الآية ٣٣ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٣٣ من سورة البقرة

قَالَ يَـٰٓـَٔادَمُ أَنۢبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ۖ فَلَمَّآ أَنۢبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّىٓ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 180 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) قال زيد بن أسلم .

قال : أنت جبريل ، أنت ميكائيل ، أنت إسرافيل ، حتى عدد الأسماء كلها ، حتى بلغ الغراب .

وقال مجاهد في قول الله : ( يا آدم أنبئهم بأسمائهم ) قال : اسم الحمامة ، والغراب ، واسم كل شيء .

وروي عن سعيد بن جبير ، والحسن ، وقتادة ، نحو ذلك .

فلما ظهر فضل آدم ، عليه السلام ، على الملائكة ، عليهم السلام ، في سرده ما علمه الله تعالى من أسماء الأشياء ، قال الله تعالى للملائكة : ( ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) أي : ألم أتقدم إليكم أني أعلم الغيب الظاهر والخفي ، كما قال [ الله ] تعالى : ( وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى ) وكما قال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان : ( ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ) .

وقيل في [ معنى ] قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) غير ما ذكرناه ؛ فروى الضحاك ، عن ابن عباس : ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) قال : يقول : أعلم السر كما أعلم العلانية ، يعني : ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار .

وقال السدي ، عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة ، عن ابن مسعود ، وعن ناس من الصحابة ، قال : قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) فهذا الذي أبدوا ( وما كنتم تكتمون ) يعني : ما أسر إبليس في نفسه من الكبر .

وكذلك قال سعيد بن جبير ، ومجاهد ، والسدي ، والضحاك ، والثوري .

واختار ذلك ابن جرير .

وقال أبو العالية ، والربيع بن أنس ، والحسن ، وقتادة : هو قولهم : لم يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ) فكان الذي أبدوا قولهم : ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) وكان الذي كتموا بينهم قولهم : لن يخلق ربنا خلقا إلا كنا أعلم منه وأكرم .

فعرفوا أن الله فضل عليهم آدم في العلم والكرم .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، في قصة الملائكة وآدم : فقال الله للملائكة : كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم ، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها ، هذا عندي قد علمته ؛ ولذلك أخفيت عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يطيعني ، قال : وسبق من الله ( لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ) قال : ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه قال : ولما رأوا ما أعطى الله آدم من العلم أقروا له بالفضل .

وقال ابن جرير : وأولى الأقوال في ذلك قول ابن عباس ، وهو أن معنى قوله تعالى : ( وأعلم ما تبدون ) وأعلم - مع علمي غيب السماوات والأرض - ما تظهرونه بألسنتكم وما كنتم تخفون في أنفسكم ، فلا يخفى علي شيء ، سواء عندي سرائركم ، وعلانيتكم .

والذي أظهروه بألسنتهم قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها ، والذي كانوا يكتمون ما كان عليه منطويا إبليس من الخلاف على الله في أوامره ، والتكبر عن طاعته .

قال : وصح ذلك كما تقول العرب : قتل الجيش وهزموا ، وإنما قتل الواحد أو البعض ، وهزم الواحد أو البعض ، فيخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم ، كما قال تعالى : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ) [ الحجرات : 4 ] ذكر أن الذي نادى إنما كان واحدا من بني تميم ، قال : وكذلك قوله : ( وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون )

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قال أبو جعفر: إن الله جل ثناؤه عَرّف ملائكته - الذين سألوه أن يجعلهم الخلفاء في الأرض، ووصَفوا أنفسهم بطاعته والخضوع لأمره، دونَ غيرهم الذين يُفسدون فيها ويسفكون الدماء - أنهم، من الجهل بمواقع تدبيره ومحلّ قَضَائه، قَبل إطلاعه إياهم عليه، على نحو جهلهم بأسماء الذين عَرَضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لم يعلمهم فيعلموه، وأنهم وغيرهم من العباد لا يعلمون من العلم إلا ما علَّمهم إياه ربهم، وأنّه يخص بما شاء من العلم من شاء من الخلق، ويمنعه منهم من شاء، كما علم آدم أسماء ما عرض على الملائكة، ومنعهم علمها إلا بعد تعليمه إياهم.

فأما تأويل قوله: " قال يا آدم أنبئهم "، يقول: أخبر الملائكةَ، والهاء والميم في قوله: " أنبئهم " عائدتان على الملائكة.

وقوله: " بأسمائهم " يعني بأسماء الذين عَرَضهم على الملائكة، والهاء والميم اللتان في" أسمائهم " كناية عن ذكر &; 1-497 &; هَؤُلاءِ التي في قوله: أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ .

( فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ ) يقول: فلما أخبر آدمُ الملائكةَ بأسماء الذين عرضهم عليهم، فلم يَعرفوا أسماءهم، وأيقنوا خَطأ قيلهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ، وأنهم قَد هَفوْا في ذلك وقالوا ما لا يعلمون كيفية وقوع قضاء ربهم في ذلك لو وقع، على ما نطقوا به، - قال لهم ربهم: " ألم أقلْ لكُم إنّي أعلمُ غَيبَ السماوات والأرض ".

والغيب: هو ما غاب عن أبصارهم فلم يعاينوه؛ توبيخًا من الله جل ثناؤه لهم بذلك، على ما سلف من قيلهم، وَفرَط منهم من خطأ مَسألتهم.

كما:- 676 - حدثنا به محمد بن العلاء، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " قال يا آدمُ أنبئهم بأسمائهم "، يقول: أخبرهم بأسمائهم -" فلما أنبأهم بأسمائهم قال: ألم أقلْ لكم " أيها الملائكة خَاصة " إنّي أعلم غيبَ السموات والأرض " ولا يعلمه غيري (136) .

677 - وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قصة الملائكة وآدم: فقال الله للملائكة: كما لم تعلموا هذه الأسماء فليس لكم علم، إنما أردت أن أجعلهم ليفسدوا فيها، هذا عندي قد علمتُه، فكذلك أخفيتُ عنكم أني أجعل فيها من يعصيني ومن يُطيعني، قال: وَسبقَ من الله: لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [سورة هود: 119، وسورة السجدة: 13]، قال: ولم تعلم الملائكة ذلك ولم يدروه.

قال: فلما رأوْا ما أعطى الله آدمَ من العلم أقروا لآدم بالفضل (137) .

* * * &; 1-498 &; القول في تأويل قوله تعالى: وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33) قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فرُوي عن ابن عباس في ذلك ما:- 678 - حدثنا به أبو كريب، قال: حدثنا عثمان بن سعيد، قال: حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس: " وأعلم ما تبدون " يقول: ما تظهرون،" وما كنتم تكتمون " يقول: أعلم السرّ كما أعلم العلانية.

يعني: ما كتم إبليس في نفسه من الكبر والاغترار (138) .

679 - وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السُّدّيّ في خبر ذكره، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: " وأعلمُ ما تبدون وما كنتم تكتمون "، قال: قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، فهذا الذي أبدوْا،" وما كنتم تكتمون "، يعني ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبْر (139) .

680 - وحدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، قال: حدثنا أبو أحمد الزبيري، قال: حدثنا عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، قوله: " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون "، قال: ما أسرّ إبليس في نفسه (140) .

681 - وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، قال: حدثنا سفيان في قوله: " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون "، قال: ما أسرّ إبليس في نفسه من الكبْر ألا يسجد لآدم (141) .

682 - وحدثني المثنى بن إبراهيم، قال: أخبرنا الحجاج الأنماطي، قال: حدثنا مهدي بن ميمون ، قال: سمعت الحسن بن دينار، قال للحسن - ونحن جُلوس عنده في منـزله-: يا أبا سَعيد، أرأيتَ قول الله للملائكة: " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "، ما الذي كتمت الملائكة؟

فقال الحسن: إن الله لمّا خلق آدم رأت الملائكة خلقًا عجيبًا، فكأنهم دَخلهم من ذلك شيء، فأقبل بعضهم إلى بعض ، وأسرّوا ذلك بينهم، فقالوا: وما يُهمكم من هذا المخلوق!

إن الله لن يخلق خَلقا إلا كنا أكرمَ عليه منه (142) .

683 - وحدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عَبد الرَّزَّاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، في قوله " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "، قال: أسرّوا بينهم فقالوا: يخلق الله ما يشاءُ أن يخلُق، فلن يخلُق خلقًا إلا ونحن أكرم عليه منه (143) .

684 - وحدثني المثنى، قال: حدثنا إسحاق، قال: حدثنا عبد الله بن أبي &; 1-500 &; جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس: " وأعلم ما تُبدون وما كنتم تكتمون "، فكان الذي أبدَوْا حين قالوا: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا ، وكان الذي كتموا بينهم قولهم: لن يخلق ربّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلم منه وأكرم.

فعرفوا أن الله فضّل عليهم آدم في العلم والكرم (144) .

قال أبو جعفر: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية ما قاله ابن عباس، وهو أن معنى قوله: " وأعلم ما تُبدون "، وأعلم - مع علمي غيبَ السموات والأرض - ما تُظهرون بألسنتكم،" وما كنتم تكتمون "، وما كنتم تخفونه في أنفسكم، فلا يخفى عليّ شيء، سواءٌ عندي سرائركم وعلانيتكم.

والذي أظهروه بألسنتهم ما أخبرَ الله جل ثناؤه عنهم أنهم قالوه، وهو قولهم: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ؛ والذي كانوا يكتمونه، ما كان منطويًا عليه إبليس من الخلاف على الله في أمره، والتكبُّر عن طاعته.

لأنه لا خلاف بين جميع أهل التأويل أن تأويل ذلك غيرُ خارج من أحد الوجهين اللذين وصفت، وهو ما قلنا، والآخرُ ما ذكرنا من قول الحسن وقتادة، ومن قال إن معنى ذلك كتمانُ الملائكة بينهم لن يخلق الله خلقًا إلا كنا أكرم عليه منه.

فإذ كان لا قول في تأويل ذلك إلا أحد القولين اللذين وصفت، ثم كان أحدهُما غيرَ موجودةٍ على صحته الدّلالةُ من الوجه الذي يجب التسليم له - صح الوجهُ الآخر.

فالذي حكي عن الحسن وقتادة ومن قال بقولهما في تأويل ذلك، غيرُ موجودةٍ الدلالةُ على صحته من الكتاب، ولا من خبر يجب به حجة.

والذي قاله ابن عباس يدلّ على صحته خبرُ الله جل ثناؤه عن إبليس وعصيانه إياه، إذْ دعاه إلى السجود لآدم فأبى واستكبر، وإظهارُه لسائر الملائكة من معصيته وكبره، ما كان له كاتمًا قبل ذلك.

فإن ظن ظانٌّ أنّ الخبر عن كتمان الملائكة ما كانوا يكتمونه، لمّا كان &; 1-501 &; خارجًا مخرج الخبر عن الجميع، كان غيرَ جائز أن يكون ما رُوي في تأويل ذلك عن ابن عباس - ومن قال بقوله: من أن ذلك خبر عن كتمان إبليس الكبْرَ والمعصية - صحيحًا، فقد ظن غير الصواب.

وذلك أنّ من شأن العرب، إذا أخبرتْ خبرًا عن بعض جماعة بغير تسمية شخص بعينه، أن تخرج الخبر عنه مخرج الخبر عن جميعهم، وذلك كقولهم: " قُتل الجيش وهُزموا "، وإنما قتل الواحد أو البعض منهم، وهزم الواحد أو البعض.

فتخرج الخبر عن المهزوم منه والمقتول مخرج الخبر عن جميعهم، كما قال جل ثناؤه: إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [سورة الحجرات: 4]، ذُكر أن الذي نادَى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم - فنـزلت هذه الآية فيه - كان رجلا من جماعة بني تميم، كانوا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فأخرج الخبر عنه مُخرج الخبر عن الجماعة.

فكذلك قوله: " وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون "، أخرج الخبر مُخرج الخبر عن الجميع، والمراد به الواحد منهم.

----------------- الهوامش : (136) الخبر : 676- مختصر من الخبر السالف رقم : 606 .

(137) الأثر : 677- في ابن كثير 1 : 135 .

في المخطوطة : "علم بما أردت .

.

.

هذا عبدي" .

(138) الخبر : 678- في ابن كثير 1 : 135 ، والدر المنثور 1 : 50 ، والشوكاني 1 : 52 .

(139) الخبر : 679- في ابن كثير 1 : 135 ، والدر المنثور 1 : 50 والشوكاني 1 : 52 ، وهو مختصر الخبر السالف رقم : 606 .

(140) الأثر : 680- لم أجده في مكان .

وقد مضى في : 641 ترجمة"عمرو بن ثابت" وأبيه .

وبينا ما في ذلك من شبهة الخطأ في قوله"عن جده" .

وهذا الإسناد هنا صواب ، لأن"ثابت ابن هرمز" معروف بالرواية عن سعيد بن جبير .

(141) الأثر : 681- لم أجده في مكان .

(142) الأثر : 682- في الدر المنثور 1 : 50 .

و"الحجاج الأنماطي" : هو الحجاج ابن المنهال ، وهو ثقة من شيوخ البخاري والدارمي وغيرهما .

و"مهدي بن ميمون" : ثقة معروف ، روى عن الحسن البصري ، وابن سيرين وغيرهما .

وهو في هذا الإسناد يصرح بأنه سمع جواب الحسن البصري ، حين سأله الحسن بن دينار .

وقد نبهت على هذا ، خشية أن يظن أنه من رواية مهدي عن الحسن بن دينار .

والحسن بن دينار : كذاب لا يوثق به .

وله ترجمة حافلة بالمنكرات والموضوعات - في كتاب المجروحين لابن حبان ، رقم : 208 ، والميزان ، ولسان الميزان ، والتهذيب ، وترجم له البخاري في الكبير 1/2/290 - 291 ، والصغير : 185 ، وابن أبي حاتم 1/2/11 - 12 ، وابن سعد 7/2/37 .

(143) الأثر : 683- في الدر المنثور 1 : 50 ، بلفظ آخر ، منسوبًا للطبري"عن قتادة والحسن" .

(144) الأثر : 684- في ابن كثير 1 : 135 .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمونقوله تعالى : قال يا آدم أنبئهم بأسمائهمفيه خمس مسائل :الأولى : قوله تعالى : أنبئهم بأسمائهم أمره الله أن يعلمهم بأسمائهم بعد أن عرضهم على الملائكة ليعلموا أنه أعلم بما سألهم عنه تنبيها على فضله وعلو شأنه ، فكان أفضل منهم بأن قدمه عليهم وأسجدهم له وجعلهم تلامذته وأمرهم بأن يتعلموا منه .

فحصلت له رتبة الجلال والعظمة بأن جعله مسجودا له ، مختصا بالعلم .الثانية : في هذه الآية دليل على فضل العلم وأهله ، وفي الحديث : وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم أي تخضع وتتواضع وإنما تفعل ذلك لأهل العلم خاصة من [ ص: 274 ] بين سائر عيال الله ; لأن الله تعالى ألزمها ذلك في آدم عليه السلام فتأدبت بذلك الأدب .

فكلما ظهر لها علم في بشر خضعت له وتواضعت وتذللت إعظاما للعلم وأهله ، ورضا منهم بالطلب له والشغل به .

هذا في الطلاب منهم فكيف بالأحبار فيهم والربانيين منهم جعلنا الله منهم وفيهم ، إنه ذو فضل عظيم .الثالثة : اختلف العلماء من هذا الباب ، أيما أفضل ؟

الملائكة أو بنو آدم على قولين : فذهب قوم إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة ، والأولياء من البشر أفضل من الأولياء من الملائكة .

وذهب آخرون إلى أن الملأ الأعلى أفضل .

احتج من فضل الملائكة بأنهم عباد مكرمون .

لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .

وقوله : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون وقوله : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك .

وفي البخاري : ( يقول الله عز وجل : من ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم ) .

وهذا نص .

احتج من فضل بني آدم بقوله تعالى : إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية بالهمز ، من برأ الله الخلق .

وقوله عليه السلام : وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم الحديث .

أخرجه أبو داود ، وبما جاء في أحاديث من أن الله تعالى يباهي بأهل عرفات الملائكة ، ولا يباهي إلا بالأفضل ، والله أعلم .[ ص: 275 ] وقال بعض العلماء : ولا طريق إلى القطع بأن الأنبياء أفضل من الملائكة ، ولا القطع بأن الملائكة خير منهم ، لأن طريق ذلك خبر الله تعالى وخبر رسوله أو إجماع الأمة ، وليس هاهنا شيء من ذلك خلافا للقدرية والقاضي أبي بكر رحمه الله حيث قالوا : الملائكة أفضل .

قال : وأما من قال من أصحابنا والشيعة : إن الأنبياء أفضل لأن الله تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم ، فيقال لهم : المسجود له لا يكون أفضل من الساجد ، ألا ترى أن الكعبة مسجود لها والأنبياء والخلق يسجدون نحوها ، ثم إن الأنبياء خير من الكعبة باتفاق الأمة .

ولا خلاف أن السجود لا يكون إلا لله تعالى ; لأن السجود عبادة ، والعبادة لا تكون إلا لله ، فإذا كان كذلك فكون السجود إلى جهة لا يدل على أن الجهة خير من الساجد العابد ، وهذا واضح .

وسيأتي له مزيد بيان في الآية بعد هذا .الرابعة : قوله تعالى : إني أعلم غيب السماوات والأرض دليل على أن أحدا لا يعلم من الغيب إلا ما أعلمه الله كالأنبياء أو من من أعلمه الله تعالى فالمنجمون والكهان وغيرهم كذبة .

وسيأتي بيان هذا في " الأنعام " إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هوالخامسة : قوله تعالى : وأعلم ما تبدون أي من قولهم : أتجعل فيها من يفسد فيها حكاه مكي والماوردي .

وقال الزهراوي : ما أبدوه هو بدارهم بالسجود لآدم .وما كنتم تكتمون قال ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير : المراد ما كتمه إبليس في نفسه من الكبر والمعصية .

قال ابن عطية : وجاء تكتمون للجماعة ، والكاتم واحد في هذا القول على تجوز العرب واتساعها ، كما يقال لقوم قد جنى سفيه منهم : أنتم فعلتم كذا .

أي منكم فاعله ، وهذا مع قصد تعنيف ، ومنه قوله تعالى : إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون وإنما ناداه منهم عيينة ، وقيل الأقرع .

وقالت طائفة : الإبداء والمكتوم ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم أجمع .

وقال مهدي بن ميمون : كنا عند الحسن فسأله الحسن بن دينار ما الذي كتمت الملائكة ؟

قال : إن الله عز وجل لما خلق آدم رأت الملائكة خلقا عجبا ، وكأنهم دخلهم من ذلك شيء ، قال : ثم أقبل بعضهم على بعض وأسروا ذلك بينهم ، فقالوا : وما يهمكم من هذا المخلوق إن الله لم يخلق خلقا إلا كنا أكرم [ ص: 276 ] عليه منه .

وما في قوله : ما تبدون يجوز أن ينتصب ب " أعلم " على أنه فعل ، ويجوز أن يكون بمعنى عالم وتنصب به ما فيكون مثل حواج بيت الله ، وقد تقدم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

فحينئذ قال الله: { يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } أي: أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة; فعجزوا عنها، { فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ } تبين للملائكة فضل آدم عليهم; وحكمة الباري وعلمه في استخلاف هذا الخليفة، { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } وهو ما غاب عنا; فلم نشاهده، فإذا كان عالما بالغيب; فالشهادة من باب أولى، { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ } أي: تظهرون { وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ }

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{قال} الله تعالى: {يا آدم أنبئهم بأسمائهم} أخبرهم بأسمائهم فسمى آدم كل شئ باسمه وذكر الحكمة التي لأجلها خلق.

{فلما أنبأهم بأسمائهم قال} الله تعالى {ألم أقل لكم} يا ملائكتي {إني أعلم غيب السماوات والأرض} ما كان منهما وما يكون لأنه قد قال لهم {إني أعلم ما لا تعلمون} [30 - البقرة].

{وأعلم ما تبدون} قال الحسن وقتادة: يعني قولهم أتجعل فيها من يفسد فيها {وما كنتم تكتمون} قولكم لن يخلق الله خلقاً أكرم عليه منا.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: "هو أن إبليس مر على جسد آدم وهو ملقى بين مكة والطائف لا روح فيها فقال: لأمر ما خلق هذا ثم دخل في فيه وخرج من دبره وقال: إنه خلق لا يتماسك لأنه أجوف، ثم قال للملائكة الذين معه أرأيتم إن فضل هذا عليكم وأمرتم بطاعته ماذا تصنعون؟، قالوا: نطيع أمر ربنا، فقال إبليس في نفسه: والله لئن سلطت عليه لأهلكنه ولئن سلط علي لأعصينه فقال الله تعالى: {وأعلم ما تبدون} يعني ما تبديه الملائكة من الطاعة {وما كنتم تكتمون} يعني إبليس من المعصية".

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال» تعالى «يا آدم أنبئهم» أي الملائكة «بأسمائهم» المسميات فسمى كل شيء باسمه وذكر حكمته التي خلق لها «فلما أنبأهم بأسمائهم قال» تعالى لهم موبخاً «ألم أقل لكم إنَّي أعلم غيب السماوات والأرض» ما غاب فيهما «وأعلم ما تبدون» ما تظهرون من قولكم أتجعل فيها الخ «وما كنتم تكتمون» تسرون من قولكم لن يخلق الله أكرم عليه منا ولا أعلم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال الله: يا آدم أخبرهم بأسماء هذه الأشياء التي عجَزوا عن معرفتها.

فلما أخبرهم آدم بها، قال الله للملائكة: لقد أخبرتكم أني أعلم ما خفي عنكم في السموات والأرض، وأعلم ما تظهرونه وما تخفونه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن بين القرآن أن الملائكة قد اعترفوا بالعجز عن معرفة ما سئلوا عنه ، وجه - سبحانه - الخطاب إلى آدم ، يأمره فيه بأن يخبر الملائكة بالأسماء التي سئلوا عنها ، ولم يكونوا على علم بها ، فقال - تعالى - :( قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السماوات والأرض وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ) .ففي هذه الآية الكريمة أخبرنا الله - تعالى - أنه قد أذن لآدم في أن يخبر الملائكة بالأسماء التي فاتتهم معرفتها ليظهر لهم فضل آدم ، ويزدادوا اطمئنانا إلى أن إسناد الخلافة إليه ، إنما هو تدبير قائم على حكمة بالغة .وعلم الغيب يختص به واجب الوجود - سبحانه لأنه هو الذي يعلم المغيبات بذاته ، وأما العلم بشيء من المغيبات الحاصل من تعليم الله فلا يقال لصاحبه إنه يعلم الغيب .وقوله - تعالى - ( أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إني أَعْلَمُ .

.

.

) إلخ الآية ، استحضار وتأكيد لمعنى قوله قبل ذلك ، ( إني أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ) .

وإعادة له على وجه من التفصيل أفاد أن علمه يشمل ما يظهرونه بأقوالهم أو أفعالهم ، وما يضمرونه في أنفسهم .وفي قوله : ( أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ .

.

.

) إلخ تعريض بمعاتبتهم على ترك الأولى ، حيث بادروا بالسؤال عن الحكمة ، وكان الأولى أن يأخذوا بالأدب المناسب لمقام الألوهية ، فيتركوا السؤال عنها إلى أن يستبين لهم أمرها بوجه من وجوه العلم .ومن الفوائد التي تؤخذ من هذه الآيات ، أن الله - تعالى - قد أظهر فيها فضل آدم - عليه السلام - من جهة أن علمه مستمد من تعليم الله له ، فإن إمداد الله له بالعلم يدل على أنه محاط منه برعاية ضافية ، ثم إن العلم الذي يحصل عن طريق النظر والفكر قد يعتريه الخلل ، ويحوم حوله الخطأ .

فيقع صاحبه في الإِفساد من حيث إنه يريد الإِصلاح ، بخلاف العلم الذي يتلقاه الإِنسان من تعليم الله ، فإنه علم مطابق للواقع قطعاً ، ولا يخشى من صاحبه أن يحيد عن سبيل الإِصلاح ، وصاحب هذا العلم هو الذي يصلح للخلافة في الأرض ، ومن هنا ، كانت السياسة الشرعية أرشد من كل سياسة ، والأحكام النازلة من السماء أعدل من القوانين الناشئة في الأرض .وبعد أن بين القرآن في الآيات السابقة بعض الكرامات التي خص الله بها آدم ، انتقل إلى بيان كرامة أخرى أكرم الله بها آدم - عليه السلام - وهي أمره للملائكة بالسجود له ، ثم بيان ما حصل بينه وبين إبليس ، فقال - تعالى - :( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسجدوا لأَدَمََ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أبى واستكبر .

.

.

)

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الذين اعتقدوا أن الملائكة أتوا بالمعصية في قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم في هذا السؤال رجعوا وتابوا واعتذروا عن خطئهم بقولهم: ﴿ سبحانك لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ والذين أنكروا معصيتهم ذكروا في ذلك وجهين: الأول: أنهم إنما قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز والتسليم بأنهم لا يعلمون ما سئلوا عنه وذلك لأنهم قالوا إنا لا نعلم إلا ما علمتنا فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه.

الثاني: أن الملائكة إنما قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ لأن الله تعالى أعلمهم ذلك فكأنهم قالوا إنك أعلمتنا أنهم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء فقلنا لك أتجعل فيها من يفسد فيها وأما هذه الأسماء فإنك ما أعلمتنا كيفيتها فكيف نعلمها.

وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بقوله تعالى: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ على أن المعارف مخلوقة لله تعالى وقالت المعتزلة المراد أنه لا علم لنا إلا من جهته إما بالتعليم وإما بنصب الدلالة والجواب أن التعليم عبارة عن تحصيل العلم في الغير كالتسويد فإنه عبارة عن تحصيل السواد في الغير لا يقال التعليم عبارة عن إفادة الأمر الذي يترتب عليه العلم لو حصل الشرط وانتفى المانع ولذلك يقال علمته فما تعلم والأمر الذي يترتب عليه العلم هو وضع الدليل والله تعالى قد فعل ذلك لأنا نقول المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل وذلك النظر فعل العبد فلم يكن حصول ذلك العلم بتعليم الله تعالى وأنه يناقض قوله: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا ﴾ .

المسألة الثانية: احتج أهل الإسلام بهذه الآية على أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله تعالى وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة والعرافة ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الغيب لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ  ﴾ وقوله: ﴿ عَٰلِمُ ٱلْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِۦٓ أَحَدًا  إِلَّا مَنِ ٱرْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُۥ يَسْلُكُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِۦ رَصَدًا  ﴾ وللمنجم أن يقول للمعتزلي إذا فسرت التعليم بوضع الدلائل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله تعالى على أحوال هذا العالم فإذا استدللت بها على هذه كان ذلك أيضاً بتعليم الله تعالى، ويمكن أن يقال أيضاً إن الملائكة لما عجزوا عن معرفة الغيب فلأن يعجز عنه أحدنا كان أولى.

المسألة الثالثة: العليم من صفات المبالغة التامة في العلم، والمبالغة التامة لا تتحقق إلا عند الإحاطة بكل المعلومات، وما ذاك إلا هو سبحانه وتعالى، فلا جرم ليس العليم المطلق إلا هو، فلذلك قال: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ على سبيل الحصر.

المسألة الخامسة: أن الله تعالى لما أمر آدم عليه السلام بأن يخبرهم عن أسماء الأشياء وهو عليه الصلاة والسلام أخبرهم بها فلما أخبرهم بها قال سبحانه وتعالى لهم عند ذلك: ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض ﴾ والمراد من هذا الغيب أنه تعالى كان عالماً بأحوال آدم عليه السلام قبل أن يخلقه وهذا يدل على أنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء قبل حدوثها، وذلك يدل على بطلان مذهب هشام بن الحكم في أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها، فإن قيل الإيمان هو العلم، فقوله تعالى: ﴿ يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ يدل على أن العبد يعلم الغيب فكيف قال هاهنا: ﴿ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض ﴾ والإشعار بأن علم الغيب ليس إلا لي وأن كل من سواي فهم خالون عن علم الغيب وجوابه ما تقدم في قوله: ﴿ الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ﴾ أما قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: ما روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم أن قوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ ﴾ أراد به قولهم: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ وقوله: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أراد به ما أسر إبليس في نفسه من الكبر وأن لا يسجد:.

وثانيها: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ من الأمور الغائبة والأسرار الخفية التي يظن في الظاهر أنه لا مصلحة فيها ولكني لعلمي بالأسرار المغيبة أعلم أن المصلحة في خلقها.

وثالثها: أنه تعالى لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه فهذا الذي كتموا ويجوز أن يكون هذا القول سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان.

ورابعها: وهو قول الحكماء أن الأقسام خمسة لأن الشيء إما أن يكون خيراً محضاً أو شراً محضاً أو ممتزجاً وعلى تقدير الامتزاج فإما أن يعتدل الأمر أن أو يكون الخير غالباً أو يكون الشر غالباً أما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده وأما الذي يكون فيه الخير غالباً فالحكمة تقتضي إيجاده لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير فالملائكة ذكروا الفساد والقتل وهو شر قليل بالنسبة إلى ما يحصل منهم من الخيرات فقوله: ﴿ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والأرض ﴾ فأعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور فاقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم.

المسألة السادسة: اعلم أن في هذه الآية خوفاً عظيماً وفرحاً عظيماً أما الخوف فلأنه تعالى لا يخفى عليه شيء من أحوال الضمائر فيجب أن يجتهد المرء في تصفية باطنه وأن لا يكون بحيث يترك المعصية لاطلاع الخلائق عليها ولا يتركها عند اطلاع الخالق عليها والأخبار مؤكدة لذلك.

أحدها: روى عدي بن حاتم أنه عليه الصلاة والسلام قال: «يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا: فنودوا ذاك أردت لكم كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم وإذا لقيتم الناس لقيتموهم بالمحبة مخبتين تراءون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم هبتم الناس ولم تهابوني أجللتم الناس ولم تجلوني تركتم المعاصي للناس ولم تتركوها لأجلي كنت أهون الناظرين عليكم فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع حرمتكم من النعيم».

وثانيها: قال سليمان بن علي لحميد الطويل: عظني فقال إن كنت إذا عصيت الله خالياً ظننت أنه يراك فلقد اجترأت على أمر عظيم، وإن كنت ظننت أنه لا يراك فلقد كفرت.

وثالثها: قال حاتم الأصم: طهر نفسك في ثلاثة أحوال: إذا كنت عاملاً بالجوارح فاذكر نظر الله إليك.

وإذا كنت قائلاً فاذكر سمع الله إليك، وإذا كنت ساكتاً عاملاً بالضمير فاذكر علم الله بك إذ هو يقول: ﴿ إِنَّنِى مَعَكُمَا أَسْمَعُ وأرى  ﴾ .

ورابعها: اعلم أنه لا اطلاع لأحد على أسرار حكمة الله تعالى، فالملائكة وقع نظرهم على الفساد والقتل فاستحقروا البشر.

ووقع نظرهم على طاعة إبليس فاستعظموه، أما علام الغيوب فإنه كان عالماً بأنهم وإن أتوا بالفساد والقتل لكنهم سيأتون بعده بقولهم: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا  ﴾ وأن إبليس وإن أتى بالطاعات لكنه سيأتي بعدها بقوله: ﴿ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ ﴾ ، ومن شأن العقل أن لا يعتمد على ما يراه وأن يكون أبداً في الخوف والوجل، فقوله تعالى: ﴿ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات ﴾ معناه أن الذي أعرف الظاهر والباطن والواقع والمتوقع وأعلم أنه ما ترونه عابداً مطيعاً سيكفر ويبعد عن حضرتي، ومن ترونه فاسقاً بعيداً سيقرب من خدمتي، فالخلق لا يمكنهم أن يخرجوا عن حجاب الجهل ولا يتيسر لهم أن يخرقوا أستار العجز فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه.

ثم إنه سبحانه حقق من علم الغيب وعجز الملائكة أن أظهر من البشر كمال العبودية ومن أشد ساكني السموات عبادة كمال الكفر لئلا يغتر أحد بعمله ويفوضوا معرفة الأشياء إلى حكمة الخالق ويزيلوا الاعتراض بالقلب واللسان عن مصنوعاته ومبدعاته.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَإِذْ ﴾ نصب بإضمار اذكر.

ويجوز أن ينتصب بقالوا.

والملائكة: جمع ملأك على الأصل، كالشمائل في جمع شمأل.

وإلحاق التاء لتأنيث الجمع.

و ﴿ جَاعِلٌ ﴾ من جعل الذي له مفعولان، دخل على المبتدأ والخبر وهما قوله: ﴿ فِى الارض خَلِيفَةً ﴾ فكانا مفعوليه.

ومعناه مُصَيّرٌ في الأرض خليفة.

والخليفة: من يخلف غيره.

والمعنى خليفة منكم، لأنهم كانوا سكان الأرض فخلفهم فيها آدم وذريته.

فإن قلت: فهلا قيل: خلائف، أو خلفاء؟

قلت: أريد بالخليفة آدم.

واستغني بذكره عن ذكر بنيه كما استغنى بذكر أبي القبيلة في قولك: مضر وهاشم.

أو أريد من يخلفكم، أو خلفاً يخلفكم فوحد لذلك.

وقرئ: ﴿ خليقة ﴾ بالقاف ويجوز أن يريد: خليفة مني، لأنّ آدم كان خليفة الله في ارضه وكذلك كلّ نبي ﴿ إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً فِي الارض ﴾ [ص: 26] .

فإن قلت: لأي غرض أخبرهم بذلك؟

قلت: ليسألوا ذلك السؤال ويجابوا بما أجيبوا به فيعرفوا حكمته في استخلافهم قبل كونهم، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت استخلافهم.

وقيل: ليعلم عباده المشاورة في أمورهم قبل أن يقدموا عليها، وعرضها على ثقاتهم ونصائحهم، وإن كان هو بعلمه وحكمته البالغة غنيا عن المشاورة ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ تعجب من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية وهو الحكيم الذي لا يفعل إلا الخير ولا يريد إلا الخير.

فإن قلت: من أين عرفوا ذلك حتى تعجبوا منه وإنما هو غيب؟

قلت: عرفوه بإخبار من الله، أو من جهة اللوح، أو ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو قاسوا أحد الثقلين على الآخر حيث أسكنوا الأرض فأفسدوا فيها قبل سكنى الملائكة.

وقرئ: ﴿ يسفُك ﴾ ، بضم الفاء.

ويُسفك.

ويَسفك، من أسفك.

وسفك.

والواو في ﴿ وَنَحْنُ ﴾ للحال، كما تقول: أتحسن إلى فلان وأنا أحق منه بالإحسان.

والتسبيح: تبعيد الله عن السوء، وكذلك تقديسه، من سبح في الأرض والماء.

وقدس في الأرض: إذا ذهب فيها وأبعد.

و ﴿ بِحَمْدِكَ ﴾ في موضع الحال، أي نسبح حامدين لك وملتبسين بحمدك؛ لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك.

﴿ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي أعلم من المصالح في ذلك ما هو خفي عليكم.

فإن قلت: هلا بين لهم تلك المصالح؟

قلت: كفى العباد أن يعلموا أن أفعال الله كلها حسنة وحكمة، وإن خفي عليهم وجه الحسن والحكمة.

على أنه قد بين لهم بعض ذلك فيما أَتبعه من قوله ﴿ وَعَلَّمَ ءادَمَ الاسماء كُلَّهَا ﴾ واشتقاقهم ﴿ ءادَمَ ﴾ من الأدمة، ومن أديم الأرض، نحو اشتقاقهم (يعقوب) من العقب، و(إدريس) من الدرس، و(إبليس) من الإبلاس.

وما آدم إلا اسم أعجمي؛ وأقرب أمره أن يكون على فاعل، كآزر، وعازر، وعابر وشالخ.

وفالغ، وأشباه ذلك ﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء المسميات فحذف المضاف إليه لكونه معلوماً مدلولاً عليه بذكر الأسماء، لأن الاسم لابد له من مسمى، وعوض منه اللام كقوله: ﴿ واشتعل الرأس ﴾ [مريم: 4] .

فإن قلت: هلا زعمت أنه حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وأن الأصل: وعلم آدم مسميات الأسماء؟

قلت: لأن التعليم وجب تعليقه بالأسماء لا بالمسميات لقوله: ﴿ أَنبِئُونِى بِأَسْمَاء هَؤُلاء ﴾ ، ﴿ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم ﴾ فكما علق الإنباء بالأسماء لا بالمسميات ولم يقل: أنبئوني بهؤلاء، وأنبئهم بهم، وجب تعليق التعليم بها.

فإن قلت: فما معنى تعليمه أسماء المسميات؟

قلت: أراه الأجناس التي خلقها، وعلمه أن هذا اسمه فرس، وهذا اسمه بعير، وهذا اسمه كذا، وهذا اسمه كذا، وعلمه أحوالها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات.

وإنما ذكّر لأن في المسميات العقلاء فغلبهم.

وإنما استنبأهم وقد علم عجزهم عن الإنباء على سبيل التبكيت ﴿ إِن كُنتُمْ صادقين ﴾ يعني في زعمكم أني أستخلف في الأرض مفسدين سفاكين للدماء إرادة للرد عليهم، وأن فيمن يستخلفه من الفوائد العلمية التي هي أصول الفوائد كلها، ما يستأهلون لأجله أن يستخلفوا.

فأراهم بذلك وبين لهم بعض ما أجمل من ذكر المصالح في استخلافهم في قوله ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

وقوله: ﴿ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض ﴾ استحضار لقوله لهم: ﴿ إِنّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ ، إلا أنه جاء به على وجه أبسط من ذلك وأشرح.

وقرئ: ﴿ وعُلم آدم ﴾ على البناء للمفعول.

وقرأ عبد الله: ﴿ عرضهن ﴾ .

وقرأ أُبيّ: ﴿ عرضها ﴾ .

والمعنى عرض مسمياتهن أو مسمياتها: لأن العرض لا يصح في الأسماء.

وقرئ: ﴿ أنبيهم ﴾ بقلب الهمزة ياء.

﴿ وأنبهم ﴾ بحذفها والهاء مكسورة فيهما.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ ﴾ أيْ: أعْلِمْهُمْ، وقُرِئَ بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً وحَذْفِها بِكَسْرِ الهاءِ فِيهِما.

﴿ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ اسْتِحْضارٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ﴾ لَكِنَّهُ جاءَ بِهِ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ لِيَكُونَ كالحُجَّةِ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ تَعالى لَمّا عَلِمَ ما خَفِيَ عَلَيْهِمْ مِن أُمُورِ السَّماواتِ والأرْضِ، وما ظَهَرَ لَهم مِن أحْوالِهِمُ الظّاهِرَةِ والباطِنَةِ عَلِمَ ما لا يَعْلَمُونَ، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِمُعاتَبَتِهِمْ عَلى تَرْكِ الأوْلى، وهو أنْ يَتَوَقَّفُوا مُتَرَصِّدِينَ لِأنْ يُبَيَّنَ لَهُمْ، وقِيلَ: ما تُبْدُونَ قَوْلَهُمْ: أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها.

وما ( تَكْتُمُونَ ) اسْتِبْطانَهم أنَّهم أحِقّاءُ بِالخِلافَةِ، وأنَّهُ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا أفْضَلَ مِنهم.

وقِيلَ: ما أظْهَرُوا مِنَ الطّاعَةِ، وأسَرَّ إبْلِيسُ مِنهم مِنَ المَعْصِيَةِ، والهَمْزَةُ لِلْإنْكارِ دَخَلَتْ حَرْفَ الجَحْدِ فَأفادَتِ الإثْباتَ والتَّقْرِيرَ.

واعْلَمْ أنَّ هَذِهِ الآياتِ تَدُلُّ عَلى شَرَفِ الإنْسانِ، ومِزْيَةِ العِلْمِ وفَضْلِهِ عَلى العِبادَةِ، وأنَّهُ شَرْطٌ في الخِلافَةِ بَلِ العُمْدَةُ فِيها، وأنَّ التَّعْلِيمَ يَصِحُّ إسْنادُهُ إلى اللَّهِ تَعالى، وإنْ لَمْ يَصِحَّ إطْلاقُ المُعَلِّمِ عَلَيْهِ لِاخْتِصاصِهِ بِمَن يَحْتَرِفُ بِهِ، وأنَّ اللُّغاتِ تَوْقِيفِيَّةٌ، فَإنَّ الأسْماءَ تَدُلُّ عَلى الألْفاظِ بِخُصُوصٍ أوْ عُمُومٍ، وتَعْلِيمُها ظاهِرٌ في إلْقائِها عَلى المُتَعَلِّمِ مُبَيِّنًا لَهُ مَعانِيَها، وذَلِكَ يَسْتَدْعِي سابِقَةَ وضْعٍ، والأصْلُ يَنْفِي أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الوَضْعُ مِمَّنْ كانَ قَبْلَ آدَمَ فَيَكُونُ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وأنَّ مَفْهُومَ الحِكْمَةِ زائِدٌ عَلى مَفْهُومِ العِلْمِ وإلّا لَتَكَرَّرَ قَوْلُهُ: ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ وأنَّ عُلُومَ المَلائِكَةِ وكَمالاتِهِمْ تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، والحُكَماءُ مَنَعُوا ذَلِكَ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنهُمْ، وحَمَلُوا عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ وَما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ وأنَّ آدَمَ أفْضَلُ مِن هَؤُلاءِ المَلائِكَةِ لِأنَّهُ أعْلَمُ مِنهُمْ، والأعْلَمُ أفْضَلُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ﴾ وأنَّهُ تَعالى يَعْلَمُ الأشْياءَ قَبْلَ حُدُوثِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قال يا آدم أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِم} سمى كل شيء باسمه {قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِي أعلم غيب السماوات والأرض} أي أعلم ما غاب فيهما عنكم

مما كان ومما يكون {وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ} تظهرون {وما كنتم تكتمون} تسرون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ ﴾ نادى سُبْحانَهُ آدَمَ بِاسْمِهِ العَلَمِ كَما هو عادَتُهُ جَلَّ شَأْنُهُ، مَعَ أنْبِيائِهِ ما عَدّا نَبِيَّنا  حَيْثُ ناداهُ بِـ يا أيُّها النَّبِيُّ، ويا أيُّها الرَّسُولُ، لِعُلُوِّ مَقامِهِ ورِفْعَةِ شَأْنِهِ، إذْ هو الخَلِيفَةُ الأعْظَمُ، والسِّرُّ في إيجادِ آدَمَ، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ أنْبِئْنِي كَما وقَعَ في أمْرِ المَلائِكَةِ مَعَ حُصُولِ المُرادِ مَعَهُ أيْضًا، وهو ظُهُورُ فَضْلِ آدَمَ إبانَةً لِما بَيْنَ الرُّتْبَتَيْنِ مِنَ التَّفاوُتِ، وإنْباءً لِلْمَلائِكَةِ بِأنَّ عِلْمَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ واضِحٌ، لا يَحْتاجُ إلى ما يَجْرِي مَجْرى الِامْتِحانِ، وأنَّهُ حَقِيقٌ أنْ يُعَلِّمَ غَيْرَهُ، أوْ لِتَكُونَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَّةُ التَّعْلِيمِ كامِلَةً حَيْثُ أُقِيمَ مَقامَ المُفِيدِ، وأُقِيمُوا مَقامَ المُسْتَفِيدِينَ مِنهُ، أوْ لِئَلّا تَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الهَيْبَةُ فَإنَّ إنْباءَ العالِمِ لَيْسَ كَإنْباءِ غَيْرِهِ، والمُرادُ بِالإنْباءِ هُنا الإعْلامُ لا مُجَرَّدُ الإخْبارِ كَما تَقَدَّمَ.

وفِيهِ دَلِيلٌ لِمَن قالَ: إنَّ عُلُومَ المَلائِكَةِ وكَمالاتُهم تَقْبَلُ الزِّيادَةَ، ومَنَعَ قَوْمٌ ذَلِكَ في الطَّبَقَةِ العُلْيا مِنهُمْ، وحَمَلَ عَلَيْهِ ﴿ وما مِنّا إلا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ ﴾ وأفْهَمَ كَلامُ البَعْضِ مَنعَ حُصُولِ العِلْمِ المُرَقِّي لَهُمْ، فَلَعَلَّ ما يَحْصُلُ عِلْمٌ قالَ: لا حالٌ، والفَرْقُ ظاهِرٌ لِمَن لَهُ ذَوْقٌ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ (أنْبِئْهِمْ) بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ، و(أنْبِيهِمْ) بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً، وقَرَأ الحَسَنُ (أنْبِهِمْ) كَأعْطِهِمْ، والمُرادُ بِالأسْماءِ ما عَجَزُوا عَنْ عِلْمِها، واعْتَرَفُوا بِالقُصُورِ عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِها، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى المَعْرُوضِينَ عَلى ما تَقَدَّمَ، ﴿ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ، والتَّقْدِيرُ فَأنْبَأهم بِها، فَلَمّا أنْبَأهم إلَخْ، وحُذِفَتْ لِفَهْمِ المَعْنى، وإظْهارُ الأسْماءِ في مَوْقِعِ الإضْمارِ لِإظْهارِ كَمالِ العِنايَةِ بِشَأْنِها مَعَ الإشارَةِ إلى أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْبَأهم بِها عَلى وجْهِ التَّفْصِيلِ دُونَ الإجْمالِ، وعَلَّمَهم بِصِدْقِهِ مِنَ القَرائِنِ المُوجِبَةِ لَهُ، والأمْرُ أظْهَرُ مِن أنْ يَخْفى، ولا يَبْعُدُ إنْ عَرَّفَهم سُبْحانَهُ الدَّلِيلَ عَلى ذَلِكَ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ لِكُلِّ صِنْفٍ مِنهم لُغَةٌ أوْ مَعْرِفَةٌ بِشَيْءٍ ثُمَّ حَضَرَ جَمِيعُهم فَعَرَفَ كُلُّ صِنْفٍ إصابَتَهُ في تِلْكَ اللُّغَةِ، أوْ ذَلِكَ الشَّيْءِ بَعِيدٌ.

﴿ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ جَوابٌ (لِما)، وتَقْرِيرٌ لِما مَرَّ مِنَ الجَوابِ الإجْمالِيِّ، واسْتِحْضارٌ لَهُ عَلى وجْهٍ أبْسَطَ مِن ذَلِكَ، وأشْرَحَ، ولا يَخْفى ما في الآيَةِ مِنَ الإيجازِ، إذْ كانَ الظّاهِرُ: أعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ والأرْضِ وشَهادَتَهُما، وأعْلَمُ ما كُنْتُمْ تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، وما سَتُبْدُونَ وتَكْتُمُونَ، إلّا أنَّهُ سُبْحانَهُ اقْتَصَرَ عَلى غَيْبِ السَّماواتِ والأرْضِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنهُ شَهادَتَهُما بِالأوْلى، واقْتَصَرَ مِنَ الماضِي عَلى المَكْتُومِ لِأنَّهُ يَعْلَمُ مِنهُ البادِيَ كَذَلِكَ، وعَلى المَبْدَإ مِنَ المُسْتَقْبَلِ لِأنَّهُ قَبْلَ الوُقُوعِ خَفِيَ، فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِن خَفِيّاتِهِ، وتَغْيِيرُ الأُسْلُوبِ حَيْثُ لَمْ يَقُلْ: وتَكْتُمُونَ، لَعَلَّهُ لِإفادَةِ اسْتِمْرارِ الكِتْمانِ، فالمَعْنى: أعْلَمُ ما تُبْدُونَ قَبْلَ أنْ تُبْدُوهُ، وأعْلَمُ ما تَسْتَمِرُّونَ عَلى كِتْمانِهِ، وذَكَرالسّالِيكُوتِيُّ أنَّ كَلِمَةً (كانَ) صِلَةٌ غَيْرُ مُفِيدَةٍ لِشَيْءٍ إلّا مَحْضَ التَّأْكِيدِ المُناسِبِ لِلْكِتْمانِ، ثُمَّ الظّاهِرُ مِنَ الآيَةِ العُمُومُ، ومَعَ ذَلِكَ (ما لا تَعْلَمُونَ) أعَمُّ مَفْهُومًا لِشُمُولِهِ غَيْبَ الغَيْبِ الشّامِلِ لِذاتِ اللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ، وخَصَّها قَوْمٌ فَمِن قائِلٍ: غَيْبُ السَّماواتِ أكْلُ آدَمَ وحَوّاءَ مِنَ الشَّجَرَةِ، وغَيْبُ الأرْضِ قَتْلُ قابِيلَ هابِيلَ، ومِن قائِلٍ: الأوَّلُ ما قَضاهُ مِن أُمُورِ خَلْقِهِ، والثّانِي ما فَعَلُوهُ فِيها بَعْدَ القَضاءِ، ومِن قائِلٍ: الأوَّلُ ما غابَ عَنِ المُقَرَّبِينَ مِمّا اسْتَأْثَرَ بِهِ تَعالى مِن أسْرارِ المَلَكُوتِ الأعْلى، والثّانِي ما غابَ عَنْ أصْفِيائِهِ مِن أسْرارِ المُلْكِ الأدْنى، وأُمُورِ الآخِرَةِ والأُولى، وما أبْدَوْهُ قَبْلَ قَوْلِهِمْ: أتَجْعَلُ فِيها، وما كَتَمُوهُ، قَوْلُهم: لَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنّا، وقِيلَ: ما أظْهَرُوهُ بَعْدُ مِنَ الِامْتِثالِ، وقِيلَ: ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ، وإسْنادُ الكَتْمِ إلى الجَمِيعِ حِينَئِذٍ مِن بابِ: بَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا والقاتِلُ واحِدٌ مِنهُمْ، مَعْنى الكَتْمِ عَلى كُلِّ حالٍ عَدَمُ إظْهارِ ما في النَّفْسِ لِأحَدٍ مِمَّنْ كانَ في الجَمْعِ، ولَيْسَ المُرادُ أنَّهم كَتَمُوا اللَّهَ تَعالى شَيْئًا بِزَعْمِهِمْ، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ حَتّى مِن إبْلِيسَ، وأبْدى سُبْحانَهُ العامِلَ في ما تَبْدُونَ إلَخِ، اهْتِمامًا بِالإخْبارِ بِذَلِكَ المُرْهِبِ لَهُمْ، والظّاهِرُ عَطْفُهُ عَلى الأوَّلِ، فَهو داخِلٌ مَعَهُ تَحْتَ ذَلِكَ القَوْلِ، ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ ألَمْ أقُلْ ﴾ فَلا يَدْخُلُ حِينَئِذٍ تَحْتَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ، يعني أخبرهم بِأَسْمائِهِمْ، يعني أسماء الدواب وما فيها من الحكمة وما يحل أكله وما لا يحل أكله.

فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ يعني أخبرهم بِأَسْمائِهِمْ قال الله تعالى لهم: أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يعني سر أهل السماوات وسر أهل الأرض، وما يكون فيهما.

وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ، أي ما أظهرتهم من الطاعة يعني الملائكة وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ، يعني ما أسر إبليس في نفسه حين قال: لئن فضل علي لا أطيعه ولئن فضلت عليه لأهلكنه.

وقال بعضهم: إنهم كانوا يقولون حين أراد الله أن يخلق آدم: إنه لا يخلق أحداً أفضل منهم، فهذا الذي كانوا يكتمون.

وهذا التفسير ذكر عن قتادة.

وقد قيل: إنه لما خلق آدم، أشكل عليهم أن آدم أعلم أم هم؟

فسألهم عن الأسماء، فلم يعرفوها وسأل آدم عن الأسماء فأخبرهم بها، فظهر لهم أن آدم أعلم منهم.

ثم أشكل عليهم أنه أفضل أم هم؟

فأمرهم- سبحانه وتعالى- بالسجود له، فظهر لهم فضله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقال آخرون: إِن كنتم صادِقِينَ في أنِّي إِن استخلفتكم، سبَّحتم بحَمْدِي، وقدَّستم لي.

وقال/ قوم: معناه: إن كنتم صادقين في جوابِ السؤال، عالمين بالأسماء.

١٥ أوسُبْحانَكَ: معناه تنزيهاً لك وتبرئةً أنْ يعلم أحدٌ من علمك إِلا ما علمته، والعَلِيمُ: معناه: العَالِمُ، ويزيد عليه معنى من المبالغةِ والتكثيرِ في المعلوماتِ، والحكيمُ:

معناه: الحاكِمُ وبينهما مزية المبالغةِ، وقيل: معناه: المُحْكِمُ، وقال قوم: الحَكِيمُ المانعُ من الفساد، ومنه حَكَمَةُ الفرسِ مانعته.

وقوله تعالى: قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ: أَنْبِئْهُمْ: معناه: أخبرهم، والضمير في «أَنْبِئْهُمْ» عائدٌ على الملائكة بإجماعٍ، والضميرُ في «أَسْمَائِهِمْ» مختلَفٌ فيه حَسَبَ الاختلاف في الأسماء التي علَّمها آدم، قال بعض العلماء: إنَّ في قوله تعالى: فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ نبوءةً لآدم عليه السلام إِذ أمره اللَّه سبحانه أن ينبىء الملائكة بما ليس عندهم من علم اللَّه عز وجَلَّ.

وقوله تعالى: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ: معناه: ما غاب عنكم لأنَّ اللَّه تعالى لا يغيبُ عنه شيء، الكلُّ معلوم له.

واختلف في قوله تعالى: مَا تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ.

فقال طائفة: ذلك على معنى العموم في معرفة أسرارهم وظواهرهم وبواطنهم أجمع، «وإِذْ» من قوله: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ معطوفةٌ على «إذِ» المتقدِّمة، وقولُ «١» اللَّه تعالى

وخطابه للملائكةِ متقرِّر قديم في الأَزَلِ بشرط وجودهم وفهمهم، وهذا هو الباب كله في أوامر الله تعالى ونواهيه ومخاطباته.

ت: ما ذكره- رحمه اللَّه- هو عقيدةُ أهل السنة، وها أنا أنقل من كلام الأئمة، إن شاء اللَّه، ما يتبيَّن به كلامه، ويزيده وضوحاً، قال ابن رُشْدٍ: قوله صلّى الله عليه وسلم: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خلق» «١» لا يفهم منه أن لله عز وجلّ كلمات غير تامّات لأن

كلماته هي قوله، وكلامه هو صفةٌ من صفات ذاتِهِ يستحيلُ عليها النقص، وفي الحديث بيان واضح على أن كلماته عز وجل غير مخلوقة إذ لا يستعاذ بمخلوقٍ، وهذا هو قول أهل السنة، والحقّ أن كلام اللَّه عزَّ وجلَّ صفة من صفات ذاته قديمٌ غيرُ مخلوقٍ لأن الكلام هو، المعنى القائِمُ في النفسِ، والنطقُ به عبارةٌ عنه قال اللَّه عزَّ وجلَّ: وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ [المجادلة: ٨] فأخبر أن القول معنًى يقوم في النفْسِ، وتقول: في نَفْسِي كَلاَمٌ، أريد أن أعلمك به، فحقيقة كلام الرجل هو المفهومُ من كلامه، وأما الذي تسمعه منه، فهو عبارة عنه وكذلك كلام الله عز وجلّ القديمُ الذي هو صفة من صفاتِ ذاته هو المفهوم من قراءة القارئ لا نَفْسُ قراءته التي تسمعها لأنَّ نفس قراءته التي تسمعها مُحْدَثَةٌ، لم تكن حتى قرأ بها، فكانت، وهذا كله بيِّن إلا لمن أعمى اللَّه بصيرته.

انتهى بلفظه من «البَيَانِ» .

وقال الغَزَّالِيُّ «١» بعد كلامٍ له نحو ما تقدَّم لابن رشد: وكما عقل قيامُ طلبِ التعلُّم وإرادته بذات الوالدِ قبل أن يخلق ولده حتى إذا خلق ولده، وعقل، وخلق اللَّه سبحانه له علْماً بما في قلْب أبيه من الطَّلَب، صار مأموراً بذلك الطلب الذي قام بذاتِ أبيه، ودام وجوده إِلى وقت معرفة ولده، فليعقل قيام الطلب الذي دلَّ عليه قوله عزَّ وجلَّ: فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ/ [طه: ١٢] بذات اللَّه تعالى، ومصير موسى عليه السلام سامعا لذلك الكلام

مخاطَباً به بعد وجوده إذ خلقت له معرفة بذلك الطلبِ، ومعرفةُ بذلك الكلامِ القديمِ.

انتهى بلفظه من «الإحياء» .

وقوله: لِلْمَلائِكَةِ عمومٌ فيهم، والسجودُ في كلام العرب: الخضوعُ والتذلُّل، وغايته وضعه الوجْه بالأرض، والجمهور على أنَّ سجود الملائكة لآدم إيماءٌ وخضوعٌ، ولا تدفع الآية أنْ يكونوا بلغوا غاية السجود، وقوله تعالى: فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ [الحجر: ٢٩] لا دليل فيه لأن الجاثي على ركبتيه واقعٌ، واختُلِفَ في حال السجودِ لآدم.

فقال ابن عَبَّاسٍ: تعبَّدهم اللَّه بالسجود لآدم، والعبادةُ في ذلك للَّهِ «١» ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابن عبَّاس أيضاً: كان سجودَ تحيَّة كسجود أبوَيْ يوسُفَ عليه السلام له، لا سجودَ عبادة «٢» ، وقال الشَّعبيُّ: إنما كان آدم كالقِبْلة «٣» ، ومعنى لِآدَمَ:

إلى آدَمَ.

ع «٤» : وفي هذه الوجوهِ كلِّها كرامةٌ لآدم عليه السلام.

وقوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ نصبٌ على الاستثناءِ المتَّصِلِ لأنه من الملائكة على قوله الجمهور، وهو ظاهر الآية، وكان خازناً ومَلَكاً على سماء الدنيا والأرض، واسمه عزازيل قال ابن عباس «٥» .

وقال ابن زيد والحسن: هو أبو الجِنِّ كما آدمُ أبو البشر، ولم يكُ قطُّ ملَكاً «٦» ، وقد روي نحوه عن ابن عباس أيضا، قال: واسمه الحارث «٧» .

وقال شَهْرُ بن حَوْشَبٍ: كان من الْجِنِّ الذين كانوا في الأرض، وقاتلتهم الملائكةُ فسَبَوْهُ صغيراً، وتعبَّد مع الملائكة، وخُوطِبَ معها، وحكاه الطبريّ عن ابن مسعود «١» .

والاستثناء على هذا الأقوال منقطعٌ واحتجَّ بعض أصحاب هذا القول بأن اللَّه تعالى قال في صفة الملائكة: لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] ورجَّح الطبريُّ قَوْلَ من قال: إن إِبليسَ كان من الملائكَةِ، وقال «٢» : ليس في خلقه مِنْ نارٍ، ولا في تركيبِ الشَّهْوَةِ والنسلِ فيه حينَ غُضِبَ عليه ما يدْفَعُ أنه كان من الملائكة، وقوله تعالى:

كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [الكهف: ٥٠] يتخرَّج على أنه عمل عملهم، فكان منهم في هذا، أو على أن الملائكة قد تسمى جِنًّا لاستتارها قال اللَّه تعالى: وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [الصافات: ١٥٨] وقال الأعشى في ذكر سليمانَ عليه السلام: [الطويل]

وَسَخَّرَ مِنْ جِنِّ المَلاَئِكِ تِسْعَةً ...

قِيَاماً لَدَيْهِ يَعْمَلونَ بِلاَ أَجْرِ «٣»

أو على أن يكون نسبه إلى الجَنَّةِ كما ينسب إلى البَصْرَةِ بِصْرِيَّ.

قال عِيَاضٌ: ومما يذكرونه قصَّةُ إبليس، وأنه كان من الملائكة، ورئيساً فيهم، ومن خُزَّان الجَنَّة إلى ما حكَوْه، وهذا لم يتفقْ عليه، بل الأكثر ينفون ذلك، وأنه أبو الجن.

انتهى من «الشِّفا» «٤» .

وإِبْلِيسُ: لا ينصرفُ لأنه اسم أعجميٌّ قال الزَّجَّاج: ووزنه فِعْلِيلُ، وقال ابن عبَّاس وغيره: هو مشتقٌّ من أُبْلِسَ، إِذا أبعد عن الخير، ووزنه على هذا إفعيل «٥» ، ولم

تصرفه هذه الفرقةُ لشذوذه وقلَّته، ومنه قوله تعالى: فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ [الأنعام: ٤٤] أيْ:

يائسون من الخير، مبعدون منه فيما يرون، وأَبى: معناه: امتنَعَ من فعْلِ ما أمر به، وَاسْتَكْبَرَ: دخل في الكبرياءِ، والإبَاءَةُ مقدَّمة على الاِستكبارِ في ظهورهما عليه، والاستكبارُ والأَنَفَة مقدَّمة في معتقده، وروى ابْنُ القاسم «١» عن مَالكٍ أنه قال: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ معْصيَةٍ كانت الحسدُ، والكِبْرُ، والشُّحُّ، حسد إِبليسُ آدم، وتكبَّر، وشحّ آدم/ في أكله ١٦ أمن شجرة قد نُهِيَ عن قربها «٢» .

ت: إِطلاق الشحِّ على آدم فيه ما لا يخفى عليك، والواجب اعتقاد تنزيه الأنبياء عن كل ما يحُطُّ من رتبتهم، وقد قال اللَّه تعالى في حق آدَمَ: وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [طه: ١١٥] .

وقوله تعالى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ: قالت فِرقَةٌ: معناه: وصار من الكافرين، وردَّه ابن فُورَكَ، وقال جمهور المتأوِّلين: معنى: وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ، أيْ: في علْمِ اللَّهِ تعالى، وقال أبو العالية: معناه: من العاصين «٣» ، وذهب الطبريُّ إِلى أن اللَّه تعالى أراد بقصة إبْلِيسَ تقريعَ أشباهه من بني آدم، وهم اليهود الذين كفروا بمحمّد صلّى الله عليه وسلم، مع علمهم بنبوءته، ومع تقدُّم نعم اللَّه عليهم، وعلى أسلافهم.

ت: ولفظ الطبريِّ «٤» : وفي هذا تقريعٌ لليهود إذ أبوا الإسلام مع علمهم بنبوءة رسول الله صلّى الله عليه وسلم من التوراة والكُتُبِ حَسَداً له، ولبني إِسماعيل كما امتنع إِبليسُ من السجود حَسَداً لآدَم وتكبُّراً عن الحق وقبولِهِ، فاليهود نظراء إِبْليسَ في كُفْرهم وكِبْرهم وحَسَدهم وتَرْكِهِمْ الانقيادَ لأمر اللَّه تعالى.

انتهى من «مختصر الطبريِّ» لأبي عبد اللَّه اللَّخْمِيِّ النحْويِّ.

واختلف، هل كفر إبليس جهلاً أو عناداً؟

على قولَيْن بين أهل السنة، ولا خلاف أنه

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهُمْ ﴾ أيْ: أخْبَرَهم، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنْبِئْهِمْ بِكَسْرِ الهاءِ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: قِراءَةُ الجُمْهُورِ عَلى الأصْلِ، لِأنَّ أصْلَ هَذا الضَّمِيرِ أنْ تَكُونَ الهاءُ مَضْمُومَةً فِيهِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: ضَرْبَهم وأبْناءَهم، وهَذا لَهم.

ومَن كَسَرَ أتْبَعَ كَسْرَ الهاءِ الَّتِي قَبْلَها وهي كَسْرَةُ الباءِ.

والهاءُ والمِيمُ تَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ.

وفي الهاءِ والمِيمِ مِن "أسْمائِهِمْ" قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ عَلى المَخْلُوقاتِ الَّتِي عَرَضَها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى المَلائِكَةِ، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.

وَفِي الَّذِي أبْدُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ﴾ ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ ما أظْهَرُوهُ مِنَ السَّمْعِ والطّاعَةِ لِلَّهِ حَيْثُ مَرُّوا عَلى جَسَدِ آَدَمَ، فَقالَ إبْلِيسُ: إنَّ فَضْلَ هَذا عَلَيْكم ما تَصْنَعُونَ؟

فَقالُوا: نُطِيعُ رَبَّنا، فَقالَ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ: لَئِنْ فُضِّلْتُ عَلَيْهِ لَأُهْلِكْنَهُ، ولَئِنْ فُضِّلَ عَلَيَّ لَأعْصِيَنَّهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَفِي الَّذِي كَتَمُوهُ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ اعْتِقادُ المَلائِكَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا أكْرَمَ مِنهم، قالَهُ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبَرِ والعِصْيانِ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، ومُقاتِلٌ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ يا آدَمُ أنْبِئْهم بِأسْمائِهِمْ فَلَمّا أنْبَأهم بِأسْمائِهِمْ قالَ ألَمْ أقُلْ لَكم إنِّي أعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ وأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ أبى واسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ "أنْبِئْهُمْ" مَعْناهُ: أخْبِرْهُمْ، وهو فِعْلٌ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أحَدُهُما بِحَرْفِ جَرٍّ، وقَدْ يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ أحْيانًا، تَقُولُ: نُبِّئْتُ زَيْدًا، قالَ سِيبَوَيْهِ: مَعْناهُ نُبِّئَتُ عن زَيْدٍ، والضَمِيرُ في "أنْبِئْهُمْ" عائِدٌ عَلى المَلائِكَةِ بِإجْماعٍ، والضَمِيرُ في "أسْمائِهِمْ" مُخْتَلَفٌ فِيهِ، حَسَبَ الِاخْتِلافِ في الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: كُلُّهم قَرَأ "أنْبِئْهُمْ" بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ، إلّا ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ "أنْبِئْهِمْ" بِالهَمْزِ وكَسْرُ الهاءِ، وكَذَلِكَ رَوى بَعْضُ المَكِّيِّينَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، وذَلِكَ عَلى إتْباعِ كَسْرَةِ الهاءِ لِكَسْرَةِ الباءِ، وإنْ حُجِزَ الساكِنُ فَحَجْزُهُ لا يُعْتَدُّ بِهِ.

قالَ أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ: وقَرَأ الحَسَنُ، والأعْرَجُ: "أنَبِيهُمْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وقَرَأ الحَسَنُ "أنْبِهِمْ" عَلى وزْنِ (أعْطِهِمْ)، وقَدْ رُوِيَ عنهُ "أنْبِيهِمْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ.

قالَ أبُو عَمْرٍو: وقَدْ رُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مِن طَرِيقِ القَوّاسِ.

قالَ أبُو الفَتْحِ: أمّا قِراءَةُ الحَسَنِ "أنْبِهِمْ" كَأعْطِهِمْ، فَعَلى إبْدالِ الهَمْزَةِ ياءً، عَلى أنَّكَ تَقُولُ "أنْبَيْتُ" كَأعْطَيْتُ، وهَذا ضَعِيفٌ في اللُغَةِ، لِأنَّهُ بَدَلٌ لا تَخْفِيفَ، والبَدَلُ عِنْدَنا لا يَجُوزُ إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ.

قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلَمّا أنْبَأهُمْ ﴾ نُبُوَّةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ إذْ أمَرَهُ اللهُ أنْ يُنْبِئَ المَلائِكَةَ بِما لَيْسَ عِنْدَهم مِن عِلْمِ اللهِ عَزَّ وجَلَّ.

ويَجُوزُ فَتْحُ الياءِ مِن "إنِّي" وتَسْكِينُها، قالَ الكِسائِيُّ: رَأيْتُ العَرَبَ إذا لَقِيَتْ عِنْدَهُمُ الياءَ هَمْزَةً فَتَحُوها.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: كانَ أبُو عَمْرٍو يَفْتَحُ ياءَ الإضافَةِ المَكْسُورُ ما قَبْلَها عِنْدَ الهَمْزَةِ المَفْتُوحَةِ والمَكْسُورَةِ إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِاسْمٍ أو بِفِعْلٍ، ما لَمْ يَطُلِ الحَرْفُ، فَإنَّهُ يُثْقَلُ فَتْحُها، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَفْتِنِّي ألا  ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ  ﴾ .

والَّذِي يَخِفُّ: ( إنِّي أرى )، و( أجْرِيَ إلّا عَلى اللهِ ) ونَحْوُهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أعْلَمُ غَيْبَ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ مَعْناهُ ما غابَ عنكُمْ، لِأنَّ اللهَ تَعالى لا يَغِيبُ عنهُ شَيْءٌ، الكُلُّ مَعْلُومٌ لَهُ، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بـِ "أعْلَمُ".

قالَ المَهْدَوِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ "أعْلَمُ" اسْمًا بِمَعْنى التَفْضِيلِ في العِلْمِ فَتَكُونُ "ما" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بِالإضافَةِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَإذا قُدِّرَ الأوَّلُ اسْمًا فَلا بُدَّ بَعْدَهُ مِن إضْمارِ فِعْلٍ يَنْصِبُ "غَيْبَ" تَقْدِيرُهُ: إنِّي أعْلَمُ مِن كُلِّ، أعْلَمُ غَيْبَ، وكَوْنُها في المَوْضِعَيْنِ فِعْلًا مُضارِعًا أخْصَرُ وأبْلَغُ.

واخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

فَقالَتْ طائِفَةٌ: ذَلِكَ عَلى مَعْنى العُمُومِ في مَعْرِفَةِ أسْرارِهِمْ وظَواهِرِهِمْ وبَواطِنِهِمْ أجْمَعَ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿ ما تُبْدُونَ ﴾ قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها  ﴾ الآيَةُ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ ﴿ ما تُبْدُونَ ﴾ قَوْلُهُمْ: "لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ فَلَنْ يَخْلُقَ أعْلَمَ مِنّا ولا أكْرَمَ عَلَيْهِ"، فَجَعَلَ هَذا مِمّا أبْدَوْهُ لِما قالُوهُ.

وقالَ الزَهْراوِيُّ: ما أبْدَوْهُ هو بِدارِهِمْ بِالسُجُودِ لِآدَمَ.

واخْتَلَفَ في المَكْتُومِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ: المُرادُ ما كَتَمَهُ إبْلِيسُ في نَفْسِهِ مِنَ الكِبَرِ والكُفْرِ، ويَتَوَجَّهُ قَوْلُهُ: "تَكْتُمُونَ" لِلْجَماعَةِ والكاتِمُ واحِدٌ في هَذا القَوْلِ عَلى تَجَوُّزِ العَرَبِ واتِّساعِها، كَما يُقالُ لِقَوْمٍ قَدْ جَنى سَفِيهٌ مِنهُمْ: لَأنْتُمْ فَعَلْتُمْ كَذا، أيْ: مِنكم فاعِلُهُ، وهَذا مَعَ قَصْدِ تَعْنِيفٍ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِن وراءِ الحُجُراتِ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ  ﴾ .

وإنَّما ناداهُ مِنهم عُيَيْنَةُ، وقِيلَ الأقْرَعُ، وقالَ قَتادَةُ: المَكْتُومُ هو ما أسَرَّهُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ مِن قَوْلِهِمْ: "لِيَخْلُقْ رَبُّنا ما شاءَ"، فَجَعَلَ هَذا مِمّا كَتَمُوهُ لِما أسَرَّهُ، و"إذْ" مِن قَوْلِهِ: ﴿ وَإذْ قُلْنا ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى "إذِ" المُتَقَدِّمَةِ.

وقَوْلُ اللهِ تَعالى، وخِطابُهُ لِلْمَلائِكَةِ مُتَقَرَّرٌ قَدِيمٌ في الأزَلِ، بِشَرْطِ وُجُودِهِمْ وفَهْمِهِمْ، وهَذا هو البابُ كُلُّهُ في أوامِرِ اللهِ سُبْحانَهُ ونَواهِيهِ ومُخاطَباتِهِ، و"قُلْنا" كِنايَةُ العَظِيمِ عن نَفْسِهِ بِلَفْظِ الجَمْعِ.

وَقَوْلُهُ: "لِلْمَلائِكَةِ" عُمُومٌ فِيهِمْ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرِ بْنُ القَعْقاعِ "لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا"، بِرَفْعِ التاءِ العَلامَةِ إتْباعًا لِضَمَّةِ ثالِثِ المُسْتَقْبَلِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا خَطَأٌ، وقالَ الزَجّاجُ: أبُو جَعْفَرٍ مِن رُؤَساءِ القِراءَةِ، ولَكِنَّهُ غَلِطَ في هَذا، قالَ أبُو الفَتْحِ: لِأنَّ "المَلائِكَةَ" في مَوْضِعِ جَرٍّ فالتاءُ مَكْسُورَةٌ كَسْرَةَ إعْرابٍ، وهَذا الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ أبُو جَعْفَرٍ إنَّما يَجُوزُ إذا كانَ ما قَبْلَ الهَمْزَةِ حَرْفًا ساكِنًا صَحِيحًا، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ  ﴾ والسُجُودُ في كَلامِ العَرَبِ الخُشُوعُ والتَذَلُّلُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: ......................................

تَرى الأكَمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وَغايَتُهُ وضْعُ الوَجْهِ بِالأرْضِ.

والجُمْهُورُ عَلى أنَّ سُجُودَ المَلائِكَةِ لِآدَمَ إيماءٌ وخُضُوعٌ.

ذَكَرَهُ النَقّاشُ وغَيْرُهُ، ولا تَدْفَعُ الآيَةُ أنْ يَكُونُوا بَلَغُوا غايَةَ السُجُودِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ  ﴾ لا دَلِيلَ فِيهِ لِأنَّ الجاثِيَ عَلى رُكْبَتَيْهِ واقِعٌ.

واخْتَلَفَ في حالِ السُجُودِ لِآدَمَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: تَعْبَّدَهُمُ اللهُ بِالسُجُودِ لِآدَمَ، والعِبادَةُ في ذَلِكَ لِلَّهِ.

وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ: إنَّما كانَ سُجُودَ تَحِيَّةٍ، كَسُجُودِ أبَوَيْ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَلامُ، لا سُجُودَ عِبادَةٍ.

وقالَ الشَعْبِيُّ: إنَّما كانَ آدَمُ كالقِبْلَةِ.

ومَعْنى "لِآدَمَ": إلى آدَمَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفِي هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها كَرامَةٌ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، وحَكى النَقّاشُ عن مُقاتِلٍ أنَّ اللهَ إنَّما أمَرَ المَلائِكَةَ بِالسُجُودِ لِآدَمَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَهُ، قالَ: والقُرْآنُ يَرُدُّ عَلى هَذا القَوْلِ، وقالَ قَوْمٌ: سُجُودُ المَلائِكَةِ كانَ مَرَّتَيْنِ، والإجْماعُ يَرُدُّ هَذا.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا إبْلِيسَ ﴾ ، نُصِبَ عَلى الِاسْتِثْناءِ المُتَّصِلِ، لِأنَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو ظاهِرُ الآيَةِ، وكانَ خازِنًا ومَلَكًا عَلى سَماءِ الدُنْيا والأرْضِ، واسْمُهُ عَزازِيلُ: قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، والحَسَنُ: هو أبُو الجِنِّ، كَما أنَّ آدَمَ أبُو البَشَرِ، ولَمْ يَكُنْ قَطُّ مَلِكًا، وقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، قالَ: واسْمُهُ الحارِثُ.

وقالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: كانَ مِنَ الجِنِّ الَّذِينَ كانُوا في الأرْضِ وقاتَلَتْهُمُ المَلائِكَةُ، فَسَبَوْهُ صَغِيرًا، وتَعَبَّدَ وخُوطِبَ مَعَها.

حَكاهُ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، والِاسْتِثْناءُ عَلى هَذِهِ الأقْوالِ مُنْقَطِعٌ، واحْتَجَّ بَعْضُ أصْحابِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ اللهَ تَعالى قالَ صِفَةً لِلْمَلائِكَةِ: ﴿ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أمَرَهم ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ  ﴾ ورَجَّحَ الطَبَرِيُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ إبْلِيسَ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ: لَيْسَ في خَلْقِهِ مِن نارٍ، ولا في تَرْكِيبِ الشَهْوَةِ والنَسْلِ فِيهِ حِينَ غَضَبِ عَلَيْهِ ما يَدْفَعُ أنَّهُ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ.

وقوله عزّ وجلّ: ﴿ كانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عن أمْرِ رَبِّهِ  ﴾ يَتَخَرَّجُ عَلى أنَّهُ عَمِلَ عَمَلَهم فَكانَ مِنهم في هَذا، أو عَلى أنَّ المَلائِكَةَ قَدْ تُسَمّى جِنًّا لِاسْتِتارِها.

قالَ تَعالى: ﴿ وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا  ﴾ وقالَ الأعْشى في ذِكْرِ سُلَيْمانَ عَلَيْهِ السَلامُ.

وسَخَّرَ مِن جِنِّ المَلائِكِ تِسْعَةً قِيامًا لَدَيْهِ يَعْمَلُونَ بِلا أجْرٍ أو عَلى أنْ يَكُونَ نَسَبَهم إلى الجِنَّةِ كَما يُنْسَبُ إلى البَصْرَةِ بَصَرِيٌّ، لَمّا كانَ خازِنًا عَلَيْها.

وإبْلِيسُ لا يَنْصَرِفُ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مُعَرَّفٌ.

قالَ الزَجّاجُ: ووَزْنُهُ فِعْلِيلٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُدِّيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُمْ: هو مُشْتَقٌّ مِن أبْلَسَ إذا أُبْعِدَ عَنِ الخَيْرِ، ووَزْنُهُ عَلى هَذا إفْعِيلٌ، ولَمْ تَصْرِفْهُ هَذِهِ الفِرْقَةُ لِشُذُوذِهِ، وأجْرَوْهُ مَجْرى إسْحاقَ مِن أسْحَقَهُ اللهُ، وأيُّوبَ مَن آبَ يَؤُوبُ، مِثْلُ قَيُّومٍ، مِن قامَ يَقُومُ، ولَمّا لَمْ تُصْرَفْ هَذِهِ ولَها وزْنٌ مِنَ الِاشْتِقاقِ، كَذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ هَذا وإنْ تَوَجَّهَ اشْتِقاقُهُ، لِقِلَّتِهِ وشُذُوذِهِ، ومِن هَذا المَعْنى قَوْلُ الشاعِرِ العَجّاجِ: يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْمًا مُكَرِّسًا؟

∗∗∗قالَ: نَعَمْ أعْرِفُهُ وأبْلَسا أيْ: تَغَيَّرَ وبَعُدَ عَنِ العَمارِ والأُنْسِ بِهِ، ومِثْلُهُ قَوْلُ الآخَرِ: ......................................

∗∗∗ وفي الوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإبْلاسٌ وَمِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا هم مُبْلِسُونَ  ﴾ ، أيْ يائِسُونَ عَنِ الخَيْرِ، مُبْعَدُونَ مِنهُ فِيما يَرَوْنَ.

و"أبى" مَعْناهُ: امْتَنَعَ مِن فِعْلِ ما أمَرَ بِهِ، و"اسْتَكْبَرَ" دَخَلَ في الكِبْرِياءِ.

والإبايَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى الِاسْتِكْبارِ في ظُهُورِهِما عَلَيْهِ، والِاسْتِكْبارُ والأنَفَةُ مُقَدَّمَةٌ في مُعْتَقَدِهِ.

ورَوى ابْنُ القاسِمِ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أوَّلَ مَعْصِيَةٍ كانَتِ الحَسَدُ والكِبْرُ والشُحُّ.

حَسَدَ إبْلِيسُ آدَمَ، وتَكَبَّرَ، وشَحَّ آدَمُ في أكْلِهِ مِن شَجَرَةٍ قَدْ نُهِيَ عن قُرْبِها.

حَكى المَهْدَوِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّ مَعْنى ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ وصارَ مِنَ الكافِرِينَ، وقالَ ابْنُ فَوْرِكٍ: وهَذا خَطَأٌ تَرُدُّهُ الأُصُولُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَدْ كانَ تَقَدَّمَ قَبْلُ مِنَ الجِنِّ مَن كَفَرَ فَشَبَّهَهُ اللهُ بِهِمْ وجَعَلَهُ مِنهم لِما فَعَلَ في الكُفْرِ فِعْلَهم.

وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن أبِي العالِيَةِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ مَعْناهُ: مِنَ العاصِينَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وتِلْكَ مَعْصِيَةُ كُفْرٍ، لِأنَّها عن مُعْتَقَدٍ فاسِدٍ صَدَرَتْ.

ورُوِيَ أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقًا، وأمَرَهم بِالسُجُودِ لِآدَمَ فَعَصَوْا، فَأحْرَقَهم بِالنارِ، ثُمَّ خَلَقَ آخَرِينَ وأمَرَهم بِذَلِكَ فَعَصَوْا فَأحْرَقَهُمْ، ثُمَّ خَلَقَ المَلائِكَةَ فَأمَرَهم بِذَلِكَ فَسَجَدُوا.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والإسْنادُ في مِثْلِ هَذا غَيْرُ وثِيقٍ.

وقالَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ: مَعْنى ﴿ وَكانَ مِنَ الكافِرِينَ ﴾ أيْ في عِلْمِ اللهِ تَعالى أنَّهُ سَيَكْفُرُ، لِأنَّ الكافِرَ حَقِيقَةٌ، والمُؤْمِنَ حَقِيقَةٌ هو الَّذِي قَدْ عَلِمَ اللهُ مِنهُ المُوافاةَ.

وَذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّ اللهَ أرادَ بِقِصَّةِ إبْلِيسَ تَقْرِيعُ أشْباهِهِ مِن بَنِي آدَمَ، وهُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ  مَعَ عِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ، ومَعَ تَقَدُّمِ نِعَمِ اللهِ عَلَيْهِمْ وعَلى أسْلافِهِمْ.

واخْتَلَفَ هَلْ كَفَرَ إبْلِيسُ جَهْلًا أو عِنادًا؟

عَلى قَوْلَيْنِ بَيْنَ أهْلِ السُنَّةِ، ولا خِلافَ أنَّهُ كانَ عالِمًا بِاللهِ قَبْلَ كُفْرِهِ، فَمَن قالَ إنَّهُ كَفَرَ جَهْلًا قالَ: إنَّهُ سُلِبَ العِلْمُ عِنْدَ كُفْرِهِ.

ومَن قالَ كَفَرَ عِنادًا قالَ: كَفَرَ ومَعَهُ عِلْمُهُ، والكُفْرُ عِنادًا مَعَ بَقاءِ العِلْمِ مُسْتَبْعَدٌ، إلّا أنَّهُ عِنْدِي جائِزٌ لا يَسْتَحِيلُ مَعَ خَذْلِ اللهُ لِمَن شاءَ.

ولا خِلافَ أنَّ اللهَ تَعالى أخْرَجَ إبْلِيسَ عِنْدَ كُفْرِهِ، وأبْعَدَهُ عَنِ الجَنَّةِ، وبَعْدَ إخْراجِهِ قالَ لِآدَمَ "اسْكُنْ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ قَالَ يَاءَادَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ .

لما دخل هذا القول في جملة المحاورة جردت الجملة من الفاء أيضاً كما تقدم في نظائره لأنه وإن كان إقبالاً بالخطاب على غير المخاطَبين بالأقوال التي قبله فهو بمثابة خطاب لهم لأن المقصود من خطاب آدم بذلك أن يَظهر عقبَه فضلُه عليهم في العلم من هاته الناحية فكانَ الخطاب بمنزلة أن يكون مسوقاً إليهم لقوله عقب ذلك: ﴿ قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض ﴾ .

وابتداء خطاب آدم بندائه مع أنه غير بعيد عن سماع الأمر الإلهي للتنويه بشأن آدم وإظهار اسمه في الملأ الأعلى حتى ينال بذلك حسن السمعة مع ما فيه من التكريم عند الآمر لأن شأن الآمر والمخاطِب بالكسر إذا تلطف مع المخاطَب بالفتح أن يذكر اسمه ولا يقتصر على ضمير الخطاب حتى لا يساوي بخطابه كل خطاب، ومنه ما جاء في حديث الشفاعة بعد ذكر سجود النبيء وحمده الله بمحامد يلهمه إياها فيقول: «يا محمد ارفع رأسك سل تُعْطَ واشفع تشفَّع» وهذه نكتة ذكر الاسم حتى في أثناء المخاطبة كما قال امرؤ القيس: أفاطم مهلاً بعضَ هذا التدلل *** وربما جعلوا النداء طريقاً إلى إحضار اسمه الظاهر لأنه لا طريق لإحضاره عند المخاطبة إلا بواسطة النداء فالنداء على كل تقدير مستعمل في معناه المجازي.

﴿ فَلَمَّآ أَنبَأَهُم بِأَسْمَآئِهِم ﴾ .

الإنباء إخبارهم بالأسماء، وفيه إيماء بأن المخبر به شيء مهم.

والضمير المجرور بالإضافة ضمير المسميات مثل ضمير ﴿ عرضهم ﴾ ، وفي إجرائه على صيغة ضمائر العقلاء ما قرر في قوله: ﴿ ثم عرضهم ﴾ [البقرة: 31].

وقوله: ﴿ فلما أنبأهم بأسمائهم ﴾ الضمير في (أنبأ) لآدم وفي (قال) ضمير اسم الجلالة وإنما لم يؤت بفاعله اسماً ظاهراً مع أنه جرى على غير من هو له أي عقب ضمائر آدم في قوله: ﴿ أنبئهم ﴾ و ﴿ أنبأهم ﴾ لأن السياق قرينة على أن هذا القول لا يصدر من مثل آدم.

﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إني أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض ﴾ .

جواب (لما) والقائل هو الله تعالى وهو المذكور في قوله: ﴿ وإذ قال ربك ﴾ [البقرة: 30] وعادت إليه ضمائر ﴿ قال إني أعلم ﴾ [البقرة: 30] و ﴿ علّم ﴾ [البقرة: 31] و ﴿ عرضهم ﴾ وما قبله من الضمائر وهو تذكير لهم بقوله لهم في أول المحاورة: ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ وذلك القول وإن لم يكن فيه: ﴿ أعلم غيب السموات والأرض ﴾ صراحة إلا أنه يتضمنه لأن عموم ﴿ ما لا تعلمون ﴾ يشمل جميع ذلك فيكون قوله هنا: ﴿ إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ بياناً لما أجمل في القول الأول لأنه يساويه ما صدقا لأن ﴿ ما لا تعلمون ﴾ هو غيب السموات والأرض وقد زاد البيان هنا على المبين بقوله: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

وإنما جيء بالإجمال قبل ظهور البرهان وجيء بالتفصيل بعد ظهوره على طريقة الحِجاج وهو إجمال الدعوى وتفصيل النتيجة لأن الدعوى قبل البرهان قد يتطرقها شك السامع بأن يحملها على المبالغة ونحوها وبعد البرهان يصح للمدعى أن يوقف المحجوج على غلطه ونحوه وأن يتبجح عليه بسلطان برهانه فإن للحق صولة.

ونظيره قول صاحب موسى: ﴿ سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً أما السفينة ﴾ [الكهف: 78، 79] إلى قوله: ﴿ وما فعلته عن أمري ﴾ [الكهف: 82] ثم قال: ﴿ ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً ﴾ [الكهف: 82].

فجاء باسم إشارة البعيد تعظيماً للتأويل بعد ظهوره.

وهذه طريقة مسلوكة للكتاب والخطباء وهي ترجع إلى قاعدة أخذ النتائج من المقدمات في صناعة الإنشاء كما بينته في كتاب «أصول الإنشاء والخطابة» وأكثر الخطباء يفضي إلى الغرض من خطبته بعد المقدمات والتمهيدات وقد جاءت الآية على طريقة الخطباء والبلغاء فيما ذكرنا تعليماً للخلق وجرياً على مقتضى الحال المتعارف من غير مراعاة لجانب الألوهية فإن الملائكة لا يمترون في أن قوله تعالى الحق ووعده الصدق فليسوا بحاجة إلى نصب البراهين.

و ﴿ كُنتُمْ ﴾ في قوله: ﴿ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ الأظهر أنها زائدة لتأكيد تحقق الكتمان فإن الذي يعلم ما اشتد كتمانه يعلم ما لم يحرص على كتمانه ويعلم ظواهر الأحوال بالأولى.

وصيغة المضارع في ﴿ تُبْدُونَ ﴾ و ﴿ تَكْتُمُونَ ﴾ للدلالة على تجدد ذلك منهم فيقتضي تجدد علم الله بذلك كلما تجدد منهم.

ولبعضهم هنا تكلفات في جعل ﴿ كنتم ﴾ للدلالة على الزمان الماضي وجعل ﴿ تبدون ﴾ للاستقبال وتقدير اكتفاء في الجانبين أعني وما كنتم تبدون وما تكتمون واكتفاء في غيب السماوات والأرض يعني وشهادتهما وكل ذلك لا داعي إليه.

وقد جعل الله تعالى علم آدم بالأسماء وعجز الملائكة عن ذلك علامة على أهلية النوع البشري لخلافته في الأرض دون الملائكة لأن الخلافة في الأرض هي خلافة الله تعالى في القيام بما أراده من العُمران بجميع أحواله وشعبه بمعنى أن الله تعالى ناط بالنوع البشري إتمام مراده من العالم فكان تصرف هذا النوع في الأرض قائماً مقام مباشرة قدرة الله تعالى بجميع الأعمال التي يقوم بها البشر، ولا شك أن هذه الخلافة لا تتقوم إلا بالعلم أعني اكتساب المجهول من المعلوم وتحقيق المناسبة بين الأشياء ومواقعها ومقارناتها وهو العلم الاكتسابي الذي يدرك به الإنسان الخير والشر ويستطيع به فعل الخير وفعل الشر كل في موضعه ولا يصلح لهذا العِلم إلا القوةُ الناطقة وهي قوة التفكير التي أجلَى مظاهرها معرفة أسماء الأشياء وأسماء خصائصها والتي تستطيع أن تصدر الأضداد من الأفعال لأن تلك القوة هي التي لا تنحصر متعلقاتها ولاتقف معلوماتها كما شوهد من أحوال النوع الإنساني منذ النشأة إلى الآن وإلى ما شاء الله تعالى.

والملائكة لما لم يخلقوا متهيئين لذلك حتى أَعْجَزَهم وضع الأسماء للمسميات وكانوا مجبولين على سجية واحدة وهي سجية الخير التي لا تختلف ولا تتخلف لم يكونوا مؤهلين لاستفادة المجهولات من المعلومات حتى لا تقف معارفهم.

ولم يكونوا مصادر للشرور التي يتعين صدورها لإصلاح العالم فخيرتهم وإن كانت صالحة لاستقامة عالمهم الطاهر لم تكن صالحة لنظام عالم مخلوط، وحكمة خلطه ظهور منتهى العلم الإلهي كما قال أبو الطيب: ووضع الندى في موضع السيف بالعُلا *** مضرٌّ كوضع السيف في موضع الندَى والآية تقتضي مزية عظمى لهذا النوع في هذا الباب وفي فضل العلم ولكنها لا تدل على أفضلية النوع البشري على الملائكة إذ المزية لا تقتضي الأفضلية كما بينه الشهاب القراقي في الفرق الحادي والتسعين فهذه فضيلة من ناحية واحدة وإنما يعتمد التفضيل المطلق مجموعَ الفضائل كما دل عليه حديث موسى والخضر.

والاستفهام في قوله: ﴿ ألم أقل لكم ﴾ إلخ تقريري لأن ذلك القول واقع لا محالة والملائكة لا يعلمون وقوعه ولا ينكرونه.

وإنما أوقع الاستفهام على نفي القول لأن غالب الاستفهام التقريري يقحم فيه ما يفيد النفي لقصد التوسيع على المقرَّر حتى يُخيَّل إليه أنه يُسأل عن نفي وقوع الشيء فإن أراد أن يزعم نفيه فقد وسَّع المقرِّر عليه ذلك ولكنه يتحقق أنه لا يستطيع إنكاره فلذلك يقرره على نفيه، فإذا أقر كان إقراره لازماً له لا مناص له منه.

فهذا قانون الاستفهام التقريري الغالب عليه وهو الذي تكرر في القرآن وبنى عليه صاحب «الكشاف» معاني آياته التي منها قوله تعالى: ﴿ ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير ﴾ [البقرة: 106] وتوقف فيه ابن هشام في «مغني اللبيب» ورده عليه شارحه.

وقد يقع التقرير بالإثبات على الأصل نحو: ﴿ أأنت قلتَ للناس ﴾ [المائدة: 116] وهو تقرير مُراد به إبطال دعوى النصارى، وقوله: ﴿ قالوا أأنت فعلتَ هذا بآلهتنا يا إبراهيم ﴾ [الأنبياء: 62].

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَعَلَّمَ آدَمَ الأسْماءَ كُلَّها ﴾ في تَسْمِيَتِهِ بِآدَمَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ سُمِّيَ آدَمَ لِأنَّهُ خُلِقَ مِن أدِيمِ الأرْضِ، وأدِيمُها هو وجْهُها الظّاهِرُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَدْ رَوى أبُو مُوسى الأشْعَرِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : « (إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ آدَمَ مِن قَبْضَةٍ، قَبَضَها مِن جَمِيعِ الأرْضِ، فَجاءَ بَنُو آدَمَ عَلى قَدْرِ الأرْضِ، جاءَ مِنهُمُ الأحْمَرُ، والأسْوَدُ، والأبْيَضُ، والسَّهْلُ، والخَبِيثُ، والطَّيِّبُ» .

والثّانِي: أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الأُدْمَةِ، وهي اللَّوْنُ.

وَفي الأسْماءِ الَّتِي عَلَّمَها اللَّهُ تَعالى آدَمَ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أسْماءُ المَلائِكَةِ.

والثّانِي: أسْماءُ ذُرِّيَّتِهِ.

والثّالِثُ: أسْماءُ جَمِيعِ الأشْياءِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، ومُجاهِدٍ.

ثُمَّ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما كانَ مَقْصُورًا عَلى الِاسْمِ دُونَ المَعْنى.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ الأسْماءَ ومَعانِيَها، إذْ لا فائِدَةَ في عِلْمِ الأسْماءِ بِلا مَعانِيَ، فَتَكُونُ المَعانِي هي المَقْصُودَةُ، والأسْماءُ دَلائِلُ عَلَيْها.

وَإذا قِيلَ بِالوَجْهِ الأوَّلِ، أنَّ التَّعْلِيمَ إنَّما كانَ مَقْصُورًا عَلى ألْفاظِ الأسْماءِ دُونَ مَعانِيها، فَفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلَّمَهُ إيّاها بِاللُّغَةِ الَّتِي كانَ يَتَكَلَّمُ بِها.

والثّانِي: أنَّهُ عَلَّمَهُ بِجَمِيعِ اللُّغاتِ، وعَلَّمَها آدَمُ ولَدَهُ، فَلَمّا تَفَرَّقُوا تَكَلَّمَ كُلُّ قَوْمٍ مِنهم بِلِسانٍ اسْتَسْهَلُوهُ مِنها وألِفُوهُ، ثُمَّ نَسُوا غَيْرَهُ فَتَطاوَلَ الزَّمَنُ، وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّهم أصْبَحُوا وكُلٌّ مِنهم يَتَكَلَّمُونَ بِلُغَةٍ قَدْ نَسُوا غَيْرَها في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، ومِثْلُ هَذا في العُرْفِ مُمْتَنِعٌ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ثُمَّ عَرَضَهم عَلى المَلائِكَةِ ﴾ وفِيما عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ الأسْماءَ دُونَ المُسَمَّياتِ.

والثّانِي: أنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهِمُ المُسَمَّيْنَ بِها.

وَفي حَرْفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( وعَرَضَهُنَّ ) وفي حَرْفِ أُبَيٍّ: ( وعَرَضَها ) فَكانَ الأصَحُّ تَوَجُّهَ العَرْضِ إلى المُسَمَّيْنَ.

ثُمَّ في زَمانِ عَرْضِهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَرَضَهم بَعْدَ أنْ خَلَقَهم.

والثّانِي: أنَّهُ صَوَّرَهم لِقُلُوبِ المَلائِكَةِ، ثُمَّ عَرَضَهم قَبْلَ خَلْقِهِمْ.

﴿ فَقالَ أنْبِئُونِي بِأسْماءِ هَؤُلاءِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ ومَعْنى أنْبِئُونِي خَبِّرُونِي مَأْخُوذٌ مِنَ الإنْباءِ، وفي الإنْباءِ قَوْلانِ: أظْهَرُهُما: أنَّهُ الإخْبارُ، والنَّبَأُ الخَبَرُ، والنَّبِيءُ بِالهَمْزِ مُشْتَقٌّ مِن هَذا.

والثّانِي: أنَّ الإنْباءَ الإعْلامُ، وإنَّما يُسْتَعْمَلُ في الإخْبارِ مَجازًا.

وَقَوْلُهُ: ﴿ بِأسْماءِ هَؤُلاءِ ﴾ يَعْنِي الأسْماءَ الَّتِي عَلَّمَها آدَمَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أعْلَمَ مِنهُ; لِأنَّهُ هَجَسَ في نُفُوسِهِمْ أنَّهم أعْلَمُ مِن غَيْرِهِمْ.

والثّانِي: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما زَعَمْتُمْ أنَّ خُلَفائِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ.

والثّالِثُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنِّي إنِ اسْتَخْلَفْتُكم فِيها سَبَّحْتُمُونِي وقَدَّسْتُمُونِي، فَإنِ اسْتَخْلَفْتُ غَيْرَكم فِيها عَصانِي.

والرّابِعُ: إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فِيما وقَعَ في نُفُوسِكُمْ، أنِّي لا أخْلُقُ خَلْقًا إلّا كُنْتُمْ أفْضَلَ مِنهُ.

والخامِسُ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ﴾ أيْ عالِمِينَ.

والسّادِسُ: أنَّ مَعْناهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنَّكَ أنْتَ العَلِيمُ الحَكِيمُ ﴾ العَلِيمُ: هو العالِمُ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ، وفي (الحَكِيمِ) ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ المُحْكِمُ لِأفْعالِهِ.

والثّانِي: أنَّهُ المانِعُ مِنَ الفَسادِ، ومِنهُ سُمِّيَتْ حَكَمَةُ اللِّجامِ، لِأنَّها تَمْنَعُ الفَرَسَ مِنَ الجَرْيِ الشَّدِيدِ، وقالَ جَرِيرٌ: أبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهاءَكم إنِّي أخافُ عَلَيْكُمُ أنْ أغْضَبا أيِ امْنَعُوهم.

والثّالِثُ: أنَّهُ المُصِيبُ لِلْحَقِّ، ومِنهُ سُمِّيَ القاضِي حاكِمًا، لِأنَّهُ يُصِيبُ الحَقَّ في قَضائِهِ، وهَذا قَوْلُ أبِي العَبّاسِ المُبَرِّدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ : ما تُبْدُونَ هو قَوْلُهُمْ: ﴿ أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ﴾ ، وفي ﴿ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما أسَرَّهُ إبْلِيسُ مِنَ الكِبْرِ والعِصْيانِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ الَّذِي كَتَمُوهُ: ما أضْمَرُوهُ في أنْفُسِهِمْ أنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَخْلُقُ خَلْقًا إلّا كانُوا أكْرَمَ عَلَيْهِ مِنهُ، وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج الفريابي وابن سعد جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: إنما سمي آدم لأنه خلق من أديم الأرض، الحمرة.

والبياض، والسواد، وكذلك ألوان الناس مختلفتة فيها الأحمر، والأبيض، والأسود، والطيب، والخبيث.

وأخرج عبد بن حميد عن أبن عباس قال: خلق الله آدم من أديم الأرض.

من طينة حمراء، وبيضاء، وسوداء.

وأخرج ابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير عن سعيد بن جبير قال: أتدرون لم سمي آدم؟

لأنه خلق من أديم الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علمه اسم الصفحة، والقدر، وكل شيء، حتى الفسوة والفسية.

وأخرج وكيع وابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علمه اسم كل شيء.

حتى علمه القصعة والقصيعة، والفسوة والفسية.

وأخرج وكيع وابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علمه اسم كل شيء، حتى البعير، والبقرة والشاة.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: ما خلق الله.

وأخرج الديلمي عن أبي رافع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كما علم آدم الأسماء كلها» .

وأخرج وكيع في تاريخه وابن عساكر والديلمي عن عطية بن يسر مرفوعاً.

في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: «علم الله في تلك الأسماء ألف حرفة من الحرف وقال له: قل لولديك وذريتك يا آدم إن لم تصبروا عن الدنيا فاطلبوا الدنيا بهذه الحرف، ولا تطلبوها بالدين فإن الدين لي وحدي خالصاً.

ويل لمن طلب الدنيا بالدين ويل له» .

وأخرج ابن جرير عن ابن زيد في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: أسماء ذريته أجمعين ﴿ ثم عرضهم ﴾ قال: أخذهم من ظهره.

وأخرج ابن جرير عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ قال: أسماء الملائكة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ قال: علم آدم من الأسماء أسماء خلقه، ثم قال ما لم تعلم الملائكة فسمى كل شيء باسمه، وألجأ كل شيء إلى جنسه.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعلم آدم الأسماء ﴾ قال: علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس.

انسان، ودابة، وأرض وبحر، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها ﴿ ثم عرضهم على الملائكة ﴾ يعني عرض أسماء جميع الأشياء التي علمها آدم من أصناف الخلق ﴿ فقال أنبئوني ﴾ يقول: أخبروني ﴿ بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ إن كنتم تعلمون أني لم أجعل في الأرض خليفة ﴿ قالوا سبحانك ﴾ تنزيهاً لله من أن يكون يعلم الغيب أحد غيره تبنا إليك ﴿ لا علم لنا ﴾ تبرياً منهم من علم الغيب ﴿ إلا ما علمتنا ﴾ كما علمت آدم.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ثم عرضهم ﴾ قال: عرض أصحاب الأسماء على الملائكة.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد عن ابن عباس قال: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالق خلقاً أكرم عليه منا، ولا أعلم منا.

فابتلوا بخلق آدم.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن قالا: لما أخذ الله في خلق آدم همست الملائكة فيما بينهما فقالوا: لن يخلق الله خلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه.

فلما خلقه أمرهم أن يسجدوا له لما قالوا..

ففضله عليهم، فعلموا أنهم ليسوا بخير منه فقالوا: إن لم نكن خيراً منه فنحن أعلم منه لأنا كنا قبله ﴿ فعلم آدم الأسماء كلها ﴾ فعلم اسم كل شيء.

جعل يسمي كل شيء باسمه، وعرضوا عليه أمة ﴿ ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين ﴾ ففزعوا إلى التوبة فقالوا ﴿ سبحانك لا علم لنا....

﴾ الآية.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ إنك أنت العليم الحكيم ﴾ قال: العلم الذي قد كمل في علمه ﴿ والحكيم ﴾ الذي قد كمل في حكمه.

وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وناس من الصحابة في قوله: ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ قال: إن بني آدم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء.

وفي قوله: ﴿ وأعلم ما تبدون ﴾ قال: قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها...،....

وما كنتم تكتمون ﴾ يعني ما أسر إبليس في نفسه من الكبر.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ﴾ قال: ما أسر إبليس من الكفر في السجود.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأعلم ما تبدون ﴾ قال: ما تظهرون ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ يقول: اعلم السر كما أعلم العلانية.

وأخرج ابن جرير عن قتادة والحسن في قوله: ﴿ ما تبدون ﴾ يعني قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ يعني قول بعضهم لبعض: نحن خير منه وأعلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مهدي بن ميمون قال: سمعت الحسن.

وسأله الحسن بن دينار فقال: يا أبا سعيد أرأيت قول الله للملائكة ﴿ وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون ﴾ ما الذي كتمت الملائكة؟

قال: إن الله لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجباً فكأنهم دخلهم من ذلك شيء قال: ثم أقبل بعضهم على بعض فأسروا ذلك بينهم فقال بعضهم لبعض: ما الذي يهمكم من هذا الخلق؟

إن الله لا يخلق خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه.

فذلك الذي كتمت.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ .

قال المفسرون: لما ظهر عجز الملائكة، قال الله عز وجل: ﴿ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ فسمى كل شيء باسمه، وألحق كل شيء بجنسه ﴿ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ ﴾ أي: أخبرهم بتسمياتهم قال: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ﴾ (١) وفي الآية اختصار، معناه: فلما أنبأهم بأسمائهم، تحقق عندهم أن الله يعلم من العواقب ما لا يعلمون، فلما علموا ذلك (٢) ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ ﴾ و (لم) حرف نفي وصل بألف الاستفهام، فصار بمعنى الإيجاب والتقرير (٣) أَلَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا (٤) وفيه أيضًا معنى التوبيخ (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ .

(الغيب) مصدر مضاف إلى المفعول (٧) ﴿ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ  ﴾ و ﴿ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ  ﴾ وكقولك: (أعجبني منك دخول الدار).

وفيه أيضا مضاف مقدر، والمعنى: إني أعلم ذوي غيب السموات والأرض ما غاب فيها [عنكم، ومثله على هذا التقدير قوله: ﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ (٨) (٩) ويجوز أن يكون له علم ما غاب (١٠) وقوله تعالى: ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

أي: أعلم سرّكم وعلانيتكم، لا يخفى علي شيء من أموركم (١١) وقال ابن عباس: ما تبدون من قولكم: (أتجعل فيها من يفسد فيها)، (وما كنتم تكتمون) من إضمار إبليس الكفر (١٢) وعلى هذا التأويل قال: (تكتمون) بلفظ الجمع، وإن كان المراد به إبليس، لأن الخطاب للجماعة، وهو من جملتهم (١٣) وقال الحسن وقتادة في قوله: ﴿ مَا تُبْدُونَ ﴾ كقول ابن عباس، (وما تكتمون) يعني قولهم: لن يخلق (١٤) (١٥) وقد يبقى في هذه الآية سؤال لم يجد (١٦) (١٧) (١٨) (١٩)  بتلك الأسماء صحة قوله، ومطابقة الأسماء المسميات؟

وهي لم تكن (٢٠) (٢١) (٢٢) والجواب: أنه (٢٣)  بها، خلق الله تعالى (٢٤) (٢٥) (٢٦) ووجه آخر: وهو أنه لا يمتنع أن تكون للملائكة لغات مختلفة، فكل قبيل منهم يعرف أسماء الأجناس في لغته دون لغة غيرها، فلما أراد الله تعالى التنبيه على فضيلة آدم، علمه (٢٧) (٢٨) (٢٩) ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ ﴾ أي: ليخبرني كل قبيل منكم بجميع الأسماء.

(١) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 221، والبغوي في "تفسيره" 1/ 80، والخازن "في تفسيره" 1/ 103، وأبي السعود "في تفسيره" 1/ 86.

(٢) وما ذكره مفهوم من السياق.

(٣) انظر: "الوسيط" للمؤلف 1/ 80، "معاني القرآن" للأخفش1/ 219، "البحر" 1/ 150، "الدر المصون" 1/ 270، "شرح المفصل" 8/ 123، "مغني اللبيب" 1/ 17.

(٤) البيت من قصيدة لجرير يمدح عبد الملك بن مروان وعجزه: وَأَنْدى العَالمِينَ بُطُونَ رَاح أندى: أكثرهم جوداً، الراح: جمع راحة وهي الكف، ورد البيت في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 219، وفي (الخصائص) 2/ 643، 3/ 269، "المصون في الأدب": ص 21، "شرح المفصل" 8/ 123، "مغني اللبيب" 1/ 17، و"شرح ديوان جرير" ص 74.

(٥) (التوبيخ) ساقط من (ب).

(٦) كذا في جميع النسخ ولعل الصواب (من خطئهم) أو (من أخطائهم).

انظر معنى الآية في "تفسير الطبري" 1/ 221.

(٧) في (ب): (المفعول به).

(٨) سورة هود: 132، وسورة النحل: 77.

(٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٠) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 214.

(١١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 222، و"تفسير ابن كثير" 1/ 80 (١٢) أخرجه ابن جرير بسنده من طريق السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة في "تفسيره" 1/ 222، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 80، "الدر" 1/ 101.

(١٣) انظر الطبري في "تفسيره" 1/ 222، وابن عطية في "تفسيره" 1/ 241.

(١٤) في (ب): (لن يخلق الله ..).

(١٥) ذكره الثعلبي 1/ 62 ب، وأخرجه الطبري عنهما 1/ 222، وابن أبي حاتم 1/ 82، وذكره السيوطي في "الدر" 1/ 102، و"ابن كثير" 1/ 80.

(١٦) كذا في جميع النسخ، والمعنى: لم يتعرض أحد لهذا السؤال.

(١٧) (له) ساقطة من (ب).

(١٨) بل إن في هذا السؤال شيئاً من التكلف، ولا فائدة كبيرة من معرفة جوابه، ولا ينبني عليه حكم، وقد ذكر الرازي هذا السؤال والإجابة عنه بنحو ما ذكر الواحدي هنا فلعله نقل عنه 2/ 177.

(١٩) في (ب): (حرها).

(٢٠) في (أ): (يكن) وما في (ب) و (ج) أصح في السياق.

(٢١) يمكن أن يعلموا صحتها بمجرد إخبار آدم  بالأسماء، وإقرار الله له على ذلك، وعلى هذا فلا داعي لتحمل الإجابة عن هذا السؤال.

(٢٢) في (ب): (كقوله).

(٢٣) في (ب): (له).

(٢٤) انظر التعليق السابق على ما ذكر الواحدي عن معنى تعليم الله آدم، وأنه بمعنى: خلق له العلم بذلك: 2/ 348.

(٢٥) في (ب): (تميزه) وهو الأصوب.

(٢٦) قال الرازي: (..

ولا يمتنع أن يقال: إنه تعالى عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم  تلك الأسماء، ما استدلوا به على صدق آدم).

(٢٧) في (ب): (علمهم).

(٢٨) في (أ): (فريق منهم).

(٢٩) هذا من التكلف الذي لا دليل عليه.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الأسمآء كُلَّهَا ﴾ أي أسماء بني آدم وأسماء أجناس الأشياء كتسمية القمر والشجر وغير ذلك ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ ﴾ أي عرض المسميات، وبيّن أشخاص بني آدم وأجناس الأشياء ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ أمر على وجه التعجيز ﴿ إِن كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ أي في قولكم: إنّ الخليفة يفسد في الأرض ويسفك الدماء، وقيل: إن كنتم صادقين في جواب السؤال والمعرفة بالأسماء ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ ﴾ اعتراف ﴿ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ ﴾ أي أنبئ الملائكة بأسماء ذريتك أو بأسماء أجناس الأشياء ﴿ اسجدوا لأَدَمَ فَسَجَدُواْ ﴾ السجود على وجه التحية وقيل: عبادة لله، وآدم كالقبلة ﴿ فَسَجَدُواْ ﴾ روي أنّ من أوّل من سجد إسرافيل، ولذلك جازاه الله بولاية اللوح المحفوظ ﴿ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ استثناء متصل عند من قال: إنه كان ملكاً.

ومنقطع عند من قال: كان من الجن ﴿ واستكبر ﴾ لقوله: أنا خير منه ﴿ وَكَانَ مِنَ الكافرين ﴾ قيل: كفر بإبايته من السجود لآدم، وليس كفره كفر جحود لاعترافه بالربوبية ﴿ وَزَوْجُكَ ﴾ هي حواء خلقها الله من ضلع آدم، ويقال: زوجة، وزوج هنا أفصح ﴿ الجنة ﴾ هي جنة الخلد عند الجماعة وعند أهل السنة، خلافاً لمن قال: هي غيرها ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا ﴾ النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع ﴿ الشجرة ﴾ قيل هي شجرة العنب، وقيل شجرة التين، وقيل الحنطة، وذلك مفتقر إلى نقل صحيح، واللفظ مبهم ﴿ فَتَكُونَا ﴾ عطف على تقربا، أو نصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النهي ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ﴾ متعدّ من أزل القدم، وأزلهما بالألف من الزوال ﴿ عَنْهَا ﴾ الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا.

فائدة: اختلفوا في أكل آدم الشجرة فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى: ﴿ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً ﴾ [طه: 115] وقيل سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر، وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر، وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من حنسها، وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً ﴿ اهبطوا ﴾ خطاب لآدم وزوجه وإبليس بدليل: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ ﴿ مُسْتَقَرٌّ ﴾ موضع استقرار وهو في مدّة الحياة، وقيل في بطن الأرض بعد الموت ﴿ وَمَتَاعٌ ﴾ ما يتمتع به ﴿ إلى حِينٍ ﴾ إلى الموت ﴿ فتلقى ﴾ أي أخذ وقيل على قراءة الجماعة، وقرأ ابن كثير بنصب آدم ورفع الكلمات، فتلقى على هذا من اللقاء ﴿ كلمات ﴾ هي قوله: ﴿ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ بدليل ورودها في [الأعراف: 23] وقيل غير ذلك ﴿ اهبطوا ﴾ كرر ليناط به ما بعده، ويحتمل أن يكون أحد الهبوطين من السماء، والآخر من الجنة، وأن يكون هذا الثاني لذرية آدم لقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم ﴾ إن شرطية وما زائدة للتأكيد، والهدى هنا: يراد به كتاب الله ورسالته ﴿ فَمَن تَبِعَ ﴾ شرط، وهو جواب الشرط الأوّل، وقيل: فلا خوف جواب الشرطين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ أنبؤني ﴾ وكذلك ﴿ خاطئون ﴾ و ﴿ خاسئين ﴾ و ﴿ فمالئون ﴾ و ﴿ نحن المنشئون ﴾ و ﴿ ليطفؤا ﴾ و ﴿ ليواطؤا ﴾ و ﴿ متكئين ﴾ و ﴿ قل استهزؤا ﴾ و ﴿ متكئاً ﴾ و ﴿ يستنبؤك ﴾ وبابه ﴿ بريأ ﴾ و ﴿ بريؤن ﴾ وبابه، وكهيئة وأشباه ذلك، ابن كثير وأبو جعفر ونافع وأبو عمرو.

﴿ هؤلاء ﴾ ها بغير المد، أولاء بالمد: يزيد ويعقوب وأوقية ومصعب عن قالون.

قال أبو إسحق: هما كلمتان لا بمدها ويمد أولاء.

﴿ هؤلاءان ﴾ بهمزتين: عاصم وحمزة وعلي وخلف وابن عامر.

وقرأ أبو عمرو والبزي من طريق الهاشمي بترك الهمزة الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المفتوحتين والمضمومتين.

وقرأ يزيد وورش والقواص وسهل ويعقوب بإثبات الهمزة الأولى وتليين الثانية.

وعن نافع: تليين الأولى وإثبات الثانية، وكذلك في المضمومتين.

وأما في المفتوحتين فكأبي عمرو.

﴿ أنبئهم ﴾ عن ابن عامر روايتان: مهموزة مكسورة الهاء، وغير مهموزة مكسورة الهاء.

الوقوف: ﴿ صادقين ﴾ (ه) ﴿ علمتنا ﴾ (ط) ﴿ الحكيم ﴾ (ه) ﴿ أنبئهم ﴾ (ج) ﴿ بأسمائهم ﴾ (ج) لمكان فاء التعقيب.

﴿ بأسمائهم ﴾ (لا) لأن "قال" جواب "فلما" ﴿ تكتمون ﴾ .

التفسير: وفيه أبحاث: الأول: الأشعري والجبائي والكعبي على أن اللغات كلها توقيفية بمعنى أن الله  خلق علماً ضرورياً بتلك الألفاظ وتلك المعاني، وبأن تلك الألفاظ موضوعة لتلك المعاني بدليل قوله  ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ ﴿ لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ وهذا يدل على أن الملائكة وآدم لا يعلمون إلا بتعليم الله  إياهم.

وخالفهم أصحاب أبي هاشم الذاهبون إلى أن اللغات اصطلاحية وضعها البشر واحد أو جماعة.

وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن كالأطفال فقالوا: المراد ألهمه وبعث داعيته على الوضع مثل ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم  ﴾ .

أي ألهمناه، أو المراد علمه ما سبق من اصطلاحات قوم كانوا قبل آدم.

وأجيب بأن الأصل عدم العدول عن الظاهر: قالوا ﴿ ثم عرضهم ﴾ يدل على أن المراد بالأسماء المسميات، فإن عرض الأسماء غير معقول.

فإذن المراد أسماء المسميات فعوض الألف واللام عن المضاف إليه كما في قوله ﴿ واشتعل الرأس شيباً  ﴾ أي علمه أسماء كل ما خلق من أجناس المحدثات من جميع اللغات المختلفة التي يتكلم بها ولده اليوم من العربية والفارسية والرومية وغيرها، وكان ولد آدم يتكلمون بهذه اللغات، فلما مات وتفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما مات و تفرق ولده في نواحي العالم تكلم كل واحد بلغة واحدة معينة من تلك اللغات، فلما طالت المدة ومضت القرون نسوا سائر اللغات.

ثم لا يبعد بل ينبغي أن يكون الله  قد علمه مع ذلك صفات الأشياء ونعوتها وخواصها وما يتعلق بها من المنافع الدينية والدنيوية، لأن اشتقاق الاسم إما من السمة أو من السمو.

فإن كان من السمة فالاسم هو العلامة وصفات الأشياء وخواصها دالة على ماهياتها وعلامة عليها، وإن كان من السمو فدليل الشيء كالمرتفع على ذلك الشيء، فإن العلم بالدليل حاصل قبل العلم بالمدلول.

وإنما قلنا ينبغي ذلك لأن الفضيلة في معرفة حقائق الأشياء أكثر من الفضيلة في معرفة أسمائها.

ثم من الحقائق ما يتوقف إدراكها على آلة تدرك بها كالمبصرات والمسموعات وغيرها، فإذا كان لآدم تلك الآلات وقد عرفها بها، ولم يكن للملائكة ذلك لزم عجزهم.

وأيضاً العربي لا يحسن منه أن يقول لغيره تكلم بلغتي، لأن العقل لا طريق له إلى معرفة اللغات، بل إن حصل التعليم حصل العلم بها وإلا فلا.

أما العلم بحقائق الأشياء، فالعقل يتمكن من تحصيله فصح وقوع التحدي به.

وإنما قيل ﴿ ثم عرضهم ﴾ بلفظ الذكور، لأن في جملة المسميات الملائكة والثقلين وهم العقلاء، فغلب الكامل على الناقص، والتذكير على التأنيث.

ومن الناس من تمسك بقوله ﴿ أنبؤني بأسماء هؤلاء ﴾ على جواز تكليف ما لا يطاق وهو ضعيف، لأنه إنما استنبأهم مع علمه بعجزهم تبكيتاً لهم بدليل قوله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ أي في أني لا أخلق خلقاً إلا كنتم أعلم منهم.

وقيل: أي في قولكم إنه لا شيء مما يتعبد به الخلق إلا وأنتم تصلحون له وتقومون به وهو قول ابن عباس وابن مسعود.

وقيل: أعلموني بأسماء هؤلاء إن علمتم أنكم تكونون صادقين في ذلك الإعلام.

وقيل: أخبروني ولا تقولوا إلا حقاً وصدقاً، فيكون الغرض منه التوكيد لما نبههم عليه من القصور لأنه متى تمكن في أنفسهم العلم بأنهم إن أخبروا لم يكونوا صادقين ولا لهم إليه سبيل، لم يجترءوا على الجواب.

ثم إن الذين اعتقدوا معصية الملائكة في قولهم ﴿ أتجعل ﴾ قالوا: إنهم لما عرفوا خطأهم تابوا واعتذروا بقولهم ﴿ سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا ﴾ والذين أنكروا معصيتهم قالوا: إنهم قالوا ذلك على وجه الاعتراف بالعجز التسليم كأنهم قالوا: لا نعلم إلا ما علمتنا، فإذا لم تعلمنا ذلك فكيف نعلمه؟

أو أنهم إنما قالوا ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها  ﴾ لأن الله  أعلمهم ذلك.

فكأنهم قالوا: إنك علمتنا أنهم يفسدون في الأرض فقلنا لك: أتجعل.

وأما هذه الأسماء فإنك ما علمتنا فكيف نعلمها؟

ومعنى سبحانك نسبحك تسبيحاً أي ننزهك تنزيهاً وهو مصدر غير متصرف أي لا يستعمل إلا محذوف الفعل منصوباً على المصدرية، فإذا استعمل غير مضاف كان "سبحان" علماً للتسبيح، فإن العلمية كما تجري في الأعيان تجري في المعاني.

قالت المعتزلة ههنا: المراد أنه لا علم لنا إلا من جهتك إما بالتعليم وإما بنصب الأدلة.

وقالت الأشاعرة: بل الجميع بالتعليم لأن المؤثر في وجود العلم ليس هو ذات الدليل بل النظر في الدليل، وأنه يستند إلى توفيق الله  وتسهيله.

ثم احتج أهل الإسلام بالآية، أنه لا سبيل إلى معرفة المغيبات إلا بتعليم الله، وأنه لا يمكن التوصل إليها بعلم النجوم والكهانة.

وللمنجم أن يقول للمعتزلي: إذا فسرت التعليم بوضع الدليل فعندي حركات النجوم دلائل خلقها الله  على أحوال هذا العالم، فيكون من جملة ما علمه الله  أنك أنت العليم بكل المعلومات، فأمكنك تعليم آدم الحكيم في هذا الفعل المصيب فيه.

وعن ابن عباس: أن مراد الملائكة من الحكيم أنه هو الذي حكم بجعل آدم خليفة في الأرض.

وقوله ﴿ ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض ﴾ استحضار لقوله  لهم ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون ﴾ إلا أنه  جاء به على وجه أبسط وأشرح، فيندرج فيه علمه بأحوال آدم قبل أن خلقه.

وفيه دليل على أنه  يعلم الأشياء قبل حدوثها، فيبطل مذهب هشام ابن الحكم أنه لا يعلم الأشياء إلا عند وقوعها.

وقد روى الشعبي عن ابن عباس وابن مسعود أنه يريد بقوله ﴿ ما تبدون ﴾ قولهم ﴿ أتجعل فيها من يفسد فيها ﴾ وبقوله ﴿ وما كنتم تكتمون ﴾ ما أسر إبليس في نفسه من الكفر والكبر وأن لا يسجد.

وقيل: لما خلق آدم رأت الملائكة خلقاً عجيباً فقالوا: ليكن ما شاء فلن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أكرم عليه منه، فهذا هو الذي كتموه.

ويجوز أن يكون هذا القول منهم سراً أسروه بينهم فأبداه بعضهم لبعض وأسروه عن غيرهم، فكان في هذا الفعل الواحد إبداء وكتمان.

والظاهر أنه عام كقوله ﴿ إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون  ﴾ ﴿ إنه يعلم الجهر وما يخفى  ﴾ .

البحث الثاني: قالت المعتزلة: ما ظهر من آدم معجز دل على نبوته في ذلك الوقتفكان مبعوثاً إلى حواء أو إلى من توجه التحدي إليهم، لأنهم كانوا رسلاً فقد يجوز الإرسال إلى الرسل كبعثة إبراهيم إلى لوط  واحتجوا بأن حصول ذلك العلم له ناقض العادة ومنع بأن حصول العلم بالأسماء لمن علمه الله، وعدم حصوله لمن لم يعلمه ليس بناقض للعادة.

وأيضاً أهم علموا أن تلك الأسماء موضوعة لتلك المسميات أو لا؟

فإن علموا فقد قدروا على المعارضة وإلا فكيف عرفوا أن آدم أصاب فيما ذكر، اللهم إلا أن يقال: إن لكل صنف منهم لغة من تلك اللغات، ثم إن جميع الأصناف حضروا وإن آدم عرض عليهم جميع تلك اللغات فكان معجزاً، أو يقال: إنه  عرفهم قبل أن يسمعوا من آدم تلك الأسماء فاستدلوا به على صدق آدم.

والظاهر أنهم قد عرفوا صدقه بتصديق الله  إياه، ولئن سلم أنه ظهر منه فعل خارق للعادة فلم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات أو من باب الإرهاص وهما عندنا جائزان؟

القاطعون بأنه  ما كان نبياً في ذلك الوقت قالوا: صدرت الكبيرة منه بعد ذلك، والإقدام عليها يوجب الطرد والتحقير، فوجب أن تكون النبوة متأخرة عنها، كيف وقد قال عز من قائل ﴿ ثم اجتباه ربه  ﴾ والرسالة هي الاجتباء، فيكون بعد الزلة.

وأيضاً لو كان رسولاً، فإن لم يكن مبعوثاً إلى أحد فلا فائدة، وإن كان مبعوثاً فإما إلى الملائكة - وهم أفضل من البشر عند المعتزلة - ولا يجوز جعل الأدون رسولاً إلى الأشرف، وإن المرء إلى قبول القول ممن هو من جنسه أمكن ﴿ ولو جعلناه ملكاً لجعلناه رجلاً  ﴾ وإما إلى الأنس، ولا إنسان إلا حواء، وإنها عرفت التكليف لا بواسطة آدم بدليل ﴿ ولا تقربا هذه الشجرة  ﴾ وإما إلى الجن، وما كان في السماء أحد من الجن.

البحث الثالث: في فضل العلم: لو كان في الإمكان شيء أشرف من العلم لأظهر الله  فضل آدم بذلك الشيء، ومما يدل على فضيلته الكتاب والسنة والمعقول.

أما الكتاب فمن ذلك ما يروى عن مقاتل، أن الحكمة في القرآن على أربعة أوجه: أحدها مواعظ القرآن ﴿ وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به  ﴾ وثانيها الحكمة بمعنى الفهم والعلم ﴿ وآتيناه الحكم صبيا  ﴾ ﴿ ولقد آتينا لقمان الحكمة  ﴾ وثالثها الحكمة بمعنى النبوة ﴿ فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة  ﴾ ورابعها القرآن ﴿ يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثير  ﴾ وجميع هذه الوجوه عند التحقيق ترجع إلى العلم.

ومن ذلك أنه  فرق بين سبعة نفر في كتابه ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون  ﴾ ﴿ قل لا يستوي الخبيث والطيب  ﴾ ﴿ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة  ﴾ ﴿ وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات  ﴾ فإذا تأملت وجدت كل ذلك مأخوذاً من الفرق بين العالم والجاهل.

ومن ذلك قوله ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم  ﴾ أي العلماء في أصح الأقوال، لأن الملوك يجب عليهم طاعة العلماء.

ولا ينعكس ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ جعلهم في الآيتين في المرتبة الثالثة، ثم زاد في الإكرام فجعلهم في المرتبة الثانية ﴿ وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم  ﴾ ﴿ قل كفى بالله شهيداً بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب  ﴾ ومن ذلك قوله  ﴿ يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات  ﴾ ومن ذلك وصفهم بالإيمان ﴿ والراسخون في العلم يقولون آمنا به  ﴾ وبشهادة التوحيد ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم  ﴾ وبالبكاء والسجود والخشوع ﴿ إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرّون للأذقان سجداً ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرّون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً  ﴾ وبالخشية ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ .

وأما الأخبار فمنها ما رواه أنس عن النبي  "من أحب أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين، فوالذي نفسي بيده ما من متعلم يختلف إلى باب العالم إلا كتب الله له بكل قدم عبادة سنة، وبنى له بكل قدم مدينة في الجنة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفوراً له، وشهدت الملائكة لهم بأنهم عتقاء الله من النار" وعن أنس أيضاً أن النبي  قال "من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدنيا حتى يأتي عليه العلم فيكون لله، ومن طلب العلم لله فهو كالصائم نهاره والقائم ليله، وإن باباً من العلم يتعلمه الرجل خير له من أن يكون له أبو قبيس ذهباً فينفقه في سبيل الله" وعن الحسن مرفوعاً "من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام كان بينه وبين الأنبياء درجة في الجنة" وعنه  "رحمة الله على خلفائي فقيل: يا رسول الله ومن خلفاؤك؟

قال: الذين يحيون سنتي ويعلمونها عباد الله" وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "يبعث الله العباد يوم القيامة ثم يميز العلماء فيقول: يا معشر العلماء إني لم أضع نوري فيكم إلا لعلمي بكم، ولم أضع علمي فيكم لأعذبكم، انطلقوا فقد غفرت لكم" وقال  "معلم الخير إذا مات بكى عليه طير السماء ودواب الأرض وحيتان البحر" وعن أبي هريرة مرفوعاً "من صلى خلف عالم من العلماء فكأنما صلى خلف نبي من الأنبياء" وعن ابن عمر مرفوعاً "فضل العالم على العابد بسبعين درجة بين كل درجة حضر الفرس سبعين عاماً" وذلك أن الشيطان يضع البدعة للناس فيبصرها العالم ويزيلها والعابد يقبل على عبادته لا يتوجه إليها ولا يتعرف لها.

وقال  لعلي  حين بعثه إلى اليمن: "لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك مما تطلع عليه الشمس أو تغرب" وعن ابن مسعود مرفوعاً "من طلب العلم ليحدث به الناس ابتغاء وجه الله أعطاه الله أجر سبعين نبياً" وعن عامر الجهني مرفوعاً "يؤتى بمداد العلماء ودم الشهداء يوم القيامة لا يفضل أحدهما على الآخر" وفي رواية "فيرجح مداد العلماء" وعن أبي واقد الليثي "أن النبي  بينما هو جالس والناس معه إذ أقبل ثلاثة نفر.

فأما أحدهم فرأى فرجة في الحلقة فجلس إليها، وأما الآخر فجلس خلفهم، وأما الثالث فإنه رجع وفر.

فلما فرغ  من كلامه قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟

فأما الأول فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الثاني فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الثالث فأعرض فأعرض الله عنه" .

وعنه  "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" قال الراوي: فأعظم بمرتبة هي الواسطة بين النبوة والشهادة.

وعن أبي هريرة مرفوعاً "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له بالخير" وعن النبي  "إذا سألتم الحوائج فاسألوها الناس.

قيل: يا رسول الله ومن الناس؟

قال  : أهل القرآن.

قيل: ثم من؟

قال: أهل العلم.

قيل: ثم من؟

قال  : صباح الوجوه" قال الراوي: والمراد بأهل القرآن من يحفظ معانيه.

وقال  "كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك" قال الراوي: وجه التوفيق بين هذه الرواية وبين الرواية الأخرى "الناس رجلان عالم ومتعلم وسائر الناس همج لا خير فيه" أن المستمع والمحب بمنزلة المتعلم، وما أحسن قول بعض الأعراب لولده: كن سبعاً خالساً، أو ذئباً خانساً، أو كلباً حارساً، وإياك أن تكون إنساناً ناقصاً.

"وعن النبي  أنه كان يحدث إنساناً فأوحى الله  إليه أنه لم يبق من عمر هذا الرجل الذي تحدثه إلا ساعة - وكان هذا وقت العصر - فأخبره الرسول بذلك فاضطرب الرجل وقال: يا رسول الله دلني على أوفق عمل لي في هذه الساعة.

قال  اشتغل بالتعلم.

فاشتغل بالتعلم وقبض قبل المغرب" قال الراوي: فلو كان شيء أفضل من العلم لأمره النبي  به في ذلك الوقت.

وأما الآثار، فإن مصعب بن الزبير قال لابنه: تعلم العلم فإنه إن يك لك مال كان لك جمالاً، وإن لم يكن لك مال كان العلم لك مالاً.

وقال علي بن أبي طالب: لا خير في الصمت عن العلم كما لا خير في الكلام عن الجهل.

وقيل: مثل العالم بالله كمثل الشمس لا يزيد ولا ينقص.

وهو الجالس على الحد المشترك بين عالم المعقولات وعالم المحسوسات، فهو تارة مع الله بالحب له، وتارة مع الخلق بالشفقة والرحمة، فإذا رجع من ربه إلى الخلق صار كواحد منهم كأنه لم يعرف الله، وإذا خلا بربه مشتغلاً بذكره وخدمته فكأنه لا يعرف الخلق، فهذا سبيل المرسلين والصديقين.

ومثل العالم بالله فقط كمثل القمر يكمل تارة وينقص أخرى، وهو المستغرق في المعارف الالهية غير متفرغ لتعلم علم الأحكام إلا ما لا بد منه، ومثل العالم بأمر الله فقط وهو العارف بالحلال والحرام دون أسرار جلال الله، كمثل السراج يحرق نفسه ويضيء لغيره.

وقال شقيق البلخي: الناس يقومون من مجلسي على ثلاثة أصناف، وذلك أني أفسر القرآن فأقول عن الله وعن الرسول، فمن لا يصدقني فهو كافر محض، ومن ضاق قلبه منه فهو منافق محض، ومن ندم على ما صنع وعزم على أن لا يذنب كان مؤمناً محضاً.

وقال أيضاً: ثلاثة من النوم يبغضها الله، وثلاثة من الضحك: النوم بعد صلاة الفجر وقبل صلاة العتمة، والنوم في الصلاة، والنوم عند مجلس الذكر.

والضحك خلف الجنازة، والضحك في المقابر، والضحك في مجلس الذكر.

وقيل: العالم أرأف بالتلميذ من الأب والأم، لأن الآباء والأمهات يحفظونهم من نار الدنيا وآفاتها، والعلماء يحفظونهم من نار الآخرة وشدائدها.

وقيل لابن مسعود: بم وجدت هذا العلم؟

قال: بلسان سؤل وقلب عقول.

وقال بعضهم: سل مسألة الحمقى و احفظ حفظ الأكياس.

وقيل: الدنيا بستان تزينت بخمسة أشياء: علم العلماء، وعدل الأمراء، وعبادة العباد، وأمانة التجار، ونصيحة المحترفين.

فجاء إبليس بخمسة أعلام وأقامها بجنب هذه الخمس.

فجاء بالحسد فركزه في جنب العلم، وجاء بالجور فركزه بجنب العدل، وجاء بالرياء فركزه بجنب العبادة، وجاء بالخيانة فركزها بجنب الأمانة، وجاء بالغش فركزه بجنب النصيحة.

وقال علي بن أبي طالب  : العلم أفضل من المال لسبعة أوجه: العلم ميراث الأنبياء والمال ميراث الفراعنة، العلم لا ينقص بالنفقة والمال ينقص، المال يحتاج إلى الحافظ والعلم يحفظ صاحبه، إذا مات الرجل خلف ماله والعلم يدخل معه قبره، المال يحصل للمؤمن والكافر والعلم لا يحصل إلا للمؤمن، جميع الناس محتاجون إلى العالم في أمر دينهم ولا يحتاجون إلى صاحب المال، العلم يقوي الرجل عند المرور على الصراط والمال يمنعه منه.

قال الفقيه أبو الليث: من جلس عند العالم ولا يقدر أن يحفظ من ذلك العلم شيئاً فله سبع كرامات: ينال فضل المتعلمين، وكان محبوساً من الذنوب ما دام جالساً عنده، وإذا خرج من منزله طلباً للعلم نزلت الرحمة عليه، وإذا جلس في حلقة العلم فنزلت الرحمة عليهم حصل له منها نصيب، وما دام يكون في الاستماع تكتب له طاعة، إذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه وانكسر فيكون في زمرة "أنا عند المنكسرة قلوبهم لأجلي"، إذا رأى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق نفر عن الفسق ومال إلى طلب العلم.

وقيل: ثلاثة لا ينبغي للشريف أن يأنف منها وإن كان أميراً: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته للعالم الذي يتعلم منه، والسؤال عما لا يعلم ممن هو أعلم منه.

(واعلم) أن الله  علم سبعة نفر سبعة أشياء: علم آدم الأسماء كلها، وعلم الخضر علم الفراسة ﴿ وعلمناه من لدنا علماً  ﴾ وعلم يوسف علم التعبير { ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث  ﴾ وعلم داود صنعة الدرع ﴿ وعلمناه صنعة لبوس لكم ﴾ وعلم سليمان منطق الطير ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ وعلم عيسى  علم التوراة والإنجيل ﴿ ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل  ﴾ وعلم محمداً  الشرع والتوحيد ﴿ وعلمك ما لم تكن تعلم  ﴾ فعلم آدم كان سبباً لحصول السجدة والتحية، وعلم الخضر كان سبباً لوجود تلميذ مثل موسى ويوشع، وعلم يوسف لوجود الأهل والمملكة، وعلم سليمان لوجدان بلقيس والغلبة، وعلم داود للرياسة والملك، وعلم عيسى لزوال التهمة عن أمه، وعلم محمد  لوجدان الشفاعة.

ثم نقول: من علم أسماء المخلوقات وجد تحية الملائكة، فمن علم ذات الخالق وصفاته أما يجد تحية الملائكة بل تحية ربه ﴿ سلام قولاً من رب رحيم  ﴾ والخضر وجد بعلم الفراسة صحبة موسى، فأمة محمد بعلم الحقيقة يجدون صحبة محمد  ﴿ فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين  ﴾ ويوسف بتأويل الرؤيا نجا من حبس الدنيا، فمن كان عالماً بتأويل كتاب الله كيف لا ينجو من حبس الشبهات ﴿ ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم  ﴾ وأيضاً فإن يوسف  ذكر منة الله على نفسه حيث قال ﴿ وعلمتني من تأويل الأحاديث  ﴾ فأنت يا عالم، أما تذكر نعمة الله على نفسك حيث جعلك مفسراً لكلامه، وسمياً لنفسه ووارثاً لنبيه وداعياً لخلقه وواعظاً لعباده وسراجاً لأهل بلاده وقائداً للخلق إلى جنته وثوابه، وزاجراً لهم عن ناره وعقابه، كما جاء في الحديث "العلماء سادة، والفقهاء قادة، ومجالستهم زيادة" وإن سليمان لم يحتج إلى الهدهد إلا لعلمه بالماء.

(وروي) عن نافع بن الأزرق أنه قال لابن عباس: كيف اختار سليمان الهدهد لطلب الماء؟

قال: لأن الأرض له كالزجاجة يرى باطنها من ظاهرها.

فقال نافع: الفخ يغطى له بأصبع من التراب فلا يراه فيقع فيه!

فقال ابن عباس: إذا جاء القضاء عمي البصر.

وقال لولده: يا بني عليك بالأدب، فإنه دليل على المروءة، وأنس في الوحشة، وصاحب في الغربة، وقرين في الحضر، وصدر في المجلس، ووسيلة عند انقضاء الوسائل، وغني عند العدم، ورفعه للخسيس، وكمال للشريف، وجلال للملك.

(وقال) سقراط: من فضيلة العلم أنك لا تقدر على أن يخدمك فيه أحد كما تجد من يخدمك في سائر الأشياء بل تخدمه بنفسك، ولا يقدر أحد على سلبه عنك.

وقيل لبعض الحكماء: لا تنظر فغمض عينيه وقيل له: لا تسمع فسد أذنيه، وقيل له: لا تتكلم فوضع يده على فيه، وقيل له: لا تعلم فقال: لا أقدر عليه.

وعن بعض الحكماء: عظم العلم في ذاتك، وصغر الدنيا في عينك، وكن ضعيفاً عند الهزل، قوياً عند الجد، ولا تلم أحداً على فعل يمكن أن يعتذر منه، ولا ترفع شكايتك إلا إلى من ترى نفعه عندك حتى تكون حكيماً فاضلاً.

ولبعضهم: آفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة العلماء حب الرياسة.

(وأما النكت) فالمعصية عند الجهل لا يرجى زوالها، وعند السهو يرجى زوالها انظر إلى زلة آدم فإنه بعلمه استغفر، والشيطان عصى وبقي في الغي أبداً، لأن ذلك كان بسبب الجهل، وإن يوسف  لما صار ملكاً احتاج إلى وزير فسأل جبريل عن ذلك فقال: إن ربك يقول لا تختر إلا فلاناً، فرآه في أسوأ الأحوال.

فقال لجبريل: كيف يصلح لهذا العمل مع سوء حاله؟

فقال له جبريل: إن ربه عينه لذلك لأنه ذب عنك بعلمه حين قال ﴿ وإن كان قميصه قُدَّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين  ﴾ والنكتة أن من ذب عن يوسف استحق الشركة في مملكته، فمن ذب عن الدين القويم بالبرهان المستقيم فكيف لا يستحق من الله الخير والإحسان؟

وقيل: أراد واحد خدمة ملك فقال الملك: اذهب وتعلم حتى تصلح لخدمتي فلما شرع في التعلم وذاق لذة العلم، بعث الملك إليه وقال: اترك التعلم فقد صرت أهلاً لخدمتي.

فقال كنت أهلاً لخدمتك حين لم ترني أهلاً لخدمتك، وحين رأيتني أهلاً لخدمتك رأيت نفسي أهلاً لخدمة الله، وذلك لأني كنت أظن أن الباب بابك لجهلي والآن علمت أن الباب باب الرب.

(وقال الحكيم:) القلب ميت وحياته بالعلم، والعلم ميت وحياته بالطلب، والطلب ضعيف وقوته بالمدارسة، فإذا قوي بالمدارسة فهو محتجب، وإظهاره بالمناظر وإذا ظهر بالمناظرة فهو عقيم، ونتاجه بالعمل فإذا زوج العلم بالعمل توالد وتناسل ملكاً أبدياً لا آخر له.

وإن نملة واحدة نالت الرياسة بمسألة واحدة علمتها وذلك قولها ﴿ وهم لا يشعرون  ﴾ كأنها إشارة إلى تنزيه الأنبياء عن المعصية وإيذاء البريء من غير جرم فقالت: لو حطمكم فإنما يصدر ذلك على سبيل السهو.

فمن علم حقائق الأشياء من الموجودات والمعدومات، كيف لا يستحق الرياسة في الدين والدنيا؟

وإن الكلب المعلم يكون صيده ماهراً ببركة العلم مع أنه نجس في الأصل، فالنفس الطاهرة في الفطرة إذا تلوثت بأوزار المعصية، كيف لا تطهر ببركة العلم بالله وبصفاته؟

وإذا كان السارق عالماً لا تقطع يده لأنه يقول: كان المال وديعة لي، وكذا الشارب يقول: حسبته حلالاً، وكذا الزاني يقول: تزوجتها فإنه لا يحد.

وأما الحكايات، (يحكى) أن هارون الرشيد كان بحضرته فقهاء فيهم أبو يوسف فأتي برجل فادعى عليه آخر أنه أخذ من بيتي مالاً بالليل، ثم أقر الآخذ بذلك في المجلس، فاتفق العلماء على أنه تقطع يده، فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه أقر بالأخذ، وإنه لا يوجب القطع بل لا بد من الاعتراف بالسرقة فصدقه الكل في ذلك ثم قالوا للآخذ: أسرقتها؟

فقال: نعم.

فأجمعوا على القطع لأنه أقر بالسرقة.

فقال أبو يوسف: لا قطع عليه لأنه وإن أقر بالسرقة، لكن بعدما أوجب الضمان عليه بإقراره بالأخذ، وإذا أقر بالسرقة بعد ذلك فهو بهذا الإقرار يسقط الضمان عن نفسه فلا يسمع إقراره فتعجب الكل.

(وعن الشعبي) كنت عند الحجاج فأتي بيحيى بن يعمر - فقيه خراسان - من بلخ مكبلاً في الحديد.

فقال الحجاج: أنت زعمت أن الحسن والحسين من ذرية الرسول؟

فقال: بلى.

فقال الحجاج: لتأتيني ببينة واضحة من كتاب الله أو لأقطعنك عضواً عضواً.

فقال: آتيك ببينة واضحة من كتاب الله يا حجاج؟

قال: فتعجب من جرأته بقوله يا حجاج فقال له: ولا تأتيني بهذه الآية ﴿ ندع أبناءنا وأبناءكم  ﴾ فقال: آتيك بها واضحة من كتاب الله.

قال  : ﴿ ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان  ﴾ إلى قوله ﴿ وزكريا ويحيى وعيسى  ﴾ فمن أبو عيسى فقد ألحق  عيسى بذرية نوح قال: فأطرق ملياً ثم رفع رأسه فقال: كأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب الله، حلوا وثاقه وأعطوه من المال كذا.

(ويحكى) أن جماعة من أهل المدينة جاءوا إلى أبي حنيفة ليناظروه في القراءة خلف الإمام ويبكتوه ويسفهوا عليه، فقال لهم: لا يمكنني مناظرة الجميع ففوضوا أمر المناظرة إلى أعلمكم لأناظره، فأشاروا إلى واحد فقال: هذا أعلمكم؟

قالوا: نعم قال: والمناظرة معه كالمناظرة معكم؟

قالوا: نعم.

قال: والإلزام عليه كالإلزام عليكم؟

قالوا: نعم.

قال: وإن ناظرته وألزمته الحجة فقد ألزمتكم الحجة؟

قالوا: نعم.

قال: وكيف قالوا لأنا رضينا به إماماً فكان قوله قولاً لنا، قال أبو حنيفة فنحن لما اخترنا الإمام في الصلاة فقراءته قراءة لنا وهو ينوب عنا فأقروا له بالعلم.

ويحكى أن المنصور دعا أبا حنيفة يوماً فقال الربيع وهو يعاديه: يا أمير المؤمنين، هذا يخالف جدك حيث يقول الاستثناء المنفصل جائز وأبو حنيفة ينكره، فقال أبو حنيفة: هذا الربيع يقول ليس لك بيعة في رقبة الناس.

فقال: كيف قال إنهم يعقدون البيعة لك ثم يرجعون إلى منازلهم فيستثنون فتبطل بيعتهم؟

فضحك المنصور وقال: إياك يا ربيع وأبا حنيفة، فلما خرج الربيع قال: سعيت في دمي قال: كنت البادي.

ويحكى أنه دخل اللصوص على رجل وأخذوا متاعه واستحلفوه بالطلاق ثلاثاً أن لا يعلم أحداً.

فأصبح الرجل وهو يرى اللصوص يبيعون متاعه وليس يقدر أن يتكلم من أجل يمينه، فجاء الرجل يشاور أبا حنيفة، فقال: أحضر لي إمام مسجدك وأهل محلتك فأدخلهم جميعاً في دار واحدة وأخرج واحداً واحداً.

فقال للرجل: إن لم يكن لصك فقل: لا، وإن كان فاسكت.

فلما سكت قبض على اللص ورد الله  عليه جميع ما سرق منه.

ويحكى أنه كان في جوار أبي حنيفة فتى يغشى مجلس أبي حنيفة، فقال يوماً له: إني أريد التزوج من آل فلان وقد خطبتها إليهم فطلبوا مني من المهر فوق طاقتي.

قال: استقرض وادخل عليها فإن الله  يسهل الأمر عليك بعد ذلك.

فأقرضه أبو حنيفة ذلك القدر ثم قال له بعد الدخول: أظهر أنك تريد الخروج من هذا البلد إلى بلد بعيد، وأنك تسافر بأهلك معك.

فأظهر الرجل ذلك فاشتد على أهل المرأة وجاءوا إلى أبي حنيفة يشكونه ويستفتونه فقال لهم: له ذلك، والطريق أن ترضوه بأن تردوا عليه ما أخذتموه فأجابوا إليه، فقال الزوج: إني أريد شيئاً آخر فوق ذلك.

فقال له أبو حنيفة: ترضى بهذا وإلا أقرت لرجل بدين فلا يمكن المسافرة بها حتى تقضي ما عليها، فقال الرجل: الله الله، لا يسمعوا بهذا، فرضي بذلك وحصل ببركة علم أبي حنيفة فرج كل واحد من الخصمين.

وسئل أبو حنيفة عن رجل حلف ليقربن امرأته في نهار رمضان فلم يعرف أحد وجه الجواب.

فقال: يسافر بامرأته فيطؤها نهاراً في رمضان.

وقال بشر المريسي للشافعي: كيف تدعي انعقاد الإجماع مع أهل المشرق والمغرب على شيء واحد - وكانت هذه المناظرة عند الرشيد - فقال الشافعي: هل تعرف إجماع الناس على خلاف هذا الجالس؟

فأقر به خوفاً وانقطع.

ويحكى أن أعرابياً سأل الحسين بن علي  حاجة وقال: "سمعت جدك يقول: إذا سألتم حاجة فاسألوها من أحد أربعة: إما عربياً شريفاً، أو مولى كريماً، أو حامل القرآن، أو صاحب الوجه الصبيح" فأما العرب فشرفت بجدك، وأما الكرم فدأبكم وسيرتكم، وأما القرآن ففي بيوتكم نزل، وأما الوجه الصبيح فإني سمعت رسول الله  يقول "إذا أردتم أن تنظروا إليّ فانظروا إلى الحسن والحسين"  ما.

فقال الحسين  : ما حاجتك؟

فكتبها على الأرض.

فقال الحسين  : سمعت أبي علياً  يقول: قيمة كل امرئ ما يحسنه.

وسمعت جدي يقول: المعروف بقدر المعرفة فأسألك عن ثلاث مسائل، إن أحسنت في جواب واحدة فلك ثلث ما عندي، وإن أجبت عن اثنتين فلك ثلثا ما عندي، وإن أجبت عن الثلاث فلك كل ما عندي.

وقد حمل إلى الحسين صرة مختومة من العراق فقال: سل ولا قوة إلا بالله.

فقال  : أي الأعمال أفضل؟

قال الأعرابي: الإيمان بالله.

قال: فما نجاة العبد من الهلكة؟

قال: الثقة بالله، قال: فما يزين المرء؟

قال: علم معه حلم.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: فمال معه كرم.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: ففقر معه صبر.

قال  : فإن أخطأ ذلك؟

قال: فصاعقة تنزل من السماء فتحرقه.

فضحك الحسين  ورمى بالصرة إليه.

وأما الوجوه العقلية فمنها أن الأمور أربعة أقسام: قسم يرضاه العقل دون الشهوة كمكاره الدنيا، وقسم عكس ذلك كالمعاصي، وقسم ترضاه الشهوة والعقل وهو العلم والجنة، وقسم لا ترضاه الشهوة والعقل وهو الجهل والنار.

فمن رضي بالجهل فقد رضي بنار حاضرة، ومن اشتغل بالعلم فقد خاض في جنة حاضرة، وكما يعيش يموت وكما يموت يبعث.

ومنها أن اللذة إدراك المحبوب، وكلما كان المدرك أكمل وأشرف كانت اللذة أكمل وأتم.

ومدرك العقل هو الله  وجميع مخلوقاته من الملائكة والأفلاك والعناصر والمواليد وجميع أحكامه وأوامره وأي معلوم أشرف من ذلك؟

فلا كمال ولا لذة فوق كمال العلم ولذته، ولا ألم ولا نقصان مثل ألم الجهل ونقصانه، ولهذا قال عز من قائل ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق.

خلق الإنسان من علق.

إقرأ وربك الأكرم.

الذي علم بالقلم.

علم الإنسان ما لم يعلم  ﴾ كأنه قال: كنت في أول حالك علقة هي الغاية في الخساسة، ثم صرت في آخر حالك في غاية الشرف.

وأيضاً ترتب الحكم على الوصف مشعر بالعلية، وهذا يدل على أنه إنما يستحق الأكرمية لأنه أعطى العلم، فالعلم أشرف عطية وأعظم موهبة.

ومنها أنه  قال ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء  ﴾ فالعلماء من أهل الخشية، وأهل الخشية أهل الجنة لقوله  ﴿ جزاؤهم عند ربهم جنات عدن ﴾ إلى قوله ﴿ ذلك لمن خشي ربه  ﴾ فالعلماء من أهل الجنة بل ليس أهل الجنة إلا العلماء وذلك لكلمة إنما المفيدة للحصر ولا جل لام الاختصاص في قوله ﴿ لمن خشي ﴾ والسبب في أن العلماء هم أهل الخشية، أن من لم يكن عالماً بالشيء استحال أن يكون خائفاً منه.

ثم إن العلم بالذات لا يكفي في الخوف بل لا بد معه من العلم بأمور ثلاثة: أحدها العلم بالقدرة لأن الملك عالم باطلاع رعيته على أفعاله القبيحة لكنه لا يخافهم لعلمه بأنهم لا يقدرون على دفعه، وثانيها العلم بكونه عالماً لأن السارق من مال السلطان يعلم قدرته لكنه يعلم أنه غير عالم بسرقته فلا يخافه، وثالثها العلم بكونه حكيماً فإن المسخرة عند السلطان عالم بكون السلطان قادراً على منعه عالماً بقبائح أفعاله لكنه يعلم أنه قد يرضى بما لا ينبغي فلا يحصل الخوف فثبت أن خوف العبد من الله لا يحصل إلا إذا علم كونه  عالماً بجميع المعلومات، قادراً على كل المقدورات، غير راضٍ بالمنكرات والمحرمات، فإذن الخوف من لوازم العلم بالله، وبهذا يعرف نباهة قدر العلم.

ومن هنا أمر حبيبه  بالازدياد منه حيث قال ﴿ وقل رب زدني علماً  ﴾ .

ولم يكتف نبي الله موسى  بما علم بل قال للخضر ﴿ هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشداً  ﴾ ولم يفتخر سليمان بالمملكة العظيمة بل افتخر بالعلم ﴿ علمنا منطق الطير  ﴾ ولولا شرف العلم لم يكن للهدهد مع ضعفه أن يتكلم بحضرة سليمان بقوله ﴿ أحطت بما لم تحط به  ﴾ وهكذا الرجل الساقط إذا تعلم العلم صار نافذ القول على السلاطين، وما ذاك إلا ببركة العلم.

ومنها أنه  قال "تفكر ساعة خير من عبادة ستين سنة" وذلك أن التفكر يوصلك إلى الله، والعبادة توصلك إلى ثواب الله.

وأيضاً التفكر عمل القلب والعبادة عمل الجوارح.

ومنها أن سائر كتب الله ناطقة بفضل العلم، أما التوراة فقال لموسى: عظم الحكمة فإني لا أجعل الحكمة في قلب عبد إلا وأردت أن أغفر له.

فتعلمها ثم اعمل بها ثم ابذلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة.

وأما الزبور فقال  لداود: قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم حادثوا من الناس الأتقياء، فإن لم تجدوا فيهم تقياً فحادثوا العلماء، فإن لم تجدوا عالماً فحادثوا العقلاء، فإن التقي والعلم والعقل ثلاث مراتب، ما جعلت واحدة منهن في أحد من خلقي وأنا أريد هلاكه، وإنما قدم  التقى على العلم، لأن التقى لا يوجد بدون العلم كما بينا من أن الخشية لا تحصل إلا مع العلم، والموصوف بالأمرين أشرف من الموصوف بأمر واحد، ولهذا السر أيضاً قدم العالم على العاقل لأن العالم لا بد وأن يكون عاقلاً، وأما العاقل فقد لا يكون عالماً، فالعقل كالبذر والعلم كالشجر والتقوى كالثمر.

وأما الإنجيل فقد قال عز من قائل في السورة السابعة عشرة منه: ويل لمن سمع العلم فلم يطلبه كيف يحشر مع الجهال إلى النار؟

اطلبوا العلم وتعلموه فإن العلم إن لم يسعدكم لم يشقكم، وإن لم يرفعكم لم يضعكم، وإن لم يغنكم لم يفقركم، وإن لم ينفعكم لم يضركم.

ولا تقولوا نخاف أن تعلم فلا نعمل ولكن قولوا نرجو أن نعلم فنعمل، إذ العلم شفيع لصاحبه، وحق على الله أن لا يخزيه، وإن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا معشر العلماء، ما ظنكم بربكم؟

فيقولون: ظننا أن ترحمنا وتغفر لنا فيقول: وإني قد فعلت، إني استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم بل لخير أردته بكم، فادخلوا في صالحي عبادي إلى جنتي برحمتي.

وبالجملة، فكون العلم صفة شرف وكمال، وكون الجهل صفة نقصان، أمر معلوم للعقلاء بالضرورة، ولذلك لو قيل للرجل العالم يا جاهل تأذى بذلك وإن كان يعلم أنه كاذب، ولو قيل للرجل الجاهل يا عالم فرح بذلك وإن كان يعلم أنه ليس كذلك، والعلم أينما وجد كان صاحبه محترماً معظماً حتى إن غير الإنسان من الحيوان إذا رأى الإنسان احتشمه بعض الاحتشام وانزجر به بعض الانزجار وإن كان ذلك الحيوان أقوى بكثير من الإنسان.

والعلماء إذا لم يعاندوا كانوا رؤساء بالطبع على من دونهم في العلم، وأن كثيراً ممن كانوا يعاندون رسول الله  ويريدون قتله كانوا إذا وقع بصرهم عليه ألقى الله في قلوبهم الرعب منه فهابوه وانقادوا له.

لو لم تكن فيه آيات مبينة *** كانت بداهته تغنيك عن خبر وما فضل الإنسان على سائر الحيوان إلا لاختصاصه بالمزية النورانية واللطيفة الربانية التي لأجلها صار مستعداً لإدراك حقائق الأشياء والاشتغال بعبادة الله  ، والجاهل كأنه في ظلمة شديدة إذا أخرج يده لم يكد يراها، والعالم كأنه يطير في أقطار الملكوت ويسبح في بحار المعقولات، فيطالع الموجودات والمعدوم والواجب والممكن والمحال، ثم يعرف انقسام الممكن إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى البسيط والمركب، ويبالغ في تقسيم كل منها إلى أنواعها وأنواع أنواعها وأجزائها وأجزاء أجزائها والجزء الذي به يشارك غيره، والجزء الذي به يمتاز عن غيره، ويعرف أثر كل شيء ومؤثره ومعلوله وعلته ولازمه وملزومه وكليته وجزئيته، فيصير كالنسخة التي أثبت فيها جميع المعلومات بتفاصيلها وأقسامها، وأنه في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام كاملاً ومكملاً، واسطة بين الله وعباده، ولأمر ما لم يجعل الله  سائر صفات الجلال من القدرة والإرادة والسمع والبصر والوجوب والقدم والاستغناء عن المكان والحيز جواباً للملائكة وموجباً لسكوتهم، وإنما جعل  صفة العلم جواباً لهم ثم قال ﴿ إني أعلم ما لا تعلمون  ﴾ وهكذا أظهر فضيلة آدم بالعلم بعد افتخارهم بالتسبيح والتقديس.

وإن إبراهيم اشتغل في أول أمره بطلب العلم متنقلاً بفكره من الكوكب إلى القمر، ومن القمر إلى الشمس، إلى أن وصل إلى الدليل الباهر والبرهان الظاهر إلى المقصود وهو الملة الحنيفية.

وإن الله  سمى العلم تارة بالحياة ﴿ أوَ من كان ميتاً فأحييناه  ﴾ وتارة بالروح ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ وتارة بالنور ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء  ﴾ وضرب المثل العلم بالماء ﴿ أنزل من السماء ماء  ﴾ فعلم التوحيد كماء العين لا يجوز تحريكه لئلا يتكدر، كذلك لا ينبغي طلب كيفية الله كيلا يفضي إلى الكفر، وعلم الفقه كماء القناة يزداد بالاستنباط والحفر، وعلم الزهد كماء المطر ينزل صافياً ويتكدر بغبار الهواء، وكذلك علم الزهد صافٍ ويتكدر بالطبع، وعلم البدع كماء السيل يهلك الأحياء ويميت الخلق.

وأما الأخبار والآثار الدالة على وعيد من لم يعمل بعلمه أو طلب العلم لغير ذات الله فمنها: أنه  قال: " " لا تجالسوا العلماء إلا إن دعوكم من خمس إلى خمس: من الشك إلى اليقين، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة، ومن الرياء إلى الإخلاص ومن الرغبة إلى الزهد" وقال  "الناس كلهم هلكى إلا العالمون، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر عظيم" عن عدي بن حاتم أن النبي  قال: "يؤتى بناس يوم القيامة فيؤمر بهم إلى الجنة حتى إذا دنو منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى قصورها وإلى ما أعد الله لأهلها نودوا أن اصرفوهم عنها لا نصيب لهم فيها، فيرجعون عنها بحسرة ما رجع أحد بمثلها ويقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا من ثوابك وما أعددت فيها لأوليائك كان أهون علينا فتودوا ذاك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بي بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تضمرون عليه في قلوبكم.

هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم المعاصي ولم تتركوها لي، أكنت أهون الناظرين عليكم؟

فاليوم أذيقكم أليم عذابي مع ما حرمتكم من النعيم" وقيل: أطلب أربعة في أربعة: من الموضع السلامة، ومن الصاحب الكرامة، ومن المال الفراغة، ومن العلم المنفعة، فإذا لم تجد من الموضع السلامة فالسجن خير منه، وإذا لم تجد من الصاحب الكرامة فالكلب خير منه، وإذا لم تجد من مالك الفراغة فالمدر خير منه، وإذا لم تجد من العلم المنفعة فالموت خير منه، وقيل: لا تتم أربعة أشياء إلا بأربعة أشياء: لا يتم الدين إلا بالتقوى، ولا يتم القول إلا بالفعل، ولا تتم المروءة إلا بالتواضع، ولا يتم العلم إلا بالعمل، فالدين بلا تقوى على الخطر، والقول بلا فعل كالهذر، والمروءة بلا تواضع كالشجر بلا ثمر، والعلم بلا عمل كالغيم بلا مطر، وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه لجابر بن عبد الله الأنصاري: قوام الدنيا بأربعة: بعالم يعمل بعلمه، وجاهل لا يستنكف عن تعلمه، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه.

فإذا لم يعمل العالم بعلمه استنكف الجاهل من تعلمه، وإذا بخل الغني بمعروفه باع الفقير آخرته بدنياه، فالويل لهم والثبور سبعين مرة.

وقيل: إذا وضعت على سواد عينك جزءاً من الدنيا لا ترى شيئاً، فإذا وضعت على سويداء قلبك كل الدنيا كيف ترى بقلبك شيئاً؟.

البحث الرابع: في حد العلم الأشعري: العلم ما يعلم به.

وربما قال: ما يصير الذات به عالماً.

القاضي: العلم معرفة المعلوم على ما هو عليه.

القفال: إثبات المعلوم على ما هو به والكل دائر.

المعتزلة: هو الاعتقاد المقتضي لسكون النفس.

الفلاسفة: صورة حاصلة في النفس مطابقة للمعلوم، ولا يخفى خروج علم الله  عنهما فإنه لا يطلق هناك النفس، وفيه مفاسد أخر يطول ذكرها ههنا، وعند كثير من المحققين: هو بديهي.

وقيل: أصح الحدود، صفة توجب تمييزاً لا يحتمل النقيض.

والحق في هذا المقام هو أن نسبة البصيرة إلى مدركاتها كنسبة البصر إلى مدركاته، فكما أن للبصر نوراً كل ما يقع في ذلك النور فهو مدركه، فكذا للبصيرة نور كل ما يقع فيه فهو مدركها.

ولا يدرك حقيقة هذا النور، إلا من له نور ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ وهكذا إدراكات جميع الأنوار حتى نور الأنوار، وكلما ازدادت النفس نورية وشروقاً ازداد انبساطها فيقع فيها المعلومات أكثر، وهكذا يكون الحال في كل مستكمل.

أما إذا كان العالم بحيت تكون كمالاته الممكنة له موجودة معه بالفعل، فلا تزداد نوريته، ولا يتجاوز مرتبته في العلم ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم  ﴾ ثم إن كان التكمال والنور بحيث لا يمكن أكمل منه ولا أنور، كان جميع الأشياء واقعة في نوره، بل يكون نوره نافذاً في الكل متصرفاً فيها محيطاً بها أزلاً وأبداً ﴿ لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض  ﴾ وههنا أسرار أخر لا يجوز التعبير عنها لعزتها يتفطن لبعضها من وفق لها من أهلها.

البحث الخامس في ألفاظ تقرب من العلم.

الأول: الإدراك، وهو الوصول لأن القوة العاقلة تصل إلى حقيقة المعقول.

الثاني: وهو إدراك بغير استثبات وهو أول مراتب وصول المعقول إلى القوة العاقلة ولهذا لا يوصف به الله  .

الثالث: التصور مشتق من الصورة، فكأن حقيقة المعقول حلت في العاقلة حلول الشكل في المادة.

الرابع: الحفظ وذلك إذا استحكمت الصورة في العاقلة بحيث لو زالت لتمكنت من استرجاعها.

الخامس: التذكر وهو محاولة استرجاع الصورة المحفوظة، وإنه بالحقيقة التفات النفس إلى عالمها.

السادس: الذكر وهو وجدان الصورة بعد محاولة استرجاعها، ولا محالة يكون مسبوقاً بالزوال: قال الشاعر: الله يعلم أني لست أذكره *** وكيف أذكره إذ لست أنساه ويوصف القول بأنه ذكر لأنه سبب حضور المعنى في النفس قال عز من قائل ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر  ﴾ .

السابع: المعرفة وقد اختلفوا في تفسيرها.

فمن قائل إنها إدراك الجزئيات، والعلم إدراك الكليات.

ومن قائل إنها التصور والعلم هو التصديق، وجعل العرفان أشرف من العلم لأن تصديقنا باستناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود أمر معلوم بالضرورة، وأما تصور حقيقته فأمر وراء الطاقة البشرية، وقال بعضهم: من أدرك شيئاً وانحفظ أثره في نفسه، ثم أدرك ذلك الشيء ثانياً وعرف أن هذا المدرك الذي أدركه ثانياً هو الذي كان قد أدركه أولاً، فهذا هو المعرفة.

والنفس قبل البدن كانت معترفة بالربوبية إلا أنها في ظلمة العلاقة البدنية قد نسيت مولاها، فإذا تخلصت من قيد العلاقة عرفت ربها وعرفت أنها كانت عارفة.

الثامن: الفهم وهو تصور الشيء من لفظ المخاطب، والإفهام هو إيصال المعنى باللفظ إلى فهم السامع.

التاسع: الفقه وهو العلم بغرض المخاطب من خطابه قال  ﴿ لا يكادون يفقهون حديثاً  ﴾ أي لا يقفون على المقصود الأصلي من التكاليف.

العاشر: العقل وهو العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها ونفعها وضرها حتى يصير مانعاً من الفعل مرة، ومن الترك أخرى، فيجري ذلك مجرى عقال الناقة.

ومن هنا قيل: هو العلم بخير الخيرين وشر الشرين، والعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه.

الحادي عشر: الدراية وهي المعرفة الحاصلة بضرب من الحيلة، وهي ترتيب المقدمات فلا يصح إطلاقها عليه  .

الثاني عشر: الحكمة وهي اسم لكل علم حسن وعمل صالح، وهو بالعلم العملي أخص منه بالعلم النظري، وفي العمل أكثر استعمالاً منه في العلم، وقيل: هي الاقتداء بالخالق  بقدر القوة البشرية، وذلك أن يجتهد أن ينزه علمه عن الجهل، وعدله عن الجور، وجوده عن البخل وحلمه عن السفه.

الثالث عشر: علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين.

فعلم اليقين ما كان من طريق النظر والاستدلال، وعين اليقين ما كان من طريق الكشوف والنوال، وحق اليقين ما كان متحقق الانفصال عن لوث الصلصال بوروده رائد الوصال.

الرابع عشر: الذهن وهو قوة النفس على اكتساب الحدود والآراء.

الخامس عشر: الفكر وهو انتقال النفس من التصديقات الحاضرة إلى التصديقات المستحضرة.

وقيل: إنه يجري مجرى التضرع إلى الله تعالى في استنزال العلم من عنده.

السادس عشر: الحدس وهو قوة للنفس بها يهتدي بسرعة إلى الحد الأوسط في كل قياس.

السابع عشر: الذكاء وهو شدة هذا الحدس وبلوغه الغاية القصوى، من ذكت النار اشتعلت.

الثامن عشر: الفطنة وهي التنبه لشيء قصد تعريضه كالأحاجي والرموز.

التاسع عشر: الخاطر وهو حركة النفس نحو تحصيل حق أو حظ.

العشرون: الوهم وهو الاعتقاد المرجوح وقد يقال: إنه الحكم بأمور جزئية غير محسوسة لأشخاص جزئية كحكم السخلة بصداقة الأم وعداوة الذئب.

الحادي والعشرون: الظن وهو الاعتقاد الراجح فإن كان عن أمارة قوية قبل ومدح وعليه مدار أكثر أحوال العالم، وإن كان عن أمارة ضعيفة ذم ﴿ إن بعض الظن إثم  ﴾ .

الثاني والعشرون: الخيال وهو عبارة عن الصورة الباقية عن المحسوس بعد غيبته، وما كان من ذلك في النوم قد يخص باسم الطيف.

الثالث والعشرون: البديهة وهي المعرفة الحاصلة للنفس ابتداء لا بتوسط الفكر مثل: الكل أعظم من الجزء، وقد يقال لها الأوليات، الرابع والعشرون: الروية وهي ما كان من المعارف بعد فكر كثير.

الخامس والعشرون: الكياسة وهي تمكن النفس من استنباط ما هو أنفع ولهذا قال  "الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" السادس والعشرون: الخبر وهو معرفة تحصل بطريق التجربة وجدت الناس اخبر تقله.

السابع والعشرون: الرأي وهو إجالة الخاطر في المقدمات التي يرجى منها إنتاج المطلوب، وقد يقال للقضية المستنتجة من الرأي رأي، والرأي للفكرة كالآلة للصانع، ولهذا قيل: إياك والرأي الفطير.

الثامن والعشرون: الفراسة وهي اختلاس المعارف من فرس السبع الشاة.

فضرب منها يحصل للإنسان من باطنه، ولا يعرف له سبب الإصغاء جوهر الروح وهو شبه الإلهام، وإياه عنى النبي  بقوله "إن في أمتي لمحدثين وإن عمر منهم" وقد يسمى النفث في الروع، وضرب يحصل بالاستدلال من الأشكال الظاهرة على الأخلاق الباطنة.

وقيل: ﴿ أفمن كان على بينة من ربه  ﴾ إشارة إلى الأول ﴿ ويتلوه شاهد منه  ﴾ إلى الثاني والله أعلم.

التأويل: عن النبي  "إن الله خلق آدم فتجلى فيه" فبالتجلي علمه التخلق بأخلاقه والاتصاف بصفاته وهذا هو سر الخلافة بالحقيقة، لأن المرأة تكون خليفة المتجلي فيها ﴿ أنبئوني بأسماء هؤلاء ﴾ أي بأسماء هؤلاء المخلوقات دون أسماء الله وصفاته ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في دعوى الفضيلة، فإن الفضيلة ليست بمجرد الطاعة، فإن ذرات الموجودات مسبحات بحمدي، وإنما الأفضلية بالعلم لأن الطاعة من صفات الخلق، والعلم من صفات الخالق، والفضل لمن له صفة الحق والخلق جميعاً فيخلف عن الحق بصفاته وعن الخلق بصفاتهم.

وإنما قال ﴿ أنبئهم ﴾ ولم يقل علمهم كقوله  ﴿ وعلم آدم ﴾ لأن الملائكة ليس لهم الترقي في الدرجات والملكوتيات، لهم شهادة كالجسمانيات لنا، ولا يتجاوزون ما فوق سدرة المنتهى كما قال جبريل: لو دنوت أنملة لاحترقت.

والجسمانيات مرتبة دون مرتبتهم فيمكن إنباؤهم بها لأن الجسمانيات لهم كالحيوانيات بالنسبة إلينا.

وأما الالهيات فليس لهم استعداد الترقي إليها، فلهذا لم يقل أنبئهم بأسمائهم كلها كما قال ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ﴾ لئلا يكون تكليفاً بما لا يطاق، وإنما كان آدم مخصوصاً بعلم الأسماء واحتاجت الملائكة إليه في إنباء أسمائهم وأسماء غيرهم، لأنه كان خلاصة العالم، ولهذا خلق شخصه بعد تمام العالم بما فيه كخلق الثمرة بعد تمام الشجرة.

فكما أن الثمرة تعبر على أجزاء الشجرة كلها حتى تظهر على أعلى الشجرة، كذلك آدم عبر على أجزاء شجرة الوجود وكان في كل جزء من أجزائها له منفعة ومضرة ومصلحة ومفسدة، فحصل له من كل من ذلك اسم يلائمه حتى إن أسماء الله  جاءت على وفقه فضلاً عن أسماء غيره، وذلك أنه لما كان مخلوقاً كان الله خالقاً، ولما كان مرزوقاً كان الله رازقاً، ولما كان عبداً كان الله معبوداً، ولما كان معيوباً كان ستاراً، ولما كان مذنباً كان غفاراً، ولما كان تائباً كان تواباً، ولما كان منتفعاً ومتضرراً كان نافعاً وضاراً، ولما كان ظالماً كان عادلاً، ولما كان  مظلوماً كان منتقماً وعلى هذا فقس.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ ﴾ .

قال الشيخ -  -: القول فيما يتوجه إليه مما تضمن قصة آدم  من سورة البقرة، والكشفُ عما قال فيها أهل التفسير من غير شهادة لأَحد منا لإصابة جميع ما فيه من الحكمة أَو القطع على تحقيق شيءٍ، ووجهوا إليه بالإِحاطة.

ولكن الغالب مما يحتمله تدبير البشر، ويبْلغه مبلغ علمنا مما يجوز أَن يوصَف به أَهلُ المحنة، وإن كان تنزيه الملائِكة عن كل معنى فيه وحشةٌ أَوْلى بما وصفهم الله من الطاعة بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱلرَّحْمَـٰنُ وَلَداً ﴾ إلى قوله: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقوله: ﴿ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ...

﴾ الآية [النحل: 50].

وقوله: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ  ﴾ .

وما جاءَت به الآثار عن رسول الله  من وصف طاعتهم لله ومواظبتهم على العبادة.

وما لا يذكر عن أحد من الرسل وصف ملك بالمعصية، بل إنما ذلك يذكر عن بعض السلف مما لا لوم في مخالفته في فروع الدين، فضلاً من أَن يبسط اللسان في ملائِكة الله  ، وبالله المعونةُ والعصمة.

قال الله  لملائِكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ ٱلدِّمَآءَ...

﴾ الآية.

زعم قوم أن هذا زلةٌ منهم، لم يكن ينبغي لهم أن يقابلوا قوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ بهذا؛ لما يخرج مخرج الاستعتاب بقولهم: أَتفعل ونحن نفعل كذا؟!

كالمنكرين لفعله.

وأَيدوا ذلك بقوله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أنه لولا كان في ذلك طرف من الجهل يحذر عن مثله قائِلُه، لم يتبع قولهم هذا، ومعلوم عندهم أَن يكون هو يعلم ما لا يعلمون.

وأَيد ذلك بما امتحنهم بالإنباءِ عن أَسْماءِ الأَشياءِ، مقروناً بقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ ولولا أنه سبق منهم ما استحقوا عليه التوعد لم يكن لذلك الشرط عند القول: ﴿ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ فائِدة مع ما يوضع موضع التوبيخ والتهدد.

ومنهم من قال: إن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ قولُ إبليس، هو الذي تعرض بهذا القول، وإن كان الكلام مذكوراً باسم الجماعة؛ لأَنه جائِزٌ خطاب الواحد على إرادة الجماعة، وذكرُ الجماعةِ على إرادة الواحد، وإن كان خطاب الله  لجملة ملائِكته حيث قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَٰئِكَةِ...

﴾ الآية.

قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ بكذا، وهو يعلم أنهم لا يعلمون ذلك، ولا يحتمل أَن يأْمرهم بذلك وهم لا يعلمون.

ولو تكلفوا الإخبار لَلَحِقَهم الكذبُ في ذلك.

ثبت أَن ذلك على التوبيخ والتهدد لما فرط منهم.

ويكشف عن ذلك أَيضاً عند اعترافهم بأن لا علم لهم إلا ما علمهم الله ﴿ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [البقرة: 33] ولو لم يكن منهم ما استحقوا به التأْديب والتنبيه عنْ غفلةٍ سبقت منهم، لم يكن لذلك كثيرُ معنى؛ إذ لا يخفى على الله عز وجل عِلْمُ ما ذكر من الكفرة الأَشقياءِ، فضلاً عن الكرام البررة.

ولكن قد يعاتب الأخيار عند الهفوة، والزلة بما يحل من خوف التنبيه والتوبيخ: نحو قولِهِ: ﴿ وَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِيۤ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ  ﴾ .

وقوله لرسول الله  : ﴿ إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ...

﴾ الآية [الإسراء: 75].

ولملائِكته: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ  ﴾ .

واستجازوا إمكان العصيان عند المحنة.

ودليلُ المحنة ما بينا من الفعل بالأَمن والخوف المذكورين، وما مدحوا بعبادتهم لله  ، وما أوعدوا لو ادَّعَوا الألوهية؛ ولما لم يحتمل أن يُحمدوا على العبادة والطاعة فيما كان فعلهم على الخيْر والشر، ولا تعظم المحنة فيما لا يمكن المعصية، ولا تحتملها البنْية؛ إذ الطاعة هي في اتقاءِ المعصية.

وقال أيضاً: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ  ﴾ ، ولا يقال مثله لمن لا يحتمل فعل المعصية.

فثبت أن المعاصي منهم ممكنة؛ ولذلك خَطَرُ طاعاتهم، وعِظمُ قَدرِ عبادتهم، والممتَحَنُ مَخُوفٌ منه الزَّلة والهفوة، بل المعصية، وكل بلاء إلا أَن يعصمه الله  ويحفظه، وذلك من الله إفضال وإحسان لا يُستَحقُّ قبلَه، ولا يُلْزمه أحدٌ من خلقه.

فجائِز الابتلاء به مع ما في زلة أمثالهم من ترك الرجاء بالخلق، وقطع الإِياس، والحث على الفراغ إلى الله  بالعصمة والمعونة؛ إذ لم يقم لطاعته أحد وإن جَل قَدرُهُ عند ما وُكِل إلى نفسه مما يعلم الله أَنه يَختار في شيء الخلاف، لا أَنه يفزع إليه وينزع إليه.

وعلى ذلك معنى زَلات الرسل عليهم الصلاة والسلام.

وزعم قوم أَن ذلك ليس منهم بالزَّلة، بل الله  عصمهم عنها، ولكن قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ يخرج على وجهين: أَحدهما: على السؤال بعد أَن أعلمهم الله أَنهم يفعلون؛ فقالوا: كيف يَفْعلون ذلك، وقد خلقتهم ورزقتهم وأَكرمتهم بأَنواع النعم، ونحن إذ خلقتنا نُسبِّحك بذلك، ونقدس لك؟!

أَو كيف تحتمل عقولهم عصياناً - مع عظم نعمتك عليهم - ونحن معاشر الملائِكة تأْبى علينا العقول ذلك؟!

فقال الله عز وجل: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

أَي: أَمْتحنهُم مع ما ركب فيهم من الشهوات التي - لغلبتها على أَنفسهم - تعتريهم أَنواع الغفلة، ويصعب عليهم التيقظ؛ لكثرة الأَعداء لهم، وغلبة الشهوات؛ فلما عظمت المحنة عليهم يكون منهم ذلك.

وهذا الوجه يخرج على سؤال الحكمة في خلق من يعصيه.

فأَخبر أَنه يعلم ما لا تعلمون؛ إذ بذلك بيان الأَولياءِ والأعداءِ، وبيان أن الله لا يخلق من يخلق لحاجته له، أو لمنفعة له؛ إذ لو كان كذلك لم يخلق من يخالفه في الفعل الذي أُمِر به.

وإنما خلق الخلق بعضهم لبعض عِبراً وعِظةً؛ فيكون في عقوبة العُصاة ووعيدهم مَزْجَرٌ لغيرهم وموعِظةٌ، ولغير ذلك من الوجوه.

والوجه الآخر: أَن يكون المعنى من قوله: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا ﴾ على الإيجاب، أَي: أَنت تفعل ذلك؛ إذ ليس عليك في خلق من يعصيك ضرر، ولا لك في خلق من يطيعك نفعٌ، جل ثناؤه، من أَن يكون فعلك لأحد هذين.

وذلك كقوله: ﴿ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ أَمِ ٱرْتَابُوۤاْ أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ ٱللَّهُ...

﴾ الآية [النور: 50] على إيجاب ذلك، لا على الاستفهام.

مع ما يحتمل أن الأَلف زائِدة؛ كقوله: ﴿ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِٱلأَمْسِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ  ﴾ بمعنى: إنكم وتريد، وذلك يرجع إلى الأول.

وقال: ومعنى قوله: ﴿ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ : أن الله قد كان أخبرهم عن الذين يفسدون، ولم يكن أَعلمهم ما فيهم من الرسل والأَخيار، فهو يعلم ما لا تعلمون من الأَخيار فيهم؛ ولذلك ذكرَّهم عند سؤال الإنباءِ بما أَعلمهم من عظيم امتنانه على آدم أَن جعله بمعنى نبيىء إلى الملائكة بما علمهم الأسماء.

ولم يكن بلغ توهمهم أَن في البشر ما يحتاج المخلوقون من النور - الذي هو سبب رفع الأستار عن الأَشياءِ، وجلاء الأَشياءِ به - ثم يحتاجون في اقتباس العلم إلى من هو من جوهر التراب والماءِ الذي هو أصل الستر والظلمة.

فأَراهم الله بذلك ليعلموا أن ليس طريق المعرفة، والعلم بالأَشياءِ الخلقة، ولكن لطفُ الله وامتنانُه، ولا قوة إلا بالله.

وقال قوم: كان منهم من استحق العتاب من طريق الخطر بالقلوب، لا من طريق الزَّلة - التي هي العصيان - ولكنهم يعاتبون على أَمثال ذلك - وإن لم تبلغ بهم المعصية - لعلوّ شأْنهم، ولعظم قدرهم.

كما قد عاتب الله نبيه  في أَشياءَ وإن لم يكن ذلك منه معصية؛ كقوله  : ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقوله: ﴿ وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ ٱلَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيۤ أَنعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ...

﴾ الآية [الأحزاب: 37].

ولم يكن إثْمٌ في ذلك، وقال ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكَ...

﴾ الآية [أول سورة التحريم]؛ [لأنه] من غير أَن كان منه عصان؛ فمثل ذلك أمر الملائِكة.

ثم تكلموا في معنى ذلك: فمنهم من يقول: ظنوا أنهم أكرم الخلق على الله، وأَنه لا يُفَضِّل أَحداً عليهم.

ومنهم من يقول: ظنوا أَنهم أعلم من جميع من يخلق من جوهر النار أَو التراب؛ من حيث ذكرت من جوهرهم، أَو لعظم عبادتهم لله، وعلمهم بأَن في الجن والإِنس عصاة؛ فلهذا امتحنهم بالعلم، ثم بالسجود؛ لإظهار علو البشر وشرفه، وعظم ما أكرموا به من العلم.

ومنهم من [يقول: ظنوا أنهم فضلوا بفعلهم:] ﴿ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ﴾ .

وقوله: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ .

قال قوم: يريد به آدم  ، يخلف الملائكة في الأرض ومن تقدمه من الجان.

وذلك بعيد؛ كأنهم قالوا: ﴿ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا ﴾ ولم يكن آدم -  - بالذي كان يفسد في الأرض، ويسفك الدماء، بل كان يسبح بحمده ويقدس له.

ولكن يحتمل: أَن يريد آدم وولده - إلى يوم القيامة - أَن يجعل بعضهم خلفاء لبعض؛ كقوله: ﴿ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلأَرْضِ  ﴾ ، أو يجعلهم خلفاء من ذكروا، إن صح الذي قالوا.

وجائِز أَن يكونوا على وجه الأَرض، إذ هي مخلوقة لهم قراراً ومِهاداً ومعاداً، وهم جُعِلوا سكانهَا وعُمَّارها - أَن يكونوا خلفاء، في إظهار أَحكام الله  ودينه، كقوله لداود  : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ  ﴾ فجعله كذلك ليحكم بين أَهلها بحكم الله ولا يتبع الهوى، وبذلك أُمر بنو آدم.

وقولُه: ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّيۤ أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .

قيل: بأَمرك.

وقيل: بمعرفتك.

وقيل: بالثناءِ عليك؛ إذ كانوا أَضافوا ذلك إلى أَنفسهم دون أن يذكروا عظيم مِنَّة الله عليهم بذلك، واختصاصَه إياهم بالتوفيق له؛ إذ كيف ذكروا من نُعُوت البشر شرَّ ما فيهم، دون أَن يحمَدوا الله - بما وفقوا له - أَو يدعوا للبشر بالعصمة والمغفرة مما ابتلوا.

ولذلك - والله أعلم - صَرفوا شغلهم من بعد إلى الاستغفار لمن في الأَرض، ونصر أَولياءِ الله، ولا قوة إلا بالله.

ومن الناس من أَخبر في ذلك: أَن إبليس سأَلهم: لو فُضِّل آدمُ عليهم، وأُمِروا بالطاعة له ما يصنعون؟

فأَظهر الله عز وجل أَنه علم ما كتم إِبليس من العصيان، وما أَظهروا هم من الطاعة.

وهذا شيء لا يعلم حقيقته؛ لأَن المعاتبة كانت في جملة الملائكة، والمخاطبة باالإِنباءِ، وما أُلحق به وأَمر بالسجود وكان في غيره.

ولم يحتمل أَن يكونوا يؤاخذون بسؤال إبليس اللعين.

ولكن يحتمل وجوه العتاب الإِخبار فيما لم يبلغوا العصيان، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلأَسْمَآءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى ٱلْمَلَٰئِكَةِ ﴾ .

يحتمل: أن يكون علم لهم.

ويحتمل: أن يكون علَّم بإِرسال ملك من غير الذين امتحنوا به.

وفي ذلك تثبيت أحد وجهين: إما أَن يكون العلم بالأَشياءِ حقيقة ضرورة، يقع عند النظر في الأسباب التي هي أَدلة وقوعه عند التأَمل فيها؛ نحو وقوع الدَّرك بالبصر عند النَّظر وفتح العين.

وإما أن يكون الله  خلق فعل التعلم الذي يعلم المرء فيما يضاف فيه إلى الله  أَنه علم.

وكذا قوله: ﴿ عَلَّمَهُ ٱلبَيَانَ  ﴾ .

وكذا قوله: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ ٱلشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ  ﴾ ، ولا يحتمل هذه الأَسباب لما كانت له كلها، ولم يكن تعلَّم حقيقة ليؤذنه.

وكذلك قول الملائكة: ﴿ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ  ﴾ ، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَآءِ هَـٰؤُلاۤءِ ﴾ .

ظاهره أَمر، ولكنه يحتمل التوعد والمعاتبة على ما بينا، وذلك فى القرآن كثير.

وإن كان في الحقيقة أَمراً، ففيه دلالة جواز الأَمر فيما لا يعلمه المأْمور إذا كان بحيث يحتمل العلم به إلى ذي العلم تبين له إذا طلب واستوجب رتبة التعلم والبحث.

ويحتمل: أَن يكونوا نُبِّهوا حتى لا يسبق إليهم - عند إعلام آدم - أَن ذلك من حيث يدركونه لو تكلفوا.

أَو أَراد أن يريَهم آية عجيبة تدل على نبوته، ذكّرهم عجزهم عن ذلك، وألزمهم الخضوع لآدم  في إفادة ذلك العلم له، كما قال عز وجل: ﴿ وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يٰمُوسَىٰ  ﴾ ذكره أَولاً حالَه وحالَ عَصاه، ليعلم ما أَراه ما في يده من آية نبوته على نبينا و  .

وقوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ * قَالُواْ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ * قَالَ يَآءَادَمُ أَنبِئْهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّآ أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَٱسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

قوله: ﴿ إِن كُنْتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾ في المعاني التي ذكروا؛ إذ كنتم مذ خُلِقتم موصوفين بالصدق.

أو على تحذير القول بلا علم وكأَنه قال: واصدقوا، واحذروا القول بالجهل.

وفي ذلك أَنهم لم يتكلفوا بالقول في شيء لم يعلمهم الله  .

قال أبو بكر عبد الرحمن بن كيسان: هذا يبطل قول المنجمة والعَافة بدعواهم على الغيب بلا تعليم ادَّعوه من الله  .

وفي قصة آدم  دلالة نبوة محمد  ؛ إذْ أَخبر نبينا محمد  بما علم بما في غير القرآن من الكتب السماوية من غير أَن عُرِف بالاختلاف إليهم، أَو معرفة الأَلسن التي بها ذكرت في كتبهم.

ذكرَها على ما لم يَدِّع أَحدٌ - له العلمُ بها - النكيرَ عليه؛ ليُعلم أَنه بالله علم ذلك.

وفيها دلالة فضل آدم  أَبِى البشر؛ إذ أَحوجَ ملائكتَه إليه لاقتباس أَصل الأَشياءِ، وهو العلم الذي كل خير له كالتابع، وبه يصلح وينفع، ولا قوة إلا بالله.

وفيها دلالة محنة الملائكة بوجهين: أَحدهما: تعلُّمُهم العلم الذي هو أحق شيء يحتمل الخير؛ إذ قد يُلْهَم المرءُ ربما من غير تكلف، وهم قد أُمروا به مع ما قدم ما يخرج مخرج التهدُّد في القول من قوله: ﴿ أَنْبِئُونِي ﴾ وذلك - فيما لا محنة - فاسد مع ما سبق من دليل المحنة.

والثاني: فيما أمرهم بالسجود لآدم  حتى صيّر مَنْ أَبَى كافراً إبليساً.

وفي ذلك أيضاً دليل فضل آدم  ؛ إذ جُعِل موضعَ عبادةِ خيار خلقِ الله معه، وبالله التوفيق وفي ذلك أن السجود ليس بنفسه عبادةً؛ إذ قد يجوز السجود لأَحد من الخلق كما أمر به لآدم  : ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمَ  ﴾ ولم يجز الأمر بالعبادة لآدم، ولله اسم المعبود، ولو جاز لأحد ذلك لكان غيرُ الله إله.

دليل ذلك تسمية العرب كلَّ شيء يعبدونه إلهاً، ولا قوة إلا بالله.

ثم السجود يحتمل وجهين: [الوجه الأول]: الخضوع كما قال الله  : ﴿ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ...

﴾ الآية [الحج: 18].

وقوله: ﴿ وَٱلنَّجْمُ وَٱلشَّجَرُ يَسْجُدَانِ  ﴾ ، فإن كان المراد منه الخضوع له والتعظيم، [فكلذلك يحتمل وجهين: أحدهما: أن الله  إذ فضله عليهم بما أطلعه على علوم خصه بها أمره بالخضوع والتعظيم]، فذلك الحق على كل محتاج إلى آخر ما به رجاءُ النجاة، أو دَرْك العلو والكرامة أَن يعظمهُ ويبجلَّهُ، ويخضعَ له.

والثاني: امتحنهم بوجه يُظهر قدرَ الطاعةِ؛ لأَن الخضوعَ لمن يعلو أَمرُه ويجِلُّ قدره، أَمر سهلٌ، عليه طُبع الخلق، فإذا كان في تقدير المأمور بالخضوع أَنه دونه في الرتبة، أو شكله، أَو لم يكن بينهم كثيرُ تفاوت اشتدَّت المحنة في مثله بالطاعة له والخضوع.

فامتحنهم الله به حتى ظهر الخاضع لله، والمستسلم لحقه، والمتكبر فى نفسه، وهو إبليس.

وعلى ذلك الغالبُ من أَتباع الأَنبياء عليهم السلام والذين يأْبون ذلك، أَن الذي يحملهم على الإباءِ عظمُهم في أنفسهم، وظنُّهم أَنهم أَحقُّ بأَن يكونوا متبوعين، والله أَعلم.

والوجه الثاني: أَن يكون المراد من ذكر السجود حقيقة السجود فهو يُخَرَّج على وجهين: أَحدهما: أن يُجعل السجود تحية؛ أَلزم الملائِكة تحيةَ آدم به، وهو ابتداء ما أَكرم به أَصل الإنس، وإليه مرجع جملة المؤمنين في الجنة أَن يأْتيهم الملائكةُ بالتحياتِ والتحف، وإن اختلفت أَنفس التحيات.

وفي ذلك دليل بيِّن: أَنَّ السجودَ ليس بعبادة في نفسه؛ إذ قد يؤمر به للبشر، ولا يجوز الأَمر بعبادةِ غيرِ الله؛ فيكون السجود لغيره من حيث الفعل، والعبادةُ به لله كغيره من المعروف، يصنع إلى الخلق.

ومثله أَمر سجودِ يعقوب وأَولاده ليوسف  ، والله أعلم.

والثاني: أَن يكون السجود له بمعنى التوجه إليه، وهي الحقيقة لله  ، نحو السجود إلى الكعبة لله  تعظيماً له، وتبجيلاً لكعبته، وتخصيصاً من بين البقاع.

كذلك أَمْرُ السجودِ لآدمَ  ، تعظيماً له وتبجيلاً من بين سَائِر البشر، كلاهما سِيَّان.

ثم قد ثبت نسخ السجود للخلق بما رُوي عن النبي  أَنه قال: "لو كان يحل لأَحد أَن يَسجد لأَحد لأَمرت المرأَة أَن تسجد لزوجها" ولم جُعِل السجودُ في العبادة عبادةً للمسجود له، واعترافاً بعرف الأشرار بعبادة عظمائهم، ومن يعبدونه من دون الله؛ فيصير ذلك المعنى هو السابق في القلوب، وذلك مما لا يُحتمَل لأَحدٍ دون الله؛ فنهى عنه لذلك - وإن لم يكن بنفسه عبادة للمسجود له في الحقيقة - كما نُهي عن أَشياء بما يتصل بها من الوحشة، وإن لم يكن ذلك في الحقيقة مُحْتَملاً له، فكذلك الأَمر الأَول، كما نُهي عن سَبِّ من يُعْبَد من دون الله خَوْفاً لسبِّ الله، ويؤمر بأُمور ليست - بنفسها - بقُربةٍ ليتوصل بها إلى القُرْبة، كالسعي إلى الحج والجمعة، ونحو ذلك.

وفيه أَن السُّنَّة تنسخ الكتابَ؛ لأَن السجود لآدم  في الكتاب، ومثله السجود ليوسف، ثم نهى رسول الله  عن ذلك فحرم؛ فدل أن السنة تنسخ الكتاب.

وقولُ الملائِكة: ﴿ سُبْحَٰنَكَ لاَ عِلْمَ لَنَآ إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَآ إِنَّكَ أَنْتَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴾ .

يُشْبه أَن يكون السابقُ إلى وهمهم مُنىً، أَو خَطَرَ فِعلِ ما كان بالله خرج من أَن يعقلوا حكمته؛ إمَّا بما لم يبلغهم العلم بها، أَو يخطر ببالهم أَنه  كيف يأمرهم، وهو يعلم أنهم لا يعلمون بها، أو خطرَ ببالهم من غير تحقيق ذلك، ولكن على ما يُبْلَى به الأَخيارُ؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ...

﴾ الآية [الحج: 52].

أو كما لا يخلو به الممتَحَنُ عن الخواطر التي تبلغ المحنةُ بهم المجاهدةَ بها في دفعها، وإن لم يكن لهم بما يخطر ببالهم صُنع.

فقالوا: ﴿ سُبْحَٰنَكَ ﴾ ؛ نزّهوا عَمَّا خطر ببالهم، وسبق إلى وهمهم.

ووصَفوا بأَنه ﴿ عَلِيمٌ ﴾ : لا يخفى عليه شيء.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ : لا يخطىء في شيء، ولا يخرجُ فعلهُ عن الحكمة، وبالله التوفيق والعصمة.

وفي الآية منعُ التكلم في الشيء إلا بعد العلم به، والفزع به إلى الله عن القول به إلا بعلم، وهذا هو الحق الذي يلزم كلَّ من عرف الله.

وبه أَمر الله  نبيَّهُ عليه الصلاة والسلام فقال: ﴿ وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...

﴾ الآية: [الإسراء: 36].

وسُئل أَبو حَنيفة -  - عن الإِرجاءِ ما بدؤُه؟

فقال: فعل الملائكة إذا سئلوا عن أَمرٍ لم يعلموا فوضوا ذلك إلى الله  .

ومَعنى الإرجارِ نوعان: أحدهما: محمود؛ وهو إِرجَاء صاحب الكبائر، ليحكم الله  فيهم بما يشاء، ولا يُنْزلهم ناراً ولا جنة؛ لقوله  : ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ  ﴾ .

والإِرجاء المذموم هو الجبْر، أَن تُرجَأَ الأَفعالُ إلى الله  ، لا يجعلُ للعبد فيه فعلاً، ولا تدبيرَ شيءٍ من ذلك.

وعلى ذلك المروِيُّ، حيث قال: "صنفان من أُمتي لا ينالهم شفاعتي؛ القدريةُ والمرجئةُ" والقدرية: هي التي لم تر لله - في فعل الخلق - تدبيراً، ولا له عليه قدرةَ التقدير.

والمرجئةُ: هي التي لم تر للعبد فيما ينسب إليه من الطاعة والمعصية فعلاً ألبتة؛ فأبطلت الشفاعة لهما، وجُعِلت للمذهب الأَوسط بينهما، وهو الذي يُحَققُ للعبد فعلاً، ولله تقديراً، ومن العبد تحركاً بخير أَوْ شر، ومن الله خلقه.

وذلك على المعقول مما عليه طريقُ العدل والحق بين التفريط والتقصير.

وكذلك قال رسول الله  : "خير الأُمور أَوساطها" وكذلك قال الله  : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً...

﴾ الآية [البقرة: 143]، ولا قوة إلا بالله.

وعن ابن جريج قال: سجودُ الملائِكة لآدم إيماءٌ، ولم يكن يحل وضع الوجه بالأَرض لأَحد.

وعن ابن عباس -  ما - قال: كان الملائكة سجودَ تحيةٍ، ولم يكن سجود عبادة.

وعن قتادة قال: كانت الطاعة لله، والسجدة لآدم  إكراماً له، والله أعلم.

ثم اختلف في إِبليس: قال بعضهم: هو من الملائِكة.

وقال آخرون: لم يكن من الملائِكة، وهو قول الحسن؛ والأَصم: ذهبوا في ذلك إلى وجوه: أَحدها: ما ذكر عز وجل عن طاعة الملائِكة له بقوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ...

﴾ الآية [التحريم: 6].

وقال: ﴿ لاَ يَسْبِقُونَهُ بِٱلْقَوْلِ...

﴾ الآية [الأنبياء: 27].

وقال: ﴿ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ...

﴾ الآية [الأنبياء: 19].

وصف الله  طاعتهم له، وائْتِمارَهم إياه؛ فلو كان اللعين الرجيم منهم لأطاعَه كما أَطاعوه.

والثاني: قوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ والملائِكة إنما خلقوا من النور.

والثالث: قوله  : ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ ولم يقل من الملائِكة فَدَلَّ هذه الآياتُ أنه لم يكن من الملائكة.

ثم قال في قوله: ﴿ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ ﴾ : إنه قد يجوز الاستثناء من غير نوع المستثنى منه؛ نحو ما يقال: دخل أَهل الكوفة هذه الدارَ إلا رجلاً من أَهل المدينة.

وذلك جائِز في اللغة.

ويستدل بالاستنثاء أَن الأَمر كان عليهم جميعاً في الأَصل، وكان الأَمرُ بالسجود له وللملائِكة جميعاً؛ كقوله: ﴿ ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ  ﴾ دل أَنْ كان هنالك أَمرٌ للناس بالإفاضة، فكذلك الأَول، والله أعلم.

وذهب من قال: إنه من الملائِكة، أنه لما لم يذكر في قصةٍ من القصصَ - مع كثرة التكرار لها في القرآن، وغيره من الكتب السالفة - أَنه ليس منهم، وليس فيما ذكر من الآيات ما يدل على أَنه لم يكن منهم؛ لأَن قوله: ﴿ لاَّ يَعْصُونَ ٱللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ  ﴾ لو لم يُتَوهم منهم العصيانُ والخلافُ لله  لم يكن للمدح بالطاعة والخضوع له معنى.

ألا ترى إلى قوله: ﴿ وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّيۤ إِلَـٰهٌ مِّن دُونِهِ فَذٰلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ...

﴾ الآية [ الأنبياء: 29] مع ما ذكرنا: أنهم يُمتحنون بأَنواع المحن، وكل مُمْتَحَن في شيء يجوز كون المعصية منه والخلاف لديه.

وأَما قوله: ﴿ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ  ﴾ أي صار من الجن.

وقيل: الجنُّ أَراد به الملائكة؛ سُمُّوا جنّاً لاستتارهم عن الأَبصار؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ  ﴾ .

وأما قوله خلق الملائِكة من النُّور، وإبليسَ من النار - فهو واحد؛ لأَنه أخبر - عز وجل - أنه خلقه من مارج من نار.

وقيل: المارجُ هو لهبُها مع ما ليس في القرآن، ولا في الخبر أَنهم إنما خلقوا من النور، ولم يخلقوا من غيره.

ثم اختلف في إبليس: إنه لم كفر بالله؟

قيل: إنَّه كفر لما لم ير الأَمرَ بسجود من فوقه لمن هو دونه حكمةً.

وقيل: كفر لما رأَى أَن الله  وضع الأَمر في غير موضع الأَمر، ورآه جوراً؛ فكفر به.

وقيل: كفر لما أَبى الائتمار بالسجود واستكبر فكفر.

وقيل: كفر لما أَضمر إضلال الخلق.

وقيل: أَبى الطاعة فيما أُمر به، واستكبر على آدم؛ لما رأَى لنفسه فضلاً عليه بقوله: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ .

أي صار كقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً  ﴾ .

وكقوله: ﴿ فَكَانَ مِنَ ٱلْغَاوِينَ  ﴾ أي: صار.

وقيل: كان في علم الله  أَنَّه سيكفر.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا يَآءَادَمُ ٱسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ ٱلْجَنَّةَ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أَن الجَنة هي اسم البقعة التي حُفت بالأَشجار والغُروس وأنواع النبات.

دليله: قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

وذلك أيضاً ظاهرٌ معروفٌ عند الناس؛ ألا تُسمى كل بقعة من الأرض بستاناً، ولا جنة حتى يجتمع فيها ما ذكرنا.

ثم لا يُدْرَى ما تلك الجنة التي أمر آدمُ وحوّاء بالكَون، والمُقام فيها: أهي التي وُعد المتقون، أَو جنةٌ من جنات الدنيا؟

إذ ليس في الآية بيان ذلك.

وفي الآية دلالة أن الشرط في الذكر قد يُضْمر، ويكون شرطاً بلا ذكر؛ لأنه قال: ﴿ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلاَ تَعْرَىٰ  ﴾ ثم قد جاع وعَرِيَ حين عصى، فدل أَن ترك المعصية كان شرطاً فيه.

ثم مضى الأَمر من الله  لآدم وزوجته بالسُّكنى في الجنة، والمُقام فيها، وأَمْرهما بالتناول من جميع ما فيها إلا شجرةً نُهِيا عن التناول منها، وأُمِرَا بالاجتناب عنها بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ وذي صورةُ الممتحن أَن يُؤمر بشيء ويُنْهَى عن شيء.

وقوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

قوله: ﴿ رَغَداً ﴾ أَي: سعَةً؛ يقال: أَرْغَد فلانٌ إذَا وسِّع عليه، وكثر مالهُ.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْرَبَا هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةَ ﴾ .

أَي: لا تأْكلا.

دليله قوله: ﴿ وَكُلاَ مِنْهَا ﴾ ؛ ولأَنه بالقُربان ما يوصل إلى التناول.

واللغةُ لا تَأْبى تسمية الشيء باسم سببه.

ثم اختُلف في تلك الشجرة: فقال بعضهم: هي شجرة العنب، ولذلك جعل للشيطان فيها حظاً لما عصيا ربهما بها.

وقيل: إنها كانت شجرة الحنطة؛ ولذلك جعل غذاءُ آدم وحواءَ - عليهما السلام - وغذاءُ أَولادهما منها إلى يوم القيامة ليُقاسوا جزاءَ العصيان والخلاف له.

وقيل: إنها شجرة العلم؛ لما علما من ظهور عورتهما، ولم يكونا يعلمان قبل ذلك، وهو قوله: ﴿ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا  ﴾ والله أعلم.

والقولُ في ماهيتها لا يجوز إلا من طريق الوحي.

ولا وحي في تلاوتها.

ولا يجوز الْقطعُ على شيء من ذلك.

ثم احتَمَل معنى النهي عن التناول منها وجوهاً: أَحدها: إيثار الآخر عليه.

وقد يكون هذا أَن ينهى الرجل عن التناول من شيء إيثاراً لآخر عليه.

ويحتمل: النهي عن التناول من الشيء لداءٍ يكون فيه لما يخاف الضرر به، لا على جهة الإيثار، ولكن إشفاقاً عليه ورحمة.

ويحتمل أيضاً النهي عن التناول من الشيء على جهة الحرمة، فإذا كان ممكناً هذا محتملاً حمل آدم وحواء على التناول منها لما اشتبه عليهما، ولم يعرفا معنى النهي بأَنه نهيُ حرمة، أَو نهي إيثار غيره عليهما، أَو نهي داءٍ؛ لأَنهما لو كانا يعلمان أَن ذلك النهي نهي حرمة لكانا لا يأتيان ولا يتناولان، وبالله التوفيق.

ثم في الآية دلالة على أن الحال التي يكون فيه الإنسان في سعة ورغد يشتد على الشيطان اللعين؛ لأَنه إنما تعرض لآدم وحواءَ بالوسوسة التي وسوس إليهما ليزيل تلك الحال عنهما.

وإنما يبلى بالسعة، والرخاء ثم لما لحقته من الشدائد والبلايا مما كسبت أيدينا؛ لقوله: ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ  ﴾ .

ثم الآية ترد على بعض المتقشفة قولهم بتحريم الطيبات والزينة.

وقوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: الضّارِّين؛ لأَن كل ظالم ضارٌّ نفسَه في الدارين جميعاً.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما، وزين لهما إلى سبب الزلة والإخراج عنها، لا أَن تولى إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَن الأَشياءَ تسمى باسم أسبابها، أَو الأَسباب باسم الأشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه.

ثم تكلموا فيما أصاب آدم من الشجرة، وفي جهة النهي عنها: فقال قوم: أكل منها وهو ناسٍ لعهد الله نسيان ترك الذكر.

وأَبى ذلك قوم.

واحتج الحسن بأَن نسيانه نسيان تضييع واتباع الهوى، لا نسيان الذكر بأَوجهٍ: أحدها: ما جرى في حكم الله -  - من العفو عن النسيان الذي هو ترك الذكر، وألا يلحق صاحبَه اسمُ العصيان، وقد عوقب هو به، ونسب إلى العصيان بقوله: ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ مع ما تقدم القول فيه أن يكونا من الظالمين.

والثاني: أَنَّ عَدُوَّه قد ذكَّره لو كان ناسياً؛ حيث قال: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ...

﴾ الآية [الأعراف: 20].

وقوله: ﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ  ﴾ .

ولو كان نسيان الذكر لم يكونا ليغترا بالقسم والإغواء عن ذلك، ولا وُصِفا بأَن استزلهما الشيطان ونحو ذلك.

فثبت أَنه كان نسيان تضييع، وذلك كقوله: ﴿ وَكَذٰلِكَ ٱلْيَوْمَ تُنْسَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ فَٱلْيَوْمَ نَنسَـٰهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَآءَ يَوْمِهِمْ هَـٰذَا  ﴾ ، وغير ذلك مما ذكر فيه النسيان ومعناه التضييع، سُمي به لما كان كل منسيٍّ متروكاً، وترك اللازم تضييع، أو بما ينسى به ويغفل عما يحل به من نعمة الله، فسمي به كما وصف ذنب المؤمن بجهالة الجهلة بما يحل به لا بجهله بحقيقة فعله.

أو سمي به من حيث لا يُقصد بذلك عصيانُ الرب أَو طاعة الشيطان.

وإلى ذلك يصرف بعض وجوه النسيان، لا حقيقته.

ومن يقول: بأَنه كان على النسيان فهو يُخرِّج النسيان على وجوه: أَحدها: أنه لكثرة ما كان بينه، وبين عدوه التراجع اشتغل قلبه بوجوه الدفاع له، والفكر في الأَسباب التي بها نجاته، ويتخلص من مكائِده، حتى أَنساه ذلك ذكر العهد.

والسبب الذي يدفع الأَشياءَ عن الأَوهام في الشاهد كثرة الاشتغال، وإنما كان النسيان عدوّاً في الأُمور وسبباً للعفو؛ لأَنه لا يَخْرج الآخذ به عن الحكمة، وذلك معلوم في الشاهد، أن من أَقبل على أَمر، وأَخذ في تحفظه وتذكره عمل عليه ذلك، وإذا أحب ذلك مع الاشتغال بغيره من الأُمور صعب عليه، بل الغالب في مثله الخفاء.

وجائز معاتبة آدم مع ذلك وتسميته عصياناً بأَوجه: أَحدها: أَنه لم يكن امتُحن بأَنواع مختلفة يتعذر عليه وجه الحفظ في ذلك.

وإنما امتحن بالانتهاءِ عن شجرة واحدة بالإشارة إليها؛ فجائز ألا يُعذر في مثله.

وكذلك النسيان فما يُعذر في الشاهد، إنما يُعذر في النوع الذي يُبْلى به، وتكثر به النوازل.

ألا ترى أنه يُعذر بالسلام في الصلاة، وترك التسمية في الذبيحة ونحو ذلك، ولا يُعذر في الأَكل في الصلاة، وفي الجماع في الحج، ونحو ذلك، فمثله الأَمر الذي نحن فيه.

والثاني: أنه جائِز أخذ الأَخيار ومعاتبة الرسول بالأَمر الخفيف اليسير الذي لا يؤخذ بمثل ذلك غيْره؛ لكثرة نعم الله عليهم، وعظم مِنَّته عندهم، كما أُوعدوا التضاعف في العذاب على ما كان من غَيْره.

وعلى ما ذكر في أَمر يونس  من العقوبة بماء لعل ذلك من عظيم خيرات غيره؛ إذ فارق قومه عما عاين من المناكير فيهم، وفعل مثله من حد ما يوصف به غيره.

وكذلك ما عوتب محمد  فيما خطر بباله تقريب أَجِلة الكفرة؛ إشفاقاً عليهم، وحرصاً على إسلامهم ومن يتبعهم على ذلك مما لعل من دونه لا يعدل شيء من خيرَاته بالذي عوتب به، وبالله التوفيق.

والثالث: أَنه لما عوتب بالذي يجوز ابتداء المحنة به، ولمثله خلقه حيث قال لملائكته: ﴿ إِنِّي جَاعِلٌ فِي ٱلأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ لكنه بِكرمه، وبالذي عَوّد خلقه من تقديم إحسانه وإنعامه في الابتلاءِ على الشدائد والشرور، وإن كان له التقديم بالثاني، وذلك في جملة قوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقوله: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ  ﴾ ، وبالله التوفيق.

وعلى ما في ذلك من مبالغة غيره، والزجر عن المعاصي، وتعظيم خطره في القلوب؛ إذ جوزي أَبو البشر وأَول الرسل منهم - على ما فضله بما امتحن ملائكته بالتعلم منه، والسجود - بذلك القدر من الزلة؛ ليعلم الخلقُ أَنه ليس في أمره هوادةٌ، ولا في حكمه محاباة؛ فيكونون أَبداً على حذرٍ من عقوبته، والفزع إليه بالعصمة عما يوجب مقته، وألاَّ يكلهم إلى أَنفسهم؛ إذ علموا بابتلاءِ من الذي ذكرت محله في قلوبهم بذلك القدر من الزلة، ولا قوة إلا بالله.

والثاني: أَن يكون حَفظ النهي عنه لكنه خطر ببَاله النهي عن وجه لا يلحقه فيه وصف العصيان، أو نسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ ، وقد ذكرنا النهي في وقت الفعل، ولكن يسمى الوصف بالفعل من الظلم والنهي؛ لعله سبق إلى وهمه غير جهة التحريم، إذ يكون النهي على أَوجه: أَحدها: للحرمة.

والثاني: نهي لما فيه من الداء وعليه في أكله ضرر، وهذا معروف في الشاهد بما عليه الطباع، نهي قوم عن أشياءَ محللة هي لهم ما يؤذي ويضر، فيحتمل أَن يسبق إلى وهمه ذلك، لما وعد له في ذلك من عظيم النفع.

يحتمل ما خوف به ليصل إلى ما وعد على ما سبق وُجِّه النهي إلى ما وجه من حيث الضرر والمشقة، ونسي قوله: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ أَو ذكرا وعرفَا أَن الظلم قد يقع على الضَّرر؛ كقوله: ﴿ كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئاً  ﴾ أي: لم ينقص منه، والنقصان في النفس ضرر.

وعلى ذلك فسر عامة أهل التفسير الظلم في القرآن أَنه الضرر.

واسم الضرر يأْخذ ضررَ الداءَ، وضرر المأْثم وإن كانت حقيقته وضع الشيء في غير موضعه، ولا قوة إلا بالله.

وقد يحتمل النهي أَن يخرج مخرج المنع؛ ليكون غيره هو الذي يبدأ به، ويُخص ذلك لغيره، لا على التحريم، نحو الأَمر بالمعروف، فيما يمنع الرجل ولده عن التناول مما يريد به غيره، لا على التحريم.

وإذا احتمل ذا، ثم بُيِّن له عظيمُ ما في ذلك من البركة من غير أَنْ عاين عدُوه ليعلم أَن ذلك صنيعه.

وجائز أَن يسبق إليه أَن ذلك إِشارةُ مَلَكٍ أَو إِلهامٌ في النفس - على ما يكون لكثير من الأخيَار - إلا أَنه من وحي عدُوه، فدعته نفسه إلى الأكل، فيكون كالناسي والجاهل بحقيقة وجه النهي، وإن كان تعمد أَكله، ولا قوة إلا بالله.

والأَصل في هذا أَن فعله  إن كان على نسيان العهد، أو على الذكر له، فإن الذي أَصابه عقوبة.

وإن كان بالذي يكون به المحنة، فلولا أَنَّ الله إِنْ يعاقبه على ما فعله لم يكن ليُغيِّر عليه نعمة أَنعم عليه بعذاب، وقد قال: إنه لا يُغَيِّر نعمَهُ التي أَنعمها على قوم حتى يغَيروا ما بأَنفسهم.

وما لا يحتمل العقوبة بالتغيير لم يكن ليفعل بعد وعده ذلك، مع ما قد اعترفا بالظلم؛ إذ قالا: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقد قال الله  : ﴿ وَعَصَىٰ ءَادَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ  ﴾ .

وقد كان قال لهما: ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلظَّالِمِينَ  ﴾ .

فكان فيما بُليَ به وجهان: أَحدهما: أَن ذلك لم يُزِل عنهما اسمَ الإِيمان، ولا دعيا إليه بعدُ لفعلهما ذلك.

ثبت أَنه لا كلُّ ذنبٍ يزيل اسمَ الإِيمان، وأَن الذنُوب لا يُحقَّق فيها الكذب فيما اعتقد ألا يعصى الله في شيء.

وفي ذلك فساد أهل الخوارج والمعتزلة، وبيان أن قوله: ﴿ وَمَن يَعْصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً  ﴾ ليس على كل عصيانٍ، ولا الوعيد بالظلم المطلق بوجه كل ظالم وكل عصيانٍ وغواية، بل يلزم به تقسيم هذه الحروف على ما يليق به، ومن يريد بها الجمع في كل الأَنامِ خارج عن المعروف من أحكام الله في أَهل المآثم.

والثاني: قد عوقب بوجه لا يجب جزءٌ منها بما يسميه المعتزلة كبيرة، بل يُزيل به اسمَ الإِيمان؛ من نحو شُرب قطرة من الخمر، أو قذف محصنة، أَو أَخذ عشرة دراهم من مال آخر.

وكذلك فعل أَولاد يعقوب.

ثم لم يجترىء أَحد على دعوى خروج من ذكرت من دين الله؛ لزم بطلان قولهم، مع ما كان من قولهم: إن الصغيرة لا يَجوزُ في الحكمة التعذيبُ عليها، ولا الكبيرة العفو عنها.

وقد كان عذب آدم  - بأنواع العذاب، لما لو لم يكن سوى ما أَظهر فعلَهما على رءوس الخلائق لكان عظيماً.

ثم اختلف في الوجه الذي بلى: منهم من يقول: لما كان من صلبه من الكفرة وهم ليسوا بأَهل الجنة.

وقيل: رحمة للخلق لئلا ييأَسوا، ولا يزيل الولاية بكل ذنبٍ.

وقيل: بليا لتنبئة الخلق - بهما - ألا يقوم أحد بتعاهد نفسه عما يذم إليه إذا وكل نفسه إليه، فيكون ذلك سبباً لزجر الخلق عن النظر إلى أنفسهم في شيء من الخير، والفزع إليه، بالعصمة عن كل شيء.

وقيل: بلى بحق المحنة؛ إذ هي ترد صاحبها بين اللذات والآلام، وبين أَحوال مختلفة لا يحتمل أن يصير بحيث يأْمن الزلل، وإنما ذلك بحفظ الله ومَنِّه؛ لا بتدبير أَحد وجهده، وإن كان الله  يوفق على قدر الجهد، ويعصم على قدر الرغبة إليه والاعتصام به، ولا قوة إلا بالله.

وليس بنا حاجة إلى ذكر حكمة الزَّلة، إذا كانت نفسُه مجبولةً على حبه، باعثةً إلى مثله لولا نعمة الرب.

كما قال يوسف -  -: ﴿ وَمَآ أُبَرِّىءُ نَفْسِيۤ إِنَّ ٱلنَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِٱلسُّوۤءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّيۤ...

﴾ الآية [يوسف: 53].

وقال: ﴿ وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا  ﴾ .

ثم اختلف في ماهية الشجرة: قيل: بأَنها شجرة العنب، وجعل للشيطان فيها نصيباً بما بلى به أبو البشر وأُمهم.

وقيل: الحنطة فيها جعل غذاء ولده؛ ليبدل بالراحة الكد، وبالنعمة البؤس.

وقيل: شجرة العلم، إذ بدت لهما سوآتهما فعلما بذلك ما لم يسبق لهما في ذلك، وفزعا إلى ما يُستران به من الورق.

فالأَصل أَن هذا النوع ما يعلم بالخبر من عند عالم الغيب، وليس بنا إلى تعرف حقيقته حاجة، وإنما علينا معرفة قدر المعصية؛ فنعتصم بالله عنها، والطاعةِ؛ فنرغب فيها، وبالله العصمة.

والأَصل فيه أَن الله  فرق بين دار المحنة ودار الجزاءِ؛ إذ الجمع بينما يزيل البلوى، ويكشف الغطاءَ؛ فجعل اللذيذَ الذي لا راحة فيه، والمؤلمَ الذي لا تنغيص فيه - جزاءً، والترد بينهما محنة، ولا قوة إلا بالله.

وقوله  : ﴿ فَتَكُونَا مِنَ ٱلْظَّٰلِمِينَ ﴾ .

أي: تصيران منهم.

وكذلك القول في إبليس: ﴿ وَكَانَ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ ﴾ أي: صار منهم.

ويحتمل: ممن يكونون كذلك؛ إذ في علم الله أَنهم يصيرون ممن في علم الله كذلك، مع جواز القول بلا تحقيق آخر؛ كقوله: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَالِقِينَ ﴾ \[المؤمنون: 14\]، لا أَنَّ ثَمَّ خالقاً غيره.

ثم اختلف في الوجه الذي أوصل إبليسُ إليه الوسوسة: فقال الحسن: كان آدم -  - في السماء وإبليس في الأَرض، ولكنه أوصل إليه بالسبب الذي جعل الله لذلك.

وقال قوم: كان خاطبهُ في رأْس الحية.

وقيل: تصور بغير الصورة التي كان عليها عند قوله: ﴿ إِنَّ هَـٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ...

﴾ الآية [طه: 117] فاغتر به، ولو عرفه لما اغتر به بعد أَن حذره الله عنه، والله أَعلم كيف كان ذلك.

وعلى ذلك اختلف في الوجوه التي يوسوس إلى بني آدم: منهم من يقول: يجري بين الجلد واللحم كما يجري الدم، فيقابل وجه بصره بقلبه؛ فيقذف فيه.

ومنهم من يقول: هو بحيث جُعلَتْ له قوةُ إيصال الخطر ببَاله، والقذف في قلبه من الوجه الذي جعل له، وذلك لا يعلمه البشر.

ومنهم من يقول: إن النفس كأَنها سيالة في الجسد، دائرة في جميع الآفاق، لولا الجسد الذي يَحبسه لكان له الانتشار، على ما يظهر في حال النوم عند سكون جسده، ومن ذلك سلطان فكرة الرجل على مَنْ في أَقصى بقاع الأَرض حتى يصير له كالمعاين؛ ففي ذلك يكون قدحه وقذفه.

ونحن نقول - وبالله التوفيق -: إنا لا نعلم حقيقة كيفية ذلك، لكن الله  جعل للحق أَعلاماً، وكذلك الباطل.

وكل معنى يدعو إلى الباطل، ويحجب عن الحق، فهو عمل الشيطان، يجب التعوذ منه والفزع إليه وإن لم يعلم حقيقة كيفية ذلك؛ قال الله  : ﴿ وَإِماَّ يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيْطَٰنِ نَزْغٌ فَٱسْتَعِذْ بِٱللَّهِ  ﴾ .

وقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ  ﴾ .

وقال الحسن في قوله: ﴿ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَـٰذِهِ ٱلشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ ٱلْخَالِدِينَ  ﴾ : وقد علم آدم أن الملائكة أفضل، وقد علم ألا خلود يكون معه، وقد أُخبر أَنه يموت، وقد علم أَنه لا يكون ملكاً، وقد خلق من طين والملائكة من نور، ولكن يكون على فضل الملائكة.

﴿ وَقَاسَمَهُمَآ  ﴾ .

حلف لهما في وسوسته أَنه يقول ذلك عن نصيحة، فتابعاه في الأكل لا على القبول عنه ما ذكر؛ إذ لو كان عن قبول كان أعظم من الأَكل، ولكن أَكلا على الشهوة، واتباع الهوى.

ولو صدَّقاه في ذلك لكفرا، وكان هذا أَعظم من الأَكل، ولم يقل لهما ذلك فيهما لأَجل ذلك الشيء.

وذلك كما يقول الرجل لآخر - في شيء يقتل عليه أَو يقطع له -: لو فعلتَ لا يُفعلُ بك ذلك، فيقدُم عليه، أنه يقدم لشهوته، لا على التصديق له في ذلك.

وكذا من يُذكِّر أَحداً بمثل امرأَةٍ بحبها وإيثارها إياه؛ فيأْتيها بشهوة لا بتصديق الآخر؛ فمثْلُه أمر آدم فيما وسوس إليه الشيطان.

وهذا الذي يذكر الحسنُ يوجب أن يكون آدم كان يعلم أَن ذلك كان من الشيطان عدُوِّه.

وذلك إقدامٌ على أَثر ما ذكر على ما يصف أَنه كان يعلم أَنه أَمرٌ فظيع يوجب فِعله - على العلم بالنهي - أَنه لا ينال به خيراً، ولا يصل بذلك إلى فضل، بل اتبع الشيطان بما هوى واشتهى.

وهذا لو كان شهده كان فظيعاً أَن يدَّعيَه على أَبي البشر، ومن قد فضَّله الله بالذي سبق ذكره.

بل لو قيل له: إنه لم يكن علم أَنه من عدوه، أَو إلهام - على ما يكون للأخْيار - أَو كان أَسمع على غير الصورة التي أَدَّاها من قبل، كان أَقرب وأَحق أَن ينطق به من أَن يذكر الذي ذكر.

ومتى يكون الإقدام لجهة بخير لا على طمع في ذلك؟!

بل لا يُنكَر أَن يكون له، ولكن على ما بينا.

وليس من ذلك الوجه، الوحشة في الدين.

ثم قدم ذكر ملكين، والكلام في الفضلِ وغَير الفضل - على قوله - لا معنى له؛ لأَنَّه يجعل فعلهم جبراً - ومن فِعْله جبرٌ لا ترتفع درجته ولا يعلو قدره، ثم يجعل الفضل لهم بالخِلقة، فيكف كان يطمع في ذلك ولم يكن هو بخلقتهم.

ولهذا أنكر أن يكون منهم عصيانٌ؛ إذ خلقوا من نور، ومن لا يعصي بالخلقة، فإنه لا يحمد.

ولو كان يجب الحمد به لوجب في كل موات، وكل حيوان لا يعصي بالخلقة، وذلك بعيد.

وجائز أَن يكون آدم -  - طمع أن يكونا ملكين؛ بأَن يُجعل على ما عليه صنيعهم من العصمة، أَو الاكتفاء بذكر الله وطاعته عن جميع الشهوات.

والله قادر على أَن يجعل البشر على ذلك، وذلك على ما يوجَد فيهم من معصوم ومخذول، ليعلم أَن الخلقة لا توجب شيئاً مما ذكر، ولا قوة إلا بالله.

ثم الأَصل أَن معرفة موت البشر وما عنه خلق كل شيء إنما هو سمعي، ليس هو حسي، ولا في الجوهر دليلُ الفناء، ولله أن يميت من شاءَ ويُبقىَ من شاءَ.

فقولُ الحسنَ - إِنّه علم ذلك ثبت بثبات الخبر عن الله - ينتهي إليه أَنه كان بلغه في ذلك [الوقت].

وكذلك أَمرُ الملائكة، وحالُ الإغذاء، ومحبةُ الذِّكر، وظهورُ العصمة تعرف بالمحبة والمشاهدة بمنها، ولا قوة إلا بالله.

ثم ذكر الحسن في خلال ذلك: أن آدم -  - قد علم أَن الملائكة لا يموتون.

لا أَدري ما هذا؟

أَهو عقدٌ اعتقد، أوْ جَرَى على لسانه؟

لأَن مثلَه لا يُعلَم إلا بما لا يرتاب في ذلك أَنه جاءَ عن الله، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ فَأَزَلَّهُمَا ٱلشَّيْطَانُ عَنْهَا ﴾ .

أي: دعاهما وزيَّن لهما، أَي: سبب الزَّلة والإخراج منها، لا أن تولى هو إخراجهما وإزلالهما.

وقد ذكرنا أَنه قد تُسمَّى الأَشياءُ باسم أَسبابها، والأسباب باسم الأَشياء.

وذلك ظاهر معروف في اللغة، غير ممتنع تسمية الشيء باسم سببه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ  ﴾ .

من الخصب، والسَّعة، والنعم التي أَنزلهما الله -  - فيها، وأَباح لهما التناول مما فيه.

ثم اختلف في وسوسة الشيطان لآدم وحواءَ - عليهما السلام - فيم كان؟

ومن أَين كان؟

ولماذا كان؟.

قيل: إنه كان في السماء، فوسوس إليهما من رأْس الحيَّة؛ حسداً منه لما رآهما يتقَلّبان في نعم الله، ويتنعمان فيه، فاشتد ذلك عليه.

وقيل: إنه كان في الدنيا فوسوس لهما من بُعدٍ، والله أعلم.

ثم اختلف في الشيطان: أَله سلطان على القلوب؟

أَو يوسوس في صدورهم من بُعد؟

فقال بعضهم: له سلطان على القلب؛ على ما جاءَ أَنه يجري في الإنسان بين الجلد واللحم مجرى الدم.

وقيل: إنه لا سلطان له على القلوب، ولكنه يَقْذف فيهم من البعد، ويدعوهم إلى الشر بآثار ترى في الإنسان من الأحوال؛ من حال الخير والشر، وكأن تلك الأحوال ظاهرة من أَثر الخير والشر.

فإذا رأَى ذلك فعند ذلك يوسوس، ويدعوه إلى الشر.

وعلى ذلك قوله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ  ﴾ أخبر أنه لا سلطان له علينا سوى الدعاء لنا وهو لا يشبه، والله أَعلم.

ثم قيل فيمن عصى ربه: أَليس قد أَطاع الشيطان؟

قيل: بلى.

فإن قيل: فإذا أَطاع أَلاَ يكفر؟

قيل: لا؛ لأَنه ليس يقصد قصد طاعة الشيطان، وإنما يكفر بقصد طاعة الشيطان، وإن كان في عصيان الرب طاعته.

وكذلك روي عن أبى حنيفة -  - أنه سئل عن ذلك فأَجاب بمثل هذا الجواب.

والأَصل: أَن الفعل الذى يُبْلى له ليس هو لنفسه فعل الطاعة للشيطان ليصير به مطيعاً، إنما يجعله طاعة القصد بأَن يجعلَه طاعة له، وقد زال، وإن سُرَّ هو به وفرح كما سُرَّ بزوال السرور عنهما واللذة، وإن كان ذلك بفعل من لا يجوز وصف من فعل ذلك بطاعة الشيطان، ولا قوة إلا بالله.

وقوله: ﴿ وَقُلْنَا ٱهْبِطُواْ ﴾ .

قيل: الهبوط النزول في موضع، كقوله: ﴿ ٱهْبِطُواْ مِصْراً  ﴾ أي: انزلوا فيه.

ويحتمل الهبوط منها هو النزول من المكان المرتفع إلى المنحدر، والدون من المكان.

وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ .

قيل: يعني إبليسَ وأَوْلاده، وآدمَ وأَولادَه، بعضهم لبعض عدو.

والعداوة فيما بيننا وبينهم ظاهره.

وقيل: بيننا وبين الحيَّة التي حملت إبليس حتى وسوس لهما من ذُؤابتها.

فهذا لا يعلم إلا بالسمع، إذْ ليس في الكتاب ذلك.

غير أن العداوة بيننا وبين الحيَّات عداوةُ طبع، والعداوَة التي بيننا وبين إبليس عداوةُ اختبار وأَمر؛ إذ الطبعُ ينفر عن كل مؤذٍ ومضر، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَلَكُمْ فِي ٱلأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ﴾ .

يقرون فيها، كقوله: ﴿ جَعَـلَ لَكُـمُ ٱلأَرْضَ قَـرَاراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ ﴾ .

أي: متاعاً لكم إلى انقضاء آجالكم.

ويحتمل: متاعاً لكم لانقضاء الدنيا وانقطاعها.

وقوله: ﴿ فَتَلَقَّىٰ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ ﴾ .

أي: أخذ.

وقوله: ﴿ مِن رَّبِّهِ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ﴾ .

قيل: إن فيه وجوهاً: قيل: فتاب عليه، أي: وفق له التوبة، وهداه إليها فتاب، كقوله: ﴿ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوۤاْ  ﴾ ، أي: وفق لهم التوبة فتابوا.

وقيل: خلق فعل التوبة منه، كما قلنا في قوله: ﴿ وَهَدَاهُ  ﴾ ، أي: خلق فعل الاهتداء منه فاهتدى.

وقيل: تاب عليه، أَي: تجاوز.

وقيل: إن التوبة هي الرجوع.

رجع آدم عن عصيانه؛ فرجع هو إلى الغفران والتجاوز، وبعضه قريب من بعض.

وفي الآية: أنه إنما تاب عليه لكلمات تلقاها من ربه.

والآية تنقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يقولون: إن من ارتكب صغيرة فهو مغفور له لا يحتاج إلى الدعاء، ولا إلى التوبة.

فآدم -  - دعا بكلمات، تلقاها منه؛ فتاب ليه.

ولو كان مغفوراً له ما ارتكب لكان الدعاء فضلاً وتكلفاً، وبالله التوفيق.

والكلمات هي ما ذكرت في سورة أُخرى: ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا...

﴾ الآية [الأعراف: 23].

وقوله: ﴿ إِنَّهُ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ﴾ .

أي: قابل التوبة.

وقيل: أي موفق التوبة، وهادي لها؛ كقوله: ﴿ غَافِرِ ٱلذَّنبِ وَقَابِلِ ٱلتَّوْبِ  ﴾ وقد ذكرنا في قوله: ﴿ فَتَابَ عَلَيْهِ  ﴾ ما احتمل فيه.

﴿ ٱلرَّحِيمُ ﴾ بالمؤمنين، ورحيم بالتائبين.

وقوله: ﴿ قُلْنَا ٱهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً ﴾ .

ذكر هبوطهم جميعاً؛ فإذا هبطوا فُرادى لم يخرجوا من الأمر، بل كانوا في الأمر، فدل أَن الجمع في الأَمر، والذكر، لا يُصَيَّر الجمعَ في الفعل شرطاً.

وقوله: ﴿ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى ﴾ .

أي: ليأْتينكم.

وهذا جائز في اللغة.

وقوله: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ .

أي: من تبع هداي، ودام عليه حتى مات، فلا خوف عليهم، ولا هم يحزنون وكذلك قوله: ﴿ فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ ﴾ : فى الدنيا، ﴿ وَلاَ يَشْقَىٰ  ﴾ في الآخرة، إذا مات عليه.

وهذه الآية والتي تليها وهو قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَٰتِنَآ أُولَـٰئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ ﴾ .

تنقض على الجهمية؛ لأَنهم يقولون بفناء الجنة والنار، وانقطاع ما فيهما.

فلو كانت الجنة تفنى ويَنقطع ما فيها، لكان فيها خوف وحزن؛ لأَن من خاف في الدنيا زوال النعمة عنه وفوتها يحزن عليه، وينغصه ذلك، ولهذا وصف الدنيا بالخوف والحزن لما يزول نعيمها ولا تبقى، فأَخبر عز وجل أَلا خوف عليهم فيها؛ أي: خوف النقمة، ولا حزن، أَي: حزن فوات النعمة.

﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ دل أنها باقية، وأن نعيمها دائم، لا يزول.

وكذلك أخبر عز وجل أن الكفار في النار خالدون وأَن عذابها أليم شديد، فلو كان لهم رجاء النجاة منها لخف ذلك العذاب عليهم وهان؛ لأَن من عوقب في الدنيا بعقوبة، وله رجاء النجاة منها هان ذلك عليه وخف، وبالله التوفيق.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعندئذ قال الله تعالى لآدم: أخبرهم بأسماء تلك المسمَّيات، فلما أخبرهم كما علَّمه ربه، قال الله للملائكة: ألم أقل لكم: إني أعلم ما خفي في السماوات وفي الأرض، وأعلم ما تُظْهرون من أحوالكم وما تحدِّثُون به أنفسكم.

<div class="verse-tafsir" id="91.pgA3o"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

تقدم في بيان الخليفة أن علم الملائكة وعملهم محدودان، وأن علم الإنسان وعمله غير محدودين، وبهذه الخاصة التي فطر الله الناس عليها كان الإنسان أجدر بالخلافة من الملائكة، وهذه هي حجة الله البالغة على الملائكة التي بينها لهم بعدما نبههم إلى علمه المحيط بما لا يعلمون فقال ﴿ وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا  ﴾ أي أودع في نفسه علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين، فالمراد بالأسماء المسميات عبر عن المدلول بالدليل لشدة الصلة بين المعنى واللفظ الموضوع له وسرعة الانتقال من أحدهما إلى الآخر.

والعلم الحقيقي إنما هو إدراك المعلومات أنفسها والألفاظ الدالة عليها تختلف باختلاف اللغات التي تجري بالمواضعة والاصطلاح، فهي تتغير وتختلف والمعنى لا تغيير فيه ولا اختلاف.

ثم إن الاسم قد يطلق إطلاقًا صحيحًا على ما يصل إلى الذهن من المعلوم أي صورة المعلوم في الذهن، وبعبارة أخرى ما به يعلم الشيء عند العالم، فاسم الله مثلًا هو ما به عرفناه في أذهاننا بحيث يقال إننا نؤمن بوجوده ، نسند إليه صفاته، فالأسماء هي ما به نعلم الأشياء وهي العلوم المطابقة للحقائق.

والاسم بهذا الإطلاق هو الذي جرى الخلاف في أنه عين المسمى أو غيره، وقد كان اليونانيون يطلقون على ما في الذهن من المعلوم لفظ الاسم، والخلاف في أن ما في الذهن من الحقائق هو عينها أو صورتها مشهور كالخلاف في أن العلم عين المعلوم أو غير المعلوم، وأما الخلاف في أن الاسم الذي هو اللفظ عين المسمى أو غيره فهو ما أخطأ فيه الناظرون لعدم الدقة في التمييز بين الاطلاقات لبداهة أن اللفظ غير معناه بالضرورة، والاسم بذلك الاطلاق الذي ذكرناه يتقدس ويتبارك ويتعالى ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى  ﴾ ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ  ﴾ فاسمه جل شأنه ما يمكننا أن نعلم منه ما نعلم من صفاته، وما يشرق في أنفسنا من بهائه وجلاله، ولا مانع من أن نريد من الأسماء هذا المعنى وهو لا يختلف في التأويل عما قالوه من إرادة المسميات ولكنه على ما نقول أطهر وأبين.

علَّم الله آدم كل شيء ولا فرق في ذلك بين أن يكون له هذا العلم في آن واحد أو في آنات متعددة، والله قادر على كل شيء، ثم إن هذه القوة العلمية عامة للنوع الآدمي كله، ولا يلزم من ذلك أن يعرف أبناؤه الأسماء من أول يوم فيكفي في ثبوت هذه القوة لهم معرفة الأشياء بالبحث والاستدلال، علم الله آدم الأسماء على نحو ما بينا ﴿ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ  ﴾ أي أطلعهم اطلاعًا إجماليًا بالإلهام الذي يليق بحالهم على مجموع تلك الأشياء، ولو عرضت على نفوسهم عرضًا تفصيليًا لعلموها ولم يكن علمهم محدودًا، والحال أنه عرضهم عليهم وسألهم عنها سؤال تعجيز ﴿ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ  ﴾ المسميات، والغرض من الإنباء بأسمائها الإبانة عن معرفتها ومعنى ﴿ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ  ﴾ أي إن كان هناك موقع للدهشة والاستغراب من جعل الخليفة في الأرض من البشر، وكان ما طرق نفوسكم وطرأ على أذهانكم أولًا حالًا محله، ومصيبًا غرضه، ولمّا تعرفوا حقيقة ما يمتاز به الخليفة، فأنبئوني بأسماء ما عرضته عليكم ﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ  ﴾ أي تنزيهًا لك، فلفظ سبحان مصدر قلما يستعمل إلا مضافًا كمعاذ الله، وهو منصوب بفعل مقدر، والمعنى نقدسك وننزهك أن يكون علمك قاصرًا فتخلق الخليفة عبثًا، أو تسألنا شيئًا نفيده وأنت تعلم أننا لا تحيط بعلمه، ولا نقدر على الإنباء به، وكلمة ﴿ سُبْحَانَكَ  ﴾ تهدي إلى هذا فكأنها جملة وحدها، وهذه هي البلاغة مضروب سرادقها، مثمرة حدائقها، متجلية حقائقها، على أن القصة وردت مورد التمثيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وبعد تنزيه الباري تبرؤا من علمهم إلى علمه تعالى وحكمته، فقالوا ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا  ﴾ وهو محدود لا يتناول جميع الأسماء ولا يحيط بكل المسميات، ﴿ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ  ﴾ بخلقك ﴿ الْحَكِيمُ  ﴾ في صنعك.

..

إن هذه التأكيدات تشعر بأن سؤال الاستغراب الأول كان يتنسم منه شيء وكذلك الجواب عن ﴿ أَنْبِئُونِي  ﴾ بقولهم ﴿ لَا عِلْمَ لَنَا  ﴾ ولذلك ختموا الجواب بالتبرؤ من كل شيء، والثناء على الله تعالى بالعلم الثابت الواجب لذاته العلية، و الحكمة البالغة اللازمة له، فقد تقدم في تفسير الفاتحة أن صيغة "فعيل" تدل غالبًا على الصفات الراسخة اللازمة، فكان جواب الملائكة بهذا مؤذنًا بأنهم رجعوا إلى ما كان يجب أن لا يغفل مثلهم عنه، وهو التسليم لسعة علم الله و حكمته حتی بلغ الكتاب أجله.

﴿ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ  ﴾ فكان الإنباء كما أراد الله تعالى وذكره لأجل ترتيب الحكم عليه بقوله ﴿ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ  ﴾ تعالى للملائكة ﴿ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ  ﴾ ومن كان هذا شأنه فلا يخلق شيئًا سدى، ولا يجعل الخليفة في الأرض عبثًا ﴿ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ  ﴾ والذي يبدونه هو ما يظهر أثره في نفوسهم، وأما ما يكتمون فهو ما يوجد في غرائزهم وتنطوي عليه طبائعهم.

وقد علم مما تقدم أن كل هذه الأقوال والمراجعات والمناظرات يفوض السلف الأمر إلى الله تعالى في معرفة حقيقتها، ويكتفون بمعرفة فائدتها وحكمتها، وقد تقدم بيان ذلك.

وأما الخلف فيلجأون إلى التأويل، وأمثل طرقه في هذا المقام التمثيل، وقد مضت سنة الله في كتابه بأن يبرز لنا الأشياء المعنوية، في قوالب العبارة اللفظية، ويجلي لنا المعارف المعقولة، بالصور المحسوسة، تقريبًا للأفهام، وتسهيلًا للإعلام، ومن ذلك أنه عرفنا بهذه القصة قيمة أنفسنا، وما أودعته فطرتنا، مما نمتاز به على غيرنا من المخلوقات، فعلينا أن نجتهد في تكميل أنفسنا بالعلوم التي خلقنا مستعدين لها من دون الملائكة وسائر الخلق لتظهر حكمة الله فينا، ولعلنا نشرف على معنى إعلام الله الملائكة بفضلنا، ومعنى سجودهم لأصلنا ﴿ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله