الآية ٣١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣١ من سورة البقرة

وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَـٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنۢبِـُٔونِى بِأَسْمَآءِ هَـٰٓؤُلَآءِ إِن كُنتُمْ صَـٰدِقِينَ ٣١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 249 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا مقام ذكر الله تعالى فيه شرف آدم على الملائكة ، بما اختصه به من علم أسماء كل شيء دونهم ، وهذا كان بعد سجودهم له ، وإنما قدم هذا الفصل على ذاك ، لمناسبة ما بين هذا المقام وعدم علمهم بحكمة خلق الخليفة ، حين سألوا عن ذلك ، فأخبرهم [ الله ] تعالى بأنه يعلم ما لا يعلمون ؛ ولهذا ذكر تعالى هذا المقام عقيب هذا ليبين لهم شرف آدم بما فضل به عليهم في العلم ، فقال تعالى : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) وقال السدي ، عمن حدثه ، عن ابن عباس : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : عرض عليه أسماء ولده إنسانا إنسانا ، والدواب ، فقيل : هذا الحمار ، هذا الجمل ، هذا الفرس .

وقال الضحاك عن ابن عباس : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس : إنسان ، ودابة ، وسماء ، وأرض ، وسهل ، وبحر ، وجمل ، وحمار ، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها .

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير ، من حديث عاصم بن كليب ، عن سعيد بن معبد ، عن ابن عباس : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : علمه اسم الصحفة والقدر ، قال : نعم حتى الفسوة والفسية .

وقال مجاهد : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) قال : علمه اسم كل دابة ، وكل طير ، وكل شيء .

وكذلك روي عن سعيد بن جبير وقتادة وغيرهم من السلف : أنه علمه أسماء كل شيء ، وقال الربيع في رواية عنه : أسماء الملائكة .

وقال حميد الشامي : أسماء النجوم .

وقال عبد الرحمن بن زيد : علمه أسماء ذريته كلهم .

واختار ابن جرير أنه علمه أسماء الملائكة وأسماء الذرية ؛ لأنه قال : ( ثم عرضهم ) وهذا عبارة عما يعقل .

وهذا الذي رجح به ليس بلازم ، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ، ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب .

كما قال : ( والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ) [ النور : 45 ] .

[ وقد قرأ عبد الله بن مسعود : ثم عرضهن وقرأ أبي بن كعب : ثم عرضها أي : السماوات ] .

والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها : ذواتها وأفعالها ؛ كما قال ابن عباس حتى الفسوة والفسية .

يعني أسماء الذوات والأفعال ، المكبر والمصغر ؛ ولهذا قال البخاري في تفسير هذه الآية من كتاب التفسير من صحيحه : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا مسلم ، حدثنا هشام ، حدثنا قتادة ، عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال لي خليفة : حدثنا يزيد بن زريع ، حدثنا سعيد ، عن قتادة عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال - : يجتمع المؤمنون يوم القيامة ، فيقولون : لو استشفعنا إلى ربنا ؟

فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس ، خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فاشفع لنا عند ربك حتى يريحنا من مكاننا هذا ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر ذنبه فيستحيي ؛ ائتوا نوحا فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض ، فيأتونه فيقول : لست هناكم .

ويذكر سؤاله ربه ما ليس له به علم فيستحيي .

فيقول : ائتوا خليل الرحمن ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ؛ فيقول : ائتوا موسى عبدا كلمه الله ، وأعطاه التوراة ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ، ويذكر قتل النفس بغير نفس ، فيستحيي من ربه ؛ فيقول : ائتوا عيسى عبد الله ورسوله وكلمة الله وروحه ، فيأتونه ، فيقول : لست هناكم ، ائتوا محمدا عبدا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، فيأتوني ، فأنطلق حتى أستأذن على ربي ، فيؤذن لي ، فإذا رأيت ربي وقعت ساجدا ، فيدعني ما شاء الله ، ثم يقال : ارفع رأسك ، وسل تعطه ، وقل يسمع ، واشفع تشفع ، فأرفع رأسي ، فأحمده بتحميد يعلمنيه ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود إليه ، وإذا رأيت ربي مثله ، ثم أشفع فيحد لي حدا فأدخلهم الجنة ، ثم أعود الرابعة فأقول : ما بقي في النار إلا من حبسه القرآن ووجب عليه الخلود .

هكذا ساق البخاري هذا الحديث هاهنا .

وقد رواه مسلم والنسائي من حديث هشام ، وهو ابن أبي عبد الله الدستوائي ، عن قتادة ، به .

وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث سعيد ، وهو ابن أبي عروبة ، عن قتادة .

ووجه إيراده هاهنا والمقصود منه قوله عليه الصلاة والسلام : فيأتون آدم فيقولون : أنت أبو الناس خلقك الله بيده ، وأسجد لك ملائكته ، وعلمك أسماء كل شيء ، فدل هذا على أنه علمه أسماء جميع المخلوقات ؛ ولهذا قال : ( ثم عرضهم على الملائكة ) يعني : المسميات ؛ كما قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة ( فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ) وقال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : ( وعلم آدم الأسماء كلها ) ثم عرض الخلق على الملائكة .

وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( ثم عرضهم ) عرض أصحاب الأسماء على الملائكة .

وقال ابن جرير : حدثنا القاسم ، حدثنا الحسين ، حدثني الحجاج ، عن جرير بن حازم ومبارك بن فضالة ، عن الحسن - وأبي بكر ، عن الحسن وقتادة - قالا علمه اسم كل شيء ، وجعل يسمي كل شيء باسمه ، وعرضت عليه أمة أمة .

وبهذا الإسناد عن الحسن وقتادة في قوله : ( إن كنتم صادقين ) إني لم أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه ، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين .

وقال الضحاك عن ابن عباس : ( إن كنتم صادقين ) إن كنتم تعلمون لم أجعل في الأرض خليفة .

وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة : إن كنتم صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء .

وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك تأويل ابن عباس ومن قال بقوله ، ومعنى ذلك فقال : أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيها الملائكة القائلون : أتجعل في الأرض من يفسد فيها ويسفك الدماء ، من غيرنا أم منا ، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك ؟

إن كنتم صادقين في قيلكم : إني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء ، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس ، فإذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضت عليكم وأنتم تشاهدونهم ، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد أحرى أن تكونوا غير عالمين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَعَلَّمَ آدَمَ 640- حدثنا محمد بن جرير, قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا يعقوب القُمّي, عن جعفر بن أبي المغيرة, عن سعيد بن جُبير, عن ابن عباس، قال: بعث ربُّ العزة مَلكَ الموت فأخذ من أديم الأرض، من عذْبها ومالحها, فخلق منه آدم.

ومن ثَمَّ سُمي آدم.

لأنه خُلق من أديم الأرض (97) .

641- وحدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري, قال: حدثنا عمرو بن ثابت, عن أبيه, عن جده, عن علي، قال: إن آدم خُلق من أديم الأرض، فيه الطيّب والصالح والرديء, فكل ذلك أنت راءٍ في ولده، الصالح والرديء (98) .

642- وحدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا مِسعر, عن أبي حَصين, عن سعيد بن جُبير, قال: خُلق آدم من أديم الأرض، فسمِّي آدم.

643- وحدثنا ابن المثنى, قال: حدثنا أبو داود, قال: حدثنا شعبة, عن أبي حصين, عن سعيد بن جبير، قال: إنما سمي آدمَ لأنه خلق من أديم الأرض (99) .

644- وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو, قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره, عن أبي مالك, وعن أبي صالح, عن ابن عباس - وعن مُرَّة, عن ابن مسعود, وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: أنّ ملك الموت لما بُعث ليأخذ من الأرض تربةَ آدم, أخذ من وجه الأرض وخلط فلم يأخذ من مكان واحد, وأخذ من تربة حمراء وبيضاءَ وسوداء، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين.

ولذلك سُمي آدم, لأنه أخذ من أديم الأرض (100) .

وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرٌ يحقق ما قال مَن حكينا قوله في معنى آدم.

وذلك ما-: 645- حدثني به يعقوب بن إبراهيم, قال: حدثنا ابن عُلَيَّة, عن عوف -وحدثنا محمد بن بشار، وعمر بن شَبة- قالا حدثنا يحيى بن سعيد -قال: حدثنا عوف- وحدثنا ابن بشار, قال: حدثنا ابن أبي عدي، ومحمد بن جعفر، وعبد الوهاب الثقفي، قالوا: حدثنا عوف -وحدثني محمد بن عمارة الأسدي, قال: حدثنا إسماعيل بن أبان, قال: حدثنا عنبسة- عن عوف الأعرابي, عن قَسامَة بن زُهير, عن أبي موسى الأشعري, قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ الله خلق آدم من قَبضة قَبضها من جميع الأرض , فجاء &; 1-482 &; بنو آدم على قَدر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض وبين ذلك، والسهلُ والحَزْن، والخبيث والطيب (101) .

فعلى التأويل الذي تأول "آدم " من تأوله، بمعنى أنه خُلق من أديم الأرض, يجب أن يكون أصْل "آدم " فعلا سُمي به أبو البشر, كما سمي" أحمد " بالفعل من الإحماد , و " أسعد " من الإسعاد, فلذلك لم يُجَرَّ.

ويكون تأويله حينئذ: آدمَ المَلكُ الأرضَ, يعني به بلغ أدمتها -وأدَمتها: وجهها الظاهر لرأي العين, كما أنّ جلدة كل ذي جلدة له أدَمة.

ومن ذلك سُمي الإدام إدَامًا, لأنه صار كالجلدة العليا مما هي منه- ثم نقل من الفعل فجعل اسمًا للشخص بعينه.

القول في تأويل قوله تعالى: الأَسْمَاءَ كُلَّهَا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في الأسماء التي علمها آدمَ ثم عَرضها على الملائكة، فقال ابن عباس ما-: 646- حدثنا به أبو كريب, قال: حدثنا عثمان بن سعيد, قال: حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس, قال: علم الله آدم الأسماء كلها, وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسانٌ ودابة, وأرض وَسهل وبحر وجبل وحمار, وأشباه ذلك من الأمم وغيرها.

(102) .

647- وحدثنا محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم, قال: حدثني عيسى، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد - وحدثني المثنى, قال: حدثنا أبو حذيفة, قال: حدثنا شِبْل, عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد، في قول الله: " وعلم آدم الأسماء كلها "، قال: علمه اسم كل شيء.

648- وحدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن سفيان, عن خُصيف, عن مجاهد: " وعلم آدم الأسماء كلها "، قال: علمه اسم كل شيء (103) .

649- وحدثنا علي بن الحسن, قال: حدثنا مسلم الجَرمي, عن محمد بن مصعب, عن قيس بن الربيع, عن خُصيف, عن مجاهد, قال: علمه اسم الغراب والحمامة واسم كل شيء (104) .

650- وحدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي, عن شَريك, عن سالم الأفطس, عن سعيد بن جبير, قال: علمه اسمَ كل شيء, حتى البعير والبقرة والشاة (105) .

651- وحدثنا ابن وكيع, قال: حدثنا أبي، عن شَريك, عن عاصم بن كليب, عن سعيد بن مَعبد، عن ابن عباس, قال: علمه اسم القصعة والفسوة والفُسَيَّة (106) .

652- وحدثنا أحمد بن إسحاق, قال: حدثنا أبو أحمد, قال: حدثنا شريك, &; 1-484 &; عن عاصم بن كليب, عن الحسن بن سعد, عن ابن عباس: " وعلم آدم الأسماء كلها "، قال: حتى الفسوة والفُسيَّة.

653- حدثنا علي بن الحسن, قال: حدثنا مسلم, قال: حدثنا محمد بن مُصعب, عن قيس، عن عاصم بن كليب, عن سعيد بن مَعبد, عن ابن عباس في قول الله: " وعلم آدم الأسماء كلها "، قال: علمه اسم كل شيء حتى الهَنة والهُنَيَّة والفسوة والضرطة.

654- وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثنا علي بن مسهر, عن عاصم بن كليب, قال: قال ابن عباس: علمه القصعة من القُصيعة, والفسوة من الفسية (107) .

655- وحدثنا بشر بن معاذ, قال: حدثنا يزيد بن زُرَيع, عن سعيد, عن قتادة قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها " حتى بلغ: إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ، فأنبأ كل صنف من الخلق باسمه، وألجأه إلى جنسه (108) .

656- وحدثنا الحسن بن يحيى, قال: حدثنا عبد الرَّزَّاق, قال: حدثنا معمر, عن قتادة في قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها "، قال: علمه اسم كل شيء، هذا جبل, وهذا بحر, وهذا كذا وهذا كذا, لكل شيء, ثم عرض تلك الأشياء على الملائكة فقال: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (109) .

657- وحدثنا القاسم, قال: حدثنا الحسين, قال: حدثني حجاج, عن جرير بن حازم -ومبارك, عن الحسن- وأبي بكر عن الحسن وقتادة، &; 1-485 &; قالا علمه اسم كل شيء: هذه الخيل، وهذه البغال والإبل والجنّ والوحش ، وجعل يسمي كل شيء باسمه.

(110) 658 - وحُدِّثت عن عمّار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قال: اسم كل شيء.

(111) وقال آخرون: علم آدم الأسماء كلها، أسماء الملائكة.

* ذكر من قال ذلك: 659 - حُدِّثت عن عمار، قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله: " وعلم آدمَ الأسماء كلها "، قال: أسماء الملائكة.

(112) وقال آخرون: إنما علمه أسماء ذريته كلها.

* ذكر من قال ذلك: 660 - حدثني محمد بن جرير، قال: حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها "، قال: أسماء ذريته أجمعين.

(113) وأوْلَى هذه الأقوال بالصواب، وأشبهها بما دل على صحته ظاهرُ التلاوة، قول من قال في قوله: " وعلم آدم الأسماء كلها " إنها أسماءُ ذرِّيَّته وأسماءُ الملائكة، دون أسماء سائر أجناس الخلق.

وذلك أن الله جلّ ثناؤه قال: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ ، يعني بذلك أعيانَ المسمَّين بالأسماء التي علمها آدم.

ولا تكادُ العرب تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة.

وأمّا إذا كانت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوَى من وصفناها، فإنها تكني عنها بالهاء والألف أو بالهاء والنون، فقالت: " عرضهن " أو " عرضها "، وكذلك تفعل إذا كنَتْ عن أصناف &; 1-486 &; من الخلق كالبهائم والطير وسائر أصناف الأمم وفيها أسماءُ بني آدم والملائكة، فإنها تكنى عنها بما وصفنا من الهاء والنون أو الهاء والألف.

وربما كنَتْ عنها، إذا كان كذلك (114) بالهاء والميم، كما قال جل ثناؤه: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [سورة النور: 45]، فكنى عنها بالهاء والميم، وهي أصناف مختلفة فيها الآدمي وغيره.

وذلك، وإن كان جائزًا، فإن الغالب المستفيض في كلام العرب ما وَصفنا، من إخراجهم كنايةَ أسماء أجناس الأمم - إذا اختلطت - بالهاء والألف أو الهاء والنون.

فلذلك قلتُ: أولى بتأويل الآية أن تكون الأسماء التي علَّمها آدمَ أسماء أعيان بني آدم وأسماء الملائكة، وإن كان ما قال ابن عباس جائزًا على مثال ما جاء في كتاب الله من قوله: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ الآية.

وقد ذكر أنها في حرف ابن مسعود: " ثم عَرضهن "، وأنها في حرف أبَيّ: " ثم عَرضَها ".

(115) ولعل ابن عباس تأول ما تأول من قوله: علمه اسم كل شيء حتى الفسوة والفسيَّة، على قراءة أبيّ، فإنه فيما بلغنا كان يقرأ قراءة أبيّ.

وتأويل ابن عباس - على ما حُكي عن أبيّ من قراءته - غيرُ مستنكر ، بل هو صحيح مستفيض في كلام العرب، على نحو ما تقدم وصفي ذلك.

القول في تأويل قوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ قال أبو جعفر: قد تقدم ذكرنا التأويل الذي هو أولى بالآية، على قراءتنا ورَسم مُصْحفنا، وأن قوله: " ثم عَرَضهم "، بالدلالة على بني آدم والملائكة، &; 1-487 &; أولى منه بالدلالة على أجناس الخلق كلها، وإن كان غيرَ فاسد أن يكون دالا على جميع أصناف الأمم، للعلل التي وصفنا.

ويعني جل ثناؤه بقوله: " ثم عَرضَهم "، ثم عرَض أهل الأسماء على الملائكة.

وقد اختلف المفسرون في تأويل قوله: " ثم عَرضَهم على الملائكة " نحو اختلافهم في قوله: وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا .

وسأذكر قول من انتهى إلينا عنه فيه قولٌ.

661 - حدثنا محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " ثم عَرضهم على الملائكة "، ثم عرض هذه الأسماء، يعني أسماء جميع الأشياء، التي علّمها آدم من أصناف جميع الخلق.

(116) 662 - وحدثني موسى، قال: حدثنا عمرو، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبى صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " ثم عرضهم "، ثم عرض الخلقَ على الملائكة (117) .

663 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: أسماء ذريته كلِّها، أخذهم من ظَهره.

قال: ثم عرضهم على الملائكة (118) .

664 - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة: " ثم عرضهم "، قال: علمه اسم كل شيء، ثم عرض تلك الأسماء على الملائكة (119) .

&; 1-488 &; 665 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد: " ثم عرضهم "، عرض أصحاب الأسماء على الملائكة (120) 666 - وحدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا مسلم، قال: حدثنا محمد بن مصعب، عن قيس، عن خُصَيف، عن مجاهد: " ثم عرضهم على الملائكة "، يعني عرض الأسماء، الحمامةَ والغراب (121) .

667 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن جرير بن حازم، - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا علّمه اسم كل شيء: هذه الخيلَ، وهذه البغال، وما أشبه ذلك.

وجعل يُسمي كل شيء باسمه، وعُرضت عليه أمة أمة (122) .

القول في تأويل قوله: فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " أنبئوني": أخبروني، كما:- 668 - حدثنا أبو كريب ، قال: حدثنا عثمان، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " أنبئوني"، يقول: أخبروني بأسماء هؤلاء (123) .

ومنه قول نابغة بني ذُبيان: وَأَنْبَــــأَهُ الْمُنَبِّـــئُ أَنَّ حَيًّـــا حُــلُولٌ مِــنْ حَــرَامٍ أَوْ جُــذَامِ (124) يعني بقوله: " أنبأه ": أخبره وأعلمه.

القول في تأويل قوله جل ذكره: بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ قال أبو جعفر: 669 - حدثني محمد بن عمرو، قال: حدثنا أبو عاصم، قال حدثنا عيسى - وحدثنا المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شِبْل، عن ابن أبي نَجيح، عن مجاهد في قول الله: " بأسماء هؤلاء "، قال: بأسماء هذه التي حدَّثتُ بها آدمَ.

670- حدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن ابن جُريج، عن مجاهد: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " يقول: بأسماء هؤلاء التي حَدّثت بها آدم.

(125) القول في تأويل قوله تعالى ذكره: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في ذلك.

671 - فحدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " إن كنتم صادقين "، إن كنتم تعلمون لِمَ أجعل في الأرض خليفة.

(126) 672 - وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس - وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " إن كنتم صادقين " أنّ بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.

(127) 673 - وحدثنا القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، عن جرير بن حازم - ومبارك عن الحسن - وأبي بكر عن الحسن وقتادة - قالا " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أني لم أخلق خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأخبروني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين (128) .

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، تأويلُ ابن عباس ومن قال بقوله.

ومعنى ذلك: فقال أنبئوني بأسماء من عرضتُه عليكم أيتها الملائكة - القائلون: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ من غيرنا، أم منا؟

فنحن نسبح بحمدك &; 1-491 &; ونقدس لك؟

إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عَصَاني ذريته وأفسدوا فيها وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني، واتّبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس.

فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتُهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعَلِمه غيركم بتعليمي إيّاه؛ فأنتم = بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بَعدُ، وبما هو مستتر من الأمور - التي هي موجودة - عن أعينكم = أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي.

وهذا الفعل من الله جل ثناؤه بملائكته - الذين قالوا له: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، من جهة عتابه جل ذكره إياهم - نظيرُ قوله جل جلاله لنبيه نوح صلوات الله عليه إذ قال: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ [سورة هود: 45] -: لا تسألن ما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين (129) .

فكذلك الملائكة سألت ربها أن تكون خُلفاءه في الأرض ليسبّحوه ويقدسوه فيها ، إذ كان ذرية من أخبرهم أنه جاعلُه في الأرض خليفةً، يفسدون فيها ويسفكون الدماء، فقال لهم جل ذكره: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ .

يعني بذلك: إني أعلم أنّ بعضكم فاتِحُ المعاصي وخاتِمُها، وهو إبليس، منكرًا بذلك تعالى ذكره قولهم.

ثم عرّفهم موضع هَفوتهم في قيلهم ما قالوا من ذلك، بتعريفهم قصور علمهم عما هم له شاهدون عيانًا، - فكيف بما لم يروه ولم يُخبَروا عنه؟

- بعرَضه ما عرض عليهم من خلقه الموجودين يومئذ، وقيله لهم: " أنبئوني &; 1-492 &; بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " أنكم إن استخلفتكم في أرضي سبّحتموني وقدستموني، وإن استخلفت فيها غيرَكم عَصَاني ذُريته وأفسدوا وسفكوا الدماء.

فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم، وبدت لهم هَفوة زَلتهم، أنابوا إلى الله بالتوبة فقالوا: سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا ، فسارعوا الرجعة من الهفوة، وبادروا الإنابة من الزلة، كما قال نوح - حين عوتب في مَسئلته فقيل له: لا تسأَلْنِ ما ليس لك به علم (130) -: رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ [سورة هود: 47].

وكذلك فعلُ كل مسدَّد للحق موفَّق له - سريعة إلى الحق إنابته، قريبة إليه أوْبته.

وقد زعم بعض نحويّي أهل البصرة أنّ قوله: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين "، لم يكن ذلك لأن الملائكة ادّعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب، وعلمه بذلك وفضله، فقال: " أنبئوني إن كنتم صادقين " - كما يقول الرجل للرجل: " أنبئني بهذا إن كنت تعلم ".

وهو يعلم أنه لا يعلم، يريد أنه جاهلٌ.

وهذا قول إذا تدبره متدبر، علم أن بعضَه مُفسدٌ بعضًا.

وذلك أن قائله زعم أن الله جل ثناؤه قال للملائكة - إذ عرَض عليهم أهل الأسماء -: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ ، وهو يعلم أنهم لا يعلمون، ولا هم ادّعوا علم شيء يوجب أن يُوبَّخوا بهذا القول.

وزعم أن قوله: " إن كنتم صادقين " نظير قول الرجل للرجل: " أنبئني بهذا إن كنت تعلم ".

وهو يعلم أنه لا يعلم، يريد أنه جاهل.

ولا شك أن معنى قوله: " إن كنتم صادقين " إنما هو: إن كنتم صادقين، إمّا في قولكم، وإما في فعلكم.

لأن الصّدق في كلام العرب، إنما هو صدق في الخبر لا في &; 1-493 &; العلم.

وذلك أنه غير معقول في لغة من اللغات أن يقال: صدَق الرجل بمعنى علم.

فإذْ كان ذلك كذلك، فقد وجب أن يكون الله جل ثناؤه قال للملائكة - على تأويل قول هذا الذي حكينا قوله في هذه الآية-: " أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " وهو يعلم أنهم غيرُ صادقين، يريد بذلك أنهم كاذبون.

وذلك هو عين ما أنكره، لأنه زعم أن الملائكة لم تدَّع شيئًا، فكيف جاز أن يقال لهم: إن كنتم صَادقين، فأنبئوني بأسماء هؤلاء؟

هذا مع خروج هذا القول - الذي حكيناه عن صاحبه - من أقوال جميع المتقدمين والمتأخرين من أهل التأويل والتفسير.

وقد حُكي عن بعض أهل التفسير أنه كان يتأول قوله: " إن كنتم صادقين " بمعنى: إذْ كنتم صادقين.

ولو كانت " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع، لوجب أن تكون قراءتها بفتح ألفها، لأن " إذ " إذا تقدّمها فعل مُستقبل صارت علة للفعل وسببًا له.

وذلك كقول القائل: " أقوم إذ قمت ".

فمعناه أقوم من أجل أنّك قمت.

والأمرُ بمعنى الاستقبال، فمعنى الكلام - لو كانت " إن " بمعنى " إذ " -: أنبئوني بأسماء هؤلاء من أجل أنكم صادقون.

فإذا وُضعت " إن " مكان ذلك قيل: أنبئوني بأسماء هؤلاء أنْ كنتم صَادقين، مفتوحةَ الألف.

وفي إجماع جميع قُرّاء أهل الإسلام على كسر الألف من " إنْ"، دليل واضح على خطأ تأويل من تأول " إن " بمعنى " إذ " في هذا الموضع.

---------- الهوامش : (97) الخبر : 640- هذا إسناد صحيح .

ورواه الطبري في التاريخ أيضًا 1 : 46 ، بهذا الإسناد ، بزيادة في آخره .

ولكن فيه : "بعث رب العزة إبليس" بدل"ملك الموت" .

وهذا هو الصواب الموافق لسائر الروايات ، فلعل ما هنا تحريف قديم من الناسخين .

وكذلك رواه ابن سعد في الطبقات 1/1/6 ، عن حسين بن حسن الأشقر ، عن يعقوب بن عبد الله القمي ، بهذا الإسناد .

وكذلك نقله السيوطي 1 : 47 ، مطولا ، عن ابن سعد ، والطبري ، وابن أبي حاتم ، وابن عساكر .

(98) الخبر : 641- رواه الطبري في التاريخ 1 : 46 ، بهذا الإسناد .

وذكره السيوطي 1 : 47 ، منسوبًا للطبري وحده ، ولم أجده عند غيره .

وإسناده ضعيف جدًّا .

عمرو بن ثابت : هو ابن أبي المقدام الحداد ، ضعيف جدًّا ، قال ابن معين : "ليس بثقة ولا مأمون" .

وأما أبوه"ثابت بن هرمز أبو المقدام" ، فإنه ثقة .

ويزيد هذا الإسناد ضعفًا وإشكالا - قوله فيه : "عن جده"!

فإن ترجمة ثابت في المراجع كلها ليس فيها أنه يروي عن أبيه"هرمز" .

ثم لا نجد لهرمز هذا ذكرا ولا ترجمة ، فما أدرى مم هذا؟

(99) الأثران : 642 ، 643- رواهما الطبري في التاريخ أيضًا 1 : 46 ، بهذين الإسنادين .

وذكره بنحوه السيوطي 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

و"أبو حصين" ، فيهما بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين ، وهو : عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي ، ثقة ثبت صاحب سنة .

(100) الخبر : 644- مضى ضمن خبر مطول ، بهذا الإسناد : 607 .

(101) الحديث : 645- هو حديث صحيح .

ورواه أحمد في المسند 4 : 400 ، 406 (حلبى) ، وابن سعد في الطبقات 1/1/5-6 ، وأبو داود : 4693 ، والترمذي 4 : 67-68 ، والحاكم 2 : 261-262 ، كلهم من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي ، عن قسامة بن زهير ، به .

قال الترمذي : "حسن صحيح" .

وقال الحاكم : "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" ، ووافقه الذهبي ، وذكره السيوطي 1 : 46 ، ونسبه لهؤلاء ، ولعبد بن حميد ، وابن المنذر ، وابن مردويه ، وغيرهم .

ورواه أيضًا الطبري في التاريخ 1 : 46 ، بهذه الأسانيد التي هنا ، بزيادة في آخره .

(102) الخبر : 646- في ابن كثير 1 : 132 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 وقد مضى برقم : 606 ، مطولا .

(103) الأثران : 647 ، 648- في الدر المنثور 1 : 49 ، وكأنهما اختصار لما بعدهما .

(104) الأثر : 649- لم أجده بنصه ولعله مطول الذي قبله ، وانظر ما سيأتي رقم : 666 .

و"مسلم الجرمي" : ثبت في الأصول بالحاء .

وقد مضى في : 154 ترجيحنا أنه بالجيم .

(105) الأثر : 650- في الدر المنثور 1 : 49 .

(106) الخبر : 651- سعيد بن معبد : تابعي ، يروي عن ابن عباس ، لم أجد له ترجمة إلا في التاريخ الكبير للبخاري 2/1/468 ، والجرح لابن أبي حاتم 2/1/63 .

وكلاهما ذكر أنه يروي عن ابن عباس ، ويروي عنه : القاسم بن أبي بزة .

فجاءنا الطبري بفائدة زائدة ، في هذا الإسناد ، وفي الإسناد : 653 : أنه يروي عنه أيضًا عاصم بن كليب .

وهذا الخبر ذكره بنحوه : ابن كثير 1 : 132 ، والسيوطي 1 : 49 .

ونسباه أيضًا لابن أبي حاتم .

وهذا الخبر والثلاثة بعده ، متقاربة المعنى ، هي روايات لخبر واحد .

(107) الخبر : 654- عاصم بن كليب الجرمي : ثقة يحتج به .

ولكنه إنما يروي عن التابعين ، فروايته عن ابن عباس هنا منقطعة .

وقد دلتنا الأسانيد الثلاثة الماضية على أنه إنما روى هذا المعنى عن سعيد بن معبد ، وعن الحسن بن سعد ، عن ابن عباس .

(108) الأثر : 655- في الدر المنثور 1 : 49 ، بغير هذا اللفظ .

وانظر رقم : 697 .

(109) الأثر : 656- في ابن كثير 1 : 133 مختصرًا ، وفي الدر المنثور 1 : 49 مطولا وفي ابن كثير : "ثم عرض تلك الأسماء" .

(110) الأثر : 657- في ابن كثير 1 : 133 بغير هذا اللفظ مختصرًا ، وفي الدر المنثور 1 : 49 ، وسيأتي كما جاء فيهما برقم : 667 .

(111) الأثر : 658- لم أجده .

(112) الأثر : 659- في ابن كثير 1 : 132 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

(113) الأثر : 660- في ابن كثير 1 : 132 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

(114) في المطبوعة : "إذ كان .

.

.

" وهو خطأ .

(115) انظر تفسير ابن كثير 1 : 132 في التعقيب على كلام الطبري .

(116) الخبر : 661- هو من تمام الآثار السالفة قريبًا .

(117) الخبر : 662- مختصر من الخبر الطويل الماضي قريبًا ، وفي ابن كثير 1 : 132 .

(118) الأثر : 663- في الدر المنثور 1 : 49 .

(119) الأثر : 664- مختصر أثر سلف بإسناده هذا ، وفي ابن كثير 1 : 133 .

(120) الأثر : 665- في ابن كثير : 1 : 133 ، والدر المنثور 1 : 49 ، والشوكاني 1 : 52 .

(121) الأثر : 666- في ابن كثير 1 : 134 ، وانظر ما مضى قريبًا بإسناده .

(122) الأثر : 667- انظر ما مضى رقم : 657 وابن كثير 1 : 133 ، والدر المنثور 1 : 49 .

(123) الخبر : 668- مختصر من الخبر رقم : 606 .

(124) ديوانه : 87 من قصيدة له ، في عمرو بن هند ، وكان غزا الشام بعد قتل المنذر أبيه .

وقال أبو عبيدة : هذه القصيدة لعمرو بن الحارث الغساني في غزوة العراق .

ورواية الديوان : "أن حيًّا حلولا" بالنصب ، صفة "حيًّا" وهي الرواية الجيدة .

وخبر"أن" محذوف ، كأنه يقول : قد تألبوا يترصدون لك .

وحذفه للتهويل في شأن اجتماعهم وترصدهم .

والبيت الذي يليه دال على ذلك ، وهو قوله : وَأَنَّ الْقَـــوْمَ نَصْـــرُهُمُ جَــمِيعٌ فِئَـــامٌ مُجْــلِبُونَ إِلَــى فِئَــامِ ورواية الرفع ، لا بأس بها ، وإن كنت لا أستجيدها .

وقوله : "حرام" كأنه يعني بني حرام ابن ضنة بن عبد بن كبير بن عذرة بن سعد هذيم .

أو كأنه يعني بني حرام بن جذام بن عدي بن الحارث ابن مرة بن أدد بن زيد .

ودار جذام جبال حسمى ، وأرضها بين أيلة وجانب تيه بني إسرائيل الذي يلي أيلة ، وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نهيل (معجم البلدان : حسمى) .

فمن أجل أن بنى عذرة هذه ديارهم قريبة من جذام ، شككت فيمن عني النابغة ببني حرام في هذا البيت .

(125) الأثران : 669 ، 670- لم أجدهما في مكان .

(126) الخبر : 671- مختصر من الخبر السالف رقم 606 ، وانظر التعليق ، هناك على هذه الفقرة .

وانظر الشوكاني 1 : 52 .

(127) الخبر : 672- مختصر من الخبر السالف رقم 607 ، وابن كثير 1 : 133 ، والدر المنثور 1 : 50 ، والشوكاني 1 : 52 .

(128) الأثر : 673- مختصر من الأثر السالف رقم 611 ، وابن كثير 1 : 133 .

(129) في المطبوعة : "وأنت أحكم الحاكمين فلا تسألن" ، وهو خطأ فاحش ، فإن الآية التي تلي قوله : "وأنت أحكم الحاكمين" : "قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح فلا تسألن ما ليس لك به علم .

.

.

" ، ولم يرد الطبري أن يسوق الآيتين ، بل ساق قول الله سبحانه لنبيه حين قال ما قال .

والصواب ما في المخطوطة كما أثبتناه .

(130) في المطبوعة هنا أيضًا : "فلا تسألن" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين[ ص: 265 ] فيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها علم عرف .

وتعليمه هنا إلهام علمه ضرورة .

ويحتمل أن يكون بواسطة ملك وهو جبريل عليه السلام على ما يأتي .

وقرئ : " وعلم " غير مسمى الفاعل .

والأول أظهر ، على ما يأتي .

قال علماء الصوفية : علمها بتعليم الحق إياه وحفظها بحفظه عليه ونسي ما عهد إليه ، لأن وكله فيه إلى نفسه فقال : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما .

وقال ابن عطاء : لو لم يكشف لآدم علم تلك الأسماء لكان أعجز من الملائكة في الإخبار عنها .

وهذا واضح .وآدم عليه السلام يكنى أبا البشر .

وقيل : أبا محمد ، كني بمحمد خاتم الأنبياء صلوات الله عليهم ، قاله السهيلي .

وقيل : كنيته في الجنة أبو محمد ، وفي الأرض أبو البشر .

وأصله بهمزتين ; لأنه أفعل إلا أنهم لينوا الثانية ، فإذا احتجت إلى تحريكها جعلتها واوا فقلت : أوادم في الجمع لأنه ليس لها أصل في الياء معروف ، فجعلت الغالب عليها الواو ، عن الأخفش .واختلف في اشتقاقه ، فقيل : هو مشتق من أدمة الأرض وأديمها وهو وجهها ، فسمي بما خلق منه ، قال ابن عباس .

وقيل : إنه مشتق من الأدمة وهي السمرة .

واختلفوا في الأدمة ، فزعم الضحاك أنها السمرة ، وزعم النضر أنها البياض ، وأن آدم عليه السلام كان أبيض ، مأخوذ من قولهم : ناقة أدماء ، إذا كانت بيضاء .

وعلى هذا الاشتقاق جمعه أدم وأوادم ، كحمر وأحامر ، ولا ينصرف بوجه .

وعلى أنه مشتق من الأدمة جمعه آدمون ، ويلزم قائلو هذه المقالة صرفه .قلت : الصحيح أنه مشتق من أديم الأرض .

قال سعيد بن جبير : إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض ، وإنما سمي إنسانا لأنه نسي ، ذكره ابن سعد في الطبقات .

وروى السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود في قصة خلق آدم عليه السلام قال : فبعث الله جبريل عليه السلام إلى الأرض ليأتيه بطين منها ، فقالت الأرض : أعوذ بالله منك أن تنقص مني أو تشينني ، فرجع ولم يأخذ وقال : يا رب إنها عاذت بك فأعذتها .

فبعث ميكائيل فعاذت منه فأعاذها ، فرجع فقال كما قال جبريل ، فبعث [ ص: 266 ] ملك الموت فعاذت منه فقال : وأنا أعوذ بالله أن أرجع ولم أنفذ أمره .

فأخذ من وجه الأرض وخلط ، ولم يأخذ من مكان واحد ، وأخذ من تربة حمراء وبيضاء وسوداء ، فلذلك خرج بنو آدم مختلفين - ولذلك سمي آدم لأنه أخذ من أديم الأرض - فصعد به ، فقال الله تعالى له : أما رحمت الأرض حين تضرعت إليك فقال : رأيت أمرك أوجب من قولها .

فقال : أنت تصلح لقبض أرواح ولده " فبل التراب حتى عاد طينا لازبا ، اللازب : هو الذي يلتصق بعضه ببعض ، ثم ترك حتى أنتن ، فذلك حيث يقول : من حمإ مسنون قال : منتن .

ثم قال للملائكة : إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين فخلقه الله بيده لكيلا يتكبر إبليس عنه يقول : أتتكبر عما خلقت بيدي ولم أتكبر أنا عنه فخلقه بشرا فكان جسدا من طين أربعين سنة من مقدار يوم الجمعة ، فمرت به الملائكة ففزعوا منه لما رأوه وكان أشدهم منه فزعا إبليس فكان يمر به فيضربه فيصوت الجسد كما يصوت الفخار تكون له صلصلة ، فذلك حين يقول : من صلصال كالفخار .

ويقول لأمر ما خلقت .

ودخل من فمه وخرج من دبره ، فقال إبليس للملائكة : لا ترهبوا من هذا فإنه أجوف ولئن سلطت عليه لأهلكنه .

ويقال : إنه كان إذا مر عليه مع الملائكة يقول : أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق يشبهه إن فضل عليكم وأمرتم بطاعته ما أنتم فاعلون قالوا : نطيع أمر ربنا فأسر إبليس في نفسه لئن فضل علي فلا أطيعه ، ولئن فضلت عليه لأهلكنه ، فلما بلغ الحين الذي أريد أن ينفخ فيه الروح قال للملائكة : إذا نفخت فيه من روحي فاسجدوا له ، فلما نفخ فيه الروح فدخل الروح في رأسه عطس ، فقالت له الملائكة : قل الحمد لله ، فقال : الحمد لله ، فقال الله له : رحمك ربك ، فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام فوثب قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة ، فذلك حين يقول : خلق الإنسان من عجلفسجد الملائكة كلهم أجمعون ، إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وذكر القصة .

وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله عز وجل خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على قدر الأرض [ ص: 267 ] فجاء منهم الأحمر والأبيض والأسود وبين ذلك والسهل والحزن والخبيث والطيب .

قال أبو عيسى : هذا حديث حسن صحيح .

أدم : جمع أدم ، قال الشاعر :الناس أخياف وشتى في الشيم وكلهم يجمعهم وجه الأدمفآدم مشتق من الأديم والأدم لا من الأدمة ، والله أعلم .

ويحتمل أن يكون منهما جميعا .

وسيأتي لهذا الباب مزيد بيان في خلق آدم في " الأنعام " وغيرها إن شاء الله تعالى .و " آدم " لا ينصرف .

قال أبو جعفر النحاس : " آدم لا ينصرف في المعرفة بإجماع النحويين ، لأنه على أفعل وهو معرفة ، ولا يمتنع شيء من الصرف عند البصريين إلا لعلتين .

فإن نكرته ولم يكن نعتا لم يصرفه الخليل وسيبويه ، وصرفه الأخفش سعيد ; لأنه كان نعتا وهو على وزن الفعل ، فإذا لم يكن نعتا صرفه .

قال أبو إسحاق الزجاج : القول قول سيبويه ، ولا يفرق بين النعت وغيره لأنه هو ذاك بعينه " .الثانية : قوله تعالى الأسماء كلها " الأسماء " هنا بمعنى العبارات ، فإن الاسم قد يطلق ويراد به المسمى ، كقولك : زيد قائم ، والأسد شجاع .

وقد يراد به التسمية ذاتها ، كقولك : أسد ثلاثة أحرف ، ففي الأول يقال : الاسم هو المسمى بمعنى يراد به المسمى ، وفي الثاني لا يراد المسمى ، وقد يجري اسم في اللغة مجرى ذات العبارة ، وهو الأكثر من استعمالها ، ومنه قوله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها على أشهر التأويلات ، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : إن لله تسعة وتسعين اسما .

ويجري مجرى الذات ، يقال : ذات ونفس وعين واسم بمعنى ، وعلى هذا حمل أكثر أهل العلم قوله تعالى : سبح اسم ربك الأعلى تبارك اسم ربك إن هي إلا أسماء سميتموها .الثالثة : واختلف أهل التأويل في معنى الأسماء التي علمها لآدم عليه السلام ، فقال ابن عباس وعكرمة وقتادة ومجاهد وابن جبير : علمه أسماء جميع الأشياء كلها جليلها وحقيرها .

وروى عاصم بن كليب عن سعد مولى الحسن بن علي قال : كنت جالسا عند ابن عباس فذكروا اسم الآنية واسم السوط ، قال ابن عباس : وعلم آدم الأسماء كلها .قلت : وقد روي هذا المعنى مرفوعا على ما يأتي ، وهو الذي يقتضيه لفظ " كلها " إذ هو اسم موضوع للإحاطة والعموم ، وفي البخاري من حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ويجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا إلى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو الناس خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء الحديث .

قال ابن خويز منداد : في هذه الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا ، وأن الله تعالى علمها آدم عليه السلام جملة وتفصيلا .

وكذلك قال ابن عباس : علمه أسماء كل شيء حتى الجفنة والمحلب .وروى شيبان عن قتادة قال : علم آدم من الأسماء أسماء خلقه ما لم يعلم الملائكة ، وسمى كل شيء باسمه وأنحى منفعة كل شيء إلى جنسه .

قال النحاس : وهذا أحسن ما روي في هذا .

والمعنى : علمه أسماء الأجناس وعرفه منافعها ، هذا كذا ، وهو يصلح لكذا .

وقال الطبري : علمه أسماء الملائكة وذريته ، واختار هذا ورجحه بقوله : ثم عرضهم على الملائكةوقال ابن زيد : علمه أسماء ذريته ، كلهم .الربيع بن خثيم : أسماء الملائكة خاصة .القتي : أسماء ما خلق في الأرض .

وقيل : أسماء الأجناس والأنواع .قلت : القول الأول أصح ، لما ذكرناه آنفا ولما نبينه إن شاء الله تعالى .الرابعة : واختلف المتأولون أيضا هل عرض على الملائكة أسماء الأشخاص أو الأسماء دون الأشخاص ، فقال ابن مسعود وغيره : عرض الأشخاص لقوله تعالى : عرضهم وقوله : أنبئوني بأسماء هؤلاء .

وتقول العرب : عرضت الشيء فأعرض ، أي أظهرته فظهر .

ومنه : عرضت الشيء للبيع .

وفي الحديث ( إنه عرضهم أمثال الذر ) .

وقال ابن عباس وغيره : عرض الأسماء .

وفي حرف ابن مسعود : " عرضهن " ، فأعاد على الأسماء دون الأشخاص ; لأن الهاء والنون أخص بالمؤنث .

وفي حرف أبي : " عرضها " .مجاهد : أصحاب الأسماء .

فمن قال في الأسماء إنها التسميات فاستقام على قراءة أبي : " عرضها " .

وتقول في قراءة من قرأ عرضهم : إن لفظ الأسماء يدل على أشخاص ، [ ص: 269 ] فلذلك ساغ أن يقال للأسماء : عرضهم .

وقال في هؤلاء : المراد بالإشارة : إلى أشخاص الأسماء ، لكن وإن كانت غائبة فقد حضر ما هو منها بسبب وذلك أسماؤها .

قال ابن عطية : والذي يظهر أن الله تعالى علم آدم الأسماء وعرضهن عليه مع تلك الأجناس بأشخاصها ، ثم عرض تلك على الملائكة وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلمها ، ثم إن آدم قال لهم : هذا اسمه كذا ، وهذا اسمه كذا .

وقال الماوردي : وكان الأصح توجه العرض إلى المسمين .

ثم في زمن عرضهم قولان : أحدهما أنه عرضهم بعد أن خلقهم .

الثاني - أنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم .الخامسة : واختلف في أول من تكلم باللسان العربي ، فروي عن كعب الأحبار : أن أول من وضع الكتاب العربي والسرياني والكتب كلها بالألسنة كلها آدم عليه السلام .

وقاله غير كعب الأحبار .فإن قيل : قد روي عن كعب الأحبار من وجه حسن قال : أول من تكلم بالعربية جبريل عليه السلام وهو الذي ألقاها على لسان نوح عليه السلام وألقاها نوح على لسان ابنه سام ، ورواه ثور بن زيد عن خالد بن معدان عن كعب وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن عشر سنين ) .

وقد روي أيضا : أن أول من تكلم بالعربية يعرب بن قحطان ، وقد روي غير ذلك .

قلنا : الصحيح أن أول من تكلم باللغات كلها من البشر آدم عليه السلام ، والقرآن يشهد له قال الله تعالى : وعلم آدم الأسماء كلها واللغات كلها أسماء فهي داخلة تحته وبهذا جاءت السنة ، قال صلى الله عليه وسلم : وعلم آدم الأسماء كلها حتى القصعة والقصيعة وما ذكروه يحتمل أن يكون المراد به أول من تكلم بالعربية من ولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل عليه السلام .

وكذلك إن صح ما سواه فإنه يكون محمولا على أن المذكور أول من تكلم من قبيلته بالعربية بدليل ما ذكرنا والله أعلم .

وكذلك جبريل أول من تكلم بها من الملائكة وألقاها على لسان نوح بعد أن علمها الله آدم أو جبريل ، على ما تقدم ، والله أعلم .قوله تعالى : " هؤلاء " لفظ مبني على الكسر .

ولغة تميم وبعض قيس وأسد فيه القصر ، قال الأعشى :هؤلا ثم هؤلا كلا أعطي ت نعالا محذوة بمثالومن العرب من يقول : هولاء ، فيحذف الألف والهمزة .السادسة : قوله تعالى : إن كنتم صادقين شرط ، والجواب محذوف تقديره : إن كنتم [ ص: 270 ] صادقين أن بني آدم يفسدون في الأرض فأنبئوني ، قاله المبرد .

ومعنى صادقين عالمين ، ولذلك لم يسغ للملائكة الاجتهاد ، وقالوا : سبحانك حكاه النقاش قال : ولو لم يشترط عليهم إلا الصدق في الإنباء لجاز لهم الاجتهاد كما جاز للذي أماته الله مائة عام حين قال له : كم لبثت ، فلم يشترط عليه الإصابة ، فقال ولم يصب ولم يعنف ، وهذا بين لا خفاء فيه .

وحكى الطبري وأبو عبيد : أن بعض المفسرين قال إن معنى إن كنتم : إذ كنتم ، وقالا : هذا خطأ .

وأنبئوني معناه أخبروني .

والنبأ : الخبر ، ومنه النبيء بالهمز ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى .السابعة : قال بعض العلماء : يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليف ما لا يطاق لأنه علم أنهم لا يعلمون .

وقال المحققون من أهل التأويل : ليس هذا على جهة التكليف ، وإنما هو على جهة التقرير والتوقيف .

وسيأتي القول في تكليف ما لا يطاق - هل وقع التكليف به أم لا - في آخر السورة إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم لما كان قول الملائكة عليهم السلام, فيه إشارة إلى فضلهم على الخليفة الذي يجعله الله في الأرض, أراد الله تعالى, أن يبين لهم من فضل آدم, ما يعرفون به فضله, وكمال حكمة الله وعلمه فـ { عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا } أي: أسماء الأشياء, وما هو مسمى بها، فعلمه الاسم والمسمى, أي: الألفاظ والمعاني, حتى المكبر من الأسماء كالقصعة، والمصغر كالقصيعة.

{ ثُمَّ عَرَضَهُمْ } أي: عرض المسميات { عَلَى الْمَلَائِكَةِ } امتحانا لهم, هل يعرفونها أم لا؟.

{ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } في قولكم وظنكم, أنكم أفضل من هذا الخليفة.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله: {وعلم آدم الأسماء كلها} سمي آدم لأنه خلق أديم الأرض، وقيل: لأنه كان آدم اللون وكنيته أبو محمد وأبو البشر فلما خلقه الله تعالى علمه أسماء الأشياء وذلك أن الملائكة قالوا: لما قال الله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة}: ليخلق ربنا ما شاء فلن يخلق خلقاً أكرم عليه منا وإن كان فنحن أعلم منه لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره.

فأظهر الله تعالى فضله عليهم بالعلم وفيه دليل على أن الأنبياء أفضل من الملائكة وإن كانوا رسلاً كما ذهب إليه أهل السنة والجماعة.

قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: "علمه اسم كل شيء حتى القصعة والقصيعة" وقيل: اسم ما كان وما يكون إلى يوم القيامة.

وقال الربيع بن أنس: "أسماء الملائكة".

وقيل: أسماء ذريته، وقيل: صنعة كل شيء.

قال أهل التأويل: إن الله عز وجل علم آدم جميع اللغات ثم تكلم كل واحد من أولاده بلغة فتفرقوا في البلاد واختص كل فرقة منهم بلغة.

{ثم عرضهم على الملائكة} إنما قال عرضهم ولم يقل عرضها لأن المسميات إذا جمعت من يعقل ومالا يعقل يكنى عنها بلفظ من يعقل كما يكنى عن الذكور والإناث بلفظ الذكور.

وقال مقاتل: "خلق الله كل شيء الحيوان والجماد ثم عرض تلك الشخوص على الملائكة فالكناية راجعة إلى الشخوص فلذلك قال عرضهم".

{فقال أنبئوني} أخبروني {بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين} في أني لا أخلق خلقاً إلا وكنتم أفضل وأعلم منه.

فقالت الملائكة إقراراً بالعجز:

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعلَّم آدم الأسماء» أي أسماء المسميات «كلها» بأن ألقى في قلبه علمها «ثم عرضهم» أي المسميات وفيه تغليب العقلاء «على الملائكة فقال» لهم تبكيتاً «أنبئوني» أخبروني «بأسماء هؤلاء» المسميات «إن كنتم صادقين» في أني لا أخلق أعلم منكم أو أنكم أحق بالخلافة، وجواب الشرط دل عليه ما قبله.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وبيانًا لفضل آدم عليه السلام علَّمه الله أسماء الأشياء كلها، ثم عرض مسمياتها على الملائكة قائلا لهم: أخبروني بأسماء هؤلاء الموجودات، إن كنتم صادقين في أنكم أَوْلى بالاستخلاف في الأرض منهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أخذ - سبحانه - في بيان جانب من حكمة خلق آدم ، وجعله خليفة في الأرض ، بعد أن أجاب الملائكة على سؤالهم بالجواب المناسب الحكيم ، فقال - تعالى - : ( وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) .علم : من التعليم وهو التعريف بالشيء .

وآدم : اسم لأبي البشر ، قيل إنه عبراني مشتق من أدمه ، وهي لغة عبرانية معناها التراب ، كما أن " حواء " كلمة عبرانية معناها " حي " وسميت بذلك لأنها تكون أم الأحياء .و ( الأسمآء ) جمع اسم ، والاسم ما يكون علامة على الشيء ، وتأكيد الأسماء بلفظ " كلها " في أنه علمه أسماء كل ما خلق من المحدثات من إنسان وحيوان ودابة ، وطير ، وغير ذلك .ويصح حمل الأسماء على خواص الأشياء ومنافعها ، فإن الخواص والمنافع علامات على ما تتعلق به من الحقائق .وقوله : ( ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة ) عرض الشيء : إظهاره وإبانته والضمير في ( عَرَضَهُمْ ) يعود على المسميات ، وهي مفهومة من قوله : ( الأسمآء كُلَّهَا ) إذ الأسماء لابد لها من مسميات ، فإذا أجرى حديث عن الأسماء حضر في ذهن السامع ما هو لازم لها ، أعني المسميات .ودل على المسميات بضمير جمع الذكور العقلاء فقال : ( عَرَضَهُمْ ) ولم يقل عرضها ، لأن في جملة هذه المسميات أنواعاً من العقلاء : كالملائكة ، والإِنس ، ومن الأساليب المعروفة بين فصحاء العرب تغليب الكامل على الناقص ، فإذا اشتركا في نحو الجمع أو التثنية أتى بالجمع أو التثنية على ما يطلق حال الكامل منهما .والأمر في قوله : ( أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء ) ، ليس من قبيل الأوامر التي يقصد بها التكليف ، أي : طلب الإِِتيان بالمأمور به ، وإنما هو وارد على جهة إفحام المخاطب بالحجة .والمعنى : أن الله - تعالى - ألهم آدم ومعرفة ذوات الأشياء التي خلقها في الجنة ، ومعرفة أسمائها ومنافعها ، ثم عرض هذه المسميات على الملائكة .

فقال لهم على سبيل التعجيز : ( أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ) فيما اختلج في خواطركم من أنى لا أخلق خلقاً إلا وأنتم أعلم منه وأفضل .قال ابن جرير : " وفي هذه الآيات العبرة لمن اعتبر والذكرى لمن ذكر ، والبيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ، عما أودع الله في هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن ، وذلك أن الله - تعالى - احتج فيها لنبيه صلى الله عليه وسلم على من كان بين ظهرانيه من يهود بني إسرائيل ، بإطلاعه إياه من علوم الغيب التي لم يكن - تعالى - أطلع عليها من خلقه إلا خاصا ، ولم يكن مدركا علمه إلا بالإِنباء والإِخبار ليقرر عندهم صدق نبوته ، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عند الله " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الملائكة لما سألوا عن وجه الحكمة في خلق آدم وذريته وإسكانه تعالى إياهم في الأرض وأخبر الله تعالى عن وجه الحكمة في ذلك على سبيل الإجمال بقوله تعالى: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أراد تعالى أن يزيدهم بياناً وأن يفصل لهم ذلك المجمل، فبين تعالى لهم من فضل آدم عليه السلام ما لم يكن من ذلك معلوماً لهم، وذلك بأن علم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم عليهم ليظهر بذلك كمال فضله وقصورهم عنه في العلم فيتأكد ذلك الجواب الإجمالي بهذا الجواب التفصيلي وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الأشعري والجبائي والكعبي: اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله تعالى خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني.

واحتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا ﴾ والكلام على التمسك بهذه الآيه سؤالاً وجواباً ذكرناه في أصول الفقه.

وقال أبو هاشم: إنه لابد من تقدم لغه إصطلاحيه واحتج على أنه لابدّ وأن يكون الوضع مسبوقاً بالإصطلاح بأمور: أحدها: أنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع هذه اللفظه لهذا المعنى لكان ذلك العلم إما أن يحصل للعاقل أو لغير العاقل، لا جائز أن يحصل للعاقل لأنه لو حصل العلم الضروري بأنه تعالى وضع ذلك اللفظ لذلك المعنى لصارت صفه الله تعالى معلومه بالضروره مع أنه ذاته معلومه بلإستدلال وذلك محال ولا جائز أن يحصل لغير العاقل لأنه يبعد في العقول أن يحصل العلم بهذه اللغات مع ما فيها من الحكم العجيبه لغير العاقل، فثبت أن القول بالتوقيف فاسد.

وثانيها: أنه تعالى خاطب الملائكه وذلك يوجب تقدم لغه على ذلك التكلم.

وثالثها: أن قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ يقتضي إضافة التعليم إلى الأسماء.

وذلك يقتضي في تلك الأسماء أنها كانت أسماء قبل ذلك التعليم، وإذا كان كذلك كانت اللغات حاصلة قبل ذلك التعليم.

ورابعها: أن آدم عليه السلام لما تحدى الملائكة بعلم الأسماء فلابد وأن تعلم الملائكة كونه صادقاً في تعيين تلك الأسماء لتلك المسميات، وإلا لم يحصل العلم بصدقه، وذلك يقتضي أن يكون وضع تلك الأسماء لتلك المسميات متقدماً على ذلك التعليم.

والجواب عن الأول: لم لا يجوز أن يقال بخلق العلم الضروري بأن واضعاً وضع هذه الأسماء لهذه المسميات من غير تعيين أن ذلك الواضع هو الله تعالى أو الناس؟

وعلى هذا لا يلزم أن تصير الصفة معلومة بالضرورة حال كون الذات معلومة بالدليل.

سلمنا أنه تعالى ما خلق هذا العلم في العاقل، فلم لا يجوز أن يقال: إنه تعالى خلقه في غير العاقل والتعويل على الاستعباد في هذا المقام مستبعد.

وعن الثاني: لم لا يجوز أن يقال خاطب الملائكة بطريق آخر بالكتابة وغيرها.

وعن الثالث: لا شك إن إرادة الله تعالى وضع تلك الألفاظ لتلك المعاني سابقة على التعليم فكفى ذلك في إضافة التعليم إلى الأسماء، وعن الرابع: ماسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى والله تعالى أعلم.

المسألة الثانية: من الناس من قال قوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا ﴾ أي علمه صفات الأشياء ونعوتها وخواصها والدليل عليه أن الاسم اشتقاقه إما من السمة أو من السمو، فإن كان من السمة كان الاسم هو العلامة وصفات الأشياء ونعوتها وخواصها دالة على ماهياتها، فصح أن يكون المراد من الأسماء: الصفات، وإن كان من السمو فكذلك لأن دليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول، فكان الدليل أسمى في الحقيقة، فثبت أنه لا امتناع في اللغة أن يكون المراد من الاسم الصفة، بقي أن أهل النحو خصصوا لفظ الاسم بالألفاظ المخصوصة، ولكن ذلك عرف حادث لا اعتبار به، وإذا ثبت أن هذا التفسير ممكن بحسب اللغة وجب أن يكون هو المراد لا غيره، لوجوه: أحدها: أن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها، وحمل الكلام المذكور لإظهار الفضيلة على ما يوجب مزيد الفضيلة، أولى من حمله على ما ليس كذلك.

وثانيها: أن التحدي إنما يجوز ويحسن بما يتمكن السامع من مثله في الجملة، فإن من كان عالماً باللغة والفصاحة، يحسن أن يقول له غيره على سبيل التحدي: ائت بكلام مثل كلامي في الفصاحة، أما العربي فلا يحسن منه أن يقول للزنجي في معرض التحدي: تكلم بلغتي، وذلك لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات البتة: بل ذلك لا يحصل إلا بالتعليم، فإن حصل التعليم، حصل العلم به وإلا فلا، أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل متمكن من تحصيله فصحَّ وقوع التحدي فيه.

القول الثاني: وهو المشهور أن المراد أسماء كل ما خلق الله من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولد آدم اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم عليه السلام يتكلمون بهذه اللغات فلما مات آدم وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد منهم بلغة معينة من تلك اللغات، فغلب عليه ذلك اللسان، فلما طالت المدة ومات منهم قرن بعد قرن نسوا سائر اللغات، فهذا هو السبب في تغير الألسنة في ولد آدم عليه السلام.

قال أهل المعاني: قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء ﴾ لابد فيه من إضمار، فيحتمل أن يكون المراد وعلم آدم أسماء المسميات، ويحتمل أن يكون المراد وعلم آدم مسميات الأسماء، قالوا لكن الأول أولى لقوله: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم ﴾ ولم يقل أنبئوني بهؤلاء وأنبأهم بهم، فإن قيل: فلما علمه الله تعالى أنواع جميع المسميات، وكان في المسميات ما لا يكون عاقلاً، فلم قال عرضهم ولم يقل عرضها؟

قلنا لأنه لما كان في جملتها الملائكة والإنس والجن وهم العقلاء، فغلب الأكمل، لأنه جرت عادة العرب بتغليب الكامل على الناقص كلما غلبوا.

المسألة الثالثة: من الناس من تمسك بقوله تعالى: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه تعالى إنما استنبأهم مع علمه تعالى بعجزهم على سبيل التبكيت ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: إن ما ظهر من آدم عليه السلام من علمه بالأسماء معجزة دالة على نبوته عليه السلام في ذلك الوقت، والأقرب أنه كان مبعوثاً إلى حواء ولا يبعد أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى من توجه التحدي إليهم من الملائكة لأن جميعهم وإن كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسول كبعثة إبراهيم عليه السلام إلى لوط عليه السلام واحتجوا عليه بأن حصول ذلك العلم له ناقض للعادة فوجب أن يكون معجزاً، وإذا ثبت كونه معجزاً ثبت كونه رسولاً في ذلك الوقت، ولقائل أن يقول لا نسلم أن ذلك العلم ناقض للعادة لأن حصول العلم باللغة لمن علمه الله تعالى وعدم حصوله لمن لم يعلمه الله ليس بناقض للعادة.

وأيضاً فأما أن يقال: الملائكة علموا كون تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو ما علموا ذلك فإن علموا ذلك فقد قدروا على أن يذكروا أسماء تلك المسميات فحينئذٍ تحصل المعارضة ولا تظهر المزية والفضيلة، وإن لم يعلموا ذلك فكيف عرفوا أن آدم عليه السلام أصاب فيما ذكر من كون كل واحد من تلك الألفاظ إسماً لكل واحد من تلك المسميات، واعلم أنه يمكن دفع هذا السؤال من وجهين: الأول: ربما كان لكل صنف من أصناف الملائكة لغة من هذه اللغات.

وكان كل صنف جاهلاً بلغة الصنف الآخر ثم إن جميع أصناف الملائكة حضروا وأن آدم عليه السلام عد عليهم جميع تلك اللغات بأسرها فعرف كل صنف إصابته في تلك اللغة خاصة فعرفوا بهذا الطريق صدقه إلا أنهم بأسرهم عجزوا عن معرفة تلك اللغات بأسرها فكان ذلك معجزاً.

الثاني: لا يمتنع أن يقال إنه تعالى عرفهم قبل أن سمعوا من آدم عليه السلام تلك الأسماء ما استدلوا به على صدق آدم فلما سمعوا منه عليه السلام تلك الأسماء عرفوا صدقه فيها فعرفوا كونه معجزاً، سلمنا أنه ظهر عليه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان وحينئذٍ يصير الكلام في هذه المسألة فرعاً على الكلام فيهما واحتج من قطع بأنه عليه السلام ما كان نبياً في ذلك الوقت بوجوه: أحدها: أنه لو كان نبياً في ذلك الزمان، لكان قد صدرت المعصية عنه بعد النبوة.

وذلك غير جائز، فوجب أن لا يكون نبياً في ذلك الزمان أما الملازمة فلأن صدور الزلة عنه كان بعد هذه الواقعة بالاتفاق وتلك الزلة من باب الكبائر على ما سيأتي شرحه إن شاء الله تعالى والإقدام على الكبيرة يوجب استحقاق الطرد والتحقير واللعن وكل ذلك على الأنبياء غير جائز فيجب أن يقال وقعت تلك الواقعة قبل النبوة.

وثانيها: لو كان رسولاً في ذلك الوقت لكان إما أن يكون مبعوثاً إلى أحد أو لا يكون فإن كان مبعوثاً إلى أحد، فإما أن يكون مبعوثاً إلى الملائكة أو الإنس أو الجن والأول باطل لأن الملائكة عند المعتزلة أفضل من البشر ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف لأن الرسول والأمة تبع، وجعل الأدون متبوع الأشرف خلاف الأصل وأيضاً فالمرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلَوْ جعلناه مَلَكاً لجعلناه رَجُلاً  ﴾ ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى البشر، لأنه ما كان هناك أحد من البشر إلا حواء، وأن حواء إنماعرفت التكليف لا بواسطة آدم لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة  ﴾ شافههما بهذا التكليف وما جعل آدم واسطة ولا جائز أن يكون مبعوثاً إلى الجن لأنه ما كان في السماء أحد من الجن ولا جائز أيضاً أن يكون مبعوثاً إلى أحد لأن المقصود من جعله رسولاً التبليغ فحيث لا مبلغ لم يكن في جعله رسولاً فائدة وهذا الوجه ليس في غاية القوة.

وثالثها: قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ اجتباه رَبُّهُ  ﴾ فهذه الآية دل على أنه تعالى إنما اجتباه بعد الزلة فوجب أن يقال إنه قبل الزلة ما كان مجتبى، وإذا لم يكن ذلك الوقت مجتبى وجب أن لا يكون رسولاً لأن الرسالة والاجتباء متلازمان لأن الاجتباء لا معنى له إلا التخصيص بأنواع التشريفات وكل من جعله الله رسولاً فقد خصه بذلك لقوله تعالى: ﴿ الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ  ﴾ .

المسألة الخامسة: ذكروا في قوله: ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ وجوهاً: أحدها: معناه أعلموني أسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الاعلام.

وثانيها: معناه أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور والعجز، لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل علموا أن ذلك متعذر عليهم.

وثالثها: إن كنتم صادقين في قولكم أنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود.

ورابعها: إن كنتم صادقين في قولكم إني لم أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منه فأخبروني بأسماء هؤلاء.

المسألة السادسة: هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم عليه السلام إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم، واعلم أنه يدل على فضيلة العلم الكتاب والسنة والمنقول، أما الكتاب فوجوه: الأول: أن الله تعالى سمى العلم بالحكمة ثم إنه تعالى عظم أمر الحكمة وذلك يدل على عظم شأن العلم، بيان أنه تعالى سمى العلم بالحكمة ما يروى عن مقاتل: أنه قال: تفسر الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها: مواعظ القرآن قال في البقرة: ﴿ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مّنَ الكتاب والحكمة  ﴾ يعني مواعظ القرآن وفي النساء: ﴿ وَأَنزَلَ الكتاب والحكمة  ﴾ يعني المواعظ ومثلها في آل عمران.

وثانيها: الحكمة بمعنى الفهم والعلم قوله تعالى: ﴿ وَاتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً  ﴾ وفي لقمان ﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة  ﴾ يعني الفهم والعلم وفي الأنعام ﴿ أولئك الذين ءاتيناهم الكتاب والحكم  ﴾ .

وثالثها: الحكمة بمعنى النبوة في [النساء: 54] ﴿ فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة ﴾ يعني النبوة وفي [ص: 20] ﴿ وآتيناه الحكمة ﴾ يعني النبوة وفي [البقرة: 251] ﴿ وآتاه الله الملك والحكمة ﴾ .

ورابعها: القرآن في النحل ﴿ ادع إلى سَبِيلِ رَبّكَ بالحكمة  ﴾ وفي البقرة: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيراً  ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم ثم تفكر أن الله تعالى ما أعطى من العلم إلا القليل قال: ﴿ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً  ﴾ وسمى الدنيا بأسرها قليلاً ﴿ قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ  ﴾ فما سماه قليلاً لا يمكننا أن ندرك كميته فما ظنك بما سماه كثيراً.

ثم البرهان العقلي على قلة الدنيا وكثرة الحكمة أن الدنيا متناهي القدر متناهي العدد متناهي المدة.

والعلم لا نهاية لقدره، وعدده ومدته ولا للسعادات الحاصلة منه، وذلك ينبهك على فضيلة العلم.

الثاني: قوله تعالى: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ  ﴾ وقد فرق بين سبع نفر في كتابه فرق بين الخبيث والطيب فقال: ﴿ قُل لاَّ يَسْتَوِى الخبيث والطيب  ﴾ يعني الحلال والحرام، وفرق بين الأعمى والبصير فقال: ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الاعمى والبصير  ﴾ وفرق بين النور والظلمة فقال: ﴿ أَمْ هَلْ تَسْتَوِى الظلمات والنور  ﴾ وفرق بين الجنة والنار وبين الظل والحرور، وإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل.

الثالث: قوله: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ  ﴾ والمراد من أولى الأمر العلماء في أصح الأقوال لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء ولا ينعكس، ثم انظر إلى هذه المرتبة فإنه تعالى ذكر العالم في موضعين من كتابه في المرتبة الثانية قال: ﴿ شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ ، وقال: ﴿ أَطِيعُواْ الله وَأَطِيعُواْ الرسول وَأُوْلِى الأمر مِنْكُمْ ﴾ ثم إنه سبحانه وتعالى زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الأولى في آيتين فقال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والراسخون فِي العلم  ﴾ وقال: ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب  ﴾ الرابع: ﴿ يَرْفَعُ الِلَّهِ الذين ءامَنُواْ منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ واعلم أنه تعالى ذكر الدرجات لأربعة أصناف: أولها: للمؤمنين من أهل بدر قال: ﴿ إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ  ﴾ إلى قوله: ﴿ لَّهُمْ درجات عِندَ رَبّهِمْ  ﴾ .

والثانية: للمجاهدين قال: ﴿ وَفَضَّلَ الله المجاهدين عَلَى القاعدين  ﴾ .

والثالثة: للصالحين قال: ﴿ وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصالحات فأولئك لَهُمُ الدرجات العلى  ﴾ .

الرابعة: للعلماء قال: ﴿ والذين أُوتُواْ العلم درجات ﴾ والله فضل أهل بدر على غيرهم من المؤمنين بدرجات وفضل المجاهدين على القاعدين بدرجات وفضل الصالحين على هؤلاء بدرجات ثم فضل العلماء على جميع الأصناف بدرجات، فوجب أن يكون العلماء أفضل الناس.

الخامس: قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء  ﴾ فإن الله تعالى وصف العلماء في كتابه بخمس مناقب، أحدها: الإيمان ﴿ والراسخون فِي العلم يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ  ﴾ .

وثانيها: التوحيد والشهادة ﴿ شَهِدَ الله ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأُوْلُواْ العلم  ﴾ .

وثالثها: البكاء ﴿ وَيَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ يَبْكُونَ  ﴾ .

ورابعها: الخشوع ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله  ﴾ الآية.

وخامسها: الخشية ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء ﴾ أما الأخبار فوجوه: أحدها: روى ثابت عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب عالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنّة وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له ويمسي ويصبح مغفوراً له وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار».

وثانيها: عن أنس قال: قال عليه السلام: «من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره وكالقائم ليله وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله».

وثالثها: عن الحسن مرفوعاً من جاءه الموت وهو يطلب <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ ﴾ نصب بإضمار اذكر.

ويجوز أن ينتصب بقالوا.

والملائكة: جمع ملأك على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع.

و ﴿ جَاعِلٌ ﴾ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله: ﴿ فِى الارض خَلِيفَةً ﴾ فكانا مفعوليه.

ومعناه مُصَيّرٌ في الأرض خليفة.

والخليفة: من يخلف غيره.

والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته.

فإن قلت: فهلا قيل: خلائف، أو خلفاء؟

قلت: أريد بالخليفة آدم.

واستغني بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في قولك: مضر وهاشم.

أو أريد من يخلفكم، أو خلفاً يخلفكم فوحد لذلك.

وقرئ: ﴿ خليقة ﴾ بالقاف ويجوز أن يريد: خليفة مني، لأنّ آدم كان خليفة الله في ارضه وكذلك كلّ نبي ﴿ إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الارض ﴾ [ص: 26] .

فإن قلت: لأي غرض أخبرهم بذلك؟

قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم.

وقيل: ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير.

فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟

قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة.

وقرئ: ﴿ يسفُك ﴾ ، بضم الفاء.

ويُسفك.

ويَسفك، من أسفك.

وسفك.

والواو في ﴿ وَنَحْنُ ﴾ للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان.

والتسبيح: تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء.

وقدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد.

و ﴿ بِحَمْدِكَ ﴾ في موضع الحال، أي نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك؛ لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك.

﴿ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم.

فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟

قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة، وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة.

على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أَتبعه من قوله ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا ﴾ واشتقاقهم ﴿ ءادَمَ ﴾ من الأدمة، ومن أديم الأرض، نحو اشتقاقهم (يعقوب) من العقب، و(إدريس) من الدرس، و(إبليس) من الإبلاس.

وما آدم إلا اسم أعجمي؛ وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، وعازر، وعابر وشالخ.

وفالغ، وأشباه ذلك ﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لابد له من مسمى، وعوض منه اللام كقوله: ﴿ واشتعل الرأس ﴾ [مريم: 4] .

فإن قلت: هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأن الأصل: وعلم آدم مسميات الأسماء؟

قلت: لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات لقوله: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ ، ﴿ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم ﴾ فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل: أنبئوني بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق التعليم بها.

فإن قلت: فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟

قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات.

وإنما ذكّر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم.

وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء إرادة للرد عليهم، وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا.

فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض ﴾ استحضار لقوله لهم: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح.

وقرئ: ﴿ وعُلم آدم ﴾ على البناء للمفعول.

وقرأ عبد الله: ﴿ عرضهن ﴾ .

وقرأ أُبيّ: ﴿ عرضها ﴾ .

والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها: لأن العرض لا يصح في الأسماء.

وقرئ: ﴿ أنبيهم ﴾ بقلب الهمزة ياء.

﴿ وأنبهم ﴾ بحذفها والهاء مكسورة فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ﴾ إمّا بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ بِها فِيهِ، أوْ إلْقاءٍ في رَوْعِهِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى سابِقَةِ اصْطِلاحٍ لِيَتَسَلْسَلَ.

والتَّعْلِيمُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ غالِبًا، ولِذَلِكَ يُقالُ عَلَّمْتُهُ فَلَمْ يَتَعَلَّمْ.

وآدَمُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ كَآزَرَ وشالِحَ، واشْتِقاقُهُ مِنَ الأُدْمَةِ أوِ الأدْمَةِ بِالفَتْحِ بِمَعْنى الأُسْوَةِ، أوْ مِن أدِيمِ الأرْضِ لِما رُوِيَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «أنَّهُ تَعالى قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ سَهْلِها وحَزْنِها فَخَلَقَ مِنها آدَمَ» فَلِذَلِكَ يَأْتِي بَنُوهُ أخْيافًا، أوْ مِنَ الأُدْمِ أوِ الأُدْمَةِ بِمَعْنى الأُلْفَةِ، تَعَسَّفَ كاشْتِقاقِ إدْرِيسَ مِنَ الدَّرْسِ، ويَعْقُوبَ مِنَ العَقْبِ، وإبْلِيسَ مِنَ الإبْلاسِ.

والِاسْمُ بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مَعَ الألْفاظِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، واسْتِعْمالُهُ عُرْفًا في اللَّفْظِ المَوْضُوعِ لِمَعْنًى سَواءٌ كانَ مُرَكَّبًا أوْ مُفْرِدًا مُخْبِرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما.

واصْطِلاحًا: في المُفْرَدِ الدّالُ عَلى مَعْنًى في نَفْسِهِ غَيْرِ مُقْتَرِنٍ بِأحَدِ الأزْمِنَةِ الثَّلاثَةِ.

والمُرادُ في الآيَةِ إمّا الأوَّلُ أوِ الثّانِي وهو يَسْتَلْزِمُ الأوَّلَ، لِأنَّ العِلْمَ بِألْفاظٍ مِن حَيْثُ الدَّلالَةُ مُتَوَقِّفٌ عَلى العِلْمِ بِالمَعانِي، والمَعْنى أنَّهُ تَعالى خَلَقَهُ مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةٍ وقُوًى مُتَبايِنَةٍ، مُسْتَعِدًّا لِإدْراكِ أنْواعِ المُدْرَكاتِ مِنَ المَعْقُولاتِ والمَحْسُوساتِ، والمُتَخَيِّلاتِ والمَوْهُوماتِ.

وألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ ذَواتِ الأشْياءِ وخَواصِّها وأسْمائِها وأُصُولِ العُلُومِ وقَوانِينِ الصِّناعاتِ وكَيْفِيَّةِ آلاتِها.

﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ الضَّمِيرُ فِيهِ لِلْمُسَمَّياتِ المَدْلُولِ عَلَيْها ضِمْنًا إذِ التَّقْدِيرُ أسْماءُ المُسَمَّياتِ، فَحُذِفَ المُضافُ إلَيْهِ لِدَلالَةِ المُضافِ عَلَيْهِ وعَوَّضَ عَنْهُ اللّامَ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا ﴾ لِأنَّ العَرْضَ لِلسُّؤالِ عَنْ أسْماءِ المَعْرُوضاتِ فَلا يَكُونُ المَعْرُوضُ نَفْسَ الأشْياءِ سِيَّما إنْ أُرِيدَ بِهِ الألْفاظُ، والمُرادُ بِهِ ذَواتُ الأشْياءِ، أوْ مَدْلُولاتُ الألْفاظِ، وتَذْكِيرُهُ لِيَغْلِبَ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ العُقَلاءِ، وقُرِئَ « عَرَضَهُنَّ» و « عَرَضَها» عَلى مَعْنى عَرَضَ مُسَمِّياتِهِنَّ أوْ مُسَمَّياتِها.

﴿ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ ﴾ تَبْكِيتٌ لَهم وتَنْبِيهٌ عَلى عَجْزِهِمْ عَنْ أمْرِ الخِلافَةِ، فَإنَّ التَّصَرُّفَ والتَّدْبِيرَ إقامَةُ المَعْدِلَةِ قَبْلَ تَحَقُّقِ المَعْرِفَةِ، والوُقُوفُ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ وقَدْرِ الحُقُوقِ مُحالٌ، ولَيْسَ بِتَكْلِيفٍ لِيَكُونَ مِن بابِ التَّكْلِيفِ بِالمُحالِ، والإنْباءُ: إخْبارٌ فِيهِ إعْلامٌ، ولِذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ في زَعْمِكم أنَّكم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ لِعِصْمَتِكُمْ، أوْ أنَّ خَلْقَهم واسْتِخْلافَهم وهَذِهِ صِفَتُهم لا يَلِيقُ بِالحَكِيمِ، وهو وإنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ لَكِنَّهُ لازَمَ مَقالَهم.

والتَّصْدِيقُ كَما يَتَطَرَّقُ إلى الكَلامِ بِاعْتِبارِ مَنطُوقِهِ قَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بِفَرْضِ ما يَلْزَمُ مَدْلُولُهُ مِنَ الأخْبارِ، وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَعْتَرِي الإنْشاءاتِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وعلم آدم} هو اسم أعجمي وأقرب أمره أن يكون على فاعل كآزر واشتقاقهم آدم من أديم الأرض أو من الأدمة كاشتقاقهم يعقوب من العقب وإدريس من الدرس وإبليس من

البقرة (٣١ _ ٣٤)

الإبلاس {الأسماء كُلَّهَا} أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء إذ الإسم يدل على المسمى وعوض منه اللام كقوله تعالى

{واشتعل الرأس شَيْباً} ولا يصح أن يقدر وعلم آدم مسميات الأسماء على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه لأن التعليم تعلق بالأسماء لا بالمسميات لقوله تعالى أنبئونى بأسماء هؤلاء وانبئهم بأسمائهم ولم يقل أنبئونى بهؤلاء وأنبهئهم بهم ومعنى تعليمه أسماء المسميات أنه تعالى أراه الأجناس التي خلقها وعلمه أن هذا اسمه فرس وهذا اسمه بعير وهذا اسمه كذا وهذا اسمه كذا وعن ابن عباس رضى الله عنهما علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمعرفة {ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة} أي عرض المسميات وإنما ذكر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت {فَقَالَ أَنبِئُونِي} أخبروني {بِأَسْمَاءِ هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صادقين} في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء وفيه رد عليهم وبيان أن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ﴾ عَطْفٌ عَلى (قالَ)، وفِيهِ تَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ ما تَقَدَّمَ، وظاهِرُ الِابْتِداءِ بِحِكايَةِ التَّعْلِيمِ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ إنَّما جَرَتْ بَعْدَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، بِمَحْضِرٍ مِنهُ، بِأنْ قِيلَ: إثْرَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ: إنِّي جاعِلٌ إيّاهُ خَلِيفَةً، فَقَبْلَ ما قِيلَ، وقِيلَ: إنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَحْذُوفٍ، أيْ فَخَلَقَ وعَلَّمَ، أوْ فَخَلَقَهُ، وسَوّاهُ، ونَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، وعَلَّمَ، أوْ فَجَعَلَ في الأرْضِ خَلِيفَةً وعَلَّمَ، وإبْرازُ اسْمِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، والتَّنْوِيهِ بِذِكْرِهِ، ( وآدَمُ ) صَرَّحَ الجَوالِيقِيُّ، وكَثِيرُونَ أنَّهُ عَرَبِيٌّ، ووَزْنُهُ أفْعَلُ مِنَ الأُدْمَةِ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ السُّمْرَةُ، وياما أحَيْلاها في بَعْضٍ، وفَسَّرَها أُناسٌ بِالبَياضِ، أوِ الأدَمَةِ بِفَتْحَتَيْنِ الأُسْوَةِ والقُدْوَةِ، أوْ مِن أدِيمِ الأرْضِ ما ظَهَرَ مِنها، وقَدْ أخْرَجَأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ غَيْرُ واحِدٍ (أنَّهُ تَعالى قَبَضَ قَبْضَةً مِن جَمِيعِ الأرْضِ سَهْلِها وحَزَنِها، فَخَلَقَ مِنها آدَمَ )، فَلِذَلِكَ تَأْتِي بَنُوهُ أخْيافًا، أوْ مِنَ الأُدْمِ أوِ الأُدْمَةِ المُوافَقَةِ والأُلْفَةِ، وأصْلُهُ أآدَمُ، بِهَمْزَتَيْنِ، فَأُبْدِلَتِ الثّانِيَةُ ألِفًا لِسُكُونِها بَعْدَ فَتْحَةٍ، ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعَلَمِيَّةِ، ووَزْنِ الفِعْلِ، وقِيلَ: أعْجَمِيٌّ ووَزْنُهُ فاعَلٌ بِفَتْحِ العَيْنِ، ويَكْثُرُ هَذا في الأسْماءِ، كَشالِخَ وآزَرَ، ويَشْهَدُ لَهُ جَمْعُهُ عَلى أوادِمَ بِالواوِ، لا أآدِمَ بِالهَمْزَةِ، وكَذا تَصْغِيرُهُ عَلى أُوَيْدِمٍ لا أُؤَيْدِمٍ، واعْتَذَرَ عَنْهُ الجَوْهَرِيُّ بِأنَّهُ لَيْسَ لِلْهَمْزَةِ أصْلٌ في البِناءِ مَعْرُوفٌ، فَجُعِلَ الغالِبُ عَلَيْها الواوَ، ولَمْ يُسَلِّمُوهُ لَهُ، وحِينَئِذٍ لا يَجْرِي الِاشْتِقاقُ فِيهِ لِأنَّهُ مِن تِلْكَ اللُّغَةِ لا نَعْلَمُهُ، ومِن غَيْرِها لا يَصِحُّ، والتَّوافُقُ بَيْنَ اللُّغاتِ بَعِيدٌ، وإنْ ذُكِرَ فِيهِ فَذاكَ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ بَعْدَ التَّعْرِيبِ مُلْحَقٌ بِكَلامِهِمْ، وهو اشْتِقاقٌ تَقْدِيرِيٌّ اعْتَبَرُوهُ لِمَعْرِفَةِ الوَزْنِ، والزّائِدِ فِيهِ مِن غَيْرِهِ، ومَن أجْراهُ فِيهِ حَقِيقَةً كَمَن جَمَعَ بَيْنَ الضَّبِّ والنُّونِ، ولَعَلَّ هَذا أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، والأسْماءُ جَمْعُ اسْمٍ، وهو بِاعْتِبارِ الِاشْتِقاقِ ما يَكُونُ عَلامَةً لِلشَّيْءِ ودَلِيلًا يَرْفَعُهُ إلى الذِّهْنِ مِنَ الألْفاظِ المَوْضُوعَةِ بِجَمِيعِ اللُّغاتِ والصِّفاتِ والأفْعالِ، واسْتُعْمِلَ عُرْفًا في المَوْضُوعِ لِمَعْنًى مُفْرَدًا كانَ أوْ مُرَكَّبًا مُخْبَرًا عَنْهُ أوْ خَبَرًا، أوْ رابِطَةً بَيْنَهُما، وكِلا المَعْنَيَيْنِ مُحْتَمَلٌ، والعِلْمُ بِالألْفاظِ المُفْرَدَةِ والمُرَكَّبَةِ تَرْكِيبًا خَبَرِيًّا، أوْ إنْشائِيًّا يَسْتَلْزِمُ العِلْمَ بِالمَعانِي التَّصْوِيرِيَّةِ والتَّصْدِيقِيَّةِ، وإرادَةُ المَعْنى المُصْطَلَحِ مِمّا لا يَصْلُحُ لِحُدُوثِهِ بَعْدَ القُرْآنِ، وقالَ الإمامُ: المُرادُ بِالأسْماءِ صِفاتُ الأشْياءِ ونُعُوتُها وخَواصُّها، لِأنَّها عَلاماتٌ دالَّةٌ عَلى ماهِيّاتِها، فَجازَ أنْ يُعَبَّرَ عَنْها بِالأسْماءِ، وفِيهِ كَما قالَ الشِّهابُ نَظَرٌ إذْ لَمْ يُعْهَدْ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلى مِثْلِهِ حَتّى يُفَسَّرَ بِهِ النَّظْمُ، وقِيلَ: المُرادُ بِها أسْماءُ ما كانَ، وما يَكُونُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وعُزِيَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقِيلَ: اللُّغاتُ، وقِيلَ: أسْماءُ المَلائِكَةِ، وقِيلَ: أسْماءُ النُّجُومِ، وقالَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: أسْماؤُهُ تَعالى، وقِيلَ، وقِيلَ، وقِيلَ، والحَقُّ عِنْدِي ما عَلَيْهِ أهْلُ اللَّهِ تَعالى، وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَنصِبُ الخِلافَةِ الَّذِي عَلِمْتَ، وهو أنَّها أسْماءُ الأشْياءِ عُلْوِيَّةً وسُفْلِيَّةً جَوْهَرِيَّةً أوْ عَرَضِيَّةً، ويُقالُ لَها أسْماءُ اللَّهِ تَعالى عِنْدَهم بِاعْتِبارِ دِلالَتِها عَلَيْهِ، وظُهُورُهُ فِيها غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِها، ولِهَذا قالُوا: إنَّ أسْماءَ اللَّهِ تَعالى غَيْرُ مُتَناهِيَةٍ، إذْ ما مِن شَيْءٍ يَبْرُزُ لِلْوُجُودِ مِن خَبايا الجُودِ إلّا وهو اسْمٌ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وشَأْنٌ مِن شُئُونِهِ عَزَّ شَأْنُهُ، وهو الأوَّلُ، والآخِرُ، والظّاهِرُ، والباطِنُ، ومِن هُنا قالَ قُدِّسَ سِرُّهُ: إنَّ الوُجُودَ وإنْ تَعَدَّدَ ظاهِرًا وحَياتِكم ما فِيهِ إلّا أنْتُمُ لَكِنْ لِلْفَرْقِ مَقامٌ، ولِلْجَمْعِ مَقامٌ، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولَوْلا المَراتِبُ لَتَعَطَّلَتِ الأسْماءُ والصِّفاتُ، وتَعْلِيمُها لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى هَذا ظُهُورُ الحَقِّ جَلَّ وعَلا فِيهِ مُنَزَّهًا عَنِ الحُلُولِ والِاتِّحادِ والتَّشْبِيهِ بِجَمِيعِ أسْمائِهِ وصِفاتِهِ المُتَقابِلَةِ حَسَبَ اسْتِعْدادِهِ الجامِعِ بِحَيْثُ عَلِمَ وجْهَ الحَقِّ في تِلْكَ الأشْياءِ وعَلِمَ ما انْطَوَتْ عَلَيْهِ، وفَهِمَ ما أشارَتْ إلَيْهِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مِنها خافِيَةٌ، ولَمْ يَبْقَ مِن أسْرارِها باقِيَةٌ، فَيالِلَّهِ هَذا الجِرْمُ الصَّغِيرُ كَيْفَ حَوى هَذا العِلْمَ الغَزِيرَ، واخْتَلَفَ الرَّسْمِيُّونَ بَيْنَهم في كَيْفِيَّةِ التَّعْلِيمِ بَعْدَ أنْ فُسِّرَ بِأنَّهُ فِعْلٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ العِلْمُ غالِبًا، وبَعْدَ حُصُولِ ما يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ المُتَعَلِّمِ، كاسْتِعْدادِهِ لِقَبُولِ الفَيْضِ وتَلَقِّيهِ مِن جِهَةِ المُعَلِّمِ، لا تَخَلُّفَ، فَقِيلَ: بِأنْ خَلَقَ فِيهِ عَلَيْهِ السَّلامُ بِمُوجِبِ اسْتِعْدادِهِ عِلْمًا ضَرُورِيًّا تَفْصِيلِيًّا بِتِلْكَ الأسْماءِ، وبِمَدْلُولاتِها، وبِدِلالَتِها، ووَجْهِ دِلالَتِها، وقِيلَ: بِأنْ خَلَقَهُ مِن أجْزاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، وقُوًى مُتَبايِنَةٍ مُسْتَعِدًّا لِإدْراكِ أنْواعِ المُدْرَكاتِ، وألْهَمَهُ مَعْرِفَةَ ذَواتِ الأشْياءِ، وأسْمائِها، وخَواصِّها، ومَعارِفِها، وأُصُولِ العِلْمِ، وقَوانِينِ الصِّناعاتِ، وتَفاصِيلِ آلاتِها، وكَيْفِيّاتِ اسْتِعْمالاتِها، فَيَكُونُ ما مَرَّ مِنَ المُقاوَلَةِ قَبْلَ خَلْقِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، والقَوْلُ: بِأنَّ التَّعْلِيمَ عَلى ظاهِرِهِ، وكانَ بِواسِطَةِ مَلَكٍ غَيْرُ داخِلٍ في عُمُومِ الخِطابِ بِــ(أنْبِؤُونِي)، مِمّا لا أرْتَضِيهِ، اللَّهُمَّ إلّا إنْ صَحَّ خَبَرٌ في ذَلِكَ، ومَعَ هَذا أقُولُ: لِلْخَبَرِ مَحْمَلٌ غَيْرُ ما يَتَبادَرُ مِمّا لا يَخْفى عَلى مَن لَهُ ذَوْقٌ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّ هَذا التَّعْلِيمَ لا يَقْتَضِي تَقَدُّمَ لُغَةٍ اصْطِلاحِيَّةٍ كَما زَعَمَهُ أبُو هاشِمٍ، واحْتَجَّ عَلَيْهِ بِوُجُوهٍ رُدَّتْ في التَّفْسِيرِ الكَبِيرِ، إذْ لَوِ افْتَقَرَ لِتَسَلْسُلِ الأمْرِ أوْ دارَ، والإمامُ الأشْعَرِيُّ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى أنَّ الواضِعَ لِلُّغاتِ كُلِّها هو اللَّهُ تَعالى ابْتِداءً، ويَجُوزُ حُدُوثُ بَعْضِ الأوْضاعِ مِنَ البَشَرِ كَما يَضَعُ الرَّجُلُ عِلْمَ ابْنِهِ، والمُعْتَزِلَةُ يَقُولُونَ: الواضِعُ مِنَ البَشَرِ آدَمُ أوْ غَيْرُهُ ويُسَمّى مَذْهَبَ الِاصْطِلاحِ، وقِيلَ: وضَعَ اللَّهُ تَعالى بَعْضَها، ووَضَعَ الباقِيَ البَشَرُ، وهو مَذْهَبُ التَّوْزِيعِ، وبِهِ قالَ الأُسْتاذُ، والمَسْألَةُ مُفَصَّلَةٌ بِأدِلَّتِها، وما لَها، وما عَلَيْها في أُصُولِ الفِقْهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (وعُلِّمَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وفي البَحْرِ أنَّ التَّضْعِيفَ لِلتَّعْدِيَةِ، وهي بِهِ سَماعِيَّةٌ، وقِيلَ: قِياسِيَّةٌ، والحَرِيرِيُّ في شَرْحِ لَمْحَتِهِ يَزْعُمُ أنَّ عَلِمَ المُتَعَدِّيَ لِاثْنَيْنِ يَتَعَدّى بِهِ إلى ثَلاثَةٍ، وقَدْ وهِمَ في ذَلِكَ، ﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ أيِ المُسَمَّياتِ المَفْهُومَةَ مِنَ الكَلامِ، وتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ عَلى بَعْضِ الوُجُوهِ لِتَغْلِيبِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ العُقَلاءِ، ولِلتَّعْظِيمِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَتَهم في رَأْيٍ عَلى البَعْضِ الآخَرِ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْأسْماءِ بِاعْتِبارِ أنَّها المُسَمَّياتُ مَجازًا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِخْدامِ، ومَن قالَ: الِاسْمُ عَيْنُ المُسَمّى قالَ: الأسْماءُ هي المُسَمَّياتُ والضَّمِيرُ لَها بِلا تَكَلُّفٍ، وإلَيْهِ ذَهَبَ مَكِّيٌّ، والمَهْدَوِيُّ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ أنَّ ﴿ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ العَرْضَ لِلسُّؤالِ عَنْ أسْماءِ المَعْرُوضاتِ لا عَنْ نَفْسِها، وإلّا لَقِيلَ: أنْبِئُونِي بِهَؤُلاءِ، فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ المَعْرُوضُ غَيْرَ المَسْؤُولِ عَنْهُ، فَلا يَكُونُ نَفْسَ الأسْماءِ، ومَعْنى عَرْضِ المُسَمَّياتِ تَصْوِيرُها لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ أوْ إظْهارُها لَهم كالذَّرِّ، أوْ إخْبارُهم بِما سَيُوجِدُهُ مِنَ العُقَلاءِ وغَيْرِهِمْ إجْمالًا، وسُؤالُهم عَمّا لا بُدَّ لَهم مِنهُ مِنَ العُلُومِ والصَّنائِعِ الَّتِي بِها نِظامُ مَعاشِهِمْ ومَعادِهِمْ إجْمالًا أيْضًا، وإلّا فالتَّفْضِيلُ لا يُمْكِنُ عِلْمُهُ لِغَيْرِ اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، فَكَأنَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: سَأُوجِدُ كَذا وكَذا، فَأخْبِرُونِي بِما لَهم وما عَلَيْهِمْ، وما أسْماءُ تِلْكَ الأنْواعِ مِن قَوْلِهِمْ: عَرَضْتُ أمْرِي عَلى فُلانٍ فَقالَ لِي كَذا، فَلا يَرُدُّ أنَّ المُسَمَّياتِ عِنْدَ بَعْضٍ أعْيانٌ ومَعانٍ، وكَيْفَ تُعْرَضُ المَعانِي كالسُّرُورِ والحُزْنِ والجَهْلِ والعِلْمِ؟

وعِنْدِي أنَّ عَرْضَ المُسَمَّياتِ عَلَيْهِمْ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَنِ اطِّلاعِهِمْ عَلى الصُّوَرِ العِلْمِيَّةِ والأعْيانِ الثّابِتَةِ الَّتِي قَدْ يَطَّلِعُ عَلَيْها في هَذِهِ النَّشْأةِ بَعْضُ عِبادِ اللَّهِ تَعالى المُجَرَّدِينَ، أوْ إظْهارُ ذَلِكَ لَهم في عالَمٍ تَتَجَسَّدُ فِيهِ المَعانِي، وهَذا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ عَلى اللَّهِ تَعالى، بَلْ إنَّ المَعانِيَ الآنَ مُتَشَكِّلَةٌ في عالَمِ المَلَكُوتِ، بِحَيْثُ يَراها مَن يَراها، وما أحاطَ خُبْرًا بِعالَمِ المِثالِ لَمْ يَسْتَبْعِدْ ذَلِكَ، وقِيلَ: إنَّهم شَهِدُوا تِلْكَ المُسَمَّياتِ في آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو المُرادُ بِعَرْضِها.

وتَزْعُمُ أنَّكَ جِرْمٌ صَغِيرٌ ∗∗∗ وفِيكَ انْطَوى العالَمُ الأكْبَرُ وقَرَأ أُبَيٌّ (ثُمَّ عَرَضَها) وعَبْدُ اللَّهِ (عَرَضَهُنَّ)، والمَعْنى: عَرَضَ مُسَمَّياتِها، أوْ مُسَمَّياتِهِنَّ، وقِيلَ: لا تَقْدِيرَ.

﴿ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ ﴾ تَعْجِيزٌ لَهُمْ، ولَيْسَ مِنَ التَّكْلِيفِ بِما لا يُطاقُ عَلى ما وُهِمَ، وفِيهِ إشارَةٌ إلى أنَّ أمْرَ الخِلافَةِ والتَّصَرُّفِ والتَّدْبِيرِ وإقامَةِ المَعْدَلَةِ بِغَيْرِ وُقُوفٍ عَلى مَراتِبِ الِاسْتِعْداداتِ ومَقادِيرِ الحُقُوقِ مِمّا لا يَكادُ يُمْكِنُ، فَكَيْفَ يَرُومُ الخِلافَةَ مَن لا يَعْرِفُ ذَلِكَ، أوْ مَن لا يَعْرِفُ الألْفاظَ أنْفُسَها !

هَيْهاتَ ذَلِكَ أبْعَدُ مِنَ العَيُّوقِ، وأعَزُّ مِن بَيْضِ الأنُّوقِ، وعِنْدِي أنَّ المُرادَ إظْهارُ عَجْزِهِمْ، وقُصُورِ اسْتِعْدادِهِمْ عَنْ رُتْبَةِ الخِلافَةِ الجامِعَةِ لِلظّاهِرِ والباطِنِ، بِأمْرِهِمْ بِالإنْباءِ بِتِلْكَ الأسْماءِ عَلى الوَجْهِ الَّذِي أُرِيدَ مِنها، والعاجِزُ عَنْ نَفْسِ الإنْباءِ أعْجَزُ عَنِ التَّحَلِّي المَطْلُوبِ في ذَلِكَ المَنصِبِ المَحْبُوبِ.

كَيْفَ الوُصُولُ إلى سُعادَ ودُونَها ∗∗∗ قُلَلُ الجِبالِ ودُونَهُنَّ حُتُوفُ الرِّجْلُ حافِيَةٌ وما لِي مَرْكَبٌ ∗∗∗ والكَفُّ صِفْرٌ والطَّرِيقُ مَخُوفُ والإنْباءُ في الأصْلِ مُطْلَقُ الإخْبارِ وهو الظّاهِرُ هُنا، ويُطْلَقُ عَلى الإخْبارِ بِما فِيهِ فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ، ويَحْصُلُ بِهِ عِلْمٌ، أوْ غَلَبَةُ ظَنٍّ، وقالَ بَعْضُهم: إنَّهُ إخْبارٌ فِيهِ إعْلامٌ، ولِذَلِكَ يَجْرِي مَجْرى كُلٍّ مِنهُما، وأخْتارُهُ هُنا عَلى ما قِيلَ لِلْإيذانِ بِرِفْعَةِ شَأْنِ الأسْماءِ، وعِظَمِ خَطَرِها، وهَذا مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ النَّبَأ إنَّما يُطْلَقُ عَلى الخَبَرِ الخَطِيرِ، والأمْرِ العَظِيمِ، وفي اسْتِعْمالِ (ثُمَّ) فِيما تَقَدَّمَ، والفاءِ هُنا ما لا يَخْفى مِنَ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَدَمِهِ في شَأْنِهِمْ.

وقَرَأ الأعْمَشُ (أنْبِئُونِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ، ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ فِيما اخْتَلَجَ في خَواطِرِكم مِن أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا أنْتُمْ أعْلَمُ مِنهُ، وأفْضَلُ، وهَذا هو التَّفْسِيرُ المَأْثُورُ، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ المَلائِكَةَ قالُوا: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى خَلْقًا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنّا، ولا أعْلَمَ، وفي الكَلامِ دِلالَةٌ عَلَيْهِ، فَإنَّ ونَحْنُ نُسَبِّحُ إلَخْ، يَدُلُّ عَلى أفْضَلِيَّتِهِمْ، وتَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى، وتَقْدِيسُهُ أوْ تَقْدِيسُهم أنْفُسَهم يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِلْمِ أيْضًا، وقِيلَ: إنَّ المَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في زَعْمِكم أنَّكم أحَقُّ بِالِاسْتِخْلافِ، أوْ في أنَّ اسْتِخْلافَهم لا يَلِيقُ، فَأثْبِتُوهُ بِبَيانِ ما فِيكم مِنَ الشَّرائِطِ السّابِقَةِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ المَعْصِيَةِ في شَيْءٍ، لِأنَّهُ شُبْهَةٌ اخْتَلَجَتْ، وسَألُوا عَمّا يُزِيحُها، ولَيْسَ بِاخْتِيارِي، ولا يَرِدُ أنَّ الصِّدْقَ والكَذِبَ إنَّما يَتَعَلَّقُ بِالخَبَرِ، وهُمُ اسْتَخْبَرُوا، ولَمْ يُخْبِرُوا لِأنّا نَقُولُ: هُما يَتَطَرَّقانِ إلى الإنْشاءاتِ بِالقَصْدِ الثّانِي، ومِن حَيْثُ ما يَلْزَمُ مَدْلُولَها، وإنْ لَمْ يَتَطَرَّقا إلَيْها بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ومِن حَيْثُ مَنطُوقُها، وجَوابُ (إنْ) في مِثْلِ هَذا المَوْضِعِ مَحْذُوفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، وجُهْمُورِ البَصْرِيِّينَ يَدُلُّ عَلَيْهِ السّابِقُ، وهو هُنا (أنْبِئُونِي)، وعِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأبِي زَيْدٍ والمُبَرِّدِ أنَّ الجَوابَ هو المُتَقَدِّمُ، وهَذا هو النَّقْلُ الصَّحِيحُ عَمَّنْ ذَكَرَ في المَسْألَةِ، ووَهِمَ البَعْضُ فَعَكَسَ الأمْرَ، ومَن زَعَمَ أنَّ (إنْ) هُنا بِمَعْنى إذا الظَّرْفِيَّةِ، فَلا تَحْتاجُ إلى جَوابٍ، فَقَدْ وهِمَ، وكَأنَّهُ لَمّا رَأى عِصْمَةَ المَلائِكَةِ وظَنَّ مِنَ الآيَةِ ما يُخِلُّ بِها، ولَمْ يَجِدْ لَها مَحْمَلًا مَعَ إبْقاءِ (إنْ) عَلى ظاهِرِها افْتَقَرَ إلى ذَلِكَ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَعالى عَلى ما أغْنانا مِن فَضْلِهِ، ولَمْ يُحْوِجْنا إلى هَذا، وإلى القَوْلِ بِأنَّ الغَرَضَ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ التَّوْكِيدُ لِما نَبَّهَهم عَلَيْهِ مِنَ القُصُورِ والعَجْزِ، فَحاصِلُ المَعْنى حِينَئِذٍ: أخْبِرُونِي، ولا تَقُولُوا إلّا حَقًّا كَما قالَ الإمامُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

فذلك قوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها، يعني ألهمه أسماء الدواب وغيرها، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ، هكذا مكتوب في مصحف الإمام عثمان-  - وأما في مصحف ابن مسعود، وأُبي بن كعب.

ففي أحدهما ثُمَّ عَرْضُهَا وفي الآخر ثم عرضهن.

فأما من قرأ ثُمَّ عرضهن، يعني به جماعة الدواب ومن قرأ ثُمَّ عَرْضُهَا، يعني به جميع الأسماء.

وأما من قرأ ثُمَّ عَرَضَهُمْ، يعني به جماعة الأشخاص.

والأشخاص يصلح أن يكون عبارة عن المذكر والمؤنث وإن اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر على المؤنث.

قوله تعالى: فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ، أي أخبروني عن أسماء هذه الأشياء التي في الأرض إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها.

قال مقاتل: معناه كيف تقولون فيما لم أخلق بعد أنهم يفسدون وأنتم لا تعرفون ما ترونه وتنظرون إليه؟

ويقال: في هذه الآية دليل على أن أولى الأشياء بعد علم التوحيد ينبغي أن يعلم علم اللغة لأنه- عز وجل- أراهم فضل آدم بعلم اللغة، وقال بعضهم: إنما علمه الأسماء وما فيها من الحكمة، فظهر فضله بعلم الأسماء وما فيها من الحكمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

في نفسه، واسْتَوى: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء.

ع «١» : أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.

وفَسَوَّاهُنَّ: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ «٢» : فَسَوَّاهُنَّ، أي: خلقهن.

انتهى.

وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ» ، وفي «النازعات» .

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً: «إِذْ» ليست بزائدةٍ عند الجمهور، وإِنما هي معلَّقة بفعل مقدَّر، تقديره: واذكر إِذ قال، وإِضافةُ «رَبٍّ» إِلى محمد صلّى الله عليه وسلم، ومخاطبتُهُ بالكاف- تشريفٌ منه سبحانه لنبيِّه، وإِظهار لاِختصاصه به، و «الملائكةُ» : واحدها ملَكٌ، والهاء في «ملائكة» لتأنيث الجُموعِ غير حقيقيٍّ، وقيل: هي للمبالغة كعلّامة ونسّابة، والأول أبين.

وجاعِلٌ في هذه الآية بمعنى خَالِقٍ، وقال الحسن وقتادة: جاعلٌ بمعنى فاعل «٣» ، وقال ابن سابط «٤» عن النبي صلّى الله عليه وسلم: «إِنَّ الأَرْضَ هُنَا هِيَ مَكَّةُ لأَنَّ الأَرْضَ دحيت

مِنْ تَحْتِهَا وَلأنَّهَا مَقَرُّ مَنْ هَلَكَ قَوْمُهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ قَبْرَ نُوحٍ وَهُودٍ وَصَالِحٍ بين المقام والرّكن» «١» .

وخَلِيفَةً: معناه: من يخلف.

قال ابن عبَّاس: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض، فأفسدوا، وسَفَكُوا الدماء، فبعث اللَّه إِليهم قبيلاً من الملائكة قتلهم، وألْحَقَ فَلَّهُمْ «٢» ، بجزائرِ البحار، ورؤوسِ الجبالِ، وجعل آدم وذريته خليفةً «٣» ، وقال ابن مسعود: إنما معناه: خليفةٌ مني في الحُكْمِ «٤» .

وقوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها ...

الآيةَ: قد علمنا قطعًا أن الملائكة لا تعلم الغيْبَ، ولا تسبق القول، وذلك عَامٌّ في جميع الملائكة، لأن قوله تعالى: لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ [الأنبياء: ٢٧] خرج على جهة المدح لهم، قال القاضي ابن الطَّيِّب «٥» : فهذه قرينة العموم، فلا يصح مع هذين الشرطَيْن إِلا أن يكون عندهم من إفساد الخليفة نبأٌ ومقدِّمة.

قال ابن زيد وغيره: إن اللَّه تعالى أعلمهم أن الخليفة سيكونُ من ذريته قومٌ يفسدونَ، ويسفكون الدماء «٦» فقالوا لذلك هذه المقالةَ: إِما على طريق التعجُّب من استخلاف الله

من يعصيه، أو من عصيان من يستخلفُهُ اللَّهُ في أرضه وينعم علَيْه بذلك، وإِما على طريق الاِستعظامِ والإِكبار للفصلَيْن جميعاً الاستخلاف، والعصيان.

١٤ أوقال أحمد بن يَحْيَى/ ثَعْلَبٌ «١» وغيره: إنما كانت الملائكة قد رأَتْ، وعلمت ما كان من إفساد الجِنِّ، وسفكهم الدماء في الأرض فجاء قولهم: أَتَجْعَلُ فِيها ...

«٢»

الآية على جهة الاستفهام المحض، هل هذا الخليفة يا ربَّنَا على طريقة من تقدَّم من الجِنِّ أم لا؟

وقال آخرون: كان اللَّه تعالى قد أعلم الملائكة أنه يخلق في الأرضِ خلْقاً يفسدون، ويسفكون الدماء، فلما قال لهم سبحانه بعد ذلك: إِنِّي جاعِلٌ قالوا: رَبَّنَا، أَتَجْعَلُ فِيها ...

الآيةَ على جهة الاسترشاد والاستعلام، هل هذا الخليفةُ هو الذي كان أعلمهم به سبحانه قبل، أو غيره؟

ونحو هذا في «مختصر الطبريِّ» ، قال: وقولهم:

أَتَجْعَلُ فِيها ليس بإنكار لفعله عز وجلّ وحكمه، بل استخبارٌ، هل يكون الأمر هكذا، وقد وجَّهه بعضهم بأنهم استعظموا الإِفسادَ وسفْكَ الدماء فكأنهم سألوا عن وجه الحكمة في ذلك إذ علموا أنه عز وجل لا يفعل إِلا حكمة.

انتهى.

ت: والعقيدة أن الملائكة معصومون، فلا يقع منهم ما يوجب نقصانًا من رتبتهم، وشريف منزلتهم- صلوات اللَّه وسلامُهُ على جميعهم- والسفك صبُّ الدَّمِ، هذا عُرْفُه، وقولهم: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ.

قال بعض المتأوّلين: هو على جهة الاستفهام كأنهم أرادوا: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ...

الآيةَ، أم نتغير عن هذه الحال؟

قال ع «٣» : وهذا يحسن مع القول بالاستفهام المحْضِ في قولهم: أَتَجْعَلُ.

وقال آخرون: معناه: التمدُّح ووصف حالهم، وذلك جائز لهم كما قال يوسُفُ:

إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ [يوسف: ٥٥] ، وهذا يحسن مع التعجُّب والاستعظام لأن يستخلف الله

من يعصيه في قولهم: أَتَجْعَلُ، وعلى هذا أدَّبهم بقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، ومعنى: نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ: ننزِّهك عما لا يليق بصفاتك، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود: تسبيحُ الملائكةِ صلاتهم للَّه سبحانه «١» ، وقال قتادةُ: تسبيحهم قولهم: «سبحانَ اللَّهِ» على عرفه «٢» في اللغة، وبِحَمْدِكَ: معناه نَصِلُ التسبيح بالحمدِ، ويحتمل أن يكون قولهم: بِحَمْدِكَ اعتراضا بين الكلامين كأنهم قالوا: ونحن نسبِّح ونقدِّس، وأنت المحمود في الهداية إِلى ذلك، وخرَّج مسلم في صحيحه عن أبي ذَرٍّ «٣» قال: قال لِي رسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلم: «أَلاَ أُخْبِرُكَ بِأَحَبِّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى؟

إِنَّ أَحَبَّ الكَلاَمِ إِلَى اللَّهِ تعالى:

«سبحان الله وَبِحَمْدِهِ» ، وفي رواية: «سُئِلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْه وسلَّم، أَيُّ الكَلاَمِ أَفْضَلُ؟

قَالَ:

مَا اصطفى اللَّهُ لِمَلاَئِكَتِهِ أَوْ لِعِبَادِهِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» «٤» وفي صحيحَي البخاريِّ ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي المِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ الله العظيم» «٥» وهذا الحديث

به ختم البخاريُّ رحمه اللَّه.

انتهى.

وَنُقَدِّسُ لَكَ: قال الضَّحَّاك وغيره: معناه: نُطَهِّرُ أنفسنا لك ابتغاء مرضاتك، والتقديسُ: التطهير بلا خلافٍ «١» ، ومنه الأرض المقدَّسة، أي: المطهَّرة، وقال آخرون:

وَنُقَدِّسُ لَكَ: معناه: نقدِّسك، أي: نعظِّمك ونطهِّر ذكرك ممَّا لا يليقُ به، قاله مجاهد وغيره «٢» .

وقوله تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.

قال ابن عبَّاس: كان إِبليس- لعنه اللَّه- قد أُعْجِبَ بنفسه، ودخله الكِبْرُ لما جعله الله ١٤ ب خَازِنَ السماء الدنيا/، واعتقد أن ذلك لمزيَّة له، فلما قالت الملائكة: ونحن نسبِّح بحمدك ونقدِّس لك، وهي لا تعلم أنَّ في نفْسِ إِبليسَ خلافَ ذلك، قال اللَّه سبحانه: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ يعني ما في نفس إِبْلِيسَ «٣» .

وقال قتادة: لما قالتِ الملائكةُ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها، وقد علم اللَّه أنَّ في مَنْ يستخلفُ في الأرض أنبياءَ وفضلاءَ وأهلَ طاعةٍ، قال لهم: إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ، يعني: أفعالَ الفضلاء «٤» .

وقوله تعالى: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها: معناه: عرَّف، وتعليم آدم هنا عند قومٍ إِلهامُ علمه ضرورةً، وقال قوم: بل تعليمٌ بقولٍ إما بواسطة مَلَكٍ، أو بتكليمٍ قبل هبوطه الأرضَ، فلا يشارك موسى- عليه السلام- في خَاصَّته.

ت: قال الشيخ العارف بالله عبد الله بن أبي جمرة: تعليمه سبحانه لآِدم الأسماء كلَّها، إِنما كان بالعلْم اللدنيِّ بلا واسطة.

انتهى من كتابه الذي شرح فيه بعض أحاديث البخاريِّ، وكل ما أنقله عنه، فمنه، واختلف المتأوِّلون في قوله: الْأَسْماءَ:

فقال جمهور الأُمَّة: علَّمه التسميات، وقال قومٌ: عرض عليه الأشخاص، والأول أبين ولفظة عَلَّمَ تعطي ذلك.

ثم اختلف الجمهورُ في أيِّ الأسماء علَّمه، فقال ابن عبَّاسٍ، وقتادة، ومجاهدٌ: علَّمه اسم كلِّ شيء من جميع المخلوقات دقيقها، وجليلها «١» ، وقال الطبريُّ «٢» : علَّمه أسماء ذريته، والملائكة ورجَّحه بقوله تعالى: ثُمَّ عَرَضَهُمْ وقال أكثر العلماء: عَلَّمه تعالى منافعَ كلِّ شيء، ولما يصلَح.

وقيل غير هذا.

واختلف المتأوِّلون، هل عرض على الملائكة أشخاص الأسماء أو الأسماء دون الأشخاص؟.

وأَنْبِئُونِي: معناه: أخبروني، والنبأ: الخبر، وقال قوم: يخرج من هذا الأمر بالإنباء تكليفُ ما لا يطاقُ «٣» ، ويتقرَّر جوازه لأنه سبحانه عَلِمَ أنهم لا يعلمون.

وقال المحقِّقون من أهل التأويل: ليس هذا على جهة التكليفِ، إِنما هو على جهة التقرير والتوقيف.

وقوله تعالى: هؤُلاءِ ظاهره حضورُ أشخاصٍ، وذلك عند العرض على الملائكة، وليس في هذه الآية ما يدلُّ أن الاسم هو المسمى كما ذهب إِليه مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ.

والذي يظهر أن اللَّه تعالى علَّم آدم الأسماء، وعرض مع ذلك عليه الأجناس أشخاصاً، ثم عرض تلك على الملائكة، وسألهم عن تسمياتها التي قد تعلَّمها آدم، ثم إِن آدم قال لهم: هذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا.

وَهَؤُلاءِ: مبنيٌّ على الكسر، وكُنْتُمْ في موضع الجزمِ بالشرْطِ، والجواب عند سيبويه: فيما قبله، وعند المبرِّد: محذوفٌ تقديره: إِن كنتمْ صادِقِينَ، فَأَنْبِئوني، وقال ابن عبَّاس وابن مسعود وناس من أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلم: معنى الآية: إِنْ كنتم صادِقِينَ في أنَّ الخليفةَ يُفْسِدُ ويسفك «١» .

ت: وفي النفس من هذا القول شيءٌ، والملائكة منزَّهون معصومون كما تقدَّم، والصواب ما تقدَّم من التفسير عند قوله تعالى: أَتَجْعَلُ فِيها ...

الآية.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ ﴾ .

كانَ أبُو عُبَيْدَةَ يَقُولُ: "إذْ" مُلْغاةٌ، وتَقْدِيرُ الكَلامِ: وقالَ رَبُّكَ، وتابَعَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، وعابَ ذَلِكَ عَلَيْهِما الزَّجّاجُ وابْنُ القاسِمِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: إذْ مَعْناها: الوَقْتُ، فَكَأنَّهُ قالَ: ابْتِداءُ خَلْقِكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ.

والمَلائِكَةُ: مِنَ الأُلُوكِ، وهي الرِّسالَةُ، قالَ لَبِيَدُ: وغُلامٌ أرْسَلَتْهُ أُمُّهُ بِألُوكٍ فَبَذَلْنا ما سَألَ وَواحِدُ المَلائِكَةِ: مَلَكٌ، والأصْلُ فِيهِ: مَلْأكُ.

وأنْشَدَ سِيبَوَيْهِ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لِمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنْزِلُ مِن جَوِّ السَّماءِ يَصُوبُ قالَ أبُو إسْحاقَ: ومَعْنى مَلْأكِ: صاحِبُ رِسالَةٍ، يُقالُ: مَأْلَكَةٌ ومَأْلُكَةٌ ومَلْأكَةٌ.

ومَآَلُكٌ: جَمْعُ مَأْلُكَةٍ.

قالَ الشّاعِرُ: أبْلِغِ النُّعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا ∗∗∗ أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي وَفِي هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهم جَمِيعُ المَلائِكَةِ، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ حِينَ أُهْبِطَ إلى الأرْضِ، ذَكَرَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وَنُقِلَ أنَّهُ كانَ في الأرْضِ قَبْلَ آَدَمَ خَلْقٌ، فَأفْسَدُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ إبْلِيسَ في جَماعَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ فَأهْلَكُوهم.

واخْتَلَفُوا ما المَقْصُودُ في إخْبارِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ المَلائِكَةَ بِخَلْقِ آَدَمَ عَلى سِتَّةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى عَلِمَ في نَفْسِ إبْلِيسَ كِبْرًا، فَأحَبَّ أنْ يُطْلِعَ المَلائِكَةَ عَلَيْهِ، وأنْ يُظْهِرَ ما سَبَقَ عَلَيْهِ في عِلْمِهِ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ أرادَ أنْ يَبْلُوَ طاعَةَ المَلائِكَةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ لَمّا خَلَقَ النّارَ خافَتِ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: رَبُّنا لِمَن خَلَقْتَ هَذِهِ؟

قالَ: لِمَن عَصانِي، فَخافُوا وُجُودَ المَعْصِيَةِ مِنهم، وهم لا يَعْلَمُونَ بِوُجُودِ خَلْقٍ سِواهم، فَقالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً  ﴾ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ أرادَ إظْهارَ عَجْزِهِمْ عَنِ الإحاطَةِ بِعِلْمِهِ، فَأخْبَرَهم حَتّى قالُوا: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها؟

فَأجابَهُمْ: إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ.

والخامِسُ: أنَّهُ أرادَ تَعْظِيمَ آَدَمَ بِذِكْرِهِ بِالخِلافَةِ قَبْلَ وُجُودِهِ، لِيَكُونُوا مُعَظِّمِينَ لَهُ إنْ أوْجَدَهُ.

والسّادِسُ: أنَّهُ أرادَ إعْلامَهم بِأنَّهُ خَلَقَهُ لِيُسْكِنَهُ الأرْضَ، وإنْ كانَتِ ابْتِداءَ خَلْقِهِ في السَّماءِ.

والخَلِيفَةُ: هو القائِمُ مَقامَ غَيْرِهِ، يُقالُ: هَذا خَلْفُ فُلانٍ وخَلِيفَتُهُ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: والأصْلُ في الخَلِيفَةِ خَلِيفٌ، بِغَيْرِ هاءٍ، فَدَخَلَتِ الهاءُ لِلْمُبالَغَةِ في مَدْحِهِ بِهَذا الوَصْفِ، كَما قالُوا: عَلّامَةٌ ونَسّابَةٌ وراوِيَةٌ.

وفي مَعْنى خِلافَةِ آَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خَلِيفَةٌ عَنِ اللَّهِ تَعالى في إقامَةِ شَرْعِهِ، ودَلائِلِ تَوْحِيدِهِ، والحُكْمِ في خَلْقِهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ ومُجاهِدٍ.

والثّانِي: أنَّهُ خَلَفُ مَن سَلَفَ في الأرْضِ قَبْلَهُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ .

فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ ظاهِرَ الألِفِ الِاسْتِفْهامُ، دَخَلَ عَلى مَعْنى العِلْمِ لِيَقَعَ بِهِ تَحْقِيقٌ قالَ جَرِيرٌ: ألَسْتُمْ خَيْرَ مَن رَكِبَ المَطايا وأنْدى العالَمِينَ بُطُونَ راحِ مَعْناهُ: أنْتُمْ خَيْرُ مَن رَكِبَ المَطايا.

والثّانِي: أنَّهم قالُوهُ لِاسْتِعْلامِ وجْهِ الحِكْمَةِ، لا عَلى وجْهِ الِاعْتِراضِ.

ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّهم سَألُوا عَنْ حالِ أنْفُسِهِمْ، فَتَقْدِيرُهُ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ أمْ لا؟

وَهَلْ عَلِمَتِ المَلائِكَةُ أنَّهم يُفْسِدُونَ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أمْ قاسُوا عَلى حالِ مَن قَبْلَهُمْ؟

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِتَوْقِيفٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، ورَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ: أنَّهم قالُوا: رَبُّنا وما يَكُونُ ذَلِكَ الخَلِيفَةِ قالَ: يَكُونُ لَهُ ذُرِّيَّةً يُفْسِدُونَ في الأرْضِ ويَتَحاسَدُونَ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَقالُوا: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ .

والثّانِي: أنَّهم قاسُوهُ عَلى أحْوالِ مَن سَلَفَ قَبْلَ آَدَمَ، رُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُقاتِلٍ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ .

قَرَأ الجُمْهُورُ بِكَسْرِ الفاءِ، وضَمَّها ابْنُ مُصَرِّفِ، وإبْراهِيمُ بْنُ أبِي عَبْلَةَ، وهُما لُغَتانِ، ورُوِيَ عَنْ طَلْحَةَ وابْنِ مِقْسَمٍ: ويُسَفِّكُ: بِضَمِّ الياءِ، وفَتْحِ السِّينِ، وتَشْدِيدِ الفاءِ مَعَ كَسْرِها، وهي لِتَكْثِيرِ الفِعْلِ وتَكْرِيرِهِ.

وسَفْكُ الدَّمِ: صَبُّهُ وإراقَتُهُ وسَفْحُهُ، وذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ في كُلِّ مُضَيَّعٍ، إلّا أنَّ السَّفْكَ يَخْتَصُّ الدَّمَ، والصَّبَّ والسَّفْحَ والإراقَةَ يُقالُ في الدَّمِ وفي غَيْرِهِ.

وَفِي مَعْنى تَسْبِيحِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الصَّلاةُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ قَوْلُهُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ التَّعْظِيمُ والحَمْدُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الخُضُوعُ والذُّلُّ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

القُدْسُ: الطَّهارَةُ، وفي مَعْنى تَقْدِيسِهِمْ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: نَتَطَهَّرُ لَكَ مِن أعْمالِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: نُعَظِّمُكَ ونَكْبُرُكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: نُصَلِّي لَكَ، قالَهُ قَتادَةُ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: أعْلَمُ ما في نَفْسِ إبْلِيسَ مِنَ البَغْيِ والمَعْصِيَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أعْلَمُ أنَّهُ سَيَكُونُ مِن ذَلِكَ الخَلِيفَةِ أنْبِياءٌ وَصالِحُونَ قالَهُ قَتادَةُ.

والثّالِثُ: أعْلَمُ أنِّي أمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: أعْلَمُ عَواقِبَ الأُمُورِ، فَأنا أبْتَلِي مَن تَظُنُّونَ أنَّهُ مُطِيعٌ، فَيُؤَدِّيهِ الِابْتِلاءُ إلى المَعْصِيَةِ كِإبْلِيسَ، ومَن تَظُنُّونَ بِهِ المَعْصِيَةَ فَيُطِيعُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

الإشارَةُ إلى خَلْقِ آَدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَوى أبُو مُوسى عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « "إنَّ اللَّهَ، عَزَّ وجَلَّ، خَلَقَ آَدَمَ مِن قَبْضَةٍ قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آَدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، مِنهُمُ الأحْمَرُ [والأبْيَضُ ] والأسْوَدُ، وبَيْنَ ذَلِكَ، والسَّهْلُ والحَزَنُ، وبَيْنَ ذَلِكَ، والخَبِيثُ والطَّيِّبُ"» قالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.

وقَدْ أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ في الصَّحِيحَيْنِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "خَلَقَ اللَّهُ تَعالى آَدَمَ طُولُهُ سِتُّونَ ذِراعًا" .» وأخْرَجَ مُسْلِمٌ في أفْرادِهِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « "خَلَقَ اللَّهُ آَدَمَ بَعْدَ العَصْرِ يَوْمَ الجُمْعَةَ آَخِرَ الخَلْقِ في آَخِرِ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الجُمْعَةِ، ما بَيْنَ العَصْرِ إلى اللَّيْلِ"» قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا نَفَخَ فِيهِ الرُّوحَ، أتَتْهُ النَّفْخَةُ مِن قِبَلِ رَأْسِهِ، فَجَعَلَتْ لا تَجْرِي مِنهُ في شَيْءٍ إلّا صارَ لَحْمًا ودَمًا.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ﴾ .

فِي تَسْمِيَةِ آَدَمَ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الأُدْمَةِ في اللَّوْنِ، قالَهُ الضَّحّاكُ، والنَّضِرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وقُطْرُبٌ.

وَفِي الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَّمَهُ كُلَّ الأسْماءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ مَعْدُودَةً لِمُسَمَّياتٍ مَخْصُوصَةٍ.

ثُمَّ فِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ المَلائِكَةِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ الأجْناسِ دُونَ أنْواعِها، كَقَوْلِكَ: إنْسانٌ ومَلِكٌ وجِنِّيٌّ وطائِرٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ ما خَلَقَ مِنَ الأرْضِ مِنَ الدَّوابِّ والهَوامِّ والطَّيْرِ، قالَ الكَلْبِيُّ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والرّابِعُ: أنَّهُ عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ .

يُرِيدُ أعْيانَ الخَلْقِ عَلى المَلائِكَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المَلائِكَةُ هاهُنا: هُمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَ إبْلِيسَ خاصَّةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْبِئُونِي ﴾ أخْبَرُونِي.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ .

فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا هو أفْضَلُ مِنكم وأعْلَمُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والثّانِي: أنِّي أجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِماءَ ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ قالَ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ﴿ قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إلا ما عَلَّمْتَنا إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ قالَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: "إذْ" زائِدَةٌ، والتَقْدِيرُ: وقالَ رَبُّكَ.

قالَ أبُو إسْحاقَ الزَجّاجُ: هَذا اجْتِراءٌ مِن أبِي عُبَيْدَةَ، وكَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ جَمِيعُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ الجُمْهُورُ: لَيْسَتْ زائِدَةً وإنَّما هي مُعَلَّقَةٌ بِفِعْلٍ مُقَدَّرٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ.

وأيْضًا فَقَوْلُهُ: ﴿ خَلَقَ لَكم ما في الأرْضِ جَمِيعًا  ﴾ الآيَةُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: وابْتِداءَ خَلَقَكم إذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ، وإضافَةُ "رَبُّ" إلى مُحَمَّدٍ  ، ومُخاطَبَتُهُ بِالكافِ تَشْرِيفٌ مِنهُ لَهُ، وإظْهارٌ لِاخْتِصاصِهِ بِهِ.

والمَلائِكَةُ واحِدُها مَلَكٌ، أصْلُهُ: مَلْأكٌ عَلى وزْنٍ مَفْعَلٌ، مِن لَأكَ إذا أرْسَلَ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ عَلى وزْنِ مُفاعَلَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: أصْلُ مَلَكٍ مَأْلَكٌ مَن ألَكَ إذا أرْسَلَ، ومِنهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: أبْلِغِ النُعْمانَ عَنِّي مَأْلُكًا أنَّهُ قَدْ طالَ حَبْسِي وانْتِظارِي واللُغَتانِ مَسْمُوعَتانِ، لَأكَ، وألَكَ، قُلِبَتْ فِيهِ الهَمْزَةُ بَعْدَ اللامِ فَجاءَ وزْنُهُ مَعْفَلٌ، وجَمْعُهُ مَلائِكَةٌ، وزْنُهُ مُعافَلَةٌ.

وقالَ ابْنُ كَيْسانَ هو مِن مَلَكَ يَمْلِكُ والهَمْزَةُ فِيهِ زائِدَةٌ كَما زِيدَتْ في شَمْألَ مَن شَمِلَ فَوَزْنُهُ فَعْألَ، ووَزْنُ جَمْعِهِ فَعائِلَةٌ، وقَدْ يَأْتِي في الشِعْرِ عَلى أصْلِهِ كَما قالَ: فَلَسْتُ لِإنْسِيٍّ ولَكِنْ لَمَلْأكٍ ∗∗∗ تَنَزَّلَ مِن جَوِّ السَماءِ يُصَوِّبُ وأمّا في الكَلامِ فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ وأُلْقِيَتْ حَرَكَتُها عَلى اللامِ أو عَلى العَيْنِ -فِي قَوْلِ ابْنِ كَيْسانَ - فَقِيلَ: مَلَكٌ، والهاءُ في "مَلائِكَةٍ" لِتَأْنِيثِ الجُمُوعِ غَيْرِ حَقِيقِيٍّ، وقِيلَ: هي لِلْمُبالَغَةِ كَعَلّامَةٍ ونَسّابَةٍ، والأوَّلُ أبْيَنُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الهَمْزَةُ في "مَلائِكَةٍ" مُجْتَلَبَةٌ لِأنَّ واحِدَها مَلَكٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا الَّذِي نَحا إلَيْهِ ابْنُ كَيْسانَ.

و"جاعِلٌ" في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى خالِقٌ، ذَكَرَهُ الطَبَرِيُّ عن أبِي رَوْقٍ، ويَقْضِي بِذَلِكَ تَعَدِّيها إلى مَفْعُولٍ واحِدٍ.

وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: "جاعِلٌ" بِمَعْنى فاعِلٍ.

وقالَ ابْنُ سابِطٍ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: إنَّ "الأرْضَ" هُنا يَعْنِي بِها مَكَّةَ، لِأنَّ الأرْضَ دُحِيَتْ مِن تَحْتِها، ولِأنَّها مَقَرُّ مَن هَلَكَ قَوْمَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، وإنَّ قَبْرَ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ بَيْنَ المَقامِ والرُكْنِ.

و"خَلِيفَةً" مَعْناهُ: مَن يَخْلُفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتِ الجِنُّ قَبْلَ بَنِي آدَمَ في الأرْضِ فَأفْسَدُوا، وسَفَكُوا الدِماءَ، فَبَعَثَ اللهُ إلَيْهِمْ قَبِيلًا مِنَ المَلائِكَةِ قَتَلَهُمْ، وألْحَقَ فَلَّهم بِجَزائِرِ البِحارِ، ورُؤُوسِ الجِبالِ، وجَعَلَ آدَمَ وذُرِّيَّتَهُ خَلِيفَةً.

وقالَ الحَسَنُ: إنَّما سَمّى اللهَ بَنِي آدَمَ خَلِيفَةً، لِأنَّ كُلَّ قَرْنٍ مِنهم يَخْلُفُ الَّذِي قَبْلَهُ، الجِيلُ بَعْدَ الجِيلِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَفي هَذا القَوْلِ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بِمَعْنى خالِفَةٍ وَبِمَعْنى مَخْلُوفَةً، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّما مَعْناهُ: خَلِيفَةٌ مِنِّي في الحُكْمِ بَيْنَ عِبادِي بِالحَقِّ وبِأوامِرِي، يَعْنِي بِذَلِكَ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ ومَن قامَ مَقامَهُ بَعْدَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ "خَلِيقَةً" بِالقافِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ، وقَدْ عَلِمْنا قَطْعًا أنَّ المَلائِكَةَ لا تَعْلَمُ الغَيْبَ، ولا تَسْبِقُ بِالقَوْلِ، وذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ المَلائِكَةِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ لا يَسْبِقُونَهُ بِالقَوْلِ  ﴾ خَرَجَ عَلى جِهَةِ المَدْحِ لَهم.

قالَ القاضِي أبُو بَكْرٍ بْنُ الطَيِّبِ: "فَهَذِهِ قَرِينَةُ العُمُومِ، فَلا يَصِحُّ مَعَ هَذَيْنَ الشَرْطَيْنِ إلّا أنْ يَكُونَ عِنْدَهم مِن إفْسادِ الخَلِيقَةِ في الأرْضِ نَبَأٌ ومُقْدِمَةٌ"، قالَ ابْنُ زَيْدٍ وغَيْرُهُ: "إنَّ اللهَ تَعالى أعْلَمَهم أنَّ الخَلِيفَةَ سَيَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ قَوْمٌ يُفْسِدُونَ ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَقالُوا لِذَلِكَ هَذِهِ المَقالَةَ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهَذا إمّا عَلى طَرِيقِ التَعَجُّبِ مِنَ اسْتِخْلافِ اللهِ مَن يَعْصِيهِ، أو مِن عِصْيانِ مَن يَسْتَخْلِفُهُ اللهُ في أرْضِهِ ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وإمّا عَلى طَرِيقِ الِاسْتِعْظامِ والإكْبارِ لِلْفَصْلَيْنِ جَمِيعًا: الِاسْتِخْلافُ والعِصْيانُ وقالَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى ثَعْلَبٌ وغَيْرُهُ: إنَّما كانَتِ المَلائِكَةُ قَدْ رَأتْ وعَلِمَتْ ما كانَ مِن إفْسادِ الجِنِّ وسَفْكِهِمُ الدِماءَ في الأرْضِ، فَجاءَ قَوْلُهم ﴿ أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ المَحْضِ، هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ عَلى طَرِيقَةِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الجِنِّ أمْ لا؟

وقالَ آخَرُونَ: كانَ اللهُ تَعالى قَدْ أعْلَمَ المَلائِكَةَ أنَّهُ يَخْلُقُ في الأرْضِ خَلْقًا يُفْسِدُونَ، ويَسْفِكُونَ الدِماءَ، فَلَمّا قالَ لَهم بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ ﴾ ﴿ قالُوا أتَجْعَلُ فِيها ﴾ الآيَةُ عَلى جِهَةِ الِاسْتِرْشادِ والِاسْتِعْلامِ.

هَلْ هَذا الخَلِيفَةُ هو الَّذِي كانَ أعْلَمَهم بِهِ قَبْلُ أو غَيْرُهُ؟

و"السَفْكُ" صَبُّ الدَمِ، هَذا عُرْفُهُ، وقَدْ يُقالُ: سَفَكَ كَلامَهُ في كَذا إذا سَرَدَهُ، وقِراءَةُ الجُمْهُورِ بِكَسْرِ الفاءِ، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ و"يَسْفِكُ" بِضَمِّ الفاءِ، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ "وَيَسْفِكُ" بِالنَصْبِ بِواوِ الصَرْفِ، كَأنَّهُ قالَ: مَن يَجْمَعُ أنْ يُفْسِدَ وأنْ يَسْفِكَ.

وقالَ المَهْدَوِيُّ: هو نَصْبٌ في جَوابِ الِاسْتِفْهامِ.

والأوَّلُ أحْسَنُ.

وَقَوْلُهُمْ: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ قالَ بَعْضُ المُتَأوِّلِينَ: هو عَلى جِهَةِ الِاسْتِفْهامِ، كَأنَّهم أرادُوا: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ الآيَةُ أمْ نَتَغَيَّرُ عن هَذِهِ الحالِ؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا يُحْسِنُ مَعَ القَوْلِ بِالِاسْتِفْهامِ المَحْضِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ".

وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ التَمَدُّحُ ووَصْفُ حالِهِمْ، وذَلِكَ جائِزٌ لَهُمْ، كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَلامُ: ﴿ إنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ  ﴾ ، وهَذا يَحْسُنُ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ لِأنْ يَسْتَخْلِفَ اللهُ مَن يَعْصِيهِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟

وعَلى هَذا أدَّبَهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: ونَحْنُ لَوْ جَعَلْتَنا في الأرْضِ واسْتَخْلَفْتَنا نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ، وهَذا أيْضًا حَسَنٌ مَعَ التَعَجُّبِ والِاسْتِعْظامِ في قَوْلِهِمْ: "أتَجْعَلُ"؟

ومَعْنى ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ﴾ : نُنَزِّهُكَ عَمّا لا يَلِيقُ بِكَ وبِصِفاتِكَ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: صَلاتُهم لِلَّهِ، وقالَ قَتادَةُ: تَسْبِيحُ المَلائِكَةِ: قَوْلُهم سُبْحانَ اللهِ، عَلى عُرْفِهِ في اللُغَةِ.

و"بِحَمْدِكَ" مَعْناهُ: نَخْلِطُ التَسْبِيحَ بِالحَمْدِ، ونَصِلُهُ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ بِحَمْدِكَ" اعْتِراضًا بَيْنَ الكَلامَيْنِ، كَأنَّهم قالُوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ ونُقَدِّسُ)، ثُمَّ اعْتَرَضُوا عَلى جِهَةِ التَسْلِيمِ، أيْ: وأنْتَ المَحْمُودُ في الهِدايَةِ إلى ذَلِكَ.

﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ قالَ الضَحّاكُ، وغَيْرُهُ: مَعْناهُ: نُطَهِّرُ أنْفُسَنا لَكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِكَ، والتَقْدِيسُ التَطْهِيرُ بِلا خِلافٍ، ومِنهُ الأرْضُ المُقَدَّسَةُ أيِ: المُطَهَّرَةُ، ومِنهُ بَيْتُ المَقْدِسِ، ومِنهُ القُدْسُ الَّذِي يَتَطَهَّرُ بِهِ.

وقالَ آخَرُونَ: ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ مَعْناهُ: ونُقَدِّسُكَ أيْ: نُعَظِّمُكَ، ونُطَهِّرُ ذِكْرَكَ عَمًّا لا يَلِيقُ بِهِ.

قالَهُ مُجاهِدٌ، وأبُو صالِحٍ، وغَيْرُهُما، وقالَ قَوْمٌ: ( نُقَدِّسُ لَك ) مَعْناهُ: نُصَلِّي لَكَ، وهَذا ضَعِيفٌ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، الأظْهَرُ أنَّ "أعْلَمُ" فِعْلٌ مُسْتَقْبَلٌ، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِهِ، وقِيلَ: "أعْلَمُ" اسْمٌ، و"ما في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ، ولا يَصِحُّ الصَرْفُ فِيهِ بِإجْماعٍ مِنَ النُحاةِ، وإنَّما الخِلافُ في أفْعَلَ إذا سُمِّيَ بِهِ وكانَ نَكِرَةً، فَسِيبَوَيْهِ والخَلِيلُ لا يَصْرِفانِهِ، والأخْفَشُ يَصْرِفُهُ.

واخْتَلَفَ أهْلُ التَأْوِيلِ في المُرادِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ إبْلِيسُ- لَعَنَهُ اللهُ- قَدْ أُعْجِبَ، ودَخَلَهُ الكِبْرُ لَمّا جَعَلَهُ اللهُ خازِنَ السَماءِ الدُنْيا، وشَرَّفَهُ وقِيلَ: بَلْ لَمّا بَعَثَهُ اللهُ إلى قَتْلِ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا أفْسَدُوا في الأرْضِ فَهَزَمَهم وقَتَلَهم بِجُنْدِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: واعْتَقَدَ أنَّ ذَلِكَ لِمَزِيَّةٍ لَهُ، واسْتَخَفَّ الكُفْرَ والمَعْصِيَةَ في جانِبِ آدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، قالَ: فَلَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ﴾ ، وهي لا تَعْلَمُ أنَّ في نَفْسِ إبْلِيسَ خِلافَ ذَلِكَ، قالَ اللهُ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، يَعْنِي ما في نَفْسِ إبْلِيسَ، وقالَ قَتادَةُ: لَمّا قالَتِ المَلائِكَةُ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ ، وقَدْ عَلِمَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيمَن يَسْتَخْلِفُ في الأرْضِ أنْبِياءَ وفُضَلاءَ وأهْلَ طاعَةٍ قالَ لَهُمْ: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ ، يَعْنِي: أفْعالَ الفُضَلاءِ مِن بَنِي آدَمَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "وَعَلَّمَ" مَعْناهُ: عَرَّفَ.

وتَعْلِيمُ آدَمَ هُنا عِنْدَ قَوْمٍ إلْهامُ عِلْمِهِ ضَرُورَةٌ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ تَعْلِيمٌ بِقَوْلٍ، فَإمّا بِواسِطَةِ مَلَكٍ، أو بِتَكْلِيمٍ قَبْلَ هُبُوطِهِ الأرْضَ، فَلا يُشارِكُ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ في خاصَّتِهِ، وقَرَأ اليَمانِيُّ "وَعَلَّمَ" بِضَمِّ العَيْنِ عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ "آدَمُ" مَرْفُوعًا.

قالَ أبُو الفَتْحِ: وهي قِراءَةُ يَزِيدِ البَرْبَرِيِّ، و"آدَمَ" أفْعَلُ مُشْتَقٌّ مِنَ الأُدْمَةِ وهي حُمْرَةٌ تَمِيلُ إلى السَوادِ، وجَمْعُهُ أُدْمُ، وأوادِمُ، كَحُمْرُ وأحامِرُ، ولا يَنْصَرِفُ بِوَجْهٍ، وقِيلَ: آدَمُ وزْنُهُ فاعِلٌ مُشْتَقٌّ مِن أدِيمِ الأرْضِ كَأنَّ المَلَكَ آدَمَها وجَمْعُهُ آدَمُونَ وأوادِمُ، ويَلْزَمُ قائِلُ هَذِهِ المَقالَةِ صَرْفَهُ.

وقالَ الطَبَرِيُّ: "آدَمُ" فِعْلٌ رُباعِيٌّ سُمِّيَ بِهِ.

ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «خَلَقَ اللهُ آدَمَ مِن أدِيمِ الأرْضِ كُلِّها، فَخَرَجَتْ ذُرِّيَّتُهُ عَلى نَحْوِها، مِنهُمُ الأبْيَضُ والأسْوَدُ والأسْمَرُ، والسَهْلُ والحَزَنُ، والطَيِّبُ والخَبِيثُ».

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في قَوْلِهِ: "الأسْماءَ"، فَقالَ جُمْهُورُ الأُمَّةِ: عَلَّمَهُ التَسْمِياتِ، وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ.

والأوَّلُ أبْيَنُ، ولَفْظَةُ "عَلَّمَ" تُعْطِي ذَلِكَ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ الجُمْهُورُ في أيِّ الأسْماءِ عَلَّمَهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: عَلَّمَهُ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ مِن جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ، دَقِيقُها وجَلِيلُها، وقالَ حَمِيدُ الشامِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ النُجُومِ فَقَطْ، وقالَ الرَبِيعُ بْنُ خَثِيمَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ المَلائِكَةِ فَقَطْ، وقالَ عَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَطْ، وقالَ الطَبَرِيُّ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ذُرِّيَّتِهِ والمَلائِكَةَ، واخْتارَ هَذا ورَجَّحَهُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ وحَكى النَقّاشُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّهُ تَعالى عَلَّمَهُ كَلِمَةً واحِدَةً عَرَفَ مِنها جَمِيعَ الأسْماءِ، وقالَ آخَرُونَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ الأجْناسِ كالجِبالِ، والخَيْلِ، والأودِيَةِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، دُونَ أنْ يُعَيِّنَ ما سَمَّتْهُ ذُرِّيَّتُهُ مِنها.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلَّمَهُ أسْماءَ ما خَلَقَ في الأرْضِ، وقالَ قَوْمٌ: عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِلُغَةٍ واحِدَةٍ، ثُمَّ وقَعَ الِاصْطِلاحُ مِن ذُرِّيَّتِهِ فِيما سِواها، وقالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ عَلَّمَهُ الأسْماءَ بِكُلِّ لُغَةٍ تَكَلَّمَتْ بِها ذُرِّيَّتُهُ.

وقَدْ غَلا قَوْمٌ في هَذا المَعْنى حَتّى حَكى ابْنُ جِنِّيٍّ عن أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ أنَّهُ قالَ: عَلَّمَ اللهُ تَعالى آدَمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى إنَّهُ كانَ يُحْسِنُ مِنَ النَحْوِ مِثْلَ ما أحْسَنَ سِيبَوَيْهِ، ونَحْوُ هَذا مِنَ القَوْلِ الَّذِي هو بَيِّنُ الخَطَأِ مِن جِهاتٍ.

وقالَ أكْثَرُ العُلَماءِ: عَلَّمَهُ تَعالى مَنافِعَ كُلِّ شَيْءٍ ولِما يَصْلُحُ.

وقالَ قَوْمٌ: عَرَضَ عَلَيْهِ الأشْخاصَ عِنْدَ التَعْلِيمِ، وقالَ قَوْمٌ: بَلْ وصَفَها لَهُ دُونَ عَرْضِ أشْخاصٍ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ كُلُّها احْتِمالاتٌ.

قالَ الناسُ بِها.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: "ثُمَّ عَرَضَها"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ ؛ "ثُمَّ عَرَضَهُنَّ".

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ: هَلْ عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصَ الأسْماءِ أوِ الأسْماءَ دُونَ الأشْخاصِ؟

فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأشْخاصَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: عَرَضَ الأسْماءَ، فَمَن قالَ في الأسْماءِ بِعُمُومِ كُلِّ شَيْءٍ قالَ: عَرَضَهم أُمَّةً أُمَّةً، ونَوْعًا نَوْعًا، ومَن قالَ في الأسْماءِ إنَّها التَسْمِياتُ اسْتَقامَ عَلى قِراءَةِ أُبَيٍّ: "عَرَضَها"، ونَقُولُ في قِراءَةِ مَن قَرَأ "عَرَضَهُمْ" إنَّ لَفْظَ الأسْماءِ يَدُلُّ عَلى الأشْخاصِ، فَلِذَلِكَ ساغَ أنْ يَقُولَ لِلْأسْماءِ "عَرَضَهُمْ".

و"أنْبِئُونِي" مَعْناهُ: أخْبِرُونِي، والنَبَأُ: الخَبَرُ، ومِنهُ النَبِيءُ، وقالَ قَوْمٌ: يَخْرُجُ مِن هَذا الأمْرِ بِالإنْباءِ تَكْلِيفُ ما لا يُطاقُ، ويَتَقَرَّرُ جَوازُهُ، لِأنَّهُ تَعالى عَلِمَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وقالَ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ التَأْوِيلِ: لَيْسَ هَذا عَلى جِهَةِ التَكْلِيفِ، وإنَّما هو عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ والتَوْقِيفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "هَؤُلاءِ" ظاهِرُهُ حُضُورُ أشْخاصٍ، وذَلِكَ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ، ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ ما يُوجِبُ أنَّ الِاسْمَ أُرِيدَ بِهِ المُسَمّى، كَما ذَهَبَ إلَيْهِ مَكِّيٌّ والمَهْدَوِيُّ، فَمَن قالَ إنَّهُ تَعالى عَرَضَ عَلى المَلائِكَةِ أشْخاصًا اسْتَقامَ لَهُ مَعَ لَفْظِ "هَؤُلاءِ"، ومَن قالَ إنَّهُ إنَّما عَرَضَ أسْماءً فَقَطْ جَعَلَ الإشارَةَ بـِ "هَؤُلاءِ" إلى أشْخاصِ الأسْماءِ وهي غائِبَةٌ، إذْ قَدْ حَضَرَ ما هو مِنها بِسَبَبٍ، وذَلِكَ أسْماؤُها، وكَأنَّهُ قالَ لَهم في كُلِّ اسْمٍ لِأيِّ شَخْصٍ هَذا؟

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ اللهَ تَعالى عَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ، وعَرَضَ مَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الأجْناسَ أشْخاصًا، ثُمَّ عَرَضَ تِلْكَ عَلى المَلائِكَةِ، وسَألَهم عن تَسْمِياتِها الَّتِي قَدْ تَعَلَّمَها آدَمُ.

ثُمَّ إنَّ آدَمَ قالَ لَهُمْ: هَذا اسْمُهُ كَذا، وهَذا اسْمُهُ كَذا، و"هَؤُلاءِ" لَفْظٌ مَبْنِيٌّ عَلى الكَسْرِ، والقَصْرُ فِيهِ لُغَةُ تَمِيمٍ وبَعْضُ قَيْسٍ وأسَدٍ، قالَ الأعْشى: هَؤُلا ثُمَّ هَؤُلا كُلًّا أُعْطِيـَ ∗∗∗ ـتْ نِعالًا مَحْذُوَّةً بِنِعالِ و"كُنْتُمْ" في مَوْضِعِ الجَزْمِ بِالشَرْطِ، والجَوابُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ فِيما قَبْلَهُ، وعِنْدَ المُبَرِّدِ مَحْذُوفٌ، والتَقْدِيرُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَأنْبِئُونِي.

وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وناسٌ مِن أصْحابِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أنَّ الخَلِيفَةَ يُفْسِدُ ويَسْفِكُ.

وقالَ آخَرُونَ: صادِقِينَ في أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم سَبَّحْتُمْ بِحَمْدِي، وقَدَّسْتُمْ لِي، وقالَ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: رُوِيَ أنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ حِينَ خَلْقَ اللهُ آدَمَ: لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ، فَلَنْ يَخْلُقَ خَلْقًا أعْلَمَ مِنّا، ولا أكْرَمَ عَلَيْهِ، فَأرادَ اللهُ تَعالى أنْ يُرِيَهم مِن عَلْمِ آدَمَ وكَرامَتِهِ خِلافَ ما ظَنُّوا.

فالمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دَعْواكُمُ العِلْمَ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في جَوابِ السُؤالِ، عالِمِينَ بِالأسْماءِ.

قالُوا: وَلِذَلِكَ لَمْ يَسُغْ لِلْمَلائِكَةِ الِاجْتِهادُ، وقالُوا: سُبْحانَكَ.

حَكاهُ النَقّاشُ، قالَ: ولَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمُ الصِدْقَ في الإنْباءِ لَجازَ لَهُمُ الِاجْتِهادُ، كَما جازَ لِلَّذِي أماتَهُ اللهُ مِائَةَ عامٍ، حِينَ قالَ لَهُ: ﴿ كَمْ لَبِثْتَ  ﴾ ، ولَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ الإصابَةَ، فَقالَ ولَمْ يُصِبْ، فَلَمْ يُعَنِّفْ، وهَذا كُلُّهُ مُحْتَمَلٌ، وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ بَعْضَ المُفَسِّرِينَ قالَ: مَعْنى ﴿ إنْ كُنْتُمْ ﴾ : "إذْ كُنْتُمْ"، قالَ الطَبَرِيُّ: وهَذا خَطَأٌ.

وإنْ قالَ قائِلٌ: ما الحِكْمَةُ في قَوْلِ اللهِ تَعالى لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ إنِّي جاعِلٌ ﴾ الآيَةُ؟

قِيلَ: هَذا امْتِحانٌ لَهم واخْتِبارٌ، لِيَقَعَ مِنهم ما وقَعَ، ويُؤَدِّبَهم تَعالى مِن تَعْلِيمِ آدَمَ وتَكْرِيمِهِ بِما أدَّبَ.

و"سُبْحانَكَ" نُصِبَ عَلى المَصْدَرِ، وقالَ الكِسائِيُّ: نَصَبَهُ عَلى أنَّهُ مُنادى مُضافٌ.

قالَ الزَهْراوِيُّ: مَوْضِعَ "ما" مِن قَوْلِهِمْ: ﴿ ما عَلَّمْتَنا ﴾ نُصِبَ بـِ "عَلَّمْتَنا"، وخَبَرُ التَبْرِئَةِ في "لَنا".

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَوْضِعُ "ما" رَفْعًا عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن خَبَرِ التَبْرِئَةِ، كَما تَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللهُ، أيْ: لا إلَهَ في الوُجُودِ إلّا اللهُ.

و"أنْتَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ في "إنَّكَ"، أو في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و"العَلِيمُ" خَبَرُهُ، والجُمْلَةُ خَبَرُ "إنَّ"، أو فاصِلَةٌ، لا مَوْضِعَ لَها مِنَ الإعْرابِ، و"العَلِيمُ" مَعْناهُ العالِمُ، ويَزِيدُ عَلَيْهِ مَعْنًى مِنَ المُبالَغَةِ والتَكْثِيرِ مِنَ المَعْلُوماتِ في حَقِّ اللهِ عَزَّ وجَلَّ، و"الحَكِيمُ" مَعْناهُ: الحاكِمُ وبَيْنَهُما مَزِيَّةُ المُبالَغَةِ، وقِيلَ: مَعْناهُ المُحْكَمُ، كَما قالَ عَمْرُو بْنُ مَعْدِي كَرِبَ: أمِن رَيْحانَةَ الداعِي السَمِيعُ أيِ: المُسْمِعُ، ويَجِيءُ الكَلامُ عَلى هَذا مِن صِفاتِ الفِعْلِ، وقالَ قَوْمٌ: الحَكِيمُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ: حَكَمَةُ الفَرَسِ مانِعَتُهُ: وَمِنهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: أبْنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكم أنْ أغْضَبا <div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ .

معطوف على قوله: ﴿ قال إني أعلم م لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30] عطف حكاية الدليل التفصيلي على حكاية الاستدلال الإجمالي الذي اقتضاه قوله: ﴿ إني أعلم ما لا تعلموت ﴾ فإن تعليم آدم الأسماء وإظهار فضيلته بقبوله لهذا التعليم دون الملائكة جعله الله حجة على قوله لهم ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون أي ما لا تعلمون ﴾ من جدارة هذا المخلوق بالخلافة في الأرض، وعطف ذكر آدم بعد ذكر مقالة الله للملائكة وذكر محاورتهم يدل على أن هذا الخليفة هو آدم وأن آدم اسم لذلك الخليفة وهذا الأسلوب من بديع الإجمالي والتفصيل والإيجاز كما قال النابغة: فقلت لهم لا أعرفن عقائلا *** رعابيب من جنبي أريك وعاقل الأبيات.

ثم قال بعدها: وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي *** على وعل في ذي المطارة عاقل مخافة عمرو أن تكون جياده *** يقدن إلينا بين حاففٍ وناعل فدل على أن ما ذكره سالفاً من العقائل التي بين أريك وعاقل ومن الأنعام المغتنمة هو ما يتوقع من عزو عمرو بن الحرث الغساني ديار بني عوف من قومه.

وآدم اسم الإنسان الأول أبي البشر في لغة العرب وقيل منقول من العبرانية لأن أداماً بالعبرانية بمعنى الأرض وهو قريب لأن التوراة تكلمت على خلق آدم وأطالت في أحواله فلا يبعد أن يكون اسم أبي البشر قد اشتهر عند العرب من اليهود وسماع حكاياتهم، ويجوز أن يكون هذا الاسم عرف عند العرب والعبرانيين معاً من أصل اللغات السامية فاتفقت عليه فروعها.

وقد سمي في سفر التكوين من التوراة بهذا الاسم آدم ووقع في «دائرة المعارف العربية» أن آدم سمى نفسه إيش (أي ذا مقتني) وترجمته إنسان أو قرء.

قلت ولعله تحريف (إيث) كما ستعلمه عند قوله تعالى: ﴿ اسكن أنت وزوجك الجنة ﴾ [البقرة: 35].

وللإنسان الأول أسماء أُخر في لغات الأمم وقد سماه الفرس القدماء «كيومرتْ» بفتح الكاف في أوله وبتاء مثناة فوقية في آخره، ويسمى أيضاً «كيامَرِتن» بألف عوق الواو وبكسر الراء وبنون بعد المثناة الفوقية، قالوا إنه مكث في الجنة ثلاثة آلاف سنة ثم هبط إلى الأرض فعاش في الأرض ثلاثة آلاف سنة أخرى، واسمه في العبرانية (آدم) كما سمي في التوراة وانتقل هذا الاسم إلى اللغات الأفرنجية من كتب الديانة المسيحية فسموه (آدام) بإشباع الدال، فهو اسم على وزن فَاعَل صيغ كذلك اعتباطاً وقد جمع على أوادم بوزن فَواعل كما جمع خَاتَم وهذا الذي يشير إليه صاحب «الكشاف» وجعل محاولة اشتقاقه كمحاولة اشتقاق يعقوب من العقب وإبليس من الإبلاس ونحو ذلك أي هي محاولة ضئيلة وهو الحق.

وقال الجوهري أصله أَأْدم بهمزتين على وزن أفْعَل من الأدمة وهي لون السمرة فقلبت ثانية الهمزتين مَدة ويبعده الجمع وإن أمكن تأويله بأن أصله أَأَادم فقلبت الهمزة الثانية في الجمع واواً لأنها ليس لها أصل كما أجاب به الجوهري.

ولعل اشتقاق اسم لَون الأدمة من اسم آدم أقرب من العكس.

والأسماء جمع اسم وهو في اللغة لفظ يدل على معنى يفهمه ذهن السامع فيختص بالألفاظ سواء كان مدلولها ذاتاً وهو الأصل الأول، أو صفة أو فعلاً فيما طرأ على البشر الاحتياج إليه في استعانة بعضهم ببعض فحصل من ذلك ألفاظ مفردة أو مركبة وذلك هو معنى الاسم عرفا إذ لم يقع نقل.

فما قيل إن الاسم يطلق على ما يدل على الشيء سواء كان لفظه أو صفتَه أو فعلَه توهم في اللغة.

ولعلهم تطوحوا به إلى أن اشتقاقه من السمة وهي العلامة، وذلك على تسليمه لا يقتضي أن يبقى مساوياً لأصل اشتقاقه.

وقد قيل هو مشتق من السمو لأنه لما دل على الذات فقد أبرزها.

وقيل مشتق من الوَسم لأنه سمة على المدلول.

والأظهر أنه مشتق من السُّمُو وأن وزنه سِمْو بكسر السين وسكون الميم لأنهم جمعوه على أسماء ولولا أن أصله سِمْو لما كان وجه لزيادة الهمزة في آخره فإنها مبدلة عن الواو في الطرف إثر ألف زائدة ولكانوا جمعوه على أوْسام.

والظاهر أن الأسماء التي عُلمها آدم هي ألفاظ تدل على ذوات الأشياء التي يحتاج نوع الإنسان إلى التعبير عنها لحاجته إلى ندائها، أو استحضارها، أو إفادة حصول بعضها مع بعض، وهي أي الإفادة ما نسميه اليوم بالأخبار أو التوصيف فيظهر أن المراد بالأسماء ابتداءً أسماءُ الذوات من الموجودات مثل الأعلام الشخصية وأسماء الأجناس من الحيوان والنبات والحجر والكواكب مما يقع عليه نظر الإنسان ابتداء مثل اسم جَنة، وملك، وآدم، وحواء، وإبليس، وشجرة وثمرة، ونجد ذلك بحسب اللغة البشرية الأولى ولذلك نرجح أن لا يكون فيما عُلمه آدم ابتداء شيء من أسماء المعاني والأحداث ثم طرأت بعد ذلك فكان إذا أراد أن يخبر عن حصول حدَث أو أمر معنوي لذات، قَرَن بين اسم الذات واسم الحدث نحو ماءْ بَرْدْ أي ماء بارد ثم طرأ وضع الأفعال والأوصاف بعد ذلك فقال الماءْ باردْ أو بَرَد الماء، وهذا يرجح أن أصل الاشتقاق هو المصادر لا الأفعال لأن المصادر صنف دقيق من نوع الأسماء وقد دلنا على هذا قوله تعالى: ﴿ ثم عرضهم ﴾ كما سيأتي.

والتعريف في (الأسماء) تعريف الجنس أريد منه الاستغراق للدلالة على أنه عَلَّمه جميع أسماء الأشياء المعروفة يومئذٍ في ذلك العالم فهو استغراق عرفي مثل جمَمَع الأمير الصاغَةَ أي صاغة أَرضه، وهو الظاهر لأنه المقدار الذي تظهر به الفضيلة فما زاد عليه لا يليق تعليمُه بالحكمة وقدرةُ الله صالحة لذلك.

وتعريف الأسماء يفيد أن الله علم آدم كل اسم ما هُو مسماه ومدلوله، والإتيان بالجمع هنا متعين إذ لا يستقيم أن يقول وعلم آدم الاسم، وما شاع من أن استغراق المفرد أشمل من استغراق الجمع في المعرف باللام كلامٌ غير محرر، وأصله مأخوذ من كلام السكاكي وسنحققه عند قوله تعالى: ﴿ ولكنَّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتابِ ﴾ [البقرة: 177] في هذ السورة.

و ﴿ كلَّها ﴾ تأكيد لمعنى الاستغراق لئِلا يتوهم منه العهد فلم تزد كلمة كل العمومَ شمولاً ولكنها دفعت عنه الاحتمال.

(وكُل) اسم دال على الشمول والإحاطة فيما أضيف هو إليه وأكثر ما يَجئ مضافاً إلى ضمير ما قبله فيُعرب توكيداً تابعاً لما قبله ويكون أيضاً مسْتقلاً بالإعراب إذا لم يقصد التوكيد بل قُصدت الإحاطة وهو ملازم للإضافة لفظاً أو تقديراً فإذا لم يذكر المضاف إليه عُوض عنه التنوين ولكونه ملازماً للإضافة يعتبر معرفة بالإضافة فلا تدخل عليه لام التعريف.

وتعليم الله تعالى آدمَ الأسماء إما بطريقة التلقين بعرض المسمى عليه فإذا أراه لُقن اسمه بصوت مخلوق يسمعه فيعلم أن ذلك اللفظ دال على تلك الذات بعلم ضروري، أو يكون التعليم بإلقاء علم ضروري في نفس آدم بحيث يخطر في ذهنه اسم شيء عند ما يعرض عليه فيضع له اسماً بأنْ ألهمه وضع الأسماء للأشياء ليمكنه أن يفيدها غيره وذلك بأن خلق قوةَ النطق فيه وجعله قادراً على وضع اللغة كما قال تعالى: ﴿ خلق الإنسان علمه البيان ﴾ [الرحمن: 2، 3] وجميع ذلك تعليم إذ التعليم مصدر علَّمه إذا جعله ذَا علم مثل أدَّبه فلا ينحصر في التلقين وإِنْ تبادَر فيه عرفاً.

وأيَّاً ما كانت كيفية التعليم فقد كان سبباً لتفضيل الإنسان على بقية أنواع جنسه بقوة النطق وإحداث الموضوعات اللغوية للتعبير عما في الضمير.

وكان ذلك أيضاً سبباً لتفاضل أفراد الإنسان بعضهم على بعض بما ينشأ عن النطق من استفادة المجهول من المعلوم وهو مبدأ العلوم، فالإنسان لما خُلق ناطقاً معبراً عما في ضميره فقد خُلق مدركاً أي عالماً وقد خلق معلماً، وهذا أصل نشأة العلوم والقوانين وتفاريعها لأنك إذا نظرت إلى المعارف كلها وجدتها وضع أسماء لمسميات وتعريفَ معاني تلك الأسماء وتحديدها لتسهيل إيصال ما يحصل في الذهن إلى ذهن الغير.

وكلا الأمرين قد حُرِمه بقية أنواع الحيوان، فلذلك لم تتفاضل أفراده إلا تفاضلاً ضعيفاً بحسن الصورة أو قوة المنفعة أو قلة العجمة بلْهَ بقية الأجناس كالنبات والمعدن.

وبهذا تعلم أن العبرة في تعليم الله تعالى آدم الأسماء حاصلة سواء كان الذي علَّمه إياه أسماءَ الموجودات يومئذٍ أو أسماء كل ما سيوجد، وسواء كان ذلك بلغة واحدة هي التي ابتدأَ بها نطق البشر منذ ذلك التعليم أم كان بجميع اللغات التي ستنطق بها ذرياته من الأمم، وسواء كانت الأسماء أسماء الذوات فقط أو أسماء المعاني والصفات، وسواء كان المراد من الأسماء الألفاظَ الدالة على المعاني أو كل دال على شيء لفظاً كان أو غيره من خصائص الأشياء وصفاتها وأفعالها كما تقدم إذ محاولة تحقيق ذلك لا طائل تحته في تفسير القرآن.

ولعل كثيراً من المفسرين قد هان عندهم أن يكون تفضيل آدم بتعليم الله متعلقاً بمعرفة عدد من الألفاظ الدالة على المعاني الموجودة فراموا تعظيم هذا التعليم بتوسيعه وغفلوا عن موقع العبرة ومِلاككِ الفضيلة وهو إيجاد هاته القوة العظيمة التي كان أولها تعليم تلك الأسماء، ولذلك كان إظهار عجز الملائكة عن لحاق هذا الشأو بعدم تعليمهم لشيء من الأسماء، ولو كانت المزية والتفاضل في تعليم آدم جميع ما سيكون من الأسماء في اللغات لكفى في إظهار عجز الملائكة عدم تعليمهم لجمهرة الأسماء وإنما علم آدم أسماء الموجودات يومئذٍ كلها ليكون إنباؤه الملائكة بها أبهر لهم في فضيلته.

وليس في هذه الآية دليل على أن اللغات توقيفية أي لَقَّنَها الله تعالى البشر على لسان آدم ولا على عدمه لأن طريقة التعليم في قوله تعالى: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ مجملة محتملة لكيفيات كما قدمناه.

والناس متفقون على أن القدرة عليها إلهام من الله وذلك تعليم منه سواء لقن آدم لغة واحدة أو جميع لغات البشر وأسماء كل شيء أو ألهمه ذلك أو خلق له القوة الناطقة، والمسألة مفروضة في علم الله وفي أصول الفقه وفيها أقوال ولا أثر لهذا الاختلاف لا في الفقه ولا في غيره قال المازري «إلا في جواز قلب اللغة والحق أن قلب الألفاظ الشرعية حرام وغيره جائز» ولقد أصاب المازري وأخطأ كل من رام أن يجعل لهذا الخلاف ثمرة غير ما ذكر، وفي استقراء ذلك ورده طول، وأمره لا يخفى عن سالمي العقول.

﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الملائكة فَقَالَ أَنبِئُونِى بِأَسْمَآءِ هؤلاء إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ .

قيل عطفه بثم لأن بين ابتداء التعليم وبين العرض مهلة وهي مدة تلقين الأسماء لآدم أو مدة إلهامه وضع الأسماء للمسميات.

والأظهر أن (ثم) هنا للتراخي الرتبي كشأنها في عطفها الجمل لأن رتبة هذا العرض وظهور عدم علم الملائكة وظهور علم آدم وظهور أثر علم الله وحكمته كل ذلك أرفع رتبة في إظهار مزية آدم واستحقاقه الخلافة، من رتبة مجرد تعلمه الأسماء لو بقي غير متصل به ما حدث من الحادثة كلها.

ولما كان مفهوم لفظ (اسم) من المفهومات الإضافية التي يتوقف تعقلها على تعقل غيرها إذ الاسم لا يكون إلا لمسمى كان ذكر الأسماء مشعراً لا محالة بالمسميات فجاز للبليغ أن يعتمد على ذلك ويحذف لفظ المسميات إيجازاً.

وضمير ﴿ عرضهم ﴾ للمسميات لأنها التي تعرض بقرينة قوله: ﴿ أنيئوني بأسماء هؤلاء ﴾ وبقرينة قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ ، فإن الاسم يقتضي مسمى وهذا من إيجاز الحذف وأما الأسماء فلا تعرض لأن العرض إظهار الذات بعد خفائها ومنه عرض الشيء للبيع ويوم العرض والألفاظ لا تظهر فتعين أن المعروض مدلولات الأسماء إما بأن تعرض صور من الذوات فقط ويسأل عن معرفة أسمائها أي معرفة الألفاظ الدالة عليها، أو عن بيان مواهيها وخصائصها وإما بأن تعرض الذوات والمعاني بخلق أشكال دالة على المعاني كعرض الشجاعة في صورة فعل صاحبها والعلم في صورة إفاضة العالم في درسه أو تحريره كما نرى في الصور المنحوتة أو المدهونة للمعاني المعقولة عند اليونان والرومان والفرس والصور الذهنية عند الإفرنج، بحيث يجد الملائكة عند مشاهدة تلك الهيئة أن المعروض معنى شجاعة أو معنى علم ويقرب ذلك ما يحصل في المرائي الحلمية.

والحاصل أن الحال المذكورة في الآية حالة عالم أوسع من عالم المحسوسات والمادة.

وإعادة ضمير المذكر العاقل على المسميات في قوله: ﴿ عرضهم ﴾ للتغليب لأن أشرف المعروضات ذوات العقلاء وصفاتهم على أن ورود مثله بالألفاظ التي أصلها للعقلاء طريقة عربية نحو قوله تعالى: ﴿ إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤلاً ﴾ [الإسراء: 36].

والداعي إلى هذا أن يعلم ابتداء أن المعروض غير الأسماء حتى لا يضل فهم السامع قبل سماع قرينة ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء ﴾ .

وقوله تعالى: ﴿ فقال أنبئوني ﴾ تفريع على العرض وقرن بالفاء لذلك.

والأمر في قوله: ﴿ أنبئوني ﴾ أمر نعجيز بقرينة كون المأمور يعلم أن الآمر عالم بذلك فليس هذا من التكليف بالمحال كما ظنه بعض المفسرين.

واستعمال صيغة الأمر في التعجيز مجاز، ثم إن ذلك المعنى المجازي يستلزم علم الآمر بعجز المأمور وذلك يستلزم علم الآمر بالمأمور به.

والإنباء الإخبار بالنبأ وهو الخبر ذو الفائدة العظيمة والأهمية بحيث يحرص السامعون على اكتسابه، ولذلك تضمن الإنباء معنى الإعلام لأن المخبر به يعد مما يعلم ويعتقد بوجه أخص من اعتقاد مطلق الخبر فهو أخص من الخبر.

وقوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم: ﴿ ونحن نسبح ﴾ الخ تعريضاً بأنهم أحقاء بذلك، أو أراد إن كنتم صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه قولهم: ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ [البقرة: 30] كان قولهم: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ﴾ [البقرة: 30] لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه.

ووجه الملازمة بين الإنباء بالأسماء وبين صدقهم فيما ادعوه التي اقتضاها ربط الجزاء بالشرط أن العلم بالأسماء عبارة عن القوة الناطقة الصالحة لاستفادة المعارف وإفادتها، أو عبارة عن معرفة حقائق الأشياء وخصائصها، أو عبارة عن معرفة أسماء الذوات والمعاني، وكل ذلك يستلزم ثبوت العالمية بالفعل أو بالقوة، وصاحب هذا الوصف هو الجدير بالاستخلاف في العالم لأن وظيفة هذا الاستخلاف تدبير وإرشاد وهدى ووضع الأشياء مواضعها دون احتياج إلى التوقيف في غالب التصرفات، وكل ذلك محتاج إلى القوة الناطقة أو فروعها، والقوى الملكية على شرفها إنما تصلح لأعمال معينة قد سخرت لها لا تعدوها ولا تتصرف فيها بالتحليل والتركيب، وما يذكر من تنوع تصرفها وصواب أعمالها إنما هو من توجيه الله تعالى إياها وتلقينه المعبر عنه بالتسخير، وبذلك ظهر وجه ارتباط الأمر بالإنباء بهذا الشرط وقد تحير فيه كثير.

وإذا انتفى الإنباء انتفى كونهم صادقين في إنكارهم خلافة آدم، فإن كان محل الصدق هو دعواهم أنهم أجدر فقد ثبت عدمها، وإن كان محل التصديق هو دعواهم أن البشر غير صالح للاستخلاف فانتفاء الإنباء لا يدل على انتفاء دعواهم ولكنه تمهيد له لأن بعده إنباء آدم بالأسماء لأن المقام مؤذن بأنهم لما أمروا أمر تعجيز وجعل المأمور به دلالة على الصدق كان وراء ذلك إنباء آخر مترقباً من الذي طعنوا في جدارته ويدل لذلك أيضاً قوله تعالى لهم: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ [البقرة: 30].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ﴾ في تَسْمِيَتِهِ بِآدَمَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، وأدِيمُها هو وجْهُها الظّاهِرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ، قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، جاءَ مِنهُمُ الأحْمَرُ، والأسْوَدُ، والأبْيَضُ، والسَّهْلُ، والخَبِيثُ، والطَّيِّبُ» .

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ.

وَفي الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ تَعالى آدَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أسْماءُ المَلائِكَةِ.

والثّانِي: أسْماءُ ذُرِّيَّتِهِ.

والثّالِثُ: أسْماءُ جَمِيعِ الأشْياءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما كانَ مَقْصُورًا عَلى الِاسْمِ دُونَ المَعْنى.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ الأسْماءَ ومَعانِيَها، إذْ لا فائِدَةَ في عِلْمِ الأسْماءِ بِلا مَعانِيَ، فَتَكُونُ المَعانِي هي المَقْصُودَةُ، والأسْماءُ دَلائِلُ عَلَيْها.

وَإذا قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما كانَ مَقْصُورًا عَلى ألْفاظِ الأسْماءِ دُونَ مَعانِيها، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَّمَهُ إيّاها بِاللُّغَةِ الَّتِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِها.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ بِجَمِيعِ اللُّغاتِ، وعَلَّمَها آدَمُ ولَدَهُ، فَلَمّا تَفَرَّقُوا تَكَلَّمَ كُلُّ قَوْمٍ مِنهم بِلِسانٍ اسْتَسْهَلُوهُ مِنها وألِفُوهُ، ثُمَّ نَسُوا غَيْرَهُ فَتَطاوَلَ الزَّمَنُ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم أصْبَحُوا وكُلٌّ مِنهم يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ قَدْ نَسُوا غَيْرَها في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، ومِثْلُ هَذا في العُرْفِ مُمْتَنِعٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ وفِيما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الأسْماءَ دُونَ المُسَمَّياتِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ المُسَمَّيْنَ بِها.

وَفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( وعَرَضَهُنَّ ) وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: ( وعَرَضَها ) فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ.

ثُمَّ في زَمانِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم.

والثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ عَرَضَهم قَبْلَ خَلْقِهِمْ.

﴿ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ومَعْنى أنْبِئُونِي خَبِّرُونِي مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْباءِ، وفي الإنْباءِ قَوْلانِ: أظْهَرُهُما: أنَّهُ الإخْبارُ، والنَّبَأُ الخَبَرُ، والنَّبِيءُ بِالهَمْزِ مُشْتَقٌّ مِن هَذا.

والثّانِي: أنَّ الإنْباءَ الإعْلامُ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الإخْبارِ مَجازًا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ بِأسْماءِ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي الأسْماءَ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ; لِأنَّهُ هَجَسَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم أعْلَمُ مِن غَيْرِهِمْ.

والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما زَعَمْتُمْ أنَّ خُلَفائِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ.

والثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم فِيها سَبَّحْتُمُونِي وقَدَّسْتُمُونِي، فَإنِ اسْتَخْلَفْتُ غَيْرَكم فِيها عَصانِي.

والرّابِعُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما وقَعَ في نُفُوسِكُمْ، أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أفْضَلَ مِنهُ.

والخامِسُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ عالِمِينَ.

والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ العَلِيمُ: هو العالِمُ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وفي (الحَكِيمِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُحْكِمُ لِأفْعالِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ حَكَمَةُ اللِّجامِ، لِأنَّها تَمْنَعُ الفَرَسَ مِنَ الجَرْيِ الشَّدِيدِ، وقالَ جَرِيرٌ: أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا أيِ امْنَعُوهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُصِيبُ لِلْحَقِّ، ومِنهُ سُمِّيَ القاضِي حاكِمًا، لِأنَّهُ يُصِيبُ الحَقَّ في قَضائِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ : ما تُبْدُونَ هو قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ ، وفي ﴿ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ والعِصْيانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي كَتَمُوهُ: ما أضْمَرُوهُ في أنْفُسِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا إلّا كانُوا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن سعد جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، الحمرة.

والبياض، والسواد، وكذلك ألوان الناس مختلفتة فيها الأحمر، والأبيض، والأسود، والطيب، والخبيث.

وأخرج عبد بن حميد عن أبن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الأرض.

من طينة حمراء، وبيضاء، وسوداء.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: أتدرون لم سمي آدم؟

لأنه خلق من أديم الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علمه اسم الصفحة، والقدر، وكل شيء، حتى الفسوة والفسية.

وأخرج وكيع وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علمه اسم كل شيء.

حتى علمه القصعة والقصيعة، والفسوة والفسية.

وأخرج وكيع وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علمه اسم كل شيء، حتى البعير، والبقرة والشاة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: ما خلق الله.

وأخرج الديلمي عن أبي رافع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كما علم آدم الأسماء كلها» .

وأخرج وكيع في تاريخه وابن عساكر والديلمي عن عطية بن يسر مرفوعاً.

في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: «علم الله في تلك الأسماء ألف حرفة من الحرف وقال له: قل لولديك وذريتك يا آدم إن لم تصبروا عن الدنيا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين فإن الدين لي وحدي خالصاً.

ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: أسماء ذريته أجمعين ﴿ ثم عرضهم ﴾ قال: أخذهم من ظهره.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ قال: أسماء الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه، ثم قال ما لم تعلم الملائكة فسمى كل شيء باسمه، وألجأ كل شيء إلى جنسه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ قال: علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس.

انسان، ودابة، وأرض وبحر، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ﴿ ثم عرضهم على الملائكة ﴾ يعني عرض أسماء جميع الأشياء التي علمها آدم من أصناف الخلق ﴿ فقال أنبئوني ﴾ يقول: أخبروني ﴿ بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة ﴿ قالوا سبحانك ﴾ تنزيهاً لله من أن يكون يعلم الغيب أحد غيره تبنا إليك ﴿ لا علم لنا ﴾ تبرياً منهم من علم الغيب ﴿ إلا ما علمتنا ﴾ كما علمت آدم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم عرضهم ﴾ قال: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم منا.

فابتلوا بخلق آدم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن قالا: لما أخذ الله في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهما فقالوا: لن يخلق الله خلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.

فلما خلقه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا..

ففضله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه فقالوا: إن لم نكن خيراً منه فنحن أعلم منه لأنا كنا قبله ﴿ فعلم آدم الأسماء كلها ﴾ فعلم اسم كل شيء.

جعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضوا عليه أمة ﴿ ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ ففزعوا إلى التوبة فقالوا ﴿ سبحانك لا علم لنا....

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ قال: العلم الذي قد كمل في علمه ﴿ والحكيم ﴾ الذي قد كمل في حكمه.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ قال: إن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.

وفي قوله: ﴿ وأعلم ما تبدون ﴾ قال: قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها...،....

وما كنتم تكتمون ﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ﴾ قال: ما أسر إبليس من الكفر في السجود.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأعلم ما تبدون ﴾ قال: ما تظهرون ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ يقول: اعلم السر كما أعلم العلانية.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ما تبدون ﴾ يعني قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ يعني قول بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مهدي بن ميمون قال: سمعت الحسن.

وسأله الحسن بن دينار فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله للملائكة ﴿ وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ﴾ ما الذي كتمت الملائكة؟

قال: إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجباً فكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال: ثم أقبل بعضهم على بعض فأسروا ذلك بينهم فقال بعضهم لبعض: ما الذي يهمكم من هذا الخلق؟

إن الله لا يخلق خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه.

فذلك الذي كتمت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ الآية.

قال ابن عباس والحسن وقتادة: لما قال الله عز وجل للملائكة: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ قالوا فيما بينهم: ليخلق ربنا ما شاء، فلن يخلق خلقًا أفضل ولا أكرم عليه منا، وإن كان خيرًا منا فنحن أعلم منه، لأنا خلقنا قبله ورأينا ما لم يره، فلما أعجبوا بعلمهم، فضل الله عز وجل آدم عليهم بالعلم فعلمه الأسماء كلها (١) ووجه تعليمه آدم: أن خلق في قلبه علماً بالأسماء على سبيل الابتداء، وألهمه (٢) (٣) وأما (آدم) فقال ابن عباس: إنما سمي آدم، لأنه خلق من أديم الأرض (٤) ومثل هذا قال أهل اللغة فيما حكا الزجاج عنهم، قال: يقول أهل اللغة في آدم: إن اشتقاقه من أديم الأرض، لأنه خلق من تراب، وأديم الأرض: وجهها (٥) (٦) (٧) أبو عبيد عن الفراء قال: الأُدمة في الناس شُرْبة من سواد، وفي الإبل والظباء بياض، يقال: ظبية (٨) (٩) (١٠) مِنَ المؤْلِفَاتِ الرَّمْلَ أَدْمَاءُ حُرَّةٌ ...

شُعَاعُ الضُّحَى في مَتْنِهَا يَتَوَضَّحُ (١١) وقال الأعشى في الناقة: فَقُلْتُ لَهُ هذه هَاتِهَا ...

بِأَدْمَاءَ في حَبْلِ مُقْتَادِهَا (١٢) (١٣) واختلف في هذه الأسماء التي علمها الله آدم، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: علمه اسم كل شيء حتى القصعة والمغرفة (١٤) وظاهر اللفظ يدل على هذا، وعلى أنه علمه جميع اللغات، لأنه قال: الأسماء كلها، فيما وقع عليه الاسم بأي لغة كان داخل تحت هذا الإطلاق (١٥) (١٦) (١٧) وقال الزجاجي في قوله: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ﴾ : الأسماء (١٨) (١٩) ومنها: أسماء المعاني، وهي (٢٠) (٢١) ومنها: أسماء الألقاب، نحو: زيد وعمرو فيمن يعقل، وفيما لا يعقل نحو: يحموم وسكاب وداحس (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) ومنها: أسماء الأزمنة، كاليوم والليلة، والساعة وغد، وأمس.

ومنها: أسماء الأمكنة، وهي الجهات الست، نحو: قدام وخلف وفوق وتحت ويمنة ويسرة.

ومنها: أسماء الفاعلين نحو: الضارب والقاتل والآكل والشارب.

ومنها: أسماء المفعولين نحو: المضروب والمقتول.

ومنها: أسماء الحلي والشيات نحو: الأحمر والأصفر والأعرج والأحدب وما يجري مجراها.

ومنها: أسماء المكاني (٢٦) (٢٧) (٢٨) والقسم العاشر خاص للعرب وهو أسماء الأفعال نحو قولهم: (صه) هو اسم موضوع لقولك (٢٩) (٣٠) وكل هذه الأسماء، [قصد واضع اللغة فيها إلى أن يجريها على مسمياتها لمعان يتضمنها، إلا (٣١) (٣٢) ولما صدقت العناية ببعض الأسماء دون بعض، أدرك معاني بعضها وموضوعه وحقيقته ومجازه وأصله وفرعه، وما لم يصدق (٣٣) (٣٤) وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾ .

يقال (٣٥) (٣٦) الليث: ويقال: أعرض الشيء أي: بدا وظهر، وأنشد: إِذَا أَعْرَضَت (٣٧) (٣٨) (٣٩) أي بدت (٤٠) وقال الفراء في قوله تعالى: ﴿ وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (100)  ﴾ ، أي أبرزناها حتى رأوها.

قالوا (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) فإن قيل: فلم قال: ﴿ عَرَضَهُمْ ﴾ فجمع الكناية وهي عائدة على (٤٥) فالجواب ما قال مقاتل: وهو أن الله تعالى خلق كل شيء، الحيوان والجماد ثم علم آدم أسماءها، ثم عرض تلك الشخوص الموجودات على الملائكة (٤٦) ﴿ هُمْ ﴾ لأن فيها ما يعقل من الجن والإنس والملائكة، فالعرض يعود إلى المسميات] (٤٧) (٤٨) وقال ابن زيد: علمه أسماء ذريته (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي ﴾ .

أمر تعجيز (٥٠) ﴿ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ  ﴾ أراد الله تعالى أن يبين عجزهم (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) (٥٥) وقوله تعالى: ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ .

أي: إن صدقتم أن الخليفة الذي أجعله في الأرض يفسد فيها ويسفك الدماء قاله ابن عباس، [وناس من الصحابة] (٥٦) وقال الحسن: إن كنتم صادقين أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم وأفضل منه، وكذلك قال قتادة (٥٧) (١) ذكره الثعلبي، وقال: وهذا معنى قول ابن عباس والحسن وقتادة، "تفسير الثعلبي" 1/ 61 ب.

وأخرج الطبري في "تفسيره" نحوه عن قتادة والحسن 1/ 256.

وأخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن قتادة والحسن نحوه 1/ 77.

وانظر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 76، "الدر" 1/ 101.

(٢) في (ب): (بالقاء).

(٣) (التعبير بـ (خلق) يوحي بما يذهب إليه الأشاعرة من القول بأزلية الصفات، ونفي ما يتعلق منها بمشيئة الله، ونفي أن الله متصف بالصفات الفعلية فيتكلم إذا شاء متى شاء، ويعلم عباده متى شاء.

والله سبحانه أخبر أنه علم آدم الأسماء، فما المخول لتأويل ذلك بالخلق أو بالإلهام، قال ابن عطية.

تعليم آدم عند قوم إلهام علمه ضرورة.

وقال قوم: تعليم بقول، إما بواسطة ملك، أو بتكليم قبل هبوطه ...) "تفسير ابن عطية" 1/ 233.

قال أبو حيان -بعد أن ذكر الأقوال في هذا-: (أظهرها أن الباري تعالى هو المعلم لا بواسطة ولا إلهام) "البحر" 1/ 145.

وهذا هو الموافق لنص الآية.

(٤) أخرجه الطبري في "تفسيره" قال شاكر: إسناده صحيح 1/ 480 (ط.

شاكر)، وأخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" بسند صحيح، كذا قال المحقق 1/ 297، وذكره السيوطي في "الدر"، وعزاه إلى الفريابي، وابن سعد، وابن جرير وابن حاتم، والحاكم، والبيهقي في "الأسماء والصفات".

انظر: "الدر" 1/ 100.

(٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، وانظر "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134.

(٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٧) ونحوه قال الزجاج، انظر "تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80.

(٨) في (ب): (صبية).

(٩) في (ب): (يسمع).

(١٠) الكلام في "تهذيب اللغة" منسوب لليث، وكلام أبي عبيد عن الفراء قال: الأدمة: الوسيلة إلى الشيء، يقال: فلان أدمتي إليك أي: وسيلتي.

"التهذيب" (أدم) 1/ 134.

(١١) المُؤْلِفَات: التي اتخذت الرمال إلفا، يتوضح: يبرق، والبيت في وصف الظباء.

ورد في "الكامل" 2/ 303.

"تهذيب اللغة" (أدم) 1/ 134، "مقاييس اللغة" (ألف) 1/ 131، "اللسان" (أدم) 1/ 46، "ديوان ذي الرمة" 2/ 1197.

(١٢) قاله يخاطب خمارًا، يقول: هات الخمر بناقة برمتها، والأدماء: الناقة صادقة البياض سوداء الأشفار.

ورد البيت في "التهذيب" (رم) 2/ 1474، "مقاييس اللغة" (رم) 2/ 379، "اللسان" (رمم) 3/ 1736، "ديوان الأعشى": ص 58، وفيه (فقلنا) بدل (فقلت).

(١٣) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 63 أ، "تفسير القرطبي" 1/ 240، "زاد المسير" 1/ 62، والراجح: أن آدم مشتق من (أديم الأرض) كما هو قول ابن عباس، وقول أئمة اللغة كما سبق.

انظر: "الطبري" 1/ 214، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 80، "تهذيب اللغة" 1/ 134، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 240.

(١٤) انظر أقوالهم في "تفسير الطبري" 1/ 215 - 217، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 80، والثعلبي 1/ 62 أ، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 234، "تفسير ابن كثير" 1/ 78.

(١٥) وهذا ما رجحه ابن كثير حيث قال: (والصحيح أنه علمه أسماء الأشياء كلها ذواتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية، يعني أسماء الذوات والأفعال المكبر والمصغر ..) واستدل ابن كثير على هذا بالحديث الذي أخرجه البخاري وفيه: "فيأتون آدم فيقولون له: أنت أبو الناس، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء ..

" "تفسير ابن كثير" 1/ 78.

أما ابن جرير "الطبري" فرجح أن المراد: أسماء ذريته وأسماء الملائكة دون أساء سائر أجناس الخلق، واستدل على هذا بقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ﴾ وبأن العرب لا تكاد تكني بالهاء والميم إلا عن أسماء بني آدم والملائكة، أما إذا كنت عن أسماء البهائم وسائر الخلق سوى من ذكر فإنها تكنى عنها بالهاء والألف، أو بالهاء والنون فتقول: (عرضهن) أو (عرضها)، انظر "تفسير الطبري" 1/ 216.

وقد رد ابن كثير هذا الاحتجاج وقال: ليس بلازم، فإنه لا ينفي أن يدخل معهم غيرهم ويعبر عن الجميع بصيغة من يعقل للتغليب.

ابن كثير في "تفسيره" 1/ 78، وانظر "تفسير أبي الليث" 1/ 108 - 109، "البيان" 1/ 72، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 241 - 242.

(١٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

حول هذا المعنى انظر "تفسير ابن عطية" 1/ 234 - 235، والبغوي في "تفسيره" 1/ 80، "القرطبي" في "تفسيره" 1/ 242 - 243، "البحر" 1/ 145.

(١٧) هذا على قول من يرى أن أصل اللغة وحي لا اصطلاح، وقد أطال ابن جني في كتاب "الخصائص" بحث هذِه المسألة، ورجح أنها (وحي)، "الخصائص" 1/ 40 - 47.

(١٨) (الأسماء) ساقط من (ب).

(١٩) لم أجد هذا الكلام بهذا النص فيما اطلعت عليه من كتب الزجاجي، وهذا التقسيم اجتهادي، وللزجاجي تقسيم للأسماء غير هذا، قال في كتاب (اشتقاق أسماء الله)، (....

فالأسماء تنقسم أولا قسمين معرفة ونكرة ...

هذا أول انقسام الأسماء، ثم تتنوع بعد ذلك فتصير ستين نوعا ...) ثم دخل في تفصيل هذِه التقسيمات، وقال في موضع آخر (...

وقد ذكرنا أنواع الأسماء الستين في شرح كتاب الجمل مفسرة ...) قال المحقق: لم يرد كتاب شرح الجمل ضمن كتب الزجاجي المعروفة، ولعل المراد به (الجمل الكبرى)، انظر: "شرح أسماء الله": ص 267 - 274.

وذكر الثعلبي في "تفسيره" أن أقسام الاسم ثمانية ثم ذكرها، "تفسير الثعلبي" 1/ 63 أ.

(٢٠) في (ب): (وهو).

(٢١) في (أ) و (ج): (وتسميتها).

(٢٢) في (ب): (وداحسن).

(٢٣) في (ب): (الأسمر).

(٢٤) (فيه) ساقط من (ب).

(٢٥) (أن يسمى) ساقط من (ب).

(٢٦) في (ب): (العاني).

(٢٧) (نحن) ساقطة من (ب).

(٢٨) (هم) ساقطة من (ب).

(٢٩) في (ب): (كقولك سلت).

(٣٠) في (ب): (موضوع كقولك).

(٣١) في (أ): (الأسماء).

(٣٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٣٣) في (ب): (تصدق).

(٣٤) العبارة فيها غموض، ولعل فيها سقط أو زيادة، ولو حذفنا (ما) لاستقام المعنى.

(٣٥) في (ب): (فقال).

(٣٦) انظر: "تهذيب اللغة" (عرض) 1/ 2396، 2398، 2402، "الصحاح" (عرض) 3/ 1082.

(٣٧) في (ب)، (ج) (عرضت).

(٣٨) في (ب): (دويه).

(٣٩) تمامه.

وغَرَّدَ حَادِيَها فَرَيْنَ بِهَا فِلْقَا نسبه في "الصحاح" إلى (سويد بن كرُاع العكلي)، قال: و (كرع) اسم أمه، واسم أبيه عمير و (الداوية): الفلاة الواسعة، والفلق: بالكسر الداهية والأمر العجب، ورد في "تهذيب اللغة" (عرض) 1/ 2398، "الصحاح" (فلق) 4/ 1544، "اللسان" (غرد) 6/ 3232، و (عرض) 5/ 2886.

(٤٠) الكلام في "تهذيب اللغة" منسوب لشمر وليس لليث.

"التهذيب" (عرض) 1/ 2398، وفي "اللسان" (عرض) 5/ 2886، غير منسوب.

(٤١) كذا في جميع النسخ (قالوا) والصحيح (قال) كما في "تهذيب اللغة" 1/ 2398.

(٤٢) في (ب): (على أي).

(٤٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 160، و"تهذيب للغة" (عرض) 1/ 2398، والعبارة نقلها الواحدي عن (التهذيب)، انظر "الصحاح" (عرض) 3/ 1084.

(٤٤) انظر: "الصحاح" (عرض) 3/ 1082 - 1084، "معجم مقاييس اللغة" (عرض) 4/ 272.

(٤٥) في (ب): (إلى) (٤٦) ذكر قول مقاتل الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ.

(٤٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٤٨) ذكر نحوه الزجاج في "المعاني" 1/ 78، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 216 - 217، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 78.

وقد قيل: إن الضمير (هم) يعود على الأسماء لا على المسميات.

انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 235 - 236، "القرطبي" 1/ 241.

(٤٩) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 216، والثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 78، والسيوطي في "الدر" 1/ 101، والشوكاني في "فتح القدير" 1/ 103.

(٥٠) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 62 أ، والخازن 1/ 102، وأكثر المفسرين على أنه للتقرير والتوقيف، كما قال الطبري: إنه مثل عتاب الله لنبيه نوح.

انظر: "تفسير الطبري" 1/ 219، "ابن عطية" 1/ 236، "القرطبي" 1/ 243.

(٥١) قال الطبري: (وقد زعم بعض نحويي أهل البصرة أن قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ لم يكن ذلك لأن الملائكة ادعوا شيئا، إنما أخبر الله عن جهلهم بعلم الغيب ...

كما يقول الرجل للرجل: (أنبئني بهذا إذ كنت تعلم) وهو يعلم أنه لا يعلم ...) ثم أخذ يرد عليه.

"تفسير الطبري" 1/ 219.

(٥٢) في (أ): (يظن)، وفي (ب): (نظن) وأثبت ما في (ج)، لأنه أصح.

(٥٣) في (ج): (العد لادم).

(٥٤) انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي في معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى خلق به العلم بذلك: ص 348.

(٥٥) انظرت "تفسير الطبري" 1/ 218، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79.

(٥٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

والرواية عن ابن عباس، وعن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أخرجها الطبري بسنده، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 218، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79، "الدر" 1/ 101.

(٥٧) ذكر قوليهما الطبري في "تفسيره" 1/ 218، و"تفسير الثعلبي" 1/ 62 أ، و"تفسير ابن كثير" 1/ 79، "الدر" 1/ 101.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.

ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.

فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنبؤني ﴾ وكذلك ﴿ خاطئون ﴾ و ﴿ خاسئين ﴾ و ﴿ فمالئون ﴾ و ﴿ نحن المنشئون ﴾ و ﴿ ليطفؤا ﴾ و ﴿ ليواطؤا ﴾ و ﴿ متكئين ﴾ و ﴿ قل استهزؤا ﴾ و ﴿ متكئاً ﴾ و ﴿ يستنبؤك ﴾ وبابه ﴿ بريأ ﴾ و ﴿ بريؤن ﴾ وبابه، وكهيئة وأشباه ذلك، ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ هؤلاء ﴾ ها بغير المد، أولاء بالمد: يزيد ويعقوب وأوقية ومصعب عن قالون.

قال أبو إسحق: هما كلمتان لا بمدها ويمد أولاء.

﴿ هؤلاءان ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ أبو عمرو والبزي من طريق الهاشمي بترك الهمزة الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المفتوحتين والمضمومتين.

وقرأ يزيد وورش والقواص وسهل ويعقوب بإثبات الهمزة الأولى وتليين الثانية.

وعن نافع: تليين الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المضمومتين.

وأما في المفتوحتين فكأبي عمرو.

﴿ أنبئهم ﴾ عن ابن عامر روايتان: مهموزة مكسورة الهاء، وغير مهموزة مكسورة الهاء.

الوقوف: ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ علمتنا ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ أنبئهم ﴾ (ج) ﴿ بأسمائهم ﴾ (ج) لمكان فاء التعقيب.

﴿ بأسمائهم ﴾ (لا) لأن "قال" جواب "فلما" ﴿ تكتمون ﴾ .

التفسير: وفيه أبحاث: الأول: الأشعري والجبائي والكعبي على أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله  خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني بدليل قوله  ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ وهذا يدل على أن الملائكة وآدم لا يعلمون إلا بتعليم الله  إياهم.

وخالفهم أصحاب أبي هاشم الذاهبون إلى أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد أو جماعة.

وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال فقالوا: المراد ألهمه وبعث داعيته على الوضع مثل ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ .

أي ألهمناه، أو المراد علمه ما سبق من اصطلاحات قوم كانوا قبل آدم.

وأجيب بأن الأصل عدم العدول عن الظاهر: قالوا ﴿ ثم عرضهم ﴾ يدل على أن المراد بالأسماء المسميات، فإن عرض الأسماء غير معقول.

فإذن المراد أسماء المسميات فعوض الألف واللام عن المضاف إليه كما في قوله ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ أي علمه أسماء كل ما خلق من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولده اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات، فلما مات وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما مات و تفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما طالت المدة ومضت القرون نسوا سائر اللغات.

ثم لا يبعد بل ينبغي أن يكون الله  قد علمه مع ذلك صفات الأشياء ونعوتها وخواصها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية، لأن اشتقاق الاسم إما من السمة أو من السمو.

فإن كان من السمة فالاسم هو العلامة وصفات الأشياء وخواصها دالة على ماهياتها وعلامة عليها، وإن كان من السمو فدليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء، فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول.

وإنما قلنا ينبغي ذلك لأن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها.

ثم من الحقائق ما يتوقف إدراكها على آلة تدرك بها كالمبصرات والمسموعات وغيرها، فإذا كان لآدم تلك الآلات وقد عرفها بها، ولم يكن للملائكة ذلك لزم عجزهم.

وأيضاً العربي لا يحسن منه أن يقول لغيره تكلم بلغتي، لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات، بل إن حصل التعليم حصل العلم بها وإلا فلا.

أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل يتمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي به.

وإنما قيل ﴿ ثم عرضهم ﴾ بلفظ الذكور، لأن في جملة المسميات الملائكة والثقلين وهم العقلاء، فغلب الكامل على الناقص، والتذكير على التأنيث.

ومن الناس من تمسك بقوله ﴿ أنبؤني بأسماء هؤلاء ﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه إنما استنبأهم مع علمه بعجزهم تبكيتاً لهم بدليل قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي في أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منهم.

وقيل: أي في قولكم إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود.

وقيل: أعلموني بأسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام.

وقيل: أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً، فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل، لم يجترءوا على الجواب.

ثم إن الذين اعتقدوا معصية الملائكة في قولهم ﴿ أتجعل ﴾ قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم تابوا واعتذروا بقولهم ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ والذين أنكروا معصيتهم قالوا: إنهم قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز التسليم كأنهم قالوا: لا نعلم إلا ما علمتنا، فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه؟

أو أنهم إنما قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ لأن الله  أعلمهم ذلك.

فكأنهم قالوا: إنك علمتنا أنهم يفسدون في الأرض فقلنا لك: أتجعل.

وأما هذه الأسماء فإنك ما علمتنا فكيف نعلمها؟

ومعنى سبحانك نسبحك تسبيحاً أي ننزهك تنزيهاً وهو مصدر غير متصرف أي لا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوباً على المصدرية، فإذا استعمل غير مضاف كان "سبحان" علماً للتسبيح، فإن العلمية كما تجري في الأعيان تجري في المعاني.

قالت المعتزلة ههنا: المراد أنه لا علم لنا إلا من جهتك إما بالتعليم وإما بنصب الأدلة.

وقالت الأشاعرة: بل الجميع بالتعليم لأن المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل، وأنه يستند إلى توفيق الله  وتسهيله.

ثم احتج أهل الإسلام بالآية، أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله، وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة.

وللمنجم أن يقول للمعتزلي: إذا فسرت التعليم بوضع الدليل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله  على أحوال هذا العالم، فيكون من جملة ما علمه الله  أنك أنت العليم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه.

وعن ابن عباس: أن مراد الملائكة من الحكيم أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض.

وقوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ استحضار لقوله  لهم ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ إلا أنه  جاء به على وجه أبسط وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه.

وفيه دليل على أنه  يعلم الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها.

وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله ﴿ ما تبدون ﴾ قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وبقوله ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ ما أسر إبليس في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد.

وقيل: لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا هو الذي كتموه.

ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان.

والظاهر أنه عام كقوله ﴿ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون  ﴾ ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى  ﴾ .

البحث الثاني: قالت المعتزلة: ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك الوقتفكان مبعوثاً إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط  واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة.

وأيضاً أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا؟

فإن علموا فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا أن يقال: إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزاً، أو يقال: إنه  عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم.

والظاهر أنهم قد عرفوا صدقه بتصديق الله  إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان؟

القاطعون بأنه  ما كان نبياً في ذلك الوقت قالوا: صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب الطرد والتحقير، فوجب أن تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل ﴿ ثم اجتباه ربه  ﴾ والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة.

وأيضاً لو كان رسولاً، فإن لم يكن مبعوثاً إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثاً فإما إلى الملائكة - وهم أفضل من البشر عند المعتزلة - ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف، وإن المرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ وإما إلى الأنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة  ﴾ وإما إلى الجن، وما كان في السماء أحد من الجن.

البحث الثالث: في فضل العلم: لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر الله  فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة والمعقول.

أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم ﴿ وآتيناه الحكم صبيا  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير  ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

ومن ذلك أنه  فرق بين سبعة نفر في كتابه ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب  ﴾ ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة  ﴾ ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات  ﴾ فإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل.

ومن ذلك قوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ أي العلماء في أصح الأقوال، لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء.

ولا ينعكس ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ جعلهم في الآيتين في المرتبة الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم  ﴾ ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ ومن ذلك قوله  ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ ومن ذلك وصفهم بالإيمان ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به  ﴾ وبشهادة التوحيد ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وبالبكاء والسجود والخشوع ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً  ﴾ وبالخشية ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ .

وأما الأخبار فمنها ما رواه أنس عن النبي  "من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار" وعن أنس أيضاً أن النبي  قال "من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله" وعن الحسن مرفوعاً "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة" وعنه  "رحمة الله على خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟

قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله" وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم" وقال  "معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر" وعن أبي هريرة مرفوعاً "من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء" وعن ابن عمر مرفوعاً "فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر الفرس سبعين عاماً" وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها.

وقال  لعلي  حين بعثه إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب" وعن ابن مسعود مرفوعاً "من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبياً" وعن عامر الجهني مرفوعاً "يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر" وفي رواية "فيرجح مداد العلماء" وعن أبي واقد الليثي "أن النبي  بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر.

فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر.

فلما فرغ  من كلامه قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟

فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" .

وعنه  "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" قال الراوي: فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة.

وعن أبي هريرة مرفوعاً "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير" وعن النبي  "إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس.

قيل: يا رسول الله ومن الناس؟

قال  : أهل القرآن.

قيل: ثم من؟

قال: أهل العلم.

قيل: ثم من؟

قال  : صباح الوجوه" قال الراوي: والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه.

وقال  "كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك" قال الراوي: وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى "الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه" أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده: كن سبعاً خالساً، أو ذئباً خانساً، أو كلباً حارساً، وإياك أن تكون إنساناً ناقصاً.

"وعن النبي  أنه كان يحدث إنساناً فأوحى الله  إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة - وكان هذا وقت العصر - فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال: يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة.

قال  اشتغل بالتعلم.

فاشتغل بالتعلم وقبض قبل المغرب" قال الراوي: فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي  به في ذلك الوقت.

وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه: تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً.

وقال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل.

وقيل: مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص.

وهو الجالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين.

ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الالهية غير متفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره.

وقال شقيق البلخي: الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً.

وقال أيضاً: ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك: النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر.

والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر.

وقيل: العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها.

وقيل لابن مسعود: بم وجدت هذا العلم؟

قال: بلسان سؤل وقلب عقول.

وقال بعضهم: سل مسألة الحمقى و احفظ حفظ الأكياس.

وقيل: الدنيا بستان تزينت بخمسة أشياء: علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة العباد، وأمانة التجار، ونصيحة المحترفين.

فجاء إبليس بخمسة أعلام وأقامها بجنب هذه الخمس.

فجاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة.

وقال علي بن أبي طالب  : العلم أفضل من المال لسبعة أوجه: العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص، المال يحتاج إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه، إذا مات الرجل خلف ماله والعلم يدخل معه قبره، المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، جميع الناس محتاجون إلى العالم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال، العلم يقوي الرجل عند المرور على الصراط والمال يمنعه منه.

قال الفقيه أبو الليث: من جلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات: ينال فضل المتعلمين، وكان محبوساً من الذنوب ما دام جالساً عنده، وإذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه، وإذا جلس في حلقة العلم فنزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب، وما دام يكون في الاستماع تكتب له طاعة، إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه وانكسر فيكون في زمرة "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي"، إذا رأى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق نفر عن الفسق ومال إلى طلب العلم.

وقيل: ثلاثة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه.

(واعلم) أن الله  علم سبعة نفر سبعة أشياء: علم آدم الأسماء كلها، وعلم الخضر علم الفراسة ﴿ وعلمناه من لدنا علماً  ﴾ وعلم يوسف علم التعبير { ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث  ﴾ وعلم داود صنعة الدرع ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ وعلم سليمان منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وعلم عيسى  علم التوراة والإنجيل ﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل  ﴾ وعلم محمداً  الشرع والتوحيد ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ فعلم آدم كان سبباً لحصول السجدة والتحية، وعلم الخضر كان سبباً لوجود تلميذ مثل موسى ويوشع، وعلم يوسف لوجود الأهل والمملكة، وعلم سليمان لوجدان بلقيس والغلبة، وعلم داود للرياسة والملك، وعلم عيسى لزوال التهمة عن أمه، وعلم محمد  لوجدان الشفاعة.

ثم نقول: من علم أسماء المخلوقات وجد تحية الملائكة، فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة بل تحية ربه ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى، فأمة محمد بعلم الحقيقة يجدون صحبة محمد  ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين  ﴾ ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشبهات ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وأيضاً فإن يوسف  ذكر منة الله على نفسه حيث قال ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث  ﴾ فأنت يا عالم، أما تذكر نعمة الله على نفسك حيث جعلك مفسراً لكلامه، وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه، وزاجراً لهم عن ناره وعقابه، كما جاء في الحديث "العلماء سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة" وإن سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه بالماء.

(وروي) عن نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس: كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء؟

قال: لأن الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها.

فقال نافع: الفخ يغطى له بأصبع من التراب فلا يراه فيقع فيه!

فقال ابن عباس: إذا جاء القضاء عمي البصر.

وقال لولده: يا بني عليك بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، وقرين في الحضر، وصدر في المجلس، ووسيلة عند انقضاء الوسائل، وغني عند العدم، ورفعه للخسيس، وكمال للشريف، وجلال للملك.

(وقال) سقراط: من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحد كما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك، ولا يقدر أحد على سلبه عنك.

وقيل لبعض الحكماء: لا تنظر فغمض عينيه وقيل له: لا تسمع فسد أذنيه، وقيل له: لا تتكلم فوضع يده على فيه، وقيل له: لا تعلم فقال: لا أقدر عليه.

وعن بعض الحكماء: عظم العلم في ذاتك، وصغر الدنيا في عينك، وكن ضعيفاً عند الهزل، قوياً عند الجد، ولا تلم أحداً على فعل يمكن أن يعتذر منه، ولا ترفع شكايتك إلا إلى من ترى نفعه عندك حتى تكون حكيماً فاضلاً.

ولبعضهم: آفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة.

(وأما النكت) فالمعصية عند الجهل لا يرجى زوالها، وعند السهو يرجى زوالها انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر، والشيطان عصى وبقي في الغي أبداً، لأن ذلك كان بسبب الجهل، وإن يوسف  لما صار ملكاً احتاج إلى وزير فسأل جبريل عن ذلك فقال: إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً، فرآه في أسوأ الأحوال.

فقال لجبريل: كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله؟

فقال له جبريل: إن ربه عينه لذلك لأنه ذب عنك بعلمه حين قال ﴿ وإن كان قميصه قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين  ﴾ والنكتة أن من ذب عن يوسف استحق الشركة في مملكته، فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم فكيف لا يستحق من الله الخير والإحسان؟

وقيل: أراد واحد خدمة ملك فقال الملك: اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم، بعث الملك إليه وقال: اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي.

فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك، وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله، وذلك لأني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب.

(وقال الحكيم:) القلب ميت وحياته بالعلم، والعلم ميت وحياته بالطلب، والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة، فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب، وإظهاره بالمناظر وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم، ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له.

وإن نملة واحدة نالت الرياسة بمسألة واحدة علمتها وذلك قولها ﴿ وهم لا يشعرون  ﴾ كأنها إشارة إلى تنزيه الأنبياء عن المعصية وإيذاء البريء من غير جرم فقالت: لو حطمكم فإنما يصدر ذلك على سبيل السهو.

فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات، كيف لا يستحق الرياسة في الدين والدنيا؟

وإن الكلب المعلم يكون صيده ماهراً ببركة العلم مع أنه نجس في الأصل، فالنفس الطاهرة في الفطرة إذا تلوثت بأوزار المعصية، كيف لا تطهر ببركة العلم بالله وبصفاته؟

وإذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول: كان المال وديعة لي، وكذا الشارب يقول: حسبته حلالاً، وكذا الزاني يقول: تزوجتها فإنه لا يحد.

وأما الحكايات، (يحكى) أن هارون الرشيد كان بحضرته فقهاء فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيتي مالاً بالليل، ثم أقر الآخذ بذلك في المجلس، فاتفق العلماء على أنه تقطع يده، فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه أقر بالأخذ، وإنه لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في ذلك ثم قالوا للآخذ: أسرقتها؟

فقال: نعم.

فأجمعوا على القطع لأنه أقر بالسرقة.

فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه وإن أقر بالسرقة، لكن بعدما أوجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ، وإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل.

(وعن الشعبي) كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر - فقيه خراسان - من بلخ مكبلاً في الحديد.

فقال الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية الرسول؟

فقال: بلى.

فقال الحجاج: لتأتيني ببينة واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً.

فقال: آتيك ببينة واضحة من كتاب الله يا حجاج؟

قال: فتعجب من جرأته بقوله يا حجاج فقال له: ولا تأتيني بهذه الآية ﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم  ﴾ فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله.

قال  : ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان  ﴾ إلى قوله ﴿ وزكريا ويحيى وعيسى  ﴾ فمن أبو عيسى فقد ألحق  عيسى بذرية نوح قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله، حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا.

(ويحكى) أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويسفهوا عليه، فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟

قالوا: نعم قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟

قالوا: نعم.

قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟

قالوا: نعم.

قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد ألزمتكم الحجة؟

قالوا: نعم.

قال: وكيف قالوا لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قال أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة فقراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالعلم.

ويحكى أن المنصور دعا أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه: يا أمير المؤمنين، هذا يخالف جدك حيث يقول الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره، فقال أبو حنيفة: هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس.

فقال: كيف قال إنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم؟

فضحك المنصور وقال: إياك يا ربيع وأبا حنيفة، فلما خرج الربيع قال: سعيت في دمي قال: كنت البادي.

ويحكى أنه دخل اللصوص على رجل وأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً.

فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة، فقال: أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأدخلهم جميعاً في دار واحدة وأخرج واحداً واحداً.

فقال للرجل: إن لم يكن لصك فقل: لا، وإن كان فاسكت.

فلما سكت قبض على اللص ورد الله  عليه جميع ما سرق منه.

ويحكى أنه كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة، فقال يوماً له: إني أريد التزوج من آل فلان وقد خطبتها إليهم فطلبوا مني من المهر فوق طاقتي.

قال: استقرض وادخل عليها فإن الله  يسهل الأمر عليك بعد ذلك.

فأقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ثم قال له بعد الدخول: أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك.

فأظهر الرجل ذلك فاشتد على أهل المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه فقال لهم: له ذلك، والطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه فأجابوا إليه، فقال الزوج: إني أريد شيئاً آخر فوق ذلك.

فقال له أبو حنيفة: ترضى بهذا وإلا أقرت لرجل بدين فلا يمكن المسافرة بها حتى تقضي ما عليها، فقال الرجل: الله الله، لا يسمعوا بهذا، فرضي بذلك وحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين.

وسئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته في نهار رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب.

فقال: يسافر بامرأته فيطؤها نهاراً في رمضان.

وقال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أهل المشرق والمغرب على شيء واحد - وكانت هذه المناظرة عند الرشيد - فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلاف هذا الجالس؟

فأقر به خوفاً وانقطع.

ويحكى أن أعرابياً سأل الحسين بن علي  حاجة وقال: "سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربياً شريفاً، أو مولى كريماً، أو حامل القرآن، أو صاحب الوجه الصبيح" فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله  يقول "إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين"  ما.

فقال الحسين  : ما حاجتك؟

فكتبها على الأرض.

فقال الحسين  : سمعت أبي علياً  يقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه.

وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل، إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي.

وقد حمل إلى الحسين صرة مختومة من العراق فقال: سل ولا قوة إلا بالله.

فقال  : أي الأعمال أفضل؟

قال الأعرابي: الإيمان بالله.

قال: فما نجاة العبد من الهلكة؟

قال: الثقة بالله، قال: فما يزين المرء؟

قال: علم معه حلم.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: فمال معه كرم.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: ففقر معه صبر.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه.

فضحك الحسين  ورمى بالصرة إليه.

وأما الوجوه العقلية فمنها أن الأمور أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل دون الشهوة كمكاره الدنيا، وقسم عكس ذلك كالمعاصي، وقسم ترضاه الشهوة والعقل وهو العلم والجنة، وقسم لا ترضاه الشهوة والعقل وهو الجهل والنار.

فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، وكما يعيش يموت وكما يموت يبعث.

ومنها أن اللذة إدراك المحبوب، وكلما كان المدرك أكمل وأشرف كانت اللذة أكمل وأتم.

ومدرك العقل هو الله  وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والمواليد وجميع أحكامه وأوامره وأي معلوم أشرف من ذلك؟

فلا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته، ولا ألم ولا نقصان مثل ألم الجهل ونقصانه، ولهذا قال عز من قائل ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.

خلق الإنسان من علق.

إقرأ وربك الأكرم.

الذي علم بالقلم.

علم الإنسان ما لم يعلم  ﴾ كأنه قال: كنت في أول حالك علقة هي الغاية في الخساسة، ثم صرت في آخر حالك في غاية الشرف.

وأيضاً ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وهذا يدل على أنه إنما يستحق الأكرمية لأنه أعطى العلم، فالعلم أشرف عطية وأعظم موهبة.

ومنها أنه  قال ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ فالعلماء من أهل الخشية، وأهل الخشية أهل الجنة لقوله  ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن ﴾ إلى قوله ﴿ ذلك لمن خشي ربه  ﴾ فالعلماء من أهل الجنة بل ليس أهل الجنة إلا العلماء وذلك لكلمة إنما المفيدة للحصر ولا جل لام الاختصاص في قوله ﴿ لمن خشي ﴾ والسبب في أن العلماء هم أهل الخشية، أن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه.

ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف بل لا بد معه من العلم بأمور ثلاثة: أحدها العلم بالقدرة لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه، وثانيها العلم بكونه عالماً لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته لكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه، وثالثها العلم بكونه حكيماً فإن المسخرة عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم كونه  عالماً بجميع المعلومات، قادراً على كل المقدورات، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات، فإذن الخوف من لوازم العلم بالله، وبهذا يعرف نباهة قدر العلم.

ومن هنا أمر حبيبه  بالازدياد منه حيث قال ﴿ وقل رب زدني علماً  ﴾ .

ولم يكتف نبي الله موسى  بما علم بل قال للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ ولولا شرف العلم لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم بحضرة سليمان بقوله ﴿ أحطت بما لم تحط به  ﴾ وهكذا الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين، وما ذاك إلا ببركة العلم.

ومنها أنه  قال "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" وذلك أن التفكر يوصلك إلى الله، والعبادة توصلك إلى ثواب الله.

وأيضاً التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح.

ومنها أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم، أما التوراة فقال لموسى: عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له.

فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة.

وأما الزبور فقال  لداود: قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه، وإنما قدم  التقى على العلم، لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، ولهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلاً، وأما العاقل فقد لا يكون عالماً، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر.

وأما الإنجيل فقد قال عز من قائل في السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار؟

اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم.

ولا تقولوا نخاف أن تعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجو أن نعلم فنعمل، إذ العلم شفيع لصاحبه، وحق على الله أن لا يخزيه، وإن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء، ما ظنكم بربكم؟

فيقولون: ظننا أن ترحمنا وتغفر لنا فيقول: وإني قد فعلت، إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالحي عبادي إلى جنتي برحمتي.

وبالجملة، فكون العلم صفة شرف وكمال، وكون الجهل صفة نقصان، أمر معلوم للعقلاء بالضرورة، ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك وإن كان يعلم أنه كاذب، ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك، والعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى إن غير الإنسان من الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان.

والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم في العلم، وأن كثيراً ممن كانوا يعاندون رسول الله  ويريدون قتله كانوا إذا وقع بصرهم عليه ألقى الله في قلوبهم الرعب منه فهابوه وانقادوا له.

لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بداهته تغنيك عن خبر وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال بعبادة الله  ، والجاهل كأنه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجودات والمعدوم والواجب والممكن والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب، ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليته وجزئيته، فيصير كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها، وأنه في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام كاملاً ومكملاً، واسطة بين الله وعباده، ولأمر ما لم يجعل الله  سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء عن المكان والحيز جواباً للملائكة وموجباً لسكوتهم، وإنما جعل  صفة العلم جواباً لهم ثم قال ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ وهكذا أظهر فضيلة آدم بالعلم بعد افتخارهم بالتسبيح والتقديس.

وإن إبراهيم اشتغل في أول أمره بطلب العلم متنقلاً بفكره من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، إلى أن وصل إلى الدليل الباهر والبرهان الظاهر إلى المقصود وهو الملة الحنيفية.

وإن الله  سمى العلم تارة بالحياة ﴿ أوَ من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وتارة بالروح ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وتارة بالنور ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وضرب المثل العلم بالماء ﴿ أنزل من السماء ماء  ﴾ فعلم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر، كذلك لا ينبغي طلب كيفية الله كيلا يفضي إلى الكفر، وعلم الفقه كماء القناة يزداد بالاستنباط والحفر، وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء، وكذلك علم الزهد صافٍ ويتكدر بالطبع، وعلم البدع كماء السيل يهلك الأحياء ويميت الخلق.

وأما الأخبار والآثار الدالة على وعيد من لم يعمل بعلمه أو طلب العلم لغير ذات الله فمنها: أنه  قال: " " لا تجالسوا العلماء إلا إن دعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد" وقال  "الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" عن عدي بن حاتم أن النبي  قال: "يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنو منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فتودوا ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم.

هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم المعاصي ولم تتركوها لي، أكنت أهون الناظرين عليكم؟

فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم" وقيل: أطلب أربعة في أربعة: من الموضع السلامة، ومن الصاحب الكرامة، ومن المال الفراغة، ومن العلم المنفعة، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه، وإذا لم تجد من الصاحب الكرامة فالكلب خير منه، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه، وقيل: لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهذر، والمروءة بلا تواضع كالشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كالغيم بلا مطر، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لجابر بن عبد الله الأنصاري: قوام الدنيا بأربعة: بعالم يعمل بعلمه، وجاهل لا يستنكف عن تعلمه، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه.

فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه، فالويل لهم والثبور سبعين مرة.

وقيل: إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً، فإذا وضعت على سويداء قلبك كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً؟.

البحث الرابع: في حد العلم الأشعري: العلم ما يعلم به.

وربما قال: ما يصير الذات به عالماً.

القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه.

القفال: إثبات المعلوم على ما هو به والكل دائر.

المعتزلة: هو الاعتقاد المقتضي لسكون النفس.

الفلاسفة: صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، ولا يخفى خروج علم الله  عنهما فإنه لا يطلق هناك النفس، وفيه مفاسد أخر يطول ذكرها ههنا، وعند كثير من المحققين: هو بديهي.

وقيل: أصح الحدود، صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض.

والحق في هذا المقام هو أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مدركاته، فكما أن للبصر نوراً كل ما يقع في ذلك النور فهو مدركه، فكذا للبصيرة نور كل ما يقع فيه فهو مدركها.

ولا يدرك حقيقة هذا النور، إلا من له نور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ وهكذا إدراكات جميع الأنوار حتى نور الأنوار، وكلما ازدادت النفس نورية وشروقاً ازداد انبساطها فيقع فيها المعلومات أكثر، وهكذا يكون الحال في كل مستكمل.

أما إذا كان العالم بحيت تكون كمالاته الممكنة له موجودة معه بالفعل، فلا تزداد نوريته، ولا يتجاوز مرتبته في العلم ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ ثم إن كان التكمال والنور بحيث لا يمكن أكمل منه ولا أنور، كان جميع الأشياء واقعة في نوره، بل يكون نوره نافذاً في الكل متصرفاً فيها محيطاً بها أزلاً وأبداً ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وههنا أسرار أخر لا يجوز التعبير عنها لعزتها يتفطن لبعضها من وفق لها من أهلها.

البحث الخامس في ألفاظ تقرب من العلم.

الأول: الإدراك، وهو الوصول لأن القوة العاقلة تصل إلى حقيقة المعقول.

الثاني: وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعقول إلى القوة العاقلة ولهذا لا يوصف به الله  .

الثالث: التصور مشتق من الصورة، فكأن حقيقة المعقول حلت في العاقلة حلول الشكل في المادة.

الرابع: الحفظ وذلك إذا استحكمت الصورة في العاقلة بحيث لو زالت لتمكنت من استرجاعها.

الخامس: التذكر وهو محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، وإنه بالحقيقة التفات النفس إلى عالمها.

السادس: الذكر وهو وجدان الصورة بعد محاولة استرجاعها، ولا محالة يكون مسبوقاً بالزوال: قال الشاعر: الله يعلم أني لست أذكره *** وكيف أذكره إذ لست أنساه ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حضور المعنى في النفس قال عز من قائل ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر  ﴾ .

السابع: المعرفة وقد اختلفوا في تفسيرها.

فمن قائل إنها إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات.

ومن قائل إنها التصور والعلم هو التصديق، وجعل العرفان أشرف من العلم لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة، وأما تصور حقيقته فأمر وراء الطاقة البشرية، وقال بعضهم: من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه، ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي كان قد أدركه أولاً، فهذا هو المعرفة.

والنفس قبل البدن كانت معترفة بالربوبية إلا أنها في ظلمة العلاقة البدنية قد نسيت مولاها، فإذا تخلصت من قيد العلاقة عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة.

الثامن: الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والإفهام هو إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع.

التاسع: الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه قال  ﴿ لا يكادون يفقهون حديثاً  ﴾ أي لا يقفون على المقصود الأصلي من التكاليف.

العاشر: العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ونفعها وضرها حتى يصير مانعاً من الفعل مرة، ومن الترك أخرى، فيجري ذلك مجرى عقال الناقة.

ومن هنا قيل: هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، والعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه.

الحادي عشر: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيلة، وهي ترتيب المقدمات فلا يصح إطلاقها عليه  .

الثاني عشر: الحكمة وهي اسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري، وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم، وقيل: هي الاقتداء بالخالق  بقدر القوة البشرية، وذلك أن يجتهد أن ينزه علمه عن الجهل، وعدله عن الجور، وجوده عن البخل وحلمه عن السفه.

الثالث عشر: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

فعلم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان متحقق الانفصال عن لوث الصلصال بوروده رائد الوصال.

الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على اكتساب الحدود والآراء.

الخامس عشر: الفكر وهو انتقال النفس من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة.

وقيل: إنه يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلم من عنده.

السادس عشر: الحدس وهو قوة للنفس بها يهتدي بسرعة إلى الحد الأوسط في كل قياس.

السابع عشر: الذكاء وهو شدة هذا الحدس وبلوغه الغاية القصوى، من ذكت النار اشتعلت.

الثامن عشر: الفطنة وهي التنبه لشيء قصد تعريضه كالأحاجي والرموز.

التاسع عشر: الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل حق أو حظ.

العشرون: الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال: إنه الحكم بأمور جزئية غير محسوسة لأشخاص جزئية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة الذئب.

الحادي والعشرون: الظن وهو الاعتقاد الراجح فإن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال العالم، وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم ﴿ إن بعض الظن إثم  ﴾ .

الثاني والعشرون: الخيال وهو عبارة عن الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته، وما كان من ذلك في النوم قد يخص باسم الطيف.

الثالث والعشرون: البديهة وهي المعرفة الحاصلة للنفس ابتداء لا بتوسط الفكر مثل: الكل أعظم من الجزء، وقد يقال لها الأوليات، الرابع والعشرون: الروية وهي ما كان من المعارف بعد فكر كثير.

الخامس والعشرون: الكياسة وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع ولهذا قال  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" السادس والعشرون: الخبر وهو معرفة تحصل بطريق التجربة وجدت الناس اخبر تقله.

السابع والعشرون: الرأي وهو إجالة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكرة كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير.

الثامن والعشرون: الفراسة وهي اختلاس المعارف من فرس السبع الشاة.

فضرب منها يحصل للإنسان من باطنه، ولا يعرف له سبب الإصغاء جوهر الروح وهو شبه الإلهام، وإياه عنى النبي  بقوله "إن في أمتي لمحدثين وإن عمر منهم" وقد يسمى النفث في الروع، وضرب يحصل بالاستدلال من الأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.

وقيل: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه  ﴾ إشارة إلى الأول ﴿ ويتلوه شاهد منه  ﴾ إلى الثاني والله أعلم.

التأويل: عن النبي  "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" فبالتجلي علمه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته وهذا هو سر الخلافة بالحقيقة، لأن المرأة تكون خليفة المتجلي فيها ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء ﴾ أي بأسماء هؤلاء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعوى الفضيلة، فإن الفضيلة ليست بمجرد الطاعة، فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي، وإنما الأفضلية بالعلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الخالق، والفضل لمن له صفة الحق والخلق جميعاً فيخلف عن الحق بصفاته وعن الخلق بصفاتهم.

وإنما قال ﴿ أنبئهم ﴾ ولم يقل علمهم كقوله  ﴿ وعلم آدم ﴾ لأن الملائكة ليس لهم الترقي في الدرجات والملكوتيات، لهم شهادة كالجسمانيات لنا، ولا يتجاوزون ما فوق سدرة المنتهى كما قال جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.

والجسمانيات مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباؤهم بها لأن الجسمانيات لهم كالحيوانيات بالنسبة إلينا.

وأما الالهيات فليس لهم استعداد الترقي إليها، فلهذا لم يقل أنبئهم بأسمائهم كلها كما قال ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ لئلا يكون تكليفاً بما لا يطاق، وإنما كان آدم مخصوصاً بعلم الأسماء واحتاجت الملائكة إليه في إنباء أسمائهم وأسماء غيرهم، لأنه كان خلاصة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمام العالم بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة.

فكما أن الثمرة تعبر على أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء شجرة الوجود وكان في كل جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فحصل له من كل من ذلك اسم يلائمه حتى إن أسماء الله  جاءت على وفقه فضلاً عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقاً كان الله خالقاً، ولما كان مرزوقاً كان الله رازقاً، ولما كان عبداً كان الله معبوداً، ولما كان معيوباً كان ستاراً، ولما كان مذنباً كان غفاراً، ولما كان تائباً كان تواباً، ولما كان منتفعاً ومتضرراً كان نافعاً وضاراً، ولما كان ظالماً كان عادلاً، ولما كان  مظلوماً كان منتقماً وعلى هذا فقس.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولبيان منزلة آدم  علَّمه الله تعالى أسماء الأشياء كلها من الحيوان والجماد؛ ألفاظها ومعانيها، ثم عرض تلك المسمَّيات على الملائكة قائلًا: أخبروني بأسمائها إن كنتم صادقين فيما تقولون؛ أنكم أكرم من هذا المخلوق وأفضل منه.

<div class="verse-tafsir" id="91.2vq7d"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم في بيان الخليفة أن علم الملائكة وعملهم محدودان، وأن علم الإنسان وعمله غير محدودين، وبهذه الخاصة التي فطر الله الناس عليها كان الإنسان أجدر بالخلافة من الملائكة، وهذه هي حجة الله البالغة على الملائكة التي بينها لهم بعدما نبههم إلى علمه المحيط بما لا يعلمون فقال ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا  ﴾ أي أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد بالأسماء المسميات عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر.

والعلم الحقيقي إنما هو إدراك المعلومات أنفسها والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف.

ثم إن الاسم قد يطلق إطلاقًا صحيحًا على ما يصل إلى الذهن من المعلوم أي صورة المعلوم في الذهن، وبعبارة أخرى ما به يعلم الشيء عند العالم، فاسم الله مثلًا هو ما به عرفناه في أذهاننا بحيث يقال إننا نؤمن بوجوده ، نسند إليه صفاته، فالأسماء هي ما به نعلم الأشياء وهي العلوم المطابقة للحقائق.

والاسم بهذا الإطلاق هو الذي جرى الخلاف في أنه عين المسمى أو غيره، وقد كان اليونانيون يطلقون على ما في الذهن من المعلوم لفظ الاسم، والخلاف في أن ما في الذهن من الحقائق هو عينها أو صورتها مشهور كالخلاف في أن العلم عين المعلوم أو غير المعلوم، وأما الخلاف في أن الاسم الذي هو اللفظ عين المسمى أو غيره فهو ما أخطأ فيه الناظرون لعدم الدقة في التمييز بين الاطلاقات لبداهة أن اللفظ غير معناه بالضرورة، والاسم بذلك الاطلاق الذي ذكرناه يتقدس ويتبارك ويتعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى  ﴾ ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ  ﴾ فاسمه جل شأنه ما يمكننا أن نعلم منه ما نعلم من صفاته، وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله، ولا مانع من أن نريد من الأسماء هذا المعنى وهو لا يختلف في التأويل عما قالوه من إرادة المسميات ولكنه على ما نقول أطهر وأبين.

علَّم الله آدم كل شيء ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد أو في آنات متعددة، والله قادر على كل شيء، ثم إن هذه القوة العلمية عامة للنوع الآدمي كله، ولا يلزم من ذلك أن يعرف أبناؤه الأسماء من أول يوم فيكفي في ثبوت هذه القوة لهم معرفة الأشياء بالبحث والاستدلال، علم الله آدم الأسماء على نحو ما بينا ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ  ﴾ أي أطلعهم اطلاعًا إجماليًا بالإلهام الذي يليق بحالهم على مجموع تلك الأشياء، ولو عرضت على نفوسهم عرضًا تفصيليًا لعلموها ولم يكن علمهم محدودًا، والحال أنه عرضهم عليهم وسألهم عنها سؤال تعجيز ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ  ﴾ المسميات، والغرض من الإنباء بأسمائها الإبانة عن معرفتها ومعنى ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي إن كان هناك موقع للدهشة والاستغراب من جعل الخليفة في الأرض من البشر، وكان ما طرق نفوسكم وطرأ على أذهانكم أولًا حالًا محله، ومصيبًا غرضه، ولمّا تعرفوا حقيقة ما يمتاز به الخليفة، فأنبئوني بأسماء ما عرضته عليكم ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ  ﴾ أي تنزيهًا لك، فلفظ سبحان مصدر قلما يستعمل إلا مضافًا كمعاذ الله، وهو منصوب بفعل مقدر، والمعنى نقدسك وننزهك أن يكون علمك قاصرًا فتخلق الخليفة عبثًا، أو تسألنا شيئًا نفيده وأنت تعلم أننا لا تحيط بعلمه، ولا نقدر على الإنباء به، وكلمة ﴿ سُبْحَانَكَ  ﴾ تهدي إلى هذا فكأنها جملة وحدها، وهذه هي البلاغة مضروب سرادقها، مثمرة حدائقها، متجلية حقائقها، على أن القصة وردت مورد التمثيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وبعد تنزيه الباري تبرؤا من علمهم إلى علمه تعالى وحكمته، فقالوا ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا  ﴾ وهو محدود لا يتناول جميع الأسماء ولا يحيط بكل المسميات، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ  ﴾ بخلقك ﴿ الْحَكِيمُ  ﴾ في صنعك.

..

إن هذه التأكيدات تشعر بأن سؤال الاستغراب الأول كان يتنسم منه شيء وكذلك الجواب عن ﴿ أَنْبِئُونِي  ﴾ بقولهم ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا  ﴾ ولذلك ختموا الجواب بالتبرؤ من كل شيء، والثناء على الله تعالى بالعلم الثابت الواجب لذاته العلية، و الحكمة البالغة اللازمة له، فقد تقدم في تفسير الفاتحة أن صيغة "فعيل" تدل غالبًا على الصفات الراسخة اللازمة، فكان جواب الملائكة بهذا مؤذنًا بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب أن لا يغفل مثلهم عنه، وهو التسليم لسعة علم الله و حكمته حتی بلغ الكتاب أجله.

﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ  ﴾ فكان الإنباء كما أراد الله تعالى وذكره لأجل ترتيب الحكم عليه بقوله ﴿ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ  ﴾ تعالى للملائكة ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ ومن كان هذا شأنه فلا يخلق شيئًا سدى، ولا يجعل الخليفة في الأرض عبثًا ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ  ﴾ والذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم، وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم.

وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله تعالى في معرفة حقيقتها، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها، وقد تقدم بيان ذلك.

وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل، وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل، وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية، في قوالب العبارة اللفظية، ويجلي لنا المعارف المعقولة، بالصور المحسوسة، تقريبًا للأفهام، وتسهيلًا للإعلام، ومن ذلك أنه عرفنا بهذه القصة قيمة أنفسنا، وما أودعته فطرتنا، مما نمتاز به على غيرنا من المخلوقات، فعلينا أن نجتهد في تكميل أنفسنا بالعلوم التي خلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلق لتظهر حكمة الله فينا، ولعلنا نشرف على معنى إعلام الله الملائكة بفضلنا، ومعنى سجودهم لأصلنا ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.2 / 29.5
الإضاءة 28%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله