الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٦٨ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 179 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٦٨ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
أخبر تعالى عن تعنت بني إسرائيل وكثرة سؤالهم لرسولهم .
ولهذا لما ضيقوا على أنفسهم ضيق عليهم ، ولو أنهم ذبحوا أي بقرة كانت لوقعت الموقع عنهم ، كما قال ابن عباس وعبيدة وغير واحد ، ولكنهم شددوا فشدد عليهم ، فقالوا : ( ادع لنا ربك يبين لنا ما هي ) ما هذه البقرة ؟
وأي شيء صفتها ؟
قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا عثام بن علي ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : لو أخذوا أدنى بقرة اكتفوا بها ، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم .
إسناد صحيح ، وقد رواه غير واحد عن ابن عباس .
وكذا قال عبيدة ، والسدي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وأبو العالية وغير واحد .
وقال ابن جريج : قال [ لي ] عطاء : لو أخذوا أدنى بقرة كفتهم .
قال ابن جريج : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنما أمروا بأدنى بقرة ، ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم ؛ وايم الله لو أنهم لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد .
( قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر ) أي : لا كبيرة هرمة ولا صغيرة لم يلحقها الفحل ، كما قاله أبو العالية ، والسدي ، ومجاهد ، وعكرمة ، وعطية العوفي ، وعطاء الخراساني ووهب بن منبه ، والضحاك ، والحسن ، وقتادة ، وقاله ابن عباس أيضا .
وقال الضحاك ، عن ابن عباس ( عوان بين ذلك ) [ يقول : نصف ] بين الكبيرة والصغيرة ، وهي أقوى ما يكون من الدواب والبقر وأحسن ما تكون .
وروي عن عكرمة ، ومجاهد ، وأبي العالية ، والربيع بن أنس ، وعطاء الخراساني ، والضحاك نحو ذلك .
وقال السدي : العوان : النصف التي بين ذلك التي ولدت ، وولد ولدها .
وقال هشيم ، عن جويبر ، عن كثير بن زياد ، عن الحسن في البقرة : كانت بقرة وحشية .
وقال ابن جريج ، عن عطاء ، عن ابن عباس : من لبس نعلا صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها
القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ (83) قال أبو جعفر: فقال الذين قيل لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً - بعد أن علموا واستقر عندهم، أن الذي أمرهم به موسى من ذلك عن أمر الله من ذبح بقرة - جد وحق، (84) (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي)، فسألوا موسى أن يسأل ربه لهم ما كان الله قد كفاهم بقوله لهم: " اذبحوا بقرة ".
لأنه جل ثناؤه إنما أمرهم بذبح بقرة من البقر - أي بقرة شاءوا ذبحها من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع أو صنف دون صنف - فقالوا بجفاء أخلاقهم وغلظ طبائعهم، وسوء أفهامهم, وتكلف ما قد وضع الله عنهم مؤونته, تعنتا منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما:- 1183 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: لما قال لهم موسى: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ .
قالوا له يتعنتونه: (ادع لنا ربك يبين لنا ما هي).
فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا من البحث عما كانوا قد كفوه من صفة البقرة التي أمروا بذبحها، تعنتا منهم نبيهم موسى صلوات الله عليه، بعد الذي كانوا أظهروا له من سوء الظن به فيما أخبرهم عن الله جل ثناؤه، بقولهم: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا (85) - عاقبهم عز وجل بأن حصر ذبح ما كان أمرهم بذبحه &; 2-190 &; من البقر على نوع منها دون نوع، (86) فقال لهم جل ثناؤه - إذ سألوه فقالوا: ما هي؟
ما صفتها؟
وما حليتها؟
حَلِّها لنا لنعرفها!
(87) -قال: (إنها بقرة لا فارض ولا بكر).
* * * يعني بقوله جل ثناؤه: (لا فارض) لا مسنة هرمة.
يقال منه: " فرضت البقرة تفرض فروضا ", يعني بذلك: أسنت.
ومن ذلك قول الشاعر: يــا رب ذي ضغـن عـليَّ فـارضِ لــه قــروء كقــروء الحـائضِ (88) يعني بقوله: " فارض "، قديم.
يصف ضغنا قديما.
ومنه قول الآخر: لهــا زِجــاج ولهــاة فــارض حــدلاء كـالوطب نحـاه المـاخض (89) وبمثل الذي قلنا في تأويل " فارض " قال المتأولون: * ذكر من قال ذلك: 1184 - حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مجاهد: (لا فارض)، قال: لا كبيرة.
(90) 1185 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس, أو عن عكرمة, شك شريك-: (لا فارض)، قال: الكبيرة.
1185 - حدثني محمد بن سعد قال، أخبرني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه، عن ابن عباس قوله: (لا فارض)، الفارض: الهرمة.
1186 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (لا فارض)، يقول: ليست بكبيرة هرمة.
1187 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: (لا فارض)، الهرمة.
1188 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " الفارض " الكبيرة.
1189 - حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، &; 2-192 &; حدثنا شريك, عن خصيف, عن مجاهد قوله: (لا فارض)، قال: الكبيرة.
1190 - حدثنا المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (لا فارض)، يعني: لا هرمة.
1191 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
1192 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: " الفارض "، الهرمة.
1193 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، قال معمر, قال قتادة: " الفارض " الهرمة.
يقول: ليست بالهرمة ولا البكر عوان بين ذلك.
1194 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " الفارض "، الهرمة التي لا تلد.
1195 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " الفارض "، الكبيرة.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَلا بِكْرٌ قال أبو جعفر: و " البكر " من إناث البهائم وبني آدم، ما لم يفتحله الفحل, وهي مكسورة الباء، لم يسمع منه " فَعَل " ولا " يفعل ".
وأما " البكر " بفتح الباء فهو الفتي من الإبل.
* * * وإنما عنى جل ثناؤه بقوله (ولا بكر) ولا صغيرة لم تلد، كما:- 1196 - حدثني علي بن سعيد الكندي قال، حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مجاهد: (ولا بكر)، صغيرة.
1197 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " البكر "، الصغيرة.
1198 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا الحسن بن عطية قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد, عن ابن عباس -أو عكرمة، شك-: (ولا بكر)، قال: الصغيرة.
1199 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, عن عطاء الخراساني, عن ابن عباس: (ولا بكر)، الصغيرة.
1200 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو سفيان, عن معمر, عن قتادة: (ولا بكر) ولا صغيرة.
1201 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (ولا بكر)، ولا صغيرة ضعيفة.
1202 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع، عن أبي العالية: (ولا بكر)، يعني: ولا صغيرة.
1203 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, مثله.
1204 - وحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: في" البكر "، لم تلد إلا ولدا واحدا.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : عَوَانٌ قال أبو جعفر: " العوان " النصف التي قد ولدت بطنا بعد بطن, وليست بنعت للبكر.
يقال منه: " قد عونت " إذا صارت كذلك.
وإنما معنى الكلام أنه يقول: إنها بقرة لا فارض ولا بكر بل عوان &; 2-194 &; بين ذلك.
ولا يجوز أن يكون " عوان " إلا مبتدأ.
لأن قوله بَيْنَ ذَلِكَ ، كناية عن الفارض والبكر, فلا يجوز أن يكون متقدما عليهما، ومنه قول الأخطل: ومــا بمكــة مـن شُـمط مُحَفِّلـة ومــا بيـثرب مـن عُـونٍ وأبكـار (91) وجمعها " عون " يقال: " امرأة عوان من نسوة عون ".
ومنه قول تميم بن مقبل: ومــأتم كــالدمي حـورٍ مدامعهـا لـم تبـأس العيش أبكـارا ولا عونـا (92) وبقرة " عوان، وبقر عون ".
قال: وربما قالت العرب: " بقر عُوُن " مثل " رسل " يطلبون بذلك الفرق بين جمع " عوان " من البقر, وجمع " عانة " من الحمر.
ويقال: " هذه حرب عوان "، إذا كانت حربا قد قوتل فيها مرة بعد مرة.
يمثل ذلك بالمرأة التي ولدت بطنا بعد بطن.
وكذلك يقال: " حاجة عوان "، إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.
1205 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب، أن ابن زيد أنشده: قعـود لـدى الأبـواب طـلاب حاجة عـوانٍ مـن الحاجـات أو حاجةً بكرا (93) قال أبو جعفر: والبيت للفرزدق.
وبنحو الذي قلنا في ذلك تأوله أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 1206 - حدثنا علي بن سعيد الكندي، حدثنا عبد السلام بن حرب, عن خصيف, عن مجاهد: (عوان بين ذلك)، وسط، قد ولدت بطنا أو بطنين.
(94) 1207 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (عوان)، قال: " العوان ": العانس النصف.
1208 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " العوان "، النصف.
1209 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن عطية قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن سعيد بن جبير, عن ابن عباس -أو عكرمة, شك شريك-(عوان)، قال: بين ذلك.
1210 - حُدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (عوان)، قال: بين الصغيرة والكبيرة, وهى أقوى &; 2-196 &; ما تكون من البقر والدواب، وأحسن ما تكون.
1211 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, عن عطاء الخراساني عن ابن عباس: (عوان)، قال: النصف.
1212 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (عوان) نَصَف.
1213 - وحُدثت عن عمار، عن ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع, مثله.
1214 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع, عن سعيد, عن قتادة: " العوان "، نَصَف بين ذلك.
1214 - حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا شريك, عن خصيف, عن مجاهد: (عوان)، التي تنتج شيئا بشرط أن تكون التي قد نتجت بكرة أو بكرتين.
1215 - حدثنا موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " العوان "، النصَف التي بين ذلك, التي قد ولدت وولد ولدُها.
1216 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: " العوان "، بين ذلك، ليست ببكر ولا كبيرة.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : بَيْنَ ذَلِكَ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (بين ذلك) بين البكر والهرمة، كما:- 1217 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (بين ذلك)، أي بين البكر والهرمة.
* * * فإن قال قائل: قد علمت أن " بين " لا تصلح إلا أن تكون مع شيئين &; 2-197 &; فصاعدا, فكيف قيل " بين ذلك " و " ذلك " واحد في اللفظ؟
قيل: إنما صلحت مع كونها واحدة, لأن " ذلك " بمعنى اثنين, والعرب تجمع في" ذلك " و " ذاك " شيئين ومعنيين من الأفعال, كما يقول القائل: " أظن أخاك قائما, وكان عمرو أباك ", (95) ثم يقول: " قد كان ذاك, وأظن ذلك ".
فيجمع ب " ذلك " و " ذاك " الاسم والخبر، الذي كان لا بد لـ " ظن " و " كان " منهما .
(96) * * * فمعنى الكلام: قال: إنه يقول إنما بقرة لا مسنة هرمة، ولا صغيرة لم تلد, ولكنها بقرة نصف قد ولدت بطنا بعد بطن، بين الهرم والشباب.
فجمع " ذلك " معنى الهرم والشباب لما وصفنا, ولو كان مكان الفارض والبكر اسما شخصين، لم يجمع مع " بين " ذلك.
وذلك أن " ذلك " لا يؤدي عن اسم شخصين, وغير جائز لمن قال: " كنت بين زيد وعمرو ", أن يقول: " كنت بين ذلك ", وإنما يكون ذلك مع أسماء الأفعال دون أسماء الأشخاص.
(97) * * * القول في تأويل قوله تعالى : فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قال أبو جعفر: يقول الله لهم جل ثناؤه: افعلوا ما آمركم به، تدركوا حاجاتكم وطلباتكم عندي؛ واذبحوا البقرة التي أمرتكم بذبحها, تصلوا - بانتهائكم إلى طاعتي بذبحها - إلى العلم بقاتل قتيلكم.
----------------- الهوامش : (83) الآية كلها ساقطة من الأصول ، فوضعتها في موضعها .
(84) قوله"جد وحق" ، خبر قوله"أن الذي أمرهم به موسى .
.
.
" (85) سياق العبارة : "فلما تكلفوا جهلا منهم ما تكلفوا .
.
عاقبهم .
.
" ، وما بينهما فصل .
(86) في المطبوعة"بأن خص بذبح ما كان أمرهم" ، وعبارة الطبري فيما أرجح هي ما أثبته/ ، وقد قال آنفًا : 189"من غير أن يحصر لهم ذلك على نوع منها دون نوع" ، وسيقول بعد : 197"فحصروا على نوع دون سائر الأنواع" .
(87) الحلية (بكسر فسكون) الصفة والصورة : حلى الرجل يحليه تحلية : وصف صورته وهيأته .
وتحليت الرجل : عرفت صفته .
(88) مجالس ثعلب : 364 ، والمعاني الكبير : 850 ، 1143 ، والحيوان 6 : 66 - 67 ، والأضداد : 22 ، وكتاب القرطين 1 : 44 ، 77 ، واللسان (فرض) ، وغيرها ، وصواب إنشاده : يــارب مــولى حاسـد مبـاغض عــليّ ذي ضغـن وضـب فـارض والضب : الغيظ والحقد تضمره في القلب .
قروء وأقراء جمع قرء (بضم فسكون) : وهو وقت الحيض قال ابن قتيبة : "أي له أوقات تهيج فيها عداوته" ، وقال الجاحظ : "كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو ثم يستعر ، ثم يخبو ثم يستعر" .
(89) البيت الأول في اللسان (زجج) ، والثاني في المخصص 1 : 162 .
وكان في الأصل : لــه زجــاج ولهــاة فــارض هــدلاء كـالوطب تجـاه المـاخض وهو تصحيف .
والزجاج جمع زج : وهو الحديدة التي تركب في أسفل الرمح يركز به في الأرض .
فاستعاره للألباب .
واللهاة : لحمة حمراء في الحنك ، معلقة على عكدة اللسان ، مشرفة على الحلق .
والفارض في هذا البيت : الواسع العظيم الضخم يقال : لحية فارض ، وشِقْشِقَة فارض .
(وهي لهاة البعير) ودلو فارض قال أبو محمد الفقعسي يذكر دلوا واسعا (وهو الغرب) .
والغــرب غــرب بقـري فـارض وحدلاء وأحدل : وهو الذي يمشي في شق ، وفي منكبيه ورقبته إقبال على صدره ، وانحناء .
والوطب : سقاء اللبن ، يكون من جلد .
ونحاه : صرفه وأماله .
والماخض : من مخض اللبن : إذا وضع في الممخضة ، ليخرج زبده .
لعله يهجو امرأته ، ويذكر قبح أنيابها ، وسعة لهاتها ، من شدة شرهها .
ويصف مشيتها مائلة على شق ، وتكدس بدنها بعضه على بعض ، كأنها وطب أماله الماخض يمنة ويسرة يحركه .
(90) الخبر 1184 - علي بن سعيد بن مسروق الكندي ، شيخ الطبري : كوفي ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 3 / 1 /189 - 190 ، مات سنة 249 .
عبد السلام بن حرب الملائي الكوفي ، الحافظ : ثقة حجة ، أخرج له أصحاب الكتب الستة .
وترجمه ابن أبي حاتم 3 / 1 /47 .
(91) ديوانه : 119 ، وهو يخالف ما رواه الطبري ، وقبله : إنـي حـلفت بـرب الراقصـات ومـا أضحـي بمكـة مـن حجـب وأستار وبــالهدي - إذا احـمرت مذارعهـا فـي يـوم نسـك وتشـريق وتنحار ومــا بزمـزم مـن شـمط محلقـه ومــا بيـثرب مـن عـون وأبكـار يعني : حلقوا رؤوسهم ، وقد تحللوا من إحرامهم وقضوا حجتهم ، والشمط جمع أشمط : وهو الذي خالط سواد شعره بياض الشيب .
فإن صحت رواية الطبري"شمط مُحَفِّلَةٍ" ، فكأنها من الحفيل والاحتفال : وهو الجد والاجتهاد ، يقال منه : رجل ذو حفيل ، وذو حفل وحفلة : له جد واجتهاد ومبالغة فيما أخذ فيه من الأمور .
فكأنه عنى : مجتهدون في العبادة والنسك .
(92) جمهرة أشعار العرب : 162 ، من جيد شعر تميم بن أبي بن مقبل .
والمأتم عند العرب : جماعة النساء - أو الرجال - في خير أو شر .
قالوا : والعامة تغلط فتظن أن"المأتم" النوح والنياحة .
والدمى جمع دمية : الصورة أو التمثال ، يتنوق في صنعتها ويبالغ في تحسينها ، والعرب تكثر من تشبيه النساء بالدمي .
والحور جمع حوراء .
والحور أن يشتد بياض بياض العين ، وسواد سوادها ، تستدير حدقتها ، وترق جفونها ، ويبيض ما حولها .
وقوله : "لم تبأس" أي لم يلحقها بؤس عيش ، أو لم تشك بؤس عيش بئس يبأس بؤسا ، فهو بائس وبئيس ، افتقر واشتد عليه البؤس .
وفي الأصل المطبوع ، وفي اللسان (أتم) : "لم تيأس" بالياء المثناة ، وهو خطأ .
(93) ديوان الفرزدق : 227 ، وطبقات فحول الشعراء : 256 ، وتاريخ الطبري : 138 ، وغيرها .
وسيأتي في 7 : 188 (بولاق) ، والشعر في زياد، وقبله : دعــاني زيـاد للعطـاء ولـم أكـن لأقربـه مـا سـاق ذو حسـب وفـرا وعنـد زيـاد, لـو يريـد عطـاءهم, رجـال كثـير قـد يـرى بهـمُ فقـرا ويروى : قعودا ، ورواية ابن سلام"طالب حاجة" ، ونصب"أو حاجة بكرا" عطفا على محل"حاجة عوان" ، فمحلها نصب بقوله : "طلاب" .
(94) الخبر : 1206 -"على بن سعيد الكندي" : ترجمنا له في : 1184 ، وفي الأصول هنا"سعد" بدل"سعيد" ، وهو خطأ .
(95) عبارة الفراء هنا أوضح قال : فلا بد لـ"كان" من شيئين" ، ولا بد لـ"أظن" من شيئين ثم يجوز أن تقول : "قد كان ذاك ، وأظن ذلك" .
معاني القرآن 1 : 45 .
(96) كان في المطبوعة : "الذي كان لا بد للظن وكان منهما" ، وهو كلام يضطرب .
(97) انظر معاني القرآن للفراء 1 : 45 .
قوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرونقوله تعالى : قالوا ادع لنا ربك هذا تعنيت منهم وقلة طواعية ، ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أي بقرة كانت لحصل المقصود ، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم ، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما .
ونحو ذلك روى الحسن البصري عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولغة بني عامر " ادع " وقد تقدم ، و " يبين " مجزوم على جواب الأمر .
ما هي ابتداء وخبر .
وماهية الشيء : حقيقته وذاته التي هو عليها .قوله تعالى : قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك في هذا دليل على جواز النسخ قبل وقت الفعل ؛ لأنه لما أمر ببقرة اقتضى أي بقرة كانت ، فلما زاد في الصفة نسخ الحكم الأول بغيره ، كما لو قال : في ثلاثين من الإبل بنت مخاض ، ثم نسخه بابنة لبون أو حقة .
وكذلك هاهنا لما عين الصفة صار ذلك نسخا للحكم المتقدم .
والفارض : المسنة .
وقد فرضت تفرض فروضا ، أي : أسنت .
ويقال للشيء القديم فارض ، قال الراجز :شيب أصداغي فرأسي أبيض محامل فيها رجال فرضيعني هرمى ، قال آخر :لعمرك قد أعطيت جارك فارضا تساق إليه ما تقوم على رجلأي : قديما ، وقال آخر :يا رب ذي ضغن علي فارض له قروء كقروء الحائضأي : قديم .
و " لا فارض " رفع على الصفة لبقرة .
و " لا بكر " عطف .
وقيل : لا فارض خبر مبتدأ مضمر ، أي : لا هي فارض وكذا لا ذلول ، وكذلك لا تسقي الحرث ، وكذلك مسلمة ، فاعلمه .
وقيل : الفارض التي قد ولدت بطونا كثيرة فيتسع جوفها لذلك ؛ لأن معنى الفارض في اللغة الواسع ، قال بعض المتأخرين .
والبكر : الصغيرة التي لم تحمل .
وحكى القتبي أنها التي ولدت .
والبكر : الأول من الأولاد ، قال :يا بكر بكرين ويا خلب الكبد أصبحت مني كذراع من عضدوالبكر أيضا في إناث البهائم وبني آدم : ما لم يفتحله الفحل ، وهي مكسورة الباء .
[ ص: 419 ] وبفتحها الفتي من الإبل .
والعوان : النصف التي قد ولدت بطنا أو بطنين ، وهي أقوى ما تكون من البقر وأحسنه ، بخلاف الخيل ، قال الشاعر يصف فرسا :كميت بهيم اللون ليس بفارض ولا بعوان ذات لون مخصففرس أخصف : إذا ارتفع البلق من بطنه إلى جنبه .
وقال مجاهد : العوان من البقرة هي التي قد ولدت مرة بعد مرة .
وحكاه أهل اللغة .
ويقال : إن العوان النخلة الطويلة ، وهي فيما زعموا لغة يمانية .
وحرب عوان : إذا كان قبلها حرب بكر ، قال زهير :إذا لقحت حرب عوان مضرة ضروس تهر الناس أنيابها عصلأي : لا هي صغيرة ولا هي مسنة ، أي : هي عوان ، وجمعها " عون " بضم العين وسكون الواو ، وسمع " عون " بضم الواو كرسل .
وقد تقدم .
وحكى الفراء من العوان عونت تعوينا .قوله تعالى : فافعلوا ما تؤمرون تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنت فما تركوه ، وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء ، وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه ، وعلى أن الأمر على الفور ، وهو مذهب أكثر الفقهاء أيضا ويدل على صحة ذلك أنه تعالى استقصرهم حين لم يبادروا إلى فعل ما أمروا به فقال : فذبحوها وما كادوا يفعلون .
وقيل : لا ، بل على التراخي ؛ لأنه لم يعنفهم على التأخير والمراجعة في الخطاب .
قاله ابن خويز منداد .
{ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ } أي: ما سنها؟
{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ } أي: كبيرة { وَلَا بِكْرٌ } أي: صغيرة { عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ } واتركوا التشديد والتعنت.
قوله تعالى: {قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي} أي ما صفاتها.
{قال} موسى.
{إنه يقول} يعني أن الله تعالى يقول: {إنها بقرة لا فارض ولا بكر} أي لا كبيرة ولا صغيرة، والفارض المسنة التي لا تلد، يقال منه: فرضت تفرض فروضاً، والبكر الفتاة الصغيرة التي لم تلد قط، وحذفت (الهاء) منهما للاختصاص بالإناث كالحائض.
{عوان} وسط نصف.
{بين ذلك} أي بين السنين يقال عونت المرأة تعويناً: إذا زادت على الثلاثين، قال الأخفش: "(العوان) التي لم تلد قط".
وقيل: العوان التي نتجت مراراً وجمعها عون.
{فافعلوا ما تؤمرون} من ذبح البقرة ولا تكثروا السؤال.
فلما علموا أنه عزم «قالوا ادع لنا ربك يبيّن لنا ما هي» أي ما سنها «قال» موسى «إنه» أي الله «يقول إنها بقرة لا فارضٌ» مسنة «ولا بكرٌ» صغيرة «عوانٌ» نصف «بين ذلك» المذكور من السنين «فافعلوا ما تؤمرون» به من ذبحها.
قالوا: ادع لنا ربَّك يوضح لنا صفة هذه البقرة، فأجابهم: إن الله يقول لكم: صفتها ألا تكون مسنَّة هَرِمة، ولا صغيرة فَتِيَّة، وإنما هي متوسطة بينهما، فسارِعوا إلى امتثال أمر ربكم.
وسؤالهم بهذه الطريقة يوحى بسوء أدبهم مع الله - تعالى - ومع نبيهم موسى - عليه السلام - لأنهم قالوا ( ادع لَنَا رَبَّكَ ) فكأنما هو رب موسى وحده ، لا ربهم كذلك ، وكأن المسألة لا تعنيهم هم إنما تعني موسى وربه ومع هذا فقد أجابهم إجابة المربى الحكيم للأنباع السفهاء الذين ابتلى بهم فقال : ( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ) .أي : قال لهم موسى بعد أن أخبره الله بصفتها : إنه - تعالى - يقول : إن البقرة التي آمركم بذبحها لا مسنة ولا صغيرة ، بل نصف بينهما ، فاتركوا الإِلحاح في الأسئلة ، وسارعوا إلى امتثال ما أمرتم به .وقد أكد - سبحانه - جملة ( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ) تنزيلا لهم منزلة المنكرين لتعنتهم في السؤال ومحاولتهم التنصل مما أمروا به .ولم يقل القرآن الكريم من أول الأمر : إنها بقرة عوان بل جاء بالوصفين السابقين ( لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ ) للتعريض بغباوتهم ، والتلميح بعدم فهمهم للأساليب الموجزة ، لذا لجأ في جوابهم إلى تكنير التوصيف حتى لا يعودوا إلى تكرار الأسئلة .وقوله تعالى : ( فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ) يقصد به قطع العذر مع الحض على الطاعة والامتثال .وما موصولة ، والعائد محذوف بعد حذف جاره ، على طريقة التوسع ، أي : إذا كان الأمر كذلك ، فبادروا إلى تنفيذ ما تؤمرون به ، لتصلوا إلى معرفة القاتل الحقيقي بأيسر طريق ، ولا تضيقوا على أنفسكم ما وسعه الله لكم ، ولا تكثروا من المراجعة ، فإنها ليست في مصلحتكم .
اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات.
روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض.
المسألة الثانية: أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير.
المسألة الثالثة: القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم، وقال منكروا العموم: إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة.
يمكن تقسيمه إلى قسمين، فإنه يصح أن يقال: اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت، فإذن المفهوم من قولك اذبح معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله: اذبحوا بقرة، أي بقرة شئتم، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله: اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله: اذبحوا بقرة معينة نقضاً، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول.
الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ اذبحوا بَقَرَةٌ ﴾ كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد، فإذن قوله: اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ.
الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ بَقَرَةٌ ﴾ لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال: رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم.
والجواب: أن هذا مصادرة على المطلوب الأول، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله: اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت، وهذا هو عين المتنازع فيه.
فهذا هو الكلام في هذه المسألة.
إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في أن قوله تعالى: ﴿ اذبحوا بَقَرَةٌ ﴾ هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا: إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة، وقال المانعون منه: هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا هاهنا.
واحتج الفريق الأول بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ و ﴿ مَا لَوْنُهَا ﴾ وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض ﴾ منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة.
الثاني: أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك، والأول هو المطلوب، والثاني: يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم.
فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال: إنها كنايات عن القصة والشأن، وهذه طريقة مشهورة عند العرب؟
قلنا: هذا باطل لوجوه: أحدها: أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد، لأنه لا فائدة في قوله: ﴿ بَقَرَةٌ صَفْرَاء ﴾ بل لابد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذا المحذور.
وثانيها: أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل.
وثالثها: أن الضمير في قوله: ﴿ مَا لَوْنُهَا وَمَا هِىَ ﴾ لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء ﴾ عائداً إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقاً للسؤال.
الثالث: أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة، فلما سكتوا هاهنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين.
واحتج الفريق الثاني بوجوه: أحدها: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت، وذلك يقتضي العموم، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفاً جديداً.
وثانيها: لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه، فلما عنفهم الله تعالى في قوله: ﴿ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة معينة.
الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
ورابعها: أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز، والجواب: عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة، أي بقرة كانت، وعن الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه، وعن الثالث: أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى، وعن الرابع: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع.
واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت، فلابد وأن نقول: التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول: أي بقرة كانت، وثانياً: أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ثم اختلف القائلون بهذا المذهب، منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع، ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلابد من كونه تكليفاً بعد تكليف، وذلك يدل على أن الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، وله أيضاً تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ هُزُواً ﴾ بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤاً وكفء وقرأ حفص: (هزواً) بالضمتين والواو وكذلك كفواً.
المسألة الثانية: قال القفال قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً ﴾ استفهام على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال: كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى: ﴿ فاتخذتموهم سِخْرِيّاً ﴾ قال صاحب الكشاف: (أتتخذنا هزؤاً) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء.
المسألة الثالثة: القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى: اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حياً فلا جرم، وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حياً بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء.
المسألة الرابعة: قال بعضهم: إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام: أتتخذنا هزؤاً لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر.
ومن الناس من قال: إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين: الأول: أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة، وذلك لايوجب الكفر.
الثاني: أن معنى قوله تعالى: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً ﴾ أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء.
أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازاً هذا هو الوجه الأقوى.
وثانيها: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء.
وثالثها: قال بعضهم: إن نفس الهزء قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللغة: إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم.
واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ .
واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة: السؤال الأول: ما حكى الله تعالى عنهم أنهم: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ فأجاب موسى عليه السلام بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ واعلم أن في الآية أبحاثاً: الأول: أنا إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.
أما على قول من يقول: إنه في أصل اللغة للعموم فلابد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار؟
وفيه وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً تعجبوا من أمر تلك البقرة، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام.
وثانيها: لعل القوم أرادوا بقرة، أي بقرة كانت، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، لما وقعت المنازعة فيه، رجعوا عند ذلك إلى موسى.
وثالثها: أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلباً لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.
البحث الثاني: أن سؤال ما هي طلب لتعريف الماهية والحقيقة، لأن ما سؤال، وهي إشارة إلى الحقيقة، فما هي لابد وأن يكون طلباً للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقاً لهذا السؤال: والجواب عنه: أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم: ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جواباً عن هذا السؤال.
البحث الثالث: قال صاحب الكشاف: الفارض المسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر: الفتية والعوان النصف، قال القاضي: أما البكر، فقيل: إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد، وقيل: إنها التي ولدت مرة واحدة، قال المفضل بن سلمة (الضبي): إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطناً واحداً.
قال القفال: البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال: بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل، وقال بعضهم: العوان التي ولدت بطناً بعد بطن.
وحرب عوان: إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وحاجة عوان: إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.
البحث الرابع: احتج العلماء بقوله تعالى: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك ﴾ على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وهاهنا سؤالان: الأول: لفظة بين تقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟
الجواب: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
السؤال الثاني: كيف جاز أن يشار بلفظه: (ذلك) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر؟
الجواب: جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام.
أما قوله تعالى: ﴿ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ ففيه تأويلان: الأول: فافعلوا ما تؤمرون به من قولك: أمرتك الخير.
والثاني: أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير.
واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال.
ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ﴾ واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها: ﴿ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر، وهاهنا سؤالان: الأول: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء؟
الجواب: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك: صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.
السؤال الثاني: فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟
الجواب: الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده وجنون مجنون.
وعن وهب: إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
أما قوله تعالى: ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها، قال الحسن: الصفراء هاهنا بمعنى السوداء، لأن العرب تسمي الأسود أصفر، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان: ﴿ كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ ﴾ أي سود، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة، فلم يكن حقيقة فيه، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع، إنما يقال: أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً»، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله ﴾ ، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته.
المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة.
أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة.
المسألة الثالثة: احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ من وجهين: الأول: أن دخول كلمة أن عليه يقتضي الحدوث.
والثاني: وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية.
ولنرجع إلى التفسير، فأما قوله تعالى: ﴿ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ ﴾ ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا: ما هو طلب بيان الحقيقة، والمذكور هاهنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال؟
وقد تقدم جوابه.
أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا ﴾ فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و(قرئ) تشابهت ومتشابهة ومتشابه.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ ﴾ ففيه وجوه ذكرها القفال.
أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها.
وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها.
وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث.
ورابعها: إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض ﴾ وقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث ولا الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية، وجملة القول أن الذلول بالعمل لابد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص.
أما قوله تعالى: ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: من العيوب مطلقاً.
وثانيها: من آثار العمل المذكور.
وثالثها: مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس.
ورابعها: مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله: ﴿ لاشية فيها ﴾ تكراراً غير مفيد، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله: ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر: أما قوله تعالى: ﴿ لاشية فيها ﴾ فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله: ﴿ لاشية فيها ﴾ روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون، والوشي خلط لون بلون.
ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا: ﴿ الآن جئت بالحق ﴾ أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل، قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ الآن جئت بالحق ﴾ كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً.
أما قوله تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وهاهنا بحث: وهو أن النحويين ذكروا لكاد تفسيرين.
الأول: قالوا: إن نفيه إثبات وإثباته نفي.
فقولنا: كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا: ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله.
والثاني: وهو اختيار الشيخ عبد القاهر (الجرجاني) النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية.
وهاهنا أبحاث: البحث الأول: روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.
البحث الثاني: روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر، قال: فتلوت الآية عليه فقال: الذبح والنحر سواء، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحاً والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي.
البحث الثالث: اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة، وعلى كلا الوجهين، فالاحجام عن المأمور به غير جائز، أما الأول: فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقاً.
وأما الثاني: وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف، فإن القود إذا كان واجباً عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سبباً للتثاقل في هذا الفعل.
البحث الرابع: احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب.
قال القاضي: إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجباً وأيضاً فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر.
وأقول: حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول: إنه ينافي الوجوب أيضاً فلعله فهم الوجوب هاهنا بسبب آخر سوى الأمر، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعاً إلا على وجه الوجوب.
والجواب: أن المذكور مجرد قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم.
البحث الخامس: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، قالوا: لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور.
أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا ﴾ فاعلم أن وقوع ذلك القتل لابد وأن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح.
أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لابد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفساً من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، وذلك مستقيم.
فإن قيل: هب أنه لا خلل في هذا النظم، ولكن النظم الآخر كان مستحسناً فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟
قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع.
أما قوله تعالى: ﴿ فادرأتم فِيهَا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدافعه ويزاحمه.
وثانيها: أدارأتم ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره.
وثالثها: دفع بعضكم بعضاً عن البراءة والتهمة، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع.
فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه، قال القفال: والكناية في (فيها) للنفس، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله: ﴿ قُتِلْتُمْ ﴾ يدل على المصدر.
أما قوله تعالى: ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل.
فإن قيل: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟
قلنا: قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم، فقلنا ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أي لابد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لابد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال: لابد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه.
المسألة الثانية: الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه.
المسألة الثالثة: تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره.
قال عليه الصلاة والسلام: «إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» وكذلك المعصية.
وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم.
المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة.
أما قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ للتعقيب، وذلك يدل على أن قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ حصل عقيب قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .
المسألة الثانية: الهاء في قوله تعالى: ﴿ اضربوه ﴾ ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .
المسألة الثالثة: يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين، بل على التخير بينها وبين غيرها وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء؟
الجواب: الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان.
السؤال الثاني: هلا أمر بذبح غير البقرة، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة.
المسألة الرابعة: اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو؟
والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير.
واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه.
المسألة الخامسة: في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ وعليه هو كقوله تعالى: ﴿ اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت ﴾ أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً: وقتلاً.
أما قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت.
والثاني: أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم؟
فيه وجهان.
الأول: قال الأصم: إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر.
قال القاضي: وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت، ثم قال: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ فجمع ﴿ الموتى ﴾ ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال: دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته.
الثاني: قال القفال: ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل: إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى ﴾ إلى قوله: ﴿ لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى ﴾ فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً، ثم قال لهم: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة.
المسألة الثانية: من الناس من استدل بقوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً.
أما قوله تعالى: ﴿ وَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ فلقائل أن يقول: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟
والجواب: أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات.
العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً.
وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة.
أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ففيه بحثان: الأول: أن كلمة لعل قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .
الثاني: أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلاً امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لابد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص، حتى لا ينكروا البعث، هذا آخر الكلام في تفسير الآية.
واعلم أن كثيراً من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟
قالوا: لا.
لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلاً في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلاً.
قال القاضي: لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا؟
وبتقدير أن يكون وارثاً له فهل حرم الميراث أم لا؟
وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملاً ولا مفصلاً، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف.
واعلم أن الذي قاله القاضي حق، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول: اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمداً كان أو خطأ أو كان مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، وعند أبي حنيفة رحمه الله، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه، وكذا القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب، وقال عثمان البتي: قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث، وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي.
واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس للقاتل من الميراث شيء» إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، ثم هاهنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصاً سبب آخر، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جداً على القوي جداً.
أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به.
واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروماً عن الميراث بأنا لا نعلم خلافاً أن من وجب له القود على إنسان فقتله قوداً أنه لا يحرم من الميراث، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزواً بنا، أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء ﴿ مِنَ الجاهلين ﴾ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه.
وقرى ﴿ هزؤاً ﴾ بضمتين.
و ﴿ هزءاً ﴾ بسكون الزاي، نحو كفؤا وكفؤاً.
وقرأ حفص: ﴿ هزواً ﴾ بالضمتين والواو وكذلك ﴿ كفواً ﴾ .
والعياذ واللياذ من واد واحد.
في قراءة عبد الله: ﴿ سل لنا ربك ما هي ﴾ ؟
سؤال عن حالها وصفتها.
وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر.
والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض.
قال خفاف بن ندبة: لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً ** تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.
والبكر: الفتية.
والعوان النصف.
قال: نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ وقد عوّنْت.
فإن قلت: ﴿ بَيْنَ ﴾ يقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ﴿ ذلك ﴾ قلت: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟
قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام، كما جعلوا (فعل) نائباً عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالاً كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك.
وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا.
قال أبو عبيدة: قلت: لرؤبة في قوله: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وبَلَق ** كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إن أردت الخطوط فقل: كأنها.
وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما.
فقال: أردت كأن ذاك ويلك!
والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات.
ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ﴿ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله: أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير.
الفقوع: أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه.
يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق.
وأحمر قاني وذريحي.
وأخضر ناضر ومدهامّ.
وأورق خطبانيّ وأرمك ردانيّ.
فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون، فلم يقع توكيداً لصفراء قلت: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.
فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟
وأي فائدة في ذكر اللون؟
قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون.
وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.
وعن علي رضي الله عنه: من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى: ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري ﴿ صَفْرآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ : سوداء شديدة السواد.
ولعله مستعار من صفة الإبل؛ لأن سوادها تعلوه صفرة.
وبه فسر قوله تعالى: ﴿ جمالات صُفْرٌ ﴾ [المرسلات: 33] .
قال الأعشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ** هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ ﴿ مَا هِىَ ﴾ مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم» والاستقصاء شؤم.
وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبدأ؟
فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتني: بأي نوع منها أبدأ؟
وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطي فلاناً شاة سألتني: أضائن أم ماعز؟
فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟
فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟
فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني.
وفي الحديث: «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسئلته» ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا ﴾ أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح وقرئ: ﴿ تشّابه ﴾ ، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين.
وتشابهت ومتشابهة ومتشابه.
وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشَّابه، بالياء والتشديد.
جاء في الحديث: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أي: لو لم يقولوا إن شاء الله.
والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها.، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، و(لا) الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي.
على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: لا ذلول، بمعنى لا ذلول هناك: أي حيث هي، وهو نفي لذلها؛ ولأن توصف به فيقال: هي ذلول.
ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان.
أي فيهم، أو حيث هم.
وقرئ ﴿ تُسقي ﴾ بضم التاء من أسقى ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله: أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِه ** مَا حَجَّ رَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان ﴿ لاَّ شِيَةَ فِيهَا ﴾ لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها.
وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لوناً آخر، ومنه ثور موشى القوائم ﴿ جِئْتَ بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها ﴿ فَذَبَحُوهَا ﴾ أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.
وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.
وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
وروي: أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.
فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟
قلت: رجع منسوخاً لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز.
على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولاً لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالاً له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادرأتم ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً، أي يدفعه ويزحمه.
أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح.
أو لأنّ الطرح في نفسه دفع.
أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً.
فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضيّ؟
قلت: وقد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ.
كما حكى الحاضر في قوله: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ [الكهف: 18] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (ادّارأتم) و(فقلنا) والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دلّ عليه من قوله: (ما كنتم تكتمون).
﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ ببعض البقرة.
واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عَجْبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهوأصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين.
والمعنى: فضربوه فحيي، فحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ .
وروي: أنهم لمّا ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه، ثم سقط ميتاً، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك.
﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ إما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة ﴿ وَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ ودلائله على أنه قادر على كل شيء ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ تعملون على قضية عقولكم.
وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث.
وإما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟
ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟
قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد.
وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرّب به، وأن يختاره فتيّ السنِّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون برياً من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضي الله عنه: أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مسّ الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة.
فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذا قتلتم نفساً فأدّارأتم فيها فقلنا: اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟
قلت: كل ما قصّ من قصص بني إسرائيل إنما قصّ تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولمّا جدّد فيهم من الآيات العظام.
وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك.
والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة.
وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع.
ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيتهِ بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ أيْ ما حالُها وصِفَتُها، وكانَ حَقُّهم أنْ يَقُولُوا: أيُّ بَقَرَةٍ هِيَ؟
أوْ كَيْفَ هِيَ؟
لِأنَّ ما يُسْألُ بِهِ عَنِ الجِنْسِ غالِبًا، لَكِنَّهم لَمّا رَأوْا ما أُمِرُوا بِهِ عَلى حالٍ لَمْ يُوجَدْ بِها شَيْءٌ مِن جِنْسِهِ، أجْرَوْهُ مَجْرى ما لَمْ يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ ولَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ.
﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ ﴾ لا مُسِنَّةٌ ولا فَتِيَّةٌ، يُقالُ فَرَضَتِ البَقَرَةُ فُرُوضًا مِنَ الفَرْضِ وهو القَطْعُ، كَأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها، وتَرْكِيبُ البِكْرِ لِلْأوَّلِيَّةِ ومِنَ البُكْرَةِ والباكُورَةِ.
﴿ عَوانٌ ﴾ نِصْفٌ.
قالَ شِعْرٌ: نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُونُ.
﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيْ بَيْنِ ما ذُكِرَ مِنَ الفارِضِ والبِكْرِ ولِذَلِكَ أُضِيفَ إلَيْهِ بَيْنَ، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، وعَوْدُ هَذِهِ الكِناياتِ وإجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ عَلى بَقَرَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها مُعَيَّنَةٌ، ويَلْزَمُهُ تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، ومَن أنْكَرَ ذَلِكَ زَعَمَ أنَّ المُرادَ بِها بَقَرَةٌ مِن شِقِّ البَقَرِ غَيْرُ مَخْصُوصَةٍ ثُمَّ انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِسُؤالِهِمْ، ويَلْزَمُهُ النَّسَخُ قَبْلَ الفِعْلِ، فَإنَّ التَّخْصِيصَ إبْطالُ لِلتَّخْيِيرِ الثّابِتِ بِالنَّصِّ والحَقُّ جَوازُهُما، ويُؤَيِّدُ الرَّأْيَ الثّانِيَ ظاهِرُ اللَّفْظِ والمَرْوِيُّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ «لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ أرادُوا لَأجْزَأتْهُمْ، ولَكِنْ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» .
وتَقْرِيعُهم بِالتَّمادِي وزَجْرُهم عَلى المُراجَعَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ﴾ أيْ ما تُؤْمَرُونَهُ، بِمَعْنى تُؤْمَرُونَ بِهِ مِن قَوْلِهِمْ: أمَرْتُكَ الخَيْرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتَ بِهِ، أوْ أمْرُكم بِمَعْنى مَأْمُورِكم.
<div class="verse-tafsir"
{قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هِىَ} سؤال عن حالها وصفتها لأنهم كانوا عاملين بماهيتا لأن ما وإن كانت سؤالاً عن الجنس وكيف عن الوصف ولكن قد تقع ما موقع كيف وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن وما هي خبر ومبتدأ {قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ} مسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها أى قطعتها وبلغت آخر ها وارتفع فارض لأنه صفة لبقرة وقوله {وَلاَ بِكْرٌ} فتية عطف عليه {عَوَانٌ} نصف {بَيْنَ ذلك} بين الفارض والبكر ولم يقل بين ذينك مع أن بين يقتضي شيئين فصاعداً لأنه أراد بين هذا المذكور وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا قال أبو عبيدة قلت لرؤية فى قوله
البقرة (٦٨ _ ٧١)
...
فيها خطوط من سواد وبلق ...
كأنه في الجلد توليع البهق ...
إن أردت الخطوط فقل كأنها وإن أردت السواد والبلق فقل كأنهما
فقال أردت كأن ذاك {فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ} أي تؤمرونه بمعنى تؤمرون به أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير
﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ أيْ سَلْ لِأجْلِنا رَبَّكَ الَّذِي عَوَّدَكَ ما عَوَّدَكَ يُظْهِرُ لَنا ما حالُها وصِفَتُها، فالسُّؤالُ في الحَقِيقَةِ عَنِ الصِّفَةِ، لِأنَّ الماهِيَّةَ ومُسَمّى الِاسْمِ مَعْلُومانِ، ولا ثالِثَ لَهُما، لِتُسْتَعْمَلَ ما فِيهِ، أمّا إذا أُرِيدَ بَقَرَةٌ مُعَيَّنَةٌ فَظاهِرٌ، لِأنَّهُ اسْتِفْسارٌ لِبَيانِ المُجْمَلِ، وإلّا فَلِمَكانِ التَّعَجُّبِ، وتُوِهِّمَ أنَّ مِثْلَ هَذِهِ البَقَرَةِ لا تَكُونُ إلّا مُعَيَّنَةً، والجَوابُ عَلى الأوَّلِ بَيانٌ، وعَلى الثّانِي نَسْخٌ وتَشْدِيدٌ، وهَكَذا الحالُ فِيما سَيَأْتِي مِنَ السُّؤالِ والجَوابِ، وكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ عَلى الأوَّلِ أيْ لِأنَّها لِلسُّؤالِ عَنِ المُمَيَّزِ وصْفًا كانَ أوْ ذاتِيًّا.
وعَلى الثّانِي كَيْفَ؟
لِأنَّها مَوْضُوعَةٌ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالِ، (وما) وإنْ سُئِلَ بِها عَنِ الوَصْفِ لَكِنَّهُ عَلى سَبِيلِ النُّدُورِ، وهو إمّا مَجازٌ أوِ اشْتِراكٌ كَما صُرِّحَ بِهِ في المِفْتاحِ، والغالِبُ السُّؤالُ بِها عَنِ الجِنْسِ، فَإنْ أُجْرِيَتْ هُنا عَلى الِاسْتِعْمالِ الغالِبِ نَزَلَ مَجْهُولُ الصِّفَةِ لِكَوْنِهِ عَلى صِفَةٍ لَمْ يُوجَدْ عَلَيْها جِنْسُهُ، وهو إحْياءُ المَيِّتِ بِضَرْبِ بَعْضِهِ مَنزِلَةَ مَجْهُولِ الحَقِيقَةِ، فَيَكُونُ سُؤالًا عَنِ الجِنْسِ تَنْزِيلًا، وعَنِ الصِّفَةِ حَقِيقَةً، وإنْ أُجْرِيَتْ عَلى النّادِرِ لَمْ يُحْتَجْ إلى التَّنْزِيلِ المَذْكُورِ، والقَوْلُ إنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُجْعَلَ (ما هِيَ) عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ ما حالُها، فَيَكُونُ سُؤالًا عَنْ نَوْعِ حالٍ تَفَرَّعَ عَلَيْهِ هَذِهِ الخاصِّيَّةُ عَلى بُعْدِهِ خالٍ عَنِ اللَّطافَةِ اللّائِقَةِ بِشَأْنِ الكِتابِ العَزِيزِ، (وما) اسْتِفْهامِيَّةُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ (لِهِيَ)، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ (بِيُبَيِّنْ) لِأنَّهُ مُعَلَّقٌ عَنْها، وجازَ فِيهِ ذَلِكَ لِشَبَهِهِ بِأفْعالِ القُلُوبِ، والمَعْنى: ﴿ يُبَيِّنْ لَنا ﴾ جَوابَ هَذا السُّؤالِ، ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ ﴾ الفارِضُ اسْمٌ لِلْمُسِنَّةِ الَّتِي انْقَطَعَتْ وِلادَتُها مِنَ الكِبَرِ، والفِعْلُ فَرَضَتْ بِفَتْحِ الرّاءِ وضَمِّها، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدُمَ وطالَ أمْرُهُ: فارِضٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ: يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ وكَأنَّ المُسِنَّةَ سُمِّيَتْ فارِضًا لِأنَّها فَرَضَتْ سِنَّها أيْ قَطَعَتْها، وبَلَغَتْ آخِرَها، والبِكْرُ اسْمٌ لِلصَّغِيرَةِ، وزادَ بَعْضُهُمُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِّغَرِ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: هي الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِّساءِ الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرِّجالُ، وقِيلَ: هي الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ، والبِكْرُ مِنَ الأوْلادِ الأوَّلُ، ومِنَ الحاجاتِ الأُولى، والبَكْرُ بِفَتْحِ الباءِ الفَتِيُّ مِنَ الإبِلِ، والأُنْثى بَكْرَةٌ، وأصْلُهُ مِنَ التَّقَدُّمِ في الزَّمانِ، ومِنهُ البَكْرَةُ والباكُورَةُ، والِاسْمانِ صِفَةُ (بَقَرَةً)، ولَمْ يُؤْتَ بِالتّاءِ لِأنَّهُما اسْمانِ لِما ذُكِرَ، واعْتَرَضَتْ (لا) بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، وكُرِّرَتْ لِوُجُوبِ تَكْرِيرِها مَعَ الخَبَرِ، والنَّعْتِ، والحالِ، إلّا في الضَّرُورَةِ خِلافًا لِلْمُبَرِّدِ، وابْنِ كَيْسانَ كَقَوْلِهِ: قَهَرْتُ العِدا لا مُسْتَعِينًا بِعُصْبَةٍ ∗∗∗ ولَكِنْ بِأنْواعِ الخَدائِعِ والمَكْرِ ومَن جَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الوَصْفِ بِالجُمَلِ فَقَدَّرَ مُبْتَدَأً أيْ لا هي فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَقَدْ أبْعَدَ، إذِ الأصْلُ الوَصْفُ بِالمُفْرَدِ، والأصْلُ أيْضًا أنْ لا حَذْفَ، وذَكَرَ (يَقُولُ) لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى لا مِن عِنْدِ نَفْسِهِ.
﴿ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيْ مُتَوَسِّطَةُ السِّنِّ، وقِيلَ: هي الَّتِي ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، وقِيلَ: مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، ويُجْمَعُ عَلى فُعَلٍ كَقَوْلِهِ: طِوالٌ مِثْلُ أعْناقِ الهَوادِي ∗∗∗ نَواعِمُ بَيْنَ أبْكارٍ وعُوَنِ ويَجُوزُ ضَمُّ عَيْنِ الكَلِمَةِ في الشِّعْرِ، وفائِدَةُ هَذا بَعْدَ ﴿ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ ﴾ نَفْيُ أنْ تَكُونَ عِجْلًا، أوْ جَنِينًا، وأرادَ مِن ذَلِكَ ما ذُكِرَ مِنَ الوَصْفَيْنِ السّابِقَيْنِ، وبِهَذا صَحَّ الإفْرادُ، وإضافَةُ بَيْنَ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا يُضافُ إلّا إلى مُتَعَدِّدٍ، وكَوْنُ الكَلامِ مِمّا حُذِفَ مِنهُ المَعْطُوفُ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ وهَذا، أيِ الفارِضِ والبِكْرِ، فَيَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: فَما كانَ بَيْنَ الخَيْرِ لَوْ جاءَ سالِمًا ∗∗∗ أبُو حَجَرٍ إلّا لَيالٍ قَلائِلُ حَيْثُ أرادَ بَيْنَ الخَيْرِ وباعِثِهِ، تَكَلُّفٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِما ذُكِرَ، واخْتارَ السَّجاوَنْدِيُّ أنَّ المُرادَ في وسَطِ زَمانِ الصَّلاحِ لِلْعَوانِ، واعْتِدالِهِ تَقُولُ: سافَرْتُ إلى الرُّومِ، وطُفْتُ بَيْنَ ذَلِكَ، فالمُشارُ إلَيْهِ عَوانٌ، وارْتَضاهُ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ مُدَّعِيًا أنَّهُ أوْلى، لِئَلّا يَفُوتَ مَعْنى بَيْنَ ذَلِكَ، لِأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ قالُوا: بَقَرَةٌ عَوانٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، وعَلى الشّائِعِ رُبَّما يَحْتاجُ الأمْرُ إلى تَجْرِيدٍ، كَما لا يَخْفى، ثُمَّ إنَّ عَوْدَ الضَّمائِرِ المَذْكُورَةِ في السُّؤالِ والجَوابِ، وإجْراءُ تِلْكَ الصِّفاتِ عَلى بَقَرَةٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِها مُعَيَّنَةٌ، لِأنَّ الأوَّلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الكَلامَ في البَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها، والثّانِي يُفِيدُ أنَّ المَقْصِدَ تَعْيِينُها، وإزالَةُ إبْهامِها بِتِلْكَ الصِّفاتِ، كَما هو شَأْنُ الصِّفَةِ لا أنَّها تَكالِيفُ مُتَغايِرَةٌ، بِخِلافِ ما إذا ذَكَرَ تِلْكَ الصِّفاتِ بِدُونِ الإجْراءِ، وقِيلَ: إنَّها لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ، فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَقْصُودُ مِنهُ تَبْدِيلَ الحُكْمِ السّابِقِ، والقَوْلَ بِأنَّهم لَمّا تَعَجَّبُوا مِن بَقَرَةٍ مَيِّتَةٍ يُضْرَبُ بِبَعْضِها مَيِّتٌ فَيَحْيا، ظَنُّوها مُعَيَّنَةً خارِجَةً عَمّا عَلَيْهِ الجِنْسُ، فَسَألُوا عَنْ حالِها وصِفَتِها، فَوَقَعَتِ الضَّمائِرُ لِمُعَيَّنَةٍ بِاعْتِقادِهِمْ، فَعُيِّنَتْ تَشْدِيدًا عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنِ المُرادُ مِنها أوَّلَ الأمْرِ مُعَيَّنَةً، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لَمْ تَكُنِ الضَّمائِرُ عائِدَةً إلى ما أُمِرُوا بِذَبْحِها، بَلْ ما اعْتَقَدُوها، والظّاهِرُ خِلافُهُ واللّازِمُ عَلى هَذا تَأْخِيرُ البَيانِ عَنْ وقْتِ الخِطابِ، ولَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ، والمُمْتَنِعُ تَأْخِيرُهُ عَنْ وقْتِ الحاجَةِ، إلّا عِنْدَ مَن يُجَوِّزُ التَّكْلِيفَ بِالمُحالِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ، إذْ لا دَلِيلَ عَلى أنَّ الأمْرَ هُنا لِلْفَوْرِ، حَتّى يُتَوَهَّمَ ذَلِكَ، ومِنَ النّاسِ مَن أنْكَرُوا ذَلِكَ، وادَّعَوْا أنَّ المُرادَ بِها بَقَرَةٌ مِن نَوْعِ البَقَرِ، بِلا تَعْيِينٍ، وكانَ يَحْصُلُ الِامْتِثالُ لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ كانَتْ، إلّا أنَّها انْقَلَبَتْ مَخْصُوصَةً بِسُؤالِهِمْ، وإلَيْهِ ذَهَبَ جَماعَةٌ مِن أهْلِ التَّفْسِيرِ، وتَمَسَّكُوا بِظاهِرِ اللَّفْظِ، فَإنَّهُ مُطْلَقٌ، فَيُتْرَكُ عَلى إطْلاقِهِ مَعَ ما أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، مَوْقُوفًا، (لَوْ ذَبَحُوا أيَّ بَقَرَةٍ أرادُوا لَأجْزَأتْهُمْ، ولَكِنْ شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ)، وأخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في سُنَنِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا، وبِأنَّهُ لَوْ كانَتْ مُعَيَّنَةً لَما عَنَّفَهم عَلى التَّمادِي، وزَجَرَهم عَنِ المُراجَعَةِ إلى السُّؤالِ، واللّازِمُ حِينَئِذٍ النَّسْخُ قَبْلَ الفِعْلِ بِناءً عَلى مَذْهَبِ مَن يَقُولُ: الزِّيادَةُ عَلى الكِتابِ نَسْخٌ كَجَماهِيرِ الحَنَفِيَّةِ القائِلِينَ بِأنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ يَتَضَمَّنُ التَّخْيِيرَ، وهو حُكْمٌ شَرْعِيٌّ، والتَّقْيِيدُ يَرْفَعُهُ، وهو جائِزٌ، بَلْ واقِعٌ كَما في حَدِيثِ فَرْضِ الصَّلاةِ لَيْلَةَ المِعْراجِ، والمُمْتَنِعُ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ بِالِاتِّفاقِ، لِأنَّهُ بَداءٌ، وقَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ عِنْدَ المُعْتَزِلَةِ، ولَيْسَ بِلازِمٍ عَلى ما قِيلَ، عَلى أنَّهُ قِيلَ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِنَسْخٍ، لِأنَّ البَقَرَةَ المُطْلَقَةَ مُتَناوِلَةٌ لِلْبَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ، وذَبْحَ البَقَرَةِ المَخْصُوصَةِ ذَبْحٌ لِلْبَقَرَةِ مُطْلَقًا، فَهو امْتِثالٌ لِلْأمْرِ الأوَّلِيِّ، فَلا يَكُونُ نَسْخًا، واعْتُرِضَ عَلى كَوْنِ التَّخْيِيرِ حُكْمًا شَرْعِيًّا إلَخْ، بِالمَنعِ مُسْتَنِدًا بِأنَّ الأمْرَ المُطْلَقَ إنَّما يَدُلُّ عَلى إيجابِ ماهِيَّةٍ مِن حَيْثُ هي بِلا شَرْطٍ، لَكِنْ لَمّا لَمْ تَتَحَقَّقْ إلّا في ضِمْنِ فَرْدٍ مُعَيَّنٍ جاءَ التَّخْيِيرُ عَقْلًا مِن غَيْرِ دِلالَةِ النَّصِّ عَلَيْهِ، وإيجابُ الشَّيْءِ لا يَقْتَضِي إيجابَ مُقَدِّمَتِهِ العَقْلِيَّةِ، إذِ المُرادُ بِالوُجُوبِ الوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ، ومِنَ الجائِزِ أنْ يُعاقَبَ المُكَلَّفُ عَلى تَرْكِ ما يَشْمَلُهُ مُقَدِّمَةٌ عَقْلِيَّةٌ، ولا يُعاقَبُ عَلى تَرْكِ المُقَدِّمَةِ، ونُسِبَ هَذا الِاعْتِراضُ لِمَوْلانا القاضِي في مَنهِيّاتِهِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّ تَحْقِيقَ هَذا المَقامِ أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ بِالبَقَرَةِ المَأْمُورِ بِذَبْحِها مُطْلَقَ البَقَرَةِ، أيَّ بَقَرَةٍ كانَتْ، فالنَّسْخُ جائِزٌ، لِأنَّ شَرْطَ النَّسْخِ التَّمَكُّنُ مِنَ الِاعْتِقادِ، وهو حاصِلٌ بِلا رَيْبٍ، وإنْ كانَ البَقَرَةَ المُعَيَّنَةَ، فَلا يَجُوزُ النَّسْخُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنَ الِاعْتِقادِ حِينَئِذٍ، لِأنَّهُ إنَّما حَصَلَ بَعْدَ الِاسْتِفْسارِ، فاخْتِلافُ العُلَماءِ في جَوازِ النَّسْخِ وعَدَمِهِ في هَذا المَقامِ مِن بابِ النِّزاعِ اللَّفْظِيِّ، فَتَدَبَّرْ، ﴿ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ﴾ أيْ مِن ذَبْحِ البَقَرَةِ، ولا تُكَرِّرُوا السُّؤالَ، ولا تَتَعَنَّتُوا، وهَذِهِ الجُمْلَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَرَّضَهم عَلى امْتِثالِ ما أُمِرُوا بِهِ، شَفَقَةً مِنهُ عَلَيْهِمْ، (وما) مَوْصُولَةٌ، والعائِدُ مَحْذُوفٌ، أيْ ما تُؤْمَرُونَهُ بِمَعْنى: ما تُؤْمَرُونَ بِهِ، وقَدْ شاعَ حَذْفُ الجارِّ في هَذا الفِعْلِ حَتّى لَحِقَ بِالمُتَعَدِّي إلى مَفْعُولَيْنِ، فالمَحْذُوفُ مِن أوَّلِ الأمْرِ هو المَنصُوبُ، وأجازَ بَعْضُهم أنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، أيْ فافْعَلُوا أمْرَكُمْ، ويَكُونُ المَصْدَرُ بِمَعْنى المَفْعُولِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ ﴾ عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ، وفِيهِ بُعْدٌ، لِأنَّ ذَلِكَ في الحاصِلِ بِالسَّبْكِ قَلِيلٌ، وإنَّما كَثُرَ في صِيغَةِ المَصْدَرِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قال ابن عباس: وذلك أن بني إسرائيل قيل لهم في التوراة: أيما قتيل وجد بين قريتين لا يدرى قاتله، فليقس إلى أيتهما أقرب، فعمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما واسمه عاميل، فقتلاه لكي يرثاه وكانت ابنة عم لهما شابة جميلة حسناء، فخشيا أن ينكحها ابن عمها عاميل، ثم حملاه إلى جانب قرية، فأصبح أهل القرية والقتيل بين أظهرهم، فأخذ أهل القرية بالقتيل وجاءوا به إلى موسى.
وروى ابن سيرين عن عبيدة السلماني أن رجلاً كان له قرابة فقتله ليرثه ثم ألقاه على باب رجل، ثم جاء يطلب بدمه، فهموا أن يقتتلوا ولبس الفريقان السلاح، فقال رجل: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟
فجاؤوا إلى موسى- عليه الصلاة والسلام- فأخبروه بذلك، فدعا الله تعالى في ذلك أن يبيِّن لهم المخرج من ذلك، فأوحى الله تعالى إليه، فأخبرهم بذلك وقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها، يعني بعض أعضاء تلك البقرة فيحيا، فيخبركم من قتله قالُوا: يا موسى، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟
قرأ عاصم في رواية حفص برفع الزاي بغير همز، وقرأ حمزة بسكون الزاي مع الهمزة، وقرأ الباقون بالهمز ورفع الزاي.
ومعناه أتتخذنا سخرية، يعني أتسخر بنا يا موسى؟
فإن قيل: ألم يكن هذا القول منهم كفراً، حيث نسبوه إلى السخرية؟
قلنا: الجواب أن يقال قد ظهر عندهم علامات نبوته وعلموا أن قوله حق، ولكنهم أرادوا بهذا الكشف والبيان ولم يريدوا به الحقيقة ف قالَ لهم موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، يعني أمتنع بالله.
ويقال: معاذ الله أن أكون من المستهزئين.
قال ابن عباس في رواية أبي صالح: فلو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم بالمسألة فشدد الله عليهم بالمنع لما قالُوا: يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك أن يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، أي يبيِّن لنا كيفية البقرة، إنها صغيرة أو كبيرة.
قالَ لهم موسى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ فارِضٌ وَلا بِكْرٌ، يعني لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ، وسطاً ونصفاً بين ذلك يعني بين الصغيرة والكبيرة.
وقد قيل في المثل: «العوان لا تعلَّم الخُمْرة» ، يعني أن المرأة البالغة ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن تختمر.
وقوله تعالى: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ولا تسألوا.
فسألوا وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
قالُوا: يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها، قال لهم موسى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، يعني شديد الصفرة.
كما يقال: أصفر فاقع إذا كان شديد الصفرة، كما يقال: أسود حالك، وأبيض يقق، وأحمر قاني، وأخضر ناصع إذا وصف بالشدة.
وقال بعضهم: أراد به بقرة صفراء الظلف والقرن، أي شعرها وظلفها وقرنها وكل شيء منها أصفر.
ويقال: أراد به البقرة السوداء، لأن السواد الشديد يضرب إلى الصفرة، كما قال تعالى: كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: 33] ، وكما قال القائل: تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ، وَتِلْكَ رِكَابِي ...
هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ أراد بالصفر السود.
ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أن المراد به صفراء اللون، إلا قولاً روي عن الحسن البصري.
قوله عز وجل: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، يعني تعجب من نظر إليها لحسن لونها، فشددوا على أنفسهم وقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، يعني إنها من العوامل أو من غيرها.
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا، أي تشاكل علينا في أسنانها وألوانها وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، يعني نهتدي للقاتل.
ويقال: نهتدي إلى البقرة أي ندركها بمشيئة الله تعالى.
وروي عن ابن عباس أنه قال: لولا أنهم استثنوا لم يدركوها.
وروي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي أنه قال: «لو أن بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَوْلا أَنَّهُمْ قَالُوا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ مَا وَجَدُوها» .
قالَ إِنَّهُ، لهم موسى: إن ربكم يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ، يقول لم يذللها العمل.
وقال أهل اللغة: الذلول في الدواب مثل الذليل في الناس، يقال: رجل ذليل، ودابة ذليلة بيِّنة الذل.
تُثِيرُ الْأَرْضَ أي تقلبها للزراعة.
ويقال للبقرة: المثيرة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، يعني لا يسقى عليها الحرث، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي الزرع، ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئاً من هذه الأعمال.
مُسَلَّمَةٌ يقال: مهذبة سليمة من العيوب.
ويقال: مسلمة من الألوان.
لاَّ شِيَةَ فِيها، قال بعضهم لا عيب فيها وقال بعضهم: لا وضح فيها ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة.
وقال أهل اللغة: أصله من وشى الثوب، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة وزنة.
فلما وصف لهم موسى ذلك، قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، يعني الآن أتممت الصفة.
ويقال: الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب.
فَذَبَحُوها، يعني البقرة وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، أي كادوا أن لا يذبحوها.
وقد قيل: إنما أرادوا أن لا يذبحوها، لأن كل واحد منهم خشي أن يظهر القاتل من قبيلته.
وقال بعضهم: وما كادوا يفعلون لغلاء ثمن البقرة، لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل، كان باراً بوالديه وكان يصلي ثلث الليل، وينام ثلث الليل، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ويقول لها: إن لم تقدري على القيام فسبحي الله وهللي، وكان ورث عن أبيه بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة، فاشتروها بملئ مسكها دنانير.
وقال بعضهم: كان رجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس يوماً بجراب من لؤلؤ فعرض عليه، وأراد أن يبيع منه بمائة ألف، وكان ذلك يساوي مائتي ألف.
فلما أراد أن يشتري، فإذا مفتاح الصندوق كان تحت رأس أبيه وهو نائم، فذهب ليوقظه ويرفع المفتاح ويدفع الثمن، ثم قال في نفسه: كيف أوقظ أبي لأجل ربح مائة ألف ولم يحتمل قلبه فرجع، فقال: إن أبي نائم.
فقال له إبليس: اذهب فأيقظه فإني أبيع منك بخمسين ألفاً فذهب ليوقظه فلم يحتمل قلبه فرجع فلا زال إبليس يحط من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم فلم يوقظ أباه وترك الشراء ذلك.
فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملء مسكها ذهبا.
<div class="verse-tafsir"
الفأر» ، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه صلّى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله صلّى الله عليه وسلم على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلّى الله عليه وسلم: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال:
الزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها.
قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب «١» ، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها «٢» ، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى «٣» .
وَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.
وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ...
الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه.
وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء «١» حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لوجب تكفيره.
وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً.
والآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم.
٢٤ ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ ...
الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره «٢» .
والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة.
قال م: قال الجَوْهَرِيُّ «٣» : والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون.
انتهى.
ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ «١» في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز]
معنى «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ ...
وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ
وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه.
وقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه.
قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ» : فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها.
انتهى.
والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية «٢» .
وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر.
ورُوِيَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا» «٣» .
وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب «١» ، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان «٢» ، وقيل: من العمل «٣» .
ولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة.
وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة «٤» ، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى ٢٥ أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه.
/ فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ «٥» ،
وقيل: بوزنها مرتَيْنِ «١» .
وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات «٢» ، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير «٣» .
والْآنَ: مبنيٌّ على الفتح «٤» ، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ.
وقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة «٥» ، وقيل: كان
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ.
﴾ ذِكْرُ السَّبَبِ في أمْرِهِمْ بِذَبْحِ البَقَرَةِ.
رَوى ابْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ عَقِيمٌ لا يُولَدُ لَهُ، ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وكانَ ابْنُ أخِيهِ وارِثَهُ، فَقَتَلَهُ واحْتَمَلَهُ لَيْلًا، فَأتى بِهِ حَيًّا آَخَرَ، فَوَضَعَهُ عَلى بابِ رَجُلٍ مِنهم، ثُمَّ أصْبَحَ يَدَّعِيهِ حَتّى تَسَلَّحُوا، ورَكِبَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَأتَوْا مُوسى فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ، فَأمَرَهم بِذَبْحِ البَقَرَةِ.
وَرَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ لَهُ بِنْتٌ وابْنُ أخٍ فَقِيرٍ، فَخَطَبَ إلَيْهِ ابْنَتَهُ، فَأبى، فَغَضِبَ وقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ عَمِّي، ولَآَخُذَنَّ مالَهُ ولَأنْكِحَنَّ ابْنَتَهُ، ولَآَكُلَنَّ دِيَتَهُ، فَأتاهُ فَقالَ: قَدْ قَدِمَ تُجّارٌ في بَعْضِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، فانْطَلِقْ مَعِي فَخُذْ لِي مِن تِجارَتِهِمْ لَعَلِّي أُصِيبُ فِيها رِبْحًا، فَخَرَجَ مَعَهُ، فَلَمّا بَلَغا ذَلِكَ السَّبْطُ، قَتَلَهُ الفَتى، ثُمَّ رَجَعَ، فَلَمّا أصْبَحَ، جاءَ كَأنَّهُ يَطْلُبُ عَمَّهُ لا يَدْرِي أيْنَ هو، فَإذا بِذَلِكَ السَّبْطِ قَدِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَأمْسَكَهم وقالَ: قَتَلْتُمْ عَمِّي وجَعَلَ يَبْكِي وَيُنادِي: واعَمّاهُ.
قالَ أبُو العالِيَةِ: والَّذِي سَألَ مُوسى أنْ يَسْألَ اللَّهَ البَيانَ: القاتِلُ.
وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ القَوْمُ اجْتَمَعُوا فَسَألُوا مُوسى، فَلَمّا أمَرَهم بِذَبْحِ بِقَرَةٍ، قالُوا: أتَتَّخِذُنا هُزُوًا.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، والكِسائِيُّ: هُزُؤًا، بِضَمِّ الهاءِ والزّايِ والهَمْزَةِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وإسْماعِيلُ، وخَلَفٌ في اخْتِيارِهِ، والفَرّاءُ عَنْ عَبْدِ الوارِثِ، والمُفَضَّلِ: هُزْءًا، بِإسْكانِ الزّايِ.
ورَواهُ حَفْصٌ بِالضَّمِّ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وحَكى أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ أنَّ كُلَّ اسْمٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ أوَّلُهُ مَضْمُومٌ، فَمِنَ العَرَبِ مَن يُثَقِّلُهُ، ومِنهم مَن يُخَفِّفُهُ، نَحْوُ العُسْرِ واليُسْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ ﴾ .
وَإنَّما انْتَفى مِنَ الهَزْءِ، لِأنَّ الهازِئَ جاهِلٌ لاعِبٌ، فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الأمْرَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، قالُوا: ﴿ ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما سَألُوا: ما هي، لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّ بَقَرَةً يُحْيا بِضَرْبِ بَعْضِها مَيِّتٌ.
فَأمّا الفارِضُ فَهِيَ: المُسِنَّةُ، يُقالُ: فَرَضَتِ البَقَرَةُ فَهي فارِضٌ: إذا أسَنَّتْ.
والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَلِدُ، والعَوانُ: دُونَ المُسِنَّةِ، وفَوْقَ الصَّغِيرِ.
يُقالُ: حَرْبٌ عَوانٌ: إذا لَمْ تَكُنْ أوَّلَ حَرْبٍ، وكانَتْ ثانِيَةً.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ الناظِرِينَ ﴾ ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنَّ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ هَذا تَعَنُّتٌ مِنهم وقِلَّةُ طَواعِيَةٍ، ولَوِ امْتَثَلُوا الأمْرَ فاسْتَعْرَضُوا بَقْرَةً فَذَبَحُوها لَقَضَوْا ما أُمِرُوا بِهِ، ولَكِنْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ.
قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ وغَيْرُهُما.
ولُغَةُ بَنِي عامِرٍ "ادْعُ" بِكَسْرِ العَيْنِ، و"ما" اسْتِفْهامٌ رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"هِيَ" خَبَرُهُ، ورُفِعَ "فارِضٌ" عَلى النَعْتِ لِلْبَقَرَةِ عَلى مَذْهَبِ الأخْفَشِ، أو عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ لا هي فارِضٌ.
والفارِضُ: المُسِنَّةُ الهَرِمَةُ الَّتِي لا تَلِدُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ، وغَيْرُهم.
تَقُولُ فَرَضَتْ تَفْرِضُ بِفَتْحِ العَيْنِ في الماضِي فُرُوضًا، ويُقالُ: فَرُضَتْ بِضَمِّ العَيْنِ، ويُقالُ لِكُلِّ ما قَدِمَ وطالَ أمَدُهُ: فارِضٌ، وقالَ الشاعِرُ: يا رُبَّ ذِي ضَغَنٍ عَلَيَّ فارِضٌ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والبِكْرُ مِنَ البَقَرِ الَّتِي لَمْ تَلِدْ مِنَ الصِغَرِ، وحَكى ابْنُ قُتَيْبَةَ: أنَّها الَّتِي ولَدَتْ ولَدًا واحِدًا، والبِكْرُ مِنَ النِساءِ: الَّتِي لَمْ يَمَسَّها الرَجُلُ، والبِكْرُ مِنَ الأولادِ: الأوَّلُ، ومِنَ الحاجِيّاتِ: الأُولى.
والعَوانُ: الَّتِي قَدْ ولَدَتْ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، والأخْفَشُ، وحَكاهُ أهْلُ اللُغَةِ، ومِنهُ قَوْلُ العَرَبِ: "العَوانُ لا تُعَلَّمُ الخَمْرَةَ"، وحَرْبٌ عِوانٌ: قَدْ قُوتِلَ فِيها مَرَّتَيْنِ فَما زادَ، ورُفِعَتْ عَوانٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ هي عِوانٌ، وجَمْعُها عَوْنٌ بِسُكُونِ الواوِ، وسُمِعَ عَوُنٌ بِتَحْرِيكِها بِالضَمِّ.
و"بَيْنَ" بابِها أنْ تُضافَ إلى اثْنَيْنِ وأُضِيفَتْ هُنا إلى "ذَلِكَ"، إذْ ذَلِكَ يُشارُ بِهِ إلى المُجْمِلاتِ، فَذَلِكَ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ نازِلٌ مَنزِلَةَ ما ذُكِرَ، فَهي إشارَةٌ إلى مُفْرَدٍ عَلى بابِهِ، وقَدْ ذُكِرَ اثْنانِ فَجاءَتْ أيْضًا "بَيْنَ" عَلى بابِها.
وقَوْلُهُ: ﴿ فافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ ﴾ تَجْدِيدٌ لِلْأمْرِ، وتَأْكِيدٌ، وتَنْبِيهٌ عَلى تَرْكِ التَعَنُّتِ فَما تَرَكُوهُ، و"ما" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ و"لَوْنُها" خَبَرُهُ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ، وجُمْهُورُ الناسِ في قَوْلِهِ: "صَفْراءُ"، إنَّها كانَتْ كُلُّها صَفْراءَ، قالَ مَكِّيٌّ رَحِمَهُ اللهُ عن بَعْضِهِمْ: حَتّى القَرْنُ والظَلْفُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كانَتْ صَفْراءَ القَرْنِ والظِلْفِ فَقَطْ.
وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: "صَفْراءُ" مَعْناهُ سَوْداءُ، وهَذا شاذٌّ لا يُسْتَعْمَلُ مَجازًا إلّا في الإبِلِ، وبِهِ فُسِّرَ قَوْلُ الأعْشى مَيْمُونُ بْنُ قَيْسٍ: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كالزَبِيبِ والفُقُوعُ: نَعْتٌ مُخْتَصٌّ بِالصُفْرَةِ، كَما خُصَّ أحْمَرُ بِقانِئٍ، وأسْوَدُ بِحالِكٍ، وأبْيَضُ بِناصِعٍ، وأخْضَرُ بِناضِرٍ.
و"لَوْنُها" فاعِلٌ بـِ "فاقِعٌ"، و ﴿ تَسُرُّ الناظِرِينَ ﴾ ، قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، كانَتْ كَأنَّ شُعاعَ الشَمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها، فَمَعْناهُ تُعْجِبُ الناظِرِينَ، ولِهَذا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُ: "الصُفْرَةُ تَسُرُّ النَفْسَ"، وحَضَّ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى لِباسِ النِعالِ الصُفْرِ، حَكاهُ عنهُ النَقّاشُ، وحُكِيَ نَهْيَ ابْنُ الزُبَيْرِ، ويَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عن لِباسِ النِعالِ السُودِ، لِأنَّها تَهُمُّ، وقالَ أبُو العالِيَةِ، والسُدِّيُّ: ﴿ تَسُرُّ الناظِرِينَ ﴾ مَعْناهُ في سَمْنِها ومَنظَرِها كُلِّهِ، وسَألُوهُ بَعْدَ هَذا كُلِّهِ عَمّا هي سُؤالُ مُتَحَيِّرِينَ قَدْ أحَسُّوا بِمَقْتِ المَعْصِيَةِ، و"البَقَرَ" جَمْعُ بَقَرَةٍ، ويُجْمَعُ أيْضًا عَلى باقِرٍ، وبِهِ قَرَأ ابْنُ يَعْمُرَ، وعِكْرِمَةُ، وتُجْمَعُ عَلى بَقِيرٍ، وبَيْقُورٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِهِما فِيما عَلِمْتُ.
وقَرَأ السَبْعَةُ "تَشابَهَ" فِعْلٌ ماضٍ، وقَرَأ الحَسَنُ والأعْرَجُ "تَشّابَهُ" بِشَدِّ الشِينِ وضَمِّ الهاءِ أصْلُهُ تَتَشابَهُ، وهي قِراءَةُ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ، فَأدْغَمَ، وقَرَأ أيْضًا "تُشابَهُ" بِتَخْفِيفِ الشِينِ عَلى حَذْفِ التاءِ الثانِيَةِ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ "يُشابَهُ" بِالياءِ وإدْغامِ التاءِ، وحَكى المَهْدِيُّ عَنِ المُعَيْطِيِّ "تَشَّبَّهَ" بِتَشْدِيدِ الشِينِ والباءِ دُونَ ألِفٍ، وحَكى أبُو عَمْرٍو الدانِيُّ قِراءَةَ "مُتَشَبِّهٌ" اسْمُ فاعِلٍ مِن تَشَبَّهَ، وحُكِيَ أيْضًا "يَتَشابَهُ".
وفِي اسْتِثْنائِهِمْ في هَذا السُؤالِ الأخِيرِ إنابَةٌ ما وانْقِيادٌ، ودَلِيلُ نَدَمٍ، وحِرْصٍ عَلى مُوافَقَةِ الأمْرِ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ أنَّهُ قالَ: «لَوْلا ما اسْتَثْنَوْا ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا» والضَمِيرُ في "إنّا" هو اسْمُ "إنَّ"، و"مُهْتَدُونَ" الخَبَرُ، واللامُ لِلتَّأْكِيدِ، والِاسْتِثْناءُ اعْتِراضٌ قُدِّمَ عَلى ذِكْرِ الِاهْتِداءِ تَهَمُّمًا بِهِ.
<div class="verse-tafsir"
جيء في مراجعتهم لنبيهم بالطريقة المألوفة في حكاية المحاورات، وهي طريقة حذف العاطف بين أفعال القول وقد بيناها لكم في قصة خلق آدم.
ومعنى ﴿ ادع لنا ﴾ يحتمل أن يراد منه الدعاء الذي هو طلب بخضوع وحرص على إجابة المطلوب فيكون في الكلام رغبتهم في حصول البيان لتحصيل المنفعة المرجوة من ذبح بقرة مستوفية للصفات المطلوبة في القرابين المختلفة المقاصد، بنوه على ما ألفوه من الأمم عبدة الأوثان من اشتراط صفات وشروط في القرابين المقربة تختلف باختلاف المقصود من الذبيحة، ويحتمل أنهم أرادوا مطلق السؤال فعبروا عنه بالدعاء لأنه طلب من الأدنى إلى الأعلى، ويحتمل أنهم أرادوا من الدعاء النداء الجهير بناء على وهمهم أن الله بعيد المكان، فسائله يجهر بصوته، وقد نهي المسلمون عن الجهر بالدعاء في صدر الإسلام.
واللام في قوله ﴿ لنا ﴾ لام الأجل أي ادع عنا، وجزم ﴿ يبين ﴾ في جواب ﴿ ادع ﴾ لتنزيل المسبب منزلة السبب، أي إن تدعه يسمع فيبين وقد تقدم.
وقوله: ﴿ ما هي ﴾ حكى سؤالهم بما يُدل عليه بالسؤال ب (ما) في كلام العرب وهو السؤال عن الصفة لأن (ما) يسأل بها عن الصفة، كما يقول من يسمع الناس يذكرون حاتماً أو الأحنف وقد علم أنهما رجلان ولم يعلم صفتيهما ما حاتم؟
أو ما الأحنف؟
فيقال: كريم أو حليم.
وليس (ما) موضوعة للسؤال عن الجنس كما توهمه بعض الواقفين على كلام «الكشاف» فتكلفوا لتوجيهه حيث إن جنس البقرة معلوم بأنهم نزلوا هاته البقرة المأمور بذبحها منزلة فرد من جنس غير معلوم لغرابة حكمة الأمر بذبحها وظنوا أن الموقع هنا للسؤال ب (أي) أو (كيف) وهو وهم نبه عليه التفتزاني في «شرح الكشاف» واعتضد له بكلام «المفتاح» إذ جعل الجنس والصفة قسمين للسؤال بما.
والحق أن المقام هنا للسؤال بما لأن أيًّا إنما يسأل بها عن مميز الشيء عن أفراد من نوعه التبستْ به وعلامة ذلك ذكر المضاف إليه مع أي نحو: ﴿ أي الفريقين خير ﴾ [مريم: 73] وأي البقرتين أعجبتك وليس لنا هنا بقرات معينات يراد تمييز إحداها.
وقوله: ﴿ قال إنه يقول إنها بقرة ﴾ أكد مقول موسى ومقول الله تعالى بإن لمحاكاة ما اشتمل عليه كلام موسى من الاهتمام بحكاية قول الله تعالى فأكده بإن، وما اشتمل عليه مدلول كلام الله تعالى لموسى من تحقيق إرادته ذلك تنزيلاً لهم منزلة المنكرني لما بدا من تعنتهم وتنصلهم، ويجوز أن يكون التأكيد الذي في كلام موسى لتنزيلهم منزلة أن يكون الله قال لموسى ذلك جرياً على اتهامهم السابق في قولهم: ﴿ أتتخذنا هزؤاً ﴾ [البقرة: 67] جواباً عن قوله: ﴿ إن الله يأمركم ﴾ .
ووقع قوله: ﴿ لا فارض ولا بكر ﴾ موقع الصفة لبقرة وأقحم فيه حرف (لا) لكون الصفة بنفي وصف ثم بنفي آخر على معنى إثبات وصف واسطة بين الوصفين المنفيين فلما جيء بحرف (لا) أجري الإعراب على ما بعده لأن (لا) غيرعاملة شيئاً فيعتبر ما قبل لا على عمله فيما بعدها سواء كان وصفاً كما هنا وقوله تعالى: ﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ [النور: 35] وقول جويرية أو حويرثة بن بدر الرامي: وقد أدركْتني والحوادثُ جمة *** أسنة قوم لا ضعاف ولا عُزْلِ أو حالاً كقول الشاعر وهومن شواهد النحو: قهرْتَ العِدَا لا مستعيناً بعُصبة *** ولكنْ بأنواع الخدائع والمكر أو مضافاً كقول النابغة: وشيمة لاوَان لا وَاهِن القُوى *** وجَدَ إذا خَاب المُفيدونَ صَاعِدِ أو خبر مبتدأ كما وقع في حديث أم زرع قول الأولى: «لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل» على رواية الرفع أي هو أي الزوج لا سهل ولا سمين.
وجمهور النحاة أن لا هذه يجب تكريرها في الخبر والنعت والحال أي بأن يكون الخبر ونحوه شيئين فأكثر فإن لم يكن كذلك لم يجز إدخال (لا) في الخبر ونحوه وجعلوا بيت جويرية أو حويرثة ضرورة وخالف فيه المبرد.
وليست (لا) في مثل هذا بعاملة عمل ليس ولا عمل إن، وذكر النحاة لهذا الاستعمال في أحد هذين البابين لمجرد المناسبة.
واعلم أن نفي وصفين بحرف (لا) قد يستعمل في إفادة إثبات وصف ثالث هو وسط بين حالي ذينك الوصفين مثل ما في هذه الآية بدليل قوله: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ ومثل قوله تعالى: ﴿ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ [النساء: 143] وقد يستعمل في إرادة مجرد نفي ذينك الوصفين لأنهما مما يطلب في الغرض الواردين فيه ولا يقصد إثبات وصف آخر وسط بينهما وهو الغالب كقوله تعالى: ﴿ في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم ﴾ [الواقعة: 42 44].
والفارض المسنة لأنها فرضت سنها أي قطعتها، والفرض القطع ويقال للقديم فارض.
والبكر الفتية مشتقة من البكرة بالضم وهي أول النهار لأن البكر في أول السنوات عمرها والعوان هي المتوسطة السن.
وإنما اختيرت لهم العوان لأنها أنفس وأقوى ولذلك جعلت العوان مثلاً للشدة في قول النابغة: ومن يتَربّص الحَدَثَانَ تنزل *** بمَولاه عوان غيرُ بِكر أي مصيبة عوان أي عظيمة.
ووصفوا الحرب الشديدة فقالوا: حرب عوان.
وقوله: ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين هذين السنين، فالإشارة للمذكور المتعدد.
ولهذا صحت إضافة بين لاسم الإشارة كما تضاف للضمير الدال على متعدد وإن كان كلمة واحدة في نحو بينها.
وإفراد اسم الإشارة على التأويل بالمذكور كما تقدم قريباً عند قوله تعالى: ﴿ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ﴾ [البقرة: 61].
وجاء في جوابهم بهذا الإطناب دون أن يقول من أول الجواب إنها عوان تعريضاً بغباوتهم واحتياجهم إلى تكثير التوصيف حتى لا يترك لهم مجالاً لإعادة السؤال.
فإن قلت: هم سألوا عن صفة غيرمعينة فمن أين علم موسى أنهم سألوا عن السن؟
ومن أين علم من سؤالهم الآتي ب ﴿ ما هي ﴾ أيضاً أنهم سألوا عن تدربها على الخدمة؟
قلت: يحتمل أن يكون ﴿ ما هي ﴾ اختصاراً لسؤالهم المشتمل على البيان وهذا الاختصار من إبداع القرآن اكتفاء بما يدل عليه الجواب، ويحتمل أن يكون ما حكى في القرآن مرادف سؤالهم فيكون جواب موسى عليه السلام بذلك لعلمه بأن أول ما تتعلق به أغراض الناس في معرفة أحوال الدواب هو السن فهو أهم صفات الدابة ولما سألوه عن اللون ثم سألوا السؤال الثاني المبهم علم أنه لم يبق من الصفات التي تختلف فيها مقاصد الناس من الدواب غير حالة الكرامة أي عدم الخدمة لأن ذلك أمر ضعيف إذ قد تخدم الدابة النفيسة ثم يكرمها من يكتسبها بعد ذلك فتزول آثار الخدمة وشعثها.
وقوله: ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ الفاء للفصيحة وموقعها هنا موقع قطع العذر مع الحث على الامتثال كما هي في قول عباس بن الأحنف: قالوا خراسانُ أقْصَى ما يُراد بنا *** ثم القُفُولُ فقد جئْنا خُرَاسَانا أي فقد حصل ما تعللتم به من طول السفر.
والمعنى فبادروا إلى ما أمرتم به وهو ذبح البقرة، و(ما) موصولة والعائد محذوف بعد حذف جاره على طريقة التوسع لأنهم يقولون أمرتك الخير، فتوسلوا بحذف الجار إلى حذف الضمير.
وفي حث موسى إياهم على المبادرة بذبح البقرة بعدما كلفوا به من اختيارها عواناً دليل على أنهم مأمورون بذبح بقرة مّا غير مراد منها صفة مقيدة لأنه لما أمرهم بالمبادرة بالذبح حينئذ علمنا وعلموا أن ما كلفوا به بعد ذلك من طلب أن تكون صفراء فاقعة وأن تكون سالمة من آثار الخدمة ليس مما أراده الله تعالى عند تكليفهم أول الأمر وهو الحق، إذ كيف تكون تلك الأوصاف مرادة مع أنها أوصاف طردية لا أثر لها في حكمة الأمر بالذبح لأنه سواء كان أمراً بذبحها للصدقة أو للقربان أو للرش على النجس أو للقسامة فليس لشيء من هاته الصفات مناسبة للحكم، وبذلك يعلم أن أمرهم بهاته الصفات كلها هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على سؤالهم فإن كان سؤالهم للمطل والتنصل فطلب تلك الصفات المشقة عليهم تأديب على سوء الخلق والتذرع للعصيان، وإن كان سؤالاً ناشئاً عن ظنهم أن الاهتمام بهاته البقرة يقتضي أن يراد منها صفات نادرة كما هو ظاهر قولهم بعد: ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ [البقرة: 70] فتكليفهم بهاته الصفات العسير وجودها مجتمعة تأديب علمي على سوء فهمهم في التشريع كما يؤدَّب طالب العلم إذا سأل سؤالاً لايليق برتبته في العلم.
وقد قال عمر لأبي عبيدة في واقعة الفرار من الطاعون «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة».
ومن ضروب التأديب الحمل على عمل شاق، وقد أدب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه عباساً رضي الله عنه على الحرص حين حمل من خمس مال المغنم أكثر من حاجته فلم يستطع أن يقله فقال له: مر أحداً رفعه لي فقال: لا آمر أحداً فقال له: ارفعه أنت لي فقال: لا، حتى جعل العباس يحثو من المال ويرجعه لصبرته إلى أن استطاع أن يحمل ما بقي فذهب والنبيء صلى الله عليه وسلم يتبعه بصره تعجباً من حرصه كما في «صحيح البخاري».
ومما يدل على أنه تكليف لقصد التأديب أن الآية سيقت مساق الذم لهم، وعدت القصة في عداد قصص مساويهم وسوءِ تلقيهم للشريعة بأصناف من التقصير عملاً وشكراً وفهماً بدليل قوله تعالى آخر الآيات: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71] مع ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.
وبهذا تعلمون أن ليس في الآية دليل على تأخير البيان عن وقت الخطاب ولا على وقوع النسخ قبل التمكن لأن ما طرأ تكليف خاص للإعنات، على أن الزيادة على النص ليست بنسخ عند المحققين، وتسميتها بالنسخ اصطلاح القدماء.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ رَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ ، أنَّهُ قالَ: « (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً، فَذَبَحُوها، لَأجْزَأتْ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُمْ، شَدَّدُوا، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» .
﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ ﴾ في الفارِضِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الكَبِيرَةُ الهَرِمَةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.
قالَ الرّاجِزُ: شَيَّبَ أصْداغِي فَرَأْسِي أبْيَضُ مَحامِلٌ فِيها رِجالٌ فُرَّضُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فُرَّضُ، أيْ هَرْمى.
والثّانِي: أنَّ الفارِضَ الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً، فَيَتَّسِعُ لِذَلِكَ جَوْفُها، لِأنَّ مَعْنى الفارِضِ في اللُّغَةِ الواسِعُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ، والبِكْرُ مِن إناثِ البَهائِمِ، وبَنِي آدَمَ، ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وهي مَكْسُورَةُ الباءِ، فَأمّا البَكْرُ بِفَتْحِ الباءِ، فَهو الفَتِيُّ مِنَ الإبِلِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ والعَوانُ النَّصَفُ الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، وهي أقْوى ما تَكُونُ مِنَ البَقَرِ وأحْسَنِهِ، قالَ الشّاعِرُ: فَرُحْنَ عَلَيْهِ بَيْنَ بِكْرٍ عَزِيزَةٍ ∗∗∗ وبَيْنَ عَوانٍ كالغَمامَةِ ناصِفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ ﴾ حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ، أيْ سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ناقَةٌ صَفْراءُ أيْ سَوْداءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ وَقالَ الرّاجِزُ: وصُفْرٍ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةْ ∗∗∗ ولَكِنْ سَوْداءَ مِثْلِ الخُمُرْ وَقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها صَفْراءُ اللَّوْنِ، مِنَ الصُّفْرَةِ المَعْرُوفَةِ، وهو أصَحُّ، لِأنَّهُ الظّاهِرُ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿ فاقِعٌ لَوْنُها ﴾ والفاقِعُ مِن صِفاتِ الصُّفْرَةِ، ولَيْسَ يُوصَفُ السَّوادُ بِذَلِكَ، وإنَّما يُقالُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وأحْمَرُ قانٍ، وأبْيَضُ ناصِعٌ، وأخْضَرُ ناضِرٌ، وأصْفَرُ فاقِعٌ.
ثُمَّ فِيما أُرِيدَ بِالصُّفْرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.
والثّانِي: صَفْراءُ اللَّوْنِ كُلِّهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقِعٌ لَوْنُها ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشَّدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.
والثّانِي: الخالِصُ الصُّفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.
والثّالِثُ: الصّافِي، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، وقَتادَةَ.
﴿ تَسُرُّ النّاظِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُعْجِبُ النّاظِرِينَ بِصُفْرَتِها، فَتُعْجِبُ بِالسُّرُورِ، وهو ما يَتَأثَّرُ بِهِ القَلْبُ، والفَرَحِ، ما فَرِحَتْ بِهِ العَيْنُ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ تَسُرُّ النّاظِرِينَ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِحُسْنِ لَوْنِها فَتَكُونُ.
.....
لِصُفْرَتِها.
والثّانِي: حُسْنُ سَمْتِها، وُصِفَتْ بِذَلِكَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةَ شَرْطٍ في صِفَتِها، غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صُفْرَتِها، فَتَصِيرُ البَقَرَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ذاتَ وصْفٍ واحِدٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، ذاتَ وصْفَيْنِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ فَسَألُوا سُؤالًا ثالِثًا، ولَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ بَعْدَ البَيانِ الثّانِي، فَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ: « (أُمِرُوا بِأدْنى بَقَرَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّهم لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ)» يَعْنِي أنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوا: ﴿ وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ﴾ يَعْنِي لَمْ يُذَلِّلْها العَمَلُ.
﴿ تُثِيرُ الأرْضَ ﴾ والإثارَةُ تَفْرِيقُ الشَّيْءِ، أيْ لَيْسَتْ مِمّا يُثِيرُ الأرْضَ لِلزَّرْعِ، ولا يُسْقى عَلَيْها الزَّرْعُ.
[وَقِيلَ: يُثِيرُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ والمَعْنى: إيجابُ الحَرْثِ لَها وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي].
ولَيْسَ هَذا الوَجْهُ بِشَيْءٍ، بَلْ نُفِيَ عَنْها جَمِيعُ ذَلِكَ.
﴿ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها ﴾ وفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.
والثّانِي: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العَمَلِ.
والثّالِثُ: مُسَلَّمَةٌ مِن غَصْبٍ وسَرِقَةٍ، فَتَكُونُ حَلالًا.
والرّابِعُ: مُسَلَّمَةٌ مِن.
..
...
وفي ( شِيَةَ ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَيْسَ فِيها عَلامَةٌ خاصَّةٌ، حَكاهُ السُّدِّيِّ.
والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ فِيها لَوْنٌ، يُخالِفُ لَوْنَها مِن سَوادٍ أوْ بَياضٍ.
والثّالِثُ: أنَّهُ الوَضَحُ وهو الجَمْعُ بَيْنَ ألْوانٍ مِن سَوادٍ وبَياضٍ.
وَأصْلُهُ مِن وشْيِ الثَّوْبِ، وهو تَحْسِينُ عُيُوبِهِ بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلسّاعِي بِالرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ واشٍ، لِأنَّهُ يُحَسِّنُ كَذِبَهُ عِنْدَهُ، حَتّى يَقْبَلَهُ مِنهُ.
﴿ قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الآنَ بَيَّنْتَ الحَقَّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.
والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ بَيَّنَها لَهم قالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فِيها، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كادُوا ألّا يَفْعَلُوا لِغَلاءِ ثَمَنِها، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوْها عَلى ما حَكى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِمِلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا مِن مالِ المَقْتُولِ.
وَقِيلَ: بِوَزْنِها عَشْرَ مَرّاتٍ.
والثّانِي: أنَّهم كادُوا ألّا يَفْعَلُوا خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ في مَعْرِفَةِ القاتِلِ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ما كانَ ثَمَنُها إلّا ثَلاثَةَ دَنانِيرَ.
وَقِيلَ: كانَتِ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً.
<div class="verse-tafsir"
أخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزاهم ذلك أو لأجزأت عنهم» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم» .
وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم «فقال لو أن بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا ولولا أنهم قالوا ﴿ إنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ ما وجدوها» .
وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم، ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد» .
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما بينت لهم» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم.
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ﴾ قال: الفارض الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف.
وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ لا فارض ﴾ قال: الكبيرة الهرمة.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول؟: لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضاً ** تساق إليه ما تقوم على رجل قال: أخبرني عن قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال: الفاقع الصافي اللون من الصفرة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول؟: سدماً قليلاً عهده بانيسه ** من بين اصفر فاقع ودفان وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الفارض الكبيرة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف.
وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير.
أنه كان يستحب أن يسكت على بكر، ثم يقول: عوان بين ذلك.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ قال: بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما يكون وأحسنه.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال: شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿ صفراء ﴾ قال: صفراء الظلف ﴿ فاقع لونها ﴾ قال: صافي.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فاقع لونها ﴾ قال: صاف لونها ﴿ تسر الناظرين ﴾ قال: تعجب الناظرين.
وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب والديلمي عن ابن عباس قال: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ﴾ .
وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال: سوداء شديدة السواد.
وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة.
أنه قرأ ﴿ أن الباقر تشابه علينا ﴾ .
وأخرج عبد بن حميد عن يحيى عن يعمر.
أنه قرأ ﴿ إن الباقر تشابه علينا ﴾ وقال: إن الباقر أكثر من البقر.
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا ﴿ إن البقر متشابه علينا ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ إنها بقرة لا ذلول ﴾ أي لم يذله العمل ﴿ تثير الأرض ﴾ يعني ليست بذلول فتثير الأرض ﴿ ولا تسقي الحرث ﴾ يقول: ولا تعمل في الحرث ﴿ مسلمة ﴾ قال: من العيوب.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ يقول: ليست بذلول فتفعل ذلك ﴿ مسلمة ﴾ قال: من الشبه قال: ﴿ لا شية فيها ﴾ قال: لا بياض ولا سواد.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ مسلمة ﴾ قال: لا عوار فيها.
وأخرج ابن جرير عن عطية ﴿ لا شية فيها ﴾ قال: لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لا ذلول ﴾ يعني صنفة يقول: لم يذلها العمل ﴿ مسلمة ﴾ قال: من العيوب ﴿ لا شية فيها ﴾ قال: لا بياض فيها ﴿ قالوا الآن جئت بالحق ﴾ قالوا: الآن بينت لنا ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ .
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ لغلاء ثمنها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.
أن أصحاب البقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة، حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه، فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه بعضو منها، فقام تشخب اوداجه دماً، فقالوا له: من قتلك؟
قال: قتلني فلان.
وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن عطاء قال: الذبح والنحر في البقر سواء، لأن الله يقول ﴿ فذبحوها ﴾ .
وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: كان لبني إسرائيل وأنتم لكم النحر، ثم قرأ ﴿ فذبحوها ﴾ ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ [ الكوثر: 2] .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ﴾ الآية إنما سألوا ما هي، لأنهم لم (١) (٢) (٣) ويقال: بيّن الشيءَ وأبانه إذا (٤) (٥) (٦) ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ .
وموضع (ما) رفع بالابتداء، لأنه بمعنى الاستفهام، معناه: أي شيء هي؟
والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله (٧) (٨) ﴿ مَا لَوْنُهَا ﴾ .
وقوله تعالى: ﴿ لَا فَارِضٌ ﴾ قال الفراء: الفارض: الهرمة، يقال من الفارض: فرَضَت وفرُضَت، ولم يسمع بِفَرَضَ (٩) (١٠) وقال الكسائي: الفارض: الكبيرة العظيمة، قد فرَضت تفرُض فُروضًا.
ثعلب عن ابن الأعرابي: الفارض: الكبيرة.
وقال أبو الهيثم: الفارض: المسنة (١١) أبو زيد: بقرة فارض: عظيمة سمينة، والجميع فوارض (١٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا بِكْرٌ ﴾ قال الليث: البكر من النساء: التي لم تمس، والبكر من الرجال: الذي لم يقرب النساء بعد، والبكر: أول ولد الرجل غلاما كان أو جارية، وبقرة بكر: فتية لم تحمل، والبكر من كل أمر: أوله (١٣) (١٤) قال الزجاج في قوله: ﴿ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ ﴾ : أي: ليست بكبيرة ولا صغيرة، قال: وارتفع (فارض) بإضمار هي (١٥) وقال الأخفش: ارتفع على الصفة للبقرة، والوصف بالنفي صحيح، لأنه يرجع في التحقيق إلى أنه يختص بما ينافي ذلك الوصف، تقول: مررت برجل لا قائم ولا قاعد، أي: برجل (١٦) (١٧) وقوله تعالى: ﴿ عَوَانٌ ﴾ قال الفراء: انقطع الكلام عند قوله: ﴿ وَلَا بِكْرٌ ﴾ ، ثم استأنف فقال: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ .
قال: والعوان يقال منها: عوَّنت تُعوّن تعْوينًا (١٨) وقال أبو الهيثم: العوان: النَّصَف التي بين الفارض -وهي المسنة- وبين البكر وهى: الصغيرة (١٩) أبو زيد: بقرة عوان: بين المسنة والشابة (٢٠) (٢١) وقال الأخفش: العوان التي نتجت مرارا، وجمعها عُون (٢٢) (٢٣) ومَأتَمٍ كالدُّمَى حُورٍ مَدَامِعُها ...
لَمْ تشقَ بالعَيْشِ أَبْكَارًا وَلَا عُونًا (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال (٢٧) نَحُلُّ (٢٨) (٢٩) فزعنا: أغثنا مستغيثًا.
قال (٣٠) قال ابن عباس: عوان: بين (٣١) (٣٢) (٣٣) وقال مجاهد: عوان: وسط قد ولدت بطنا أو بطنين (٣٤) وفائدة قوله: (عوان)، بعد ما نفي أن تكون (٣٥) (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ و (بين) لا تصلح (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) (٤٢) والاسمان اللذان ضمهما ذلك: الهرم والشباب (٤٣) (٤٤) (٤٥) ومما يجوز أن يقع عليه (بين) وهو واحد في اللفظ ويؤدي عن الاثنين (٤٦) ﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ ﴾ ، ولا يجوز: لا نفرق بين رجل منهم، لأن أحدا لا يُثنى كما يثنى الرجل ويجمع، فإن شئت جعلت أحدا (٤٧) ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ ، وتقول: بين أيهم المال، وبين من قسم المال، فتجرى (٤٨) (٤٩) (٥٠) (٥١) ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ بين البكر والفارض، وانما جاز بين ذلك وبين لا يكون (٥٢) (٥٣) (٥٤) قال أبو علي (٥٥) (٥٦) فأما الذي هو مصدر (٥٧) كَأَنَّ عَيْنَيَّ وَقَدْ بَانُونِي ...
غَرْبَانِ في جَدْوَلٍ مَنْجَنُونِ (٥٨) والمعروف: بان عني، فأما هذا فيتجه على أنه أراد الحرف فحذفه فلما حذف الحرف أوصل الفعل (٥٩) وقال أبو زيد: البَيُون: البئر الواسعة الرأس الضيقة الأسفل، إذا قام الساقي على شفتها لم ير الماء، وأنشد: إِنَّكَ إِنْ دَعَوْتَنِي ودُوني ...
زَوْرَاءُ ذاتُ مَنْزَعٍ بَيُونِ لَقُلْتُ لَبَّيْهِ لِمَنْ يَدْعُونِي (٦٠) وهذا أيضًا مما ذكرنا (٦١) السابلة عليها (٦٢) (٦٣) ولهذا المعنى الذي ذكرنا في أصل هذه الكلمة أضيف (بين) إلى ما دل على أكثر من الواحد في الأسماء، ولم يضف إلى الاسم المفرد الدال على الواحد، لأن ذلك ممتنع في معناه.
ألا ترى أنك لو قلت: اجتماع زيد (٦٤) (٦٥) (٦٦) هذا أصل (بين) في اللغة، ثم لا يمتنع أن يتسع فيه كما اتسع في غيره، فيستعمل لغير هذا المعنى.
مما اتسع فيه أنه استعمل بمعنى الوصل (٦٧) ﴿ لَقَد تَقَطَّع بَيْنُكُم ﴾ على قراءة من رفع (٦٨) وهذا التوسع في الظروف كثير، والذي استعمل ظرفا أصله الذي هو مصدر؛ لأن المصادر قد استعملت ظروفاً في مواضع كثيرة، والأسماء التي تستعمل تارة ظروفاً وتارة أسماءً لا تمتنع أن تكون مشتقة مثل: خلف وأمام وقدام وأعلى وأسفل ووسط كلها مشتقة، وهي مع ذلك ظروف وقد استعملت أسماءً كما (٦٩) (٧٠) ﴿ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ ﴾ في قراءة من نصب (٧١) (٧٢) وأما ما لزم (٧٣) (٧٤) هذا هو الكلام في بين.
فأما ما يقع بعده فهو على ضربين (٧٥) (٧٦) (٧٧) ألا ترى أنك لو جعلت موضع الواو الفاء لكان -لما فيها من معنى إتباعه الثاني الأول- لا يكون مجتمعا مع المعطوف عليه، وإذا لم يجتمع معه حصلت الإضافة إلى مفرد دال على واحد، وإضافتها إلى الواحد ممتنع.
والذي يدل على أنه حيث تريد (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) (٨٥) فإن قيل (٨٦) ﴿ ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَه ﴾ فأضاف (بين) (٨٧) (٨٨) ﴿ سَحَابًا ﴾ (٨٩) فأما قوله (٩٠) (٩١) (٩٢) (٩٣) فأيِّي ما وأَيُّك كان شرًّا ...
فَقِيدَ إلى الْمقَامَةِ لاَ يَرَاهَا (٩٤) ﴿ عَوَان بَينَ ذَلِكَ ﴾ فأضاف (٩٥) ألا ترى أن القبيلين يشتبهان في دلالة كل واحد منها على شيء بعينه.
ألا ترى أن (الذي) لا يدل على زيد دون عمرو، و (ما) لا يدل على الفرس دون الحمار، وكذلك (من)، فكان (٩٦) ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (33) ﴾ و ﴿ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ﴾ و ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ ونحو ذلك مما يكثر تعداده، وكانت المبهمة مثلها في أنها لا تخص (٩٧) (٩٨) وهذا واسع مستحسن في جميع المبهمة، فمن المبهمة (كم) في قوله: ﴿ وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ ﴾ ، وقال: {وَكَم مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأعراف: 4]، ثم قال: ﴿ أَوْ هُمْ قَائِلُونَ ﴾ وقال: ﴿ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ ، وقال: ﴿ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ ﴾ (٩٩) ﴿ إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا ﴾ .
فهذه الأسماء (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) فيه خُطُوطٌ من سَوَادٍ وبَلَقْ ...
كأَنَّه في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ (١٠٧) (١٠٨) (١٠٩) قال: أردت كأن ذاك (١١٠) ويدل أيضًا على أنهم يقصدون بـ (ذلك) إلى (١١١) وَكِلاَ ذَلِكَ وَجْهٌ وَقَبَلْ (١١٢) ألا ترى أن (كلا) لا يضاف إلى المفرد، فبان أن المراد بـ (ذلك) الزيادة على الواحد.
وكذلك (١١٣) ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ إنما أضيف (بين) إلى (ذلك) لأن المراد به الزيادة على الواحد.
ألا ترى أنه إشارة إلى ما تقدم من قوله مما دل على الفروض والبكارة.
فأما قول أبي إسحاق: (لأن ذلك ينوب عن الجمل (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) ألا ترى أن (ذلك) إشارة إلى البكارة والفروض.
فلو كان واقعاً (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) فأما قولهم: ظننت ذاك، فهو عند سيبويه إشارة إلى المصدر (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١) في (ب): (ما علموا).
(٢) في (ب)، (ج): (قال).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 122.
والحقيقة أن هذا السؤال تعنت منهم لسوء أخلاقهم مع نبي الله وجفائهم.
انظر: "تفسير الطبري" 1/ 240، "تفسير الثعلبي" 1/ 82 أ، "تفسير ابن كثير" 1/ 117.
(٤) في (ب): (وإذا).
(٥) انظر: "مقاييس اللغة" (بين) 1/ 327، "الصحاح" (بين) 5/ 2082.
(٦) في (ب): (مستقص).
(٧) انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 185، و"إعراب المشكل" 1/ 52، و"الإملاء" ص 42، "البحر المحيط" 1/ 251.
(٨) (يذكر): ساقط من: (ب).
(٩) في (ج): (تفرض)، وفي (أ) غير معجمة، والكلام بهذا النص في "تهذيب اللغة" (فرض) 3/ 2772، وفي "معاني القرآن" للفراء: (والفارض: قد فرضت، وبعضهم: قد فرضت، وأما البكر فلم نسمع فيها بفعل) 1/ 45.
(١٠) وكذلك قال ابن عباس وأبو العالية والسدي، انظر: "تفسير الطبري" 1/ 341، و"تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 412.
(١١) قول الكسائي وابن الأعرابي وأبي الهيثم في "تهذيب اللغة" (فرض) 3/ 2772، وانظر: "اللسان" (فرض) 6/ 3387.
(١٢) ذكره في "اللسان" (فرض) 6/ 3387.
(١٣) "تهذيب اللغة" (بكر) 1/ 375 - 377.
(١٤) انظر: "مقاييس اللغة" (بكر) 1/ 287، "تهذيب اللغة" (بكر) 1/ 375 - 377، "اللسان" (بكر) 1/ 333.
(١٥) "معاني القرآن" 1/ 122.
(١٦) في (ب): (رجل).
(١٧) "معاني القرآن" للأخفش 1/ 279.
ذكر قوله بمعناه.
(١٨) "معاني القرآن" 1/ 44، 45، "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، ولم يرد فيهما (تعون تعوينا).
(١٩) "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، وانظر: "اللسان" (عون) 5/ 3179.
(٢٠) في (ب): (الشاب).
(٢١) المرجع السابق.
(٢٢) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 83 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 83، ولم أجده في "معاني القرآن" للأخفش.
(٢٣) (ابن) ساقط من: (ج).
(٢٤) (المأتم): جماعة النساء، و (الدمى): الصورة أو التمثال، شبه النساء بجمالهن بالدمى، لم يشقين بالعيش وهن أبكار، أو عون عند أزواجهن، ويروى البيت (لم تيأس) بدل (لم تشق)، ورد البيت في "تفسير الطبري"، "الزاهر" 1/ 263، و"جمهرة أشعار العرب" ص 859، "تهذيب اللغة" (أتم) 1/ 114، "اللسان" (أتم) 1/ 20.
(٢٥) في (أ)، (ج): (العون)، وما في (ب) يوافق "تهذيب اللغة".
(٢٦) كلام ابن الأعرابي أورده الأزهري عن ثعلب عن ابن الأعرابي، "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، وانظر: "اللسان" (عون) 5/ 3179.
(٢٧) نسب الواحدي الكلام لابن الأعرابي، وهو في "تهذيب اللغة" منسوب لأبي الهيثم حيث قال: (وأخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العوان النصف ..
ثم قال: قال: ويقال: فرس عوان ..
إلخ)، "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292.
(٢٨) في (أ) (ج): (يحل)، وفي (ب) غير منقوط، وبالنون ورد في جميع المصادر.
(٢٩) قوله: (جرى منهن): أي من خيلهم، وقد روي شطره الأخير: جَرتْ بهم إلى المِضمارِ عُون ورد البيت في "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292، "المخصص" 8/ 51، "اللسان" (عون) 5/ 3179، و"ديوان زهير" ص 102.
(٣٠) أي ابن الأعرابي.
انظر: "تهذيب اللغة" (عان) 3/ 2292.
(٣١) في (ج): (من).
(٣٢) في (أ): (البقرة) وما في (ب)، (ج) يوافق رواية ابن عباس في الطبري.
(٣٣) أخرجه الطبري في "تفسيره" عن الضحاك عن ابن عباس 2/ 195، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 413، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 118، "الدر المنثور" 1/ 151.
(٣٤) أخرجه الطبري 2/ 195، وابن أبي حاتم 1/ 414.
(٣٥) في (أ): (يكون) في المواضع الثلاثة وأثبت ما في (ب)، (ج) لمناسبته للسياق.
(٣٦) في (ج): (أو تكون).
(٣٧) في (أ)، (ج): (يصلح) وما في (ب) موافق لـ"معاني القرآن" للفراء 1/ 45، والكلام منقول منه.
(٣٨) في "معاني القرآن"، (لا تصلح إلا مع اسمين فما زاد).
(٣٩) في (ب): (الاثنتين).
(٤٠) في "معاني القرآن" (والفعلان).
(٤١) في (ب): (ولأظن).
(٤٢) (ذاك): ساقط من: (ب).
(٤٣) في (أ، ج): (الشاب) في المواضع الثلاثة، وما في (ب) موافق لـ"معاني القرآن" 1/ 45.
(٤٤) انظر الحاشية السابقة.
(٤٥) انظر الحاشية السابقة.
(٤٦) في (ب): (اثنتين).
(٤٧) في (ب): (واحد).
(٤٨) في (ج): (في فتجري).
(٤٩) (على): ساقط من: (ب).
(٥٠) في (ب): (لواحد ولجمع).
(٥١) انظر: "معاني القرآن" 1/ 45، وقد نقل كلام الفراء بتصرف، وانظر "تفسير الطبري" 1/ 344.
(٥٢) في (ب): (لا تكون).
(٥٣) (لأن): ساقط من: (ج).
(٥٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 123، وانظر ما سبق ص 1037، 1038.
(٥٥) ورد كلام أبي علي في كتاب "الإغفال فيما أغفله الزجاج في كتاب معاني القرآن" نقل عنه الواحدي طويلا بتصرف، وقد أثبت الفروق الهامة في أماكنها، "الإغفال" ص 214.
(٥٦) (اعلم): ساقط من: (ب).
(٥٧) في (ب): (المصدر).
(٥٨) قوله: (بانوني): فارقوني، (غربان): مثنى غرب، وهي: دلو عظيمة، (جدول): نهر صغير، (منجنون): الدولاب، وهو ما يستقى به الماء، فارسي معرب.
ورد البيت في "نوادر أبي زيد" ص 262، "الإغفال" ص214، "الخصائص" 2/ 149، "المنصف" 3/ 24، "المخصص" 12/ 38، "اللسان" (بين) 1/ 404، و (منجنون) 1/ 4273.
(٥٩) بمعناه في "الإغفال" ص 215.
(٦٠) الرجز لم يعرف قائله، ومعنى: (زوراء): الأرض البعيدة الأطراف.
(المنزع): الموضع الذي يصعد فيه الدلو إذا نزع من البئر، فذلك الهواء هو المنزع.
يقول: لو ناديتني وبيني وبينك أرض بعيدة، ذات ماء بعيد المتناول، أجبت.
فلا تردني عن إجابتك الصعاب، وردت الأبيات في "تهذيب اللغة" (بان) 1/ 266، "المخصص" 10/ 36، 16/ 147، "الإغفال" ص215، "الهمع" 3/ 113، "شرح ابن عقيل" 3/ 52، "أوضح المسالك" 144، "مغني اللبيب" 2/ 578، "الخزانة" 2/ 93، "اللسان" (لبب) 7/ 3980، و (بين) 13/ 64، ووقع اختلاف يسير في رواية بعض ألفاظها.
(٦١) في "الإغفال": (ذكرناه).
(٦٢) (عليها): ساقط من (ب).
(٦٣) في (ج): (المستبين).
(٦٤) في (ب): (زيدا).
(٦٥) (يسغ): مكانها بياض في (ب).
(٦٦) في "الإغفال": (ما يؤيد به ..) ص 217.
(٦٧) "الإغفال" ص 217 - 219، نقل كلامه بتصرف.
(٦٨) قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعامر وحمزة وعاصم في رواية أبي بكر بالرفع، وقرأ نافع والكسائي وعاصم في رواية حفص بالنصب.
انظر: "السبعة" ص 263، و"التيسير" ص 105.
(٦٩) في (ب): (كلما).
(٧٠) في (ب): (قد استعملت ظروفًا).
(٧١) قراءة نافع والكسائي وحفص عن عاصم كما سبق.
(٧٢) في (أ)، (ج): (لقد تقطع بينكم الاشتراك بينكم) زيادة بينكم وليست في "الإغفال" ص 218.
(٧٣) في (أ)، (ج): (وأما لزم)، وفي (ب): (وأما ما لزوم).
(٧٤) قال أبو علي: (فالقول: أن ما كان منها يستعمل تارة اسما، وتارة ظرفا، فلم يلزم الظرفية، فيبعد بذلك عن المتمكنة، كإذ ونحوه، ولا يمتنع أن تكون مشتقة كسائر الأسماء التي لا تكون ظروفا) "الإغفال" ص 218.
(٧٥) "الإغفال" ص 219.
(٧٦) في (ب): (وغير ذاك).
(٧٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٧٨) في (ب): (يريد).
(٧٩) "الإغفال" ص 220، نقل كلامه بتصرف.
(٨٠) في (ب): (حصل).
(٨١) في (ب): (اذا).
(٨٢) في (ب): (لها جميعا).
(٨٣) في "الإغفال": (الاختصاص) ص 220.
(٨٤) في (ب): (اذا).
(٨٥) "الإغفال" ص 221.
(٨٦) "الإغفال" ص 226.
(٨٧) (بين): ساقط من (ب).
(٨٨) في (ج): (هو هذه).
(٨٩) سياق الآية: ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ﴾ .
(٩٠) في (ب): (قولهم).
(٩١) في "الإغفال": فمذهب سيبويه فيه أن (بين) الثاني متكرر للتأكيد، كما يكرر الشيء له، ومعناه عندنا: بيننا ..
ص 227.
(٩٢) انظر: "الكتاب" 1/ 204.
(٩٣) هو العباس بن مرداس.
(٩٤) معنى البيت: يقول من كان منا شرًّا أعماه الله في الدنيا فلا يبصر مجلسه، وقيل: مات على عماه فيقاد إلى موضع إقامة الناس في العرصات، و (المُقامة): بفتح الميم وضمها: المجلس ومكان اجتماع الناس.
انظر: "الكتاب" 2/ 402، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 93، و"شرحها" للنحاس ص 155، "الإغفال" ص 227، "تهذيب اللغة" (أى) 1/ 242، "اللسان" (قوم) 6/ 3787، و (أيا) 1/ 242، "أمالي القالي" 3/ 60، "شرح المفصل" 2/ 131، "الخزانة" 4/ 367، "البحر المحيط" 4/ 226.
(٩٥) في (ب)، (ج): (فأضيف)، وفي "الإغفال": (فإنما أضيف ..) ص 228.
(٩٦) في (ب): (وكان).
(٩٧) في (ب)، (ج): (لا تختص)، وما في (أ) موافق و"الإغفال" ص 229.
(٩٨) في "الإغفال": (لجماعة) ص 229، وعبارته أوضح.
(٩٩) والآية لم ترد في "الإغفال"، وترك الواحدي آيات أخرى استشهد بها أبو علي، انظر: ص 230.
(١٠٠) في (ج): (اسماء).
(١٠١) في (ب): (يكون)، وفي "الإغفال" (تكن) ص 230 وهو أولى.
(١٠٢) في "الإغفال" (واحد) ص 230.
(١٠٣) في (ج): (وكذلك).
(١٠٤) في "الإغفال": (الاسم العام).
(١٠٥) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وثابت في (ب)، و"الإغفال" ص 230.
(١٠٦) أي: أنه لم تُغير (حبذا) للتأنيث.
انظر "الإغفال" ص 230، 231.
(١٠٧) يروى (فيها) بدل فيه، وقوله (بلق): سواد وبياض، و (التوليع) استطالة البلق ولمعانه، (البهق): بياض رقيق في البشرة.
ورد الرجز في "ديوان رؤبة" ص 104 "مجالس العلماء" للزجاجي ص 277، "المخصص" 5/ 89، "تهذيب اللغة" (بهق) 1/ 405، "مجمل اللغة" 1/ 138، "مقاييس اللغة" 1/ 310، "اللسان" 1/ 374،== و"أساس البلاغة" (ولع) 2/ 527، "مغني اللبيب" 2/ 678، "البحر المحيط" 1/ 251، 4/ 285، 5/ 64، "الكشاف" 1/ 278، "الدر المصون" 1/ 423.
(١٠٨) في (أ): (يقول)، وما في (ب)، (ج) موافق "للإغفال" ص 231.
(١٠٩) انظر الحاشية السابقة.
(١١٠) في "مجاز القرآن": قال أبو عبيدة فقلت لرؤبة: إن كانت خطوط فقل كأنها، وان كان سواد وبلق فقل: كأنهما، فقال: كان ذاك ويلك توليع البهق.
"المجاز" 1/ 44.
(١١١) (إلى): ساقط من (ج)، وفي (ب): (الأكثر).
(١١٢) من قصيدة لعبد الله بن الزِّبَعْرَى، قالها يوم أحد، يتشفى من المسلمين، فرد عليه حسان، والشطر الأول: إنَّ للخَيْرِ وللِشِّرِ مَدًى.
أورد ابن هشام القصيدة في "السيرة" 3/ 96، وهي في "شعره" ص 41، وورد البيت في "الإغفال" ص 232، "شرح المفصل" 3/ 2، و"الهمع" 4/ 283، "البحر المحيط" 1/ 251، "شرح ابن عقيل" 3/ 62، "مغني اللبيب" 1/ 203، "أوضح المسالك" 146، "الدر المصون" 1/ 348، 422.
(١١٣) في (ب): (فكذلك)، ومثله في "الإغفال" ص 232.
(١١٤) في "الإغفال": (فأما قول أبي إسحاق: إنما جاز (بين ذلك)، و (بين) لا تكون إلا مع اثنين فعبارة أطلقها على جهة التسامح ..
ثم قال (فاما قوله (لأن ذلك) ينوب عن الجمل، كقول القائل: ظننت ذاك ...
إلخ) نقله بتصرف "الإغفال" ص 232، 233.
(١١٥) قوله: (فهذا خطأ) لم يرد في كلام أبي علي، ونص كلامه: (فلا يخلو (ذلك) في ما ذكره من قولهم: ظننت ذاك أن يكون إشارة إلى المصدر، كما ذهب إليه سيبويه، أو يكون نائبا عن الجمل كما قاله أبو إسحاق، أو يكون إشارة إلى أحد المفعولين اللذين يقتضيهما (ظننت)، لا تحتمل القسمة غير ذلك ..) ثم أخذ يفصل هذه الوجوه.
انظر: "الإغفال" ص 233.
(١١٦) في (ج): (ذلك وذاك).
(١١٧) في (أ)، (ج): (يكون)، وفي "الإغفال" (يكون نائبًا) ص 233، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.
(١١٨) "الإغفال" ص 233.
(١١٩) "الإغفال" ص 241.
(١٢٠) في (ب): (واقع).
(١٢١) في (ب): (عليها).
(١٢٢) في (ب): (عنها).
(١٢٣) قوله: (وليس) ساقط من (ب).
(١٢٤) انظر: "الكتاب" 1/ 40.
(١٢٥) في (ب): (ذلك).
(١٢٦) قوله: (إذا عديته) ساقط من (ب).
(١٢٧) انتهى ما نقله المؤلف عن كتاب "الإغفال" لأبي علي الفارسي بعضه بنصه، وبعضه بتصرف.
انظر: "الإغفال" ص 214 - 241، وقد أطال في النقل عن (بين).
ومحل ذلك المطولات من كتب النحو، لا كتب التفسير والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
﴿ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ قصتها أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريبه ليرثه، وادّعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتاً ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ﴾ جفاء وقلة أدب، وتكذيب ﴿ فَارِضٌ ﴾ مسنة ﴿ بِكْرٌ ﴾ صغيرة ﴿ عَوَانٌ ﴾ متوسطة ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ أي بين ما ذكر، ولذلك قال ذلك مع الإشارة إلى شيئين: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ من الصفرة المفروقة، وقيل سوداء: وهو بعيد، والظاهر صفراء كلها.
وقيل: القرن والظلف فقط، وهو بعيد ﴿ فَاقِعٌ ﴾ شديد الصفرة ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ لحسن لونها، وقيل لسمنها ومنظرها كله ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ غير مذللة للعمل ﴿ تُثِيرُ الأرض ﴾ أي تحرثها وهو داخل تحت النفي على الأصح ﴿ لاَ تَسْقِى ﴾ لا يسقى عليها ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ من العمل أو من العيوب ﴿ لاَّ شِيَةَ ﴾ لا لمعة غير الصفرة، وهو في من وشى ففاءه واو محذوفة كعِدة ﴿ الآن جِئْتَ بالحق ﴾ العامل في الضرب جئت بالحق، وقي: العامل فيه مضمر تقديره الآن تذبحوها، والأول أظهر فإن كان قولهم: أتتخذنا هزوا: هكذا؛ فهذا تصديق وإن كان غير ذلك، فالمعنى الحق المبين ﴿ وَمَا كَادُواْ ﴾ لعصيانهم وكثرة سؤالهم، أو لغلاء البقرة، فقد جاء بأنها كانت ليتيم وأنهم اشتروها بوزنها ذهباً، أو لقلة وجود تلك الصفة، فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة أجزأت عنهم، ولكنه شدّدوا فشدّد عليهم ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ﴾ هو أوّل قصة البقرة فمرتبته التقديم ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ ﴾ قال الزمخشري: إنما أخر لتعدّد توبيخهم لقصتين وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس، ولو قدّم لكان قصة واحدة بتوبيخ واحد ﴿ فادارأتم ﴾ أي اختلفتم وهو من المدارأة أي المدافعة ﴿ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ من أمر القتيل ومن قتله ﴿ اضربوه ﴾ القتيل أو قريبة ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ مطلقاً، وقيل: الفخذ وقيل: اللسان، وقيل الذنب ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى حياة القتيل، واستدلالٌ بها على الإحياء للبعث، وقبله محذوف لابد منه تقديره: ففعلوا ذلك فقام القتيل.
فائدة: استدل المالكية بهذه القصة على قبول المقتول: فلان قتلني، وهو ضعيف، لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصته معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتأتى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره، واستدلوا أيضاً بها على أن: القاتل لا يرث، ولا دليل فيها على ذلك.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يأمركم ﴾ بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء.
﴿ هزؤا ﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل.
وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً ﴿ جئت ﴾ وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿ فأدارأتم ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿ عما يعملون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ بقرة ﴾ (ط) ﴿ هزواً ﴾ (ط) ﴿ الجاهلين ﴾ (ه) نصف الجزء ﴿ ما هي ﴾ (ط) ﴿ ولا بكر ﴾ (ط) لأن التقدير هي عوان ﴿ بين ذلك ﴾ (ط) على تقدير قد تبين لكم ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ (ه) ﴿ ما لونها ﴾ (ط) ﴿ صفراء ﴾ (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿ الناظرين ﴾ (ه) ﴿ ما هي ﴾ (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿ علينا ﴾ (ط) ﴿ لمهتدون ﴾ (ه) ﴿ الحرث ﴾ (ج) لأن قوله ﴿ مسلمة ﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿ لا شية فيها ﴾ (ط) ﴿ جئت بالحق ﴾ (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿ فذبحوها ﴾ (ط) ﴿ يفعلون ﴾ (ه) ﴿ فادارأتم فيها ﴾ (ط) ﴿ يكتمون ﴾ (ه) ج للآية والفاء بعدها ﴿ ببعضها ﴾ (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ قسوة ﴾ (ط) ﴿ الأنهار ﴾ (ط) ﴿ الماء ﴾ (ط) ﴿ خشية الله ﴾ (ط) لتفصيل دلائل القدرة ﴿ تعملون ﴾ (ه).
التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى ، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.
فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.
فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم.
وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.
والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال.
وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام.
ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ثم اختلف القائلون بهذا المذهب.
منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها.
ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال.
وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب.
ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى ، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.
﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء.
كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء.
ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة.
واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى في الوحي، وذلك أيضاً كفر.
وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿ من الجاهلين ﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.
وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.
ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.
أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.
فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال.
قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات.
فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟
فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص.
فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".
الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.
والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.
والعوان النصف قال: نواعم بين أبكار وعون.
*** وقد غونت وقال: فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف *** فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد.
وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ﴿ ما تؤمرون ﴾ مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.
بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون.
والفقوع أشد ما يكون من الصفرة.
يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع.
والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون.
وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.
وعن علي : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله ﴿ سر الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله ﴿ جمالات صفر ﴾ ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ عن النبي أنه قال "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.
والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل ﴿ لا ذلول ﴾ صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.
"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
تقول: رجل صبور وامرأة صبور ﴿ مسلمة ﴾ سلمها الله من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان.
وعلى هذا يكون ﴿ لا شية فيها ﴾ كالبيان.
والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" ﴿ الآن ﴾ اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي ﴿ جئت بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف ﴿ فذبحوها ﴾ والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر.
والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل.
والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق.
ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم.
وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.
وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادارأتم فيها ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه.
وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم ﴿ والله مخرج ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل.
وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه ﴾ فلهذا صح عمل اسم الفاعل.
وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات.
وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة ﴿ قتلتم ﴾ أو ﴿ ما كنتم تكتمون ﴾ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.
روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا "ليس للقاتل من الميراث شيء" والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي.
ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ.
وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه.
وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله.
ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء.
وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين.
وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله .
وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" ﴿ ويريكم آياته ﴾ دلائله على أنه قادر على كل شيء.
فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة.
ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات.
وفي قوله ﴿ كذلك ﴾ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك.
فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟
قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟
قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ﴿ ببعضها ﴾ إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.
قوله ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ الآية.
خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات.
ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة.
وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.
فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة.
فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً.
وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم.
وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز.
ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.
ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً.
وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل.
ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" ﴿ لما يهبط ﴾ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً ﴾ ووصفه بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ .
التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.
اقتلوني يا ثقاتي *** إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي *** ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة.
وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ﴿ ما هي إنها بقرة ﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿ لا فارض ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿ ولا بكر ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره ﴿ عوان بين ذلك ﴾ لقوله ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ﴾ .
﴿ بقرة صفراء ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات ﴿ فاقع لونها ﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين.
﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿ مسلمة ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه.
﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ يعني القلب ﴿ فادّارأتم ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله وقال ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ ﴿ وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم.
والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.
فإراءة الآيات للخواص ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .
قيل: قُتِل قتيلٌ في بني إِسرائيل، وأُلْقيَ على باب غيرِهم؛ فتنازعوا فيه واختلفوا؛ فأَمر الله نبيَّه موسى أَن يذبحوا بقرةً، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فاضربوه ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: مَنْ قتلني.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ .
قال بعضُهم: كفروا بهذا القول؛ لأَنهم سمَّوْه هازئاً، ومن سَمَّى رسولاً من الرسل هازئاً يكفر؛ أَلا ترى أَنهم قالوا في الآخِر: ﴿ قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ؟!
دل أَن ما قال لهم أَولَ مرَّةٍ ليس بحق عندهم.
وليس هذا بشيء.
ولا يحتمل ما قالوا.
ولكن يحمل على المجازاة، كأَنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من العصيان بك، والخلاف لك؟!
لما لم يعلموا أَنه من عند الله يأْمر بذلك.
وهذا وأَمثاله على المجازاة جائزٌ على ما ذكرنا من الاستهزاءِ، والمخادعة، والمكر، كله على المجازاة جائز.
وكقول نوح لقومه: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ على المجازاة [جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء]؛ فكذلك الأَول.
وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهلٍ بأَحوال أَنفسهم؛ إذ كلهم سواء مِن جهة الجوْهر والخِلْقة، وتركيب الجوارح، وتصوير الصُّور، وتمثيلها.
أَلا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهْل، فقال: ﴿ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!
دل أَن الهزء في الخلق لجهلٍ فيهم، وبالله التوفيق.
ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرْع السمع؛ لأَنه أَمرهم بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيَّتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث والسؤال عنها؛ فثبت أَنه على العموم.
أَلا ترى ما روي في الخبر: "لو عمدوا إلى أَدنى بقرة لأَجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" لكن هذا لا يصح؛ لأَنه دعوى على الله، لحدوث شيء في أَمره، وبُدُوٍّ في حكمه، فذلك كفرٌ، لا يقوله مسلم، فضلاً عن أَن يقولَ به رسولٌ من الرسل.
تأْويل هذا أَنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأَول على غير ذلك لكان قد بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أَرادَ.
وذلك معنى البداءِ، بل معنى الرجوع عن الأَول مما أَراد، والتفسير له بغَيره، ولا قوة إلا بالله.
ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: أَحدهما: أَخذُ كل آيةٍ خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص.
والثاني: جواز تأْخير البيان على تقدم الأَمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت على العموم - وهو مرادها - ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأَحكام والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات، الله عن ذلك.
ومعنى سُؤالهم؛ بدعاءِ الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: أَنْ لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسأَلوا موسى عن تفسيرها؛ إذ الله - - هو الذي يعلم الآيات.
والحرف الثاني هو الأَول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداءِ؛ لما يوجبه، وأَن الأَمر بالذبح في الابتداءِ كان على ما آل أَمرها إليه وظهر.
لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أَحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا أَنه أَحدث لهم ذلك بالسؤال.
وعلى ذلك: ما روي في الخبر: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" أَي: لما علم من عبده أَنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أَكثر مما لو علم أَنه لا يصل، لا أَنه يجعل أَجله إلى وقتٍ، فإذا وصل رحمه زادَ على ذلك.
لا على ما يقوله المعتزلة: أَن الله - - يجعل لكل أَحد أَجلين، فإذا وَصَل رحمه أَماته في أَبْعد الأَجلين، وإذا لم يصل جعلَ أَجله الأولَ.
فهذا أَمر من يجهل العواقب، فأَما من كان عالماً بالعواقب فلا؛ لأَنه بدوٌّ ورجوعٌ عما تقدم من الأَمر.
ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أَولياءِ المقتول وَهِمَ؛ لأَوجهٍ: أَحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إنَّ فلاناً قتلني، في قطع حَق الميراث، وإغرام الدية.
والثاني: أَن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم.
والثالث: أَن أَولياء المقتول قد كانوا - قبل أَن يحيى - يدَّعون عليهم القتل، فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية.
والرابع: أَن قبول قول الميت أَحق من قبول قول الولي؛ لأَن الوليَّ ينتفع بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئاً، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي، والله الموفق.
ثُم وَجْه جعْلِ البقرة آيةً دون غيرها من البهائم وجهان: أَحدهما: ما رُوي أَن رجلاً كان بارّاً بوالديْه، محسناً إليهما عاطفاً عليهما، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأَراد الله - عز وجل - أَن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديْهِ.
والثاني: أَنهم كانوا يعبدون البُقُور والعَجَاجيل، وحُبِّبَ ذلك إليهم؛ كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ ، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته، فأَراد الله أَن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان في قلُوبهم من حب البُقُور والعجاجيل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ .
يقول: ليست بكبيرة.
وقوله: ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ .
ولا شابة.
وقوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ .
بين الشابة والكبيرة.
وقيل: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ : لا كبيرة، على ما ذكرنا ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ ، أَي: ولا ما [لا] تلد، ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ﴾ أي: قد ولدت بطناً أَو بَطنَين.
وقوله: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ .
قيل: الصفراءُ؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته.
وقيل: الصفراءُ؛ من الصّفَر المعروف.
وقوله: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ .
قيل: صاَفٍ.
وقوله: ﴿ تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ ﴾ .
تُعْجِب الناظرين.
وقيل: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ؛ صَفْرَاءُ الظلف والقَرن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ .
وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيداً من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ الله لكنا من المهتدين.
والمعتزلة يقولون: قد شاءَ الله أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم على مشيئة الله على قولهم - فنعُوذ بالله من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدين.
وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا ﴾ .
قيل: لم يذللها لِلعمل؛ أَي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يُسقى عليها الحرث.
وقيل: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ ؛ أي: بقرة وحشية صعبة، تثير الأَرض، ولكن إثارة الأَرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها.
وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ، خوفاً على أَنفسهم أَن يفتضحوا لظهور القاتل.
وقيل: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ لغلاءِ ثمنها.
والأولُ أَقرب، والله أعلم.
وقيل: إنهم استقصَوْأ في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربما يكون للمدافعة، والله الموفق.
وفي قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ دليلٌ لأَبي حنيفةَ - رَحمَهُ الله وَأصحابِه - أَن من حَلَف لا يأْكل لحم بقرَةٍ، فأَكل لحْم ثَور حنث؛ لأَن الله ذكر البقرةَ, ثم بين في آخره ما يدل على أَنه أَراد به الثورَ؛ لقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ .
والثوْرُ هو الذي يثير الأَرض، ويسقي الحرث، دون الأُنثى منها؛ لذلك كان الجواب على ما ذكرنا.
إلا أَن يكونوا هُمْ كانوا يحرثون بالأُنثى منها كما يَحرث أَهل الزمان بالذكَر، فحينئذ لا يكون فيه دليلٌ لما ذكرنا، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .
في الآية: دليلٌ مُرادِ الخصوص - وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم - لأَنه قال عز وجل: ﴿ قَتَلْتُمْ ﴾ ، وإنما قتله واحد، وقال: ﴿ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ، وإنما كان كتمه الذي قتله.
لذلك قلنا: ألا نصْرف مرادَ الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ .
قال بعضهم: بفخذها الأَيمن.
لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن الله ، ولكن يقال: ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ بقدر ما في الكتاب.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .
أَي: هكذا يُحيي الله الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءَه، بضرب بعض البقرة عليه.
وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .
فكما أَحيا الأَرض بَعد موتها بالمطر المنزل من السماءِ، يقدر على إحياءِ الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، والله أعلم.
ويحتمل: إحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمَأَنُّوا على إِحياءِ الموتى؛ فأَرَاهُم الله - عز وجل - ذلك؛ ليطمئنوا، وليَسْتَقِروا على ذلك، ولا يضْطَربوا فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .
يحتمل: يُريكم آيات وحدانيته.
ويحتمل: يريكم آيات إِحياءِ الموتى، وآيات البعث.
ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أَرى من تقدمكم عند حاجاتهم.
ويحتمل: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ آيات نبوة محمد ؛ إذ هو خبَّر عن الغيب.
وأَوضح آيات الرسالة؛ الخَبَرُ عن الغيْبِ، وذكرُ القصة على الوجه الذي يعلم أَن الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أَنه بالله علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا اختلافٌ إلى من عنده.
على أَنه لو كان مسموعاً منهم، يجرى على مثله القول بالزيادة والنقصان، ولكن منعهم الله عن ذلك - إذ علموا صدقه - إشفاقاً على أَنفسهم، أَن ينزل عليهم نِقْمة الله.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .
لكي تَعقلُوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أَنه قادر على إِحياءِ الموتى بَعْدَ الموت.
وقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
ضرب الله لقلوبهم مثلاً بالحجارة، وشبهها بها، لتساويها، وشدة صلابتها، وأَنها أَشدُّ قسوةً من الحجارة، وذلك: أَن من الحجارة - مع صلابتها وشدتها، مع فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها - ما تخضع له، وتتصدع؛ كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...
﴾ الآية [الأعراف: 143].
وقلبُ الكافر - مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول - لا يخضع له، ولا يلين.
وكذلك أَخبر الله عز وجل عن الجبال أَنها تلينُ، وتخضع لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ .
وقلبُ الكافر لا يلين أَبداً.
أَو أَن يقال: إنّ الله عز وجل جعل من الجبال مَنافِع للخلق مع صلابتها وشدتها حتى يتفجر منه الأَنهار والمياه.
وقلبُ الكافر - مع احتمال ذلك وإمكانه - لا منفعة منه لأَحدٍ.
وبالله التوفيق.
ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلاً بالحجارة، وتشبيهها بها، دونَ غيرها من الأَشياء الصُّلبة؛ من الحديد، والصُّفْر، وغيرهما، وذلك - والله أعلم - أَن الحديد تُلينه النار، وكذلك الصُّفْر حتى تضرب منهما الأَواني.
والحجرُ لا تُلينهُ النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها.
وهذا - والله أعلم - في قوم علم الله أَنهم لا يؤمنون أَبداً.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرجت على الوعيد - أَبلغ الوعيد - والوعظ؛ حين ذَكرهم علمه بما يعملون.
<div class="verse-tafsir"
قالوا لموسى: ادعُ لنا ربك حتَّى يبين لنا صفة البقرة التي أَمَرَنا بذبحها، فقال لهم: إن الله يقول: إنها بقرة ليست كبيرة السن ولا صغيرة، ولكن وسط بين ذلك، فبادِروا بامتثال أمر ربكم.
<div class="verse-tafsir" id="91.ZYlNA"
هذه القصة مما أراد الله تعالى أن يقصه علينا من أخبار بني إسرائيل في قسوتهم وفسوقهم للاعتبار بها..
من وجوه الاعتبار أن التنطع في الدين والإحفاء في السؤال، مما يقتضي التشديد في الأحكام، فمن شَدَّد شُدِّد عليه، ولذلك نهى الله تعالى هذه الأمة عن كثرة السؤال بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ﴾ وفي الحديث الصحيح "ويكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".
وقد امتثل سفلنا الأمر فلم يشددوا على أنفسهم فكان الدين عندهم فطريًا ساذجًا وحنيفيًا سمحًا، ولكم مِن خَلَفِنا من عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكامًا استنبطها باجتهاده، وأكثروا منها حتى صار الدين حملًا ثقيلًا على الأمة فسئمته وملت، وألقته وتخلت.
جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، فهو في هذه القصص ولم يلتزم ترتيب المؤرخين ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة.
وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكًا، ويهز النفس للاعتبار هزًا.
وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم الله تعالى إياها، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها، وما كان في أثر كل من ذلك تأديبهم بالعقوبات، وابتلائهم بالحسنات والسيئات، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة، ثم يعودون إلى بطرهم وينقلبون إلى كفرهم.
كان في الآيات السابقة يذكر النعمة فالمخالفة فالعقوبة فالتوبة فالرحمة كالتفضيل على العالمين، وأخذ الميثاق، والإنجاء من آل فرعون، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا، وأوضحنا من قبل وفصلنا.
وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ﴾ ثم المنة في الخلاص منها في قوله ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ إلخ وقدم على ذلك وسيلة الخلاص وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها، حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر موسى لقومه أي يذبحوا بقرة، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه، إذ الحكمة في أمر الله أمة من الأمم بذبح بقرة خفية وجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها، لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب.
يقول أهل الشبهات في القرآن: إن بنيب إسرائيل لا يعرفون هذه القصة إذ لا وجود لها في التوراة، فمن أين جاء بها القرآن؟
ونقول إن القرآن جاء بها من عند الله الذي يقول في بني إسرائيل المتأخرين إنهم نسوا حظًا مما ذكروا به، وإنهم لم يؤتوا إلا نصيبًا من الكتاب.
على أن هذا الحكم منصوص في التوراة وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في وادٍ دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون إن أيدينا لم تسفك هذا الدم، اغفر لشعبك إسرائيل: ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة أو كانت هي السبب فيه.
وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه وأظهره الله تعالى..
وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين والمفسرين فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها لحسن قصدهم، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهى عنه ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته.
فالأمر بذبح البقرة كان لفصل النزاع في واقعة قتل.
ويروون في قصته روايات منها: أن القاتل كان أخ المقتول، لأجل الإرث، وأنه اتهم أهل الحي بالدم وطالبهم به.
ومنها أنه كان ابن أخيه، وغير ذلك مما لا حاجة إليه.
وكانوا طلبوا من موسى الفصل في المسألة وبيان القاتل، ولما أمرهم بذبح البقرة استغربوا لما فيه من المباينة لما يطلبون، والبعد بينه وبين ما يريدون، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ أي سخرية يهزأ بنا، وهذا القول من سفههم وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله تعالى وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام والامتثال، وإن لم تظهر حكمته بادي الرأي، ولولا ذلك لامتثلوا وانتظروا النتيجة بعد ذلك.
ولما كان في جوابهم هذا رمي لموسى بالسفه والجهالة ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ أي ألتجئ إلى الله وأعتصم بتأديبه إياي من الجهالة والهزء بالناس.
﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ ﴾ أي ما الصفات المميزة لها؟
إن السؤال"بما هي"ليس جاريًا هنا على اصطلاح علماء المنطق من جعله سؤالًا عن حقيقة الماهية، وإنما هو على حسب أسلوب اللغة، والعرب يسألون بما عن الصفات التي تميز الشيء في الجملة، كالذي ذكره في الجواب ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ ﴾ أي غير مسنة انقطعت ولادتها ﴿ وَلَا بِكْرٌ ﴾ لم تلد بالمرة، والمراد بها التي لم تلد كثيرًا ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ العوان النَّصَف في السن من النساء والبهائم أي هي بين ما ذكر من السنين الفارض والبكر فالمشار إليه بكلمة ذلك متعدد في المعنى، وإن كان لفظه مفردًا.
و"بين" من الكلم التي تختص بالمتعدد تقول جلست بينهم أو بينهما ولا تقول جلست بينه.
واستعمال الإشارة والضمير المفردين فيما هو بمعنى الجمع على تقدير التعبير عنه بالمذكور أو"ما ذكر"كثير في كلامهم ومنه قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجسم توليع البهق ذكر هذا الوصف المميز للبقرة في الجملة وقال ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ﴾ وكان يجب عليهم الاكتفاء به والمبادرة بعده للامتثال ولكنهم أبوا إلا تنطعًا واستقصاء في السؤال ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴾ الفاقع الشديد الصفرة في صفاء بحيث لا يخالطه لون آخر، وبعض أهل اللغة لا يخصه بالأصفر بل يجعله وصفًا لكل لون صاف.
وكان يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولمنهم زادوا تنطعًا إذ ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ وقد أرادوا بهذا السؤال زيادة التمييز ككونها عاملة أو سائمة ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ سائمة ﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ ﴾ أي غير مذللة بالعمل في الحراثة ولا في السقي ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ من العيوب أو من سائر الأعمال ﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا ﴾ أي ليس فيها لون آخر غير الصفرة الفاقعة.
والشية مصدر كالعِدَة من وشى الثوب يشيه إذا جعل فيه خطوطًا من غير لونه بنحو تطريز.
ولما استوفى جميع المميزات والشخصيات ولم يروا سبيلًا إلى سؤال آخر ﴿ قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ أي وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم.
روى ابن جرير في التفسير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا" لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا: وههنا يذكر المفسرون قصة في حكمة هذا التشديد وهو المصير إلى بقرة معينة لشخص معين كان بارًا بوالدته.
وقد يكون هذا صحيحًا غير أنه لا داعي إليه في التفسير وبيان المعنى.
وقد يشتبه بعض الناس فيما ذكر بأن أحكام الله تعالى لا تكون تابعة لأفعال الناس العارضة ويرد هذه الشبهة أن التكليف كثيرًا ما يكون عقوبة لأنه تربية للناس وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بالفاء وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابًا للسؤال المقدر مفصولة عما قبله لا يقرن جوابه بالفاء إلا إذا كان للفاء معنى خاص يقتضيه المقام كالتعقيب والجزاء، وليس ذلك موجودًا هنا.
فقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ﴾ يشعر بسؤال كأنه قيل ماذا كان منهم بعد الأمر فأجيب عنه بقوله ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ وهذا يشعر بسؤال أيضًا كأنه قيل ماذا قال موسى إذ قالوا ذلك فأجاب ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ ﴾ إلخ وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل كما ترى في قصة موسى وفرعون.
<div class="verse-tafsir"