الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤٠ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 188 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٤٠ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى آمرا بني إسرائيل بالدخول في الإسلام ، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام ، ومهيجا لهم بذكر أبيهم إسرائيل ، وهو نبي الله يعقوب ، عليه السلام ، وتقديره : يا بني العبد الصالح المطيع لله كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق ، كما تقول : يا ابن الكريم ، افعل كذا .
يا ابن الشجاع ، بارز الأبطال ، يا ابن العالم ، اطلب العلم ، ونحو ذلك .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى : ( ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا ) [ الإسراء : 3 ] فإسرائيل هو يعقوب عليه السلام ، بدليل ما رواه أبو داود الطيالسي : حدثنا عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، قال : حدثني عبد الله بن عباس قال : حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لهم : هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب ؟
.
قالوا : اللهم نعم .
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد وقال الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن عمير مولى ابن عباس ، عن عبد الله بن عباس أن إسرائيل كقولك : عبد الله .
وقوله تعالى : ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) قال مجاهد : نعمة الله التي أنعم بها عليهم فيما سمى وفيما سوى ذلك ، فجر لهم الحجر ، وأنزل عليهم المن والسلوى ، وأنجاهم من عبودية آل فرعون .
وقال أبو العالية : نعمته أن جعل منهم الأنبياء والرسل ، وأنزل عليهم الكتب .
قلت : وهذا كقول موسى عليه السلام لهم : ( يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين ) [ المائدة : 20 ] يعني في زمانهم .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) أي : بلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه ( وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ) قال : بعهدي الذي أخذت في أعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم .
( أوف بعهدكم ) أي : أنجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه ، بوضع ما كان عليكم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقكم بذنوبكم التي كانت من إحداثكم .
[ وقال الحسن البصري : هو قوله : ( ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ) الآية [ المائدة : 12 ] .
وقال آخرون : هو الذي أخذه الله عليهم في التوراة أنه سيبعث من بني إسماعيل نبيا عظيما يطيعه جميع الشعوب ، والمراد به محمد صلى الله عليه وسلم فمن اتبعه غفر له ذنبه وأدخل الجنة وجعل له أجران .
وقد أورد فخر الدين الرازي هاهنا بشارات كثيرة عن الأنبياء عليهم السلام بمحمد صلى الله عليه وسلم ] .
وقال أبو العالية : ( وأوفوا بعهدي ) قال : عهده إلى عباده : دينه الإسلام أن يتبعوه .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( أوف بعهدكم ) قال : أرض عنكم وأدخلكم الجنة .
وكذا قال السدي ، والضحاك ، وأبو العالية ، والربيع بن أنس .
وقوله : ( وإياي فارهبون ) أي : فاخشون ؛ قاله أبو العالية ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وقتادة .
وقال ابن عباس في قوله تعالى : ( وإياي فارهبون ) أي أنزل بكم ما أنزل بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره .
وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب ، فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة ، لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول والاتعاظ بالقرآن وزواجره ، وامتثال أوامره ، وتصديق أخباره ، والله الهادي لمن يشاء إلى صراطه المستقيم
القول في تأويل قوله تعالى ذكره: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " يا بني إسرائيل " ولد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن (16) وكان يعقوب يدعى " إسرائيل "، بمعنى عبد الله وصفوته من خلقه.
و " إيل " هو الله، و " إسرا " هو العبد، كما قيل: " جبريل " بمعنى عبد الله.
وكما:- 798- حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء، عن عُمير مولى ابن عباس، عن ابن عباس: أن إسرائيل كقولك: عبد الله.
(17) 799- وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن المنهال، عن عبد الله بن الحارث، قال: " إيل "، الله بالعبرانية.
(18) وإنما خاطب الله جل ثناؤه بقوله: " يا بني إسرائيل " أحبارَ اليهود من بني إسرائيل، الذين كانوا بين ظَهرانَيْ مُهاجَر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنسبهم جل ذكره إلى يعقوب، كما نسب ذرية آدم إلى آدم، فقال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [سورة الأعراف: 31] وما أشبه ذلك.
وإنما خصّهم بالخطاب في هذه الآية والتي بعدها من الآي التي ذكَّرهم فيها نعمَه -وإن كان قد تقدّم ما أنـزل فيهم وفي غيرهم في أول هذه السورة ما قد تقدم- أن الذي احتج به من الحجج والآيات التي فيها أنباء أسلافهم، وأخبارُ أوائلهم، وَقصَصُ الأمور التي هم بعلمها مخصوصون دون غيرهم من سائر الأمم، ليس عند غيرهم من العلم بصحته وحقيقته مثلُ الذي لهم من العلم به، إلا لمن اقتبس علم ذلك منهم.
فعرَّفهم بإطلاع محمّد على علمها- مع بعد قومه وعشيرته من معرفتها، وقلة مزاولة محمد صلى الله عليه وسلم درَاسةَ الكتب التي فيها أنباء ذلك (19) - أنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم &; 1-555 &; لم يَصلْ إلى علم ذلك إلا بوحي من الله وتنـزيلٍ منه ذلك إليه - لأنهم من عِلْم صحة ذلك بمحلّ ليس به من الأمم غيرهم، فلذلك جل ثناؤه خص بقوله: " يا بني إسرائيل " خطابهم كما:- 800- حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: " يا بني إسرائيل "، قال: يا أهل الكتاب، للأحبار من يهود (20) .
القول في تأويل قوله: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ قال أبو جعفر: ونعمته التي أنعم بها على بني إسرائيل جلّ ذكره، اصطفاؤه منهم الرسلَ، وإنـزاله عليهم الكتب، واستنقاذُه إياهم مما كانوا فيه من البلاء والضَّرَّاء من فرعون وقومه، إلى التمكين لهم في الأرض، وتفجير عيون الماء من الحجر، وإطعام المنّ والسلوى.
فأمر جل ثناؤه أعقابهم أن يكون ما سلَف منه إلى آبائهم على ذُكْر، وأن لا ينسوا صنيعه إلى أسلافهم وآبائهم، فيحلّ بهم من النقم ما أحلّ بمن نسي نعمَه عنده منهم وكفرها، وجحد صنائعه عنده.
كما:- 801- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " اذكروا نعمتِي التي أنعمتُ عليكم "، أي آلائي عندكم وعند آبائكم، لما كان نجّاهم به من فرعون وقومه (21) .
802- وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن &; 1-556 &; الربيع، عن أبي العالية، في قوله: " اذكروا نعمتي"، قال: نعمتُه أنْ جعل منهم الأنبياء والرسل، وأنـزل عليهم الكتب (22) .
803- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم "، يعني نعمتَه التي أنعم على بني إسرائيل، فيما سمى وفيما سوَى ذلك: فجَّر لهم الحجر، وأنـزل عليهم المنّ والسلوى، وأنجاهم من عبودية آل فرعون (23) .
804- وحدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله: " نعمتي التي أنعمت عليكم " قال: نعمه عامة، ولا نعمةَ أفضلُ من الإسلام، والنعم بعدُ تبع لها، وقرأ قول الله يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (24) [سورة الحجرات: 17] وتذكيرُ الله الذين ذكّرهم جل ثناؤه بهذه الآية من نعمه على لسان رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، نظيرُ تذكير موسى صلوات الله عليه أسلافَهم على عهده، الذي أخبر الله عنه أنه قال لهم، وذلك قوله: وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ [سورة المائدة: 20].
القول في تأويل قوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ (40) قال أبو جعفر: قد تقدم بياننا فيما مضى -عن معنى العهد- من كتابنا هذا (25) ، واختلاف المختلفين في تأويله، والصوابُ عندنا من القول فيه (26) .
وهو في هذا الموضع: عهدُ الله ووصيته التي أخذ على بني إسرائيل في التوراة، أن يبيِّنوا للناس أمر محمد صلى الله عليه وسلم أنه رسولٌ، وأنهم يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة أنه نبيّ الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله.
" أوف بعهدكم ": وعهدُه إياهم أنهم إذا فعلوا ذلك أدخلهم الجنة، كما قال جل ثناؤه: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ [سورة المائدة: 12]، وكما قال: فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا &; 1-558 &; النُّورَ الَّذِي أُنْـزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (27) [سورة الأعراف: 156-157].
805- وكما حدثنا به ابن حميد، قال: حدثنا سلمة بن الفضل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وأوفوا بعهدي" الذي أخذتُ في أعناقكم للنبِيّ محمد إذا جاءكم، (28) " أوف بعهدكم "، أي أنجزْ لكم ما وعدتكم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليكم من الإصْر والأغلال التي كانت في أعْناقكم بذنوبكم التي كانت من أحداثكم (29) .
806- وحدثنا المثنى، قال: حدثنا آدم، قال حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: " أوْفوا بعهدي أوفِ بعهدكم "، قال: عهدُه إلى عباده، دينُ الإسلام أن يتبعوه،" أوف بعهدكم "، يعني الجنة (30) .
807- وحدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ": أما " أوفوا بعهدي"، فما عهدت إليكم في الكتاب.
وأما " أوف بعهدكم " فالجنة، عهدتُ إليكم أنكم إن عملتم بطاعتي أدخلتكم الجنة (31) .
808- وحدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثني حجاج، عن ابن جريج في قوله: " وأفوا بعهدي أوف بعهدكم "، قال: ذلك الميثاق الذي أخذ عليهم في المائدة: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا &; 1-559 &; إلى آخر الآية [سورة المائدة: 12].
فهذا عهدُ الله الذي عهد إليهم، وهو عهد الله فينا، فمن أوفى بعهد الله وفَى الله له بعهده (32) .
809- وحُدِّثت عن المنجاب، قال: حدثنا بشر، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، في قوله " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم "، يقول: أوفوا بما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم وفي غيره،" أوف بعهدكم "، يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة (33) .
810- وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال قال ابن زيد في قوله: " وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم "، قال: أوفوا بأمري أوفِ بالذي وعدتكم، وقرأ: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ حتى بلغ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ [سورة التوبة: 111]، قال: هذا عهده الذي عهده لهم (34) .
* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) قال أبو جعفر: وتأويل قوله: " وإياي فارهبون "، وإياي فاخْشَوْا - واتَّقُوا أيها المضيّعون عهدي من بني إسرائيل، والمكذبون رسولي الذي أخذتُ ميثاقكم - فيما أنـزلتُ من الكتُب على أنبيائي -أن تؤمنوا به وتتبعوه- أن أُحِلّ بكمْ من عقوبتي، إن لم تنيبوا وتتوبوا إليّ باتباعه والإقرار بما أنـزلت إليه، ما أحللتُ بمن خالف أمري وكذّب رُسلي من أسلافكم.
كما:- 811- حدثني به محمد بن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، &; 1-560 &; عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وإيايَ فارهبون "، أن أنـزل بكم ما أنـزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النَّقِمات التي قد عرفتم، من المسخ وغيره.
(35) 812- وحدثنا المثنى بن إبراهيم، قال: حدثني آدم العسقلاني، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: " وإياي فارهَبُون "، يقول: فاخشَوْن.
813- وحدثني موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " وإياي فارهبون "، يقول: وإياي فاخشون.
(36) ------------- الهوامش : (16) في المطبوعة : "يا ولد يعقوب .
.
.
" بزيادة النداء" .
(17) الخبر : 798- في ابن كثير 1 : : 149 ، والدر المنثور 1 : 63 .
وهذا إسناد صحيح .
إسماعيل بن رجاء بن ربيعة : ثقة ، أخرج له مسلم في صحيحه .
عمير مولى ابن عباس : هو عمير بن عبد الله الهلالي ، مولى أم الفضل ، وقد ينسب إلى ولاء زوجها"العباس" ، كما ورد في إسناد حديث آخر في المسند : 77 ، وقد ينسب إلى ولاء بعض أولادها ، كما في هذا الإسناد .
وهو تابعي ثقة ، ترجمه ابن أبي حاتم 3/1/380 ، وأخرج له الشيخان وغيرهما .
(18) الأثر : 799- في الدر المنثور 1 : 63 .
و"المنهال" : هو ابن عمرو الأسدي .
و"عبد الله بن الحارث" : هو الأنصاري البصري أبو الوليد ، وهو تابعي ثقة .
(19) قوله : "وقلة مزاولة محمد صلى الله عليه وسلم دراسة الكتب .
.
.
" ، هو كما نقول اليوم في عبارتنا المحدثة : "وعدم مزاولة محمد .
.
.
" .
قال الجاحظ في البيان والتبيين 1 : 285 : "واستجار عون ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، بمحمد بن مروان بنصيبين ، وتزوج بها امرأة فقال محمد : كيف ترى نصيبين؟
قال : "كثيرة العقارب ، قليلة الأقارب" .
يريد بقوله : "قليلة" ، كقول القائل : "فلان قليل الحياء" ، وليس يريد أن هناك حياء وإن قل .
يضعون : "قليلا ، في موضع"ليس" .
انتهى .
قلت : ومنه قول دريد بن الصمة في أخيه : قَلِيــلُ التَّشَـكِّي للمصيبـات, حـافظٌ مِـنَ الْيَـوْمِ أعقـابَ الأحاديث في غَدِ وسيأتي قول الطبري في تفسير قوله تعالى من (سورة البقرة : 88)"فقليلا ما يؤمنون" : (1 : 324 ، بولاق) : "وإنما قيل : فقليلا ما يؤمنون ، وهم بالجميع كافرون ، كما تقول العرب : "قلما رأيت مثل هذا قط" .
وقد روى عنها سماعًا منها : "مررت ببلاد قلما تنبت إلا الكراث والبصل" ، يعني ما تنبت غير الكراث والبصل ، وما أشبه ذلك من الكلام الذي ينطق به بوصف الشيء بالقلة ، والمعنى فيه نفي جميعه" ، انتهى .
وفي الحديث : "إنه كان يقل اللغو" أي لا يلغو أصلا ، قال ابن الأثير : وهذا اللفظ يستعمل في نفي أصل الشيء (اللسان : قلل) .
ولولا زمان فسد فيه اللسان ، وقل الإيمان ، واشتدت بالمتهجمين الجرأة على تفسير الكلمات ، وتصيد الشبهات - ولولا أن يقول قائل فيفتري على الطبري أنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدارس كتب أهل الكتاب ، لكنت في غنى عن مثل هذه الإطالة .
(20) الأثر 800- في الدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 61 بتمامه .
وسيأتي تمامه في الأثر التالي .
(21) الأثر : 801- من تمام الأثر السالف ، المراجع السالفة ، وابن كثير 1 : 149 .
(22) الأثر : 802- في ابن كير 1 : 149 .
(23) الأثر : 803- في ابن كثير 1 : 149 وفيه : "وفيما سوى ذلك : أن فجر" ، بالزيادة .
(24) الأثر : 804- لم أجده في مكان .
(25) انظر ما مضى : 410-415 .
(26) في المطبوعة : "قد تقدم بياننا معنى العهد فيما مضى من كتابنا .
.
.
" ، غيروه ليستقيم الكلام على ما ألفوه .
(27) في الأصول : " .
.
.
اثنى عشر نقيبًا ، الآية" .
و"النبي الأمي ، الآية" .
وآثرنا إتمام الآيتين ، كما جرينا عليه فيما سلف ، وفيما سيأتي .
(28) في المطبوعة : " .
.
.
للنبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءكم .
.
.
" ، وفي المراجع الأخرى .
(29) الأثر : 805- من تمام الأثر السالف رقم : 800 ، ورقم 801 ، ومراجعه ما سلف .
(30) الأثر : 806- في ابن كثير 1 : 150 .
(31) الأثر : 807- في ابن كثير 1 : 150 تضمينًا .
(32) الأثر : 808- لم أجده بنصه في مكان .
(33) الأثر : 809- في ابن كثير 1 : 150 ، الدر المنثور 1 : 63 ، والشوكاني 1 : 61 .
(34) الأثر : 810- لم أجده في مكان .
(35) الأثر : 811- من تمام الآثار السالفة الأرقام : 800 ، 801 ، 805 .
وابن كثير 1 : 150 من تمام ما سلف في ص 149 .
المراجع المذكورة .
(36) الأثر : 813- في ابن كثير 1 : 150 .
قوله تعالى : يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبونقوله تعالى : يا بني إسرائيل نداء مضاف علامة النصب فيه الياء وحذفت منه النون للإضافة .
الواحد ابن والأصل فيه بني وقيل : بنو ، فمن قال المحذوف منه واو احتج بقولهم البنوة وهذا لا حجة فيه لأنهم قد قالوا : الفتوة وأصله الياء وقال الزجاج : [ ص: 311 ] المحذوف منه عندي ياء كأنه من بنيت ، الأخفش اختار أن يكون المحذوف منه - الواو ؛ لأن حذفها أكثر لثقلها ويقال ابن بين البنوة والتصغير بني .
قالالفراء يقال يا بني ويا بني لغتان مثل يا أبت ويا أبت وقرئ بهما وهو مشتق من البناء وهو وضع الشيء على الشيء والابن فرع للأب وهو موضوع عليه .وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال أبو الفرج الجوزي ، وليس في الأنبياء من له اسمان غيره إلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أسماء كثيرة ذكره في كتاب " فهوم الآثار " له .قلت : وقد قيل في المسيح إنه اسم علم لعيسى عليه السلام غير مشتق وقد سماه الله روحا وكلمة ، وكانوا يسمونه أبيل الأبيلين ذكره الجوهري في الصحاح .
وذكر البيهقي في " دلائل النبوة " عن الخليل بن أحمد : خمسة من الأنبياء ذوو اسمين محمد وأحمد نبينا صلى الله عليه وسلم وعيسى والمسيح وإسرائيل ويعقوب ويونس وذو النون وإلياس وذو الكفل صلى الله عليهم وسلم .قلت : ذكرنا أن لعيسى أربعة أسماء ، وأما نبينا صلى الله عليه وسلم فله أسماء كثيرة بيانها في مواضعها .وإسرائيل اسم أعجمي ولذلك لم ينصرف ، وهو في موضع خفض بالإضافة وفيه سبع لغات : إسرائيل وهي لغة القرآن وإسرائيل بمدة مهموزة مختلسة حكاها شنبوذ عن ورش وإسراييل بمدة بعد الياء من غير همز وهي قراءة الأعمش وعيسى بن عمر وقرأ الحسن والزهري بغير همز ولا مد وإسرائل بغير ياء بهمزة مكسورة وإسراءل بهمزة مفتوحة وتميم يقولون إسرائين بالنون .
ومعنى إسرائيل عبد الله .
قال ابن عباس إسرا بالعبرانية هو عبد ، وإيل هو الله وقيل إسرا هو صفوة الله وإيل هو الله وقيل إسرا من الشد فكأن إسرائيل الذي شده الله وأتقن خلقه ذكره المهدوي .
وقال السهيلي سمي إسرائيل لأنه أسرى ذات ليلة حين هاجر إلى الله تعالى فسمي إسرائيل أي أسرى إلى الله ونحو هذا ، فيكون بعض الاسم عبرانيا وبعضه موافقا للعرب ، والله أعلم .قوله : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم الذكر اسم مشترك ، فالذكر بالقلب ضد النسيان والذكر باللسان ضد الإنصات ، وذكرت الشيء بلساني وقلبي ذكرا واجعله منك على ذكر ( بضم الذال ) أي لا تنسه قال الكسائي ما كان بالضمير فهو مضموم الذال وما كان باللسان فهو مكسور الذال .
وقال غيره : هما لغتان يقال ذكر وذكر ، ومعناهما واحد ، والذكر ( بفتح الذال ) خلاف الأنثى ، والذكر أيضا الشرف ومنه قوله وإنه لذكر لك ولقومك [ ص: 312 ] قال ابن الأنباري والمعنى في الآية اذكروا شكر نعمتي فحذف الشكر اكتفاء بذكر النعمة وقيل إنه أراد الذكر بالقلب وهو المطلوب أي لا تغفلوا عن نعمتي التي أنعمت عليكم ولا تناسوها وهو حسن .
والنعمة هنا اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع قال الله تعالى وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها أي نعمه ومن نعمه عليهم أن أنجاهم من آل فرعون وجعل منهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب والمن والسلوى وفجر لهم في الحجر الماء إلى ما استودعهم من التوراة التي فيها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته ورسالته والنعم على الآباء نعم على الأبناء لأنهم يشرفون بشرف آبائهم .تنبيه : قال أرباب المعاني ربط سبحانه وتعالى بني إسرائيل بذكر النعمة وأسقطه عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى ذكره فقال : " اذكروني أذكركم " ليكون نظر الأمم من النعمة إلى المنعم ونظر أمة محمد صلى الله عليه وسلم من المنعم إلى النعمة .قوله تعالى : وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم أمر وجوابه وقرأ الزهري " أوف " ( بفتح الواو وشد الفاء ) للتكثير واختلف في هذا العهد ما هو فقال الحسن عهده قوله خذوا ما آتيناكم بقوة وقوله ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقيل هو قوله وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه وقال الزجاج أوفوا بعهدي الذي عهدت إليكم في التوراة من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم أوف بعهدكم بما ضمنت لكم على ذلك إن أوفيتم به فلكم الجنة وقيل أوفوا بعهدي في أداء الفرائض على السنة والإخلاص أوف بقبولها منكم ومجاراتكم عليها وقال بعضهم أوفوا بعهدي في العبادات أوف بعهدكم أي أوصلكم إلى منازل الرعايات وقيل أوفوا بعهدي في حفظ آداب الظواهر أوف بعهدكم بتزيين سرائركم وقيل هو عام في جميع أوامره ونواهيه ووصاياه فيدخل في ذلك ذكر محمد صلى الله عليه وسلم الذي في التوراة وغيره هذا قول الجمهور من العلماء وهو الصحيح وعهده سبحانه وتعالى هو أن يدخلهم الجنة .قلت : وما طلب من هؤلاء من الوفاء بالعهد هو مطلوب منا قال الله تعالى أوفوا بالعقود ، [ ص: 313 ] أوفوا بعهد الله ، وهو كثير ووفاؤهم بعهد الله أمارة لوفاء الله تعالى لهم لا علة له بل ذلك تفضل منه عليهمقوله تعالى : وإياي فارهبون أي خافون والرهب والرهب والرهبة الخوف ، ويتضمن الأمر به معنى التهديد ، وسقطت الياء بعد النون لأنها رأس آية وقرأ ابن أبي إسحاق " فارهبوني " بالياء وكذا " فاتقوني " على الأصل ( وإياي ) منصوب بإضمار فعل ، وكذا الاختيار في الأمر والنهي والاستفهام ، التقدير : وإياي ارهبوا فارهبون ، ويجوز في الكلام وأنا فارهبون على الابتداء والخبر ، وكون فارهبون الخبر على تقدير الحذف ، المعنى وأنا ربكم فارهبون .
{ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } المراد بإسرائيل: يعقوب عليه السلام، والخطاب مع فرق بني إسرائيل, الذين بالمدينة وما حولها, ويدخل فيهم من أتى من بعدهم, فأمرهم بأمر عام، فقال: { اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ } وهو يشمل سائر النعم التي سيذكر في هذه السورة بعضها، والمراد بذكرها بالقلب اعترافا, وباللسان ثناء, وبالجوارح باستعمالها فيما يحبه ويرضيه.
{ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي } وهو ما عهده إليهم من الإيمان به, وبرسله وإقامة شرعه.
{ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } وهو المجازاة على ذلك.
والمراد بذلك: ما ذكره الله في قوله: { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ [وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي] } إلى قوله: { فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } ثم أمرهم بالسبب الحامل لهم على الوفاء بعهده, وهو الرهبة منه تعالى, وخشيته وحده, فإن مَنْ خشِيَه أوجبت له خشيته امتثال أمره واجتناب نهيه.
قوله تعالى: {يا بني إسرائيل} يا أولاد يعقوب.
ومعنى اسرائيل: عبد الله، ((وإيل)) هو الله تعالى، وقيل صفوة الله، وقرأ أبو جعفر: إسرائيل بغير همز.
{اذكروا} احفظوا، والذكر: يكون بالقلب ويكون باللسان.
وقيل: أراد به الشكر، وذُكِر بلفظ الذكر لأن في الشكر ذكراً وفي الكفران نسياناً، قال الحسن: "ذكر النعمة شكرها".
{نعمتي} أي: نعمي، لفظها واحد ومعناها جمع كقوله تعالى: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} [34-ابراهيم] {التي أنعمت عليكم} أي على أجدادكم وأسلافكم.
قال قتادة: "هي النعم التي خصت بها بنو إسرائيل: من فلق البحر وإنجائهم من فرعون بإغراقه وتظليل الغمام عليهم في التيه، وإنزال المن والسلوى وإنزال التوراة، في نعم كثيرة لا تحصى"، وقال غيره: هي جميع النعم التي لله عز وجل على عباده.
{وأوفوا بعهدي} أي بامتثال أمري.
{أوف بعهدكم} بالقبول والثواب.
قال قتادة ومجاهد: "أراد بهذا العهد ما ذكر في سورة المائدة {ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا ...}إلى أن قال: {...لأكفرن عنكم سيئاتكم} [12-المائدة] فهذا قوله: {أوف بعهدكم}".
وقال الحسن: "هو قوله: {وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة} [63-البقرة] فهو شريعة التوراة".
وقال مقاتل: "هو قوله: {وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله} [83-البقرة]".
وقال الكلبي: "عهد الله إلى بني إسرائيل على لسان موسى: إني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن اتبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين اثنين: وهو قوله: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس} [187-آل عمران] يعني أمر محمد صلى الله عليه وسلم".
{وإياي فارهبون} فخافوني في نقض العهد.
وأثبت يعقوب الياءات المحذوفة في الخط مثل (فارهبوني)، (فاتقوني)، و(اخشوني)، والآخرون يحذفونها على الخط.
«يا بنى إسرائيل» أولاد يعقوب «اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم» أي على آبائكم من الإنجاء من فرعون وفلق البحر وتظليل الغمام وغير ذلك بأن تشكروها بطاعتي «وأوفوا بعهدي» الذي عهدته إليكم من الإيمان بمحمد «أوف بعهدكم» الذي عهدت إليكم من الثواب عليه بدخول الجنة «وإياي فارهبون» خافونِ في ترك الوفاء به دون غيري.
يا ذرية يعقوب اذكروا نعمي الكثيرة عليكم، واشكروا لي، وأتموا وصيتي لكم: بأن تؤمنوا بكتبي ورسلي جميعًا، وتعملوا بشرائعي.
فإن فعلتم ذلك أُتمم لكم ما وعدتكم به من الرحمة في الدنيا، والنجاة في الآخرة.
وإيَّايَ -وحدي- فخافوني، واحذروا نقمتي إن نقضتم العهد، وكفرتم بي.
إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - وفي إضافتهم إلى أبيهم إسرائيل تشريف لهم وتكريم ، وحث لهم على الامتثال لأوامر الله ونواهيه ، فكأنه قيل : يا بني العبد الصالح ، والنبي الكريم ، كونوا مثل أبيكم في الطاعة والعبادة .ويستعمل مثل هذا التعبير في مقام الترغيب والترهيب ، بناء على أن الحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن ، والسيئة في نفسها سيئة وهي من بيت النبوة أسوأ ، ففي هذا النداء .
خير داع لذوي الفطر السليمة منهم إلى الإِقبال على ما يرد بعده من التذكير بالنعمة ، واستعمالها فيما خلقت له .ومعنى ( اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ) تنبهوا بعقولكم وقلوبكم لتلك المنافع التي أتتكم على سبيل الإِحسان منى ، وقوموا بحقوقها وأكثروا من الحديث عنها بألسنتكم ، فإن التحدث بنعم الله فيه إغراء بشكرها .والمراد بنعمة : المنعم بها عليهم ، وتجمع على نعم ، وقد وردت في القرآن الكريم بمعنى الجمع كما في قوله تعالى : ( وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ الله لاَ تُحْصُوهَا ) فإن لفظ العدد والإِحصاء قرينة على أن المراد بالنعمة : النعم الكثيرة ، ويبدوا أن المراد بالنعمة في الآية التي معنا كذلك النعم المتعددة حيث إنه لم يقم دليل على أن المراد بها نعمة معهودة ، وعلماء البيان يعدون استعمال المفرد في معنى الجمع - اعتماداً على القرينة - من أبلغ الأساليب الكلامية .ثم أمرهم - سبحانه - بالوفاء بما عاهدهم عليه ، فقال تعالى : ( وَأَوْفُواْ بعهدي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ) العهد ما من شأنه أن يراعى ويحفظ ، كاليمين والوصية وغيرهما ، ويضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً ، يقال : أوفيت بعهدي ، أي بما عاهدت غيري عليه ، وأوفيت بعهدك ، أي بما عاهدتني عليه ، وعهد الله : أوامره ونواهيه ، والوفاء به يتأتى باتباع ما أمر به ، واجتناب ما نهى عنه ، ويندرج فيه كل ما أخذ على بني إسرائيل من التوراة ، من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم متى بعث ، والإِيمان بما جاء به من عند الله وتصديقه فيما يخبر عن ربه .والمعنى : وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإِيمان بي ، والطاعة لي ، والتصديق برسلي ، أوف بما عاهدتكم عليه من التمكين في الأرض في الدنيا والسعادة في الآخرة .ثم أمرهم - سبحانه - بأن يجعلوا خوفهم من خالقهم وحده ، فقال - تعالى - ( وَإِيَّايَ فارهبون ) أي : خافوني ولا تخافوا سواي ، ولتكم قلوبكم عامرة بخشيتي وحدي ، فإن ذلك يعينكم على طاعتي ، ويبعدكم عن معصيتي .وحذف متعلق الرهبة للعموم ، أي ارهبوني في جميع ما تأتون ، وما تذرون ، حتى لا أنزل بكم من النقم مثل ما أنزلت بمن قبلكم من المسخ وغيره ، فالآيات الكريمة قد تضمنت وعداً ووعيداً وترغيباً وترهيباً .
أعلم أن فيه مسائل المسألة الأولى: اتفق المفسرون على أن إسرائيل هو يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ويقولون إن معنى إسرائيل عبد الله لأن إسرا في لغتهم هو العبد وإيل هو الله وكذلك جبريل وهو عبد الله وميكائيل عبد الله.
قال القفال: قيل إن إسرا بالعبرانية في معنى إنسان فكأنه قيل رجل الله فقوله: ﴿ يا بَنِى إسراءيل ﴾ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب عليه السلام في أيام محمد صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: حد النعمة أنها المنفعة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير ومنهم من يقول: المنفعة الحسنة المفعولة على جهة الإحسان إلى الغير، قالوا: وإنما زدنا هذا لأن النعمة يستحق بها الشكر وإذا كانت قبيحة لم يستحق بها الشكر والحق أن هذا القيد غير معتبر لأنه يجوز أن يستحق الشكر بالإحسان وإن كان فعله محظوراً لأن جهة استحقاق الشكر غير جهة استحقاق الذم والعقاب، فأي امتناع في اجتماعهما؟
ألا ترى أن الفاسق يستحق الشكر بإنعامه والذم بمعصيته فلم لا يجوز هاهنا أن يكون الأمر كذلك؟
ولنرجع إلى تفيسر الحد فنقول: أما قولنا: المنفعة فلأن المضرة المحضة لا يجوز أن تكون نعمة، وقولنا: المفعولة على جهة الإحسان فلأنه لو كان نفعاً وقصد الفاعل نفع نفسه لا نفع المفعول به كمن أحسن إلى جاريته ليربح عليها أو أراد استدراجه إلى ضرر واختداعه كمن أطعم خبيصاً مسموماً ليهلكه لم يكن ذلك، نعمة فأما إذا كانت المنفعة مفعولة على قصد الإحسان إلى الغير كانت نعمة.
إذا عرفت حد النعمة فلنفرع عليه فروعاً: الفرع الأول: اعلم أن كل ما يصل إلينا آناء الليل والنهار في الدنيا والآخرة من النفع ودفع الضرر فهو من الله تعالى على ما قال تعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ ، ثم إن النعمة على ثلاثة أوجه: أحدها: نعمة تفرد الله بها نحو أن خلق ورزق.
وثانيها: نعمة وصلت إلينا من جهة غيره بأن خلقها وخلق المنعم ومكنه من الإنعام وخلق فيه قدرة الإنعام وداعيته ووفقه عليه وهداه إليه، فهذه النعمة في الحقيقة أيضاً من الله تعالى، إلا أنه تعالى لما أجراها على يد عبده كان ذلك العبد مشكوراً، ولكن المشكور في الحقيقة هو الله تعالى، ولهذا قال: ﴿ أَنِ اشكر لِى ولوالديك ﴾ فبدأ بنفسه، وقال عليه السلام: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس».
وثالثها: نعمة وصلت إلينا من الله تعالى بواسطة طاعاتنا وهي أيضاً من الله تعالى لأنه لولا أنه سبحانه وتعالى وفقنا على الطاعات وأعاننا عليها وهدانا إليها وأزاح الأعذار وإلا لما وصلنا إلى شيء منها، فظهر بهذا التقرير أن جميع النعم من الله تعالى على ما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا بِكُم مّن نّعْمَةٍ فَمِنَ الله ﴾ .
الفرع الثاني: أن نعم الله تعالى على عبيده مما لا يمكن عدها وحصرها على ما قال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ وإنما لا يمكن ذلك لأن كل ما أودع فينا من المنافع واللذات التي ننتفع بها والجوارح والأعضاء التي نستعملها في جلب المنافع ودفع المضار وما خلق الله تعالى في العالم مما يلتذ به ويستدل على وجود الصانع وما وجد في العالم مما يحصل الانزجار برؤيته عن المعاصي مما لا يحصى عدده وكل ذلك منافع لأن المنفعة هي اللذة أو ما يكون وسيلة إلى اللذة وجميع ما خلق الله تعالى كذلك لأن كل ما يلتذ به نعمة وكل ما يلتذ به وهو وسيلة إلى دفع الضرر فهو كذلك والذي لا يكون جالباً للنفع الحاضر ولا دافعاً للضرر الحاضر فهو صالح لأن يستدل به على الصانع الحكيم فيقع ذلك وسيلة إلى معرفته وطاعته وهما وسيلتان إلى اللذات الأبدية فثبت أن جميع مخلوقاته سبحانه نعم على العبيد، ولما كانت العقول قاصرة عن تعديد ما في أقل الأشياء من المنافع والحكم فكيف يمكن الإحاطة بكل ما في العالم من المنافع والحكم، فصح بهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ فإن قيل: فإذا كانت النعم غير متناهية وما لا يتناهى لا يحصل العلم به في حق العبد فكيف أمر بتذكرها في قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَتِىَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ والجواب أنها غير متناهية بحسب الأنواع والأشخاص إلا أنها متناهية بحسب الأجناس، وذلك يكفي في التذكير الذي يفيد العلم بوجود الصانع الحكيم.
واعلم أنه لما ثبت أن استحقاق الحمد والثناء والطاعة لا يتحقق إلا على إيصال النعمة ثبت أنه سبحانه وتعالى هو المستحق لحمد الحامدين.
ولهذا قال في ذم الأصنام: ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ﴾ وقال تعالى: ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ وقال: ﴿ أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى إِلاَّ أَن يهدى ﴾ .
الفرع الثالث: أن أول ما أنعم الله به على عبيده هو أن خلقهم أحياء والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَٰتًا فَأَحْيَٰكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ ٱسْتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبْعَ سَمَٰوَٰتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ ﴾ إلى آخر الآية، وهذا صريح في أن أصل النعم الحياة لأنه تعالى أول ما ذكر من النعم فإنما ذكر الحياة ثم إنه تعالى ذكر عقيبها سائر النعم وأنه تعالى إنما ذكر المؤمنين ليبين أن المقصود من حياة الدنيا حياة الآخرة والثواب.
وبين أن جميع ما خلق قسمان منتفع ومنتفع به، هذا قول المعتزلة.
وقال أهل السنة: إنه سبحانه كما خلق المنافع خلق المضار ولا اعتراض لأحد عليه، ولهذا سمى نفسه النافع الضار ولا يسأل عما يفعل.
الفرع الرابع: قالت المعتزلة: إن الله تعالى قد أنعم على المكلفين بنعمة الدنيا ونعمة الدين، وسوى بين الجميع في النعم الدينية والدنيوية، أما في النعم الدينية فلأن كل ما كان في المقدور من الألطاف فقد فعل بهم والذي لم يفعله فغير داخل في القدرة إذ لو قدر على لطف لم يفعله بالمكلف لبقي عذر المكلف، وأما في الدنيا فعلى قول البغداديين خاصة لأن عندهم يجب رعاية الأصلح في الدنيا وعند البصريين لا يجب.
وقال أهل السنة: إن الله تعالى خلق الكافر للنار ولعذاب الآخرة ثم اختلفوا في أنه هل لله نعمة على الكافر في الدنيا؟
فمنهم من قال: هذه النعم القليلة في الدنيا لما كانت مؤدية إلى الضرر الدائم في الآخرة لم يكن ذلك نعمة على الكافر في الدنيا، فإن من جعل السم في الحلوى لم يعد النفع الحاصل من أكل الحلوى نعمة لما كان ذلك سبيلاً إلى الضرر العظيم، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَلاَ يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ خَيْرٌلأنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمَاً ﴾ ومنهم من قال: إنه تعالى وإن لم ينعم على الكافر بنعمة الدين فلقد أنعم عليه بنعمة الدنيا وهو قول القاضي أبي بكر الباقلاني رحمه الله، وهذا القول أصوب ويدل عليه وجوه: أحدها: قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعْبُدُوا رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُمْ وَٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ٱلَّذِى جَعَلَ لَكُمُ ٱلْأَرْضَ فِرَٰشًا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءً وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ فنبه على أنه يجب على الكل طاعته لمكان هذه النعم وهي نعمة الخلق والرزق.
ثانيها: قوله تعالى: ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا ﴾ إلى آخره وذكر ذلك في معرض الامتنان وشرح النعم ولو لم يصل إليهم من الله تعالى شيء من النعم لما صح ذلك.
وثالثها: قوله: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِى التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى العالمين ﴾ وهذا نص صريح في أن الله تعالى أنعم على الكافر إذ المخاطب بذلك هم أهل الكتاب وكانوا من الكفار وكذا قوله: ﴿ يابنى إسراءيل اذكروا نِعْمَتِيَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَإِذْ أنجيناكم ﴾ وقوله: ﴿ وَإِذْ ءاتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .
وكل ذلك عد للنعم على العبيد.
ورابعها: قوله: ﴿ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِي الأرض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السماء عَلَيْهِم مَّدْرَاراً ﴾ .
وخامسها: قوله: ﴿ قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر تَدْعُونَهُ ﴾ إلى قوله: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ ﴾ .
وسادسها: قوله: ﴿ وَلَقَدْ مكناكم فِي الأرض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ ﴾ وقال في قصة إبليس: ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين ﴾ ، ولو لم يكن عليهم من الله نعمة لما كان لهذا القول فائدة.
وسابعها: قوله: ﴿ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض ﴾ الآية، وقال حاكياً عن شعيب: ﴿ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾ وقال حاكياً عن موسى: ﴿ قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين ﴾ .
وثامنها: قوله: ﴿ ذلك بِأَنَّ الله لَمْ يَكُ مُغَيّراً نّعْمَةً أَنْعَمَهَا على قَوْمٍ ﴾ وهذا صريح.
وتاسعها: قوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاء والقمر نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب مَا خَلَقَ الله ذلك إِلاَّ بالحق ﴾ .
وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ ﴾ .
الحادي عشر: قوله: ﴿ هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ﴾ إلى قوله: ﴿ هُوَ ٱلَّذِى يُسَيِّرُكُمْ فِى ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ حَتَّىٰٓ إِذَا كُنتُمْ فِى ٱلْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَآءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَآءَهُمُ ٱلْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوٓا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ فَلَمَّآ أَنجَىٰهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى ٱلْأَرْضِ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُم مَّتَٰعَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ .
الثاني عشر: قوله: ﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً ﴾ .
وقوله: ﴿ هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً ﴾ .
الثالث عشر: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ ٱللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ ٱلْبَوَارِ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ ٱلْقَرَارُ ﴾ .
الرابع عشر: ﴿ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك لِتَجْرِىَ فِي البحر بِأَمْرِهِ ﴾ .
الخامس عشر: قوله تعالى: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ وهذا صريح في إثبات النعمة في حق الكفار.
واعلم أن الخلاف في هذه المسألة راجع إلى العبارة.
وذلك لأنه لا نزاع في أن هذه الأشياء أعني الحياة والعقل والسمع والبصر وأنواع الرزق والمنافع من الله تعالى إنما الخلاف في أن أمثال هذه المنافع إذا حصل عقيبها تلك المضار الأبدية هل يطلق في العرف عليها اسم النعمة أم لا؟
ومعلوم أن ذلك نزاع في مجرد عبارة، وأما الذي يدل على أن ما لا يلتذ به المكلف فهو تعالى إنما خلقه لينتفع به في الاستدلال على الصانع وعلى لطفه وإحسانه فأمور.
أحدها: قوله تعالى في سورة أتى أمر الله: ﴿ يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآء مِنْ عِبَادِهِ ﴾ فيبين تعالى أنه إنما بعث الرسل مبشرين ومنذرين ولأجل الدعوة إلى وحدانيته والإيمان بتوحيده وعدله، ثم إنه تعالى قال: ﴿ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ بِٱلْحَقِّ تَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ ﴾ فبين أن حدوث العبد مع ما فيه من الكفر من أعظم الدلائل على وجود الصانع وهو انقلابه من حال إلى حال، من كونه نطفة ثم علقة ثم مضغة إلى أن ينتهي من أخس أحواله وهو كونه نطفة إلى أشرف أحواله وهو كونه خصيماً مبيناً، ثم ذكر بعد ذلك وجوه إنعامه فقال: ﴿ والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْء ومنافع وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآء لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُون ﴾ بين بذلك الرد على الدهرية وأصحاب الطبائع لأنه تعالى بين أن الماء واحد والتراب واحد ومع ذلك اختلفت الألوان والطعوم والروائح، ثم قال: ﴿ وَسَخَّر لَكُمُ الليل والنهار ﴾ بين به الرد على المنجمين وأصحاب الأفلاك حيث استدل بحركاتها وبكونها مسخرة على طريقة واحدة على حدوثها فأثبت سبحانه وتعالى بهذه الآيات أن كل ما في العالم مخلوق لأجل المكلفين لأن كل ما في العالم مما يغاير ذات المكلف ليس يخلو من أن يلتذ به المكلف ويستروح إليه فيحصل له به سرور أو يتحمل عنه كلفة أو يحصل له به اعتبار نحو الأجسام المؤذية كالحيات والعقارب فيتذكر بالنظر إليها أنواع العقاب في الآخرة فيحترز منها ويستدل بها على المنعم الأعظم، فثبت أنه لا يخرج شيء من مخلوقاته عن هذه المنافع، ثم إنه سبحانه وتعالى نبه على عظم إنعامه بهذه الأشياء في آخر هذه الآيات فقال: ﴿ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لاَ تُحْصُوهَا ﴾ .
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مّن كُلّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله ﴾ فنبه بذلك على أن كون النعمة واصلة إليهم يوجب أن يكون كفرانها سبباً للتبديل.
وثالثها: قوله في قصة قارون: ﴿ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ الله إِلَيْكَ ﴾ وقال: ﴿ أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السموات وَمَا فِي الأرض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهرة وَبَاطِنَةً ﴾ وقال: ﴿ أَفَرَءيْتُمْ مَّا تُمْنُونَ أأنتم تَخْلُقُونَهُ أَم نَحْنُ الخالقون ﴾ وقال: ﴿ فَبِأَىّ ءالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ ﴾ على سبيل التكرير وكل ما في هذه السورة فهو من النعم، إما في الدين أو في الدنيا فهذا ما يتعلق بهذا الباب.
المسألة الثالثة: في النعم المخصوصة ببني إسرائيل قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرون وعبيد المنعم قليلون، فالله تعالى ذكر بني إسرائيل بنعمه عليهم ولما آل الأمر إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذكرهم بالمنعم فقال: ﴿ فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ ﴾ فدل ذلك على فضل أمة محمد صلى الله عليه وسلم على سائر الأمم.
واعلم أن نعم الله تعالى على بني إسرائيل كثيرة: (أ) استنقذهم مما كانوا فيه من البلاء من فرعون وقومه وأبدلهم من ذلك بتمكينهم في الأرض وتخليصهم من العبودية كما قال: ﴿ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسْتُضْعِفُوا فِى ٱلْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ ٱلْوَٰرِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ وَنُرِىَ فِرْعَوْنَ وَهَٰمَٰنَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ .
(ب) جعلهم أنبياء وملوكاً بعد أن كانوا عبيداً للقبط فأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم كما قال: ﴿ كَذَلِكَ وأورثناها بَنِى إسراءيل ﴾ .
(ج) أنزل عليهم الكتب العظيمة التي ما أنزلها على أمة سواهم كما قال: ﴿ وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ ياقوم اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وءاتاكم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مّن العالمين ﴾ .
(د) روى هشام عن ابن عباس أنه قال: من نعمة الله تعالى على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون وظلل عليهم في التيه الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى في التيه وأعطاهم الحجر الذي كان كرأس الرجل يسقيهم ما شاؤوا من الماء متى أرادوا فإذا استغنوا عن الماء رفعوه فاحتبس الماء عنهم وأعطاهم عموداً من النور ليضيء لهم بالليل وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى.
واعلم أنه سبحانه وتعالى إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: أحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهو التوراة والإنجيل والزبور.
وثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن.
وثالثها: أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة.
ورابعها: أن تذكير النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصهم من بين سائر الناس بها ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم لما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه فكأن تذكير النعم السالفة يطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة.
فإن قيل: هذه النعم ما كانت على المخاطبين بل كانت على آبائهم فكيف تكون نعماً عليهم وسبباً لعظم معصيتهم؟
والجواب من وجوه: أحدها: لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا فما كان يحصل هذا النسل فصارت النعم على الآباء كأنها نعم على الأبناء.
وثانيها: أن الانتساب إلى الآباء وقد خصهم الله تعالى بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد.
وثالثها: الأولاد متى سمعوا أن الله خص آباءهم بهذه النعم لمكان طاعتهم وإعراضهم عن الكفر والجحود رغب الولد في هذه الطريقة لأن الولد مجبول على التشبه بالأب في أفعال الخير فيصير هذا التذكير داعياً إلى الاشتغال بالخيرات والإعراض عن الشرور.
أما قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ فاعلم أن العهد يضاف إلى المعاهد والمعاهد جميعاً وذكروا في هذا العهد قولين: الأول: أن المراد منه جميع ما أمر الله به من غير تخصيص ببعض التكاليف دون بعض ثم فيه روايات.
إحداها: أنه تعالى جعل تعريفه إياهم نعمه عهداً له عليهم من حيث يلزمهم القيام بشكرها كما يلزمهم الوفاء بالعهد والميثاق، وقوله: ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ أراد به الثواب والمغفرة.
فجعل الوعد بالثواب شبيهاً بالعهد من حيث اشتراكهما في أنه لا يجوز الإخلال به.
ثانيها: قال الحسن: المراد منه العهد الذي أخذه الله تعالى على بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثنى عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ الله إِنّى مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصلاة وَءاتَيْتُمْ الزكواة ﴾ إلى قوله: ﴿ ولأَدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ فمن وفى لله بعهده وفى الله له بعهده.
وثالثها: وهو قول جمهور المفسرين أن المراد أوفوا بما أمرتكم به من الطاعات ونهيتكم عنه من المعاصي أوف بعهدكم، أي أرضى عنكم وأدخلكم الجنة وهو الذي حكاه الضحاك عن ابن عباس وتحقيقه ما جاء في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ ﴾ .
القول الثاني: أن المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من وصف محمد صلى الله عليه وسلم وأنه سيبعثه على ما صرح بذلك في سورة المائدة بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل ﴾ إلى قوله: ﴿ لأكَفّرَنَّ عَنْكُمْ سيئاتكم وَلاَدْخِلَنَّكُمْ جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ وقال في سورة الأعراف: ﴿ وَٱكْتُبْ لَنَا فِى هَٰذِهِ ٱلدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى ٱلْءَاخِرَةِ إِنَّا هُدْنَآ إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِىٓ أُصِيبُ بِهِۦ مَنْ أَشَآءُ وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلْأُمِّىَّ ٱلَّذِى يَجِدُونَهُۥ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِى ٱلتَّوْرَىٰةِ وَٱلْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَىٰهُمْ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ ٱلْخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَٱلْأَغْلَٰلَ ٱلَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُوا ٱلنُّورَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْمُفْلِحُونَ ﴾ وأما عهد الله معهم فهو أن ينجز لهم ما وعدهم من وضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم، وقال: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ الله ميثاق النبيين لَمَا ءاتَيْتُكُم مّن كتاب وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدّقٌ ﴾ الآية.
وقال: ﴿ وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ يابنى إسراءيل أَنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُم مُّصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ التوراة وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ ﴾ .
وقال ابن عباس: إن الله تعالى كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في قوله تعالى: ﴿ الذين ءاتيناهم الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾ إلى قوله: ﴿ أُوْلَئِكَ يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ وكان علي بن عيسى يقول تصديق ذلك في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ ﴾ وتصديقه أيضاً فيما روى أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران».
بقي هاهنا سؤالان: السؤال الأول: لو كان الأمر كما قلتم فكيف يجوز من جماعتهم جحده؟
والجواب من وجهين: الأول: أن هذا العلم كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم لكن لم يكن لهم العدد الكثير فجاز منهم كتمانه.
الثاني: أن ذلك النص كان نصاً خفياً لا جلياً فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.
السؤال الثاني: الشخص المبشر به في هذه الكتب إما أن يكون قد ذكر في هذه الكتب وقت خروجه ومكان خروجه وسائر التفاصيل المتعلقة بذلك أو لم يذكر شيء من ذلك، فإن كان ذلك النص نصاً جلياً وارداً في كتب منقولة إلى أهل العلم بالتواتر فكان يمتنع قدرتهم على الكتمان وكان يلزم أن يكون ذلك معلوماً بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين.
وإن كان الثاني لم يدل ذلك النص على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لاحتمال أن يقولوا: إن ذلك المبشر به سيجيء بعد ذلك على ما هو قول جمهور اليهود.
والجواب أن الذين حملوا قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ على الأمر بالتأمل في الدلائل الدالة على التوحيد والنبوة على ما شرحناه في القول الأول إنما اختاروه لقوة هذا السؤال، فأما من أراد أن ينصر القول الثاني فإنه يجيب عنه بأن تعيين الزمان والمكان لم يكن منصوصاً عليه نصاً جلياً يعرفه كل أحد بل كان منصوصاً عليه نصاً خفياً فلا جرم لم يلزم أن يعلم ذلك بالضرورة من دين الأنبياء المتقدمين عليهم السلام ولنذكر الآن بعض ما جاء في كتب الأنبياء المتقدمين من البشارة بمقدم محمد صلى الله عليه وسلم، فالأول: جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك (من قبل) الله فقال لها يا هاجر أين تريدين ومن أين أقبلت؟
قالت: أهرب من سيدتي سارة فقال لها: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك وستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه إسماعيل من أجل أن الله سمع تبتلك وخشوعك وهو يكون عين الناس وتكون يده فوق الجميع ويد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع وهو يشكر على رغم جميع إخوته.
واعلم أن الاستدلال بهذا الكلام أن هذا الكلام خرج مخرج البشارة وليس يجوز أن يبشر الملك من قبل الله بالظلم والجور وبأمر لا يتم إلا بالكذب على الله تعالى ومعلوم أن إسماعيل وولده لم يكونوا متصرفين في الكل أعني في معظم الدنيا ومعظم الأمم ولا كانوا مخالطين للكل على سبيل الاستيلاء إلا بالإسلام لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الشرق والغرب بالإسلام ومازجو الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة، فلو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم صادقاً لكانت هذه المخالطة منهم للأمم ومن الأمم لهم معصية لله تعالى وخروجاً عن طاعته إلى طاعة الشيطان والله يتعالى عن أن يبشر بما هذا سبيله.
والثاني: جاء في الفصل الحادي عشر من السفر الخامس: إن الرب إلهكم يقيم لكم نبياً مثلي من بينكم ومن إخوانكم، وفي هذا الفصل أن الرب تعالى قال لموسى: إني مقيم لهم نبياً مثلك من بين إخوانهم وأيما رجل لم يسمع كلماتي التي يؤديها عني ذلك الرجل باسمي أنا أنتقم منه.
وهذا الكلام يدل على أن النبي الذي يقيمه الله تعالى ليس من بني إسرائيل كما أن من قال لبني هاشم: إنه سيكون من إخوانكم إمام، عقل أنه لا يكون من بني هاشم، ثم إن يعقوب عليه السلام هو إسرائيل ولم يكن له أخ إلا العيص ولم يكن للعيص ولد من الأنبياء سوى أيوب وإنه كان قبل موسى عليه السلام فلا يجوز أن يكون موسى عليه السلام مبشراً به، وأما اسماعيل فإنه كان أخاً لإسحاق والد يعقوب ثم إن كل نبي بعث بعد موسى كان من بني إسرائيل، فالنبي عليه السلام ما كان منهم لكنه كان من إخوانهم لأنه من ولد إسماعيل الذي هو أخو إسحاق عليهم السلام.
فإن قيل قوله: من بينكم يمنع من أن يكون المراد محمداً صلى الله عليه وسلم لأنه لم يقم من بين بني إسرائيل.
قلنا: بل قد قام من بينهم لأنه عليه السلام ظهر بالحجاز فبعث بمكة وهاجر إلى المدينة وبها تكامل أمره.
وقد كان حول المدينة بلاد اليهود كخيبر وبني قينقاع والنضير وغيرهم، وأيضاً فإن الحجاز يقارب الشام وجمهور اليهود كانوا إذ ذاك بالشام، فإذا قام محمد بالحجاز فقد قام من بينهم، وأيضاً فإنه إذا كان من إخوانهم فقد قام من بينهم فإنه ليس ببعيد منهم.
والثالث: قال في الفصل العشرين من هذا السفر: إن الرب تعالى جاء في طور سيناء وطلع لنا من ساعير وظهر من جبال فاران وصف عن يمينه عنوان القديسين فمنحهم العز وحببهم إلى الشعوب ودعا لجميع قديسيه بالبركة، وجه الاستدلال: أن جبل فاران هو بالحجاز لأن في التوراة أن اسماعيل تعلم الرمي في برية فاران، ومعلوم أنه إنما سكن بمكة.
إذا ثبت هذا فنقول: إن قوله: فمنحهم العز لا يجوز أن يكون المراد إسماعيل عليه السلام لأنه لم يحصل عقيب سكنى إسماعيل عليه السلام هناك عز ولا اجتمع هناك ربوات القديسين فوجب حمله على محمد عليه السلام.
قالت اليهود: المراد أن النار لما ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضاً ومن جبل فاران أيضاً فانتشرت في هذه المواضع قلنا هذا لا يصح لأن الله تعالى لو خلق ناراً في موضع فإنه لا يقال جاء الله من ذلك إذا تابع ذلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع أو عقوبة وما أشبه ذلك.
وعندكم أنه لم يتبع ظهور النار وحي ولا كلام إلا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال ظهر من ساعير ومن جبل فاران فلا يجوز وروده كما لا يقال جاء الله من الغمام إذا ظهر في الغمام احتراق ونيران كما يتفق ذلك في أيام الربيع، وأيضاً ففي كتاب حقوق بيان ما قلنا وهو جاء الله من طور سيناء والقدس من جبل فاران، وانكشفت السماء من بهاء محمد وامتلأت الأرض من حمده.
يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزه تسير المنايا أمامه ويصحب سباع الطير أجناده قام فمسح الأرض وتأمل الأمم وبحث عنها فتضعضعت الجبال القديمة واتضعت الروابي والدهرية، وتزعزعت ستور أهل مدين ركبت الخيول، وعلوت مراكب الانقياد والغوث وستنزع في قسيك إغراقاً ونزعاً وترتوي السهام بأمرك يا محمد ارتواء وتخور الأرض بالأنهار، ولقد رأتك الجبال فارتاعت وانحرف عنك شؤبوب السيل ونفرت المهاري نفيراً ورعباً ورفعت أيديها وجلاً وفرقاً وتوقفت الشمس والقمر عن مجراهما وسارت العساكر في برق سهامك ولمعان بيانك تدوخ الأرض غضباً وتدوس الأمم زجراً لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ تراب آبائك.
هكذا نقل عن ابن رزين الطبري.
أما النصارى فقال أبو الحسين رحمه الله في كتاب الغرر قد رأيت في نقولهم: وظهر من جبال فاران لقد تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود وترتوى السهام بأمرك المحمود لأنك ظهرت بخلاص أمتك وإنقاذ مسيحك، فظهر بما ذكرنا أن قوله تعالى في التوراة: ظهر الرب من جبال فاران ليس معناه ظهور النار منه بل معناه ظهور شخص موصوف بهذه الصفات وما ذاك إلا رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قالوا المراد مجيء الله تعالى ولهذا قال في آخر الكلام: وإنقاذ مسيحك قلنا لا يجوز وصف الله تعالى بأنه يركب الخيول وبأن شعاع منظره مثل النور وبأنه جاز المشاعر القديمة، أما قوله: (وإنقاذ مسيحك) فإن محمداً عليه السلام أنقذ المسيح من كذب اليهود والنصارى.
والرابع: ما جاء في كتاب أشعياء في الفصل الثاني والعشرين منه: قومي فأزهري مصباحك، يريد مكة، فقد دناوقتك وكرامة الله تعالى طالعة عليك فقد تجلل الأرض الظلام وغطى على الأمم الضباب والرب يشرق عليك إشراقاً ويظهر كرامته عليك تسير الأمم إلى نورك والملوك إلى ضوء طلوعك وارفعي بصرك إلى ما حولك وتأملي فإنهم مستجمعون عندك ويحجونك ويأتيك ولدك من بلد بعيد لأنك أم القرى فأولاد سائر البلاد كأنهم أولاد مكة وتتزين ثيابك على الأرائك والسرر حين ترين ذلك تسرين وتبتهجين من أجل أنه يميل إليك ذخائر البحر ويحج إليك عساكر الأمم ويساق إليك كباش مدين ويأتيك أهل سبأ ويتحدثون بنعم الله ويمجدونه وتسير إليك أغنام فاران ويرفع إلى مذبحي ما يرضيني وأحدث حينئذ لبيت محمدتي حمداً.
فوجه الاستدلال أن هذه الصفات كلها موجودة لمكة فإنه قد حج إليها عساكر الأمم ومال إليها ذخائر البحر وقوله: وأحدث لبيت محمدتي حمداً معناه أن العرب كانت تلبي قبل الإسلام فتقول لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، ثم صار في الإسلام: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، فهذا هو الحمد الذي جدده الله لبيت محمدته.
فإن قيل المراد: بذلك بيت المقدس وسيكون ذلك فيما بعد.
قلنا لا يجوز أن يقول الحكيم: قد دنا وقتك مع أنه ما دنا بل الذي دنا أمر لا يوافق رضاه ومع ذلك لا يحذر منه وأيضاً فإن كتاب أشعياء مملوء من ذكر البادية وصفتها، وذلك يبطل قولهم.
والخامس: روى السمان في تفسيره في السفر الأول من التوراة أن الله تعالى أوحى إلى إبراهيم عليه السلام قال: قد أجبت دعاك في إسماعيل وباركت عليه فكبرته وعظمته جداً جداً وسيلد اثني عشر عظيماً وأجعله لأمة عظيمة والاستدلال به أنه لم يكن في ولد إسماعيل من كان لأمة عظيمة غير نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فأما دعاء إبراهيم عليه السلام وإسماعيل فكان لرسولنا عليه الصلاة والسلام لما فرغا من بناء الكعبة وهو قوله: ﴿ رَبَّنَا وابعث فِيهِمْ رَسُولاً مّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آياتك وَيُعَلّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَيُزَكّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم ﴾ ولهذا كان يقول عليه الصلاة والسلام: «أنا دعوة أبي إبراهيم وبشارة عيسى» وهو قوله: ﴿ وَمُبَشّراً بِرَسُولٍ يَأْتِى مِن بَعْدِى اسمه أَحْمَدُ ﴾ فإنه مشتق من الحمد والاسم المشتق من الحمد ليس إلا لنبينا فإن اسمه محمد وأحمد ومحمود.
قيل إن صفته في التوراة أن مولده بمكة ومسكنه بطيبة وملكه بالشام وأمته الحمادون.
والسادس: قال المسيح للحواريين: أنا أذهب وسيأتيكم الفارقليط روح الحق الذي لا يتكلم من قبل نفسه إنما يقول كما يقال له وتصديق ذلك: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يوحى إِلَىَّ ﴾ وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحِى إِلَىَّ ﴾ أما الفارقليط ففي تفسيره وجهان: أحدهما أنه الشافع المشفع وهذا أيضاً صفته عليه الصلاة والسلام.
الثاني: قال بعض النصارى: الفار قليط هو الذي يفرق بين الحق والباطل وكان في الأصل فاروق كما يقال راووق للذي يروق به وأما ليط فهو التحقيق في الأمر كما يقال شيب أشيب ذو شيب وهذا أيضاً صفة شرعنا لأنه هو الذي يفرق بين الحق والباطل.
والسابع: قال دانيال لبختنصر حين سأله عن الرؤيا التي كان رآها من غير أن قصها عليه: رأيت أيها الملك منظراً هائلاً رأسه من الذهب الأبريز وساعده من الفضة وبطنه وفخذاه من نحاس وساقاه من حديد وبعضها من خزف ورأيت حجراً يقطع من غير قاطع وصك رجل ذلك الصنم ودقها دقاً شديداً فتفتت الصنم كله حديده ونحاسه وفضته وذهبه وصارت رفاتاً وعصفت بها الرياح فلم يوجد لها أثر وصار ذلك الحجر الذي صك ذلك الرجل من ذلك الصنم جبلاً عالياً امتلأت به الأرض فهذا رؤياك أيها الملك.
وأما تفسيرها فأنت الرأس الذي رأيته من الذهب ويقوم بعدك مملكة أخرى دونك والمملكة الثالثة التي تشبه النحاس تنبسط على الأرض كلها، والمملكة الرابعة تكون قوتها مثل الحديد، وأما الرجل التي كان بعضها من خزف فإن بعض المملكة يكون عزيزاً وبعضها يكون ذليلاً وتكون كلمة الملك متفرقة ويقيم إله السماء في تلك الأيام مملكة أبدية لا تتغير ولا تزول وإنها تزيل جميع الممالك وسلطانها يبطل جميع السلاطين وتقوم هي إلى الدهر الداهر فهذا تفسير الحجر الذي رأيت أنه يقطع من جبل بلا قاطع حتى دق الحديد والنحاس والخزف والله أعلم بما يكون في آخر الزمان.
فهذه هي البشارات الواردة في الكتب المتقدمة بمبعث رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم.
أما قوله تعالى: ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ فقالت المعتزلة: ذلك العهد هو ما دل العقل عليه من أن الله تعالى يجب عليه إيصال الثواب إلى المطيع وصح وصف ذلك الوجوب بالعهد لأنه بحيث يجب الوفاء به فكان ذلك أوكد من العهد بالإيجاب بالنذر واليمين: وقال أصحابنا: إنه لا يجب للعبد على الله شيء، وفي هذه الآية ما يدل على ذلك لأنه تعالى لما قدم ذكر النعم، ثم رتب عليه الأمر بالوفاء بالعهد دل على أن تلك النعم السالفة توجب عهد العبودية، وإذا كان كذلك كان أداء العبادات أداء لما وجب بسبب النعم السالفة وأداء الواجب لا يكون سبباً لواجب آخر، فثبت أن أداء التكاليف لا يوجب الثواب فبطل قول المعتزلة بل التفسير الحق من وجهين: الأول: أنه تعالى لما وعد بالثواب وكل ما وعد به استحال أن لا يوجد، لأنه لو لم يوجد لانقلب خبره الصدق كذباً والكذب عليه محال، والمفضي إلى المحال محال فكان ذلك واجب الوقوع فكان ذلك آكد مما ثبت باليمين والنذر.
الثاني: أن يقال العهد هو الأمر والعبد يجوز أن يكون مأموراً إلا أن الله تعالى لا يجوز أن يكون مأموراً لكنه سبحانه وتعالى جرى في ذلك على موافقة اللفظ كقوله: ﴿ يخادعون الله وَهُوَ خَادِعُهُمْ ﴾ ﴿ وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ الله ﴾ وأما قوله: ﴿ وإياى فارهبون ﴾ فاعلم أن الرهبة هي الخوف قال المتكلمون: الخوف منه تعالى هو الخوف من عقابه وقد يقال في المكلف إنه خائف على وجهين: أحدهما: مع العلم والآخر مع الظن، أما العلم فإذا كان على يقين من أنه أتى بكل ما أمر به واحترز عن كل ما نهى عنه فإن خوفه إنما يكون عن المستقبل وعلى هذا نصف الملائكة والأنبياء عليهم السلام بالخوف والرهبة.
قال تعالى: ﴿ يخافون رَبَّهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ﴾ وأما الظن فإذا لم يقطع بأنه فعل المأمورات واحترز عن المنهيات فحينئذ يخاف أن لا يكون من أهل الثواب، واعلم أن كل من كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.
روي: أنه ينادي مناد يوم القيامة وعزتي وجلالي إني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة وقال العارفون: الخوف خوفان خوف العقاب وخوف الجلال، والأول: نصيب أهل الظاهر، والثاني: نصيب أهل القلب، والأول: يزول، والثاني: لا يزول.
واعلم أن في الآية دلالة على أن كثرة النعم تعظم المعصية، ودلالة على ما تقدم العهد يعظم المخالفة ودلالة على أن الرسول كما كان مبعوثاً إلى العرب كان مبعوثاً إلى بني إسرائيل.
وقوله: ﴿ وإياى فارهبون ﴾ يدل على أن المرء يجب أن لا يخاف أحداً إلا الله تعالى، وكما يجب ذلك في الخوف فكذا في الرجاء والأمل وذلك يدل على أن الكل بقضاء الله وقدره إذ لو كان العبد مستقلاً بالفعل لوجب أن يخاف منه كما يخاف من الله تعالى وحينئذ يبطل الحصر الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿ وإياى فارهبون ﴾ بل كان يجب أن لا يرهب إلا نفسه، لأن مفاتيح الثواب والعقاب بيده لا بيد الله تعالى فوجب أن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف إلا نفسه وأن لا يخاف الله ألبتة، وفيها دلالة على أنه يجب على المكلف أن يأتي بالطاعات للخوف والرجاء وأن ذلك لابد منه في صحتها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ إسراءيل ﴾ هو يعقوب عليه السلام لقب له، ومعناه في لسانهم: صفوة الله، وقيل: عبد الله.
وهو بزنة إبراهيم وإسماعيل غير منصرف مثلهما لوجود العلمية والعجمة.
وقرئ ﴿ إسرائل ﴾ و ﴿ إسرائلّ ﴾ .
وذكرهم النعمة: أن لا يخلو بشكرها، ويعتدوا بها، ويستعظموها، ويطيعوا مانحها.
وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدّد عليهم: من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق.
ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وغير ذلك، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل.
والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعاً.
يقال أوفيت بعهدي، أي عاهدت عليه كقوله: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ﴾ [التوبة: 111] وأوفيت بعهدك: أي بما عاهدتك عليه.
ومعنى ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى ﴾ وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي، كقوله: ﴿ وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عليهالله ﴾ [الفتح: 10] ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ [التوبة: 75] ، ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23] ، ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم ﴿ وإياى فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي.
وهو من قولك: زيداً رهبته.
وهو أوكد فى إفادة الاختصاص من ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ .
وقرئ ﴿ وأُوَفِّ ﴾ بالتشديد: أي أبالغ في الوفاء بعهدكم، كقوله: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا ﴾ [النمل: 189] .
ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى ﴾ ما عاهدوا عليه ووعدوه من الإيمان بنبيّ الرحمة والكتاب المعجز.
ويدل عليه قوله: ﴿ وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ أوّل من كفر به، أو أوّل فريق أو فوج كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به، كقولك: كسانا حلة، أي كل واحد منا.
وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته.
ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به.
وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ [البينة: 1- 4] ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ [البقرة: 89].
ويجوز أن يراد: ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعني من أشرك به من أهل مكة.
أي: ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة موصوفاً، مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له.
وقيل: الضمير في (به) لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به.
والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى: ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16] وقوله: كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا وقوله: فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمناً وإلا فالثمن هو المشترى به.
والثمن القليل الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها وهي بدل قليل ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير.
وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليه من الشرائع.
وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ أيْ أوْلادَ يَعْقُوبَ، والِابْنُ مِنَ البِناءِ لِأنَّهُ مَبْنِيُّ أبِيهِ، ولِذَلِكَ يُنْسَبُ المَصْنُوعُ إلى صانِعِهِ فَيُقالُ: أبُو الحَرْبِ، وبِنْتُ الفِكْرِ.
وإسْرائِيلُ لَقَبُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ ومَعْناهُ بِالعِبْرِيَّةِ: صَفْوَةُ اللَّهِ، وقِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ وقُرِئَ « إسْرائِلَ» بِحَذْفِ الياءِ و « إسْرالَ» بِحَذْفِهِما و « إسْرايِيلَ» بِقَلْبِ الهَمْزَةِ ياءً.
﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ بِالتَّفَكُّرِ فِيها والقِيامِ بِشُكْرِها، وتَقْيِيدِ النِّعْمَةِ بِهِمْ لِأنَّ الإنْسانَ غَيُورٌ حَسُودٌ بِالطَّبْعِ، فَإذا نَظَرَ إلى ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى غَيْرِهِ حَمَلَهُ الغَيْرَةُ والحَسَدُ عَلى الكُفْرانِ والسُّخْطِ، وإنْ نَظَرَ إلى ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِ حَمَلَهُ حُبُّ النِّعْمَةِ عَلى الرِّضى والشُّكْرِ.
وقِيلَ أرادَ بِها ما أنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلى آبائِهِمْ مِنَ الإنْجاءِ مِن فِرْعَوْنَ والغَرَقِ، ومِنَ العَفْوِ عَنِ اتِّخاذِ العِجْلِ، وعَلَيْهِمْ مِن إدْراكِ زَمَنِ مُحَمَّدٍ وقُرِئَ (اذَّكِرُوا) والأصْلُ اذْتَكِرُوا.
ونِعْمَتِي بِإسْكانِ الياءِ وقْفًا وإسْقاطِها دَرَجًا هو مَذْهَبُ مَن لا يُحَرِّكُ الياءَ المَكْسُورَ ما قَبْلَها.
﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِي ﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ.
﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ بِحُسْنِ الإثابَةِ، والعَهْدُ يُضافُ إلى المُعاهِدِ والمُعاهَدِ، ولَعَلَّ الأوَّلَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ والثّانِيَ إلى المَفْعُولِ، فَإنَّهُ تَعالى عَهِدَ إلَيْهِمْ بِالإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ بِنَصْبِ الدَّلائِلِ وإنْزالِ الكُتُبِ، ووَعَدَ لَهم بِالثَّوابِ عَلى حَسَناتِهِمْ، ولِلْوَفاءِ بِهِما عَرْضٌ عَرِيضٌ فَأوَّلُ مَراتِبِ الوَفاءِ مِنّا هو الإتْيانُ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى حَقْنُ الدَّمِ والمالِ، وآخِرُها مِنّا الِاسْتِغْراقُ في بَحْرِ التَّوْحِيدِ بِحَيْثُ يَغْفُلُ عَنْ نَفْسِهِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ، ومِنَ اللَّهِ تَعالى الفَوْزُ بِاللِّقاءِ الدّائِمِ.
وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوْفُوا بِعَهْدِي في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ ، أُوفِ بِعَهْدِكم في رَفْعِ الآصارِ والإغْلالِ.
وعَنْ غَيْرِهِ أوْفُوا بِأداءِ الفَرائِضِ وتَرْكِ الكَبائِرِ أُوفِ بِالمَغْفِرَةِ والثَّوابِ.
أوْ أوْفُوا بِالِاسْتِقامَةِ عَلى الطَّرِيقِ المُسْتَقِيمِ، أُوفِ بِالكَرامَةِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ فَبِالنَّظَرِ إلى الوَسائِطِ.
وقِيلَ كِلاهُما مُضافٌ إلى المَفْعُولِ والمَعْنى: أوْفُوا بِما عاهَدْتُمُونِي مِنَ الإيمانِ والتِزامِ الطّاعَةِ، أُوفِ بِما عاهَدْتُكم مِن حُسْنِ الإثابَةِ.
وتَفْصِيلُ العَهْدَيْنِ في سُورَةِ المائِدَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَلأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ﴾ .
وقُرِئَ « أُوَفِّ» بِالتَّشْدِيدِ لِلْمُبالَغَةِ.
﴿ وَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ فِيما تَأْتُونَ وتَذَرُونَ وخُصُوصًا في نَقْضِ العَهْدِ، وهو آكَدُ في إفادَةِ التَّخْصِيصِ مِن إيّاكَ نَعْبُدُ لِما فِيهِ مَعَ التَّقْدِيمِ مِن تَكْرِيرِ المَفْعُولِ والفاءِ الجَزائِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى تَضَمُّنِ الكَلامِ مَعْنى الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ كُنْتُمْ راهِبِينَ شَيْئًا فارْهَبُونِ.
والرَّهْبَةُ: خَوْفٌ مَعَ تَحَرُّزٍ.
والآيَةُ مُتَضَمِّنَةٌ لِلْوَعْدِ والوَعِيدِ دالَّةٌ عَلى وُجُوبِ الشُّكْرِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ، وأنَّ المُؤْمِنَ يَنْبَغِي أنْ لا يَخافَ أحَدًا إلّا اللَّهَ تَعالى.
<div class="verse-tafsir"
{يا بني إسرائيل} هو يعقوب عليه السلام وهو لقب له ومعناه في لسانهم صفوة الله أو عبد الله فإسرا هو العبد أو الصفوة وإيل هو الله بالعبرية وهو غير منصرف لوجود العليمة والعجمة {اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ} ذكرهم النعمة أن لا يخلوا بشكرها ويطيعوا مانحها وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدد عليهم من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق ومن العفو عن اتخاذ العجل والتوبة عليهم وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به فى التوراة والإنجيل {وأوفوا} أدواوافيا تاماً يقال وفيت له بالعهد فأنا وافٍ به وأوفيت له بالعهد فأنا موف به والاختيار أوفيت وعليه نزل التنزيل {بِعَهْدِي} بما عهاد تمونى عليه من الإيمان بي والطاعة لي أو من الإيمان بنبي الرحمة والكتاب المعجز {أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} بما
عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم والعهد يضاف إلى المعاهد والعاهد جميعاً وعن قتادة هما لئن أقمتم ولأكفرن وقال أهل الإشارة أوفوا في دار محنتي على بساط خدمتي بحفظ حرمتي أوف في دار نعمتي على بساط كرامتي بسرور رؤيتي {وإياى فارهبون} فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك زيدا رهبته وهو أوكد في إفادة الاختصاص من إياك نعبد وإيّايَ منصوب بفعل مضمر دل عليه ما بعده وتقديره فارهبوا إياي فارهبون وحذف الأول لأن الثاني يدل عليه وإنما لم ينتصب بقوله فارهبون لأنه أخذ مفعوله وهو الياء المحذوفة وكسرة النون دليل الياء كما لا يجوز نصب زيد فى زيدا فاضربه باضرب الذى هو ظاهر
﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ خِطابٌ لِطائِفَةٍ خاصَّةٍ مِنَ الكَفَرَةِ المُعاصِرِينَ لِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ الخِطابِ العامِّ، وإقامَةِ دَلائِلِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ والمَعادِ والتَّذْكِيرِ بِصُنُوفِ الإنْعامِ، وجَعَلَهُ سُبْحانَهُ بَعْدَ قِصَّةِ آدَمَ، لِأنَّ هَؤُلاءِ بَعْدَ ما أتَوْا مِنَ البَيانِ الواضِحِ، والدَّلِيلِ اللّائِحِ، وأُمِرُوا ونُهُوا وحُرِّضُوا عَلى اتِّباعِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم ظَهَرَ مِنهم ضِدُّ ذَلِكَ، فَخَرَجُوا عَنْ جَنَّةِ الإيمانِ الرَّفِيعَةِ، وهَبَطُوا إلى أرْضِ الطَّبِيعَةِ، وتَعَرَّضَتْ لَهُمُ الكَلِماتُ إلّا أنَّهم لَمْ يَتَلَقَّوْها بِالقَبُولِ، فَفاتَ مِنهم ما فاتَ، وأقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِالنِّداءِ لِيُحَرِّكَهم لِسَماعِ ما يَرِدُ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، وبَنِي جَمْعُ ابْنٍ شَبِيهٌ بِجَمْعِ التَّكْسِيرِ لِتَغَيُّرِ مُفْرَدِهِ، ولِذا أُحْلِقَ في فِعْلِهِ تاءُ التَّأْنِيثِ، كَقالَتْ بَنُو عامِرٍ، وهو مُخْتَصٌّ بِالأوْلادِ الذُّكُورِ، وإذا أُضِيفَ عَمَّ في العُرْفِ الذُّكُورَ والإناثَ، فَيَكُونُ بِمَعْنى الأوْلادِ، وهو المُرادُ هُنا، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّهُ حَقِيقَةٌ في الأبْناءِ الصُّلْبِيَّةِ كَما بُيِّنَ في الأُصُولِ، واسْتِعْمالُهُ في العامِّ مَجازٌ، وهو مَحْذُوفُ اللّامِ، وفي كَوْنِها ياءً، أوْ واوًا خِلافٌ، فَذَهَبَ إلى الأوَّلِ ابْنُ دُرُسْتُوَيْهِ، وجَعَلَهُ مِنَ البِناءِ، لِأنَّ الِابْنَ فَرْعُ الأبِ ومَبْنِيٌّ عَلَيْهِ، ولِهَذا يُنْسَبُ المَصْنُوعُ إلى صانِعِهِ، فَيُقالُ لِلْقَصِيدَةِ مَثَلًا: بِنْتُ الفِكَرِ، وقَدْ أُطْلِقَ في شَرِيعَةِ مَن قَبْلَنا عَلى بَعْضِ المَخْلُوقِينَ أبْناءُ اللَّهِ تَعالى بِهَذا المَعْنى، لَكِنْ لَمّا تَصَوَّرَ مِن هَذا الجَهَلَةُ الأغْبِياءُ مَعْنى الوِلادَةِ حُظِرَ ذَلِكَ حَتّى صارَ التَّفَوُّهُ بِهِ كُفْرًا، وذَهَبَ إلى الثّانِي الأخْفَشُ وأيَّدَهُ بِأنَّهم قالُوا: البُنُوَّةُ، وبِأنَّ حَذْفَ الواوِ أكْثَرُ، وقَدْ حُذِفَتْ في أبٍ وأخٍ، وبِهِ قالَ الجَوْهَرِيُّ، ولَعَلَّ الأوَّلَ أصَحُّ، ولا دِلالَةَ في البُنُوَّةِ، لِأنَّهم قالُوا أيْضًا: الفُتُوَّةُ، ولا خِلافَ في أنَّها مِن ذَواتِ الياءِ، وأمْرُ الأكْثَرِيَّةِ سَهْلٌ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ في وزْنِ ابْنٍ، هَلْ هو فِعْلٌ، أوْ فَعُلٌ خِلافٌ، وإسْرائِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن إي، لِاسْمٍ مِن أسْمائِهِ تَعالى، وإسْرا، وهو العَبْدُ، أوِ الصَّفْوَةُ، أوِ الإنْسانُ، أوِ المُهاجِرُ وهو لَقَبُ سَيِّدِنا يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولِلْعَرَبِ فِيهِ تَصَرُّفاتٌ فَقَدْ قالُوا: إسْرائِيلُ بِهَمْزَةٍ بَعْدَ الألِفِ وياءٍ بَعْدَها، وبِهِ قَرَأ الجُمْهُورُ، وإسْرايِيلُ بِياءَيْنِ، بَعْدَ الألِفِ، وبِهِ قَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وغَيْرُهُ، وإسْرائِلُ، بِهَمْزَةٍ ولامٍ، وهو مَرْوِيٌّ عَنْ ورْشٍ، وإسْرَألُ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ، ومَكْسُورَةٍ، بَعْدَ الرّاءِ، ولامٍ، وإسْرَألُ بِألِفٍ مُمالَةٍ بَعْدَها لامٌ خَفِيفَةٌ، وبِها ولا إمالَةَ، وهي رِوايَةٌ عَنْ نافِعٍ، وقِراءَةُ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وإسْرائِينُ بِنُونٍ بَدَلَ اللّامِ كَما في قَوْلِهِ: تَقُولُ أهْلُ السُّوءِ لَمّا جِينا هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْرائِينا وأضافَ سُبْحانَهُ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ إلى هَذا اللَّقَبِ تَأْكِيدًا لِتَحْرِيكِهِمْ إلى طاعَتِهِ، فَإنَّ في إسْرائِيلَ ما لَيْسَ في اسْمِهِ الكَرِيمِ يَعْقُوبَ، وقَوْلُكَ: يا ابْنَ الصّالِحِ أطِعِ اللَّهَ تَعالى، أحَثُّ لِلْمَأْمُورِ مِن قَوْلِكَ: يا ابْنَ زَيْدٍ مَثَلًا أطِعْ، لِأنَّ الطَّبائِعَ تَمِيلُ إلى اقْتِفاءِ أثَرِ الآباءِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَحْمُودًا، فَكَيْفَ إذا كانَ، ويُسْتَعْمَلُ مِثْلُ هَذا في مَقامِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ بِناءً عَلى أنَّ الحَسَنَةَ في نَفْسِها حَسَنَةٌ، وهي مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ أحْسَنُ، والسَّيِّئَةُ في نَفْسِها سَيِّئَةٌ، وهي مِن بَيْتِ النُّبُوَّةِ أسْوَأُ، (واذْكُرُوا) أمْرٌ مِنَ الذِّكْرِ بِكَسْرِ الذّالِ، وضَمِّها بِمَعْنًى واحِدٍ، ويَكُونانِ بِاللِّسانِ والجَنانِ، وقالَ الكِسائِيُّ: هو بِالكَسْرِ، لِلِّسانِ، وبِالضَّمِّ لِلْقَلْبِ، وضِدُّ الأوَّلِ الصَّمْتُ، وضِدُّ الثّانِي النِّسْيانُ، وعَلى العُمُومِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُما أوْ مَوْضُوعًا لِمَعْنًى عامٍّ شامِلٍ لَهُما، والظّاهِرُ هو الأوَّلُ، والمَقْصُودُ مِنَ الأمْرِ بِذَلِكَ الشُّكْرُ عَلى النِّعْمَةِ، والقِيامُ بِحُقُوقِهِ، لا مُجَرَّدُ الإخْطارِ بِالجَنانِ، أوِ التَّفَوُّهِ بِاللِّسانِ، وإضافَةُ النِّعْمَةِ إلى ضَمِيرِهِ تَعالى لِتَشْرِيفِها، وإيجابِ تَخْصِيصِ شُكْرِها بِهِ سُبْحانَهُ، وقَدْ قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: إنَّها تُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ إذْ لا عَهْدَ، ولِمُناسَبَتِهِ بِمَقامِ الدَّعْوَةِ إلى الإيمانِ فَهي شامِلَةٌ لِلنِّعَمِ العامَّةِ والخاصَّةِ بِالمُخاطَبِينَ، وفائِدَةُ التَّقْيِيدِ بِكَوْنِها عَلَيْهِمْ أنَّها مِن هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ أدْعى لِلشُّكْرِ، فَإنَّ الإنْسانَ حَسُودٌ غَيُورٌ، وقالَ قَتادَةُ: أُرِيدَ بِها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آبائِهِمْ مِمّا قَصَّهُ سُبْحانَهُ في كِتابِهِ، وعَلَيْهِمْ مِن فُنُونِ النِّعْمَةِ الَّتِي أجَلُّها إدْراكُ زَمَنِ أشْرَفِ الأنْبِياءِ، وجَعَلَهم مِن جُمْلَةِ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ لَهُ، ويَحْتاجُ تَصْحِيحُ الخِطابِ حِينَئِذٍ إلى اعْتِبارِ التَّغْلِيبِ أوْ جَعْلِ نِعَمِ الآباءِ نِعَمَهُمْ، فَلا جَمْعَ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والمَجازِ، كَما وهِمَ، ويَجُوزُ في الياءِ مِن (نِعْمَتِيَ) الإسْكانُ والفَتْحُ، والقُرّاءُ السَّبْعَةُ مُتَّفِقُونَ عَلى الفَتْحِ، (وأنْعَمْتُ)، صِلَةُ الَّتِي، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ أنْعَمْتُها، وقُرِئَ (ادَّكِرُوا) بِالدّالِ المُهْمَلَةِ المُشَدَّدَةِ عَلى وزْنِ افْتَعِلُوا، ﴿ وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ يُقالُ: أوْفى، ووَفى مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا بِمَعْنًى، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: أوْفَيْتُ بِالعَهْدِ، ووَفَّيْتُ بِهِ، وأوْفَيْتُ الكَيْلَ لا غَيْرُ، وجاءَ أوْفى بِمَعْنى ارْتَفَعَ كَقَوْلِهِ: رُبَّما أوْفَيْتُ في عِلْمٍ ∗∗∗ تَرْفَعْنَ ثَوْبِي شِمالاتُ والعَهْدُ يُضافُ إلى كُلٍّ مِمَّنْ يَتَوَلّى أحَدَ طَرَفَيْهِ، والظّاهِرُ هُنا أنَّ الأوَّلَ مُضافٌ إلى الفاعِلِ، والثّانِيَ إلى المَفْعُولِ، فَإنَّهُ تَعالى أمَرَهم بِالإيمانِ والعَمَلِ، وعَهِدَ إلَيْهِمْ بِما نَصَبَ مِنَ الحُجَجِ العَقْلِيَّةِ والنَّقْلِيَّةِ الآمِرَةِ بِذَلِكَ، ووَعَدَهم بِحُسْنِ الثَّوابِ عَلى حَسَناتِهِمْ، والمَعْنى: أوْفُوا بِعَهْدِي بِالإيمانِ والطّاعَةِ أُوفِ بِعَهْدِكم بِحُسْنِ الإثابَةِ، ولِتَوَسُّطِ الأمْرِ صَحَّ طَلَبُ الوَفاءِ مِنهُمْ، وانْدَفَعَ ما قالَ العَلّامَةُ التَّفْتازانِيُّ عَلى ما فِيهِ أنَّهُ لا مَعْنى لِوَفاءِ غَيْرِ الفاعِلِ بِالعَهْدِ، وقِيلَ: وهو المَفْهُومُ مِن كَلامِ قَتادَةَ ومُجاهِدٍ أنَّ كِلَيْهِما مُضافٌ إلى المَفْعُولِ، والمَعْنى أوْفُوا بِما عاهَدْتُمُونِي مِنَ الإيمانِ والتِزامِ الطّاعَةِ أُوفِ بِما عاهَدْتُكم مِن حُسْنِ الإثابَةِ، وتَفْصِيلُ العَهْدَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَقَدْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ إلى قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ ولأُدْخِلَنَّكُمْ ﴾ إلَخْ، ويُحْوِجُ هَذا إلى اعْتِبارِ أنَّ عَهْدَ الآباءِ عَهْدُ الأبْناءِ لِتَناسُبِهِمْ في الدِّينِ، وإلّا فالمُخاطَبُونَ بِأوْفُوا ما عُوهِدُوا بِالعَهْدِ المَذْكُورِ في الآيَةِ، وقِيلَ: إنْ فُسِّرَ الإيفاءُ بِإتْمامِ العَهْدِ تَكُونُ الإضافَةُ إلى المَفْعُولِ في المَوْضِعَيْنِ، وإنْ فُسِّرَ بِمُراعاتِهِ تَكُونُ الإضافَةُ الأُولى لِلْفاعِلِ والثّانِيَةُ لِلْمَفْعُولِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، ولا يَخْفى أنَّ لِلْوَفاءِ عَرْضًا عَرِيضًا، فَأوَّلُ المَراتِبِ الظّاهِرَةِ مِنّا الإتْيانُ بِكَلِمَتَيِ الشَّهادَةِ، ومِنهُ تَعالى حَقْنُ الدِّماءِ والمالِ، وآخِرُها مِنّا الفَناءُ حَتّى عَنِ الفَناءِ، ومِنهُ تَعالى التَّحْلِيَةُ بِأنْوارِ الصِّفاتِ والأسْماءِ، فَما رُوِيَ مِنَ الآثارِ عَلى اخْتِلافِ أسانِيدِها صِحَّةً وضَعْفًا في بَيانِ الوَفاءِ بِالعَهْدَيْنِ، فَبِالنَّظَرِ إلى المَراتِبِ المُتَوَسِّطَةِ، وهي لَعَمْرِي كَثِيرَةٌ، ولَكَ أنْ تَقُولَ: أوَّلُ المَراتِبِ مِنّا تَوْحِيدُ الأفْعالِ وأوْسَطُها تَوْحِيدُ الصِّفاتِ، وآخِرُها تَوْحِيدُ الذّاتِ، ومِنهُ تَعالى ما يُفِيضُهُ عَلى السّالِكِ في كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِمّا تَقْتَضِيهِ تِلْكَ المَرْتَبَةُ مِنَ المَعارِفِ، والأخْلاقِ، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ (أُوَفِّ) بِالتَّشْدِيدِ، فَإنْ كانَ مُوافِقًا لِلْمُجَرَّدِ فَذاكَ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ التَّكْثِيرُ والقَلْبُ إلَيْهِ يَمِيلُ فَهو إشارَةٌ إلى عَظِيمِ كَرَمِهِ وإحْسانِهِ، ومَزِيدِ امْتِنانِهِ حَيْثُ أخْبَرَ وهو الصّادِقُ أنَّهُ يُعْطِي الكَثِيرَ في مُقابَلَةِ القَلِيلِ، وهو صَرَّحَ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أمْثالِها ﴾ وانْجِزامُ الفِعْلِ لِوُقُوعِهِ في جَوابِ الأمْرِ، والجَزْمُ إمّا بِهِ نَفْسِهِ أوْ بِشَرْطٍ مُقَدَّرٍ، وهو اخْتِيارُ الفارِسِيِّ، ونَصُّ سِيبَوَيْهِ.
﴿ وإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ الرَّهْبَةُ الخَوْفُ مُطْلَقًا، وقِيلَ: مَعَ تَحَرُّزٍ، وبِهِ فارَقَ الِاتِّقاءَ لِأنَّهُ مَعَ حَزْمٍ، ولِهَذا كانَ الأوَّلُ لِلْعامَّةِ، والثّانِي لِلْأئِمَّةِ، والأشْبَهُ بِمَواقِعِ الِاسْتِعْمالِ أنَّ الِاتِّقاءَ التَّحَفُّظُ عَنِ المَخُوفِ، وأنْ يَجْعَلَ نَفْسَهُ في وِقايَةٍ مِنهُ، والرَّهْبَةُ نَفْسُ الخَوْفِ، وفي الأمْرِ بِها وعِيدٌ بالِغٌ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّهْدِيدِ، والتَّهْوِيلِ، كَما في ﴿ اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ ﴾ كَما وهِمَ، لِأنَّ هَذا مَطْلُوبٌ، وذاكَ غَيْرُ مَطْلُوبٍ، كَما لا يَخْفى، (وإيّايَ) ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَنصُوبُ المَحَلِّ بِمَحْذُوفٍ، يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ، والفاءُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ جَزائِيَّةٌ زُحْلِقَتْ مِنَ الجَزاءِ المَحْذُوفِ إلى مُفَسِّرِهِ لِيَكُونَ دَلِيلًا عَلى تَقْدِيرِ الشَّرْطِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ مُفَسِّرَةً لِلْفاءِ الجَزائِيَّةِ المَحْذُوفَةِ مَعَ الجَزاءِ، ومَن أطْلَقَ الجَزائِيَّةَ عَلَيْها، فَقَدْ تَوَسَّعَ، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ عاطِفَةً لِئَلّا يَجْتَمِعَ عاطِفانِ، واخْتارَ صاحِبُ المِفْتاحِ أنَّها لِلْعَطْفِ عَلى الفِعْلِ المَحْذُوفِ، فَإنْ أُرِيدَ التَّعْقِيبُ الزَّمانِيُّ أفادَتْ طَلَبَ اسْتِمْرارِ الرَّهْبَةِ في جَمِيعِ الأزْمِنَةِ بِلا تَخَلُّلِ فاصِلٍ، وإنْ أُرِيدَ الرُّتَبِيُّ كانَ مُفادُها طَلَبَ التَّرَقِّي مِن رَهْبَةٍ إلى رَهْبَةٍ أعْلى، ولا يَقْدَحُ في ذَلِكَ اجْتِماعُها مَعَ واوِ العَطْفِ مَثَلًا، لِأنَّها لِعَطْفِ المَحْذُوفِ عَلى ما قَبْلَهُ، وهَذِهِ الفاءُ لِعَطْفِ المَذْكُورِ عَلى المَحْذُوفِ، وكَوْنُ (فارْهَبُونِ) مُفَسِّرًا لِلْمَحْذُوفِ لا يَقْتَضِي اتِّحادَهُ بِهِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنْ لا يُفِيدَ مَعْنًى سِوى التَّفْسِيرِ حَتّى يَصِحَّ جَعْلُها عاطِفَةً، واسْتَحْسَنَ هَذا بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ لِاشْتِمالِهِ عَلى مَعْنًى بَدِيعٍ خَلَتْ عَنْهُ الجَزائِيَّةُ، وقالَ بَعْضُهم كالمُتَوَسِّطِ في المَسْألَةِ: إنَّها عاطِفَةٌ بِحَسَبِ الأصْلِ، وبَعْدَ الحَذْفِ زُحْلِقَتْ وجُعِلَتْ جَزائِيَّةً، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ فالآيَةُ الكَرِيمَةُ آكَدُ في إفادَةِ التَّخْصِيصِ مِن ﴿ إيّاكَ نَعْبُدُ ﴾ وعُدَّ مِن وُجُوهِ التَّأْكِيدِ تَقْدِيمُ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ، وتَأْخِيرُ المُتَّصِلِ، والفاءُ المُوجِبَةُ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، ومَعْطُوفًا، أحَدُهُما مُظْهَرٌ والآخَرُ مُضْمَرٌ، تَقْدِيرُهُ: إيّايَ ارْهَبُوا، (فارْهَبُونِ)، وما في ذَلِكَ مِن تَكْرِيرِ الرَّهْبَةِ وما فِيهِ مِن مَعْنى الشَّرْطِ بِدِلالَةِ الفاءِ، والمَعْنى: إنْ كُنْتُمْ مُتَّصِفِينَ بِالرَّهْبَةِ، فَخُصُّونِي بِالرَّهْبَةِ، وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الرَّهْبَةِ لِلْعُمُومِ، أيِ ارْهَبُونِي في جَمِيعِ ما تَأْتُونَ وتَذَرُوَنَ، وقِيلَ: ارْهَبُونِ في نَقْضِ العَهْدِ، ولَعَلَّ التَّخْصِيصَ بِهِ مُسْتَفادٌ مِن ذِكْرِ الأمْرِ بِالرَّهْبَةِ مَعَهُ، ثُمَّ الخَوْفُ خَوْفانِ خَوْفُ العِقابِ، وهو نَصِيبُ أهْلِ الظّاهِرِ وخَوْفُ إجْلالٍ وهو نَصِيبُ أهْلِ القُلُوبِ، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ المَعْنى: ارْهَبُونِ أنْ أُنْزِلَ بِكم ما أنْزَلْتُ بِمَن كانَ قَبْلَكم مِن آبائِكم مِنَ النَّقَماتِ الَّتِي قَدْ عَرَفْتُمْ مِنَ المَسْخِ، وغَيْرِهِ، ظاهِرٌ في قِسْمِ أهْلِ الظّاهِرِ، وهو المُناسِبُ بِحالِ هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا وهم عَنِ الآخِرَةِ هم غافِلُونَ، وحُذِفَتْ ياءُ الضَّمِيرِ مِنَ (ارْهَبُونِ) لِأنَّها فاصِلَةٌ، وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالياءِ عَلى الأصْلِ، <div class="verse-tafsir"
يَا بَنِي إِسْرائِيلَ، يا أولاد يعقوب.
وإنما سمي إسرائيل، لأن (الإسرا) بلغتهم عبد، و (الإيل) هو الله فكأنه قال: يا بني عبد الله.
وقال بعضهم: إنما سمي إسرائيل لأنه أسره ملك يقال له (إيل) ، وذلك أنه كان في سفر مع أولاده، وكان يسير خلف القافلة، وكان له قوة فدخل في نفسه شيء من العجب، فابتلاه الله تعالى، أن جاءه ملك على هيئة اللص وأراد أن يضرب على القافلة، فأراد يعقوب أن يضربه على الأرض فلم يقدر على ذلك، فكانا في تلك المنازعة إلى طلوع الفجر، ثم إن الملك أخذ بعرق يعقوب- أي عرق من عروقه- فمده فسقط في ذلك الموضع ثلاثة أيام.
وقال بعضهم: لأنه أسره جني يقال له (إيل) وروي عن السدي: أنه وقعت بينه وبين أخيه (عيصوا) عداوة فحلف (عيصوا) أن يقتله، فكان يعقوب يختفي بالنهار، ويخرج بالليل فسمي إسرائيل لسيره بالليل.
وأصله من إسراء الليل بدليل قوله عز وجل: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1] والله أعلم بالصواب.
ويقال: إنما سمي بيعقوب، لأنه ولد مع عيصوا، في بطن واحد فخرج على عقب عيصوا فسمي لذلك بيعقوب.
فقال الله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ وإنما أراد بهم اليهود الذين كانوا حوالي المدينة من بني قريظة والنضير وغيرهم، وكانوا من أولاد يعقوب.
وقال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، يعني احفظوا منتي التي مننت عليكم في التيه من المن والسلوى، يعني اذكروا تلك النعم التي أنعمت عليكم واشكروا لي وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.
قال ابن عباس- ما- في رواية أبي صالح: قد كان الله تعالى عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق به غفرت له ذنوبه، وأدخلته الجنة، وجعلت له أجرين، أجراً باتباعه ما جاء به موسى، وأجراً باتباعه ما جاء به محمد فلما جاءهم محمد- عليه الصلاة والسلام- وعرفوه كذبوه فذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.
قال الحسن البصري: أَوْفُوا بِعَهْدِي، أدوا ما افترضت عليكم، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ مما وعدت لكم.
وقال الضحاك: أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة.
وقال الصادق: أوفوا بعهدي في دار محنتي على بساط خدمتي في حفظ حرمتي، أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط قربتي بسني رؤيتي.
وقال قتادة: العهد ما ذكر في سورة المائدة في قوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله تعالى: وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [المائدة: 12] ، أوف بعهدكم وهو قوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [المائدة: 12] الآية.
ويقال: أَوْفُوا بِعَهْدِي الذي قبلتم يوم الميثاق، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الذي قلت لكم، يعني به الجنة.
قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، يعني: فَاخْشَوْنِ.
وأصله فارهبوني بالياء لكن حذفت الياء وأقيم الكسر مقامها.
ثم قال: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ، أي صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلت على محمد مصدقا أي موافقا لما معكم، من التوحيد.
وفي بعض الشرائع أنزلت يعني التوراة والإنجيل وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ، يعني أول من يكفر بمحمد ويقال: بِهِ يعني بالقرآن.
وإنما يريد بني قريظة والنضير.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وقد كفر به قبلهم مشركو العرب، قيل له: معناه وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ في وقت هذا الخطاب.
ويقال: إن أحبار اليهود كان لهم أتباع، فلو أسلموا أسلم أتباعهم ولو كفروا كفر أتباعهم كلهم، فهذا معنى قوله وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من قومكم.
وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي بكتمان صفة محمد عرضاً يسيراً، لأنهم كانوا عرفوا صفة محمد وكانت لهم مأكلة ووظائف من سفلة اليهود، وكانت لهم رئاسة، فكانوا يخافون أن تذهب وظائفهم ورئاستهم فقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي عرض الدنيا وإنما سماه قليلاً، لأن الدنيا كلها قليل.
ثم خوفهم فقال: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ في صفة محمد فمن جحد به أدخلته النار.
قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ يقال في اللغة: لبس يلبس لبساً إذا لبس الثياب.
ومعناه لا تخلطوا الحق بالباطل، فتكتمون صفته، وذلك أنهم كانوا يخبرون عن بعض صفته، ويكتمون البعض ليصدقوا بذلك فيلبسون عليهم بذلك.
وقال قتادة: وَلا تَلْبِسُوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام.
ويقال: معناه ولا تؤمنوا ببعض أمره وتكفروا ببعض أمره.
ثم قال تعالى: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، يقول: ولا تكتموا الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم تكتمون الحق.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، أي أقيموا الصلوات الخمس بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتُوا الزَّكاةَ المفروضة وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ، أي صلوا مع المصلين، مع أصحاب محمد في الجماعات.
ويقال: صلوا مع المصلين إلى الكعبة.
وقال قتادة: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهما فريضتان واجبتان ليس لأحد فيهما رخصة، فأدوهما إلى الله عز وجل.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ: شرطٌ، جوابه: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، قال سيبوَيْهِ: والشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ.
وقوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم منها، ويحتمل: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم القيامة، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه.
ت: وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبريِّ، ولفظه عن ابن زيد:
فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، أي: لا خوف عليهم أمامهم «١» ، قال: وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموتِ فأمَّنهم سبحانه منه، وسلّاهم عن الدنيا.
انتهى.
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا ...
الآية: لما كانت لفظة الكُفْرِ يشترك فيها كفر النعمِ، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلودٌ، بيَّن سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله:
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ...
والآياتُ هنا يحتمل أن يريد بها المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ، والصُّحْبَةُ الاقتران بالشيْءِ في حالةٍ مَّا زمنا.
قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ: إسْرَائِيلَ: هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ- عليهم السلام- وإِسْرَا: هو بالعبرانية عبد، وإِيلُ: اسم اللَّه تعالى، فمعناه عَبْدُ اللَّهِ، والذِّكْرُ في كلام العَرَبِ على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضدّ النسيان، والنعمة هنا اسم «٢» جنس، فهي مفردة بمعنى الجَمْعِ، قال ابن عَبَّاس، وجمهور العلماء:
الخِطَابُ لجميع بني إسرائيل في مدَّة النبيِّ صلّى الله عليه وسلم.
وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: أمر وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماءِ عامٌّ «١» في جميع أوامره سبحانه ونواهيه ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمّد صلّى الله عليه وسلم الذي في التوراة، والرهبةُ يتضمَّن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذيُّ الحَكِيمُ «٢» في «نَوَادِرِ الأصول» له عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ» «٣» .
انتهى من «التذكرة» للقرطبيّ، ورواه ابن المبارك «٤» في
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ .
إسْرائِيلُ: هو يَعْقُوبُ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ومَعْناهُ: عَبْدُ اللَّهِ.
وقَدْ لَفَظَتْ بِهِ العَرَبُ عَلى أوْجُهٍ، فَقالَتْ: إسْرائِلُ، وإسْرالُ، وإسْرائِيلُ، وإسْرائِينُ.
قالَ أُمَيَّةُ: إنَّنِي زارِدُ الحَدِيدِ عَلى النّا سِ دُرُوعًا سَوابِغَ الأذْيالِ ∗∗∗ لا أرى مَن يُعِينُنِي في حَياتِي ∗∗∗ غَيْرُ نَفْسِي إلّا بَنِي إسْرالِ وَقالَ أعْرابِيٌّ صادَ ضَبًّا، فَأتى بِهِ أهْلَهُ: يَقُولُ أهْلُ السُّوقِ لَمّا جِينا: ∗∗∗ هَذا ورَبِّ البَيْتِ إسْرائِينا أرادَ: هَذا مِمّا مُسِخَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
والنِّعْمَةُ: المِنَّةُ، مِثْلُها: النَّعْماءُ.
والنَّعْمَةُ، بِفَتْحِ النُّونِ: التَّنَعُّمُ، وأرادَ بِالنِّعْمَةِ: النِّعَمُ فَوَحَّدَها، لِأنَّهم يَكْتَفُونَ بِالواحِدِ مِنَ الجَمِيعِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ التَّحْرِيمُ: أيْ: ظُهَراءَ.
وَفِي المُرادِ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها ما اسْتَوْعَدَهم مِنَ التَّوْراةِ الَّتِي فِيها صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّها ما أنْعَمَ بِهِ عَلى آَبائِهِمْ وأجْدادِهِمْ إذْ أنْجاهم مِن آَلِ فِرْعَوْنَ، وأهْلَكَ عَدُوَّهم، وأعْطاهُمُ التَّوْراةُ، ونَحْوَ ذَلِكَ، قالَهُ الحَسَنُ والزَّجّاجُ.
وَإنَّما مَنَّ عَلَيْهِمْ بِما أعْطى آَباءَهم، لِأنَّ فَخْرَ الآَباءِ فَخْرٌ لِلْأبْناءِ، وعارُ الآَباءِ عارٌ عَلى الأبْناءِ.
والثّالِثُ: أنَّها جَمْعُ نِعْمَةٍ عَلى تَصْرِيفِ الأحْوالِ.
والمُرادُ مِن ذِكْرِها: شُكْرُها، إذْ مَن لَمْ يَشْكُرْ فَما ذَكَرَ.
*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا ﴾ .
قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: أوْفَيْتُ، وأهْلُ نَجْدٍ يَقُولُونَ: وفَيْتُ، بِغَيْرِ ألِفٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: وفى بِالعَهْدِ، وأوْفى بِهِ وأنْشَدَ: أمّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أوْفى بِذِمَّتِهِ كَما وفّى بِقِلاصِ النَّجْمِ حادِيها وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وفَيْتُ بِالعَهْدِ، وأوْفَيْتُ بِهِ، وأوْفَيْتُ الكَيْلَ لا غَيْرَ.
وَفِي المُرادِ بِعَهْدِهِ: أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ لَمّا عَهِدَهُ إلَيْهِمْ في التَّوْراةِ مِن صِفَةِ مُحَمَّدٍ ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ امْتِثالُ الأوامِرِ، واجْتِنابُ النَّواهِي، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ.
والرّابِعُ: أنَّهُ العَهْدُ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ﴾ قالَهُ قَتادَةُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُدْخِلُكُمُ الجَنَّةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ أيْ: خافُونِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ ﴿ وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ "يا" حَرْفُ نِداءٍ مُضَمِّنٌ مَعْنى التَنْبِيهِ، قالَ الخَلِيلُ: والعامِلُ في المُنادى فِعْلٌ مُضْمَرٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: أُرِيدُ أو أدْعُو، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ حَرْفُ نِداءٍ عُصِّبَ بِهِ مَعْنى الفِعْلِ المُضْمَرِ، فَقَوِيَ فَعَمِلَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في حُرُوفِ المَعانِي ما يَلْتَئِمُ بِانْفِرادِهِ مَعَ الأسْماءِ غَيْرُ حَرْفِ النِداءِ، و"بَنِي" مُنادى مُضافٌ، و"إسْرائِيلَ" هُوَ: يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، يُقالُ فِيهِ: إسْرائِلُ، وإسْرائِيلُ، وتَمِيمٌ تَقُولُ: إسْرائِينُ، و"إسْرا" هو بِالعِبْرانِيَّةِ عَبْدُ، و"إيَّلُ" اسْمُ اللهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: عَبْدُ اللهِ.
وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ "إسْرا" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِدَّةِ في الأسْرِ، كَأنَّهُ الَّذِي شَدَّ اللهُ أسْرَهُ، وقَوّى خَلْقَهُ، ورُوِيَ عن نافِعٍ، والحَسَنِ، والزُهْرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، تَرْكُ هَمْزِ "إسْرايِيلَ".
والذِكْرُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى أنْحاءٍ، وهَذا مِنها، ذِكْرُ القَلْبِ الَّذِي هو ضِدُّ النِسْيانِ.
والنِعْمَةُ هُنا اسْمُ الجِنْسِ، فَهي مُفْرَدَةٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، وتَحَرَّكَتِ الياءُ مِن "نِعْمَتِيَ" لِأنَّها لَقِيَتِ الألِفَ واللامَ، ويَجُوزُ تَسْكِينُها، وإذا سَكَنَتْ حُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وَفَتْحُها أحْسَنُ لِزِيادَةِ حَرْفٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى، وخَصَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ النِعْمَةَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: بَعْثَةُ الرُسُلِ مِنهُمْ، وإنْزالُ المَنِّ والسَلْوى، وإنْقاذُهم مِن تَعْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وتَفْجِيرِ الحَجَرِ.
وقالَ غَيْرُهُ: النِعْمَةُ هُنا، أنْ أُدْرِكَهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ .
وقالَ آخَرُونَ: هي أنْ مَنَحَهم عِلْمَ التَوْراةِ، وجَعَلَهم أهْلَهُ وحَمْلَتَهُ، وهَذِهِ أقْوالٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ، والعُمُومُ في اللَفْظَةِ هو الحَسَنُ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ المُخاطَبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ .
لِأنَّ الكافِرَ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَيْهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: الخِطابُ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، مُؤْمِنُهم وكافِرُهم.
والضَمِيرُ في "عَلَيْكُمْ" يُرادُ بِهِ عَلى آبائِكُمْ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألَمْ نَهْزِمْكم يَوْمَ كَذا، لِوَقْعَةٍ كانَتْ بَيْنَ الآباءِ والأجْدادِ؟
ومَن قالَ: إنَّما خُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ اسْتَقامَ الضَمِيرُ في "عَلَيْكُمْ"، ويَجِيءُ كُلُّ ما تَوالى مِنَ الأوامِرِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدامَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .
أمْرٌ وجَوابُهُ، فَقالَ الخَلِيلُ: جَزْمُ الجَوابِ في الأمْرِ مِن مَعْنى الشَرْطِ، والوَفاءُ بِالعَهْدِ هو التِزامُ ما تَضَمَّنَ مِن فِعْلٍ.
وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أُوَفِّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ لِلتَّكْثِيرِ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا العَهْدِ إلَيْهِمْ، فَقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ووَصاياهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ في التَوْراةِ، وقِيلَ: العَهْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ ﴾ .
الآيَةُ: وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: العَهْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ ﴾ الآيَةُ، وعَهْدُهُمْ: هو أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، ووَفاؤُهم بِعَهْدِ اللهِ أمارَةٌ لِوَفاءِ اللهِ تَعالى لَهم بِعَهْدِهِمْ، لا عِلَّةَ لَهُ، لِأنَّ العِلَّةَ لا تَتَقَدَّمُ المَعْلُولَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ الِاسْمُ "إيا"، والياءُ ضَمِيرٌ كَكافِ المُخاطَبِ، وقِيلَ: "إيّايَ" بِجُمْلَتِهِ هو الِاسْمُ، وهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُؤَخَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وإيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُونِ، وامْتَنَعَ أنْ يَقَدَّرَ مُقَدَّمًا لِأنَّ الفِعْلَ إذا تَقَدَّمَ لَمْ يَحْسُنْ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ إلّا ضَمِيرٌ خَفِيفٌ، فَكانَ يَجِيءُ: "وارْهَبُونِ".
والرَهْبَةُ يَتَضَمَّنُ الأمْرُ بِها مَعْنى التَهْدِيدِ، وسَقَطَتِ الياءُ بَعْدَ النُونِ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالياءِ و"آمِنُوا" مَعْناهُ: صَدِّقُوا، و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أنْزَلْتُ"، وقِيلَ: مِن "ما"، والعامِلُ فِيهِ "آمِنُوا"، وما أنْزَلْتُ كِنايَةٌ عَنِ القُرْآنِ، و ﴿ لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَوْراةِ.
وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ هَذا مِن مَفْهُومِ الخِطابِ الَّذِي المَذْكُورِ فِيهِ والمَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُما واحِدٌ، فالأوَّلُ والثانِي وغَيْرُهُما داخِلٌ في النَهْيِ، ولَكِنْ حَذِّرُوا البِدارَ إلى الكُفْرِ بِهِ، إذْ عَلى الأوَّلِ كَفَلٌ مِن فِعْلِ المُقْتَدى بِهِ، ونُصِبَ "أوَّلَ" عَلى خَبَرِ كانَ.
قالَ سِيبَوَيْهِ: أوَّلَ "أفْعَلُ" لا فِعْلَ لَهُ لِاعْتِلالِ فائِهِ وعَيْنِهِ.
قالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ: هو أوألْ مِن وألَ إذا نَجا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وأُبْدِلَتْ واوًا وأُدْغِمَتْ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن آلَ فَهو "أأْوَلَ" قُلِبَ فَجاءَ وزْنُهُ "أعْفَلُ"، وسُهِّلَ وأُبْدِلَ وأُدْغِمَ.
ووَحَّدَ "كافِرٌ" وهو بِنِيَّةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ مُتَصَرِّفٍ مِن فِعْلٍ جازَ إفْرادُ ذَلِكَ الِاسْمِ، والمُرادُ بِهِ الجَماعَةُ، قالَ الشاعِرُ: وإذا هُمُ طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّها نَكِرَةٌ مُخْتَصَرَةٌ مِن مَعْرِفَةٍ كَأنَّهُ قالَ: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ .
وقِيلَ: مَعْناهُ "وَلا تَكُونُوا أوَّلَ فَرِيقٍ كافِرٍ".
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَ كَفَرَ قَبْلَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَإنَّما مَعْناهُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، إذْ هم مَنظُورٌ إلَيْهِمْ في مِثْلِ هَذا، لِأنَّهم حُجَّةٌ مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ.
واخْتُلِفَ في الضَمِيرِ في "بِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟
فَقِيلَ: عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: عَلى التَوْراةِ إذْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ لِما مَعَكُمْ ﴾ ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ ﴿ أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ مُسْتَقِيمًا عَلى ظاهِرِهِ في الأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، إذْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ بِما أنْزَلْتُ ﴾ .
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الثَمَنِ الَّذِي نُهُوا أنْ يَشْتَرُوهُ بِالآياتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الأحْبارَ كانُوا يَعْلَمُونَ دِينَهم بِالأُجْرَةِ فَنُهُوا عن ذَلِكَ، وفي كُتُبِهِمْ: "عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا، أيْ باطِلًا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ".
وقالَ قَوْمٌ: كانَتْ لِلْأحْبارِ مَأْكَلَةٌ يَأْكُلُونَها عَلى العِلْمِ كالراتِبِ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الأحْبارَ أخَذُوا رِشى عَلى تَغْيِيرِ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ في التَوْراةِ، فَفي ذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: ولا تَشْتَرُوا بِأوامِرِي ونَواهِيِّ وآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، يَعْنِي الدُنْيا ومُدُّتَها، والعَيْشَ الَّذِي هو نَزْرٌ لا خَطَرَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ وبَيْنَ "اتَّقَوْنِ" و"ارْهَبُونِ" فَرْقٌ أنَّ الرَهْبَةَ مَقْرُونٌ بِها وعِيدٌ بالِغٌ.
<div class="verse-tafsir"
انتقال من موعظة المشركين إلى موعظة الكافرين من أهل الكتاب وبذلك تتم موعظة الفرق المتقدم ذكرها، لأن فريق المنافقين لا يعدو أن يكونوا من المشركين أو من أهل الكتاب اليهود، ووُجه الخطاب هنا إلى بني إسرائيل وهم أشهر الأمم المتدينة ذات الكتاب الشهير والشريعة الواسعة، وذلك لأن هذا القرآن جاء يهدي للتي هي أقوم فكانت هاته السورة التي هي فسطاطه مشتملة على الغرض الذي جاء لأجله، وقد جاء الوفاء بهذا الغرض على أبدع الأساليب وأكمل وجوه البلاغة فكانت فاتحتها في التنويه بشأن هذا الكتاب وآثار هديه وما يكتسب متبعوه من الفلاح دنيا وأخرى، وبالتحذير من سوء مغبة من يُعرض عن هديه ويتنكب طريقه، ووُصف في خلال ذلك أحوال الناس تجاه تلقي هذا الكتاب من مؤمن وكافر ومنافق، بعد ذلك أقبل على أصناف أولئك بالدعوة إلى المقصود، وقد انحصر الأصناف الثلاثة من الناس المتلقين لهذا الكتاب بالنسبة لحالهم تجاه الدعوة الإسلامية في صنفين لأنهم إما مشرك أو متدين أي كتابي، إذ قد اندرج صنف المنافقين في الصنف المتدين لأنهم من اليهود كما قدمناه، فدعا المشركين إلى عبادته تعالى بقوله: ﴿ يأيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ [البقرة: 21].
فالناس إن كان المراد به المشركين كماهو اصطلاح القرآن غالباً كما تقدم فظاهر، وإن كان المراد به كل الناس فقوله: ﴿ اعبدوا ربكم ﴾ يختص بهم لا محالة إذ ليس المؤمنون بداخلين في ذلك، وذكَّرهم بدلائل الصنعة وهي خلق أصولهم وبأصول نعم الحياة وهي خلق الأرض والسماء وإنزال الماء من السماء لإخراج الثمرات، وعَجَّب من كفرهم مع ظهور دلائل إثبات الخالق من الحياة والموت، وذكَّرهم بنعمه عظيمة وهي نعمة تكريم أصلهم وتوبته على أبيهم، كل ذلك اقتصار على القدر الثابت في فطرتهم إذ لم يكن لديهم من الأصول الدينية ما يُمكن أن يُجعل مرجعاً في المحاورة والمجادلة يقتنعون به، وخاطبهم في شأن إثبات صدق الرسول خلال ذلك بالدليل الذي تُدركه أذواقهم البلاغية فقال: ﴿ وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23] الآيات.
ولما قَضى ذلك كلَّه حقَّه أقبل بالخطاب هنا على الصنف الثاني وهم أهل الشرائع والكتاب وخَص من بينهم بني إسرائيل لأنهم أمثل أمة ذات كتاب مشهور في العالم كله وهم الأوْحِدَاء بهذا الوصف من المتكلمين باللغة العربية الساكنين المدينة وما حولها، وهم أيضاً الذين ظهر منهم العناد والنواء لهذا الدين، ومن أجل ذلك لم يَدْعُ اليهودَ إلى توحيد ولا اعتراف بالخالق لأنهم موحدون ولكنه دعاهم إلى تذكر نعم الله عليهم وإلى ما كانت تلاقيه أنبياؤهم من مكذبيهم، ليذكروا أن تلك سنة الله وليرجعوا على أنفسهم بمثل ما كانوا يؤنِّبون به من كذب أنبياءهم وذكرهم ببشارات رسلهم وأنبيائهم بنبي يأتي بعدهم.
ولتوجيه الخطاب إليهم طريقة أخرى وهي أنه جَادَلهم بالأدلة الدينية العلمية وإثبات صدق الرسالة بما تعارفوه من أحوال الرسل، ولم يعرج لهم على إثبات الصدق بدلالة معجزة القرآن إذ لم يكونوا من فُرسان هذا الميدان كما قدمناه في تفسير قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحي أن يضرب مثلاً ما ﴾ [البقرة: 26] فكان خطابهم هنا بالدلائل الدينية وبحجج الشريعة الموسوية ليكون دليلُ صدق الرسول في الاعتبار بحالِه وأنه جاء على وفاق أحوال إخوانه المرسلين السابقين.
وقد أفاض القرآن في ذلك وتدرج فيه من درجة إلى أختها بأسلوب بديع في مجادلة المخاطبين وأفاد فيه تعليم المسلمين حتى لا يفوتهم علماءُ بني إسرائيل قال تعالى: ﴿ أَوَ لَمْ يَكُنْ لهم آيةً أَنْ يعلَمَه عُلماءُ بني إسرائيل ﴾ [الشعراء: 197] فقد كان العلم يومئذ معرفة التشريع ومعرفة أخبار الأنبياء والأمم الماضية وأحوال العَالَمَيْن العلوي والسفلي مع الوصايات الأدبية والمواعظ الأخلاقية، فبذلك كان اليهود يفوقون العرب ومن أجله كانت العرب تسترشدهم في الشؤون وبه امتاز اليهود على العرب في بلادهم بالفكرة المدنية.
وكان عِلم عامة اليهود في هذا الشأن ضعيفاً وإنما انفردت بعلمه علماؤهم وأحبارهم فجاء القرآن في هاته المجادلات معلماً أيضاً للمسلمين وملحقاً لهم بعلماء بني إسرائيل حتى تكون الدرجة العليا لهم لأنهم يضمون هذا العلم إلى علومهم اللسانية ونباهتهم الفكرية فتصبح عامة المسلمين مساوية في العلم لخاصة الإسرائيليين وهذا معنى عظيم من معاني تعميم التعليم والإلحاق في مسابقة التمدين.
وبه تنكشف لكم حكمة من حِكَم تعرض القرآن لقصص الأمم وأحوالهم فإن في ذلك مع العبرة تعليماً اصطلاحياً.
ولقد نعُدّ هذا من معجزات القرآن وهو أنه شرح من أحوال بني إسرائيل ما لا يعلمه إلا أحبارهم وخاصتهم مع حرصهم على كتمانه الاستئثار به خشية المزاحمة في الجاه والمنافع فجاء القرآن على لسان أبعد الناس عنهم وعن علمهم صادعاً بما لا يعلمه غير خاصتهم فكانت هذه المعجزة للكتابيينَ قائمةً مقام المعجزة البلاغية للأميين.
وقد تقدم الإلمام بهذا في المقدمة السابعة.
وقد روعيت في هذا الانتقال مسايَرة ترتيب كتب التوراة إذا عقبت كتاب التكوين بكتاب الخروج أي وصف أحوال بني إسرائيل في مدة فرعون ثم بعثة موسى، وقد اقتصر مما في سفر التكوين على ذكر خلق آدم وإسكانه الأرض لأنه موضع العبرة وانتقل من ذلك إلى أحوال بني إسرائيل لأن فيها عبراً جمة لهم وللأمة.
فقوله: ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ خطاب لذرية يعقوب وفي ذريته انحصر سائر الأمة اليهودية، وقد خاطبهم بهذا الوصف دون أن يقول يا أيها اليهود لكونه هو اسم القبيلة أما اليهود فهو اسم النحلة والديانة ولأن من كان متبعاً دين اليهودية من غير بني إسرائيل كحمير لم يعتد بهم لأنهم تبع لبني إسرائيل فلو آمن بنو إسرائيل بالنبيء صلى الله عليه وسلم لآمن أتباعهم لأن المقلد تبع لمقلده.
ولأن هذا الخطاب للتذكير بنعم أنعم الله بها على أسلافهم وكرامات أكرمهم بها فكان لندائهم بعنوان كونهم أبناء يعقوب وأعقابه مزيد مناسبة لذلك ألا ترى أنه لما ذكروا بعنوان التدين بدين موسى ذكروا بوصف الذين هادوا في قوله تعالى: ﴿ إن الذين آمنوا والذين هادوا ﴾ [البقرة: 62] الآية كما سيأتي قريباً.
وتوجيه الخطاب إلى جميع بني إسرائيل يشمل علماءهم وعامتهم لأن ما خوطبوا به هو من التذكير بنعمة الله على أسلافهم وبعهد الله لهم.
وكذلك نجد خطابهم في الأغراض التي يراد منها التسجيل على جميعهم يكون بنحو ﴿ يا أهل الكتاب ﴾ [آل عمران: 64] أو بوصف اليهود الذين هادوا أو بوصف النصارى، فأما إذا كان الغرض التسجيل على علمائهم نجد القرآن يعنونهم بوصف ﴿ الذين أوتوا الكتاب ﴾ [النساء: 47] أو ﴿ الذين آتيناهم الكتاب ﴾ [الأنعام: 20].
وقد يستغنى عن ذلك بكون الخبر المسوق مما يناسب علماءهم خاصة مثل قوله تعالى: ﴿ وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون ﴾ [البقرة: 75].
ونحو ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ [البقرة: 41] ونحو ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ﴾ [البقرة: 42] ﴿ فويل الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ﴾ [البقرة: 79] الآية ﴿ ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ [البقرة: 89] ﴿ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ﴾ [البقرة: 159] ﴿ ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك ﴾ [البقرة: 145] الآية.
فإذا جاء الخطاب بأسلوب شامل لعلمائهم وعامتهم صرف إلى كل طائفة من الطائفتين ما هو لائق بها.
وبنون مما أُلحق بجمع المذكر السالم وليس منه لأنه دخل التكسير بحذف لامه وزيادة همزة الوصل في أوله فحقه أن يجمع على أبناء.
وقد اختلف في أصل ابن فقيل هو مشتق من بني أي فهو مصدر بمعنى المفعول كالخلق فأصله بني أي مبني لأن أباه بناه وكونه فحذفت لامه للتخفيف وعوض عنها همزة الوصل ففيه مناسبة في معنى الاشتقاق إلا أن الحذف حينئذ على غير قياس لأن الياء لاموجب لحذفها إلا أن يتكلف له بأن الياء تحركت مع سكون ما قبلها فنقلت حركتها للساكن إجراء له مجرى عين الكلمة ثم لما انقلب ألفاً على تلك القاعدة خيف التباسه بفعل بني فحذفت اللام وعوض عنها همزة الوصل.
وقيل أصله وأو على وزن بنْو أو بنَو بسكون النون أو بالتحريك فحذفت الواو كما حذفت من نظائره نحو أخ وأب وفي هذا الوجه بعد عن الاشتقاق وبعد عن نظائره لأن نظائره لما حذفت لاماتها لم تعوض عنها همزة الوصل.
وإسرائيل لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام قال ابن عباس معناه عبد الله، لأن إسرا بمعنى عبد وإيل اسم الله أي مركب من كلمتين إسرا وإيل اسم الله تعالى كما يقولون بيت إيل (اسم لقرية تسمى لوز من أرض كنعان نزلها يعقوب عليه السلام في مهاجره فراراً من أخيه عيسو وبنى فيها مذبحاً ودعا اسمه بيت إيل).
والذي في كتب اليهود أن سبب تسمية يعقوب إسرائيل أنه لما كان خائفاً في مهاجره من أن يلحقه أخوه عيسو لينتقم منه عرض له في إحدى الليالي شخص فعلم يعقوب أنه ربه (أي ملك من ملائكة الله) فأمسكه وصارعه يعقوب كامل الليل إلى طلوع الفجر فقال له أطلقني فقد طلع الفجر فقال له يعقوب: لا أطلقك حتى تباركني فقال له: ما اسمك؟
قال: يعقوب قال له: لا يدعى اسمك يعقوب بعد اليوم بل أنت إسرائيل لأنك جاهدت الله والناس وقدرت.
وباركه هناك.
فهذا يدل على أن إسرا في هذا الاسم راجع إلى معنى الأسر في الحرب كما هو في العربية فإذا كان هذا من أصل التوراة فهو على تأويل رؤيا رآها يعقوب جعل الله بها له شرفاً أو عرض له ملك كذلك.
ثم إن يعقوب له اثنا عشر ابناً وهم المشهورون بالأسباط لأنهم أسباط إسحاق بن إبراهيم وإلى هؤلاء الأسباط يرجع نسب جميع بني إسرائيل وسيأتي ذكر الأسباط في هذه السورة.
و ﴿ اذكروا ﴾ أمر من الذكر وهو أي الذكر بكسر الذال وضمها يطلق على خطور شيء ببال من نسيه ولذلك قيل، وكيف يذكره من ليس ينساه، ويطلق على النطق باسم الشيء الخاطر ببال الناس، ثم أطلق على التصريح بالدالّ مطلقاً لأن الشأن أن أحداً لا ينطق باسم الشيء إلا إذا خطر بباله، وقد فرق بعض اللغويين بين مكسور الذال ومضمومه فجعل المكسور للساني والمضموم للعقلي ولعلها تفرقة استعمالية مولدة إذ لا يحجر على المستعمل تخصيصه أحد مصدري الفعل الواحد لأحد معاني الفعل عند التعبير فيصير ذلك اصطلاحياً استعمالياً لا وضعاً حتى يكون من المترادف إذ اتحاد الفعل مانع من دعوى ترادف المصدرين فقد قال عمر رضي الله عنه: أفضل من ذكر الله باللسان ذكر الله عند أمره ونهيه فسمى النوعين ذكراً.
والمقصود هنا الذكر العقلي إذ ليس المراد ذكر النعمة باللسان.
والمراد بالنعمة هنا جميع ما أنعم الله به على المخاطبين مباشرة أو بواسطة الإنعام على أسلافهم فإن النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنها سمعة لهم، وقدوة يقتدون بها، وبركة تعود عليهم منها، وصلاح حالهم الحاضر كان بسببها، وبعض النعم يكون فيما فطر الله عليه الإنسان من فطنة وسلامة ضمير وتلك قد تورث في الأبناء.
ولولا تلك النعم لهلك سلفهم أو لساءت حالهم فجاء أبناؤهم في شر حال.
فيشمل هذا جميع النعم التي أنعم الله بها عليهم فهو بمنزلة اذكروا نعمي عليكم.
وهذا العموم مستفاد من إضافة نعمة إلى ضمير الله تعالى إذ الإضافة تأتي لما تأتي له اللام ولا يستقيم من معاني اللام العهد إذ ليس في الكلام نعمة معينة معهودة، ولا يستقيم معنى اللام الجنسية، فتعين أن تكون الإضافة على معنى لام الاستغراق فالعموم حصل من إضافة نعمة إلى المعرفة وقليل من علماء أصول الفقه من يذكرون المفرد المعرف بالإضافة في صيغ العموم، وقد ذكره الإمام الرازي في «المحصول» في أثناءالاستدلال.
وقال ولي الدين: الإضافة عند الإمام أدل على العموم من اللام وقال ابن السبكي في «شرح مختصر ابن الحاجب»: دلالة المفرد المضاف على العموم ما لم يتحقق عهد هو الصحيح نحو قوله تعالى: ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ﴾ [النور: 63] أي كل أمره وقد تأيد قصد عموم النعمة بأن المقام للامتنان والدعوة إلى الإسلام فيناسبه تكثير النعم.
والمراد النعم التي أنعم الله بها على أسلافهم وعلى الحاضرين منهم زمن نزول القرآن فإن النعمة على أسلافهم نعمة عليهم وقد تتابعت النعم عليهم إذ بوأهم قرى في بلاد العرب بعد أن سلبت بلادهم فلسطين وجعلهم في بحبوحة من العيش مع الأمن والثروة ومسالمة العرب لهم.
والأمر بذكر النعمة هنا مراد منه لازمه وهوشكرها ومن أول مراتب الشكر ترك المكابرة في تلقي ما ينسب إلى الله من الرسالة بالنظر في أدلتها ومتابعة ما يأتي به المرسلون.
فقوله: ﴿ التي أنعمت عليكم ﴾ وصف أشير به إلى وجوب شكر النعم لما يؤذن الموصول وصلته من التعليل فهومن باب قوله تعالى: ﴿ وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون ﴾ [المائدة: 6].
ويفيد مع ذلك أمرهم بتفكر النعم التي أنعم بها عليهم لينصرفوا بذلك عن حسد غيرهم فإن تذكير الحسود بما عنده من النعم عظة له وصرف له عن الحسد الناشئ عن الاشتغال بنعم الغير وهذا تعريض بهم أنهم حاسدون للعرب فيما أوتوا من الكتاب والحكمة ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم وانتقال النبوة من بني إسرائيل إلى العرب وإنما ذكروا بذلك لأن للنفس غفلة عما هو قائم بها وإنما تشتغل بأحوال غيرها لأن الحس هو أصل المعلومات فإذا رأى الحاسد نعم الغير نسي أنه أيضاً في نعمة فإذا أريد صرفه عن الحسد ذكر بنعمه حتى يخف حسده فإن حسدهم هو الذي حال دون تصديقهم به فيكون وزانه وزان قوله تعالى: ﴿ أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ﴾ [النساء: 54]، وتقديمه على قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ من باب تقديم التخلية بالمعجمة على التحلية بالمهملة ويكون افتتاح خطابهم بهذا التذكير تهيئة لنفوسهم إلى تلقي الخطاب بسلامة طوية وإنصاف.
وقوله تعالى: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ هو فعل مهموز من (وفى) المجرد وأصل معنى وفى أتم الأمر تقول وفيته حقه، ولما كان المجرد متعدياً للمفعول ولم يكن في المهموز زيادة تعدية للتساوي بين قولك وفيته حقه وأوفيته حقه تعينت الزيادة لمجرد المبالغة في التوفية مثل بان وأبان وشغل وأشغل وأما وفّى بالتضعيف فهو أبلغ من أوفى لأن فعل وإن شارك أفعل في معانيه إلا أنه لما كان دالاً على التقضي شيئاً بعد شيء كان أدل على المبالغة لأن شأن الأمر الذي يفعل مدرجاً أن يكون أتقن.
وقد أطلق الوفاء على تحقيق الوعد والعهد إطلاقاً شائعاً صيره حقيقة.
والعهد تقدم معناه عند قوله تعالى: ﴿ الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ﴾ [البقرة: 27] في هذه السورة.
والعهد هنا هو الالتزام للغير بمعاملة التزاماً لا يفرط فيه المعاهد حتى يفسخاه بينهما واستعير العهد المضاف إلى ضمير الجلالة لقبول ما يكلفهم به من الدين واستعمل مجازاً لقبول التكاليف والدخول في الدين واستعير المضاف إلى ضمير المخاطبين للوعد على ذلك بالثواب في الآخرة والنصر في الدنيا فلك أن تجعل كل عهد مجازاً مفرداً استعمل العهد الأول في التكاليف واستعمل العهد الثاني في الوعد بالثواب والنصر واستعمل الإيفاء مع كليهما في تحقيق ما التزم به كلا الجانبين مستعاراً من ملائم المشبه به إلى ملائم المشبه ليفيد ترشيحاً لاستعارته ولك أن تجعل المجموع استعارة تمثيلية بأن شبه الهيئة الحاصلة من قولهم لما أمرهم الله به وأن لا يقصروا في العمل ومن وعد الله إياهم على ذلك بالثواب بهيئة المتعاهدين على التزام كل منهما بعمل للآخر ووفائه بعهده في عدم الإخلال به فاستعير لهذه الهيئة الكلام المشتمل على قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ وهذا أحسن وبه يتبين وجه استعمال لفظ العهد الثاني في قوله تعالى: ﴿ أوف بعهدكم ﴾ وتقربه المشاكلة.
وعلى الوجهين فالعهد في الموضعين مضاف للمفعول وهو ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» لأن إضافته إلى المفعول متعينة إذا تعلق به الإيفاء إذ لا يوفي أحد إلا بعهد نفسه فإذا أضيف العهد الذي هو مفعول ﴿ أوفوا ﴾ إلى غير فاعل الإيفاء تعين أن تكون إضافته للمفعول وبذلك يتم ترشيح المجاز إن كان مفرداً كما أشار له المحقق التفتزاني فإن كان مركباً فأخلق به لأن اللفظ الموضوع للهيئة المشبه بها يضاف بقيد الإيفاء إلى مفعوله لا محالة.
ومن لطائف القرآن في اختيار لفظ العهد للاستعارة هنا لتكليف الله تعالى إياهم أن ذلك خطاب لهم باللفظ المعروف عندهم في كتبهم فإن التوراة المنزلة على موسى عليه السلام تلقب عندهم بالعهد لأنها وصايات الله تعالى لهم ولذا عبر عنه في مواضع من القرآن بالميثاق وهذا من طرق الإعجاز العلمي الذي لا يعرفه إلا علماؤهم وهم أشح به منهم في كل شيء بحيث لا يعرف ذلك إلا خاصة أهل الدين فمجيئه على لسان النبيء العربي الأمي دليل على أنه وحي من العلام بالغيوب.
والعهد قد أخذ على أسلافهم بواسطة رسلهم وأنبيائهم قال تعالى: ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيئين لما آتيناكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ﴾ [آل عمران: 81] الآية وإذ قد كان المخاطبون بالآية قد تلقوا الشريعة من أسلافهم بما فيها من عهد فقد كان العهد لازماً لهم وكان الوفاء متعيناً عليهم لأنهم الذين جاء فيهم الرسول الموعود به.
وقوله: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ عطفت الواو جملة ﴿ وإياي ﴾ على الجمل المتقدمة من قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ إلى آخرها على طريقه الانتقال من معنى إلى المعنى المتولد عنه وهي أصل طريقة المنشئين أن يراعوا الترتيب الخارجي في الخبر والإنشاء لأنه الأصل ما لم يطرأ مقتض لتغيير الترتيب الطبيعي ومنه في القرآن قوله: ﴿ ولما جاءت رسلنا لوطاً سيء بهم وضاق بهم ذرعاً وقال هذا يوم عصيب وجاءه قومه يهرعون إليه ﴾ [هود: 77] إلخ، فإنه لما افتتح خطابهم بالتذكير بالنعمة الباعث على شكر المنعم ومراقبة حقه والمطهر لهم من الحسد فإنه صارف عن الاعتراف بالنعمة كما قدمنا.
ثم عطف عليه قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ وهو مبدأ المقصود من الأمر بتصديق الرسول الموعود به على ألسنة أنبيائهم.
ثم عقب ذلك بقوله: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ فهو تتميم لذلك الأمر السابق بالنهي عما يحول بينهم وبين الإيفاء بالعهد على وجهه وذلك هو صد كبرائهم وأحْبارهم إياهم عن الانتقال عما هم عليه من التمسك بالتوراة فإنهم هم القوم الذين كانوا يقولون لمَلك بلادهم فرعون مصر يوم بعثة موسى ﴿ لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا ﴾ [طه: 72] فكانوا أحرياء بأن يخاطبوا سادتهم وأحبارهم بمثل ذلك الخطاب عند البعثة المحمدية.
فتقديم المفعول هنا متعين للاختصاص ليحصل من الجملة إثبات ونفي واختير من طرق القصر طريق التقديم دون ما وإلا ليكون الحاصل بالمنطوق هو الأمر برهبة الله تعالى ويكون النهي عن رهبة غيره حاصلاً بالمفهوم فإنهم إذا رهبوا الله تعالى حرصوا على الإيفاء بالعهد ولما كانت رهبتهم أحبارهم تمنعهم من الإيفاء بالعهد أدمج النهي عن رهبة غير الله مع الأمر برهبة الله تعالى في صيغة واحدة.
وتقديم المفعول مع اشتغال فعله بضميره آكد في إفادة التقديم الحصر من تقديم المفعول على الفعل غير المشتغل بضميره، فإياي ارهبون آكد من نحو إياي ارهبوا كما أشار إليه صاحب «الكشاف» إذ قال: «وهو من قولك زيداً رهبته وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿ إياك نعبد ﴾ » [الفاتحة: 1] اه.
ووجهه عندي أن تقديم المفعول يحتمل الاختصاص، إلا أن الأصل فيه أن يدل على الاختصاص إلا إذا أقامت القرينة على التقوى فإذا كان مع التقديم اشتغال الفعل بضمير المقدم نحو زيداً ضربته كان الاختصاص أوكد أي كان احتمال التقوى أضعف وذلك لأن إسناد الفعل إلى الضمير بعد إسناده إلى الظاهر المتقدم يفيد التقوى فتعين أن تقديم المفعول للاختصاص دون التقوى إذ التقوى قد حصل بإسناد الفعل أولاً إلى الاسم أو الظاهر المتقدم وثانياً إلى ضمير المتقدم ولهذا لم يقل صاحب «الكشاف» وهو أكثر اختصاصاً ولا أقوى اختصاصاً إذ الاختصاص لا يقبل التقوية بل قال وهو أوكد في إفادة الاختصاص أي إن إفادته الاختصاص أقوى لأن احتمال كون التقديم للتقوى قد صار مع الاشتغال ضعيفاً جداً.
ولسنا ندعي أن الاشتغال متعين للتخصيص فإنه قد يأتي بلا تخصيص في نحو قوله تعالى: ﴿ إنا كل شيء خلقناه بقدر ﴾ [القمر: 49]، وقوله: ﴿ أبشراً منا واحداً نتبعه ﴾ [القمر: 24] وقول زهير: فكلاً أراهم أصبحوا يعقلونه *** صحيحات مال طالعات بمخرم لظهور أن لا معنى للتخصيص في شيء مما ذكرنا غير أن الغالب أن يكون التقديم مع صيغة الاشتغال للتخصيص إذ العرب لا تقدم المفعول غالباً إلا لذلك ولا التفات إلى ما وجه به صاحب «المفتاح» أن احتمال المفعول في الاشتغال التخصيص والتقوي باق على حاله ولكنك إن قدرت الفعل المحذوف متقدماً على المفعول كان التقديم للتقوي وإن قدرته بعد المفعول كان التقديم للتخصيص فإنه بناه على حالة موقع الفعل المقدر مع أن تقدير الفعل اعتبار لا يلاحظه البلغاء ولأنهم ينصبون على موقعه قرينه فتعين أن السامع إنما يعتد بالتقديم المحسوس وبتكرير التعلق وأما الاعتداد بموقع الفعل المقدر فحوالة على غير مشاهد لأن التقدير إن كان بنية المتكلم فلا قبل للسامع بمعرفة نيته ولا يصح أن يكون الخيار في التقدير للسامع.
هذا والتقديم إذا اقترن بالفاء كان فيه مبالغة، لأن الفاء كما في هذه الآية مؤذنة بشرط مقدر ولما كان هذا الشرط لا دليل عليه إلا الفاء تعين تقديره عاماً نحو إن يكن شيء أو مهما يكن شيء كما أشار له صاحب «الكشاف» في قوله تعالى: ﴿ وربك فكبر ﴾ [المدثر: 3] حيث قال: «ودخلت الفاء لمعنى الشرط كأنه قيل مهما كان فلا تدع تكبيره».
فالمعنى هنا وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ومهما يكن شيء فإياي ارهبوني، فلما حذفت جملة الشرط بعد واو العطف بقيت فاء الجواب موالية لواو العطف فزحلقت إلى أثناء الجواب كراهية توالي حرفين فقيل ﴿ وإياي فارهبون ﴾ بدلاً عن أن يقال فارهبون.
والتعليق على الشرط العام يستلزم تحقق وقوع الجواب لأن التعليق الشرطي بمنزلة ربط المسبب بالسبب فإذا كان المعلق عليه أمراً محقق الوقوع لعدم خلو الحدثان عنه تعين تحقق وقوع المعلق، وهذا مبني على مذهب سيبويه في باب الأمر والنهي يختار فيهما النصب في الاسم الذي يبنى عليه الفعل وذلك مثل قولك زيداً اضربه ومثل ذلك أما زيداً فاقتله فإذا قلت زيد فاضربه لم يستقم أن تحمله على الابتداء ألا ترى أنك لو قلت زيد فمنطلق لم يستقم، ثم أشار إلى أن الفاء هنا في معنى فاء الجزاء فمن ثم جزم الزمخشري بأن هاته الفاء مهما وجدت في الاشتغال دلت على شرط عام محذوف وإن الفاء كانت داخلة على الاسم فزحلقت على حكم فاء جواب أما الشرطية وأحسب أن مثل هذا التركيب من مبتكر أساليب القرآن ولم أذكر أني عثرت على مثله في كلام العرب.
ومما يؤيد ما ذهب إليه صاحب «الكشاف» المبني على كلام سيبويه من اعتبار الفاء مشعرة بشرط مقدر، أن غالب مواقع هاته الفاء المتقدم معها المفعول على مدخلها أن تقع بعد نهي أو أمر يناقض الأمر والنهي الذي دخلت عليه تلك الفاءُ نحو قوله تعالى: ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ﴾ إلى قوله: ﴿ بل الله فاعبد ﴾ [الزمر: 65، 66] وقول الأعشى: «ولا تعبد الشيطان والله فاعبدا» فكان ما يتقدم هاته الفاء يتولد منه شرط في المعنى وكانت الفاء مؤذنة بذلك الشرط وعلامة عليه فلأجل كونه مدلولاً عليه بدليلين أصله وفرعه كان كالمذكور كأنه قيل لئن أشركت ليحبطن عملك، وفإن كنت عابداً شيئاً فالله فاعبد، وكذا في البيت وهذه فائدة لم يفصح عنها السلف فخذها ولا تخف.
قال التفتزاني «ونقل عن صاحب «الكشاف» أنه قال: إن في قوله تعالى: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ وجوهاً من التأكيد: تقديم الضمير المنفصل وتأخير المتصل والفاء الموجبة معطوفاً عليه ومعطوفاً تقديره إياي ارهبوا فارهبون أحدهما مقدر والثاني مظهر، وما في ذلك من تكرار الرهبة، وما فيه من معنى الشرط بدلالة الفاء كأنه قيل: إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون» اه.
يريد أن في تقديم الضمير إفادة الاختصاص والاختصاص تأكيد، قال صاحب «المفتاح» ليس الحصر والتخصيص إلا تأكيداً على تأكيد وأما تأخير الضمير المتصل فلما في إعادة الإسناد من التقوي، ومراد الزمخشري بقوله معطوفاً عليه ومعطوفاً العطف اللغوي أي معقباً ومعقباً به لا العطف النحوي إذ لا يستقيم هنا، فتحصل أن في التعبير عن مثل هذا الاختصاص في كلام البلغاء مراتب أربع: مجرد التقديم للمفعول نحو ﴿ إياك نعبد ﴾ [الفاتحة: 5].
وتقديمه على فعله العامل في ضميره نحو زيداً رهبته، وتقديمه على فعله مع اقتران الفعل بالفاء نحو ﴿ وربك فكبر ﴾ [المدثر: 3] وتقديمه على فعله العامل في ضميره مع اقتران الفعل بالفاء نحو ﴿ وإياي فارهبون ﴾ .
فالثانية والثالثة والرابعة أوكد منهما.
وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية في قوله: ﴿ فارهبون ﴾ للجمهور من العشرة في الوصل والوقف وأثبتها يعقوب في الوصل والوقف.
وجمهور العرب يحذفونها في الوقف دون الوصل وهذيل يحذفونها في الوقف والوصل وأهل الحجاز يثبتونها في الحالين وإنما اتفق الجمهور هنا على حذفها في الوصل مثل الوقف لأن كلمة ﴿ فارهبون ﴾ كتبت في المصحف الإمام بدون ياء وقرئت كذلك في سُنة القراءة.
ووجه ذلك أنها وقعت فاصلةً فاعتبروها كالموقوف عليها قال سيبويه في باب ما يحذف من أواخر الأسماء في الوقف «وجميع مالا يحذف في الكلام وما يختار فيه أن لا يحذف يحذف في الفواصل والقوافي».
ولأن لغة هذيل تحذفها مطلقاً، وقراءةُ يعقوب بإثبات الياء في الوصل والوقف جرى على لغة أهل الحجاز ولأنه رواها بالإثبات وهو وجه في العربية ويكون قد تأول كتابتها بدون ياء في المصحف أنه اعتماد على أن القارئ يجريها على روايته ولذلك لو لم تكن ياء المتكلم في كلمة هي فاصلة من الآي لما اتفق الجمهور على حذفها كما في قوله تعالى: ﴿ أجيب دعوة الداعي إذا دعان ﴾ [البقرة: 186] كما سيأتي.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وإسْرائِيلُ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إسْرا) بِالعِبْرانِيَّةِ: (عَبْدٌ)، و(إيلُ) هو اللَّهُ، فَكانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ﴾ والذِّكْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، فالذِّكْرُ بِالقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيانِ، والذِّكْرُ بِاللِّسانِ ضِدُّ الإنْصاتِ، والذِّكْرُ الشَّرَفُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ما كانَ بِالقَلْبِ فَهو مَضْمُومُ الذّالِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو لُغَتانِ: ذِكْرٌ وذُكْرٌ، ومَعْناهُما واحِدٌ.
والمُرادُ بِالآيَةِ الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وتَقْدِيرُهُ: لا تَغْفُلُوا عَنْ نِعْمَتِي، الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم ولا تَناسَوْها.
وَفي النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمُومُ نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ﴾ .
والثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّهُ أرادَ نِعَمَهُ عَلى آبائِهِمْ، إذْ نَجّاهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ مِنهُمُ الأنْبِياءَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ، وفَجَّرَ لَهُمُ الحَجَرَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، والنِّعَمُ عَلى الآباءِ، نَعِمٌ عَلى الأبْناءِ، لِأنَّهم يَشْرُفُونَ بِشَرَفِ آبائِهِمْ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أوْفُوا بِعَهْدِي الَّذِي أخَذْتُ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، أنْ تُؤْمِنُوا بِي وتُصَدِّقُوا رُسُلِي، أُوفِ بِعَهْدِكم عَلى ما وعَدْتُكم مِنَ الجَنَّةِ.
والثّانِي: قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: أوْفُوا بِما أمَرْتُكُمْ، أُوفِ بِما وعَدْتُكم إيّاهُ.
وَفي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ عَهْدًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ عَهْدُهُ في الكُتُبِ السّالِفَةِ.
والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ كالعَهْدِ، الَّذِي هو يَمِينٌ لِلُزُومِ الوَفاءِ بِهِما مَعًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ ﴾ يَعْنِي مِنَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ ، ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّوْراةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ.
والثّانِي: مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ، أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.
والثّالِثُ: مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ مِن ذِكْرِ القُرْآنِ، وبَعْثِهِ مُحَمَّدًا نَبِيًّا.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.
والثّانِي: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِمُحَمَّدٍ ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّالِثُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أجْرًا، وهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في الكِتابِ الأوَّلِ: (يا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا)، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.
والثّانِي: لا تَأْخُذُوا عَلى تَغْيِيرِهِ وتَبْدِيلِهِ ثَمَنًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.
والثّالِثُ: لا تَأْخُذُوا ثَمَنًا قَلِيلًا عَلى كَتْمِ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ ، وتَصْدِيقِ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: إسرائيل يعقوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مجلز قال: كان يعقوب رجلاً بطيشاً فلقي ملكاً فعالجه الملك فضربه على فخذيه، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال: ما أنا بتارك حتى تسميني اسماً فسماه إسرائيل.
قال أبو مجلز: ألا ترى أنه من أسماء الملائكة إسرائيل، وجبريل، وميكائيل، وإسرافيل.
وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ومحمد عليهم السلام، ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسى، فإسرائيل يعقوب، وعيسى المسيح.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن إسرائيل وميكائيل وجبريل وإسرافيل كقولك عبد الله.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث البصري قال ايل الله بالعبرانية.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ قال: للأحبار من اليهود ﴿ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ أي آلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ الذي أخذت بأعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم ﴿ أوف بعهدكم ﴾ انجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقكم معه واتباعه بوضع ما كان عليهم من الإِصر والأغلال ﴿ وإياي فارهبون ﴾ أن انزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات ﴿ وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ وعندكم به من العلم ما ليس عند غيركم ﴿ وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ﴾ أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ يقول: ما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ﴿ أوف بعهدكم ﴾ يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة.
وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود.
مثله.
وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وأفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: هو الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة ﴿ لقد أخذ ميثاق بني إسرائيل...
﴾ [ المائدة: 12] الآية.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: العهد الذي أخذ الله عليهم وأعطاهم الآية التي في سورة المائدة ﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل...
﴾ [ المائدة: 12] إلى قوله: ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ .
وأخرج عبد حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وأفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: أوفوا بما افترضت عليكم أوف لكم بما رأيت الوعد لكم به على نفسي.
وأخرج عبد الحميد وأبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وآمنوا بما أنزلت ﴾ قال القران ﴿ مصدقاً لما معكم ﴾ قال: التوراة والانجيل.
وأخرج ابن جرير عن ابن جريح في وقوله: ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ قال: بالقرآن.
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: يقول يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقاً لما معكم لأنكم تجدونه مكتوباً عندكم في التوارة والإِنجيل ﴿ لا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بمحمد ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً ﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجراً.
قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً.
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ قال: لا تأخذ على ما علمت أجراً، فإنما أجر العلماء والحكماء على الله وهم يجدونه عندهم، يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴾ قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب ﴿ وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ﴾ قال: لا تكتموا الحق وأنتم قد علمتم أن محمداً رسول الله.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قوله: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴾ قال: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإِسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإِسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله ﴿ وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ﴾ قال: كتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل، يأمرهم بالمعروف ويناهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.
وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴾ قال: التوراة التي أنزل الله، والباطل الذي كتبوه بأيديهم.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ وتكتموا الحق ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج ابن حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ واركعوا ﴾ قال: صلوا.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ قال: أمرهم أن يركعوا مع أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ .
الكلام في (الابن) وأصله يذكر عند قوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ ﴾ (١) (٢) ولا يتصرف لاجتماع العجمة والمعرفة (٣) (٤) وذكر في التفسير وجوه في اشتقاق هذا الاسم (٥) وقوله تعالى: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
أراد نعمي (٦) (٧) ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ ﴾ (٨) (٩) ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ ﴾ الآية [المائدة: 20].
وأراد بقوله: ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ أي على آبائكم وأسلافكم، وجعلها عليهم لأن النعمة على آبائهم نعمة عليهم، ومثله في الكلام كثير، يفاخر الرجل الرجل فيقول هزمناكم يوم ذي قار، بمعنى (١٠) (١١) قال الفرزدق: وَبَيْتَانِ: بَيْتُ اللهِ نَحْنُ وُلاَتُهُ ...
وَبَيْتٌ بأعْلَى إِيلِيَاءَ مُشَرَّفُ (١٢) وقال آخر: إِذا افْتَخَرَتْ يَوْمًا تَمِيمٌ بِقَوْسِهَا (١٣) فَأَنْتُم بِذِي قَارٍ أَمَالَتْ سُيُوفُكُم ...
عُرُوشَ الذِينَ اسْتَرْهَنُوا قَوْسَ حَاجِبِ (١٤) أراد آباؤكم فعلوا ذلك، لأن المخاطبين بهذا البيت كانوا بعد ذي قار بدهر طويل.
فإن قيل: هذه النعم التي أنعم الله بها على اليهود هم (١٥) (١٦) (١٧) وقال ابن الأنباري: أراد اذكروا ما أنعمت عليكم (١٨) (١٩) ولم يتبعوه كانوا كالناسين لهذه النعمة (٢٠) والأجود في ﴿ نِعْمَتِيَ الَّتِي ﴾ فتح الياء (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) (٢٩) وقد يجوز إسكانها مع الألف واللام أيضا كقوله: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾ قرئ بإرسال (الياء) وبنصبها (٣٠) (٣١) فأما قوله: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ (17) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ ﴾ الاختيار هاهنا الإرسال (٣٢) ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴾ آخر الآية (٣٣) قال الزجاج: اختير فتح الياء مع اللام لالتقاء الساكنين، ويجوز أن تحذف (٣٤) ﴿ أَخِي (30) اشْدُدْ ﴾ فلم يكثر القراء فتح هذه الياء (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .
أبو عبيد عن الكسائي وأبي عبيدة: وفيت بالعهد وأوفيت به سواء (٣٧) وقال شمر: يقال: وَفَى وأَوفْى، فمن قال: (وَفَى) فإنه يقول تَمَّ، كقولك: وَفَى لنا فلان، أي: تَمَّ لنا قوله ولم يغدر، وَوَفَى هذا الطعامُ قفيزا (٣٨) قال: ومن قال: (أَوْفَى) فمعناه: أوفاني حقه، أي: أتمه ولم ينقص منه شيئا، وكذلك أَوْفَى الكيل أي أتمه ولم ينقص منه شيئا (٣٩) (٤٠) ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ (٤١) (٤٢) ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ (٤٣) وقال الشاعر (٤٤) أَمَّا ابنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِه ...
كَمَا وَفَى بِقِلاَصِ النَّجْمِ حَادِيهَا (٤٥) قال ابن عباس: هذا العهد هو أن الله عز وجل (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ .
موضع (إياي) نصب بإضمار فعل (٥٠) (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وحذفت (الياء) من ﴿ فَارْهَبُونِ ﴾ لأنها فاصلة أي رأس آية، ليكون النظم على لفظ متسق، وسمى أهل اللغة أواخر الآي الفواصل، وأواخِر الأبيات (٥٥) (٥٦) (٥٧) (١) سورة البقرة: 49، وقد تكلم عن (ابن) هناك وتوسع في البحث.
(٢) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 254، و"تفسير ابن عطية" 1/ 267، "زاد المسير" 1/ 72.
(٣) أي: العلمية.
(٤) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 88، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "المشكل" لمكي 1/ 41، "الإملاء" 1/ 33، "الدر المصون" 1/ 310.
(٥) من هذه الوجوه: أنه مركب من (إسرا) وهو العبد، و (إيل) اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه عبد الله، وقيل معنا: "إسرا" صفوة، و"إيل" الله تعالى، ومعناه صفوة الله، وفيه وجوه أخرى ذكرها أبو حيان في "البحر" 1/ 171، وقال بعدها: (وهذه أقاويل ضعاف)، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 248 - 249، و"تفسير الثعلبي" 1/ 66 ب، "التعريف والأعلام" للسهيلي ص20 و"تفسير القرطبي" 1/ 281 - 282.
(٦) في (ج): (أراد بالنعمة: نعمي) (٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 67 أ، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 267، و"تفسير البغوي" 1/ 66، و"تفسير القرطبي" 1/ 282، "زاد المسير" 1/ 72.
(٨) سورة إبراهيم: 34، والنحل: 18.
(٩) انظر "تفسير الطبري" 1/ 249، و"تفسير الثعلبي" 1/ 67 أ، قال ابن عطية - بعد أن ذكر الأقوال في المراد بالنعمة: (وهذه الأقوال على جهة المثال، والعموم في اللفظة هو الحسن) 1/ 267.
(١٠) في (أ)، (ج): (معناه) (١١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، و"تفسير القرطبي" 1/ 282، و"تفسير الثعلبي" 1/ 67 أ، و"تفسير ابن عطية" 1/ 167، "زاد المسير" 1/ 73.
(١٢) البيت في "ديوان الفرزدق" 2/ 32، "معجم البلدان" 1/ 293، وإيلياء: بيت المقدس.
(١٣) في (ج): (نفوسها) (١٤) البيتان لأبي تمام، وقوله: "ذي قار" يوم من أيام العرب، كان لهم على الفرس، وحاجب: هو ابن زرارة بن عدس، كان أرهن سيفه لكسرى، انظر: "ديوان أبي تمام مع شرحه" 1/ 109، "معجم البلدن" 4/ 294.
(١٥) (هم) ساقطة من (ب).
(١٦) في (ب): (يشكرها).
(١٧) انظر: "الكشاف" 1/ 275، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير البيضاوي" 1/ 23، "تفسير الخازن" 1/ 112، "تفسير النسفي" 1/ 40، "تفسير القرطبي" 1/ 282.
(١٨) في (ب): (أنعمت به عليكم).
(١٩) ذكره ابن الجوزي وعزاه لابن عباس، "زاد المسير" 1/ 73، وانظر "تفسير القرطبي" 1/ 282.
(٢٠) في (ب): (النعم).
(٢١) أجمع القراء العشرة على فتح (الياء) في قوله تعالى: ﴿ نِعْمَتِيَ الَّتِي ﴾ في مواضعها الثلاثة في البقرة، وقرأ بتسكينها الحسن وابن محيصن، انظر: "الإقناع" 1/ 542، "النشر" 2/ 162، "البدور الزاهرة" ص 30، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 23، وقد سبق ذكر أصول القراء في ياءات الإضافة عند قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ ﴾ ص 341.
(٢٢) في (ب): (فيه).
(٢٣) قوله: (الإرسال) أي: تسكينها ثم حذفها لالتقاء الساكنين، وفي "معاني القرآن" للفراء: (وأما نصب الياء من (نعمتي) فإن كل ياء كانت من المتكلم ففيها لغتان: الإرسال والسكون والفتح، 1/ 29.
(٢٤) (ألف) ساقط من (ب).
(٢٥) في "معاني القرآن" للفراء: (لأن اللام ساكنة فتسقط الياء عندها لسكونها فاستقبحوا أن يقولوا: (نعمتي التي) فتكون كأنها مخفوضة على غير إضافة) 1/ 29.
(٢٦) في (ب): (الا شبه).
(٢٧) المراد: أن الياء من (نعمتي) لو سكنت لحذفت لالتقاء الساكنين فتبقى النعمة مجرورة من دون إضافة للياء فيقال (نعمت).
(٢٨) في (ب): (وأبينها).
(٢٩) "معاني القرآن" للفراء 1/ 29، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 238، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 89، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "تفسير ابن عطية" 1/ 167.
(٣٠) في (ب): (ونصها).
قرأ بسكون الياء حمزة والكسائي وأبو عمرو، ويعقوب وخلف، والبقية بالفتح، انظر: "التيسير" ص 66، "الإقناع" 1/ 541، "النشر" 2/ 170.
(٣١) (أ)، (ج): (يثبت) في المواضع الثلاثة واثبت ما في (ب)، لأنه أنسب للسياق.
(٣٢) قال الداني: (تفرد أبو شعيب بفتح الياء وإثباتها في الوقف ساكنة وحذفها الباقون في الحالين) يريد بقية السبعة ورواتهم، "التيسير" ص 67، وانظر "النشر" 2/ 189.
(٣٣) انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 29.
(٣٤) في (أ)، (ج): (يحذف) وأثبتها بالتاء كما في (ب) و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 81.
(٣٥) قوله تعالى: (أخي اشدد) قرأ بفتح الياء أبو عمرو وابن كثير والبقية على إسكانها، انظر: "التيسير" ص 67، "النشر" 2/ 171، 323.
(٣٦) في (ج): (الفتحة مع اللام) وفي (ب): (لفتحة اللام)، وقد نقل الواحدي كلام الزجاج بتصرف، يقول الزجاج: (ولعمري إن اللام المعرفة أكثر في الاستعمال، ولكني أقول: الاختيار (أخِيَ اشدد) بفتح الياء لالتقاء الساكنين، كما فتحوا مع اللام، لأن اجتماع ساكنين مع اللام وغيرها معنى واحد ..) "معاني القرآن" 1/ 89.
(٣٧) "تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3923 - 3924، وانظر: "اللسان" (وفي) 8/ 5885.
(٣٨) في (أ)، (ج): (قفيز)، (ب): (فقيرا) (٣٩) "تهذيب اللغة" (وفا) 4/ 3924، وانظر: "اللسان" (وفى) 8/ 5885.
وقوله: (وكذلك أوفى الكيل ..) غير موجود في "التهذيب" ضمن كلام شمر ومثبت في "اللسان" مع كلامه.
(٤٠) قوله: (الذي قال شمر) ساقط من (ب).
(٤١) (الواو) ساقطة من (أ، ج).
(٤٢) في "التهذيب" مكان الآية قوله تعالى: ﴿ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ ﴾ وفي "اللسان" آية البقرة.
(٤٣) كلام أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" (وفا) 15/ 886، وانظر "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، و"اللسان" (وفى) 8/ 4884.
(٤٤) هو طفيل الغنوي.
(٤٥) في "الكامل" (بيض) بدل (طوق) وعند الزجاج (عوف) وهو رجل شهر بالوفاء، وقلاص النجوم: هي كما تزعم العرب، أن الدبران جاء خاطبا للثريا وساق مهرها كواكبا صغارا تسمى القلاص، انظر (الكامل) 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 91، "الخصائص" 1/ 370، 3/ 316، "شرح المفصل" 1/ 42، "اللسان" (وفى) 8/ 4884، "زاد المسير" 1/ 73، "تفسير القرطبي" 6/ 32، "الدر المصون" 1/ 312.
(٤٦) في (ب): (جل وعلى).
(٤٧) في (ب): (جزاؤه).
(٤٨) في (ب)، (ج): (عز وجل).
(٤٩) ذكره الرازي في "تفسيره" عن ابن عباس 3/ 35، وابن كثير في "تفسيره" ولم يعزه == 1/ 88، وذكر نحوه الثعلبي في "تفسيره" عن الكلبي 1/ 67 ب، وأخرجه ابن جرير بسنده عن ابن عباس ونحوه، وليس فيه قوله: فمن تبعه كان له أجران ..
، الطبري في "تفسيره" 1/ 250، وكذا ابن أبي حاتم في "تفسيره" بنحو رواية الطبري 1/ 96، انظر: " الدر" 1/ 124.
(٥٠) قال مكي: هذا هو الاختيار لأنه أمر، ويجوز: أنا فارهبون على الابتداء والخبر، "المشكل" 1/ 42، وانظر "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167.
(٥١) في (ب): (يفسره) وهو أولى.
(٥٢) في (ج): (بعهده).
(٥٣) في (ب): (فارهبون).
(٥٤) في (ب): (بضميره) وهو أصح.
الضمير هو (الياء) التي حذفت لأنها رأس آية، انظر.
"معاني القرآن" للزجاج 1/ 33، "معاني القرآن" للأخفش 1/ 246، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 167، "المشكل" لمكي 1/ 42، "الإملاء" 1/ 90.
(٥٥) في (ب): (الايات).
(٥٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 90، وانظر "اللسان" (فصل) 6/ 3424، وبعضهم فرق بين رأس الآية والفاصلة، فكل رأس آية فاصلة ولا عكس.
انظر "المكتفي في الوقف والابتداء" ص140، "البرهان" 1/ 53، "الإتقان" 2/ 284، "الفاصلة في القرآن" لمحمد الحسناوي ص 26.
(٥٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 67 ب، وانظر: "الطبري" 1/ 251، "زاد المسير" 1/ 73.
<div class="verse-tafsir"
﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ لما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.
فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: ﴿ وَإِذْ نجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [البقرة: 49] ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ [البقرة: 50]، ﴿ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]، ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ [البقرة: 58]، ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، ﴿ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ [البقرة: 60].
وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.
وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء، وأخذكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.
﴿ نِعْمَتِي ﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعاً ﴿ بعهدي ﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿ بِعَهْدِكُمْ ﴾ دخول الجنة ﴿ وإياى ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقاً للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيره، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : الاشتراء هنا استعارة في استبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن ﴿ الحق بالباطل ﴾ الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها.
﴿ وَتَكْتُمُواْ ﴾ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر الدخول في الإسلام ﴿ واركعوا ﴾ خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد ﴿ مَعَ الراكعين ﴾ مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.
﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿ بالبر ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَنْسَوْنَ ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع ﴿ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ حجة عليهم ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ونُعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي شاقة صعبة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ هنا: يتيقنون ﴿ العالمين ﴾ أي أهل زمانهم، وقيل تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك ﴿ لاَّ تَجْزِي ﴾ لا تغني.
وشيئاً مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقاً، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] ولقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس: 3] ولقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في الشفاعة فيقال له: «اشفع تشفع» فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿ عَدْلٌ ﴾ هنا فدية ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ إسرائيل ﴾ بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ نعمتي ﴾ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل ﴿ فارهبوني ﴾ ﴿ فاتقوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية.
وروى مسبح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل.
﴿ أول كافر به ﴾ ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج.
الوقوف: ﴿ فارهبون ﴾ (ه) ربع الجزء.
﴿ كافر به ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين وعلى ﴿ قليلاً ﴾ أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول.
﴿ فاتقون ﴾ (ه) ﴿ تعلمون ﴾ (ه) ﴿ الراكعين ﴾ (ه) ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ الصلاة ﴾ (ط) ﴿ خاشعين ﴾ (لا) لأن "الذين" صفتهم.
﴿ راجعون ﴾ .
التفسير: أنه لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات.
الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيهاً على نبوة محمد من حيث كونه إخباراً بالغيب مدرجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غير منصرف للعلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله.
وقيل: عبد الله، لأن "إسر" بالعبرية هو العبد، "وإيل" الله.
وقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد .
وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة.
والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم.
قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله ذكربني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد ذكرهم المنعم فقال ﴿ فاذكرني أذكركم ﴾ عن ابن عباس أنه قال: من نعمه على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عموداً من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد وهو التوراة والإنجيل والزبور.
ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد والقرآن.
ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة.
ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه.
فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة.
والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب "من أشبه أباه فما ظلم".
والعهد يضاف إلى المعاهد جميعاً.
يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه.
والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن عباس.
وتحقيقه في قوله ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله ﴾ وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله ﴿ ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً ﴾ إلى قوله ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ وفي الأعراف ﴿ فسأكتبها للذين يتقون ﴾ الآية.
وفي آل عمران ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم ﴾ وفي الصف ﴿ وإذ قال عيسى بن مريم ﴾ وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ﴾ .
وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده ؟
قلنا: إما لأن هذا العلم به كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه ، وإما لأن ذلك النص كان نصاً خفياً لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.
جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله .
فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟
قالت: أهرب من سيدتي سارة.
فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابناً تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عيناً بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع.
فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة.
﴿ وإياي فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيداً رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص.
فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون.
وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿ إياك نعبد ﴾ لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها.
أي إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.
ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير.
والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول.
ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.
يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة.
قوله ﴿ وآمنوا ﴾ معطوف على ﴿ اذكروا ﴾ والمراد ﴿ بما أنزلت ﴾ القرآن و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والانجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد والقرآن تكذيباً لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقاً، ومن جهة أنه أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة بذلك الأمر قبل الوحي ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ أي أوّل من كفر به ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به ، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله "كسانا حلة" أي كل واحد منا.
(وهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب؟
وفي الجواب وجوه: الأوّل: أنه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم.
فلما بعث كان أمرهم على العكس ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به ﴾ .
والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا - وأنتم تعرفونه موصوفاً في التوراة - مثل من لم يعرفه لأنه لا كتاب له.
الثالث: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل.
الرابع ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يعني بكتابكم.
يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد يوجب تكذيبكم بكتابكم.
الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق إلى الكفر كفره غليظ "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر.
السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة.
السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر.
الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به عند سماعكم بذكره ، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه .
السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه.
وأيضاً في قوله ﴿ وآمنوا ﴾ دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور.
وأيضاً قوله ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير.
وقوله ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها ﴾ لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا.
قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة.
والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم.
خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام.
وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع ﴿ وإياي فاتقون ﴾ مثل ﴿ وإياي فارهبون ﴾ وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة.
على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم.
قوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله ﴿ وآمنوا ﴾ أمر بترك الكفر والضلال.
ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها.
فقوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ إشارة إلى القسم الأول، وقوله ﴿ وتكتموا ﴾ المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفاً على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني.
والباء التي في ﴿ بالباطل ﴾ إما للوصل كما في قولك "لبست الشيء بالشيء" خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما.
وإما للاستعانة كما في "كتبت بالقلم" فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين.
وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق ﴾ قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وتكتموا ﴾ منصوباً بإضمار "أن"، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو "لا تأكل السمك وتشرب اللبن".
قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفرداً عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً ﴾ إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر.
﴿ وأنتم تعلمون ﴾ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه.
ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.
وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله.
ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.
ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم في أول البقرة.
وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب.
قال ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ﴾ فإن المخرج يطهر ما بقي من المال.
قال "عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.
فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار.
وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار" .
وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.
وفي قوله ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين.
وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة.
وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول.
والهمزة في ﴿ أتأمرون ﴾ للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم.
والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي.
واختلف في البر ههنا.
قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها.
وقال ابن جريج.
تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما.
أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في أتباعه، فلما بعث الله محمداً حسدوه وأعرضوا عن دينه.
الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها.
وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد ولا يتبعونه.
وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد ثم ما آمنوا به.
وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه في الباطن، فوبخهم الله على ذلك.
والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟
فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ﴿ وأنتم تتلون الكتاب ﴾ أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ؟
وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم.
وكثيراً ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون.
وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة.
وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح.
ومنها أن مثل هذا الوعظ يصير سبباً للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء.
ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول.
قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بهذه الآية، وبقوله ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون ﴾ وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر.
والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع.قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي قال "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار.
فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟
فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم" وقال "إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه.
فقيل: من هو يا رسول الله؟
قال: عالم لا ينتفع بعلمه" وقال "مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه" وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟
فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.
وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه.
وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.
روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظاً زاهداً مات - فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟
فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟
فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك.
وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله.
فقال: إن بيتـــاً أنـــت ســاكنـــه *** غيـــــر محتــــاج إلـــى ســـــرج ولما أمرهم الله بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد بالصبر أي حبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها.
ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية.
وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان.
ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله.
وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات.
ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء.
وهذا الخطاب وإن كان خاصاً ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعياً في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها ﴾ .
ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا.
كان رسول الله إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.
وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه ﴾ ﴿ إلا على الخاشعين الذين يظنون ﴾ يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.
فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زماناً يسيراً فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات.
وكان رسول الله يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: "يا بلال روّحنا" ، "وجعلت قرة عيني في الصلاة" والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة.
وفي الحديث "كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت" وللظن ههنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزاً لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟
وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم.
وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعاً راجحاً عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت ﴾ .
ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح.
وبقي ههنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله ، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه ﴾ ويشمل الكافر والمؤمن.
وقال "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك.
فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.
فإن منع من ذلك أيضاً مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع.
ففي قوله ﴿ إلى يوم يلقونه ﴾ دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى.
البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ﴾ كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهراً غير الله .
قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه جسماً.
وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ ﴾ .
ويحتملُ ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ يعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله : ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...
﴾ الآية [الأعراف: 141].
ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ من نحو ما أَعطاهم - عز وجل - المن والسَّلْوى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحداً من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم.
وقيل: نعمتُه محمدٌ بعث وقتَ اختلافهم في الدين، وتَفرُّقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلَّهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبيِّنات.
كما أخرجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول الله نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا بالله.
ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري.
فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجِّه شكر نعمه إلى ربه.
وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أَمراً بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره.
وقوله : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ .
قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين: عهد خلقة: لما جعل في خلقة كلِّ أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى.
وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله : ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...
﴾ الآية [المائدة: 12].
وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...
﴾ الآية [المائدة: 12].
وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...
﴾ الآية [آل عمران: 187].
وقوله : ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .
الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ...
﴾ الآية [المائدة: 12].
ويقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجِّهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري.
ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبيِّين بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...
﴾ الآية [آل عمران: 81]، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ﴾ فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيَّن في كتبهم؛ من بعث محمد والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد .
وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .
أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.
وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي.
وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث محمد نبيِّي .
وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
قوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ على نبيِّي محمد من القرآن.
﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .
أي: موافقاً لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما.
وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض.
أو يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة - وهم الصابئون -: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتوراة نزلت بالشدائد.
فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب - بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ - حكمةً.
فقال عز وجل: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخصٌ؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأْمر به في وقت، وليس فيه خروجٌ عن الحكمة أَن يأْمر أَحداً وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدةٍ، وفي شيء واحد.
ثم في الآية دلالةُ أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَيْر مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فول كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق.
وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفاً لبعضه، كقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .
قيل فيه بوجهين: قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر.
وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأَنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به.
وقيل: هم أول من التقوا برسول الله ؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ.
فيكون عليهم - لو كفروا - ما على أول من كفر - ولا قوة إلا بالله - مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُّت والتمرد، والله الموفق.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .
قيل: بحجتي: قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ ﴾ .
وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيءٍ وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء.
وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ﴾ .
أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي.
وقد ذكرناه.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل.
ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا.
ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد ، ولا تثبتوا غيره.
وكله يرجع إلى واحد.
ثم ﴿ ٱلْحَقَّ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: محمداً ونعته.
ويحتمل الحق: القرآن.
ويحتمل الحق: الإيمان.
والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .
لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمداً عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون.
وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمراً بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ ﴾ ، ليس هو إخباراً عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لها والإيمان بهما، والله أعلم.
ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً.
قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويَصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة.
ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين.
ويحتمل: الأَمر بالصلاة والزكاة أَمراً لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكىَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها، ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرْضٌ على كل واحد، وبالله التوفيق.
وقوله عز وجل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون.
وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحداناً لغير الله؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي وأَصحابه بالجماعة.
وفيه أمر بحضور الجماعة.
وقيل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدين والمذهب، أَي: اعتقاداً.
وقوله عز وجل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يَعني: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ولا تأمرونها باتباع محمد ، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟!
وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .
أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك.
وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .
أَنَّ ذا لا يصحُّ؟!.
وقيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمحمد ، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم.
ويحتمل أَن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحداً بمعروف إلا ويأْمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول.
﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره.
والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .
يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأْكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان للرؤساءِ منهم بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ والله أعلم.
ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد ، والانقياد والخضوع له، لما بيَّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له.
ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأَن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ: "حفت الجنة بالمكارة، والنار بالشهوات" ويحتمل: أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما.
لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .
وإنما يصلح هذا التأويل في قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ...
﴾ الآية [البقرة: 153].
وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ .
يُخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم.
ويحتمل: أنَّ تركَ الرئاسة لمحمد والانقياد له، والخضوع - لثقيلٌ إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر.
ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم.
وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم.
وقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب.
وقيل: الخاشع؛ المتواضع.
وقيل: الخاشع - هاهنا - المؤمن.
وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب.
وقوله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ .
يعنى: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم.
وقوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴾ .
أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه.
قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفي الظن.
والهمّةُ بين هذين.
<div class="verse-tafsir"
يا أبناء نبي الله يعقوب تذكروا نعم الله المتتالية عليكم واشكروها والتزموا بالوفاء بعهدي إليكم؛ من الإيمان بي وبرسلي، والعمل بشرائعي، فإن وفيتم به أوفيت بعهدي لكم فيما وعدتكم به؛ من الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن يوم القيامة، وإياي وحدي فخافوني ولا تنقضوا عهدي.
<div class="verse-tafsir" id="91.3MaG9"
لا يزال الكلام في الكتاب وكونه لا ريب فيه وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره وقد قلنا إن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ: ذكر الكتاب وأنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس فيه فابتدأ بالمستعدين للإيمان به المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين.
ثم ضرب الأمثال لفرق الصنف الرابع، ثم طالب الناس کلهم بعبادته، ثم أقام البرهان علی كون الكتاب منزلًا من الله علی عبده محمد ، و تحدی المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاج الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين ، وحلق السموات والأرض لمنافعهم، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلًا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمعنى الذي نذكره.
والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتطامه في سلكه، و حسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم.
قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ اختص بني إسرائيل بالخطاب اهتمامًا بهم لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية والمزمنة بالأنبياء المعروفين، ولأنهم كانوا أشد الناس على المؤمنين، ولأن في دخولهم في الإسلام من الحجة على النصارى وغيرهم أقوى مما في دخول النصارى من الحجة عليهم، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير العظم شأنها هي نعمة جعل النبوة فيهم زمنًا طويلًا (أو أعم)، ولذلك كانوا يسمون شعب الله كما في كتبهم، وفي القرآن أن الله اصطفاهم وفضلهم، ولا شك أن هذه المنقبة نعمة عظيمة من الله منحهم إياها بفضله ورحمته فكانوا بها مفضلين على العالمين من الأمم والشعوب وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس لله شكرًا وأشدهم لنعمته ذكرًا، وذلك بأن يؤمنوا بكل نبي يرسله لهدايتهم، ولكنهم جعلوا النعمة حجة الإعراض عن الإيمان، وسبب إيذاء النبي ، لأنهم زعموا أن فضل الله تعالى محصور فيهم، وأنه لا يبعث نبيًا إلا منهم، ولذلك بدأ الله تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته، وقفى عليه بالأمر بالوفاء بعهده فقال: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ عهد الله تعالى إليهم يعرف من الكتاب الذي نزله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه، وعهد إليهم أن يرسل إليهم نبيًا من بين إخوتهم أي بني إسماعيل يقيم شعبًا جديدًا.
هذا هو العهد الخاص المنصوص، ويدخل في عموم العهد عهد الله الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة وهو التدبر والتروي، ووزن كل شيء بميزان العقل والنظر الصحيح، لا بميزان الهوى والغرور، ولو التفت بنو إسرائيل إلى هذا العهد الإلهي العام، أو إلى تلك العهود الخاصة المنصوصة في كتابهم، لآمنوا بالنبي واتبعوا النور الذي أنزل معه وكانوا من المفلحين، ولا حاجة إلى تخصيص العهد بالإيمان بالنبي كما فعل مفسرنا (الجلال) فإن الإيمان داخل في العهد العام وهو من أفراد العهد الخاص فلا دليل على قصر عموم العهد المضاف عليه.
هذا هو عهد الله، وأما عهدهم فهو التمكين في الأرض المقدسة، والنصر على الأمم الكافرة، والرفعة في الدنيا وخفض العيش فيها.
هذا هو الشائع في التوراة التي بين أيديهم، ولا شك أن الله تعالى قد وعدهم أيضًا بسعادة الآخرة، ولكن لا دليل على هذا في التوراة إلا الإشارات ولذلك ظن بعض الباحثين أن اليهود لا يؤمنون بالبعث، ومع هذا يقول (الجلال) كغيره إن هذا العهد هو دخول الجنة ويقتصر عليه.
ولما كان من موانع الوفاء بالعهد الذي فشا تركه في شعب إسرائيل خوف بعضهم من بعض لما بين الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المشتركة عقب الأمر بالوفاء بقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴾ أي إن کنتم تخافون فوت بعض المنافع، ونزول بعض المضار بكم إذا خالفتم الجماهير واتبعتم الحق، فالأولى أن لا تخافوا ولا ترهبوا إلا من بيده أزمة المنافع كلها، وهو الله الذي أنعم عليكم بتلك النعمة الكبرى أو النعم كلها، وهو وحده القادر على سلبها، وعلى العقوبة على ترك الشكر عليها، فأرهبوه وحده لا ترهبوا سواه.
ثم انتقل من الأمر بالوفاء بعموم العهد إلى العهد الخاص المقصود من السياق فقال تعالى جل شأنه ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾ من تعاليم التوراة وکتب الأنبياء كالتوحيد والنهي عن الفواحش والمنكرات والأمر بالمعروف وما يتصل بهذا من الإرشاد الموصل إلى السعادة فإذا نظرتم في القرآن ووجدتموه مصدقًا لما معكم من مقاصد الدين الإلهي وأصوله ووعود الأنبياء وعهودهم، تعلمون أن الروح الذي نزل به هو عين الروح الذي نزل بما سبقه، وتعلمون أنه لا غرض لهذا النبي الذي يدعوكم إلى مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء إلا تقرير الحق، وهداية الخلق، بعد ما طرأ من ضلالة التأويل، وجهالة التقليد، فبادروا إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي قامت به الحجة عليكم من وجهين: أحدهما - إعجازه.
وثانيهما - كونه مصدقًا لما معكم ﴿ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ أي ولا تبادروا إلى الكفر به والجحود له مع جدارتكم بالسبق إليه، وهذا الاستعمال معروف في الكلام البليغ لهذا المعنى لا يقصد بالأولية فيه حقيقتها.
والخطاب عام لليهود في كل عصر وزمان.
ثم قال ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا ﴾ الآيات هي الدلائل التي أيد بها النبي وأعظمها القرآن فهو كقوله تعالى ﴿ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ﴾ أي لا تعرضوا عن الإيمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل، وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤوسين من مال وجاء أوقعاهم في الكبير والغرور، وما يتوقعه المرؤوسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء وأتباعهم، وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة، وإنما سمي هذا الجزاء قليلًا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه، وكيف لا يكون قليلًا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شيء لإعراضه عن الآيات البينات، والبراهين الواضحات، ثم إنه يخسر مرضاة الله تعال وتحل به نقمة في الدنيا وعقوبته في الآخرة، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ وليس في هذه مع سابقاتها تكرار ولا شبه تكرار كما يتوهم، فقد حل كل من القولين محله، ولا مندوحة عن واحد منها لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرؤوس، واتقاء المرؤوس غضب الرئيس، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى الله وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم، وهو المسخر لهم في أعمالهم، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير.
ثم قال ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ بينت هذه الآية مسلكهم في الغواية والإغواء في سياق النهي عنه فقد جاء في كتبهم التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم ويعملون العجائب، وجاء فيها أيضًا أنه تعالى يبعث فيهم نبيًا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية "هاجر" وبين علاماته بما لا لبس فيه ولا اشتباه، ولكن الأحبار والرؤساء كانوا يلبسون على العامة الحق بالباطل فيوهمونهم أن النبي من الأنبياء الذين نعتهم الكتب بالكذبة -(حاشاه)- ويكتمون ما يعرفون من نعوته التي لا تنطبق على سواه، وما يعلمون من صفات الأنبياء الصادقين وما يدعون إليه، وكله ظاهر فيه بأكمل المظاهر.
ومن اللبس أيضًا ما يفتريه الرؤساء والأحبار فيكون صادًا لهم عن سبيل الله وعن الإيمان بنبيه عن ضلال وجهل، وهو لبس أصول الدين بالمُحْدَثات والتقاليد التي زادها على الكتب المنزلة بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض المتقدمين وأفعالهم، فكانوا يحكمون هذه الزيادات في الدين حتى في كتب الأنبياء ويعتذرون بأن الأقدمين أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعًا لهم فهم الواسطة بينهم وبين الأنبياء، وعلى من بعدهم الأخذ بما يقولون دون ما يقول الأنبياء الذين يصعب عليهم فهم كلامهم بزعمهم، ولكن الله لم يقبل هذا العذر منهم فأسند إليهم ذلك اللبس وكتمان الحق الموجود في التوراة إلى اليوم، وكذلك لا يقبل الله ممن بعدهم ترك كتابه لكلام الرؤساء بحجة أنهم أكثر علمًا وفهمًا، فكل ما يعلم من كتاب الله تعالى يجب العمل به، وإنما يسأل الإنسان أهل الفهم عما لا يعلم منه ليعلم فيعمل.
ثم قال جل ثناؤه ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴾ فبعد الدعوة إلى الإيمان اليقيني دعاهم إلى العمل الصالح على الوجه النافع المرضي لله تعالى وكانوا ضلوا عنه بالتمسك بالظواهر والوقوف عند الرسوم فقد كانوا يصلون ولكنهم ما كانوا يقيمون الصلاة لأن الإقامة هي الإتيان بالشيء مقومًا كاملًا وهي في الصلاة التوجه إلى الله تعالى بالقلب والخشوع بين يديه والإخلاص له في الذكر والدعاء والثناء، فهذا هو روح الصلاة الذي شرعت لأجله ولم تشرع لهذه الصورة، فإن الصورة تتغير في حكم الله تعالى على ألسنة أنبيائه لأنها رابطة مذكِّرة، فلم تكن للأنبياء صورة واحدة للصلاة، ولكن هذا الروح لا يتغير، فهو واحد لم يختلف فيه نبي ولم ينسخ في دين.
ثم أمر بعد الصلاة التي تطهر الروح وتقربها من الله تعالى بالزكاة التي هي عنوان الإيمان، ومظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس.
وقد عهد في القرآن قرن الأمر بإتيان الزكاة بالأمر بإقامة الصلاة، ومن أقام الصلاة لا ينسي الله تعالى ولا يغفل عن فضله، ومن كان كذلك فهو جدير ببذل المال في سبيله، مواساة لعياله ومساعدة على مصالحهم التي هي ملاك مصلحته، فإن الإنسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم فهو لم يكن غنيًا إلا بهم ومنهم، فإذا عجز بعضهم عن الكسب بآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه، فيجب على الآخرين الأخذ بيده، وأن يكونوا عونًا له حفظًا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الآخر، وشكرًا لله على ما ميزهم به من النعمة، وظاهر أن الغني في حاجة دائمة إلى الفقير كما أن الفقيرة في حاجة إليه، ولكن النفوس تمرض فتغفل عن المصلحة في بذل المال ومساعدة الفقير والضعيف مبالغة وغلوًا في حب المال الذي هو شقيق الروح كما يقولون، لهذا جعل الله بذل المال والإنفاق في سبل الخير علامة من علامات الإيمان، وجعل البخل من آيات النفاق والكفر كما سيأتي في بعض الآيات.
إن البخل- ومنبعه القسوة على عباد الله تعالى، والحرص على المال استرسالًا في الشهوات وميلًا مع الأهواء - لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في قلب واحد قط.
وليس لأحد أن يزعم أنه يؤمن بالله وبما أنزل على رسله من الأوامر والنواهي حتى يقوم بما أمر الله فيما طلب منه على ما يحب الله ويرضى.
ثم أمر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالركوع مع الراكعين، والركوع صورة الصلاة أو جزء من أجزائها، وقد أخره ولم يصله بالصلاة لحكمة جليلة، لا رعاية للفاصلة كما زعم بعض المفسرين، فليس من الجائز أن يكون في القرآن ما يعرض فيه إخلال بالمعنى لأجل رعاية الفاصلة، بل هذا لا يرتضيه البلغاء من الناس فكيف يقع في كلام الله تعالى؟
وإنما وردت هذه الأوامر الثلاثة مرتبة كما يحب الله تعالى فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة الله تعالى لأنها روح العبادة والإخلاص له، ويليها إيتاء الزكاة لأنها تدل أيضًا على زكاة الروح وقوة الإيمان، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة، فرض للتذكير بسابقيه وما هو بعباده لذاته، وإنما كان عبادة لأنه يؤدَّى امتثالًا لأمر الله تعالى وإظهارًا لخشيته، والخشوع لعظمته، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند الله شيئًا، وإن عده أهل الرسوم كل شيء، بخلاف إقامة الصلاة بالمعنى الذي ذكرناه وإيتاء الزكاة، ولا يخفى أن الفصل بين معنى الصلاة وصورتها بالزكاة فيه تعظيم لشأن الزكاة وسنتكلم على الزكاة والإنفاق في سبيل الله بالتفصيل في تفسير آية أخرى إن شاء الله تعالى.
<div class="verse-tafsir"