الآية ٤٩ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٤٩ من سورة البقرة

وَإِذْ نَجَّيْنَـٰكُم مِّنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوٓءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ۚ وَفِى ذَٰلِكُم بَلَآءٌۭ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌۭ ٤٩

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 164 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٩ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٩ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قول تعالى : واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون أي : خلصتكم منهم وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ، عليه السلام ، وقد كانوا يسومونكم ، أي : يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب .

وذلك أن فرعون - لعنه الله - كان قد رأى رؤيا هالته ، رأى نارا خرجت من بيت المقدس فدخلت دور القبط ببلاد مصر ، إلا بيوت بني إسرائيل ، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل ، ويقال : بل تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم ، يكون لهم به دولة ورفعة ، وهكذا جاء في حديث الفتون ، كما سيأتي في موضعه [ في سورة طه ] إن شاء الله ، فعند ذلك أمر فرعون - لعنه الله - بقتل كل [ ذي ] ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل ، وأن تترك البنات ، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأراذلها .

وهاهنا فسر العذاب بذبح الأبناء ، وفي سورة إبراهيم عطف عليه ، كما قال : ( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) [ إبراهيم : 6 ] وسيأتي تفسير ذلك في أول سورة القصص ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة والمعونة والتأييد .

ومعنى ( يسومونكم ) أي : يولونكم ، قاله أبو عبيدة ، كما يقال : سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ، قال عمرو بن كلثوم : إذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الخسف فينا وقيل : معناه : يديمون عذابكم ، كما يقال : سائمة الغنم من إدامتها الرعي ، نقله القرطبي ، وإنما قال هاهنا : ( يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) ليكون ذلك تفسيرا للنعمة عليهم في قوله : ( يسومونكم سوء العذاب ) ثم فسره بهذا لقوله هاهنا ( اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ) وأما في سورة إبراهيم فلما قال : ( وذكرهم بأيام الله ) [ إبراهيم : 5 ] ، أي : بأياديه ونعمه عليهم فناسب أن يقول هناك : ( يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم ) فعطف عليه الذبح ليدل على تعدد النعم والأيادي .

وفرعون علم على كل من ملك مصر ، كافرا من العماليق وغيرهم ، كما أن قيصر علم على كل من ملك الروم مع الشام كافرا ، وكسرى لكل من ملك الفرس ، وتبع لمن ملك اليمن كافرا [ والنجاشي لمن ملك الحبشة ، وبطليموس لمن ملك الهند ] ويقال : كان اسم فرعون الذي كان في زمن موسى ، عليه السلام ، الوليد بن مصعب بن الريان ، وقيل : مصعب بن الريان ، أيا ما كان فعليه لعنة الله ، [ وكان من سلالة عمليق بن داود بن إرم بن سام بن نوح ، وكنيته أبو مرة ، وأصله فارسي من استخر ] .

وقوله تعالى : ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) قال ابن جرير : وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم .

أي : نعمة عظيمة عليكم في ذلك .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس [ في ] قوله : ( بلاء من ربكم عظيم ) قال : نعمة .

وقال مجاهد : ( بلاء من ربكم عظيم ) قال : نعمة من ربكم عظيمة .

وكذا قال أبو العالية ، وأبو مالك ، والسدي ، وغيرهم .

وأصل البلاء : الاختبار ، وقد يكون بالخير والشر ، كما قال تعالى : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة ) [ الأنبياء : 25 ] ، وقال : ( وبلوناهم بالحسنات والسيئات ) [ الأعراف : 168 ] .

قال ابن جرير : وأكثر ما يقال في الشر : بلوته أبلوه بلاء ، وفي الخير : أبليه إبلاء وبلاء ، قال زهير بن أبي سلمى : جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو قال : فجمع بين اللغتين ؛ لأنه أراد فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده .

[ وقيل : المراد بقوله : ( وفي ذلكم بلاء ) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء واستحياء النساء ؛ قال القرطبي : وهذا قول الجمهور ولفظه بعدما حكى القول الأول ، ثم قال : وقال الجمهور : الإشارة إلى الذبح ونحوه ، والبلاء هاهنا في الشر ، والمعنى في الذبح مكروه وامتحان ] .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أما تأويل قوله: (وإذ نجيناكم) فإنه عطف على قوله: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ .

فكأنه قال: اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم, واذكروا إنعامنا عليكم -إذ نجيناكم من آل فرعون- بإنجائناكم منهم.

(1) * * * وأما آل فرعون فإنهم أهل دينه وقومه وأشياعه.

وأصل "آل " أهل, أبدلت الهاء همزة, كما قالوا " ماء " (2) فأبدلوا الهاء همزة, فإذا صغروه قالوا: " مويه ", فردوا الهاء في التصغير وأخرجوه على أصله.

وكذلك إذا صغروا آل, قالوا: " أهيل ".

وقد حكي سماعا من العرب في تصغير "آل ": " أويل ".

(3) وقد يقال: " فلان من آل النساء " (4) يراد به أنه منهن خلق, ويقال ذلك أيضا بمعنى أنه يريدهن ويهواهن, كما قال الشاعر: فــإنك مــن آل النســاء وإنمـا يَكُــنَّ لأدْنَــى; لا وصـال لغـائب (5) وأحسن أماكن "آل " أن ينطق به مع الأسماء المشهورة, مثل قولهم: آل النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وآل علي, وآل عباس, وآل عقيل.

وغير مستحسن استعماله مع المجهول, وفي أسماء الأرضين وما أشبه ذلك; غير حسن عند أهل العلم بلسان العرب أن يقال: رأيت آل الرجل, ورآني آل المرأة -ولا-: رأيت آل البصرة, وآل الكوفة.

وقد ذكر عن بعض العرب سماعا أنها تقول: " رأيت آل مكة وآل المدينة ".

وليس ذلك في كلامهم بالفاشي المستعمل (6) .

* * * &; 2-38 &; وأما " فرعون " فإنه يقال: إنه اسم كانت ملوك العمالقة بمصر تسمى به, كما كانت ملوك الروم يسمى بعضهم " قيصر " وبعضهم " هرقل ", وكما كانت ملوك فارس تسمى " الأكاسرة " واحدهم " كسرى ", وملوك اليمن تسمى " التبابعة "، واحدهم " تبع ".

وأما " فرعون موسى " الذي أخبر الله تعالى عن بني إسرائيل أنه نجاهم منه فإنه يقال: إن اسمه " الوليد بن مُصعب بن الريان ", وكذلك ذكر محمد بن إسحاق أنه بلغه عن اسمه.

888 - حدثنا بذلك محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: أن اسمه الوليد بن مُصعب بن الريان.

(7) * * * وإنما جاز أن يقال: (وإذ نجيناكم من آل فرعون)، والخطاب به لمن لم يدرك فرعون ولا المنجَّين منه, لأن المخاطبين بذلك كانوا أبناء من نجاهم من فرعون وقومه, فأضاف ما كان من نعمه على آبائهم إليهم, وكذلك ما كان من كفران آبائهم على وجه الإضافة, كما يقول القائل لآخر: " فعلنا بكم كذا, وفعلنا بكم كذا, وقتلناكم وسبيناكم ", والمخبِر إما أن يكون يعني قومه وعشيرته بذلك، أو أهل بلده ووطنه -كان المقولُ له ذلك أدرك ما فعل بهم من ذلك أو لم يدركه, كما قال الأخطل يهاجي جرير بن عطية: ولقــد ســما لكـم الهـذيل فنـالكم بــإرَابَ, حــيث يقسِّــم الأنفـالا (8) &; 2-39 &; فـي فيلـق يدعـو الأراقـم, لـم تكن فرســـانه عُـــزلا ولا أكفــالا (9) ولم يلحق جرير هذيلا ولا أدركه, ولا أدرك إراب ولا شهده.

(10) ولكنه لما كان يوما من أيام قوم الأخطل على قوم جرير, أضاف الخطاب إليه وإلى قومه.

فكذلك خطاب الله عز وجل من خاطبه بقوله: (وإذ نجيناكم من آل فرعون) لما كان فعله ما فعل من ذلك بقوم من خاطبه بالآية وآبائهم, أضاف فعله ذلك الذي فعله بآبائهم إلى المخاطبين بالآية وقومهم.

(11) .

* * * القول في تأويل قوله تعالى يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وفي قوله: (يسومونكم) وجهان من التأويل, أحدهما: أن يكون خبرا مستأنفا عن فعل فرعون ببني إسرائيل, فيكون معناه حينئذ: و اذكروا نعمتي عليكم إذ نجيتكم من آل فرعون (12) وكانوا من قبل يسومونكم سوء العذاب.

وإذا كان ذلك تأويله كان موضع " يسومونكم " رفعا.

والوجه الثاني: أن يكون " يسومونكم " حالا فيكون تأويله حينئذ: وإذ نجيناكم &; 2-40 &; من آل فرعون سائميكم سوء العذاب, فيكون حالا من آل فرعون.

* * * وأما تأويل قوله: (يسومونكم) فإنه: يوردونكم, ويذيقونكم, ويولونكم, يقال منه: " سامه خطة ضيم "، إذا أولاه ذلك وأذاقه, كما قال الشاعر: إن سيم خسفا, وجهه تربدا (13) * * * فأما تأويل قوله: (سوء العذاب) فإنه يعني: ما ساءهم من العذاب.

وقد قال بعضهم: أشد العذاب; ولو كان ذلك معناه لقيل: أسوأ العذاب.

* * * فإن قال لنا قائل: وما ذلك العذاب الذي كانوا يسومونهم الذي كان يسوؤهم؟

(14) قيل: هو ما وصفه الله تعالى في كتابه فقال: يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ ، وقد قال محمد بن إسحاق في ذلك ما:- 889 - حدثنا به ابن حميد, قال: حدثنا سلمة, قال: أخبرنا ابن إسحاق, قال: كان فرعون يعذب بني إسرائيل فيجعلهم خدما وخولا وصنفهم في أعماله, فصنف يبنون, [وصنف يحرثون]، وصنف يزرعون له, فهم في أعماله, ومن لم يكن منهم في صنعة [له] من عمله: فعليه الجزية -فسامهم- كما قال الله عز وجل: سوء العذاب.

(15) &; 2-41 &; وقال السدي: جعلهم في الأعمال القذرة, وجعل يقتل أبناءهم, ويستحيي نساءهم: 890 - حدثني بذلك موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا أسباط عن السدي.

(16) * * * القول في تأويل قوله تعالى يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ قال أبو جعفر: وأضاف الله جل ثناؤه ما كان من فعل آل فرعون ببني إسرائيل = من سومهم إياهم سوء العذاب، وذبحهم أبناءهم، واستحيائهم نساءهم = إليهم، دون فرعون -وإن كان فعلهم ما فعلوا من ذلك كان بقوة فرعون، وعن أمره- لمباشرتهم ذلك بأنفسهم.

فبين بذلك أن كل مباشر قتل نفس أو تعذيب حي بنفسه، وإن كان عن أمر غيره, ففاعله المتولي ذلك هو المستحق إضافة ذلك إليه, وإن كان الآمر قاهرا الفاعل المأمور بذلك -سلطانا كان الآمر، أو لصا خاربا، أو متغلبا فاجرا.

(17) كما أضاف جل ثناؤه ذبح أبناء بني إسرائيل واستحياء نسائهم إلى آل فرعون دون فرعون, وإن كانوا بقوة فرعون وأمره إياهم بذلك، فعلوا ما فعلوا، مع غلبته إياهم وقهره لهم.

فكذلك كل قاتل نفسا بأمر غيره ظلما، فهو المقتول عندنا به قصاصا, وإن كان قتله إياها بإكراه غيره له على قتله.

(18) * * * &; 2-42 &; وأما تأويل ذبحهم أبناء بني إسرائيل, واستحيائهم نساءهم، (19) فإنه كان فيما ذكر لنا عن ابن عباس وغيره كالذي:- 891 - حدثنا به العباس بن الوليد الآملي وتميم بن المنتصر الواسطي, قالا حدثنا يزيد بن هارون, قال: أخبرنا الأصبغ بن زيد, قال: حدثنا القاسم بن أيوب, قال: حدثنا سعيد بن جبير, عن ابن عباس, قال: تذاكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم خليله أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا وائتمروا, وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفارُ (20) يطوفون في بني إسرائيل, فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه, ففعلوا.

فلما رأوا أن الكبار من بني إسرائيل يموتون بآجالهم, وأن الصغار يذبحون, قال: توشكون أن تفنوا بني إسرائيل فتصيروا إلى أن تباشروا من الأعمال والخدمة ما كانوا يكفونكم, فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل أبناؤهم؛ ودعوا عاما.

فحملت أم موسى بهارون في العام الذي لا يذبح فيه الغلمان, فولدته علانية آمنة, حتى إذا كان القابل حملت بموسى.

(21) 892 - وقد حدثنا عبد الكريم بن الهيثم, قال: حدثنا إبراهيم بن بشار الرمادي, &; 2-43 &; قال: حدثنا سفيان بن عيينة, قال: حدثنا أبو سعيد, عن عكرمة, عن ابن عباس, قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك.

قال: فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل, وعلى كل مائة عشرة, وعلى كل عشرة رجلا فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة, فإذا وضعت حملها فانظروا إليه, فإن كان ذكرا فاذبحوه, وإن كان أنثى فخلوا عنها.

وذلك قوله: (يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم) .

(22) 893 - حدثني المثنى بن إبراهيم, قال: حدثنا آدم, قال: حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, فقالت الكهنة: إنه سيولد العام بمصر غلام يكون هلاكك على يديه.

فبعث في أهل مصر نساء قوابل (23) فإذا ولدت امرأة غلاما أُتي به فرعون فقتله، ويستحيي الجواري.

894 - وحدثني المثنى, قال: حدثنا إسحاق بن الحجاج, قال: حدثنا عبد الله بن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بن أنس في قوله: وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ الآية, قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة, وإنه أتاه آت, فقال: إنه سينشأ في مصر غلام من بني إسرائيل، فيظهر عليك، ويكون هلاكك على يديه.

فبعث في مصر نساء.

فذكر نحو حديث آدم.

895 - وحدثني موسى بن هارون, قال: حدثنا عمرو بن حماد, قال: حدثنا &; 2-44 &; أسباط بن نصر عن السدي, قال: كان من شأن فرعون أنه رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر, فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، وأخربت بيوت مصر.

فدعا السحرة والكهنة والعافة والقافة والحازة, فسألهم عن رؤياه (24) فقالوا له: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه -يعنون بيت المقدس- رجل يكون على وجهه هلاك مصر.

فأمر ببني إسرائيل أن لا يولد لهم غلام إلا ذبحوه, ولا تولد لهم جارية إلا تركت.

وقال للقبط: انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجا فأدخلوهم, واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة.

فجعل بني إسرائيل في أعمال غلمانهم, وأدخلوا غلمانهم; فذلك حين يقول الله تبارك وتعالى: إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ -يقول: تجبر في الأرض- وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا - , يعني بني إسرائيل, حين جعلهم في الأعمال القذرة-, يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ [القصص: 4] فجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح، فلا يكبر الصغير.

وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت, فأسرع فيهم.

فدخل رءوس القبط على فرعون, فكلموه, فقالوا: إن هؤلاء قد وقع فيهم الموت, فيوشك أن يقع العمل على غلماننا!

بذبح أبنائهم، فلا تبلغ الصغار وتفنى الكبار!

(25) فلو أنك كنت تبقي من أولادهم!

فأمر أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة.

فلما كان في السنة التي لا يذبحون &; 2-45 &; فيها ولد هارون, فترك; فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت بموسى.

(26) .

896 - حدثنا محمد بن حميد, قال: حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, قال: ذكر لي أنه لما تقارب زمان موسى أتى منجمو فرعون وحزاته إليه (27) فقالوا له: تعلم أنا نجد في علمنا أن مولودا من بني إسرائيل قد أظلك زمانه الذي يولد فيه (28) يسلبك ملكك، ويغلبك على سلطانك, ويخرجك من أرضك, ويبدل دينك.

فلما قالوا له ذلك, أمر بقتل كل مولود يولد من بني إسرائيل من الغلمان, وأمر بالنساء يستحيين.

فجمع القوابل من نساء [أهل] مملكته, فقال لهن: لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتلتنه.

فكن يفعلن ذلك, وكان يذبح من فوق ذلك من الغلمان, ويأمر بالحبالى فيعذبن حتى يطرحن ما في بطونهن.

(29) 897 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن محمد بن إسحاق, عن عبد الله بن أبي نجيح, عن مجاهد قال، لقد ذكر [لي] أنه كان ليأمر بالقصب فيشق حتى يجعل أمثال الشفار, ثم يصف بعضه إلى بعض, ثم يؤتى بالحبالى من بني إسرائيل فيوقفهن عليه (30) فيحز أقدامهن.

حتى إن المرأة منهن لتمصع بولدها فيقع من بين رجليها (31) فتظل تطؤه تتقي به حد القصب عن رجلها، لما بلغ من جهدها، حتى أسرف في ذلك وكاد يفنيهم، فقيل له: أفنيت الناس &; 2-46 &; وقطعت النسل!

وإنهم خولك وعمالك!

فأمر أن يقتل الغلمان عاما ويستحيوا عاما.

فولد هارون في السنة التي يستحيا فيها الغلمان, وولد موسى في السنة التي فيها يقتلون.

(32) * * * قال أبو جعفر: والذي قاله من ذكرنا قوله من أهل العلم: كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم (33) فتأويل قوله إذًا -على ما تأوله الذين ذكرنا قولهم-: (ويستحيون نساءكم)، يستبقونهن فلا يقتلونهن.

وقد يجب على تأويل من قال بالقول الذي ذكرنا عن ابن عباس وأبي العالية والربيع بن أنس والسدي في تأويل قوله: (ويستحيون نساءكم)، أنه تركهم الإناث من القتل عند ولادتهن إياهن - أن يكون جائزا أن يسمى الطفل من الإناث في حال صباها وبعد ولادها: " امرأة " (34) والصبايا الصغار وهن أطفال: " نساء ".

لأنهم تأولوا قول الله عز وجل: (ويستحيون نساءكم)، يستبقون الإناث من الولدان عند الولادة فلا يقتلونهن.

وقد أنكر ذلك من قولهم ابن جريج, فقال بما:- 898 - حدثنا به القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين بن داود قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قوله: (ويستحيون نساءكم) قال: يسترقون نساءكم.

فحاد ابن جريج، بقوله هذا، عما قاله من ذكرنا قوله في قوله: (ويستحيون نساءكم): إنه استحياء الصبايا الأطفال, إذ لم يجدهن يلزمهن اسم " نساء " (35) ثم دخل فيما هو أعظم مما أنكر بتأويله " ويستحيون "، يسترقون, وذلك تأويل غير موجود في لغة عربية ولا أعجمية (36) .

وذلك أن الاستحياء إنما هو استفعال من الحياة (37) نظير " الاستبقاء " من " البقاء "، و " الاستسقاء " من " السقي".

وهو من معنى الاسترقاق بمعزل.

* * * وقد تأول آخرون: قوله (38) (يذبحون أبناءكم)، بمعنى يذبحون رجالكم آباء أبنائكم، وأنكروا أن يكون المذبوحون الأطفال, وقد قرن بهم النساء.

فقالوا: في إخبار الله جل ثناؤه إن المستحيين هم النساء، الدلالة الواضحة على أن الذين كانوا يذبحون هم الرجال دون الصبيان, لأن المذبحين لو كانوا هم الأطفال، لوجب أن يكون المستحيون هم الصبايا.

قالوا: وفي إخبار الله عز وجل أنهم النساء، ما بين أن المذبحين هم الرجال (39) .

قال أبو جعفر: وقد أغفل قائلو هذه المقالة - مع خروجهم من تأويل أهل التأويل من الصحابة والتابعين - موضع الصواب.

وذلك أن الله جل ثناؤه قد أخبر عن وحيه إلى أم موسى أنه أمرها أن ترضع موسى, فإذا خافت عليه أن تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم.

فمعلوم بذلك أن القوم لو كانوا إنما يقتلون الرجال ويتركون النساء، لم يكن بأم موسى حاجة إلى إلقاء موسى في اليم, أو لو أن موسى كان رجلا لم تجعله أمه في التابوت.

&; 2-48 &; ولكن ذلك عندنا على ما تأوله ابن عباس ومن حكينا قوله قبل: من ذبح آل فرعون الصبيان وتركهم من القتل الصبايا.

وإنما قيل: (ويستحيون نساءكم)، إذ كان الصبايا داخلات مع أمهاتهن - وأمهاتهن لا شك نساء في الاستحياء، لأنهم لم يكونوا يقتلون صغار النساء ولا كبارهن, فقيل: (ويستحيون نساءكم)، يعني بذلك الوالدات والمولودات، كما يقال: " قد أقبل الرجال " وإن كان فيهم صبيان.

فكذلك قوله: (ويستحيون نساءكم).

وأما من الذكور، فإنه لما لم يكن يذبح إلا المولودون، قيل: " يذبحون أبناءكم ", ولم يقل: يذبحون رجالكم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) أما قوله: ( وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ )، فإنه يعني: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائناكم (40) - مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم، على ما وصفت - بلاء لكم من ربكم عظيم.

* * * ويعني بقوله " بلاء ": نعمة، كما:- 899 - حدثني المثنى بن إبراهيم قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح, عن علي بن أبي طلحة, عن ابن عباس، قوله: (بلاء من ربكم عظيم)، قال: نعمة.

900 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي في قوله: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، أما البلاء فالنعمة.

&; 2-49 &; 901 - وحدثنا سفيان قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن رجل, عن مجاهد: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، قال: نعمة من ربكم عظيمة.

902 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثل حديث سفيان.

903 - حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج: (وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم)، قال: نعمة عظيمة (41) .

* * * وأصل " البلاء " في كلام العرب - الاختبار والامتحان, ثم يستعمل في الخير والشر.

لأن الامتحان والاختبار قد يكون بالخير كما يكون بالشر, كما قال ربنا جل ثناؤه: وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: 168]، يقول: اختبرناهم, وكما قال جل ذكره: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: 35].

ثم تسمي العرب الخير " بلاء " والشر " بلاء ".

غير أن الأكثر في الشر أن يقال: " بلوته أبلوه بلاء "، وفي الخير: " أبليته أبليه إبلاء وبلاء "، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى: جـزى اللـه بالإحسـان مـا فعلا بكم وأبلاهمـا خـير البـلاء الـذي يبلـو (42) فجمع بين اللغتين، لأنه أراد: فأنعم الله عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده.

------------ الهوامش : (1) في المطبوعة : "بإنجائنا لكم منهم" ، غيروه ليستقيم وما ألفوه من دارج الكلام (2) في المطبوعة : "كما قالوا : ماه" ، وهو خطأ بين .

(3) انظر مادة (أهل) و(أول) في لسان العرب .

(4) في المطبوعة : "وقد يقال : فلان .

.

.

" (5) لم أجد البيت ولم أعرف قائله ، وقوله : "يكن لأدنى" يعني للداني القريب الحاضر ، يصلن حباله بالمودة ، أما الغائب فقد تقطعت حباله .

وتلك شيمهن ، أستغفر الله بل شيمة أبناء أبينا آدم .

(6) في المطبوعة : "بالمستعمل الفاشي" .

(7) انظر تاريخ الطبري 1 : 199 .

(8) ديوانه : 48 ، ونقائض جرير والأخطل : 77 - 78 .

قال الطبري فيما مضى 1 : 366 : "سما فلان لفلان" : إذا أشرف عليه وقصد نحوه عاليا عليه" .

والهذيل ، هو الهذيل بن هبيرة التغلبي غزا بني يربوع بإراب (وهو ماء لبنى رياح بن يربوع) فقتل منهم قتلا ذريعا .

وأصاب نعما كثيرا ، وسبى سببا كثيرا ، منهم"الخطفى" جد جرير ، فسمى الهذيل"مجدعا" ، وصارت بنو تميم تفزع أولادها باسمه .

(انظر خبر ذلك في النقائض 473 ، ونقائض جرير والأخطل : 78) نالكم : أدرككم وأصاب منكم ما أصاب .

والأنفال جمع نفل (بفتحتين) : وهي الغنائم .

وفي المطبوعة : "تقسم" وهي صواب لا بأس بها .

(9) الفيلق : الكتيبة العظيمة .

وقوله : "يدعو" الضمير للهذيل .

والأراقم : هم جشم ومالك والحارث وثعلبة ومعاوية وعمرو - أبناء بكر بن حبيب بن عمرو بن غنم بن تغلب ، رهط الهذيل .

وأنما سموا الأراقم لأن كاهنتهم نظرت إليهم وهم صبيان ، وكانوا تحت دثار لهم ، فكشفت الدثار ، فلما رأتهم قالت : "كأنهم نظروا إلى بعيون الأراقم" ، والأراقم جمع أرقم : وهو أخبث الحيات ، وأشدها ترقدا وطلبا للناس .

والعزل جمع أعزل: وهو الذي لا سلاح معه، والأكفال جمع كفل (بكسر فسكون): وهو الذي لا يثبت على متن فرسه ، ولا يحسن الركوب .

(10) في المطبوعة : "ولم يلق جرير .

.

.

" .

(11) انظر ما سلف قريبا ، 23 - 24 (12) في المطبوعة : "إذ نجيناكم .

.

.

" علي سياق الآية ، وهذه أجود .

(13) لم أجد الرجز .

الخسف : الظلم والإذلال والهوان ، وهي شر ما ينزل بالإنسان ، وأقبح ما ينزله أخ بأخيه الإنسان .

وتربد وجهه : تلون من الغضب وتغير ، كأنما تسود منه مواضع .

وقوله : "وجهه" فاعل مقدم ، أي تربد وجهه .

(14) قوله : "الذي كان يسوؤهم" ، ليس في المخطوطة ، سقط منها .

(15) الأثر : 889 - من خبر طويل في تاريخ الطبري 1 : 199 ، والزيادة بين الأقواس من موضعها هناك ويقال : هؤلاء خول فلان : إذا اتخذهم عبيدا .

(16) الأثر : 890 - من خبر طويل في تاريخ الطبري 1 : 200 ، وانظر ما سيأتي رقم : 895 .

(17) الخارب : اللص الشديد الفساد ، من قولهم : فلان صاحب خربة (بضم فسكون) أي فساد وريبة ، ومنه الخارب : من شدائد الدهر .

وأما أصحاب اللغة فيقولون : الخارب : سارق الإبل خاصة ، ثم نقل إلى غيره من اللصوص اتساعا .

(18) في المطبوعة : "وإن كان قتله إياه" ، وهو تصرف لا خير فيه .

(19) في المطبوعة : "ذبح" ، مكان"ذبحهم" ، وسقط من المخطوطة قوله : "أبناء" .

(20) الشفار جمع شفرة : وهي السكين العريضة العظيمة الحديدة ، تمتهن في قطع اللحم وغيره .

(21) الأثر: 891 - هذا موقوف، وإسناده صحيح إلى ابن عباس.

أما صحة المتن، فلا نستطيع أن نجزم بها، لعله مما كان يتحدث به الصحابة عن التاريخ القديم نقلا عن أهل الكتاب.

العباس بن الوليد بن مزيد الآملي البيروتي: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه ابن أبي حاتم 3 /1 / 214 - 215.

وتميم بن المنتصر بن تميم الواسطي: ثقة، مترجم في التهذيب، وترجمه ابن أبي حاتم 1 / 1/ 444 - 445.

والأصبغ بن زيد بن علي الجهني الواسطي الوراق: ثقة، وثقه ابن معين وغيره، مترجم في التهذيب، وترجمه البخاري في الكبير 1 /2/ 36، وابن أبي حاتم 1 / 1/ 320 - 321.

القاسم بن أبي أيوب الأسدي الواسطي: ثقة، مترجم في التهذيب، والكبير للبخاري 4 / 1 /168 - 169، وابن أبي حاتم 3 / 2 / 107.

ووقع في المطبوعة هنا" القاسم بن أيوب"، وهو خطأ.

وهو في تاريخ الطبري بتمامه 1: 202، مع اختلاف يسير في اللفظ.

وفي المخطوطة في هذا الموضع أخطاء من الناسخ تجافينا عن ذكرها.

وفي المطبوعة والمخطوطة:"فولدته علانية أمه"، والصواب من التاريخ.

(22) الأثر: 892 - وهذا كالذي قبله، موقوف، إسناده إلى ابن عباس صحيح.

وقد رواه الطبري بهذا الإسناد، في التاريخ أيضًا 1: 225.

عبد الكريم بن الهيثم بن زياد القطان: ثقة مأمون، مات سنة 278.

ترجمه الخطيب في تاريخ بغداد 11: 78 - 79، وياقوت في معجم الأدباء 4: 154.

إبراهيم بن بشار الرمادي: ثقة، يهم في الشيء بعد الشيء.

مترجم في التهذيب، وفي الكبير 1 / 1 / 277، وابن أبي حاتم 1 / 1 / 89 - 90.

أبو سعيد - الراوي عن عكرمة: هو عبد الكريم بن مالك الجزري.

ولم أجد الأثر في مكانه من تاريخ الطبري.

(23) قوابل جمع قابلة : وهي المرأة التي تتلقى الولد عند الولادة .

(24) الكهنة جمع كاهن : وهو الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان .

والعافة جمع عائف : وهو الذي يتعاطى العيافة ، وهو تكهن كان في الجاهلية ، ذكروا أنها زجر الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها .

وفي اللسان (حزا) : العائف : العالم بالأمور ، ولا يستعاف إلا من علم وجرب وعرف .

فلعل الذي وصفه أصحاب كتب اللغة إنما هو ضرب واحد من ضروب العيافة .

والقافة جمع قائف : وهو الذي يتبع الآثار ويعرفها ، ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه ، وليست من السحر والكهانة ولا الجبت .

ولعل زيادة ذكرها هنا زيادة من النساخ ، فإن الذي جاء في رواية التاريخ : "القافة" ، ولم يذكر"العافة" ، فلعل الذي في التاريخ تصحيف صوابه"العافة" ، والحازة جمع حاز ، والحازي : هو الذي ينظر في النجوم وأحكامها بظنه وتقديره ، فربما أصاب ، وهو الحزاء (بتشديد الزاي) .

(25) في المطبوعة : نذبح أبناءهم" ، والصواب من التاريخ .

(26) الأثر : 895 - في تاريخ الطبري 1 : 200 ، وإسناده هناك هو الإسناد الذي يدور في التفسير وتمامه : " .

.

.

عن السدي في خبره عن أبي مالك ، وعن أبي صالح ، عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني ، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم .

.

.

" .

(27) في المطبوعة : "فرعون وأحزابه" ، وهو خطأ محض ، صوابه في المخطوطة وتاريخ الطبري والحزاة جمع حاز أيضًا ، كقاض وقضاة .

والحازى : سلف شرحه في ص : 38 ، تعليق : 1 .

(28) في المطبوعة : " نعم ، إنا نجد في علمنا" ، وهو خطأ معرق .

وتعلم (بتشديد اللام) : بمعنى أعلم, وهي فاشية في سيرة ابن إسحاق وغيره .

وانظر تعليقنا فيما مضى 1 : 217 .

وأظلك : صار كالظل ، أي قارب ودنا دنوا شديدا .

(29) الأثر : 896 - في تاريخ الطبري 1 : 199 ، والزيادة بين القوسين ، والتصحيح منه .

(30) في المطبوعة : "ثم يؤتى .

.

.

فيوقفن" ، بالبناء للمجهول .

وذاك نص التاريخ والمخطوطة .

(31) مصعت المرأة بولدها : زحرت زحرة واحدة فرمته من بطنها وألقته .

(32) الأثر : 897 - في تاريخ الطبري 1 : 199 - 200 .

(33) هذه جملة سقط منها خبر"كان" ، وهي هكذا في الأصول ، وأظن أن صوابها : كان ذبح آل فرعون أبناء بني إسرائيل واستحياؤهم نساءهم ، أن فرعون أمر ، بقتل كل مولود يولد من أبناء بني إسرائيل ، وباستحياء نسائهم" كما في الأثرين : 891 ، 896 ، فكأن سطرا سقط من الناسخ .

(34) في المطبوعة : " الطفلة من الإناث" .

والعرب تقول : جارية طفل وطفلة ، وجاريتان طفل ، وجوار طفل ، قال تعالى : "ثم يخرجكم طفلا" ، وقال : "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء" .

(35) في المطبوعة : "قال : إذ لم يجدهن" بزيادة"قال" ، وهو فساد .

(36) في المطبوعة : "عجمية" .

(37) في المطبوعة : "إنما هو الاستفعال من الحياة" ، وليس بشيء (38) في المطبوعة : ""وقد قال آخرون .

.

.

" ، وليس بشيء .

(39) في المطبوعة : "ما يبين أن المذبحين" .

(40) في المطبوعة : "من إنجائنا إياكم" ، بدلوه ليجرى على دارج كلامهم .

(41) الأثر : 903 - مقدم في المخطوطة على الذي قبله .

(42) ديوانه : 109 ، وروايته"رأى الله .

.

.

فأبلاهما" .

وهذا بيت من قصيدة من جيد شعر زهير وخالصه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم[ ص: 359 ] فيه ثلاث عشرة مسألة : الأولى : قوله تعالى : وإذ نجيناكم من آل فرعون إذ في موضع نصب عطف على اذكروا نعمتي وهذا وما بعده تذكير ببعض النعم التي كانت له عليهم أي اذكروا نعمتي بإنجائكم من عدوكم وجعل الأنبياء فيكم ، والخطاب للموجودين ، والمراد من سلف من الآباء كما قال إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية أي حملنا آباءكم وقيل إنما قال نجيناكم ؛ لأن نجاة الآباء كانت سببا لنجاة هؤلاء الموجودين ، ومعنى نجيناكم ألقيناكم على نجوة من الأرض ، وهي ما ارتفع منها هذا هو الأصل ثم سمي كل فائز ناجيا فالناجي من خرج من ضيق إلى سعة وقرئ ( وإذ نجيتكم ) على التوحيدالثانية : قوله تعالى : من آل فرعون آل فرعون قومه وأتباعه وأهل دينه وكذلك آل الرسول صلى الله عليه وسلم من هو على دينه وملته في عصره وسائر الأعصار سواء كان نسيبا له أو لم يكن ، ومن لم يكن على دينه وملته فليس من آله ولا أهله وإن كان نسيبه وقريبه خلافا للرافضة حيث قالت إن آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاطمة والحسن والحسين فقط دليلنا قوله تعالى وأغرقنا آل فرعون أدخلوا آل فرعون أشد العذاب أي آل دينه ؛ إذ لم يكن له ابن ولا بنت ولا أب ولا عم ولا أخ ولا عصبة ؛ ولأنه لا خلاف أن من ليس بمؤمن ولا موحد فإنه ليس من آل محمد وإن كان قريبا له ولأجل هذا يقال إن أبا لهب وأبا جهل ليسا من آله ولا من أهله وإن كان بينهما وبين النبي صلى الله عليه وسلم قرابة ولأجل هذا قال الله تعالى في ابن نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير سر يقول ألا إن آل أبي يعني فلانا ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين وقالت طائفة آل محمد أزواجه وذريته خاصة لحديث أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف نصلي عليك ؟

قال : [ ص: 360 ] قولوا اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد رواه مسلم ، وقالت طائفة من أهل العلم الأهل معلوم والآل الأتباع والأول أصح لما ذكرناه ولحديث عبد الله بن أبي أوفى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أتاه قوم بصدقتهم قال ( اللهم صل عليهم ) فأتاه أبي بصدقته فقال اللهم صل على آل أبي أوفى .الثالثة : اختلف النحاة هل يضاف الآل إلى البلدان أو لا فقال الكسائي إنما يقال آل فلان وآل فلانة ولا يقال في البلدان هو من آل حمص ولا من آل المدينة قال الأخفش إنما يقال في الرئيس الأعظم نحو آل محمد صلى الله عليه وسلم وآل فرعون ؛ لأنه رئيسهم في الضلالة قال وقد سمعناه في البلدان قالوا أهل المدينة وآل المدينة .الرابعة : واختلف النحاة أيضا هل يضاف الآل إلى المضمر أو لا فمنع من ذلك النحاس والزبيدي والكسائي فلا يقال إلا اللهم صل على محمد وآل محمد ولا يقال وآله والصواب أن يقال أهله وذهبت طائفة أخرى إلى أن ذلك يقال منهم ابن السيد وهو الصواب ؛ لأن السماع الصحيح يعضده فإنه قد جاء في قول عبد المطلبلا هم إن العبد يم نع رحله فامنع حلالك وانصر على آل الصليب " وعابديه " اليوم آلكوقال ندبةأنا الفارس الحامي حقيقة والدي وآلي كما تحمي حقيقة آلكاالحقيقة [ بقافين ] ما يحق على الإنسان أن يحميه أي تجب عليه حمايته .الخامسة : واختلفوا أيضا في أصل آل فقال النحاس أصله أهل ثم أبدل من الهاء ألفا فإن صغرته رددته إلى أصله فقلت أهيل وقال المهدوي : أصله أول وقيل أهل قلبت الهاء همزة ثم أبدلت الهمزة ألفا وجمعه آلون وتصغيره أويل فيما حكى الكسائي ، وحكى غيره أهيل وقد ذكرنا عن النحاس ، وقال أبو الحسن بن كيسان إذا جمعت آلا قلت آلون فإن جمعت آلا الذي هو السراب قلت : آوال ، مثل مال وأموال .السادسة : قوله تعالى : فرعون فرعون قيل إنه اسم ذلك الملك بعينه .

وقيل [ ص: 361 ] إنه اسم كل ملك من ملوك العمالقة مثل كسرى للفرس وقيصر للروم والنجاشي للحبشة وإن اسم فرعون موسى قابوس في قول أهل الكتاب وقال وهب اسمه الوليد بن مصعب بن الريان ويكنى أبا مرة وهو من بني عمليق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح عليه السلام قال السهيلي ، وكل من ولي القبط ومصر فهو فرعون ، وكان فارسيا من أهل إصطخر قال المسعودي لا يعرف لفرعون تفسير بالعربية قال الجوهري : فرعون لقب الوليد بن مصعب ملك مصر وكل عات فرعون والعتاة الفراعنة وقد تفرعن وهو ذو فرعنة أي دهاء ونكر وفي الحديث ( أخذنا فرعون هذه الأمة ) و " فرعون " في موضع خفض إلا أنه لا ينصرف لعجمتهالسابعة : قوله تعالى : يسومونكم قيل معناه يذيقونكم ويلزمونكم إياه ، وقال أبو عبيدة يولونكم يقال سامه خطة خسف إذا أولاه إياها ومنه قول عمرو بن كلثومإذا ما الملك سام الناس خسفا أبينا أن نقر الذل فيناوقيل يديمون تعذيبكم والسوم الدوام ، ومنه سائمة الغنم لمداومتها الرعي قال الأخفش : وهو في موضع رفع على الابتداء ، وإن شئت كان في موضع نصب على الحال أي سائمين لكم .الثامنة : قوله تعالى : سوء العذاب مفعول ثان ل " يسومونكم " ومعناه أشد العذاب ، ويجوز أن يكون بمعنى سوم العذاب ، وقد يجوز أن يكون نعتا بمعنى سوما سيئا فروي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في أعماله فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يتخدمون ، وكان قومه جندا ملوكا ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال ضربت عليه الجزية فذلك سوء العذابالتاسعة : قوله تعالى : يذبحون أبناءكم يذبحون بغير واو على البدل من قوله يسومونكم كما قال أنشده سيبويهمتى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججاقال الفراء وغيره يذبحون بغير واو على التفسير لقوله يسومونكم سوء العذاب كما تقول أتاني القوم زيد وعمرو فلا تحتاج إلى الواو في زيد .

ونظيره : [ ص: 362 ] ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب وفي سورة إبراهيم ويذبحون بالواو ؛ لأن المعنى يعذبونكم بالذبح وبغير الذبح فقوله ويذبحون أبناءكم جنس آخر من العذاب لا تفسير لما قبله والله أعلم .قلت : قد يحتمل أن يقال إن الواو زائدة بدليل سورة " البقرة " والواو قد تزاد كما قال :فلما أجزنا ساحة الحي وانتحىأي قد انتحى .

وقال آخرإلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحمأراد إلى الملك القرم بن الهمام ليث الكتيبة ، وهو كثير .العاشرة : قوله تعالى : يذبحون قراءة الجماعة بالتشديد على التكثير وقرأ ابن محيصن " يذبحون " بفتح الباء والذبح الشق والذبح المذبوح والذباح تشقق في أصول الأصابع وذبحت الدن بزلته أي كشفته ، وسعد الذابح : أحد السعود ، والمذابح : المحاريب ، والمذابح جمع مذبح ، وهو إذا جاء السيل فخد في الأرض فما كان كالشبر ونحوه سمي مذبحا فكان فرعون يذبح الأطفال ويبقي البنات وعبر عنهم باسم النساء بالمآل وقالت طائفة " يذبحون أبناءكم " يعني الرجال وسموا أبناء لما كانوا كذلك واستدل هذا القائل بقوله " نساءكم " والأول أصح ؛ لأنه الأظهر والله أعلم .الحادية عشرة : نسب الله تعالى الفعل إلى آل فرعون وهم إنما كانوا يفعلون بأمره وسلطانه لتوليهم ذلك بأنفسهم وليعلم أن المباشر مأخوذ بفعله قال الطبري ويقتضي أن من أمره ظالم بقتل أحد فقتله المأمور فهو المأخوذ به .قلت : وقد اختلف العلماء في هذه المسألة على ثلاثة أقوال يقتلان جميعا ، هذا بأمره والمأمور بمباشرته هكذا قال النخعي وقاله الشافعي ومالك في تفصيل لهما قال الشافعي إذا أمر السلطان رجلا بقتل رجل والمأمور يعلم أنه أمر بقتله ظلما كان عليه وعلى الإمام القود كقاتلين معا وإن أكرهه الإمام عليه وعلم أنه يقتله ظلما كان على الإمام القود ، وفي المأمور قولان أحدهما أن عليه القود والآخر لا قود عليه وعليه نصف الدية حكاه ابن المنذر ، وقال علماؤنا : لا يخلو المأمور أن يكون ممن تلزمه طاعة الآمر ويخاف شره [ ص: 363 ] كالسلطان والسيد لعبده فالقود في ذلك لازم لهما أو يكون ممن لا يلزمه ذلك فيقتل المباشر وحده دون الآمر وذلك كالأب يأمر ولده أو المعلم بعض صبيانه أو الصانع بعض متعلميه إذا كان محتلما فإن كان غير محتلم فالقتل على الآمر ، وعلى عاقلة الصبي نصف الدية وقال ابن نافع لا يقتل السيد إذا أمر عبده وإن كان أعجميا بقتل إنسان قال ابن حبيب وبقول ابن القاسم أقول إن القتل عليهما فأما أمر من لا خوف على المأمور في مخالفته فإنه لا يلحق بالإكراه بل يقتل المأمور دون الآمر ويضرب الآمر ويحبس وقال أحمد في السيد يأمر عبده أن يقتل رجلا يقتل السيد وروي هذا القول عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما وقال علي ويستودع العبد السجن وقال أحمد ويحبس العبد ويضرب ويؤدب وقال الثوري يعزر السيد وقال الحكم وحماد يقتل العبد وقال قتادة يقتلان جميعا وقال الشافعي إن كان العبد فصيحا يعقل قتل العبد وعوقب السيد وإن كان العبد أعجميا فعلى السيد القود وقال سليمان بن موسى لا يقتل الآمر ولكن تقطع يديه ثم يعاقب ويحبس وهو القول الثاني ويقتل المأمور للمباشرة وكذلك قال عطاء والحكم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق في الرجل يأمر الرجل بقتل الرجل وذكره ابن المنذر وقال زفر : لا يقتل واحد منهما ، وهو القول الثالث حكاه أبو المعالي في البرهان ورأى أن الآمر والمباشر ليس كل واحد منهما مستقلا في القود فلذلك لا يقتل واحد منهما عنده ، والله أعلم .الثانية عشرة : قرأ الجمهور يذبحون بالتشديد على المبالغة وقرأ ابن محيصن " يذبحون " بالتخفيف والأول أرجح إذ الذبح متكرر وكان فرعون على ما روي قد رأى في منامه نارا خرجت من بيت المقدس فأحرقت بيوت مصر فأولت له رؤياه أن مولودا من بني إسرائيل ينشأ فيكون خراب ملكه على يديه وقيل غير هذا والمعنى متقاربالثالثة عشرة : وفي ذلكم إشارة إلى جملة الأمر إذ هو خبر فهو كمفرد حاضر أي وفي فعلهم ذلك بكم بلاء أي امتحان واختبار و بلاء نعمة ومنه قوله تعالى وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا قال أبو الهيثم البلاء يكون حسنا ويكون سيئا وأصله المحنة والله عز وجل يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره ويبلوه بالبلوى التي يكرهها ليمتحن صبره فقيل للحسن بلاء وللسيئ بلاء حكاه الهروي وقال قوم الإشارة ب " ذلكم " إلى التنجية فيكون البلاء على هذا في الخير أي : تنجيتكم نعمة من الله عليكم وقال الجمهور الإشارة إلى الذبح ونحوه والبلاء هنا في الشر ، والمعنى وفي الذبح مكروه وامتحان وقال ابن كيسان ويقال في الخير أبلاه الله وبلاه وأنشد : [ ص: 364 ]جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم وأبلاهما خير البلاء الذي يبلوفجمع بين اللغتين والأكثر في الخير أبليته وفي الشر بلوته وفي الاختبار ابتليته وبلوته قاله النحاس .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

هذا شروع في تعداد نعمه على بني إسرائيل على وجه التفصيل فقال: { وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ } أي: من فرعون وملئه وجنوده وكانوا قبل ذلك { يَسُومُونَكُمْ } أي: يولونهم ويستعملونهم، { سُوءَ الْعَذَابِ } أي: أشده بأن كانوا { يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ } خشية نموكم، { وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ } أي: فلا يقتلونهن، فأنتم بين قتيل ومذلل بالأعمال الشاقة، مستحيًى على وجه المنة عليه والاستعلاء عليه فهذا غاية الإهانة....

{ وَفِي ذَلِكم } أي: الإنجاء { بَلَاءٌ } أي: إحسان { مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ } فهذا مما يوجب عليكم الشكر والقيام بأوامره.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وإذ نجيناكم ) يعني أسلافكم وأجدادكم فاعتدها منة عليهم لأنهم نجوا بنجاتهم ( من آل فرعون ) أتباعه وأهل دينه وفرعون هو الوليد بن مصعب بن الريان وكان من القبط العماليق وعمر أكثر من أربعمائة سنة ( يسومونكم ) يكلفونكم ويذيقونكم ، ( سوء العذاب ) أشد العذاب وأسوأه وقيل يصرفونكم في العذاب مرة هكذا ومرة هكذا كالإبل السائمة في البرية وذلك أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا وصنفهم في الأعمال فصنف يبنون وصنف يحرثون ويزرعون وصنف يخدمونه ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية وقال وهب : كانوا أصنافا في أعمال فرعون فذوو القوة ينحتون السواري من الجبال حتى قرحت أعناقهم وأيديهم ودبرت ظهورهم من قطعها ونقلها وطائفة ينقلون الحجارة وطائفة يبنون له القصور ، وطائفة منهم يضربون اللبن ويطبخون الآجر وطائفة نجارون وحدادون والضعفة منهم يضرب عليهم الخراج ضريبة يؤدونها كل يوم فمن غربت عليه الشمس قبل أن يؤدي ضريبته غلت يمينه إلى عنقه شهرا والنساء يغزلن الكتان وينسجن وقيل تفسيره ذكر ما بعده : ( يذبحون أبناءكم ) مذكور على وجه البدل من قوله - يسومونكم سوء العذاب ) ويستحيون نساءكم ) يتركونهن أحياء وذلك أن فرعون رأى في منامه كأن نارا أقبلت من بيت المقدس وأحاطت بمصر وأحرقت كل قبطي فيها ولم تتعرض لبني إسرائيل فهاله ذلك وسأل الكهنة عن رؤياه فقالوا يولد في بني إسرائيل غلام يكون على يده هلاكك وزوال ملكك فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني إسرائيل وجمع القوابل فقال لهن لا يسقطن على أيديكن غلام من بني إسرائيل إلا قتل ولا جارية إلا تركت ووكل بالقوابل فكن يفعلن ذلك حتى قيل إنه قتل في بني إسرائيل اثني عشر ألف صبي في طلب موسى .

وقال وهب : بلغني أنه ذبح في طلب موسى عليه السلام تسعين ألف وليد .

قالوا وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل فدخل رءوس القبط على فرعون وقالوا إن الموت قد وقع في بني إسرائيل أفتذبح صغارهم ويموت كبارهم فيوشك أن يقع العمل علينا فأمر فرعون أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها وموسى في السنة التي يذبحون فيها ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) قيل البلاء المحنة أي في سومهم إياكم سوء العذاب محنة عظيمة ، وقيل البلاء النعمة أي في إنجائي إياكم منهم نعمة عظيمة فالبلاء يكون بمعنى النعمة وبمعنى الشدة فالله تعالى قد يختبر على النعمة بالشكر وعلى الشدة بالصبر وقال الله تعالى " ونبلوكم بالشر والخير فتنة " ( 35 - الأنبياء )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«و» اذكروا «إذ نجيناكم» أي آباءكم، والخطاب به وبما بعده للموجودين في زمن نبينا بما أنعم الله على آبائهم تذكيراً لهم بنعمة الله تعالى ليؤمنوا «من آل فرعون يسومونكم» يذيقونكم «سوء العذاب» أشده والجملة حال من ضمير نجيناكم «يُذبّحون» بيان لما قبله «أبناءكم» المولودين «ويستحيون» يستبقون «نساءكم» لقول بعض الكهنة له إن مولوداً يولد في بني إسرائيل يكون سبباً لذهاب ملكك «وفي ذلكم» العذاب أو الإنجاء «بلاء» ابتلاء أو إنعام «من ربكم عظيمْ».

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

واذكروا نعمتنا عليكم حين أنقذناكم من بطش فرعون وأتباعه، وهم يُذيقونكم أشدَّ العذاب، فيُكثِرون مِن ذَبْح أبنائكم، وترك بناتكم للخدمة والامتهان.

وفي ذلك اختبار لكم من ربكم، وفي إنجائكم منه نعمة عظيمة، تستوجب شكر الله تعالى في كل عصوركم وأجيالكم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بنعمة جليله الشأن ، هي نعمة إنجائهم من عدوهم فقال تعالى :( وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب .

.

.

)الآية الكريمة معطوفة على قوله تعالى : ( اذكروا نِعْمَتِيَ ) في الآية السابقة ، من باب عطف المفصل على المجمل : أي : اذكروا نعمتي ، واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون .وإذ : بمعنى وقت ، " وهي مفعول به لفعل ملاحظ في الكلام وهو اذكروا أي : اذكروا وقت أن نجيناكم ، والمراد من التذكير بالوقت تذكيرهم بما وقع فيه من أحداث .وآل الرجل : أهله وخاصته وأتباعه ، ويطلق غالباً على أولى الخطر والشأن من الناس ، فلا يقال آل الحجام أو الإِسكاف .وفرعون : اسم لملك مصر كما يقال لملك الروم قيصر ، ولملك اليمن تبع ويسومونكم : من سامه خسفا إذا أذله واحتقره وكلفه ما لا يطيق .والابتلاء : الامتحان والاختبار ، ويكون في الخير والشر ، قال - تعالى - ( وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً ) والمعنى : اذكروا يا بني إسرائيل وقت أن نجيناكم من آل فرعون الذين كانوا يعذبونكم أشق العذاب وأصعبه ، ويبغونكم ما فيه إذلال لكم واستئصال لأعقابكم ، وامتهان لكرامتكم حيث كانوا يزهقون أرواح ذكوركم ، ويستبقون نفوس نسائكم ، وفي ذلك العذاب ، وفي النجاة منه امتحان لكم بالسراء لتشكروا ، ولتقلعوا عن السيئات التي تؤدي بكم إلى الإِذلال في الدنيا ، والعذاب في الأخرى .قال الإِمام الرازي - رحمه الله - ما ملخصه : واعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة - أي نعمة إنجائهم من عدوهم - يتأتى من وجوه أهمها :1- أن هذه الأشياء التي ذكرها الله - تعالى - لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة ، صار تخليص الله - عز وجل - لهم من هذه المحن من أعظم النعم ، وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم ، وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ، ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم ، وعظم النعمة يوجب المبالغة في الطاعة والبعد عن المعصية ، لذا ذكر الله هذه النعمة العظيمة ليلزمهم الحجة ، وليقطع عذرهم .2- أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل .

وكان عدوهم في نهاية العز ، إلا أنهم كانوا محقين ، وكان خصمهم مبطلا ، لا جرم زال ذل المحقين ، وبطل عز المبطلين ، فكأنه تعالى يقول لهم : لا تغتروا بكثرة أموالكم ولا بقوة مركزكم ، ولا تستهينوا بالمسلمين لقلة ذات يدهم ، فإن الحق إلى جانبهم .

ومن كان الحق إلى جانبه ، فإن العاقبة لابد أن تكون له ) اه .وخوطب بهذه النعمة اليهود الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ومع أن هذا الاتجاء كان لأسلافهم ، لأن في نجاة أسلافهم نجاة لهم ، فإنه لو استمر عذاب فرعون للآباء لأفناهم ، ولما بقي هؤلاء الأبناء ، فلذلك كانت منه التنحية تحمل في طياتها منتين ، منه عل السلف لتخليصهم مما كانوا فيه من عذاب ومنة على الخلف لتمتعهم بالحياة بسببها ، فكان من الواجب عليهم جميعاً أن يقدروا هذه النعمة قدرها ، وأن يخلصوا العبادة لخالقهم الذي أنجاهم من عدوهم .ولأن الإِنعام على أمة يعتبر إنعاماً شاملاً لأفرادها سواء منهم من أصابه ذلك الإِنعام ومن لم يصبه .

ولأن الآثار التي تترتب عليه كثيرا ما يرثها الخلف عن السلف ، ولأن في إخبارهم بذلك تصديقاً للنبي - عليه الصلاة والسلام - فيما يبلغه عن ربه ، فقد أخبرهم بتاريخ من مضى منهم بصدق وأمانة ، وفي ذلك دليل على أنه صادق في نبوته ورسالته .وجعلت النجاة هنا من آل فرعون ولم تجعل منه ، مع أنه الآمر بتعذيب بني إسرائيل ، للتنبيه على أن حاشيته وبطانته كانت عوناً له في أذاقتهم سوء العذاب ، وإنزال الإِذلال والأعناب بهم .وجعلت الآية الكريمة استحياء النساء عقوبة لليهود - وهو في ظاهرة خير - لأن هذا الإِبقاء عليهن ، كان المقصود منه الاعتداء على أعراضهن واستعمالهن في الخدمة بالاسترقاق .

فبقاؤهن كذلك بقاء ذليل وعذاب أليم ، تأباه النفوس الكريمة ، والطباع الطيبة .قال الإِمام الرازي ما ملخصه : ( في ذبح الذكور دون الإِناث مضرة من وجوه :أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال ، وذلك يقتضي انقطاع النسل ، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك ، وهذا يقضي في نهاية الأمر إلى هلاك الرجال والنساء جميعاً .ثانيهما : أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة ، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال .

لما قد تقع فيه من نكد العيش بالانفراد .

فصارت هذه الخطة عظيمة في المحن ، والنجاة منها تكون في العظم بحسبها .ثالثها : أن قتل الولد عقب الحمل الطويل ، وتحمل التعب ، والرجاء القوي في الانتفاع به ، من أعظم العذاب ، فنعمة الله في تخليصهم من هذه المحنة كبيرة .رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهم ، يؤدي إلى صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان ) .وقد رجح كثير من المفسرين أن المراد بالأبناء في قوله تعالى : ( يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ) الأطفال دون البالغين ، لأن اللفظ من حيث وضعه يفيد ذلك ، ولأن قتل جميع الرجال لا يفيدهم حيث أنهم كانوا يستعملونهم في الأعمال الشافة والحقيرة ، ولأنه لو كان المقصود بالذبح الرجال ، لما قامت أم موسى بإلقائه في اليم وهو طفل صغير لتنجيه من الذبح .ويرى بعض المفسرين أن المراد بالأبناء الرجال لا الأطفال ، لأن لفظ الأبناء هنا جعل في مقابلة النساء ، والنساء هن البالغات .والذي نرجحه هو القول الأول لما ذكرنا ، ولأنه أتم في إظهار نعمة الإِنجاء ، حيث كان أهل فرعون يقتلون الصغار قطعاً للنسل ، ويسترقون الامهات استعباداً لهن ، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدرج ، وبقاء الرجال على هذه الحالة أشد عليهم من الموت .وقد جاءت جملة ( يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ) في هذه الآية الكريمة بدون عطف وجاءت في سورة إبراهيم معطوة بالواو .

لأنها هنا بيان وتفسير لجملة ( يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب ) فيكون المراد من سوء العذاب هنا تذبيح الأبناء واستحياء النساء .وأما في سورة إبراهيم .

فقد جاء سياق الآيات لتعداد المحن التي حلت ببني إسرائيل ، فكان المراد بجملة ( يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب ) نوعاً منه ، والمراد بجملة ( يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ) نوعاً آخر من العذاب ، لذا وجب العطف ، لأن الجملة الثانية ليست مفسرة للأولى ، وإنما هي تمثل نوعاً آخر من المحن التي حلت بهم .هذا ، وقد تكرر تذكير بني إسرائيل بنعمة إنجائهم من عدوهم في مواضع متعددة من القرآن الكريم ، وذلك لجلال شأنها ، ولحملهم على الطاعة والشكر .1- من ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف : ( وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَونَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب يُقَتِّلُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ) 2 - وقوله تعالى في سورة طه : ( يابني إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُمْ مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطور الأيمن وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ المن والسلوى * كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلاَ تَطْغَوْاْ فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هوى * وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ اهتدى ) فهذه الآيات الكريمة وغيرها مما هي في معناها فيها تذكير لبني إسرائيل بنعمة من أجل نعم الله عليهم ، حيث أنجاهم - سبحانه - ممن أراد لهم السوء ، وعمل على قتلهم وإبادتهم واستئصال شأفتهم ، وفي ذلك ما يدعوهم إلى الاجتهاد في شكر الله - عز وجل - لو كانوا ممن يحسنون شكر النعم .ثالثا : نعمة فرق البحر بهم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة، فكأنه قال: اذكروا نعمتي واذكروا إذ نجيناكم واذكروا إذ فرقنا بكم البحر وهي إنعامات، والمذكور في هذه الآية هو الإنعام الأول.

أما قوله: ﴿ وَإِذْ نجيناكم ﴾ فقرئ أيضاً أنجيناكم ونجيتكم، قال القفال: أصل الإنجاء والتنجية التخليص، وأن بيان الشيء من الشيء حتى لا يتصلا وهما لغتان نجى وأنجى ونجا بنفسه، وقالوا لمكان العالي: نجوة لأن من صار إليه نجا، أي تخلص ولأن الموضع المرتفع بائن عما انحط عنه فكأنه متخلص منه.

قال صاحب الكشاف: أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفاً وخص استعماله بأولي الخطر والشأن، كالملوك وأشباههم ولا يقال: آل الحجام والإسكاف، قال عيسى: الأهل أعم من الآل، يقال: أهل الكوفة وأهل البلد وأهل العلم ولا يقال: آل الكوفة وآل البلد وآل العلم، فكأنه قال: الأهل هم خاصة الشيء من جهة تغليبه عليهم، والآل خاصة الرجل من جهة قرابة أو صحبة.

وحكي عن أبي عبيدة أنه سمع فصيحاً يقول: أهل مكة آل الله.

أما فرعون فهو علم لمن ملك مصر من العمالقة كقيصر وهرقل لملك الروم وكسرى لملك الفرس وتبع لملك اليمن وخاقان لملك الترك، واختلفوا في فرعون من وجهين، أحدهما: أنهم اختلفوا في اسمه فحكى ابن جريج عن قوم أنهم قالوا: مصعب بن ريان، وقال ابن اسحق: هو الوليد بن مصعب، ولم يكن من الفراعنة أحد أشد غلظة ولا أقسى قلباً منه، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا: إن اسم فرعون كان قابوس وكان من القبط.

الثاني: قال ابن وهب: إن فرعون يوسف عليه السلام هو فرعون موسى وهذا غير صحيح، إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين أن دخلها موسى أكثر من أربعمائة سنة، وقال محمد بن اسحق: هو غير فرعون يوسف وأن فرعون يوسف كان اسمه الريان بن الوليد، أما آل فرعون فلا شك أن المراد منه هاهنا من كان من قوم فرعون وهم الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل ليكون تعالى منجياً لهم منهم بما تفضل به من الأحوال التي توجب بقاءهم وهلاك فرعون وقومه.

أما قوله تعالى: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ فهو من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً، قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خسفا *** أبينا أن نقر الخسف فينا وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونه بكم، والسوء مصدر ساء بمعنى السيئ، يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما، ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأصعبه كأن قبحه (زاد) بالإضافة إلى ساء، واختلف المفسرون في المراد من سوء العذاب فقال محمد بن إسحاق: إنه جعلهم خولاً وخدماً له وصنفهم في أعماله أصنافاً، فصنف كانوا يبنون له، وصنف كانوا يحرثون له، وصنف كانوا يزرعون له، فهم كانوا في أعماله ومن لم يكن في نوع من أعماله كان يأمر بأن يوضع عليه جزية يؤديها، وقال السدي: كان قد جعلهم في الأعمال القذرة الصعبة مثل لنس المبرز وعمل الطين ونحت الجبال، وحكى الله تعالى عن بني إسرائيل أنهم قالوا لموسى: ﴿ أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا  ﴾ .

وقال موسى لفرعون: ﴿ وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بني اسرائيل  ﴾ واعلم أن كون الإنسان تحت يد الغير بحيث يتصرف فيه كما يشاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة الصعبة القذرة، فإن ذلك يكون من أشد أنواع العذاب، حتى أن من هذه حالته ربما تمنى الموت فبين الله تعالى عظيم نعمه عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم إنه تعالى أتبع ذلك بنعمة أخرى أعظم منها، فقال: ﴿ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ ﴾ ومعناه يقتلون الذكورة من الأولاد دون الإناث.

وهاهنا أبحاث.

البحث الأول: أن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه، أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال، وذلك يقتضي انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن ألبتة في ذلك، وذلك يقضي آخر الآمر إلى هلاك الرجال والنساء.

وثانيها: أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها.

وثالثها: أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعاً به مسروراً بأحواله، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه.

ورابعها: أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ  ﴾ الآية، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق  ﴾ وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور.

وخامسها: أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان.

البحث الثاني: ذكر في هذه السورة ﴿ يُذَبّحُونَ ﴾ بلا واو وفي سورة إبراهيم ذكره مع الواو، والوجه فيه أنه إذا جعل قوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب ﴾ مفسراً بقوله: ﴿ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ ﴾ لم يحتج إلى الواو، وأما إذا جعل قوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب ﴾ مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح وجعل الذبح شيئاً آخر سوى سوء العذاب، احتيج فيه إلى الواو، وفي الموضعين يحتمل الوجهين، إلا أن الفائدة التي يجوز أن تكون هي المقصودة من ذكر حرف العطف في سورة إبراهيم أن يقال: إنه تعالى قال قبل تلك الآية: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظلمات إِلَى النور وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ الله  ﴾ والتذكير بأيام الله لا يحصل إلا بتعديد نعم الله تعالى، فوجب أن يكون المراد من قوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب ﴾ نوعاً من العذاب، والمراد من قوله: ﴿ وَيُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ ﴾ نوعاً آخر ليكون التخلص منهما نوعين من النعمة.

فلهذا وجب ذكر العطف هناك، وأما في هذه الآية لم يرد الأمر إلا بتذكير جنس النعمة وهي قوله: ﴿ يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِىٓ أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّٰىَ فَٱرْهَبُونِ  وَءَامِنُوا بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوٓا أَوَّلَ كَافِرٍۭ بِهِۦ وَلَا تَشْتَرُوا بِـَٔايَٰتِى ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّٰىَ فَٱتَّقُونِ  وَلَا تَلْبِسُوا ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ وَتَكْتُمُوا ٱلْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ  وَأَقِيمُوا ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا ٱلزَّكَوٰةَ وَٱرْكَعُوا مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ ٱلْكِتَٰبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ  وَٱسْتَعِينُوا بِٱلصَّبْرِ وَٱلصَّلَوٰةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى ٱلْخَٰشِعِينَ  ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَٰجِعُونَ  يَٰبَنِىٓ إِسْرَٰٓءِيلَ ٱذْكُرُوا نِعْمَتِىَ ٱلَّتِىٓ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّى فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ  ﴾ فسواء كان المراد من سوء العذاب هو الذبح أو غيره كان تذكير جنس النعمة حاصلاً فظهر الفرق.

البحث الثالث: قال بعضهم: أراد بقوله: ﴿ يُذَبّحُونَ أَبْنَاءكُمْ ﴾ الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء إذ النساء هن البالغات، وكذا المراد من الأبناء هم الرجال البالغون، قالوا: إنه كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره.

وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين، وهذا هو الأولى لوجوه: الأول: حملاً للفظ الأبناء على ظاهره.

الثاني: أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم.

الثالث: أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة.

الرابع: أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى عليه السلام في التابوت حال صغره معنى، أما قوله وجب حمله على الرجال ليكون في مقابلة النساء ففيه جوابان: الأول: أن الأبناء لما قتلوا حال الطفولية لم يصيروا رجالاً، فلم يجز إطلاق اسم الرجال عليهم، أما البنات لما لم يقتلن بل وصلن إلى حد النساء جاز إطلاق اسم النساء عليهن.

الثاني: قال بعضهم: المراد بقوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ ﴾ ، أي يفتشون حياء المرأة أي فرجها هل بها حمل أم لا، وأبطل ذلك بأن ما في بطونهن إذا لم يكن للعيون ظاهراً لم يعلم بالتفتيش ولم يوصل إلى استخراجه باليد.

البحث الرابع: في سبب قتل الأبناء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: قول ابن عباس رضي الله عنهما أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على إعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا كبارهم يموتون وصغارهم يذبحون خافوا الفناء فحينئذ لا يجدون من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يتقلون عاماً دون عام.

وثانيها: قول السدي: إن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك؟

فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده.

وثالثها: أن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة فلهذا كان يقتل أبناءهم في تلك السنة والأقرب هو الأول، لأن الذي يستفاد من علم التعبير وعلم النجوم لا يكون أمراً مفصلاً وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً بل يكون أمراً مجملاً والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على مثل هذا الأمر العظيم بسببه، فإن قيل: إن فرعون كان كافراً بالله فكان بأن يكون كافراً بالرسل أولى، وإذا كان كذلك فكيف يمكن أن يقدم على هذا الأمر العظيم بسبب إخبار إبراهيم عليه السلام عنه.

قلنا: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد أو يقال: إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوز صدق إبراهيم عليه السلام فأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.

البحث الخامس: اعلم أن الفائدة في ذكر هذه النعمة من وجوه، أحدها: أن هذه الأشياء التي ذكرها الله تعالى لما كانت من أعظم ما يمتحن به الناس من جهة الملوك والظلمة صار تخليص الله إياهم من هذه المحن من أعظم النعم وذلك لأنهم عاينوا هلاك من حاول إهلاكهم وشاهدوا ذل من بالغ في إذلالهم ولا شك في أن ذلك من أعظم النعم وتعظيم النعمة يوجب الانقياد والطاعة، ويقتضي نهاية قبح المخالفة والمعاندة، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه النعمة العظيمة مبالغة في إلزام الحجة عليهم وقطعاً لعذرهم.

وثانيها: أنهم لما عرفوا أنهم كانوا في نهاية الذل وكان خصمهم في نهاية العز إلا أنهم كانوا محقين وكان خصمهم مبطلاً لا جرم زال ذل المحقين وبطل عز المبطلين، فكأنه تعالى قال: لا تغتروا بفقر محمد وقلة أنصاره في الحال، فإنه محق لابد وأن ينقلب العز إلى جانبه والذل إلى جانب أعدائه.

وثالثها: أن الله تعالى نبه بذلك على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا بل عليه السعي في طلب عز الآخرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَفِي ذلكم بَلاء مّن رَّبّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ قال القفال: أصل الكلمة من الابتلاء وهو الاختيار والامتحان قال تعالى: ﴿ وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً  ﴾ وقال: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات  ﴾ والبلوى واقعة على النوعين، فيقال للنعمة بلاء وللمحنة الشديدة بلاء والأكثر أن يقال في الخير إبلاء وفي الشر بلاء وقد يدخل أحدهما على الآخر.

قال زهير: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم *** وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو إذ عرفت هذا فنقول: البلاء هاهنا هو المحنة إن أشير بلفظ: ذلكم إلى صنع فرعون والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء وحمله على النعمة أولى لأنها هي التي صدرت من الرب تعالى، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله تعالى على أسلافهم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أصل ﴿ ءَالِ ﴾ أهل، ولذلك يصغر بأهيل، فأبدلت هاؤه ألفاً.

وخصّ استعماله بأولى الخطر والشأن كالملوك وأشباههم، فلا يقال آل الإسكاف والحجام.

و ﴿ فِرْعَوْنُ ﴾ علم لمن ملك العمالقة، كقيصر: لملك الروم، وكسرى: لملك الفرس.

ولعتو الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان، إذا عتا وتجبر.

وفي مِلَحِ بعضهم: قَدْ جَاءَهُ الْمُوسَى الْكَلُومُ فَزَادَ فِي ** أقْصَى تَفَرْعُنِهِ وَفَرْطِ عُرَامِهِ وقرئ: ﴿ أنْجيناكم ﴾ و ﴿ نجيتكم ﴾ ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً.

قال عمرو بن كلثوم: إذَا مَا الْمَلْكُ سَامَ النَّاسَ خَسْفاً ** أَبَيْنَا أَنْ يَقِرَّ الْخَسْفُ فِينَا وأصله من سام السلعة إذا طلبها، كأنه بمعنى يبغونكم ﴿ سُوءَ العذاب ﴾ ويريدونكم عليه.

والسوء: مصدر السيئ: يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفعل، يراد قبحهما.

ومعنى ﴿ سُوءَ العذاب ﴾ والعذاب كله سيّئ: أشدّه وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره.

و ﴿ يُذَبّحُونَ ﴾ : بيان لقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ ولذلك ترك العاطف كقوله تعالى: ﴿ يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ ﴾ [التوبة: 20] .

وقرأ الزهري: ﴿ يذبحون ﴾ بالتخفيف كقولك: قطعت الثياب وقطعتها.

وقرأ عبد الله: ﴿ يقتلون ﴾ .

وإنما فعلوا بهم ذلك لأنّ الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يكون على يده هلاكه، كما أنذر نمروذ.

فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ، وكان ما شاء الله.

والبلاء المحنة إن أشير ب (ذلكم) إلى صنيع فرعون.

والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ تَفْصِيلٌ لِما أجْمَلَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ وعُطِفَ عَلى ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ عَطْفَ (جِبْرِيلَ) و (مِيكائِيلَ) عَلى (المَلائِكَةِ)، وقُرِئَ « أنْجَيْتُكم» .

وأصْلُ آلِ أهْلٌ لِأنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وخُصَّ بِالإضافَةِ إلى أُولِي الخَطَرِ كالأنْبِياءِ والمُلُوكِ.

وفِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ كَكِسْرى وقَيْصَرَ لِمَلِكَيِ الفُرْسِ والرُّومِ.

ولِعُتُوِّهِمُ اشْتُقَّ مِنهُ تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ إذا عَتا وتَجَبَّرَ، وكانَ فِرْعَوْنُ مُوسى مُصْعَبَ بْنَ رَيّانَ، وقِيلَ ابْنُهُ ولِيدٌ مِن بَقايا عادٍ.

وفِرْعَوْنُ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ رَيّانَ وكانَ بَيْنَهُما أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ.

﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ يَبْغُونَكُمْ، مِن سامَهُ خَسْفًا إذا أوْلاهُ ظُلْمًا، وأصْلُ السَّوْمِ الذَّهابُ في طَلَبِ الشَّيْءِ.

﴿ سُوءَ العَذابِ ﴾ أفْظَعَهُ فَإنَّهُ قَبِيحٌ بِالإضافَةِ إلى سائِرِهِ، والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ لَيَسُومُونَكُمْ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في نَجَّيْناكُمْ، أوْ مِن ﴿ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ ، أوْ مِنهُما جَمِيعًا لِأنَّ فِيها ضَمِيرَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما.

﴿ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ بَيانٌ لِيَسُومُونَكم ولِذَلِكَ لَمْ يُعْطَفْ، وقُرِئَ « يَذْبَحُونَ» بِالتَّخْفِيفِ.

وَإنَّما فَعَلُوا بِهِمْ ذَلِكَ لِأنَّ فِرْعَوْنَ رَأى في المَنامِ، أوْ قالَ لَهُ الكَهَنَةُ: سَيُولَدُ مِنهم مَن يَذْهَبُ بِمُلْكِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ اجْتِهادُهم مِن قَدَرَ اللَّهِ شَيْئًا.

﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ ﴾ مِحْنَةٌ، إنْ أُشِيرَ بِذَلِكم إلى صَنِيعِهِمْ، ونِعْمَةٌ إنْ أُشِيرَ بِهِ إلى الإنْجاءِ، وأصْلُهُ الِاخْتِبارُ لَكِنْ لَمّا كانَ اخْتِبارُ اللَّهِ تَعالى عِبادَهُ تارَةً بِالمِحْنَةِ وتارَةً بِالمِنحَةِ أُطْلِقَ عَلَيْهِما، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ بِذَلِكم إلى الجُمْلَةِ ويُرادَ بِهِ الِامْتِحانُ الشّائِعُ بَيْنَهُما.

﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكُمْ، أوْ بِبَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْفِيقِهِ لِتَخْلِيصِكُمْ، أوْ بِهِما.

﴿ عَظِيمٌ ﴾ صِفَةُ بَلاءٍ.

وفي الآيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ ما يُصِيبُ العَبْدَ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ اخْتِبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى، فَعَلَيْهِ أنْ يَشْكُرَ عَلى مَسارِّهِ ويَصْبِرَ عَلى مَضارِّهِ لِيَكُونَ مِن خَيْرِ المُخْتَبَرِينَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وإذ نجيناكم من آل فِرْعَوْنَ} أصل آل أهل ولذلك يصغر بأهيل فأبدلت هاؤه ألفا وخص استعمال

البقرة (٤٩ _ ٥١)

بأولى الخطر كالملوك وأشباههم فلا يقال آل الإسكاف والحجام وفرعون علم لمن ملك العمالقة كقيصر لملك الروم وكسرى لملك الفرس {يَسُومُونَكُمْ} حال من آل فرعون أي يولونكم من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنها بمعنى يبغونكم {سوء العذاب} ويريدونكم عليه ومساومة البيع مزايدة أو مطالبة وسوء مفعول ثان ليسومونكم وهو مصدر سئ يقال اعود بالله من سوء الخلق وسوء الفعل يراد قبحهما ومعنى سوء العذاب والعذاب

كله سئ أشده وأفظعه {يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ} بيان لقوله يسومونكم ولذا ترك العاطف {وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ} يتركون بناتكم أحياء للخدمة وإنما فعلوا بهم ذلك لأن الكهنة أنذروا فرعون بأنه يولد مولود يزول ملكه بسببه كما أنذروا نمرود فلم يغن عنهما اجتهادهما في التحفظ وكان ما شاء الله {وَفِي ذلكم بَلاءٌ} محنة إن أشير بذلكم إلى صنع فرعون ونعمة إن أشير به إلى الانجاء {من ربكم} صفة لبلاء {عظِيمٌ} صفة ثانية

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

ولَمّا قَدَّمَ سُبْحانَهُ ذِكْرَ نِعَمِهِ إجْمالًا أرادَ أنْ يُفَصِّلَ لِيَكُونَ أبْلَغَ في التَّذْكِيرِ، وأعْظَمَ في الحُجَّةِ، فَقالَ: ﴿ وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ وهو عَلى الشّافِعِ عَطْفٌ عَلى (نِعْمَتِي) بِتَقْدِيرِ: اذْكُرُوا كَيْلا يَلْزَمَ الفَصْلُ بَيْنَ المَعْطُوفَيْنِ بِأجْنَبِيٍّ، وهو (اتَّقُوا)، وقَدْ تَقَدَّمَ قَبْلُ ما يَنْفَعُكَ هُنا، وقُرِئَ (أنْجَيْناكُمْ) و(أنْجَيْتُكُمْ) ونُسِبَتِ الأُولى لِلنَّخَعِيِّ، والآلُ قِيلَ: بِمَعْنى الأهْلِ، وإنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ عَنْ هاءٍ، وإنَّ تَصْغِيرَهُ أُهَيْلٌ، وبَعْضُهم ذَهَبَ إلى أنَّ ألِفَهُ بَدَلٌ مِن هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، وتِلْكَ الهَمْزَةُ بَدَلٌ مِن هاءٍ، وقِيلَ: لَيْسَ بِمَعْنى الأهْلِ، لِأنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، والآلُ مِن يَؤُولُ إلَيْكَ في قَرابَةٍ، أوْ رَأْيٍ، أوْ مَذْهَبٍ، فَألِفُهُ بَدَلٌ مِن واوٍ، ولِذَلِكَ قالَ يُونُسُ في تَصْغِيرِهِ: أُوَيْلٌ، ونَقَلَهُ الكِسائِيُّ نَصًّا عَنِ العَرَبِ، ورُوِيَ عَنْ أبِي عُمَرَ غُلامِ ثَعْلَبٍ: إنَّ الأهْلَ القَرابَةُ، كانَ لَها تابِعٌ أوْ لا، والآلُ القَرابَةُ بِتابِعِها، فَهو أخَصُّ مِنَ الأهْلِ، وقَدْ خَصُّوهُ أيْضًا بِالإضافَةِ إلى أُولِي الخَطَرِ فَلا يُضافُ إلى غَيْرِ العُقَلاءِ، وإلى مَن لا خَطَرَ لَهُ مِنهُمْ، فَلا يُقالُ: آلُ الكُوفَةِ ولا آلُ الحِجامِ، وزادَ بَعْضُهُمُ اشْتِراطَ التَّذْكِيرِ فَلا يُقالُ: آلُ فاطِمَةَ، ولَعَلَّ كُلَّ ذَلِكَ أكْثَرِيٌّ، وإلّا فَقَدْ ورَدَ عَلى خِلافِ ذَلِكَ كَآلِ أعْوَجَ اسْمِ فَرَسٍ، وآلِ المَدِينَةِ، وآلِ نُعْمٍ، وآلِ الصَّلِيبِ، وآلِكَ، ويُسْتَعْمَلُ غَيْرَ مُضافٍ، كَـهم خَيْرُ آلٍ، ويُجْمَعُ كَأهْلٍ فَيُقالُ آلُونَ، وفِرْعَوْنُ لَقَبٌ لِمَن مَلَكَ العَمالِقَةَ كَكِسْرى لِمَلِكِ الفُرْسِ، وقَيْصَرَ لِمَلِكِ الرُّومِ، وخاقانَ لِمَلِكِ التُّرْكِ، وتُبَّعٍ لِمَلِكِ اليَمَنِ، والنَّجاشِيِّ لِمَلِكِ الحَبَشَةِ، وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هو اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ القِبْطَ، ومِصْرَ، وهو غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وقَدِ اشْتُقَّ مِنهُ بِاعْتِبارِ ما يَلْزَمُهُ، فَقِيلَ: تَفَرْعَنَ الرَّجُلُ إذا تَجَبَّرَ وعَتا، واسْمُ فِرْعَوْنَ هَذا الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ ابْنُ إسْحاقَ، وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقِيلَ أبُوهُ مُصْعَبُ بْنُ رَيّانَ حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وقِيلَ: قُنْطُوسُ، حَكاهُ مُقاتِلٌ، وذَكَرَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ أنَّ أهْلَ الكِتابَيْنِ قالُوا: إنَّ اسْمَهُ قابُوسُ، وكُنْيَتَهُ أبُو مُرَّةَ، وكانَ مِنَ القِبْطِ، وقِيلَ: مِن بَنِي عَمْلِيقٍ أوْ عِمْلاقِ بْنِ لاوِزَ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهم أُمَمٌ تَفَرَّقُوا في البِلادِ، ورُوِيَ أنَّهُ مِن أهْلِ اصْطَخْرَ، ورَدَ إلى مِصْرَ فَصارَ بِها مَلِكًا، وقِيلَ: كانَ عَطّارًا بِأصْفَهانَ، رَكِبَتْهُ الدُّيُونُ، فَدَخَلَ مِصْرَ، وآلَ أمْرُهُ إلى ما آلَ، وحِكايَةُ البِطِّيخِ شَهِيرَةٌ، وقَدْ نَقَلَها مَوْلانا مُفْتِي الدِّيارِ الرُّومِيَّةِ في تَفْسِيرِهِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ غَيْرُ فِرْعَوْنِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وكانَ اسْمُهُ عَلى المَشْهُورِ الرَّيّانَ بْنَ الوَلِيدِ، وقَدْ آمَنَ بِيُوسُفَ، ماتَ في حَياتِهِ، وهو مِن أجْدادِ فِرْعَوْنَ المَذْكُورِ عَلى قَوْلٍ، ويُؤَيِّدُ الغَيْرِيَّةَ أنَّ بَيْنَ دُخُولِ يُوسُفَ ودُخُولِ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ أكْثَرُ مِن أرْبَعِمِائَةِ سَنَةٍ، والمُرادُ بِآلِ فِرْعَوْنَ هُنا أهْلُ مِصْرَ، أوْ أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، أوْ أتْباعُهُ عَلى دِينِهِ، وبِـأنْجَيْناكُمْ، أنْجَيْنا آباءَكُمْ، وكَذا نَظائِرُهُ، فَلا حُجَّةَ فِيها لِتَناسُخِيٍّ، وهَذا في كَلامِ العَرَبِ شائِعٌ كَقَوْلِ حَسّانَ: ونَحْنُ قَتَلْناكم بِبَدْرٍ فَأصْبَحَتْ عَساكِرُكم في الهالِكِينَ تَجُولُ (ويَسُومُونَكُمْ) مِنَ السَّوْمِ، وأصْلُهُ الذَّهابُ لِلطَّلَبِ، ويُسْتَعْمَلُ لِلذَّهابِ وحْدَهُ تارَةً، ومِنهُ السّائِمَةُ، ولِلطَّلَبِ أُخْرى، ومِنهُ السَّوْمُ في البَيْعِ، ويُقالُ: سامَهُ كَلَّفَهُ العَمَلَ الشّاقَّ، والسُّوءُ مَصْدَرُ ساءَ يَسُوءُ، ويُرادُ بِهِ السَّيْءُ، ويُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يَقْبُحُ، كَأعُوذُ بِاللَّهِ تَعالى مِن سُوءِ الخُلُقِ، (وسُوءُ العَذابِ) أفْظَعُهُ وأشَدُّهُ بِالنِّسْبَةِ إلى سائِرِهِ، وهو مَنصُوبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، لِيَسُومُونَكم بِإسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، أوْ بِدُونِهِ، والجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُسْتَأْنَفَةً، وهي حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ أنْجَيْناكُمْ، أوْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وهو الأقْرَبُ، والمَعْنى: يُوَلُّونَكم أوْ يُكَلِّفُونَكُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ، والأُمُورَ الفَظِيعَةَ، أوْ يُرْسِلُونَكم إلَيْها، ويَصْرِفُونَكم فِيها، أوْ يَبْغُونَكم سُوءَ العَذابِ المُفَسَّرَ بِما بَعْدَهُ، وقَدْ حُكِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ جَعَلَ بَنِي إسْرائِيلَ خَدَمًا وخَوَلًا، وصَنَّفَهم في الأعْمالِ، فَصِنْفٌ يَبْنُونَ، وصِنْفٌ يَحْرُثُونَ، وصِنْفٌ يَخْدُمُونَ، ومَن لَمْ يَكُنْ مِنهم في عَمَلٍ وضَعَ عَلَيْهِ الجِزْيَةَ يُؤَدِّيها كُلَّ يَوْمٍ، ومَن غَرَبَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ قَبْلَ أنْ يُؤَدِّيَها غُلَّتْ يَدُهُ إلى عُنُقِهِ شَهْرًا، وجَعَلَ النِّساءَ يَغْزِلْنَ الكِتّانَ ويَنْسِجْنَ، ﴿ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أوِ اسْتِئْنافِيَّةٌ كَأنَّهُ قِيلَ: ما الَّذِي سامُوهم إيّاهُ فَقالَ: (يُذَبِّحُونَ) إلَخْ، ويَجُوزُ أنْ تُخَرَّجَ عَلى إبْدالِ الفِعْلِ مِنَ الفِعْلِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَلْقَ أثامًا ﴾ ﴿ يُضاعَفْ لَهُ العَذابُ ﴾ وقِيلَ: بِالعَطْفِ، وحُذِفَ حَرْفُهُ لِآيَةِ إبْراهِيمَ، والمُحَقِّقُونَ عَلى الفَرْقِ، وحَمَلُوا (سُوءَ العَذابِ) فِيها عَلى التَّكالِيفِ الشّاقَّةِ غَيْرِ الذَّبْحِ، وعُطِفَ لِلتَّغايُرِ، واعْتُبِرَ هُناكَ لا هُنا عَلى رَأْيِهِمْ لِسَبْقِ ﴿ وذَكِّرْهم بِأيّامِ اللَّهِ ﴾ وهو يَقْتَضِي التَّعْدادَ، ولَيْسَ هُنا ما يَقْتَضِيهِ، والأبْناءُ الأطْفالُ الذُّكُورُ، وقِيلَ: إنَّهُمُ الرِّجالُ، هَذا وسُمُّوا أبْناءً بِاعْتِبارِ ما كانُوا قَبْلُ، وفي بَعْضَ الأخْبارِ أنَّهُ قَتَلَ أرْبَعِينَ ألْفَ صَبِيٍّ، وحُكِيَ أنَّهُ كانَ يَقْتُلُ الرِّجالَ الَّذِينَ يَخافُ مِنهُمُ الخُرُوجَ والتَّجَمُّعَ لِإفْسادِ أمْرِهِ، والمَشْهُورُ حَمْلُ الأبْناءِ عَلى الأوَّلِ، وهو المُناسِبُ المُتَبادِرُ، وفي سَبَبِ ذَلِكَ أقْوالٌ وحِكاياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، ومُعْظَمُها يَدُلُّ عَلى أنَّ فِرْعَوْنَ خافَ مِن ذَهابِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَفَعَلَ ما فَعَلَ، وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وابْنُ مُحَيْصِنٍ (يَذْبَحُونَ) مُخَفَّفًا، وعَبْدُ اللَّهِ (يُقَتِّلُونَ) مُشَدَّدًا، ﴿ ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ يُذَبِّحُونَ ﴾ أيْ يَسْتَبْقُونَ بَناتِكُمْ، ويَتْرُكُونَهُنَّ حَيّاتٍ وقِيلَ: يُفَتِّشُونَ في حَيائِهِنَّ يَنْظُرُونَ هَلْ بِهِنَّ حَمْلٌ، والحَياءُ الفَرَجُ، لِأنَّهُ يُسْتَحى مِن كَشْفِهِ، والنِّساءُ جَمْعُ المَرْأةِ، وفي البَحْرِ إنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِنِسْوَةٍ عَلى وزْنِ فِعْلَةٍ، جَمْعُ قِلَّةٍ، وزَعَمَ ابْنُ السِّراجِ أنَّهُ اسْمُ جَمْعٍ، وعَلى القَوْلَيْنِ لَمْ يُلْفَظْ لَهُ بِواحِدٍ مِن لَفْظِهِ، وهي في الأصْلِ البالِغاتُ دُونَ الصَّغائِرِ، فَهي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ مَجازٌ بِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ اسْتِبْقاءَهم كانَ لِأجْلِ أنْ يَصِرْنَ نِساءً لِخِدْمَتِهِمْ، وعَلى الثّانِي فِيهِ تَغْلِيبُ البالِغاتِ عَلى الصَّغائِرِ، وعَلى الثّالِثِ حَقِيقَةٌ، وقَدَّمَ الذَّبْحَ لِأنَّهُ أصْعَبُ الأُمُورِ، وأشَقُّها عِنْدَ النّاسِ، وإنْ كانَ ذَلِكَ الِاسْتِحْياءُ أعْظَمَ مِنَ القَتْلِ لَدى الغَيُورِ.

﴿ وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ إشارَةٌ إلى التَّذْبِيحِ والِاسْتِحْياءِ، أوْ إلى الإنْجاءِ، وجَمَعَ الضَّمِيرَ لِلْمُخاطَبِينَ، ويَجُوزُ أنْ يُشارَ (بِذَلِكُمْ) إلى الجُمْلَةِ، وأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ، وإذا نُسِبَ إلَيْهِ تَعالى يُرادُ مِنهُ ما يَجْرِي مَجْراهُ مَعَ العِبادِ عَلى المَشْهُورِ، وهو تارَةً يَكُونُ بِالمَسارِّ لِيَشْكُرُوا، وتارَةً بِالمَضارِّ لِيَصْبِرُوا، وتارَةً بِهِما لِيَرْغَبُوا، ويَرْهَبُوا، فَإنْ حُمِلَتِ الإشارَةُ عَلى المَعْنى الأوَّلِ فالمُرادُ بِالبَلاءِ المِحْنَةُ، وإنْ عَلى الثّانِي فالمُرادُ بِهِ النِّعْمَةُ، وإنْ عَلى الثّالِثِ فالمُرادُ بِهِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ كالِامْتِحانِ الشّائِعِ بَيْنَهُما، ويُرَجِّحُ الأوَّلَ التَّبادُرُ، والثّانِيَ أنَّهُ في مَعْرِضِ الِامْتِنانِ، والثّالِثَ لُطْفُ جَمْعِ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، ومَعْنى ﴿ مِن رَبِّكُمْ ﴾ مِن جِهَتِهِ تَعالى إمّا بِتَسْلِيطِهِمْ عَلَيْكُمْ، أوْ بِبَعْثِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وتَوْفِيقِهِ لِتَخْلِيصِكُمْ، أوْ بِهِما جَمِيعًا، (وعَظِيمٌ) صِفَةُ بَلاءٍ، وتَنْكِيرُهُما لِلتَّفْخِيمِ، والعِظَمِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِ والسّامِعِ لا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ تَعالى، لِأنَّهُ العَظِيمُ الَّذِي لا يَسْتَعْظِمُ شَيْئًا، * * * ومِن بابِ الإشارَةِ والتَّأْوِيلِ، وإذْ نَجَّيْناكم مِن قُوى فِرْعَوْنَ النَّفْسِ الأمّارَةِ المَحْجُوبَةِ بِأنانِيَّتِها والنَّظَرِ إلى نَفْسِها المُسْتَعْلِيَةِ عَلى إهْلاكِ الوُجُودِ، (ومِصْرُ) مَدِينَةُ البَدَنِ المُسْتَعْبَدَةُ، وهي وقُواها مِنَ الوَهْمِ، والخَيالِ، والغَضَبِ، والشَّهْوَةِ، القُوى الرُّوحانِيَّةُ الَّتِي هي أبْناءُ صَفْوَةِ اللَّهِ تَعالى يَعْقُوبَ، الرُّوحُ والقُوى الطَّبِيعِيَّةُ البَدَنِيَّةُ مِنَ الحَواسِّ الظّاهِرَةِ والقُوى النَّباتِيَّةِ أُولَئِكَ يُكَلِّفُونَكُمُ المَتاعِبَ الصَّعْبَةَ، والأعْمالَ الشّاقَّةَ مِن جَمْعِ المالِ، والحِرْصِ وتَرْتِيبِ الأقْواتِ والمَلابِسِ وغَيْرِ ذَلِكَ، ويَسْتَعْبِدُونَكم بِالتَّفَكُّرِ فِيها، والِاهْتِمامِ بِها، لِتَحْصُلَ لَكم لَذَّةٌ هي في الحَقِيقَةِ عَذابٌ وذِلَّةٌ، لِأنَّها تَمْنَعُكم عَنْ مُشاهَدَةِ الأنْوارِ، والتَّمَتُّعِ بِدارِ القَرارِ، ﴿ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ ﴾ الَّتِي هي القُوى الرُّوحانِيَّةُ مِنَ القُوى النَّظَرِيَّةِ الَّتِي هي العَيْنُ اليُمْنى لِلْقَلْبِ، والعَمَلِيَّةِ الَّتِي هي العَيْنُ اليُسْرى لَهُ، والفَهْمِ الَّذِي هو سَمْعُهُ، والسِّرِّ الَّذِي هو قَلْبُهُ، ويَسْتَحْيُونَ قُواكُمُ الطَّبِيعِيَّةَ لِيَسْتَخْدِمُوها، ويَمْنَعُوها عَنْ أفْعالِها اللّائِقَةِ بِها، وفي ذَلِكَ الإنْجاءِ نِعْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِن رَبِّكُمُ المُرَقِّي لَكم مِن مَقامٍ إلى مَقامٍ، ومَشْهَدٍ إلى مَشْهَدٍ حَتّى تَصِلُوا إلَيْهِ، وتَحُطُّوا رِحالَكم بَيْنَ يَدَيْهِ، أوْ في مَجْمُوعِ ذَلِكَ امْتِحانٌ لَكُمْ، وظُهُورُ آثارِ الأسْماءِ المُخْتَلِفَةِ عَلَيْكُمْ، فاشْكُرُوا واصْبِرُوا، فالكُلُّ مِنهُ، وكُلُّ ما فَعَلَ المَحْبُوبُ مَحْبُوبٌ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، إنما خاطبهم وأراد به آباءهم، لأنهم يتبعون آباءهم فأضاف إليهم.

ومعناه واذكروا إذ نجيناكم من قوم فرعون يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ أي يعذبونكم بأشد العذاب وأقبح العذاب.

ويقال في اللغة: سامه الخسف، إذا أولاه الهوان.

يعني يولونكم بأشد العذاب.

ثم بيّن العذاب فقال تعالى: يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ الصغار وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ، أي ويستخدمون نساءكم.

وأصله في اللغة.

من الحياة، يقال: استحيا، يستحيي إذا تركه حيّاً.

وكانوا يذبحون الأولاد، ويتركون النساء أحياء للخدمة، وذلك لأن فرعون قالت له كهنته: يولد في بني إسرائيل مولود ينازعك في ملكك، فأمر بأن يذبح كل مولود يولد في بني إسرائيل وتترك البنات.

قوله تعالى: وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ، أي نعمة من ربكم عظيمة، والبلاء: يكون عبارة عن النعمة، ويكون أيضاً عبارة عن البلية والشدة وأصله من الابتلاء والاختيار يكون بهما جميعاً.

فإن أراد به النعمة، فمعناه وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ، أي اتجاه الله من ذبح الأولاد واستخدام النساء نعمة لكم من ربكم عظيم وإن أراد به العذاب، فمعنى وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ أن في ذبح الأبناء واستخدام النساء بلاء لكم من ربكم عظيم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الظرف «١» ، ولا تَجْزِي: معناه: لا تغني، وقال السُّدِّيُّ: معناه: لا تقضي ويقوِّيه قوله: شَيْئاً، وفي الكلام حذفٌ، التقدير: لا تجزي فيه، وفي مختصر الطبريِّ: أي:

واتقوا يوماً لا تقضي نفْسٌ عن نفس شيئاً، ولا تغني غَنَاءً، وأَحَدُنَا اليومَ قد يقضي عن قريبه دَيْناً، وأما في الآخرة، فيسر المرء أن يترتَّب له على قريبه حقٌّ لأنَّ القضاء هناك من الحسنات والسيئات كما أخبر النبيّ صلّى الله عليه وسلم.

انتهى.

والشَّفَاعَةُ: مأخوذة من الشَّفْع، وهما الاثنان لأن الشافع والمشفوع له شَفْعٌ وسبب هذه الآية أنَّ بني إسرائيل قالوا: «نَحْنُ أبناءُ أنبياء الله، وسيشفع لنا أبناؤنا» ، وهذا إنما هو في حق الكافرين للإجماع، وتواترِ الأحاديث بالشفاعة في المؤمنين.

وقوله تعالى: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ: قال أبو العالية: العَدْلُ: الفدية.

قال ع «٢» : عدل الشيْءِ هو الذي يساويه قيمةً وقدراً، وإن لم يكن من جنسه، والعِدْلُ بكسر العين: هو الذي يساوي الشيء من جنسه، وفي جرمه، والضمير في قوله:

وَلا هُمْ عائد على الكافرين الذين اقتضتهم الآيةُ، ويحتمل أن يعود على النفسينِ المتقدِّمِ ذكرُهما لأن اثنين جمع، أو لأن النفس للجنْسِ، وهو جمع، وحصرت هذه الآية المعاني التي اعتادها بنو آدم في الدنيا فإِن الواقع في شدة مع آدمي لا يتخلَّص إِلاَّ بأن يشفع له، أو ينصر، أو يفتدى.

ت: أو يمنّ عليه إلا أنَّ الكافرَ ليس هو بأهلٍ لإنْ يمنّ عليه.

وقوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ: أي: خلَّصناكم، وَآل: أصْلُهُ أَهْل قلبت الهاء أَلِفاً ولذلك رَدَّها التصغيرُ إلى الأصل، فقيل: أُهَيْل، وآلُ الرجل قرابته، وشيعته، وأتباعه، وفرعونُ: اسمٌ لكلِّ من ملك من العَمَالِقَةِ بمصر، وفرعون موسى، قيل:

اسمه مُصْعَبُ بْنُ الرَّيَّان، وقال ابْن إِسحاق: اسمه الوليدُ بْنُ مُصْعب، وروي أنه كان من أهل إِصْطَخْر «١» وَرَدَ مِصْرَ، فاتفق له فيها المُلْك، وكان أصل كون بني إِسرائيل بمصر نزولَ إسرائيل بها زمَنَ ابنه يُوسُفَ عليهما السلام.

ويَسُومُونَكُمْ: معناه: يأخذونكم به، ويُلْزمُونَكم إياه، والجملة في موضعِ نصبٍ على الحال، أي: سائمين/ لكم سُوءَ العذاب، وسوءُ العذاب أشدُّه وأصعبه، وكان فرعون ١٩ ب على ما روي قد رأى في منامه ناراً خرجَتْ من بيت المقْدِس، فأحرقت بيوتَ مِصْرَ، فأولت له رؤياه أنَّ مولوداً من بني إسرائيل ينشأ، فيخرب مُلْكَ فرعون على يَدَيْهِ، وقال ابن إسْحَاق، وابن عبَّاس، وغيرهما: إن الكهنة والمنجِّمين قالُوا لفرعون: قد أظلك زمانُ مولودٍ من بني إسرائيل يخرب مُلْكَك «٢» .

ويُذَبِّحُونَ بدلٌ من: «يَسُومُونَ» ، وَفِي ذلِكُمْ: إشارةٌ إلى جملة الأمر، وبَلاءٌ معناه: امتحان واختبار، ويكون البلاء في الخير والشر.

وحكى الطبريُّ وغيره في كيفية نجاتهم أن موسى- عليه السلام- أوحي إلَيْه أن يسري من مصر ببني إِسرائيل، فأمرهم موسى أن يستعيروا الحُلِيَّ والمتاعَ من القِبْطِ «٣» ، وأحل اللَّه ذلك لبني إسرائيل، ويروى أنهم فعلوا ذلك دون رَأْيِ موسى- عليه السلام- وهو الأشبه به، فسرى بهم موسى من أول الليْلِ، فأعلم بهم فرعون، فقال: لا يتبعهم أحد حتى تصيح الدِّيَكَةُ، فلم يَصِحْ تلك الليلة بمصر دِيكٌ حتى أصبح، وأمات اللَّه تلك الليلةَ كثيراً من أبناء القِبطِ، فاشتغلوا بالدَّفْنِ، وخرجوا في الأتباع مشرِّقين، وذهب موسى عليه السلام إلى ناحية البحر حتى بلغه، وكانت عدة بني إِسرائيل نيِّفاً على ستِّمائة ألف، وكانت عِدَّة فرعون أَلْفَ ألْفٍ ومِائَتَي ألْفٍ، وحكي غير هذا مما اختصرته لقلَّة ثبوته، فلما لحق فرعَوْنُ موسى، ظن بنو إِسرائيل أنهم غير ناجين، فقال يُوشَعُ بْنُ نُونٍ لموسى: أين أُمِرْتَ؟

فقال:

هكذا، وأشار إلى البحر، فركض يُوشَعُ فرسه حتى بلغ الغَمْرَ «٤» ، ثم رجع، فقال لموسى: أين أُمِرْتَ؟

فو الله: ما كَذَبْتَ، ولا كُذِبْتَ، فأشار إِلى البحر، وأوحى الله تعالى

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ تَقْدِيرُهُ: واذْكُرُوا إذْ نَجَّيْناكم، وهَذِهِ النِّعَمُ عَلى آَبائِهِمْ كانَتْ.

وفي آَلِ فِرْعَوْنَ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهم أهْلُ مِصْرَ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّانِي: أهْلُ بَيْتِهِ خاصَّةً، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والثّالِثُ: أتْباعُهُ عَلى دِينِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وهَلِ الآَلُ والأهْلُ بِمَعْنًى، أوْ يَخْتَلِفانِ؟

فِيهِ قَوْلانِ: وقَدْ شَرَحْتُ مَعْنى الآَلِ في كِتابِ "النَّظائِرِ" وفِرْعَوْنُ: اسْمٌ أعْجَمِيٌّ، وقِيلَ: هو لَقَبُهُ.

وفي اسْمِهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، قالَهُ الأكْثَرُونَ.

والثّانِي: فَيَطُوسُ، قالَهُ مُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، حَكاهُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ.

والرّابِعُ: مُغِيثٌ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ أيْ: يُوَلُّونَكم.

يُقالُ: فَلانٌ يَسُومُكَ خَسْفًا، أيْ: يُوَلِّيكَ ذُلًّا واسْتِخْفافًا.

وسُوءُ العَذابِ: شَدِيدُهُ.

وكانَ الزَّجّاجُ يَرى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ ﴾ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ ، وأبى هَذا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، فَقالَ: قَدْ فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُما في مَوْضِعٍ آَخَرَ، فَقالَ: ﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ويُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ  ﴾ وإنَّما سُوءُ العَذابِ: اسْتِخْدامُهم في أصْعَبِ الأعْمالِ، وقالَ: الفَرّاءُ: المَوْضِعُ الَّذِي طُرِحَتْ فِيهِ الواوُ، تَفْسِيرٌ لِصِفاتِ العَذابِ، والمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الواوُ، يُبَيِّنُ أنَّهُ قَدْ مَسَّهم مِنَ العَذابِ غَيْرُ الذَّبْحِ، فَكَأنَّهُ قالَ: يُعَذِّبُونَكم بِغَيْرِ الذَّبْحِ وبِالذَّبْحِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ أيْ: يَسْتَبِقُونَ نِساءَكم، أيْ: بَناتَكم.

وإنَّما اسْتَبَقُوا نِساءَهم لِلِاسْتِذْلالِ والخِدْمَةِ.

وَفِي البَلاءِ هَهُنا قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى النِّعْمَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو مالِكٍ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ النِّقْمَةُ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.

فَعَلى هَذا القَوْلِ يَكُونُ "ذا" في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ذَلِكُمْ ﴾ عائِدًا عَلى سَوْمِهِمْ سُوءَ العَذابِ، وذَبْحِ أبْنائِهِمْ واسْتِحْياءِ نِسائِهِمْ، وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُعُودُ عَلى النَّجاةِ مِن آَلِ فِرْعَوْنَ.

قالَ أبُو العالِيَةِ: وكانَ السَّبَبُ في ذَبْحِ الأبْناءِ، أنَّ الكَهَنَةَ قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: سَيُولَدُ العامُ بِمِصْرَ غُلامٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، فَقَتَلَ الأبْناءَ.

قالَ الزَّجّاجُ: فالعَجَبُ مِن حُمْقِ فِرْعَوْنَ، إنْ كانَ الكاهِنُ عِنْدَهُ صادِقًا، فَما يَنْفَعُ القَتْلُ؟!

وإنْ كانَ كاذِبًا؛ فَما مَعْنى القَتْلِ؟!

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكم وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ شَيْئًا ولا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ قَدْ تَكَرَّرَ هَذا النِداءُ، والتَذْكِيرُ بِالنِعْمَةِ، وفائِدَةُ ذَلِكَ أنَّ الخِطابَ الأوَّلَ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ لِلْكافِرِينَ مِنهم.

وهَذا المُتَكَرِّرُ إنَّما هو لِلْكافِرِينَ بِدَلالَةِ ما بَعْدَهُ، وأيْضًا فَإنَّ فِيهِ تَقْوِيَةَ التَوْقِيفِ، وتَأْكِيدَ الحَضِّ عَلى ذِكْرِ أيادِي اللهِ، وحُسْنِ خِطابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ ﴾ ، لِأنَّ تَفْضِيلَ آبائِهِمْ وأسْلافِهِمْ تَفْضِيلٌ لَهُمْ، وفي الكَلامِ اتِّساعٌ، قالَ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى عَلى عالَمِ زَمانِهِمُ الَّذِي كانَتْ فِيهِ النُبُوءَةُ المُتَكَرِّرَةُ والمُلْكُ، لِأنَّ اللهَ تَعالى يَقُولُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ  : ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ  ﴾ .

وَقوله عزّ وجلّ: ﴿ واتَّقُوا يَوْمًا ﴾ نُصِبَ "يَوْمًا" بـِ "اتَّقَوْا" عَلى السِعَةِ والتَقْدِيرِ: "عَذابُ يَوْمٍ" أو: "هَوْلُ يَوْمٍ" ثُمَّ حُذِفَ ذَلِكَ، وأقامَ اليَوْمَ مَقامَهُ، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ نَصْبُهُ عَلى الظَرْفِ لا لِلتَّقْوى لِأنْ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ بِيَوْمِ عَمَلٍ، ولَكِنَّ مَعْناهُ: "جِيئُوا مُتَّقِينَ يَوْمًا".

و"لا تَجْزِي" مَعْناهُ لا تُغْنِي.

وقالَ السُدِّيُّ: مَعْناهُ لا تَقْضِي ويُقَوِّيهِ قَوْلُهُ "شَيْئًا"، وقِيلَ: المَعْنى لا تُكافِئُ، ويُقالُ جَزى وأجْزَأ بِمَعْنًى واحِدٍ.

وقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُما قَوْمٌ فَقالُوا: جَزى بِمَعْنى قَضى وكافَأ.

وأجْزَأ بِمَعْنى أغْنى وكَفى.

وقَرَأ أبُو السَمّالِ "تُجْزِئُ" بِضَمِّ التاءِ والهَمْزِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ وقالَ البَصْرِيُّونَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، ثُمَّ حُذِفَ "فِيهِ"، وقالَ غَيْرُهُمْ: حُذِفَ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ بـِ "تَجْزِي" تَقْدِيرُهُ "لا تَجْزِيهِ"، عَلى أنَّهُ يَقْبُحُ حَذْفُ هَذا الضَمِيرِ في الخَبَرِ، وإنَّما يَحْسُنُ في الصِلَةِ.

وقالَ بَعْضُ البَصْرِيِّينَ: التَقْدِيرُ: "لا تَجْزِي فِيهِ"، فَحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ واتَّصَلَ الضَمِيرُ، ثُمَّ حُذِفَ الضَمِيرُ بِتَدْرِيجٍ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو بِالتاءِ، وقَرَأ الباقُونَ بِالياءِ مِن تَحْتِ عَلى المَعْنى، إذْ تَأْنِيثُ الشَفاعَةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، والشَفاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشَفْعِ وهُما الِاثْنانِ لِأنَّ الشافِعَ والمَشْفُوعَ لَهُ شَفْعٌ، وكَذَلِكَ الشَفِيعُ فِيما لَمْ يُقَسَّمْ.

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: نَحْنُ أبْناءُ اللهِ وأبْناءُ أنْبِيائِهِ، وسَيَشْفَعُ لَنا آباؤُنا، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ تَعالى عن يَوْمِ القِيامَةِ أنَّهُ لا تُقْبَلُ فِيهِ الشَفاعَةُ، ﴿ لا تَجْزِي نَفْسٌ عن نَفْسٌ ﴾ ، وهَذا إنَّما هو في الكافِرِينَ لِلْإجْماعِ- وتَواتَرَ الحَدِيثُ بِالشَفاعَةِ في المُؤْمِنِينَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ ﴾ قالَ أبُو العالِيَةِ: العَدْلُ الفِدْيَةُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وعَدْلُ الشَيْءِ هو الَّذِي يُساوِيهِ قِيمَةً وقَدْرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ مِن جِنْسِهِ والعَدْلُ بِكَسْرِ العَيْنِ هو الَّذِي يُساوِي الشَيْءَ مِن جِنْسِهِ وفي جِرْمِهِ.

وحَكى الطَبَرِيُّ أنَّ مِنَ العَرَبِ مَن يَكْسِرُ العَيْنَ مِن مَعْنى الفِدْيَةِ، فَأمّا واحِدُ الأعْدالِ فَبِالكَسْرِ لا غَيْرَ.

والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "وَلا هُمْ"، عائِدٌ عَلى الكافِرِينَ الَّذِينَ اقْتَضَتْهُمُ الآيَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى النَفْسَيْنِ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُما، لِأنَّ اثْنَيْنِ جَمْعٌ، أو لِأنَّ النَفْسَ لِلْجِنْسِ، وهو جَمْعٌ.

وحَصَرَتْ هَذِهِ الآيَةُ المَعانِيَ الَّتِي اعْتادَها بَنُو آدَمَ في الدُنْيا، فَإنَّ الواقِعَ في شِدَّةٍ مَعَ آدَمِيٍّ لا يَتَخَلَّصُ إلّا بِأنْ يَشْفَعَ لَهُ، أو يُنْصَرَ، أو يُفْتَدى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ أيْ خَلَّصْناكُمْ، "وَآلِ" أصْلُهُ أهْلُ، قُلِبَتِ الهاءُ ألِفًا كَما عُمِلَ في ماءٍ، ولِذَلِكَ رَدَّها التَصْغِيرُ إلى الأصْلِ فَقِيلَ: أُهَيْلُ ومُوَيْهُ، وقَدْ قِيلَ في "آلِ": إنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ أهْلِ، أصْلُهُ أوَّلُ، وتَصْغِيرُهُ أُوَيِّلُ، وإنَّما نَسَبَ الفِعْلَ إلى "آلِ فِرْعَوْنَ " وهم إنَّما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِأمْرِهِ وسُلْطانِهِ لِتَوَلِّيهِمْ ذَلِكَ بِأنْفُسِهِمْ، وقالَ الطَبَرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: ويَقْتَضِي هَذا أنَّ مَن أمَرَهُ ظالِمٌ بِقَتْلِ أحَدٍ فَقَتَلَهُ المَأْمُورُ فَهو المَأْخُوذُ بِهِ.

وَآلُ الرَجُلِ: قَرابَتُهُ وشِيعَتُهُ وأتْباعُهُ، ومِنهُ قَوْلُ أراكَةَ الثَقَفِيِّ: فَلا تَبْكِ مَيِّتًا بَعْدَ مَيِّتٍ أجَنَّهُ عَلِيٌّ وعَبّاسٌ وآلَ أبِي بَكْرِ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ قَبَرُوا رَسُولَ اللهِ  .

والأشْهُرُ في "آلِ" أنْ يُضافَ إلى الأسْماءِ، لا إلى البِقاعِ والبِلادِ، وقَدْ يُقالُ: آلُ مَكَّةَ، وآلُ المَدِينَةِ، و"فِرْعَوْنُ" اسْمٌ لِكُلِّ مَن مَلَكَ مِنَ العَمالِقَةِ مِصْرَ، وفِرْعَوْنُ مُوسى قِيلَ: اسْمُهُ مُصْعَبُ بْنُ الرَيّانِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: اسْمُهُ الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَ مَن أهْلِ إصْطَخَرَ، ورَدَّ مِصْرَ فاتَّفَقَ لَهُ فِيها المُلْكُ، وكانَ أصْلُ كَوْنِ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ نُزُولُ إسْرائِيلَ بِها زَمَنَ ابْنِهِ يُوسُفَ عَلَيْهِما السَلامُ.

"يَسُومُونَكُمْ" مَعْناهُ: يَأْخُذُونَكم بِهِ، ويُلْزِمُونَكم إيّاهُ، ومِنهُ المُساوَمَةُ بِالسِلْعَةِ، وسامَهُ خَطَّةَ خَسْفٍ و"يَسُومُونَكُمْ" إعْرابُهُ رَفْعٌ عَلى الِاسْتِئْنافِ.

والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى الحالِ، أيْ: سائِمِينَ لَكم سُوءَ العَذابِ، ويَجُوزُ ألّا تُقَدَّرَ فِيهِ الحالُ، ويَكُونُ وصْفُ حالٍ ماضِيَةٍ، وسُوءُ العَذابِ أشَدَّهُ، وأصْعَبَهُ قالَ السُدِّيُّ: كانَ يَصْرِفُهم في الأعْمالِ القَذِرَةِ، ويُذَبِّحُ الأبْناءَ، ويَسْتَحْيِي النِساءَ.

وقالَ غَيْرُهُ: صَرَفَهم عَلى الأعْمالِ: الحَرْثُ، والزِراعَةُ، والبِناءُ، وغَيْرُ ذَلِكَ، وكانَ قَوْمُهُ جُنْدًا مُلُوكًا.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُذَبِّحُونَ" بِشَدِّ الباءِ المَكْسُورَةِ عَلى المُبالَغَةِ، وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: "يَذْبَحُونَ" بِالتَخْفِيفِ، والأوَّلُ أرْجَحُ، إذِ الذَبْحُ مُتَكَرِّرٌ.

وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى ما رُوِيَ قَدْ رَأى في مَنامِهِ نارًا خَرَجَتْ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَأحْرَقَتْ بُيُوتَ مِصْرَ، فَأوَّلَتْ لَهُ رُؤْياهُ: أنَّ مَوْلُودًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ يَنْشَأُ فَيُخَرِّبُ مُلْكَ فِرْعَوْنَ عَلى يَدَيْهِ، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُما: إنَّ الكَهَنَةَ والمُنَجِّمِينَ قالُوا لِفِرْعَوْنَ: قَدْ أظَلَّكَ زَمَنُ مَوْلُودٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ يُخَرِّبُ مُلْكَكَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: إنَّ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ تَذاكَرُوا وعْدَ اللهِ لِإبْراهِيمَ أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَأمَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِذَبْحِ الذُكُورِ مِنَ المَوْلُودِينَ في بَنِي إسْرائِيلَ، ووَكَّلَ بِكُلِّ عَشْرِ نِساءٍ رَجُلًا يَحْفَظُ مَن يَحْمِلُ مِنهُنَّ، وقِيلَ: وكَّلَ بِذَلِكَ القَوابِلَ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْنى ﴿ يُذَبِّحُونَ أبْناءَكُمْ ﴾ : يَذْبَحُونَ الرِجالَ، ويُسَمُّونَ أبْناءً لِما كانُوا كَذَلِكَ، واسْتَدَلَّ هَذا القائِلُ بِقَوْلِهِ تَعالى: "نِساءَكُمْ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والصَحِيحُ مِنَ التَأْوِيلِ أنَّ الأبْناءَ هُمُ: الأطْفالُ الذُكُورُ، والنِساءُ هُمُ: الأطْفالُ الإناثُ.

وعَبَّرَ عنهم بِاسْمِ النِساءِ بِالمَآلِ ولِيُذَكِّرْهُنَّ بِالِاسْمِ الَّذِي في وقْتِهِ، يَسْتَخْدِمْنَ ويَمْتَهِنَّ، ونَفْسُ الِاسْتِحْياءِ لَيْسَ بِعَذابٍ، ولَكِنَّ العَذابَ بِسَبَبِهِ وقَعَ الِاسْتِحْياءُ، و"يُذَبِّحُونَ" بَدَلٌ مِن "يَسُومُونَ".

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى جُمْلَةِ الأمْرِ، إذْ هو خَبَرٌ، فَهو كَمُفْرَدٍ حاضِرٍ، و"بَلاءٌ" مَعْناهُ: امْتِحانٌ واخْتِبارٌ، ويَكُونُ "البَلاءُ" في الخَيْرِ والشَرِّ، وقالَ قَوْمٌ: الإشارَةُ بـِ "ذَلِكُمْ" إلى التَنْجِيَةِ، فَيَكُونُ "البَلاءُ" عَلى هَذا في الخَيْرِ الشَرِّ، أيْ: وفي تَنْجِيَتِكم نِعْمَةٌ مِنَ اللهِ عَلَيْكُمْ، وقالَ جُمْهُورُ الناسِ: الإشارَةُ إلى الذَبْحِ ونَحْوِهِ، و"البَلاءُ" هُنا في الشَرِّ، والمَعْنى: وفي الذَبْحِ مَكْرُوهٌ وامْتِحانٌ.

وحَكى الطَبَرِيُّ وغَيْرُهُ في كَيْفِيَّةِ نَجاتِهِمْ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ أُوحِيَ إلَيْهِ أنْ يَسْرِي مِن مِصْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، فَأمَرَهم مُوسى أنْ يَسْتَعِيرُوا الحُلِيَّ والمَتاعَ مِنَ القِبْطِ، وأحَلَّ اللهُ ذَلِكَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، فَسَرى بِهِمْ مُوسى مِن أوَّلِ اللَيْلِ، فَأعْلَمَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: لا يَتْبَعُهم أحَدٌ حَتّى تَصِيحَ الدِيَكَةُ، فَلَمْ يَصِحْ تِلْكَ اللَيْلَةَ بِمِصْرَ دِيكٌ حَتّى أصْبَحَ، وأماتَ اللهُ تِلْكَ اللَيْلَةَ- كَثِيرًا مِن أبْناءِ القِبْطِ، فاشْتَغَلُوا في الدَفْنِ، وخَرَجُوا في الأتْباعِ مُشْرِقِينَ، وذَهَبَ مُوسى إلى ناحِيَةِ البَحْرِ حَتّى بَلَغَهُ، وكانَتْ عِدَّةُ بَنِي إسْرائِيلَ نَيِّفًا عَلى سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، وكانَتْ عِدَّةُ فِرْعَوْنَ ألِفَ ألْفٍ ومِائَتَيْ ألْفٍ.

وحُكِيَ غَيْرُ هَذا مِمّا اخْتَصَرْتُهُ لِقِلَّةِ ثُبُوتِهِ، فَلَمّا لَحِقَ فِرْعَوْنُ مُوسى ظَنَّ بَنُو إسْرائِيلَ أنَّهم غَيْرُ ناجِينَ، فَقالَ يُوشَعُ بْنُ نُونَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ؟

فَقالَ: هَكَذا، وأشارَ إلى البَحْرِ، فَرَكَضَ يُوشَعُ فَرَسَهُ فِيهِ حَتّى بَلَغَ الغَمْرَ ثُمَّ رَجَعَ، فَقالَ لِمُوسى: أيْنَ أُمِرْتَ فَوَ اللهِ ما كَذَبْتَ ولا كَذَبْتَ؟

فَأشارَ إلى البَحْرِ، وأوحى اللهُ تَعالى إلَيْهِ ﴿ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ  ﴾ ، وأوحى إلى البَحْرِ أنِ انْفَرِقْ لِمُوسى إذا ضَرَبَكَ، فَباتَ البَحْرُ تِلْكَ اللَيْلَةَ يَضْطَرِبُ، فَحِينَ أصْبَحَ ضَرَبَ مُوسى البَحْرَ وكَنّاهُ أبا خالِدٍ فانْفَرَقَ، وكانَ ذَلِكَ في يَوْمِ عاشُوراءَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف على قوله: ﴿ نعمتي ﴾ [البقرة: 47] فيُجْعل (إذ) مفعولاً به كما هو في قوله تعالى: ﴿ واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثركم ﴾ [الأعراف: 86] فهو هنا اسم زمان غير ظرف لفعل والتقدير اذكروا وقت نجيناكم، ولما غلبت إضافة أسماء الزمان إلى الجمل وكان معنى الجملة بعدها في معنى المصدر وكان التقدير اذكروا وقت إنجائنا إياكم، وفائدة العدول عن الإتيان بالمصدر الصريح لأن في الإتيان بإذ المقتضية للجملة استحضاراً للتكوين العجيب المستفاد من هيئة الفعل لأن الذهن إذا تصور المصدر لم يتصور إلا معنى الحدث وإذا سمع الجملة الدالة عليه تصور حدوث الفعل وفاعله ومفعوله ومتعلقاته دفعة واحدة فنشأت من ذلك صورة عجيبة، فوزان الإتيان بالمصدر وزان الاستعارة المفردة، وزان الإتيان بالفعل وزان الاستعارة التمثيلية، وليس هو عطفاً على جملة ﴿ اذكروا ﴾ [البقرة: 47] كما وقع في بعض التفاسير لأن ذلك يجعل (إذ) ظرفاً فيطلب متعلقاً وهو ليس بموجود، ولا يفيده حرف العطف لأن العاطف في عطف الجمل لا يفيد سوى التشريك في حكم الجملة المعطوف عليها، وليس نائباً مناب عامل، ولا يريبك الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه أعني ﴿ وإذ نجيناكم ﴾ بجملة ﴿ واتقوا يوماً ﴾ [البقرة: 48] فتظنه ملجأ لاعتبار العطف على الجملة لما علمت فيما تقدم أن قوله: ﴿ واتقوا ﴾ ناشئ عن التذكير فهو من علائق الكلام وليس بأجنبي، على أنه ليس في كلام النحاة ما يقتضي امتناع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالأجنبي فإن المتعاطفين ليسا بمرتبة الاتصال كالعامل والمعمول، وعُدي فعل ﴿ أنجينا ﴾ إلى ضمير المخاطبين مع أن التنجية إنما كانت تنجية أسلافهم لأن تنجية أسلافهم تنجية للخلف فإنه لو بقي أسلافهم في عذاب فرعون لكان ذلك لاحقاً لأخلافهم فذلك كانت منة النتجية منتين: منة على السلف ومنة على الخلف فوجب شكرها على كل جيل منهم ولذلك أوجبت عليهم شريعتهم الاحتفال بما يقابل أيام النعمة عليهم من أيام كل سنة وهي أعيادهم وقد قال الله لموسى: ﴿ وذكرهم بأيام الله ﴾ [إبراهيم: 5].

وآل الرجل أهله.

وأصل آل أهل قلبت هاؤه همزة تخفيفاً ليتوصل بذلك إلى تسهيل الهمزة مداً.

والدليل على أن أصله أهل رجوع الهاء في التصغير إذ قالوا: أهيل ولم يسمع أُويل خلافاً للكسائي.

والأهل والآل يراد به الأقارب والعشيرة والموالي وخاصة الإنسان وأتباعه.

والمراد من آل فرعون وَزَعَته ووكلاؤه، ويختص الآل بالإضافة إلى ذي شأن وشرف دنيوي ممن يعقل فلا يقال آل الجاني ولا آل مكة، ولما كان فرعون في الدنيا عظيماً وكان الخطاب متعلقاً بنجاة دنيوية من عظيم في الدنيا أطلق على أتباعه آل فلا توقف في ذلك حتى يحتاج لتأويله بقصد التهكم كما أول قوله تعالى: ﴿ أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ﴾ [غافر: 46] لأن ذلك حكاية لكلام يقال يوم القيامة وفرعون يومئذ محقر، هلك عنه سلطانه.

فإن قلت: إن كلمة أهل تطلق أيضاً على قرابة ذي الشرف لأنها الاسم المطلق فلماذا لم يؤت بها هنا حتى لا يطلق على آل فرعون ما فيه تنويه بهم؟

قلت: خصوصية لفظ آل هنا أن المقام لتعظيم النعمة وتوفير حق الشكر والنعمة تعظيم بما يحف بها فالنجاة من العذاب وإن كانت نعمة مطلقاً إلا أن كون النجاة من عذاب ذي قدرة ومكانة أعظم لأنه لا يكاد ينفلت منه أحد.

ولا قرار على زأر من الأسد *** وإنما جعلت النجاة من آل فرعون ولم تجعل من فرعون مع أنه الآمر بتعذيب بني إسرائيل تعليقاً للفعل بمن هو من متعلقاته على طريقة الحقيقة العقلية وتنبيهاً على أن هؤلاء الوزعة والمكلفين ببني إسرائيل كانوا يتجاوزون الحد المأمور به في الإعنات على عادة المنفذين فإنهم أقل رحمة وأضيق نفوساً من ولاة الأمور كما قال الراعي يخاطب عبد الملك بن مروان: إن الذين أمرتهم أن يعدلوا *** لم يفعلوا مما أمرت فتيلاً جاء في التاريخ أن مبدأ استقرار بني إسرائيل بمصر كان سببه دخول يوسف عليه السلام في تربية العزيز طيفار كبير شرط فرعون، وكانت مصر منقسمة إلى قسمين مصر العليا الجنوبية المعروفة اليوم بالصعيد لحكم فراعنة من القبط وقاعدتها طيوه، ومصر السفلى وهي الشمالية وقاعدتها منفيس وهي القاعدة الكبرى التي هي مقر الفراعنة وهذه قد تغلب عليها العمالقة من الساميين أبناء عم ثمود وهم الذين يلقبون في التاريخ المصري بالرعاة الرحالين والهكصوص في سنة 3300 أو سنة 1900 قبل المسيح على خلاف ناشئ عن الاختلاف في مدة بقائهم بمصر الذي انتهى سنة 1700 ق م عند ظهور العائلة الثامنة عشرة، فكان يوسف عند رئيس شرط فرعون العمليقي، واسم فرعون يومئذ أبو فيس أو أبيبي وأهل القصص ومن تلقف كلامهم من المفسرين سموه ريّان بن الوليد وهذا من أوهامهم وكان ذلك في حدود سنة 1739 قبل ميلاد المسيح، ثم كانت سكنى بني إسرائيل مصر بسبب تنقل يعقوب وأبنائه إلى مصر حين ظهر أمر يوسف وصار بيده حكم المملكة المصرية السفلى.

وكانت معاشرة الإسرائيليين للمصريين حسنة زمناً طويلاً غير أن الإسرائيليين قد حافظوا على دينهم ولغتهم وعاداتهم فلم يعبدوا آلهة المصريين وسكنوا جميعاً بجهة يقال لها أرض (جاسان) ومكث الإسرائيليون على ذلك نحواً من أربعمائة سنة تغلب في خلالها ملوك المصريين على ملوك العمالقة وطردوهم من مصر حتى ظهرت في مصر العائلة التاسعة عشرة وملك ملوكها جميع البلاد المصرية ونبغ فيهم رعمسيس الثاني الملقب بالأكبر في حدود سنة 1311 قبل المسيح وكان محارباً باسلاً وثارت في وجهه الممالك التي أخضعها أبوه ومنهم الأمم الكائنة بأطراف جزيرة العرب، فحدثت أسباب أو سوء ظنون أوجبت تنكر القبط على الإسرائيليين وكلفوهم أشق الأعمال وسخروهم في خدمة المزارع والمباني وصنع الآجر.

وتقول التوراة إنهم بنوا لفرعون مدينة مخازن (فيثوم) ومدينة (رعمسيس) ثم خشي فرعون أن يكون الإسرائيليون أعواناً لأعدائه عليه فأمر باستئصالهم وكأنه اطلع على مساعدة منهم لأبناء نسبهم من العمالقة والعرب فكان يأمر بقتل أبنائهم وسبي نسائهم وتسخير كبارهم ولا بد أن يكون ذلك لما رأى منهم من التنكر، أو لأن القبط لما أفرطوا في استخدام العبرانيين علم فرعون أنه إن اختلطت جيوشه في حرب لا يسلم من ثورة الإسرائيليين فأمر باستئصالهم.

وأما ما يحكيه القصاصون أن فرعون أخبره كاهن أن ذهاب ملكه يكون على يد فتى من إسرائيل فلا أحسبه صحيحاً إذ يبعد أن يروج مثل هذا على رئيس مملكة فيفنى به فريقاً من رعاياه، اللهم إلا أن يكون الكهنة قد أغروا فرعون باليهود قصداً لتخليص المملكة من الغرباء أو تفرسوا من بني إسرائيل سوء النوايا فابتكروا ذلك الإنباء الكهنوتي لإقناع فرعون، بوجوب الحذر من الإسرائيليين ولعل ذبح الأبناء كان من فعل المصريين استخفافاً باليهود، فكانوا يقتلون اليهودي في الخصام القليل كما أنبأت بذلك آية ﴿ فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه ﴾ [القصص: 15] والحاصل أن التاريخ يفيد على الإجمال أن عداوة عظيمة نشأت بين القبط واليهود آلت إلى أن استأصل القبط الإسرائيليين.

ولقد أبدع القرآن في إجمالها إذ كانت تفاصيل إجمالها كثيرة لا يتعلق غرض التذكير ببيانها.

وجملة: ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ حال من ﴿ آل فرعون ﴾ يحصل بها بيان ما وقع الإنجاء منه وهو العذاب الشديد الذي كان الإسرائيليون يلاقونه من معاملة القبط لهم.

ومعنى ﴿ يسومونكم ﴾ يعاملونكم معاملة المحقوق بما عومل به يقال سامه خسفاً إذا أذله واحتقره فاستعمل سام في معنى أنال وأعطى ولذلك يعدى إلى مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.

وحقيقة سام عرض السوم أي الثمن.

وسوء العذاب أشده وأفظعه وهو عذاب التسخير والإرهاق وتسليط العقاب الشديد بتذبيح الأبناء وسبي النساء والمعنى يذبحون أبناء آبائكم ويستحيون نساء قومكم الأولين.

والمراد من الأبناء قيل أطفال اليهود وقيل: أريد به الرجال بدليل مقابلته بالنساء وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم إذ المظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار، ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال: إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعاً للنسل ويسبون الأمهات استعباداً لهن ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج.

وإبقاء الرجال في مثل هاته الحالة أشد من قتلهم.

أو لعل تقصيراً ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال ومربيات الصغار وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن فكان المستعبِدون لهم إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل.

والاستحياء استفعال يدل على الطلب للحياة أي يبقونهن أحياء أو يطلبون حياتهن.

ووجه ذكره هنا في معرض التذكير بما نالهم من المصائب أن هذا الاستحياء للإناث كان المقصد منه خبيثاً وهو أن يعتدوا على أعراضهن ولا يَجدن بداً من الإجابة بحكم الأسر والاسترقاق فيكون قوله: ﴿ ويستحيون نساءكم ﴾ كناية عن استحياء خاص ولذلك أدخل في الإشارة في قوله: ﴿ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ ولو كان المراد من الاستحياء ظاهره لما كان وجه لعطفه على تلك المصيبة.

وقيل إن الاستحياء من الحياء وهو الفرج أي يفتشون النساء في أرحامهن ليعرفوا هل بهن حمل وهذا بعيد جداً وأحسن منه أن لو قال إنه كناية كما ذكرنا آنفاً.

وقد حكت التوراة أن فرعون أوصى القوابل بقتل كل مولود ذكر.

وجملة: ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ إلخ بيان لجملة ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ فيكون المراد من سوء العذاب هنا خصوص التذبيح وما عطف عليه وهو ﴿ ويستحيون نساءكم ﴾ لما عرفت فكلاهما بيان لسوء العذاب فكان غير ذلك من العذاب لا يعتد به تجاه هذا.

ولك أن تجعل الجملة في موضع بدل البعض تخصيصاً لأعظم أحوال سوء العذاب بالذكر وهذاهو الذي يطابق آية سورة إبراهيم (6) التي ذكر فيها ﴿ ويذبحون أبناءكم بالعطف على سوء العذاب ﴾ وليس قوله ﴿ ويستحيون ﴾ مستأنفاً لإتمام تفصيل صنيع فرعون بل هو من جملة البيان أو البدل للعذاب ويدل لذلك قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿ يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين ﴾ [القصص: 4] فعقب الفعلين بقوله: ﴿ إنه كان من المفسدين ﴾ .

والبلاء الاختبار بالخير والشر قال تعالى: ﴿ وبلوناهم بالحسنات والسيئات ﴾ [الأعراف: 168] وهو مجاز مشهور حقيقته بلاء الثوب بفتح الباء مع المد وبكسرها مع القصر وهو تخلقه وترهله ولما كان الاختبار يوجب الضجر والتعب سمي بلاء كأنه يُخلق النفس، ثم شاع في اختبار الشر لأنه أكثر إعناتاً للنفس، وأشهر استعماله إذا أطلق أن يكون للشر فإذا أرادوا به الخير احتاجوا إلى قرينة أو تصريح كقول زهير: جزى الله بالإحساننِ ما فعلا بكم *** وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو فيطلق غالباً على المصيبة التي تحل بالعبد لأن بها يختبر مقدار الصبر والأناة والمراد هنا المصيبة بدليل قوله ﴿ عظيم ﴾ .

وقيل أراد به الإنجاء والبلاء بمعنى اختبار الشكر وهو بعيد هنا.

وتعلق الإنجاء بالمخاطبين لأن إنجاء سلفهم إنجاء لهم فإنه لو أبقى سلفهم هنالك للحق المخاطبين سوء العذاب وتذبيح الأبناء، أو هو على حذف مضاف أي نجينا آباءكم، أو هو تعبير عن الغائب بضمير الخطاب إما لنكتة استحضار حاله وإما لكون المخاطبين مثالهم وصورتهم فإن ما يثبت من الفضائل لآباء القبيلة يثبت لأعقابهم فالإتيان بضمير المخاطب على خلاف مقتضى الظاهر على حد ما يقال في قوله تعالى: ﴿ إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية ﴾ [الحاقة: 11] فالخطاب ليس بالتفات لأن اعتبار أحوال القبائل يعتبر للخلف ما ثبت منه للسلف.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ يَعْنِي مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وآلُ الرَّجُلِ: هُمُ الَّذِينَ تَؤُولُ أُمُورُهم إلَيْهِ، إمّا في نَسَبٍ، أوْ في صُحْبَةٍ، واخْتُلِفَ في الآلِ والأهْلِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُما سَواءٌ.

والثّانِي: وهو قَوْلُ الكِسائِيِّ: أنَّهُ يُقالُ: آلُ الرَّجُلِ، إذا ذُكِرَ اسْمُهُ، فَإنْ كُنِّيَ عَنْهُ قِيلَ: أهْلُهُ، ولَمْ يُقَلْ: آلُهُ، كَما يُقالُ: أهْلُ العِلْمِ، وأهْلُ البَصْرَةِ، ولا يُقالُ: آلُ العِلْمِ، وآلُ البَصْرَةِ.

وَفِرْعَوْنُ: قِيلَ: إنَّهُ ذَلِكَ الرَّجُلُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: إنَّهُ اسْمُ كُلِّ مَلِكٍ مِن مُلُوكِ العَمالِقَةِ، مِثْلُ قَيْصَرَ لِلرُّومِ، وكِسْرى لِلْفُرْسِ، وأنَّ اسْمَ فِرْعَوْنِ مُوسى: الوَلِيدُ بْنُ مُصْعَبٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مَعْناهُ يُولُونَكُمْ، مِن قَوْلِهِمْ: سامَهُ خُطَّةَ خَسْفٍ، إذا أوْلاهُ.

والثّانِي: يُجَشِّمُونَكُمُ الأعْمالَ الشّاقَّةَ.

والثّالِثُ: يَزِيدُونَكم عَلى سُوءِ العَذابِ، ومِنهُ مُساوَمَةُ البَيْعِ، إنَّما هو أنْ يَزِيدَ البائِعُ المُشْتَرِيَ عَلى ثَمَنٍ، ويَزِيدَ المُشْتَرِي عَلى ثَمَنٍ، وهَذا قَوْلُ المُفَضَّلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ ﴾ أيْ يَسْتَبِقُونَ، وهو اسْتِفْعالٌ مِنَ الحَياةِ، لِأنَّهم كانُوا يُذَبِّحُونَ الذُّكُورَ، ويَسْتَبْقُونَ الإناثَ.

وَأمّا اسْمُ النِّساءِ، فَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الصِّغارِ، والكِبارِ، وقِيلَ: بَلْ يَنْطَلِقُ عَلى الكِبارِ، وإنَّما سَمّى الصِّغارَ نِساءً، عَلى مَعْنى أنَّهُنَّ يُبْقَيْنَ، حَتّى يَصِرْنَ نِساءً.

وَإنَّما كانَ اسْتِبْقاءُ النِّساءِ مِن سُوءِ العَذابِ، لِأنَّهم كانُوا يَسْتَبْقُونَهُنَّ لِلِاسْتِرْقاقِ والخِدْمَةِ، فَصارَ ذَلِكَ هو سُوءَ العَذابِ، لا الِاسْتِبْقاءَ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّ فِيما كانُوا يَفْعَلُونَهُ بِهِمْ: مِن سُوءِ العَذابِ، وذَبْحِ الأبْناءِ، واسْتِحْياءِ النِّساءِ شِدَّةً وجَهْدًا عَظِيمًا.

والثّانِي: أنَّ في إنْجائِهِمْ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، الَّذِينَ كانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِهِمْ نِعْمَةٌ مِن رَبِّهِمْ عَظِيمَةٌ، وهو قَوْلُابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والسُّدِّيِّ.

وَأصْلُ البَلاءِ الِاخْتِبارُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، كَما قالَ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَنَبْلُوكم بِالشَّرِّ والخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ لِأنَّ الِاخْتِبارَ قَدْ يَكُونُ بِالخَيْرِ كَما يَكُونُ بِالشَّرِّ، غَيْرَ أنَّ الأكْثَرَ في الشَّرِّ أنْ يُقالَ: بَلَوْتُهُ أبْلُوهُ بَلاءً، وفي الخَيْرِ: أبْلَيْتُهُ أُبْلِيهِ إبْلاءً، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ: جَزى اللَّهُ بِالإحْسانِ ما فَعَلا بِكم فَأبْلاهُما خَيْرَ البَلاءِ الَّذِي يَبْلُو فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: وإذْ فَصَلْنا بِكُمُ البَحْرَ، لِأنَّ الفَرْقَ: الفَصْلُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، فَفَرَقَ البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ طَرِيقًا، وكانَ عَدَدُهم سِتَّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يُعَدُّ فِيهِمُ ابْنُ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ ولا ابْنُ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وكانَ عَلى مُقَدِّمَةِ فِرْعَوْنَ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ، وسَبْعِمِائَةِ حِصانٍ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ ﴾ ﴿ إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ  ﴾ وهَذا قَوْلُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وإذْ فَرَقْنا بَيْنَكم وبَيْنَ البَحْرِ، أيْ مَيَّزْنا، فَأصْلُ الفَرْقِ التَّمْيِيزُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ، والفِرْقَةُ مِنَ النّاسِ: الطّائِفَةُ المُتَمَيِّزَةُ مِن غَيْرِهِمْ.

والبَحْرُ سُمِّيَ بَحْرًا لِسَعَتِهِ وانْبِساطِهِ، ومِنهُ قَوْلُهُمْ: تَبَحَّرَ في العِلْمِ، إذا اتَّسَعَ فِيهِ، والبَحِيرَةُ: النّاقَةُ تُشَقُّ أُذُنُها شَقًّا واسِعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ ﴾ فَحَذَفَ ذِكْرَ فِرْعَوْنَ وإنْ غَرِقَ مَعَهُمْ، لِأنَّهُ قَدْ عُلِمَ دُخُولُهُ فِيهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْتُمْ تَنْظُرُونَ ﴾ يَعْنِي إلى فَرْقِ البَحْرِ، حَتّى سَلَكُوا فِيهِ، وانْطِباقِهِ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ، حَتّى غَرِقُوا فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال: قالت الكهنة لفرعون: إنه يولد في هذا العام مولود يذهب بملكك.

فجعل فرعون على كل ألف امرأة مائة رجل، وعلى كل مائة عشرة، وعلى كل عشر رجلاً، فقال: انظروا كل امرأة حامل في المدينة، فإذا وضعت حملها ذكراً فاذبحوه، وإن كانت أنثى فخلوا عنها، وذلك قوله: ﴿ يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم...

﴾ الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ يسومونكم سوء العذاب...

﴾ الآية.

قال: إن فرعون ملكهم أربعمائة سنة، فقال له الكهنة: سيولد العلم بمصر غلام يكون هلاكك على يديه.

فبعث في أهل مصر للنساء قوابل، فإذا ولدت امرأة غلاماً أتى به فرعون فقتله ويستحيي الجواري.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ بلاء من ربكم عظيم ﴾ يقوله: نعمة.

وأخرج وكيع عن مجاهد في قوله: ﴿ وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ﴾ قال: نعمة من ربكم عظيمة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ الآية.

(نجيناكم): أصله على النجوة، وهي ما ارتفع واتسع من الأرض، ثم يسمى (١) ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ  ﴾ ، أي نلقيك على نجوة (٢) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ (٣) (٤) (٥) (٦) (٧) سأَحْمِلُ نَفْسِي عَلَى آلَةٍ ...

فَإِمَّا عَلَيْهَا وَإِمَّا لَهَا (٨) لأنها تنقلب فتعود تارة إلى إنسان وتذهب تارة، هذا معنى الآل في اللغة.

ثم شبه بآل الرجل أشياء تسمى بهذا الاسم وإن لم فيه معنى الأول، كعمد الخيمة (٩) (١٠) (١١) تَعَلَّمْتُ با جاد (١٢) (١٣) ومرامر رجل وضع الهجاء، فسمى حروف الهجاء آل مرامر.

ويقال للحواميم آل حم، ومنه قول الكميت: وَجَدْنَا لَكُمْ فِي آلِ (١٤) (١٥) (١٦) فعلى قول هؤلاء (١٧) (١٨) وقال أبو الفتح الموصلي (آل) (١٩) (٢٠) فالألف في (آل) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ ، وكذلك ما أنشده أبو العباس للفرزدق: نَجَوْتَ وَلَمْ يَمْنُنْ عَلَيْكَ (٢٥) (٢٦) (٢٧) لأن أعوج فيهم فرس (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وهذا الذي ذكره أبو الفتح مذهب البصريين، ويقولون في التصغير: (أُهَيْل) (٣٥) فمعنى (آل فرعون) أتباعه وأهل دينه (٣٦) (وفرعون) اسم لملوك العمالقة، كما يقال لملك الروم: (قيصر)، ولملك الفرس: (كسرى) ولملك الترك (خاقان) (٣٧) وقال بعض أهل اللغة: فرعون بلغة القبط، وهو التمساح (٣٨) (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ يَسُومُونَكُمْ ﴾ .

(السوم) أن تُجشّم (٤٠) (٤١) وقال شمر: ساموهم سوء العذاب، أي: أرادوهم به.

وقيل: عرضوا عليهم من السوم الذي هو عرض السلعة على البيع (٤٢) وقال أبو عبيدة: يسومونكم: يولونكم، يقال: سُمْته الذل، أي: أوليته إياه (٤٣) و ﴿ سُوءَ العَذَابِ ﴾ : ما ساءهم، والسوء اسم جامع للآفات والدواء (٤٤) والزجاج وغيره: سوء العذاب: شديد العذاب (٤٥) ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَائَكُمْ ﴾ .

وأصل الذبح في اللغة: الشق (٤٦) فَأْرَةَ مِسْكٍ ذُبِحتْ فِي سُكِّ (٤٧) وقال الهذلي (٤٨) (٤٩) (٥٠) أي: مشقوق.

والذُبَاح والذُّبَّاح بالتخفيف والتشديد تشقق (٥١) (٥٢) ومن هذا سمى الكوكب: (سعدٌ الذَّابح)، لأنه يطلع في وقت يحدث فيه الشقاق في الرجل لأجل البرد (٥٣) (٥٤) و (الأبناء) جمع ابن.

قال الزجاج: وأصله: بَنَا (٥٥) (٥٦) قال: فالذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بَنا) والذين قالوا: (أبناء) كأنه جمع (بِنْوُ)، مثل: حِنْو وأحناء وقِنْو وأقناء (٥٧) قال أبو علي (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) (٦٢) (٦٣) فأما العين فالدليل على أنها مفتوحة أيضا قولهم في جمعه (أبناء) (٦٤) (٦٥) وليس يجب أن يعدل بالشيء عن أصله وبابه حتى يقوم دليل يسوغ ذلك، ولم نعلم شيئا دل على أن العين ساكنة من (ابن) وعلمنا أنه ينبغي أن تكون متحركة لقولهم: (أَفْعَال) (٦٦) ولا دلالة في قولهم: (بنت) على أن (ابنا) وزنه (فِعْل) لأن (بنتا) من (ابن) ليست كصعبة من صعب، فيحكم بأن (الفاء) من ابن مكسورة كما كان (٦٧) (٦٨) فأما بنات في جمع بنت فهو مما يدل على ما قلنا من أصل الفاء من (ابن) الفتح، وَرُدَّ في الجمع إلى أصل بناء المذكر، كما رد (أخت) إلى أصل بناء المذكر، فقيل: أخوات، لأن أصل المذكر من كل واحد منهما (فَعَل)، فكما ردوا الحرف الأصلي في جمع (الأخت) وهو الواو فقالوا: (أخوات)، كذلك ردت الحركة التي كانت في أصل بناء المذكر في (ابن)، وقالوا: بنات (٦٩) قال أبو علي: والمحذوف من (ابن) (الواو) دون (الياء) (٧٠) (٧١) (٧٢) وليس في (الابن) (٧٣) (٧٤) والمحذوف من (أخت) الواو لقولهم: (إخوة) (٧٥) وأيضًا فإن التاء في (بنت) ليست علامة للتأنيث (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) ونذكر الكلام في (كلتا) إذا انتهينا إليه إن شاء الله.

فإن قيل: لو كان الأمر على ما قلتم، لقيل في جمع الأخت والبنت: أختات وبنتات، فلما حذفوا التاء في الجمع دل أنها للتأنيث، وكذلك حذفهم إياها عند النسبة إليها يدل على أنها للتأنيث، كما قالوا: طلحات وطلحي.

قلنا: هذا البناء الذي وقع [إلحاق] (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) وتعقب أبو الفتح هذه المسألة (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) (٨٩) وعلامة التأنيث في الأخت والبنت صيغتهما (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) (٩٤) (٩٥) (٩٦) قال أبو إسحاق: والأخفش يختار أن يكون المحذوف من ابن (الواو).

قال (٩٧) (٩٨) (٩٩) (١٠٠) وأبو علي ينكر أن يكون المحذوف الياء دون الواو (١٠١) (١٠٢) قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَائَكُمْ ﴾ .

(يستحيون) يستفعلون من الحياة، ومعناه: يَسْتَبْقُونهن (١٠٣) (١٠٤)  : "اقتلوا شيوخ المشركين واستحيوا شرخهم" (١٠٥) واسم النساء يقع على الكبار والصغار، وذلك أنهم كانوا يستبقون البنات (١٠٦) وقيل: سمى البنات نساء على تقدير أنهن يكن نساء، وقيل: جمع الكبار والصغار بلفظ النساء، لأنهم كانوا يستبقون جميع (١٠٧) (١٠٨) قيل: إن استحياء النساء على ما كانوا يعملون بهن أشد في المحنة من قتلهن، لأنهن يستعبدن وينكحن على الاسترقاق، والاستبقاء للإذلال استبقاء محنة (١٠٩) قوله تعالى: ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ .

البلاء: اسم ممدود من البلو، وهو الاختبار والتجربة (١١٠) (١١١) قال أبو الهيثم: البلاء يكون حسنا ويكون سيئا، وأصله: المحنة، والله عز وجل يبلو عباده بالصنيع الحسن، ليمتحن شكرهم عليه، ويبلوهم بالبلوى الذي يكرهون، ليمتحن صبرهم، فقيل للحسن: بلاء، وللسيئ: بلاء (١١٢) ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ﴾ (١١٣) (١١٤) قال زهير: (١١٥) جَزى اللهُ بِالْإِحْسَانِ مَا فَعَلاَ بِكُم ...

وَأَبلاَهُمَا خَيْرَ البَلاَءِ الذي يَبْلُو (١١٦) أي: صنع بهما خير الصنيع الذي يبلو به عباده (١١٧) قال الليث: ويقال من الشر أيضا يُبْلِيه إِبْلاَء (١١٨) والذي في هذه الآية يحتمل الوجيهن، فإن حملته على الشدة، كان معناه: في أستحياء البنات للخدمة وذبح البنين بلاء ومحنة (١١٩) (١٢٠) وإن حملته على النعمة، كان المعنى: وفي (١٢١) (١٢٢) ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ  ﴾ .

(١) في (ب): (سمى).

(٢) "تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، انظر: "تهذيب اللغة" (نجا) 4/ 3510، و"تفسير القرطبي" 1/ 325.

(٣) في (ب): (وقوله: لال (اختلف ..).

(٤) في (أ)، (ج): (وأصله) بزيادة واو، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصح في السياق.

(٥) (من) مكررة في (ج).

(٦) انظر: "التهذيب" (آل) 1/ 185، "مقاييس اللغة" (أَوَل) 1/ 159 - 161، "نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر" ص 122، "اللسان" 1/ 175.

(٧) في (ج): (الخنسى الخنسا).

والخنساء هي: تُماضر: بضم التاء وكسر الضاد، بنت عمرو بن الشريد بن سليم، قدمت على الرسول  مع قومها من بني سليم، وأسلمت معهم.

شاعرة مشهور، استحسن النبي  شعرها، وانظر ترجمتها في "الشعر والشعراء" ص213، "الإصابة" 4/ 287.

(٨) من قصيدة من غرر مراثيها في أخيها معاوية، وقيل: في رثاء صخر، وقولها: على آلة: على حالة وعلى خطة، فإما ظفرت وإما هلكت، انظر: "شرح ديوان الخنساء" ص 84، "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 162.

(٩) انظر: "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، "اللسان" (أول) 1/ 174 - 175.

(١٠) في (أ)، (ج): (الوجه) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في كتب اللغة.

قال ابن فارس: آل البعير ألواحه وما أشرف من أقطار جسمه "مقاييس اللغة" (أول) 1/ 161، وانظر: "اللسان" (أول) 1/ 173.

(١١) (الواو) ساقطة من (ب).

(١٢) كذا في جميع النسخ، ومثله في "معاني القرآن" للفراء1/ 369، وفي "اللسان" (باجادا) 7/ 4178.

(١٣) مرامر بن مرة رجل من طيئ، قيل: إنه أول من وضع الهجاء، وآل: حروف الهجاء، لأنه شهر بها أو لأنه سمى أولاد الثمانية بأسماء جملها.

ذكر البيت الفراء في "معاني القرآن"، وقال: أنشدني الحارثي 1/ 369، وهو في "اللسان" (مرر) 7/ 4178.

(١٤) كذا في جميع النسخ، وفي بعض المصادر، (حميم).

(١٥) في (ب): (بأولها) والرواية المشهورة للبيت (تأولها).

(١٦) البيت في ذكر بني هاشم، وكان الكميت متشيعا، يقول: وجدنا في سور (آل حميم) وهي التي أولها (حم) والآية: ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى  ﴾ ، يقول: من تأول هذه الآية لم يسعه إلا التشيع لآل البيت، على تقية، أو على غير تقية، والمعرب: المعلن لما في نفسه، انظر: "الكتاب" 3/ 257، "المقتضب" 1/ 238، 3/ 356، "الحجة" لابن خالوية ص312، "تهذيب اللغة" (عرب) 3/ 2379، (طسن) 3/ 2192، "المخصص" 17/ 37، "اللسان": (عرب) 5/ 2865، (حمم) 2/ 1006، ولم أجده في شعر الكميت.

(١٧) أي: على قول الذين قالوا: أصله (من آل يؤول أولاً) من الرجوع.

(١٨) "تهذيب اللغة" (آل) 15/ 438، "المشكل" لمكي 1/ 46، و"الدر المصون" 1/ 341.

(١٩) في (ب): (ان).

أخذ كلام أبي الفتح من "سر صناعة الأعراب" 1/ 101.

(٢٠) في (ب): (هيرت الثوب وايرته).

قوله.

(هنرت الثوب وأنزته وإياك وهياك) وردت في "سر صناعة الأعراب" 2/ 551 عند كلامه عن إبدال الهاء من الهمزة ومعنى (هنرت الثوب): جعلت له علما، ثم قلبوا الهاء همزة فقالوا: أنرت الثوب.

انظر: "تهذيب اللغة" (آل) 15/ 438، "البيان" 1/ 37.

(٢١) في (ج): (الال).

(٢٢) (بدل من) ساقط من (ب).

(٢٣) الألف في (آل) بدل من الهمزة، والهمزة بدل من الهاء والهاء أصل.

انظر "سر صناعة الأعراب" 1/ 101.

وذهب أبو جعفر النحاس إلى أن (الألف) في (آل) بدل من الهاء مباشرة، انظر: "إعراب القرآن" 1/ 172 - 1732.

(٢٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 265، و"تفسير الطبري" 1/ 37.

(٢٥) في (ب): (ومن يمن على).

(٢٦) في (ب) (زبد).

(٢٧) في "الديوان": (خرجت) بدل (نجوت) ومعنى (الرَّبِذ): المشي الخفيف، (التقريب): ضرب من السير يقارب فيه الخطو، (أعوج): فرس مشهور.

ورد البيت في "سر صناعة الأعراب" 1/ 102، "ديوان الفرزدق" 1/ 117.

(٢٨) في (ب): (فرش).

(٢٩) (الإسكاف) نوع من الصناع، واسم لموضعين بنواحي النهروان من عمل بغداد.

انظر: "القاموس" (سكف) ص 820، "معجم البلدان" 1/ 181.

(٣٠) قال أبو الفتح (..

فجرت في ذلك مجرى التاء في القسم، لأنها بدل من الواو فيه، والواو بدل من الباء ..) "سر صناعة الأعراب" 1/ 102.

(٣١) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).

(٣٢) في (ب): (فقياس).

(٣٣) ذكر أبو الفتح قلب الهاء همزة في "سر صناعة الأعراب" 2/ 551، ونقل الواحدي عنه بعض الجمل في هذا الموضع.

(٣٤) هذا آخر ما نقله المؤلف عن أبي الفتح بتصرف، "سر صناعة الأعراب" 1/ 100 - 102 والخلاصة أن في (آل) ثلاثة أقوال: 1 - أصله (أهل) أبدلت الهاء همزة، ثم أبدلت الهمزة ألفًا.

== 2 - أصله: (أهل) ثم قلبت الهاء ألفا من دون قلبها همزة وهو قول النحاس كما سبق.

3 - وقيل: أصله: (أأول) من (آل يؤل).

انظر "البيان" 1/ 81، "الإملاء" 1/ 35، "الدر المصون" 1/ 341.

(٣٥) وقيل: يصغر على (أُوَيْل) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "سر صناعة الأعراب" 1/ 105، "تهذيب اللغة" 15/ 438، "البيان" 1/ 81.

(٣٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100.

(٣٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 270، "الكشاف" 1/ 279، "القرطبي" 1/ 327.

(٣٨) انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2777، (الرباعي من حرف العين)، قال السهيلي عن المسعودي ولا يعرف له تفسير بالعربية.

"التعريف والأعلام" ص 21، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 327.

(٣٩) انظر: "الصحاح" (فرعن) 6/ 2177، "الكشاف" 1/ 279.

(٤٠) في (ج): (شجبتم).

(٤١) ذكره الأزهري عن الليث، وفيه (..

أو سوءا ..) "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2158.

(٤٢) "تهذيب اللغة" (سام) 2/ 1600، "اللسان" (سوم) 4/ 2157.

(٤٣) "مجاز القرآن" 1/ 40، "تفسير الغريب" لابن قتيبة ص 48.

(٤٤) ذكره الأزهري عن الليث.

"التهذيب" (ساء) 2/ 1583، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 271.

(٤٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 100، وانظر: "تفسير الثعلبي" 1/ 70 أ، و"تفسير أبي الليث" 1/ 117، و"العمدة في غريب القرآن" لمكي ص 75.

قال الطبري: وقد قال بعضهم: أشد العذاب، ولو كان ذلك معناه لقيل أسوأ العذاب.

"الطبري" 1/ 271.

(٤٦) "تهذيب اللغة" (ذبح) 2/ 1267، "اللسان" (ذبح) 3/ 1488.

(٤٧) بيت من الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، وقبله: كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا وَالْفَكِّ يصف طيب رائحة فم امرأة.

و (الفك): عظم الحنك.

(فأرة المسك): الأناء الذي يكون به المسك شبه بالفأرة، (ذبحت): شقت.

(في سك): نوع من الطيب.

ورد في "التهذيب" (ذبح) 2/ 1268، "المخصص" 11/ 200، 13/ 39، "اللسان" (ذبح) 3/ 1486، "شرح المفصل" 4/ 138، 8/ 91، "الخزانة" 7/ 468.

(٤٨) هو أبو ذؤيب.

(٤٩) في جميع النسخ: (مستجراً) بالسين، و (فيه) والتصحيح من مصادر التخريج.

(٥٠) (الخلي): الذي ليس به هم.

و (المشتجر): الذي قد شجر نفسه ووضع يده تحت خده ورأسه لا ينام من الهم، و (الشجر): ملتقى اللحيين، و (الصاب): شجر يخرج منه سائل مثل اللبن، إذا أصاب (العين) أحرقها، (مذبوح): مشقوق.

انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 120، "تهذيب اللغة" (ذبح) 2/ 1268، "اللسان" (ذبح) 3/ 1488، "شرح المفصل" 10/ 124، "الخزانة" 3/ 143.

(٥١) في (أ): (تشق) و (ج): (شق)، وأثبت ما في (ب)، لأنه أصوب، وموافق لما في "تهذيب اللغة".

(٥٢) انظر: "التهذيب" (ذبح) 2/ 1268، "اللسان" (ذبح) 3/ 1487.

(٥٣) في "التهذيب": (سمي ذابحًا لأن بحذائه كوكبًا صغيرًا كأنه قد ذبحه) 2/ 1269، "الصحاح" (ذبح) 2/ 44.

(٥٤) انظر "اللسان" (ذبح) 3/ 1485.

(٥٥) في "معاني القرآن" للزجاج: (والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو ..) 1/ 101.

وفي "القاموس": أصله: (بَنَى أو بَنَوٌ) "القاموس" (بنى) ص 1264.

(٥٦) كذا ورد في (أ)، (ج)، وفي (ب): (وقال الزجاج: وأصله.

بنا أو بنو فهو يصلح أن يكون فعل)، ويصلح أن يكون أصله بنو ...).

ونص كلام الزجاج في (المعاني): (و (أبناءكم) جمع ابن، والأصل كأنه إنما جمع بني وبنو، ويقال: ابن بين البنوة، فهي تصلح أن تكون (فَعَل) و (فِعْل) كأن أصله بِناية، والذين قالوا: (بنون) كأنهم جمعوا (بنا) وبنون، فأبناء جمع (فَعَل) و (فِعْل) ..) 1/ 101.

وقال الأزهري في "تهذيب اللغة": (وقال الزجاج (ابن) كان في الأصل: (بِنوٌ) أو (بَنَوٌ) ..

ويحتمل أن يكون أصله: (بَنَيَا) ..) "تهذيب اللغة" (بنى) 1/ 396، وانظر: "الإغفال" ص 187، "المخصص" 13/ 192.

وفي "الأشموني مع الصبان": أما ابن فأصله: بَنَوٌ، كقلم حذفت لامه تخفيفًا وسكن أوله وأتي بالهمز توصلًا وتعويضًا، ودليل فتح فائه قولهم في جمعه: بَنُون، وفي النسب: بَنَوِي بفتحها فيهما ..

ودليل كون لامه (واوا) لا (ياء) ثلاثة أمور: أحدها: أن الغالب على ما حذف لامه الواو لا الياء.

ثانيها: أنهم قالوا في مؤنثه: بنت فأبدلوها (التاء) من اللام، وإبدال التاء من الواو أكثر من إبدالها من الياء.

ثالثها: قولهم: البنوة.

ونقل ابن الشجري في "أماليه" أن بعضهم ذهب إلى أن المحذوف (ياء) واشتقه من بنى بامرأته يبني، لأن الابن مسبب عن بناء الأب بالأم.

وهذا يدل على أن (الابن) لامه (ياء) ..

وأجاز الزجاج الوجهين.

انظر: "الأشموني مع حاشية الصبان" 4/ 275.

(٥٧) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 101، نقل كلامه بتصرف، انظر التعليق السابق.

(٥٨) "الإغفال" ص 189، نقل الواحدي عنه طويلا، وكلام أبي علي نقله ابن سيده في "المخصص" 13/ 192.

(٥٩) في (ب)، (ج): (تفتح)، وفي (الحاشية) في (ج): (يفتح) ص 189.

(٦٠) (فعل) ساقط من (ج).

(٦١) (فعل) ساقط من (أ)، (ج) وأثبتهما كما في (ب)، والأمثلة بعدها تدل على ثبوتها، ولم ترد هذه الأوزان في كلام أبي علي وإنما ذكر بعضها قال: (..

لزمه أن يجيز في بنائه: (فعلا) و (فعلا) وغير ذلك ..) "الإغفال" ص 189.

(٦٢) البرد، بالضم: ثوب مخطط، جمعه أَبْراد، وأَبْردُ.

"القاموس المحيط" (برد) ص 267.

(٦٣) القَتَبَ، والقِتْبُ: إكاف البعير.

"اللسان" (قتب) 3/ 2881.

(٦٤) على وزن (أَفْعَال).

(٦٥) في (ب): (الفعل).

(٦٦) اختصر بعض كلام أبي علي، انظر: "الإغفال" ص 191.

(٦٧) في (ب): (أن).

(٦٨) النِّكْس: السهم الضعيف، الذي يَنْكَّس، أو ينكسر فُوقُه فيجعل أعلاه أسفله، والنِّكسْ الرجل الضعيف، وأصله المنِّكسْ من السهام.

"اللسان" (نكس) 8/ 4541.

(٦٩) "الإغفال" ص193 - 195.

(بتصرف واختصار)، وانظر: "المخصص" 13/ 193.

(٧٠) في "الإغفال": (فأما قوله -أي الزجاج- في اللام المحذوفة من (ابن) إنه يحتمل عنده أن يكون واوًا أو ياءً، وأنهما عنده متساويان في الحذف، فليس الأمر -عندي- كما قال، والمحذوف (الواو) دون (الياء) ..) "الإغفال" ص 195، وانظر "المخصص" 13/ 195.

(٧١) في (ب): (والجمع).

(٧٢) (واو) ساقطة من (ب).

(٧٣) في (ب): (بن).

(٧٤) في "الإغفال" (فُعْل) ص 196، وفي "المخصص" (قُفل) 13/ 195.

(٧٥) استدل بجمع التكسير على أن المحذوف من (أخت) واو.

(٧٦) في "الإغفال": (وهذه التاء لا تخلو من أن تكون بدلا من لام الفعل، أو علامة للتأنيث، فلو كانت علامة للتأنيث لا نفتح ما قبلها ..) ص 197.

(٧٧) في (ب): (يفتح).

(٧٨) الأصل فيهما (كِلْوَا) انظر: "صناعة الإعراب" 1/ 149.

(٧٩) انظر: "الكتاب" 3/ 364، وانظر: "الإغفال" ص 198، "المخصص" 13/ 195، 196.

(٨٠) في (أ): (الحاق) بدون إعجام، وفي ب، ج (الحاو) وفي "الإغفال" (والجواب أن هذه التاء للإلحاق كما قلنا، والدليل ما قدمنا، وإنما حذف في الإضافة وهذا الضرب من الجمع لأن هذا البناء الذي وقع الإلحاق فيه، وإنما وقع في بناء المؤنث دون المذكر ..) ص 199، "المخصص" 13/ 196.

(٨١) في (ج): (التاء).

(٨٢) في "الإغفال": (علامات) ص 199، "المخصص" 13/ 196.

(٨٣) في "الإغفال": (غير) ص 199، ومثله في "المخصص" 13/ 196 (٨٤) في (ب): (إذا).

(٨٥) تكلم أبو الفتح ابن جني عن هذه المسألة في كتاب "سر صناعة الأعراب" أثناء كلامه عن إبدال التاء من الواو، وقد تصرف الواحدي في كلامه واستل منه ما يناسب هذا المبحث.

انظر: "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.

(٨٦) في (ب): (ووزنها).

هكذا ورد في جميع النسخ، وفيه غموض، والنص في "سر صناعة الأعراب" (..

فنقلوا أخوة وبنوة، ووزنهما (فَعَلٌ) إلى (فُعْل) و (فِعْل) ..) "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.

(٨٧) في (ب): (المبدلة).

(٨٨) في (ب): (لامها) وهو الثابت في صلب "سر صناعة الأعراب"، وفي الحاشية (ب) (لامهما) "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.

(٨٩) انظر: "الكتاب" 3/ 221، 361 - 364، "سر صناعة الأعراب" 1/ 149.

(٩٠) هذا جواب سؤال أثاره أبو الفتح قال: (فإن قيل: فما علامة التأنيث في أخت وبنت؟) فأجاب عنه بما نقله الواحدي هنا.

انظر: "سر صناعة الأعراب" 1/ 150.

(٩١) قوله: (لأنه لم يوجد في هذين وفي كلتا) ليس من كلام أبي الفتح في "سر صناعة الأعراب" 1/ 150.

(٩٢) في "سر صناعة الإعراب" (إقامتهم إياه مقام ..) 1/ 150.

(٩٣) في (ب): (ما في).

(٩٤) في "سر صناعة الإعراب": (وليس بنت من ابن كصعبة من صعب ..) "سر صناعة الإعراب" 1/ 150.

(٩٥) كذا في جميع النسخ، وفي "سر صناعة الإعراب" (أن أخا وابنا) وفي الحاشية: (في ش: أن أخ وابن) 1/ 150.

(٩٦) "الكتاب" 3/ 363، "سر صناعة الإعراب" 1/ 150.

(٩٧) أي أبو إسحاق.

(٩٨) في (أ) ، (ج): (البنُو) وأثبت ما في (ب) لأنه موافق لما في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 102.

(٩٩) (والواو) ساقطة من (ب).

(١٠٠) في "معاني للزجاج": (الواو) أو (الياء) 1/ 102.

(١٠١) قال أبو علي: (ما أعلم الأخفش نص على هذه المسألة، أن الاختيار عنده أن يكون (الواو)، وأنه يجيز أن المحذوف الياء ..) "الإغفال" ص 202 - 203.

(١٠٢) انظر ما سبق في أول تفسير الفاتحة.

(١٠٣) في (ب): (يستبقوهن).

(١٠٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 372، و"الثعلبي" 1/ 70 ب، "زاد المسير" 1/ 78، وذكر الطبري عن أبي العالية وضعفه: (يستحيون) يسترقون.

"الطبري" 1/ 372.

(١٠٥) أخرجه أبو داود عن سمرة بن جندب، وفيه (استبقوا) بدل (استحيوا) انظر: "سنن أبي داود" 2670 كتاب (الجهاد)، باب (في قتل النساء)، والترمذي (1583) أبواب (السير) باب (ما جاء في النزول عن الحكم) وفيه: الشرخ: الغلمان الذين لم ينبتوا.

قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.

عارضه الأحوزي وأخرجه أحمد في "مسنده" 5/ 12، 20.

ورمز السيوطي له بالصحة في "الجامع الصغير".

انظر: "فيض القدير شرح الجامع" 2/ 76.

(١٠٦) في (ب): (جميع البنات).

(١٠٧) (جميع) ساقط من (ب).

(١٠٨) واختار هذا الوجه ابن جرير في "تفسيره" 1/ 274، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 286، " القرطبي" 1/ 330، "البحر" 1/ 164.

(١٠٩) انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 286، "زاد المسير" 1/ 78، "الرازي" 1/ 68، "البحر" 1/ 19.

(١١٠) انظر: "التهذيب" (بلا) 1/ 379، "اللسان" (بلا) 1/ 355.

(١١١) ذكره الأزهري عن الأصمعي.

"التهذيب" (بلا) 1/ 379.

(١١٢) ذكره الهروي عن أبي الهيثم، ولفظه: (يبلو عبده) بلفظ المفرد "الغريبين" 1/ 209، 210، وذكره القرطبي في "تفسيره" عن الهروي 1/ 330.

(١١٣) (الواو) ساقطة من (ب) (١١٤) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 275، "الصحاح" (بلا) 6/ 2285.

(١١٥) في (ج): (زهير بن جناب).

(١١٦) من قصيدة لزهير يمدح سناد بن أبي حارثة ويروى بالديوان (رأى الله) ورد البيت في: "معانى القرآن" للزجاج 1/ 102، "التهذيب" (بلا) 1/ 379، "الصحاح" (بلا) 6/ 2285، "اللسان" (بلا) 1/ 355، "الخصائص" 1/ 137، و"القرطبي" 1/ 330، و"الرازي" 3/ 70، و"ابن كثير" 1/ 96، "الدر المصون" 1/ 348، "فتح القدير" 1/ 131، "شرح ديوان زهير" ص 109.

(١١٧) "تهذيب اللغة" (بلا) 1/ 379.

(١١٨) في "تهذيب اللغة" عن الليث: (الله يبلى العبد بلاءً حسنًا، ويبليه بلاءً سيئًا، (بلا) 1/ 379، قال الطبري: الأكثر في الشر أن يقال: (بلوته أبلوه بلاء) وفي الخير: (أَبْلَيْته أُبْلِيه إِبْلاَءً وبَلاَءً).

(١١٩) ذكره أبو الليث في "تفسيره" 1/ 117، وابن الأنباري في "الزاهر" 1/ 348، و"الثعلبي" 1/ 70 ب، و"الكشاف" 1/ 279، و"البغوي" 1/ 91، "زاد المسير" 1/ 78، و"الرازي" 3/ 70، و"القرطبي" 1/ 330، ونسبة للجمهور، و"ابن كثير" 1/ 97، و"البيضاوي" 1/ 25، و"النسفي" 1/ 43، و"الخازن" 1/ 121.

(١٢٠) أخرج الطبري في "تفسيره" بسنده عن عكرمة عن ابن عباس نحوه 1/ 272، ولم أجده من طريق عطاء والكلبي.

(١٢١) (الواو) ساقطة من (ب).

(١٢٢) ذكره ابن جرير بسنده عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وعن السدي، وعن مجاهد، وعن ابن جريح.

"تفسير الطبري" 2/ 274، و"ابن أبي حاتم" 1/ 106، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 102، وابن قتيبة في "الغريب" ص 40، ورجح هذا القول الرازي في "تفسيره" 3/ 70.

انظر: "تفسير القرطبي" 1/ 330، و"ابن كثير" 1/ 96.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَإِذْ نجيناكم ﴾ تقديره: اذكروا إذ نجيناكم أي: نجينا آباءكم، وجاء الخطاب للمعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم ذرّيتهم وعلى دينهم ومتبعون لهم، فحكمهم كحكمهم، وكذلك فيما بعد هذا من تعداد النعم، لأن الإنعام على الآباء إنعام على الأبناء، ومن ذكر مساويهم لأنّ ذرّيتهم راضون بها ﴿ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ المراد من فرعون وآله، وحذف لدلالة المعنى، وآل فرعون هم جنوده وأشياعه وآل دينه لا قرابته خاصة، ويقال إنّ اسمه الوليد بن مصعب، وهو من ذرّية عمليق، ويقال فرعون لكل من ولي مصر، وأصل آل: ثم هل أبدلت من الهاء همزة وأبدل من الهمزة ألف.

فائدة: كل ما ذكره في هذه الصور من الأخبار معجزات للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أخبر بها من غير تعلم.

﴿ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب ﴾ أي يلزمونهم به، وهو استعارة من السوم في البيع، وفسر سوء العذاب بقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ ولذلك لم يعطفه هنا، وأما حيث عطفه في سورة إبراهيم فيحتمل أن يراد بسوء العذاب غير ذلك؛ بل فيكون عطف مغايرة، أو أراد به ذلك، وعطف لاختلاف اللفظة، وكان سبب قتل فرعون لأبناء بني إسرائيل، وقيل إنّ آل فرعون تذاكروا وعد الله لإبراهيم؛ بأن يجعل في ذرّيته ملوكاً وأنبياء فحسدوهم على ذلك، وروي أنه وكل بالنساء رجالاً يحفظون من تحمل منهنّ، وقيل: بل وكَّل على ذلك القوابل، ولأجل هذا قيل معنى يستحيون: يفتشون الحياة ضدّ الموت ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ البحر ﴾ فصلناه وجعلناه فرقاً اثني عشر طريقاً، على عدد الأسباط، والباء سببية أو للمصاحبة، والبحر المذكور هنا: هو بحر القُلْزُم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ سوء العذاب ﴾ و ﴿ سوء الحساب ﴾ بغير همز حيث وقعتا مفتوحتين: الأصبهاني عن ورش.

﴿ وعدنا ﴾ حيث كان أبو عمرو وسهل ويعقوب ويزيد.

﴿ موسى ﴾ بالإمالة المفرطة كل القرآن: حمزة وعلي وخلف وعن أبي عمرو وجهان: إن جعلته "فعلى" فبالإمالة بين الفتح والكسر، وإن جعلته على "مفعل" فبالفتح لا غير ﴿ ثم اتخذتم ﴾ وبابه بالإظهار: ابن كثير وحفص والمفضل والأعشى والبرجمي.

﴿ والفرقان لعلكم ﴾ مدغماً: عباس، وكذلك يدغم إذا كان قبل النون حرف من حروف المد واللين وهي الواو والمضموم ما قبلها مثل ﴿ وتكون لكما الكبرياء ﴾ والياء المكسور ما قبلها مثل ﴿ ميثاق النبيين لما ﴾ والألف المفتوح ما قبلها مثل ﴿ وما كان لمؤمن ﴾ وما أشبه ذلك.

الوقوف: ﴿ نساءكم ﴾ (ط) ﴿ عظيم ﴾ (ه) ﴿ تنظرون ﴾ (ه) ﴿ ظالمون ﴾ (ه) ﴿ تشكرون ﴾ (ه) ﴿ تهتدون ﴾ (ه) التفسير: إنه  لما قدّم ذكر النعمة على بني إسرائيل إجمالاً أخذ في تفصيلها واحدة فواحدة ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة كأنه قال: اذكروا نعمتي، واذكروا إذ نجيناكم، وإذ فرقنا، وإذ كان كذا وكذا.

"وإذ" في جميع هذه القصص بمعنى مجرد الوقت مفعول به لـ "اذكروا" وأصل الإنجاء والتنجية التخليص، ومنه النجوة للمكان العالي لأن من صار إليه نجا أي تخلص من أن يعلوه سيل، أو لأن الموضع تخلص مما انحط عنه.

وأصل آل أهل بدليل أهيل وأهال في تحقيره وتكسيره على الأعرف، فأبدلت إلى "أءل" على خلاف القياس، ثم إلى "آل" وجوباً فالألف فيه بدل عن همزة بدل عن هاء.

ولا يستعمل الآل إلا فيمن له خطر.

يقال "آل النبي" "وآل الملك" ولا يقال: آل الحائك.

وإنما يقال أهله، وهكذا لا يقال: آل البلد وآل العلم، وإنما يقال أهلهما.

وعند الكسائي، أصله أول بدليل تصغيره على أويل، كأنهم يؤلون إلى أصل قلبت الواو ألفاً على القياس.

و ﴿ فرعون ﴾ علم لمن ملك العمالقة أولاد عمليق ابن لاوذ بن أرم بن سام بن نوح كقيصر لملك الروم، وكسرى لملك الفرس، وخاقان للترك، وتبع لليمن.

واختلف في اسمه.

فابن جريج: أن اسمه مصعب بن ريان.

وابن إسحق: أنه الوليد بن مصعب.

ولم يكن من الفراعنة أغلظ وأقسى قلباً منه.

وعن وهب بن منبه: أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس وكان من القبط.

وقيل: إن فرعون يوسف هو فرعون موسى.

وضعف إذ كان بين دخول يوسف مصر وبين دخول موسى أكثر من أربعمائة سنة.

وقال محمد بن إسحق: هو غير فرعون يوسف وإن اسم فرعون يوسف ا لريان بن الوليد.

والمراد بآل فرعون أتباعه وأعوانه الذين عزموا على إهلاك بني إسرائيل بأمره.

ولعتوّ الفراعنة اشتقوا "تفرعن" فلان إذا عتا وتجبر.

و ﴿ يسومونكم ﴾ من سامه خسفاً إذا أولاه ظلماً.

قال عمرو بن كلثوم: إذا ما الملك سام الناس خســفـاً *** أبينـا أن نقــر الخســـف فينـــا وأصله من سام السلعة إذا طلبها كأنه بمعنى يبغونكم سوء العذاب ويريدونكم عليه.

والسوء مصدر السيء يقال: أعوذ بالله من سوء الخلق وسوء الفجور يراد قبحهما.

ومعنى سوء العذاب والعذاب كله سيئ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، أو المراد عذاب من غير استحقاق، لأن العذاب بالاستحقاق حسن واختلف في سوء العذاب فابن إسحق: إنه جعلهم خدماً وخولاً وصنفهم في أعماله، فمن بان وحارث وزارع ومن لم يكن ذا عمل وضع عليه جزية يؤديها.

السدي: كان يجعلهم في الأعمال القذرة ككنس الكنيف ونحوه، ولا ريب أن كون الإنسان تحت تصرف الغير كيف شاء لا سيما إذا استعمله في الأعمال الشاقة القذرة من غير أن يأخذه بهم رأفة وإشفاق، من أشدّ العذاب، حتى إن من هذه حاله ربما يتمنى الموت.

سئل حكيم: أي شيء أصعب من الموت؟

فقال: ما يتمنى فيه الموت.

فبين  عظيم نعمته عليهم بأن نجاهم من ذلك، ثم أتبع نعمة أخرى فقال ﴿ يذبحون أبناءكم ﴾ ومعناه هم يقتلون الذكور من أولادكم دون الإناث.

والذي دعاهم إلى ذلك أمور منها: أن ذبح الأبناء يقتضي إفناء الرجال وانقطاع النسل بالآخرة.

ومنها أن هلاك الرجال يقتضي فساد معيشة النساء حتى يتمنين الموت من النكد والضر.

ومنها أن قتل الولد عقيب الحمل والكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب.

ومنها أن الأبناء أحب وأرغب من البنات ولهذا قيل: ســـروران مــالهمـــا ثـــالـــث *** حيـــاة البنيــن ومــوت البنـــات لقول النبي  "دفن البنات من المكرمات" ومنها أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.

قال بعضهم: المراد بالأبناء الرجال ليطابق النساء، إذ النساء اسم للبالغات وهو جمع المرأة من غير لفظها.

قالوا: وإنما كان يأمر بقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج عليه والتجمع لإفساد أمره.

والأكثرون على أن المراد بالأبناء الأطفال لظاهر اللفظ، ولأنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم، ولأنهم كانوا محتاجين إليهم في الأعمال الشاقة، ولأنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى في اليم معنى.

وإنما لم يقل البنات في مقابلة الأبناء لأنهن لما لم يقتلن كن بصدد أن يبلغن، فحسن إطلاق اسم النساء عليهن مثل ﴿ إني أراني أعصر خمراً  ﴾ عن ابن عباس: أنه وقع إلى فرعون وطبقته ما كان الله وعد إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك واتفقت كلمتهم على أعداد رجال معهم الشفار يطوفون في بني إسرائيل فلا يجدون مولوداً ذكراً إلا ذبحوه، فلما رأوا أن كبارهم يموتون، والصغار يذبحون، خافوا فناءهم وأن لا يجدوا من يباشر الأعمال الشاقة، فصاروا يقتلون عاماً دون عام.

وعن السدي: أن فرعون رأى ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى استولت على بيوت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل، فدعا فرعون الكهنة وسألهم عن ذلك فقالوا: يخرج من بيت المقدس من يكون هلاك القبط على يده.

وقيل: إن المنجمين أخبروا فرعون بذلك وعينوا له السنة، فلهذا كان يقتل أبناءهم من تلك السنة.

قيل: والأقرب هو الأول، لأن المستفاد من علم النجوم والتعبير لا يكون أمراً مفصلاً، وإلا قدح ذلك في كون الإخبار عن الغيب معجزاً، بل يكون أمراً جميلاً، والظاهر من حال العاقل أن لا يقدم على هذا الأمر العظيم بسببه (قلت) كون فرعون عاقلاً ممنوع، فإن من شك في أجلى البديهيات وهو أنه ممكن الوجود، فعدّه من العقلاء لا يكون من العقل.

ثم قال ذلك القائل: لعل فرعون كان عارفاً بالله وبصدق الأنبياء إلا أنه كان كافراً كفر الجحود والعناد، أو يقال إنه كان شاكاً متحيراً في دينه وكان يجوّز صدق إبراهيم  ، وأقدم على ذلك الفعل احتياطاً.

(قلت): إذا أخبر الله  عنه بأنه قال ﴿ أنا ربكم الأعلى  ﴾ و ﴿ ما علمت لكم من إله غيري  ﴾ فلا ضرورة بنا إلى تجويز كونه عارفاً بالله وبصدق الأنبياء وجعل كفره كفر جحود ﴿ ومن أصدق من الله قيلا  ﴾ ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور  ﴾ فإن قلت: لم ذكر ﴿ يذبحون ﴾ ههنا بلا "واو"، وفي سورة إبراهيم بواو؟

فالوجه فيه أنه إذا جعل ﴿ يسومونكم سوء العذاب ﴾ مفسراً بقوله ﴿ يذبحون ﴾ فلا حاجة إلى الواو، وإذا جعل ﴿ يسومونكم ﴾ مفسراً بسائر التكاليف الشاقة سوى الذبح، وجعل الذبح شيئاً آخر احتيج إلى الواو.

وإنما جاء ههنا ﴿ يذبحون ﴾ وفي الأعراف ﴿ يقتلون ﴾ بغير واو لأنهما من كلام الله فلم يرد تعداد المحن عليهم.

والذي في إبراهيم من كلام موسى فعدّ المحن عليهم وكان مأموراً بذلك في قوله ﴿ وذكرهم بأيام الله  ﴾ وقال بعضهم: إن معنى يستحيون يفتشون حياء المرأة أي فرجها، هل بها حمل أم لا؟

وفيه تعسف.

والبلاء المحنة إن أشير بذلك إلى صنيع فرعون، والنعمة إن أشير به إلى الإنجاء، والحمل على النعمة أولى لأنها هي التي يحسن إضافتها إلى الرب  ، ولأن موضع الحجة على اليهود إنعام الله  على أسلافهم حيث عاينوا إهلاك من حاول إهلاكهم وإذلال من بالغ في إذلالهم.

وههنا نكتة، وهي أنهم كانوا في نهاية الذل، وخصمهم في غاية الاستيلاء والغلبة، إلا أنهم كانوا محقين وخصومهم مبطلين، فانقلب المحق غالباً والمبطل مغلوباً، فكأنه قيل: لا تغتروا بفقر محمد  وقلة أنصاره في الحال، فإنه سينقلب العز إلى جانبه  ، والذل إلى جانب أعدائه.

وفيه تنبيه على أن الملك بيد الله يؤتيه من يشاء، فليس للإنسان أن يغتر بعز الدنيا وينسى أمر الآخرة.

قال أهل الإشارة: النفس الأمارة وصفاتها الذميمة وأخلاقها الرديئة تسوم الروح الشريف ذبح أبناء الصفات الروحانية الحميدة واستحياء بعض الصفات القلبية لاستخدامهن في الأعمال القذرة الحيوانية ولا ينجيه من ذلك إلا الله  .

قوله ﴿ وإذ فرقنا ﴾ نعمة أخرى في نعمة أي فصلنا بين بعضه وبعض حتى صارت فيه سالك لكم على عدد الأسباط وكانوا اثني عشر.

ومعنى بكم أنهم كانوا يسلكونه ويتفرق الماء كما يفرق بين الشيئين بما يوسط بينهما، أو يراد فرقناه بسبب إنجائكم، أو يكون حالاً أي ملتبساً بكم.

روي أنه  لما أراد غرق فرعون والقبط وبلغ بهم الحال في معلوم الله تعالى أنه لا يؤمن أحد منهم، أمر موسى بني إسرائيل أن يستعيروا حلي القبط، إما ليخرجوا خلفهم لأجل المال، وإما لتبقى أموالهم في أيديهم.

ثم نزل جبريل وقال: أخرج ليلاً كما قال  ﴿ وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي  ﴾ وكانوا ستمائة ألف، وكل سبط خمسون ألفاً.

فلما خرجوا وبلغ الخبر فرعون قال: لا تتبعوهم حتى يصيح الديك.

قال الراوي: فوالله ما صاح الليلة ديك.

فلما أصبحوا دعا فرعون بشاة فذبحت ثم قال: لا أفرغ من تناول كبد هذه الشاة حتى يجتمع إليّ ستمائة ألف من القبط.

قال قتادة: فاجتمع إليه ألف ألف ومائتا ألف، كل واحدٍ منهم على فرس حصان فتبعوهم نهاراً وهو قوله ﴿ فأَتبعوهم مشرقين  ﴾ أي بعد طلوع الشمس.

فلما سار بهم موسى إلى البحر قال له يوشع: أين أمرك ربك؟

فقال له موسى: إلى أمامك.

وأشار إلى البحر - فأقحم يوشع فرسه في البحر وكان يمشي في الماء حتى بلغ الغمر، فسبح الفرس وهو عليه، ثم رجع وقال له يا موسى: أين أمرك ربك؟

فقال: البحر.

فقال: والله ما كذبت وما كذب.

ففعل ذلك ثلاث مرات فأوحى الله  إليه أن اضرب بعصاك البحر، فانشق البحر اثني عشر طريقاً.

فقال له: ادخل، وكان فيه وحل فهب الصبا نحو البحر حتى صار طريقاً يبساً، فاتخذ كل سبط منهم طريقاً ودخلوا فيه، فقالوا لنبيهم: أين أصحابنا لا نراهم؟

فقال موسى: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم.

قالوا: لا نرضى حتى نراهم.

فقال: اللهم أعني على أخلاقهم السيئة.

فأوحى إليه أن قل بعصاك هكذا، فقال بها على حيطان المياه فصارت فيها كوى فتراءوا وتسامعوا كلامهم.

ثم اتبعهم فرعون فلما بلغ شاطئ البحر رأى إبليس واقفاً فنهاه عن الدخول فهمّ بأن لا يدخل البحر، فجاء جبريل على مهرة فتقدم وهو كان على فحل، فتبعه فرس فرعون ودخل البحر، فصاح ميكائيل بهم ألحقوا آخركم بأوّلكم، فلما دخلوا البحر بالكلية أمر الله  الماء حتى نزل عليهم فذلك قوله  ﴿ وأغرقنا آل فرعون ﴾ قيل: ذلك اليوم كان يوم عاشوراء، فصام موسى  ذلك اليوم شكراً لله تعالى، ومعنى قوله ﴿ وأنتم تنظرون ﴾ أنكم ترون التطام أمواج البحر بفرعون وقومه.

وقيل: إن قوم موسى سألوا أن يريهم الله  حالهم، فسأل موسى ربه فلفظهم البحر ألف ألف ومائة ألف نفس فنظروا إليهم طافين.

وقيل: المراد وأنتم بالقرب منهم.

قال الفراء: وهو مثل قولك "لقد ضربتك وأهلك ينظرون إليك فما أغاثوك" تقول ذلك إذا قرب أهله منه وإن كانوا لا يرونه ومعناه راجع إلى العلم.

قال أهل الإشارة: البحر هو الدنيا، وماؤه شهواتها ولذاتها، وموسى القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون النفس الأمارة، وقومه صفات النفس، والعصا عصا الذكر، فينفلق بحر الدنيا بتفليق لا إله إلا الله، وينشبك ماء شهواته يميناً وشمالاً، ويرسل الله  ريح العناية وشمس الهداية على قعر بحر الدنيا فيصير يابساً من ماء الشهوات، فيخوض موسى القلب وصفاته فيعبرونه وتنجيهم عناية الله إلى ساحل ﴿ وأَنَّ إلى ربك المنتهى  ﴾ ويغرق فرعون النفس وقومه والله  أعلم.

ولما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى.

ونسبه: موسى بن عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب بن إسحق بن إبراهيم  .

أن ينزل عليه التوراة وضرب له ميقاتاً ذا القعدة وعشر ذي الحجة، وإنما قيل أربعين ليلة لأن الشهور غررها بالليالي.

وقال أهل التحقيق: لأن الليلة وقت العبادة والخلوة فخصت بالذكر لشرفها.

ولعدد الأربعين خاصية لن ينكرها أهل الذوق، ولهذا جاء في الحديث "من أخلص لله أربعين صباحاً ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه" والجنين يتقلب في الأطوار في الأربعينات، قال أبو العالية: وبلغنا أنه لم يحدث حدثاً في الأربعين ليلة حتى هبط من الطور.

ولا بد من تقدير مضاف أي انقضاء أربعين كقولك "اليوم أربعون يوماً منذ خرج فلان" أي تمام الأربعين.

ومن قرأ ﴿ واعدنا ﴾ من المواعدة فمعناه أن الله  وعده الوحي ووعد هو المجيء للميقات إلى الطور.

وذكر الأربعين ههنا مجمل وتفصيله في الأعراف كقوله: ﴿ ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة  ﴾ فصل أولاً ثم أجمل.

ومعنى "ثم" في قوله ﴿ ثم اتخذتم ﴾ استبعاد مضمون ما بعدها عن مضمون ما قبلها وعدم مناسبته له، لأنه  لما وعد موسى حضور الميقات لإنزال التوراة عليه بحضرة السبعين تنبيهاً للحاضرين وتعريفاً للغائبين وإظهاراً لدرجة موسى وسائر بني إسرائيل، وأتوا عقيب ذلك بأشنع أنواع الجهل والكفر، كان ذلك في محل التبعيد والتعجيب كما تقول: إنني أحسنت إليك وفعلت كذا وكذا ثم إنك تقصدني بالسوء والإيذاء.

والاتخاذ افتعال من الأخذ إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدال التاء، ثم لما كثر استعماله على لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية فبنوا منه "فعل" "يفعل" وقالوا: يخذ يتخذ، وقد أجرى اتخذ مجرى الأفعال القلبية في الدخول على المبتدأ والخبر نحو "جعل" و "صير" والتقدير: اتخذتم العجل إلهاً إلا أنه حذف الثاني للعلم به ولذكره في مواضع أخر منها في طه ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ وقوله من بعده من بعد مضيه إلى الطور.

قال أهل السير: لما ذهب موسى إلى الطور وكان قد بقي مع بني إسرائيل الثياب والحلي التي استعاروها من القبط، قال لهم هارون: إن هذه الثياب والحلي لا تحل لكم فأحرقوها، فجمعوا ناراً وأحرقوها.

وكان السامري في مسيره مع موسى  في البحر نظر إلى حافر دابة جبريل حين تقدّم في البحر، فقبض قبضة من تراب حافر تلك الدابة.

ثم إن السامري أخذ ما كان معه من الذهب وصوّر منه عجلاً وألقى فيه ذلك التراب فخرج منه صوت كأنه الخوار ﴿ فقالوا هذا الهكم وإله موسى  ﴾ فاتخذه إلهاً لأنفسهم، ولهذا وصفهم الله  بالظلم في قوله ﴿ وأنتم ظالمون ﴾ كما قال ﴿ إن الشرك لظلم عظيم  ﴾ وذلك أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك وضع أخس الأشياء مكان أشرف الموجودات.

والواو في ﴿ وأنتم ﴾ إما للحال وإما للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الظلم، وقال أهل التحقيق: إن لكل قوم عجلاً يعبدونه.

قال  "تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار تعس عبد الخميصة" وقال "ما عبد إله أبغض إلى الله من الهوى" وفيه تقريع لليهود الذين جادلوا رسول الله  وعادوه كأنه قال: هؤلاء إنما يفتخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف بهؤلاء الأخلاف؟

وتسلية للنبي  مما كان يشاهد من مشركي العرب واليهود والنصارى من الخلاف والمشاقة ﴿ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل  ﴾ وتحذير للعقلاء من الجهل والتقليد إلى هذه الغاية.

ما أفظع شأن الجهلة المقلدة، رضوا بأن يكون العجل إلهاً، وما رضوا بأن يكون البشر نبياً وقد تعجّل بعضهم لتصحيح واقعة عبدة العجل حيث استبعد وقوعها منهم مع أنهم شاهدوا تلك المعجزات الباهرة التي تكاد تكون قريبة من حد الإلجاء في الدلالة على الصانع وصدق النبي  .

إن السامري ألقى إلى القوم أن موسى  إنما قدر على ما أتى به لأنه كان يتخذ طلسمات على قوى فلكية فقال للقوم: أنا أتخذ لكم طلسماً مثل طلسمه، وروّج عليهم ذلك بأن جعله بحيث خرج منه صوت عجيب، وأطمعهم في صيرورتهم مثل موسى في إتيان الخوارق، أو لعل القوم كانوا مجسمة وحلولية فجوزوا حلول الإله في الأجسام فوقعوا في تلك الشبهة الركيكة، وههنا يظهر التفاوت بين أ مة موسى وأمة محمد  فإنهم بعد مشاهدة الآيات العظام القريبة من الأفهام عبدوا الأصنام بل الأنعام، وأمة محمد  مع أن معجزتهم القرآن الذي لا يعرف إعجازه إلا بالنظر الدقيق والبحث العميق لم يخالفوا نبيهم طرفة عين ﴿ رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه  ﴾ ﴿ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله  ﴾ لا يزيغون عن سواء السبيل ولا يميلون إلى معتقدات أهل الأباطيل ﴿ مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل  ﴾ .

قوله: ﴿ ثم عفونا عنكم ﴾ أي حين تبتم بأن قتلتم أنفسكم ﴿ من بعد ذلك ﴾ الأمر العظيم الذي ارتكبتموه من اتخاذ العجل ﴿ لعلكم تشكرون ﴾ نعمة العفو.

ومعنى الترجي في كلام الله  قد مر في قوله ﴿ لعلكم تتقون ﴾ الكتاب والفرقان يعني الجامع بين كونه كتاباً منزلاً وفرقاناً يفرق بين الحق والباطل يعني التوراة نحو: رأيت الغيث والليث، يريد الرجل الجامع بين الجود والجراءة.

أو التوراة والبرهان الفارق بين الكفر والإيمان العصا واليد وغيرهما من الآيات، أو الشرع الفارق بين الحلال والحرام.

وقيل: الفرقان انفراق البحر، ولا يلزم التكرار لأنه لم يبين هناك أن ذلك لأجل موسى وفي هذه الآية بين ذلك التخصيص على سبيل التنصيص.

وقيل: النصر الذي فرق بينه وبين عدوه كقوله  ﴿ يوم الفرقان  ﴾ يعني يوم بدر.

وقيل: آتينا موسى التوراة ومحمداً الفرقان لكي تهتدوا به يا أهل الكتاب وفيه تعسف.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ .

يحتمل وجوها: يحتمل: ﴿ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ بمحمد  ، وذلك أن الناس كانوا على فترة من الرسل، وانقطاع من الوحي، واختلاف من الأديان والمذاهب؛ فبعث الله -  - محمداً  ؛ ليجمعهم ويدعوهم إلى دين الله، ويؤلف بينهم، ويخرجهم من الحيرة والتيه، وذلك من أعظم نعمة أنعمها عليهم، وبالله التوفيق.

وذلك أيضاً يُحْتمل فيما تقدم من الآيات.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ ٱلَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِيۤ...

﴾ الآية [البقرة: 40].

وقوله: ﴿ وَآمِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ  ﴾ يعني: محمداً  .

وعهدُه في الأرض رسولُه، كقوله: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَاقَ ٱلنَّبِيِّيْنَ لَمَآ آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَخَذْتُمْ عَلَىٰ ذٰلِكُمْ إِصْرِي  ﴾ أي: عهدي.

وعلى ذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَكُونُوۤاْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ  ﴾ يعني: بمحمد  .

وقوله: ﴿ وَلاَ تَلْبِسُواْ ٱلْحَقَّ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ يعني: محمداً  .

وكذلك قوله: ﴿ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلٰوةَ وَآتُواْ ٱلزَّكَٰوةَ وَٱرْكَعُواْ مَعَ ٱلرَّٰكِعِينَ  ﴾ أَمكن تخريج هذه الآيات كلها على محمد  .

ويحتمل أيضا قوله: ﴿ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ الوجوه التي ذكرنا.

أحدها: أن جعل منكم الأنبياء والملوك؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ ٱذْكُرُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَآءَ وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكاً  ﴾ .

كما قيل: إن كل نبي من لدن يعقوب إلى زمن عيسى  كان من بني إسرائيل.

ويحتمل: ما آتاهم - عز وجل - من أنواع النعم ما لم يؤت أَحداً من العالمين؛ كقوله: ﴿ وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن ٱلْعَٱلَمِينَ  ﴾ من المن، والسلوى، وتظليل الغمام، وامتداد اللباس على قدر القامة والطول.

كما قيل: إن ثيابهم كانت تزداد وتمتد عليهم على قدر ما تزداد قامتهم، وكانت لا تُبْلَى عليهم ولا تتوسخ، وذلك مما لم يؤتِ أحداً سواهم.

ويحتمل أيضاً قوله: ﴿ نِعْمَتِيَ ﴾ أي: النجاة من فرعون وآله؛ كقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49].

وقوله: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

قيل: فُضِّلوا على جميع من على وجه الأرض؛ على الدوابِّ بالجوهر، وعلى الجن بالرسل، وعلى البشر بالإيمان.

ويَحْتمل تفضيلُهم على العالمين وجوهاً أيضاً: ما ذكرنا من بعث الأَنبياءِ منهم.

والنجاة من أيدي العدو.

وإهلاك العدو وهم يرونه.

وفَرْق البحر بهم، والنجاة منه، وإهلاك العدو فيه.

وذلك من أعظم النعم: أَن ترى عدوَّك في الهلاك وأَنت بمعزل منه آمن.

وقوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ .

يحتمل: فضَّل أَوائلهم.

وفي الآية وجهان على المعتزلة: أَحدهما: قوله: ﴿ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ ، وعندهم: أَن جميع ما فعل مما عليه الفعل، ولو فعل غيره لكان يكون به جائزاً، فإذا كان تركه بفعله جائزاً ففعله حق عليه.

ولا أَحد يكون بفعل ما لا يجوز له الترك منعماً على أَحد؛ فثبت أَن كان ثَمَّ منه معنى زائدٌ خصهم به، وأَن ليس التخصيص محاباة كما زعمت المعتزلة، ولا ترك الإنعام بخلٌ كما قالوا.

والثاني: قوله: ﴿ فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، فلو لم يكن منه إليهم فضل معنى، لم يكن لهم تفضيل على غيرهم؛ فثبت أن كان فيهم ذلك.

ومن قول المعتزلة: أَن ليس لله أَن يخص أَحداً بشيء إلا باستحقاق يفعله، وبذلك هم فَضَّلوا أَنفسهم على العالمين، لا هو، فكيف يَمُنُّ عليهم بذلك؟!

ولا قوة إلا بالله.

مع ما لا يخلو تفضيله إياهم على غيرهم من أَن يكون لهم الفضلُ في الدين أَولاً.

فإن لم يكن فليس ذلك بتفضيل.

وإن كان ثبت أَنْ ليس من الحق عليه التسويةُ بين الجميع في أَسباب الدين.

وقوله عز وجل: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

الآيةُ: - والله أعلم - كأَنَّها مؤخَّرة في المعنى وإن كانت في الذكر مقدمة؛ لأَنه قال: ﴿ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى ٱلْعَٰلَمِينَ ﴾ ، ثم ذكر الأَفضال والمنَنَ فقال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ...

﴾ الآية [البقرة: 49]، وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ  ﴾ .

ذكَّرهم - عز وجل - عظيم نِعمه ومنَنِه عليهم؛ ليشكروا له، وليعرفوا أنها مِنَّةٌ، وأَنه فضلٌ مِنْهُ.

ثم حذَّرهم - جل وعز - فقال: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ الآية؛ ليكونوا على حذر؛ لئلا يصيبهم ما أَصاب الأُمم السالفة من الهلاك وأَنواع العذاب بعد الأَمن، والتوسع عليهم، كقوله: ﴿ فَلَوْلاۤ إِذْ جَآءَهُمْ بَأْسُنَا  ﴾ إلى قوله: ﴿ فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ...

﴾ الآية [الأنعام: 44].

ثم في الآية دليل لقول أبي حنيفة وأصحابه: إن الولد يصير مشتوماً مقذوفاً بشتم والديه؛ لما عيرهم - جل وعز - بصنع آبائهم بقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ  ﴾ وهم لم يتخذوا العجل، وإنما اتخذ ذلك آباؤهم.

وكذلك ذكر - عز وجل - صنعه ومننه عليهم، من نحو النجاة من الغرق، وإخراجهم من أَيدي العدو، وفَرْق البحر بهم، وإهلاك العدو.

وإنما كان ذلك لآبائهم دونهم، لكن ذكّرهم - جل وعز - عظيم مننه على آبائهم؛ ليشكروا له على ذلك، وكذلك عَيَّرهم بصنيع آبائهم من اتخاذ العجل، وإظهار الظلم؛ ليكونوا على حذر من ذلك، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ يَٰبَنِي إِسْرَائِيلَ ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِي ٱلَّتِيۤ أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: بما كان إنعامى عليهم باتباعهم الرسول موسى -  - وطاعتهم له، فاتَّبِعوا اسم الرسول محمد  وأَطيعوا له، ولا تتركوا اتباعه.

وقوله: ﴿ وَٱتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً ﴾ .

قيل: أي لا تُؤدي نفس عن نفس شيئاً؛ كقوله: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ...

﴾ الآيات [عبس: 34-35].

وقوله: ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَٰعَةٌ ﴾ .

قيل: فيه بوجهين: قيل: لا يكون لهم شفعاء يشفعون؛ كقوله: ﴿ فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ  ﴾ وكقوله: ﴿ مَا لَكُمْ مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ شَفِيعٍ  ﴾ .

وقيل: لو كان لهم شفعاء لا تقبل شفاعتهم؛ كقوله: ﴿ فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ ٱلشَّافِعِينَ  ﴾ أي: لا يؤْذَنُ لهم بالشفاعة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ٱرْتَضَىٰ  ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ .

والعدل: هو الفداءُ، إما من المال، وإما من النفس.

وذلك أيضاً يحتمل وجهين: يحتمل: ألا يكون لهم الفداء، على ما ذكرنا في الشفيع.

ويحتمل: أَن لو كان لا يقبل منهم؛ كقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا فِي ٱلأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ ٱلْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ  ﴾ .

ثم الوجوه التي تخلص المرء في الدنيا إذا أَصابته نكبة بثلاث: إما بفداءِ يفدى عنه - مالاً أو نفساً - وإما بشفعاء يشفعون له، وإما بأَنصارٍ ينصرون له؛ فيتخلص من ذلك.

فقطع - عز وجل - عنهم جميع وجوه التخلص في الآخرة.

والآية نزلت - والله أعلم - في اليهود والنصارى، وهم كانوا يؤمنون بالبعث، والجنة، والنار؛ كقوله: ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ ٱلْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَىٰ  ﴾ ، وقوله: ﴿ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ  ﴾ .

ولذلك ذكر اسم الفداءِ والشفيع، وما ذكر، وأَما من لم يؤمن بالآخرة فلا معنى لذكر ذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَٰكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ ﴾ .

قيل: آل الرجل: شيعتُه؛ ولذلك قيل: آل رسول الله: قرابتُه.

وقيل: كل مؤمن فهو من آله، وعلى ذلك الأَمر بالصلاة عليه وعلى جميع من آمن به.

وقوله: ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوۤءَ ٱلْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: يقصدونكم أَشد العذاب.

وذلك يرجع إلى الاستعباد، والاستخدام بأَنفهسم.

وقيل: يسومونكم، يُذيقونكم أَشد العذاب، وذلك يرجع إلى ما يسوءُهم من تذبيح الأَبْنَاء وتقتيلهم، كقوله: ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ  ﴾ أي: يقتلون أَبناءَكم.

وقوله: ﴿ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَآءَكُمْ ﴾ .

يحتمل أيضاً وجهين: يحتمل: يستحيون من الحياء، أَي: استحيوا قتْل النساء، لما لا يخافهن.

ويحتمل: من الإحياءِ، أي: تركوهن أَحياء فلم يقتلوهن.

وقوله: ﴿ وَفِي ذَٰلِكُمْ بَلاۤءٌ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾ .

قيل: البلاء - ممدود - هو النعمة، كأَنه قال: فيما ينجيكم من فرعون وآله نعمة عظيمة.

وقيل: البلا - مقصور - هو الابتلاء والامتحان؛ كأَنه قال: في استعباده إياكم واستخدامه امتحان عظيم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ ٱلْبَحْرَ فَأَنجَيْنَٰكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ ﴾ .

قيل: فرقنا، أَي: جعلنا لكم البحر فِرَقاً، أي: طرقاً تمرون فيه.

وقيل: فرقنا، أي: جاوزنا بكم البحر.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ وَٰعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ﴾ .

كان الوعد لهم - والله أعلم - وعدين.

أَحدهما: من الله - عز وجل - يصرف موسى إليهم مع التوراة، كقوله: ﴿ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً  ﴾ أَي: صدقاً.

ووعد آخر، كان من موسى بانصرافه إليهم بالتوراة على رأْس أَربعين ليلة، كقوله: ﴿ فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي  ﴾ .

وقوله: ﴿ ثُمَّ ٱتَّخَذْتُمُ ٱلْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ ﴾ .

يحتمل وجهين: ﴿ ٱتَّخَذْتُمُ ﴾ : أي عبدتم؛ فاستوجبوا ذلك التعبير واللائمة بعبادة العجل لا باتخاذه نفسه.

ويحتمل: اتخذتم العجل إلهاً؛ فاستوجبوا ذلك باتخاذهم إلهاً، كقوله: ﴿ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ  ﴾ .

وهذا كان أقرب.

وقيل: اتخذتم، أي: صنعتم، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَنْتُمْ ظَٰلِمُونَ ﴾ .

قيل في الظلم بوجوه: قيل: إن كل فعل يستوجب به الفاعل عقوبة فهو ظلم.

وقيل: إن كل عمل لم يؤذن له فهو ظلم.

وهاهنا - حيث فعلوا ما لم يؤذن لهم - نسبهم إلى الظلم؛ لأَنهم ظلموا أَنفسهم.

وقيل: إن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه؛ فسموا بذلك لأَنهم وضعوا الألوهية في غير موضعها، وهذا كأَنه - والله أعلم - أقرب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ...

﴾ الآية.

يَنْقض على المعتزلة قولهم؛ لأَنهم يزعمون أَن الله إذا علم من أحدٍ أَنَّه يؤمن به في آخر عمره - وإن طال - أَو يكون من نسله من يؤمن إلى آخر الأَبد، لم يكن له أن يُميته، ولا له أَن يقطع نسله.

فإذا كان على الله أَن يبقيهم، ولا يقطع نسلهم، لم يكن للامتنان عليهم، ولا للإفضال وطلب الشكر منهم - معنى؛ إذ فَعَلَ - جل وعز - ما عليه أَن يفعل.

وكل من فعل ما عليه أَن يفعل لم يكن فعلُه فعل امتنان، ولا فعل إِفضال؛ لأَنه - عز وجل - منّ عليهم بالعفو عنهم، حيث لم يستأْصلهم، وتركهم حتى تناسلوا وتوالدوا، ثم وجه الإفضال والامتنان على هؤلاء - وإن كان ذلك العفو لآبائهم؛ لأَنه لو أَهلك آباءَهم وقطع تناسلهم انقرضوا وَتَفَانَوْا، ولم يتوالدوا؛ فالمنَّة عليهم حصلت؛ لذلك طلبهم بالشكر له، والله أعلم.

فإذا كان هذا ما وصفنا دَلَّ أَنْ ليس على الله أن يفعل الأَصلح لهم في الدين، وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ .

أَي: لكي تشكروا.

وكذلك قوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ  ﴾ أي: لكي يوحدوا.

وذلك يحتمل وجوهاً: يحتمل: أَنْ يَشْهد خَلْقُه كلُّ أَحد على وحدانيته، وكذلك يشكر خَلْقُه كلُّ أَحد له.

ويحتمل: عبادة الأخيار بوحدانيته، والشكر له بما أَنعم وأَفضل عليه، وذلك يرجع إلى من يعبد ويوحد.

ويحتمل: أَنه خلقهم؛ ليأْمرهم بالعبادة، والشكر له، من احتمل منهم الأَمر بذلك.

وقوله: ﴿ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة.

والكتابُ: اسم لكل مكتوب.

وقوله: ﴿ وَٱلْفُرْقَانَ ﴾ .

قيل: سميت فرقاناً؛ لما فرق وبَيَّن فيها الحلال والحرام، وكل كتاب فرق فيه بين الحلال والحرام فهو فرقان.

وقيل: يسمى فرقاناً؛ لما فرق فيه بين الحق والباطل.

وهما واحد.

وقيل: سميت التوراة فرقاناً؛ لما فيها المخرج من الشبهات.

وقيل: الآية على الإضمار؛ كأَنه قال: وإذ آتينا موسى الكتاب - يعني التوراة - ومحمداً الفرقان؛ كقوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً  ﴾ .

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ .

فالكلام فيه كالكلام في قوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ وقد ذكرنا فيه ما أَمكن، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

واذكروا يا بني إسرائيل حين أنقذناكم من أتباع فرعون الذين كانوا يذيقونكم أصناف العذاب؛ حيث يقتلون أبناءكم ذبحًا، حتَّى لا يكون لكم بقاء، ويتركون بناتكم أحياءً حتَّى يكن نساء ليخدمنهم؛ إمعانًا في إذلالكم وإهانتكم، وفي إنجائكم من بطش فرعون وأتباعه اختبار عظيم من ربكم؛ لعلكم تشكرون.

<div class="verse-tafsir" id="91.ZdvDn"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه الآية كالتي قبلها واللواتي بعدها تفصيل لنعمة الله على شعب إسرائيل التي ذكرت من قبل مجملة وابتدئ التفصيل بذكر التفضيل لما تقدم من الحكمة في ذكره وهو نهوض الهمة إلى التخلق بالأخلاق الفاضلة والترفع عن الرضا بما دون المقام الذي رفعهم الله إليه، وتوطين النفس لقبول الموعظة الخ ما تقدم.

ثم ذكرهم بما حل بهم من البلاء والعقوبات جزاء على جرائمهم وبلطف الله تعالى بهم وإنجائهم من البلاء وتوبته عليهم المرة بعد المرة ليعرفهم مقدار فضله وعقوبته معًا.

والآية معطوفة على ما قبلها من سلسلة الذكريات فقوله ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ  ﴾ عطف تفصيل على الإجمال في قوله ﴿ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ  ﴾ أي نعمي الكثيرة لأن المفرد المضاف يفيد العموم، أي واذكروا إذ نجيناكم من آل فرعون، وفرعون لقب لمن تولى ملك مصر قبل البطالسة، وإله خاصته وقد يطلق على قومه قدماء المصريين.

ولما كانت التنجية لا تكون إلا من ظلم أو شر بين ما نجاهم منه بقوله ﴿ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ  ﴾ أي يكلفونكم ويبغونكم ما يسوؤكم ويذلكم من العذاب، ثم بين ذلك بقوله ﴿ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ  ﴾ أي يقتلون ذكران نسلكم ويستبقون إناثه أحياء لإضعافكم وإذلالكم المفضي إلى قطع نسلكم وإبادتكم ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ  ﴾ أي وفي ذلكم العذاب وفي النتيجة منه -في كل منهما- بلاء وامتحان عظيم لكم من ربكم كما قال في آية أخرى ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ  ﴾ .

خاطب الذين كانوا في زمن النبي  بما كان لآبائهم لأن الإنعام على أمة بعنوان أنها أمة كذا هو إنعام شامل للأمة، مَنْ أصابه ذلك الإنعام من أفرادها ومن لم يصبه، ويصح الامتنان به على اللاحقين منهم والسابقين كما يصح الفخر به منهم أجمعين، كما أن الإنعام على شخص بشيء يختص بعضو من أعضائه كلبوس يلبسه، أو لذيذ طعام يطعمه، يكون إنعامًا على الشخص، ولا يقال إنه إنعام على لسان فلان ولا على رأسه، أو يده أو رجله.

ولأن ما وصل إلى مجتمع بعنوان ذلك الاجتماع والرابطة التي ربطت أفراده بعضهم ببعض يكون له أثر في مجموع الأفراد، لا سيما إذا كان الواصل من نقمة أو نعمة مسببًا عن عمل الأمة شرًا أو خيرًا، ويكون لذلك أثر في الأمة يورثه السلف الخلف ما بقيت الأمة.

وأنواع البلاء التي ذكر بها اليهود في القرآن كانت لشعب إسرائيل من حيث هو شعب إسرائيل لأن الجرائم التي كان البلاء عقوبة عليها إنما كانت من مجموع الشعب من حيث هو شعب إسرائيل، ثم إن الله تعالى كان يتوب على الشعب بعد كل بلاء ويفيض عليه النعم فتكون العقوبة تربية وتعليمًا تفيد المعتبرين بها نعمة وسعادة.

لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تاريخ أمتهم الماضي ليتذكروا صنع الله تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء، وسعادة وشقاء، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم، وما ينتظر أن يحل بهم، وإنما الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل.

فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق.

تعثر الرجل فتخدش أو توثأ والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوي فيها رجله وسائر أعضائه، ولذلك يسعى بجملته لإزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينًا بكل أعضائه وقواه.

علمنا الله تعالى هذا بما قص علينا من أخبار الأمم وأنعم على أمتنا، التي لا تختص بشعب ولا جنس، بهذا القرآن الكريم فكان لهم به نعم لا تحصي تعرف من الكتاب والسنة، منها: أنهم كانوا أعداء فألف بين قلوبهم فأصبحوا بنعمته إخوانًا، ومنها أنهم كانوا مستضعفين فمكن لهم في الأرض وأورثهم أرض الشعوب القوية وديارهم وجعل لهم السلطان عليهم، ومنها أنه جعلهم أمة وسطًا لا تفريط عندها ولا إفراط، ليكونوا شهداء على الناس الذين غلوا وأفرطوا، والذين قصروا وفرطوا، ثم لما كفرت بأنعم الله أنزل بها ألوانًا من البلاء والنقم بعنوان الأمة، فإن التتار إنما نكلوا بها وتبَّروا ما علوا تتبيرًا لأنها الأمة الإسلامية، ثم زحف عليها الغربيون أيام حروب الصليب وجاسوا خلال الديار لأنها الأمة الإسلامية، ثم إن الفتن لا تزال تحل بديارها، وتنقصها من أطرافها، وسوط عذاب الله يصب عليها بعنوان الأمة الإسلامية، وقد مرت عليها قرون وهي لا تعتبر بما مضى، ولا تتربى بما حضر، بل جهلت الماضي فحارت في الحاضر، لا تعرف سببه ولا المخرج منه.

أليس من العجب أن الجمهور الأعظم من المشتغلين بالعلم منها هم أجهلها بتاريخها، لا يعرفون شيئًا من ماضيها ولا حاضرها؟

ولكنهم يعترفون بأن الأمة في بلاء كبير، ويعتذرون بالقضاء والقدرة عن معرفة الأسباب، ويكلون إلى القضاء والقدر النجاة منه أو البقاء فيه؟.

إن هذه الأمة أمة واحدة وإن اختلفت ديارها وتعددت أجناسها، ولا يمكن أن تعرف حقيقتها إلا بعد معرفة تاريخها الماضي، فلا بد من تتبع السواقي والجداول إلى الينبوع الأول الذي هو الأصل.

كان سلفنا  يضبطون أحوال من قبلهم من أمور الدين والدنيا بكل اعتناء ودقة حتى كانوا يروون البيت من الشعر أو النكتة بين العاشق ومعشوقته بالأسانيد المتصلة، وليست هذه المبالغة مما يؤخذ عليهم فإن الأمة إنما تكون أمة بدينها ولغتها وأخلاقها وعاداتها فإذا لم يحفظ خلفها عن سلفها هذه المقومات بحفظ تاريخها تكون عرضة للتغير بتأثير حوادث الزمان وتقلبات شؤون الاجتماع مع جهل المتأخر بما كان عليه المتقدم وبكيفية حدوث التغيير الضار للجهل بالتاريخ.

بهذا تفعل فواعل الكون بالأمة الجاهلية أفاعيلها حتى تقلب كيانها، وتقوض بنيانها، وتقطع عرى الربط العامة بين أفرادها، فلا يكون لهم عمل إلا للمصلحة الشخصية وهي لا حفاظ لها في مجموع الأمة إلا بالمصلحة العامة فإذا أهملت تكون الأمة من الهالكين.

عنيت أمتنا بالتاريخ عناية لم تسبقها به أمة فلم تكتف بضبط الوقائع وتلقيها بالرواية كالسنة النبوية بل تفننت فيها فصنفت في تاريخ الأشخاص كما صنفت في تاريخ البلاد والشعوب، ثم نوعت تاريخ الأشخاص فجعلت لكل طبقة تاريخًا فترى في المكاتب طبقات المفسرين وطبقات المحدثين وطبقات النحويين وطبقات الأطباء وطبقات الشعراء إلى غير ذلك.

ثم اهتدى بعضهم إلى استنباط قواعد العمران وأصول الاجتماع من التاريخ فصنف ابن خلدون في ذلك مقدمة تاريخية.

ولو لم تنقطع بنا سلسلة العلم من ذلك العهد لكنا أتممنا ما بدأ به سلفنا، ولكننا تركناه وسبقنا غيرنا إلى إتمامه واستثماره.

فالتاريخ هو المرشد الأكبر للأمم العزيزة اليوم إلى ما هي فيه من سعة العمران، وعزة السلطان، وكان القرآن هو المرشد الأول للمسلمين إلى العناية بالتاريخ ومعرفة سنن الله في الأمم منه وكان الاعتقاد بوجوب حفظ السنة وسيرة السلف هو المرشد الثاني إلى ذلك، فلما صار الدين يؤخذ من غير الكتاب والسنة أهمل التاريخ، بل صار ممقوتًا عند أكثر المشتغلين بعلم الدين، فإن وجد من يلتفت إليه فإنما يكون متبعًا في ذلك سنة قوم آخرين.

نكتفي الآن بهذا التنبيه ونعود إلى إتمام تفسير الآية التي صرفتنا إليه بمخاطبة بني إسرائيل في زمن تنزيل القرآن بما كان من تعذيب آل فرعون لسلفهم وإنعام الله عليهم بالإنجاء من ذلك العذاب: أول من دخل مصر من بني إسرائيل هو يوسف  ، وانضم إليه بعد ذلك إخوته، ونما نسله ونسلهم فيها وكثر حتى قيل إنهم كانوا يوم خرجوا من مصر ستمائة ألف، وهذا النمو كان في مدة أربعمائة سنة.

وكان المصريون من آل فرعون لا يحبون مساكنة الغرباء، فلما رأي فرعون نمو شعب إسرائيل خاف مغبة الأمر لأنه كان يعلم أنهم إذا كثروا يتبسطون في الأرض ويزاحمون المصريين، فطفق يستذلهم ويكلفهم الأعمال الشاقة كصنع الطوب لبناء الهياكل والبرابي لعلمه بأن الذل يقلل النسل ويفضي بالأمة إلى الانقراض، ولكنهم ظلوا مع الاستذلال يتناسلون ويكثرون.

فلما رآهم الحكام المصريون يزداودن نسلًا وأنهم مع هذا محافظون على عاداتهم وتقاليدهم ولا يمازجون المصريين وعندهم الأثرة والإباء لاعتقادهم أنهم شعب الله وأفضل خلقه، خافوا أن يقووا بالكثرة فيعدوا عليهم ويغلبوهم على بلادهم كلها أو بعضها، وإنما كانوا يزدادون على الذل نسلًا لأن الذل لا يؤثر إلا في الزمن الطويل، ذلك بأن الذليل الذي لا تطلق إرادته في أعماله هو بمنزلة الشخص الذي يضعف عن تناول الغذاء الذي يمد حياته فهو يذبل رويدًا رويدًا حتى ينحل ويموت.

والقوة المعنوية التي تحفظ حياة الأمم هي قوة الأرواح والإرادات لأن الجسم محمول بالروح.

والعمل النافع إنما يكون بالإرادة فمتى خذلت النفوس بالتسلط على إرادتها تبعها الجسم فيضعف بضعفها.

والضعيف يأتي بنتاج ضعيف ويكون نسل نتاجه أضعف من نسله ويتسلسل هكذا حتى يكون من لوازم ضعف النسل إسراع الموت إلى صغاره قبل بلوغ سن الرشد.

وبهذا ينقرض النسل كما حصل لهنود أمريكا وسكان شمالي أستراليا.

استبطأ المصريون أثر الاستذلال في الإسرائيليين فعملوا على انقراضهم بقتل ذكرانهم واستحياء إناثهم، فأمر فرعون القوابل بأن يقتلن كل ذكر لبني إسرائيل عند ولادته، لأن من سنة الله في الخلق أن قوام الشعوب والقبائل وحفظ الأجناس إنما يكون بالذكور.

وقال مفسرنا (الجلال)- تبعًا لغيره..

إن سبب العذاب وتقتيل الأبناء دون البنات هو أن بعض الكهنة أخبر فرعون بأن سيولد من بني إسرائيل ولد ينزع منه ملكه ويكون على يديه هلكه.

وليس لهذا القول سند صحيح، ولا يعرف في التاريخ، وما قلناه هو الذي يعرفه بنو إسرائيل ويتناقلونه في كتبهم المعروفة بالمقدسة وغير المقدسة وهو المعقول في نفسه أيضًا: <div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر