الآية ٤١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤١ من سورة البقرة

وَءَامِنُوا۟ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًۭا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا۟ أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ ۖ وَلَا تَشْتَرُوا۟ بِـَٔايَـٰتِى ثَمَنًۭا قَلِيلًۭا وَإِيَّـٰىَ فَٱتَّقُونِ ٤١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 181 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ولهذا قال : ( وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ) [ ( مصدقا ) ماضيا منصوبا على الحال من ( بما ) أي : بالذي أنزلت مصدقا أو من الضمير المحذوف من قولهم : بما أنزلته مصدقا ، ويجوز أن يكون مصدرا من غير الفعل وهو قوله : ( بما أنزلت مصدقا ) ] يعني به : القرآن الذي أنزله على محمد النبي الأمي العربي بشيرا ونذيرا وسراجا منيرا مشتملا على الحق من الله تعالى ، مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل .

قال أبو العالية ، رحمه الله ، في قوله : ( وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ) يقول : يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم يقول : لأنهم يجدون محمدا صلى الله عليه وسلم مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .

وروي عن مجاهد والربيع بن أنس وقتادة نحو ذلك .

وقوله : ( ولا تكونوا أول كافر به ) [ قال بعض المفسرين : أول فريق كافر به ونحو ذلك ] .

قال ابن عباس : ( ولا تكونوا أول كافر به ) وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم .

وقال أبو العالية : يقول : ( ولا تكونوا أول [ كافر به ) أول ] من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم [ يعني من جنسكم أهل الكتاب بعد سماعهم بمحمد وبمبعثه ] .

وكذا قال الحسن ، والسدي ، والربيع بن أنس .

واختار ابن جرير أن الضمير في قوله : ( به ) عائد على القرآن ، الذي تقدم ذكره في قوله : ( بما أنزلت ) وكلا القولين صحيح ؛ لأنهما متلازمان ، لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن .

وأما قوله : ( أول كافر به ) فيعني به أول من كفر به من بني إسرائيل ؛ لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير ، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة ، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن ، فكفرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم .

وقوله : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) يقول : لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها ، فإنها قليلة فانية ، كما قال عبد الله بن المبارك : أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن هارون بن زيد قال : سئل الحسن ، يعني البصري ، عن قوله تعالى : ( ثمنا قليلا ) قال : الثمن القليل الدنيا بحذافيرها .

وقال ابن لهيعة : حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير ، في قوله : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) وإن آياته : كتابه الذي أنزله إليهم ، وإن الثمن القليل : الدنيا وشهواتها .

وقال السدي : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) يقول : لا تأخذوا طمعا قليلا ولا تكتموا اسم الله لذلك الطمع وهو الثمن .

وقال أبو جعفر ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية في قوله تعالى : ( ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا ) يقول : لا تأخذوا عليه أجرا .

قال : وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول : يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا .

وقيل : معناه لا تعتاضوا عن البيان والإيضاح ونشر العلم النافع في الناس بالكتمان واللبس لتستمروا على رياستكم في الدنيا القليلة الحقيرة الزائلة عن قريب ، وفي سنن أبي داود عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يرح رائحة الجنة يوم القيامة وأما تعليم العلم بأجرة ، فإن كان قد تعين عليه فلا يجوز أن يأخذ عليه أجرة ، ويجوز أن يتناول من بيت المال ما يقوم به حاله وعياله ، فإن لم يحصل له منه شيء وقطعه التعليم عن التكسب ، فهو كما لم يتعين عليه ، وإذا لم يتعين عليه ، فإنه يجوز أن يأخذ عليه أجرة عند مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء ، كما في صحيح البخاري عن أبي سعيد في قصة اللديغ : إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله وقوله في قصة المخطوبة : زوجتكها بما معك من القرآن فأما حديث عبادة بن الصامت ، أنه علم رجلا من أهل الصفة شيئا من القرآن فأهدى له قوسا ، فسأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أحببت أن تطوق بقوس من نار فاقبله فتركه ، رواه أبو داود وروي مثله عن أبي بن كعب مرفوعا ، فإن صح إسناده فهو محمول عند كثير من العلماء منهم : أبو عمر بن عبد البر على أنه لما علمه الله لم يجز بعد هذا أن يعتاض عن ثواب الله بذلك القوس ، فأما إذا كان من أول الأمر على التعليم بالأجرة فإنه يصح كما في حديث اللديغ وحديث سهل في المخطوبة ، والله أعلم .

( وإياي فاتقون ) قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو عمر الدوري ، حدثنا أبو إسماعيل المؤدب ، عن عاصم الأحول ، عن أبي العالية ، عن طلق بن حبيب ، قال : التقوى أن تعمل بطاعة الله رجاء رحمة الله على نور من الله ، والتقوى أن تترك معصية الله مخافة عذاب الله على نور من الله .

ومعنى قوله : ( وإياي فاتقون ) أنه تعالى يتوعدهم فيما يتعمدونه من كتمان الحق وإظهار خلافه ومخالفتهم الرسول ، صلوات الله وسلامه عليه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى: وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: "آمنوا "، صدِّقوا، كما قد قدمنا البيان عنه قبل.

(37) ويعني بقوله: " بما أنـزلت " ما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن.

ويعني بقوله: " مصدِّقًا لما معكم "، أن القرآن مصدِّق لما مع اليهود من بني إسرائيل من التوراة.

فأمرهم بالتصديق بالقرآن، وأخبرهم جل ثناؤه أن في تصديقهم بالقرآن تصديقًا منهم للتوراة، لأن الذي في القرآن من الأمر بالإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباعه، نظيرُ الذي من ذلك في التوراة والإنجيل ففي تصديقهم بما &; 1-561 &; أنـزل على محمد تصديقٌ منهم لما معهم من التوراة، وفي تكذيبهم به تكذيبٌ منهم لما معهم من التوراة.

وقوله: " مصدقًا "، قطع من الهاء المتروكة في" أنـزلته " من ذكر " ما " (38) .

ومعنى الكلام وآمنوا بالذي أنـزلته مصدقًا لما معكم أيها اليهود، والذي معهم: هو التوراة والإنجيل.

كما:- 814- حدثنا به محمد بن عمرو الباهلي، قال: حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عيسى بن ميمون، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: " وآمنوا بما أنـزلت مصدقًا لما معكم "، يقول: إنما أنـزلت القرآن مصدقًا لما معكم التوراة والإنجيل.

(39) .

815- وحدثني المثنى، قال: حدثنا أبو حذيفة، قال: حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

816- وحدثني المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: أخبرنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " وآمنوا بما أنـزلت مصدِّقًا لما معكم "، يقول: يا معشر أهل الكتاب، آمنوا بما أنـزلت على محمّد مصدقًا لما معكم.

يقول: لأنهم يجدون محمّدًا صلى الله عليه وسلم مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل.

(40) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ قال أبو جعفر: فإن قال لنا قائل: كيف قِيل: " ولا تكونوا أول كافر به "، &; 1-562 &; والخطاب فيه لجميع (41) ، وقوله: " كافر " واحد؟

وهل نجيز -إن كان ذلك جائزًا- أن يقول قائل: " ولا تكونوا أول رجُل قام "؟

قيل له: إنما يجوز توحيد ما أضيف له " أفعل "، وهو خبر لجميع (42) إذا كان اسمًا مشتقًّا من " فعل ويفعل "، لأنه يؤدِّي عن المرادِ معه المحذوفَ من الكلام وهو " مَنْ"، ويقوم مقامه في الأداء عن معنى ما كان يؤدي عنه " مَنْ" من الجمع والتأنيث، وهو في لفظ واحد.

ألا ترى أنك تقول: ولا تكونوا أوَّلَ من يكفر به." فمن " بمعنى جميع (43) ، وهو غير متصرف تصرفَ الأسماء للتثنية والجمع والتأنيث.

فإذا أقيم الاسمُ المشتق من " فعل ويفعل " مُقَامه، جرى وهو موحّد مجراه في الأداء عما كان يؤدي عنه " مَنْ" من معنى الجمع والتأنيث، كقولك: " الجيش مُنهزم "،" والجند مقبلٌ" (44) ، فتوحِّد الفعلَ لتوحيد لفظ الجيش والجند.

وغير جائز أن يقال: " الجيش رجل، والجند غلام "، حتى تقول: " الجند غلمان والجيش رجال ".

لأن الواحد من عدد الأسماء التي هي غير مشتقة من " فعل ويفعل "، لا يؤدّي عن معنى الجماعة منهم، ومن ذلك قول الشاعر: وَإِذَا هُــمُ طَعِمُــوا فَـأَلأَمُ طَـاعِمٍ وَإِذَا هُـمُ جَـاعُوا فَشَـرُّ جِيَـاعِ (45) فوحّد مَرّةً على ما وصفتُ من نية " مَنْ"، وإقامة الظاهر من الاسم الذي هو مشتق من " فعل ويفعل " مقامه، وجمع أخرى على الإخراج على عدد أسماء &; 1-563 &; المخبر عنهم، ولو وحَّد حيث جَمع، أو جمع حيث وحَّد، كان صوابًا جائزًا (46) .

وأما تأويل ذلك (47) فإنه يعني به: يا معشر أحبار أهل الكتاب، صدِّقوا بما أنـزلتُ على رسولي محمد صلى الله عليه وسلم من القرآن المصدِّق كتابَكم، والذي عندكم من التوراة والإنجيل، المعهود إليكم فيهما أنه رسولي ونبيِّيَ المبعوثُ بالحق، ولا تكونوا أوَّل أمّتكُمْ كذَّبَ به (48) وَجحد أنه من عندي، وعندكم من العلم به ما ليس عند غيركم.

وكفرهم به: جُحودهم أنه من عند الله (49) .

والهاء التي في" به " من ذكر " ما " التي مع قوله: وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ .

كما:- 817- حدثني القاسم، قال: حدثنا الحسين، قال: حدثنا حجاج، قال قال ابن جريج في قوله: " ولا تكونوا أوّل كافر به "، بالقرآن.

(50) قال أبو جعفر: وروى عن أبي العالية في ذلك ما:- 818- حدثني به المثنى، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " ولا تكونوا أول كافر به "، يقول: لا تكونوا أول من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم.

(51) .

وقال بعضهم: " ولا تكونوا أول كافر به "، يعني: بكتابكم.

ويتأول أنّ في تكذيبهم بمحمد صلى الله عليه وسلم تكذيبًا منهم بكتابهم، لأن في كتابهم الأمرَ باتباع محمد صلى الله عليه وسلم.

وهذان القولان من ظاهر ما تدلّ عليه التلاوة بعيدانِ.

وذلك أن الله جل ثناؤه &; 1-564 &; أمر المخاطبين بهذه الآية في أولها بالإيمان بما أنـزل على محمد صلى الله عليه وسلم، فقال جل ذكره: وَآمِنُوا بِمَا أَنْـزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ .

ومعقول أن الذي أنـزله الله في عصر محمد صلى الله عليه وسلم هو القرآن لا محمد، لأن محمدًا صلوات الله عليه رسولٌ مرسل، لا تنـزيلٌ مُنْـزَل، والمنْـزَل هو الكتاب.

ثم نهاهم أن يكونوا أوَّل من يكفر بالذي أمرهم بالإيمان به في أول الآية (52) ، ولم يجر لمحمد صلى الله عليه وسلم في هذه الآية ذكرٌ ظاهر، فيعاد عليه بذكره مكنيًّا في قوله: " ولا تكونوا أول كافر به " - وإن كان غير محال في الكلام أن يُذْكر مكنيُّ اسمٍ لم يَجْرِ له ذكرٌ ظاهر في الكلام (53) .

وكذلك لا معنى لقول من زعم أنّ العائد من الذكر في" به " على " ما " التي في قوله: لِمَا مَعَكُمْ .

لأن ذلك، وإن كان محتمَلا ظاهرَ الكلام (54) ، فإنه بعيدٌ مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنـزيل، لما وصفنا قبل من أن المأمور بالإيمان به في أول الآية هو القرآن.

فكذلك الواجب أن يكون المنهيُّ عن الكفر به في آخرها هو القرآن (55) .

وأما أن يكون المأمور بالإيمان به غيرَ المنهيّ عن الكفر به، في كلام واحد وآية واحدة، فذلك غير الأشهر الأظهر في الكلام.

هذا مع بُعْد معناه في التأويل.

(56) .

819- حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد &; 1-565 &; بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: " وآمنوا بما أنـزلت مصدقًا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به "، وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم (57) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك: 820- فحدثني المثنى بن إبراهيم قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية: " ولا تشترُوا بآياتي ثمنًا قليلا "، يقول: لا تأخذوا عليه أجرًا.

قال: هو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابنَ آدم، عَلِّمْ مَجَّانًا كما عُلِّمتَ مَجَّانًا (58) .

وقال آخرون بما:- 821 - حدثني به موسى بن هارون، قال: حدثنا عمرو بن حماد، قال: حدثنا أسباط، عن السدي: " ولا تشتروا بآياتي ثمنًا قليلا "، يقول: لا تأخذوا طمَعًا قليلا وتكتُموا اسمَ الله، وذلك الثمن هو الطمع (59) .

&; 1-566 &; فتأويل الآية إذًا: لا تبيعوا ما آتيتكم من العلم بكتابي وآياته بثمن خسيسٍ وعَرضٍ من الدنيا قليل.

وبيعُهم إياه - تركهم إبانةَ ما في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم للناس، وأنه مكتوب فيه أنه النبيّ الأميّ الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل - بثمن قليل، وهو رضاهم بالرياسة على أتباعهم من أهل ملتهم ودينهم، وأخذهم الأجرَ ممَّن بيّنوا له ذلك على ما بيّنوا له منه.

وإنما قلنا بمعنى ذلك: " لا تبيعوا " (60) ، لأن مشتري الثمن القليل بآيات الله بائعٌ الآياتِ بالثمن، فكل واحد من الثمَّن والمثمَّن مبيع لصاحبه، وصاحبه به مشتري: وإنما معنى ذلك على ما تأوله أبو العالية (61) ، بينوا للناس أمر محمّد صلى الله عليه وسلم، ولا تبتغوا عليه منهم أجرًا.

فيكون حينئذ نهيُه عن أخذ الأجر على تبيينه، هو النهيَ عن شراء الثمن القليل بآياته.

* * * القول في تأويل قوله تعالى ذكره: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ قال أبو جعفر: يقول: فاتقونِ - في بَيعكم آياتي بالخسيس من الثمن، وشرائكم بها القليل من العَرَض، وكفركم بما أنـزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيِّي - أنْ أُحِلّ بكم ما أحللتُ بأسلافكم الذين سلكوا سبيلكم من المَثُلات والنَّقِمَات.

------------ الهوامش : (37) انظر ما مضى : 234 ، 235 .

(38) قوله"قطع" ، أي حال .

وانظر ما سلف ص 230 : تعليق : 4 ، وص 330 تعليق : 1 .

(39) الأثر : 814- في ابن كثير 1 : 150 تضمينًا ، والدر المنثور 1 : 264 ، والشوكاني 1 : 61 .

(40) الأثر : 815- في ابن كثير 1 : 150 ، والدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 61 .

(41) في المطبوعة في المواضع الثلاثة : "لجمع .

.

.

لجمع .

.

.

جمع" .

(42) في المطبوعة في المواضع الثلاثة : "لجمع .

.

.

لجمع .

.

.

جمع" .

(43) في المطبوعة في المواضع الثلاثة : "لجمع .

.

.

لجمع .

.

.

جمع" .

(44) في المطبوعة .

"الجيش ينهزم ، والجند يقبل" ، وهو خطأ صرف .

(45) نوادر أبي زيد : 152 ، لرجل جاهلي ، ومعاني القرآن للفراء 1 : 33 ، وهي ثلاثة أبيات نوادر ، وقبله : ومُــوَيْلكٌ زمَــعُ الكِـلابِ يَسُـبُّنِي فَسَــماعِ أسْــتَاهَ الكــلابِ سَـمَاعِ هَـلْ غـير عَـدْوِكُمُ عَـلَى جَـارَاتكُمْ لبُطُــونِكُمْ مَلَــثَ الظَّــلامِ دَوَاعِـي وقوله : "طعموا" أي شبعوا ، فهم عندئذ ألأم من شبع .

وفي الحديث : "طعام الواحد يكفي الاثنين وطعام الاثنين يكفي الأربعة" ، يعني شبع .

الواحد قوت الاثنين ، وشبع الاثنين قوت الأربعة .

(46) انظر مثل ما قال الطبري في معاني القرآن للفراء 1 : 32-33 .

(47) في المطبوعة : "فأما .

.

.

" بالفاء .

(48) في المطبوعة : "أول من كذب به" ، والذي أثبتناه هو صواب بيان الطبري .

(49) في المخطوطة : "وكفرهم به وجحودهم .

.

.

" وهو خطأ .

(50) الأثر : 817- في الدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 61 .

(51) الأثر : 818- في ابن كثير 1 : 150 ، والدر المنثور 1 : 64 ، والشوكاني 1 : 61 .

(52) في المطبوعة زيادة بين هاتين الجملتين ، وهي مقحمة مفسدة للكلام نابية في السياق .

ونصها" .

.

.

في أول الآية من أهل الكتاب ، فذلك هو الظاهر المفهوم .

ولم يجر لمحمد .

.

.

" .

(53) بيان الطبري جيد محكم ، وإن ظن بعض من نقل كلامه أن كلا القولين صحيح ، لأنهما متلازمان .

لأن من كفر بالقرآن فقد كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ، ومن كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفر بالقرآن (ابن كثير 1 : 150) .

ونعم ، كلا القولين صحيح المعنى في ذاته ، ولكن الطبري يحدد دلالة الألفاظ والضمائر في الآية ، ويعين ما يحتمله ظاهر التلاوة والتنزيل ، ويخلص معنى من معنى ، وإن كان كلاهما صحيحًا في العقل ، صحيحًا في الحكم ، صحيحًا في الدين .

وما أكثر ما يتساهل الناس إذا تقاربت المعاني ، ولا يخلص معنى من معنى إلا بصير بالعربية كأبي جعفر رضي الله عنه .

(54) في المطبوعة : "محتمل ظاهر الكلام" .

(55) في المخطوطة : " .

.

.

أن الأمر بالإيمان به في أول الآية .

.

.

أن يكون النهي عن الكفر به في آخرها .

.

.

" ، والذي في المطبوعة أجود وأبين .

(56) وهذا أيضًا من جيد البصر؛ بمنطق العربية ، وإن ظنه بعضهم قريبًا من قريب .

(57) الخبر : 819- من تمام الأخبار السالفة الأرقام 805 ، 811 ، في الدر المنثور 1 : 63 .

(58) الأثر : 820- من تمام الأثر السالف رقم : 818 ومراجعه هناك .

وفي ابن كثير 1 : 151 .

والمجان : عطية الشيء بلا منة ولا ثمن .

قال أبو العباس : سمعت ابن الأعرابي يقول : المجان عند العرب الباطل ، وقالوا : "ماء مجان" .

قال الأزهري : العرب تقول : تمر"مجان" ، وماء"مجان" ، يريدون أنه كثير كاف .

قال : واستطعمني أعرابي تمرًا فأطعمته كتلة واعتذرت إليه من قلته ، فقال : هذا والله"مجان" .

أي كثير كاف .

وقولهم : أخذه مجانًا : أي بلا بدل ، وهو فعال لأنه ينصرف (اللسان : مجن) .

(59) الأثر : 821- في ابن كير 1 : 151 .

وفي المطبوعة وابن كثير : "فذلك الطمع هو الثمن" ، وأثبت ما في المخطوطة ، فهو أجود .

(60) في المطبوعة : "وإنما قلنا معنى ذلك .

.

.

" .

(61) في المطبوعة : "وإنما معناه على ما تأوله .

.

.

" .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون قوله تعالى : وآمنوا بما أنزلت أي صدقوا ، يعني بالقرآن ." مصدقا " حال من الضمير في " أنزلت " ، التقدير بما أنزلته مصدقا ، والعامل فيه أنزلت ويجوز أن يكون حالا من ما والعامل فيه آمنوا التقدير آمنوا بالقرآن مصدقا ويجوز أن تكون مصدرية التقدير آمنوا بإنزال .( لما معكم ) يعني من التوراةقوله تعالى : ولا تكونوا أول كافر به الضمير في به قيل هو عائد على محمد صلى الله عليه وسلم ، قاله أبو العالية وقال ابن جريج : هو عائد على القرآن ، إذ تضمنه قوله : بما أنزلت وقيل : على التوراة ، إذ تضمنها قوله : لما معكم .فإن قيل كيف قال : " كافر " ولم يقل كافرين قيل التقدير ولا تكونوا أول فريق كافر به وزعم الأخفش والفراء أنه محمول على معنى الفعل لأن المعنى أول من كفر به وحكى سيبويه هو أظرف الفتيان وأجمله وكان ظاهر الكلام هو أظرف فتى وأجمله وقال أول كافر به وقد كان قد كفر قبلهم كفار قريش فإنما معناه من أهل الكتاب إذ هم منظور إليهم في مثل هذا لأنهم حجة مظنون بهم علم .و " أول " عند سيبويه نصب على خبر كان وهو مما لم ينطق منه بفعل وهو على أفعل ، عينه وفاؤه واو وإنما لم ينطق منه بفعل لئلا يعتل من جهتين العين والفاء ، وهذا مذهب البصريين ، وقال الكوفيون : هو من وأل إذا نجا فأصله [ ص: 314 ] أوأل ثم خففت الهمزة وأبدلت واوا وأدغمت فقيل أول كما تخفف همزة خطيئة قال الجوهري والجمع الأوائل والأوالي أيضا على القلب .

وقال قوم : أصله وول على فوعل فقلبت الواو الأولى همزة وإنما لم يجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع وقيل هو أفعل من آل يئول ، فأصله أأول ، قلب فجاء أعفل مقلوبا من أفعل فسهل وأبدل وأدغم .مسألة : لا حجة في هذه الآية لمن يمنع القول بدليل الخطاب ، وهم الكوفيون ومن وافقهم ; لأن المقصود من الكلام النهي عن الكفر أولا وآخرا ، وخص الأول بالذكر لأن التقدم فيه أغلظ ، فكان حكم المذكور والمسكوت عنه واحدا ، وهذا واضحقوله تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا فيه أربع مسائل : الأولى : قوله تعالى : ولا تشتروا معطوف على قوله ولا تكونوا نهاهم عن أن يكونوا أول من كفر وألا يأخذوا على آيات الله ثمنا أي على تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم رشا ، وكان الأحبار يفعلون ذلك فنهوا عنه قاله قوم من أهل التأويل منهم الحسن وغيره ، وقيل : كانت لهم مآكل يأكلونها على العلم كالراتب فنهوا عن ذلك ، وقيل : إن الأحبار كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك وفي كتبهم يا ابن آدم علم مجانا كما علمت مجانا أي باطلا بغير أجرة قاله أبو العالية وقيل : المعنى ولا تشتروا بأوامري ونواهي وآياتي ثمنا قليلا يعني الدنيا ومدتها والعيش الذي هو نزر لا خطر له فسمي ما اعتاضوه عن ذلك ثمنا لأنهم جعلوه عوضا فانطلق عليه اسم الثمن وإن لم يكن ثمنا ، وقد تقدم هذا المعنى وقال الشاعر :إن كنت حاولت ذنبا أو ظفرت به فما أصبت بترك الحج من ثمنقلت : وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول من فعل فعلهم فمن أخذ رشوة على تغيير حق أو إبطاله أو امتنع من تعليم ما وجب عليه أو أداء ما علمه وقد تعين عليه حتى يأخذ عليه أجرا فقد دخل في مقتضى الآية والله أعلم وقد روى أبو داود عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة يعني ريحها .[ ص: 315 ]الثانية : وقد اختلف العلماء في أخذ الأجرة على تعليم القرآن والعلم - لهذه الآية وما كان في معناها فمنع ذلك الزهري وأصحاب الرأي وقالوا : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن لأن تعليمه واجب من الواجبات التي يحتاج فيها إلى نية التقرب والإخلاص فلا يؤخذ عليها أجرة كالصلاة والصيام ، وقد قال تعالى : ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا .

وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال معلمو صبيانكم شراركم أقلهم رحمة باليتيم وأغلظهم على المسكين .

وروى أبو هريرة قال : قلت يا رسول الله ما تقول في المعلمين قال درهمهم حرام وثوبهم سحت وكلامهم رياء وروى عبادة بن الصامت قال : علمت ناسا من أهل الصفة القرآن والكتابة ، فأهدى إلي رجل منهم قوسا فقلت : ليست بمال وأرمي عنها في سبيل الله فسألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن سرك أن تطوق بها طوقا من نار فاقبلها .

وأجاز أخذ الأجرة على تعليم القرآن مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور وأكثر العلماء لقوله عليه السلام في حديث ابن عباس حديث الرقية إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله أخرجه البخاري وهو نص يرفع الخلاف فينبغي أن يعول عليه .وأما ما احتج به المخالف من القياس على الصلاة والصيام ففاسد ، لأنه في مقابلة النص ثم إن بينهما فرقانا وهو أن الصلاة والصوم عبادات مختصة بالفاعل ، وتعليم القرآن عبادة متعدية لغير المعلم فتجوز الأجرة على محاولته النقل كتعليم كتابة القرآن ، قال ابن المنذر وأبو حنيفة يكره تعليم القرآن بأجرة ويجوز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحا أو شعرا أو غناء معلوما بأجر معلوم .

فيجوز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة .وأما الجواب عن الآية - فالمراد بها بنو إسرائيل ، وشرع من قبلنا هل هو شرع لنا ، فيه خلاف ، وهو لا يقول به .جواب ثان : وهو أن تكون الآية فيمن تعين عليه التعليم فأبى حتى يأخذ عليه أجرا فأما إذا لم يتعين فيجوز له أخذ الأجرة بدليل السنة في ذلك وقد يتعين عليه إلا أنه ليس عنده ما ينفقه على نفسه ولا على عياله فلا يجب عليه التعليم وله أن يقبل على صنعته وحرفته ، ويجب على الإمام أن يعين لإقامة الدين إعانته ، وإلا فعلى المسلمين لأن الصديق رضي الله عنه لما [ ص: 316 ] ولي الخلافة وعين لها لم يكن عنده ما يقيم به أهله فأخذ ثيابا وخرج إلى السوق فقيل له في ذلك فقال ومن أين أنفق على عيالي فردوه وفرضوا له كفايته ، وأما الأحاديث فليس شيء منها يقوم على ساق ولا يصح منها شيء عند أهل العلم بالنقل أما حديث ابن عباس فرواه سعيد بن طريف عن عكرمة عنه وسعيد متروك وأما حديث أبي هريرة فرواه علي بن عاصم عن حماد بن مسلمة عن أبي جرهم عنه وأبو جرهم مجهول لا يعرف ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له أبو جرهم ، وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك الحديث أيضا وهو حديث لا أصل له وأما حديث عبادة بن الصامت فرواه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه والمغيرة معروف عند أهل العلم ولكنه له مناكير هذا منها قاله أبو عمر ثم قال وأما حديث القوس فمعروف عند أهل العلم لأنه روي عن عبادة من وجهين وروي عن أبي بن كعب من حديث موسى بن علي عن أبيه عن ابن مسعود وهو منقطع وليس في الباب حديث يجب العمل به من جهة النقل ، وحديث عبادة وأبي يحتمل التأويل ; لأنه جائز أن يكون علمه لله ثم أخذ عليه أجرا ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال خير الناس وخير من يمشي على وجه الأرض المعلمون كلما خلق الدين جددوه أعطوهم ولا تستأجروهم فتحرجوهم فإن المعلم إذا قال للصبي قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال الصبي بسم الله الرحمن الرحيم كتب الله براءة للصبي وبراءة للمعلم وبراءة لأبويه من النار .الثالثة : واختلف العلماء في حكم المصلي بأجرة فروى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة خلف من استؤجر في رمضان يقوم للناس فقال أرجو ألا يكون به بأس ، وهو أشد كراهة له في الفريضة وقال الشافعي وأصحابه وأبو ثور لا بأس بذلك ولا بالصلاة خلفه وقال الأوزاعي لا صلاة له وكرهه أبو حنيفة وأصحابه على ما تقدم قال ابن عبد البر وهذه المسألة معلقة من التي قبلها وأصلهما واحد .قلت : ويأتي لهذا أصل آخر من الكتاب في " براءة " إن شاء الله تعالى وكره ابن القاسم أخذ الأجرة على تعليم الشعر والنحو وقال ابن حبيب لا بأس بالإجارة على تعليم الشعر والرسائل وأيام العرب ويكره من الشعر ما فيه الخمر والخنا والهجاء قال أبو الحسن اللخمي ويلزم على قوله أن يجيز الإجارة على كتبه ويجيز بيع كتبه ، وأما الغناء والنوح فممنوع على كل حال .الرابعة : روى الدارمي أبو محمد في مسنده أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال حدثنا محمد بن عمر بن الكميت قال حدثنا علي بن وهب الهمداني قال أخبرنا الضحاك بن موسى قال مر سليمان بن عبد الملك بالمدينة وهو يريد مكة فأقام بها أياما فقال هل بالمدينة أحد أدرك أحدا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له أبو حازم فأرسل إليه فلما دخل عليه قال له يا أبا حازم ما هذا الجفاء ؟

قال أبو حازم يا أمير المؤمنين وأي جفاء رأيت مني ؟

قال أتاني وجوه أهل المدينة ، ولم تأتني قال يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن ، ما عرفتني قبل هذا اليوم ولا أنا رأيتك قال فالتفت إلى محمد بن شهاب الزهري فقال أصاب الشيخ وأخطأت ، قال سليمان يا أبا حازم ما لنا نكره الموت قال لأنكم أخربتم الآخرة وعمرتم الدنيا فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب قال أصبت يا أبا حازم فكيف القدوم غدا على الله تعالى قال أما المحسن فكالغائب يقدم على أهله وأما المسيء فكالآبق يقدم على مولاه فبكى سليمان وقال ليت شعري ما لنا عند الله ؟

قال اعرض عملك على كتاب الله قال وأي مكان أجده قال إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم قال سليمان فأين رحمة الله يا أبا حازم قال أبو حازم رحمة الله قريب من المحسنين قال له سليمان يا أبا حازم فأي عباد الله أكرم ؟

قال أولو المروءة والنهى قال له سليمان فأي الأعمال أفضل قال أبو حازم أداء الفرائض مع اجتناب المحارم قال سليمان فأي الدعاء أسمع ؟

قال دعاء المحسن إليه للمحسن فقال أي الصدقة أفضل ؟

قال للسائل البائس وجهد المقل ليس فيها من ولا أذى قال فأي القول أعدل قال : قول الحق عند من تخافه أو ترجوه قال : فأي المؤمنين أكيس ؟

قال رجل عمل بطاعة الله ودل الناس عليها قال فأي المؤمنين أحمق ؟

قال رجل انحط في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره قال له سليمان أصبت فما تقول فيما نحن فيه قال يا أمير المؤمنين أوتعفيني قال له سليمان لا ولكن نصيحة تلقيها إلي قال يا أمير المؤمنين إن آباءك قهروا الناس بالسيف وأخذوا هذا الملك عنوة على غير مشورة من المسلمين ولا رضاهم حتى قتلوا منهم مقتلة عظيمة فقد ارتحلوا عنها فلو شعرت ما قالوه وما قيل لهم فقال له رجل من جلسائه بئس ما قلت يا أبا حازم قال أبو حازم كذبت إن الله أخذ ميثاق العلماء ليبيننه للناس ولا يكتمونه قال له سليمان فكيف لنا أن نصلح ؟

قال تدعون الصلف وتمسكون بالمروءة وتقسمون بالسوية قال له سليمان فكيف لنا بالمأخذ به ؟

قال أبو حازم تأخذه من حله وتضعه في أهله قال له سليمان هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منا ونصيب [ ص: 318 ] منك ؟

قال أعوذ بالله !

قال له سليمان ولم ذاك ؟

قال أخشى أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات قال له سليمان ارفع إلينا حوائجك قال تنجيني من النار وتدخلني الجنة قال له سليمان ليس ذاك إلي قال أبو حازم فما لي إليك حاجة غيرها قال فادع لي قال أبو حازم اللهم إن كان سليمان وليك فيسره لخير الدنيا والآخرة وإن كان عدوك فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى قال له سليمان قط قال أبو حازم قد أوجزت وأكثرت ، إن كنت من أهله وإن لم تكن من أهله فما ينبغي أن أرمي عن قوس ليس لها وتر قال لهسليمان أوصني قال سأوصيك وأوجز : عظم ربك ونزهه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك فلما خرج من عنده بعث إليه بمائة دينار وكتب إليه أن أنفقها ولك عندي مثلها كثير قال فردها عليه وكتب إليه يا أمير المؤمنين أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا أو ردي عليك بذلا وما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي إن موسى بن عمران لما ورد ماء مدين وجد عليه رعاء يسقون ووجد من دونهم جاريتين تذودان فسألهما فقالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير ; فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير وذلك أنه كان جائعا خائفا لا يأمن فسأل ربه ولم يسأل الناس فلم يفطن الرعاء وفطنت الجاريتان فلما رجعتا إلى أبيهما أخبرتاه بالقصة وبقوله فقال أبوهما وهو شعيب عليه السلام هذا رجل جائع فقال لإحداهما اذهبي فادعيه فلما أتته عظمته وغطت وجهها وقالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فشق على موسى حين ذكرت أجر ما سقيت لنا ولم يجد بدا من أن يتبعها لأنه كان بين الجبال جائعا مستوحشا فلما تبعها هبت الريح فجعلت تصفق ثيابها على ظهرها فتصف له عجيزتها وكانت ذات عجز وجعل موسى يعرض مرة ويغض أخرى فلما عيل صبره ناداها يا أمة الله كوني خلفي وأريني السمت بقولك فلما دخل على شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ فقال له شعيب اجلس يا شاب فتعش فقال له موسى عليه السلام أعوذ بالله فقال له شعيب لم ؟

أما أنت جائع ؟

قال بلى ولكني أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما وأنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من ديننا بملء الأرض ذهبا فقال له شعيب لا يا شاب ولكنها عادتي وعادة آبائي نقري الضيف ونطعم الطعام فجلس موسى فأكل .

فإن كانت هذه المائة دينار عوضا لما حدثت ، فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحل من هذه ، وإن كان لحق في بيت المال فلي فيها نظراء ، فإن ساويت بيننا وإلا فليس لي فيها حاجة .[ ص: 319 ] قلت : هكذا يكون الاقتداء بالكتاب والأنبياء انظروا إلى هذا الإمام الفاضل والحبر العالم كيف لم يأخذ على عمله عوضا ولا على وصيته بدلا ولا على نصيحته صفدا بل بين الحق وصدع ولم يلحقه في ذلك خوف ولا فزع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنعن أحدكم هيبة أحد أن يقول بالحق حيث كان وفي التنزيل يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائمقوله تعالى : وإياي فاتقون قد تقدم معنى التقوى وقرئ " فاتقوني " بالياء وقد تقدم وقال سهل بن عبد الله قوله وإياي فاتقون قال موضع علمي السابق فيكم وإياي فارهبون قال موضع المكر والاستدراج لقول الله تعالى سنستدرجهم من حيث لا يعلمون فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون فما استثنى نبيا ولا صديقا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

ثم أمرهم بالأمر الخاص, الذي لا يتم إيمانهم, ولا يصح إلا به فقال: { وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ } وهو القرآن الذي أنزله على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، فأمرهم بالإيمان به, واتباعه, ويستلزم ذلك, الإيمان بمن أنزل عليه، وذكر الداعي لإيمانهم به، فقال: { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } أي: موافقا له لا مخالفا ولا مناقضا، فإذا كان موافقا لما معكم من الكتب, غير مخالف لها; فلا مانع لكم من الإيمان به, لأنه جاء بما جاءت به المرسلون, فأنتم أولى من آمن به وصدق به, لكونكم أهل الكتب والعلم.

وأيضا فإن في قوله: { مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ } إشارة إلى أنكم إن لم تؤمنوا به, عاد ذلك عليكم, بتكذيب ما معكم, لأن ما جاء به هو الذي جاء به موسى وعيسى وغيرهما من الأنبياء، فتكذيبكم له تكذيب لما معكم.

وأيضا, فإن في الكتب التي بأيدكم, صفة هذا النبي الذي جاء بهذا القرآن والبشارة به، فإن لم تؤمنوا به, كذبتم ببعض ما أنزل إليكم, ومن كذب ببعض ما أنزل إليه, فقد كذب بجميعه، كما أن من كفر برسول, فقد كذب الرسل جميعهم.

فلما أمرهم بالإيمان به, نهاهم وحذرهم من ضده وهو الكفر به فقال: { وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أي: بالرسول والقرآن.

وفي قوله: { أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ } أبلغ من قوله: { ولا تكفروا به } لأنهم إذا كانوا أول كافر به, كان فيه مبادرتهم إلى الكفر به, عكس ما ينبغي منهم, وصار عليهم إثمهم وإثم من اقتدى بهم من بعدهم.

ثم ذكر المانع لهم من الإيمان, وهو اختيار العرض الأدنى على السعادة الأبدية، فقال: { وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا } وهو ما يحصل لهم من المناصب والمآكل, التي يتوهمون انقطاعها, إن آمنوا بالله ورسوله, فاشتروها بآيات الله واستحبوها, وآثروها.

{ وَإِيَّايَ } أي: لا غيري { فَاتَّقُونِ } فإنكم إذا اتقيتم الله وحده, أوجبت لكم تقواه, تقديم الإيمان بآياته على الثمن القليل، كما أنكم إذا اخترتم الثمن القليل, فهو دليل على ترحل التقوى من قلوبكم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{وآمنوا بما أنزلت} يعني القرآن.

{مصدقاً لما معكم} أي موافقاً لما معكم -يعني: التوراة- في التوحيد والنبوة والأخبار ونعت النبي صلى الله عليه وسلم.

نزلت في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم.

{ولا تكونوا أول كافر به} أي بالقرآن، يريد من أهل الكتاب، لأن قريشاً كفرت قبل اليهود بمكة.

معناه: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك فتبوؤا بآثامكم وآثامهم.

{ثمناً قليلاً} أي عرضاً يسيراً من الدنيا وذلك أن رؤساء اليهود وعلماءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من سفلتهم وجهالهم يأخذون منهم كل عام شيئاً معلوماً من زروعهم وضروعهم ونقودهم فخافوا إن هم بينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل فغيروا نعته وكتموا اسمه فاختاروا الدنيا على الآخرة.

{وإياي فاتقون} فاخشوني.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وآمنوا بما أنزلت» من القرآن «مصدِّقاً لما معكم» من التوراة بموافقته له في التوحيد والنبوة «ولا تكونوا أوَّل كافر به» من أهل الكتاب لأنَّ خلفكم تبع لكم فإثمهم عليكم «ولا تشتروا» تستبدلوا «بآياتي» التي في كتابكم من نعت محمد «ثمناً قليلا» عوضاً يسيرا من الدنيا أي لا تكتموها خوف فوات ما تأخذونه من سفلتكم «وإياي فاتقون» خافون في ذلك دون غيري.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وآمنوا- يا بني إسرائيل- بالقرآن الذي أنزَلْتُه على محمد نبي الله ورسوله، موافقًا لما تعلمونه من صحيح التوراة، ولا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر به، ولا تستبدلوا بآياتي ثمنًا قليلا من حطام الدنيا الزائل، وإياي وحدي فاعملوا بطاعتي واتركوا معصيتي.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

( وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ) .وبعد أن أمر الله - عز وجل - بني إسرائيل ، أن يوفوا بعهده عموماً أتبع ذلك بأمرهم بأن يوفوا بأمر خاص وهو القرآن الكريم ، وفي التعبير عنه بذلك تعظيم لشأنه ، وتقخيم لأمره .

وأفرد - سبحانه - أمرهم بأن يؤمنوا به مع إندراجه في قوله - تعالى - ( وَأَوْفُواْ بعهدي ) للإِشارة إلى أن الوفاء بالعهد لا يحصل منهم إلا إذا صدقوا به .والمراد بما معهم التوراة ، والتعبير عنها بذلك للإِشعار بعلمهم بتصديقه لها .

والمعنى : آمنوا يا بني إسرائيل بالكتاب المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن الكريم المصدق لكتابكم التوارة ، ومن مظاهر هذا التصديق اشتمال دعوته على ما يحقق دعوتها ، من الأمر بتوحيد الله - تعالى - والحث على التمسك بالفضائل ، والبعد عن الرذائل ، وإخباره بما جاء بها من الإِشارة إلى بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ومطابقة ما وصفته به مطابقة واضحة جلية وموالفقته لها في أصول الدين الكلية ، وهيمنته عليها ، ولذا قال - عليه الصلاة والسلام - : " لو كان موسى حياً ما وسعه إلا اتباعي " .وفي إخبار بني إسرائيل بأن القرآن الكريم مصدق لما معهم ، إثارة لهممهم لو كانوا يعقلون - للإِقبيال عليه ، متدبرين آياته ، حتى تستيقن نفوسهم أنه دعوة الحق والإِصلاح المؤدية إلى السعادة في الدنيا والآخرة وحتى تطمئن قلوبهم إلى أن الإِيمان به معناه الإِيمان بما معهم ، والكفر به ، كفر بما بين أيديهم ، حيث إن ما بين أيديهم قد بشر ببعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - المنزل عليه القرآن الكريم .قال الإِمام الرازي : ( وهذه الجملة الكريمة تدل على صدق النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجهين :أولهما : أن الكتب السابقة قد بشرت به ، وشهاداتها لا تكون إلا حقاً .وثانيهما : أنه - عليه الصلاة والسلام - قد أخبرهم عما في كتبهم بدون معرفة سابقة لها ، وهذا لا يتأتى إلا عن طريق الوحي .وبعد أن أمرهم - سبحانه - بالإِيمان الخالص ، عرض بهم لتكذيبهم وجحوهم ، فقال - تعالى - : ( وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ) أي : لا تكونوا أول فريق من أهل الكتاب يكفر بالقرآن الكريم ، فيقتدى بكم أناس آخرون وبهذا تصيرون أئمة للكفر مع أن من الواجب عليكم أن تسارعوا إلى الإيمان به لأنكم أدرى الناس بأنهن من عند الله ، وأكثرهم علماً بأنه الرسول الذي نزل عليه هذا القرآن ، وهو الصادق الأمين فيما يبلغه عن ربه .والمقصود من هذه الجملة الكريمة ، تبكيتهم على مسارعتهم في الكفر ، واستعظام وقوع الجحود منهم ، وتوعدهم عليه بسوء المآل .قال الإِمام الرازي : ( هذه الجملة خطاب لبني إسرائيل قبل غيرهم فكأنه - سبحانه - يقول لهم : لا تكفروا بمحمد ، فإنه سيكون بعدكم كفرة ، فلا تكونوا أنتم أولهم لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإِثم ، وذلك لأنهم إذا سُبقوا إلى الكفر ، فإما أن يقتدى بهم غيرهم أولا ، فإن اقتدى بهم غيرهم كان عليهم وزره ووزر كل كافر إلى يوم القيامة ، وإن لم يقتد بهم غيرهم ، اجتمع عليهم أمران : السبق إلى الكفر؛ والتفرد به وكلاهما منقصة عظيمة ، وتؤدى إلى العاقبة الوبيلة ) .ثم نهاهم عن أن يبيعوا دينهم بديناهم ، فقال - تعالى - : ( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً ) .والاشتراء هنا استعارة للاستبدال ، والذي استبدل به الثمن القليل هو الإِيمان بالآيات ، والمراد بالآيات : البراهين المؤيدة لصدق النبي صلى الله عليه وسلم وفي مقدمتها القرآن الكريم والتوراة .والمراد بالثمن القليل : حظوظ الدنيا وشهواتها من نحو الرياسة والمال والجاه ، وما إلى ذلك من الأمور التي خافوا ضياعها لو اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم .والمعنى : لا تستبدلوا بالإِيمان بما أنزلت مصدقاً لما معكم شيئاً من حطام الدنيا ، ولا تختاروا على ثواب الله بديلا من الأموال ، فإنها مما كثرت فهي قليلة مسترذلة بالنسبة لما يناله أولو الإيمان الخالص من رعاية ضافية في الدنيا ، وخيرات حسان في الأخرى .وليس وصف الثمن بالقلة من الأوصاف المخصصة للنكرات ، بقل هو من الأوصاف اللازمة للثمن المحصل بالآيات؛ إذ لا يكون إلا قليلا وإن بلغ ما بلغ من أعراض الدنيا بجانب رضا الله - عز وجل - .ونزل تمكينهم من الإِيمان بالآيات لوضوحها منزلة حصوله بالفعل ، فكأن الإِيمان كان في حوزتهم ، ولكنهم خلعوه ، ونبذوه ، مستبدلين الذي هو أدنى بالذي هو خير؛ فباءوا بغضب على غضب لكفرهم بالقرآن الكريم وبتوراتهم التي بشرت بالرسول - عليه الصلاة والسلام- .ثم حذرهم - سبحانه - من التمادي في الكفر بما أنزل ، مصدقاً لما معهم ، فقال - تعالى " وإياي فاتقون " الاتقاء معناه الحذر ، يقال : فلان اتقى الله أي حذر عقابه وبطشه ، والحذر من عقاب الله ، يستلزم امتثال أوامره ، واجتناب نواهيه ، فمعنى " وإياي فانقون " آمنوا بي ، واتبعوا الحق وأعرضوا عن الباطل .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن المخاطبين بقوله: ﴿ وَءامِنُواْ ﴾ هم بنو اسرائيل ويدل عليه وجهان.

الأول: أنه معطوف على قوله: ﴿ اذكروا نِعْمَتِيَ التى أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت.

الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ ﴾ يدل على ذلك.

أما قوله: ﴿ بِمَا أَنزَلْتُ ﴾ ففيه قولان، الأقوى أنه القرآن وعليه دليلان.

أحدهما: أنه وصفه بكونه منزلاً وذلك هو القرآن لأنه تعالى قال: ﴿ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب بالحق مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التوراة والإنجيل  ﴾ .

والثاني: وصفه بكونه مصدقاً لما معهم من الكتب وذلك هو القرآن.

وقال قتادة: المراد ﴿ آمنوا بما أنزلت ﴾ من كتاب ورسول تجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل.

أما قوله: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ ﴾ ففيه تفسيران: أحدهما: أن في القرآن أن موسى وعيسى حق وأن التوراة والإنجيل حق وأن التوراة أنزلت على موسى والإنجيل على عيسى عليهما السلام فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والإنجيل فكأنه قيل لهم: إن كنتم تريدون المبالغة في الإيمان بالتوراة والإنجيل فآمنوا بالقرآن فإن الإيمان به يؤكد الإيمان بالتوراة والإنجيل.

والثاني: أنه حصلت البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن في التوراة والإنجيل فكأن الإيمان بمحمد وبالقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، وتكذيب محمد والقرآن تكذيباً للتوراة والإنجيل، وهذا التفسير أولى لأن على التفسير الأول لا يلزم الإيمان بمحمد عليه السلام لأنه بمجرد كونه مخبراً عن كون التوراة والإنجيل حقاً لا يجب الإيمان بنبوته: أما على التفسير الثاني يلزم الإيمان به لأن التوراة والإنجيل إذا اشتملا على كون محمد صلى الله عليه وسلم صادقاً فالإيمان بالتوراة والإنجيل يوجب الإيمان بكون محمد صادقاً لا محالة، ومعلوم أن الله تعالى إنما ذكر هذا الكلام ليكون حجة عليهم في وجوب الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، فثبت أن هذا التفسير أولى.

واعلم أن هذا التفسير الثاني يدل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم من وجهين: الأول: أن شهادة كتب الأنبياء عليهم السلام لا تكون إلا حقاً، والثاني: أنه عليه السلام أخبر عن كتبهم ولم يكن له معرفة بذلك إلا من قبل الوحي.

أما قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ فمعناه أول من كفر به أو أول فريق أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به.

ثم فيه سؤلان: الأول: كيف جعلوا أول من كفر به وقد سبقهم إلى الكفر به مشركو العرب؟

والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته ولأنهم كانوا هم المبشرون بزمان محمد صلى الله عليه وسلم والمستفتحون على الذين كفروا به فلما بعث كان أمرهم على العكس لقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ  ﴾ .

وثانيها: يجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة، أي ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة والإنجيل مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له.

وثالثها: ولا تكونوا أول كافر به من أهل الكتاب لأن هؤلاء كانوا أول من كفر بالقرآن من بني إسرائيل وإن كانت قريش كفروا به قبل ذلك.

ورابعها: ولا تكونوا أول كافر به، يعني بكتابكم يقول ذلك ولعلمائهم: أي ولا تكونوا أول أحد من أمتكم كذلك كتابكم لأن تكذيبكم بمحمد صلى الله عليه وسلم يوجب تكذيبكم بكتابكم.

وخامسها: أن المراد منه بيان تغليظ كفرهم وذلك لأنهم لما شاهدوا المعجزات الدالة على صدقه عرفوا البشارات الواردة في التوراة والإنجيل بمقدمه فكان كفرهم أشد من كفر من لم يعرف إلا نوعاً واحداً من الدليل والسابق إلى الكفر يكون أعظم ذنباً ممن بعده لقوله عليه السلام: «من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها» فلما كان كفرهم عظيماً وكفر من كان سابقاً في الكفر عظيماً فقد اشتركا من هذا الوجه فصح إطلاق اسم أحدهما على الآخر على سبيل الاستعارة.

وسادسها: المعنى ولا تكونوا أول من جحد مع المعرفة لأن كفر قريش كان مع الجهل لا مع المعرفة.

وسابعها: أول كافر به من اليهود لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وبها قريظة والنضير فكفروا به ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر فكأنه قيل: أول من كفر به من أهل الكتاب وهو كقوله: ﴿ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  وَٱتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْـًٔا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ  وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَآ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰٓ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ  ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  وَإِذْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ يَٰقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُم بِٱتِّخَاذِكُمُ ٱلْعِجْلَ فَتُوبُوٓا إِلَىٰ بَارِئِكُمْ فَٱقْتُلُوٓا أَنفُسَكُمْ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ  وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ  ثُمَّ بَعَثْنَٰكُم مِّنۢ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ  وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ ٱلْمَنَّ وَٱلسَّلْوَىٰ كُلُوا مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقْنَٰكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ  وَإِذْ قُلْنَا ٱدْخُلُوا هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَٱدْخُلُوا ٱلْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَٰيَٰكُمْ وَسَنَزِيدُ ٱلْمُحْسِنِينَ  فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ ٱلَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ  وَإِذِ ٱسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦ فَقُلْنَا ٱضْرِب بِّعَصَاكَ ٱلْحَجَرَ فَٱنفَجَرَتْ مِنْهُ ٱثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَٱشْرَبُوا مِن رِّزْقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِى ٱلْأَرْضِ مُفْسِدِينَ  وَإِذْ قُلْتُمْ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصْبِرَ عَلَىٰ طَعَامٍ وَٰحِدٍ فَٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلْأَرْضُ مِنۢ بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ ٱلَّذِى هُوَ أَدْنَىٰ بِٱلَّذِى هُوَ خَيْرٌ ٱهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلْمَسْكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٍ مِّنَ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقْتُلُونَ ٱلنَّبِيِّۦنَ بِغَيْرِ ٱلْحَقِّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ  إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَٱلَّذِينَ هَادُوا وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنْ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ  وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَوْا مِنكُمْ فِى ٱلسَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ  فَجَعَلْنَٰهَا نَكَٰلًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ  وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوٓا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ  قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌۢ بَيْنَ ذَٰلِكَ فَٱفْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ  قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ ٱلنَّٰظِرِينَ  قَالُوا ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ ٱلْبَقَرَ تَشَٰبَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا ٱلْـَٰٔنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ  وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَٱدَّٰرَْٰٔتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ  فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْىِ ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ  ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنۢ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِىَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَٰمَ ٱللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُۥ مِنۢ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ  وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ قَالُوٓا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ ٱللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِۦ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ  وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ ٱلْكِتَٰبَ إِلَّآ أَمَانِىَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ  فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ ٱلْكِتَٰبَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِۦ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ  وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ ٱللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ عَهْدَهُۥٓ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ  بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَٰطَتْ بِهِۦ خَطِيٓـَٔتُهُۥ فَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا ٱلصَّٰلِحَٰتِ أُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَ بَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلْوَٰلِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ  ثُمَّ أَنتُمْ هَٰٓؤُلَآءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَٰرِهِمْ تَظَٰهَرُونَ عَلَيْهِم بِٱلْإِثْمِ وَٱلْعُدْوَٰنِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَٰرَىٰ تُفَٰدُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَآءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْىٌ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَيَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰٓ أَشَدِّ ٱلْعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ  أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُا ٱلْحَيَوٰةَ ٱلدُّنْيَا بِٱلْءَاخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ ٱلْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ  وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدْنَٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ  وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌۢ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ  وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَٰبٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِۦ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَٰفِرِينَ  بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ فَبَآءُو بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنۢبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىٰ بِٱلْبَيِّنَٰتِ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِنۢ بَعْدِهِۦ وَأَنتُمْ ظَٰلِمُونَ  وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَٰقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا مَآ ءَاتَيْنَٰكُم بِقُوَّةٍ وَٱسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِى قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِۦٓ إِيمَٰنُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ  قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ ٱلدَّارُ ٱلْءَاخِرَةُ عِندَ ٱللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ ٱلنَّاسِ فَتَمَنَّوُا ٱلْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًۢا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَٱللَّهُ عَلِيمٌۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ  وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٍ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِۦ مِنَ ٱلْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِمَا يَعْمَلُونَ  قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ  مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَٰفِرِينَ  وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ ءَايَٰتٍۭ بَيِّنَٰتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلْفَٰسِقُونَ  أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ  وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا ٱلْكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ  وَٱتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَٰنَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيْنَ ٱلْمَرْءِ وَزَوْجِهِۦ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ ٱشْتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِى ٱلْءَاخِرَةِ مِنْ خَلَٰقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِۦٓ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  وَلَوْ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا وَٱتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ  يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَقُولُوا رَٰعِنَا وَقُولُوا ٱنظُرْنَا وَٱسْمَعُوا وَلِلْكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ  مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ وَلَا ٱلْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَٱللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِۦ مَن يَشَآءُ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ  مَا نَنسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ  أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْـَٔلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىٰ مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ ٱلْكُفْرَ بِٱلْإِيمَٰنِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ  وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ ٱلْكِتَٰبِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعْدِ إِيمَٰنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلْحَقُّ فَٱعْفُوا وَٱصْفَحُوا حَتَّىٰ يَأْتِىَ ٱللَّهُ بِأَمْرِهِۦٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ  وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ  وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَٰرَىٰ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ  بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُۥ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُۥٓ أَجْرُهُۥ عِندَ رَبِّهِۦ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ  وَقَالَتِ ٱلْيَهُودُ لَيْسَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ عَلَىٰ شَىْءٍ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَىٰ لَيْسَتِ ٱلْيَهُودُ عَلَىٰ شَىْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَٱللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُۥ وَسَعَىٰ فِى خَرَابِهَآ أُو۟لَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ لَهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا خِزْىٌ وَلَهُمْ فِى ٱلْءَاخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  وَلِلَّهِ ٱلْمَشْرِقُ وَٱلْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ  وَقَالُوا ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدًا سُبْحَٰنَهُۥ بَل لَّهُۥ مَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ  بَدِيعُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَإِذَا قَضَىٰٓ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ  وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا ٱللَّهُ أَوْ تَأْتِينَآ ءَايَةٌ كَذَٰلِكَ قَالَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْءَايَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ  إِنَّآ أَرْسَلْنَٰكَ بِٱلْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْـَٔلُ عَنْ أَصْحَٰبِ ٱلْجَحِيمِ  وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ ٱلْيَهُودُ وَلَا ٱلنَّصَٰرَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى ٱللَّهِ هُوَ ٱلْهُدَىٰ وَلَئِنِ ٱتَّبَعْتَ أَهْوَآءَهُم بَعْدَ ٱلَّذِى جَآءَكَ مِنَ ٱلْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلَا نَصِيرٍ  ٱلَّذِينَ ءَاتَيْنَٰهُمُ ٱلْكِتَٰبَ يَتْلُونَهُۥ حَقَّ تِلَاوَتِهِۦٓ أُو۟لَٰٓئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِۦ وَمَن يَكْفُرْ بِهِۦ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلْخَٰسِرُونَ  يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ أي على عالمي زمانهم.

وثامنها: ولا تكونوا أول كافر به عند سماعكم بذكره بل تثبتوا فيه وراجعوا عقولكم فيه.

وتاسعها: أن لفظ: أول صلة والمعنى ولا تكونوا كافرين به، وهذا ضعيف، السؤال الثاني: أنه كان يجوز لهم الكفر إذ لم يكونوا أولاً، والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس في ذكر تلك الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه.

وثانيها: أن في قوله: ﴿ وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ ﴾ دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور.

وثالثها: أن قوله: ﴿ رَفَعَ السموات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا  ﴾ لا يدل على وجود عمد لا يرونها.

وقوله: ﴿ وَقَتْلِهِمُ الأنبياء بِغَيْرِ حَقّ  ﴾ لا يدل على وقوع قتل الأنبياء بحق.

وقوله: عقيب هذه الآية: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير، فكذا هاهنا، بل المقصود من هذه السياقة استعظام وقوع الجحد والإنكار ممن قرأ في الكتب نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم صفته.

ورابعها: قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم فقيل لهم لا تكفروا بمحمد فإنه سيكون بعدكم الكفار فلا تكونوا أنتم أول الكفار لأن هذه الأولية موجبة لمزيد الإثم وذلك لأنهم إذا سبقوا إلى الكفر فإما أن يقتدي بهم غيرهم في ذلك الكفر أو لا يكون كذلك.

فإن اقتدى بهم غيرهم في ذلك الكفر كان لهم وزر ذلك الكفر ووزر كل من كفر إلى يوم القيامة، وإن لم يقتد بهم غيرهم اجتمع عليهم أمران، أحدهما: السبق إلى الكفر، والثاني: التفرد به، ولا شك في أنه منقصة عظيمة، فقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ إشارة إلى هذا المعنى.

أما قوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ فقد بينا في قوله: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ ، أن الاشتراء يوضع موضع الاستبدال فكذا الثمن يوضع موضع البدل عن الشيء، والعوض عنه، فإذا اختير على ثواب الله شيء من الدنيا فقد جعل ذلك الشيء ثمناً عند فاعله.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن رؤساء اليهود مثل كعب بن الأشرف وحيي بن أخطب وأمثالهما كانوا يأخذون من فقراء اليهود الهدايا وعلموا أنهم لو اتبعوا محمداً لانقطعت عنهم تلك الهدايا، فأصروا على الكفر لئلا ينقطع عنهم ذلك القدر المحقر، وذلك لأن الدنيا كلها بالنسبة إلى الدين قليلة جداً فنسبتها إليه نسبة المتناهي إلى غير المتناهي، ثم تلك الهدايا كانت في نهاية القلة بالنسبة إلى الدنيا، فالقليل جداً من القليل جداً أي نسبة له إلى الكثير الذي لا يتناهى؟

واعلم أن هذا النهي صحيح سواء كان فيهم من فعل ذلك أو لم يكن، بل لو ثبت أن علماءهم كانوا يأخذون الرشا على كتمان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم وتحريف ما يدل على ذلك من التوراة كان الكلام أبين، وأما قوله: ﴿ وإياى فاتقون ﴾ فيقرب معناه مما تقدم من قوله: ﴿ وإياى فارهبون ﴾ والفرق أن الرهبة عبارة عن الخوف، وأما الاتقاء فإنما يحتاج إليه عند الجزم بحصول ما يتقى منه فكأنه تعالى أمرهم بالرهبة لأجل أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى لأن تعين العقاب قائم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ إسراءيل ﴾ هو يعقوب عليه السلام لقب له، ومعناه في لسانهم: صفوة الله، وقيل: عبد الله.

وهو بزنة إبراهيم وإسماعيل غير منصرف مثلهما لوجود العلمية والعجمة.

وقرئ ﴿ إسرائل ﴾ و ﴿ إسرائلّ ﴾ .

وذكرهم النعمة: أن لا يخلو بشكرها، ويعتدوا بها، ويستعظموها، ويطيعوا مانحها.

وأراد بها ما أنعم به على آبائهم مما عدّد عليهم: من الإنجاء من فرعون وعذابه ومن الغرق.

ومن العفو عن اتخاذ العجل، والتوبة عليهم، وغير ذلك، وما أنعم به عليهم من إدراك زمن محمد صلى الله عليه وسلم المبشر به في التوراة والإنجيل.

والعهد يضاف إلى المعاهِد والمعاهَد جميعاً.

يقال أوفيت بعهدي، أي عاهدت عليه كقوله: ﴿ وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله ﴾ [التوبة: 111] وأوفيت بعهدك: أي بما عاهدتك عليه.

ومعنى ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى ﴾ وأوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي، كقوله: ﴿ وَمَنْ أوفى بِمَا عاهد عليهالله ﴾ [الفتح: 10] ، ﴿ وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله ﴾ [التوبة: 75] ، ﴿ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ ﴾ [الأحزاب: 23] ، ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم ﴿ وإياى فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي.

وهو من قولك: زيداً رهبته.

وهو أوكد فى إفادة الاختصاص من ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾ .

وقرئ ﴿ وأُوَفِّ ﴾ بالتشديد: أي أبالغ في الوفاء بعهدكم، كقوله: ﴿ مَن جَاء بالحسنة فَلَهُ خَيْرٌ مّنْهَا ﴾ [النمل: 189] .

ويجوز أن يريد بقوله: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِى ﴾ ما عاهدوا عليه ووعدوه من الإيمان بنبيّ الرحمة والكتاب المعجز.

ويدل عليه قوله: ﴿ وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ أوّل من كفر به، أو أوّل فريق أو فوج كافر به، أو: ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به، كقولك: كسانا حلة، أي كل واحد منا.

وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أوّل من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته.

ولأنهم كانوا المبشرين بزمان من أوحى إليه والمستفتحين على الذين كفروا به.

وكانوا يعدون أتباعه أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم على العكس كقوله: ﴿ لَمْ يَكُنِ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب والمشركين مُنفَكّينَ حتى تَأْتِيَهُمُ البينة ﴾ إلى قوله: ﴿ وَمَا تَفَرَّقَ الذين أُوتُواْ الكتاب إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينة ﴾ [البينة: 1- 4] ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ [البقرة: 89].

ويجوز أن يراد: ولا تكونوا مثل أول كافر به، يعني من أشرك به من أهل مكة.

أي: ولا تكونوا وأنتم تعرفونه مذكوراً في التوراة موصوفاً، مثل من لم يعرفه وهو مشرك لا كتاب له.

وقيل: الضمير في (به) لما معكم، لأنهم إذا كفروا بما يصدّقه فقد كفروا به.

والاشتراء استعارة للاستبدال كقوله تعالى: ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16] وقوله: كَمَا اشْتَرَى المُسْلِمُ إذْ تَنَصَّرَا وقوله: فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَك بالجَهْلِ يعني ولا تستبدلوا بآياتي ثمناً وإلا فالثمن هو المشترى به.

والثمن القليل الرياسة التي كانت لهم في قومهم، خافوا عليها الفوات لو أصبحوا أتباعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم فاستبدلوها وهي بدل قليل ومتاع يسير بآيات الله وبالحق الذي كل كثير إليه قليل، وكل كبير إليه حقير، فما بال القليل الحقير.

وقيل كانت عامتهم يعطون أحبارهم من زروعهم وثمارهم، ويهدون إليهم الهدايا، ويرشونهم الرشا على تحريفهم الكلم، وتسهيلهم لهم ما صعب عليه من الشرائع.

وكان ملوكهم يدرّون عليهم الأموال ليكتموا أو يحرّفوا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ إفْرادٌ لِلْإيمانِ بِالأمْرِ بِهِ والحَثِّ عَلَيْهِ لِأنَّهُ المَقْصُودُ والعُمْدَةُ لِلْوَفاءِ بِالعُهُودِ، وتَقْيِيدُ المَنزِلِ بِأنَّهُ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهم مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ مِن حَيْثُ إنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نُعِتَ فِيها، أوْ مُطابِقٌ لَها في القِصَصِ والمَواعِيدِ والدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ والأمْرِ بِالعِبادَةِ والعَدْلِ بَيْنَ النّاسِ والنَّهْيِ عَنِ المَعاصِي والفَواحِشِ، وفِيما يُخالِفُها مِن جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ بِسَبَبِ تَفاوُتِ الأعْصارِ في المَصالِحِ مِن حَيْثُ إنَّ كُلَّ واحِدَةٍ مِنها حَقٌّ بِالإضافَةِ إلى زَمانِها، مُراعى فِيها صَلاحُ مَن خُوطِبَ بِها، حَتّى لَوْ نَزَلَ المُتَقَدِّمُ في أيّامِ المُتَأخِّرَ لَنَزَلَ عَلى وفْقِهِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي» ، تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ اتِّباعَها لا يُنافِي الإيمانَ بِهِ، بَلْ يُوجِبُهُ ولِذَلِكَ عَرَّضَ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ بِأنَّ الواجِبَ أنْ يَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ، ولِأنَّهم كانُوا أهْلَ النَّظَرِ في مُعْجِزاتِهِ والعِلْمِ بِشَأْنِهِ والمُسْتَفْتِحِينَ بِهِ والمُبَشِّرِينَ بِزَمانِهِ.

و ﴿ أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ وقَعَ خَبَرًا عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ بِتَقْدِيرِ: أوَّلَ فَرِيقٍ أوْ فَوْجٍ، أوْ بِتَأْوِيلِ: لا يَكُنْ كُلُّ واحِدٍ مِنكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، كَقَوْلِكَ كَسانا حُلَّةً فَإنْ قِيلَ كَيْفَ نُهُوا عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ وقَدْ سَبَقَهم مُشْرِكُو العَرَبِ؟

قُلْتُ: المُرادُ بِهِ التَّعْرِيضُ لا الدَّلالَةُ عَلى ما نَطَقَ بِهِ الظّاهِرُ كَقَوْلِكَ أمّا أنا فَلَسْتُ بِجاهِلٍ أوْ لا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ.

مِن أهْلِ الكِتابِ، أوْ مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ فَإنَّ مَن كَفَرَ بِالقُرْآنِ فَقَدْ كَفَرَ بِما يُصَدِّقُهُ، أوْ مِثْلُ مَن كَفَرَ مِن مُشْرِكِي مَكَّةَ.

و ﴿ أوَّلَ ﴾ : أفْعَلَ لا فِعْلَ لَهُ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوْألْ مِن وألَ، فَأُبْدِلَتْ هَمْزَتُهُ واوًا تَخْفِيفًا غَيْرَ قِياسِيٍّ أوْ أأْوَلَ مَن آلَ فَقُلِبَتْ هَمْزَتُهُ واوًا وأُدْغِمَتْ.

﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ولا تَسْتَبْدِلُوا بِالإيمانِ بِها والِاتِّباعِ لَها حُظُوظَ الدُّنْيا، فَإنَّها وإنْ جَلَّتْ قَلِيلَةٌ مُسْتَرْذَلَةٌ بِالإضافَةِ إلى ما يَفُوتُ عَنْكم مِن حُظُوظِ الآخِرَةِ بِتَرْكِ الإيمانِ.

قِيلَ: كانَ لَهم رِئاسَةٌ في قَوْمِهِمْ ورُسُومٌ وهَدايا مِنهُمْ، فَخافُوا عَلَيْها لَوِ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ  فاخْتارُوها عَلَيْهِ.

وقِيلَ: كانُوا يَأْخُذُونَ الرِّشى فَيُحَرِّفُونَ الحَقَّ ويَكْتُمُونَهُ.

﴿ وَإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ والإعْراضِ عَنِ الدُّنْيا.

ولَمّا كانَتِ الآيَةُ السّابِقَةُ مُشْتَمِلَةً عَلى ما هو كالمَبادِي لِما في الآيَةِ الثّانِيَةِ، فُصِّلَتْ بِالرَّهْبَةِ الَّتِي هي مُقَدِّمَةُ التَّقْوى، ولِأنَّ الخِطابَ بِها عَمَّ العالِمَ والمُقَلِّدَ.

أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ الَّتِي هي مَبْدَأُ السُّلُوكِ، والخِطابُ بِالثّانِيَةِ لَمّا خَصَّ أهْلَ العِلْمِ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي هي مُنْتَهاهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وآمنوا بما أنزلت} يعنى القرآن {مصدقا} حال مؤكد من الهاء المحذوفة كأنه قيل أنزلته مصدقاً {لِّمَا مَعَكُمْ} من التوراة يعني في العبادة والتوحيد والنبوة وأمر محمد عليه السلام {وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ} أي أول من كفر به أو أول حزب أو فوج كافر به أو ولا يكن كل واحد منكم أول كافر به وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به لمعرفتهم به وبصفته والضمير في به يعود إلى القرآن {وَلاَ تَشْتَرُواْ} ولا تستبدلوا

البقرة (٤١ _ ٤٥)

{بآياتي} بتغييرها وتحريفها {ثَمَناً قَلِيلاً} قال الحسن هو الدنيا بحذافيرها وقيل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم خافوا عليها الفوات لو اتبعوا رسول الله {وإياى فاتقون} فخافوني فارهبوني فاتقوني بالياء في الحالين وكذلك كل ياء محذوفة في الخط يعقوب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ما قَبْلَهُ، وظاهِرُهُ أنَّهُ أمْرٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ عُلَماءِ اليَهُودِ ورُؤَسائِهِمْ، فَهو أمْرٌ لَهُمْ، وأفْرَدَ سُبْحانَهُ الإيمانَ بَعْدَ انْدِراجِهِ في ﴿ وأوْفُوا بِعَهْدِي ﴾ بِمَجْمُوعِ الأمْرِ بِهِ، والحَثِّ عَلَيْهِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ المَقْصُودُ، والعُمْدَةُ لِلْوَفاءِ بِالعُهُودِ، (وما) مَوْصُولَةٌ، (وأنْزَلْتُ) صِلَتُهُ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ أنْزَلْتُهُ، (ومُصَدِّقًا) حالٌ إمّا مِنَ المَوْصُولِ، أوْ مِن ضَمِيرِهِ المَحْذُوفِ، واللّامُ في (لِما) مُقَوِّيَةٌ، والمُرادُ بِما أنْزَلْتُ القُرْآنُ، وفي التَّعْبِيرِ عَنْهُ بِذَلِكَ تَعْظِيمٌ لِشَأْنِهِ، والمُرادُ (بِما مَعَكُمُ) التَّوْراةُ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِذَلِكَ لِلْإيذانِ بِعِلْمِهِمْ بِتَصْدِيقِهِ لَها، فَإنَّ المَعِيَّةَ مَئِنَّةٌ لِتَكْرارِ المُراجَعَةِ إلَيْها، والوُقُوفِ عَلى تَضاعِيفِها المُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَها، ومَعْنى تَصْدِيقِهِ لَها أنَّهُ نازِلٌ حَسْبَما نَعَتَ فِيها، أوْ مُطابِقٌ لَها في أصْلِ الدِّينِ، والمِلَّةِ، أوْ لِما لَمْ يُنْسَخْ كالقَصَصِ، والمَواعِظِ، وبَعْضِ المُحَرَّماتِ كالكَذِبِ، والزِّنا، والرِّبا، أوْ لِجَمِيعِ ما فِيها، والمُخالَفَةُ في بَعْضِ جُزْئِيّاتِ الأحْكامِ الَّتِي هي لِلْأمْراضِ القَلْبِيَّةِ كالأدْوِيَةِ الطِّبِّيَّةِ لِلْأمْراضِ البَدَنِيَّةِ المُخْتَلِفَةِ بِحَسَبِ الأزْمانِ والأشْخاصِ لَيْسَتْ بِمُخالَفَةٍ في الحَقِيقَةِ، بَلْ هي مُوافَقَةٌ لَها مِن حَيْثُ إنَّ كُلًّا مِنها حَقٌّ في عَصْرِهِ مُتَضَمِّنٌ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها فَلَكُ التَّشْرِيعِ، ولَيْسَ في التَّوْراةِ ما يَدُلُّ عَلى أبَدِيَّةِ أحْكامِها المَنسُوخَةِ حَتّى يُخالِفَها ما يَنْسَخُها، بَلْ إنَّ نُطْقَها بِصِحَّةِ القُرْآنِ النّاسِخِ لَها نُطْقٌ بِنَسْخِها، وانْتِهاءِ وقْتِها الَّذِي شُرِعَتْ لِلْمَصْلَحَةِ فِيهِ، ولَيْسَ هَذا مِنَ البَداءِ في شَيْءٍ، كَما يَتَوَهَّمُونَ، فَإذَنِ المُخالَفَةُ في تِلْكَ الأحْكامِ المَنسُوخَةِ إنَّما هو اخْتِلافُ العَصْرِ حَتّى لَوْ تَأخَّرَ نُزُولُ المُتَقَدِّمِ لَنَزَلَ عَلى وفْقِ المُتَقَدِّمِ، ولَوْ تَقَدَّمَ نُزُولُ المُتَأخِّرِ لَوافَقَ المُتَقَدِّمَ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ ما أخْرَجَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وغَيْرُهُ عَنْ جابِرٍ «أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ حِينَ قَرَأ بَيْنَ يَدَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ شَيْئًا مِنَ التَّوْراةِ: (لَوْ كانَ مُوسى حَيًّا لَما وسِعَهُ إلّا اتِّباعِي)،» وفي رِوايَةِ الدّارِمِيِّ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ بَدا لَكم مُوسى فاتَّبَعْتُمُوهُ وتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ، ولَوْ كانَ حَيًّا وأدْرَكَ نُبُوَّتِي لاتَّبَعَنِي)،» وتَقْيِيدُ المُنَزَّلِ بِكَوْنِهِ مُصَدِّقًا لَما مَعَهم لِتَأْكِيدِ وُجُوبِ الِامْتِثالِ، فَإنَّ إيمانَهم بِما مَعَهم يَقْتَضِي الإيمانَ بِما يُصَدِّقُهُ قَطْعًا، ومِنَ النّاسِ مَن فَسَّرَ المُنَزَّلَ بِالكِتابِ، والرَّسُولِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وما مَعَهم بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ، ولَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ بُعْدٍ، إلّا أنَّ البَعِيدَ مِن وجْهٍ جَعْلُ مُصَدِّقًا حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المَرْفُوعِ، والأبْعَدُ جَعْلُ (ما) مَصْدَرِيَّةً، ومُصَدِّقًا حالٌ مِن ما الثّانِيَةِ، وأبْعَدُ مِنهُ جَعْلُهُ حالًا مِنَ المَصْدَرِ المُقَدَّرِ.

﴿ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ أيْ لا تُسارِعُوا إلى الكُفْرِ بِهِ، فَإنَّ وظِيفَتَكم أنْ تَكُونُوا أوَّلَ مَن آمَنَ بِهِ لِما أنَّكم تَعْرِفُونَ حَقِيقَةَ الأمْرِ وحَقِّيَّتَهُ، وقَدْ كُنْتُمْ مِن قَبْلُ تَقُولُونَ إنّا نَكُونُ أوَّلَ مَن يَتَّبِعُهُ، فَلا تَضَعُوا مَوْضِعَ ما يَتَوَقَّعُ فِيكُمْ، ويَجِبُ مِنكم ما يَبْعُدُ صُدُورُهُ عَنْكُمْ، ويَحْرُمُ عَلَيْكم مِن كَوْنِكم أوَّلَ كافِرٍ بِهِ، (وأوَّلُ) في المَشْهُورِ أفْعَلُ لِقَوْلِهِمْ: هَذا أوَّلُ مِنكَ، ولا فِعْلَ لَهُ، لِأنَّ فاءَهُ وعَيْنَهُ واوٌ، وقَدْ دَلَّ الِاسْتِقْراءُ عَلى انْتِفاءِ الفِعْلِ لِما هو كَذَلِكَ، وإنْ وُجِدَ فَنادِرٌ، وما في الشّافِيَةِ مِن أنَّهُ مِن ووَلَ، بَيانٌ لِلْفِعْلِ المُقَدَّرِ، وقِيلَ: أصْلُهُ أوْألُ، مِن وألَ وأْوَلًا إذا لَجَأ، ثُمَّ خُفِّفَ بِإبْدالِ الهَمْزَةِ واوًا، ثُمَّ الإدْغامُ وهو تَخْفِيفٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ، والمُناسَبَةُ الِاشْتِقاقِيَّةُ أنَّ الأوَّلَ الحَقِيقِيَّ أعْنِي ذاتَهُ تَعالى مَلْجَأٌ لِلْكُلِّ، وإنْ قُلْنا: وألَ بِمَعْنى تَبادَرَ، فالمُناسَبَةُ أنَّ التَّبادُرَ سَبَبُ الأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: أوْألَ مِن آلَ بِمَعْنى رَجَعَ، والمُناسَبَةُ الِاشْتِقاقِيَّةُ عَلى قِياسِ ما ذُكِرَ سابِقًا، وإنَّما لَمْ يُجْمَعْ عَلى أواوِلَ لِاسْتِثْقالِهِمُ اجْتِماعَ الواوَيْنِ بَيْنَهُما ألِفُ الجَمْعِ، وقالَ الدُّرَيْدِيُّ: هو فَوْعَلٌ فَقُلِبَتِ الواوُ الأُولى هَمْزَةً، وأُدْغِمَتْ، واوُ فَوْعَلٍ في عَيْنِ الفِعْلِ، ويُبْطِلُهُ ظاهِرًا مَنعُ الصَّرْفِ، وهو خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الجَمْعِ، ولا بُدَّ هُنا عِنْدَ الجُمْهُورِ مِن تَأْوِيلِ المُفَضَّلِ عَلَيْهِ، بِجَعْلِهِ مُفْرَدًا لِلَفْظٍ جَمَعَ المَعْنى، أيْ أوَّلَ فَرِيقٍ مَثَلًا، أوْ تَأْوِيلُ المُفَضَّلِ أيْ لا يُمْكِنُ كُلُّ واحِدٍ مِنكُمْ، والمُرادُ عُمُومُ السَّلْبِ كَما في ﴿ ولا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ ﴾ وبَعْضُ النّاسِ لا يُوجِبُ في مِثْلِ هَذا المُطابَقَةَ بَيْنَ النَّكِرَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها أفْعَلُ التَّفْضِيلِ وما جَرى هو عَلَيْهِ، بَلْ يَجُوزُ الوَجْهانِ عِنْدَهُ كَما في قَوْلِهِ: وإذا هم طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ ومَن أوْجَبَ أوَّلَ البَيْتِ كالآيَةِ، ونَهْيُهم عَنِ التَّقَدُّمِ في الكُفْرِ بِهِ مَعَ أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ أقْدَمُ مِنهم لِما أنَّ المُرادَ التَّعْرِيضُ، فَأوَّلُ الكافِرِينَ غَيْرُهُمْ، أوْ ﴿ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ، والخِطابُ لِلْمَوْجُودِينَ في زَمانِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، بَلْ لِلْعُلَماءِ مِنهُمْ، وقَدْ يُقالُ الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى ما مَعَكُمْ، والمُرادُ مِن ﴿ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ ﴾ بِما مَعَكُمْ، لا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ، ومُشْرِكُو مَكَّةَ، وإنْ سَبَقُوهم في الكُفْرِ بِما يُصَدِّقُ القُرْآنُ حَيْثُ سَبَقُوا بِالكُفْرِ بِهِ، وهو مُسْتَلْزِمٌ لِذَلِكَ، لَكِنْ لَيْسُوا مِمَّنْ كَفَرَ بِما مَعَهُ، والفَرْقُ بَيْنَ لُزُومِ الكُفْرِ والتِزامِهِ غَيْرُ بَيِّنٍ، إلّا أنَّهُ يَخْدِشُ هَذا الوَجْهَ، إنَّ هَذا واقِعٌ في مُقابَلَةِ ﴿ وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ ﴾ فَيَقْتَضِي اتِّحادَ مُتَعَلِّقِ الكُفْرِ والإيمانِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ في الكَلامِ مِثْلٌ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ وآخِرَهُ، وقِيلَ: أوَّلُ زائِدَةٌ، والكُلُّ بَعِيدٌ، وبِحَمْلِ التَّعْرِيضِ عَلى سَبِيلِ الكِنايَةِ يَظْهَرُ وجْهُ التَّقْيِيدِ بِالأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: إنَّها مُشاكَلَةٌ لِقَوْلِهِمْ: إنّا نَكُونُ أوَّلَ مَن يَتَّبِعُهُ، وقَدْ يُقالُ: إنَّها بِمَعْنى السَّبْقِ وعَدَمِ التَّخَلُّفِ، فافْهَمْ، ﴿ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ الِاشْتِراءُ مَجازٌ عَنِ الِاسْتِبْدالِ لِاخْتِصاصِهِ بِالأعْيانِ إمّا بِاسْتِعْمالِ المُقَيَّدِ في المُطْلَقِ كالمِرْسَنِ في الأنْفِ، أوْ تَشْبِيهِ الِاسْتِبْدالِ المَذْكُورِ في كَوْنِهِ مَرْغُوبًا فِيهِ بِالِاشْتِراءِ الحَقِيقِيِّ، والكَلامُ عَلى الحَذْفِ، أيْ لا تَسْتَبْدِلُوا بِالإيمانِ بِآياتِي والِاتِّباعِ لَها حُظُوظَ الدُّنْيا الفانِيَةِ القَلِيلَةِ المُسْتَرْذَلَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى حُظُوظِ الآخِرَةِ، وما أعَدَّ اللَّهُ تَعالى لِلْمُؤْمِنِينَ مِنَ النَّعِيمِ العَظِيمِ الأبَدِيِّ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَرًى لا مُشْتَرًى بِهِ لِلدِّلالَةِ عَلى كَوْنِهِ كالثَّمَنِ في الِاسْتِرْذالِ والِامْتِهانِ، فَفِيهِ تَقْرِيعٌ وتَجْهِيلٌ قَوِيٌّ حَيْثُ إنَّهم قَلَبُوا القَضِيَّةَ، وجَعَلُوا المَقْصُودَ آلَةً، والآلَةَ مَقْصُودَةً، وإغْرابٌ لَطِيفٌ حَيْثُ جُعِلَ المُشْتَرى ثَمَنًا بِإطْلاقِ الثَّمَنِ عَلَيْهِ، ثُمَّ جُعِلَ الثَّمَنُ مُشْتَرًى بِإيقاعِهِ بَدَلًا لِما جَعَلَهُ ثَمَنًا بِإدْخالِ الباءِ عَلَيْهِ، فَإنْ قِيلَ: الِاشْتِراءُ بِمَعْنى الِاسْتِبْدالِ بِالإيمانِ بِالآياتِ إنَّما يَصِحُّ إذا كانُوا مُؤْمِنِينَ بِها، ثُمَّ تَرَكُوا ذَلِكَ لِلْحُظُوظِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وهم بِمَعْزِلٍ عَنِ الإيمانِ، أُجِيبَ بِأنَّ مَبْنى ذَلِكَ عَلى أنَّ الإيمانَ بِالتَّوْراةِ الَّذِي يَزْعُمُونَهُ إيمانٌ بِالآياتِ، كَما أنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ كُفْرٌ بِالتَّوْراةِ، فَيَتَحَقَّقُ الِاسْتِبْدالُ، ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ الآياتِ كِنايَةً عَنِ الأوامِرِ والنَّواهِي الَّتِي وقَفُوا عَلَيْها في أمْرِ النَّبِيِّ  مِنَ التَّوْراةِ والكُتُبِ الإلَهِيَّةِ، أوْ ما عَلِمُوهُ مِن نَعْتِهِ الجَلِيلِ وخُلُقِهِ العَظِيمِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ كانُوا يَأْخُذُونَ كُلَّ عامٍ شَيْئًا مَعْلُومًا مِن زُرُوعِ أتْباعِهِمْ وضُرُوعِهِمْ ونُقُودِهِمْ فَخافُوا إنْ بَيَّنُوا ذَلِكَ لَهم وتابَعُوهُ  أنْ يَفُوتَهم ذَلِكَ، فَضَلُّوا، وأضَلُّوا، وقِيلَ: كانَ مُلُوكُهم يُدِرُّونَ عَلَيْهِمُ الأمْوالَ لِيَكْتُمُوا ويُحَرِّفُوا، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ بِالآيَةِ عَلى مَنعِ جَوازِ أخْذِ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ كِتابِ اللَّهِ تَعالى، والعِلْمِ، ورُوِيَ في ذَلِكَ أيْضًا أحادِيثُ لا تَصِحُّ، وقَدْ صَحَّ أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَأْخُذُ عَلى التَّعْلِيمِ أجْرًا، فَقالَ: (إنَّ خَيْرَ ما أخَذْتُمْ عَلَيْهِ أجْرًا كِتابُ اللَّهِ تَعالى)»، وقَدْ تَظافَرَتْ أقْوالُ العُلَماءِ عَلى جَوازِ ذَلِكَ، وإنْ نُقِلَ عَنْ بَعْضِهِمُ الكَراهَةُ، ولا دَلِيلَ في الآيَةِ عَلى ما ادَّعاهُ هَذا الذّاهِبُ كَما لا يَخْفى، والمَسْألَةُ مُبَيَّنَةٌ في الفُرُوعِ.

﴿ وإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ بِالإيمانِ واتِّباعِ الحَقِّ، والإعْراضِ عَنِ الِاشْتِراءِ بِآياتِ اللَّهِ تَعالى الثَّمَنَ القَلِيلَ، والعَرَضَ الزّائِلَ، وإنَّما ذُكِرَ في الآيَةِ الأُولى (فارْهَبُونِ) وهُنا (فاتَّقُونِ) لِأنَّ الرَّهْبَةَ دُونَ التَّقْوى، فَحَيْثُما خاطَبَ الكافَّةَ عالِمَهم ومُقَلِّدَهُمْ، وحَثَّهم عَلى ذِكْرِ النِّعْمَةِ الَّتِي يَشْتَرِكُونَ فِيها، أمَرَهم بِالرَّهْبَةِ الَّتِي تُورِثُ التَّقْوى ويَقَعُ فِيها الِاشْتِراكُ ولِذا قِيلَ: الخَشْيَةُ مِلاكُ الأمْرِ كُلِّهِ، وحَيْثُما أرادَ بِالخِطابِ فِيما بَعْدُ العُلَماءَ مِنهُمْ، وحَثَّهم عَلى الإيمانِ ومُراعاةِ الآياتِ أمَرَهم بِالتَّقْوى الَّتِي أوَّلُها تَرْكُ المَحْظُوراتِ، وآخِرُها التَّبَرِّي مِمّا سِوى غايَةِ الغاياتِ، ولَيْسَ وراءَ عَبّادانَ قَرْيَةٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

يَا بَنِي إِسْرائِيلَ، يا أولاد يعقوب.

وإنما سمي إسرائيل، لأن (الإسرا) بلغتهم عبد، و (الإيل) هو الله فكأنه قال: يا بني عبد الله.

وقال بعضهم: إنما سمي إسرائيل لأنه أسره ملك يقال له (إيل) ، وذلك أنه كان في سفر مع أولاده، وكان يسير خلف القافلة، وكان له قوة فدخل في نفسه شيء من العجب، فابتلاه الله تعالى، أن جاءه ملك على هيئة اللص وأراد أن يضرب على القافلة، فأراد يعقوب أن يضربه على الأرض فلم يقدر على ذلك، فكانا في تلك المنازعة إلى طلوع الفجر، ثم إن الملك أخذ بعرق يعقوب- أي عرق من عروقه- فمده فسقط في ذلك الموضع ثلاثة أيام.

وقال بعضهم: لأنه أسره جني يقال له (إيل) وروي عن السدي: أنه وقعت بينه وبين أخيه (عيصوا) عداوة فحلف (عيصوا) أن يقتله، فكان يعقوب يختفي بالنهار، ويخرج بالليل فسمي إسرائيل لسيره بالليل.

وأصله من إسراء الليل بدليل قوله عز وجل: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1] والله أعلم بالصواب.

ويقال: إنما سمي بيعقوب، لأنه ولد مع عيصوا، في بطن واحد فخرج على عقب عيصوا فسمي لذلك بيعقوب.

فقال الله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ وإنما أراد بهم اليهود الذين كانوا حوالي المدينة من بني قريظة والنضير وغيرهم، وكانوا من أولاد يعقوب.

وقال تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ، يعني احفظوا منتي التي مننت عليكم في التيه من المن والسلوى، يعني اذكروا تلك النعم التي أنعمت عليكم واشكروا لي وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.

قال ابن عباس-  ما- في رواية أبي صالح: قد كان الله تعالى عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق به غفرت له ذنوبه، وأدخلته الجنة، وجعلت له أجرين، أجراً باتباعه ما جاء به موسى، وأجراً باتباعه ما جاء به محمد  فلما جاءهم محمد- عليه الصلاة والسلام- وعرفوه كذبوه فذكرهم الله تعالى في هذه الآية فقال: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ.

قال الحسن البصري: أَوْفُوا بِعَهْدِي، أدوا ما افترضت عليكم، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ مما وعدت لكم.

وقال الضحاك: أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة.

وقال الصادق: أوفوا بعهدي في دار محنتي على بساط خدمتي في حفظ حرمتي، أوف بعهدكم في دار نعمتي على بساط قربتي بسني رؤيتي.

وقال قتادة: العهد ما ذكر في سورة المائدة في قوله: وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ إلى قوله تعالى: وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً [المائدة: 12] ، أوف بعهدكم وهو قوله: لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ [المائدة: 12] الآية.

ويقال: أَوْفُوا بِعَهْدِي الذي قبلتم يوم الميثاق، أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الذي قلت لكم، يعني به الجنة.

قوله تعالى: وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ، يعني: فَاخْشَوْنِ.

وأصله فارهبوني بالياء لكن حذفت الياء وأقيم الكسر مقامها.

ثم قال: وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ، أي صدقوا بهذا القرآن الذي أنزلت على محمد  مصدقا أي موافقا لما معكم، من التوحيد.

وفي بعض الشرائع أنزلت يعني التوراة والإنجيل وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ، يعني أول من يكفر بمحمد  ويقال: بِهِ يعني بالقرآن.

وإنما يريد بني قريظة والنضير.

فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وقد كفر به قبلهم مشركو العرب، قيل له: معناه وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ في وقت هذا الخطاب.

ويقال: إن أحبار اليهود كان لهم أتباع، فلو أسلموا أسلم أتباعهم ولو كفروا كفر أتباعهم كلهم، فهذا معنى قوله وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ من قومكم.

وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي بكتمان صفة محمد  عرضاً يسيراً، لأنهم كانوا عرفوا صفة محمد  وكانت لهم مأكلة ووظائف من سفلة اليهود، وكانت لهم رئاسة، فكانوا يخافون أن تذهب وظائفهم ورئاستهم فقال: وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا أي عرض الدنيا وإنما سماه قليلاً، لأن الدنيا كلها قليل.

ثم خوفهم فقال: وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ في صفة محمد  فمن جحد به أدخلته النار.

قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ يقال في اللغة: لبس يلبس لبساً إذا لبس الثياب.

ومعناه لا تخلطوا الحق بالباطل، فتكتمون صفته، وذلك أنهم كانوا يخبرون عن بعض صفته، ويكتمون البعض ليصدقوا بذلك فيلبسون عليهم بذلك.

وقال قتادة: وَلا تَلْبِسُوا اليهودية والنصرانية بالإسلام، وقد علمتم أن دين الله الذي لا يقبل غيره هو الإسلام.

ويقال: معناه ولا تؤمنوا ببعض أمره وتكفروا ببعض أمره.

ثم قال تعالى: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ، يقول: ولا تكتموا الحق وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنكم تكتمون الحق.

وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، أي أقيموا الصلوات الخمس بركوعها وسجودها في مواقيتها، وَآتُوا الزَّكاةَ المفروضة وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ، أي صلوا مع المصلين، مع أصحاب محمد  في الجماعات.

ويقال: صلوا مع المصلين إلى الكعبة.

وقال قتادة: وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهما فريضتان واجبتان ليس لأحد فيهما رخصة، فأدوهما إلى الله عز وجل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ: شرطٌ، جوابه: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، قال سيبوَيْهِ: والشرط الثاني وجوابه هما جواب الأول في قوله: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ.

وقوله تعالى: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ: يحتمل فيما بين أيديهم من الدنيا، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما فاتهم منها، ويحتمل: فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ يوم القيامة، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فيه.

ت: وهذا هو الظاهر، وعليه اقتصر في اختصار الطبريِّ، ولفظه عن ابن زيد:

فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ، أي: لا خوف عليهم أمامهم «١» ، قال: وليس شيء أعظم في صدر من يموت مما بعد الموتِ فأمَّنهم سبحانه منه، وسلّاهم عن الدنيا.

انتهى.

وقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا ...

الآية: لما كانت لفظة الكُفْرِ يشترك فيها كفر النعمِ، وكفر المعاصي، ولا يجب بهذا خلودٌ، بيَّن سبحانه أن الكفر هنا هو الشرك، بقوله:

وَكَذَّبُوا بِآياتِنا ...

والآياتُ هنا يحتمل أن يريد بها المتلوَّة، ويحتمل أن يريد العلاماتِ المنصوبَةَ، والصُّحْبَةُ الاقتران بالشيْءِ في حالةٍ مَّا زمنا.

قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ: إسْرَائِيلَ: هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ- عليهم السلام- وإِسْرَا: هو بالعبرانية عبد، وإِيلُ: اسم اللَّه تعالى، فمعناه عَبْدُ اللَّهِ، والذِّكْرُ في كلام العَرَبِ على أنحاء، وهذا منها ذكر القلب الذي هو ضدّ النسيان، والنعمة هنا اسم «٢» جنس، فهي مفردة بمعنى الجَمْعِ، قال ابن عَبَّاس، وجمهور العلماء:

الخِطَابُ لجميع بني إسرائيل في مدَّة النبيِّ صلّى الله عليه وسلم.

وقوله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ: أمر وجوابه، وهذا العهد في قول جمهور العلماءِ عامٌّ «١» في جميع أوامره سبحانه ونواهيه ووصاياه لهم، فيدخل في ذلك ذكر محمّد صلّى الله عليه وسلم الذي في التوراة، والرهبةُ يتضمَّن الأمر بها معنى التهديد، وأسند الترمذيُّ الحَكِيمُ «٢» في «نَوَادِرِ الأصول» له عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «قَالَ رَبُّكُمْ سُبْحَانَهُ: لاَ أَجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ، وَلاَ أَجْمَعُ لَهُ أَمْنَيْنِ، فَمَنْ خَافَنِي فِي الدُّنْيَا أَمَّنْتُهُ فِي الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي فِي الدُّنْيَا، أَخَفْتُهُ فِي الآخِرَةِ» «٣» .

انتهى من «التذكرة» للقرطبيّ، ورواه ابن المبارك «٤» في

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ ﴾ يَعْنِي القُرْآَنَ ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ أوِ الإنْجِيلَ، فَإنَّ القُرْآَنَ يُصَدِّقُهُما أنَّهُما مِن عِنْدِ اللَّهِ، ويُوافِقُهُما في صِفَةِ النَّبِيِّ  .

﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ .

إنَّما قالَ: أوَّلُ كافِرٍ، لِأنَّ المُتَقَدِّمَ إلى الكُفْرِ أعْظَمُ مِنَ الكُفْرِ بَعْدَ ذَلِكَ، إذِ المُبادِرُ لَمْ يَتَأمَّلِ الحُجَّةَ، وإنَّما بادَرَ بِالعِنادِ، فَحالُهُ أشَدُّ.

وقِيلَ: وتَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ بَعْدَ أنْ آَمَنَ، والخِطابُ لِرُؤَساءِ اليَهُودِ.

وَفِي هائِهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَعُودُ إلى المَنزِلِ، قالَهُ ابْنُ مسُعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها تَعُودُ عَلى ما مَعَهم، لِأنَّهم إذا كَتَمُوا وصْفَ النَّبِيِّ  وهو مَعَهم، فَقَدْ كَفَرُوا بِهِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

*** قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ .

أيْ: لا تَسْتَبْدِلُوا [بِآَياتِي ] ثَمَنًا قَلِيلًا.

وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ ما كانُوا يَأْخُذُونَ مِن عَرَضِ الدُّنْيا.

والثّانِي: بَقاءُ رِئاسَتِهِمْ عَلَيْهِمْ.

والثّالِثُ: أخْذُ الأُجْرَةِ عَلى تَعْلِيمِ الدِّينِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكم وإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ ﴿ وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا وإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ "يا" حَرْفُ نِداءٍ مُضَمِّنٌ مَعْنى التَنْبِيهِ، قالَ الخَلِيلُ: والعامِلُ في المُنادى فِعْلٌ مُضْمَرٌ كَأنَّهُ يَقُولُ: أُرِيدُ أو أدْعُو، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: العامِلُ حَرْفُ نِداءٍ عُصِّبَ بِهِ مَعْنى الفِعْلِ المُضْمَرِ، فَقَوِيَ فَعَمِلَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّهُ لَيْسَ في حُرُوفِ المَعانِي ما يَلْتَئِمُ بِانْفِرادِهِ مَعَ الأسْماءِ غَيْرُ حَرْفِ النِداءِ، و"بَنِي" مُنادى مُضافٌ، و"إسْرائِيلَ" هُوَ: يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِمُ السَلامُ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، يُقالُ فِيهِ: إسْرائِلُ، وإسْرائِيلُ، وتَمِيمٌ تَقُولُ: إسْرائِينُ، و"إسْرا" هو بِالعِبْرانِيَّةِ عَبْدُ، و"إيَّلُ" اسْمُ اللهِ تَعالى، فَمَعْناهُ: عَبْدُ اللهِ.

وحَكى المَهْدَوِيُّ أنَّ "إسْرا" مَأْخُوذٌ مِنَ الشِدَّةِ في الأسْرِ، كَأنَّهُ الَّذِي شَدَّ اللهُ أسْرَهُ، وقَوّى خَلْقَهُ، ورُوِيَ عن نافِعٍ، والحَسَنِ، والزُهْرِيُّ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، تَرْكُ هَمْزِ "إسْرايِيلَ".

والذِكْرُ في كَلامِ العَرَبِ عَلى أنْحاءٍ، وهَذا مِنها، ذِكْرُ القَلْبِ الَّذِي هو ضِدُّ النِسْيانِ.

والنِعْمَةُ هُنا اسْمُ الجِنْسِ، فَهي مُفْرَدَةٌ بِمَعْنى الجَمْعِ، وتَحَرَّكَتِ الياءُ مِن "نِعْمَتِيَ" لِأنَّها لَقِيَتِ الألِفَ واللامَ، ويَجُوزُ تَسْكِينُها، وإذا سَكَنَتْ حُذِفَتْ لِلِالتِقاءِ، وَفَتْحُها أحْسَنُ لِزِيادَةِ حَرْفٍ في كِتابِ اللهِ تَعالى، وخَصَّصَ بَعْضُ العُلَماءِ النِعْمَةَ في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ الطَبَرِيُّ: بَعْثَةُ الرُسُلِ مِنهُمْ، وإنْزالُ المَنِّ والسَلْوى، وإنْقاذُهم مِن تَعْذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ، وتَفْجِيرِ الحَجَرِ.

وقالَ غَيْرُهُ: النِعْمَةُ هُنا، أنْ أُدْرِكَهم مُدَّةَ مُحَمَّدٍ  .

وقالَ آخَرُونَ: هي أنْ مَنَحَهم عِلْمَ التَوْراةِ، وجَعَلَهم أهْلَهُ وحَمْلَتَهُ، وهَذِهِ أقْوالٌ عَلى جِهَةِ المِثالِ، والعُمُومُ في اللَفْظَةِ هو الحَسَنُ.

وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ المُخاطَبَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذا الخِطابِ هُمُ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ  .

لِأنَّ الكافِرَ لا نِعْمَةَ لِلَّهِ عَلَيْهِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وجُمْهُورُ العُلَماءِ: الخِطابُ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ في مُدَّةِ النَبِيِّ عَلَيْهِ السَلامُ، مُؤْمِنُهم وكافِرُهم.

والضَمِيرُ في "عَلَيْكُمْ" يُرادُ بِهِ عَلى آبائِكُمْ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ألَمْ نَهْزِمْكم يَوْمَ كَذا، لِوَقْعَةٍ كانَتْ بَيْنَ الآباءِ والأجْدادِ؟

ومَن قالَ: إنَّما خُوطِبَ المُؤْمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ  اسْتَقامَ الضَمِيرُ في "عَلَيْكُمْ"، ويَجِيءُ كُلُّ ما تَوالى مِنَ الأوامِرِ عَلى جِهَةِ الِاسْتِدامَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .

أمْرٌ وجَوابُهُ، فَقالَ الخَلِيلُ: جَزْمُ الجَوابِ في الأمْرِ مِن مَعْنى الشَرْطِ، والوَفاءُ بِالعَهْدِ هو التِزامُ ما تَضَمَّنَ مِن فِعْلٍ.

وقَرَأ الزُهْرِيُّ: "أُوَفِّ" بِفَتْحِ الواوِ وشَدِّ الفاءِ لِلتَّكْثِيرِ.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في هَذا العَهْدِ إلَيْهِمْ، فَقالَ الجُمْهُورُ: ذَلِكَ عامٌّ في جَمِيعِ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ووَصاياهُ، فَيَدْخُلُ في ذَلِكَ ذِكْرُ مُحَمَّدٍ  في التَوْراةِ، وقِيلَ: العَهْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ  ﴾ .

الآيَةُ: وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: العَهْدُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ  ﴾ الآيَةُ، وعَهْدُهُمْ: هو أنْ يُدْخِلَهُمُ الجَنَّةَ، ووَفاؤُهم بِعَهْدِ اللهِ أمارَةٌ لِوَفاءِ اللهِ تَعالى لَهم بِعَهْدِهِمْ، لا عِلَّةَ لَهُ، لِأنَّ العِلَّةَ لا تَتَقَدَّمُ المَعْلُولَ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَإيّايَ فارْهَبُونِ ﴾ الِاسْمُ "إيا"، والياءُ ضَمِيرٌ كَكافِ المُخاطَبِ، وقِيلَ: "إيّايَ" بِجُمْلَتِهِ هو الِاسْمُ، وهو مَنصُوبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ مُؤَخَّرٍ تَقْدِيرُهُ: وإيّايَ ارْهَبُوا فارْهَبُونِ، وامْتَنَعَ أنْ يَقَدَّرَ مُقَدَّمًا لِأنَّ الفِعْلَ إذا تَقَدَّمَ لَمْ يَحْسُنْ أنْ يَتَّصِلَ بِهِ إلّا ضَمِيرٌ خَفِيفٌ، فَكانَ يَجِيءُ: "وارْهَبُونِ".

والرَهْبَةُ يَتَضَمَّنُ الأمْرُ بِها مَعْنى التَهْدِيدِ، وسَقَطَتِ الياءُ بَعْدَ النُونِ لِأنَّها رَأْسُ آيَةٍ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي إسْحاقَ بِالياءِ و"آمِنُوا" مَعْناهُ: صَدِّقُوا، و"مُصَدِّقًا" نُصِبَ عَلى الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "أنْزَلْتُ"، وقِيلَ: مِن "ما"، والعامِلُ فِيهِ "آمِنُوا"، وما أنْزَلْتُ كِنايَةٌ عَنِ القُرْآنِ، و ﴿ لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَوْراةِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ هَذا مِن مَفْهُومِ الخِطابِ الَّذِي المَذْكُورِ فِيهِ والمَسْكُوتِ عنهُ حُكْمُهُما واحِدٌ، فالأوَّلُ والثانِي وغَيْرُهُما داخِلٌ في النَهْيِ، ولَكِنْ حَذِّرُوا البِدارَ إلى الكُفْرِ بِهِ، إذْ عَلى الأوَّلِ كَفَلٌ مِن فِعْلِ المُقْتَدى بِهِ، ونُصِبَ "أوَّلَ" عَلى خَبَرِ كانَ.

قالَ سِيبَوَيْهِ: أوَّلَ "أفْعَلُ" لا فِعْلَ لَهُ لِاعْتِلالِ فائِهِ وعَيْنِهِ.

قالَ غَيْرُ سِيبَوَيْهِ: هو أوألْ مِن وألَ إذا نَجا خُفِّفَتِ الهَمْزَةُ وأُبْدِلَتْ واوًا وأُدْغِمَتْ، وقِيلَ: إنَّهُ مِن آلَ فَهو "أأْوَلَ" قُلِبَ فَجاءَ وزْنُهُ "أعْفَلُ"، وسُهِّلَ وأُبْدِلَ وأُدْغِمَ.

ووَحَّدَ "كافِرٌ" وهو بِنِيَّةِ الجَمْعِ؛ لِأنَّ أفْعَلَ إذا أُضِيفَ إلى اسْمٍ مُتَصَرِّفٍ مِن فِعْلٍ جازَ إفْرادُ ذَلِكَ الِاسْمِ، والمُرادُ بِهِ الجَماعَةُ، قالَ الشاعِرُ: وإذا هُمُ طَعِمُوا فَألْأمُ طاعِمٍ وإذا هم جاعُوا فَشَرُّ جِياعِ وسِيبَوَيْهِ يَرى أنَّها نَكِرَةٌ مُخْتَصَرَةٌ مِن مَعْرِفَةٍ كَأنَّهُ قالَ: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ .

وقِيلَ: مَعْناهُ "وَلا تَكُونُوا أوَّلَ فَرِيقٍ كافِرٍ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وقَدْ كانَ كَفَرَ قَبْلَهم كُفّارُ قُرَيْشٍ فَإنَّما مَعْناهُ: مِن أهْلِ الكِتابِ، إذْ هم مَنظُورٌ إلَيْهِمْ في مِثْلِ هَذا، لِأنَّهم حُجَّةٌ مَظْنُونٌ بِهِمْ عِلْمٌ.

واخْتُلِفَ في الضَمِيرِ في "بِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقِيلَ: عَلى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ، وقِيلَ: عَلى التَوْراةِ إذْ تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿ لِما مَعَكُمْ ﴾ ، وعَلى هَذا القَوْلِ يَجِيءُ ﴿ أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ مُسْتَقِيمًا عَلى ظاهِرِهِ في الأوَّلِيَّةِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في "بِهِ" عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، إذْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿ بِما أنْزَلْتُ ﴾ .

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الثَمَنِ الَّذِي نُهُوا أنْ يَشْتَرُوهُ بِالآياتِ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: إنَّ الأحْبارَ كانُوا يَعْلَمُونَ دِينَهم بِالأُجْرَةِ فَنُهُوا عن ذَلِكَ، وفي كُتُبِهِمْ: "عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا، أيْ باطِلًا بِغَيْرِ أُجْرَةٍ".

وقالَ قَوْمٌ: كانَتْ لِلْأحْبارِ مَأْكَلَةٌ يَأْكُلُونَها عَلى العِلْمِ كالراتِبِ، فَنُهُوا عن ذَلِكَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الأحْبارَ أخَذُوا رِشى عَلى تَغْيِيرِ قِصَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَلامُ في التَوْراةِ، فَفي ذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ وقالَ قَوْمٌ: مَعْنى الآيَةِ: ولا تَشْتَرُوا بِأوامِرِي ونَواهِيِّ وآياتِي ثَمَنًا قَلِيلًا، يَعْنِي الدُنْيا ومُدُّتَها، والعَيْشَ الَّذِي هو نَزْرٌ لا خَطَرَ لَهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ قَوْلِهِ: ﴿ وَإيّايَ فاتَّقُونِ ﴾ وبَيْنَ "اتَّقَوْنِ" و"ارْهَبُونِ" فَرْقٌ أنَّ الرَهْبَةَ مَقْرُونٌ بِها وعِيدٌ بالِغٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

شروع في دعوة بني إسرائيل إلى الإسلام وهدي القرآن وهذا هو المقصود من خطابهم ولكن قدم بين يديه ما يهيئ نفوسهم إلى قبوله كما تتقدم المقدمة على الغرض، والتخليةُ على التحلية.

والإيمان بالكتاب المنزل من عند الله أو بكتب الله وإن كان من جملة ما شمله العهد المشار إليه بقوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ [البقرة: 40] إلا أنه لم يلتفت إليه هنا من تلك الجهة لأنهم عاهدوا الله على أشياء كثيرة كما تقدم ومن جملتها الإيمان بالرسل والكتب التي تأتي بعد موسى عليه السلام إلا أن ذلك مجمل في العهد فلا يتعين أن يكون ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو مما عاهدوا الله عليه بل حتى يصدقوا بأنه من عند الله وأن الجائي به رسول من الله فهم مدعوُّون إلى ذلك التصديق هنا.

فعطفُ قوله: ﴿ وآمنوا ﴾ على قوله: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ [البقرة: 40] كعطف المقصد على المقدمة، وعطفهُ على قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ من قبيل عطف الخاص على العام في المعنى ولكن هذا من عطف الجمل فلا يقال فيه عطف خاص على عام لأنه إنما يكون في عطف الجزئي على الكلي من المفردات لا في عطف الجمل وإنما أردنا تقريب موقع الجملة وتوجيه إيرادها موصولة غير مفصولة.

وفي تعليق الأمر باسم الموصول وهو (ما أنزلت) دون غيره من الأسماء نحو الكتاب أو القرآن أو هذا الكتاب إيماءٌ إلى تعليل الأمر بالإيمان به وهو أنه منزل من الله وهم قد أوصوا بالإيمان بكل كتاب يَثبتُ أنه منزل من الله.

ولهذا أتى بالحال التي هي علة الصلة إذ جعل كونه مصدقاً لما في التوراة علامةً على أنه من عند الله.

وهي العلامة الدينية المناسبة لأهل العلم من أهل الكتاب فكما جعل الإعجاز اللفظي علامة على كون القرآن من عند الله لأهل الفصاحة والبلاغة من العرب كما أشير إليه بقوله: ﴿ ألم ذلك الكتاب ﴾ [البقرة: 1، 2] إلى قوله: ﴿ فأتوا بسورة من مثله ﴾ [البقرة: 23]؛ كذلك جعل الإعجاز المعنوي وهو اشتماله على الهدى الذي هو شأن الكتب الإلهية علامة على أنه من عنده لأهل الدين والعلممِ بالشرائع.

ثم الإيمانُ بالقرآن يستلزم الإيمان بالذي جاء به وبالذي أنزله.

والمراد بما معهم كتب التوراة الأربعة وما ألحق بها من كتب الأنبياء من بني إسرائيل كالزبور، وكتاب أشعياء، وأرمياء، وحزقيال، ودانيال وغيرها ولذا اختير التعبير بما معكم دون التوراة مع أنها عبر بها في مواضع غير هذا لأن في كتب الأنبياء من بعد موسى عليه السلام بشاراتتٍ ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم أصرحُ مما في التوراة فكان التنبيه إليها أوقع.

والمراد من كون القرآن مصدقاً لما معهم أنه يشتمل على الهدى الذي دعت إليه أنبياؤهم من التوحيد والأمر بالفضائل واجتناب الرذائل وإقامة العدل ومن الوعيد والوعد والمواعظ والقَصص فما تماثل منه بها فأمره ظاهر وما اختلفَ فإنما هو لاختلاف المصالح والعصور مع دخول الجميع تحت أصل واحد، ولذلك سمي ذلك الاختلاف نسخاً لأن النسخ إزالة حكم ثابت ولم يسم إبطالاً أو تكذبياً فظهر أنه مصدق لما معهم حتى فيما جاء مخالفاً فيه لما معهم لأنه ينادي على أن المخالفة تغيير أحكام تبعاً لتغير أحوال المصالح والمفاسد بسبب تفاوت الأعصار بحيث يكون المغيِّر والمغيَّر حقاً بحسب زمانه وليس ذلك إبطالاً ولا تكذيباً قال تعالى: ﴿ فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ﴾ [النساء: 160] الآية.

فالإيمان بالقرآن لا ينافي تمسكهم القديم بدينهم ولا ما سبق من أخذ رسلهم عليهم العهد باتباعه.

ومما يشمله تصديق القرآن لما معهم أن الصفات التي اشتمل عليها القرآن ودين الإسلام والجائي به موافقة لما بشرت به كتبهم فيكون وروده معجزة لأنبيائهم وتصديقاً آخر لدينهم وهو أحد وجهين ذكرهما الفخر والبيضاوي فيلزم تأويل التصديق بالتحقيق لأن التصديق حقيقة في إعلام المخبَر (بفتح الباء) بأن خبر المخبِر مطابق للواقع إما بقوله صدقت أو صدقَ فلان كما ورد في حديث جبريل في «صحيح البخاري» لما سأله عن الإيمان والإسلام والإحسان أنه لما أخبره قال السائل صدقتَ قال: فعَجِبْنا له يَسْأَلُه ويُصدقه، وإما بأن يخبر الرجل بخبر مثل ما أخبر به غيره فيكون إخباره الثاني تصديقاً لإخبار الأول.

وأما إطلاق التصديق على دلالة شيء على صدققِ خبرٍ مَّا فهو إطلاق مجازي والمقصود وصف القرآن بكونه مصدقاً لما معهم بأخباره وأحكامه لا وصف الدين والنبوة كما لا يخفى.

﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .

جمع الضمير في ﴿ تكونوا ﴾ مع إفراد لفظ ﴿ كافر ﴾ يدل على أن المراد من الكافر فريق ثبت له الكفر لا فرد واحد فإضافة ﴿ أول ﴾ إلى ﴿ كافر ﴾ بيانية تفيد معنى فريق هو أول فرق الكافرين.

والضمير المجرور في ﴿ به ﴾ ظاهره أنه عائد إلى ﴿ ما أنزلت ﴾ لأنه المقصود.

وهو عطف على جملة ﴿ وآمنوا بما أنزلت ﴾ وهو ارتقاء في الدعوة واستجلاب القلوب فإنه لما أمرهم بالإيمان بالقرآن وكانت صيغة الأمر محتملة لطلب الامتثال بالفور أو بالتأخير وكانوا معروفين بشدة العداوة لدين الإسلام، عطف على أمرهم بالإيمان بالقرآن نهيهم عن أن يكونوا أول كافر بالقرآن وذلك يصدق بمعان بعضها يستفاد من حق التركيب وبعضها من لوازمه وبعضها من مستتبعاته وكلها تحتملها الآية، فالمعنى الأول أن يحمل قوله: ﴿ أول كافر ﴾ على حقيقة معنى الأول وهو السابق غيره فيحصل من الجملة المعطوفة تأكيد الجملة المعطوف عليها بدلالة المطابقة فالنهي عن الكفر بالقرآن يؤكد قوله: ﴿ وآمنوا بما أنزلت ﴾ ثم إن وصف (أول) يشعر بتقييد النهي بالوصف ولكن قرينة السياق دالة على أنه لا يراد تقييد النهي عن الكفر بحالة أوليتهم في الكفر، إذ ليس المقصود منه مجرد النهي عن أن يكونوا مبادرين بالكفر ولا سابقين به غيرهم لقلة جدوى ذلك ولكن المقصود الأهم منه أن يكونوا أول المؤمنين فأفيد ذلك بطريق الكناية التلويحية فإن وصف أول أصله السابق غيره في عمل يعمل أو شيء يذكر فالسبق والمبادرة من لوازم معنى الأولى لأنها بعض مدلول اللفظ ولما كان الإيمان والكفر نقيضين إذا انتفى أحدهما ثبت الآخر كان النهي عن أن يكونوا أول الكافرين يستلزم أن يكونوا أول المؤمنين.

والمقصود من النهي توبيخهم على تأخرهم في اتباع دعوة الإسلام فيكون هذا المركب قد كني به عن معنيين من ملزوماته، هما معنى المبادرة إلى الإسلام ومعنى التوبيخ المكنى عنه بالنهي، فيكون معنى النهي مراداً ولازمه وهو الأمر بالمبادرة بالإيمان مراداً وهو المقصود فيكون الكلام كناية اجتمع فيها الملزوم واللازم معاً، فباعتبار اللازم يكون النهي في معنى الأمر فيتأكد به الأمر الذي قبله كأنه قيل: وآمنوا بما أنزلت وكونوا أول المؤمنين، وباعتبار الملزوم يكون نهياً عن الكفر بعد الأمر بالإيمان فيحصل بذلك غرضان.

وهذه الكناية تعريضية لأن غرض المعنى الكنائي غير غرض المعنى الصريح وهذا هو الذي استخلصته في تحقيق معنى التعريض وهو أن يكون غرض الحكم المشار إليه به غير غرض الحكم المصرح به، أو أن يكون المحكوم له به غيرَ المحكوم له بالصريح.

وهذا الوجه مستند إلى الظاهر والتحقيق بين متناثر كلامهم في التعريض المعروف من الكناية ويندفع بهذا سؤالان مستقلان أحدهما ناشئ عما قبله: الأول كيف يصح النهي عن أن يكونوا أول الكافرين ومفهومه يقتضي أنهم لو كفروا به ثانياً لما كان كفرهم منهيًّا عنه؟

الثاني أنه قد سبقهم أهل مكة للكفر لأن آية البقرة في خطاب اليهود نزلت في المدينة فقد تحقق أن اليهود لم يكونوا أول الكافرين فالنهي عن أن يكونوا أول الكافرين تحصيل حاصل.

ووجه الاندفاع أن المقصود الأهم هو المعنى التعريضي وهو يقوم قرينة على أن القصد من النهي أن لا يكونوا من المبادرين بالكفر أي لا يكونوا متأخرين في الإيمان وهذا أول الوجوه في تفسير الآية عند صاحب «الكشاف» واختاره البيضاوي فاقتصر عليه.

واعلم أن التعريض في خصوص وصف «أول» وأما أصل النهي عن أن يكونوا كافرين به فذلك مدلول اللفظ حقيقة وصريحاً.

والتعريض من قبيل الكناية التلويحية لما فيه من خفاء الانتقال من المعنى إلى لوازمه.

وبعض التعريض يحصل من قرائن الأحوال عند النطق بالكلام ولعل هذا لا يوصف بحقيقة ولا مجاز ولا كناية وهو من مستتبعات التراكيب ودلالتها العقلية وسيجيء لهذا زيادة بيان عند قوله تعالى: ﴿ ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء ﴾ [البقرة: 235] في هذه السورة.

المعنى الثاني أن يكون المقصود التعريض بالمشركين وأنهم أشد من اليهود كفراً أي لا تكونوا في عدادهم ولعل هذا هو مراد صاحب «الكشاف» من قوله: «ويجوز أن يراد ولا تكونوا مثل أول كافر به يعني من أشرك من أهل مكة» ولا يريد أنه تشبيه بليغ وإن كان كلامه يوهمه وسكت عنه شراحه.

المعنى الثالث: أن يراد من «أول»المبادرُ والمستعجِل لأنه من لوازم الأولية كما قال تعالى: ﴿ فأنا أول العابدين ﴾ [الزخرف: 81] وقال سعيد بن مقروم الضبي: فدَعَوْا نَزَاللِ فكنتُ أولَ نازل *** وعلاَمَ أركَبُه إذا لم أنزِلِ فقوله: أول نازل لا يريد تحقيق أنه لم ينزل أحد قبله وإنما أراد أنه بادر مع الناس فإن الشأن أنه إذا دعا القوم نزاللِ أن ينزل السامعون كلهم ولكنه أراد أنه ممن لم يتربص.

ويكون المعنى ولا تعجَلوا بالتصريح بالكفر قبل التأمل، فالمراد من الكفر هنا التصميم عليه لا البقاء على ما كانوا عليه فتكون الكناية بالمفرد وهو كلمة (أول).

المعنى الرابع: أن يكون «أول» كناية عن القدوة في الأمر لأن الرئيس وصاحب اللواء ونحوهما يتقدمون القوم، قال تعالى: ﴿ يقدم قومه يوم القيامة ﴾ [هود: 98] وقال خالد بن زهير وهو ابن أخت أبي ذؤيب الهذلي: فلا تَجْزَعَنْ من سُنةٍ أنتَ سِرْتَها *** فأول راضضٍ سُنةً مَن يسِيرها أي الأجدر والناصر لسنة، والمعنى ولا تكونوا مقرين للكافرين بكفركم فإنهم إن شاهدوا كفركم كفروا اقتداء بكم وهذا أيضاً كناية بالمفرد.

المعنى الخامس: أن يكون المراد الأول بالنسبة إلى الدعوة الثانية وهي الدعوة في المدينة لأن ما بعدالهجرة هو حال ثانية للإسلام، فيها ظهر الإسلام متميزاً مستقلاً.

هذا كله مبني على جعل الضمير المجرور بالباء في قوله: ﴿ كافر به ﴾ عائداً على ما ﴿ ما أنزلتُ ﴾ أي القرآن وهو الظاهر لأنه ذكر في مقابل الإيمان به.

وقيل إن الضمير عائد على ما معكم وهو التوراة قال ابن عطية: «وعلى هذا القول يجيء ﴿ أول كافر ﴾ مستقيماً على ظاهره في الأولية» ولا يخفى أن هذا الوجه تكلف لأنه مؤول بأن كفرهم بالقرآن وهو الذي جاء على نحوما وصفت التوراةُ وكتبُ أنبيائهم في بشاراتهم بنبئ وكتاب يكونان من بعد موسى فإذا كذبوا بذلك فقد كفروا بصحة ما في التوراة فيُفضي إلى الكفر بما معهم.

قال التفتزاني: وهذا كله إنما يتم لو كان كفرهم به بمعنى ادعائهم أنه كله كذب وأما إذا كفروا بكونه كلام الله واعتقدوا أن فيه صدقاً وكذباً فلا يتم، ولهذا كان هذا الوجه مرجوحاً، ورده عبد الحكيم بما لا يليق به.

وبهذا كله يتضح أن قوله: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ لا يتوهم منه أن يكون النفي منصباً على القيد بحيث يفيد عدم النهي عن أن يكونوا ثاني كافر أو ثالث كافر بسبب القرينة الظاهرة وأن أول كافر ليس من قبيل الوصف الملازم حتى يستوي في نفي موصوفه أن يذكر الوصف وأن لا يذكر كقول امرئ القيس: على لاحببٍ لا يُهتدى بمناره *** وقول ابن أحمر: ولا ترى الضَّبَّ بها ينجَحِرْ *** كما سيأتي في قوله تعالى: ﴿ ولا تشتروا بايتي ثمناً قليلاً ﴾ عقب هذا.

﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلاً ﴾ .

عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجَّه إلى علماء بني إسرائيل وهم القدوة لقومهم والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، قال النبيء صلى الله عليه وسلم " لو آمن بي عشرة من اليهود لآمَن بي اليهودُ كلهم " والاشتراء تقدم عند قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16] وهو اعتياض أعياننٍ بغيرها مثلها أو ثمنها من النقدين ونحوهما كأوراق المال والسفاتج وقد استعير الاشتراء هنا لاستبدال شيء بآخر دون تبايع.

والآيات جمع آية وأصلها في اللغة العلامة على المنزل أو على الطريق قال النابغة: توهَّمْتُ آياتتٍ لها فعرفتُها *** لستةِ أعوام وذا العام سابع ثم أطلقت الآية على الحُجة لأن الحجة علامة على الحق قال الحارث ابن حلِّزة: مَنْ لنا عنده من الخير يا *** تٌ ثلاثٌ في كُلِّهن القضاء ولذلك سميت معجزة الرسول آية كما في قوله تعالى: ﴿ في تسع آيات إلى فرعون وقومه ﴾ [النمل: 12] ﴿ وإذا لم تأتهم بآية ﴾ [الأعراف: 203]، وأطلقت أيضاً على الجملة التامة من القرآن قال تعالى: ﴿ هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات ﴾ [آل عمران: 7] وفي الحديث الصحيح قال رسول الله: " أما تكفيك آية الصيف " ﴿ يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ﴾ [النساء: 176] لأن جمل القرآن حجة على صدق الرسول لأن بلاغتها معجزة.

وأما إطلاق آية على الجملة من التوراة في حديث الرجم في قول الراوي «فوضع المِدْراس يده على آية الرجم» فذلك مجاز على مجازٍ لعلاقة المشابهة.

ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته، ففي ﴿ تشتروا ﴾ استعارة تحقيقية في الفعل، ويجوز كون ﴿ تشتروا ﴾ مجازاً مرسلاً بعلاقة اللزوم أو بعلاقة الاستعمال المقيد في المطلق كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ﴾ [البقرة: 16]، لكن هنا الاستعارة متأتية فهي أظهر لظهور علاقة المشابهة واستغناءِ علاقة المشابهة عن تطلب وجه العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأن مقصد التشبيه وحده كاف في العدول إلى الاستعارة، إذ التشبيه من مقاصد البلغاء.

وإذ قد كان فعل الاشتراء يقتضي شيئين أبدل أحدهما بالآخر جُعل العوض المرغوب فيه هو المشتري وهو المأخوذ ويعدى إلى الفعل بنفسه، وجعل العوض الآخر هو المدفوع ويسمى الثمن ويتعدى الفعل إليه بالباء الدالة على معنى العوض.

وقد عدي الاشتراءُ هنا إلى الآيات بالباء فكانت الآيات هي الواقعة موقع الثمن لأن الثمن هو مدخل الباء فدل دخول الباء على أن الآيات شبهت بالثمن في كونها أهون العوضين عند المستبدل، وذكر الباء قرينة المكنية لأنها تدخل على الثمن ولا يصح كونها تبعية إذ ليس ثم معنى حقه أن يؤدى بالحرف شبه بمعنى الباء، فها هنا يتعين سلوك طريقة السكاكي في رد التبعية للمكنية.

ولا يصح أيضاً جعل الباء تخييلاً إذ ليست دالة على معنى مستقل يمكن تخيله.

ثم عبر عن مفعول الاشتراء بلفظ الثمن وكان الظاهر أن يعطى لفظ الثمن لمدخول الباء أو أن يعبر عن كل بلفظ آخر كأن يقال: لا تشتروا بآياتي متاعاً قليلاً فأخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر وعبر عن المتاع ونحوه بالثمن على طريق الاستعارة التحقيقية لتشبيه هذا العوض من الرئاسة أو المال بالثمن أو لأنه يشبه الثمن في كونه أعياناً وحطاماً جعلت بدلاً عن أمر نافع وفي ذلك تعريض بهم في أنهم مغبونو الصفقة إذ قد بذلوا أنفس شيء وأخذوا حظًّا ما قليلاً فكان كلا البدلين في الآية مشبهاً بالثمن إلا أن الآيات شبهت به في كونها أهون على المعتاض، والمتاع الذي يأخذونه شبه بالثمن في كونه شيئاً مادياً يناله كل أحد أو للإشارة إلى أن كلاً من الآيات والثمن أمر هين على فريق فالآيات هانت على الأحبار والأموال هانت على العامة وخُص الهين حقيقة بإعطائه اللفظ الحقيقي الدال على أنه هين وأما الهين صورة فقد أعطى الباء المجازية وكل من الاستعارتين قرينة على الأخرى، ولأنه لما غلب في الاستعمال إطلاق الثمن على النقدين اختير إطلاق ذلك على ما يأخذونه تلميحاً إلى أنهم يأخذون المال عن تغيير الأحكام الشرعية كقوله ﴿ يأخذون عرض هذا الأدنى ﴾ [الأعراف: 169].

وقد قيل إن قوله ﴿ ثَمناً ﴾ قرينة الاستعارة في قوله ﴿ ولا تشتروا ﴾ ووجهه أنه لما أدخلت الباء على الآيات تعين أن الآيات هي ثمن الاشتراء فلما عبر بعده بلفظ ﴿ ثمناً ﴾ مفعولاً لفعل ﴿ تشتروا ﴾ عَلِم السامع أن الأول ليس بثمن حقيقي فعلم أن الاشتراء مجاز ثم هو يعلم أن المعبر عنه بالثمن بعد ذلك أيضاً ليس بثمن حقيقي تبعاً للعلم بالمجاز في الفعل الناصب له.

وقد قيل إن قوله ﴿ ثمناً ﴾ تجريد وتقريره مثل تقرير كونه قرينة إذا جعلنا القرينة قوله ﴿ بآياتي ﴾ .

وقيل هو ترشيح لأن لفظ الثمن من ملائم الشراء وهو قريب مما قدمناه في كونه استعارة لأن الترشيح في نفسه قد يكون استعارة من ملائم المشبه به لملائم المشبه على الاحتمالات كلها هي تدل على تجهيلهم وتقريعهم.

والآيات لا تستبدل ذواتها فتعين تقدير مضاف أي لا تشتروا بقبول آياتي ثمناً.

وإضافة آيات إلى ضمير الجلالة للتشريف قال الشيخ محمد بن عرفة: عظم الآيات بشيئين الجمع والإضافة إلى ضمير الجلالة وحُقر العوض بتحقيرين التنكير والوصف بالقلة اه أي وفي ذلك تعريض بغبن صفقتهم إذ استبدلوا نفيساً بخسيس وأقول وصف ﴿ قليلاً ﴾ صفة كاشفة لأن الثمن الذي تباع به إضاعة الآيات هو قليل ولو كان أعظم متمول بالنسبة إلى ما أضاعه آخذ ذلك الثمن وعلى هذا المراد ينبغي حمل كلام ابن عرفة.

وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.

ووَصْف ﴿ ثمناً ﴾ بقوله: ﴿ قليلاً ﴾ ليس المراد به التقييد بحيث يفيد النهي عن أخذ عوض قليل دون أخذ عوض له بال وإنما هو وصف ملازم للثمن المأخوذ عوضاً عن استبدال الآيات فإن كل ثمن في جانب ذلك هو قليل فذكر هذا القيد مقصود به تحقير كل ثمن في ذلك فهذا النفي شبيه بنفي القيود الملازمة للمقيد ليفيد نفي القيد والمقيد معاً كما في البيت المشهور لامرئ القيس: على لاَحببٍ لا يُهتدى بمناره *** إذا سافَه العَوْد الدِّيَافِي جرجرا أي لا منار له فيُهتدى به لأن الاهتداء لازم للمنار، وكذلك قول ابن أحمر: لا يُفْزِع الأرنبَ أهوالُها *** ولا ترى الضبَّ بها بنجَحِرْ أي لا أرنب بها حتى يفزع من أهوالها ولا ضبَّ بها حتى ينجحر، وقول النابغة: مِثل الزجاجة لم تكحل من الرمد *** أي عيناً لم ترمَدْ حتى تُكحل؛ لأن التكحيل لازم للعين الرمداءِ ومثله كثير في الكلام البليغ.

وقد وقع ﴿ ثمناً ﴾ نكرةً في سياق النهي وهو كالنفي فشمل كل عوض، كما وقعت الآيات جمعاً مضافاً فشملت كل آية، كما وقع الفعل في سياق النفي فشمل كل اشتراء إذ الفعل كالنكرة.

والخطاب وإن كان لبني إسرائيل غير أن خطابات القرآن وقصصه المتعلقة بالأمم الأخرى إنما يقصد منها الاعتبار والاتعاظ فنحن محذرون من مثل ما وقعوا فيه بطريق الأوْلى لأننا أولى بالكمالات النفسية كما قال بشار: الحُر يُلْحَى والعَصا للعبد *** وكالبيت السائر: العَبْد يُقرع بالعَصا *** والحُر تكفيه الإشَارَه فعلماؤنا منهيون على أن يأتوا بما نهي عنه بنو إسرائيل من الصدف عن الحق لأعراض الدنيا وكذلك كانت سيرة السلف رضي الله عنهم.

ومن هنا فرضت مسألة جعلها المفسرون متعلقة بهاته الآية وإن كان تعلقها بها ضعيفاً وهي مسألة أخذ الأجرة على تعليم القرآن والدين ويتفرع عنها أخذ الأجرة على تعليم العلم وعلى بعض ما فيه عبادة كالأذان والإمامة.

وحاصل القول فيها أن الجمهور من العلماء أجازوا أخذ الأجر على تعليم القرآن فضلاً عن الفقه والعلم فقال بجواز ذلك الحسن وعطاء والشعبي وابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور والجمهور، وحجتهم في ذلك الحديث الصحيح عن ابن عباس أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: " إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله " وعليه فلا محل لهاته الآية على هذا المعنى عندهم بحال؛ لأن المراد بالاشتراء فيها معناه المجازي وليس في التعليم استبدال ولا عدول ولا إضاعة.

وقد نقل ابن رشد إجماع أهل المدينة على الجواز ولعله يريد إجماع جمهور فقهائهم.

وفي «المدونة»: لا بأس بالإجارة على تعليم القرآن.

ومنع ذلك ابن شهاب من التابعين من فقهاء المدينة وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وتمسكوا بالآية وبأن التعليم لذلك طاعة وعبادة كالصلاة والصوم فلا يؤخذ عليها أجر كذلك وبما روي عن أبي هريرة أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: «دراهم المعلمين حرام» وعن عبادة بن الصامت أنه قال: «علمت ناساً من أهل الصفة القرآن والكتابة فأهدى إلى رجل منهم قوساً فسألت النبيء صلى الله عليه وسلم فقال: " إن سرك أن تطوق بها طوقاً من نار فاقبلها " وأجاب عن ذلك القرطبي بأن الآية محملها فيمن تعين عليه التعليم فأبى إلا بالأجر، ولا دليل على ما أجاب به القرطبي.

فالوجه أن ذلك كان في صدر الإسلام وبث الدعوة فلو رخص في الأجر فيه لتعطل تعليم كثير لقلة من ينفق في ذلك لأن أكثرهم لا يستطيعه ومحمل حديث ابن عباس على ما بعد ذلك حين شاع الإسلام وكثر حفاظ القرآن.

وأقول لا حاجة إلى هذا كله لأن الآية بعيدة عن هذا الغرض كما علمت وأجاب القرطبي عن القياس بأن الصلاة والصوم عبادتان قاصرتان وأما التعليم فعبادة متعدية فيجوز أخذ الأجر على ذلك الفعل وهذا فارق مؤثر.

وأما حديث أبي هريرة وحديث عبادة ففيهما ضعف من جهة إسناديهما كما بينه القرطبي، قلت ولا أحسب الزهري يستند لمثلهما ولا للآية ولا لذلك القياس ولكنه رآه واجباً فلا تؤخذ عليه أجرة وقد أفتى متأخرو الحنفية بجواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن والفقه قال في «الدرر» و«شرحه»: «ويفتى اليوم بصحتها أي الإجارة لتعليم القرآن والفقه والأصل أن الإجارة لا تجوز عندنا على الطاعات والمعاصي لكن لما وقع الفتور في الأمور الدينية جوزها المتأخرون» اه.

ومن فروع هاته المسألة جواز أخذ الأجرة على الأذان والإمامة، قال ابن عبد البر هي مأخوذة من مسألة الأجر على تعليم القرآن وحكمهما واحد، وفي ﴿ المدونة ﴾ تجوز الإجارة على الأذان وعلى الأذان والصلاة معاً وأما على الصلاة وحدها فكرهه مالك، قال ابن شاس جازت على الأذان لأن المؤذن لا يلزمه الإتيان به أما جمعه مع الصلاة فالأجرة على الأذان فقط، وأجاز ابن عبد الحكم الإجارة على الإمامة ووجهه أنه تكلف الصلاة في ذلك الموضع في ذلك الوقت، وروى أشهب عن مالك لا بأس بالأجر على تراويح رمضان وكرهه في الفريضة قال القرطبي: وكرهها أبو حنيفة وأصحابه وفي «الدرر» ويفتى اليوم بصحتها لتعليم القرآن والفقه والإمامة والأذان ويجبر المستأجر على دفع الأجرة ويحبس، وقال القرافي في الفرق الخامس عشر والمائة: ولا يجوز في إمامة الصلاة الإجارة على المشهور من مذهب مالك لأنها عقد مكايسة من المعاوضات فلا يجوز أن يحصل العوضان فيها لشخص واحد لأن أجر الصلاة له فإذا أخذ عنها عوضاً اجتمع له العوضان اه.

وهو تعليل مبني على أصل واه قدمه في الفرق الرابع عشر والمائة على أن في كونه من فروع ذلك الأصل نظراً لا نطيل فيه فانظره فقد نبهتك إليه، فالحق أن الكراهة المنقولة عن مالك كراهة تنزيه.

وهذه المسألة كانت قد حدثت بين ابن عرفة والدكالي وهي أنه ورد على تونس في حدود سنة سبعين وسبعمائة رجل زاهد من المغرب اسمه محمد الدكالي فكان لا يصلي مع الجماعة ولا يشهد الجمعة معتلاً بأن أئمة تونس يأخذون الأجور على الإمامة وذلك جرحة في فاعله فأنكر عليه الشيخ ابن عرفة وشاع أمره عند العامة وحدث خلاف بين الناس فخرج إلى المشرق فاراً بنفسه وبلغ أنه ذهب لمصر فكتب ابن عرفة إلى أهل مصر أبياتاً هي: يا أهل مصر ومن في الدين شاركهم *** تنبهوا لسؤال معضل نزلا لزوم فسقكم أو فسق من زعمت *** أقواله أنه بالحق قد عملا في تركه الجمع والجمعات خلفكم *** وشرط إيجاب حكم الكل قد حصلا إن كان شأنكم التقوى فغيركم *** قد باء بالفسق حتى عنه ما عدلا وإن يكن عكسه فالأمر منعكس *** قولوا بحق فإن الحق ما اعتزلا فيقال إن أهل مصر أجابوه بأبيات منها: ما كان من شيم الأبرار أن يسموا *** بالفسق شيخَاً على الخيرات قد جبلا لا لا ولكن إذا ما أبصروا خللا *** كسوه من حسن تأويلاتهم حللا أليس قد قال في «المنهاج» صاحبُه *** يسوغ ذاك لمن قد يختشى زللا ومنها: وقد رويْتَ عن ابن القاسم العُتَقي *** فيما اختصرت كلاماً أوضح السبلا ما إن ترد شهادة لتاركها *** إن كان بالعلم والتقوى قد احتفلا نعم وقد كان في الأعلين منزلةً *** من جانب الجمع والجمعات واعتزلا كمالِككٍ غير مبد فيه معذرةً *** إلى الممات ولم يُسأل وما عُذلا هذا وإن الذي أبداه متجهاً *** أخذ الأئمة أجراً منعه نقلا وهبك أنك راءٍ حله نظراً *** فما اجتهادك أولى بالصواب ولا هكذا نسبت هذه الأبيات في بعض كتب التراجم للمغاربة أنها وردت من أهل مصر وقد قيل إنها نظمها بعض أهل تونس انتصاراً للدكالي ذكر ذلك الخفاجي في «طراز المجالس»، وقال إن المجيب هو أبو الحسن علي السلمي التونسي وذكر أن السراج البلقيني ذكر هاته الواقعة في «فتاواه» وذكر أن والده أجاب في المسألة بأبيات لامية انظرها هناك.

﴿ وإياى فاتقون ﴾ .

القول فيه كالقول في ﴿ وإياي فارهبون ﴾ إلا أن التعبير في الأولى بارهبون وفي الثاني باتقون لأن الرهبة مقدِّمة التقوى إذ التقوى رهبة معتبر فيها العمل بالمأمورات واجتناب المنهيات بخلاف مطلق الرهبة فإنها اعتقاد وانفعال دون عمل، ولأن الآية المتقدمة تأمرهم بالوفاء بالعهد فناسبها أن يخوفوا من نكثه، وهذه الآية تأمرهم بالإيمان بالقرآن الذي منعهم منه بقية دهمائهم فناسبها الأمر بأن لا يتقوا إلا الله.

وللتقوى معنى شرعي تقدم في قوله تعالى: ﴿ هدى للمتقين ﴾ وهي بذلك المعنى أخص لا محالة من الرهبة ولا أحسب أن ذلك هو المقصود هنا.

والقول في حذف ياء المتكلم من قوله: ﴿ فاتقون ﴾ نظير القول فيه من قوله: ﴿ وإياي فارهبون ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وإسْرائِيلُ هو يَعْقُوبُ بْنُ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (إسْرا) بِالعِبْرانِيَّةِ: (عَبْدٌ)، و(إيلُ) هو اللَّهُ، فَكانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ ﴾ والذِّكْرُ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ، فالذِّكْرُ بِالقَلْبِ ضِدُّ النِّسْيانِ، والذِّكْرُ بِاللِّسانِ ضِدُّ الإنْصاتِ، والذِّكْرُ الشَّرَفُ، وقالَ الكِسائِيُّ: ما كانَ بِالقَلْبِ فَهو مَضْمُومُ الذّالِ، وقالَ غَيْرُهُ: هو لُغَتانِ: ذِكْرٌ وذُكْرٌ، ومَعْناهُما واحِدٌ.

والمُرادُ بِالآيَةِ الذِّكْرُ بِالقَلْبِ، وتَقْدِيرُهُ: لا تَغْفُلُوا عَنْ نِعْمَتِي، الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم ولا تَناسَوْها.

وَفي النِّعْمَةِ الَّتِي أنْعَمَها عَلَيْهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: عُمُومُ نِعَمِهِ الَّتِي أنْعَمَ بِها عَلى خَلْقِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها  ﴾ .

والثّانِي: وهو قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّهُ أرادَ نِعَمَهُ عَلى آبائِهِمْ، إذْ نَجّاهم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وجَعَلَ مِنهُمُ الأنْبِياءَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ الكُتُبَ، وفَجَّرَ لَهُمُ الحَجَرَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، والنِّعَمُ عَلى الآباءِ، نَعِمٌ عَلى الأبْناءِ، لِأنَّهم يَشْرُفُونَ بِشَرَفِ آبائِهِمْ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أوْفُوا بِعَهْدِي الَّذِي أخَذْتُ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، أنْ تُؤْمِنُوا بِي وتُصَدِّقُوا رُسُلِي، أُوفِ بِعَهْدِكم عَلى ما وعَدْتُكم مِنَ الجَنَّةِ.

والثّانِي: قالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبّاسٍ: أوْفُوا بِما أمَرْتُكُمْ، أُوفِ بِما وعَدْتُكم إيّاهُ.

وَفي تَسْمِيَةِ ذَلِكَ عَهْدًا قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ عَهْدُهُ في الكُتُبِ السّالِفَةِ.

والثّانِي: أنَّهُ جَعَلَهُ كالعَهْدِ، الَّذِي هو يَمِينٌ لِلُزُومِ الوَفاءِ بِهِما مَعًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ ﴾ يَعْنِي مِنَ القُرْآنِ عَلى مُحَمَّدٍ  ، ﴿ مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ ﴾ يَعْنِي مِنَ التَّوْراةِ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ، مِن تَوْحِيدِ اللَّهِ وطاعَتِهِ.

والثّانِي: مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ، أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ.

والثّالِثُ: مُصَدِّقًا لِما في التَّوْراةِ مِن ذِكْرِ القُرْآنِ، وبَعْثِهِ مُحَمَّدًا  نَبِيًّا.

وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ ﴾ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِالقُرْآنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، وهو قَوْلُ ابْنِ جُرَيْجٍ.

والثّانِي: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِمُحَمَّدٍ  ، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّالِثُ: ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِما في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ وتَصْدِيقِ القُرْآنِ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: لا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أجْرًا، وهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في الكِتابِ الأوَّلِ: (يا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا)، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: لا تَأْخُذُوا عَلى تَغْيِيرِهِ وتَبْدِيلِهِ ثَمَنًا، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ.

والثّالِثُ: لا تَأْخُذُوا ثَمَنًا قَلِيلًا عَلى كَتْمِ ما فِيهِ مِن ذِكْرِ مُحَمَّدٍ  ، وتَصْدِيقِ القُرْآنِ، وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس قال: إسرائيل يعقوب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: إسرائيل هو يعقوب.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن أبي مجلز قال: كان يعقوب رجلاً بطيشاً فلقي ملكاً فعالجه الملك فضربه على فخذيه، فلما رأى يعقوب ما صنع به بطش به فقال: ما أنا بتارك حتى تسميني اسماً فسماه إسرائيل.

قال أبو مجلز: ألا ترى أنه من أسماء الملائكة إسرائيل، وجبريل، وميكائيل، وإسرافيل.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: كانت الأنبياء من بني إسرائيل إلا عشرة: نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، وإبراهيم، وإسمعيل، وإسحق، ومحمد عليهم السلام، ولم يكن من الأنبياء من له اسمان إلا إسرائيل وعيسى، فإسرائيل يعقوب، وعيسى المسيح.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس: أن إسرائيل وميكائيل وجبريل وإسرافيل كقولك عبد الله.

وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن الحرث البصري قال ايل الله بالعبرانية.

وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ قال: للأحبار من اليهود ﴿ اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ﴾ أي آلائي عندكم وعند آبائكم لما كان نجاهم به من فرعون وقومه ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ الذي أخذت بأعناقكم للنبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءكم ﴿ أوف بعهدكم ﴾ انجز لكم ما وعدتكم عليه بتصديقكم معه واتباعه بوضع ما كان عليهم من الإِصر والأغلال ﴿ وإياي فارهبون ﴾ أن انزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات ﴿ وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ وعندكم به من العلم ما ليس عند غيركم ﴿ وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ﴾ أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به وأنتم تجدونه عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي ﴾ يقول: ما أمرتكم به من طاعتي ونهيتكم عنه من معصيتي في النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ﴿ أوف بعهدكم ﴾ يقول: أرض عنكم وأدخلكم الجنة.

وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود.

مثله.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿ وأفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: هو الميثاق الذي أخذ عليهم في سورة ﴿ لقد أخذ ميثاق بني إسرائيل...

﴾ [ المائدة: 12] الآية.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: العهد الذي أخذ الله عليهم وأعطاهم الآية التي في سورة المائدة ﴿ ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل...

﴾ [ المائدة: 12] إلى قوله: ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ .

وأخرج عبد حميد عن الحسن في قوله: ﴿ وأفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: أوفوا بما افترضت عليكم أوف لكم بما رأيت الوعد لكم به على نفسي.

وأخرج عبد الحميد وأبو الشيخ في العظمة عن الضحاك في قوله: ﴿ وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم ﴾ قال: أوفوا بطاعتي أوف لكم بالجنة.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ وآمنوا بما أنزلت ﴾ قال القران ﴿ مصدقاً لما معكم ﴾ قال: التوراة والانجيل.

وأخرج ابن جرير عن ابن جريح في وقوله: ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ قال: بالقرآن.

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في الآية قال: يقول يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت على محمد مصدقاً لما معكم لأنكم تجدونه مكتوباً عندكم في التوارة والإِنجيل ﴿ لا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يقول: لا تكونوا أوّل من كفر بمحمد ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً ﴾ يقول: لا تأخذوا عليه أجراً.

قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأوّل: يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً.

وأخرج أبو الشيخ عن أبي العالية في قوله: ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ قال: لا تأخذ على ما علمت أجراً، فإنما أجر العلماء والحكماء على الله وهم يجدونه عندهم، يا ابن آدم علم مجاناً كما علمت مجاناً.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴾ قال: لا تخلطوا الصدق بالكذب ﴿ وتكتموا الحق وأنتم تعلمون ﴾ قال: لا تكتموا الحق وأنتم قد علمتم أن محمداً رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قوله: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴾ قال: لا تلبسوا اليهودية والنصرانية بالإِسلام وأنتم تعلمون أن دين الله الإِسلام، وأن اليهودية والنصرانية بدعة ليست من الله ﴿ وتكتمون الحق وأنتم تعلمون ﴾ قال: كتموا محمداً وهم يعلمون أنه رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإِنجيل، يأمرهم بالمعروف ويناهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

وأخرج ابن جرير عن أبي زيد في قوله: ﴿ ولا تلبسوا الحق بالباطل ﴾ قال: التوراة التي أنزل الله، والباطل الذي كتبوه بأيديهم.

وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿ وتكتموا الحق ﴾ قال: هو محمد صلى الله عليه وسلم.

وأخرج ابن حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ واركعوا ﴾ قال: صلوا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ قال: أمرهم أن يركعوا مع أمة محمد يقول: كونوا منهم ومعهم.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي موافقًا للتوراة في التوحيد والنبوة (١) (٢) و (٣) ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .

قال الليث: الأول والأولى: بمنزلة (أَفْعَل) و (فُعْلَى)، وجمع الأول: أولون، وجمع أولى: أوليات.

(٤) قال الأزهري: وقد جمع (أَوَّل) على أُول، مثل أَكْبَر وكُبر، وكذلك الأُولَى، ومنهم من شدد الواو مجموعا من (أَوَّل) (٥) واختلفوا في وزنه وتأليفه (٦) فذكر الليث فيه وجهين: أحدهما: أن تأليفه من: (همزة) و (واو) و (لام)، وعلى هذا ينبغي أن يكون (أَفْعَل) منه (أَأْوَل) بهمزتين (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) الوجه الثاني (١٣) (١٤) وقال ابن دريد: (أَوَّل) فَوْعَل، قال: وكان في الأصل: (وَوْوَل) (١٥) (١٦) وقال المبرد في كتاب "المقتضب": أول يكون على ضربين: يكون اسماً، ويكون نعتاً [موصولاً به (من كذا).

فأما كونه نعتاً] (١٧) وأما كونه اسماً فقولك: ما تركت أَوَّلاً ولا آخرًا كما تقول: ما تركت له قديماً ولا حديثاً، وعلى أي الوجهين سميت به رجلاً انصرف في النكره، لأنه في باب الأسماء بمنزلة (أَفْكَل)، وفي باب النعوت بمنزلة (أَحْمَر) (١٨) قال الفراء: ووحد الكافر، وقبله جمع، وذلك من كلام العرب فصيح جائز، إذا جاء في الاسم المشتق من الفعل كالفاعل والمفعول به، يريدون (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) وقد قال الشاعر: وإِذَا هُمُ (٢٤) (٢٥) (٢٦) فجمعه وتوحيده جائز حسن (٢٧) وقال البصريون في هذا: معناه: ولا تكونوا أول فريق كافر، أو أول حزب، أو أول قبيل كافر، ثم حذف المنعوت، وأقيم نعته مقامه، (٢٨) وقوله (به) (٢٩) (٣٠) (٣١) ويجوز أن يعود إلى (ما) في قوله: ﴿ لِمَا مَعَكُمْ ﴾ والمراد به التوراة، وذلك أنهم إذا (٣٢)  من كتابهم، فقد كفروا بكتابهم، كما أن من كتم آية من القرآن فقد كفر به (٣٣) وإذا قلنا: الكناية تعود إلى القرآن، كان المعنى: ولا تكونوا أول كافر بالقرآن من أهل الكتاب لأن قريشاً كفرت قبلهم بمكة (٣٤) وحكي عن أبي العالية أنه قال: الكناية تعود إلى محمد -  (٣٥) وإنما قيل لهم: ﴿ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ لأن الخطاب لعلماء اليهود، فإذا كفروا كفر معهم الأتباع (٣٦) فإن قيل: ما في (٣٧) (٣٨) قال الزجاج: اللغة القُدمى فتح الكاف من (كافر) والإمالة في الكاف -أيضا- جيد (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ .

أي: ببيان صفة محمد  ونعته عرضاً يسيراً من الدنيا، وذلك أن رؤساء (٤٤)  ، وتابعوه أن تفوتهم تلك المآكل والرئاسة، فاختاروا الدنيا على الآخرة (٤٥) قال أبو علي: المعنى (٤٦) (٤٧) (٤٨) و (القليل) نقيض (٤٩) (٥٠) ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴾ فاخشون في أمر محمد، لا ما يفوتكم من الرئاسة (٥١) (١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 251، "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ.

(٢) ذكره الطبري وعبر عن الحال بقوله: قطع من الهاء المتروكة في (أنزلته) من ذكر (ما) 1/ 252، وذكره مكي وقال: وإن شئت جعلته حالا من (ما) في (بما) "المشكل" 1/ 42، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 269، "الإملاء" 1/ 33، "البحر المحيط" 1/ 177.

(٣) (الواو) ساقطة من (ب).

(٤) "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 230، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وقوله: (وجمع أول: أولون) سقط من "التهذيب"، وهو في "اللسان" ضمن كلام الليث.

(٥) "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 230، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وفيه: (ومنهم من شدد الواو من (أوَّل) مجموعًا.

(٦) (تأليفه) ساقط من (ب).

(٧) في ج: (همزتين).

(٨) في (ب): (ثنيت).

(٩) في (ج): (أحد).

(١٠) قال مكي: (أَوَّل) اسم لم ينطق منه بفعل عند سيبويه ووزنه (أَفْعَل) فاؤه واو، وعينه واو، ولذلك لم يستعمل منه فعل لاجتماع الواوات.

وقال الكوفيون: هو أفعل من (وَأَل) إذا لجأ فأصله (أَوْأل)، ثم خففت الهمزة بأن أبدل منها واو وأدغمت الأولى فيها ...

وقيل: إن (أول) أَفْعَل من (آل يَؤُل) فأصله: أأْول، ثم قلب فردت الفاء في موضع (العين)، فصار (أَوْأَل) فصنع به من التخفيف والبدل والإدغام ما صنع بالقول الأول، فوزنه بعد القلب (أعفل)، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 42، 43، وانظر: "البيان" 1/ 78.

(١١) قال سيبويه: (وأما (أَوَّل) فهو أَفْعَل، يدل على ذلك قولهم: هو أول منه ومررت بأوَّلَ منك، والأولى) "الكتاب" 3/ 195.

(١٢) في (ب): (آل) بسقوط الواو.

(١٣) عند الليث.

(١٤) كلام الليث والأزهري في "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 231، "اللسان" (وأل) 8/ 4747، وعبارة المؤلف أقرب إلى "اللسان"، وهذا راجع إلى تقارب نسخة ابن منظور التي اعتمد عليها مع نسخة الواحدي، والله أعلم.

(١٥) في (ب): (وَوَّل) وكذا في الجمهرة، وما في (أ، ج) ورد على الأصل بفك الإدغام.

(١٦) "الجمهرة" 2/ 1177، والنص من "تهذيب اللغة" (أول) 1/ 232.

(١٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٨) "المقتضب" 3/ 340، "التهذيب" (أول) 1/ 232، "اللسان" (وأل) 8/ 4748.

قال محمد عضيمة في حاشية "المقتضب": (والخلاصة أن أول لها استعمالات ثلاثة: - تكون أفعل تفضيل ذكرت معها (من) أو حذفت، على أن تقدرها في الكلام فتمنع من الصرف.

- وتكون اسمًا منصرفًا وذلك عند حذف (من) وعدم تقديرها.

- وتكون ظرفًا منصوبًا أو مبنيا على الضم كالغايات.

"المقتضب" 3/ 34.

(١٩) في "المعاني": (يراد به) 1/ 32.

(٢٠) في "المعاني": (فتحذف).

(٢١) في "المعاني": (ويقوم الفعل مقامها).

(٢٢) عبارة الفراء في "المعاني": (و (القائم) قد يكون لشيء، ولـ (من) فيؤدي عنهما وهو موحد) 1/ 33.

(٢٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٢٤) في (ب): (وهو اطعموا).

(٢٥) في (ب): (هموا).

(٢٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 33، وورد البيت مع بيتين قبله في (نوادر أبي زيد)، وقال: قال رجل جاهلي، ص 434، وذكره الطبري 1/ 252، وابن عطية 1/ 270، "الدر المصون" 1/ 318.

(٢٧) "معاني القرآن" للفراء 1/ 33، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 252، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، "تفسير ابن عطية" 1/ 670.

(٢٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 29، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168، "المشكل" لمكي 1/ 43، "تفسير ابن عطية" 1/ 199، "البحر المحيط" 1/ 177، == وقال ابن عطية: (وسيبويه يرى أنها نكرة مختصرة من معرفة كأنه قال: (ولا تكونوا أول كافرين به) 1/ 199، ونحوه قال أبو حيان في "البحر" 1/ 177.

(٢٩) في (ب): (والأظهر).

(٣٠) في (ج): (عائد).

(٣١) ذكره الطبري في "تفسيره" ورجحه 1/ 251، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 92، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 74، "تفسير القرطبي" 1/ 283، وأبو حيان في "البحر" 1/ 178، ورجحه وضعف الأقوال الأخرى.

(٣٢) (إذا) ساقط من (ب).

(٣٣) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 92، وانظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 269، "زاد المسير" 1/ 74، و"القرطبي" 1/ 283، و"البحر" 1/ 178، وضعفه ابن جرير، وقال: لا معنى لقول من زعم أن العائد من الذكر في (به) على (ما) التي في قوله: (لما معكم) لأن ذلك، وإن كان محتملاً ظاهر الكلام، فإنه بعيد، مما يدل عليه ظاهر التلاوة والتنزيل ...

إلخ.

"تفسير الطبري" 1/ 251.

(٣٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 252، و"تفسير أبي الليث" 1/ 1114، و"تفسير ابن عطية" 1/ 269، و"تفسير البغوي" 1/ 87، و"تفسير القرطبي" 1/ 283، "البحر المحيط" 1/ 177، "تفسير ابن كثير" 1/ 89.

(٣٥) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 252، "تفسير أبي الليث" 1/ 114، وتفسير ابن عطية في "تفسيره" 1/ 271، و"تفسير القرطبي" 1/ 283، وكذا أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 178.

(٣٦) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 92، وانظر: "تفسير أبي الليث" 1/ 114، و"تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87.

(٣٧) في (ج): (ما في قوله: وأن تكونوا) ولعله أولى.

(٣٨) انظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، و"تفسير البغوي" 1/ 87، "زاد المسير" 1/ 47، و"تفسير الرازي" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 178.

(٣٩) قال ابن الجزري في "النشر": (انفرد صاحب المبهج عن أبي عثمان الضرير عن الدوري بإمالة (أول كافر به) فخالف سائر الرواة ..) "النشر" 2/ 66.

وقال عبد الفتاح القاضي: (لا إمالة لأحد في ﴿ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ "البدور الزاهرة في القراءات العشر المتواترة" ص 31.

(٤٠) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 168.

(٤١) في (ب): (الا في).

(٤٢) ذكر سيبويه حروف الاستعلاء سبعة حروف هي المذكورة هنا، وأربعة منها فيها مع استعلائها إطباق، و (الخاء)، و (الغين)، و (القاف) لا إطباق فيها مع أستعلائها، "الكتاب" 4/ 128، "سر صناعة الأعراب" 1/ 61، 62.

(٤٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 93، نقل الواحدي كلامه بتصرف.

(٤٤) في (ج): (راسا).

(٤٥) "تفسير الثعلبي" 1/ 68 أ، ونحوه ذكر الطبري 1/ 253، وأبو الليث 1/ 114.

قال ابن كثير 1/ 89: (يقول: لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها فإنها قليلة فانية ..)، وقد ذكر ابن عطية أقوالا في الثمن الذي نهوا أن يشتروه بالآيات، 1/ 171 - 172، وكذا أبو حيان في "البحر" 1/ 178.

(٤٦) (المعنى) ساقط من (ب).

(٤٧) قال الفراء: (وكل ما كان في القرآن من هذا قد نصب فيه الثمن وأدخلت الباء في المبيوع أو المشترى، فإن ذلك أكثر ما يأتي في الشيئين ولا يكونان ثمنا معلوما مثل الدنانير والدراهم ..

فإن جئت إلى (الدراهم والدنانير وضعت الباء في الثمن ..) "معاني القرآن" 1/ 30، ومعنى كلامه: أنه إذا لم يكن دنانير ولا دراهم في البيع صح أن يكون كل واحد من المبذول ثمنا ومثمنا، انظر: "البحر" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 319.

(٤٨) انظر: "البحر" 1/ 178، "الدر المصون" 1/ 319.

(٤٩) في "اللسان": (القلة خلاف الكثرة) "اللسان" (قل) 6/ 3726.

(٥٠) انظر: "تهذيب اللغة" (قلل) 3/ 3036، "اللسان" (قل) 6/ 3726.

(٥١) الثعلبي في "تفسيره" 1/ 68 أ، ونحوه عند أبي الليث في "تفسيره" 1/ 114، وقال ابن جرير: (فاتقون) في بيعكم آياتي بالخسيس من الثمن وشرائكم بها القليل من العرض، وكفركم بما أنزلت على رسولي وجحودكم نبوة نبيّ أن أحل بكم ما أحللت بأسلافكم ..) 1/ 254، وانظر: "تفسيرابن كثير" 1/ 89.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ لما قدم دعوة الناس عموماً وذكر مبدأهم: دعا بني إسرائيل خصوصاً وهم اليهود، وجرى الكلام معهم من هنا إلى حزب سيقول السفهاء فتارة دعاهم بالملاطفة وذكر الإنعام عليهم وعلى آبائهم، وتارة بالتخويف، وتارة بإقامة الحجة وتوبيخهم على سوء أعمالهم، وذكر العقوبات التي عاقبهم بها.

فذكر من النعم عليهم عشرة أشياء، وهي: ﴿ وَإِذْ نجيناكم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ [البقرة: 49] ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ [البقرة: 50]، ﴿ بعثناكم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ﴾ [البقرة: 56]، ﴿ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الغمام ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى ﴾ [البقرة: 57]، ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم ﴾ [البقرة: 52]، ﴿ فَتَابَ عَلَيْكُمْ ﴾ [البقرة: 54]، ﴿ نَّغْفِرْ لَكُمْ خطاياكم ﴾ [البقرة: 58]، ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب والفرقان لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 53]، ﴿ فانفجرت مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْناً ﴾ [البقرة: 60].

وذكر من سوء أفعالهم عشرة أشياء: قوله سمعنا وعصينا، واتخذتم العجل، وقالوا أرنا الله جهرة، وبدل الذين ظلموا ولن نصبر على طعام واحد، ويحرفونه، وتوليتم من بعد ذلك، وقست قلوبكم، وكفرهم بآيات الله، وقتلهم الأنبياء بغير حق.

وذكر من عقوباتهم عشرة أشياء: ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، ويعطوا الجزية، واقتلوا أنفسكم، وكونوا قردة، وأنزلنا عليهم رجزاً من السماء، وأخذكم الصاعقة، وجعلنا قلوبهم قاسية، وحرمنا عليهم طيبات أحلت لهم، وهذا كله جزاء لآبائهم المتقدمين، وخوطب المعاصرون لمحمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم متبعون لهم راضون بأحوالهم، وقد وبخ المعاندين لمحمد صلى الله عليه وسلم بتوبيخات أخر، وهي: كتمانهم أمر محمد صلى الله عليه وسلم مع معرفتهم به، ويحرّفون الكلم ويقولون هذا من عند الله، وتقتلون أنفسكم، وتخرجون فريقاً منكم من ديارهم، وحرصهم على الحياة وعداوتهم لجبريل واتباعهم للسحر، وقولهم نحن أبناء الله، وقولهم يد الله مغلولة.

﴿ نِعْمَتِي ﴾ اسم جنس فهي مفردة بمعنى الجمع، ومعناه: عام في جميع النعم التي على بني إسرائيل مما اشترك فيه معهم غيرهم أو اختصهم به كالمن والسلوى، وللمفسرين فيه أقوال تحمل على أنها أمثلة، واللفظ يعم النعم جميعاً ﴿ بعهدي ﴾ مطلق في كل ما أخذ عليهم من العهود وقيل: الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وذلك قويّ لأنه مقصود الكلام ﴿ بِعَهْدِكُمْ ﴾ دخول الجنة ﴿ وإياى ﴾ مفعول بفعل مضمر مؤخر لانفصال الضمير، وليفيد الحصر يفسره فارهبون؛ لأنه قد أخذ معموله، وكذلك إياي فاتقون ﴿ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ يعني القرآن ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي مصدقاً للتوراة، وتصديق القرآن للتوراة وغيره، وتصديق محمد صلى الله عليه وسلم للأنبياء والمتقدمين له ثلاث معان: أحدها: أنهم أخبروا به ثم ظهر كما قالوا فتبين صدقهم في الإخبار به، والآخر: أنه صلى الله عليه وسلم أخبر أنهم أنبياء وأنزل عليهم الكتب، فهو مصدق لهم أي شاهد بصدقهم، والثالث: أنه وافقهم فيما في كتبهم من التوحيد وذكر الدار الآخرة وغير ذلك من عقائد الشرائع فهو مصدق لهم لاتفاقهم في الإيمان بذلك ﴿ وَلاَ تكونوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ الضمير عائد على القرآن، وهذا نهيٌ عن المسابقة إلى الكفر به، ولا يقتضي إباحة الكفر في ثاني حال؛ لأن هذا مفهوم معطل؛ بل يقتضي الأمر بمبادرتهم إلى الإيمان به لما يجدون من ذكره، ولما يعرفون من علامته، ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ : الاشتراء هنا استعارة في استبدال: كقوله: اشتروا الضلالة بالهدى، والآيات هنا هي الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، والثمن القليل ما ينتفعون به في الدنيا من بقاء رياستهم، وأخذ الرشا على تغيير أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك، وقيل: كانوا يعلمون دينهم بالأجرة فنهوا عن ذلك، واحتج الحنفية بهذه الآية على منع الإجارة على تعليم القرآن ﴿ الحق بالباطل ﴾ الحق هنا يراد به نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، والباطل الكفر به، وقيل: الحق التوراة، والباطل ما زادوا فيها.

﴿ وَتَكْتُمُواْ ﴾ معطوف على النهي، أو منصوب بإضمار أن في جواب النهي، والواو بمعنى الجمع، والأوّل أرجح، لأنّ العطف يقتضي النهي عن كل واحد من الفعلين، بخلاف النصب بالواو، فإنه إنما يقتضي النهي عن الجمع بين الشيئين، لا النهي عن كل واحد على انفراده ﴿ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ أي تعلمون أنه حق ﴿ الصلاوة وَآتُواْ الزكاوة ﴾ يراد بها صلاة المسلمين وزكاتهم، فهو يقتضي الأمر الدخول في الإسلام ﴿ واركعوا ﴾ خصص الركوع بعد ذكر الصلاة لأنّ صلاة اليهود بلا ركوع فكأنه أمر بصلاة المسلمين التي فيها الركوع، وقيل: اركعوا للخضوع والانقياد ﴿ مَعَ الراكعين ﴾ مع المسلمين؛ فيقتضي ذلك الأمر بالدخول في دينهم، وقيل: الأمر بالصلاة مع الجماعة.

﴿ أَتَأْمُرُونَ ﴾ تقريع وتوبيخ لليهود ﴿ بالبر ﴾ عام في أنواعه؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له، وقيل: كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يتبعونه، وقال ابن عباس: بل كانوا يأمرون باتباع التوراة، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَتَنْسَوْنَ ﴾ أي تتركون، وهذا تقريع ﴿ تَتْلُونَ الكتاب ﴾ حجة عليهم ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ توبيخ ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاوة ﴾ قيل: معناه استعينوا بها على مصائب الدنيا، وقد روي أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة» ونُعي إلى ابن عباس أخوه فقام إلى الصلاة فصلّى ركعتين وقرأ الآية، وقيل: استعينوا بهما على طلب الآخرة، وقيل: الصبر هنا الصوم، وقيل: الصلاة هنا الدعاء ﴿ وَإِنَّهَا ﴾ الضمير عائد على العبادة التي تضمنها الصبر والصلاة، أو على الاستعانة أو على الصلاة ﴿ لَكَبِيرَةٌ ﴾ أي شاقة صعبة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ هنا: يتيقنون ﴿ العالمين ﴾ أي أهل زمانهم، وقيل تفضيل من وجه مّا هو كثرة الأنبياء وغير ذلك ﴿ لاَّ تَجْزِي ﴾ لا تغني.

وشيئاً مفعول به أو صفة لمصدر محذوف، والجملة في موضع الصفة، وحذف الضمير أي فيه ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شفاعة ﴾ ليس نفي الشفاعة مطلقاً، فإنّ مذهب أهل الحق ثبوت الشفاع لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [البقرة: 255] ولقوله: ﴿ مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ﴾ [يونس: 3] ولقوله: ﴿ وَلاَ تَنفَعُ الشفاعة عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ ﴾ [سبأ: 23] وانظر ما ورد أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يستأذن في الشفاعة فيقال له: «اشفع تشفع» فكل ما ورد في القرآن من نفي الشفاعة مطلقاً يحمل على هذا؛ لأنّ المطلق يحمل على المقيد، فليس في هذه الآيات المطلقة دليل للمعتزلة على نفي الشفاعة ﴿ عَدْلٌ ﴾ هنا فدية ﴿ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ جمع لأنّ النفس المذكورة يراد بها نفوس.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ إسرائيل ﴾ بغير همزة حيث كان: يزيد وحمزة في الوقف ﴿ نعمتي ﴾ وكذلك ما بعدها ساكنة الياء: أبو زيد عن المفضل ﴿ فارهبوني ﴾ ﴿ فاتقوني ﴾ بالياء في الحالين: يعقوب، وكذلك كل ياء محذوفة في الخط عند رأس الآية.

وروى مسبح بن حاتم وابن دريد عن سهل وعباس بالياء في الوصل.

﴿ أول كافر به ﴾ ممالة: قتيبة وأحمد بن فرج.

الوقوف: ﴿ فارهبون ﴾ (ه) ربع الجزء.

﴿ كافر به ﴾ (ص) لاتفاق الجملتين وعلى ﴿ قليلاً ﴾ أجوز لاختلاف النظم بتقديم المفعول.

﴿ فاتقون ﴾ (ه) ﴿ تعلمون ﴾ (ه) ﴿ الراكعين ﴾ (ه) ﴿ الكتاب ﴾ (ط) ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ الصلاة ﴾ (ط) ﴿ خاشعين ﴾ (لا) لأن "الذين" صفتهم.

﴿ راجعون ﴾ .

التفسير: أنه  لما أقام دلائل التوحيد والنبوة والمعاد، ثم ذكر الإنعامات العامة للبشر ومن جملتها خلق آدم إلى تمام قصته، أردفها الإنعامات.

الخاصة على أسلاف اليهود، إلانة لشكيمتهم واستمالة لقلوبهم وتنبيهاً على نبوة محمد  من حيث كونه إخباراً بالغيب مدرجاً في مطاوي ذلك ما يرشدهم إلى أصول الأديان ومكارم الأخلاق، وإسرائيل هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم غير منصرف للعلمية والعجمية المعتبرة لقب له، ومعناه صفوة الله.

وقيل: عبد الله، لأن "إسر" بالعبرية هو العبد، "وإيل" الله.

وقوله ﴿ يا بني إسرائيل ﴾ خطاب مع جماعة اليهود الذين كانوا بالمدينة من ولد يعقوب في أيام محمد  .

وحد النعمة وما يتعلق بها قد سبق في تفسير الفاتحة.

والعائد من الصلة محذوف أي أنعمت بها عليكم.

قال بعض العارفين: عبيد النعم كثيرة، وعبيد المنعم قليلون، فإن الله  ذكربني إسرائيل نعمه عليهم، ولما آل الأمر إلى أمة محمد  ذكرهم المنعم فقال ﴿ فاذكرني أذكركم  ﴾ عن ابن عباس أنه قال: من نعمه  على بني إسرائيل أن نجاهم من آل فرعون، وظلل عليهم في التيه الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وأعطاهم الحجر الذي كان يسقيهم ما شاءوا، وأعطاهم عموداً من النور أضاء لهم بالليل، وكانت رؤوسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى، وفي تذكير هذه النعم فوائد: منها أن فيها ما يشهد بصدق محمد  وهو التوراة والإنجيل والزبور.

ومنها أن كثرة النعم توجب عظم المعصية، فذكرهم إياها ليحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد  والقرآن.

ومنها أن تذكر النعم الكثيرة يوجب الحياء من إظهار المخالفة.

ومنها أن كثرة النعم تفيد أن المنعم خصهم بها من بين سائر الناس، ومن خص أحداً بنعم كثيرة فالظاهر أنه لا يزيلها عنهم كما قيل: إتمام المعروف خير من ابتدائه.

فتذكير النعم السالفة مطمع في النعم الآتية، وذلك الطمع يمنع من إظهار المخالفة والمخاصمة.

والنعمة على الآباء نعمة على الأبناء إذ لولاها لم يبق نسلهم، ولأن الانتساب إلى آباء خصهم الله  بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد، ولأنهم إذا علموا أن آباءهم إنما خصوا بهذه النعم لمكان طاعتهم والإعراض عن الكفر والجحود، رغبوا في هذه الطريقة لأن الابن مجبول على اتباع الأب "من أشبه أباه فما ظلم".

والعهد يضاف إلى المعاهد جميعاً.

يقال: أوفيت بعهدي أي بما عاهدتك عليه، وأوفيت بعهدك أي بما عاهدتك عليه.

والمعنى: أوفوا بما عاهدتموني عليه من الإيمان بي والطاعة لي أوف بعهدكم أي أرض عنكم وأدخلكم الجنة حكاه الضحاك عن ابن عباس.

وتحقيقه في قوله  ﴿ إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله  ﴾ وقيل: المراد من هذا العهد ما أثبته في الكتب المتقدمة من صفة محمد  وأنه سيبعثه، وإليه الإشارة في قوله ﴿ ولقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثنى عشر نقيباً  ﴾ إلى قوله ﴿ ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها الأنهار  ﴾ وفي الأعراف ﴿ فسأكتبها للذين يتقون  ﴾ الآية.

وفي آل عمران ﴿ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم  ﴾ وفي الصف ﴿ وإذ قال عيسى بن مريم  ﴾ وعن ابن عباس: إن الله كان عهد إلى بني إسرائيل في التوراة أني باعث من بني إسماعيل نبياً أمياً، فمن تبعه وصدق بالتوراة الذي يأتي به أي بالقرآن غفرت له ذنبه وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين، أجراً باتباع ما جاء به موسى وجاءت به سائر أنبياء بني إسرائيل، وأجراً باتباع ما جاء به محمد  النبي الأمي الذي من ولد إسماعيل وتصديق هذا في القرآن ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته  ﴾ .

وعن أبي موسى الأشعري مرفوعاً "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بعيسى ثم آمن بمحمد  فله أجران، ورجل أدّب أمته فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن تعليمها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران، ورجل أطاع الله وأطاع سيده فله أجران" فإن قيل: لو كان الأمر كما قلتم، فكيف يجوز من جماعتهم جحده  ؟

قلنا: إما لأن هذا العلم به  كان حاصلاً عند العلماء بكتبهم ولم يكن لهم عدد كثير فجاز منهم كتمانه  ، وإما لأن ذلك النص كان نصاً خفياً لعدم تعيين الزمان والمكان بحيث يعرفه كل أحد، فجاز وقوع الشكوك والشبهات فيه.

جاء في الفصل التاسع من السفر الأول من التوراة: أن هاجر لما غضبت عليها سارة تراءى لها ملك لله  .

فقال لها: يا هاجر أين تريدين؟

قالت: أهرب من سيدتي سارة.

فقال: ارجعي إلى سيدتك واخفضي لها فإن الله سيكثر زرعك وذريتك، وستحبلين وتلدين ابناً تسميه إسماعيل، من أجل أن الله سمع خشوعك، وهو يكون عيناً بين الناس وتكون يده فوق الجميع، ويد بجميع مبسوطة إليه بالخضوع.

فقيل: هذا الكلام خرج مخرج البشارة لأنهم كانوا قبل الإسلام محصورين في البادية لا يتجاسرون على الدخول في أوائل العراق وأوائل الشام إلا على أتم خوف، فلما جاء الإسلام استولوا على الخافقين بالإسلام ومازجوا الأمم ووطئوا بلادهم ومازجتهم الأمم وحجوا بيتهم ودخلوا باديتهم بسبب مجاورة الكعبة.

﴿ وإياي فارهبون ﴾ فلا تنقضوا عهدي وهو من قولك: زيد أرهبته أي زيداً رهبت رهبته بتقديم المفعول للاختصاص.

فتقديره: وإياي ارهبوا فارهبون.

وهو أوكد في إفادة الاختصاص من ﴿ إياك نعبد  ﴾ لمكان الفاء المؤذنة بتلازم ما قبلها وما بعدها.

أي إن كنتم راهبين شيئاً فارهبون.

ومن قبل التكرير ولأجل الإضمار والتفسير.

والرهبة هي الخوف، والخوف إما من العقاب وهو نصيب أهل الظاهر، وإما من الجلال وهو وظيفة أرباب القلوب، والأول يزول، والثاني لا يزول.

ومن كان خوفه في الدنيا أشد كان أمنه يوم القيامة أكثر وبالعكس.

يروى أنه ينادي مناد يوم القيامة: وعزتي وجلالي أني لا أجمع على عبدي خوفين ولا أمنين، من أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة، ومن خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة.

قوله ﴿ وآمنوا ﴾ معطوف على ﴿ اذكروا ﴾ والمراد ﴿ بما أنزلت ﴾ القرآن و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة من الراجع المحذوف وفيه تفسيران: أحدهما أن في القرآن أن موسى وعيسى حق، والتوراة والإنجيل حق، والتوراة أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى، فكان الإيمان بالقرآن مؤكداً للإيمان بالتوراة والانجيل والثاني أنه حصلت البشارة بمحمد  وبالقرآن في التوراة والإنجيل، فكان الإيمان بمحمد والقرآن تصديقاً للتوراة والإنجيل، والتكذيب بمحمد  والقرآن تكذيباً لهما، وفي هذا التفسير دلالة على نبوة محمد  من جهة أن شهادة كتب الأنبياء لا تكون إلا حقاً، ومن جهة أنه  أخبر عن كتبهم ولم يكن له  معرفة بذلك الأمر قبل الوحي ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾  أي أوّل من كفر به  ، أو أوّل فريق أو فوج كافر به  ، أو ولا يكن كل واحد منكم أوّل كافر به كقوله "كسانا حلة" أي كل واحد منا.

(وهنا سؤالان) الأول: كيف جعلوا أوّل من كفر به  وقد سبقهم إلى الكفر به  مشركو العرب؟

وفي الجواب وجوه: الأوّل: أنه تعريض وأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به  لمعرفتهم به  وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمان محمد  والمستفتحين به على الذين كفروا، وكانوا يعدّون أتباعه أولى الناس كلهم.

فلما بعث كان أمرهم على العكس ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به  ﴾ .

والثاني: ولا تكونوا مثل أوّل كافر به يعني من أشرك من أهل مكة أي ولا تكونوا - وأنتم تعرفونه  موصوفاً في التوراة - مثل من لم يعرفه  لأنه لا كتاب له.

الثالث: ﴿ ولا تكونوا أول كافر به ﴾ من أهل الكتاب، لأن هؤلاء كانوا أول من كفر به وبالقرآن من بني إسرائيل.

الرابع ﴿ ولا تكونوا أوّل كافر به ﴾ يعني بكتابكم.

يقول ذلك لعلمائهم، لأن تكذيبكم بمحمد  يوجب تكذيبكم بكتابكم.

الخامس: المراد بيان تغليظ كفرهم، وذلك أن السابق إلى الكفر كفره غليظ "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والكافر عن دليل ومعرفة بما يوجب الإيمان كفره أغلظ ممن كفر ولا دليل له على الإيمان، فاشتركا من هذا الوجه، فصح إطلاق أحدهما على الآخر.

السادس: ولا تكونوا أوّل من جحد مع المعرفة.

السابع: أوّل فريق كفر من اليهود لأن النبي  قدم المدينة وبها قريظة والنضير، فكفروا ثم تتابعت سائر اليهود على ذلك الكفر.

الثامن: ولا تكونوا أول الكافرين به  عند سماعكم بذكره  ، بل تثبتوا وراجعوا عقولكم فيه  .

السؤال الثاني: كأنه يجوز لهم الكفر إذا لم يكونوا أوّل الجواب ليس في ذكر الشيء دلالة على أن ما عداه بخلافه.

وأيضاً في قوله ﴿ وآمنوا ﴾ دلالة على أن كفرهم أولاً وآخراً محظور.

وأيضاً قوله ﴿ ولا تشتروا بآياتي ثمناً قليلاً ﴾ لا يدل على إباحة ذلك بالثمن الكثير.

وقوله ﴿ رفع السموات بغير عمد ترونها  ﴾ لا يدل على وجود عمد لا نراها فكذلك ههنا.

قال المبرد: هذا الكلام خطاب لقوم خوطبوا به قبل غيرهم، فقيل لهم: لا تكفروا بمحمد  فإنه سيكون بعدكم كفار، فلا تكونوا أنتم أول الكفار فإنه يكون عليكم وزر من كفر إلى يوم القيامة.

والاشتراء استعارة للاستبدال كما قلنا في ﴿ اشتروا الضلالة بالهدى  ﴾ أي لا تستبدلوا بآياتي ثمناً قليلاً، وإلا فالثمن هو المشترى به، والثمن القليل هو الرياسة التي كانت لهم في قومهم.

خافوا عليها لفوات لو تبعوا دين الإسلام.

وقيل: الثمن هو الرشا التي يأخذها علماؤهم على تحريف الكلم عن مواضعه وتسهيلهم لهم ما صعب عليهم من الشرائع ﴿ وإياي فاتقون ﴾ مثل ﴿ وإياي فارهبون ﴾ وقيل: الاتقاء إنما يكون عند الجزم بحصول ما يتقى عنه، فكأنه أمرهم بالرهبة.

على أن جواز العقاب قائم، ثم أمرهم بالتقوى على أن يقين العقاب قائم.

قوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ أمر بترك الإغواء والإضلال كما أن قوله ﴿ وآمنوا ﴾ أمر بترك الكفر والضلال.

ولإضلال الغير طريقان: لأنه إن سمع الدلائل فإضلاله بتشويشها عليه، وإن لم يسمعها فإضلاله بكتمانها ومنعه من الوصول إليها.

فقوله ﴿ ولا تلبسوا ﴾ إشارة إلى القسم الأول، وقوله ﴿ وتكتموا ﴾ المجزوم بلا المقدرة للنهي عطفاً على المنهي قبله إشارة إلى القسم الثاني.

والباء التي في ﴿ بالباطل ﴾ إما للوصل كما في قولك "لبست الشيء بالشيء" خلطته به، فكان المعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها فيختلط الحق المنزل بالباطل الذي كتبتم حتى لا يميز بينهما.

وإما للاستعانة كما في "كتبت بالقلم" فالمعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبساً بباطلكم وهو الشبهات التي توردونها على السامعين.

وذلك أن النصوص الواردة في التوراة والإنجيل في أمر محمد  كانت نصوصاً خفية يحتاج في معرفتها إلى الاستدلال، ثم إنهم كانوا يجادلون فيها ويشوّشون وجه الدلالة على المتأملين كقوله ﴿ وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق  ﴾ قيل: ويجوز أن يكون ﴿ وتكتموا ﴾ منصوباً بإضمار "أن"، والواو بمعنى الجمع أي لا تجمعوا لبس الحق بالباطل وكتمان الحق نحو "لا تأكل السمك وتشرب اللبن".

قلت: هذا التقدير يوهم أن يكون المحظور هو الجمع بين الأمرين كالجمع بين أكل السمك وشرب اللبن حتى لو أتى بكل منهما منفرداً عن الآخر جاز، اللهم إلا أن يحال ذلك على القرينة كما في قوله ﴿ ولا تطع منهم آثماً أو كفوراً  ﴾ إذ لا يجوز أن يريد أطع أحدهما لقرينة الإثم والكفر.

﴿ وأنتم تعلمون ﴾ ما في إضلال الخلق من الضرر العظيم العائد عليكم يوم القيامة "من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها" والنهي عن اللبس والكتمان وإن قيد بالعلم لم يدل على جوازهما حال عدم العلم، لأن السبب في ذكره أن الإقدام على الفعل الضار مع العلم بكونه ضاراً أفحش من الإقدام عليه عند الجهل بكونه ضاراً، والنهي وإن كان خاصاً لكنه عام، فكل عالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه.

ثم لما أمرهم بذكر نعمته وبالإيمان برسوله وكتابه ونهاهم عن اللبس والكتمان، بين لهم ما لزمهم من أصول الشرائع فقال ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي التي عرفتموها بوصف النبي، بناء على أنه لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب.

وأما القائلون بجواز التأخير فقد جوزوا ورود الأمر بالصلاة وإن لم يعرف حقيقتها، ويكون المقصود أن يوطن السامع نفسه على الامتثال وإن كان لا يعلم أن المأمور به ما هو كما لو قال السيد لعبده: إني آمرك غداً بشيء فلا بد أن تفعله.

ويكون الغرض أن يعزم العبد في الحال على أدائه في الوقت الثاني.

ومعنى الصلاة لغة وشرعاً قد تقدم في أول البقرة.

وأما الزكاة فهي في اللغة، الزيادة والنماء، وفي الشرع القدر المخرج من النصاب لأنها تزيد في بركة المخرج عنه، ويمكن أن يقال: مأخوذة من التطهير من زكى نفسه تزكية إذا مدحها وطهرها من العيوب.

قال  ﴿ خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها  ﴾ فإن المخرج يطهر ما بقي من المال.

قال  "عليك بالصدقة فإن فيها ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.

فأما التي في الدنيا فتزيد في الرزق، وتكثر المال، وتعمر الدار.

وأما التي في الآخرة فتستر العورة، وتصير ظلاً فوق الرأس، وتكون ستراً من النار" .

وفي هذا الخطاب مع اليهود دلالة على أن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع.

وفي قوله ﴿ واركعوا مع الراكعين ﴾ وجوه: أحدها أن اليهود لا ركوع في صلاتهم، فخص الركوع بالذكر تحريضاً لهم على الإتيان بصلاة المسلمين.

وثانيها صلوا مع المصلين فلا تكرار لأن الأول أمر بإقامتها، والثاني أمر بالجماعة.

وثالثها الركوع والخضوع لغة سواء، فيكون نهياً عن الاستكبار المذموم وأمراً بالتذلل للمؤمنين، ثم إنه  لما أمرهم بالإيمان والشرائع بناء على ما خصهم به من النعم رغبهم في ذلك بناء على مأخذ آخر، وهو أن التغافل عن أعمال البر مع حث الناس عليها مستقبح في العقول.

والهمزة في ﴿ أتأمرون ﴾ للتقرير مع التقريع، والتعجيب من حالهم.

والبر اسم جامع لأعمال الخير، ومنه بر الوالدين وهو طاعتهما وعمل مبرور مرضي.

واختلف في البر ههنا.

قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله ثم يتركونها وينهونهم عن معصية الله ويرتكبونها.

وقال ابن جريج.

تأمرون الناس بالصلاة والزكاة وتتركونهما.

أبو مسلم: كانوا قبل مبعث النبي يخبرون مشركي العرب أن رسولاً سيظهر منكم ويدعو إلى الحق ويرغبونهم في أتباعه، فلما بعث الله محمداً  حسدوه وأعرضوا عن دينه.

الزجاج: يأمرون الناس بالصدقة ويشحون بها.

وقيل: يأمرون من نصحوه في السر من أقاربهم وغيرهم باتباع محمد  ولا يتبعونه.

وقيل: يأمرون غيرهم باتباع التوراة وهم يخالفونها لأنهم وجدوا فيها ما يدل على صدق محمد  ثم ما آمنوا به.

وقيل: لعل المنافقين من اليهود كانوا يأمرون باتباعه في الظاهر وينكرونه  في الباطن، فوبخهم الله على ذلك.

والنسيان هو السهو الحادث بعد حصول العلم، والناسي غير مكلف فكيف يتوجه الذم على ما صدر عنه؟

فإذن المراد وتغفلون عن حق أنفسكم وتعدلون عما لها فيه من النفع ﴿ وأنتم تتلون الكتاب ﴾ أي التوراة وتدرسونها وتعلمون ما فيها من أعمال البر ومن نعت محمد  ومن الوعيد على ترك البر ومخالفة القول العمل ﴿ أفلا تعقلون ﴾ ؟

وهو تعجيب للعقلاء من أفعالهم.

وكثيراً ما يحذف الفعل بعد همزة الاستفهام للعلم به والتقدير: أفعلتم ذلك فلا تعقلون.

وقس على هذا نظائره في القرآن فإنها كثيرة.

وللتعجيب وجوه: منها أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى المصالح وتحذيره عن المفاسد، وإرشاد النفس إليها وتحذيرها منها أهم بشواهد العقل والنقل، فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بما لا يقبله العقل الصحيح.

ومنها أن مثل هذا الوعظ يصير سبباً للمعصية لأن الناس يقولون لولا أن هذا الواعظ مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات لما أقدم على المناهي، فيكون داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجرأة على المعاصي، وهذا مناف للغرض من الوعظ فلا يليق بالعقلاء.

ومنها أن غرض الواعظ ترويج كلامه وتنفيذ مرامه، فلا خالف إلى ما نهى عنه صار كلامه بمعزل عن القبول وهذا خلاف المعقول.

قال بعضهم: ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر استدلالاً بهذه الآية، وبقوله  ﴿ لم تقولون ما لا تفعلون  ﴾ وبأن الزاني بامرأة يقبح منه أن ينكر عليها، وأجيب بأن المكلف مأمور بشيئين: ترك المعصية، ومنع الغير عنها، والإخلال بأحد التكليفين لا يقتضي الإخلال بالآخر.

والذم في الآية مترتب على الشق الثاني وهو نسيان النفس لا على مجموع الأمرين، قالوا: وحديث القبح ممنوع.قلت: والحق أنه مكابرة، فعن أنس أن النبي  قال "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من النار.

فقلت: يا أخي يا جبريل من هؤلاء؟

فقال: هؤلاء خطباء من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم" وقال  "إن في النار رجلاً يتأذى أهل النار بريحه.

فقيل: من هو يا رسول الله؟

قال: عالم لا ينتفع بعلمه" وقال  "مثل الذي يعلم الناس الخير ولا يعمل به كالسراج يضيء للناس ويحرق نفسه" وعن الشعبي: يطلع قوم من أهل الجنة على قوم من أهل النار فيقولون: لم دخلتم النار فإنا دخلنا الجنة بفضل تعليمكم؟

فقالوا: إنا كنا نأمر بالخير ولا نفعله.

وقيل: من وعظ بقوله ضاع كلامه، ومن وعظ بفعله نفذت سهامه.

وقيل: عمل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.

روي أن يزيد بن هارون مات - وكان واعظاً زاهداً مات - فرؤي في المنام فقيل: ما فعل الله بك؟

فقال: غفر لي، وأوّل ما سألني منكر ونكير فقالا: من ربك؟

فقلت: أما تستحيان من شيخ دعا الناس إلى الله كذا وكذا سنة فتقولان له من ربك.

وقيل للشبلي عند النزع: قل لا إله إلا الله.

فقال: إن بيتـــاً أنـــت ســاكنـــه *** غيـــــر محتــــاج إلـــى ســـــرج ولما أمرهم الله  بالإيمان وترك الإضلال وبالتزام الشرائع وموافقة القول للفعل وكان ذلك شاقاً عليهم لما فيه من ترك الرياسات والإعراض عن المال والجاه، عالج الله تعالى هذا المرض بقوله ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة ﴾ فكأنه قيل: واستعينوا على ترك ما تحبون من الدنيا والدخول فيما تستثقله طباعكم من قبول دين محمد  بالصبر أي حبس النفس عن اللذات، فإنكم إذا كلفتم أنفسكم ذلك مرنت عليه وخف عليها.

ثم إذا ضممتم الصلاة إلى ذلك كمل الأمر، لأن المشتغل بالصلاة مشتغل بذكر لطفه وقهره، فإذا تذكر لطفه مال إلى الطاعة، وإذا تذكر قهره انتهى عن المعصية.

وقيل: الصبر الصوم لأنه حبس النفس عن المفطرات ومنه يقال: شهر الصبر لشهر رمضان.

ومن حبس نفسه عن قضاء شهوتي البطن والفرج زالت عنه كدورات حب الدنيا، فإذا انضاف إليه الصلاة استنار القلب بأنوار معرفة الله.

وإنما قدم الصوم على الصلاة لأن تأثير الصوم في إزالة ما لا ينبغي وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي والنفي مقدم على الإثبات.

ويجوز أن يراد بالصلاة الدعاء أي استعينوا على البلاء بالصبر والالتجاء إلى الدعاء والابتهال في دفعه إلى فاطر الأرض والسماء.

وهذا الخطاب وإن كان خاصاً ببني إسرائيل وإلا لزم تفكك النظم، لكن المعنى على العموم فعلى كل مكلف أن يستعين على حوائجه إلى الله بالصلاة والصبر على تكاليفها مراعياً في ذلك ما يجب من الإخلاص وحسن الأدب واستحضار العلم بأنها انتصاب بين يدي الجبار العالم بالطويات والأسرار ومنه قوله ﴿ وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها  ﴾ .

ومن خواص الصلاة اندفاع البلايا وانكشاف الغموم والرزايا.

كان رسول الله  إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة.

وإنها أي الصلاة أو الاستعانة أو جميع المأمورات والمنهيات في هذه الآيات لكبيرة لشاقة ثقيلة ﴿ كبر على المشركين ما تدعوهم إليه  ﴾ ﴿ إلا على الخاشعين الذين يظنون ﴾ يعلمون أنهم ملاقو جزاء ربهم وأنهم إلى حكمه راجعون، فتصدر عنهم الأعمال مع طيب نفس وانشراح صدر، وهذا بخلاف حال المنافقين الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلاً.

فالملحد إذا لم يعتقد في فعلها منفعة لا يواتيه طبعه في الاشتغال بها وإن كان زماناً يسيراً فتثقل عليه، والموحد حيث اعتقد في فعلها أعظم المنافع وهو الفوز بالنعيم المقيم والخلاص من العذاب الأليم يهون عليه تزجية الأوقات بوظائف العبادات.

وكان رسول الله  يصلي حتى تورّمت قدماه، ومع ذلك يقول: "يا بلال روّحنا" ، "وجعلت قرة عيني في الصلاة" والخشوع والخضوع أخوان وهما التطامن والتواضع، ومنه الخشعة للأكمة المتواضعة.

وفي الحديث "كانت الأرض خاشعة على الماء ثم دحيت" وللظن ههنا تفسيران: أحدهما أنه بمعنى العلم تجوّزاً لأن الظن هو الاعتقاد الذي يقارنه تجويز النقيض، وتجويز نقيض لقاء الرب أي البعث والنشور كفر فكيف يمدح به؟

وسبب هذا التجوز أنهما يشتركان في رجحان الاعتقاد، وإن افترقا بتجويز النقيض وعدمه فصح إطلاق أحدهما على الآخر، ولا سيما إذا كان الظن عن أمارة قوية تقرّبه من العلم.

وثانيهما أن الظن بمعناه الحقيقي والمراد بملاقاة الرب، إما لقاء ثوابه وذلك مظنون لا معلوم، وإما الموت الذي هو سبب اللقاء ووقته غير معلوم إلا أنه متوقع كل لحظة وقوعاً راجحاً عند المؤمن، لأنه قطع أمله أو لأنه يحب لقاء ربه ﴿ إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت  ﴾ .

ويحتمل أن يقال: معناه على هذا التفسير الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم بذنوبهم، فإن الإنسان الخاشع قد يسيء ظنه بنفسه وبأعماله فيغلب على ظنه أنه يلقى الله بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة وذلك من صفات المدح.

وبقي ههنا بحثان: الأول: استدل أهل السنة بالآية على جواز رؤية الله  ، وأنكرها المعتزلة قالوا: اللقاء لا يفيد الرؤية لقوله  ﴿ فأعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه  ﴾ والمنافق لا يرى ربه، ولقوله ﴿ واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه  ﴾ ويشمل الكافر والمؤمن.

وقال  "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان" وأجيب بأن اللقاء في اللغة وصول أحد الجسمين إلى الآخر اتصال التماس، وهذا اللقاء سبب الإدراك.

فحيث يمتنع حمله على أصله وجب حمله على الإدراك، لأن إطلاق لفظ السبب على المسبب من أقوى وجوه المجاز.

فإن منع من ذلك أيضاً مانع أضمر بحسب ذلك، فإن الإضمار خلاف الأصل لا يصار إليه إلا لمانع.

ففي قوله ﴿ إلى يوم يلقونه  ﴾ دعت الضرورة إلى إضمار الجزاء ونحوه، وفي الآية لا ضرورة، فحمله على الإدراك أولى.

البحث الثاني: المراد من الرجوع إلى الله الرجوع إلى حكمه حيث لا مالك لهم سواه ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار  ﴾ كما كانوا كذلك في أول الخلق بخلاف أيام حياتهم في الدنيا، فإنه قد يملك الحكم عليهم ظاهراً غير الله  .

قال المجسمة: الرجوع إلى غير الجسم محال فدل ذلك على كونه  جسماً.

وقال أهل التناسخ: الرجوع إلى الشيء مسبوق بالكون عنده فدلت الآية على كون الأرواح قديمة ولا يخفى جوابهما والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل قوله: اذْكروا نعمتي التي خصصت لكم دون غيركم من نحو ما جعل منكم الأَنبياء، والملوك، كقوله: ﴿ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ .

ويحتملُ ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ يعني: النجاة من فرعون، حيث كان يستعبدكم ويستخدمكم ويستحيي نساءكم، كقوله  : ﴿ يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ...

﴾ الآية [الأعراف: 141].

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ من نحو ما أَعطاهم - عز وجل - المن والسَّلْوى، وتظليل الغمام وغير ذلك من النعم، ما لم يُؤت أَحداً من العالمين، خصوا بذلك من دون غيرهم.

وقيل: نعمتُه محمدٌ  بعث وقتَ اختلافهم في الدين، وتَفرُّقهم فيما كان عليه مَنْ مَضى من النبيين ليدُلَّهم على الحق من ذلك، ويؤلف بينهم بالبيِّنات.

كما أخرجهم الاختلاف إلى من يقوم بذلك من وجه يُعلم صدقه في ذلك؛ فبعث رسول الله  نعمة منه عليهم، إذ بطاعته نجاتهم، ولا قوة إلا بالله.

ويحتمل: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: وجهوا شكرَ نعمتي إليَّ، ولا توجهوها إلى غيري.

فإن كان هذا المراد، فهم وغيرهم فيه سواء؛ إذ على كل مُنْعَم عليه أَن يوجِّه شكر نعمه إلى ربه.

وكان الأمر بذكر النعمة - والله أعلم - أَمراً بعرفانها في القلب أَنها مِنَّةٌ، لا الذكر باللسان؛ إذ لا سبيل إلى ذكر كل ما أنعم عليه سوى الاعتراف بالعجز عن أداء شكر واحدة منها طول عمره.

وقوله  : ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم أن عهد الله على وجهين: عهد خلقة: لما جعل في خلقة كلِّ أَحد دلائلَ تدل على معرفته وتوحيده، وأَنه لم يخلقه للعبث، ولا يتركه سدى.

وعهد رسالة: على أَلسن الرسل؛ كقوله  : ﴿ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ ٱلصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ ٱلزَّكَاةَ وَآمَنتُمْ بِرُسُلِي...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَلَقَدْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ بَنِيۤ إِسْرَآئِيلَ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

وكقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ...

﴾ الآية [آل عمران: 187].

وقوله  : ﴿ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ ﴾ .

الذي وعدتكم؛ وهو الجنة، كقوله: ﴿ لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ...

﴾ الآية [المائدة: 12].

ويقال: ﴿ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ ﴾ أي: أدوا ما فرضْتُ عليكم من فرائض، ووجِّهوا إليَّ شكر نعمتي، ولا تشكروا غيري.

ويكون أوفوا بعهدي الذي أَخذ على النبيِّين بقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ...

﴾ الآية [آل عمران: 81]، ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ  ﴾ فيكون عهدُه تبليغَ ما بَيَّن في كتبهم؛ من بعث محمد  والإقرار به، والنصر له إذا بعث محمد  .

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱرْهَبُونِ ﴾ .

أَي: اخشوا سلطاني وقُدْرتي.

وقيل: اخشَوْا عذابي ونِقْمتي.

وقيل: اخشوا نقض عهدي وكتمان بعث محمد نبيِّي  .

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

قوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ ﴾ على نبيِّي محمد  من القرآن.

﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ .

أي: موافقاً لما معكم من الكتب؛ من التوراة، والإنجيل، وغيرهما.

وهم قد عرفوا موافقتَه كتُبهم؛ إذ لم يتكلفوا جمع هذا إلى كتبهم، ومقابلة بعض ببعض.

أو يحتمل قوله: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً لما معكم من الكتب، وليس كما قال صنف من الكفرة - وهم الصابئون -: إن الإنجيل نَزلَ بالرُّخص، والتوراة نزلت بالشدائد.

فقالوا باثنين؛ لما لم يرَوْا نزول الكتب - بعضُها على الرُّخَص وبعضُها على الشدائِد مِنْ واحدٍ - حكمةً.

فقال عز وجل: ﴿ مُصَدِّقاً ﴾ أي: موافقاً للكتب، وأنها إنما نزلت من واحد لا شريك له، وإن كان فيه شدائدُ ورخصٌ؛ إذ لله أَن ينهى هذا عن شيء، ويأْمرَ آخرَ، وينهى في وقت، ويأْمر به في وقت، وليس فيه خروجٌ عن الحكمة أَن يأْمر أَحداً وينهاهُ في وقتٍ واحد، وفي حالٍ واحدةٍ، وفي شيء واحد.

ثم في الآية دلالةُ أَن المنسوخ موافق للناسخ، غَيْر مُخالف له؛ لأَن من الأَحكام والشرائع ما كانت في كتبهم، ثم نسخت لنا، فول كان فيها خلاف لظهر القول منهم إنه مخالف، وإنه غير موافق.

وكذلك في القرآن ناسخ ومنسوخ، فلم يكن بعضه مخالفاً لبعضه، كقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: لا تكونوا أَول قُدوة يقتدى بكم في الكفر.

وقيل: أَي لا تكونوا أَول كافر بما آمنتم به؛ لأَنهم كانوا آمنوا به قبل أَن يُبعث، فلما بعث كفروا به.

وقيل: هم أول من التقوا برسول الله  ؛ لأَنه ظهر بين أَظهرهم؛ فلو كفروا لكانوا أَول من يكفر به فيلحقهم ما يلحق من سن الكفر لقومه مع ما يكونون هم بمعنى الحجة لغَيرهم؛ إذ كانوا أعرف به، وأبصر بما معه من الأدلة والبراهين؛ فيقتدى بهم من لم يشهد ولا عَلِمَ.

فيكون عليهم - لو كفروا - ما على أول من كفر - ولا قوة إلا بالله - مع ما يلحقهم فيه وصفُ التعنُّت والتمرد، والله الموفق.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَٰتِي ثَمَناً قَلِيلاً ﴾ .

قيل: بحجتي: قال الحسن: الآيات في جميع القرآن هي الدين؛ كقوله: ﴿ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلَـٰلَةَ بِٱلْهُدَىٰ  ﴾ .

وأما عندنا فهي الحجج، وقد ذكرنا أن اسم الشراء قد يقع من اختيار شيء بشيءٍ وإن لم يتلفظ بلفظ الشراء.

وقوله: ﴿ وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ﴾ .

أي: اتقوا عذابي ونقْمتي، ويحتمل: سلطاني وقدرتي.

وقد ذكرناه.

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: لا تشتروا بالحق الباطل.

ويَحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تلبِسوا؛ هو تلبيس الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تخلطوا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تشبهوا الحق بالباطل.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: تكتموا.

ويحتمل: لا تلبسوا، أي: لا تمحوا نعت محمد  ، ولا تثبتوا غيره.

وكله يرجع إلى واحد.

ثم ﴿ ٱلْحَقَّ ﴾ يحتمل وجوها: يحتمل: محمداً  ونعته.

ويحتمل الحق: القرآن.

ويحتمل الحق: الإيمان.

والباطلُ: هو الظلمُ والكفرُ، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَتَكْتُمُواْ ٱلْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ .

لما ذكر هو ونعتُه في كتابهم أَنه حق؛ إن كان محمداً عليه أَفضل الصلواتِ وأَكمل التحيات، أو القرآن والإيمان، لكن تعاندون وتكابرون.

وقوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة، وإيتاءِ الزكاة أَمراً بقبول الصلاة المعروفة والزكاة المعروفة والمدعوة إليهما؛ كقوله: ﴿ فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَٰوةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَٰوةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ  ﴾ ، ليس هو إخباراً عن إقامة فعلهما، ولكن القبول لها والإيمان بهما، والله أعلم.

ويحتمل: أن يكون الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بكونهم على حال تكون صلاتهم صلاة، وزكاتهم زكاةً.

قال: كونوا في حال تكون صلاتكم صلاة، وزكاتكم زكاة في الحقيقة؛ لأَن الآية نزلت في بني إسرائيل وهم كانوا أَهل كتاب، وكانوا يُصَلُّون ويَصَّدقون، ولكن صلاتهم وزكاتهم لم تكن لله، لما لم يأْتوا بإيمانهم فأمروا أن يأْتوا بالإيمان؛ لتكون صلاتهم تلك صلاة في الحقيقة.

ويحتمل: الأَمر بإقامة الصلاة والزكاة أَمراً بإقامتها بأَسبابها وشرائطها من نحو الطهارة واللباس، وإخلاص النية له، وذلك راجع إلى المؤمنين.

ويحتمل: الأَمر بالصلاة والزكاة أَمراً لمعنى فيهما، وهو الخضوع والطاعة له، والثناء عليه، وذلك على كل أَحد أَن يخضع لربه ويطيعه ولا يعصيه، وكذلك الزكاة على كل أَحد أن يزكىَ نفسه عن جميع القاذورات، ويحفظها، ويصونها عن جميع ما يضر به وذلك فَرْضٌ على كل واحد، وبالله التوفيق.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: إن اليهود كانوا يصلون ولا يركعون؛ فأُمروا أن يصلوا لله ويركعوا فيها على ما يفعله المسلمون.

وقيل: إنَّهم كانوا يصلون وحداناً لغير الله؛ فأُمروا بالصلاة مع النبي  وأَصحابه بالجماعة.

وفيه أمر بحضور الجماعة.

وقيل: ﴿ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ ﴾ أي: كونوا مع المصلينَ يعني المسلمين، ولا تخالفوهم في الدين والمذهب، أَي: اعتقاداً.

وقوله عز وجل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يَعني: الأَتباع والسفلة باتباعكم، وتعظيمكم لعلمكم، وتلاوتكم الكتاب، ﴿ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ ولا تأمرونها باتباع محمد  ، وتعظيمه، لعلمه، ولنبوته، ولفضل منزلته عند الله؟!

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ .

أي: تجدون في كتابكم أنه كذلك.

وقوله: ﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ .

أَنَّ ذا لا يصحُّ؟!.

وقيل: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ ﴾ يعني: الفقراءَ والضعفةَ بالإيمان بمحمد  ، ولا تأمرون الأغنياء وأهلَ المروءَة بالإيمان به، لما تخافون فوت المأْكلة، والبر، وانقطاعه عنكم.

ويحتمل أَن ذا الخطاب لهم ولجميع المسلمين، ألا يأْمر أحدٌ أحداً بمعروف إلا ويأْمر نفسه بمثلهِ، بل الواجب أَن يبدأ بنفسه، ثم بغيره، فذلك أنفع وأَسرع إلى القبول.

﴿ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ﴾ أَن ذلك في العقل لازم أن يجعل أول السعي في إصلاح نفسه، ثم الأمر لغيره.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَعِينُواْ بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَٰوةِ ﴾ .

يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَن استعينوا بالصبر على ترك الرئاسة والمأْكلة في الدنيا؛ لأَن الخطاب كان للرؤساءِ منهم بقوله: ﴿ أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ ﴾ والله أعلم.

ويحتمل: أن اصبروا على ترك الرئاسة لمحمد  ، والانقياد والخضوع له، لما بيَّن لكم من الثواب في الآخرة لمن آمن به وأَطاعه، وترَكَ الرئاسةَ له.

ويحتمل: أَن اصبروا على المكاره وترك الشهوات؛ بأَن الجنة لا تدرك إلا بذلك؛ لما جاءَ: "حفت الجنة بالمكارة، والنار بالشهوات" ويحتمل: أن استعينوا بالصوم والصلاة على أَدَائهما.

لكن هذا يرجع إلى المؤمنين، والآية نزلت في رؤساء بني إسرائيل، دليله قولُه: ﴿ وَهُمْ يَتْلُونَ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

وإنما يصلح هذا التأويل في قوله: ﴿ يَآأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ ٱسْتَعِينُواْ...

﴾ الآية [البقرة: 153].

وقوله عز وجل: ﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾ .

يُخرّج - والله أعلم - على ما ذكرنا من ترك الرئاسة، والمأْكلة في الدنيا، إنها لكبيرة عليهم إلا على الخاشعين، فإنها غير كبيرة، ولا عظيمة عليهم.

ويحتمل: أنَّ تركَ الرئاسة لمحمد  والانقياد له، والخضوع - لثقيلٌ إلا على الخاشعين؛ فإنه لا يثقل ذلك عليهم، ولا يكبر.

ويحتمل أَن يقال: إن الصبر على الطاعة، وأداء هذه الفرائض كبيرة على المنافقين إلا على المؤمنين خاصة، فإنه لا يتعاظم ذلك عليهم.

وقيل: إن تحويل القبلة إلى الكعبة لثقيل على اليهود، والله أعلم.

وقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: قيل: الخاشع؛ هو الخائف بالقلب.

وقيل: الخاشع؛ المتواضع.

وقيل: الخاشع - هاهنا - المؤمن.

وقال الحسن: الخشوع هو الخوف اللازم بالقلب.

وقوله عز وجل: ﴿ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُواْ رَبِّهِمْ ﴾ .

يعنى: يعلمون ويستيقنون أنهم ملاقو ربهم بكسبهم وصنيعهم.

وقوله: ﴿ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ ﴾ .

أي: سيعلمون يومئذ أَنهم راجعون إليه.

قال صاحب المنطق: الظن هو الوقوف على أَحد طرفي اليقين، والشك هو الوقوف على أَحد طرفي الظن.

والهمّةُ بين هذين.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وآمِنوا بالقرآن الذى أنزلته على محمد  مواففًا لما جاء في التوراة قبل تحريفها في شأن توحيد الله، ونبوة محمد  ، واحذروا من أن تكونوا أول فريق يكفر به، ولا تستبدلوا بآياتي التي أنزلتها ثمنًا قليلًا من جاه ورئاسة، واتقوا غضبي وعذابي.

<div class="verse-tafsir" id="91.wgDpw"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

لا يزال الكلام في الكتاب وكونه لا ريب فيه وبيان أحوال الناس وأصنافهم في أمره وقد قلنا إن التفنن في مسائل مختلفة منتظمة في سلك موضوع واحد هو من أنواع بلاغة القرآن وخصائصه المدهشة التي لم تسبق لبليغ، ولن يبلغ شأوه فيها بليغ: ذكر الكتاب وأنه لا ريب فيه، ثم ذكر اختلاف الناس فيه فابتدأ بالمستعدين للإيمان به المنتظرين للهدى الذي يضيء نوره منه، وثنى بالمؤمنين، وثلث بالكافرين، وقفى عليهم بالمنافقين.

ثم ضرب الأمثال لفرق الصنف الرابع، ثم طالب الناس کلهم بعبادته، ثم أقام البرهان علی كون الكتاب منزلًا من الله علی عبده محمد  ، و تحدی المرتابين بما أعجزهم، ثم حذر وأنذر، وبشر ووعد، ثم ذكر المثل والقدوة وهو الرسول، وذكر اختلاف الناس فيه كما ذكر اختلافهم في الكتاب، ثم حاج الكافرين، وجاءهم بأنصع البراهين، وهو إحياؤهم مرتين وإماتتهم مرتين ، وحلق السموات والأرض لمنافعهم، ثم ذكر خلق الإنسان وبين أطواره، ثم طفق يخاطب الأمم والشعوب الموجودة في البلاد التي ظهرت فيها النبوة تفصيلًا، فبدأ في هذه الآيات بذكر اليهود للمعنى الذي نذكره.

والكلام لم يخرج بهذا التنويع عن انتطامه في سلكه، و حسن اتساقه في سبكه، فهو دائر على قطب واحد في فلكه، وهو الكتاب، والمرسل به، وحاله مع المرسل إليهم.

قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ  ﴾ اختص بني إسرائيل بالخطاب اهتمامًا بهم لأنهم أقدم الشعوب الحاملة للكتب السماوية والمزمنة بالأنبياء المعروفين، ولأنهم كانوا أشد الناس على المؤمنين، ولأن في دخولهم في الإسلام من الحجة على النصارى وغيرهم أقوى مما في دخول النصارى من الحجة عليهم، وهذه النعمة التي أطلقها في التذكير العظم شأنها هي نعمة جعل النبوة فيهم زمنًا طويلًا (أو أعم)، ولذلك كانوا يسمون شعب الله كما في كتبهم، وفي القرآن أن الله اصطفاهم وفضلهم، ولا شك أن هذه المنقبة نعمة عظيمة من الله منحهم إياها بفضله ورحمته فكانوا بها مفضلين على العالمين من الأمم والشعوب وكان الواجب عليهم أن يكونوا أكثر الناس لله شكرًا وأشدهم لنعمته ذكرًا، وذلك بأن يؤمنوا بكل نبي يرسله لهدايتهم، ولكنهم جعلوا النعمة حجة الإعراض عن الإيمان، وسبب إيذاء النبي  ، لأنهم زعموا أن فضل الله تعالى محصور فيهم، وأنه لا يبعث نبيًا إلا منهم، ولذلك بدأ الله تعالى خطابهم بالتذكير بنعمته، وقفى عليه بالأمر بالوفاء بعهده فقال: ﴿ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ  ﴾ عهد الله تعالى إليهم يعرف من الكتاب الذي نزله إليهم، فقد عهد إليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأن يؤمنوا برسله متى قامت الأدلة على صدقهم، وأن يخضعوا لأحكامه وشرائعه، وعهد إليهم أن يرسل إليهم نبيًا من بين إخوتهم أي بني إسماعيل يقيم شعبًا جديدًا.

هذا هو العهد الخاص المنصوص، ويدخل في عموم العهد عهد الله الأكبر الذي أخذه على جميع البشر بمقتضى الفطرة وهو التدبر والتروي، ووزن كل شيء بميزان العقل والنظر الصحيح، لا بميزان الهوى والغرور، ولو التفت بنو إسرائيل إلى هذا العهد الإلهي العام، أو إلى تلك العهود الخاصة المنصوصة في كتابهم، لآمنوا بالنبي  واتبعوا النور الذي أنزل معه وكانوا من المفلحين، ولا حاجة إلى تخصيص العهد بالإيمان بالنبي  كما فعل مفسرنا (الجلال) فإن الإيمان داخل في العهد العام وهو من أفراد العهد الخاص فلا دليل على قصر عموم العهد المضاف عليه.

هذا هو عهد الله، وأما عهدهم فهو التمكين في الأرض المقدسة، والنصر على الأمم الكافرة، والرفعة في الدنيا وخفض العيش فيها.

هذا هو الشائع في التوراة التي بين أيديهم، ولا شك أن الله تعالى قد وعدهم أيضًا بسعادة الآخرة، ولكن لا دليل على هذا في التوراة إلا الإشارات ولذلك ظن بعض الباحثين أن اليهود لا يؤمنون بالبعث، ومع هذا يقول (الجلال) كغيره إن هذا العهد هو دخول الجنة ويقتصر عليه.

ولما كان من موانع الوفاء بالعهد الذي فشا تركه في شعب إسرائيل خوف بعضهم من بعض لما بين الرؤساء والمرؤوسين من المنافع المشتركة عقب الأمر بالوفاء بقوله ﴿ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ  ﴾ أي إن کنتم تخافون فوت بعض المنافع، ونزول بعض المضار بكم إذا خالفتم الجماهير واتبعتم الحق، فالأولى أن لا تخافوا ولا ترهبوا إلا من بيده أزمة المنافع كلها، وهو الله الذي أنعم عليكم بتلك النعمة الكبرى أو النعم كلها، وهو وحده القادر على سلبها، وعلى العقوبة على ترك الشكر عليها، فأرهبوه وحده لا ترهبوا سواه.

ثم انتقل من الأمر بالوفاء بعموم العهد إلى العهد الخاص المقصود من السياق فقال تعالى جل شأنه ﴿ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ  ﴾ من تعاليم التوراة وکتب الأنبياء كالتوحيد والنهي عن الفواحش والمنكرات والأمر بالمعروف وما يتصل بهذا من الإرشاد الموصل إلى السعادة فإذا نظرتم في القرآن ووجدتموه مصدقًا لما معكم من مقاصد الدين الإلهي وأصوله ووعود الأنبياء وعهودهم، تعلمون أن الروح الذي نزل به هو عين الروح الذي نزل بما سبقه، وتعلمون أنه لا غرض لهذا النبي الذي يدعوكم إلى مثل ما دعاكم إليه موسى والأنبياء إلا تقرير الحق، وهداية الخلق، بعد ما طرأ من ضلالة التأويل، وجهالة التقليد، فبادروا إلى الإيمان بهذا الكتاب الذي قامت به الحجة عليكم من وجهين: أحدهما - إعجازه.

وثانيهما - كونه مصدقًا لما معكم ﴿ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  ﴾ أي ولا تبادروا إلى الكفر به والجحود له مع جدارتكم بالسبق إليه، وهذا الاستعمال معروف في الكلام البليغ لهذا المعنى لا يقصد بالأولية فيه حقيقتها.

والخطاب عام لليهود في كل عصر وزمان.

ثم قال ﴿ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا  ﴾ الآيات هي الدلائل التي أيد بها النبي  وأعظمها القرآن فهو كقوله تعالى ﴿ اشْتَرَوْا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى  ﴾ أي لا تعرضوا عن الإيمان بهذا النبي وما جاء به وتستبدلوا بهدايته هذا الثمن القليل، وهو ما يستفيده رؤساؤكم من المرؤوسين من مال وجاء أوقعاهم في الكبير والغرور، وما يتوقعه المرؤوسون من الزلفى والحظوة بتقليد الرؤساء وأتباعهم، وما يخشونه إذا خالفوهم من المهانة والذلة، وإنما سمي هذا الجزاء قليلًا لأن كل ما عدا الحق قليل وحقير بالنسبة إليه، وكيف لا يكون قليلًا وصاحبه يخسر عقله وروحه قبل كل شيء لإعراضه عن الآيات البينات، والبراهين الواضحات، ثم إنه يخسر مرضاة الله تعال وتحل به نقمة في الدنيا وعقوبته في الآخرة، وختم هذه الآية بشبه ما ختم به ما قبلها وذلك قوله: ﴿ وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ  ﴾ وليس في هذه مع سابقاتها تكرار ولا شبه تكرار كما يتوهم، فقد حل كل من القولين محله، ولا مندوحة عن واحد منها لأن استبدال الباطل بالحق إنما كان منهم لاتقاء الرئيس فوت المنفعة من المرؤوس، واتقاء المرؤوس غضب الرئيس، فدحض هذه الشبهة بالأمر بتقوى الله وحده الذي بيده قلوب العباد وجوارحهم، وهو المسخر لهم في أعمالهم، وبيده الخير كله، وهو على كل شيء قدير.

ثم قال ﴿ وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ  ﴾ بينت هذه الآية مسلكهم في الغواية والإغواء في سياق النهي عنه فقد جاء في كتبهم التحذير من أنبياء كذبة يبعثون فيهم ويعملون العجائب، وجاء فيها أيضًا أنه تعالى يبعث فيهم نبيًا من ولد إسماعيل يقيم به أمة، وأنه يكون من ولد الجارية "هاجر" وبين علاماته بما لا لبس فيه ولا اشتباه، ولكن الأحبار والرؤساء كانوا يلبسون على العامة الحق بالباطل فيوهمونهم أن النبي  من الأنبياء الذين نعتهم الكتب بالكذبة -(حاشاه)- ويكتمون ما يعرفون من نعوته التي لا تنطبق على سواه، وما يعلمون من صفات الأنبياء الصادقين وما يدعون إليه، وكله ظاهر فيه  بأكمل المظاهر.

ومن اللبس أيضًا ما يفتريه الرؤساء والأحبار فيكون صادًا لهم عن سبيل الله وعن الإيمان بنبيه عن ضلال وجهل، وهو لبس أصول الدين بالمُحْدَثات والتقاليد التي زادها على الكتب المنزلة بضروب من التأويل والاستنباط من كلام بعض المتقدمين وأفعالهم، فكانوا يحكمون هذه الزيادات في الدين حتى في كتب الأنبياء ويعتذرون بأن الأقدمين أعلم بكلام الأنبياء وأشد اتباعًا لهم فهم الواسطة بينهم وبين الأنبياء، وعلى من بعدهم الأخذ بما يقولون دون ما يقول الأنبياء الذين يصعب عليهم فهم كلامهم بزعمهم، ولكن الله لم يقبل هذا العذر منهم فأسند إليهم ذلك اللبس وكتمان الحق الموجود في التوراة إلى اليوم، وكذلك لا يقبل الله ممن بعدهم ترك كتابه لكلام الرؤساء بحجة أنهم أكثر علمًا وفهمًا، فكل ما يعلم من كتاب الله تعالى يجب العمل به، وإنما يسأل الإنسان أهل الفهم عما لا يعلم منه ليعلم فيعمل.

ثم قال جل ثناؤه ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ  ﴾ فبعد الدعوة إلى الإيمان اليقيني دعاهم إلى العمل الصالح على الوجه النافع المرضي لله تعالى وكانوا ضلوا عنه بالتمسك بالظواهر والوقوف عند الرسوم فقد كانوا يصلون ولكنهم ما كانوا يقيمون الصلاة لأن الإقامة هي الإتيان بالشيء مقومًا كاملًا وهي في الصلاة التوجه إلى الله تعالى بالقلب والخشوع بين يديه والإخلاص له في الذكر والدعاء والثناء، فهذا هو روح الصلاة الذي شرعت لأجله ولم تشرع لهذه الصورة، فإن الصورة تتغير في حكم الله تعالى على ألسنة أنبيائه لأنها رابطة مذكِّرة، فلم تكن للأنبياء صورة واحدة للصلاة، ولكن هذا الروح لا يتغير، فهو واحد لم يختلف فيه نبي ولم ينسخ في دين.

ثم أمر بعد الصلاة التي تطهر الروح وتقربها من الله تعالى بالزكاة التي هي عنوان الإيمان، ومظهر شكر الله على نعمه، والصلة العظيمة بين الناس.

وقد عهد في القرآن قرن الأمر بإتيان الزكاة بالأمر بإقامة الصلاة، ومن أقام الصلاة لا ينسي الله تعالى ولا يغفل عن فضله، ومن كان كذلك فهو جدير ببذل المال في سبيله، مواساة لعياله ومساعدة على مصالحهم التي هي ملاك مصلحته، فإن الإنسان إنما يكتسب المال من الناس بحذقه وعمله معهم فهو لم يكن غنيًا إلا بهم ومنهم، فإذا عجز بعضهم عن الكسب بآفة في فكره ونفسه أو علة في بدنه، فيجب على الآخرين الأخذ بيده، وأن يكونوا عونًا له حفظًا للمجموع الذي ترتبط مصالح بعضه بمصالح البعض الآخر، وشكرًا لله على ما ميزهم به من النعمة، وظاهر أن الغني في حاجة دائمة إلى الفقير كما أن الفقيرة في حاجة إليه، ولكن النفوس تمرض فتغفل عن المصلحة في بذل المال ومساعدة الفقير والضعيف مبالغة وغلوًا في حب المال الذي هو شقيق الروح كما يقولون، لهذا جعل الله بذل المال والإنفاق في سبل الخير علامة من علامات الإيمان، وجعل البخل من آيات النفاق والكفر كما سيأتي في بعض الآيات.

إن البخل- ومنبعه القسوة على عباد الله تعالى، والحرص على المال استرسالًا في الشهوات وميلًا مع الأهواء - لا يجتمع مع الإيمان الصحيح في قلب واحد قط.

وليس لأحد أن يزعم أنه يؤمن بالله وبما أنزل على رسله من الأوامر والنواهي حتى يقوم بما أمر الله فيما طلب منه على ما يحب الله ويرضى.

ثم أمر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة بالركوع مع الراكعين، والركوع صورة الصلاة أو جزء من أجزائها، وقد أخره ولم يصله بالصلاة لحكمة جليلة، لا رعاية للفاصلة كما زعم بعض المفسرين، فليس من الجائز أن يكون في القرآن ما يعرض فيه إخلال بالمعنى لأجل رعاية الفاصلة، بل هذا لا يرتضيه البلغاء من الناس فكيف يقع في كلام الله تعالى؟

وإنما وردت هذه الأوامر الثلاثة مرتبة كما يحب الله تعالى فإقامة الصلاة في المرتبة الأولى من عبادة الله تعالى لأنها روح العبادة والإخلاص له، ويليها إيتاء الزكاة لأنها تدل أيضًا على زكاة الروح وقوة الإيمان، وأما الركوع وهو صورة الصلاة البدنية أو بعض صورتها أشير به إليها فهو في المرتبة الثالثة، فرض للتذكير بسابقيه وما هو بعباده لذاته، وإنما كان عبادة لأنه يؤدَّى امتثالًا لأمر الله تعالى وإظهارًا لخشيته، والخشوع لعظمته، ولكنه قد يصير عادة لا يلاحظ فيها امتثال ولا إخلاص فلا يعد عند الله شيئًا، وإن عده أهل الرسوم كل شيء، بخلاف إقامة الصلاة بالمعنى الذي ذكرناه وإيتاء الزكاة، ولا يخفى أن الفصل بين معنى الصلاة وصورتها بالزكاة فيه تعظيم لشأن الزكاة وسنتكلم على الزكاة والإنفاق في سبيل الله بالتفصيل في تفسير آية أخرى إن شاء الله تعالى.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله