لذكره , يعني لا طعم له ولا فضل , لإعقاب الدهر صالح ذلك بفساد .

وكذلك معنى قول عبد مناف بن ربع : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة شلا .

.

................

لو أسقط منه " إذا " بطل معنى الكلام ; لأن معناه : حتى إذا أسلكوهم في قتائدة سلكوا شلا .

فدل قوله : " وأسلكوهم شلا " على معنى المحذوف , فاستغني عن ذكره بدلالة " إذا " عليه , فحذف .

كما قد ذكرنا فيما مضى من كتابنا على ما تفعل العرب في نظائر ذلك , وكما قال النمر بن تولب : فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينما وهو يريد : أينما ذهب .

وكما تقول العرب : أتيتك من قبل ومن بعد ; تريد : من قبل ذلك ومن بعد ذلك .

فكذلك ذلك في " إذا " كما يقول القائل : إذا أكرمك أخوك فأكرمه وإذا لا فلا ; يريد : وإذا لم يكرمك فلا تكرمه .

ومن ذلك قول الآخر : فإذا وذلك لا يضرك ضره في يوم أسأل نائلا أو أنكد نظير ما ذكرنا من المعنى في بيت الأسود بن يعفر .

وكذلك معنى قول الله جل ثناؤه : { وإذ قال ربك للملائكة } لو أبطلت " إذ " وحذفت من الكلام , لاستحال عن معناه الذي هو به وفيه " إذ " .

فإن قال قائل : فما معنى ذلك ؟

وما الجالب ل " إذ " , إذ لم يكن في الكلام قبله ما يعطف به عليه ؟

قيل له : قد ذكرنا فيما مضى أن الله جل ثناؤه خاطب الذين خاطبهم بقوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم } بهذه الآيات والتي بعدها موبخهم مقبحا إليهم سوء فعالهم ومقامهم على ضلالهم مع النعم التي أنعمها عليهم وعلى أسلافهم , ومذكرهم بتعديد نعمه عليهم وعلى أسلافهم بأسه أن يسلكوا سبيل من هلك من أسلافهم في معصية الله , فيسلك بهم سبيلهم في عقوبته ; ومعرفهم ما كان منه من تعطفه على التائب منهم استعتابا منه لهم .

فكان مما عدد من نعمه عليهم , أنه خلق لهم ما في الأرض جميعا , وسخر لهم ما في السموات من شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من منافعها التي جعلها لهم ولسائر بني آدم معهم منافع , فكان في قوله : { كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون } معنى : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم , إذ خلقتكم ولم تكونوا شيئا , وخلقت لكم ما في الأرض جميعا , وسويت لكم ما في السماء .

ثم عطف بقوله : { وإذ قال ربك للملائكة } على المعنى المقتضى بقوله : { كيف تكفرون بالله } إذ كان مقتضيا ما وصفت من قوله : اذكروا نعمتي إذ فعلت بكم وفعلت , واذكروا فعلي بأبيكم آدم , إذ قلت للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة .

فإن قال قائل : فهل لذلك من نظير في كلام العرب نعلم به صحة ما قلت ؟

قيل : نعم , أكثر من أن يحصى , من ذلك قول الشاعر : أجدك لن ترى بثعيلبات ولا بيدان ناجية ذمولا ولا متدارك والشمس طفل ببعض نواشغ الوادي حمولا فقال : ولا متدارك , ولم يتقدمه فعل بلفظ يعطف عليه , ولا حرف معرب إعرابه فيرد " متدارك " عليه في إعرابه .

ولكنه لما تقدمه فعل مجحود ب " لن " يدل على المعنى المطلوب في الكلام وعلى المحذوف , استغني بدلالة ما ظهر منه عن إظهار ما حذف , وعامل الكلام في المعنى والإعراب معاملته أن لو كان ما هو محذوف منه ظاهرا .

لأن قوله : أجدك لن ترى بثعيلبات بمعنى : أجدك لست براء , فرد " متداركا " على موضع " ترى " كأن " لست " والباء موجودتان في الكلام , فكذلك قوله : { وإذ قال ربك } لما سلف قبله تذكير الله المخاطبين به ما سلف قبلهم وقبل آبائهم من أياديه وآلائه , وكان قوله : { وإذ قال ربك للملائكة } مع ما بعده من النعم التي عددها عليهم ونبههم على مواقعها , رد " إذ " على موضع : { وكنتم أمواتا فأحياكم } لأن معنى ذلك : اذكروا هذه من نعمي , وهذه التي قلت فيها للملائكة .

فلما كانت الأولى مقتضية " إذ " عطف ب " إذ " على موضعها في الأولى كما وصفنا من قول الشاعر في " ولا متدارك " .للملائكة القول في تأويل قوله تعالى : { للملائكة } قال أبو جعفر : والملائكة جمع ملك , غير أن واحدهم بغير الهمز أكثر وأشهر في كلام العرب منه بالهمز , وذلك أنهم يقولون في واحدهم ملك من الملائكة , فيحذفون الهمز منه , ويحركون اللام التي كانت مسكنة لو همز الاسم .

وإنما يحركونها بالفتح , لأنهم ينقلون حركة الهمزة التي فيه بسقوطها إلى الحرف الساكن قبلها , فإذا جمعوا واحدهم ردوا الجمع إلى الأصل وهمزوا , فقالوا : ملائكة .

وقد تفعل العرب نحو ذلك كثيرا في كلامها , فتترك الهمز في الكلمة التي هي مهموزة فيجري كلامهم بترك همزها في حال , وبهمزها في أخرى , كقولهم : رأيت فلانا , فجرى كلامهم بهمز رأيت , ثم قالوا : نرى وترى ويرى , فجرى كلامهم في يفعل ونظائرها بترك الهمز , حتى صار الهمز معها شاذا مع كون الهمز فيها أصلا .

فكذلك ذلك في ملك وملائكة , جرى كلامهم بترك الهمز من واحدهم , وبالهمز في جميعهم .

وربما جاء الواحد مهموزا كما قال الشاعر : فلست لإنسي ولكن لملأك تحدر من جو السماء يصوب وقد يقال في واحدهم : مألك , فيكون ذلك مثل قولهم : جبذ وجذب , وشأمل وشمأل , وما أشبه ذلك من الحروف المقلوبة .

غير أن الذي يجب إذا سمي واحدهم مألك , أن يجمع إذ جمع على ذلك : مالك , ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا , ولكنهم قد يجمعون ملائك وملائكة , كما يجمع أشعث : أشاعث وأشاعثة , ومسمع : مسامع ومسامعة .

قال أمية بن أبي الصلت في جمعهم كذلك : وفيها من عباد الله قوم ملائك ذللوا وهم صعاب وأصل الملأك : الرسالة , كما قال عدي بن زيد العبادي أبلغ النعمان عني ملأكا أنه قد طال حبسي وانتظاري وقد ينشد " مألكا " على اللغة الأخرى , فمن قال : ملأكا , فهو مفعل من لأك إليه يلأك : إذا أرسل إليه رسالة ملأكة .

ومن قال : مألكا , فهو مفعل من ألكت إليه آلك : إذا أرسلت إليه مألكة وألوكا , كما قال لبيد بن ربيعة : وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سأل فهذا من ألكت .

ومنه قول نابغة بني ذبيان : ألكني يا عيين إليك قولا ستهديه الرواة إليك عني وقال عبد بني الحسحاس : ألكني إليها عمرك الله يا فتى بآية ما جاءت إلينا تهاديا يعني بذلك : أبلغها رسالتي .

فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة , لأنها رسل الله بينه وبين أنبيائه ومن أرسلت إليه من عباده .إني جاعل في الأرض القول في تأويل قوله تعالى : { إني جاعل في الأرض } اختلف أهل التأويل في قوله : { إني جاعل } , فقال بعضهم : إني فاعل .

ذكر من قال ذلك : 500 - حدثنا القاسم بن الحسن , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن جرير بن حازم , ومبارك عن الحسن , وأبي بكر , يعني الهذلي عن الحسن وقتادة , قالوا : قال الله للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة } قال لهم : إني فاعل .

وقال آخرون : إني خالق .

ذكر من قال ذلك : 501 - حدثت عن المنجاب بن الحارث قال : حدثنا بشر بن عمارة عن أبي روق , قال : كل شيء في القرآن " جعل " فهو خلق .

قال أبو جعفر : والصواب في تأويل قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } أي مستخلف في الأرض خليفة ومصير فيها خلفا , وذلك أشبه بتأويل قول الحسن وقتادة .

وقيل إن الأرض التي ذكرها الله في هذه الآية هي مكة .

ذكر من قال ذلك : 502 - حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا جرير , عن عطاء , عن ابن سابط أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " دحيت الأرض من مكة .

وكانت الملائكة تطوف بالبيت , فهي أول من طاف به , وهي الأرض التي قال الله : { إني جاعل في الأرض خليفة } , وكان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون أتى هو ومن معه فعبدوا الله بها حتى يموتوا , فإن قبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام "خليفة القول في تأويل قوله تعالى : { خليفة } والخليفة الفعيلة , من قولك : خلف فلان فلانا في هذا الأمر إذا قام مقامه فيه بعده , كما قال جل ثناؤه : { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون } 10 14 يعني بذلك : أنه أبدلكم في الأرض منهم فجعلكم خلفاء بعدهم ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم : خليفة , لأنه خلف الذي كان قبله , فقام بالأمر مقامه , فكان منه خلفا , يقال منه : خلف الخليفة يخلف خلافة وخليفا , وكان ابن إسحاق يقول بما : 503 - حدثنا به ابن حميد , قال : حدثنا سلمة , عن ابن إسحاق : { إني جاعل في الأرض خليفة } يقول : ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلقا ليس منكم .

وليس الذي قال ابن إسحاق في معنى الخليفة بتأويلها , وإن كان الله جل ثناؤه إنما أخبر ملائكته أنه جاعل في الأرض خليفة يسكنها , ولكن معناها ما وصفت قبل .

فإن قال لنا قائل : فما الذي كان في الأرض قبل بني آدم لها عامرا فكان بنو آدم بدلا منه وفيها منه خلفا ؟

قيل : قد اختلف أهل التأويل في ذلك .

504 - فحدثنا أبو كريب , قال : حدثنا عثمان بن سعيد , قال : حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : أول من سكن الأرض الجن , فأفسدوا فيها , وسفكوا فيها الدماء , وقتل بعضهم بعضا .

قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة , فقتلهم إبليس ومن معه , حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال ; ثم خلق آدم فأسكنه إياها , فلذلك قال : { إني جاعل في الأرض خليفة } .

فعلى هذا القول إني جاعل في الأرض خليفة من الجن يخلفونهم فيها فيسكنونها ويعمرونها .

505 - وحدثني المثنى قال : حدثنا إسحاق , قال : حدثنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع بن أنس في قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } الآية , قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء , وخلق الجن يوم الخميس , وخلق آدم يوم الجمعة , فكفر قوم من الجن , فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم , فكانت الدماء وكان الفساد في الأرض .

وقال آخرون في تأويل قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } أي خلفا يخلف بعضهم بعضا , وهم ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم , ويخلف كل قرن منهم القرن الذي سلف قبله .

وهذا قول حكي عن الحسن البصري , ونظير له ما : 506 - حدثني به محمد بن بشار , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب , عن ابن سابط في قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } قال : يعنون به بني آدم .

507 - وحدثني يونس قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد قال الله للملائكة : إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا , وأجعل فيها خليفة , وليس لله يومئذ خلق إلا الملائكة والأرض ليس فيها خلق .

وهذا القول يحتمل ما حكي عن الحسن , ويحتمل أن يكون أراد ابن زيد أن الله أخبر الملائكة أنه جاعل في الأرض خليفة له , يحكم فيها بين خلقه بحكمه , نظير ما : 508 - حدثني به موسى بن هارون , قال : حدثنا عمرو بن حماد , قال : حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن الله جل ثناؤه قال للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة } قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟

قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا .

فكان تأويل الآية على هذه الرواية التي ذكرناها عن ابن مسعود وابن عباس : إني جاعل في الأرض خليفة مني يخلفني في الحكم بين خلقي , وذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه .

وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقها فمن غير خلفائه , ومن غير آدم ومن قام مقامه في عباد الله ; لأنهما أخبرا أن الله جل ثناؤه قال لملائكته إذ سألوه : ما ذاك الخليفة : إنه خليفة يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا .

فأضاف الإفساد وسفك الدماء بغير حقها إلى ذرية خليفته دونه وأخرج منه خليفته .

وهذا التأويل وإن كان مخالفا في معنى الخليفة ما حكي عن الحسن من وجه , فموافق له من وجه .

فأما موافقته إياه فصرف متأوليه إضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها إلى غير الخليفة .

وأما مخالفته إياها فإضافتهما الخلافة إلى آدم بمعنى استخلاف الله إياه فيها , وإضافة الحسن الخلافة إلى ولده بمعنى خلافة بعضهم بعضا , وقيام قرن منهم مقام قرن قبلهم , وإضافة الإفساد في الأرض وسفك الدماء إلى الخليفة .

والذي دعا المتأولين قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } في التأويل الذي ذكر عن الحسن إلى ما قالوا في ذلك أنهم قالوا إن الملائكة إنما قالت لربها إذ قال لهم ربهم : { إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } إخبارا منها بذلك عن الخليفة الذي أخبر الله جل ثناؤه أنه جاعله في الأرض لا غيره ; لأن المحاورة بين الملائكة وبين ربها عنه جرت .

قالوا : فإذا كان ذلك كذلك , وكان الله قد برأ آدم من الإفساد في الأرض وسفك الدماء وطهره من ذلك , علم أن الذي عنى به غيره من ذريته , فثبت أن الخليفة الذي يفسد في الأرض ويسفك الدماء هو غير آدم , وأنهم ولده الذين فعلوا ذلك , وأن معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا غيرهم لما وصفنا .

وأغفل قائلو هذه المقالة ومتأولو الآية هذا التأويل سبيل التأويل , وذلك أن الملائكة إذ قال لها ربها : { إني جاعل في الأرض خليفة } لم تضف الإفساد وسفك الدماء في جوابها ربها إلى خليفته في أرضه , بل قالت : { أتجعل فيها من يفسد فيها } , وغير منكر أن يكون ربها أعلمها أنه يكون لخليفته ذلك ذرية يكون منهم الإفساد وسفك الدماء , فقالت : يا ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ؟

كما قال ابن مسعود وابن عباس , ومن حكينا ذلك عنه من أهل التأويل .قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء القول في تأويل قوله تعالى : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } قال أبو جعفر : إن قال قائل : وكيف قالت الملائكة لربها إذ أخبرها أنه جاعل في الأرض خليفة : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ولم يكن آدم بعد مخلوقا ولا ذريته , فيعلموا ما يفعلون عيانا ؟

أعلمت الغيب فقالت ذلك , أم قالت ما قالت من ذلك ظنا , فذلك شهادة منها بالظن وقول بما لا تعلم , وذلك ليس من صفتها , فما وجه قيلها ذلك لربها ؟

قيل : قد قالت العلماء من أهل التأويل في ذلك أقوالا ; ونحن ذاكرو أقوالهم في ذلك , ثم مخبرون بأصحها برهانا وأوضحها حجة .

فروي عن ابن عباس في ذلك ما : 509 - حدثنا به أبو كريب , قال : حدثنا عثمان بن سعيد , قال : حدثنا بشر بن عمارة , عن أبي روق , عن الضحاك , عن ابن عباس , قال : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة , يقال لهم " الحن " خلقوا من نار السموم من بين الملائكة , قال : وكان اسمه الحارث .

قال : وكان خازنا من خزان الجنة .

قال : وخلقت الملائكة كلهم من نور غير هذا الحي .

قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار , وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذ ألهبت .

قال : وخلق الإنسان من طين , فأول من سكن الأرض الجن , فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء , وقتل بعضهم بعضا .

قال : فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة , وهم هذا الحي الذين يقال لهم " الحن " فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال .

فلما فعل إبليس ذلك اغتر في نفسه , وقال : قد صنعت شيئا لم يصنعه أحد .

قال : فاطلع الله على ذلك من قلبه , ولم تطلع عليه الملائكة الذين كانوا معه ; فقال الله للملائكة الذين معه : { إني جاعل في الأرض خليفة } فقالت الملائكة مجيبين له : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } كما أفسدت الجن وسفكت الدماء ؟

وإنما بعثنا عليهم لذلك .

فقال : { إني أعلم ما لا تعلمون } يقول : إني قد اطلعت من قلب إبليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره , قال : ثم أمر بتربة آدم فرفعت , فخلق الله آدم من طين لازب - واللازب : اللزج الصلب من حمأ مسنون - منتن .

قال : وإنما كان حمأ مسنونا بعد التراب .

قال : فخلق منه آدم بيده .

قال فمكث أربعين ليلة جسدا ملقى , فكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل - أي فيصوت - قال : فهو قول الله : { من صلصال كالفخار } 55 14 يقول : كالشيء المنفوخ الذي ليس بمصمت , قال : ثم يدخل في فيه ويخرج من دبره , ويدخل من دبره ويخرج من فيه , ثم يقول : لست شيئا !

للصلصلة , ولشيء ما خلقت !

لئن سلطت عليك لأهلكنك , ولئن سلطت علي لأعصينك .

قال : فلما نفخ الله فيه من روحه , أتت النفخة من قبل رأسه , فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحما ودما .

فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده , فأعجبه ما رأى من حسنه , فذهب لينهض فلم يقدر , فهو قول الله : { وكان الإنسان عجولا } 17 11 قال : ضجرا لا صبر له على سراء ولا ضراء .

قال : فلما تمت النفخة في جسده عطس فقال : الحمد لله رب العالمين , بإلهام من الله تعالى .

فقال الله له : يرحمك الله يا آدم .

قال : ثم قال الله للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات : اسجدوا لآدم !

فسجدوا كلهم أجمعون إلا إبليس أبى واستكبر لما كان حدث به نفسه من كبره واغتراره , فقال : لا أسجد له وأنا خير منه وأكبر سنا وأقوى خلقا , خلقتني من نار وخلقته من طين .

يقول : إن النار أقوى من الطين .

قال : فلما أبى إبليس أن يسجد أبلسه الله , وآيسه من الخير كله , وجعله شيطانا رجيما عقوبة لمعصيته , ثم علم آدم الأسماء كلها , وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وحمار , وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .

ثم عرض هذه الأسماء على أولئك الملائكة , يعني الملائكة الذين كانوا مع إبليس الذين خلقوا من نار السموم , وقال لهم : { أنبئوني بأسماء هؤلاء } يقول : أخبروني بأسماء هؤلاء { إن كنتم صادقين } إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة .

قال : فلما علمت الملائكة مؤاخذة الله عليهم فيما تكلموا به من علم الغيب الذي لا يعلمه غيره الذي ليس لهم به علم , قالوا : سبحانك !

تنزيها لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره , تبنا إليك لا علم لنا إلا ما علمتنا !

تبريا منهم من علم الغيب , إلا ما علمتنا كما علمت آدم .

فقال : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم } يقول : أخبرهم بأسمائهم { فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم } أيها الملائكة خاصة { إني أعلم غيب السموات والأرض } ولا يعلمه غيري { وأعلم ما تبدون } يقول : ما تظهرون { وما كنتم تكتمون } يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية , يعني ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار .

وهذه الرواية عن ابن عباس تنبئ عن أن قول الله جل ثناؤه : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرص خليفة } خطاب من الله جل ثناؤه لخاص من الملائكة دون الجميع , وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكة كانوا قبيلة إبليس خاصة , الذين قاتلوا معه جن الأرض قبل خلق آدم .

وأن الله إنما خصهم بقيل ذلك امتحانا منه لهم وابتلاء ليعرفهم قصور علمهم وفضل كثير ممن هو أضعف خلقا منهم من خلقه عليهم , وأن كرامته لا تنال بقوى الأبدان وشدة الأجسام كما ظنه إبليس عدو الله .

ويصرح بأن قيلهم لربهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } كانت هفوة منهم ورجما بالغيب , وأن الله جل ثناؤه أطلعهم على مكروه ما نطقوا به من ذلك , ووقفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطقوا من رجم الغيب بالظنون , وتبرءوا إليه أن يعلم الغيب غيره , وأظهر لهم من إبليس ما كان منطويا عليه من الكبر الذي قد كان عنهم مستخفيا .

وقد روي عن ابن عباس خلاف هذه الرواية , وهو ما : 510 - حدثني به موسى بن هارون قال : حدثنا عمرو بن حماد , قال : حدثنا أسباط عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس , وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : لما فرغ الله من خلق ما أحب , استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا , وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن ; وإنما سموا الجن لأنهم خزان الجنة .

وكان إبليس مع ملكه خازنا , فوقع في صدره كبر وقال : ما أعطاني الله هذا إلا لمزية لي - هكذا قال موسى بن هارون , وقد حدثني به غيره وقال : لمزية لي على الملائكة - فلما وقع ذلك الكبر في نفسه , اطلع الله على ذلك منه فقال الله للملائكة : { إني جاعل في الأرض خليفة } قالوا : ربنا وما يكون ذلك الخليفة ؟

قال : يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا { قالوا } ربنا { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } يعني من شأن إبليس .

فبعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها , فقالت الأرض : إني أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني !

فرجع ولم يأخذ وقال : رب إنها عاذت بك فأعذتها .

فبعث الله ميكائيل , فعاذت منه فأعاذها , فرجع فقال كما قال جبريل .

فبعث ملك الموت , فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره .

فأخذ من وجه الأرض وخلط , فلم يأخذ من مكان واحد , وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ; فلذلك خرج بنو آدم مختلفين , فصعد به فبل التراب حتى عاد طينا لازبا - واللازب : هو الذي يلتزق بعضه ببعض - ثم ترك حتى أنتن وتغير , وذلك حين يقول : { من حمأ مسنون } 15 28 قال : منتن , ثم قال للملائكة { إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين } 38 71 : 72 فخلقه الله بيديه لكيلا يتكبر إبليس عليه ليقول له : تتكبر عما عملت بيدي ولم أتكبر أنا عنه ؟

فخلقه بشرا , فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة .

فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه , وكان أشدهم منه فزعا إبليس , فكان يمر فيضربه , فيصوت الجسد كما يصوت الفخار وتكون له صلصلة , فذلك حين يقول : { من صلصال كالفخار } 55 14 ويقول لأمر ما خلقت !

ودخل فيه فخرج من دبره , فقال للملائكة : لا ترهبوا من هذا , فإن ربكم صمد وهذا أجوف , لئن سلطت عليه لأهلكنه !

فلما بلغ الحين الذي يريد الله جل ثناؤه أن ينفخ فيه الروح , قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له !

فلما نفخ فيه الروح , فدخل الروح في رأسه عطس , فقالت له الملائكة : قل الحمد لله !

فقال : الحمد لله , فقال له الله : رحمك ربك !

فلما دخل الروح في عينيه , نظر إلى ثمار الجنة , فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام , فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة , فذلك حين يقول : { خلق الإنسان من عجل } 21 37 فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين - أي استكبر وكان من الكافرين - قال الله له : { ما منعك أن تسجد } إذ أمرتك { لما خلقت بيدي قال أنا خير منه } لم أكن لأسجد لبشر خلقته من طين , قال الله له : { اخرج منها فما يكون لك } يعني ما ينبغي لك { أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين } والصغار هو الذل .

قال : وعلم آدم الأسماء كلها , ثم عرض الخلق على الملائكة فقال : { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء , فقالوا له : { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } الله : { قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } قال : قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } فهذا الذي أبدوا , وأعلم ما كنتم تكتمون , يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر .

قال أبو جعفر : فهذا الخبر أوله مخالف معناه معنى الرواية التي رويت عن ابن عباس من رواية الضحاك التي قد قدمنا ذكرها قبل , وموافق معنى آخره معناها ; وذلك أنه ذكر في أوله أن الملائكة سألت ربها : ما ذاك الخليفة ؟

حين قال لها : { إني جاعل في الأرض خليفة } فأجابها أنه تكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا .

فقالت الملائكة حينئذ : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } ؟

فكان قول الملائكة ما قالت من ذلك لربها بعد إعلام الله إياها أن ذلك كائن من ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض , فذلك معنى خلاف أوله معنى خبر الضحاك الذي ذكرناه .

وأما موافقته إياه في آخره , فهو قولهم في تأويل قوله : { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء .

وأن الملائكة قالت إذ قال لها ربها ذلك , تبريا من علم الغيب : { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } .

وهذا إذا تدبره ذو الفهم , علم أن أوله يفسد آخره , وأن آخره يبطل معنى أوله ; وذلك أن الله جل ثناؤه إن كان أخبر الملائكة أن ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض تفسد فيها وتسفك الدماء , فقالت الملائكة لربها : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } فلا وجه لتوبيخها على أن أخبرت عمن أخبرها الله عنه أنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء بمثل الذي أخبرها عنهم ربها , فيجوز أن يقال لها فيما طوي عنها من العلوم إن كنتم صادقين فيما علمتم بخبر الله إياكم أنه كائن من الأمور , فأخبرتم به , فأخبرونا بالذي قد طوى الله عنكم علمه , كما قد أخبرتمونا بالذي قد أطلعكم الله عليه .

بل ذلك خلف من التأويل , ودعوى على الله ما لا يجوز أن يكون له صفة .

وأخشى أن يكون بعض نقلة هذا الخبر هو الذي غلط على من رواه عنه من الصحابة , وأن يكون التأويل منهم كان على ذلك : أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين فيما ظننتم أنكم أدركتموه من العلم بخبري إياكم أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء , حتى استجرتم أن تقولوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } فيكون التوبيخ حينئذ واقعا على ما ظنوا أنهم قد أدركوا بقول الله لهم : إنه يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء , لا على إخبارهم بما أخبرهم الله به أنه كائن .

وذلك أن الله جل ثناؤه وإن كان أخبرهم عما يكون من بعض ذرية خليفته في الأرض ما يكون منه فيها من الفساد وسفك الدماء , فقد كان طوى عنهم الخبر عما يكون من كثير منهم ما يكون من طاعتهم ربهم وإصلاحهم في أرضه وحقن الدماء ورفعه منزلتهم وكرامتهم عليه , فلم يخبرهم بذلك , فقالت الملائكة : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } على ظن منها على تأويل هذين الخبرين اللذين ذكرت , وظاهرهما أن جميع ذرية الخليفة الذي يجعله في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء .

فقال الله لهم إذ علم آدم الأسماء كلها : { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } أنكم تعلمون أن جميع بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء على ما ظننتم في أنفسكم , إنكارا منه جل ثناؤه لقيلهم ما قالوا من ذلك على الجميع والعموم , وهو من صفة خاص ذرية الخليفة منهم .

وهذا الذي ذكرناه هو صفة منا لتأويل الخبر لا القول الذي نختاره في تأويل الآية .

ومما يدل على ما ذكرنا من توجيه خبر الملائكة عن إفساد ذرية الخليفة وسفكها الدماء على العموم , ما : 511 - حدثنا به أحمد بن إسحاق الأهوازي , قال : حدثنا أبو أحمد الزبيري , قال : حدثنا سفيان عن عطاء بن السائب , عن عبد الرحمن بن سابط , قوله : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } قال : يعنون الناس .

وقال آخرون في ذلك بما : 512 - حدثنا به بشر بن معاذ , قال : حدثنا يزيد بن زريع , عن سعيد , عن قتادة قوله : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة } فاستخار الملائكة في خلق آدم , فقالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض ; { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } فكان في علم الله جل ثناؤه أنه سيكون من ذلك الخليفة أنبياء ورسل , وقوم صالحون , وساكنو الجنة .

قال : وذكر لنا أن ابن عباس كان يقول : إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة : ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا !

فابتلوا بخلق آدم , وكل خلق مبتلى , كما ابتليت السموات والأرض بالطاعة فقال الله : { ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } 41 11 وهذا الخبر عن قتادة يدل على أن قتادة كان يرى أن الملائكة قالت ما قالت من قولها : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } على غير يقين علم تقدم منها بأن ذلك كائن ; ولكن على الرأي منها والظن , وأن الله جل ثناؤه أنكر ذلك من قيلها ورد عليها ما رأت بقوله : { إني أعلم ما لا تعلمون } من أنه يكون من ذرية ذلك الخليفة الأنبياء والرسل والمجتهد في طاعة الله .

وقد روي عن قتادة خلاف هذا التأويل , وهو ما : 513 - حدثنا به الحسن بن يحيى , قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { أتجعل فيها من يفسد فيها } قال : كان الله أعلمهم إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء , فذلك قوله : { أتجعل فيها من يفسد فيها } .

وبمثل قول قتادة قال جماعة من أهل التأويل , منهم الحسن البصري .

514 - حدثنا القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج , عن جرير بن حازم , ومبارك عن الحسن وأبي بكر عن الحسن , وقتادة قالا : قال الله لملائكته : { إني جاعل في الأرض خليفة } قال لهم إني فاعل .

فعرضوا برأيهم , فعلمهم علما وطوى عنهم علما علمه لا يعلمونه .

فقالوا بالعلم الذي علمهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } - وقد كانت الملائكة علمت من علم الله أنه لا ذنب أعظم عند الله من سفك الدماء - { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون } .

فلما أخذ في خلق آدم , همست الملائكة فيما بينها , فقالوا : ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق , فلن يخلق خلقا إلا كنا أعلم منه , وأكرم عليه منه .

فلما خلقه ونفخ فيه من روحه , أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا , ففضله عليهم , فعلموا أنهم ليسوا بخير منه , فقالوا : إن لم نكن خيرا منه فنحن أعلم منه , لأنا كنا قبله , وخلقت الأمم قبله , فلما أعجبوا بعلمهم ابتلوا { فعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } إني لا أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه , فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين !

قال : ففزع القوم إلى التوبة - وإليها يفزع كل مؤمن - فقالوا : { سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } لقولهم : ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا .

قال : علمه اسم كل شيء , هذه الجبال وهذه البغال , والإبل , والجن , والوحش , وجعل يسمي كل شيء باسمه , وعرضت عليه كل أمة ف { قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } .

قال : أما ما أبدوا فقولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } .

وأما ما كتموا فقول بعضهم لبعض : نحن خير منه وأعلم .

515 - حدثني المثنى بن إبراهيم , قال : حدثنا إسحاق بن الحجاج , قال : حدثنا ابن أبي جعفر , عن أبيه عن الربيع بن أنس في قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } الآية .

قال : إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس , وخلق آدم يوم الجمعة .

قال : فكفر قوم من الجن , فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم , فكانت الدماء , وكان الفساد في الأرض .

فمن ثم قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } .

.

.

الآية .

516 - وحدثت عن عمار بن الحسن , قال : أخبرنا عبد الله بن أبي جعفر , عن أبيه , عن الربيع , بمثله .

{ ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } إلى قوله : { إنك أنت العليم الحكيم } قال : وذلك حين قالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } قال : فلما عرفوا أنه جاعل في الأرض خليفة قالوا بينهم : لن يخلق الله خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم !

فأراد الله أن يخبرهم أنه قد فضل عليهم آدم , وعلم آدم الأسماء كلها , فقال للملائكة : { أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين } إلى قوله : { وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } وكان الذي أبدوا حين { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن يخلق الله خلقا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم .

فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم .

وقال ابن زيد بما : 517 - حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا ابن وهب , قال : قال ابن زيد : لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعرا شديدا , وقالوا : ربنا لم خلقت هذه النار , ولأي شيء خلقتها ؟

قال : لمن عصاني من خلقي .

قال : ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة والأرض , ليس فيها خلق , إنما خلق آدم بعد ذلك .

وقرأ قول الله : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا } 76 1 قال : قال عمر بن الخطاب : يا رسول الله ليت ذلك الحين .

ثم قال : قالت الملائكة : يا رب أو يأتي علينا دهر نعصيك فيه !

لا يرون له خلقا غيرهم .

قال : لا , إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليقة يسفكون الدماء ويفسدون في الأرض .

فقالت الملائكة : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } وقد اخترتنا ؟

فاجعلنا نحن فيها فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ونعمل فيها بطاعتك !

وأعظمت الملائكة أن يجعل الله في الأرض من يعصيه .

فقال : إني أعلم ما لا تعلمون , يا آدم أنبئهم بأسمائهم !

فقال : فلان , وفلان .

قال : فلما رأوا ما أعطاه الله من العلم , أقروا لآدم بالفضل عليهم , وأبى الخبيث إبليس أن يقر له , قال : { أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } .

وقال ابن إسحاق بما : 518 - حدثنا به ابن حميد , قال : حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق , قال : لما أراد الله أن يخلق آدم بقدرته ليبتليه ويبتلي به , لعلمه بما في ملائكته وجميع خلقه - وكان أول بلاء ابتليت به الملائكة مما لها فيه ما تحب وما تكره للبلاء والتمحيص لما فيهم مما لم يعلموا وأحاط به علم الله منهم - جمع الملائكة من سكان السموات والأرض , ثم قال : { إني جاعل في الأرض خليفة } يقول : عامر أو ساكن يسكنها ويعمرها خلقا ليس منكم .

ثم أخبرهم بعلمه فيهم , فقال : يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ويعملون بالمعاصي , فقالوا جميعا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } لا نعصي ولا نأتي شيئا كرهته ؟

قال : { إني أعلم ما لا تعلمون } - قال : إني أعلم فيكم ومنكم , ولم يبدها لهم - من المعصية والفساد وسفك الدماء وإتيان ما أكره منهم , مما يكون في الأرض , مما ذكرت في بني آدم .

قال الله لمحمد صلى الله عليه وسلم : { ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين } إلى قوله : { فقعوا له ساجدين } 38 69 : 71 فذكر لنبيه صلى الله عليه وسلم الذي كان من ذكره آدم حين أراد خلقه ومراجعة الملائكة إياه فيما ذكر لهم منه .

فلما عزم الله تعالى ذكره على خلق آدم قال للملائكة : { إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون } 15 28 بيدي تكرمة له , وتعظيما لأمره , وتشريفا له ; حفظت الملائكة عهده , ووعوا قوله , وأجمعوا الطاعة , إلا ما كان من عدو الله إبليس , فإنه صمت على ما كان في نفسه من الحسد والبغي والتكبر والمعصية .

وخلق الله آدم من أدمة الأرض , من طين لازب من حمأ مسنون , بيديه تكرمة له وتعظيما لأمره وتشريفا له على سائر خلقه .

قال ابن إسحاق : فيقال والله أعلم : خلق الله آدم ثم وضعه ينظر إليه أربعين عاما قبل أن ينفخ فيه الروح حتى عاد صلصالا كالفخار , ولم تمسه نار .

قال : فيقال والله أعلم : إنه لما انتهى الروح إلى رأسه عطس , فقال : الحمد لله !

فقال له ربه : يرحمك ربك !

ووقع الملائكة حين استوى سجودا له حفظا لعهد الله الذي عهد إليهم , وطاعة لأمره الذي أمرهم به .

وقام عدو الله إبليس من بينهم , فلم يسجد مكابرا متعظما بغيا وحسدا , فقال له : { يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي } إلى : { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } 38 75 : 85 قال : فلما فرغ الله من إبليس ومعاتبته وأبى إلى المعصية , أوقع عليه اللعنة وأخرجه من الجنة .

ثم أقبل على آدم , وقد علمه الأسماء كلها , فقال : { يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم } أي إنما أجبناك فيما علمتنا , فأما ما لم تعلمنا فأنت أعلم به .

فكان ما سمى آدم من شيء كان اسمه الذي هو عليه إلى يوم القيامة .

وقال ابن جريج بما : 519 - حدثنا به القاسم , قال : حدثنا الحسين , قال : حدثني حجاج عن ابن جريج , قال : إنما تكلموا بما أعلمهم أنه كائن من خلق آدم , فقالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } .

وقال بعضهم : إنما قالت الملائكة ما قالت : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } لأن الله أذن لها في السؤال عن ذلك بعد ما أخبرها أن ذلك كائن من بني آدم , فسألته الملائكة فقالت على التعجب منها : وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم !

فأجابهم ربهم : { إني أعلم ما لا تعلمون } يعني أن ذلك كائن منهم وإن لم تعلموه أنتم , ومن بعض من ترونه لي طائعا .

يعرفهم بذلك قصور علمهم عن علمه وقال بعض أهل العربية : قول الملائكة : { أتجعل فيها من يفسد فيها } على غير وجه الإنكار منهم على ربهم , وإنما سألوه ليعلموا , وأخبروا عن أنفسهم أنهم يسبحون .

وقال : قالوا ذلك لأنهم كرهوا أن يعصى الله , لأن الجن قد كانت أمرت قبل ذلك فعصت .

وقال بعضهم : ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك , فكأنهم قالوا : يا رب خبرنا ; مسألة استخبار منهم لله لا على وجه مسألة التوبيخ .

قال أبو جعفر : وأولى هذه التأويلات بقول الله جل ثناؤه مخبرا عن ملائكته قيلها له : { أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } تأويل من قال : إن ذلك منها استخبار لربها ; بمعنى : أعلمنا يا ربنا , أجاعل أنت في الأرض من هذه صفته وتارك أن تجعل خلفاءك منا , ونحن نسبح بحمدك , ونقدس لك ؟

لا إنكار منها لما أعلمها ربها أنه فاعل , وإن كانت قد استعظمت لما أخبرت بذلك أن يكون لله خلق يعصيه .

وأما دعوى من زعم أن الله جل ثناؤه كان أذن لها بالسؤال عن ذلك فسألته على وجه التعجب , فدعوى لا دلالة عليها في ظاهر التنزيل ولا خبر بها من الحجة يقطع العذر , وغير حائز أن يقال في تأويل كتاب الله بما لا دلالة عليه من بعض الوجوه التي تقوم بها الحجة .

وأما وصف الملائكة من وصفت في استخبارها ربها عنه بالفساد في الأرض وسفك الدماء , فغير مستحيل فيه ما روي عن ابن عباس وابن مسعود من القول الذي رواه السدي ووافقهما عليه قتادة من التأويل .

وهو أن الله جل ثناؤه أخبرهم أنه جاعل في الأرض خليفة تكون له ذرية يفعلون كذا وكذا , فقالوا : { أتجعل فيها من يفسد فيها } على ما وصفت من الاستخبار .

فإن قال لنا قائل : وما وجه استخبارها والأمر على ما وصفت من أنها قد أخبرت أن ذلك كائن ؟

قيل : وجه استخبارها حينئذ يكون عن حالهم عن وقوع ذلك , وهل ذلك منهم ؟

ومسألتهم ربهم أن يجعلهم الخلفاء في الأرض حتى لا يعصوه .

وغير فاسد أيضا ما رواه الضحاك عن ابن عباس وتابعه عليه الربيع بن أنس من أن الملائكة قالت ذلك لما كان عندها من علم سكان الأرض قبل آدم من الجن , فقالت لربها : أجاعل فيها أنت مثلهم من الخلق يفعلون مثل الذي كانوا يفعلون ؟

على وجه الاستعلام منهم لربهم , لا على وجه الإيجاب أن ذلك كائن كذلك , فيكون ذلك منها إخبارا عما لم تطلع عليه من علم الغيب .

وغير خطأ أيضا ما قاله ابن زيد من أن يكون قيل الملائكة ما قالت من ذلك على وجه التعجب منها من أن يكون لله خلق يعصي خالقه .

وإنما تركنا القول بالذي رواه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع بن أنس وبالذي قاله ابن زيد في تأويل ذلك ; لأنه لا خبر عندنا بالذي قالوه من وجه يقطع مجيئه العذر ويلزم سامعه به الحجة .

والخبر عما مضى وما قد سلف , لا يدرك علم صحته إلا بمجيئه مجيئا يمتنع منه التشاغب والتواطؤ , ويستحيل منه الكذب والخطأ والسهو .

وليس ذلك بموجود كذلك فيما حكاه الضحاك عن ابن عباس ووافقه عليه الربيع , ولا فيما قاله ابن زيد .

فأولى التأويلات إذ كان الأمر كذلك بالآية , ما كان عليه من ظاهر التنزيل دلالة مما يصح مخرجه في المفهوم .

فإن قال قائل : فإن كان أولى التأويلات بالآية هو ما ذكرت من أن الله أخبر الملائكة بأن ذرية خليفته في الأرض يفسدون فيها ويسفكون فيها الدماء , فمن أجل ذلك قالت الملائكة : { أتجعل فيها من يفسد فيها } فأين ذكر إخبار الله إياهم في كتابه بذلك ؟

قيل له : اكتفي بدلالة ما قد ظهر من الكلام عليه عنه , كما قال الشاعر : فلا تدفنوني إن دفني محرم عليكم ولكن خامري أم عامر فحذف قوله دعوني للتي يقال لها عند صيدها خامري أم عامر , إذ كان فيما أظهر من كلامه دلالة على معنى مراده .

فكذلك ذلك في قوله : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها } لما كان فيه دلالة على ما ترك ذكره بعد قوله : { إني جاعل في الأرض خليفة } من الخبر عما يكون من إفساد ذريته في الأرض اكتفى بدلالته وحذف , فترك ذكره كما ذكرنا من قول الشاعر ونظائر ذلك في القرآن وأشعار العرب وكلامها أكثر من أن يحصى .

فلما ذكرنا من ذلك اخترنا ما اخترنا من القول في تأويل قوله : { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء } .ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك القول في تأويل قوله تعالى : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } قال أبو جعفر : أما قوله : { ونحن نسبح بحمدك } فإنه يعني : إنا نعظمك بالحمد لك والشكر , كما قال جل ثناؤه : { فسبح بحمد ربك } 110 3 وكما قال : { والملائكة يسبحون بحمد ربهم } 42 5 وكل ذكر لله عند العرب فتسبيح وصلاة , يقول الرجل منهم : قضيت سبحتي من الذكر والصلاة .

وقد قيل إن التسبيح صلاة الملائكة .

520 - حدثنا ابن حميد , قال : حدثنا يعقوب القمي , عن جعفر بن أبي المغيرة , عن سعيد بن جبير قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي , فمر رجل من المسلمين على رجل من المنافقين , فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : وأنت جالس !

فقال له : امض إلى عملك إن كان لك عمل , فقال : ما أظن إلا سيمر عليك من ينكر عليك فمر عليه عمر بن الخطاب , فقال له : يا فلان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنت جالس !

فقال له مثلها فقال : هذا من عملي .

فوثب عليه فضربه حتى انتهى .

ثم دخل المسجد فصلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فلما انفتل النبي صلى الله عليه وسلم قام إليه عمر , فقال : يا نبي الله مررت آنفا على فلان وأنت تصلي , فقلت له : النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وأنت جالس !

فقال : سر إلى عملك إن كان لك عمل .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " فهلا ضربت عنقه " فقام .

...

عمر مسرعا .

فقال : " يا عمر ارجع فإن غضبك عز ورضاك حكم , إن لله في السموات السبع ملائكة يصلون له غنى عن صلاة فلان " .

فقال عمر : يا نبي الله وما صلاتهم ؟

فلم يرد عليه شيئا .

فأتاه جبريل , فقال : يا نبي الله سألك عمر عن صلاة أهل السماء ؟

قال : " نعم " , فقال : اقرأ على عمر السلام , وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي الملك والملكوت , وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون : سبحان ذي العزة والجبروت , وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون : سبحان الحي الذي لا يموت صلى الله عليه وسلم .

قال أبو جعفر : 521 - وحدثني يعقوب بن إبراهيم , وسهل بن موسى الرازي , قالا : حدثنا ابن علية , قال : أخبرنا الجريري , عن أبي عبد الله الجسري , عن عبد الله بن الصامت , عن أبي ذر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاده - أو أن أبا ذر عاد النبي صلى الله عليه وسلم - فقال : يا رسول الله بأبي أنت , أي الكلام أحب إلى الله ؟

فقال : " ما اصطفى الله لملائكته : سبحان ربي وبحمده , سبحان ربي وبحمده " صلى الله عليه وسلم في أشكال لما ذكرنا من الأخبار كرهنا إطالة الكتاب باستقصائها .

وأصل التسبيح لله عند العرب التنزيه له من إضافة ما ليس من صفاته إليه والتبرئة له من ذلك , كما قال أعشى بني ثعلبة : أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخر يريد : سبحان الله من فخر علقمة !

أي تنزيها لله مما أتى علقمة من الافتخار على وجه النكير منه لذلك .

وقد اختلف أهل التأويل في معنى التسبيح والتقديس في هذا الموضع .

فقال بعضهم : قولهم : نسبح بحمدك : نصلي لك .

ذكر من قال ذلك : 522 - حدثني موسى بن هارون , قال : حدثنا عمرو بن حماد , قال حدثنا أسباط , عن السدي في خبر ذكره عن أبي مالك , وعن أبي صالح , عن ابن عباس وعن مرة , عن ابن مسعود , وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : { ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك } قال : يقولون : نصلي لك .

وقال آخرون : { نسبح بحمدك } التسبيح المعلوم .

ذكر من قال ذلك : 523 - حدثنا الحسن بن يحيى , قال : حدثنا عبد الرزاق , قال : أخبرنا معمر , عن قتادة في قوله : { ونحن نسبح بحمدك } قال التسبيح التسبيح .

القول في تأويل قوله تعالى : { ونقدس لك } .

قال أبو جعفر : والتقديس هو التطهير والتعظيم ; ومنه قولهم : سبوح قدوس , يعني بقولهم سبوح : تنزيها لله ; وبقولهم قدوس : طهارة له وتعظيما ; ولذلك قيل للأرض : أرض مقدسة , يعني بذلك المطهرة .

فمعنى قول الملائ

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمونقوله تعالى : وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفةفيه سبع عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إذ وإذا حرفا توقيت ، فإذ للماضي ، وإذا للمستقبل ، وقد توضع إحداهما موضع الأخرى .

وقال المبرد : إذا جاء إذ مع مستقبل كان معناه ماضيا ، نحو قوله : وإذ يمكر بك وإذ تقول للذي أنعم الله عليه معناه مكروا ، وإذ قلت .

وإذا جاء " إذا " مع الماضي كان معناه مستقبلا ، كقوله تعالى : فإذا جاءت الطامة فإذا جاءت الصاخة و إذا جاء نصر الله أي يجيء .

وقال معمر بن المثنى أبو عبيدة : " إذ " زائدة ، والتقدير : وقال ربك ، واستشهد بقول الأسود بن يعفر :فإذ وذلك لا مهاة لذكره والدهر يعقب صالحا بفسادوأنكر هذا القول الزجاج والنحاس وجميع المفسرين .

قال النحاس : وهذا خطأ ; لأن " إذ " اسم وهي ظرف زمان ليس مما تزاد .

وقال الزجاج : هذا اجترام من أبي عبيدة ، ذكر الله عز وجل خلق الناس وغيرهم ، فالتقدير وابتدأ خلقكم إذ قال ، فكان هذا من المحذوف الذي دل عليه الكلام ، كما قال :فإن المنية من يخشها فسوف تصادفه أينمايريد أينما ذهب .

ويحتمل أن تكون متعلقة بفعل مقدر تقديره واذكر إذ قال .

وقيل : هو مردود إلى قوله تعالى : اعبدوا ربكم الذي خلقكم فالمعنى الذي خلقكم إذ قال ربك للملائكة .

وقول الله تعالى وخطابه للملائكة متقرر قديم في الأزل بشرط وجودهم وفهمهم .[ ص: 250 ] وهكذا الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته .

وهذا مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري ، وهو الذي ارتضاه أبو المعالي .

وقد أتينا عليه في كتاب الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى وصفات الله العلا .والرب : المالك والسيد والمصلح والجابر ، وقد تقدم بيانه .الثانية : قوله تعالى : " للملائكة " الملائكة واحدها ملك .

قال ابن كيسان وغيره : وزن ملك فعل من الملك .

وقال أبو عبيدة ، هو مفعل من لأك إذا أرسل .

والألوكة والمألكة والمألكة : الرسالة ، قال لبيد :وغلام أرسلته أمه بألوك فبذلنا ما سألوقال آخر :أبلغ النعمان عني مألكا إنني قد طال حبسي وانتظاريويقال : ألكني أي أرسلني ، فأصله على هذا مألك ، الهمزة فاء الفعل فإنهم قلبوها إلى عينه فقالوا : ملأك ، ثم سهلوه فقالوا ملك .

وقيل أصله ملأك من ملك يملك ، نحو شمأل من شمل ، فالهمزة زائدة عن ابن كيسان أيضا ، وقد تأتي في الشعر على الأصل ، قال الشاعر :فلست لإنسي ولكن لملأك تنزل من جو السماء يصوبوقال النضر بن شميل .

لا اشتقاق للملك عند العرب .

والهاء في الملائكة تأكيد لتأنيث الجمع ، ومثله الصلادمة .

والصلادم : الخيل الشداد ، واحدها صلدم .

وقيل : هي للمبالغة ، كعلامة ونسابة .

وقال أرباب المعاني : خاطب الله الملائكة لا للمشورة ولكن لاستخراج ما فيهم من رؤية الحركات والعبادة والتسبيح والتقديس ، ثم ردهم إلى قيمتهم ، فقال عز وجل : اسجدوا لآدم .الثالثة : قوله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة جاعل هنا بمعنى خالق ، ذكره الطبري عن أبي روق ، ويقضي بذلك تعديها إلى مفعول واحد ، وقد تقدم .

والأرض قيل إنها مكة .

روى ابن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دحيت الأرض من مكة ولذلك سميت أم [ ص: 251 ] القرى ، قال : وقبر نوح وهود وصالح وشعيب بين زمزم والركن والمقام .

وخليفة يكون بمعنى فاعل ، أي يخلف من كان قبله من الملائكة في الأرض ، أو من كان قبله من غير الملائكة على ما روي .

ويجوز أن يكون " خليفة " بمعنى مفعول أي مخلف ، كما يقال : ذبيحة بمعنى مفعولة .

والخلف ( بالتحريك ) من الصالحين ، وبتسكينها من الطالحين ، هذا هو المعروف ، وسيأتي له مزيد بيان في " الأعراف " إن شاء الله .

و " خليفة " بالفاء قراءة الجماعة ، إلا ما روي عن زيد بن علي فإنه قرأ " خليقة " بالقاف .

والمعني بالخليفة هنا - في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل - آدم عليه السلام ، وهو خليفة الله في إمضاء أحكامه وأوامره ; لأنه أول رسول إلى الأرض ، كما في حديث أبي ذر ، قال قلت : يا رسول الله أنبيا كان مرسلا ؟

قال : ( نعم ) الحديث ويقال : لمن كان رسولا ولم يكن في الأرض أحد ؟

فيقال : كان رسولا إلى ولده ، وكانوا أربعين ولدا في عشرين بطنا في كل بطن ذكر وأنثى ، وتوالدوا حتى كثروا ، كما قال الله تعالى : خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء .

وأنزل عليهم تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير .

وعاش تسعمائة وثلاثين سنة ، هكذا ذكر أهل التوراة وروي عن وهب بن منبه أنه عاش ألف سنة ، والله أعلم .الرابعة : هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع ، لتجتمع به الكلمة ، وتنفذ به أحكام الخليفة .

ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم ، وكذلك كل من قال بقوله واتبعه على رأيه ومذهبه ، قال : إنها غير واجبة في الدين بل يسوغ ذلك ، وأن الأمة متى أقاموا حججهم وجهادهم ، وتناصفوا فيما بينهم ، وبذلوا الحق من أنفسهم ، وقسموا الغنائم والفيء والصدقات على أهلها ، وأقاموا الحدود على من وجبت عليه ، أجزأهم ذلك ، ولا يجب عليهم أن ينصبوا إماما يتولى ذلك .

ودليلنا قول الله تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة ، وقوله تعالى : يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض ، وقال : وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض أي يجعل منهم خلفاء ، إلى غير ذلك من الآي .وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين ، حتى قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير ، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك ، وقالوا لهم : إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ، ورووا [ ص: 252 ] لهم الخبر في ذلك ، فرجعوا وأطاعوا لقريش .

فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها ، ولقال قائل : إنها ليست بواجبة لا في قريش ولا في غيرهم ، فما لتنازعكم وجه ولا فائدة في أمر ليس بواجب ثم إن الصديق رضي الله عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة ، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك ، فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين ، والحمد لله رب العالمين .وقالت الرافضة : يجب نصبه عقلا ، وإن السمع إنما ورد على جهة التأكيد لقضية العقل ، فأما معرفة الإمام فإن ذلك مدرك من جهة السمع دون العقل .

وهذا فاسد ; لأن العقل لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن ، وإذا كان كذلك ثبت أنها واجبة من جهة الشرع لا من جهة العقل ، وهذا واضح .فإن قيل وهي :الخامسة : إذا سلم أن طريق وجوب الإمامة السمع ، فخبرونا هل يجب من جهة السمع بالنص على الإمام من جهة الرسول صلى الله عليه وسلم ، أم من جهة اختيار أهل الحل والعقد له ، أم بكمال خصال الأئمة فيه ، ودعاؤه مع ذلك إلى نفسه كاف فيه ؟فالجواب أن يقال : اختلف الناس في هذا الباب ، فذهبت الإمامية وغيرها إلى أن الطريق الذي يعرف به الإمام هو النص من الرسول عليه السلام ولا مدخل للاختيار فيه .

وعندنا : النظر طريق إلى معرفة الإمام ، وإجماع أهل الاجتهاد طريق أيضا إليه ، وهؤلاء الذين قالوا لا طريق إليه إلا النص بنوه على أصلهم أن القياس والرأي والاجتهاد باطل لا يعرف به شيء أصلا ، وأبطلوا القياس أصلا وفرعا .

ثم اختلفوا على ثلاث فرق : فرقة تدعي النص على أبي بكر ، وفرقة تدعي النص على العباس ، وفرقة تدعي النص على علي بن أبي طالب رضي الله عنهم .

والدليل على فقد النص وعدمه على إمام بعينه هو أنه صلى الله عليه وسلم لو فرض على الأمة طاعة إمام بعينه بحيث لا يجوز العدول عنه إلى غيره لعلم ذلك ، لاستحالة تكليف الأمة بأسرها طاعة الله في غير معين ، ولا سبيل لهم إلى العلم بذلك التكليف ، وإذا وجب العلم به لم يخل ذلك العلم من أن يكون طريقه أدلة العقول أو الخبر ، وليس في العقل ما يدل على ثبوت الإمامة لشخص معين ، وكذلك ليس في الخبر ما يوجب العلم بثبوت إمام معين ; لأن ذلك الخبر إما أن يكون تواترا أوجب العلم ضرورة أو استدلالا ، أو يكون من أخبار الآحاد ، ولا يجوز أن يكون طريقه التواتر الموجب للعلم ضرورة أو دلالة ، إذ لو كان كذلك لكان كل مكلف يجد من نفسه [ ص: 253 ] العلم بوجوب الطاعة لذلك المعين وأن ذلك من دين الله عليه ، كما أن كل مكلف علم أن من دين الله الواجب عليه خمس صلوات ، وصوم رمضان ، وحج البيت ونحوها ، ولا أحد يعلم ذلك من نفسه ضرورة ، فبطلت هذه الدعوى ، وبطل أن يكون معلوما بأخبار الآحاد لاستحالة وقوع العلم به .

وأيضا فإنه لو وجب المصير إلى نقل النص على الإمام بأي وجه كان ، وجب إثبات إمامة أبي بكر والعباس ; لأن لكل واحد منهما قوما ينقلون النص صريحا في إمامته ، وإذا بطل إثبات الثلاثة بالنص في وقت واحد - على ما يأتي بيانه - كذلك الواحد ; إذ ليس أحد الفرق أولى بالنص من الآخر .

وإذا بطل ثبوت النص لعدم الطريق الموصل إليه ثبت الاختيار والاجتهاد .

فإن تعسف متعسف وادعى التواتر والعلم الضروري بالنص فينبغي أن يقابلوا على الفور بنقيض دعواهم في النص على أبي بكر وبأخبار في ذلك كثيرة تقوم أيضا في جملتها مقام النص ، ثم لا شك في تصميم من عدا الإمامية على نفي النص ، وهم الخلق الكثير والجم الغفير .

والعلم الضروري لا يجتمع على نفيه من ينحط عن معشار أعداد مخالفي الإمامية ، ولو جاز رد الضروري في ذلك لجاز أن ينكر طائفة بغداد والصين الأقصى وغيرهما .السادسة : في رد الأحاديث التي احتج بها الإمامية في النص على علي رضي الله عنه ، وأن الأمة كفرت بهذا النص وارتدت ، وخالفت أمر الرسول عنادا ، منها قوله عليه السلام : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه .

قالوا : والمولى في اللغة بمعنى أولى ، فلما قال : فعلي مولاه بفاء التعقيب علم أن المراد بقوله " مولى " أنه أحق وأولى .

فوجب أن يكون أراد بذلك الإمامة وأنه مفترض الطاعة ، وقوله عليه السلام لعلي : أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي .

قالوا : ومنزلة هارون معروفة ، وهو أنه كان مشاركا له في النبوة ولم يكن ذلك لعلي ، وكان أخا له ولم يكن ذلك لعلي ، وكان خليفة ، فعلم أن المراد به الخلافة ، إلى غير ذلك مما احتجوا به على ما يأتي ذكره في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى .والجواب عن الحديث الأول : أنه ليس بمتواتر ، وقد اختلف في صحته ، وقد طعن فيه [ ص: 254 ] أبو داود السجستاني وأبو حاتم الرازي ، واستدلا على بطلانه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مزينة وجهينة وغفار وأسلم موالي دون الناس كلهم ليس لهم مولى دون الله ورسوله .

قالوا : فلو كان قد قال : من كنت مولاه فعلي مولاه لكان أحد الخبرين كذبا .جواب ثان : وهو أن الخبر وإن كان صحيحا رواه ثقة عن ثقة فليس فيه ما يدل على إمامته ، وإنما يدل على فضيلته ، وذلك أن المولى بمعنى الولي ، فيكون معنى الخبر : من كنت وليه فعلي وليه ، قال الله تعالى : فإن الله هو مولاه أي وليه .

وكان المقصود من الخبر أن يعلم الناس أن ظاهر علي كباطنه ، وذلك فضيلة عظيمة لعلي .جواب ثالث : وهو أن هذا الخبر ورد على سبب ، وذلك أن أسامة وعليا اختصما ، فقال علي لأسامة : أنت مولاي .

فقال : لست مولاك ، بل أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : من كنت مولاه فعلي مولاه .جواب رابع : وهو أن عليا عليه السلام لما قال للنبي صلى الله عليه وسلم في قصة الإفك في عائشة رضي الله عنها : النساء سواها كثير .

شق ذلك عليها ، فوجد أهل النفاق مجالا فطعنوا عليه وأظهروا البراءة منه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا المقال ردا لقولهم ، وتكذيبا لهم فيما قدموا عليه من البراءة منه والطعن فيه ، ولهذا ما روي عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا : ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ببغضهم لعلي عليه السلام .

وأما الحديث الثاني فلا خلاف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد بمنزلة هارون من موسى الخلافة بعده ، ولا خلاف أن هارون مات قبل موسى عليهما السلام - على ما يأتي من بيان وفاتيهما في سورة " المائدة " - وما كان خليفة بعده وإنما كان الخليفة يوشع بن نون ، فلو أراد بقوله : أنت مني بمنزلة هارون من موسى - الخلافة لقال : أنت مني بمنزلة يوشع من موسى ، فلما لم يقل هذا دل على أنه لم يرد هذا ، وإنما أراد أني استخلفتك على أهلي في حياتي وغيبوبتي عن أهلي ، كما كان هارون خليفة موسى على قومه لما خرج إلى مناجاة ربه .

وقد قيل : إن هذا الحديث خرج على سبب ، وهو [ ص: 255 ] أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى غزوة تبوك استخلف عليا عليه السلام في المدينة على أهله وقومه ، فأرجف به أهل النفاق وقالوا : إنما خلفه بغضا وقلى له ، فخرج علي فلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم وقال له : إن المنافقين قالوا كذا وكذا فقال : كذبوا بل خلفتك كما خلف موسى هارون .

وقال : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى .

وإذا ثبت أنه أراد الاستخلاف على زعمهم فقد شارك عليا في هذه الفضيلة غيره ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف في كل غزاة غزاها رجلا من أصحابه ، منهم : ابن أم مكتوم ، ومحمد بن مسلمة وغيرهما من أصحابه ، على أن مدار هذا الخبر على سعد بن أبي وقاص وهو خبر واحد .

وروي في مقابلته لأبي بكر وعمر ما هو أولى منه .

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنفذ معاذ بن جبل إلى اليمن قيل له : ألا تنفذ أبا بكر وعمر ؟

فقال : إنهما لا غنى بي عنهما إن منزلتهما مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس .

وقال : هما وزيراي في أهل الأرض .

وروي عنه عليه السلام أنه قال : أبو بكر وعمر بمنزلة هارون من موسى .

وهذا الخبر ورد ابتداء ، وخبر علي ورد على سبب ، فوجب أن يكون أبو بكر أولى منه بالإمامة ، والله أعلم .السابعة : واختلف فيما يكون به الإمام إماما وذلك في ثلاث طرق ، أحدها : النص ، وقد تقدم الخلاف فيه ، وقال به أيضا الحنابلة وجماعة من أصحاب الحديث والحسن البصري وبكر ابن أخت عبد الواحد وأصحابه وطائفة من الخوارج .

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نص على أبي بكر بالإشارة ، وأبو بكر على عمر .

فإذا نص المستخلف على واحد معين كما فعل [ ص: 256 ] الصديق ، أو على جماعة كما فعل عمر ، وهو الطريق الثاني ، ويكون التخيير إليهم في تعيين واحد منهم كما فعل الصحابة رضي الله عنهم في تعيينعثمان بن عفان رضي الله عنه .الطريق الثالث : إجماع أهل الحل والعقد ، وذلك أن الجماعة في مصر من أمصار المسلمين إذا مات إمامهم ولم يكن لهم إمام ولا استخلف فأقام أهل ذلك المصر الذي هو حضرة الإمام وموضعه إماما لأنفسهم اجتمعوا عليه ورضوه فإن كل من خلفهم وأمامهم من المسلمين في الآفاق يلزمهم الدخول في طاعة ذلك الإمام ، إذا لم يكن الإمام معلنا بالفسق والفساد ; لأنها دعوة محيطة بهم تجب إجابتها ولا يسع أحد التخلف عنها لما في إقامة إمامين من اختلاف الكلمة وفساد ذات البين ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن : إخلاص العمل لله ولزوم الجماعة ومناصحة ولاة الأمر فإن دعوة المسلمين من ورائهم محيطة .الثامنة : فإن عقدها واحد من أهل الحل والعقد فذلك ثابت ويلزم الغير فعله ، خلافا لبعض الناس حيث قال : لا تنعقد إلا بجماعة من أهل الحل والعقد ، ودليلنا أن عمر رضي الله عنه عقد البيعة لأبي بكر ولم ينكر أحد من الصحابة ذلك ، ولأنه عقد فوجب ألا يفتقر إلى عدد يعقدونه كسائر العقود .

قال الإمام أبو المعالي : من انعقدت له الإمامة بعقد واحد فقد لزمت ، ولا يجوز خلعه من غير حدث وتغير أمر ، قال : وهذا مجمع عليه .التاسعة : فإن تغلب من له أهلية الإمامة وأخذها بالقهر والغلبة فقد قيل إن ذلك يكون طريقا رابعا ، وقد سئل سهل بن عبد الله التستري : ما يجب علينا لمن غلب على بلادنا وهو إمام ؟

قال : تجيبه وتؤدي إليه ما يطالبك من حقه ، ولا تنكر فعاله ولا تفر منه وإذا ائتمنك على سر من أمر الدين لم تفشه .

وقال ابن خويز منداد : ولو وثب على الأمر من يصلح له من غير مشورة ولا اختيار وبايع له الناس تمت له البيعة ، والله أعلم .العاشرة : واختلف في الشهادة على عقد الإمامة ، فقال بعض أصحابنا : إنه لا يفتقر إلى الشهود ; لأن الشهادة لا تثبت إلا بسمع قاطع ، وليس هاهنا سمع قاطع يدل على إثبات الشهادة .

ومنهم من قال : يفتقر إلى شهود ، فمن قال بهذا احتج بأن قال : لو لم تعقد فيه [ ص: 257 ] الشهادة أدى إلى أن يدعي كل مدع أنه عقد له سرا ، وتؤدي إلى الهرج والفتنة ، فوجب أن تكون الشهادة معتبرة ويكفي فيها شاهدان ، خلافا للجبائي حيث قال باعتبار أربعة شهود وعاقد ومعقود له ; لأن عمر حيث جعلها شورى في ستة دل على ذلك .

ودليلنا أنه لا خلاف بيننا وبينه أن شهادة الاثنين معتبرة ، وما زاد مختلف فيه ولم يدل عليه الدليل فيجب ألا يعتبر .الحادية عشرة : في شرائط الإمام ، وهي أحد عشر :الأول : أن يكون من صميم قريش ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الأئمة من قريش .

وقد اختلف في هذا .الثاني : أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين مجتهدا لا يحتاج إلى غيره في الاستفتاء في الحوادث ، وهذا متفق عليه .الثالث : أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب وتدبير الجيوش وسد الثغور وحماية البيضة وردع الأمة والانتقام من الظالم والأخذ للمظلوم .الرابع : أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود ولا فزع من ضرب الرقاب ولا قطع الأبشار والدليل على هذا كله إجماع الصحابة رضي الله عنهم ، لأنه لا خلاف بينهم أنه لا بد من أن يكون ذلك كله مجتمعا فيه ، ولأنه هو الذي يولي القضاة والحكام ، وله أن يباشر الفصل والحكم ، ويتفحص أمور خلفائه وقضاته ، ولن يصلح لذلك كله إلا من كان عالما بذلك كله قيما به .

والله أعلم .الخامس : أن يكون حرا ، ولا خفاء باشتراط حرية الإمام ، وإسلامه وهو السادس .السابع : أن يكون ذكرا ، سليم الأعضاء وهو الثامن .

وأجمعوا على أن المرأة لا يجوز أن تكون إماما وإن اختلفوا في جواز كونها قاضية فيما تجوز شهادتها فيه .التاسع والعاشر : أن يكون بالغا عاقلا ، ولا خلاف في ذلك .الحادي عشر : أن يكون عدلا ; لأنه لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تعقد الإمامة لفاسق ، ويجب أن يكون من أفضلهم في العلم ، لقوله عليه السلام : أئمتكم شفعاؤكم [ ص: 258 ] فانظروا بمن تستشفعون .

وفي التنزيل في وصف طالوت : إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم فبدأ بالعلم ثم ذكر ما يدل على القوة وسلامة الأعضاء .

وقوله : اصطفاه معناه اختاره ، وهذا يدل على شرط النسب .

وليس من شرطه أن يكون معصوما من الزلل والخطأ ، ولا عالما بالغيب ، ولا أفرس الأمة ولا أشجعهم ، ولا أن يكون من بني هاشم فقط دون غيرهم من قريش ، فإن الإجماع قد انعقد على إمامة أبي بكر وعمر وعثمان وليسوا من بني هاشم .الثانية عشرة : يجوز نصب المفضول مع وجود الفاضل خوف الفتنة وألا يستقيم أمر الأمة ، وذلك أن الإمام إنما نصب لدفع العدو وحماية البيضة وسد الخلل واستخراج الحقوق وإقامة الحدود وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها .

فإذا خيف بإقامة الأفضل الهرج والفساد وتعطيل الأمور التي لأجلها ينصب الإمام كان ذلك عذرا ظاهرا في العدول عن الفاضل إلى المفضول ، ويدل على ذلك أيضا علم عمر وسائر الأمة وقت الشورى بأن الستة فيهم فاضل ومفضول ، وقد أجاز العقد لكل واحد منهم إذا أدى المصلحة إلى ذلك واجتمعت كلمتهم عليه من غير إنكار أحد عليهم ، والله أعلم .الثالثة عشرة : الإمام إذا نصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويخلع بالفسق الظاهر المعلوم ، لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود واستيفاء الحقوق وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم إلى غير ذلك مما تقدم ذكره ، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها .

فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله ، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له ، وكذلك هذا مثله .

وقال آخرون : لا ينخلع إلا بالكفر أو بترك إقامة الصلاة أو الترك إلى دعائها أو شيء من الشريعة ، لقوله عليه السلام في حديث عبادة : وألا ننازع الأمر أهله قال : إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان .

وفي حديث عوف بن مالك : لا ما أقاموا [ ص: 259 ] فيكم الصلاة الحديث .

أخرجهما مسلم .

وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برئ ومن أنكر فقد سلم ولكن من رضي وتابع - قالوا : يا رسول الله ألا نقاتلهم ؟

قال : - لا ما صلوا .

أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه .

أخرجه أيضا مسلم .الرابعة عشرة : ويجب عليه أن يخلع نفسه إذا وجد في نفسه نقصا يؤثر في الإمامة .

فأما إذا لم يجد نقصا فهل له أن يعزل نفسه ويعقد لغيره ؟

اختلف الناس فيه ، فمنهم من قال : ليس له أن يفعل ذلك وإن فعل لم تنخلع إمامته .

ومنهم من قال : له أن يفعل ذلك .

والدليل على أن الإمام إذا عزل نفسه انعزل قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه : أقيلوني أقيلوني .

وقول الصحابة : لا نقيلك ولا نستقيلك ، قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك رضيك رسول الله صلى الله عليه وسلم لديننا فلا نرضاك فلو لم يكن له أن يفعل ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ولقالت له : ليس لك أن تقول هذا ، وليس لك أن تفعله .

فلما أقرته الصحابة على ذلك علم أن للإمام أن يفعل ذلك ، ولأن الإمام ناظر للغيب فيجب أن يكون حكمه حكم الحاكم ، والوكيل إذا عزل نفسه .

فإن الإمام هو وكيل الأمة ونائب عنها ، ولما اتفق على أن الوكيل والحاكم وجميع من ناب عن غيره في شيء له أن يعزل نفسه ، وكذلك الإمام يجب أن يكون مثله .

والله أعلم .الخامسة عشرة : إذا انعقدت الإمامة باتفاق أهل الحل والعقد أو بواحد على ما تقدم وجب على الناس كافة مبايعته على السمع والطاعة ، وإقامة كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

ومن تأبى عن البيعة لعذر عذر ، ومن تأبى لغير عذر جبر وقهر ، لئلا تفترق كلمة المسلمين .

وإذا بويع لخليفتين فالخليفة الأول وقتل الآخر ، واختلف في قتله هل هو محسوس أو معنى فيكون عزله قتله وموته .

والأول أظهر ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما .

رواه أبو سعيد الخدري أخرجه مسلم .

وفي حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمعه يقول : ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر .

رواه [ ص: 260 ] مسلم أيضا ، ومن حديث عرفجة : فاضربوه بالسيف كائنا من كان .

وهذا أدل دليل على منع إقامة إمامين ، ولأن ذلك يؤدي إلى النفاق والمخالفة والشقاق وحدوث الفتن وزوال النعم ، لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان جاز ذلك ، على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى .السادسة عشرة : لو خرج خارجي على إمام معروف العدالة وجب على الناس جهاده ، فإن كان الإمام فاسقا ، والخارجي مظهر للعدل لم ينبغ للناس أن يسرعوا إلى نصرة الخارجي حتى يتبين أمره فيما يظهر من العدل ، أو تتفق كلمة الجماعة على خلع الأول ، وذلك أن كل من طلب مثل هذا الأمر أظهر من نفسه الصلاح حتى إذا تمكن رجع إلى عادته من خلاف ما أظهر .السابعة عشرة : فأما إقامة إمامين أو ثلاثة في عصر واحد وبلد واحد فلا يجوز إجماعا لما ذكرنا .

قال الإمام أبو المعالي : ذهب أصحابنا إلى منع عقد الإمامة لشخصين في طرفي العالم ، ثم قالوا : لو اتفق عقد الإمامة لشخصين نزل ذلك منزلة تزويج وليين امرأة واحدة من زوجين من غير أن يشعر أحدهما بعقد الآخر .

قال : والذي عندي فيه أن عقد الإمامة لشخصين في صقع واحد متضايق الخطط والمخاليف - غير جائز وقد حصل الإجماع عليه .

فأما إذا بعد المدى وتخلل بين الإمامين شسوع النوى فللاحتمال في ذلك مجال وهو خارج عن القواطع .

وكان الأستاذ أبو إسحاق يجوز ذلك في إقليمين متباعدين غاية التباعد لئلا تتعطل حقوق الناس وأحكامهم .

وذهبت الكرامية إلى جواز نصب إمامين من غير تفصيل ، ويلزمهم إجازة ذلك في بلد واحد ، وصاروا إلى أن عليا ومعاوية كانا إمامين .

قالوا : وإذا كانا اثنين في بلدين أو ناحيتين كان كل واحد منهما أقوم بما في يديه وأضبط لما يليه ، ولأنه لما جاز بعثة نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ، ولا يؤدي ذلك إلى إبطال الإمامة .

والجواب أن ذلك جائز لولا منع الشرع منه ، لقوله : فاقتلوا الآخر منهما ولأن الأمة عليه .

وأما معاوية فلم يدع الإمامة لنفسه وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة .

ومما يدل على هذا إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما ، ولا قال أحدهما إني إمام ومخالفي إمام .

فإن قالوا : العقل لا يحيل ذلك وليس في السمع ما يمنع منه .

قلنا : أقوى السمع الإجماع ، وقد وجد على المنع .قوله تعالى : قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها قد علمنا قطعا أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعلمت ولا تسبق بالقول ، وذلك عام في جميع الملائكة ; لأن قوله : لا يسبقونه بالقول خرج على جهة المدح لهم ، فكيف قالوا : " أتجعل فيها من يفسد فيها " ؟

فقيل : المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد ; إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد ، لكن عمموا الحكم على الجميع بالمعصية ، فبين الرب تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييبا لقلوبهم : إني أعلم وحقق ذلك بأن علم آدم الأسماء ، وكشف لهم عن مكنون علمه .

وقيل : إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء .

وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء ، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورءوس الجبال ، فمن حينئذ دخلته العزة .

فجاء قولهم : أتجعل فيها على جهة الاستفهام المحض : هل هذا الخليفة على طريقة من تقدم من الجن أم لا ؟

قال أحمد بن يحيى ثعلب .

وقال ابن زيد وغيره : إن الله تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء ، فقالوا لذلك هذه المقالة ، إما على طريق التعجب من استخلاف الله من يعصيه أو من عصيان الله من يستخلفه في أرضه وينعم عليه بذلك ، وإما على طريق الاستعظام والإكبار للفصلين جميعا : الاستخلاف والعصيان .

وقال قتادة : كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقا أفسدوا وسفكوا الدماء ، فسألوا حين قال تعالى : إني جاعل في الأرض خليفة أهو الذي أعلمهم أم غيره .وهذا قول حسن ، رواه عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله أتجعل فيها من يفسد فيها قال : كان الله أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خلق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء ، فلذلك قالوا : أتجعل فيها من يفسد فيها .

وفي الكلام حذف على مذهبه ، والمعنى أني جاعل في الأرض خليفة يفعل كذا ويفعل كذا ، فقالوا : أتجعل فيها الذي أعلمتناه أم غيره ؟

والقول الأول أيضا حسن جدا ; لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء ، وما بين القولين حسن ، فتأمله .

وقد قيل : إن سؤاله تعالى للملائكة بقوله : ( كيف تركتم عبادي ) - على ما ثبت في صحيح مسلم وغيره - إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : أتجعل فيها ، وإظهار لما سبق في معلومه إذ قال لهم : إني أعلم ما لا تعلمون .قوله : من يفسد فيها " من " في موضع نصب على المفعول ب " تجعل " والمفعول الثاني [ ص: 262 ] يقوم مقامه فيها .

يفسد على اللفظ ، ويجوز في غير القرآن يفسدون على المعنى .

وفي التنزيل : ومنهم من يستمع إليك على اللفظ ، ومنهم من يستمعون على المعنى .ويسفك عطف عليه ، ويجوز فيه الوجهان .

وروى أسيد عن الأعرج أنه قرأ : " ويسفك الدماء " بالنصب ، يجعله جواب الاستفهام بالواو كما قال الحطيئة :ألم أك جاركم وتكون بيني وبينكم المودة والإخاءوالسفك : الصب .

سفكت الدم أسفكه سفكا : صببته ، وكذلك الدمع ، حكاه ابن فارس والجوهري .

والسفاك : السفاح ، وهو القادر على الكلام .

قال المهدوي : ولا يستعمل السفك إلا في الدم ، وقد يستعمل في نثر الكلام يقال سفك الكلام إذا نثره .

وواحد الدماء دم ، محذوف اللام .

وقيل : أصله دمي .

وقيل دمي ، ولا يكون اسم على حرفين إلا وقد حذف منه ، والمحذوف منه ياء وقد نطق به على الأصل ، قال الشاعر :فلو أنا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقينقوله تعالى : ونحن نسبح بحمدك أي ننزهك عما لا يليق بصفاتك .

والتسبيح في كلامهم التنزيه من السوء على وجه التعظيم ، ومنه قول أعشى بني ثعلبة :أقول لما جاءني فخره سبحان من علقمة الفاخرأي براءة من علقمة .

وروى طلحة بن عبيد الله قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير سبحان الله فقال : ( هو تنزيه الله عز وجل عن كل سوء ) .

وهو مشتق من السبح وهو الجري والذهاب ، قال الله تعالى : إن لك في النهار سبحا طويلا فالمسبح جار في تنزيه الله تعالى وتبرئته من السوء .

وقد تقدم الكلام في " نحن " ، ولا يجوز إدغام النون في النون لئلا يلتقي ساكنان .مسألة : واختلف أهل التأويل في تسبيح الملائكة ، فقال ابن مسعود وابن عباس : تسبيحهم صلاتهم ، ومنه قول الله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين أي المصلين .

وقيل : تسبيحهم رفع الصوت بالذكر ، قاله المفضل ، واستشهد بقول جرير :قبح الإله وجوه تغلب كلما سبح الحجيج وكبروا إهلالاوقال قتادة : تسبيحهم : سبحان الله ، على عرفه في اللغة ، وهو الصحيح لما رواه أبو [ ص: 263 ] ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي الكلام أفضل ؟

قال : ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده .

أخرجه مسلم .

وعن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به سمع تسبيحا في السماوات العلا : سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى .

ذكره البيهقي .قوله تعالى بحمدك أي وبحمدك نخلط التسبيح بالحمد ونصله به .

والحمد : الثناء ، وقد تقدم .

ويحتمل أن يكون قولهم : " بحمدك " اعتراضا بين الكلامين ، كأنهم قالوا : ونحن نسبح ونقدس ، ثم اعترضوا على جهة التسليم ، أي وأنت المحمود في الهداية إلى ذلك .

والله أعلم .قوله تعالى : ونقدس لك أي نعظمك ونمجدك ونطهر ذكرك عما لا يليق بك مما نسبك إليه الملحدون ، قال مجاهد وأبو صالح وغيرهما .

وقال الضحاك وغيره : المعنى نطهر أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك وقال قوم منهم قتادة : نقدس لك معناه نصلي .

والتقديس : الصلاة .

قال ابن عطية : وهذا ضعيف .قلت : بل معناه صحيح ، فإن الصلاة تشتمل على التعظيم والتقديس والتسبيح ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه وسجوده : سبوح قدوس رب الملائكة والروح .

روته عائشة أخرجه مسلم .

وبناء " قدس " كيفما تصرف فإن معناه التطهير ، ومنه قوله تعالى : ادخلوا الأرض المقدسة أي المطهرة .

وقال : الملك القدوس يعني الطاهر ، ومثله : بالواد المقدس طوى وبيت المقدس سمي به لأنه المكان الذي يتقدس فيه من الذنوب أي يتطهر ، ومنه قيل للسطل : قدس ; لأنه يتوضأ فيه ويتطهر ، ومنه القادوس .

وفي الحديث : لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها .

يريد لا طهرها الله ، أخرجه ابن ماجه في سننه .

فالقدس : الطهر من غير خلاف ، وقال الشاعر : [ ص: 264 ]فأدركنه يأخذن بالساق والنسا كما شبرق الولدان ثوب المقدسأي المطهر .

فالصلاة طهرة للعبد من الذنوب ، والمصلي يدخلها على أكمل الأحوال لكونها أفضل الأعمال ، والله أعلم .قوله تعالى : قال إني أعلم ما لا تعلمون " أعلم " فيه تأويلان ، قيل : إنه فعل مستقبل .

وقيل : إنه اسم بمعنى فاعل ، كما يقال : الله أكبر ، بمعنى كبير ، وكما قال :لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أولفعلى أنه فعل تكون ما في موضع نصب ب " أعلم " ، ويجوز إدغام الميم في الميم .

وإن جعلته اسما بمعنى عالم تكون ما في موضع خفض بالإضافة .

قال ابن عطية : ولا يصح فيه الصرف بإجماع من النحاة ، وإنما الخلاف في " أفعل " إذا سمي به وكان نكرة ، فسيبويه والخليل لا يصرفانه ، والأخفش يصرفه .

قال المهدوي : يجوز أن تقدر التنوين في " أعلم " إذا قدرته بمعنى عالم ، وتنصب " ما " به ، فيكون مثل حواج بيت الله .

قالالجوهري : ونسوة حواج بيت الله ، بالإضافة إذا كن قد حججن ، وإن لم يكن حججن قلت : حواج بيت الله ، فتنصب البيت ، لأنك تريد التنوين في حواج .قوله تعالى ما لا تعلمون اختلف علماء التأويل في المراد بقوله تعالى : ما لا تعلمون .

فقال ابن عباس : كان إبليس - لعنه الله - قد أعجب ودخله الكبر لما جعله خازن السماء وشرفه ، فاعتقد أن ذلك لمزية له ، فاستخف الكفر والمعصية في جانب آدم عليه السلام .

وقالت الملائكة : ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك وهي لا تعلم أن في نفس إبليس خلاف ذلك ، فقال الله تعالى لهم : إني أعلم ما لا تعلمون وقال قتادة : لما قالت الملائكة أتجعل فيها وقد علم الله أن فيمن يستخلف في الأرض أنبياء وفضلاء وأهل طاعة قال لهم إني أعلم ما لا تعلمون .قلت : ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون ومما هو كائن ، فهو عام .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا شروع في ذكر فضل آدم عليه السلام أبي البشر أن الله حين أراد خلقه أخبر الملائكة بذلك, وأن الله مستخلفه في الأرض.

فقالت الملائكة عليهم السلام: { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا } بالمعاصي { وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ } [و]هذا تخصيص بعد تعميم, لبيان [شدة] مفسدة القتل، وهذا بحسب ظنهم أن الخليفة المجعول في الأرض سيحدث منه ذلك, فنزهوا الباري عن ذلك, وعظموه, وأخبروا أنهم قائمون بعبادة الله على وجه خال من المفسدة فقالوا: { وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ } أي: ننزهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، { وَنُقَدِّسُ لَكَ } يحتمل أن معناها: ونقدسك, فتكون اللام مفيدة للتخصيص والإخلاص، ويحتمل أن يكون: ونقدس لك أنفسنا، أي: نطهرها بالأخلاق الجميلة, كمحبة الله وخشيته وتعظيمه, ونطهرها من الأخلاق الرذيلة.

قال الله تعالى للملائكة: { إِنِّي أَعْلَمُ } من هذا الخليفة { مَا لَا تَعْلَمُونَ } ؛ لأن كلامكم بحسب ما ظننتم, وأنا عالم بالظواهر والسرائر, وأعلم أن الخير الحاصل بخلق هذا الخليفة, أضعاف أضعاف ما في ضمن ذلك من الشر فلو لم يكن في ذلك, إلا أن الله تعالى أراد أن يجتبي منهم الأنبياء والصديقين, والشهداء والصالحين, ولتظهر آياته للخلق, ويحصل من العبوديات التي لم تكن تحصل بدون خلق هذا الخليفة, كالجهاد وغيره, وليظهر ما كمن في غرائز بني آدم من الخير والشر بالامتحان, وليتبين عدوه من وليه, وحزبه من حربه, وليظهر ما كمن في نفس إبليس من الشر الذي انطوى عليه, واتصف به, فهذه حكم عظيمة, يكفي بعضها في ذلك.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى ( وإذ قال ربك ) أي وقال ربك وإذ زائدة وقيل معناه واذكر إذ قال ربك وكذلك كل ما ورد في القرآن من هذا النحو فهذا سبيله وإذ وإذا حرفا توقيت إلا أن إذ للماضي وإذا للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر قال المبرد : إذا جاء ( إذ ) مع المستقبل كان معناه ماضيا كقوله تعالى " وإذ يمكر بك الذين " ( 30 - الأنفال ) يريد وإذ مكروا وإذا جاء ( إذا ) مع الماضي كان معناه مستقبلا كقوله‌‌‌ : فإذا جاءت الطامة " ( 34 - النازعات ) " إذا جاء نصر الله " ( 1 - النصر ) أي يجيء ( للملائكة ) جمع ملك وأصله مألك من المألكة والألوكة والألوك وهي الرسالة فقلبت فقيل ملأك ثم حذفت الهمزة طلبا للخفة لكثرة استعماله ونقلت حركتها إلى اللام فقيل ملك .

وأراد بهم الملائكة الذين كانوا في الأرض وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض وخلق الملائكة والجن فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن الأرض فغبروا فعبدوا دهرا طويلا في الأرض ثم ظهر فيهم الحسد والبغي فأفسدوا وقتلوا فبعث الله إليهم جندا من الملائكة يقال لهم الجن وهم خزان الجنان اشتق لهم من الجنة رأسهم إبليس وكان رئيسهم ومرشدهم وأكثرهم علما فهبطوا إلى الأرض فطردوا الجن إلى شعوب الجبال ( وبطون الأودية ) وجزائر البحور وسكنوا الأرض وخفف الله عنهم العبادة فأعطى الله إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنة وكان يعبد الله تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة فدخله العجب فقال في نفسه ما أعطاني الله هذا الملك إلا لأني أكرم الملائكة عليه فقال الله تعالى له ولجنده : ( إني جاعل ) خالق .

( في الأرض خليفة ) أي بدلا منكم ورافعكم إلي فكرهوا ذلك لأنهم كانوا أهون الملائكة عبادة والمراد بالخليفة هاهنا آدم سماه خليفة لأنه خلف الجن أي جاء بعدهم وقيل لأنه يخلفه غيره والصحيح أنه خليفة الله في أرضه لإقامة أحكامه وتنفيذ وصاياه ( قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ) بالمعاصي .

( ويسفك الدماء ) بغير حق أي كما فعل بنو الجان فقاسوا الشاهد على الغائب وإلا فهم ما كانوا يعلمون الغيب ( ونحن نسبح بحمدك ) قال الحسن : نقول سبحان الله وبحمده وهو صلاة الخلق وصلاة البهائم وغيرهما ( سوى الآدميين وعليها يرزقون .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر أنا عبد الغافر بن محمد أنا محمد بن عيسى أنا إبراهيم بن محمد بن سفيان أنا مسلم بن الحجاج أنا زهير بن حرب أنا حبان بن هلال أنا وهيب أنا سعيد الجريري عن أبي عبد الله الجسري عن عبادة بن الصامت عن أبي ذر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الكلام أفضل قال ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده سبحان الله وبحمده وقيل ونحن نصلي بأمرك ، قال ابن عباس : كل ما في القرآن من التسبيح فالمراد منه الصلاة ( ونقدس لك ) أي نثني عليك بالقدس والطهارة وقيل ونطهر أنفسنا لطاعتك وقيل وننزهك .

واللام صلة وقيل لم يكن هذا من الملائكة على طريق الاعتراض والعجب بالعمل بل على سبيل التعجب وطلب وجه الحكمة فيه ( قال ) الله ( إني أعلم ما لا تعلمون ) المصلحة فيه ، وقيل إني أعلم أن في ذريته من يطيعني ويعبدني من الأنبياء والأولياء والعلماء وقيل إني أعلم أن فيكم من يعصيني وهو إبليس وقيل إني أعلم أنهم يذنبون وأنا أغفر لهم .

قرأ أهل الحجاز والبصرة إني أعلم بفتح الياء وكذلك كل ياء إضافة استقبلها ألف مفتوحة إلا في مواضع معدودة ويفتحون في بعض المواضع عند الألف المضمومة والمكسورة ( وعند غير الألف ) وبين القراء في تفصيله اختلاف

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكر يا محمد «إذ قال ربُّك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» يخلفني في تنفيذ أحكامي فيها وهو آدم «قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها» بالمعاصي «ويسفك الدماء» يريقها بالقتل كما فعل بنو الجان وكانوا فيها فلما أفسدوا أرسل الله عليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال «ونحن نسبِّح» متلبسين «بحمدك» أي نقول سبحان الله وبحمده «ونقِّدس لك» ننزهك عمالا يليق بك فاللام زائدة والجملة حال أي فنحن أحق بالاستخلاف «قال» تعالى «إني أعلم ما لا تعلمون» من المصلحة في استخلاف آدم، وأن ذريته فيهم المطيع والعاصي فيظهر العدل بينهم فقالوا لن يخلق ربنا خلقاً أكرم عليه منا ولا أعلم لسبقنا له ورؤيتنا ما لم يره فخلق الله تعالى آدم من أديم الأرض أي وجهها، بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها وعجنت بالمياه المختلفة وسوَّاهُ ونفخ فيه الروح فصار حيواناً حسَّاساً بعد أن كان جماداً.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكر -أيها الرسول- للناس حين قال ربك للملائكة: إني جاعل في الأرض قومًا يخلف بعضهم بعضًا لعمارتها.

قالت: يا ربَّنا علِّمْنا وأَرْشِدْنا ما الحكمة في خلق هؤلاء، مع أنَّ من شأنهم الإفساد في الأرض واراقة الدماء ظلما وعدوانًا ونحن طوع أمرك، ننزِّهك التنزيه اللائق بحمدك وجلالك، ونمجِّدك بكل صفات الكمال والجلال؟

قال الله لهم: إني أعلم ما لا تعلمون من الحكمة البالغة في خلقهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

في هذه الآيات الكريمة عطف - سبحانه - قصة خلق آدم أبي البشر على قصة خلق الأنفس وخلق السماوات والأرض انتقالا في الاستدلال على أن الله واحد ، وجمعاً بين تعدد الأدلة وبين مختلف الحوادث وأصلها ، حتى يكون التدليل أجمع ، والإِيمان بالله أقوى وأثبت .وإذ وإذا ظرفان للزمان ، الأول للماضي والثاني للمستقبل ، فإن جاء إذ مع المضارع أفاد الماضي كقوله :( وَإِذْ تَقُولُ للذي أَنعَمَ الله عَلَيْهِ .

.

.

) وإن جاء إذا مع الماضي أفاد الاستقبال كقوله : ( إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح ) وإذ هنا واقعة موقع المفعول به لعامل مقدر دل عليه المقام .والمعنى : واذكر يا محمد وقت أن قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة .وقد جاء هذا المقدر هنا مصرحاً به في آيات أخرى كما قال تعالى :( واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ ) والملائكة جمع ملك .

والتاء لتأنيث الجمع ، وأصله ملأك ، من ملك ، نحو شمال من شمل ، والهمزة زائدة وهو مقلوب مالك ، وقيل : إن ملاك من لأك إذا أرسل ، ومنه الألوكة ، أي : الرسالة .والملائكة ، هم جند من خلق الله ، ركز الله فيهم العقل والفهم ، وفطرهم على الطاعة ، وأقدرهم على التشكيل بأشكال مختلفة ، وعلى الأعمال العظيمة الشاقة ، ووصفهم في القرآن بأوصاف كثيرة منها أنهم ( يُسَبِّحُونَ الليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ ) وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ( وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ) ومنها : أنهم رسل الله أرسلهم بأمره " ومنهم رسل الوحي إلى من اصطفاهم من خلقه للنبوة والرسالة .

قال تعالى :( جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً ) وقال تعالى : ( الله يَصْطَفِي مِنَ الملائكة رُسُلاً وَمِنَ الناس ) وقال - تعالى - ( يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ) و ( الخليفة ) من يخلف غيره وينوب منابه ، فهو فعيل بمعنى فاعل ، والتاء فيه للمبالغة ، والمراد به آدم - عليه السلام - لأنه كان خليفة من الله في الأرض ، وكذلك سائر الأنبياء استخلفهم الله - تعالى - في عمارة الأرض ، وسياسة الناس ، وتكميل نفوسهم ، وإجراء أحكامه عليهم ، وتنفيذ أوامره فيهم .

وقيل : آدم وذريته ، لأنه يخلف بعضهم بعضاً في عمارة الأرض ، واستغنى بذكره عن ذكر ذريته لكونه الأصل .وخطاب الله لملائكته بأنه سيجعل في الأرض خليفة ، ليس المقصود منه المشورة ، وإنما خاطبهم بذلك من أجل ما ترتب عليه من سؤالهم عن وجه الحكمة من هذه الخلافة ، وما أجيبوا به من بعد ، أو من أجل تعليم العباد المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم وإن كان هو - سبحانه - بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة .

أو الحكمة تعظيم شأن المجهول ، وإظهار فضله ، بأن بشر بوجود سكان ملكوته ، ونوه بعظيم شأن المجعول بذكره في الملأ الأعلى قبل إيجاده ، ولقبه بالخليفة .ثم حكى - سبحانه - إجابة الملائكة فقال :( قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ) .الفساد : الخروج عن الاعتدال والاستقامة ويضاده الصلاح .

يقال فسد الشيء فساداً وفسوداً وأفسده غيره .والسفك : الصب والإِهراق ، يقال : سفكت الدم والدمع سفكاً - من باب ضرب - صببته .

والفاعل سافك وسفاك ، والمراد به حصول التقاتل بين أفراد بني الإِنسان ظلماً وعدواناً .والتسبيح : مشتق من السبح وهو المر السريع في الماء أو في الهواء ، فالمسبح مسرع في تنزيه الله وتبرئته من السوء .والتقديس : التطهير والتعظيم ووصفه بما يليق به من صفات الكمال .فيكون التسبيح نفى ما لا يليق ، والتقديس إثبات ما يليق ، وقدم التسبيح على التقديس من باب تقديم التخلية على التحلية .والمعنى : أتجعل في الأرض يا إلهنا من يفسد فيها ويريق الدماء والحال أننا نحن ننزهك عما لا يليق بعظمتك ، تنزيهاً متلبساً بحمدك والثناء عليك ، ونطهر ذكرك عما لا يليق بك تعظيماً لك وتمجيداً .وقولهم : ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا .

.

.

إلخ ) إنما صدر منهم على وجه استطلاع الحكمة في خلق نوع من الكائنات يصدر منه الإِفساد في الأرض وسفك الدماء .

وقطعهم بحكمة الله في كل ما يفعل لا ينافي تعجبهم من بعض أفعاله ، لأن التعجب يصدر عن خفاء سبب الفعل ، فمن تعجب من فعل شيء وأحب الاطلاع على الحكمة الباعثة على فعله لا يعد منكرا .والملائكة لا يعلمون الغيب ، فلابد أن يكونوا قد علموا ماذا سيكون من الفساد في الأرض وسفك الدماء بوجه من الوجوه التي يطلع الله بها على غيبه بعض المصطفين الأخبار من خلقه .قال الإِمام ابن كثير في توضيح هذا المعنى : قوله - تعالى - ( أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء ) أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص ، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية ، فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صلصال من حمأ مسنون ، أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ما يقع بينهم من المظالم .

ويردعهم عن المحارم والمآثم .

.

وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه البعض .

.

وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك ، يقولون يا ربنا ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ، ويسفك الدماء فإن كان المراد عبادتك فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ، ولا يصدر منا شيء من ذلك فهلا وقع الاقتصار علينا؟وقد رد الله - تعالى - على الملائكة بقوله : ( قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .أي : إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم ، فإني سأجعل فيهم الأنبياء ، وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار والمقربون والعلماء العاملون والمحبون له - تعالى - المتعبون رسله .فالجملة الكريمة إرشاد لهم إلى الأمر الذي من شأنه أن يقف بهم عند حدود الأدب اللائق بمقام الخالق - عز وجل - وتنبيه إلى أنه - تعالى - عالم بما لا يحيط به علم أحد من خلقه ، فله أن يفعل ما يشاء ويأمر بما يشاء ،وليس من أدب المؤمنين بأنه العليم الحكيم أن يسألوه حين يأمرهم بشيء ، أو يعلمهم بأنه سيفعل شيئاً ، عن حكمة ما أمر به أو ما سيفعله ، بل شأنهم أن يتجهوا إلى استطلاع حكمة الأفعال والأوامر من أنفسهم ، فإذا أدركوها فقد ظفروا بأمنيتهم ، وإن وقفت عقولهم دونها ، ففي تسليمهم لقدر الله ، وامتثالهم لأوامره الكفاية في القيام بحق التكليف والفوز برضا الله ، الذي هو الغاية من الإِيمان به والإِقبال على طاعته .قال بعض العلماء : " وفي هذه الآية الكريمة تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم عن تكذيب بعض الناس له ، لأنه إذا كان الملأ الأعلى قد مثلو على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون ، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين - وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين ، أي : فعليك يا محمد أن تصبر على هؤلاء المكذبين ، وترشد المسترشدين ، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذه الآية دالة على كيفية خلقة آدم عليه السلام وعلى كيفية تعظيم الله تعالى إياه فيكون ذلك إنعاماً عاماً على جميع بني آدم فيكون هذا هو النعمة الثالثة من تلك النعم العامة التي أوردها في هذا الموضع ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: في إذ قولان: أحدهما: أنه صلة زائدة إلا أن العرب يعتادون التكلم بها والقرآن نزل بلغة العرب.

الثاني: وهو الحق أنه ليس في القرآن ما لا معنى له وهو نصب بإضمار اذكر، والمعنى أذكر لهم قال ربك للملائكة فأضمر هذا لأمرين: أحدهما: أن المعنى معروف.

والثاني: أن الله تعالى قد كشف ذلك في كثير من المواضع كقوله: ﴿ واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف  ﴾ وقال: ﴿ واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ  ﴾ ، ﴿ وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا أَصْحَٰبَ ٱلْقَرْيَةِ إِذْ جَآءَهَا ٱلْمُرْسَلُونَ  إِذْ أَرْسَلْنَآ إِلَيْهِمُ ٱثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوٓا إِنَّآ إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ  ﴾ والقرآن كله كالكلمة الواحدة ولا يبعد أن تكون هذه المواضع المصرحة نزلت قبل هذه السورة فلا جرم ترك ذلك هاهنا اكتفاء بذلك المصرح.

قال صاحب الكشاف: ويجوز أن ينتصب إذ بقالوا.

المسألة الثانية: الملك أصله من الرسالة، يقال ألكني إليه أي أرسلني إليه والمألكة والألوكة الرسالة وأصله الهمزة من ملأكة حذفت الهمزة وألقيت حركتها على ما قبلها طلباً للخفة لكثرة استعمالها، قال صاحب الكشاف: الملائك جمع ملأك على الأصل كالشمائل في جمع شمأل وإلحاق التاء لتأنيث الجمع.

المسألة الثالثة: من الناس من قال: الكلام في الملائكة ينبغي أن يكون مقدماً على الكلام في الأنبياء لوجهين: الأول: أن الله تعالى قدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالرسل في قوله: ﴿ والمؤمنون كُلٌّ ءامَنَ بالله وَمَلَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ  ﴾ ولقد قال عليه السلام: «ابدؤا بما بدأ الله به» الثاني: أن الملك واسطة بين الله وبين الرسول في تبليغ الوحي والشريعة فكان مقدماً على الرسول، ومن الناس من قال: الكلام في النبوات مقدم على الكلام في الملائكة لأنه لا طريق لنا إلى معرفة وجود الملائكة بالعقل بل بالسمع، فكان الكلام في النبوات أصلاً للكلام في الملائكة فلا جرم وجب تقديم الكلام في النبوات، والأولى أن يقال الملك قبل النبي بالشرف والعلية وبعده في عقولنا وأذهاننا بحسب وصولنا إليها بأفكارنا.

واعلم أنه لا خلاف بين العقلاء في أن شرف الرتبة للعالم العلوي هو وجود الملائكة فيه كما أن شرف الرتبة للعالم السفلى هو وجود الإنسان فيه إلا أن الناس اختلفوا في ماهية الملائكة وحقيقتهم وطريق ضبط المذاهب أن يقال: الملائكة لابد وأن تكون ذوات قائمة بأنفسها ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أولا تكون، أما الأول: وهو أن تكون الملائكة ذوات متحيزة فهنا أقوال: أحدها: أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات، وهذا قول أكثر المسلمين.

وثانياً: قول طوائف من عبدة الأوثان وهو أن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والأنحاس فإنها بزعمهم أحياء ناطقة، وأن المسعدات منها ملائكة الرحمة والمنحسات منها ملائكة العذاب.

وثالثها: قول معظم المجوس والثنوية وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين وهما النور والظلمة، وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران متضادا النفس والصورة مختلفا الفعل والتدبير، فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر، وينفع ولا يمنع، ويحيى ولا يبلى وجوهر الظلمة على ضد ذلك.

ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء.

وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة جسمانية.

القول الثاني: أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ولا بأجسام فهاهنا قولان: أحدهما: قول طوائف من النصارى وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين.

وثانيهما: قول الفلاسفة: وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية وأنها أكمل قوة منها وأكثر علماً منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إن هذه الجواهر على قسمين، منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ما هي لا على شيء من تدبير الأفلاك بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السموات كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة.

فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما، ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي، ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة وإن كانت شريرة فهم الشياطين، فهذا تفصيل مذاهب الناس في الملائكة واختلف أهل العلم في أنه هل يمكن الحكم بوجودها من حيث العقل أو لا سبيل إلى إثباتها إلا بالسمع؟

أما الفلاسفة فقد اتفقوا على أن في العقل دلائل تدل على وجود الملائكة، ولنا معهم في ت <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ ﴾ نصب بإضمار اذكر.

ويجوز أن ينتصب بقالوا.

والملائكة: جمع ملأك على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع.

و ﴿ جَاعِلٌ ﴾ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله: ﴿ فِى الارض خَلِيفَةً ﴾ فكانا مفعوليه.

ومعناه مُصَيّرٌ في الأرض خليفة.

والخليفة: من يخلف غيره.

والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته.

فإن قلت: فهلا قيل: خلائف، أو خلفاء؟

قلت: أريد بالخليفة آدم.

واستغني بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في قولك: مضر وهاشم.

أو أريد من يخلفكم، أو خلفاً يخلفكم فوحد لذلك.

وقرئ: ﴿ خليقة ﴾ بالقاف ويجوز أن يريد: خليفة مني، لأنّ آدم كان خليفة الله في ارضه وكذلك كلّ نبي ﴿ إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الارض ﴾ [ص: 26] .

فإن قلت: لأي غرض أخبرهم بذلك؟

قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم.

وقيل: ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير.

فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟

قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة.

وقرئ: ﴿ يسفُك ﴾ ، بضم الفاء.

ويُسفك.

ويَسفك، من أسفك.

وسفك.

والواو في ﴿ وَنَحْنُ ﴾ للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان.

والتسبيح: تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء.

وقدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد.

و ﴿ بِحَمْدِكَ ﴾ في موضع الحال، أي نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك؛ لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك.

﴿ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم.

فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟

قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة، وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة.

على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أَتبعه من قوله ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا ﴾ واشتقاقهم ﴿ ءادَمَ ﴾ من الأدمة، ومن أديم الأرض، نحو اشتقاقهم (يعقوب) من العقب، و(إدريس) من الدرس، و(إبليس) من الإبلاس.

وما آدم إلا اسم أعجمي؛ وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، وعازر، وعابر وشالخ.

وفالغ، وأشباه ذلك ﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لابد له من مسمى، وعوض منه اللام كقوله: ﴿ واشتعل الرأس ﴾ [مريم: 4] .

فإن قلت: هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأن الأصل: وعلم آدم مسميات الأسماء؟

قلت: لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات لقوله: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ ، ﴿ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم ﴾ فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل: أنبئوني بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق التعليم بها.

فإن قلت: فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟

قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات.

وإنما ذكّر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم.

وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء إرادة للرد عليهم، وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا.

فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض ﴾ استحضار لقوله لهم: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح.

وقرئ: ﴿ وعُلم آدم ﴾ على البناء للمفعول.

وقرأ عبد الله: ﴿ عرضهن ﴾ .

وقرأ أُبيّ: ﴿ عرضها ﴾ .

والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها: لأن العرض لا يصح في الأسماء.

وقرئ: ﴿ أنبيهم ﴾ بقلب الهمزة ياء.

﴿ وأنبهم ﴾ بحذفها والهاء مكسورة فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ تَعْدادٌ لِنِعْمَةٍ ثالِثَةٍ تَعُمُّ النّاسَ كُلَّهُمْ، فَإنَّ خَلْقَ آدَمَ وإكْرامَهُ وتَفْضِيلَهُ عَلى مَلائِكَتِهِ بِأنْ أمَرَهم بِالسُّجُودِ لَهُ، إنْعامٌ يَعُمُّ ذُرِّيَّتَهُ.

وإذْ: ظَرْفٌ وُضِعَ لِزَمانِ نِسْبَةٍ ماضِيَةٍ وقَعَ فِيهِ أُخْرى، كَما وُضِعَ إذا لِزَمانِ نِسْبَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ يَقَعُ فِيهِ أُخْرى، ولِذَلِكَ يَجِبُ إضافَتُهُما إلى الجُمَلِ كَحَيْثُ في المَكانِ، وبُنِيَتا تَشْبِيهًا لَهُما بِالمَوْصُولاتِ، واسْتُعْمِلَتا لِلتَّعْلِيلِ والمُجازاةِ، ومَحَلُّهُما النَّصْبُ أبَدًا بِالظَّرْفِيَّةِ فَإنَّهُما مِنَ الظُّرُوفِ الغَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ لِما ذَكَرْناهُ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واذْكُرْ أخا عادٍ إذْ أنْذَرَ قَوْمَهُ بِالأحْقافِ ﴾ ونَحْوُهُ، فَعَلى تَأْوِيلِ: اذْكُرِ الحادِثَ إذْ كانَ كَذا، فَحُذِفَ الحادِثُ وأُقِيمَ الظَّرْفُ مَقامَهُ، وعامِلُهُ في الآيَةِ قالُوا، أوِ اذْكُرْ عَلى التَّأْوِيلِ المَذْكُورِ لِأنَّهُ جاءَ مَعْمُولًا لَهُ صَرِيحًا في القُرْآنِ كَثِيرًا، أوْ مُضْمَرٌ دَلَّ عَلَيْهِ مَضْمُونُ الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، مِثْلَ وبَدَأ خَلْقَكم إذْ قالَ، وعَلى هَذا فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَلَقَ لَكم داخِلَةٌ في حُكْمِ الصِّلَةِ.

وعَنْ مَعْمَرٍ أنَّهُ مَزِيدٌ.

والمَلائِكَةُ جَمْعُ مَلْأكٍ عَلى الأصْلِ كالشَّمائِلِ جَمْعِ شَمْألٍ، والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وهو مَقْلُوبُ مَأْلَكٍ مِنَ الألُوكَةِ وهِيَ: الرِّسالَةُ، لِأنَّهم وسائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعالى وبَيْنَ النّاسِ، فَهم رُسُلُ اللَّهِ.

أوْ كالرُّسُلِ إلَيْهِمْ.

واخْتَلَفَ العُقَلاءُ في حَقِيقَتِهِمْ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها ذَواتٌ مَوْجُودَةٌ قائِمَةٌ بِأنْفُسِها.

فَذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى أنَّها أجْسامٌ لَطِيفَةٌ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ، مُسْتَدِلِّينَ بِأنَّ الرُّسُلَ كانُوا يَرَوْنَهم كَذَلِكَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ مِنَ النَّصارى: هي النُّفُوسُ الفاضِلَةُ البَشَرِيَّةُ المُفارِقَةُ لِلْأبْدانِ.

وزَعَمَ الحُكَماءُ أنَّهم جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ مُخالِفَةٌ لِلنُّفُوسِ النّاطِقَةِ في الحَقِيقَةِ، مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ شَأْنُهُمُ الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ جَلَّ جَلالُهُ والتَّنَزُّهُ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ، كَما وصَفَهم في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ فَقالَ تَعالى: ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ﴾ وهُمُ العِلِّيُّونَ والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ.

وقِسْمٌ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ وجَرى بِهِ القَلَمُ الإلَهِيُّ ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ ﴾ وهُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا، فَمِنهم سَماوِيَّةٌ، ومِنهم أرْضِيَّةٌ، عَلى تَفْصِيلٍ أُثْبِتُهُ في كِتابِ الطَّوالِعِ.

والمَقُولُ لَهُمُ: المَلائِكَةُ كُلُّهم لِعُمُومِ اللَّفْظِ وعَدَمِ المُخَصَّصِ، وقِيلَ مَلائِكَةُ الأرْضِ، وقِيلَ إبْلِيسُ ومَن كانَ مَعَهُ في مُحارَبَةِ الجِنِّ، فَإنَّهُ تَعالى أسْكَنَهم في الأرْضِ أوَّلًا فَأفْسَدُوا فِيها، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ إبْلِيسَ في جُنْدٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَدَمَّرَهم وفَرَّقَهم في الجَزائِرِ والجِبالِ.

وجاعِلٌ: مِن جَعَلَ الَّذِي لَهُ مَفْعُولانِ وهُما في الأرْضِ خَلِيفَةً أعْمَلَ فِيهِما، لِأنَّهُ بِمَعْنى المُسْتَقْبَلِ ومُعْتَمِدٌ عَلى مُسْنَدٍ إلَيْهِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى خالِقٍ.

والخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ ويَنُوبُ مَنابَهُ، والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالِغَةِ، والمُرادُ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّهُ كانَ خَلِيفَةَ اللَّهِ في أرْضِهِ، وكَذَلِكَ كُلُّ نَبِيٍّ اسْتَخْلَفَهُمُ اللَّهُ في عِمارَةِ الأرْضِ وسِياسَةِ النّاسِ وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ وتَنْفِيذِ أمْرِهِ فِيهِمْ، لا لِحاجَةٍ بِهِ تَعالى إلى مَن يَنُوبُهُ، بَلْ لِقُصُورِ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ عَنْ قَبُولِ فَيْضِهِ، وتَلَقِّي أمْرِهِ بِغَيْرِ وسَطٍ، ولِذَلِكَ لَمْ يَسْتَنْبِئْ مَلَكًا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلا ﴾ ألا تَرى أنَّ الأنْبِياءَ لَمّا فاقَتْ قُوَّتُهُمْ، واشْتَعَلَتْ قَرِيحَتُهم بِحَيْثُ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، أرْسَلَ إلَيْهِمُ المَلائِكَةَ ومَن كانَ مِنهم أعْلى رُتْبَةٍ كَلَّمَهُ بِلا واسِطَةٍ، كَما كَلَّمَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المِيقاتِ، ومُحَمَّدًا  لَيْلَةَ المِعْراجِ، ونَظِيرُ ذَلِكَ في الطَّبِيعَةِ أنَّ العَظْمَ لَمّا عَجَزَ عَنْ قَبُولِ الغِذاءِ مِنَ اللَّحْمِ لِما بَيْنَهُما مِنَ التَّباعُدِ، جَعَلَ البارِي تَعالى بِحِكْمَتِهِ بَيْنَهُما الغُضْرُوفَ المُناسِبَ لَهُما لِيَأْخُذَ مِن هَذا ويُعْطِيَ ذَلِكَ.

أوْ خَلِيفَةُ مَن سَكَنَ الأرْضَ قَبْلَهُ، أوْ هو وذُرِّيَّتُهُ لِأنَّهم يَخْلُفُونَ مَن قَبْلَهُمْ، أوْ يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا.

وإفْرادُ اللَّفْظِ: إمّا لِلِاسْتِغْناءِ بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ بَنِيهِ كَما اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ أبِي القَبِيلَةِ في قَوْلِهِمْ: مُضَرَ وهاشِمٍ.

أوْ عَلى تَأْوِيلِ مَن يَخْلُفُكُمْ، أوْ خَلَفًا يُخْلِفُكم.

وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى هَذا لِلْمَلائِكَةِ تَعْلِيمُ المُشاوَرَةِ، وتَعْظِيمُ شَأْنِ المَجْعُولِ، بِأنْ بَشَّرَ عَزَّ وجَلَّ بِوُجُودِ سُكّانِ مَلَكُوتِهِ، ولَقَّبَهُ بِالخَلِيفَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ، وإظْهارُ فَضْلِهِ الرّاجِحِ عَلى ما فِيهِ مِنَ المَفاسِدِ بِسُؤالِهِمْ وجَوابِهِ وبَيانِ أنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي إيجادَ ما يَغْلِبُ خَيْرُهُ، فَإنَّ تَرْكَ الخَيْرِ الكَثِيرِ لِأجْلِ الشَّرِّ القَلِيلِ شَرٌّ كَثِيرٌ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ تَعَجُّبٌ مِن أنْ يَسْتَخْلِفَ لِعِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها مَن يُفْسِدُ فِيها، أوْ يَسْتَخْلِفُ مَكانَ أهْلِ الطّاعَةِ أهْلَ المَعْصِيَةِ، واسْتِكْشافٌ عَمّا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحِكْمَةِ الَّتِي بَهَرَتْ تِلْكَ المَفاسِدَ وألْغَتْها، واسْتِخْبارٌ عَمّا يُرْشِدُهم ويُزِيحُ شُبْهَتَهم كَسُؤالِ المُتَعَلِّمِ مُعَلِّمَهُ عَمّا يَخْتَلِجُ في صَدْرِهِ، ولَيْسَ بِاعْتِراضٍ عَلى اللَّهِ تَعالى جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، ولا طَعْنٍ في بَنِي آدَمَ عَلى وجْهِ الغَيْبَةِ، فَإنَّهم أعْلى مِن أنْ يُظَنَّ بِهِمْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ ﴾ ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ وهم بِأمْرِهِ يَعْمَلُونَ ﴾ وإنَّما عَرَفُوا ذَلِكَ بِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أوْ تَلَقٍّ مِنَ اللَّوْحِ، أوِ اسْتِنْباطٍ عَمّا رَكَزَ في عُقُولِهِمْ أنَّ العِصْمَةَ مِن خَواصِّهِمْ، أوْ قِياسٍ لِأحَدِ الثَّقَلَيْنِ عَلى الآخَرِ.

والسَّفْكُ والسَّبْكُ والسَّفْحُ والشَّنُّ أنْواعٌ مِنَ الصَّبِّ، فالسَّفْكُ يُقالُ في الدَّمِ والدَّمْعِ، والسَّبْكُ في الجَواهِرِ المُذابَةِ، والسَّفْحُ في الصَّبِّ مِن أعْلى، والشَّنُّ في الصَّبِّ مِن فَمِ القِرْبَةِ ونَحْوِها، وكَذَلِكَ السَّنُّ، وقُرِئَ « يُسْفَكُ» عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ، فَيَكُونُ الرّاجِعُ إلى (مَن) سَواءٌ جُعِلَ مَوْصُولًا أوْ مَوْصُوفًا مَحْذُوفًا، أيْ: يُسْفَكُ الدِّماءُ فِيهِمْ.

﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ حالٌ مُقَرِّرَةٌ لِجِهَةِ الإشْكالِ كَقَوْلِكَ: أتُحْسِنُ إلى أعْدائِكَ وأنا الصَّدِيقُ المُحْتاجُ القَدِيمُ.

والمَعْنى: أتَسْتَخْلِفُ عُصاةً ونَحْنُ مَعْصُومُونَ أحِقّاءُ بِذَلِكَ، والمَقْصُودُ مِنهُ الِاسْتِفْسارُ عَمّا رَجَّحَهم ومَعَ ما هو مُتَوَقَّعٌ مِنهم.

عَلى المَلائِكَةِ المَعْصُومِينَ في الِاسْتِخْلافِ، لا العُجْبِ والتَّفاخُرِ.

وكَأنَّهم عَلِمُوا أنَّ المَجْعُولَ خَلِيفَةٌ ذُو ثَلاثِ قُوًى عَلَيْها مَدارُ أمْرِهِ: شَهَوِيَّةٌ وغَضَبِيَّةٌ تُؤَدِّيانِ بِهِ إلى الفَسادِ وسَفْكِ الدِّماءِ، وعَقْلِيَّةٌ تَدْعُوهُ إلى المَعْرِفَةِ والطّاعَةِ.

ونَظَرُوا إلَيْها مُفْرَدَةً وقالُوا: ما الحِكْمَةُ في اسْتِخْلافِهِ، وهو بِاعْتِبارِ تِينِكَ القُوَّتَيْنِ لا تَقْتَضِي الحِكْمَةُ إيجادَهُ فَضْلًا عَنِ اسْتِخْلافِهِ، وأمّا بِاعْتِبارِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ فَنَحْنُ نُقِيمُ ما يُتَوَقَّعُ مِنها سَلِيمًا عَنْ مُعارَضَةِ تِلْكَ المَفاسِدِ.

وغَفَلُوا عَنْ فَضِيلَةِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنَ القُوَّتَيْنِ إذا صارَتْ مُهَذَّبَةً مِطْواعَةً لِلْعَقْلِ، مُتَمَرِّنَةً عَلى الخَيْرِ كالعِفَّةِ والشَّجاعَةِ ومُجاهَدَةً الهَوى والإنْصافِ.

ولَمْ يَعْلَمُوا أنَّ التَّرْكِيبَ يُفِيدُ ما يَقْصُرُ عَنْهُ الآحادُ، كالإحاطَةِ بِالجُزْئِيّاتِ واسْتِنْباطِ الصِّناعاتِ واسْتِخْراجِ مَنافِعِ الكائِناتِ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ الَّذِي هو المَقْصُودُ مِنَ الِاسْتِخْلافِ، وإلَيْهِ أشارَ تَعالى إجْمالًا بِقَوْلِهِ: ﴿ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ والتَّسْبِيحُ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ وكَذَلِكَ التَّقْدِيسُ، مِن سَبَحَ في الأرْضِ والماءِ، وقَدَسَ في الأرْضِ إذا ذَهَبَ فِيها وأبْعَدَ، ويُقالُ قَدُسَ إذا طَهُرَ لِأنَّ مُطَهِّرَ الشَّيْءِ مُبْعِدٌ لَهُ عَنِ الأقْذارِ.

وبِحَمْدِكَ في مَوْضِعِ الحالِ، أيْ: مُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِكَ عَلى ما ألْهَمْتَنا مَعْرِفَتَكَ ووَفَّقْتَنا لِتَسْبِيحِكَ، تَدارَكُوا بِهِ ما أوْهَمَ إسْنادَ التَّسْبِيحِ إلى أنْفُسِهِمْ، ونُقَدِّسُ لَكَ نُطَهِّرُ نُفُوسَنا عَنِ الذُّنُوبِ لِأجْلِكَ، كَأنَّهم قابَلُوا الفَسادَ المُفَسَّرَ بِالشِّرْكِ عِنْدَ قَوْمٍ بِالتَّسْبِيحِ، وسَفْكَ الدِّماءِ الَّذِي هو أعْظَمُ الأفْعالِ الذَّمِيمَةِ بِتَطْهِيرِ النُّفُوسِ عَنِ الآثامِ وقِيلَ: نُقَدِّسُكَ واللّامُ مَزِيدَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

لما خلق الله تعالى الأرض أسكن فيها الجن وأسكن في السماء الملائكة فأفسدت الجن في الأرض فبعث إليهم طائفة من الملائكة فطردتهم إلى جزائر البحار ورءوس الجبال وأقاموا مكانهم فأمر نبيه عليه السلام أن يذكر قصتهم فقال {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة} إذ نصب بإضمار اذكر والملائكة جمع ملاك كالشمائل جمع شمأل والحاق التاء بتأنيث الجمع {إِنّي جَاعِلٌ} أي مصير من جعل الذي له مفعولان وهما {فِي الأرض خَلِيفَةً} وهو من يخلف غيره فعيلة بمعنى فاعلة وزيدت الهاء للمبالغة والمعنى خليفة منكم

لأنهم كانوا سكان الأرض فخلقهم فيها آدم وذريته ولم يقل خلاف أو خلفاء لأنه أريد بالخليفة آدم واستغنى بذكره عن ذكر بنيه كما تستغني بذكر أبي القبيلة في قولك مضر وهاشم أو اريد من يخلفكم أو خلفا يخلفكم فوحد لذلك أو خليفة مني لأن آدم كان خليفة الله في أرضه وكذلك كل نبى قال الله تعالى {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} وإنما أخبرهم بذلك ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم أو ليعلِّم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنياً عن المشاورة {قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا} تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يجهل وإنما عرفوا ذلك بإخبار من الله تعالى أو من جهة اللوح أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر {وَيَسْفِكُ الدماء} أي يصب والواو في {وَنَحْنُ نُسَبِّحُ} للحال كما تقول أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان {بِحَمْدِكَ} في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك كقوله تعالى {وَقَدْ دَّخَلُواْ بالكفر} أي دخلوا كافرين {وَنُقَدِّسُ لَكَ} ونطهر أنفسنا لك وقيل التسبيح والتقديس تبعيد الله من السوء من سبح في الأرض وقدس فيها إذا ذهب فيها وأبعد {قَالَ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي أعلم من الحكم في ذلك ما هو خفي عليكم يعني يكون فيهم الأنبساء والأولياء والعلماء وما بمعنى الذي وهو مفعول أعلم والعائد محذوف أى مالا تعلمونه إنى حجازى وأبو عمرو

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لَمّا امْتَنَّ سُبْحانَهُ عَلى مَن تَقَدَّمَ بِما تَقَدَّمَ أتْبَعَ ذَلِكَ بِنِعْمَةٍ عامَّةٍ، وكَرامَةٍ تامَّةٍ، والإحْسانُ إلى الأصْلِ إحْسانٌ إلى الفَرْعِ، والوَلَدُ سِرُّ أبِيهِ، وإذْ ظَرْفُ زَمانٍ لِلْماضِي مَبْنِيٌّ لِشَبَهِهِ بِالحَرْفِ وضْعًا وافْتِقارًا، ويَكُونُ ما بَعْدَها جُمْلَةً فِعْلِيَّةً أوِ اسْمِيَّةً، ويُسْتَفادُ الزَّمانُ مِنها بِأنْ يَكُونَ ثانِي جُزْأيْها فِعْلًا، أوْ يَكُونَ مَضْمُونُها مَشْهُورًا بِالوُقُوعِ في الزَّمانِ المُعَيَّنِ، وإذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ قَلَبَتْهُ إلى الماضِي، وهي مُلازِمَةٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، إلّا أنْ يُضافَ إلَيْها زَمانٌ، وفي وُقُوعِها مَفْعُولًا بِهِ، أوْ حَرْفَ تَعْلِيلٍ أوْ مُفاجَأةٍ، أوْ ظَرْفَ مَكانٍ، أوْ زائِدَةً، خِلافٌ، وفي البَحْرِ إنَّها لا تَقَعُ، وإذا اسْتُفِيدَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ فَمِنَ المَقامِ، واخْتَلَفَ المُعْرِبُونَ فِيها هُنا، فَقِيلَ: زائِدَةٌ، وبِمَعْنى قَدْ، وفي مَوْضِعِ رَفْعٍ، أيِ ابْتِداءُ خَلْقِكم إذْ، وفي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِمُقَدَّرٍ، أيِ ابْتَدَأ خَلْقُكُمْ، أوْ أحْياكم إذْ، ويُعْتَبَرُ وقْتًا مُمْتَدًّا لا حِينَ القَوْلِ، ويُقالُ: بَعْدَها، ومَعْمُولُ (لِخَقَلَكُمُ) المُتَقَدِّمُ، والواوُ زائِدَةٌ، والفَصْلُ بِما يَكادُ أنْ يَكُونَ سُورَةً، ومُتَعَلِّقٌ بِاذْكُرْ، ويَكْفِي في صِحَّةِ الظَّرْفِيَّةِ ظَرْفِيَّةُ المَفْعُولِ كَرَمَيْتُ الصَّيْدَ في الحَرَمِ، وهَذِهِ عِدَّةُ أقْوالٍ بَعْضُها غَيْرُ صَحِيحٍ، والبَعْضُ فِيهِ تَكَلُّفٌ، فاللّائِقُ أنْ تُجْعَلَ مَنصُوبَةً بِقالُوا الآتِي، وبَيْنَهُما تَناسُبٌ ظاهِرٌ، والجُمْلَةُ بِما فِيها عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَها عَطْفُ القِصَّةِ عَلى القِصَّةِ، كَذا قِيلَ، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ المَشْهُورَ القَوْلُ الأخِيرُ، ولَعَلَّهُ الأوْلى، فَتَدَبَّرْ، ولا يَخْفى لُطْفُ الرَّبِّ هُنا، مُضافًا إلى ضَمِيرِهِ بِطَرِيقِ الخِطابِ، وكانَ في تَنْوِيعِهِ والخُرُوجِ مِن عامِّهِ إلى خاصِّهِ رَمْزًا إلى أنَّ المُقْبَلَ عَلَيْهِ بِالخِطابِ لَهُ الحَظُّ الأعْظَمُ والقِسْمُ الأوْفَرُ مِنَ الجُمْلَةِ المُخْبَرِ بِها، فَهو صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى الحَقِيقَةِ الخَلِيفَةُ الأعْظَمُ في الخَلِيقَةِ، والإمامُ المُقَدَّمُ في الأرْضِ والسَّماواتِ العُلى، ولَوْلاهُ ما خُلِقَ آدَمُ، بَلْ (ولا ولا) ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ سَيِّدِي ابْنِ الفارِضِ حَيْثُ يَقُولُ عَنْ لِسانِ الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ: وإنِّي وإنْ كُنْتُ ابْنَ آدَمَ صُورَةً فَلِي فِيهِ مَعْنًى شاهِدٌ بِأُبُوَّتِي واللّامُ الجارَّةُ لِلتَّبْلِيغِ، (والمَلائِكَةُ) جَمْعُ مَلْئَكٍ عَلى وزْنِ شَمائِلَ وشَمْألٍ، وهو مَقْلُوبُ مَأْلَكٍ، صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ عِنْدَ الكِسائِيِّ، وهو مُخْتارُ الجُمْهُورِ مِنَ الألُوكَةِ، وهي الرِّسالَةُ، فَهم رُسُلٌ إلى النّاسِ، وكالرُّسُلِ إلَيْهِمْ، وقِيلَ: لا قَلْبَ، فابْنُ كَيْسانَ إلى أنَّهُ فَعالٌ مِنَ المَلَكِ بِزِيادَةِ الهَمْزَةِ، لِأنَّهُ مالِكٌ ما جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ، أوْ لِقُوَّتِهِ، فَإنَّ (م ل ك) يَدُورُ مَعَ القُوَّةِ والشِّدَّةِ يُقالُ: مَلَكْتُ العَجِينَ شَدَدْتَ عَجْنَهُ، وهو اشْتِقاقٌ بَعِيدٌ، وفَعالٌ قَلِيلٌ، وأبُو عُبَيْدَةَ إلى أنَّهُ مَفْعَلٍ مِن لاكَ، إذا أرْسَلَ، مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أوِ اسْمُ مَكانٍ عَلى المُبالَغَةِ، وهو اشْتِقاقٌ بَعِيدٌ أيْضًا، ولَمْ يَشْتَهِرْ لاكَ، وكَثُرَ في الِاسْتِعْمالِ الكُنِّيِّ إلَيْهِ، أيْ كُنْ لِي رَسُولًا، ولَمْ يَجِئْ سِوى هَذِهِ الصِّيغَةِ فاعْتَبِرْهُ مَهْمُوزَ العَيْنِ، وأنَّ أصْلَهُ: ألاكَنِي، وبَعْضٌ جَعَلَهُ أجْوَفَ مِن لاكَ، يَلُوكُ، والتّاءُ لِتَأْنِيثِ الجَمْعِ، وقِيلَ: لِلْمُبالَغَةِ، ولَمْ يُجْعَلْ لِتَأْنِيثِ اللَّفْظِ، كالظُّلْمَةِ لِاعْتِبارِهِمُ التَّأْنِيثَ المَعْنَوِيَّ في كُلِّ جَمْعٍ حَيْثُ قالُوا: كُلُّ جَمْعٍ مُؤَنَّثٌ بِتَأْوِيلِ الجَماعَةِ، وقَدْ ورَدَ بِغَيْرِ تاءٍ في قَوْلِهِ: أبا خالِدٍ صَلَّتْ عَلَيْكَ المَلائِكُ.

واخْتَلَفَ النّاسُ في حَقِيقَتِها بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّها مَوْجُودَةٌ سَمْعًا أوْ عَقْلًا، فَذَهَبَ أكْثَرُ المُسْلِمِينَ إلى أنَّها أجْسامٌ نُورانِيَّةٌ، وقِيلَ: هَوائِيَّةٌ قادِرَةٌ عَلى التَّشَكُّلِ والظُّهُورِ بِأشْكالٍ مُخْتَلِفَةٍ بِإذْنِ اللَّهِ تَعالى، وقالَتِ النَّصارى: إنَّها الأنْفُسُ النّاطِقَةُ المُفارِقَةُ لا بُدَّ أنَّها الصّافِيَةُ الخَيِّرَةُ، والخَبِيثَةُ عِنْدَهم شَياطِينُ، وقالَ عَبَدَةُ الأوْثانِ: إنَّها هَذِهِ الكَواكِبُ السُّعُدُ مِنها مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ، والنَّحُسُ مَلائِكَةُ العَذابِ، والفَلاسِفَةُ يَقُولُونَ: إنَّها جَواهِرُ مُجَرَّدَةٌ مُخالِفَةٌ لِلنُّفُوسِ النّاطِقَةِ في الحَقِيقَةِ، وصَرَّحَ بَعْضُهم بِأنَّها العُقُولُ العَشَرَةُ، والنُّفُوسُ الفَلَكِيَّةُ الَّتِي تُحَرِّكُ الأفْلاكَ، وهي عِنْدَنا مُنْقَسِمَةٌ إلى قِسْمَيْنِ، قِسْمٌ شَأْنُهُمُ الِاسْتِغْراقُ في مَعْرِفَةِ الحَقِّ والتَّنَزُّهِ عَنِ الِاشْتِغالِ بِغَيْرِهِ، يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتَرُونَ، وهُمُ العِلِّيُّونَ، والمَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ، وقِسْمٌ يُدَبِّرُ الأمْرَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ عَلى ما سَبَقَ بِهِ القَضاءُ، وجَرى بِهِ القَلَمُ لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ، وهُمُ المُدَبِّراتُ أمْرًا، فَمِنهم سَماوِيَّةٌ، ومِنهم أرْضِيَّةٌ، ولا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ، وفي الخَبَرِ: «(أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ قَدَمٍ إلّا وفِيهِ مَلَكٌ ساجِدٌ أوْ راكِعٌ)،» وهم مُخْتَلِفُونَ في الهَيْئاتِ، مُتَفاوِتُونَ في العِظَمِ، لا يَراهم عَلى ما هم عَلَيْهِ إلّا أرْبابُ النُّفُوسِ القُدْسِيَّةِ، وقَدْ يَظْهَرُونَ بِأبْدانٍ يَشْتَرِكُ في رُؤْيَتِها الخاصُّ والعامُّ، وهم عَلى ما هم عَلَيْهِ حَتّى قِيلَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في وقْتِ ظُهُورِهِ في صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ بَيْنَ يَدَيِ المُصْطَفى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ لَمْ يُفارِقْ سِدْرَةَ المُنْتَهى، ومِثْلُهُ يَقَعُ لِلْكُمَّلِ مِنَ الأوْلِياءِ، وهَذا ما وراءَ طَوْرِ العَقْلِ، وأنا بِهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وقَدْ ذَكَرَ أهْلُ اللَّهِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ أوَّلَ مَظْهَرٍ لِلْحَقِّ جَلَّ شَأْنُهُ العَما، ولَمّا انْصَبَغَ بِالنُّورِ فَتَحَ فِيهِ صُوَرَ المَلائِكَةِ المُهِيمِينَ الَّذِينَ هم فَوْقَ عالَمِ الأجْسادِ الطَّبِيعِيَّةِ، ولا عَرْشَ، ولا مَخْلُوقَ تَقَدَّمَهُمْ، فَلَمّا أوْجَدَهم تَجَلّى لَهم بِاسْمِهِ الجَمِيلِ، فَهامُوا في جَلالِ جَمالِهِ، فَهم لا يُفِيقُونَ، فَلَمّا شاءَ أنْ يَخْلُقَ عالَمَ التَّدْوِينِ والتَّسْطِيرِ عَيَّنَ واحِدًا مِن هَؤُلاءِ، وهو أوَّلُ مَلَكٍ ظَهَرَ عَنْ مَلائِكَةِ ذَلِكَ النُّورِ، سَمّاهُ العَقْلَ والقَلَمَ، وتَجَلّى لَهُ في مَجْلى التَّعْلِيمِ الوَهْبِيِّ بِما يُرِيدُ إيجادَهُ مِن خَلْقِهِ لا إلى غايَةٍ، فَقَبِلَ بِذاتِهِ عِلْمَ ما يَكُونُ، وما لِلْحَقِّ مِنَ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الطّالِبَةِ صُدُورَ هَذا العالَمِ الخُلُقِيِّ، فاشْتَقَّ مِن هَذا العَقْلِ ما سَمّاهُ اللَّوْحَ، وأمَرَ القَلَمَ أنْ يَتَدَلّى إلَيْهِ، ويُودِعَ فِيهِ ما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، لا غَيْرُ، فَجَعَلَ لِهَذا العِلْمِ ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ سِنًّا مِن كَوْنِهِ قَلَمًا، ومِن كَوْنِهِ عَقْلًا ثَلاثَمِائَةٍ وسِتِّينَ تَجَلِّيًا، أوْ رَقِيقَةً، كُلُّ سِنٍّ أوْ رَقِيقَةٍ تَفْتَرِقُ مِن ثَلاثِمِائَةٍ وسِتِّينَ صِنْفًا مِنَ العُلُومِ الإجْمالِيَّةِ في فَصْلِها في اللَّوْحِ، وأوَّلُ عِلْمٍ حَصَلَ فِيهِ عِلْمُ الطَّبِيعَةِ فَكانَتْ دُونَ النَّفْسِ، وهَذا كُلُّهُ في عالَمِ النُّورِ الخالِصِ، ثُمَّ أوْجَدَ سُبْحانَهُ الظُّلْمَةَ المَحْضَةَ الَّتِي هي في مُقابَلَةِ هَذا النُّورِ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ المُطْلَقِ، المُقابِلِ لِلْوُجُودِ المُطْلَقِ، فَأفاضَ عَلَيْها النُّورَ إفاضَةً ذاتِيَّةً بِمُساعَدَةِ الطَّبِيعَةِ، فَلَأمَ شَعَثَها ذَلِكَ النُّورُ، فَظَهَرَ العَرْشُ فاسْتَوى عَلَيْهِ اسْمُ الرَّحْمَنِ بِالِاسْمِ الظّاهِرِ، فَهو أوَّلُ ما ظَهَرَ مِن عالَمِ الخَلْقِ، وخَلَقَ مِن ذَلِكَ النُّورِ المُمْتَزِجِ المَلائِكَةَ الحافِّينَ، ولَيْسَ لَهم شُغْلٌ إلّا كَوْنُهم حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِهِ، ثُمَّ أوْجَدَ الكُرْسِيَّ في جَوْفِ هَذا العَرْشِ، وجَعَلَ فِيهِ مَلائِكَةً مِن جِنْسِ طَبِيعَتِهِ، فَكُلُّ فَلَكٍ أصْلٌ لِما خُلِقَ فِيهِ مِن عُمّارِهِ، كالعَناصِرِ فِيما خَلَقَ فِيها مِن عُمّارِها، وقَسَّمَ في هَذا الكُرْسِيِّ الكَلِمَةَ إلى خَبَرٍ، وحِكَمٍ، وهُما القَدَمانِ اللَّتانِ تَدَلَّتا لَهُ مِنَ العَرْشِ، كَما ورَدَ في الخَبَرِ، ثُمَّ خَلَقَ في جَوْفِ الكُرْسِيِّ الأفْلاكَ فَلَكًا في جَوْفِ فَلَكٍ، وخَلَقَ في كُلِّ فَلَكٍ عالَمًا مِنهُ يُعَمِّرُونَهُ، وزَيَّنَها بِالكَواكِبِ، وأوْحى في كُلِّ سَماءٍ أمْرَها، إلى أنْ خَلَقَ صُوَرَ المُوَلَّداتِ، وتَجَلّى لِكُلِّ صِنْفٍ مِنها، بِحَسَبِ ما هي عَلَيْهِ، فَتَكَوَّنَ مِن ذَلِكَ أرْواحُ الصُّوَرِ، وأمَرَها بِتَدْبِيرِها، وجَعَلَها غَيْرَ مُنْقَسِمَةٍ، بَلْ ذاتًا واحِدَةً، ومَيَّزَ بَعْضَها عَنْ بَعْضٍ، فَتَمَيَّزَتْ، وكانَ تَمْيِيزُها بِحَسَبِ قَبُولِ الصُّوَرِ مِن ذَلِكَ التَّجَلِّي، وهَذِهِ الصُّوَرُ في الحَقِيقَةِ كالمَظاهِرِ لِتِلْكَ الأرْواحِ، ثُمَّ أحْدَثَ سُبْحانَهُ الصُّوَرَ الجَسَدِيَّةَ الخَيالِيَّةَ بِتَجَلٍّ آخَرَ، وجَعَلَ لِكُلٍّ مِنَ الأرْواحِ والصُّوَرِ غِذاءً يُناسِبُهُ، ولا يَزالُ الحَقُّ سُبْحانَهُ يَخْلُقُ مِن أنْفاسِ العالَمِ مَلائِكَةً ما دامُوا مُتَنَفِّسِينَ، وسُبْحانَ مَن يَقُولُ لِلشَّيْءِ كُنْ فَيَكُونُ، إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فاعْلَمْ أنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في المَلائِكَةِ المَقُولِ لَهُمْ، فَقِيلَ: كُلُّهم لِعُمُومِ اللَّفْظِ، وعَدَمِ المُخَصَّصِ، فَشَمِلَ المُهِيمِينَ، وغَيْرَهُمْ، وقِيلَ: مَلائِكَةُ الأرْضِ بِقَرِينَةِ أنَّ الكَلامَ في خِلافَةِ الأرْضِ، وقِيلَ: إبْلِيسُ، ومَن كانَ مَعَهُ في مُحارَبَةِ الجِنِّ الَّذِينَ أُسْكِنُوا الأرْضَ دَهْرًا طَوِيلًا فَفَسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ جُنْدًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ الجِنُّ أيْضًا، وهم خُزّانُ الجَنَّةِ، اشْتُقَّ لَهُمُ اسْمٌ مِنها، فَطَرَدُوهم إلى شُعُوبِ الجِبالِ والجَزائِرِ، والَّذِي عَلَيْهِ السّادَةُ الصُّوفِيَّةُ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّهم ما عَدا العالَمِينَ مِمَّنْ كانَ مُودَعًا شَيْئًا مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وأنَّ العالَمِينَ غَيْرُ داخِلِينَ في الخِطابِ، ولا مَأْمُورِينَ بِالسُّجُودِ، لِاسْتِغْراقِهِمْ، وعَدَمِ شُعُورِهِمْ بِسِوى الذّاتِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أسْتَكْبَرْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ العالِينَ ﴾ يُشِيرُ إلى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ، وجَعَلُوا مِن أُولَئِكَ المَلَكَ المُسَمّى بِالرُّوحِ وبِالقَلَمِ الأعْلى، وبِالعَقْلِ الأوَّلِ، وهو المِرْآةُ لِذاتِهِ تَعالى، فَلا يَظْهَرُ بِذاتِهِ إلّا في هَذا المَلَكِ، وظُهُورُهُ في جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ إنَّما هو بِصِفاتِهِ، فَهو قُطْبُ العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ والأُخْرَوِيِّ وقُطْبُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، وأهْلِ الكَثِيبِ والأعْرافِ، وما مِن شَيْءٍ إلّا ولِهَذا المَلَكِ فِيهِ وجْهٌ يَدُورُ ذَلِكَ المَخْلُوقُ عَلى وجْهِهِ فَهو قُطْبُهُ، وهو قَدْ كانَ عالِمًا بِخَلْقِ آدَمَ، ورُتْبَتِهِ، فَإنَّهُ الَّذِي سَطَّرَ في اللَّوْحِ ما كانَ، وما يَكُونُ، واللَّوْحُ قَدْ عَلِمَ عِلْمَ ذَوْقٍ ما خَطَّهُ القَلَمُ فِيهِ، وقَدْ ظَهَرَ هَذا المَلَكُ بِكَمالِهِ في الحَقِيقَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ ولِهَذا كانَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أفْضَلَ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى عَلى الإطْلاقِ، بَلْ هو الخَلِيفَةُ عَلى الحَقِيقَةِ في السَّبْعِ الطِّباقِ، ولَيْسَ هَذا بِالبَعِيدِ، فَلْيُفْهَمْ.

(وجاعِلٌ) اسْمُ فاعِلٍ مِنَ الجَعْلِ، بِمَعْنى التَّصْيِيرِ، فَيَتَعَدّى لِاثْنَيْنِ، والأوَّلُ هُنا خَلِيفَةٌ، والثّانِي في الأرْضِ، أوْ بِمَعْنى الخَلْقِ، فَيَتَعَدّى لِواحِدٍ، فَفي الأرْضِ مُتَعَلِّقٌ بِخَلِيفَةٍ، وقُدِّمَ لِلتَّشْوِيقِ، وعَمَلِ الوَصْفِ لِأنَّهُ بِمَعْنى الِاسْتِقْبالِ، ومُعْتَمِدٌ عَلى مُسْنَدٍ إلَيْهِ، ورَجَّحَ في البَحْرِ كَوْنَهُ بِمَعْنى الخَلْقِ، لِما في المُقابِلِ، ويَلْزَمُ عَلى كَوْنِهِ بِمَعْنى التَّصْيِيرِ ذِكْرُ خَلِيفَةٍ، أوْ تَقْدِيرُهُ فِيهِ، والمُرادُ مِنَ الأرْضِ إمّا كُلُّها، وهو الظّاهِرُ، وبِهِ قالَ الجُمْهُورُ، أوْ أرْضُ مَكَّةَ، ورُوِيَ هَذا مَرْفُوعًا، والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَصِحَّ، وإلّا لَمْ يُعْدَلْ عَنْهُ، وخَصَّ سُبْحانَهُ الأرْضَ لِأنَّها مِن عالَمِ التَّغْيِيرِ، والِاسْتِحالاتِ، فَيَظْهَرُ بِحُكْمِ الخِلافَةِ فِيها حُكْمُ جَمِيعِ الأسْماءِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي طَلَبَ الحَقُّ ظُهُورَهُ بِها، بِخِلافِ العالَمِ الأعْلى، والخَلِيفَةُ مَن يَخْلُفُ غَيْرَهُ، ويَنُوبُ عَنْهُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ، ولِهَذا يُطْلَقُ عَلى المُذَكَّرِ، والمَشْهُورُ أنَّ المُرادَ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المُوافِقُ لِلرِّوايَةِ، ولِإفْرادِ اللَّفْظِ، ولِما في السِّياقِ، ونِسْبَةُ سَفْكِ الدَّمِ والفَسادِ إلَيْهِ حِينَئِذٍ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ، أوِ المُرادُ بِمَن يُفْسِدُ إلَخْ، مَن فِيهِ قُوَّةُ ذَلِكَ، ومَعْنى كَوْنِهِ خَلِيفَةً أنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى في أرْضِهِ، وكَذا كُلُّ نَبِيٍّ اسْتَخْلَفَهم في عِمارَةِ الأرْضِ، وسِياسَةِ النّاسِ، وتَكْمِيلِ نُفُوسِهِمْ، وتَنْفِيذِ أمْرِهِ فِيهِمْ لا لِحاجَةٍ بِهِ تَعالى، ولَكِنْ لِقُصُورِ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ، لِما أنَّهُ في غايَةِ الكُدُورَةِ والظُّلْمَةِ الجِسْمانِيَّةِ، وذاتُهُ تَعالى في غايَةِ التَّقَدُّسِ، والمُناسَبَةُ شَرْطٌ في قَبُولِ الفَيْضِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ العادَةُ الإلَهِيَّةُ، فَلا بُدَّ مِن مُتَوَسِّطٍ ذِي جِهَتَيْ تَجَرُّدٍ وتَعَلُّقٍ لِيَسْتَفِيضَ مِن جِهَةٍ ويَفِيضَ بِأُخْرى، وقِيلَ: هو وذُرِّيَّتُهُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ويُؤَيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِ المَلائِكَةِ، فَإلْزامُهم حِينَئِذٍ بِإظْهارِ فَضْلِ آدَمَ عَلَيْهِمْ لِكَوْنِهِ الأصْلَ المُسْتَتْبِعَ مَن عَداهُ، وهَذا كَما يُسْتَغْنى بِذِكْرِ أبِي القَبِيلَةِ عَنْهُمْ، إلّا أنَّ ذِكْرَ الأبِ بِالعَلَمِ، وما هُنا بِالوَصْفِ، ومَعْنى كَوْنِهِمْ خُلَفاءَ أنَّهم يَخْلُفُونَ مَن قَبْلَهم مِنَ الجِنِّ بَنِي الجانِّ، أوْ مِن إبْلِيسَ ومَن مَعَهُ مِنَ المَلائِكَةِ المَبْعُوثِينَ لِحَرْبِ أُولَئِكَ عَلى ما نَطَقَتْ بِهِ الآثارُ، أوْ أنَّهُ يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا، وعِنْدَ أهْلِ اللَّهِ تَعالى المُرادُ بِالخَلِيفَةِ آدَمُ، وهو عَلَيْهِ السَّلامُ خَلِيفَةُ اللَّهِ تَعالى، وأبُو الخُلَفاءِ، والمُجَلِّي لَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، والجامِعُ لِصِفَتَيْ جَمالِهِ وجَلالِهِ، ولِهَذا جُمِعَتْ لَهُ اليَدانِ، وكِلْتاهُما يَمِينٌ، ولَيْسَ في المَوْجُوداتِ مَن وسِعَ الحَقَّ سِواهُ، ومِن هُنا قالَ الخَلِيفَةُ الأعْظَمُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ عَلى صُورَتِهِ، أوْ عَلى صُورَةِ الرَّحْمَنِ)،» وبِهِ جُمِعَتِ الأضْدادُ، وكَمُلَتِ النَّشْأةُ، وظَهَرَ الحَقُّ، ولَمْ تَزَلْ تِلْكَ الخِلافَةُ في الإنْسانِ الكامِلِ إلى قِيامِ السّاعَةِ، وساعَةِ القِيامِ، بَلْ مَتى فارَقَ هَذا الإنْسانُ العالَمَ ماتَ العالَمُ، لِأنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي بِهِ قِوامُهُ، فَهو العِمادُ المَعْنَوِيُّ لِلسَّماءِ، والدّارُ الدُّنْيا جارِحَةٌ مِن جَوارِحِ جَسَدِ العالَمِ الَّذِي الإنْسانُ رُوحُهُ، ولَمّا كانَ هَذا الِاسْمُ الجامِعُ قابَلَ الحَضْرَتَيْنِ بِذاتِهِ صَحَّتْ لَهُ الخِلافَةُ، وتَدْبِيرُ العالَمِ، واللَّهُ سُبْحانَهُ الفَعّالُ لِما يُرِيدُ، ولا فاعِلَ عَلى الحَقِيقَةِ سِواهُ، وفي المَقامِ ضِيقٌ، والمُنْكِرُونَ كَثِيرُونَ، ولا مُسْتَعانَ إلّا بِاللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وفائِدَةُ قَوْلِهِ تَعالى هَذا لِلْمَلائِكَةِ تَعْلِيمُ المُشاوَرَةِ، لِأنَّ هَذِهِ المُعامَلَةُ تُشْبِهُها، أوْ تَعْظِيمُ شَأْنِ المَجْعُولِ، وإظْهارُ فَضْلِهِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهُ سُبْحانَهُ أرادَ بِذَلِكَ تَعْرِيفَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهُمْ، لِيَعْرِفُوا قَدْرَهُ، لِأنَّهُ باطِنٌ عَنِ الصُّورَةِ الكَوْنِيَّةِ بِما عِنْدَهُ مِنَ الصُّورَةِ الإلَهِيَّةِ، وما يَعْرِفُهُ لِبُطُونِهِ مِنَ المَلَإ الأعْلى، إلّا اللَّوْحُ والقَلَمُ، وكانَ هَذا القَوْلُ عَلى ما ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الأكْبَرُ قُدِّسَ سِرُّهُ في دَوْلَةِ السُّنْبُلَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَبْعَةَ عَشَرَ ألْفَ سَنَةٍ مِن عُمْرِ الدُّنْيا، ومِن عُمْرِ الآخِرَةِ الَّتِي لا نِهايَةَ لَهُ في الدَّوامِ ثَمانِيَةِ آلافِ سَنَةٍ، ومِن عُمْرِ العالَمِ الطَّبِيعِيِّ المُفِيدِ بِالزَّمانِ المَحْصُورِ بِالمَكانِ إحْدى وسَبْعُونَ ألْفَ سَنَةٍ مِنَ السِّنِينَ المَعْرُوفَةِ الحاصِلَةِ أيّامُها مِن دَوْرَةِ الفَلَكِ الأوَّلِ، وهو يَوْمٌ وخُمْسا يَوْمٍ مِن أيّامِ ذِي المَعارِجِ، ولِلَّهِ تَعالى الأمْرُ مِن قَبْلُ ومِن بَعْدُ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ (خَلِيقَةً) بِالقافِ، والمَعْنى واضِحٌ، ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ اسْتِكْشافٌ عَنِ الحِكْمَةِ الخَفِيَّةِ، وعَمّا يُزِيلُ الشُّبْهَةَ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا عَنْ نَفْسِ الجَعْلِ والِاسْتِخْلافِ، لِأنَّهم قَدْ عَلِمُوهُ قَبْلُ، فالمَسْؤُولُ عَنْهُ هو الجَعْلُ، ولَكِنْ لا بِاعْتِبارِ ذاتِهِ بَلْ بِاعْتِبارِ حِكْمَتِهِ، ومُزِيلِ شُبْهَتِهِ، أوْ تَعَجُّبٌ مِن أنْ يُسْتَخْلَفَ لِعِمارَةِ الأرْضِ وإصْلاحِها مَن يُفْسِدُ فِيها، أوْ يُسْتَخْلَفُ مَكانَ أهْلِ الفَسادِ مِثْلُهُمْ، أوْ مَكانَ أهْلِ الطّاعَةِ أهْلُ المَعْصِيَةِ، وقِيلَ: اسْتِفْهامٌ مَحْضٌ حُذِفَ فِيهِ المُعادِلُ، أيْ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ أمْ تَجْعَلُ مَن لا يُفْسِدُ، وجَعَلَهُ بَعْضُهم مِنَ الجُمْلَةِ الحالِيَّةِ، أيْ أتَجْعَلُ فِيها كَذا، ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، أمْ نَتَغَيَّرُ، واخْتارَ ذَلِكَ شَيْخُنا عَلاءُ الدِّينِ المَوْصِلِيُّ رَوَّحَ اللَّهُ تَعالى رُوحَهُ، والأدَبُ يُسْكِتُنِي عَنْهُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَيْسَتِ الهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ، كَما زَعَمَتْهُ الحَشْوِيَّةُ مُسْتَدِلِّينَ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ عِصْمَةِ المَلائِكَةِ لِاعْتِراضِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى، وطَعْنِهِمْ في بَنِي آدَمَ، ومِنَ العَجِيبِ أنَّ مَوْلانا الشَّعَرانِيَّ وهو مِن أكابِرِ أهْلِ السُّنَّةِ، بَلْ مِن مَشايِخِ أهْلِ اللَّهِ تَعالى نَقَلَ عَنْ شَيْخِهِ الخَواصِّ أنَّهُ خَصَّ العِصْمَةَ بِمَلائِكَةِ السَّماءِ، مُعَلِّالًا لَهُ بِأنَّهم عُقُولٌ مُجَرَّدَةٌ بِلا مُنازِعٍ ولا شَهْوَةٍ، وقالَ: إنَّ المَلائِكَةَ الأرْضِيَّةَ غَيْرُ مَعْصُومِينَ، ولِذَلِكَ وقَعَ إبْلِيسُ فِيما وقَعَ، إذْ كانَ مِن مَلائِكَةِ الأرْضِ السّاكِنِينَ بِجَبَلِ الياقُوتِ بِالمَشْرِقِ عِنْدَ خَطِّ الِاسْتِواءِ، فَعَلَيْهِ لا يَبْعُدُ الِاعْتِراضُ مِمَّنْ كانَ في الأرْضِ والعِياذُ بِاللَّهِ تَعالى، ويُسْتَأْنَسُ لَهُ بِما ورَدَ في بَعْضِ الأخْبارِ أنَّ القائِلِينَ كانُوا عَشَرَةَ آلافٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ نارٌ فَأحْرَقَتْهُمْ، وعِنْدِي أنَّ ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحٍ، وقِيلَ: إنَّ القائِلَ إبْلِيسُ، وقَدْ كانَ إذْ ذاكَ مَعْدُودًا في عِدادِ المَلائِكَةِ، ويَكُونُ نِسْبَةُ القَوْلِ إلَيْهِمْ عَلى حَدِّ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، والوَجْهُ ما قَرَّرْنا، وتَكْرارُ الظَّرْفِ لِلدِّلالَةِ عَلى الإفْراطِ في الفَسادِ، ولَمْ يُكَرِّرْهُ بَعْدُ لِلِاكْتِفاءِ مَعَ ما في التَّكْرارِ مِمّا لا يَخْفى، (والسَّفْكُ) الصَّبُّ والإراقَةُ، ولا يُسْتَعْمَلُ إلّا في الدَّمِ، أوْ فِيهِ وفي الدَّمْعِ، والعَطْفُ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلْإشارَةِ إلى عِظَمِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، لِأنَّهُ بِها تَتَلاشى الهَياكِلُ الجِسْمانِيَّةُ، (والدِّماءُ) جَمْعُ دَمٍ لامُهُ ياءٌ، أوْ واوٌ، وقَصْرُهُ وتَضْعِيفُهُ مَسْمُوعانِ، وأصْلُهُ فَعْلٌ، أوْ فَعَلٌ، والمُرادُ بِها المُحَرَّمَةُ بِقَرِينَةِ المَقامِ، وقِيلَ: الِاسْتِغْراقُ، فَيَتَضَمَّنُ جَمِيعَ أنْواعِها مِنَ المَحْظُورِ وغَيْرِهِ، والمَقْصُودُ عَدَمُ تَمْيِيزِهِ بَيْنَها، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (يَسْفُكُ) بِضَمِّ الفاءِ، ويُسْفِكُ مَن أسْفَكَ وبِالتَّضْعِيفِ مِن سَفَكَ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ بِنَصْبِ الكافِ، وخُرِّجَ عَلى النَّصْبِ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، وقُرِئَ عَلى البِناءِ لِلْمَجْهُولِ، والرّاجِعُ إلى مَن حِينَئِذٍ سَواءٌ جُعِلَ مَوْصُولًا أوْ مَوْصُوفًا مَحْذُوفٌ، أيْ فِيهِمْ، وحُكْمُ المَلائِكَةِ بِالإفْسادِ والسَّفْكِ عَلى الإنْسانِ بِناءً عَلى بَعْضِ هاتِيكَ الوُجُوهِ لَيْسَ مِنَ ادِّعاءِ عِلْمِ الغَيْبِ أوِ الحُكْمِ بِالظَّنِّ والتَّخْمِينِ، ولَكِنْ بِإخْبارٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، ولَمْ يَقُصَّ عَلَيْنا فِيما حَكى عَنْهُمُ اكْتِفاءً بِدِلالَةِ الجَوابِ عَلَيْهِ لِلْإيجازِ، كَما هو عادَةُ القُرْآنِ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ في بَعْضِ الآثارِ، أنَّهُ لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ قالُوا: وما يَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ؟

قالَ: تَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةٌ يُفْسِدُونَ في الأرْضِ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالُوا: رَبَّنا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ، وقِيلَ: عَرَفُوا ذَلِكَ مِنَ اللَّوْحِ، ويُبْعِدُهُ عَدَمُ عِلْمِ الجَوابِ، ويَحْتاجُ الجَوابُ إلى تَكَلُّفٍ، وقِيلَ: عَرَفُوهُ اسْتِنْباطًا عَمّا رَكَزَ في عُقُولِهِمْ مِن عَدَمِ عِصْمَةِ غَيْرِهِمُ المُفْضِي إلى العِلْمِ بِصُدُورِ المَعْصِيَةِ عَمَّنْ عَداهُمُ المُفْضِي إلى التَّنازُعِ والتَّشاجُرِ، إذْ مَن لا يَرْحَمُ نَفْسَهُ لا يَرْحَمُ غَيْرَهُ، وذَلِكَ يُفْضِي إلى الفَسادِ وسَفْكِ الدِّماءِ، وقِيلَ: قِياسًا لِأحَدِ الثَّقَلَيْنِ عَلى الآخَرِ بِجامِعِ اشْتِراكِهِما في عَدَمِ العِصْمَةِ، ولا يَخْفى ما في القَوْلَيْنِ، ويُحْتَمَلُ أنَّهم عَلِمُوا ذَلِكَ مِن تَسْمِيَتِهِ خَلِيفَةً، لِأنَّ الخِلافَةَ تَقْتَضِي الإصْلاحَ وقَهْرَ المُسْتَخْلَفِ عَلَيْهِ، وهو يَسْتَلْزِمُ أنْ يَصْدُرَ مِنهُ فَسادٌ، إمّا في ذاتِهِ، بِمُقْتَضى الشَّهْوَةِ، أوْ في غَيْرِهِ مِنَ السَّفْكِ، أوْ لِأنَّها مَجْلى الجَلالِ كَما أنَّها مَجْلى الجَمال، ولِكُلٍّ آثارٌ، والإفْسادُ والسَّفْكُ مِن آثارِ الجَلالِ، وسَكَتُوا عَنْ آثارِ الجَمالِ إذْ لا غَرابَةَ فِيها، وهم عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ ما قَدَرُوا اللَّهَ تَعالى حَقَّ قَدْرِهِ، ولا يُخِلُّ ذَلِكَ بِهِمْ، فَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ، ﴿ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في ﴿ أتَجْعَلُ ﴾ وفِيها تَقْرِيرٌ لِجِهَةِ الإشْكالِ، والمَعْنى: تَسْتَخْلِفُ مَن ذُكِرَ ونَحْنُ المَعْصُومُونَ، ولَيْسَ المَقْصُودُ إلّا الِاسْتِفْسارَ عَنِ المُرَجِّحِ لا العَجَبَ والتَّفاخُرَ، حَتّى يَضُرَّ بِعِصْمَتِهِمْ، كَما زَعَمَتِ الحَشْوِيَّةُ، ولُزُومُ الضَّمِيرِ، وتَرْكُ الواوِ في الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ إذا وقَعَتْ حالًا مُؤَكِّدَةً غَيْرُ مُسَلَّمٍ، كَما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ، وصِيغَةُ المُضارِعِ لِلِاسْتِمْرارِ وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى المُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِلِاخْتِصاصِ، ومِنَ الغَرِيبِ جَعْلُ الجُمْلَةِ اسْتِفْهامِيَّةً حُذِفَ مِنها الأداةُ، وكَذا المُعادِلُ، والتَّسْبِيحُ في الأصْلِ مُطْلَقُ التَّبْعِيدِ، والمُرادُ بِهِ تَبْعِيدُ اللَّهِ تَعالى عَنِ السُّوءِ، وهو مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ، ويُعَدّى بِاللّامِ إشْعارًا بِأنَّ إيقاعَ الفِعْلِ لِأجْلِ اللَّهِ تَعالى، وخالِصًا لِوَجْهِهِ سُبْحانَهُ، فالمَفْعُولُ المُقَدَّرُ ها هُنا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِاللّامِ عَلى وفْقِ قَرِينَةٍ، وأنْ يَكُونَ بِدُونِهِ كَما هو أصْلُهُ، (وبِحَمْدِكَ) في مَوْضِعِ الحالِ، والباءُ لِاسْتِدامَةِ الصُّحْبَةِ والمَعِيَّةِ، وإضافَةُ الحَمْدِ إمّا إلى الفاعِلِ، والمُرادُ لازِمُهُ مَجازًا مِنَ التَّوْفِيقِ والهِدايَةِ، أوْ إلى المَفْعُولِ أيْ مُتَلَبِّسِينَ بِحَمْدِنا لَكَ عَلى ما وفَّقْتَنا لِتَسْبِيحِكَ، وفي ذَلِكَ نَفْيُ ما يُوهِمُهُ الإسْنادُ مِنَ العَجَبِ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ تَسْبِيحٌ خاصٌّ، وهُوَ: سُبْحانَ ذِي المُلْكِ والمَلَكُوتِ، سُبْحانَ ذِي العَظَمَةِ والجَبَرُوتِ، سُبْحانَ الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ، ويُعْرَفُ هَذا بِتَسْبِيحِ المَلائِكَةِ، أوْ سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، وفي حَدِيثٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ عَنْ أبِي ذَرٍّ «أنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سُئِلَ: أيُّ الكَلامِ أفْضَلُ؟

قالَ: (ما اصْطَفى اللَّهُ تَعالى لِمَلائِكَتِهِ، أوْ لِعِبادِهِ، سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ)،» أيْ وبِحَمْدِهِ نُسَبِّحُ، والتَّقْدِيسُ في المَشْهُورِ كالتَّسْبِيحِ مَعْنًى، واحْتاجُوا لِدَفْعِ التَّكْرارِ إلى أنَّ أحَدَهُما بِاعْتِبارِ الطّاعاتِ والآخَرَ بِاعْتِبارِ الِاعْتِقاداتِ، وقِيلَ: التَّسْبِيحُ تَنْزِيهُهُ تَعالى عَمّا لا يَلِيقُ بِهِ، والتَّقْدِيسُ تَنْزِيهُهُ في ذاتِهِ عَمّا لا يَراهُ لائِقًا بِنَفْسِهِ، فَهو أبْلَغُ، ويَشْهَدُ لَهُ أنَّهُ حَيْثُ جُمِعَ بَيْنَهُما أُخِّرَ، نَحْوُ: سَبُّوحٍ قُدُّوسٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى التَّطْهِيرِ، والمُرادُ نُسَبِّحُكَ ونُطَهِّرُ أنْفُسَنا مِنَ الأدْناسِ أوْ أفْعالَنا مِنَ المَعاصِي، فَلا نَفْعَلُ فِعْلَهم مِنَ الإفْسادِ والسَّفْكِ، أوْ نُطَهِّرُ قُلُوبَنا عَنِ الِالتِفاتِ إلى غَيْرِكَ، ولامُ (لَكَ) إمّا لِلْعِلَّةِ مُتَعَلِّقٌ بِـ(نُقَدِّسُ)، والحَمْلُ عَلى التَّنازُعِ مِمّا فِيهِ تَنازُعٌ، أوْ مُعَدِّيَةٌ لِلْفِعْلِ كَما فِي: سَجَدْتُ لِلَّهِ تَعالى، أوْ لِلْبَيانِ كَما في سَفَهًا لَكَ، فَمُتَعِلِّقُها حِينَئِذٍ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ، أوْ زائِدَةٌ، والمَفْعُولُ هو المَجْرُورُ، ثُمَّ الظّاهِرُ أنَّ قائِلَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو قائِلُ الجُمْلَةِ الأُولى، وأغْرَبَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الدِّينِ الخَزْرَجِيُّ في كِتابِهِ (فَكِّ الأزْرارِ) فَجَعَلَ القائِلَ مُخْتَلِفًا، وبَيَّنَ ذَلِكَ بِأنَّ المَلائِكَةَ كانُوا حِينَ وُرُودِ الخِطابِ عَلَيْهِمْ مُجْمَلِينَ، وكانَ إبْلِيسُ مُنْدَرِجًا في جُمْلَتِهِمْ، فَوَرَدَ الجَوابُ مِنهم مُجْمَلًا، فَلَمّا انْفَصَلَ إبْلِيسُ عَنْ جُمْلَتِهِمْ بِإبائِهِ انْفَصَلَ الجَوابُ إلى نَوْعَيْنِ، فَنَوْعٌ الِاعْتِراضُ مِنهُ، ونَوْعٌ التَّسْبِيحُ والتَّقْدِيسُ مِمَّنْ عَداهُ، فانْقَسَمَ الجَوابُ إلى قِسْمَيْنِ، كانْقِسامِ الجِنْسِ إلى جِنْسَيْنِ، وناسَبَ كُلُّ جَوابٍ مَن ظَهَرَ عَنْهُ، فالكَلامُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا ﴾ وهو تَأْوِيلٌ، لا تَفْسِيرٌ، ﴿ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ أيْ أعْلَمُ مِنَ الحِكَمِ في ذَلِكَ ما أنْتُمْ بِمَعْزِلٍ عَنْهُ، وقِيلَ: أرادَ بِذَلِكَ عِلْمَهُ بِمَعْصِيَةِ إبْلِيسَ، وطاعَةِ آدَمَ، وقِيلَ: بِأنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءُ وصالِحُونَ، وقِيلَ: الأحْسَنُ أنْ يُفَسَّرَ هَذا المُبْهَمُ بِما أخْبَرَ بِهِ تَعالى عَنْهُ، بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ ويُفْهَمُ مِن كَلامِ القَوْمِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم أنَّ المُرادَ مِنَ الآيَةِ بَيانُ الحِكْمَةِ في الخِلافَةِ عَلى أدَقِّ وجْهٍ وأكْمَلِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ جَلَّ شَأْنُهُ: أُرِيدُ الظُّهُورَ بِأسْمائِي وصِفاتِي، ولَمْ يَكْمُلْ ذَلِكَ بِخَلْقِكُمْ، فَإنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَهُ لِقُصُورِ اسْتِعْدادِكُمْ، ونُقْصانِ قابِلِيَّتِكُمْ، فَلا تَصْلُحُونَ لِظُهُورِ جَمِيعِ الأسْماءِ، والصِّفاتِ فِيكُمْ، فَلا تَتِمُّ بِكم مَعْرِفَتِي، ولا يَظْهَرُ عَلَيْكم كَنْزِي، فَلا بُدَّ مِن إظْهارِ مَن تَمَّ اسْتِعْدادُهُ، وكَمُلَتْ قابِلِيَّتُهُ، لِيَكُونَ مَجْلًى لِي، ومِرْآةً لِأسْمائِي وصِفاتِي، ومَظْهَرًا لِلْمُتَقابِلاتِ فِيَّ، ومَظْهَرًا لِما خَفِيَ عِنْدِي، وبِي يَسْمَعُ، وبِي يُبْصِرُ، وبِي وبِي، وبَعْدَ ذاكَ يَرِقُّ الزُّجاجُ، والخَمْرُ، وإلى اللَّهِ عَزَّ شَأْنُهُ يَرْجِعُ الأمْرُ، (وأعْلَمُ) فِعْلٌ مُضارِعٌ، واحْتِمالُ أنَّهُ أفْعَلُ تَفْضِيلٍ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُخَرَّجَ عَلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ سُبْحانَهُ، كَما لا يَخْفى، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، روي عن أبي عبيدة أنه قال: معناه وقال ربك للملائكة وإذ زيادة.

وروي عن الفراء أنه قال: واذكر معناه إذ قال ربك.

وقال مقاتل: معناه، وقد قال ربك للملائكة.

والملائكة: جماعة الملك.

وهذا اللفظ على غير القياس لأنه يقال: ملائكة بالهمز ويقال للواحد: ملك بغير همز.

وإنما قيل ذلك لأنه في الأصل كان مألك بالهمز فأسقط الهمز للتّخفيف.

وأصله من: ألك يألك ألوكاً وهو الرسالة.

كما قال القائل: وَغُلاَمٌ أَرْسَلَتْهُ أُمُّه ...

بِأَلُوكٍ، فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ.

وإنما سميت الملائكة ملائكة، لأنهم رسل الله تعالى وإنما إراد هاهنا بعض الملائكة، «وهم الملائكة الذين كانوا في الأرض.

وذلك أن الله تعالى لما خلق الأرض، خلق الجان مِن مَّارِجٍ مّن نَّارٍ، أي من لهب من نار لا دخان لها، فكثر نسله، وهم الجان بنو الجان، فعملوا في الأرض بالمعاصي وسفكوا الدماء، فبعث الله تعالى ملائكة سماء الدنيا، وأمر عليهم إبليس وكان اسمه عزازيل، حتى هزموا الجن، وأخرجوهم من الأرض إلى جزائر البحار، وسكنوا الأرض فصار الأمر عليهم في العبادة أخف، لأن كل صنف من الملائكة يكون أرفع في السماوات فيكون خوفهم أشد، وملائكة سماء الدنيا يكون أمرهم أيسر من الذين فوقهم، فلما سكنوا الأرض صار الأمر عليهم أخف مما كانوا، وسكنوا الأرض واطمأنوا إليها، وكل من اطمأن إلى الدنيا أمر بالتحول عنها.

فأخبرهم الله تعالى أنه يريد أن يخلق في الأرض خليفة فذلك قوله تعالى وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، يعني الذي هم في الأرض إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً يعني أريد أن أخلق في الأرض خليفة سواكم.

فشق ذلك عليهم وكرهوا ذلك قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها، يعني أتخلق فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيها كما أفسدت الجن وَيَسْفِكُ الدِّماءَ كما سفكت الجن وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، أي نصلي لك بأمرك.

ويقال معناه: نحن نسبح بحمدك ونحمدك وَنُقَدِّسُ لَكَ.

قال بعضهم: نقدس أنفسنا لك، يعني نطهر أنفسنا بالعبادة عن المعصية.

وقال بعضهم: نقدس لك، أي ننسك إلى الطهارة ونقدس أنفسنا لَكَ.

قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، قال مجاهد: علم من إبليس المعصية وعلم من آدم الخدمة والطاعة ولم تعلم الملائكة بذلك.

وقال ابن عباس-  ما-: قد علم أنه سيكون من بني آدم من يسبح بحمده ويقدس له ويطيعه.

ويقال: قد علم الله تعالى أنه سيكون في ولد آدم من الأنبياء والصالحين والأبرار.

وذكر في الخبر أنه لما أراد الله تعالى أن يخلق آدم، بعث جبريل ليجمع التراب من وجه الأرض، فلما نزل جبريل وأراد أن يجمع التراب، قالت له الأرض: بحق الله عليك لا تفعل فإني أخشى أن يخلق من ذلك خلقاً يعصي الله تعالى فأستحي من ربي، فصعد جبريل وقال: لو أمرني ربي بالرجوع إليها لفعلت.

فلما صعد جبريل بعث الله تعالى ميكائيل، فتضرعت إليه الأرض بمثل ذلك، فرجع ميكائيل، فبعث الله تعالى عزرائيل، فتضرعت إليه الأرض، فقال عزرائيل: أمر الله أولى من قولك فجمع التراب من وجه الأرض الطيب والسبخة، والأحمر والأصفر، وغير ذلك، ثم صعد إلى السماء، فقال له تعالى: أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك؟

فقال: رأيت أمرك أوجب من قولها فقال: أنت تصلح لقبض أرواح أولاده.

فصار ذلك التراب طيناً، وكان طيناً أربعين سنة، ثم صار صلصالاً كما قال في آية أخرى خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ [الرحمن: 14] فكان إبليس إذا مر عليه مع الملائكة قال: أرأيتم هذا الذي لم تروا شيئاً من الخلائق يشبهه، إن فضّل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون؟

فقالوا: نطيع أمر ربنا.

فأسر إبليس في نفسه، وقال لئن فضِّل علي لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه.

فلما سوَّاه وَنَفَخَ فِيهِ مِن روحه وعلَّمه أسماء الأشياء التي في الأرض.

يعني ألهمه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في نفسه، واسْتَوى: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء.

ع «١» : أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.

وفَسَوَّاهُنَّ: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ «٢» : فَسَوَّاهُنَّ، أي: خلقهن.

انتهى.

وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ» ، وفي «النازعات» .

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: «إِذْ» ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر، تقديره: واذكر إِذ قال، وإِضافةُ «رَبٍّ» إِلى محمد صلّى الله عليه وسلم، ومخاطبتُهُ بالكاف- تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و «الملائكةُ» : واحدها ملَكٌ، والهاء في «ملائكة» لتأنيث الجُموعِ غير حقيقيٍّ، وقيل: هي للمبالغة كعلّامة ونسّابة، والأول أبين.

وجاعِلٌ في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة: جاعلٌ بمعنى فاعل «٣» ، وقال ابن سابط «٤» عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ لأَنَّ الأَرْضَ دحيت

مِنْ تَحْتِهَا وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بين المقام والرّكن» «١» .

وخَلِيفَةً: معناه: من يخلف.

قال ابن عبَّاس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ «٢» ، بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً «٣» ، وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفةٌ مني في الحُكْمِ «٤» .

وقوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ...

الآيةَ: قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق القول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: ٢٧] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب «٥» : فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة.

قال ابن زيد وغيره: إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ، ويسفكون الدماء «٦» فقالوا لذلك هذه المقالةَ: إِما على طريق التعجُّب من استخلاف الله

من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعاً الاستخلاف، والعصيان.

١٤ أوقال أحمد بن يَحْيَى/ ثَعْلَبٌ «١» وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها ...

«٢»

الآية على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا؟

وقال آخرون: كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرضِ خلْقاً يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: إِنِّي جاعِلٌ قالوا: رَبَّنَا، أَتَجْعَلُ فِيها ...

الآيةَ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل، أو غيره؟

ونحو هذا في «مختصر الطبريِّ» ، قال: وقولهم:

أَتَجْعَلُ فِيها ليس بإنكار لفعله عز وجلّ وحكمه، بل استخبارٌ، هل يكون الأمر هكذا، وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ وسفْكَ الدماء فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إِلا حكمة.

انتهى.

ت: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم- صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم- والسفك صبُّ الدَّمِ، هذا عُرْفُه، وقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ.

قال بعض المتأوّلين: هو على جهة الاستفهام كأنهم أرادوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ...

الآيةَ، أم نتغير عن هذه الحال؟

قال ع «٣» : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم: أَتَجْعَلُ.

وقال آخرون: معناه: التمدُّح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسُفُ:

إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] ، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام لأن يستخلف الله

من يعصيه في قولهم: أَتَجْعَلُ، وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه «١» ، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ» على عرفه «٢» في اللغة، وبِحَمْدِكَ: معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ «٣» قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى؟

إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى:

«سبحان الله وَبِحَمْدِهِ» ، وفي رواية: «سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟

قَالَ:

مَا اصطفى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» «٤» وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم» «٥» وهذا الحديث

به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه.

انتهى.

وَنُقَدِّسُ لَكَ: قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ «١» ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون:

وَنُقَدِّسُ لَكَ: معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره «٢» .

وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

قال ابن عبَّاس: كان إِبليس- لعنه اللَّه- قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ لما جعله الله ١٤ ب خَازِنَ السماء الدنيا/، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني ما في نفس إِبْلِيسَ «٣» .

وقال قتادة: لما قالتِ الملائكةُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعةٍ، قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني: أفعالَ الفضلاء «٤» .

وقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: معناه: عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم: بل تعليمٌ بقولٍ إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خَاصَّته.

ت: قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها، إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة.

انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه، فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله: الْأَسْماءَ:

فقال جمهور الأُمَّة: علَّمه التسميات، وقال قومٌ: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين ولفظة عَلَّمَ تعطي ذلك.

ثم اختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ: علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات دقيقها، وجليلها «١» ، وقال الطبريُّ «٢» : علَّمه أسماء ذريته، والملائكة ورجَّحه بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقال أكثر العلماء: عَلَّمه تعالى منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح.

وقيل غير هذا.

واختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟.

وأَنْبِئُونِي: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ «٣» ، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون.

وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف.

وقوله تعالى: هؤُلاءِ ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمى كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ.

والذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا.

وَهَؤُلاءِ: مبنيٌّ على الكسر، وكُنْتُمْ في موضع الجزمِ بالشرْطِ، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرِّد: محذوفٌ تقديره: إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وناس من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم: معنى الآية: إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك «١» .

ت: وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون كما تقدَّم، والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها ...

الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ﴾ .

كانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: "إذْ" مُلْغاةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ، وتابَعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِما الزَّجّاجُ وابْنُ القاسِمِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إذْ مَعْناها: الوَقْتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ابْتِداءُ خَلْقِكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.

والمَلائِكَةُ: مِنَ الأُلُوكِ، وهي الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيَدُ: وغُلامٌ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألَ وَواحِدُ المَلائِكَةِ: مَلَكٌ، والأصْلُ فِيهِ: مَلْأكُ.

وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنْزِلُ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ قالَ أبُو إسْحاقَ: ومَعْنى مَلْأكِ: صاحِبُ رِسالَةٍ، يُقالُ: مَأْلَكَةٌ ومَأْلُكَةٌ ومَلْأكَةٌ.

ومَآَلُكٌ: جَمْعُ مَأْلُكَةٍ.

قالَ الشّاعِرُ: أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي وَفِي هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ، ذَكَرَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَنُقِلَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ قَبْلَ آَدَمَ خَلْقٌ، فَأفْسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأهْلَكُوهم.

واخْتَلَفُوا ما المَقْصُودُ في إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المَلائِكَةَ بِخَلْقِ آَدَمَ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ في نَفْسِ إبْلِيسَ كِبْرًا، فَأحَبَّ أنْ يُطْلِعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، وأنْ يُظْهِرَ ما سَبَقَ عَلَيْهِ في عِلْمِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَبْلُوَ طاعَةَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ النّارَ خافَتِ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: رَبُّنا لِمَن خَلَقْتَ هَذِهِ؟

قالَ: لِمَن عَصانِي، فَخافُوا وُجُودَ المَعْصِيَةِ مِنهم، وهم لا يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ خَلْقٍ سِواهم، فَقالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ إظْهارَ عَجْزِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، فَأخْبَرَهم حَتّى قالُوا: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها؟

فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ تَعْظِيمَ آَدَمَ بِذِكْرِهِ بِالخِلافَةِ قَبْلَ وُجُودِهِ، لِيَكُونُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ إنْ أوْجَدَهُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِأنَّهُ خَلَقَهُ لِيُسْكِنَهُ الأرْضَ، وإنْ كانَتِ ابْتِداءَ خَلْقِهِ في السَّماءِ.

والخَلِيفَةُ: هو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ، يُقالُ: هَذا خَلْفُ فُلانٍ وخَلِيفَتُهُ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والأصْلُ في الخَلِيفَةِ خَلِيفٌ، بِغَيْرِ هاءٍ، فَدَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِهِ بِهَذا الوَصْفِ، كَما قالُوا: عَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ وراوِيَةٌ.

وفي مَعْنى خِلافَةِ آَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى في إقامَةِ شَرْعِهِ، ودَلائِلِ تَوْحِيدِهِ، والحُكْمِ في خَلْقِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خَلَفُ مَن سَلَفَ في الأرْضِ قَبْلَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ .

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الألِفِ الِاسْتِفْهامُ، دَخَلَ عَلى مَعْنى العِلْمِ لِيَقَعَ بِهِ تَحْقِيقٌ قالَ جَرِيرٌ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ مَعْناهُ: أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ لِاسْتِعْلامِ وجْهِ الحِكْمَةِ، لا عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ.

ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا عَنْ حالِ أنْفُسِهِمْ، فَتَقْدِيرُهُ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أمْ لا؟

وَهَلْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّهم يُفْسِدُونَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمْ قاسُوا عَلى حالِ مَن قَبْلَهُمْ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهم قالُوا: رَبُّنا وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةِ قالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةً يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَتَحاسَدُونَ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالُوا: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ .

والثّانِي: أنَّهم قاسُوهُ عَلى أحْوالِ مَن سَلَفَ قَبْلَ آَدَمَ، رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُقاتِلٍ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الفاءِ، وضَمَّها ابْنُ مُصَرِّفِ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُما لُغَتانِ، ورُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وابْنِ مِقْسَمٍ: ويُسَفِّكُ: بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ السِّينِ، وتَشْدِيدِ الفاءِ مَعَ كَسْرِها، وهي لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ وتَكْرِيرِهِ.

وسَفْكُ الدَّمِ: صَبُّهُ وإراقَتُهُ وسَفْحُهُ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّ مُضَيَّعٍ، إلّا أنَّ السَّفْكَ يَخْتَصُّ الدَّمَ، والصَّبَّ والسَّفْحَ والإراقَةَ يُقالُ في الدَّمِ وفي غَيْرِهِ.

وَفِي مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّعْظِيمُ والحَمْدُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والذُّلُّ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

القُدْسُ: الطَّهارَةُ، وفي مَعْنى تَقْدِيسِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: نَتَطَهَّرُ لَكَ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نُعَظِّمُكَ ونَكْبُرُكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: نُصَلِّي لَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: أعْلَمُ ما في نَفْسِ إبْلِيسَ مِنَ البَغْيِ والمَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أعْلَمُ أنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءٌ وَصالِحُونَ قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أعْلَمُ أنِّي أمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أعْلَمُ عَواقِبَ الأُمُورِ، فَأنا أبْتَلِي مَن تَظُنُّونَ أنَّهُ مُطِيعٌ، فَيُؤَدِّيهِ الِابْتِلاءُ إلى المَعْصِيَةِ كِإبْلِيسَ، ومَن تَظُنُّونَ بِهِ المَعْصِيَةَ فَيُطِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الإشارَةُ إلى خَلْقِ آَدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوى أبُو مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ، عَزَّ وجَلَّ، خَلَقَ آَدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آَدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، مِنهُمُ الأحْمَرُ [والأبْيَضُ ] والأسْوَدُ، وبَيْنَ ذَلِكَ، والسَّهْلُ والحَزَنُ، وبَيْنَ ذَلِكَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ"» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آَدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا" .» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "خَلَقَ اللَّهُ آَدَمَ بَعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمْعَةَ آَخِرَ الخَلْقِ في آَخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمْعَةِ، ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ"» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، أتَتْهُ النَّفْخَةُ مِن قِبَلِ رَأْسِهِ، فَجَعَلَتْ لا تَجْرِي مِنهُ في شَيْءٍ إلّا صارَ لَحْمًا ودَمًا.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ﴾ .

فِي تَسْمِيَةِ آَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأُدْمَةِ في اللَّوْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والنَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وقُطْرُبٌ.

وَفِي الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَّمَهُ كُلَّ الأسْماءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ مَعْدُودَةً لِمُسَمَّياتٍ مَخْصُوصَةٍ.

ثُمَّ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ المَلائِكَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ الأجْناسِ دُونَ أنْواعِها، كَقَوْلِكَ: إنْسانٌ ومَلِكٌ وجِنِّيٌّ وطائِرٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ ما خَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِنَ الدَّوابِّ والهَوامِّ والطَّيْرِ، قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ .

يُرِيدُ أعْيانَ الخَلْقِ عَلى المَلائِكَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَلائِكَةُ هاهُنا: هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ خاصَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْبِئُونِي ﴾ أخْبَرُونِي.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ .

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا هو أفْضَلُ مِنكم وأعْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنِّي أجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: "إذْ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: وقالَ رَبُّكَ.

قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: هَذا اجْتِراءٌ مِن أبِي عُبَيْدَةَ، وكَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما هي مُعَلَّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ.

وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا  ﴾ الآيَةُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: وابْتِداءَ خَلَقَكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وإضافَةُ "رَبُّ" إلى مُحَمَّدٍ  ، ومُخاطَبَتُهُ بِالكافِ تَشْرِيفٌ مِنهُ لَهُ، وإظْهارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ.

والمَلائِكَةُ واحِدُها مَلَكٌ، أصْلُهُ: مَلْأكٌ عَلى وزْنٍ مَفْعَلٌ، مِن لَأكَ إذا أرْسَلَ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ عَلى وزْنِ مُفاعَلَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ مَلَكٍ مَأْلَكٌ مَن ألَكَ إذا أرْسَلَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي واللُغَتانِ مَسْمُوعَتانِ، لَأكَ، وألَكَ، قُلِبَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ بَعْدَ اللامِ فَجاءَ وزْنُهُ مَعْفَلٌ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ، وزْنُهُ مُعافَلَةٌ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ هو مِن مَلَكَ يَمْلِكُ والهَمْزَةُ فِيهِ زائِدَةٌ كَما زِيدَتْ في شَمْألَ مَن شَمِلَ فَوَزْنُهُ فَعْألَ، ووَزْنُ جَمْعِهِ فَعائِلَةٌ، وقَدْ يَأْتِي في الشِعْرِ عَلى أصْلِهِ كَما قالَ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يُصَوِّبُ وأمّا في الكَلامِ فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ أو عَلى العَيْنِ -فِي قَوْلِ ابْنِ كَيْسانَ - فَقِيلَ: مَلَكٌ، والهاءُ في "مَلائِكَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجُمُوعِ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَمْزَةُ في "مَلائِكَةٍ" مُجْتَلَبَةٌ لِأنَّ واحِدَها مَلَكٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الَّذِي نَحا إلَيْهِ ابْنُ كَيْسانَ.

و"جاعِلٌ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خالِقٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي رَوْقٍ، ويَقْضِي بِذَلِكَ تَعَدِّيها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "جاعِلٌ" بِمَعْنى فاعِلٍ.

وقالَ ابْنُ سابِطٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: إنَّ "الأرْضَ" هُنا يَعْنِي بِها مَكَّةَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، ولِأنَّها مَقَرُّ مَن هَلَكَ قَوْمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنَّ قَبْرَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ بَيْنَ المَقامِ والرُكْنِ.

و"خَلِيفَةً" مَعْناهُ: مَن يَخْلُفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الجِنُّ قَبْلَ بَنِي آدَمَ في الأرْضِ فَأفْسَدُوا، وسَفَكُوا الدِماءَ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ قَبِيلًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَهُمْ، وألْحَقَ فَلَّهم بِجَزائِرِ البِحارِ، ورُؤُوسِ الجِبالِ، وجَعَلَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ خَلِيفَةً.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّى اللهَ بَنِي آدَمَ خَلِيفَةً، لِأنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنهم يَخْلُفُ الَّذِي قَبْلَهُ، الجِيلُ بَعْدَ الجِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفي هَذا القَوْلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خالِفَةٍ وَبِمَعْنى مَخْلُوفَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما مَعْناهُ: خَلِيفَةٌ مِنِّي في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِي بِالحَقِّ وبِأوامِرِي، يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن قامَ مَقامَهُ بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ "خَلِيقَةً" بِالقافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ، وقَدْ عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ المَلائِكَةَ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَسْبِقُ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ  ﴾ خَرَجَ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ بْنُ الطَيِّبِ: "فَهَذِهِ قَرِينَةُ العُمُومِ، فَلا يَصِحُّ مَعَ هَذَيْنَ الشَرْطَيْنِ إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم مِن إفْسادِ الخَلِيقَةِ في الأرْضِ نَبَأٌ ومُقْدِمَةٌ"، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الخَلِيفَةَ سَيَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ قَوْمٌ يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَقالُوا لِذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا إمّا عَلى طَرِيقِ التَعَجُّبِ مِنَ اسْتِخْلافِ اللهِ مَن يَعْصِيهِ، أو مِن عِصْيانِ مَن يَسْتَخْلِفُهُ اللهُ في أرْضِهِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وإمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْظامِ والإكْبارِ لِلْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا: الِاسْتِخْلافُ والعِصْيانُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ وغَيْرُهُ: إنَّما كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ رَأتْ وعَلِمَتْ ما كانَ مِن إفْسادِ الجِنِّ وسَفْكِهِمُ الدِماءَ في الأرْضِ، فَجاءَ قَوْلُهم ﴿ أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ عَلى طَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الجِنِّ أمْ لا؟

وقالَ آخَرُونَ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلْقًا يُفْسِدُونَ، ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَلَمّا قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ ﴾ ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِعْلامِ.

هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ هو الَّذِي كانَ أعْلَمَهم بِهِ قَبْلُ أو غَيْرُهُ؟

و"السَفْكُ" صَبُّ الدَمِ، هَذا عُرْفُهُ، وقَدْ يُقالُ: سَفَكَ كَلامَهُ في كَذا إذا سَرَدَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِكَسْرِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ و"يَسْفِكُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ "وَيَسْفِكُ" بِالنَصْبِ بِواوِ الصَرْفِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَجْمَعُ أنْ يُفْسِدَ وأنْ يَسْفِكَ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو نَصْبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ.

والأوَّلُ أحْسَنُ.

وَقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهم أرادُوا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ الآيَةُ أمْ نَتَغَيَّرُ عن هَذِهِ الحالِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُحْسِنُ مَعَ القَوْلِ بِالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ".

وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ التَمَدُّحُ ووَصْفُ حالِهِمْ، وذَلِكَ جائِزٌ لَهُمْ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  ﴾ ، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِأنْ يَسْتَخْلِفَ اللهُ مَن يَعْصِيهِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟

وعَلى هَذا أدَّبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: ونَحْنُ لَوْ جَعَلْتَنا في الأرْضِ واسْتَخْلَفْتَنا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟

ومَعْنى ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ : نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ وبِصِفاتِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: صَلاتُهم لِلَّهِ، وقالَ قَتادَةُ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللهِ، عَلى عُرْفِهِ في اللُغَةِ.

و"بِحَمْدِكَ" مَعْناهُ: نَخْلِطُ التَسْبِيحَ بِالحَمْدِ، ونَصِلُهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِحَمْدِكَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ونُقَدِّسُ)، ثُمَّ اعْتَرَضُوا عَلى جِهَةِ التَسْلِيمِ، أيْ: وأنْتَ المَحْمُودُ في الهِدايَةِ إلى ذَلِكَ.

﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ قالَ الضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ، والتَقْدِيسُ التَطْهِيرُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ أيِ: المُطَهَّرَةُ، ومِنهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِنهُ القُدْسُ الَّذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ.

وقالَ آخَرُونَ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ مَعْناهُ: ونُقَدِّسُكَ أيْ: نُعَظِّمُكَ، ونُطَهِّرُ ذِكْرَكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وقالَ قَوْمٌ: ( نُقَدِّسُ لَك ) مَعْناهُ: نُصَلِّي لَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، الأظْهَرُ أنَّ "أعْلَمُ" فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وقِيلَ: "أعْلَمُ" اسْمٌ، و"ما في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولا يَصِحُّ الصَرْفُ فِيهِ بِإجْماعٍ مِنَ النُحاةِ، وإنَّما الخِلافُ في أفْعَلَ إذا سُمِّيَ بِهِ وكانَ نَكِرَةً، فَسِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ لا يَصْرِفانِهِ، والأخْفَشُ يَصْرِفُهُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إبْلِيسُ- لَعَنَهُ اللهُ- قَدْ أُعْجِبَ، ودَخَلَهُ الكِبْرُ لَمّا جَعَلَهُ اللهُ خازِنَ السَماءِ الدُنْيا، وشَرَّفَهُ وقِيلَ: بَلْ لَمّا بَعَثَهُ اللهُ إلى قَتْلِ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا أفْسَدُوا في الأرْضِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم بِجُنْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: واعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ لَهُ، واسْتَخَفَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ في جانِبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: فَلَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ، وهي لا تَعْلَمُ أنَّ في نَفْسِ إبْلِيسَ خِلافَ ذَلِكَ، قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، يَعْنِي ما في نَفْسِ إبْلِيسَ، وقالَ قَتادَةُ: لَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ ، وقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيمَن يَسْتَخْلِفُ في الأرْضِ أنْبِياءَ وفُضَلاءَ وأهْلَ طاعَةٍ قالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، يَعْنِي: أفْعالَ الفُضَلاءِ مِن بَنِي آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَلَّمَ" مَعْناهُ: عَرَّفَ.

وتَعْلِيمُ آدَمَ هُنا عِنْدَ قَوْمٍ إلْهامُ عِلْمِهِ ضَرُورَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ تَعْلِيمٌ بِقَوْلٍ، فَإمّا بِواسِطَةِ مَلَكٍ، أو بِتَكْلِيمٍ قَبْلَ هُبُوطِهِ الأرْضَ، فَلا يُشارِكُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في خاصَّتِهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "وَعَلَّمَ" بِضَمِّ العَيْنِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "آدَمُ" مَرْفُوعًا.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ يَزِيدِ البَرْبَرِيِّ، و"آدَمَ" أفْعَلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُدْمَةِ وهي حُمْرَةٌ تَمِيلُ إلى السَوادِ، وجَمْعُهُ أُدْمُ، وأوادِمُ، كَحُمْرُ وأحامِرُ، ولا يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: آدَمُ وزْنُهُ فاعِلٌ مُشْتَقٌّ مِن أدِيمِ الأرْضِ كَأنَّ المَلَكَ آدَمَها وجَمْعُهُ آدَمُونَ وأوادِمُ، ويَلْزَمُ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ صَرْفَهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: "آدَمُ" فِعْلٌ رُباعِيٌّ سُمِّيَ بِهِ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلى نَحْوِها، مِنهُمُ الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأسْمَرُ، والسَهْلُ والحَزَنُ، والطَيِّبُ والخَبِيثُ».

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "الأسْماءَ"، فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: عَلَّمَهُ التَسْمِياتِ، وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ.

والأوَّلُ أبْيَنُ، ولَفْظَةُ "عَلَّمَ" تُعْطِي ذَلِكَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الجُمْهُورُ في أيِّ الأسْماءِ عَلَّمَهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، دَقِيقُها وجَلِيلُها، وقالَ حَمِيدُ الشامِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ النُجُومِ فَقَطْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ المَلائِكَةِ فَقَطْ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ والمَلائِكَةَ، واخْتارَ هَذا ورَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ وحَكى النَقّاشُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ كَلِمَةً واحِدَةً عَرَفَ مِنها جَمِيعَ الأسْماءِ، وقالَ آخَرُونَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ الأجْناسِ كالجِبالِ، والخَيْلِ، والأودِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، دُونَ أنْ يُعَيِّنَ ما سَمَّتْهُ ذُرِّيَّتُهُ مِنها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ما خَلَقَ في الأرْضِ، وقالَ قَوْمٌ: عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ وقَعَ الِاصْطِلاحُ مِن ذُرِّيَّتِهِ فِيما سِواها، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِكُلِّ لُغَةٍ تَكَلَّمَتْ بِها ذُرِّيَّتُهُ.

وقَدْ غَلا قَوْمٌ في هَذا المَعْنى حَتّى حَكى ابْنُ جِنِّيٍّ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلَّمَ اللهُ تَعالى آدَمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى إنَّهُ كانَ يُحْسِنُ مِنَ النَحْوِ مِثْلَ ما أحْسَنَ سِيبَوَيْهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو بَيِّنُ الخَطَأِ مِن جِهاتٍ.

وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: عَلَّمَهُ تَعالى مَنافِعَ كُلِّ شَيْءٍ ولِما يَصْلُحُ.

وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ عِنْدَ التَعْلِيمِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ وصَفَها لَهُ دُونَ عَرْضِ أشْخاصٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها احْتِمالاتٌ.

قالَ الناسُ بِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ثُمَّ عَرَضَها"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ "ثُمَّ عَرَضَهُنَّ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصَ الأسْماءِ أوِ الأسْماءَ دُونَ الأشْخاصِ؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأشْخاصَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأسْماءَ، فَمَن قالَ في الأسْماءِ بِعُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ قالَ: عَرَضَهم أُمَّةً أُمَّةً، ونَوْعًا نَوْعًا، ومَن قالَ في الأسْماءِ إنَّها التَسْمِياتُ اسْتَقامَ عَلى قِراءَةِ أُبَيٍّ: "عَرَضَها"، ونَقُولُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "عَرَضَهُمْ" إنَّ لَفْظَ الأسْماءِ يَدُلُّ عَلى الأشْخاصِ، فَلِذَلِكَ ساغَ أنْ يَقُولَ لِلْأسْماءِ "عَرَضَهُمْ".

و"أنْبِئُونِي" مَعْناهُ: أخْبِرُونِي، والنَبَأُ: الخَبَرُ، ومِنهُ النَبِيءُ، وقالَ قَوْمٌ: يَخْرُجُ مِن هَذا الأمْرِ بِالإنْباءِ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ويَتَقَرَّرُ جَوازُهُ، لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وقالَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: لَيْسَ هَذا عَلى جِهَةِ التَكْلِيفِ، وإنَّما هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَؤُلاءِ" ظاهِرُهُ حُضُورُ أشْخاصٍ، وذَلِكَ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ أنَّ الِاسْمَ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ، فَمَن قالَ إنَّهُ تَعالى عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصًا اسْتَقامَ لَهُ مَعَ لَفْظِ "هَؤُلاءِ"، ومَن قالَ إنَّهُ إنَّما عَرَضَ أسْماءً فَقَطْ جَعَلَ الإشارَةَ بـِ "هَؤُلاءِ" إلى أشْخاصِ الأسْماءِ وهي غائِبَةٌ، إذْ قَدْ حَضَرَ ما هو مِنها بِسَبَبٍ، وذَلِكَ أسْماؤُها، وكَأنَّهُ قالَ لَهم في كُلِّ اسْمٍ لِأيِّ شَخْصٍ هَذا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللهَ تَعالى عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ، وعَرَضَ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ، وسَألَهم عن تَسْمِياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ.

ثُمَّ إنَّ آدَمَ قالَ لَهُمْ: هَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا، و"هَؤُلاءِ" لَفْظٌ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، والقَصْرُ فِيهِ لُغَةُ تَمِيمٍ وبَعْضُ قَيْسٍ وأسَدٍ، قالَ الأعْشى: هَؤُلا ثُمَّ هَؤُلا كُلًّا أُعْطِيـَ ∗∗∗ ـتْ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ و"كُنْتُمْ" في مَوْضِعِ الجَزْمِ بِالشَرْطِ، والجَوابُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيما قَبْلَهُ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأنْبِئُونِي.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ الخَلِيفَةَ يُفْسِدُ ويَسْفِكُ.

وقالَ آخَرُونَ: صادِقِينَ في أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم سَبَّحْتُمْ بِحَمْدِي، وقَدَّسْتُمْ لِي، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ حِينَ خَلْقَ اللهُ آدَمَ: لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ، فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أعْلَمَ مِنّا، ولا أكْرَمَ عَلَيْهِ، فَأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُرِيَهم مِن عَلْمِ آدَمَ وكَرامَتِهِ خِلافَ ما ظَنُّوا.

فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ العِلْمَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَوابِ السُؤالِ، عالِمِينَ بِالأسْماءِ.

قالُوا: وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلائِكَةِ الِاجْتِهادُ، وقالُوا: سُبْحانَكَ.

حَكاهُ النَقّاشُ، قالَ: ولَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمُ الصِدْقَ في الإنْباءِ لَجازَ لَهُمُ الِاجْتِهادُ، كَما جازَ لِلَّذِي أماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ، حِينَ قالَ لَهُ: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ  ﴾ ، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الإصابَةَ، فَقالَ ولَمْ يُصِبْ، فَلَمْ يُعَنِّفْ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ : "إذْ كُنْتُمْ"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا خَطَأٌ.

وإنْ قالَ قائِلٌ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ ﴾ الآيَةُ؟

قِيلَ: هَذا امْتِحانٌ لَهم واخْتِبارٌ، لِيَقَعَ مِنهم ما وقَعَ، ويُؤَدِّبَهم تَعالى مِن تَعْلِيمِ آدَمَ وتَكْرِيمِهِ بِما أدَّبَ.

و"سُبْحانَكَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَهُ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: مَوْضِعَ "ما" مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ما عَلَّمْتَنا ﴾ نُصِبَ بـِ "عَلَّمْتَنا"، وخَبَرُ التَبْرِئَةِ في "لَنا".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "ما" رَفْعًا عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن خَبَرِ التَبْرِئَةِ، كَما تَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، أيْ: لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا اللهُ.

و"أنْتَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في "إنَّكَ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و"العَلِيمُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، أو فاصِلَةٌ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"العَلِيمُ" مَعْناهُ العالِمُ، ويَزِيدُ عَلَيْهِ مَعْنًى مِنَ المُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ مِنَ المَعْلُوماتِ في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و"الحَكِيمُ" مَعْناهُ: الحاكِمُ وبَيْنَهُما مَزِيَّةُ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُحْكَمُ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ أيِ: المُسْمِعُ، ويَجِيءُ الكَلامُ عَلى هَذا مِن صِفاتِ الفِعْلِ، وقالَ قَوْمٌ: الحَكِيمُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ: حَكَمَةُ الفَرَسِ مانِعَتُهُ: وَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: أبْنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكم أنْ أغْضَبا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ للملائكة إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأرض خَلِيفَةً ﴾ .

عَطَفَتْ الواو قصة خلق أول البشر على قصة خلق السماوات والأرض انتقالاً بهم في الاستدلال على أن الله واحد وعلى بطلان شركهم وتخلصاً من ذكر خلق السماوات والأرض إلى خلق النوع الذي هو سلطان الأرض والمتصرف في أحوالها، ليُجمع بين تعدد الأدلة وبين مختلف حوادث تكوين العوالم وأصلها ليعلم المسلمون ما عَلِمَه أهل الكتاب من العلم الذي كانوا يُباهون به العربَ وهو ما في سفر التكوين من التوراة.

واعلم أن موقع الدليل بخلق آدم على الوحدانية هو أن خلق أصل النوع أمر مدرك بالضرورة لأن كل إنسان إذا لَفَتَ ذهنه إلى وجوده علم أنه وجود مسبوق بوجود أصل له بما يشاهد من نشأة الأبناء عن الآباء فيوقن أن لهذا النوع أصلاً أولَ ينتهي إليه نشوءه، وإذ قد كانت العبرة بخلق ما في الأرض جميعاً أُدْمِجت فيها منة وهي قوله: ﴿ لكم ﴾ [البقرة: 29] المقتضية أن خلق ما في الأرض لأجلهم تَهَيَّأتْ أنفسهم لسماع قصة إيجاد منشأ الناس الذين خُلقت الأرض لأجلهم ليُحاط بما في ذلك من دلائل القدرة مع عظيم المنة وهي منة الخلق التي نشأت عنها فضائل جمة ومِنَّة التفضيل ومنة خلافة الله في الأرض، فكان خَلق أصلنا هو أبدع مظاهر إحيائنا الذي هو الأصل في خلق ما في الأرض لنا، فكانت المناسبة في الانتقال إلى التذكير به واضحة مع حسن التخلص إلى ذكر خبره العجيب، فإيراد واو العطف هنا لأجل إظهار استقلال هذه القصة في حد ذاتها في عظم شأنها.

و (إذ) من أسماء الزمان المبهمَة تدل على زمان نسبة ماضية وقعتْ فيه نسبةٌ أخرى ماضية قارنتها، ف (إذْ) تحتاج إلى جملتين جملة أصلية وهي الدالة على المظروف وتلك هي التي تكون مع جميع الظروف، وجملة تبين الظرف ما هو، لأن (إذ) لما كانت مبهمة احتاجت لما يبين زمانها عن بقية الأزمنة، فلذلك لزمت إضافتها إلى الجمل أبداً، والأكثر في الكلام أن تكون إذ في محل ظرف لزَمن الفعل فتكون في محل نصب على المفعول فيه، وقد تخرج (إذ) عن النصب على الظرفية إلى المفعولية كأسماء الزمان المتصرفة على ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» وهو مختار ابن هشام خلافاً لظاهركلام الجمهور، فهي تصير ظرفاً مبهماً متصرفاً، وقد يضاف إليها اسم زمان نحو يومئذٍ وساعتئذٍ فتجر بإضافة صورية ليكون ذكرها وسيلة إلى حذف الجملة المضافةِ هي إليها، وذلك أن (إذ) ملازمة للإضافة فإذا حذفت جملتها عَلِم السامع أن هنالك حذفاً، فإذا أرادوا أن يحذفوا جملة مع اسم زمان غير (إذ) خافوا أن لا يهتدي السامع لشيء محذوف حتى يتطلب دليله فجعلوا إذْ قرينة على إضافةٍ وحذفوا الجملة لينبهوا السامع فيتطلب دليل المحذوف.

وهي في هذه الآية يجوز أن تكون ظرفاً وكذلك أعربها الجمهور وجعلوها متعلقة بقوله: ﴿ قالوا ﴾ وهو يفضي إلى أن يكون المقصود من القصة قولَ الملائكة وذلك بعيد لأن المقصود من العبرة هو خطاب الله لهم وهو مبدأ العبرة وما تضمنته من تشريف آدم وتعليمه بعد الامتنان بإيجاد أصل نوع الناس الذي هو مناط العبرة من قوله: ﴿ كيف تكفرون ﴾ [البقرة: 28] الآيات، ولأنه لا يتأتى في نظيرها وهو قوله الآتي: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ﴾ [البقرة: 34] إذ وجود فاء التعقيب يمنع من جعل الظرف متعلقاً بمدخولها، ولأن الأظهر أن قوله: ﴿ قالوا ﴾ حكاية للمراجعة والمحاورة على طريقة أمثاله كما سنحققه.

فالذي ينساق إليه أسلوب النظم فيه أن يكون العطف على جملة: ﴿ خلق لكم ما في الأرض جميعاً ﴾ [البقرة: 29] أي خلق لكم ما في الأرض وقال للملائكة إني خالق أصل الإنسان لِما قدمناه من أن ذكر خلق ما في الأرض وكونِه لأجلنا يهيئ السامع لترقب ذكر شأننا بعد ذكر شأن ما خُلق لأجلنا من سماء وأرض، وتكون (إذ) على هذا مزيدة للتأكيد قاله أبو عبيدة معمر بن المثنى وأنشد قول الأسود بن يعفر: فإذْ وذلك لامهاهَ لذكره *** والدهرُ يُعقِب صالحاً بفساد (هكذا رواه فإذْ على أن يكون في البيت زحاف الطي، وفي رواية فإذا فلا زحاف، والمهاه بهاءين الحُسْن ولا يشكل عليه أن شأن الزيادة أن تكون في الحروف لأن إذ وإذا ونحوهما عوملت معاملة الحروف)، أو أن يكون عطف القصة على القصة ويؤيده أنها تبتدأ بها القصص العجيبة الدالة على قدرة الله تعالى، ألا ترى أنها ذكرت أيضاً في قوله تعالى: ﴿ وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ﴾ ولم تذكر فيما بينهما وتكون (إذْ) اسم زمان مفعولاً به بتقدير اذكر، ونظيره كثير في القرآن، والمقصود من تعليق الذكر والقصة بالزمان إنما هو ما حصل في ذلك الزمان من الأحوال.

وتخصيص اسم الزمان دون اسم المكان لأن الناس تعارفوا إسناد الحوادث التاريخية والقصص إلى أزمان وقوعها.

وكلام الله تعالى للملائكة أطلق على ما يفهمون منه إرادته وهو المعبر عنه بالكلام النفسي فيحتمل أنه كلام سمعوه فإطلاق القول عليه حقيقة وإسناده إلى الله لأنه خلق ذلك القول بدون وسيلة معتادة، ويحتمل أنه دال آخر على الإرادة، فإطلاق القول عليه مجاز لأنه دلالة للعقلاء والمجاز فيه أقوى من المجاز الذي في نحو قول النبي صلى الله عليه وسلم " اشتكت النار إلى ربها " وقوله تعالى: ﴿ فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرهاً قالتا أتينا طائعين ﴾ [فصلت: 11] وقول أبي النجم: «إذ قالت الآطال للبطن الحق»، ولا طائل في البحث عن تعين أحد الاحتمالين.

والملائكة جمع ملك وأصل صيغة الجمع ملائكة والتاء لتأكيد الجمعية لما في التاء من الإيذان بمعنى الجماعة، والظاهر أن تأنيث ملائكة سرى إلى لغة العرب من كلام المتنصرين منهم إذ كانوا يعتقدون أن الأملاك بنات الله واعتقده العرب أيضاً قال تعالى: ﴿ ويجعلون لله البنات سبحانه ﴾ [النحل: 57] فملائك جمع ملأك كشمائل وشمأل، ومما يدل عليه أيضاً قول بعض شعراء عبد القيس أو غيره: ولَسْت لإِنْسِيَ ولكِنْ لِمَلأَكٍ *** تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يُصَوِّب ثم قالوا ملك تخفيفاً.

وقد اختلفوا في اشتقاقه فقال أبو عبيدة هو مفعل من لأك بمعنى أرسل ومنه قولهم في الأمر بتبليغ رسالة ألكني إليه أي كن رسولي إليه وأصل ألكني ألإكني وإن لم يعرف له فعل.

وإنما اشتق اسم الملك من الإرسال لأن الملائكة رسل الله إما بتبليغ أو تكوين كما في الحديث: «ثم يرسل إليه (أي للجنين في بطن أمه) الملك فينفخ فيه الروح»، فعلى هذا القول هو مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول، وقال الكسائي هو مقلوب ووزنه الآن معفل وأصله مأْلك من الألوك والأَلوكة وهي الرسالة ويقال مأْلَكُ ومأْلَُكة (بفتح اللام وضمها) فقلبوا فيه قلباً مكانياً فقالوا ملأَك فهو صفة مشبهة.

وقال ابن كيسان هو مشتق من الملك (بفتح الميم وسكون اللام) والملك بمعنى القوة قال تعالى: ﴿ عليها ملائكة غلاظ شداد ﴾ [التحريم: 6] والهمزة مزيدة فوزنه فعْأَل بسكون العين وفتح الهمزة كشَمْأَل، ورد بأن دعوى زيادة حرف بلا فائدة دعوى بعيدة، ورد مذهب الكسائي بأن القلب خلاف الأصل، فرجح مذهب أبي عبيدة، ونقل القرطبي عن النضر بن شميل أنه قال لا اشتقاق للمَلَك عند العرب يريد أنهم عَرَّبوه من اللغة العبرانية ويؤيده أن التوراة سمت المَلَك مَلاَكاً بالتخفيف، وليس وجود كلمة متقاربة اللفظ والمعنى في لغتين بدال على أنها منقولة من إحداهما إلى الأخرى إلا بأدلة أخرى.

والملائكة مخلوقات نورانية سماوية مجبولة على الخير قادرة على التشكل في خرق العادة لأن النور قابل للتشكل في كيفيات ولأن أجزاءه لا تتزاحم ونورها لا شعاع له فلذلك لا تضئ إذا اتصلت بالعالم الأرضي وإنما تتشكل إذا أراد الله أن يظهر بعضُهم لبعض رسله وأنبيائه على وجه خرق العادة.

وقد جعل الله تعالى لها قوة التوجه إلى الأشياء التي يريد الله تكوينها فتتولى التدبير لها ولهذه التوجهات الملكية حيثيات ومراتب كثيرة تتعذر الإحاطة بها وهي مضادة لتوجهات الشياطين، فالخواطر الخيرية من توجهات الملائكة وعلاقتها بالنفوس البشرية وبعكسها خواطر الشر.

والخليفة في الأصل الذي يخلف غيره أو يكون بدلاً عنه في عمل يعمله، فهو فعيل بمعنى فاعل والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالعَلاَّمة.

والمراد من الخليفة هنا إما المعنى المجازي وهو الذي يتولى عملاً يريده المستخلِف مثل الوكيل والوصي، أي جاعل في الأرض مدبراً يعمل ما نريده في الأرض فهو استعارة أو مجاز مرسل وليس بحقيقة لأن الله تعالى لم يكن حَالاً في الأرض ولا عاملاً فيها العمل الذي أودعه في الإنسان وهو السلطنة على موجودات الأرض، ولأن الله تعالى لم يترك عملاً كان يعمله فوكله إلى الإنسان بل التدبير الأعظم لم يزل لله تعالى فالإنسان هو الموجود الوحيد الذي استطاع بما أودع الله في خلقته أن يتصرف في مخلوقات الأرض بوجوه عظيمة لا تنتهي خلافَ غيره من الحيوان، وإما أن يراد من الخليفة معناه الحقيقي إذا صح أن الأرض كانت معمورة من قبلُ بطائفة من المخلوقات يسمَّون الحِن والبِن بحاء مهملة مكسورة ونون في الأول، وبموحدة مكسورة ونون في الثاني وقيل اسمهم الطَّم والرَّم بفتح أولهما، وأحسبه من المزاعم، وأن وضع هذين الاسمين من باب قول الناس: هيَّان بن بَيَّان إشارة إلى غير موجود أو غير معروف.

ولعل هذا أنجز لأهل القصص من خرافات الفرس أو اليونان فإن الفرس زعموا أنه كان قبل الإنسان في الأرض جنس اسمه الطَّم والرَّم كان اليونان يعتقدون أن الأرض كانت معمورة بمخلوقات تدعى التِيتَان وأن زفس وهو المشتري كبير الأرباب في اعتقادهم جلاهم من الأرض لفسادهم.

وكل هذا ينافيه سياق الآية فإن تعقيب ذكر خلق الأرض ثم السماوات بذكر إرادته تعالى جَعْلَ الخليفة دليل على أن جعْل الخليفة كان أول الأحوال على الأرض بعد خلقها فالخليفة هنا الذي يخلف صاحب الشيء في التصرف في مملوكاته ولا يلزم أن يكون المخلوف مستقِراً في المكان من قبل، فالخليفة آدم وخَلَفِيَّتُه قيامُه بتنفيذ مراد الله تعالى من تعمير الأرض بالإلهام أو بالوحي وتلقينُ ذريته مراد الله تعالى من هذا العالم الأرضي، ومما يشمله هذا التصرف تصرف آدم بسَن النظام لأهله وأهاليهم على حسب وفرة عددهم واتساع تصرفاتهم، فكانت الآية من هذا الوجه إيماءً إلى حاجة البشر إلى إقامة خليفة لتنفيذ الفصل بين الناس في منازعاتهم إذ لا يستقيم نظام يجمع البشر بدون ذلك، وقد بعث الله الرسل وبين الشرائع فربما اجتمعت الرسالة والخلافة وربما انفصلتا بحسب ما أراد الله من شرائعه إلى أن جاء الإسلام فجمع الرسالة والخلافة لأن دين الإسلام غاية مراد الله تعالى من الشرائع وهو الشريعة الخاتمة ولأن امتزاج الدين والمُلْك هو أكمل مظاهر الخطتين قال تعالى: ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ﴾ [النساء: 64] ولهذا أجمع أصحاب رسول الله بعد وفاة النبيء صلى الله عليه وسلم على إقامة الخليفة لحفظ نظام الأمة وتنفيذ الشريعة ولم ينازع في ذلك أحد من الخاصة ولا من العامة إلا الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، من جُفاة الأعراب ودُعاة الفتنة فالمناظرة مع أمثالهم سُدًى.

وللخليفة شروط محل بيانها كتب الفقه والكلام، وستجيء مناسبتها في آيات آتية.

والظاهر أن خطابه تعالى هذا للملائكة كان عند إتمام خلق آدم عند نفخ الروح فيه أو قبل النفخ والأول أظهر، فيكون المراد بالمخبَر عن جعله خليفة هو ذلك المخلوق كما يقول الذي كتب كتاباً بحضرة جليس إني مرسل كتاباً إلى فلان فإن السامع يعلم أن المراد أن ذلك الذي هو بصدد كتابته كتاب لفلان، ويجوز أن يكون خطابهم بذلك قبل خلق آدم، وعلى الوجوه كلها يكون اسم الفاعل في قوله: ﴿ جاعل ﴾ للزمن المستقبل لأن وصف الخليفة لم يكن ثابتاً لآدم ساعتئذٍ.

وقول الله هذا موجه إلى الملائكة على وجه الإخبار ليسوقهم إلى معرفة فضل الجنس الإنساني على وجه يزيل ما عَلِم الله أنه في نفوسهم من سوء الظن بهذا الجنس، وليكون كالاستشارة لهم تكريماً لهم فيكونُ تعليماً في قالب تكريم مثل إلقاء المعلم فائدة للتلميذ في صورة سؤال وجواب وليَسُنَّ الاستشارة في الأمور، ولتنبيه الملائكة على ما دقَّ وخفي من حكمة خلق آدم كذا ذكر المفسرون.

وعندي أن هاته الاستشارة جعلت لتكونَ حقيقةً مقارنةً في الوجود لخلق أول البشر حتى تكون ناموساً أُشْرِبَتْه نفوس ذريته لأن مقارنة شيء من الأحوال والمعاني لتكوين شيء مَّا، تؤثر تآلُفاً بين ذلك الكائن وبين المقارن.

ولعل هذا الاقتران يقوم في المعاني التي لا توجد إلا تبعاً لذوات مَقامَ أمر التكوين في الذوات فكما أن أمره إذا أراد شيئاً أي إنشاءَ ذاتتٍ أن يقول له كن فيكون، كذلك أمره إذا أراد اقتران معنى بذات أو جنس أن يقدر حصول مبدأ ذلك المعنى عند تكوين أصل ذلك الجنس أو عند تكوين الذات، ألا ترى أنه تعالى لما أراد أن يكون قَبول العلم من خصائص الإنسان علَّم آدم الأسماء عندما خلقه.

وهذا هو وجه مشروعية تسمية الله تعالى عند الشروع في الأفعال ليكون اقتران ابتدائها بلفظ اسمه تعالى مفيضاً للبركة على جميع أجزاء ذلك الفعل، ولهذا أيضاً طَلبت منا الشريعة تخيُّر أكمل الحالات وأفضللِ الأوقات للشروع في فضائل الأعمال ومهمات المطالب، وتقدم هذا في الكلام على البسملة، وسنذكر ما يتعلق بالشورى عند قوله تعالى: ﴿ وشاورهم في الأمر ﴾ في سورة آل عمران (159).

وأسندت حكاية هذا القول إلى الله سبحانه بعنوان الرب لأنه قول منبئ عن تدبير عظيم في جعل الخليفة في الأرض، ففي ذلك الجعل نعمة تدبير مشوب بلطف وصلاح وذلك من معاني الربوبية كما تقدم في قوله: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ (الفاتحة 2)، ولما كانت هذه النعمة شاملة لجميع النوع أضيف وصف الرب إلى ضمير أشرف أفراد النوع وهو النبيء محمد صلى الله عليه وسلم مع تكريمه بشرف حضور المخاطَبة.

﴿ قالوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدمآء ﴾ .

هذا جواب الملائكة عن قول الله لهم: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ فالتقدير فقالوا على وزان قوله: ﴿ وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا ﴾ [البقرة: 34] وفُصل الجواب ولم يعطف بالفاء أو الواو جرياً به على طريقة متبعة في القرآن في حكاية المحاورات وهي طريقة عربية قال زهير: قيل لهم ألا اركبوا ألاتا *** قالوا جميعاً كلهم آلافا أي فاركبوا ولم يقل فقالوا.

وقال رؤبة بن العجاج: قالت بنات العم يا سلمى وإن *** كان فقيراً مُعدماً قالت وإن وإنما حذفوا العاطف في أمثاله كراهية تكرير العاطف بتكرير أفعال القول فإن المحاورة تقتضي الإعادة في الغالب فطردوا الباب فحذفوا العاطف في الجميع وهو كثير في التنزيل وربما عطفوا ذلك بالفاء لنكتة تقتضي مخالفة الاستعمال وإن كان العطف بالفاء هو الظاهر والأصل، وهذا مما لم أسبق إلى كشفه من أساليب الاستعمال العربي.

ومما عطف بالفاء قوله تعالى: ﴿ فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ﴾ فقال الملأ في سورة المؤمنين (23، 24) وقد يعطف بالواو أيضاً كما في قوله: ﴿ فأرسلنا فيهم رسولاً منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون وقال الملأ من قومه ﴾ الخ في سورة المؤمنون (32، 33) وذلك إذا لم يكن المقصود حكاية التحاور بل قصد الإخبار عن أقوال جرت أو كانت الأقوال المحكية ممّا جرى في أوقات متفرّقة أو أمكنة متفرّقة.

ويظهر ذلك لك في قوله تعالى: ﴿ قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه ﴾ [غافر: 25] إلى قوله: ﴿ وقال فرعون ذروني أقتل موسى ﴾ (26) ثم قال تعالى: ﴿ وقال موسى إني عذت بربي وربكم ﴾ (27) ثم قال: ﴿ وقال رجل مؤمن من آل فرعون ﴾ (28) الآية في سورة غافر، وليس قوله: قالوا أتجعل } جواباً لإذ عاملاً فيها لما قدمناه آنفاً من أنه يفضي إلى أن يكون قولهم: ﴿ أتجعل فيها ﴾ هو المقصود من القصة وأن تصير جملة (إذ) تابعة له إذ الظرف تابع للمظروف.

والاستفهام المحكي عن كلام الملائكة محمول على حقيقته مضمن معنى التعجب والاستبعاد من أن تتعلق الحكمة بذلك فدلالة الاستفهام على ذلك هنا بطريق الكناية مع تطلب ما يزيل إنكارهم واستبعادهم فلذلك تعين بقاء الاستفهام على حقيقته خلافاً لمن توهم الاستفهام هنا لمجرد التعجب، والذي أقدم الملائكة على هذا السؤال أنهم علموا أن الله لما أخبرهم أراد منهم إظهار علمهم تجاه هذا الخبر لأنهم مفطورون على الصدق والنزاهة من كل مؤاربة فلما نشأ ذلك في نفوسهم أفصحت عنه دلالة تدل عليه يعلمها الله تعالى من أحوالهم لا سيما إذا كان من تمام الاستشارة أن يبدي المستشار ما يراه نصحاً وفي الحديث: «المستشار مؤتمن وهو بالخيار ما لم يتكلم» يعني إذا تكلم فعليه أداء أمانة النصحية.

وعبر بالموصول وصلته للإيماء إلى وجه بناء الكلام وهو الاستفهام والتعجب لأن من كان من شأنه الفساد والسفك لا يصلح للتعمير لأنه إذا عمر نقض ما عمره.

وعُطف سفك الدماء على الإفساد للاهتمام به.

وتكرير ضمير (الأرض) للاهتمام بها والتذكير بشأن عمرانها وحفظ نظامها ليكون ذلك أدخل في التعجب من استخلاف آدم وفي صرف إرادة الله تعالى عن ذلك إن كان في الاستشارة ائتمار.

والإفساد تقدم في قوله تعالى: ﴿ ألا إنهم هم المفسدون ﴾ [البقرة: 12].

والسفك الإراقة وقد غلب في كلامهم تعديته إلى الدماء وأما إراقة غير الدم فهي سفح بالحاء.

وفي المجيء بالصلة جملة فعلية دلالة على توقع أن يتكرر الإفساد والسفك من هذا المخلوق وإنما ظنوا هذا الظن بهذا المخلوق من جهة ما استشعروه من صفات هذا المخلوق المستخلف بإدراكهم النوراني لهيئة تكوينه الجسدية والعقلية والنطقية إما بوصف الله لهم هذا الخليفة أو برؤيتهم صورة تركيبه قبل نفخ الروح فيه وبعده، والأظهر أنهم رأوه بعد نفخ الروح فيه فعلموا أنه تركيب يستطيع صاحبه أن يخرج عن الجبلة إلى الاكتساب وعن الامتثال إلى العصيان فإن العقل يشتمل على شاهية وغاضبة وعاقلة ومن مجموعها ومجموع بعضها تحصل تراكيب من التفكير نافعة وضارة، ثم إن القدرة التي في الجوارح تستطيع تنفيذ كل ما يخطر للعقل وقواه أن يفعله ثم إن النطق يستطيع إظهار خلاف الواقع وترويج الباطل، فيكون من أحوال ذلك فساد كبير ومن أحواله أيضاً صلاح عظيم وإن طبيعة استخدام ذي القوة لقواه قاضية بأنه سيأتي بكل ما تصلح له هذه القوى خيرها وشرها فيحصل فعل مختلط من صالح وسيء، ومجرد مشاهدة الملائكة لهذا المخلوق العجيب المراد جعله خليفة في الأرض كاف في إحاطتهم بما يشتمل عليه من عجائب الصفات على نحو ما سيظهر منها في الخارج لأن مداركهم غاية في السمو لسلامتها من كدرات المادة، وإذا كان أفراد البشر يتفاوتون في الشعور بالخفيات، وفي توجه نورانية النفوس إلى المعلومات، وفي التوسم والتفرس في الذوات بمقدار تفاوتهم في صفات النفس جبلية واكتسابية ولدنية التي أعلاها النبوة، فما ظنك بالنفوس الملكية البحتة؟

وفي هذا ما يغنيك عما تكلف له بعض المفسرين من وجه اطلاع الملائكة على صفات الإنسان قبل بدوها منه من توقيف واطلاع على ما في اللوح أي علم الله، أو قياس على أمة تقدمت وانقرضت، أو قياس على الوحوش المفترسة إذ كانت قد وجدت على الأرض قبل خلق آدم كما في سفر التكوين من التوراة.

وبه أيضاً تعلم أن حكم الملائكة هذا على ما يتوقع هذا الخلق من البشر لم يلاحظ فيه واحد دون آخر، لأنه حكم عليهم قبل صدور الأفعال منهم وإنما هو حكم بما يصلحون له بالقوة، فلا يدل ذلك على أن حكمهم هذا على بني آدم دون آدم حيث لم يفسد، لأن في هذا القول غفلة عما ذكرناه من البيان.

وأوثر التعبير بالفعل المضارع في قوله: ﴿ من يفسد ﴾ ﴿ ويسفك ﴾ لأن المضارع يدل على التجدد والحدوث دون الدوام أي من يحصل منه الفساد تارة وسفك الدماء تارة لأن الفساد والسفك ليسا بمستمرين من البشر.

وقولهم: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ دليل على أنهم علموا أن مراد الله من خلق الأرض هو صلاحها وانتظام أمرها وإلا لما كان للاستفهام المشوب بالتعجب موقع وهم علموا مراد الله ذلك من تلقيهم عنه سبحانه أو من مقتضى حقيقة الخلافة أو من قرائن أحوال الاعتناء بخلق الأرض وما عليها على نظم تقتضي إرادة بقائها إلى أمد، وقد دلت آيات كثيرة على أن إصلاح العالم مقصد للشارع قال تعالى: ﴿ فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله ﴾ [محمد: 22، 23] وقال: ﴿ وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنَّسْل واللَّهُ لا يحب الفساد ﴾ [البقرة: 205].

ولا يَرد هنا أن هذا القول غيبة وهم منزهون عنها لأن ذلك العالم ليس عالم تكليف ولأنه لا غيبة في مَشُورة ونحوها كالخِطبة والتجريح لتوقف المصلحة على ذكر ما في المستشارِ في شأنه من النقائص، ورجحاننِ تلك المصلحة على مفسدة ذكر أحدٍ بما يَكْره، ولأن الموصوف بذلك غيرُ معين إذ الحكم على النوع، فانتفى جميع ما يترتب على الغيبة من المفاسد في واقعة الحال فلذلك لم يحجم عنها الملائكة.

و ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

الواو متعينة للحالية إذ لا موقع للعطف هنا وإن كان ما بعد الواو من مقولهم ومحكياً عنهم لكن الواو من المَحْكِي وليست من الحكاية لأن قولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ يحتْمل معنيين أحدهما أن يكون الغرض منه تفويض الأمر إلى الله تعالى واتهامَ عِلمهم فيما أشاروا به كما يفعل المستشار مع من يعلم أنه أسَدُّ منه رأياً وأرجح عقلاً فيشير ثم يفوّض كما قال أهل مشورة بِلْقِيس إذ قالت: ﴿ وأُتُوني مسلمين ﴾ [النمل: 31] والأمرُ إليك ﴿ فانظري ماذا تَأْمُرين ﴾ [النمل: 32، 33]، وكما يفعل التلميذ مع الأستاذ في بحثه معه ثم يصرح بأنه مَبْلغ علمه، وأن القول الفصل للأستاذ، أو هو إعلان بالتنزيه للخالق عن أن يخفى عليه ما بدا لهم من مانع استخلاف آدم، وبراءةٌ من شائبة الاعتراض، والله تعالى وإن كان يعلم براءَتهم من ذلك إلا أن كلامهم جرى على طريقة التعبير عما في الضمير من غير قصد إعلام الغير، أو لأنَّ في نفس هذا التصريح تبركاً وعبادة، أو إعْلاَن لأهل الملإ الأعلى بذلك.

فإذا كان كذلك كان العطف غير جائز لأن الجملة المحكية بالقول إذا عطفت عليها جملة أخرى من القول فالشأن أن لا يقصد العطف على تقدير عامل القول إلا إذا كان القولان في وقتين كما في قوله تعالى: ﴿ وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل ﴾ [آل عمران: 173] على أحد الوجوه في عطف جملة ﴿ نعم الوَكيل ﴾ عند من لا يَرَوْن صحة عطف الإنشاء على الخبر وإن كان الحق صحة عطف الإنشاء على الخبر وعكسه وأنه لا ينافي حُسن الكلام، فلذلك لم يكن حظ للعطف، ألا ترى أنهم إذا حَكَوا حادثاً مُلِمًّا أو مُصاباً جَمًّا أعقبوه بنحو حسبنا الله ونعم الوكيل أو إنا لله وإنا إليه راجعون أو نحو ذلك ولا يعطفون مثل ذلك فكانت الواو واو الحال للإشارة إلى أن هذا أمر مستحضر لهم في حال قولهم: ﴿ أتجعل فيها من يفسد ﴾ وليس شيئاً خطر لهم بعد أن توغلوا في الاستبعاد والاستغراب.

الاحتمال الثاني: أن يكون الغرض من قولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ التعريض بأنهم أولى بالاستخلاف لأن الجملة الاسمية دلت على الدوام وجملة ﴿ من يفسد فيها ﴾ دلت على توقع الفساد والسفك فكان المراد أن استخلافه يقع منه صلاح وفساد والذين لا يصدر منهم عصيان مراد الله هم أولى بالاستخلاف ممن يتوقع منه الفساد فتكون حالاً مقررة لمدلول جملة ﴿ أتجعل فيها من يفسد ﴾ تكملة للاستغراب، وعاملها هو ﴿ تجعل ﴾ وهذا الذي أشار إليه تمثيل «الكشاف».

والعامل في الحال هو الاستفهام لأنه مما تضمن معنى الفعل لا سيما إذا كان المقصود منه التعجب أيضاً إذ تقدير ﴿ أتجعل فيها ﴾ الخ نتعجب من جعله خليفة.

والتسبيح قول أو مجموع قول مع عمل يدل على تعظيم الله تعالى وتنزيهه ولذلك سمى ذكر الله تسبيحاً، والصلاة سبحة ويطلق التسبيح على قول سبحان الله لأن ذلك القول من التنزيه وقد ذكروا أن التسبيح مشتق من السبح وهو الذهاب السريع في الماء إذ قد توسع في معناه إذ أطلق مجازاً على مر النجوم في السماء قال تعالى: ﴿ وكل في فلك يسبحون ﴾ [يس: 40] وعلى جري الفرس قالوا فلعل التسبيح لوحظ فيه معنى سرعة المرور في عبادة الله تعالى، وأظهر منه أن يكون سبح بمعنى نَسب للسبح أي البعد وأريد البعد الاعتباري وهو الرفعة أي التنزيه عن أحوال النقائص وقيل سمع سبح مخففاً غير مضاعف بمعنى نزه، ذكره في «القاموس».

وعندي أن كون التسبيح مأخوذاً من السبح على وجه المجاز بعيد والوجه أنه مأخوذ من كلمة سبحان ولهذا التزموا في هذا أن يكون لوزن فعّل المضاعف فلم يسمع مخففاً.

وإذا كان التسبيح كما قلنا هو قول أو قول وعمل يدل على التعظيم فتعلق قوله ﴿ بحمدك ﴾ به هنا وفي أكثر المواضع في القرآن ظاهر لأن القول يشتمل على حمد الله تعالى وتمجيده والثناء عليه فالباء للملابسة أي نسبح تسبيحاً مصحوباً بالحمد لك وبذلك تنمحي جميع التكلفات التي فسروا بها هنا.

والتقديس التنزيه والتطهير وهو إما بالفعل كما أطلق المقدس على الراهب في قول امرئ القيس يصف تعلق الكلاب بالثور الوحشي: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا *** كما شبرق الولدان ثوب المقدس وإما بالاعتقاد كما في الحديث: «لا قدست أمة لا يؤخذ لضعيفها من قويها» أي لا نزهها الله تعالى وطهرها من الأرجاس الشيطانية.

وفعل قدس يتعدى بنفسه فالإتيان باللام مع مفعوله في الآية لإفادة تأكيد حصول الفعل نحو شكرت لك ونصحت لك وفي الحديث عند ذكر الذي وجد كلباً يلهث من العطش «فأخذ خفه فأدلاه في الركية فسقاه فشكر الله له» أي شكره مبالغة في الشكر لئلا يتوهم ضعف ذلك الشكر من أنه عن عمل حسنة مع دابة فدفع هذا الإيهام بالتأكيد باللام وهذا من أفصح الكلام، فلا تذهب مع الذين جعلوا قوله: ﴿ لك ﴾ متعلقاً بمحذوف تقديره حامدين أو هو متعلق بنسبح واللام بمعنى لأجلك على معنى حذف مفعول ﴿ نسبح ﴾ أي نسبح أنفسنا أي ننزهها عن النقائص لأجلك أي لطاعتك فذلك عدول عن فصيح الكلام، ولك أن تجعل اللام لام التبيين التي سنتعرض لها عند قوله تعالى: ﴿ واشكروا لي ولا تكفرون ﴾ [البقرة: 152].

فمعنى ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ نحن نعظمك وننزهك والأول بالقول والعمل والثاني باعتقاد صفات الكمال المناسبة للذات العلية، فلا يتوهم التكرار بين (نسبح) و(نقدس).

وأوثرت الجملة الاسمية في قوله: ﴿ ونحن نسبح ﴾ لإفادة الدلالة على الدوام والثبات أي هو وصفهم الملازم لجبلتهم، وتقديم المسند إليه على الخبر الفعلي دون حرف النفي يحتمل أن يكون للتخصيص بحاصل ما دلت عليه الجملة الاسمية من الدوام أي نحن الدائمون على التسبيح والتقديس دون هذا المخلوق والأظهر أن التقديم لمجرد التقوى نحو هو يعطي الجزيل.

﴿ قَالَ إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

جواب لكلامهم فهو جار على أسلوب المقاولة في المحاورات كما تقدم، أي أعلم ما في البشر من صفات الصلاح ومن صفات الفساد.

واعلم أن صلاحه يحصل منه المقصد من تعمير الأرض وأن فساده لا يأتي على المقصد بالإبطال وأن في ذلك كله مصالح عظيمة ومظاهر لتفاوت البشر في المراتب واطلاعاً على نموذج من غايات علم الله تعالى وإرادته وقدرته بما يظهره البشر من مبالغ نتائج العقول والعلوم والصنائع والفضائل والشرائع وغير ذلك.

كيف ومن أبدع ذلك أن تركب الصفتين الذميمتين يأتي بصفات الفضائل كحدوث الشجاعة من بين طرفي التهور والجبن.

وهذا إجمال في التذكير بأن علم الله تعالى أوسع مما علموه فهم يوقنون إجمالاً أن لذلك حكمة ومن المعلوم أن لا حاجة هنا لتقدير وما تعلمون بعد ﴿ ما لا تعلمون ﴾ لأنه معروف لكل سامع ولأن الغرض لم يتعلق بذكره وإنما تعلق بذكر علمه تعالى بما شذ عنهم.

وقد كان قول الله تعالى هذا تنهية للمحاورة وإجمالاً للحجة على الملائكة بأن سعة علم الله تحيط بما لم يحط به علمهم وأنه حين أراد أن يجعل آدم خليفة كانت إرادته عن علم بأنه أهل للخلافة، وتأكيد الجملة بأن لتنزيل الملائكة في مراجعتهم وغفلتهم عن الحكمة منزلة المترددين.

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، في قَوْلِهِ: ( وإذْ ) وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ صِلَةٌ زائِدَةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وهَذا قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الأسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: فَإذا وذَلِكَ لا مَهاةَ لِذِكْرِهِ والدَّهْرُ يَعْقُبُ صالِحًا بِفَسادِ والوَجْهُ الثّانِي: أنَّ (إذْ) كَلِمَةٌ مَقْصُورَةٌ، ولَيْسَتْ بِصِلَةٍ زائِدَةٍ، وفِيها لِأهْلِ التَّأْوِيلِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا ذَكَّرَ خَلْقَهُ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِما خَلَقَهُ لَهم في الأرْضِ، ذَكَّرَهم نِعَمَهُ عَلى أبِيهِمْ آدَمَ ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

والثّانِي: أنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ ابْتِداءَ الخَلْقِ فَكَأنَّهُ قالَ: وابْتَدَأ خَلْقَكم ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ ، وهَذا مِنَ المَحْذُوفِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، كَما قالَ النَّمِرُ بْنُ تَوْلَبٍ: فَإنَّ المَنِيَّةَ مَن يَخْشَها ∗∗∗ فَسَوْفَ تُصادِفُهُ أيْنَما يُرِيدُ: أيْنَما ذَهَبَ.

فَأمّا المَلائِكَةُ فَجَمْعُ مَلَكٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الرِّسالَةِ، يُقالُ: ألِكْنِي إلَيْها أيْ أرْسِلْنِي إلَيْها، قالَ الهُذَلِيُّ: ألِكْنِي وخَيْرُ الرَّسُو ∗∗∗ لِ أعْلَمُهم بِنَواحِي الخَبَرْ والألُوكُ الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ: وغُلامٍ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ∗∗∗ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألْ وَإنَّما سُمِّيَتِ الرِّسالَةُ ألُوكًا لِأنَّها تُؤْلَكُ في الفَمِ، والفَرَسُ يَأْلُكُ اللِّجامَ ويَعْلُكُهُ، بِمَعْنى يَمْضُغُ الحَدِيدَ بِفَمِهِ.

والمَلائِكَةُ أفْضَلُ الحَيَوانِ وأعْقَلُ الخَلْقِ، إلّا أنَّهم لا يَأْكُلُونَ، ولا يَشْرَبُونَ، ولا يَنْكِحُونَ، ولا يَتَناسَلُونَ، وهم رُسُلُ اللَّهِ، لا يَعْصُونَهُ في صَغِيرٍ ولا كَبِيرٍ، ولَهم أجْسامٌ لَطِيفَةٌ لا يُرَوْنَ إلّا إذا قَوّى اللَّهُ أبْصارَنا عَلى رُؤْيَتِهِمْ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً ﴾ اخْتُلِفَ في مَعْنى ( جاعِلٌ ) عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى خالِقٍ.

والثّانِي: بِمَعْنى جاعِلٍ، لِأنَّ حَقِيقَةَ الجَعْلِ فِعْلُ الشَّيْءِ عَلى صِفَةٍ، وحَقِيقَةَ الإحْداثِ إيجادُ الشَّيْءِ بَعْدَ العَدَمِ.

والأرْضُ قِيلَ: إنَّها مَكَّةُ، ورَوى ابْنُ سابِطٍ، أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: « (دُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ» ولِذَلِكَ) سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى، قالَ: وقَبْرُ نُوحٍ، وهُودٍ، وَصالِحٍ، وشُعَيْبِ بَيْنَ زَمْزَمَ، والرُّكْنُ، والمَقامُ.

وَأمّا (الخَلِيفَةُ) فَهو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ، مِن قَوْلِهِمْ: خَلَفَ فُلانٌ فُلانًا، والخَلَفُ بِتَحْرِيكِ اللّامِ مِنَ الصّالِحِينَ، والخَلْفُ بِتَسْكِينِها مِنَ الطّالِحِينَ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أضاعُوا الصَّلاةَ  ﴾ ، وفي الحَدِيثِ: « (يَنْقُلُ هَذا العِلْمَ مِن كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ)» .

وفي خِلافَةِ آدَمَ وذُرِّيَّتِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ كانَ في الأرْضِ الجِنُّ، فَأفْسَدُوا فِيها، سَفَكُوا الدِّماءَ، فَأُهْلِكُوا، فَجُعِلَ آدَمُ وذُرِّيَّتُهُ بَدَلَهُمْ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ قَوْمًا يَخْلُفُ بَعْضُهم بَعْضًا مِن ولَدِ آدَمَ، الَّذِينَ يَخْلُفُونَ أباهم آدَمَ في إقامَةِ الحَقِّ وعِمارَةِ الأرْضِ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أرادَ: جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً يَخْلُفُنِي في الحُكْمِ بَيْنَ خَلْقِي، وهو آدَمُ، ومَن قامَ مَقامَهُ مِن ولَدِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ ، وهَذا جَوابٌ مِنَ المَلائِكَةِ حِينَ أخْبَرَهُمْ، أنَّهُ جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، واخْتَلَفُوا في جَوابِهِمْ هَذا، هَلْ هو عَلى طَرِيقِ الِاسْتِفْهامِ أوْ عَلى طَرِيقِ الإيجابِ؟

عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ اسْتِفْهَمًا واسْتِخْبارًا حِينَ قالَ لَهُمْ: إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً، فَقالُوا: يا رَبَّنا أعْلِمْنا، أجاعِلٌ أنْتَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ؟

فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ، ولَمْ يُخْبِرْهم.

والثّانِي: أنَّهُ إيجابٌ، وإنْ خَرَجَتِ الألِفُ مَخْرَجَ الِاسْتِفْهامِ، كَما قالَ جَرِيرٌ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا ∗∗∗ وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ وَعَلى هَذا الوَجْهِ في جَوابِهِمْ بِذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ ظَنًّا وتَوَهُّمًا، لِأنَّهم رَأوُا الجِنَّ مِن قَبْلِهِمْ، قَدْ أفْسَدُوا في الأرْضِ، وسَفَكُوا الدِّماءَ، فَتَصَوَّرُوا أنَّهُ إنِ اسْتَخْلَفَ اسْتَخْلَفَ في الأرْضِ مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ.

وَفي جَوابِهِمْ بِهَذا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم قالُوهُ اسْتِعْظامًا لِفِعْلِهِمْ، أيْ كَيْفَ يُفْسِدُونَ فِيها، ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ، وقَدْ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ واسْتَخْلَفْتَهم فِيها فَقالَ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ تَعَجُّبًا مِنِ اسْتِخْلافِهِ لَهم أيْ كَيْفَ تَسْتَخْلِفُهم في الأرْضِ وقَدْ عَلِمْتَ أنَّهم يُفْسِدُونَ فِيها ويَسْفِكُونَ الدِّماءَ فَقالَ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ السَّفْكُ صَبُّ الدَّمِ خاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الماءِ والمائِعِ، والسَّفْحُ مِثْلُهُ، إلّا أنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّ مائِعٍ عَلى وجْهِ التَّضْيِيعِ، ولِذَلِكَ قالُوا في الزِّنى: إنَّهُ سِفاحٌ لِتَضْيِيعِ مائِهِ فِيهِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ والتَّسْبِيحُ في كَلامِهِمُ التَّنْزِيهُ مِنَ السُّوءِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ، ومِنهُ قَوْلُ أعْشى بَنِي ثَعْلَبَةَ: أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ ∗∗∗ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاجِرِ أيْ بَراءَةً مِن عَلْقَمَةَ.

وَلا يَجُوزُ أنْ يُسَبَّحَ غَيْرُ اللَّهِ، وإنْ كانَ مُنَزَّهًا، لِأنَّهُ صارَ عَلَمًا في الدِّينِ عَلى أعْلى مَراتِبِ التَّعْظِيمِ الَّتِي لا يَسْتَحِقُّها إلّا اللَّهُ تَعالى.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ نُصَلِّي لَكَ، وفي التَّنْزِيلِ: ﴿ فَلَوْلا أنَّهُ كانَ مِنَ المُسَبِّحِينَ  ﴾ ، أيْ مِنَ المُصَلِّينَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَعْناهُ نُعَظِّمُكَ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّسْبِيحُ المَعْرُوفُ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ جَرِيرٍ: قَبَّحَ الإلَهُ وُجُوهَ تَغْلِبَ كُلَّما ∗∗∗ سَبَّحَ الحَجِيجُ وكَبَّرُوا إهْلالا وَأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ فَأصْلُ التَّقْدِيسِ التَّطْهِيرُ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ ﴾ أيِ المُطَهَّرَةَ، وقالَ الشّاعِرُ: فَأدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسّاقِ والنَّسا ∗∗∗ كَما شَبْرَقَ الوِلْدانُ ثَوْبَ المُقَدَّسِ أيِ المُطَهَّرِ.

وَفي المُرادِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ.

والثّانِي: تَطْهِيرُهُ مِنَ الأدْناسِ.

والثّالِثُ: التَّقْدِيسُ المَعْرُوفُ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أرادَ ما أضْمَرَهُ إبْلِيسُ مِنَ الِاسْتِكْبارِ والمَعْصِيَةِ فِيما أُمِرُوا بِهِ مِنَ السُّجُودِ لِآدَمَ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: مَن في ذُرِّيَّةِ آدَمَ في الأنْبِياءِ والرُّسُلِ الَّذِينَ يُصْلِحُونَ في الأرْضِ ولا يُفْسِدُونَ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: ما اخْتَصَّ بِعِلْمِهِ مِن تَدْبِيرِ المَصالِحِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: ما كان في القرآن ﴿ إذ ﴾ فقد كان.

وأخرج ابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ إني جاعل ﴾ قال: فاعل.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك قال: كل شيء في القرآن (جُعِلَ) فهو خُلِقَ.

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن عساكر عن ابن عباس قال: إن الله أخرج آدم من الجنة قبل أن يخلقه ثم قرأ ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لقد أخرج الله آدم من الجنة قبل أن يدخلها قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ وقد كان فيها قبل أن يخلق بألفي عام الجن بنو الجان، ففسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فلما أفسدوا في الأرض بعث عليهم جنوداً من الملائكة، فضربوهم حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فلما قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كما فعل أولئك الجان فقال الله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر.

مثله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة، وكان اسمه الحارث، فكان خازناً من خزان الجنة، وخلقت الملائكة كلهم من نور غير ذلك الحي، وخلقت الجن من مارج من نار.

وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت، فأول من سكن الأرض الجن، فأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء وقتلوا بعضهم بعضاً، فبعث الله اليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم حتى ألحقهم بجزائر البحور واطراف الجبال، فلما فعل إبليس ذلك اغتر بنفسه وقال: قد صنعت شيئاً لم يصنعه أحد، فاطلع الله على ذلك من قلبه ولم تطلع عليه الملائكة.

فقال الله للملائكة ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ فقالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ كما أفسدت الجن قال: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ يقول: إني قد أطلعت من قلب ابليس على ما لم تطلعوا عليه من كبره واغتراره.

ثم أمر بتربة آدم فرفعت، فخلق الله آدم عليه السلام من طين ﴿ لازب ﴾ واللازب اللزج الطيب من ﴿ حمإ مسنون ﴾ منتن، وإنما كان حمأ مسنوناً بعد التراب، فخلق منه آدم بيده، فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، فكان ابليس يأتيه يضربه برجله، فيصلصل فيصوت ثم يدخل من فيه ويخرج من دبره، ويدخل من دبره ويخرج من فمه، ثم يقول: لست شيئاً، ولشيء ما خلقت!

ولئن سلطت عليك لأهلكنك، ولئن سلطت علي لأعصينك.

فلما نفخ الله فيه من روحه أتت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري شيء منها في جسده إلا صار لحماً ودماً، فلما انتهت النفخة إلى سرَّته نظر إلى جسده فأعجبه ما رأى من جسده، فذهب لينهض فلم يقدر.

فهو قول الله: ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

فلما تممت النفخة في جسده عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ بإلهام من الله فقال الله له «يرحمك الله يا آدم» ، ثم قال للملائكة الذين كانوا مع إبليس خاصة دون الملائكة الذين في السموات: ﴿ اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر ﴾ لما حدث في نفسه من الكبر فقال: لا أسجد له، وأنا خير منه، وأكبر سناً، وأقوى خلقاً، فأبلسه الله وآيسه من الخير كله، وجعله شيطاناً رجيماً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن أبي العالية قال: إن الله خلق الملائكة يوم الأربعاء، وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة، فكفر قوم من الجن.

فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء، وكان الفساد في الأرض.

فمن ثم قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد قال: لما خلق الله النار ذعرت منها الملائكة ذعراً شديداً وقالوا: ربنا لم خلقت هذه؟

قال: لمن عصاني من خلقي ولم يكن لله خلق يومئذ إلا الملائكة قالوا: يا رب ويأتي علينا دهر نعصيك فيه؟

قال: لا.

إني أريد أن أخلق في الأرض خلقاً، وأجعل فيها خليفة يسفكون الدماء، ويفسدون في الأرض قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ فاجعلنا نحن فيها ﴿ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة.

لما فرغ الله من خلق ما أحب، استوى على العرش فجعل إبليس على ملك سماء الدنيا.

وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن، وإنما سموا الجن لأنهم خزائن الجنة، وكان إبليس مع ملكه خازناً، فوقع في صدره كبر وقال: ما أعطاني الله هذا إلا لمزيد أو لمزية لي، فاطلع الله على ذلك منه فقال للملائكة ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ قالوا ربنا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء...

قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإذ قال ربك للملائكة....

﴾ الآية.

قال: إن الله قال للملائكة: إني خالق بشراً، وإنهم متحاسدون فيقتل بعضهم بعضاً ويفسدون في الأرض.

فلذلك قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ قال: وكان إبليس أميراً على ملائكة سماء الدنيا، فاستكبر وهمَّ بالمعصية وطغى، فعلم الله ذلك منه.

فذلك قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ وإن في نفس إبليس بغياً.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ قال: قد علمت الملائكة وعلم الله أنه لا شيء أكره عند الله من سفك الدماء والفساد في الأرض.

وأخرج ابن المنذر وابن بطة في أماليه عن ابن عباس قال: إياكم والرأي فإن الله تعالى رد الرأي على الملائكة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ قالت الملائكة ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها...

قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ .

وأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب التوبة عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول من لبى الملائكة قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ﴾ قال: فزادوه فأعرض عنهم، فطافوا بالعرش ست سنين يقولون: لبيك لبيك اعتذاراً إليك، لبيك لبيك نستغفرك ونتوب إليك» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر عن ابن سابط إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دحيت الأرض من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت فهي أوّل من طاف به، وهي الأرض التي قال الله: ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وكان النبي إذا هلك قومه ونجا هو والصالحون أتاها هو ومن معه، فيعبدون الله بها حتى يموتوا فيها، وأن قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح، بين زمزم وبين الركن والمقام» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ قال (التسبيح) التسبيح و(التقديس) الصلاة.

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أحب الكلام إلى الله ما اصطفاه الله لملائكته.

سبحان ربي وبحمده وفي لفظ سبحان الله وبحمده» .

وأخرج ابن جرير وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير «أن عمر بن الخطاب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الملائكة، فلم يرد عليه شيئاً.

فأتاه جبريل فقال: إن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة، يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت» .

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ ونقدس لك ﴾ قال: نصلي لك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ﴿ التقديس ﴾ التطهير.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ونقدس لك ﴾ قال: نعظمك ونكبرك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن أبي صالح في قوله: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ قال: نعظمك ونمجدك.

وأخرج وكيع وسفيان بن عيينة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير في قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ قال: علم من إبليس المعصية وخلقه لها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ قال: كان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء، ورسل، وقوم صالحون وساكنو الجنة.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وأحمد في الزهد وابن أبي الدنيا في الأمل عن الحسن قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: ربنا إن الأرض لم تسعهم قال: إني جاعل موتاً قالوا: إذاً لا يهنأ لهم العيش قال: إني جاعل أملاً.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده وابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات وابن حبان في صحيحه والبيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمر «أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن آدم لما أهبطه الله إلى الأرض قالت الملائكة: أي رب ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ قالوا: ربنا نحن أطوع لك من بني آدم قال الله للملائكة: هلموا ملكين من الملائكة حتى نهبطهما إلى الأرض فننظر كيف يعملان؟

فقالوا: ربنا هاروت وماروت...

قال فاهبطا إلى الأرض، فتمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر، فجاءتهما فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تتكلما بهذه الكلمة من الإشراك قالا: والله لا نشرك بالله أبداً.

فذهب عنهما ثم رجعت بصبي تحمله، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تقتلا هذا الصبي قالا: لا والله لا نقتله أبداً.

فذهبت ثم رجعت بقدح من خمر، فسألاها نفسها فقالت: لا والله حتى تشربا هذا الخمر، فشربا فسكرا فوقعا عليها، وقتلا الصبي.

فلما افاقا قالت المرأة: والله ما تركتما شيئاً ابيتماه علي إلا قد فعلتماه حين سكرتما.

فخيرا عند ذلك بين عذاب الدنيا والآخرة، فاختارا عذاب الدنيا» .

وأخرج ابن سعد في طبقاته وأحمد وعبد بن حميد وأبو داود والترمذي وصححه والحكيم في نوادر الأصول وابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي موسى الأشعري قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض.

جاء منهم الأحمر، والأبيض، والأسود، وبين ذلك والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: خلقت الكعبة قبل الأرض بألفي سنة قالوا كيف خلقت قبل وهي من الأرض؟

قال: كانت حشفة على الماء عليها ملكان يسبحان الليل والنهار ألفي سنة، فلما أراد الله أن يخلق الأرض دحاها منها فجعلها في وسط الأرض، فلما أراد الله أن يخلق آدم بعث ملكاً من حملة العرش يأتي بتراب من الأرض، فلما هوى ليأخذ قالت الأرض: أسألك بالذي أرسلك أن لا تأخذ مني اليوم شيئاً يكون منه للنار نصيب غداً، فتركها فلما رجع إلى ربه قال: ما منعك أن تأتي بما أمرتك؟

قال: سألتني بك فعظمت أن أرد شيئاً سألني بك، فأرسل ملكاً آخر فقال مثل ذلك حتى أرسلهم كلهم، فأرسل ملك الموت فقالت له مثل ذلك قال: إن الذي أرسلني أحق بالطاعة منك.

فأخذ من وجه الأرض كلها.

من طيبها، وخبيثها، حتى كانت قبضة عند موضع الكعبة، فجاء به إلى ربه فصب عليه من ماء الجنة، فجاء حمأ مسنوناً، فخلق منه آدم بيده، ثم مسح على ظهره فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب، فتلا أبو هريرة ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

على ظهره فقال: تبارك الله أحسن الخالقين، فتركه أربعين ليلة لا ينفخ فيه الروح، ثم نفخ فيه الروح، فجرى فيه الروح من رأسه إلى صدره، فأراد أن يثب، فتلا أبو هريرة ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

فلما جرى فيه الروح قعد جالساً فعطس، فقال الله: قل الحمد لله.

فقال: الحمد لله فقال: رحمك ربك، ثم قال: انطلق إلى هؤلاء الملائكة فسلم عليهم فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته فقال: هذه تحيتك وتحية ذريتك.

يا آدم.

أي مكان أحب إليك أن أريك ذريتك فيه؟

فقال: بيمين ربي وكلتا يدي ربي يمين.

فبسط يمينه فأراه فيها ذريته كلهم وما هو خالق إلى يوم القيامة.

الصحيح على هيئته، والمبتلى على هيئته، والأنبياء كلهم على هيئتهم.

فقال: أي رب ألا عافيتهم كلهم؟

فقال: إني أحببت أن أشكر فرأى فيها رجلاً ساطعاً نوره فقال: أي رب من هذا؟

فقال: هذا ابنك داود فقال: كم عمره؟

قال: ستون سنة قال: كم عمري؟

قال: ألف سنة قال: انقص من عنري أربعين سنة فزدها في عمره، ثم رأى آخر ساطعاً نوره ليس مع أحد من الأنبياء مثل ما معه فقال: أي رب من هذا؟

قال: هذا ابنك محمد، وهو أوّل من يدخل الجنة فقال آدم: الحمد لله الذي جعل من ذريتي من يسبقني إلى الجنة ولا أحسده.

فلما مضى لآدم ألف سنة إلا أربعين جاءته الملائكة تتوفاه عياناً قال: ما تريدون؟

قالوا أردنا أن نتوفاك قال: بقي من أجلي أربعون!

قالوا: أليس قد أعطيتها ابنك داود؟

قال: ما أعطيت أحداً شيئاً.

قال أبو هريرة: جحد آدم، وجحدت ذريته، ونسي، ونسيت ذريته.

وأخرج ابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات وابن عساكر عن ابن مسعود وناس من الصحابة قالوا: بعث الله جبريل إلى الأرض ليأتيه بطين منها فقالت الأرض: أعوذ بالله منك أن تنقص مني، فرجع ولم يأخذ شيئاً وقال: يا رب إنها أعاذت بك فأعذتها.

فبعث الله ميكائيل كذلك.

فبعث ملك الموت فعاذت منه فقال: وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره، فأخذ من وجه الأرض وخلط ولم يأخذ من مكان واحد، وأخذ من تربة حمراء، وبيضاء، وسوداء فلذلك خرج بنو آدم مختلفين فصعد به، فبل التراب حتى صار طيناً ﴿ لازباً ﴾ واللازب: هو الذي يلزق بعضه ببعض ثم قال للملائكة: إني خالق بشراً من طين، فخلقه الله بيده لئلا يتكبر عليه إبليس، فخلقه بشراً سوياً، فكان جسداً من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة، فمرت به الملائكة، ففزعوا منه لما رأوه، وكان أشدهم منه فزعاً إبليس، فكان يمر به فيضربه، فيصوّت الجسد كما يصوّت الفخار يكون له صلصلة فيقول: لأمر ما خلقت!

ويدخل من فيه ويخرج من دبره ويقول للملائكة: لا ترهبوا منه فإن ربكم صمد وهذا أجوف، لئن سلطت عليه لأهلكنه.

فلما بلغ الحين الذي يريد الله أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة: إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له، فلما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس فقالت الملائكة: الحمد لله فقال: الحمد لله فقال الله له: يرحمك ربك.

فلما دخلت الروح في عنقه نظر إلى ثمار الجنة، فلما دخلت إلى جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ إلى رجليه عجلاً إلى ثمار الجنة.

وذلك قوله تعالى ﴿ خلق الإِنسان من عجل ﴾ .

وأخرج ابن سعد في طبقاته وابن جرير وابن أبي حاتم وابن عساكر في تاريخه عن ابن عباس قال: بعث رب العزة إبليس، فأخذ من أديم الأرض: من عذبها، ومالحها، فخلق منها آدم.

فكل شيء خلقه من عذبها فهو صائر إلى السعادة وإن كان ابن كافرين، وكل شيء خلقه من مالحها فهو صائر إلى الشقاء وإن كان ابن نبيين.

قال: ومن ثم قال إبليس: ﴿ أأسجد لمن خلقت طيناً ﴾ ؟

إن هذه الطينة أنا جئت بها.

ومن ثم سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض.

وأخرج ابن جرير عن علي قال: إن آدم خلق من أديم الأرض.

فيه الطيب، والصالح، والرديء، فكل ذلك أنت راء في ولده.

وأخرج ابن سعد وابن عساكر عن أبي ذر «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن آدم خلق من ثلاث تربات: سوداء، وبيضاء، وحمراء» .

وأخرج ابن سعد في الطبقات وعبد بن حميد وأبو بكر الشافعي في الغيلانيات وابن عساكر عن سعيد بن جبير قال: خلق الله آدم من أرض يقال لها دحناء.

وأخرج الديلمي عن أبي هريرة مرفوعاً: «الهوى، والبلاء، والشهوة، معجونة بطينة آدم عليه السلام» .

وأخرج الطيالسي وابن سعد وأحمد وعبد بن حميد ومسلم وأبو يعلي وابن حبان وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما صوّر الله تعالى آدم في الجنة تركه ما شاء أن يتركه، فجعل إبليس يطيف به ينظر ما هو، فلما رآه أجوف علم أنه خلق لا يتمالك» ولفظ أبي الشيخ قال: «خلق لا يتمالك ظفرت به» .

وأخرج ابن حبان عن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لما نفخ الله في آدم الروح فبلغ الروح رأسه عطس فقال: ﴿ الحمد لله رب العالمين ﴾ فقال له تبارك وتعالى: يرحمك الله» .

وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما خلق الله آدم عطس، فألهمه الله ربه أن قال: الحمد لله قال له ربه: يرحمك الله.

فلذلك سبقت رحمته غضبه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: لما فرغ الله من خلق آدم وجرى فيه الروح عطس فقال: الحمد لله فقال له ربه: يرحمك ربك.

وأخرج ابن سعد وأبو يعلي وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله خلق آدم من تراب، ثم جعله طيناً، ثم تركه حتى إذا كان حمأ مسنوناً خلقه وصوّره، ثم تركه حتى إذا كان صلصالاً كالفخار، وجعل إبليس يمر به فيقول: لقد خلقت لأمر عظيم، ثم نفخ الله فيه من روحه، فكان أوّل شيء جرى فيه الروح بصره وخياشيمه، فعطس فلقنه الله حمد ربه فقال الرب: يرحمك ربك.

ثم قال: يا آدم اذهب إلى أولئك النفر فقل لهم وانظر ماذا يقولون؟

فجاء فسلم عليهم فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله، فجاء إلى ربه فقال: ماذا قالوا لك وهو أعلم بما قالوا له؟

قال: يا رب سلمت عليهم فقالوا وعليك السلام ورحمة الله قال: يا آدم هذه تحيتك وتحية ذريتك، قال: يا رب وما ذريتي؟!

قال: اختر يدي، قال: أختار يمين ربي، وكلتا يدي ربي يمين.

فبسط الله كفه فإذا كل ما هو كائن من ذريته في كف الرحمن عز وجل» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خلق الله آدم وطوله ستون ذراعاً قال: اذهب فسلم على أولئك النفر من الملائكة فاسمع ما يحيونك، فإنها تحيتك وتحية ذريتك.

فذهب فقال: السلام عليكم فقالوا: السلام عليك ورحمة الله، فزادوه ورحمة الله.

فكل من يدخل الجنة على صورة آدم طوله ستون ذراعاً، فلم تزل الخلق تنقص حتى الآن» .

وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الكبير عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يدخل أهل الجنة الجنة جرداً مرداً بيضاً، جعاداً مكحلين، ابناء ثلاث وثلاثين، وهم على خلق آدم طوله ستون ذراعاً في عرض سبعة أذرع» .

وأخرج مسلم وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة.

فيه خلق الله آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه مات، وفيه تيب عليه، وفيه تقوم الساعة» .

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي نضرة قال: لما خلق الله آدم ألقى جسده في السماء لا روح فيه، فلما رأته الملائكة راعهم ما رأوه من خلقه، فأتاه إبليس فلما رأى خلقه منتصباً راعه، فدنا منه فنكته برجله، فصل آدم فقال: هذا أجوف لا شيء عنده.

وأخرج أبو الشيخ عن ابن جريج قال: خلق الله آدم في سماء الدنيا، وإنما أسجد له ملائكة سماء الدنيا ولم يسجد له ملائكة السموات.

وأخرج أبو الشيخ بسند صحيح عن ابن زيد يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله لما أراد أن يخلق آدم بعث ملكاً والأرض يومئذ وافرة فقال: اقبض لي منها قبضة آتني بها أخلق منها خلقاً قالت: فإني أعوذ بأسماء الله إن تقبض اليوم مني قبضة يخلق خلقاً يكون لجهنم منه نصيب، فعرج الملك ولم يقبض منها شيئاً فقال له: مالك...؟

قال: عاذت باسمائك أن أقبض منها خلقاً يكون لجهنم منه نصيب فلم أجد عليها مجازاً، فبعث ملكاً آخر، فلما أتاها قالت له مثل ما قالت للأوّل، ثم بعث الثالث فقالت له مثل ما قالت لهما، فعرج ولم يقبض منها شيئاً، فقال له الرب تعالى مثل ما قال للذين قبله.

ثم دعا إبليس واسمه يومئذ في الملائكة حباب فقال له: اذهب فاقبض لي من الأرض قبضة، فذهب حتى أتاها، فقالت له مثل ما قالت للذين من قبله من الملائكة، فقبض منها قبضة، ولم يسمع لحرجها، فلما أتاها قال الله تعالى: ما أعاذت بأسمائي منك؟

قال: بلى.

قال: فما كان من أسمائي ما يعيذها منك؟

قال: بلى.

ولكن أمرتني فأطعتك فقال الله: لأخلقن منها خلقاً يسوء وجهك، فألقى الله تلك القبضة في نهر من أنهار الجنة حتى صارت طيناً، فكان أول طين، ثم تركها حتى صارت حمأ مسنوناً منتن الريح، ثم خلق منها آدم، ثم تركه في الجنة أربعين سنة حتى صار صلصالاً كالفخار.

يبس حتى كان كالفخار.

ثم نفخ فيه الروح بعد ذلك، وأوحى الله الى ملائكته: إذا نفخت فيه من الروح فقعوا له ساجدين، وكان آدم مستلقياً في الجنة فجلس حين وجد مس الروح فعطس فقال الله له: أحمد ربك فقال: يرحمك ربك.

فمن هنالك يقال: سبقت رحمته غضبه.

وسجدت الملائكة إلا هو قام فقال: ﴿ ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ﴾ [ الأعراف: 12] فاخبر الله أنه لا يستطيع أن يعلن على الله ما له يكيد على صاحبه فقال: ﴿ أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، قال: فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها ﴾ إلى قوله: ﴿ ولا تجد أكثرهم شاكرين ﴾ [ الأعراف: 17] وقال الله: ﴿ ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ﴾ [ سبأ: 20] وإنما كان ظنه أن لا يجد أكثرهم شاكرين» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ ﴾ .

قال النحاة: (إذ) و (إذا) [حرفا توقيت، (إذ) للماضي و (إذا)] (١) (٢) قال المبرد: إذا جاء (إذ) مع المستقبل كان معناه المضي نحو قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ  ﴾ ، ﴿ وَإِذْ تَقُولُ  ﴾ يريد: وإذ مكر، وإذ قلت.

وإذا جاء (إذا) (٣) (٤) ﴿ فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ  ﴾ و ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ  ﴾ أي يجيء (٥) فإن قيل: إذا كانت (إذ) لما مضى (٦) (٧) ﴿ وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ  ﴾ ؟.

والجواب أن هذا خرج على تقدير الاستقبال في المعنى، وفي اللفظ على صورة المضي (٨) ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ  ﴾ ، ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ  ﴾ وأشباهه (٩) وقال أبو عبيدة: (إذ) هاهنا (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) وقال أبو إسحاق (١٥) (١٦) وأكثر المفسرين (١٧) (١٨) وأما (١٩) (٢٠) فَلَسْتَ لإنْسِيٍّ ولكن لمَلْأَكٍ ...

تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السِّماء يَصُوبُ (٢١) وتابعه على هذا القول أكثر أهل العلم (٢٢) إلا أن المحدثين من البصريين ذكروا أن هذا من باب القلب (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) ومعنى (أَلكَ) في اللغة: علك، يقال الخيل تَأْلُك اللجم، بمعنى: تعلُك، والرسالة سميت (أَلُوكا) لأن الإنسان يَأْلُكُها، ويدير الكلام في فيه، كما يَأْلُك الفرس اللجام (٣٢) فعلى هذا (ملك) وزنه (مَفَل) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) وذهب بعض (٣٨) (٣٩) (٤٠) وما يتركب من (م، ل، ك) هو في كلامهم الاستيلاء على الشيء وإجادته وإنعامه كملك الشيء وملك العجين، وإملاكه هو إنعام عجنه، ولا يصل إلى ذلك إلا بالاستيلاء عليه، وإملاك الرجل أن يجعله مالكًا لعقد النكاح، وكل شيء مكنت غيرك منه وجعلته له فقد أملكته (٤١) ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ  ﴾ .

فـ (الْمَلكَ) (٤٢) (٤٣) ﴿ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا  ﴾ وهو (فَعَل) في معنى مَفْعول، كالنشر والنقض والخبط.

والله تعالى ذكره وإن كان قد ملك كل الخلق، فإنه أجرى هذه اللفظة على الجنس، لأنه (٤٤) ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ وبهذه الصفة يجب أن يكون (٤٥) (٤٦) (٤٧) قال (٤٨) (٤٩) (٥٠) وحكى أبو القاسم الآمدي (٥١) (٥٢) (٥٣) وحكي عن العرب (مالك الموت) في (ملك الموت) فلولا أنهم عرفوا أن الأصل فيه (م ل ك) ما عبروا عن (ملَك) بمالك.

قال رويشد بن حنظلة (٥٤) غَدَا مالِكٌ يَبْغِي نِسَائِي كَأَنَّمَا ...

نِسَائِي لسَهْمَيْ مَالِكٍ غَرَضَانِ فَيَارَبِّ فَاتْرُكْ لِي جُهَيْمةَ (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) وأما الجمع فالملائك (فعائل) كالجمائل في جمع الجمل (٦٣) ويجوز أن يكون الملائك (مفاعلا)، وإن كان الواحد (فَعَلاً)، لأن باب الجمع ليس بمطرد ولا مقيس، ألا ترى أنهم قالوا في جمع القبح (٦٤) (٦٥) (٦٦) والأمر فيه عند المحققين أن كل لفظة من هذه الألفاظ التي وردت في الجمع مخالفة للقياس هي موضوعة للجمع من غير أن كُسِّر (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) وحكي عن النضر بن شميل، أنه قال في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه وهو مما فات (٧٢) (٧٣) (٧٤) ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ ﴾ (٧٥) وقال أبو عبيدة (إذ) في هذا الموضع (٧٦) (٧٧) (٧٨) وقال الزجاج (٧٩) (٨٠) (٨١) و (الملائكة) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) (٨٦) ثم خفف (٨٧) (٨٨) (٨٩) وغُلَامٍ أَرْسَلَتْهُ أُمُّهُ ...

بِأَلُوكٍ فَبَذَلْنَا مَا سَأَلْ (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) والمعروف: يَلُوك (٩٤) (٩٥) أَلِكني إليْهَا عَمْرَكَ اللهُ يَا فَتَى ...

بآيةِ (٩٦) (٩٧) وقال آخر، فردّ الملك إلى الأصل (٩٨) فَلَسْتَ لإنسيٍّ ولكن لمَلأَكٍ (٩٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) ويقال في الجمع الملائكة والملائك، قال كثير: كَمَا قَدْ عَمَمْتَ المؤْمِنِينَ بِنَائِلٍ ...

أَبَا (١٠٣) (١٠٤) هذا قول الجمهور من أهل اللغة (١٠٥) وقال النضر بن شميل في الملك: إن العرب لا تشتق فعله ولا تصرفه، وهو مما فات (١٠٦) وقال بعض المتأخرين (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) (١١١) و (الخليفة) الذي يخلف الذاهب أي يجيء بعده، ويقال للسلطان: خليفة لأنه يخلف من قبله، يقال: خلف فلان مكان فلان، يخلف [إذا كان في مكانه (١١٢) اللحياني: خلف فلان فلانا في أهله وفي مكانه يخلفه، (١١٣) (١١٤) (١١٥) وأصل الخليفة خليف بغير هاء، لأنه (فَعِيل) بمعنى: (فاعل)، كالعليم والسميع، فدخلت (الهاء) للمبالغة بهذا الوصف، كما قالوا: راوية (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) ﴿ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ  ﴾ ، وقال: ﴿ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ ﴾ (١٢٠) أَبُوك خَلِيفَةٌ وَلَدَتْه أُخْرى ...

وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الكَمَالُ (١٢١) قال ابن عباس وابن مسعود وابن زيد (١٢٢)  جعله خليفة لنفسه، يحكم بالحق في أرضه (١٢٣) (١٢٤) قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى خلق السماء والأرض، وخلق الملائكة والجن، فأسكن الملائكة السماء وأسكن الجن (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) كان الله تعالى قد أعطى إبليس ملك الأرض وملك السماء الدنيا وخزانة الجنان، وكان يعبد الله عز وجل تارة في الأرض وتارة في السماء وتارة في الجنة، فأعجب بنفسه، وتداخله الكبر، فاطلع الله على ما انطوى عليه في الكبر، فقال له ولجنده: إني جاعل في الأرض خليفة (١٢٩) وإخبار (١٣٠) (١٣١) (١٣٢) (١٣٣) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ﴾ .

قال الفراء (١٣٤) لمَّا رَأَيْتُ نَبَطاً أَنْصَارَا شَمَّرْتُ عَنْ رُكْبَتِي الإزَارَا كُنْتُ لَهْمْ مِنْ النَّصَارى جَارَا (١٣٥) أي: فكنت لهم.

واختلفوا (١٣٦) (١٣٧) (١٣٨) وقال بعض أهل المعاني: فيه إضمار واختصار، معناه: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء؟

أم تجعل فيها من لا يفسد فيها] (١٣٩) ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ  ﴾ ، يعني كمن هو غير قانت (١٤٠) عَصَيْتُ إليْها القَلْبَ إِنِّي لِأَمْرِهَا ...

مُطِيعٌ فَمَا أَدْرِي أَرُشْدٌ طِلاَبُهَا (١٤١) أراد: أرشد (١٤٢) (١٤٣) ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (١٤٤) (١٤٥) وقيل: لما قال الله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ أشكل على الملائكة أن الخليفة ممن يكون، قالوا: يا ربنا أتجعل في الأرض خليفة كما كان بنو الجان مفسدين؟

أم تجعل خليفة من الملائكة؟

فإنا نسبح بحمدك، فلم يطلعهم الله على ذلك، فقال: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أي (١٤٦) (١٤٧) وقال الزجاج حكاية عن غيره: المعنى في هذا هو (١٤٨) (١٤٩) (١٥٠) (١٥١) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) فإن قيل: فأين إخبار الله بذلك للملائكة فإنا لا نراه في القرآن؟

قيل: هو محذوف مكتفى بدلالة الكلام عليه، كأنه قال: (إني جاعل في الأرض خليفة) يكون من ولده إفساد (١٥٥) (١٥٦) (١٥٧) (١٥٨) فَلَا تَدْفِنُونِي إنَّ دَفْنِي مُحَرَّمٌ ...

عَلَيْكُمْ ولكن خَامِري أُمَّ عَامِرِ (١٥٩) أراد: ولكن دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها: خامري أم عامر، فحذف (١٦٠) قال الزجاج: ويجوز أن يكون هذا القول من الملائكة على وجه استعلام وجه الحكمة، لا على الإنكار.

معناه: كيف تجعل في الأرض من يفسد ويسفك الدماء ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) وقال ابن عباس وأكثر المفسرين: إن الله تعالى لما اطلع على كبر إبليس قال للملائكة الذين كانوا معه: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ فقالت (١٦٤) (١٦٥) (١٦٦) ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ من كبر إبليس واغتراره بفعله، ثم لما ظهر من أمر إبليس ما ظهر وعجزت هؤلاء الملائكة عن (١٦٧) ﴿ سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ (١٦٨) (١٦٩) (١٧٠) وقوله تعالى: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

معنى التسبيح: تنزيه الله من كل سوء، وقد يكون بمعنى الصلاة، ويقال: سبح لله (١٧١) (١٧٢) قال الحسن: معناه: يقول سبحان الله وبحمده (١٧٣) قال الأزهري (١٧٤) (١٧٥) قال: وأصل التسبيح (١٧٦) ﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ  ﴾ ، فكل من أثنى على الله وبعّده من السوء، فقد سبح له (١٧٧) وقال بعض أهل المعاني: معنى قوله: ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ نتكلم بالحمد لك، والنطق بالحمد لله تسبيح له، كما قال: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ  ﴾ وقال: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ  ﴾ أي: احمده، ويكون حمد الحامد لله تسبيحا له، لأن معنى الحمد لله: الثناء عليه والشكر له، وهذا تنزيه له واعتراف بأنه أهل لأن ينزه (١٧٨) (١٧٩) (١٨٠) أَقُولُ لمّا (١٨١) (١٨٢) (١٨٣) ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ قال: نبرئك من السوء (١٨٤) ويأتي بقية القول في معنى (سبحان) (١٨٥) ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا  ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ (١٨٦) (١٨٧) و (التقديس): التطهير، والقدس: الطهارة، والبيت المقدس: المطهر (١٨٨) (١٨٩) قال غيره (١٩٠) (١٩١) (١٩٢) (١٩٣) قال أبو علي الفارسي: معنى نقدس لك: ننزهك عن السوء، فلا (١٩٤) ﴿ رَدِفَ لَكُمْ  ﴾ لأن المعنى تنزيهه، وليس المعنى أن ينزه شيء من أجله.

فأما قولهم: (بيت المقدس) وقول الراجز: الحَمْدُ للهِ العَلِيِّ القَادِسِ (١٩٥) يدل على أن الفعل قد استعمل من التقديس، بحذف الزيادة، فإذا كان كذلك، لم يخل (المَقْدِس) من أن يكون مصدرا أو مكانا، فإن كان مصدرا كان كقوله: ﴿ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ﴾ (١٩٦) (١٩٧) وإن كان مكاناً، فالمعنى: بيت المكان الذي جعل فيه الطهارة أو بيت مكان الطهارة، وتطهيره على إخلائه من الأصنام وإبعاده منها، كما جاء ﴿ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ ﴾ (١٩٨) (١٩٩) فعلى قول أبي علي (اللام) في (لك) صلة (٢٠٠) وقال أبو إسحاق: معنى: (نقدس لك) أي نطهر أنفسنا لك.

قال: ومن هذا: البيت المقدس، أي: البيت المطهر، وبيت المقدس أي بيت المكان الذي يتطهر فيه من الذنوب (٢٠١) فعلى هذا (اللام) لام أجل (٢٠٢) وقوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ .

قال ابن عباس: يعني من إضمار إبليس العزم على المعصية، وما اطلع عليه من كبره (٢٠٣) وقال ابن مسعود: ﴿ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ مما يؤول إليه أمر إبليس (٢٠٤) وقال قتادة (٢٠٥) ﴿ أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ أنه يكون في أولاد آدم من هو من أهل الطاعة.

وقال الزجاج: معناه أبتلي من تظنون أنه مطيع فيؤديه الابتلاء إلى المعصية، ومن تظنون أنه عاص فيؤديه إلى الطاعة (٢٠٦) وقيل: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ من تفضيل آدم عليكم، وما أتعبدكم به من السجود له، وأفضله به عليكم من تعليمي الأسماء، وذلك أنهم قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما يشاء، فلن يخلق خلقاً أفضل ولا أكرم عليه منا (٢٠٧) وفتح أبو عمرو وابن كثير (الياء) في قوله: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ  ﴾ ، ﴿ إِنِّي أَرَى ﴾ (٢٠٨) ﴿ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ﴾ (٢٠٩) وزاد نافع عند المضمومة، مثل: ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ  ﴾ ، ﴿ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ  ﴾ ، ﴿ إِنِّي أُرِيدُ ﴾ (٢١٠) وحجتهم في ذلك (٢١١) فإن قيل: إن الحركة في حروف اللين مكروهة؟

قيل: الفتحة من بينها (٢١٢) (٢١٣) (٢١٤) (٢١٥) (٢١٦) (٢١٧) وقد اتفقوا أيضًا على تحركها بالفتح، إذا سكن ما قبلها، نحو بشراي (٢١٨) (٢١٩) فاجتماعهم على تحريكها بالفتح (٢٢٠) (٢٢١) وأما (٢٢٢) (٢٢٣) (٢٢٤) (٢٢٥) (٢٢٦) (٢٢٧) (٢٢٨) (٢٢٩) (٢٣٠) و (الياء) في هذه المواضع في موضع الفتحة التي في آخر أول الاسمين، نحو: (حضر موت) و (بعلبك) وقد أسكنت كما أسكنت في الجر (٢٣١) (٢٣٢) ومما يؤكد الإسكان فيها أنها مشابهة (٢٣٣) (٢٣٤) (٢٣٥) (٢٣٦) (٢٣٧) لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا (٢٣٨) كثر إسكان (الياء) في (٢٣٩) (٢٤٠) (٢٤١) فأما حجة أبي عمرو حيث لم يفتح عند المضمومة، وفتح عند المفتوحة والمكسورة (٢٤٢) (٢٤٣) (٢٤٤) (٢٤٥) والمفتوحة والمكسورة (٢٤٦) (٢٤٧) (٢٤٨) (٢٤٩) (٢٥٠) (٢٥١) (٢٥٢) (٢٥٣) (٢٥٤) فإن قيل: إن ما ذكرته من التغيير للهمزة المفتوحة والمكسورة إنما جاز في المتصل نحو (يقرأ) و (يبرأ) و (الضَّئين) و (الضَّئِي) (٢٥٥) قيل: شبه (٢٥٦) (٢٥٧) ومن قال: إنه فتح (الياء) مع الهمزة، لتتبين (٢٥٨) (٢٥٩) (٢٦٠) (٢٦١) (٢٦٢) (٢٦٣) فإن قلت: فإن الهمزة قد تفتح (٢٦٤) ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ  ﴾ .

قلنا: الضمة إذا كانت للإعراب (٢٦٥) (٢٦٦) (٢٦٧) (٢٦٨) (١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢) قال الثعلبي (إذ وإذا حرفا توقيت، إلا أن (إذ) للماضي و (إذا) للمستقبل وقد يوضع أحدهما موضع الآخر) "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، وذكر نحوه ابن الأنباري في (الأضداد) ص 118، وكذا الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 137، وقال سيبويه: (إذا لما يستقبل من الدهر ...

وهي ظرف ...

وتكون إذ مثلها، "الكتاب" 4/ 232، وانظر: "مغني اللبيب" 1/ 80، 87.

(٣) في (ب): (إذ).

(٤) في (ب) كان معناه الاستقبال في (المعنى وفي اللفظ)، وهذِه الزيادة غير موجودة في (أ)، (ج).

ولا في "تفسير الثعلبي" الذي نقل الواحدي عنه.

(٥) في (أ)، (ج).

(تجئ) وفي (ب) بدون إعجام، والتصحيح من "تفسير الثعلبي"، انظر كلام المبرد في "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 223، ولم أجده بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب المبرد، انظر: "المقتضب" 2/ 52 - 57، 76، 77، 176، 178، "تهذيب اللغة" 1/ 137، "الأضداد" لابن الأنباري ص 118.

(٦) سبق قريبًا أن (إذ)، قد تأتي للمستقبل إذا شهر المعنى، ذكر هذا ابن الأنباري واستشهد بقوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ  ﴾ انظر "الأضداد" ص 118.

(٧) في (ب): (جاد).

(٨) من قوله: (على صورة المضي ..).

وما بعده إلى نهاية تفسير لفظ (الملائكة) ورد مكررا في جميع النسخ الثلاث التي اعتمدت عليها، وقد علق الناسخ في نسخة (أ) على أول الكلام المكرر كلمة (مكرر) بينما الناسخ في (ج) أدخل كلمة (مكرر) وسط الكلام، وكأنه ظن أنها جزء من السياق.

وبعد التمحيص للكلام المكرر وجدت في أوله بعض الفروقات اليسيرة أما في تفسير لفظ: (الملائكة) ففيه اختلاف كبير، وهو ملخص مما قبله بإتقان، ويظهر لي أن المؤلف أضرب عن كلامه السابق وأعاده مرة أخرى، ونقله النساخ على وضعه، وقد أثبت الكلام على حسب ما ورد في المخطوطات بدون تصرف في الأصل وعلقت على الفروق في مواضعها.

(٩) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 119، "تهذيب اللغة" 1/ 137.

(١٠) في المكرر (في هذا الموضع).

(١١) انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 36، "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 195، وبنحو قول أبي عبيدة قال ابن قتيبة، انظر: "غريب القرآن" ص 45.

(١٢) قال الزجاج في رده على أبي عبيدة (هذا إقدام من أبي عبيدة، لأن القرآن لا ينبغي أن يتكلم فيه إلا بغاية تجري إلى الحق و (إذ) معناها الوقت، وهي اسم، فكيف يكون لغوا ...)، "معاني القرآن" 1/ 75، وممن أنكر على أبي عبيدة النحاس في "إعراب القرآن"، 1/ 156، و"الطبري" في "تفسيره" 1/ 195.

(١٣) في المكرر (وهو أن الحرف إذا كان مفيدًا معنى ...)، وفي (ب) (مقيد).

(١٤) "تفسير الثعلبي" 1/ 59 ب، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 196.

(١٥) في المكرر (الزجاج).

(١٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76.

(١٧) في (ب): (المفسرون) وفي المكرر (وعند غيره من المفسرين ...).

(١٨) انظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 107، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 240، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 224.

(١٩) (الواو) ساقطة من (ب).

(٢٠) انظر كلام سيبويه في (الكتاب) 4/ 379.

(٢١) البيت لعلقمة الفحل، وقيل: لرجل من عبد القيس جاهلي، وقيل لأبي وجزة السعدي، وقد سبق تخريجه عند تفسير قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ  ﴾ ص 572.

(٢٢) أصلها (ملْأك)، يحذفون الهمزة منه، وينقلون حركتها إلى اللام وكانت مسكنة في حال همز الاسم.

فإذا جمع الاسم ردوا الهمزة على الأصل فقالوا: (ملائكة)، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 197، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 أ، "مجاز القرآن" 1/ 35، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، == و (ألك) 1/ 184، "الكشاف" 1/ 371.

وذكر أبو البركات ابن الأنباري الأقوال في أصل (ملك) وهي: 1 - الملائكة جمع (ملك) على أصله في الهمز بعد القلب وهو (مَلْأَك) وأصل (مَلْأَك): (مَأْلكَ) لأنه من أَلكَ إذا أرسل، ووزنه على الأصل (مَفْعَل) فنقلت العين إلى موضع الفاء فصار (مَلْأكًا).

2 - أنه مشتق من (لَأَك) إذأ أرسل، فاللام (فاء) والهمز (عين) ولا قلب فيه.

3 - أنه مشتق من (مَلَكْت)، الميم أصلية ووزنه (فَعَلٌ) انظر "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 70.

(٢٣) أي قلب المكان.

(٢٤) في (ب): (لؤك).

(٢٥) في (ب): (الملاك).

(٢٦) في (ج): (الفعل).

(٢٧) (له) ساقط من (ب).

(٢٨) قال مكي: قال أبو عبيد: هو مشتق -أي: ملك- من (لأك) إذا أرسل، فالهمزة عين ولا قلب فيه، انظر (مشكل إعراب القرآن) 1/ 36، وقد أورد صاحب "اللسان" مادة (لأك) وتكلم عنها، ولم يذكر أنها مهملة، انظر "اللسان" (لأك) 7/ 3975.

(٢٩) (لما) ساقطة من (أ)، (ج)، والسياق يقتضيها.

(٣٠) في (ب): (المألكه).

(٣١) انظر "غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 37، "الزينة" لأبي حاتم الرازي 2/ 160، 161، "الزاهر" 2/ 267، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "مفردات الراغب" ص 21، "البيان في غريب إعراب القرآن" 1/ 70، "اللسان" (ألك) 1/ 110.

(٣٢) ذكره الأزهري عن الليث، انظر: "تهذيب اللغة" (ألك) 1/ 184، وانظر "اللسان" (ألك) 1/ 110.

(٣٣) بل الصواب وزنه (مَعَل) لأن المحذوف فاء الكلمة وهي الهمزة، انظر "البيان" 1/ 70.

(٣٤) (في الأصل) ساقط من (ب).

(٣٥) في (ج): (عن).

(٣٦) انظر: "المحكم" (ل أك) 7/ 69، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "البيان في غريب إعراب القرآن"، 1/ 70.

(٣٧) في (ب): (الحروف).

(٣٨) في (ب): (ذهب المتأخرون).

(٣٩) انظر: "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، "البيان" 1/ 70، وقد رد ابن سيده القول == بأن الميم أصلية في (ملك)، انظر "المحكم" 7/ 47، 69، وانظر "اللسان" (لَأَك) 7/ 3975.

والرد على هذا القول يرد في الكلام المكرر فيقول: (وقال بعض المتأخرين أصله (مَلك) كما هو الآن، وهو بمعنى المملوك ...

فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) فلعل الواحدي أضرب عن كلامه الأول واعتمد الأخير.

وهذا ولأبي القاسم الزجاجي قول يخالف هذا، قال في كتاب "اشتقاق أسماء الله": (وأما (الملك) واحد الملائكة، فليس من هذا، لأن ذاك أصله الهمز؛ لأن أصله (مَلْأَك) مَفْعَل من الأَلُوك وهي الرسالة ...

فكان سبيله أن يقال: مَأْلَك، ثم قلب فقيل: (مَلْأَك) ثم استعمل بطرح الهمزة ....)، "اشتقاق أسماء الله" ص 45 وقول الزجاجي هذا يوافق الجمهور ويخالف ما نقل الواحدي عنه.

(٤٠) في (ب): (مَفْعُول).

(٤١) في (ب): (أمكنته).

(٤٢) في (ب): (والملك).

(٤٣) من جعل (مَلَك) هو الأصل فهو مفرد جمعه (فعائلة) وهو جمع شاذ كما قال العكبري في (الإملاء) 1/ 28، وقال أبو البركات ابن الأنباري: (مجيء هذا == الوزن في الجمع يدل على فساد قول من جعل (ملكاً) على وزن (فَعَل) لأن فَعَلاً لا يجوز أن يجمع فعائلة ...)، "البيان" 1/ 71.

(٤٤) في (ب): (لأنهم).

(٤٥) (يكون) ساقطة من (ج).

(٤٦) في الأصل (مملوك) والتصحيح من المحقق.

(٤٧) في (ب): (منهم).

(٤٨) أي الزجاجي.

(٤٩) "جمهرة اللغة" 2/ 981.

(٥٠) في (ب): (ارال).

(٥١) هو الحسن بن بشر الآمدي البصري المنشأ، إمام في الأدب، قدم بغداد وأخذ عن الحسن بن علي بن سليمان الأخفش، والزجاج، وابن دريد، وفاتهم سنة سبعين وثلاثمائة، انظر ترجمته في: "إنباه الرواة" 1/ 285، "معجم الأدباء" 2/ 469، "بغية الوعاة" 1/ 500.

(٥٢) هو علي بن سليمان بن الفضل، أبو الحسن، المعروف (د) (الأخفش الصغير) == سمع من ثعلب والمبرد، كان ثقة، توفي سنة خمس عشرة وثلاثمائة، انظر ترجمته في: "تاريخ بغداد" 11/ 433، "إنباه الرواة" 2/ 276، "معجم الأدباء" 4/ 126.

(٥٣) انظر كلام الأخفش في "الزينة" 2/ 162.

(٥٤) خطأ الأكثرون هذا الشاعر، قال ابن سيده: (ورأيت في بعض الأشعار: مالك الموت في ملك الموت ...) ثم ذكر البيت، ثم قال: (وهذا عندي خطأ، وقد يجوز أن يكون من جفاء الأعراب وجهلهم، لأن ملك الموت مخفف عن (مَلْأك) ...) "المحكم" 7/ 47.

وقال في موضع آخر: (فإنه ظن ملك الموت من (م ل ك) فصاغ (مالكا) من ذلك، وهو غلط منه، وقد غلط بذلك في غير موضع من شعره ...

وذلك أنه رآهم يقولون: (ملك) بغير همز، وهم يريدون: (مَلْأَك) فتوهم أن الميم أصل، وأن مثال ملك (فَعَل): كَفَلَك، وسَمَك، وإنما مثال (ملك): (مَفَل) والعين محذوفة ألزمت التخفيف إلا الشاذ ..

ومثل غلط رويشد كثير في شعر الأعراب الجفاة) "المحكم" 7/ 69.

وعقد ابن جني في "الخصائص" بابا في أغلاط العرب، وذكر أبيات رويشد، ثم قال: (وحقيقة لفظه غلط وفساد ..)، "الخصائص" 3/ 273، 274، انظر: "اللسان" (لأك) 7/ 3975.

وروشيد بن حنظلة لم أجد له ترجمة.

(٥٥) في (ب): (جهينة) وهي رواية في البيت.

(٥٦) ورد البيتان في "المحكم" 7/ 47،7/ 69، "الخصائص" 2/ 72، 3/ 273، "اللسان" (لأك) 7/ 3975.

(٥٧) في (أ)، (ج): (نساه) وأثبت ما في (ب) لأنه الأولى.

(٥٨) في (ج): (يلبث).

(٥٩) في (ب): (الملك) والبيت هو ما احتج به سيبويه وغيره من أهل اللغة والنحو وهو قول علقمة الفحل أو غيره: فَلَسْتَ لِإنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ.

وقد سبق آنفاً.

(٦٠) في (أ)، (ج): (لا شاعر) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.

(٦١) (يَزْأَنِيّ) نسبة إلى ذي يزن من ملوك حمير نسبت الرماح له لأنه أول من عملت له، والأصل (يَزَنِيُّ) و (أزَنِي) وبعضهم زاد الهمزة فقال: (يَزْأَنِي) انظر "اللسان" (يزن) 8/ 4956.

(٦٢) الأصل (حَلَّيْت السويق) أي جعلته حلوا وهمزه شاذ، انظر "سر صناعة الإعراب" 1/ 90، 420، "اللسان" (حلا) 2/ 983.

(٦٣) قوله (في جمع الجمل) ساقط من (ب).

وقوله: (فعائل) هذا عند من يرى أن (الميم) في (ملك) أصلية، أما على قول الجمهور فجمعه (معافله) أو (مفاعلة)، انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36، 37.

(٦٤) في (ب): (الفتح: مفاتح).

(٦٥) في (أ)، (ج): (لجميع) واخترت ما في (ب) لأنه أصح في السياق.

(٦٦) في (ب): (وهذا جمع واجب يتبع).

(٦٧) أي: جمع تكسير.

(٦٨) في (ب): (ثابت).

(٦٩) في (ب): (وذلك).

(٧٠) في (ب): (وهو).

(٧١) يريد كلام أبي القاسم الزجاجي وسيأتي في المكرر إشارة له بقوله: (وقال بعض المتأخرين أصله (ملك) كما هو الآن ...

فخالف بهذا القول جميع أهل اللغة، واحتج على ما ذهب إليه بما يطول ذكره) ولعل الواحدي ترك ذكر كلام الزجاجي مفصلا واكتفى عن ذلك بالإشارة إليه.

(٧٢) في (أ)، (ج): (مات) وما في (ب) موافق لما عند الثعلبي فقد نقل عنه الواحدي كلام النضر والتعليق عليه.

"تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ.

(٧٣) في (ب): (هذِه الحروف).

(٧٤) قوله: (على صورة الماضي) ..

من هنا إلى قوله: (واحتج على ما ذهب إليه بما == يطول ذكره) مكرر مع ما سبق، ولعل الواحدي لم يرض عن كلامه الأول فأعرض عنه ثم أعاد الكتاب فيه، غير أن النساخ أثبتوا كل ما كتبه، انظر التنبيه السابق ص 312.

(٧٥) سورة الأعراف: 44.

وفي كلامه المكرر السابق أورد آيتين قال: (كقوله: ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ﴾ ، ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ ﴾ ...) (٧٦) هناك في المكرر قال: (هاهنا).

(٧٧) كذا ورد في جميع النسخ وفي الموضع السابق: (وقالوا: إن الحرف ...).

(٧٨) في (ب): (مقيدًا).

(٧٩) في كلامه المكرر السابق (أبو إسحاق).

(٨٠) في (ب): (السموات).

(٨١) في الكلام المكرر: (وأكثر المفسرين).

وتخريج الأقوال والتعليق عليها ذكر في الكلام السابق فلا أطيل بإعادته.

(٨٢) تفسير لفظ (الملائكة) هنا مختلف عما سبق وأكثر اختصار منه.

(٨٣) (مآلك) جمع (مألك) على أصله قبل التغيير.

قال الطبري: ولست أحفظ جمعهم كذلك سماعا، ولكنهم يجمعون: (ملائك وملائكة) "تفسير الطبري" 1/ 198، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36.

(٨٤) ويسمى قلبًا مكانيًا، انظر "مشكل إعراب القرآن" 1/ 36.

(٨٥) قال في "اللسان": (قُسي) و (قِسي) كلاهما على القلب عن (قُووس) وإن كان (قُووس) لم يستعمل استغنوا بقسيِّ عنه، فلم يأت إلا مقلوبا ...) "اللسان" (قوس) 6/ 3773.

(٨٦) في (أ) (شئمال وشأمل)، والصحيح ما أثبت كما في (ب) و (ج)، ومثله عند "الطبري"، وهو على القلب المكاني.

انظر "تفسير الطبري" 1/ 198.

(٨٧) في (ج): (خففت).

(٨٨) (والمألكة) ساقطة من (ب).

(٨٩) في (ب): (اللي).

(٩٠) ورد البيت في (ديوان لبيد) مع شرحه: ص 178، "تفسير الطبري" 1/ 198، "المعاني الكبير" 1/ 410، 3/ 1238، "الزاهر" 2/ 267، "المحكم" (أَلك) 7/ 68، "الخصائص" 3/ 275، "المنصف" 2/ 104، "تفسير القرطبي" 1/ 224، "الدر المصون" 1/ 250، "إملاء ما مَنَّ به الرحمن" 1/ 27، "اللسان" (ألك) 1/ 110.

يقول (أرسلت هذا الغلام أمُّه برسالة فأعطيناه ما طلب).

(٩١) كذا في جميع النسخ، ولعل الأولى (مشتق).

(٩٢) في (ب): (تألك، وتعضه، وتمضع) بالتأنيث في المواضع الثلاثة.

(٩٣) في (ب)، (ج): (الحديد).

(٩٤) "تهذيب اللغة" (ألك) 1/ 184.

(٩٥) هو سحيم عبد بني الحسحاس، أدرك الجاهلية والإسلام، ولا يعرف له صحبة، كان أسود شديد السواد وبنو الحسحاس: من بني أسد بن خزيمة.

انظر ترجمته في: "الشعر والشعراء" ص 258، "الخزانة" 2/ 102.

(٩٦) في (أ)، (ج): (كآية) وما في (ب) تفسير موافق لجميع المصادر التي ورد فيها البيت.

(٩٧) ورد البيت في (ديوان سحيم): ص 19، و"الطبري" 1/ 198، "الخصائص" 3/ 274، "معجم مقاييس اللغة" 1/ 133، "مجمل اللغة" (ألك) 1/ 102، أساس البلاغة (ألك): ص 8، "الخزانة" 2/ 104.

قوله: ألكني إليها: بلغها عني رسالة، والآية: العلامة، والتهادي: التمايل في المشي.

(٩٨) قوله: (فرد الملك إلى الأصل) ورد في (ب) بعد البيت وهذا أولى، والمعنى رد الملك إلى أصله وهو (ملأك).

(٩٩) في (أ) و (ج): (لها لا ك) وهو تصحيف يخالف رواية البيت المشهورة.

(١٠٠) سبق تخريج البيت.

(١٠١) (مألك) قلبت الهمزة قلبًا مكانيًا، فوضعت مكان العين، ونقلت العين إلى الفاء وهي (اللام) فصار (ملأك) ثم خفف بحذف الهمزة، انظر (البيان في غريب إعراب القرآن) 1/ 70.

(١٠٢) انظر: "الكتاب" 3/ 466، 4/ 378، "سر صناعة الإعراب" 1/ 307.

(١٠٣) في (ب): (اخالد).

(١٠٤) ورد البيت في "المنصف" 2/ 103، "البحر" 1/ 127، "الدر المصون" 1/ 251، غير منسوب فيها كلها.

(١٠٥) انظر: "تهذيب اللغة" (ملك) 4/ 3449، (ألك) 1/ 184، "تفسير الطبري" 1/ 197، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "مجاز القرآن" 1/ 35، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، "الكشاف" 1/ 371.

(١٠٦) في (ج): (من مات عليه) وكلام النضر ورد في "تفسير الثعلبي" قال: وهو مما فات عليه 1/ 60 أ.

وقد سبق كلام النضر.

وانظر التعليق عليه.

(١٠٧) هو أبو القاسم الزجاجي ذكره فيما سبق قال: (وذهب بعض المتأخرين من أصحاب أبىِ علي الفارسي، وهو أبو القاسم الزجاجي ...).

والتعليق عليه هناك، حيث إن للزجاجي قولاً آخر يوافق الجمهور.

(١٠٨) (كما) ساقطة من (أ) و (ج) والسياق يقتضيها.

(١٠٩) (يذهب) ساقطة من (ب).

(١١٠) في (ب): (بالنقض).

(١١١) وقد سبق ذكر احتجاجه مفصلاً في الكلام السابق.

(١١٢) أنظر: "تفسير الطبري" 1/ 199، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ.

(١١٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١١٤) في "تهذيب اللغة" (ولذلك) 1/ 1089.

(١١٥) "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1089.

(١١٦) وفي (ج): (رواية).

(١١٧) انظر: "الزاهر" لابن الأنباري 2/ 241، "الصحاح" (خلف) 4/ 1356، "اللسان" (خلف) 2/ 1235.

(١١٨) (كان) ساقط من (ب).

(١١٩) انظر كلام ابن السكيت في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، وانظر: "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: ص 565، "الزاهر" 2/ 242 (١٢٠) سورة يونس: 14، وفي فاطر: 39.

(١٢١) البيت استشهد به الفراء في "معاني القرآن" 1/ 208، ولم ينسبه، وورد في "الزاهر" 2/ 242، "والمذكر والمؤنث" لابن الأنباري: ص 565، ونسبه لـ (نُصيب) قال المحقق: ليس في شعره، وورد في "تهذيب اللغة" (خلف) 1/ 1090، "الصحاح" 4/ 1356، "اللسان" 2/ 1235، كلهم قالوا: أنشد الفراء.

والشاهد فيه: قوله: (أخرى) فأنث لتأنيث اسم الخليفة، والوجه أن تقول: ولده آخر.

قاله الفراء.

(١٢٢) هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي، بالولاء، مدني روى عن أبيه زيد بن أسلم، ضعيف.

مات سنة اثنتين وثمانين ومائة.

انظر ترجمته في: "الجرح والتعديل" 5/ 233، "تهذيب التهذيب" 2/ 507، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 271.

(١٢٣) ورد ضمن آثار رويت عن ابن عباس وابن مسعود وابن زيد ذكرها الطبري في "تفسيره" بسنده، وقد علق الأستاذ محمود شاكر على هذِه الآثار بكلام طويل، محصلته أن الطبري استدل بهذِه الآثار لبيان معنى لفظ (خليفة) وتحقيق معناه، ولم يبال بما في الإسناد من وهن لا يرتضيه، وقد رجح الطبري: أن المراد بالخلافة خلافة قرن منهم قرنًا غيرهم، وأن الذي يفسد ويسفك الدماء غير آدم.

وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 451 - 453، وذكر نحوه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 75 وساق الآثار على هذا.

(١٢٤) أخرج "الطبري" نحوه من طريق الضحاك عن ابن عباس، وقال شاكر: في إسناده ضعف.

"تفسير الطبري" 1/ 450، وذكره ابن كثير من طريق ابن جرير "تفسير ابن كثير" 1/ 75، وأخرج الحاكم في مستدركه نحوه عن مجاهد عن ابن عباس، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.

"المستدرك" 2/ 261.

(١٢٥) (الجن) ساقط من (ب).

(١٢٦) في (ب): (الجن).

(١٢٧) في "تفسير الطبري": (الحن) بالمهملة.

قال شاكر في هامش "الطبري": في المطبوعة في موضعين (الجن) بالجيم وهو خطأ، يدل عليه سياق الأثر، فقد ميز ما بين إبليس، وبين الجن الذين ذكروا في القرآن ..

والجن (بالجيم) أول من سكن الأرض، وإبليس جاء لقتالهم في جند من الملائكة ..) "تفسير الطبري" 1/ 455 (ط.

شاكر).

(١٢٨) في (ب): (واحبوا).

(١٢٩) ذكره الثعلبي في "تفسيره" قال: (وقال المفسرون ...

ثم ذكره)، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 أ، ب، ولعل الواحدي نقل عنه.

وإن مما أخذ على الثعلبي في "تفسيره" أنه حاطبُ ليل جمع فيه الضعاف والإسرائيليات، ولقد تأثر الواحدي به ونقل عنه في، بعض المواضع.

وحول ما أورده الواحدي هنا ورد أثر عن ابن عباس، أخرجه الطبري، قال شاكر في تعليقه عليه.

(..

لم يروه لاعتماد صحته، بل رواه لبيان أن قول الله سبحانه: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ إنما هو خطاب فيه لفظ العموم للملائكة ..) "تفسير الطبري" 1/ 201.

وأورد الأثر ابن كثير وقال: (هذا سياق غريب، وفيه أشياء فيها نظر، يطول مناقشتها، وهذا الإسناد إلى ابن عباس يُرْوى به تفسير مشهور)، "تفسير ابن كثير" 1/ 76.

ومثل هذِه القضايا يجب الاعتماد فيها على النص من الكتاب، أو من السنة الصحيحة، وهي من المواطن التي كثر النقل فيها عن الإسرائيليات، وليت كتب التفسير صينت عن مثل هذِه القصص والروايات.

(١٣٠) في (ب): (واختار).

(١٣١) أنظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 74.

(١٣٢) في (أ)، (ج): (على ذلك جهة) وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح لاستقامة السياق.

(١٣٣) أورد ابن أبي حاتم في "تفسيره" أثرًا منكرا عن السدي، وفيه: (فاستشار الملائكة في خلق آدم) قال المحقق: هذا خبر منكر، انظر "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 76.

وأورده ابن كثير في تفسير، وقال: وهذِه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار == ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن.

"تفسير ابن كثير" 1/ 75.

عبارة الحسن وقتادة: إني فاعل، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 205.

(١٣٤) أنظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 44، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 60 ب.

(١٣٥) أنشد الفراء الرجز ونسبه لبعض الأعراب "معاني القرآن" 1/ 44، وأورده "الطبري" في "تفسيره" 1/ 318، والثعلبي 1/ 60 ب، وهو في "الزاهر" 1/ 225، "تفسير الماوردي" 1/ 132، "تفسير القرطبي" 1/ 369، "الدر المصون" 1/ 407.

(١٣٦) في (ب): (فاختلوا).

(١٣٧) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).

(١٣٨) هذا الكلام ورد في رواية منكرة غريبة أخرجها ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن يحيى بن أبي كثير عن أبيه.

قال المحقق: (منكر غريب)، "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 78.

وذكرها ابن كثير عن ابن أبي حاتم، وقال: (إسرائيلي منكر)، "تفسير ابن كثير" 1/ 76.

(١٣٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٤٠) هذا المعنى ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.

(١٤١) سبق ذكر البيت وتخريجه وشرحه في: 2/ 55.

(١٤٢) في (ب): (رشد).

(١٤٣) في (أ): (ولاعتراض).

(١٤٤) ذكر نحوه الطبري ورجحه.

انظر: "تفسير الطبرى" 1/ 209 وهو قريب من قول الزجاج الآتي ذكره، انظر: "معاني القرآن" 1/ 76، وانظر.

"زاد المسير" 1/ 60، "تفسير القرطبي" 1/ 135.

(١٤٥) رجح الطبري أن الله أطلع الملائكة على ما يكون من ولد آدم، لأن ذلك يفهم من السياق، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 210.

(١٤٦) في (ب): (إذ فيهم).

(١٤٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 209، "تفسير الثعلبي" 1/ 60 ب، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 76، "تفسير القرطبي" 1/ 235.

(١٤٨) (هو) ساقط من (ب).

ولفظ الزجاج: (وقال قوم: المعنى فيه غير هذا وهو أن الله ..

إلخ) والزجاج ذكر قبل هذا القول الذي يرتضيه، وسيورده الواحدي فيما بعد، كما سيأتي، انظر: "معاني القرآن" 1/ 76.

(١٤٩) كذا في جميع النسخ وفي "معاني القرآن" (بالقاف) في الموضعين.

(١٥٠) في (أ) و (ج): (يسفك)، و (ب) غير معجم، وفي "معاني القرآن" (تسفك) 1/ 76.

(١٥١) (الواو) ساقطة من (ج).

(١٥٢) في (أ) و (ج): (التثبت)، وما في (ب) موافق لما في "معاني القرآن" 1/ 76.

(١٥٣) في النسخ: (الخلق)، تحريف، والصواب ما أثبتنا من "معاني القرآن".

(١٥٤) انتهى كلام الزجاج، انظر: "المعاني": ص 77.

(١٥٥) (إفساد) مكرر في (أ) و (ج).

(١٥٦) في (ب): (الدماء).

(١٥٧) في (أ) و (ج): (اكتفى) وأثبت ما في (ب)، لأنه هو الأصوب.

(١٥٨) الشنفرى: شاعر جاهلي من الأزد، والشنفرى اسمه، وقيل: لقبه ومعناه: العظيم الشفة، انظر: "الخزانة" 3/ 343، "الأعلام" 5/ 85.

(١٥٩) البيت قاله الشنفرى الأزدي في قصة طويلة انظر تفاصيلها في "الخزانة" 3/ 344 - 348، ويروى البيت (لا تقتلوني)، (إن قبري)، (ولكن أبشري) وفي "ذيل الأمالي" (لا تقتلوني)، (إن قتلي).

وأم عامر: كنية الضبع و (خامري) أي استتري، يريد دنو الضبع مستخفية ملازمة لمكانها حتى تخالط القتيل فتصيب منه.

والمعنى: يقول لا تدفنوني بعد قتلي واتركوني للتي يقال لها (أم عامر).

ورد البيت في "تفسير الطبري" 1/ 210، "الحماسة بشرح المرزوقي" 2/ 487، "الشعر والشعراء" ص 31، "ذيل الأمالي" للقالي 3/ 36، "الخزانة" 3/ 327.

(١٦٠) السؤال الذي ذكره الواحدي والإجابة عنه، ورد عند الطبري في "تفسيره" 1/ 210.

(١٦١) في (ب): (اخليناهم).

(١٦٢) في (ب): (فأضرها).

(١٦٣) نقل الواحدي كلام الزجاج بمعناه، ومنه قوله: (روي أن خلقًا يقال لهم: (الجان) كانوا في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء.

فبعث الله ملائكته فأجلتهم من الأرض، وقيل: إن هؤلاء الملائكة صاروا سكان الأرض بعد الجان ..

إلخ) وهذا يوضح قول الواحدي: (ونحن نسبحك الآن إذ أجليناهم وصرنا سكانها).

"معاني القرآن" للزجاج 1/ 76.

(١٦٤) في (ب): (فقال).

(١٦٥) في (ب): (فعلوا).

(١٦٦) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.

(١٦٧) في (ب): (من).

(١٦٨) ورد نحوه في رواية طويلة عن ابن عباس ساقها "الطبري" في "تفسيره"، وعلق عليها بأن الرواية أفادت أن القائل ذلك خاص من الملائكة وليس كلهم.

وقد أخذ محمود شاكر من تعليق الطبري: أن الطبري لم يروه لاعتماد سنده وإنما لبيان أن الخطاب لبعض الملائكة، وأن قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ لم يكن عن علم بالغيب عرفوه، بل كان ظنا ظنوه).

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 455 - 458، "تفسير أبي الليث" 1/ 108، "الدر المصون" 1/ 45.

(١٦٩) في (ب): (اسكنوا).

(١٧٠) اعتمد الواحدي في هذا على ما ذكره شيخه الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.

وورد نحوه عند أبي الليث في "تفسيره" 1/ 108.

وهذا لا يتناسب مع منزلة الملائكة == وما ذكره الله عنهم بقوله: ﴿ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

والأرجح في معنى الآية: أن الملائكة قالت ذلك على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221.

(١٧١) في (ب): (الله).

(١٧٢) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 221، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 77، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 236، "زاد المسير" 1/ 61.

(١٧٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 60 ب.

(١٧٤) "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609.

نقل كلامه بتصرف.

(١٧٥) في (ب): (على أن المعنى).

وقوله: (أجمع المفسرون وأهل المعاني) ليس في "تهذيب اللغة".

(١٧٦) (التسبيح) ساقط من (ج).

(١٧٧) في (ب): (فقد سبح الله).

(١٧٨) في (ج): (ينزهه).

(١٧٩) نحوه في "تفسير الطبري" 1/ 211، "زاد المسير" 1/ 61، "تفسير القرطبي" 1/ 237.

(١٨٠) انظر: "الكتاب" 1/ 324، "تهذيب اللغة" (سبح) 2/ 1609.

(١٨١) في (ج): (لمن).

(١٨٢) (من) ساقطة من (ب).

(١٨٣) البيت للأعشى ضمن قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة العامري، ويمدح عامر بن الطفيل، لما تنازعا في الجاهلية على الرياسة في بني كلاب.

وقد مات عامر مشركًا، وأسلم علقمة، ولهذا ورد أن النبي  نهى عن رواية القصيدة.

يقول: أقول لما جاءني فخر علقمة على عامر: (سبحان من علقمة الفاخر)، أي أتعجب، سبحان الله منه، كذا خرجه بعضهم، وبهذا المعنى استشهد الواحدي به، وخرجه ابن فارس: بمعنى: ما أبعده، وبعضهم قال معنى (سبحان) في البيت: البراءة والتنزيه، وللراغب في "مفرداته" أقوال أخرى: ص 221.

ورد البيت في "الكتاب" 1/ 324، "مجاز القرآن" 1/ 36، "المقتضب" في "تفسيره" 3/ 218، "مقاييس اللغة" (سبح) 3/ 125، "الزاهر" 1/ 144، و"الطبري" 1/ 211، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 78، "مفردات الراغب": ص 221، "الخصائص" 2/ 197، 435، "شرح المفصل" لابن يعيش 1/ 37، 120، "الديوان": ص 93.

(١٨٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج: ص 77.

(١٨٥) في (ج) (سبحانا).

(١٨٦) (الواو) ساقطة من (ب).

(١٨٧) ذكره الثعلبي 1/ 61 أ، وأجاز العكبري في (اللام) أن تكون بمعنى: لأجلك، أو زائدة أو تكون معدية للفعل مثل الباء، "الإملاء" 1/ 28.

(١٨٨) انظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 78، "تهذيب اللغة" (قدس) 3/ 2900، "تفسير الثعلبي" 1/ 61 أ.

(١٨٩) "شرح أسماء الله الحسنى" للزجاج: ص 30، وانظر "تهذيب اللغة" 3/ 2900، "اللسان" (قدس) 6/ 3549.

(١٩٠) هو الليث كما في "تهذيب اللغة" (قدس) 3/ 2900.

(١٩١) (هو) ساقط من (ب).

(١٩٢) في (ب): (الجمال).

والجمان: حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ، وقيل: خرز يُبَيَّض بماء الفضة.

"اللسان" (جمن) 2/ 689.

(١٩٣) صدره كما في "اللسان": تَحَدَّرَ دَمْعُ العَيْنِ مِنْهَا فَخِلْتُه يصف تحدر دمعة العين بنظم القُدَاس إذا انقطع سلكه، والبيت غير منسوب، ذكره الأزهري في "التهذيب" (قدس) 3/ 2900، والجوهري في "الصحاح" (قدس) 3/ 961، وابن فارس في "مجمل اللغة" (قدس) 1/ 745، "مقاييس اللغة" (قدس) 5/ 64، وورد في "اللسان" (قدس) 6/ 3550.

(١٩٤) في (ب): (ولا).

(١٩٥) ورد في "الحجة" لأبي علي بدون نسبة "الحجة" 2/ 152.

ولم أجده في غيرها.

(١٩٦) سورة الأنعام: 60، ويونس: 4.

وفي (الحجة): (كقوله: ﴿ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ﴾ )، (الحجة) 2/ 152.

وهي جزء من آية في سورة آل عمران: 55، والعنكبوت: 8، ولقمان: 15.

(١٩٧) (والتي) كذا وردت في جميع النسخ والأولى حذف الواو كما في "الحجة" 2/ 152.

(١٩٨) في الآيه تصحيف في (ب): (طهر) بدون (ألف)، وفي (ج): (طهري) (١٩٩) أي كلام أبي علي، نقله بتصرف، انظر: "الحجة" 2/ 151، 152.

(٢٠٠) وهو قول الثعلبي كما مر قريبًا وذكر العكبري فيها أقوالًا أخرى، انظر: "الإملاء" ص 706، تعليق رقم 5.

(٢٠١) انظر كلام الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 78، ليس فيه قوله: (البيت المقدس) أي (البيت المطهر).

(٢٠٢) وبه أخذ العكبري، انظر: ص 706، تعليق 5، وانظر "الإملاء" "تفسير الطبري" 1/ 211، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 231.

(٢٠٣) أخرجه "الطبري" بسنده من طريق الضحاك، "تفسير الطبري" 1/ 212، وانظر "تفسير ابن عطية" 1/ 232، "الدر" 1/ 95، "زاد المسير" 1/ 61.

(٢٠٤) أخرجه "الطبري" من طريق السدي عن مرة عن ابن مسعود، وعن أبي صالح عن ابن عباس 1/ 212، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه 1/ 79، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 232.

(٢٠٥) أخرجه الطبري بسنده عن سعيد عن قتادة.

"تفسير الطبري" 1/ 213، وأخرجه ابن أبي حاتم 1/ 79 - 80، قال المحقق: ضعيف، ولكن أخرجه "الطبري" من طريق آخر 1/ 284، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 1/ 74، وانظر ابن عطية 1/ 233، "الدر" 1/ 96، "زاد المسير" 1/ 62.

(٢٠٦) ذكر كلام الزجاج بمعناه.

انظر: "معاني القرآن" 1/ 77، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 62.

(٢٠٧) لم أجد هذا القول فيما اطلعت عليه من كتب التفسير، والله أعلم.

(٢٠٨) سورة الأنفال: 48، وسورة يوسف: 43، وسورة الصافات:102.

(٢٠٩) سورة يونس: 72، سورة هود: 29، وسورة سبأ: 47.

(٢١٠) (إني) ساقط من (ب).

سورة المائدة: 29، والقصص: 27.

== اختلف القراء في حكم (ياء المتكلم)، فقرأ بعضهم بفتحها، وبعضهم بتسكينها، ولهم أصول في ذلك، ولكنها لا تطرد في كل موضع، لهذا نجد من ذكر أصولهم في (ياء المتكلم) يقول: ونذكر ما شذ عن هذا في موضعه.

فعند أبي عمرو: كل ياء مكسور ما قبلها، إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة يفتحها.

أما ابن كثير فيوافقه في بعضها، ويخالفه في بعضها فيسكنها.

أما نافع فإنه يفتح هذِه الياء إذا كان بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة، وقد اختلف في بعض هذِه الحروف عنه.

أما بقية (السبعة): وهم حمزة، والكسائي، وعاصم، وابن عامر، فأصلهم فيها الإسكان، وروي عنهم مواضع بالفتح.

والياء في قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ ﴾ قرأ بفتحها في الوصل أبو عمرو وابن كثير ونافع من (السبعة).

انظر: "السبعة" لابن مجاهد: ص 152، "الحجة" لأبي علي 1/ 411، "الكشف" لمكي 1/ 324، "تحبير التيسير": ص 79، "البدور الزاهرة": ص 28.

(٢١١) أي حجة من قرأ بالفتح، والكلام منقول من "الحجة" بتصرف 1/ 414.

(٢١٢) (بينها) ساقطة من (ج).

(٢١٣) أي أن الاسم الذي آخره (ياء) مكسور ما قبلها لا يدخله جر ولا رفع لثقل ذلك، يدخله الفتح، ولذلك بني على الفتح، انظر "المقتضب" 4/ 248.

(٢١٤) في (ج): (تحرك).

(٢١٥) في (ج): (فيها) وهذا موافق لما في "الحجة" 1/ 414.

(٢١٦) كذا في جميع النسخ وفي "الحجة": (..

أن الياء في (غواش) ..) 1/ 414، قال تعالى: ﴿ لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ  ﴾ .

(٢١٧) في (ج): (ونحوها).

والمراد أن (الياء) تثبت في (غواش) في حالة النصب، انظر: "الحجة" 1/ 414.

(٢١٨) (ب): (براى).

(٢١٩) الياء في (قاضي) ورأيت غلامي (مشددة) والأولى منهما ساكنة فتفتح (الياء) الثانية انظر: "الكتاب" 3/ 414، 4/ 187.

(٢٢٠) في (ب): (نحو في هذا النحو).

(٢٢١) انتهى من بيان حجة من قرأ بفتح الياء في قوله: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ ﴾ والكلام من "الحجة" بتصرف 1/ 414.

وانظر: "الحجة" لابن خالويه: ص 74، "الكشف" لمكي 1/ 324، "البيان" لابن الأنباري 1/ 720.

(٢٢٢) في (ب): (وإنما من).

(٢٢٣) في (ب): (بالكلام).

(٢٢٤) في (ب): (الحركات).

والحركات: هما الضمة والكسرة.

(٢٢٥) في (أ) و (ج): (الأخرين) وأثبت ما في (ب) لأنه أصح وموافق لما في "الحجة" 1/ 415.

(٢٢٦) (قالي قلا) اسم مدينة بأرمينة، سميت باسم امرأة ملكتهم وبنت تلك المدينة وإليها ينسب بعض العلماء كالقالي، انظر: "معجم البلدان" 4/ 299.

(٢٢٧) قال الجوهري: أفعل ذاك بادئ بدء، وبادي بديٍّ، أي أولا، وأصله الهمزة، وإنما ترك لكثرة الاستعمال ...

، وهما اسمان جعلا اسما واحدا مثل: معد يكرب، وقالي قلا.

"الصحاح" (بدا) 6/ 2279، وانظر: "اللسان" (بدا) 1/ 234.

(٢٢٨) في (أ)، (ج): (معدي).

(٢٢٩) في (ب): (حرى).

(٢٣٠) ومنه قول العرب (لا أفعل ذلك حيري دهر).

أي: أبداً.

انظر "الكتاب" 3/ 307.

(٢٣١) في (ب): (الخبر).

(٢٣٢) يقول: إن الأسماء المركبة مثل (قالي قلا) مما آخر الاسم الأول (ياء) فالياء تسكن، لأنها في وسط الاسم، ولأنها لو كانت معربة بالجر أو الرفع سكنت، كما تقول: (مررت بالقاضي).

وكان ينبغي في هذِه الياء أن تفتح، كما فتح آخر الاسم الأول من المركب نحو (حضرموت) والذي جعل الاسمان فيه كاسم واحد، لأن الحركة تستثقل عليه، والفتح أخف الحركات، ولما ثقلت الفتحة على الياء لم يبق بعد الفتح إلا السكون.

انظر: "الكتاب" 3/ 304، 305، "المقتضب" 4/ 21، "البيان" 1/ 72.

(٢٣٣) في (ب): (متشابهه).

(٢٣٤) في (أ): (سكن) وفي (ب): (يسكن) وما في (ج) أصح في السياق وموافق لما في "الحجة" 1/ 416.

(٢٣٥) في (ب): (السبت).

(٢٣٦) في (ب): (النسبة).

(٢٣٧) قال سيبويه: ولا أراهم قالوا: طائي إلا فرارا من (طيئي) وكان القياس (طيئي) ولكنهم جعلوا الألف مكان الياء.

"الكتاب" 3/ 371.

(٢٣٨) البيت لأعرابي، ونسبه أبو زيد لراجز من حمير، يخاطب به عبد الله بن الزبير -  - وقبله: يَابنَ الزُّبَيْرِطَالَمَا عَصَيْكَا ...

وَطَالَمَا عَنَّيْتَنَا إِلَيْكَا لَنَضْرِبَنْ بِسَيْفِنَا قَفَيْكَا والشاهد (قفيكا) حيث أبدل الألف ياء مع الإضافة للضمير، والأصل قفاكا، وبعضهم يجعله من ضرورة الشعر.

وردت الأبيات في "النوادر": ص 347، "الحجة" 1/ 416، "المسائل العسكرية" لأبي علي ص 158، "أمالي الزجاجي": ص 236، "المحكم" 6/ 354، "سر صناعة الإعراب" 1/ 285، "الخزانة" 4/ 428.

(٢٣٩) (في) ساقطة من (ب).

(٢٤٠) أي مشابهة الياء للألف.

(٢٤١) انتهى ما نقله المؤلف عن "الحجة" لأبي علي 1/ 415 - 417.

في حجة من أسكن الياء في قوله: ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ ﴾ وانظر "الحجة" لابن خالويه: ص 74.

(٢٤٢) مر بنا أن أبا عمرو يفتح (الياء) إذا وقع بعدها همزة مفتوحة أو مكسورة، ويسكنها إذا وقع بعدها همزة مضمومة.

(٢٤٣) في (ب): (قد فتحت لما لم تكن تفتح)، وفي "الحجة" (فتح لها ما لم يكن يفتح ..) 1/ 417.

وهو الصواب.

(٢٤٤) في (ب): (ما لا يفتتح) ومثله في "الحجة" 1/ 417.

(٢٤٥) في (ب): (يجاوز)، وفي "الحجة": (يجاور) 1/ 417.

(٢٤٦) في (ب): (من المكسورة).

(٢٤٧) في (أ): (شيان) وفي (ب): (سان) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصوب وموافق للحجة 1/ 417.

(٢٤٨) في (ب): (الهمزة).

(٢٤٩) في (ب): (للحرف).

(٢٥٠) في (أ)، (ب) (الصيئن) وأثبت ما في (ج)، لأنه هو الصواب وموافق لما في (الحجة) 1/ 417.

(٢٥١) في جميع النسخ (الضان) وفي (الحجة) (الضائن)، قال في "الصحاح": (الضائن) خلاف الماعز والجمع (الضأن) وقد يجمع على (ضئين) "الصحاح" (ضائن) 6/ 2153.

(٢٥٢) في (أ).

(صآ.

صئيا) وفي (ب): (صاصا) وفي (ج): (صاصيا) وفي (الحجة): (صأي، صئيا)، "الحجة" 1/ 417.

و (الصِّئي) مثلثة: صوت الفرخ، والفيل والخنزير والفأر كلها تَصْأَى صِئِيّاً، انظر: "تهذيب اللغة" (صآ) 2/ 1955، "القاموس" (صأي): ص 1301.

(٢٥٣) كما في قوله تعالى: ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ  ﴾ .

(٢٥٤) (الواو) ساقطة من (ب).

(٢٥٥) (الضئي) كذا وردت في (أ، ج) وكذا في "الحجة" 1/ 418، وفي (ب): (الضبي) ولم أعرف المراد به، والمعروف (ضأي): دق جسمه.

انظر "تهذيب اللغة" (ضأي) 3/ 2083، "اللسان" (ضأي) 4/ 2542، "القاموس": ص1304.

ولعل المراد (الصئي) كما سبق أن مثل بها مع (الضئين).

(٢٥٦) في (أ)، (ج): (نشبه) وفي "الحجة": (يشبه) 1/ 418، وأثبت ما في (ب)، لأنه أولى بالسياق.

(٢٥٧) في (أ)، (ج): (وهو وهو) وأثبت ما فىِ (ب).

وعبارة أبي علي في (الحجة): (قد ذكرنا منها أشياء في هذا "الكتاب" 1/ 418، وقد سبق هذا في: 2/ 306 - 309.

(٢٥٨) في (أ)، (ج): (ليتبين) وما في (ب) أولى، وموافق لما في "الحجة" 1/ 418.

(٢٥٩) في (أ) (يستقيم).

وعبارة أبي علي في (الحجة): (فإنا لا نرى أن أبا عمرو اعتبر هذا الذى سلكه هذا القائل، ولو كان كذلك لحرك (الياء) ...

إلخ) 1/ 418.

(٢٦٠) في (ب): (لا يلزمه).

(٢٦١) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٦٢) في (أ)، (ج): (يتبين) وما في (ب) موافق للحجة.

(٢٦٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

وبهذا ينتهي الجزء الأول من "الحجة"، وقوله: (فإن قلت ..) أول الجزء الثاني.

(٢٦٤) في (ب): (يفتح).

(٢٦٥) في (أ)، (ج): (الإعراب) وما في (ب) هو الصحيح وموافق للحجة 2/ 5.

(٢٦٦) (ق) ساقطة من (ب).

(٢٦٧) إذا لم تكن الضمة للإعراب، أما الضمة في (نمر وكتف) فهي للإعراب، فلم يمنعوا مجيء الكسرة قبلها.

(٢٦٨) هذا آخر ما نقله الواحدي عن كتاب "الحجة" لابن علي الفارسي في حجة أبي عمرو في فتح (ياء المتكلم) إذا لقيت همزة مفتوحة أو مكسورة، وتسكينها إذا لقيت همزة مضمومة.

انظر: "الحجة" 1/ 417، 2/ 5.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِلْمَلاَئِكَةِ ﴾ جمع ملك واختلف في وزنه فقيل: فَعَل فالميم أصلية، ووزن ملائكة على هذا مفاعلة وقيل: هي من الألوكة وهي الرسالة، فوزنه مفعل ووزنه مألك ثم حذفت الهمزة ووزن ملائكة على هذا مفاعلة، ثم قلبت وأخرت الهمزة فصار مفاعلة وذلك بعيد ﴿ خَلِيفَةً ﴾ هو آدم عليه السلام؛ لأنّ الله استخلفه في الأرض، وقيل ذريته لأنّ بعضهم يخلف بعضاً، والأوّل أرجح، ولو أراد الثاني لقال خلفاء ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ الآية: سؤال محض لأنهم استبعدوا أن يستخلف الله من يعصيه، وليس في اعتراض؛ لأنّ الملائكة منزهون عنه، وإنما علموا أنّ بني آدم يفسدون بإعلام الله إياهم بذلك، وقيل: كان في الأرض جنّ فأفسدوا، فبعث الله إليهم ملائكة فقتلتهم.

فقاس الملائكة بني آدم عليهم ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ﴾ اعتراف، والتزام للسبيح لا افتخار ﴿ بِحَمْدِكَ ﴾ أي حامدين لك والتقدير: نسبح متلبسين بحمدك، فهو في موضع الحال ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ يحتمل أن تكون الكاف مفعولاً، ودخلت عليها اللام كقولك: ضربت لزيداً، وأن يكون المفعول محذوفاً، أي نقدسك على معنى: ننزهك أو نعظمك، وتكون اللام في ذلك للتعليل أي لأجلك، أو يكون التقدير: نقدس أنفسنا أي نطهرها لك ﴿ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي ما يكون في بني آدم من الأنبياء والأولياء وغير ذلك من المصالح والحكمة.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ خليفة ﴾ وأشباهها بالإمالة عند الوقف: أبو عمرو وحمزة وعلي والأعشى والبرجمي إلا أن يكون قبلها من الحروف الموانع السبع وهي: الصاد والضاد والطاء والظاء والغين والخاء والقاف نحو: خاصة، وفريضة، وحطة، وغلظة، وصبغة، وصاخة، وشقة.

وأما العين والحاء والراء فعلى الاختلاف عند أهل المدينة، فأشدهم إمالة حمزة وعلي، فأما أبو عمرو والأعشى والبرجمي فإنهم يميلون بين الفتح والكسر وإلى الفتح أقرب ﴿ إني أعلم ﴾ بفتح الياء: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

الوقوف: ﴿ خليفة ﴾ (ط) بناء على أن عامل "إذ" محذوف أي اذكر.

ومن جعل ﴿ قالوا ﴾ عامل "إذ" وصل.

﴿ الدماء ﴾ (ج) لأن انتهاء الاستفهام على قوله ﴿ ويسفك الدماء ﴾ يقتضي الفصل، واحتمال الواو لمعنى الحال في قوله ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ يقتضي الوصل ﴿ ونقدس لك ﴾ (ط) ﴿ ما لا تعلمون ﴾ (ه).

التفسير: هذا ابتداء الإخبار عن كيفية خلق آدم  وعن كيفية تعظيمه إياه، فينخرط في سلك ما تقدمه من النعم، فإن النعمة على الآباء نعمة على الأبناء، وإذ ههنا مجرد لمعنى الظرفية أي أذكر وقت قول ربك كقوله ﴿ واذكر أخا عاد إذ أنذر  ﴾ أي وقت إنذاره على أنه بدل من أخا عاد لأن الذكر في ذلك الوقت ممتنع.

والخطاب للنبي  أو لكل واحد من بني آدم، ويجوز أن ينتصب بـ ﴿ قالوا ﴾ فيكون للمجازاة.

والملائكة جمع ملأك وأصله مألك بتقديم الهمزة من الألوكة هي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام فقيل: ملأك، وجمع على فعائل مثل شمأل وشمائل، ثم تركت همزة المفرد لكثرة الاستعمال وألقيت حركتها على اللام.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع نحو حجارة وقد لا تلحق.

واعلم أن الملك قبل النبي  بالشرف والعلية وإن كان بعده في عقولنا وأذهاننا، وقد جعله الله واسطة بينه وبين رسله في تبليغ الوحي والشريعة.

وقدم ذكر الإيمان بالملائكة على ذكر الإيمان بالأنبياء ﴿ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله  ﴾ ولا خلاف بين العقلاء في أن شرف العالم العلوي بالملائكة كما أن شرف العالم السفلي بوجود الأنبياء فيه.

وللناس في حقيقة الملائكة مذاهب: منهم من زعم أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات وهو قول أكثر المسلمين، ومنهم عبدة الأوثان القائلون إن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد والإنحاس وأنها أحياء ناطقة، فالمسعدات ملائكة الرحمة والمنحسات ملائكة العذاب.

ومنهم معظم المجوس والثنوية القائلون بالنور والظلمة وإنهما عندهم جوهران حساسان مختاران قادران، متضادا النفس والصورة، مختلفا الفعل والتدبير.

فجوهر النور فاضل خير نقي طيب الريح كريم النفس يسر ولا يضر وينفع ولا يمنع ويحيى ولا يبلى، وجوهر الظلمة ضد ذلك، فالنور يولد الأولياء وهم الملائكة لا على سبيل التناكح بل كتولد الحكمة من الحكيم والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة يولد الأعداء وهم الشياطين كتولد السفه من السفيه.

ومنهم القائلون بأنها جواهر غير متحيزة، ثم اختلفوا فقال بعضهم وهم طوائف من النصارى - إنها هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، فإن كانت صافية خيرة فالملائكة، وإن كانت خبيثة كثيفة فالشياطين.

وقال آخرون - وهم الفلاسفة - إنها مخالفة لنوع النفوس الناطقة البشرية، وإنها أكمل قوة وأكثر علماً، ونسبتها إلى النفوس البشرية كنسبة الشمس إلى الأضواء، فمنها نفوس ناطقة فلكية، ومنها عقول مجردة ومنهم من أثبت أنواعاً أخر من الملائكة وهي الأرضية المدبرة لأحوال العالم السفلي، خيرها الملائكة وشريرها الشياطين ولكل من الفرق دلائل على ما ذهب إليه يطول ذكرها ههنا.

وقد يستدل عليها أصحاب المجاهدات من جهة المكاشفة وأصحاب الحاجات والضرورات من جهة مشاهدة الآثار العجيبة والهداية إلى المعالجات النادرة الغريبة وتركيب المعجونات واستخراج صنعة الترياقات، كما يحكى أنه كان لجالينوس وجع في الكبد فرأى في المنام كأن امرأ يأمره أن يفصد الشريان الذي على ظهر كفه اليمنى بين السبابة والإبهام ففعل فعوفي، ومما يدل على ذلك حال الرؤيا الصادقة.

ولا نزاع ألبتة بين الأنبياء عليهم السلام في إثبات الملائكة وذلك كالأمر المجمع عليه بينهم، وأما شرح كثرتهم فقد قال  "أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع" وروي "إن بني آدم عشر الجن، والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر، وهؤلاء كلهم عشر الطيور، وهؤلاء عشر حيوانات البحر وهؤلاء كلهم عشر ملائكة الأرض الموكلين، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الدنيا، وكل هؤلاء عشر ملائكة السماء الثانية، وعلى هذا الترتيب إلى ملائكة السماء السابعة، ثم الكل في مقابلة ملائكة الكرسي نزر قليل، ثم كل هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف طول كل سرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السموات والأرض وما فيها، فإنها كلها تكون شيئاً يسيراً وقدراً قليلاً، وما مقدار موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم، لهم زجل بالتسبيح والتقديس، ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحومون حول العرش كالقطرة في البحر ولا يعرف عددهم إلا الله، ثم مع هؤلاء ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل  والملائكة الذين هم جنود جبريل وهم كلهم سامعون مطيعون لا يستكبرون عن عبادته ولا يسأمون" وأما أصنافهم فمنهم حملة العرش ﴿ ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية  ﴾ ومنهم أكابر الملائكة جبرائيل صاحب الوحي والعلم، وميكائيل صاحب الرزق والغذاء، وإسرافيل صاحب الصور، وعزرائيل ملك الموت، ومنهم ملائكة الجنة ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب  ﴾ ومنهم ملائكة النار ﴿ عليها تسعة عشر  ﴾ ومنهم لموكلون ببني آدم عن اليمين وعن الشمال قعيد.

ومنهم الموكلون بأحوال هذا العالم ﴿ والصافات صفا  ﴾ وأما أوصافهم فكما قال أمير المؤمنين علي  : منهم سجود لا يركعون، وركوع لا ينتصبون، وصافون لا يتزايلون، ومسبحون لا يسأمون، لا يغشاهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان ولا غفلة النسيان، ومنهم أمناء على وحيه وألسنة إلى رسله ومختلفون بقضائه وأمره.

منهم الحفظة لعباده والسدنة لأبواب جنانه، ومنهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، والمارقة من السماء العليا أعناقهم، والخارجة من الأقطار ركانهم، والمناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفعون بأجنحتهم، مضروبة بينهم وبين من دونهم حجب العزة وأستار القدرة، لا يتوهمون ربهم بالتصوير ولا يجرون عليه صفات المصنوعين، ولا يحدونه بالأماكن ولا يشيرون إليه بالنظائر.

ثم إنه روى الضحاك عن ابن عباس أنه  إنما قال هذا القول للملائكة الذين كانوا محاربين مع إبليس، لأن الله  لما أسكن الجن الأرض فأفسدوا فيها وسفكوا الدماء وقتل بعضهم بعضاً، بعث الله إبليس في جند من الملائكة فأخرجوهم من الأرض وألحقوهم بجزائر البحر، فقال  لهم ﴿ إني جاعل في الأرض خليفة ﴾ وقال الأكثرون من الصحابة والتابعين: إنه  قال ذلك لجماعة الملائكة من غير تخصيص، لأن لفظ الملائكة يفيد العموم والتخصيص خلاف الأصل.

و ﴿ جاعل ﴾ من جعل الذي له مفعولان، معناه مصير في الأرض خليفة، وإنما لم يقل إني خالق كما قال ﴿ إني خالق بشراً من طين ﴾ لأنه باعتبار الخلافة من عالم الأمر لا من عالم الخلق.

والظاهر أن الأرض يراد بها ما بين الخافقين، وقد يروى عن النبي  أن الأرض ههنا أرض مكة التي دحيت الأرض من تحتها.

والخليفة من يخلف غيره ويقوم مقامه، والخليفة اسم يصلح للواحد والجمع والمذكر والمؤنث، وجمعه خلائف مثل: كريمة وكرائم.

وجاء خلفاء لأنهم جمعوه على إسقاط الهاء مثل: ظريف وظرفاء.

والمراد به آدم  إما لأنه صار خليفة لأولئك الجن الذين تقدموه، ويروى ذلك عن ابن عباس، وإما لأنه يخلف الله في الحكم بين خلقه كقوله ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق  ﴾ وهو المروي عن ابن مسعود والسدي.

وعن الحسن، أن المراد بالخليفة أبناء آدم لأنه يخلف بعضهم بعضاً ويؤيده قوله ﴿ هو الذي جعلكم خلائف في الأرض  ﴾ وإنما وحد بتأويل من يخلف أو خلفاً يخلف، وبالحقيقة الإنسان يخلف جميع المكونات من الروحانيات والجسمانيات والسماويات والأرضيات، ولا يخلفه شيء منها إذ لم يجتمع في شيء منها ما اجتمع فيه.

وليس للعالم مصباح يضيء بنار نور الله فيظهر أنوار صفاته خلافة عنه إلا مصباح الإنسان، لأنه أعطى مصباح السر في زجاجة القلب، والزجاجة في مشكاة الجسد، وفي زجاجة القلب زيت الروح ﴿ يكاد زيتها يضيء  ﴾ من صفاء العقل ولو لم تمسسه نار النور، وفي مصباح السر فتيلة الخفاء، فإذا استنار مصباحه بنار نور الله كان خليفة الله في أرضه، فيظهر أنوار صفاته في هذا العالم بالعدل والإحسان والرأفة والرحمة واللطف والقهر، ولا تظهر هذه الصفات لا على الحيوان ولا على الملك فاعلم.

والفائدة في إخبار الملائكة بذلك، إما تعليم العباد المشاورة في أمورهم وإن كان هو بحكمته البالغة غنياً عن ذلك، وإما ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا.

واعلم أن الجمهور من علماء الدين على أن الملائكة كلهم معصومون عن جميع الذنوب لقوله  ﴿ يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون  ﴾ فلا شيء من المأمورات بل ومن المنهيات - لأن المنهي مأمور بتركه - إلا ويدخل فيه بدليل صحة الاستثناء وأيضاً لقوله ﴿ بل عباد مكرمون.

لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون  ﴾ ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون  ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

وطعن فيهم بعض الحشوية بأنهم قالوا أتجعل، والاعتراض على الله من أعظم الذنوب.

وأيضاً نسبوا بني آدم إلى القتل والفساد وهذا غيبة وهي من أعظم الكبائر.

وأيضاً مدحوا أنفسهم بقولهم ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ وهو عجب.

وأيضاً قولهم ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ اعتذار والعذر دليل الذنب.

وأيضاً قوله  ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ دل على أنهم كانوا كاذبين فيما قالوه.

وأيضاً قوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ يدل على أنهم كانوا مرتابين في أنه  عالم بكل المعلومات.

وأيضاً علمهم بالإفساد وسفك الدماء إما بالوحي وهو بعيد وإلا لم يكن لإعادة الكلام فائدة، وإما بالاستنباط والظن وهو منهي ﴿ ولا تقْفُ ما ليس لك به علم  ﴾ وأيضاً قصة هاروت وماروت وأن إبليس كان من الملائكة المقربين ثم عصى الله وكفر.

والجواب عن اعتراضهم على الله أن غرضهم من ذلك السؤال لم يكن هو الإنكار ولا تنبيه الله على شيء لا يعلمه فإن هذا الاعتقاد كفر، وإنما المقصود من ذلك أمور منها: أن الإنسان إذا كان قاطعاً بحكمة غيره ثم رآه يفعل فعلاً لا يهتدي ذلك الإنسان إلى وجه الحكمة فيه، استفهم عن ذلك متعجباً.

فكأنهم قالوا إعطاء هذه النعم العظام من يفسد ويسفك لا تفعله إلا لوجه دقيق وسر غامض فما أبلغ حكمتك، ومنها أن إبداء الإشكال طلباً للجواب غير محذور، فكأنه قيل: إلهنا أنت الحكيم الذي لا يفعل السفه ألبتة، وتمكين السفيه من السفه قبيح من الحكيم، فكيف يمكن الجمع بين الأمرين؟

وهذا جواب المعتزلة، واستدلوا به على أن الملائكة لم يجوزوا صدور القبيح من الله  فكانوا على مذهب أهل العدل قالوا: ومما يؤكد ذلك أنهم أضافوا الفساد وسفك الدماء إلى المخلوقين لا إلى الخالق.

وأيضاً قالوا ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ والتسبيح تنزيه ذاته عن صفة الأجسام ﴿ ونقدس لك ﴾ والتقديس تنزيه أفعاله عن صفة الذم ونعت السفه، ومنها أن الخيرات في هذا العالم غالبة على شرورها، وترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير.

فالملائكة نظروا إلى الشرور فأجابهم الله  بقوله ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ أي من الخيرات الكثيرة التي لا يتركها الحكيم لأجل الشر القليل وهذا جواب الحكيم.

ومنها أن سؤالهم كان على وجه المبالغة في إعظام الله  ، فإن العبد المخلص لشدة حبه لمولاه يكره أن يكون له عبد يعصيه.

ومنها أن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ مسألة منهم أن يجعل الأرض أو بعضها لهم إن كان ذلك صلاحاً نحو قول موسى ﴿ أتهلكنا بما فعل السفهاء منا  ﴾ أي لا تهلك، فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ من صلاحكم وصلاح هؤلاء فبين أن الاختيار لهم السماء ولهؤلاء الأرض، ليرضى كل فريق بما أختار الله له.

ومنها أن هذا الاستفهام خارج مخرج الإيجاب كقول جرير: ألستم خير من ركب المطايا؟

أي أنتم كذلك وإلا لم يكن مدحاً، فكأنهم قالوا: إنك تفعل ذلك ونحن مع هذا نسبح بحمدك لأنا نعلم في الجملة أنك لا تفعل إلا الصواب والحكمة فقال  ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ فأنتم علمتم ظاهرهم وهو الفساد والقتل، وأنا أعلم ظاهرهم وما في باطنهم من الأسرار الخفية التي تقتضي إيجادهم.

وفيه أن استحقاق تلك الخلافة ليس بكثرة الطاعة ولكنه بسابق العناية، وأنه  غني عن طاعة المطيعين كما أنه لا تضره معصية المذنبين.

والجواب عن الغيبة أن من أراد إيراد السؤال وجب أن يتعرض لمحل الإشكال، فلذلك ذكروا الفساد والسفك لا للغيبة.

وعن العجب أن مدح النفس غير ممنوع منه مطلقاً ﴿ وأما بنعمة ربك فحدث  ﴾ فكأنهم قالوا ما سألناك للقدح في حكمتك يا رب فإنا نعترف لك بالإلهية والحكمة، بل لطلب وجه الحكمة.

وعن الاعتذار، إنه لم يكن للذنب بل لأن ترك السؤال كان أولى.

وروي عن الحسن وقتادة أن الله  لما أخذ في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهم وقالوا: ليخلق ربنا ما شاء أن يخلق، فلن يخلق خلقاً إلا كنا خلقاً أعظم منه وأكرم عليه، فلما خلق آدم  وفضله عليهم وعلمه الأسماء كلها قال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين في أنه لا يخلق خلقاً إلا وأنتم أفضل منه، ففزعوا إلى التوبة وقالوا ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ ثم إن العلماء ذكروا في إخبار الملائكة عن الفساد والسفك وجوهاً منها: أنهم قالوا ذلك ظناً إما لأنهم قاسوهم على حال الجن الذين كانوا قبل آدم  في الأرض وهو مروي عن ابن عباس والكلبي، وإما لأنهم عرفوا خلقته وعلموا أنه مركب من الأركان المتخالفة والأخلاط المتنافية الموجبة للشهوة التي منها الفساد وللغضب الذي منه سفك الدماء.

ومنها أنهم قالوا ذلك عن اليقين، ويروى عن ابن مسعود وناس من الصحابة، وذلك أنه  لما قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة، قالوا: ربنا وما يكون الخليفة؟

قال يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضاً.

فعند ذلك قالوا: ربنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟

أو أنه  كان قد أعلم الملائكة أنه إذا كان في الأرض خلق عظيم أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، أو لأنه لما كتب القلم في اللوح ما هو كائن إلى يوم القيامة فلعلهم طالعوا اللوح فعرفوا ذلك، أو لأن معنى الخليفة إذا كان النائب لله في الحكم والقضاء والاحتياج إلى الحاكم إنما يكون عند التنازع والتظالم، كان الإخبار عن وجود الخليفة إخباراً عن وقوع الفساد والشر بطريق الالتزام وقيل: لما خلق الله النار خافت الملائكة خوفاً شديداً فقالوا: لم خلقت هذه النار؟

قال: لمن عصاني من خلقي.

ولم يكن يومئذ لله خلق إلا الملائكة، ولم يكن في الأرض خلق ألبتة.

فلما قال: إني جاعل في الأرض خليفة، عرفوا أن المعصية منهم تظهر.

وأما قصة إبليس وهاروت وماروت فسيجيء الكلام فيها.

واختلف الناس في أن الملائكة لهم قدرة على المعاصي والشرور أم لا.

فالفلاسفة وكثير من أهل الجبر قالوا: إنهم خير محض ولا قدرة لهم على الشر.

والمعتزلة أثبتوا لهم قدرة على الأمرين، لأن قولهم ﴿ أتجعل ﴾ إما معصية أو ترك الأولى، وعلى التقديرين فالمقصود حاصل، وأيضاً قال  ﴿ ومن يقل منهم إني إلّه من دونه فذلك نجزيه جهنم  ﴾ وهذا يقتضي كونهم مزجورين.

وقال ﴿ لا يستكبرون عن عبادته  ﴾ والمدح بترك الاستكبار إنما يحسن لو كان قدراً على الاستكبار.

ويمكن إلزامهم بأن الثواب عندهم واجب على الله فيمتنع عليه تركه مع أنه يستحق المدح على الثواب.

والواو في ﴿ ونحن نسبح ﴾ للحال كقولك "أتحسن إلى فلان وأنا أحق بالإحسان" والتسبيح تبعيد الله من السوء وكذا التقديس، من سبح في الماء وقدس في الأرض إذا ذهب فيها أو أبعد.

والتبعيد عن السوء إما في الذات ويحصل بنفي الإمكان المستلزم لنفي الكثرة المستلزمة لنفي الجسمية والعرضية والضد والند، وإما في الصفات بأن يكون مبرءاً عن العجز والجهل والتغيرات محيطاً بكل المعلومات قادراً على كل المقدورات، وإما في الأفعال بأن لا تكون أفعاله لجلب المنافع ودفع المضار، يقول الله تعالى: أنا المنزه عن النظير والشريك  هو الواحد القهار، أنا المدبر للسموات والأرض سبحان رب السموات والأرض، أنا المدبر لكل العالمين، سبحان الله رب العالمين أنا المنزه عن قول الظالمين سبحان ربك رب العزة عما يصفون، أنا الغني عن الكل  هو الغني، أنا السلطان الذي كل شيء سواي فهو تحت قهري وتسخيري فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء، أنا المنزه عن الصاحبة والولد  أنى يكون له ولد، أنا الذي أخلق الولد من غير أب  ﴿ إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون  ﴾ ، أنا الذي سخرت الأنعام القوية للبشر الضعيف ﴿ سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين  ﴾ أنا الذي أعلم لا بعلم المعلمين ولا بإرشاد المرشدين ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا  ﴾ أنا الذي أغفر معصية سبعين سنة بتوبة ساعة ﴿ فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس  ﴾ فإن أردت رضوان الله فسبح ﴿ ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى  ﴾ وإن أردت الخلاص من النار فسبح ﴿ سبحانك فقنا عذاب النار  ﴾ وإن أردت الفرج من البلاء فسبح ﴿ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين  ﴾ أيها العبد، واظب على تسبيحي ﴿ وسبحوه بكرة وأصيلاً ﴾ } [الأحزاب: 42] وإلا فالضرر يعود إليك ﴿ فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون  ﴾ يسبح لي الحجر والمدر والرمال والجبال والشجر والدواب والليل والنهار والظلمات والأنوار والجنة والنار والزمان والمكان والعناصر والأركان والأرواح والأجسام ﴿ سبح لله ما في السموات والأرض  ﴾ ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده  ﴾ أيها العبد، أنا الغني عن تسبيح هذه الأشياء، وهذه الأشياء ليست من الأحياء فلا حاجة بها إلى ثواب هذا التسبيح، ولا أضيع ثواب هذه التسبيحات، فإن ذلك لا يليق بي ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلاً  ﴾ لكني أوصل ثواب هذه الأشياء إليك لتعرف أن من اجتهد في خدمتي أجعل كل العالم في خدمته "وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض والحيتان في جوف الماء" أيها العبد أذكرني بالعبودية لتنتفع به لا أنا ﴿ سبحان ربك رب العزة عما يصفون  ﴾ فإنك إذا ذكرتني في الخلوات ذكرتك في الفلوات ﴿ والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً  ﴾ أقرضني وإن كنت أنا الغني حتى أرد الواحد عليك عشرة ﴿ إن تقرضوا الله قرضاً حسناً يضاعفه لكم  ﴾ لا حاجة لي إلى العسكر ﴿ ولو يشاء الله لانتصر منهم  ﴾ ولكن إذا نصرتني نصرتك ﴿ إن تنصروا الله ينصركم  ﴾ اخدمني ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم  ﴾ لا لأني أحتاج إلى خدمتك فإني أنا الملك ﴿ ولله ملك السموات والأرض  ﴾ ولكن أصرف في خدمتي عمراً قصيراً لتنال ملكاً كبيراً وخيراً كثيراً ﴿ وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم  ﴾ .

قوله ﴿ بحمدك ﴾ في موضع الحال أي نسبحك ملتبسين بحمدك، فإنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق لم نتمكن من ذلك.

وسئل رسول الله  أي الكلام أفضل؟

فقال: ما اصطفاه الله لملائكته: سبحان الله وبحمده.

ويروى أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت، وأهل السماء الثانية قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت، وأهل السماء الثالثة ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا ينام ولا يموت.

وعن ابن عباس وابن مسعود: نسبح أي نصلي، والتسبيح الصلاة.

وعن مجاهد: نقدس لك نطهر أنفسنا من ذنوبنا وخطايانا ابتغاء لمرضاتك.

وقيل: ظهر قلوبنا عن الالتفات إلى غيرك حتى تصير مستغرقة في أنوار معرفتك ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ معناه لا تعجبوا ولا تغتموا بأن فيهم من يفسد ويسفك فإني أعلم أن فيهم من لو أقسم على الله لأبرَّه، وأعلم أن معكم إبليس وفي قلبه من الحسد والكبر والنفاق ما فيه، أو أنكم لما وصفتم أنفسكم بهذه المدائح فأنتم في تسبيح أنفسكم لا في تسبيحي.

اصبروا حتى أخلق البشر فيكون فيهم من يعبدونني ثم يخشونني، يودون حق العبادات ثم لا يتكلمون على تلك الطاعات ﴿ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم  ﴾ ﴿ والذين هم من خشية ربهم مشفقون ﴾ \[المؤمنون: 57\] ﴿ والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين  ﴾ ﴿ وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين  ﴾ أو أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم، ولكم في هذا الإجمال ما يغنيكم عن التفصيل، فإن أفعالي كلها حكمة ومصلحة، وإن خفي عليكم وجه كل واحد على أنه قد بين لهم بعض ذلك في قوله: ﴿ وعلم ءادم الأسماء.........

﴾ <div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يخبر الله تعالى أنَّه سبحانه قال للملائكة: إنه سيجعل في الأرض بشرًا يخلُف بعضهم بعضًا، للقيام بعمارتها على طاعة الله، فسأل الملائكةُ ربَّهم -سؤال استرشاد واستفهام- عن الحكمة من جعل بني آدم خلفاء في الأرض، وهم سيفسدون فيها، ويريقون الدماء ظلمًا، قائلين: ونحن أهل طاعتك، نُنَزّهُك حامدين لك، ومعظّمين جلالك وكمالك، لا نفتُرُ عن ذلك، فأجابهم الله عن سؤالهم: إني أعلم ما لا تعلمون من الحِكَم الباهرة في خلقهم، والمقاصد العظيمة من اسَتخلافهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZWvkQ"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

أجمعت الأمة الإسلامية على أن الله تعالى منزه عن مشابهة المخلوقات، وقد قام البرهان العقلي والبرهان النقلي على هذه العقيدة فكانت هي الأصل المحكم في الاعتقاد الذي يجب أن يرد إلى غيره، وهو التنزيه، فإذا جاء في نصوص الكتاب أو السنة شيء ينافي ظاهره التنزيه، فللمسلمين فيه طريقتان.

إحداهما: طريقة السلف وهي التنزيه الذي أيد العقل فيه النقل كقوله تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ وقوله  ﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ  ﴾ وتفويض الأمر إلى الله تعالى في فهم حقيقة ذلك، مع العلم بأن الله يعلمنا بمضمون كلامه ما نستفيد به في أخلاقنا وأعمالنا وأحوالنا، ويأتينا في ذلك بما يقرب المعاني من عقولنا ويصورها لمخيلاتنا.

والثانية:طريقة الخلف وهي التأويل، يقولون: إن قواعد الدين الإسلامي وضعت على أساس العقل فلا يخرج شيء منها عن المعقول، فإذا جزم العقل بشيء وورد في النقل خلافه يكون الحكم العقلي القاطع قرينة على أن النقل لا يراد به ظاهره ولا بد له من معنى موافق يحمل عليه فينبغي طلبه بالتأويل.

وأنا على طريقة السلف في وجوب التسليم والتفويض فيما يتعلق بالله تعالى وصفاته وعالم الغيب.

وإننا نسير في فهم الآيات على كلا الطريقتين لأنه لا بد للكلام من فائدة يحمل عليها لأن الله  لم يخاطبنا بما لا نستفيد منه معنى.

أما الملائكة فيقول السلف فيهم إنهم خلق أخبرنا الله تعالى بوجودهم وببعض عملهم، فيجب علينا الإيمان بهم، ولا يتوقف ذلك على معرفة حقيقتهم، فنفوض علمها إلى الله تعالى، فإذا ورد أن لهم أجنحة نؤمن بذلك ولكننا نقول إنها ليست أجنحة من الريش ونحوه كأجنحة الطيور، إذ لو كانت كذلك لرأيناها، وإذا ورد أنهم موكلون بالعوالم الجسمانية كالنبات والبحار فإننا نستدل بذلك على أن في الكون عالمًا آخر ألطف من هذا العالم المحسوس وأن له علاقة بنظامه وأحكامه، والعقل لا يحكم باستحالة هذا بل يحكم بإمكانه لذاته، ويحكم بصدق الوحي الذي أخبر به.

وقد بحث أناس في جوهر الملائكة وحاولوا معرفتهم ولكن من وقفهم الله تعالى على هذا السر قليلون، والدين وإنما شرع للناس كافة، فكان الصواب الاكتفاء بالإيمان بعالم الغيب من غير بحث عن حقيقته لأن تكليف الناس هذا البحث أو العلم به كاد يكون من تكليف ما لا يطاق، ومن خصه الله تعالى بزيادة في العلم فذلك فضله يؤتيه من يشاء، فقد ورد في الصحيح عن أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه في هذا العلم الديني الخاص، وقد سئل هل خصكم رسول الله  بشيء من العلم فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا أن يؤتي الله عبدًا فهمًا في القرآن إلخ..

وأما ذلك الحوار في الآيات فهو شأن من شؤون الله تعالى مع ملائكته صوره لنا في هذه القصة بالقول والمراجعة والسؤال والجواب، ونحن لا نعرف حقيقة ذلك القول ولكننا نعلم أنه ليس كما يكون منا، وإن هناك معاني قصدت إفادتها بهذه العبارات، وهي عبارة عن شأن من شؤونه تعالى قبل خلق آدم وأنه كان يعد له الكون، وشأن من الملائكة يتعلق بخلق نوع الإنسان، وشأن آخر في بيان كرامة هذا النوع وفضله.

وأما الفائدة فيما وراء البحث في حقيقة لملائكة وكيفية الخطاب بينهم وبين الله تعالى فهي من وجوه.

أحدها-أن الله تعالى في عظمته وجلاله يرضى لعبيده أن يسألوه عن حكمته في صنعه، وما يخفى عليهم من أسراره في خلقه، ولا سيما عند الحيرة، والسؤال يكون بالمقال ويكون بالحال والتوجه إلى الله تعالى في استفاضة العلم بالمطلوب من ينابيعه التي جرت سنته تعالى بأن يفيض منها، كالبحث العملي والإلهام الإلهي وربما كان للملائكة طريق آخر لاستفاضة العلم غير معروفة لأحد من البشر فيمكننا أن نحمل سؤال الملائكة على ذلك.

ثانيها-إذا كان من أسرار الله تعالى وحكمه ما يخفى على الملائكة فنحن أولى بأن يخفى علينا، فلا مطمع لإنسان في معرفة جميع أسرار الخليقة وحكمها لأنه لم يؤت من العلم إلا قليلًا.

ثالثها-إن الله تعالى هدى الملائكة في حيرتهم، وأجابهم عن سؤالهم لإقامة الدليل، بعد الإرشاد إلى الخضوع والتسليم، وذلك أنه بعد أن أخبرهم بأنه يعلم ما لا يعلمون علم آدم الأسماء ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي بيانه.

رابعها-تسلية النبي  عن تكذيب الناس، ومحتاجهم في النبوة بغير برهان على إنكار ما أنكروا وبطلان ما جحدوا، فإذا كان الملأ الأعلى قد مثلوا على أنهم يختصمون ويطلبون البيان والبرهان فيما لا يعلمون، فأجدر بالناس أن يكونوا معذورين، وبالأنبياء أن يعاملوهم كما عامل الله الملائكة المقربين، أي فعليك أيها الرسول أن تصبر على هؤلاء المكذبين، وترشد المسترشدين، وتأتي أهل الدعوة بسلطان مبين، وهذا الوجه هو الذي يبين اتصال هذه الآيات بما قبلها.

وكون الكلام لا يزال في موضوع الكتاب وكونه لا ريب فيه وفي الرسول وكونه يبلغ وحي الله تعالى ويهدي به عباده وفي اختلاف الناس فيهما، ومن خواص القرآن الحكيم الانتقال من مسألة إلى أخرى مباينة لها أو قريبة منها مع كون الجميع في سياق موضوع واحد.

وأما الخلف فمنهم من تكلم في حقيقة الملائكة ووضع لهم تعريفًا ومنهم من أمسك عن ذلك، وقد اتفقوا على أنهم يدركون ويعلمون.

والقصة على مذهبهم وردت مورد التمثيل لتقرب من أفهام الخلق ما تفيدهم معرفته من حال النشأة الآدمية، وما لها من المكانة والخصوصية: أخبر الله الملائكة بأنه جاعل في الأرض خليفة، ففهموا من ذلك أن الله يودع في فطرة هذا النوع الذي يجعله خليفة أن يكون ذا إرادة مطلقة واختيار في عمله غير محدود، وأن الترجيح بين ما يتعارض من الأعمال التي تعن له يكون بحسب علمه، وأن العلم إذا لم يكن محيطًا بوجوه المصالح والمنافع يوجه الإرادة إلى خلاف المصلحة والحكمة وذلك هو الفساد، وهو متعين لازم الوقوع، لأن العلم المحيط لا يكون إلا لله تعالى، فعجبوا كيف يخرق الله هذا النوع من الخلق وسألوا الله تعالى بلسان المقال إن كانوا ينطقون، أو بلسان الحال والتوجه إليه لاستفاضة المعرفة بذلك وطلب البيان والحكمة، وعبر الله عن ذلك بالقول لأنه هو المعهود بالاستعلام والاستفهام عند البشر الذين أنزل القرآن لهدايتهم، كما نسب القول إلى السموات والأرض في قوله ﴿ قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ  ﴾ .

فأول ما ألقى إليهم من الإلهام أو غيره من طرق الإعلام وهو وجوب الخضوع والتسليم، لمن هو بكل شيء عليم، لأن ما يضيق عنه علم أحد ويحار في كيفيته يتسع له علم من هو أعلم منه، ومن شأن الإنسان أن يسلم لمن يعتقد أنه فوقه في العلم ما يتصدى له مهما يكن بعيد الوقوع في اعتقاده، كما هو حال مشايخ الصوفية مع مريديهم.

ومن ذلك اعتقاد جماهير الناس في بلاد الحضارة والصناعات في هذا العصر إمكان أمور وأعمال لم يكن أحد يتصور إمكانها من قبل إلا بعض كبار علماء النظر، فإذا قيل إنهم يحاولون عمل كذا فإنهم يصدقونهم، وإن لم يعقلوا كيف يعملونه.

فإن الذين يصنعون سلكًا لنقل الأخبار بالكهرباء إلى الأماكن البعيدة في دقيقة أو دقائق قليلة يصدقون بأنهم يوصلون تلك الأخبار من غير سلك، وقد كان، ويصدقون بإمكان إيجاد آلة تجمع بين نقل الصوت ورؤية المتكلم وهو ما يحاولون الآن، وإذا قال لنا أهل هذه الصناعة إن ذلك ممكن الحصول صدقناهم فيما يقولون من غير تردد، وليس تصديقنا تقليدًا ولا تسليمًا أعمى كما يقال، بل هو تصديق عن دليل ركنه قياس ما يكون على ما قد كان بعد العلم بوحدة الوسائل.

والملائكة أعلم منا بشأن الله في أفعاله وأنه العليم الحكيم، فهم وإن فاجأهم العجب من خلق الخليفة يردهم إلى اليقين أدنى التنبيه، ولذلك كان قوله تعالى ﴿ إنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ جوابًا مقنعًا أي إقناع.

على أن هذا النوع من التسليم للعالم القادر ربما لا يذهب بالحيرة ولا يزيل الاضطراب من نفس المتعجب وإنما تسكن النفس ببروز ذلك الأمر الذي كانت تعجب من بروزه إلى عالم الوجود ووقوفها على أسراره وحكمه بالفعل، ولذلك تفضل الله تعالى على الملائكة بإكمال علمهم بحكمته في خلق هذا الخليفة الإنساني وسره عند طلوع فجره فعلّم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة كما سيأتي، فعلموا أن في فطرة هذا الخليفة واستعداده علم ما لم يعلموا، وتبين لهم وجه استحقاقه لمقام الخلافة في الأرض، وأن كل ما يتوقع من الفساد وسفك الدماء لا يذهب بحكمة الاستخلاف وفائدته ومقامه، وناهيك بمقام العلم وفائدته، وسر العالم وحكمته.

فعلمنا أن السلف والخلف متفقون على تنزيه الله تعالى عما لا يليق به من شؤون المخلوقين، وعصمة ملائكته عما لا يليق بهم من الاعتراض أو الإنكار، فلا فرق في هذه النتيجة بين تفويض وتسليم وتأويل وتفهيم، والله بكل شيء عليم، وهناك تفسير الآيات بالتفصيل.

قد علمت مما تقدم أن الآيات متصلة بما قبلها من الكلام في الكتاب ومن جاء به ومن دعا إليه، فهي تجلي حجة الرسول ودعوته من حيث إن الملائكة إذا كانوا محتاجين إلى العلم ويستفيدونه بالتعلم من الله تعالى بالطريقة التي تناسب حالهم فالبشر أولى بالحاجة إلى ذلك منهم، لأن طبيعة البشر جبلت على أن يكتسبوا كل شيء اكتسابًا، وهي من جهة أخرى تسلية له  ببيان أن البشر أولى من الملائكة بإنكار ما لم يحيطوا بعلمه حتى يعلموا، وأنهم جبلوا على أن يتوبوا ويرجعوا بعد أن يخطئوا ويذنبوا، وأن الإفساد في الأرض وجحود الحق ومناصبة الداعي إليه ليس بدعًا من قومه، وإنما هو جبلة أهل الفكر وطبيعة البشر.

ثم إن المفسرين في "الخليفة" مذهبين: ذهب بعضهم إلى أن هذا اللفظ يشعر بأنه كان في الأرض صنف أو أكثر من نوع الحيوان الناطق، وأنه انقرض، وأن هذا الصنف الذي أخبر الله الملائكة بأن سيجعله خليفة في الأرض سيحل محله ويخلفه، كما قال بعد ذكر إهلاك القرون ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ  ﴾ وقالوا: إن ذلك الصنف البائد قد أفسد في الأرض وسفك الدماء، وإن الملائكة استنبطوا سؤالهم بالقياس عليه، لأن الخليفة لا بد أن يناسب من يخلفه ويكون من قبيله كما يتبادر إلى الفهم، ولكن لما لم يكن دليل على أنه يكون مثله من كل وجه، وليس ذلك من مقتضى الخلافة، أجاب الله الملائكة بأنه يعلم ما لا يعلمون مما يمتاز به هذا الخليفة على من قبله، وما له سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة..

وإذا صح هذا القول فليس آدم أول الصنف العاقل من الحيوان على هذه الأرض، وإنما كان أول طائفة جديدة من الحيوان الناطق تماثل الطائفة أو الطوائف البائدة منه في الذات والمادة وتخالفها في بعض الأخلاق والسجايا.

هذا أحسن ما يجلى فيه هذا المذهب، وأكثر ما قالوه فيه قد سرى إلى المسلمين من أساطير الفرس وخرافاتهم، ومنه أنه كان في الأرض قبل آدم خلق يسمون بالحِنّ والبِنّ، أو الطم والرم، والأكثرون على أن الخلق الذين كانوا في الأرض قبل آدم مباشرةً كانوا يسمون الجن، والقائلون منهم بالحن (بالمهملة) والبن قالوا إن هؤلاء عاثوا في الأرض فسادًا فأبادهم الله (كما تقدم آنفًا) وقالوا إن الله تعالى أرسل إليهم إبليس في جند من الملائكة فحارب الجن فدمرهم وفرقهم في الجزائر والبحار.

وليس لهم في الإسلام سند يحتج به على هذه القصص، ولكن تقاليد الأمم الموروثة في هذه المسألة تنبئ بأمر ذي بال، وهي متفقة فيها بالإجمال، ألا وهو ما قلناه من أن آدم ليس أول الأحياء العاقلة التي سكنت الأرض.

هذا هو المذهب الأول في تفسير الخليفة.

وذهب الآخرون إلى أن المراد أني جاعل في الأرض خليفة عني، ولهذا شاع أن الإنسان خليفة الله في أرضه، وقال تعالى ﴿ يَا دَاوُودُ إنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ  ﴾ والظاهر والله أعلم أن المراد بالخليفة آدم ومجموع ذريته ولكن ما معنى هذه الخلافة وما المراد من هذا الاستخلاف؟

هل هو استخلاف بعض الإنسان على بعض أم استخلاف النوع على غيره؟

جرت سنة الله في خلقه بأن تعلم أحكامه للناس وتنفذ فيهم على ألسنة أناس منهم يصطفيهم ليكونوا خلفاء عنه في ذلك وكما أن الإنسان أظهر أحكام الله وسننه، الوضعية، أي الشرعية لأن الشرع وضع إلهي، كذلك أظهر حكمه وسننه الخلقية الطبيعية فيصح أن يكون معنى الخلافة عامًا في كل ما ميز الله به الإنسان على سائر المخلوقات: نطق الوحي ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعًا مختلفة، وخص كل نوع غير نوع الإنسان بشيء محدود معين لا يتعداه، فأما ما لا نعرفه إلا من طريق الوحي كالملائكة فقد ورد في الآيات والأحاديث ما يدل على أن وظائفه محدود قال تعالى ﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ  ﴾ .

﴿ وإنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ  وإنَّا لَنَحْنُ المُسَبِّحُونَ  ﴾ .

﴿ وَالصَّافَّاتِ صَفًا  فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا  ﴾ .

﴿ وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا  والنَّاشِطَاتِ نَشْطًا  والسَّابِحَاتِ سَبْحًا  فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا  فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا  ﴾ على قول من قال إن المراد بها الملائكة، إلى غير ذلك مما يدل على أنهم طوائف لكل طائفة وظيفة محدودة، ورد في الأحاديث أن منهم الساجد دائمًا والراكع دائمًا إلى يوم القيامة.

وأما ما نعرفه بالنظر والاختبار فهو حال المعدن والجماد ولا علم له ولا عمل، وحال النبات وإنما تأثير حياته في نفسه، فلو فرض أن له علمًا وإرادة فهما لا أثر لهما في جعل عمل النبات مبينًا لحكم الله وسننه في الخلق، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها، فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية فإن له استعدادًا محدودًا، وعلمًا إلهاميًا محدودًا، وعملًا محدودًا، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته، ولا حصر لأحكامه وسننه، ولا نهاية لأعماله وتصرفه.

وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفًا كما قال في كتابه ﴿ وخُلِقَ الإنسَانُ ضَعِيفًا  ﴾ وخلقه جاهلًا كم قال ﴿ واللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا  ﴾ ولكنه على ضعفه عبرة لمن يعتبر، وموضع لعجب المتعجب، لأنه مع ضعفه يتصرف في الأقوياء، ومع جهله في نشأته يعلم جميع الأسماء، يولد الحيوان عالمًا بالإلهام ما ينفعه وما يضره، وتكمل له قواه في زمن قليل، ويولد الإنسان وليس له من الإلهام إلا الصراخ بالبكاء، ثم يحس ويشعر بالتدريج البطيء بالنسبة إلى غيره من الحيوان، ويعطي قوة أخرى تتصرف بشعوره وإحساسه تصرفًا يكون له به السلطان على هذه الكائنات، فيسخرها ويذللها بعد ذلك كما تشاء تلك القوة الغريبة، وهي التي يسمونها العقل ولا يعقلون سرها، ولا يدركون حقيقتها وكنهها، فهي التي تغني الإنسان عن كل ما وهب للحيوان في أصل الفطرة من الكساء الذي يقيه البرد والحر، والأعضاء التي يتناول بها غذاءه والتي يدافع بها عن نفسه ويسطو بها على عدوه، وغير ذلك من المواهب التي يعطاها الحيوان بلا كسب، حتى كان له بها من الاختراعات العجيبة ما كان وسيكون له من ذلك ما لا يصل إليه التقدير والحسبان.

فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل، فهو على ضعف أفراده يتصرف بمجموعه في الكون تصرفًا لا حد له بإذن الله وتصريفه، وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب والأحكام الطبيعية ليظهر بها أسرار خليفته، وملكه الأرض وسخر له عوالمها - أعطاه أحكامًا وشرائع حد فيها لأعماله وأخلاقه حدًا يحول دون بغي أفراده وطوائفه بعضهم على بعض، فهي تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد ومربٍ للعقل الذي كان له كل تلك المزايا فلهذا كله جعله خليفته في الأرض وهو أخلق المخلوقات بهذه الخلافة.

ظهرت آثار الإنسان في هذه الخلافة على الأرض، ونحن نشاهد عجائب صنعه في المعدن والنبات، وفي البر والبحر والهواء، فهو يتفنن ويبتدع، ويكتشف ويخترع، ويجد ويعمل، حتى غير شكل الأرض فجعل الحزن سهلًا، والماحل خصبًا، والخراب عمرانًا، والبراري بحارًا أو خلجانًا، وولد بالتلقيح أزواجًا من النبات لم تكن كالليمون المسمى "يوسف أفندي"، فإن الله تعالى خلقه بيد الإنسان وأنشأه بكسبه، وقد تصرف في أبناء جنسه من أنواع الحيوان كما يشاء بضروب التربية والتغذية والتوليد، حتى ظهر التغير في خلقتها وخلائقها وأصنافها، فصار منها الكبير والصغير، ومنها الأهلي والوحشي، وهو ينتفع بكل نوع منها ويسخره لخدمته كما سخر القوى الطبيعية وسائر المخلوقات.

أليس من حكمة الله، الذي أعطی کل شيء، خلقه ثم هدی، أن جعل الإنسان بهذه المواهب خليفته في الأرض، يقيم سننه: ويظهر عجائب صنعه، وأسرار خليقته و بدائع حكمه ومنافع أحكامه؟

وهل وجدت آية على كمال الله تعالى وسعة علمه أظهر من هذا الإنسان الذي خلقه الله في أحسن تقويم؟

وإذا كان الإنسان خليفة بهذا المعنى فكيف تعجب الملائكة منه؟.

﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ بادروا إلى السؤال واستفهام الاستغراب ﴿ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ  ﴾ فيغفل بذلك عن تسبيحك وتقديسك ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ  ﴾ بلا غفلة ولا فتور؟

لا شك أن هذا السؤال نشأ من فهم المعنى المراد من الخليفة وما يقتضيه من العلم غير المحدود والإرادة المطلقة، وكون هذا العلم المصرف للإرادة لا يحصل إلا بالتدريج ، وكون عدم الإحاطة مدعاة للفساد، والتنازع المفضي إلى سفك الدماء كما تقدم.

نعم إن هذا العلم الواسع لا يعطاه فرد من أفراد الإنسان ولا مجموع النوع دفعة واحدة فيشابه علمه الله تعالى، وكلها أوتي نصيبًا منه ظهر له من جهله ما لم يكن يعلم، وكلما أعطي حظًا من الأدب والعقل ظهر له ضعف عقله، ولله در الشافعي حيث قال: کلما أدبني الــدهـ ـر أراني نقص عقلي وإذا ما ازددت علمًا زادني علمًا بجهلي فهو على سعة علمه لم يؤت من العلم الإلهي إلا قليلًا، وهو مع ذلك أوسع مظاهر العلم الإلهي، ولذلك أجاب الله الملائكة بالعلم ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ  ﴾ فأثبت لذاته العلم بحكمة هذه الخلافة ونفاه عنهم، ثم أظهر لهم أن الإنسان يكون خليفة بالعلم وما يتبعه فقال: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله