الآية ٧١ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧١ من سورة البقرة

قَالَ إِنَّهُۥ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌۭ لَّا ذَلُولٌۭ تُثِيرُ ٱلْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌۭ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا۟ ٱلْـَٔـٰنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ يَفْعَلُونَ ٧١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 195 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٧١ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٧١ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث ) أي : إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي في السانية ، بل هي مكرمة حسنة صبيحة ( مسلمة ) صحيحة لا عيب فيها ( لا شية فيها ) أي : ليس فيها لون غير لونها .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ( مسلمة ) يقول : لا عيب فيها ، وكذا قال أبو العالية والربيع ، وقال مجاهد ( مسلمة ) من الشية .

وقال عطاء الخراساني : ( مسلمة ) القوائم والخلق ( لا شية فيها ) قال مجاهد : لا بياض ولا سواد .

وقال أبو العالية والربيع ، والحسن وقتادة : ليس فيها بياض .

وقال عطاء الخراساني : ( لا شية فيها ) قال : لونها واحد بهيم .

وروي عن عطية العوفي ، ووهب بن منبه ، وإسماعيل بن أبي خالد ، نحو ذلك .

وقال السدي : ( لا شية فيها ) من بياض ولا سواد ولا حمرة ، وكل هذه الأقوال متقاربة [ في المعنى ، وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى : ( إنها بقرة لا ذلول ) ليست بمذللة بالعمل ثم استأنف فقال : ( تثير الأرض ) أي : يعمل عليها بالحراثة لكنها لا تسقي الحرث ، وهذا ضعيف ؛ لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث كذا قرره القرطبي وغيره ] ( قالوا الآن جئت بالحق ) قال قتادة : الآن بينت لنا ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : وقبل ذلك والله قد جاءهم الحق .

( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) قال الضحاك ، عن ابن عباس : كادوا ألا يفعلوا ، ولم يكن ذلك الذي أرادوا ، لأنهم أرادوا ألا يذبحوها .

يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة ، والأجوبة ، والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد ، وفي هذا ذم لهم ، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت ، فلهذا ما كادوا يذبحونها .

وقال محمد بن كعب ، ومحمد بن قيس : ( فذبحوها وما كادوا يفعلون ) لكثرة ثمنها .

وفي هذا نظر ; لأن كثرة ثمنها لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل ، كما تقدم من حكاية أبي العالية والسدي ، ورواه العوفي عن ابن عباس .

وقال عبيدة ، ومجاهد ، ووهب بن منبه ، وأبو العالية ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إنهم اشتروها بمال كثير وفيه اختلاف ، ثم قد قيل في ثمنها غير ذلك .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا ابن عيينة ، أخبرني محمد بن سوقة ، عن عكرمة ، قال : ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير وهذا إسناد جيد عن عكرمة ، والظاهر أنه نقله عن أهل الكتاب أيضا .

وقال ابن جرير : وقال آخرون : لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة ، إن اطلع الله على قاتل القتيل الذي اختصموا فيه .

ولم يسنده عن أحد ، ثم اختار أن الصواب في ذلك أنهم لم يكادوا يفعلوا ذلك لغلاء ثمنها ، وللفضيحة .

وفي هذا نظر ، بل الصواب والله أعلم ما تقدم من رواية الضحاك ، عن ابن عباس ، على ما وجهناه .

وبالله التوفيق .

مسألة : استدل بهذه الآية في حصر صفات هذه البقرة حتى تعينت أو تم تقييدها بعد الإطلاق على صحة السلم في الحيوان كما هو مذهب مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وجمهور العلماء سلفا وخلفا بدليل ما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تنعت المرأة المرأة لزوجها كأنه ينظر إليها " .

وكما وصف النبي صلى الله عليه وسلم إبل الدية في قتل الخطأ وشبه العمد بالصفات المذكورة بالحديث ، وقال أبو حنيفة والثوري والكوفيون : لا يصح السلم في الحيوان لأنه لا تنضبط أحواله ، وحكى مثله عن ابن مسعود وحذيفة بن اليمان وعبد الرحمن بن سمرة وغيرهم .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ قال أبو جعفر: وتأويل ذلك: قال موسى: إن الله يقول إن البقرة التي أمرتكم بذبحها بقرة لا ذلول.

ويعني بقوله: (لا ذلول)، أي لم يذللها العمل.

فمعنى الآية: إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض بأظلافها, ولا سُنِيَ عليها الماء فيُسقى عليها الزرع.

(19) كما يقال للدابة التي قد ذللها الركوب أو العمل: " دابة ذلول بينة الذِّل " بكسر الذال.

(20) ويقال في مثله من بني آدم: " رجل ذليل بين الذِّل والذلة ".

1248 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (إنها بقرة لا ذلول)، يقول: صعبة لم يذلها عمل,(تثير الأرض ولا تسقي الحرث).

1249 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض)، يقول: بقرة ليست بذلول يزرع عليها, وليست تسقي الحرث.

1250 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (إنها بقرة لا ذلول)، أي لم يذللها العمل.(تثير الأرض) يعني: ليست بذلول فتثير الأرض.(ولا تسقي الحرث) يقول: ولا تعمل في الحرث.

1251 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن &; 2-213 &; الربيع: (إنها بقرة لا ذلول) يقول: لم يذلها العمل,(تثير الأرض) يقول: تثير الأرض بأظلافها, (21) (ولا تسقي الحرث)، يقول: لا تعمل في الحرث.

1252 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج, قال الأعرج، قال مجاهد، قوله: (لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث)، يقول: ليست بذلول فتفعل ذلك.

1253 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو سفيان، عن معمر, عن قتادة: ليست بذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

* * * قال أبو جعفر: ويعني بقوله: (تثير الأرض)، تقلب الأرض للحرث.

يقال منه: " أثرت الأرض أثيرها إثارة "، إذا قلبتها للزرع.

وإنما وصفها جل ثناؤه بهذه الصفة، لأنها كانت -فيما قيل- وَحشِيّة.

1254 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر, عن كثير بن زياد, عن الحسن قال: كانت وحشية.

(22) * * * القول في تأويل قوله تعالى : مُسَلَّمَةٌ قال أبو جعفر: ومعنى " مسلمة " " مفعلة " من " السلامة ".

يقال منه: " سُلِّمت تسلم فهي مسلمة.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في المعنى الذي سلمت منه, فوصفها الله بالسلامة منه.

فقال مجاهد بما:- 1255 - حدثنا به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم, عن عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: " مسلمة "، يقول: مسلمة من الشية, و لا شِيَةَ فِيهَا ، &; 2-214 &; لا بياض فيها ولا سواد.

1256 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1257 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال, قال مجاهد: (مسلمة)، قال: مسلمة من الشية، لا شِيَةَ فِيهَا لا بياض فيها ولا سواد.

* * * وقال آخرون: مسلمة من العيوب.

* ذكر من قال ذلك: 1258 - حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (مسلمة لا شية فيها)، أي مسلمة من العيوب.

1259 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة: (مسلمة)، يقول: لا عيب فيها.

1260 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية: (مسلمة)، يعني مسلمة من العيوب.

1261 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع بمثله.

1262 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، قال ابن عباس قوله: (مسلمة)، لا عَوَارَ فيها.

(23) * * * قال أبو جعفر: والذي قاله ابن عباس وأبو العالية ومن قال بمثل قولهما في تأويل ذلك، أولى بتأويل الآية مما قاله مجاهد.

لأن سلامتها لو كانت من سائر أنواع الألوان سوى لون جلدها, لكان في قوله: (مسلمة) مُكْتَفًى عن قوله: لا شِيَةَ فِيهَا .

وفي قوله: لا شِيَةَ فِيهَا ، ما يوضح عن أن معنى قوله: (مُسَلَّمة)، غير معنى قوله: لا شِيَةَ فِيهَا ، وإذ كان ذلك كذلك, فمعنى الكلام: إنه &; 2-215 &; يقول: إنها بقرة لم تذللها إثارة الأرض وقلبها للحراثة، ولا السنو عليها للمزارع, (24) وهي مع ذلك صحيحة مسلمة من العيوب.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : لا شِيَةَ فِيهَا قال أبو جعفر: يعني بقوله: (لا شية فيها)، لا لون فيها يخالف لون جلدها.

وأصله من " وشي الثوب ", وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه، بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته, (25) يقال منه: " وشيت الثوب فأنا أشيه شية ووشيا "، ومنه قيل للساعي بالرجل إلى السلطان أو غيره: " واش ", لكذبه عليه عنده، وتحسينه كذبه بالأباطيل.

يقال منه: " وشيت به إلى السلطان وشاية ".

ومنه قول كعب بن زهير: تســعى الوشــاة جَنَابَيْهـا وقـولهُمُ إنـك يـا ابـن أبـي سُـلمى لمقتول (26) و " الوشاة جمع واش "، يعني أنهم يتقولون بالأباطيل، ويخبرونه أنه إن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم قتله.

وقد زعم بعض أهل العربية أن " الوشي"، العلامة.

وذلك لا معنى له، إلا أن يكون أراد بذلك تحسين الثوب بالأعلام.

لأنه معلوم أن القائل: " وشيت بفلان إلى فلان " غير جائز أن يتوهم عليه أنه أراد: جعلت له عنده علامة.

&; 2-216 &; وإنما قيل: (لا شية فيها) وهي من " وشيت "، لأن " الواو " لما أسقطت من أولها أبدلت مكانها " الهاء " في آخرها.

كما قيل: " وزنته زنة " و " وسن سِنة " (27) و " وعدته عِدة " و " وديته دِية " .

* * * وبمثل الذي قلنا في معنى قوله: (لا شية فيها)، قال أهل التأويل: 1263 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (لا شية فيها)، أي لا بياض فيها.

1264 - حدثنا الحسن قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة مثله.

1265 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع، عن أبي العالية: (لا شية فيها)، يقول: لا بياض فيها.

1266 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (لا شية فيها) أي لا بياض فيها ولا سواد.

1267 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.

1268 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا ابن إدريس, عن أبيه, عن عطية: (لا شية فيها)، قال: لونها واحد، ليس فيها سوى لونها.

1269 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (لا شية فيها)، من بياض ولا سواد ولا حمرة.

1270 - حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (لا شية فيها)، هي صفراء، ليس فيها بياض ولا سواد.

1271 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (لا شية فيها)، يقول: لا بياض فيها.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله: (قالوا الآن جئت بالحق).

فقال بعضهم: معنى ذلك: الآن بينت لنا الحق فتبيناه, وعرفنا أية بقرة عنيت.

(28) وممن قال ذلك قتادة : 1272 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (قالوا الآن جئت بالحق)، أي الآن بينت لنا.

* * * وقال بعضهم: ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن القوم أنهم نسبوا نبي الله موسى صلوات الله عليه، إلى أنه لم يكن يأتيهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك.

وممن روي عنه هذا القول عبد الرحمن بن زيد : 1273 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: اضطروا إلى بقرة لا يعلمون على صفتها غيرها, وهي صفراء ليس فيها سواد ولا بياض, فقالوا: هذه بقرة فلان: (الآن جئت بالحق)، وقبل ذلك والله قد جاءهم بالحق.

(29) * * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلين عندنا بقوله: (قالوا الآن جئت بالحق)، قول قتادة.

وهو أن تأويله: الآن بينت لنا الحق في أمر البقر, فعرفنا أيها الواجب علينا ذبحها منها.

(30) لأن الله جل ثناؤه قد أخبر عنهم أنهم قد أطاعوه فذبحوها، بعد &; 2-218 &; قيلهم هذا.

مع غلظ مؤونة ذبحها عليهم، وثقل أمرها, فقال: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ، وإن كانوا قد قالوا - بقولهم: الآن بينت لنا الحق - هراء من القول, وأتوا خطأ وجهلا من الأمر.

وذلك أن نبي الله موسى صلى الله عليه وسلم كان مبينا لهم - في كل مسألة سألوها إياه, ورد رادوه في أمر البقر - (31) الحق.

وإنما يقال: " الآن بينت لنا الحق " لمن لم يكن مبينا قبل ذلك, فأما من كان كل قيله -فيما أبان عن الله تعالى ذكره- حقا وبيانا, فغير جائز أن يقال له = في بعض ما أبان عن الله في أمره ونهيه، وأدى عنه إلى عباده من فرائضه التي أوجبها عليهم: (الآن جئت بالحق)، كأنه لم يكن جاءهم بالحق قبل ذلك!

* * * وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى: (الآن جئت بالحق)، ويزعم أنهم نفوا أن يكون موسى أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك, وأن ذلك من فعلهم وقيلهم كفر.

وليس الذي قال من ذلك عندنا كما قال، لأنهم أذعنوا بالطاعة بذبحها, وإن كان قيلهم الذي قالوه لموسى جهلة منهم وهفوة من هفواتهم.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فذبحوها)، فذبح قوم موسى البقرة، التي وصفها الله لهم وأمرهم بذبحها.

ويعني بقوله: (وما كادوا يفعلون)، أي: قاربوا أن يَدَعوا ذبحها, ويتركوا فرض الله عليهم في ذلك.

* * * ثم اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله كادوا أن يضيعوا فرض الله عليهم، في ذبح ما أمرهم بذبحه من ذلك.

فقال بعضهم: ذلك السبب كان &; 2-219 &; غلاء ثمن البقرة التي أمروا بذبحها، وبينت لهم صفتها.

* ذكر من قال ذلك: 1274 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا أبو معشر المدني, عن محمد بن كعب القرظي في قوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون) قال: لغلاء ثمنها.

1275 - حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد الهلالي قال، حدثنا عبد العزيز بن الخطاب قال، حدثنا أبو معشر, عن محمد بن كعب القرظي: (فذبحوها وما كادوا يفعلون)، قال: من كثرة قيمتها.

(32) 1276 - حدثنا القاسم قال، أخبرنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن جريج, عن مجاهد وحجاج, عن أبي معشر, عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس - في حديث فيه طول, ذكر أن حديث بعضهم دخل في حديث بعض - قوله: (فذبحوها وما كادوا يفعلون)، لكثرة الثمن, أخذوها بملء مسكها ذهبا من مال المقتول, (33) فكان سواء لم يكن فيه فضل فذبحوها.

1277 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (فذبحوها وما كادوا يفعلون)، يقول: كادوا لا يفعلون، ولم يكن الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها: وكل شيء في القرآن " كاد " أو " كادوا " أو " لو "، فإنه لا يكون.

وهو مثل قوله: أَكَادُ أُخْفِيهَا [ طه: 15 ] * * * وقال آخرون: لم يكادوا أن يفعلوا ذلك خوف الفضيحة، إن أطلع الله على &; 2-220 &; قاتل القتيل الذي اختصموا فيه إلى موسى.

* * * قال أبو جعفر: والصواب من التأويل عندنا, أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة، للخلتين كلتيهما: إحداهما غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها؛ والأخرى خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم، بإظهار الله نبيه موسى صلوات الله عليه وأتباعه - على قاتله.

* * * فأما غلاء ثمنها، فإنه قد روي لنا فيه ضروب من الروايات.

1278 - فحدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: اشتروها بوزنها عشر مرات ذهبا, فباعهم صاحبها إياها وأخذ ثمنها.

1279 - حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا المعتمر بن سليمان قال، سمعت أيوب, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة قال: اشتروها بملء جلدها دنانير.

1280 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: كانت البقرة لرجل يبر أمه، فرزقه الله أن جعل تلك البقرة له, فباعها بملء جلدها ذهبا.

1281 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل قال، حدثني خالد بن يزيد, عن مجاهد قال: أعطوا صاحبها ملء مسكها ذهبا فباعها منهم.

1282 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: اشتروها منه على أن يملئوا له جلدها دنانير, ثم ذبحوها فعمدوا إلى جلد البقرة فملئوه دنانير, ثم دفعوها إليه.

1283 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي (34) &; 2-221 &; قال حدثني أبي، عن أبيه, عن ابن عباس قال: وجدوها عند رجل يزعم أنه ليس بائعها بمال أبدا, فلم يزالوا به حتى جعلوا له أن يسلخوا له مسكها فيملئوه له دنانير, فرضي به فأعطاهم إياها.

1284 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن الربيع, عن أبي العالية قال: لم يجدوها إلا عند عجوز, وإنها سألتهم أضعاف ثمنها, فقال لهم موسى: أعطوها رضاها وحكمها.

ففعلوا, واشتروها فذبحوها.

1285 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر قال، قال أيوب, عن ابن سيرين, عن عَبيدة قال: لم يجدوا هذه البقرة إلا عند رجل واحد, فباعها بوزنها ذهبا, أو ملء مسكها ذهبا - فذبحوها.

1286 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر, عن هشام بن حسان, عن محمد بن سيرين, عن عبيدة السلماني قال: وجدوا البقرة عند رجل, فقال: إني لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا, فاشتروها بملء جلدها ذهبا.

1287 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: جعلوا يزيدون صاحبها حتى ملئوا له مسكها - وهو جلدها - ذهبا.

* * * وأما صغر خطرها وقلة قيمتها, فإن الحسن بن يحيى:- 1288 - حدثنا قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا ابن عيينة قال، حدثني محمد بن سوقة, عن عكرمة قال: ما كان ثمنها إلا ثلاثة دنانير.

وأما ما قلنا من خوفهم الفضيحة على أنفسهم, فإن وهب بن منبه كان يقول: إن القوم إذ أمروا بذبح البقرة، إنما قالوا لموسى: أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ، لعلمهم بأنهم سيفتضحون إذا ذبحت، فحادوا عن ذبحها.

1289 - حدثت بذلك عن إسماعيل بن عبد الكريم, عن عبد الصمد بن معقل, عن وهب بن منبه.

وكان ابن عباس يقول: إن القوم، بعد أن أحيا الله الميت فأخبرهم بقاتله, &; 2-222 &; أنكرت قتلته قتله, فقالوا: والله ما قتلناه؛ بعد أن رأوا الآية والحق.

1290 - حدثني بذلك محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثتي أبي عن أبيه, عن ابن عباس.

---------------- الهوامش : (19) سنت الناقة تسنو ، وسنا الرجل يسنو سنوا وسناية : إذا سقى الأرض .

والسانية : هي الناضحة ، وهي الناقة أو غيرها مما يسقى عليها الزرع ، والجمع : السواني .

(20) الذل : اللين ، ضد الصعوبة .

(21) في المطبوعة : "تبين الأرض" ، وهو تصحيف .

(22) الأثر : 1254 - سلف قريبا برقم : 1221 .

(23) العوار (بفتح العين ، وتضم) : العيب .

(24) انظر ما سلف في هذا الجزء : 211 تعليق : 1 .

(25) السدَى : الأسفل من الثوب ، واللُّحمة : الأعلى منه يداخل السدَى .

(26) ديوانه : 19 ، وسيرة ابن هشام 4 : 153 ، والروض الأنف 2 : 314 ، والفائق (قحل) ورواية الديوان "بجنبيها" ورواية ابن هشام : "تسعى الغواة" .

وقوله : "جنابيها" .

والجناب : الناحية ، ويريد ناحية الجنب .

يقال : "جنبيه ، وجانبيه ، وجنابيه ، .

والضمير في قوله : "جنابيها" لناقته التي ذكرها قبل .

وقوله : "وقولهم : إنك .

.

" ، حال ، أي : وهم يقولون ، والمعنى يكثرون القول عليه : إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول ، كأنهم لا يقولون غير ذلك ، ترهيبا له وتخويفا .

(27) في المطبوعة : " ووسيته سية" ، وهو كلام لا أصل له ، وكأنه مصحف ما أثبت .

(28) في المطبوعة : "فتبيناه وعرفناه أنه بقرة عينت" ، تصحيف وتحريف ، وهو فاسد جدا .

مضى في ص" 209 نقض الطبري لقول من زعم أنهم ظنوا أنهم أمروا بذبح بقرة بعينها .

فسألوه أن يصفها لهم ليعرفوها ، وسمى قائل ذلك : جاهلا ، وشفى في بيان جهله ، فلو كان الله تعالى"عينها" لهم ، لبين لهم ما عين ، إذا أمر بذبحها .

(29) الأثر : 1273 - بعض الأثر : 1247 ، وهنا زيادة عليه من تمامه .

(30) في المطبوعة : "الآن بينت لنا الحق في أمر البقرة ، فعرفنا أنها الواجب علينا ذبحها منها" ، و"البقرة"و"أنها" تصحيف وتحريف ، يفسد معنى ما قال الطبري ىنفا ص : 209 ، وما سيأتي بعد هذه الجملة .

وانظر التعليق السالف رقم : 1 .

(31) السياق : "كان مبينا لهم .

.

الحق" ، ما بينهما فصل ، كعادته في الفصل .

(32) الخبر : 1275 - محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل الهلالي ، شيخ الطبري : ثقة ، روى عنه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم .

مترجم في التهذيب ، ولم أجد له ترجمة في غيره .

عبد العزيز ابن الخطاب الكوفي أبو الحسن : ثقة ، روى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وغيرهما ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 /381 .

أبو معشر : هو نجيح - بفتح النون - بن عبد الرحمن السندي - بكسر السين - المدني ، وهو ضعيف .

البخاري في الكبير 4 / 2 /114 ، وقال : "منكر الحديث" وابن أبي حاتم 4 /1 / 495 .

محمد بن كعب القرظي : تابعي ثقة معروف .

(33) المسك (بفتح فسكون) : جلد البقرة وغيرها من الحيوان .

(34) في المطبوعة : محمد بن سعيد قال حدثني أبي قال حدثني يحيى" ، وهذا خطأ ، والصواب ما أثبته .

وقد مضى الكلام على هذا الإسناد في 1 : 263 - 264 ، وهو كثير الدوران في تفسير الطبري" ، وسيأتي بعد في رقم : 1290على الصواب .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا شية فيها قالوا الآن جئت بالحق فذبحوها وما كادوا يفعلونقوله تعالى : قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول قرأ الجمهور لا ذلول بالرفع على الصفة لبقرة .

قال الأخفش : " لا ذلول " نعته ولا يجوز نصبه .

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي " لا ذلول " بالنصب على النفي والخبر مضمر .

ويجوز : لا هي ذلول ، لا هي تسقي الحرث ، هي مسلمة .

ومعنى " لا ذلول " لم يذللها العمل ، يقال : بقرة مذللة بينة الذل ( بكسر الذال ) .

ورجل ذليل بين الذل ( بضم الذال ) .

أي : هي بقرة صعبة غير ريضة لم تذلل بالعمل .[ ص: 422 ] قوله تعالى : تثير الأرض تثير في موضع رفع على الصفة للبقرة أي : هي بقرة لا ذلول مثيرة .

قال الحسن : وكانت تلك البقرة وحشية ؛ ولهذا وصفها الله تعالى بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث أي : لا يسنى بها لسقي الزرع ولا يسقى عليها .

والوقف هاهنا حسن .

وقال قوم : تثير فعل مستأنف ، والمعنى إيجاب الحرث لها ، وأنها كانت تحرث ولا تسقي .

والوقف على هذا التأويل " لا ذلول " .

والقول الأول أصح لوجهين : أحدهما : ما ذكره النحاس ، عن علي بن سليمان أنه قال : لا يجوز أن يكون " تثير " مستأنفا ؛ لأن بعده ولا تسقي الحرث ، فلو كان مستأنفا لما جمع بين " الواو " و " لا " .

الثاني : أنها لو كانت تثير الأرض لكانت الإثارة قد ذللتها ، والله تعالى قد نفى عنها الذل بقوله : " لا ذلول " .قلت : ويحتمل أن تكون " تثير الأرض " في غير العمل مرحا ونشاطا ، كما قال امرؤ القيس :يهيل ويذري تربه ويثيره إثارة نباث الهواجر مخمسفعلى هذا يكون " تثير " مستأنفا ، و " لا تسقي " معطوف عليه ، فتأمله .

وإثارة الأرض : تحريكها وبحثها ، ومنه الحديث : ( أثيروا القرآن فإنه علم الأولين والآخرين ) وفي رواية أخرى : ( من أراد العلم فليثور القرآن ) وقد تقدم .

وفي التنزيل : وأثاروا الأرض أي : قلبوها للزراعة .

والحرث : ما حرث وزرع .

وسيأتي .مسألة : في هذه الآية أدل دليل على حصر الحيوان بصفاته ، وإذا ضبط بالصفة وحصر بها جاز السلم فيه .

وبه قال مالك وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي .

وكذلك كل ما يضبط بالصفة ، لوصف الله تعالى في كتابه وصفا يقوم مقام التعيين ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تصف المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها .

أخرجه مسلم .

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصفة تقوم مقام الرؤية ، وجعل صلى الله عليه وسلم دية الخطأ في ذمة من أوجبها عليه دينا إلى أجل ، ولم يجعلها على الحلول .

وهو يرد قول الكوفيين أبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح حيث قالوا : لا يجوز السلم في الحيوان .

وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة ؛ لأن [ ص: 423 ] الحيوان لا يوقف على حقيقة صفته من مشي وحركة ، وكل ذلك يزيد في ثمنه ويرفع من قيمته .

وسيأتي حكم السلم وشروطه في آخر السورة في آية الدين ، إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : " مسلمة " أي : هي مسلمة .

ويجوز أن يكون وصفا ، أي : أنها بقرة مسلمة من العرج وسائر العيوب ، قاله قتادة وأبو العالية .

ولا يقال : مسلمة من العمل لنفي الله العمل عنها .

وقال الحسن : يعني سليمة القوائم لا أثر فيها للعمل .قوله تعالى : لا شية فيها أي : ليس فيها لون يخالف معظم لونها ، هي صفراء كلها لا بياض فيها ولا حمرة ولا سواد ، كما قال : فاقع لونها .

وأصل شية وشي حذفت الواو كما حذفت من يشي ، والأصل يوشي ، ونظيره الزنة والعدة والصلة .

والشية مأخوذة من وشي الثوب إذا نسج على لونين مختلفين .

وثور موشى : في وجهه وقوائمه سواد .

قال ابن عرفة : الشية : اللون .

ولا يقال لمن نم : واش ، حتى يغير الكلام ويلونه فيجعله ضروبا ويزين منه ما شاء .

والوشي : الكثرة .

ووشى بنو فلان : كثروا .

ويقال : فرس أبلق ، وكبش أخرج ، وتيس أبرق ، وغراب أبقع ، وثور أشيه ، كل ذلك بمعنى البلقة ، هكذا نص أهل اللغة .وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شددوا فشدد الله عليهم ، ودين الله يسر ، والتعمق في سؤال الأنبياء وغيرهم من العلماء مذموم ، نسأل الله العافية .

وروي في قصص هذه البقرة روايات تلخيصها : أن رجلا من بني إسرائيل ولد له ابن ، وكانت له عجلة فأرسلها في غيضة وقال : اللهم إني أستودعك هذه العجلة لهذا الصبي .

ومات الرجل ، فلما كبر الصبي قالت له أمه - وكان برا بها - : إن أباك استودع الله عجلة لك ، فاذهب فخذها ، فذهب فلما رأته البقرة جاءت إليه حتى أخذ بقرنيها وكانت مستوحشة ، فجعل يقودها نحو أمه ، فلقيه بنو إسرائيل ووجدوا بقرة على الصفة التي أمروا بها ، فساموه فاشتط عليهم .

وكان قيمتها على ما روي عن عكرمة ثلاثة دنانير ، فأتوا به موسى عليه السلام وقالوا : إن هذا اشتط علينا ، فقال لهم : أرضوه في ملكه ، فاشتروها منه بوزنها مرة ، قاله عبيدة .

السدي : بوزنها عشر مرات .

وقيل : بملء مسكها دنانير .

وذكر مكي أن هذه البقرة نزلت من السماء ولم تكن من بقر الأرض ، فالله أعلم .قوله تعالى : قالوا الآن جئت بالحق أي : بينت الحق ، قاله قتادة .

وحكى الأخفش : " قالوا ألآن " قطع ألف الوصل ، كما يقال : يا ألله .

وحكى وجها آخر " قالوا لان " بإثبات الواو .

نظيره قراءة أهل المدينة وأبي عمرو " عادا لولى " وقرأ الكوفيون " قالوا الآن " بالهمز .

وقراءة أهل المدينة " قال لان " بتخفيف الهمز مع حذف الواو لالتقاء الساكنين .

قال الزجاج : [ ص: 424 ] " الآن " مبني على الفتح ؛ لمخالفته سائر ما فيه الألف واللام ؛ لأن الألف واللام دخلتا لغير عهد ، تقول : أنت إلى الآن هنا ، فالمعنى إلى هذا الوقت .

فبنيت كما بني هذا ، وفتحت النون لالتقاء الساكنين .

وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل .قوله تعالى : وما كادوا يفعلون أجاز سيبويه : كاد أن يفعل ، تشبيها بعسى .

وقد تقدم أول السورة .

وهذا إخبار عن تثبيطهم في ذبحها وقلة مبادرتهم إلى أمر الله .

وقال القرظي محمد بن كعب : لغلاء ثمنها .

وقيل : خوفا من الفضيحة على أنفسهم في معرفة القاتل منهم ، قاله وهب بن منبه .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ } أي: مذللة بالعمل، { تُثِيرُ الْأَرْضَ } بالحراثة { وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ } أي: ليست بساقية، { مُسَلَّمَةٌ } من العيوب أو من العمل { لَا شِيَةَ فِيهَا } أي: لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم.

{ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ } أي: بالبيان الواضح، وهذا من جهلهم, وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة، فلو أنهم اعترضوا أي: بقرة لحصل المقصود, ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم, ولو لم يقولوا \" إن شاء الله \" لم يهتدوا أيضا إليها، { فَذَبَحُوهَا } أي: البقرة التي وصفت بتلك الصفات، { وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ } بسبب التعنت الذي جرى منهم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

{قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول} مذللة بالعمل، يقال: رجل ذلول بين الذل، ودابة ذلول بينة الذل.

{تثير الأرض} تقلبها للزراعة.

{ولا تسقي الحرث} أي ليست بساقية.

{مسلمة} بريئة من العيوب.

{لا شية فيها} لا لون لها سوى لون جميع جلدها، قال عطاء: "لاعيب فيهه".

وقال مجاهد: "لا بياض فيها ولا سواد".

{قالوا الآن جئت بالحق} أي بالبيان التام الشافي الذي لا إشكال فيه، وطلبوها فلم يجدوا بكمال وصفها إلا مع الفتى فاشتروها بملء مسكها ذهباً.

{فذبحوها وما كادوا يفعلون} من غلاء ثمنها، وقال محمد بن كعب: "وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها".

وقيل: "وما كادوا يفعلون" من شدة اضطرابهم واختلافهم فيها.

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قال إنه يقول إنها بقرة لا ذلول» غير مذللة بالعمل «تثير الأرض» تقلبها للزراعة والجملة صفة ذلول داخلة في النهي «ولا تسقي الحرث» الأرض المهيأة للزراعة «مسلمة» من العيوب وآثار العمل «لا شية» لون «فيها» غير لونها «قالوا الآن جئت بالحق» نطقت بالبيان التام فطلبوها فوجدوها عند الفتى البار بأمه فاشتروها بملء مسكها ذهبا «فذبحوها وما كادوا يفعلون» لغلاء ثمنها وفي الحديث: (لو ذبحوا أي بقرة كانت لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم).

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها.

قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم.

وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وفي قوله تعالى : ( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض وَلاَ تَسْقِي الحرث مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا ) إضافة أوصاف جديدة للبقرة المطلوبة ، كانوا في غنى عنها لو أطاعوا نبيهم من أول الأمر ، ولكنهم للجاجتهم ، وسوء اختيارهم ، وبعد أفهامهم عن مقاصد الشريعة ، ضيقوا على أنفسهم دائرة الاختيار ، فأصبحوا مكلفين بالبحث عن بقرة موصوفة بأنها متوسطة السن ، لونها أصفر فاقع ، تبهج الناظرين إليها ، وهي ، بعد ذلك ، سائمة نفيسة غير مذللة ولا مدربة على حرث الأرض أو سقيى الزرع ، سليمة من العيوب ، ليس فيها لون يخالف لونها الذي هو في الصفرة الفاقعة .وقوله تعالى : ( لاَّ ذَلُولٌ ) صفة لبقرة ، يقال : بقرة ذلول ، أي : ريضة زالت صعوبتها ، وإثارة الأرض : تحريكها وقلبها بالحرث والزراعة والحرث : شقها لإِلقاء البذور فيها .والمراد : نفي التذليل ونفى إثارة الأرض وسقى الزرع عن البقرة المطلوبة .أي : هي بقرة صعبة لم يذللها العمل في حراثة الأرض ، ولا في سقي الزرع ، فهي معفاة من العمل في هذه الأشياء .( لاَّ ) في قوله تعالى : ( لاَّ ذَلُولٌ ) للنفي ، وفي قوله تعالى : ( وَلاَ تَسْقِي الحرث ) مزيدة لتوكيد الأولى ، لأن المعنى : لا ذلول تثير وتسقى ، وأعيد في قوله تعالى ( وَلاَ تَسْقِي الحرث ) مراعاة للاستعمال الفصيح .وقوله - تعالى - : ( مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا ) صفتان للبقرة ، ومسلمة مفعلة من السلامة .والشية : اللون المخالف لبقية لون الشيء ، وأصله من وشى الشيء ، وهو تحسين عيوبه التي تكون فيه بضروب مختلفة من ألوان سداه ولحمته .والمعنى : إن هذه البقرة سليمة من العيوب المختلفة ، وليس فيها لون يخالف لون جلدها من بياض أو سواد أو غيرهما ، بل هي صفراء كلها .وأرادوا بالحق في قوله تعالى : ( قَالُواْ الآن جِئْتَ بالحق ) الوصف الواضح الذي لا اشتباه فيه ولا احتمال ، فكأنهم يقولون له : الآن - فقط - جئتنا بحقيقة وصف البقرة ، فقد ميزتها عن جميع ما عداها ، من جهة اللون وكونهها من السوائم لا العوامل ، وبذلك لم يبق لنا في شأنها اشتباه أصلا .والفاء في قوله تعالى : ( فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) قد عطفت ما بعدها على محذوف يدل عليه المقام ، والتقدير فظفروا بها فذبحوها ، أي : فذبح قوم موسى البقرة التي وصفها الله - تعالى - لهم ، بعد ما قاربوا أن يتركوا ذبحها ، ويدعوا ما أمروا به ، لتشككهم في صحة ما يوجه إليهم من إرشادات ولكثرة مما طلتهم .قال صاحب الكشاف : وقوله تعالى : ( وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ) استثقال لاستقصائهم ، وأنهم لتطويلهم المفرط .

وثكرة استكشافهم ، ما كادوا يذبحونهها وما كادت تنتهي سؤالاتهم ، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم ، وقيل : ما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها ، وقيل لخوف الفضيحة في ظهور القاتل " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا هو النوع الثاني من التشديدات.

روي عن ابن عباس وسائر المفسرين أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى عليه السلام فاجتهد موسى في تعرف القاتل، فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فتعجبوا من ذلك ثم شددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال واستقصوا في طلب الوصف فلما تعينت لم يجدوها بذلك النعت إلا عند إنسان معين ولم يبعها إلا بأضعاف ثمنها، فاشتروها وذبحوها وأمرهم موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل، ففعلوا فصار المقتول حياً وسمي لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً، ثم هاهنا مسائل: المسألة الأولى: أن الإيلام والذبح حسن وإلا لما أمر الله به، ثم عندنا وجه الحسن فيه أنه تعالى مالك الملك فلا اعتراض لأحد عليه، وعند المعتزلة إنما يحسن لأجل الأعواض.

المسألة الثانية: أنه تعالى أمر بذبح بقرة من بقر الدنيا وهذا هو الواجب المخير فدل ذلك على صحة قولنا بالواجب المخير.

المسألة الثالثة: القائلون بالعموم اتفقوا على أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ معناه اذبحوا أي بقرة شئتم فهذه الصيغة تفيد هذا العموم، وقال منكروا العموم: إن هذا لا يدل على العموم واحتجوا عليه بوجوه: الأول: أن المفهوم من قول القائل اذبح بقرة.

يمكن تقسيمه إلى قسمين، فإنه يصح أن يقال: اذبح بقرة معينة من شأنها كيت وكيت ويصح أيضاً أن يقال اذبح بقرة أي بقرة شئت، فإذن المفهوم من قولك اذبح معنى مشترك بين هذين القسمين والمشترك بين القسمين لا يستلزم واحداً منهما، فإذن قوله اذبحوا بقرة لا يستلزم معناه معنى قوله: اذبحوا بقرة، أي بقرة شئتم، فثبت أنه لا يفيد العموم لأنه لو أفاد العموم لكان قوله: اذبحوا بقرة أي بقرة شئتم تكريراً ولكان قوله: اذبحوا بقرة معينة نقضاً، ولما لم يكن كذلك علمنا فساد هذا القول.

الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ اذبحوا بَقَرَةٌ ﴾ كالنقيض لقولنا لا تذبحوا بقرة، وقولنا لا تذبحوا بقرة يفيد النفي العام فوجب أن يكون قولنا اذبحوا بقرة يرفع عموم النفي ويكفي في ارتفاع عموم النفي خصوص الثبوت على وجه واحد، فإذن قوله: اذبحوا بقرة يفيد الأمر بذبح بقرة واحدة فقط، أما الإطلاق في ذبح أي بقرة شاءوا فذلك لا حاجة إليه في ارتفاع ذلك النفي فوجب أن لا يكون مستفاداً من اللفظ.

الثالث: أن قوله تعالى: ﴿ بَقَرَةٌ ﴾ لفظة مفردة منكرة والمفرد المنكر إنما يفيد فرداً معيناً في نفسه غير معين بحسب القول الدال عليه ولا يجوز أن يفيد فرداً أي فرد كان بدليل أنه إذا قال: رأيت رجلاً فإنه لا يفيد إلا ما ذكرناه فإذا ثبت أنه في الخبر كذلك وجب أن يكون في الأمر كذلك، واحتج القائلون بالعموم بأنه لو ذبح أي بقرة كانت فإنه يخرج عن العهدة فوجب أن يفيد العموم.

والجواب: أن هذا مصادرة على المطلوب الأول، فإن هذا إنما يثبت لو ثبت أن قوله: اذبح بقرة معناه اذبح أي بقرة شئت، وهذا هو عين المتنازع فيه.

فهذا هو الكلام في هذه المسألة.

إذا عرفت هذا فنقول: اختلف الناس في أن قوله تعالى: ﴿ اذبحوا بَقَرَةٌ ﴾ هل هو أمر بذبح بقرة معينة مبينة أو هو أمر بذبح بقرة أي بقرة كانت، فالذين يجوزون تأخير البيان عن وقت الخطاب قالوا: إنه كان أمراً بذبح بقرة معينة ولكنها ما كانت مبينة، وقال المانعون منه: هو وإن كان أمراً بذبح أي بقرة كانت إلا أن القوم لما سألوا تغير التكليف عند ذلك، وذلك لأن التكليف الأول كان كافياً لو أطاعوا وكان التخيير في جنس البقر إذ ذاك هو الصلاح، فلما عصوا ولم يمتثلوا ورجعوا بالمسألة لم يمتنع تغير المصلحة وذلك معلوم في المشاهد، لأن المدبر لولده قد يأمره بالسهل اختياراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب فكذا هاهنا.

واحتج الفريق الأول بوجوه: الأول: قوله تعالى: ﴿ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ و ﴿ مَا لَوْنُهَا ﴾ وقول الله تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض ﴾ منصرف إلى ما أمروا بذبحه من قبل وهذه الكنايات تدل على أن المأمور به ما كان ذبح بقرة أي بقرة كانت، بل كان المأمور به ذبح بقرة معينة.

الثاني: أن الصفات المذكورة في الجواب عن السؤال الثاني إما أن يقال: إنها صفات البقرة التي أمروا بذبحها أولاً أو صفات بقرة وجبت عليهم عند ذلك السؤال وانتسخ ما كان واجباً عليهم قبل ذلك، والأول هو المطلوب، والثاني: يقتضي أن يقع الاكتفاء بالصفات المذكورة آخراً، وأن لا يجب حصول الصفات المذكورة قبل ذلك، ولما أجمع المسلمون على أن تلك الصفات بأسرها كانت معتبرة علمنا فساد هذا القسم.

فإن قيل أما الكنايات فلا نسلم عودها إلى البقرة فلم لا يجوز أن يقال: إنها كنايات عن القصة والشأن، وهذه طريقة مشهورة عند العرب؟

قلنا: هذا باطل لوجوه: أحدها: أن هذه الكنايات لو كانت عائدة إلى القصة والشأن لبقي ما بعد هذه الكنايات غير مفيد، لأنه لا فائدة في قوله: ﴿ بَقَرَةٌ صَفْرَاء ﴾ بل لابد من إضمار شيء آخر وذلك خلاف الأصل، أما إذا جعلنا الكنايات عائدة إلى المأمور به أولاً لم يلزم هذا المحذور.

وثانيها: أن الحكم برجوع الكناية إلى القصة والشأن خلاف الأصل، لأن الكناية يجب عودها إلى شيء جرى ذكره والقصة والشأن لم يجر ذكرهما فلا يجوز عود الكناية إليهما لكنا خالفنا هذا الدليل للضرورة في بعض المواضع فبقي ما عداه على الأصل.

وثالثها: أن الضمير في قوله: ﴿ مَا لَوْنُهَا وَمَا هِىَ ﴾ لا شك أنه عائد إلى البقرة المأمور بها فوجب أن يكون الضمير في قوله: ﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء ﴾ عائداً إلى تلك البقرة وإلا لم يكن الجواب مطابقاً للسؤال.

الثالث: أنهم لو كانوا سائلين معاندين لم يكن في مقدار ما أمرهم به موسى ما يزيل الاحتمال لأن مقدار ما ذكره موسى أن تكون بقرة صفراء متوسطة في السن كاملة في القوة، وهذا القدر موضع للاحتمالات الكثيرة، فلما سكتوا هاهنا واكتفوا به علمنا أنهم ما كانوا معاندين.

واحتج الفريق الثاني بوجوه: أحدها: أن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ معناه يأمركم أن تذبحوا بقرة أي بقرة كانت، وذلك يقتضي العموم، وذلك يقتضي أن يكون اعتبار الصفة بعد ذلك تكليفاً جديداً.

وثانيها: لو كان المراد ذبح بقرة معينة لما استحقوا التعنيف على طلب البيان بل كانوا يستحقون المدح عليه، فلما عنفهم الله تعالى في قوله: ﴿ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ ، وفي قوله: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ علمنا تقصيرهم في الإتيان بما أمروا به أولاً وذلك إنما يكون لو كان المأمور به أولاً ذبح بقرة معينة.

الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: لو ذبحوا أية بقرة أرادوا لأجزأت منهم لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.

ورابعها: أن الوقت الذي فيه أمروا بذبح البقرة كانوا محتاجين إلى ذبحها، فلو كان المأمور به ذبح بقرة معينة مع أن الله تعالى ما بينها لكان ذلك تأخيراً للبيان عن وقت الحاجة وإنه غير جائز، والجواب: عن الأول ما بينا في أول المسألة أن قوله: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ لا يدل على أن المأمور به ذبح بقرة، أي بقرة كانت، وعن الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ليس فيه دلالة على أنهم فرطوا في أول القصة وأنهم كادوا يفرطون بعد استكمال البيان، بل اللفظ محتمل لكل واحد منهما فنحمله على الأخير وهو أنهم لما وقفوا على تمام البيان توقفوا عند ذلك وما كادوا يفعلونه، وعن الثالث: أن هذه الرواية عن ابن عباس من باب الآحاد وبتقدير الصحة، فلا تصلح أن تكون معارضة لكتاب الله تعالى، وعن الرابع: أن تأخير البيان عن وقت الحاجة إنما يلزم أن لو دل الأمر على الفور وذلك عندنا ممنوع.

واعلم أنا إذا فرعنا على القول بأن المأمور به بقرة أي بقرة كانت، فلابد وأن نقول: التكاليف مغايرة فكلفوا في الأول: أي بقرة كانت، وثانياً: أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون مع ذلك لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

ثم اختلف القائلون بهذا المذهب، منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً لكل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارض ولا بكر وصفراء فاقع، ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند تردد الامتثال، وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر فلابد من كونه تكليفاً بعد تكليف، وذلك يدل على أن الأسهل قدينسخ بالأشق ويدل على جواز النسخ قبل الفعل ولكنه لا يدل على جواز النسخ قبل وقت الفعل، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى عليه السلام، وله أيضاً تعلق بمسألة أن الزيادة على النسخ هل هو نسخ أم لا، ويدل على حسن وقوع التكليف ثانياً لمن عصى ولم يفعل ما كلف أولاً.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: ﴿ هُزُواً ﴾ بالضم وهزؤا بسكون الزاي نحو كفؤاً وكفء وقرأ حفص: (هزواً) بالضمتين والواو وكذلك كفواً.

المسألة الثانية: قال القفال قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً ﴾ استفهام على معنى الانكار والهزء يجوز أن يكون في معنى المهزوء به كما يقال: كان هذا في علم الله أي في معلومه والله رجاؤنا أي مرجونا ونظيره قوله تعالى: ﴿ فاتخذتموهم سِخْرِيّاً  ﴾ قال صاحب الكشاف: (أتتخذنا هزؤاً) أتجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوأ بنا والهزء نفسه فرط الاستهزاء.

المسألة الثالثة: القوم إنما قالوا ذلك لأنهم لما طلبوا من موسى عليه السلام تعيين القاتل فقال موسى: اذبحوا بقرة لم يعرفوا بين هذا الجواب وذلك السؤال مناسبة، فظنوا أنه عليه السلام يلاعبهم، لأنه من المحتمل أن موسى عليه السلام أمرهم بذبح البقرة وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة ضربوا القتيل ببعضها فيصير حياً فلا جرم، وقع هذا القول منهم موقع الهزء، ويحتمل أنه عليه السلام وإن كان قد بين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يصير حياً بأن يضربوه ببعض أجزاء البقرة فظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء.

المسألة الرابعة: قال بعضهم: إن أولئك القوم كفروا بقولهم لموسى عليه السلام: أتتخذنا هزؤاً لأنهم إن قالوا ذلك وشكوا في قدرة الله تعالى على إحياء الميت، فهو كفر وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى عليه السلام هل هو بأمر الله تعالى، فقد جوزوا الخيانة على موسى عليه السلام في الوحي، وذلك أيضاً كفر.

ومن الناس من قال: إنه لا يوجب الكفر وبيانه من وجهين: الأول: أن الملاعبة على الأنبياء جائزة فلعلهم ظنوا به عليه السلام أنه يلاعبهم ملاعبة حقة، وذلك لايوجب الكفر.

الثاني: أن معنى قوله تعالى: ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هزؤاً ﴾ أي ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء.

أما قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ﴾ ففيه وجوه: أحدها: أن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء، فلم يستعذ موسى عليه السلام من نفس الشيء الذي نسبوه إليه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له كما قد يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، والحاصل أنه أطلق اسم السبب على المسبب مجازاً هذا هو الوجه الأقوى.

وثانيها: أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين بما في الاستهزاء في أمر الدين من العقاب الشديد والوعيد العظيم، فإني متى علمت ذلك امتنع إقدامي على الاستهزاء.

وثالثها: قال بعضهم: إن نفس الهزء قد يسمى جهلاً وجهالة، فقد روي عن بعض أهل اللغة: إن الجهل ضد الحلم كما قال بعضهم إنه ضد العلم.

واعلم أن هذا القول من موسى عليه السلام يدل على أن الاستهزاء من الكبائر العظام وقد سبق تمام القول فيه في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا لَقُوا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوٓا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَٰطِينِهِمْ قَالُوٓا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ  ٱللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ  ﴾ .

واعلم أن القوم سألوا موسى عليه السلام عن أمور ثلاثة مما يتعلق بالبقرة: السؤال الأول: ما حكى الله تعالى عنهم أنهم: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنَ لَّنَا مَا هِىَ ﴾ فأجاب موسى عليه السلام بقوله: ﴿ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ واعلم أن في الآية أبحاثاً: الأول: أنا إذا قلنا إن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ يدل على الأمر بذبح بقرة معينة في نفسها غير مبين التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.

أما على قول من يقول: إنه في أصل اللغة للعموم فلابد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار؟

وفيه وجوه: أحدها: أن موسى عليه السلام لما أخبرهم بأنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً تعجبوا من أمر تلك البقرة، وظنوا أن تلك البقرة التي يكون لها مثل هذه الخاصة لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من بين سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك، لأن هذه الآية العجيبة ما كانت خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله تعالى على يد موسى عليه السلام.

وثانيها: لعل القوم أرادوا بقرة، أي بقرة كانت، إلا أن القاتل خاف من الفضيحة، فألقى الشبهة في التبيين وقال المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، لما وقعت المنازعة فيه، رجعوا عند ذلك إلى موسى.

وثالثها: أن الخطاب الأول وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فيه، فسألوا طلباً لمزيد البيان وإزالة لسائر الاحتمالات، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.

البحث الثاني: أن سؤال ما هي طلب لتعريف الماهية والحقيقة، لأن ما سؤال، وهي إشارة إلى الحقيقة، فما هي لابد وأن يكون طلباً للحقيقة وتعريف الماهية والحقيقة لا يكون إلا بذكر أجزائها ومقدماتها لا بذكر صفاتها الخارجة عن ماهيتها، ومعلوم أن وصف السن من الأمور الخارجة عن الماهية فوجب أن لا يكون هذا الجواب مطابقاً لهذا السؤال: والجواب عنه: أن الأمر وإن كان كما ذكرتم لكن قرينة الحال تدل على أنه ما كان مقصودهم من قولهم: ما البقر طلب ماهيته وشرح حقيقته بل كان مقصودهم طلب الصفات التي بسببها يتميز بعض البقر عن بعض، فلهذا حسن ذكر الصفات الخارجة جواباً عن هذا السؤال.

البحث الثالث: قال صاحب الكشاف: الفارض المسنة وسميت فارضاً لأنها فرضت سنها، أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر: الفتية والعوان النصف، قال القاضي: أما البكر، فقيل: إنها الصغيرة وقيل ما لم تلد، وقيل: إنها التي ولدت مرة واحدة، قال المفضل بن سلمة (الضبي): إنه ذكر في الفارض أنها المسنة وفي البكر أنها الشابة وهي من النساء التي لم توطأ ومن الإبل التي وضعت بطناً واحداً.

قال القفال: البكر يدل على الأول ومنه الباكورة لأول الثمر ومنه بكرة النهار ويقال: بكرت عليهما البارحة إذا جاء في أول الليل، وكأن الأظهر أنها هي التي لم تلد لأن المعروف من اسم البكر من الإناث في بني آدم ما لم ينز عليها الفحل، وقال بعضهم: العوان التي ولدت بطناً بعد بطن.

وحرب عوان: إذا كانت حرباً قد قوتل فيها مرة بعد مرة، وحاجة عوان: إذا كانت قد قضيت مرة بعد مرة.

البحث الرابع: احتج العلماء بقوله تعالى: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك ﴾ على جواز الاجتهاد واستعمال غالب الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا من طريق الاجتهاد وهاهنا سؤالان: الأول: لفظة بين تقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ذلك؟

الجواب: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

السؤال الثاني: كيف جاز أن يشار بلفظه: (ذلك) إلى مؤنثين مع أنه للإشارة إلى واحد مذكر؟

الجواب: جاز ذكر ذلك على تأويل ما ذكر أو ما تقدم للاختصار في الكلام.

أما قوله تعالى: ﴿ فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ ﴾ ففيه تأويلان: الأول: فافعلوا ما تؤمرون به من قولك: أمرتك الخير.

والثاني: أن يكون المراد فافعلوا أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول بالمصدر كضرب الأمير.

واعلم أن المقصود الأصلي من هذا الجواب كون البقرة في أكمل أحوالها، وذلك لأن الصغيرة تكون ناقصة لأنها بعدما وصلت إلى حالة الكمال، والمسنة كأنها صارت ناقصة وتجاوزت عن حد الكمال، فأما المتوسطة فهي التي تكون في حالة الكمال.

ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثاني وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ﴾ واعلم أنهم لما عرفوا حال السن شرعوا بعده في تعرف حال اللون فأجابهم الله تعالى بأنها: ﴿ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ، والفقوع أشدها يكون من الصفرة وأنصعه، يقال في التوكيد أصفر فاقع وأسود حالك وأبيض يقق وأحمر قانٍ وأخضر ناضر، وهاهنا سؤالان: الأول: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون فكيف يقع تأكيداً لصفراء؟

الجواب: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع تأكيداً لصفراء إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك: صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.

السؤال الثاني: فهلا قيل صفراء فاقعة وأي فائدة في ذكر اللون؟

الجواب: الفائدة فيه التوكيد لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل شديدة الصفرة صفرتها فهو من قولك: جد جده وجنون مجنون.

وعن وهب: إذ نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

أما قوله تعالى: ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ فالمعنى أن هذه البقرة لحسن لونها تسر من نظر إليها، قال الحسن: الصفراء هاهنا بمعنى السوداء، لأن العرب تسمي الأسود أصفر، نظيره قوله تعالى في صفة الدخان: ﴿ كَأَنَّهُ جمالة صُفْرٌ  ﴾ أي سود، واعترضوا على هذا التأويل بأن الأصفر لا يفهم منه الأسود ألبتة، فلم يكن حقيقة فيه، وأيضاً السواد لا ينعت بالفقوع، إنما يقال: أصفر فاقع وأسود حالك والله أعلم، وأما السرور فإنه حالة نفسانية تعرض عند حصول اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع، ثم إنه تعالى حكى سؤالهم الثالث وهو قوله تعالى: ﴿ قَالُواْ ادع لَنَا رَبَّكَ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قال الحسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً»، واعلم أن ذلك يدل على أن التلفظ بهذه الكلمة مندوب في كل عمل يراد تحصيله، ولذلك قال الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَئ إِنّى فَاعِلٌ ذلك غَداً إِلاَّ أَن يَشَاء الله  ﴾ ، وفيه استعانة بالله وتفويض الأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته.

المسألة الثانية: احتج أصحابنا بهذا على أن الحوادث بأسرها مرادة لله تعالى فإن عند المعتزلة أن الله تعالى لما أمرهم بذلك فقد أراد اهتداءهم لا محالة، وحينئذ لا يبقى لقولهم إن شاء الله فائدة.

أما على قول أصحابنا فإنه تعالى قد يأمر بما لا يريد فحينئذ يبقى لقولنا إن شاء الله فائدة.

المسألة الثالثة: احتجت المعتزلة على أن مشيئة الله تعالى محدثة بقوله: ﴿ إِن شَاء الله ﴾ من وجهين: الأول: أن دخول كلمة أن عليه يقتضي الحدوث.

والثاني: وهو أنه تعالى علق حصول الاهتداء على حصول مشيئة الاهتداء، فلما لم يكن حصول الاهتداء أزلياً وجب أن لا تكون مشيئة الاهتداء أزلية.

ولنرجع إلى التفسير، فأما قوله تعالى: ﴿ يُبَيّن لَّنَا مَا هِىَ ﴾ ففيه السؤال المذكور وهو أن قولنا: ما هو طلب بيان الحقيقة، والمذكور هاهنا في الجواب الصفات العرضية المفارقة فكيف يكون هذا الجواب مطابقاً للسؤال؟

وقد تقدم جوابه.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا ﴾ فالمعنى أن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح، وقرئ تشابه بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين و(قرئ) تشابهت ومتشابهة ومتشابه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّا إِن شَاء الله لَمُهْتَدُونَ ﴾ ففيه وجوه ذكرها القفال.

أحدها: وإنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها.

وثانيها: وإنا إن شاء الله تعريفها إيانا بالزيادة لنا في البيان نهتدي إليها.

وثالثها: وإنا إن شاء الله على هدى في استقصائنا في السؤال عن أوصاف البقرة أي نرجوا أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث.

ورابعها: إنا بمشيئة الله نهتدي للقاتل إذا وصفت لنا هذه البقرة بما به تمتاز هي عما سواها ثم أجاب الله تعالى عن سؤالهم بقوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرض ﴾ وقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول بمعنى لم تذلل للكراب وإثارة الأرض ولا هي من البقر التي يسقى عليها فتسقى الحرث ولا الأولى للنفي والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية، وجملة القول أن الذلول بالعمل لابد من أن تكون ناقصة فبين تعالى أنها لا تثير الأرض ولا تسقى الحرث لأن هذين العملين يظهر بهما النقص.

أما قوله تعالى: ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ ففيه وجوه: أحدها: من العيوب مطلقاً.

وثانيها: من آثار العمل المذكور.

وثالثها: مسلمة أي وحشية مرسلة عن الحبس.

ورابعها: مسلمة من الشية التي هي خلاف لونها أي خلصت صفرتها عن اختلاط سائر الألوان بها، وهذا الرابع ضعيف وإلا لكان قوله: ﴿ لاشية فيها ﴾ تكراراً غير مفيد، بل الأولى حمله على السلامة من العيوب واللفظ يقتضي ذلك لأن ذلك يفيد السلامة الكاملة عن العلل والمعايب، واحتج العلماء به على جواز استعمال الظاهر مع تجويز أن يكون الباطن بخلافه لأن قوله: ﴿ مُّسَلَّمَةٌ ﴾ إذا فسرناها بأنها مسلمة من العيوب فذلك لا نعلمه من طريق الحقيقة إنما نعلمه من طريق الظاهر: أما قوله تعالى: ﴿ لاشية فيها ﴾ فالمراد أن صفرتها خالصة غير ممتزجة بسائر الألوان لأن البقرة الصفراء قد توصف بذلك إذا حصلت الصفرة في أكثرها فأراد تعالى أن يبين عموم ذلك بقوله: ﴿ لاشية فيها ﴾ روي أنها كانت صفراء الأظلاف صفراء القرون، والوشي خلط لون بلون.

ثم أخبر الله تعالى عنهم بأنهم وقفوا عند هذا البيان واقتصروا عليه فقالوا: ﴿ الآن جئت بالحق ﴾ أي الآن بانت هذه البقرة عن غيرها لأنها بقرة عوان صفراء غير مذللة بالعمل، قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ الآن جئت بالحق ﴾ كفر من قبلهم لا محالة لأنه يدل على أنهم اعتقدوا فيما تقدم من الأوامر أنها ما كانت حقه، وهذا ضعيف لاحتمال أن يكون المراد الآن ظهرت حقيقة ما أمرنا به حتى تميزت من غيرها فلا يكون كفراً.

أما قوله تعالى: ﴿ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ فالمعنى فذبحوا البقرة وما كادوا يذبحونها، وهاهنا بحث: وهو أن النحويين ذكروا لكاد تفسيرين.

الأول: قالوا: إن نفيه إثبات وإثباته نفي.

فقولنا: كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه ما فعله وقولنا: ما كاد يفعل كذا معناه قرب من أن يفعل لكنه فعله.

والثاني: وهو اختيار الشيخ عبد القاهر (الجرجاني) النحوي أن كاد معناه المقاربة فقولنا كاد يفعل معناه قرب من الفعل وقولنا ما كاد يفعل معناه ما قرب منه وللأولين أن يحتجوا على فساد هذا الثاني بهذه الآية لأن قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ معناه وما قاربوا الفعل ونفي المقاربة من الفعل يناقض إثبات وقوع الفعل، فلو كان كاد للمقاربة لزم وقوع التناقض في هذه الآية.

وهاهنا أبحاث: البحث الأول: روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني استودعتكها لابني حتى تكبر وكان براً بوالديه فشبت وكانت من أحسن البقر واسمنها فتساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.

البحث الثاني: روي عن الحسن أن البقرة تذبح ولا تنحر وعن عطاء أنها تنحر، قال: فتلوت الآية عليه فقال: الذبح والنحر سواء، وحكي عن قتادة والزهري إن شئت نحرت وإن شئت ذبحت وظاهر الآية يدل على أنهم أمروا بالذبح وأنهم فعلوا ما يسمى ذبحاً والنحر وإن أجزأ عن الذبح فصورته مخالفة لصورة الذبح، فالظاهر يقتضي ما قلناه حتى لو نحروا ولا دليل يدل على قيامه مقام الذبح لكان لا يجزي.

البحث الثالث: اختلفوا في السبب الذي لأجله ما كادوا يذبحون، فعن بعضهم لأجل غلاء ثمنها وعن آخرين أنهم خافوا الشهرة والفضيخة، وعلى كلا الوجهين، فالاحجام عن المأمور به غير جائز، أما الأول: فلأنهم لما أمروا بذبح البقرة المعينة، وذلك الفعل ما كان يتم إلا بالثمن الكثير وجب عليهم أداؤه لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب إلا أن يدل الدليل على خلافه، وإنما لا يلزم المصلي أن يتطهر بالماء إذا لم يجده إلا بغلاء من حيث الشرع، ولولاه للزم ذلك إذا وجب التطهر مطلقاً.

وأما الثاني: وهو خوف الفضيحة فذاك لا يرفع التكليف، فإن القود إذا كان واجباً عليه لزمه تسليم النفس من ولي الدم إذا طالب وربما لزمه التعريف ليزول الشر والفتنة وربما لزمه ذلك لتزول التهمة في القتل عن القوم الذين طرح القتيل بالقرب منهم، لأنه الذي عرضهم للتهمة فيلزمه إزالتها فكيف يجوز جعله سبباً للتثاقل في هذا الفعل.

البحث الرابع: احتج القائلون بأن الأمر للوجوب بهذه الآية، وذلك لأنه لم يوجد في هذه الصورة إلا مجرد الأمر، ثم إنه تعالى ذم التثاقل فيه والتكاسل في الاشتغال بمقتضاه، وذلك يدل على أن الأمر للوجوب.

قال القاضي: إذا كان الغرض من المأمور إزالة شر وفتنة دل ذلك على وجوبه وإنما أمر تعالى بذبحها لكي يظهر القاتل فتزول الفتنة والشر المخوف فيهم، والتحرز عن هذا الجنس الضار واجب، فلما كان العلاج إزالته بهذا الفعل صار واجباً وأيضاً فغير ممتنع أن في تلك الشريعة أن التعبد بالقربان لا يكون إلا سبيل الوجوب، فلما تقدم علمهم بذلك كفاهم مجرد الأمر.

وأقول: حاصل هذين السؤالين يرجع إلى حرف واحد وهو أنا وإنا كنا لا نقول إن الأمر يقتضي الوجوب فلا نقول: إنه ينافي الوجوب أيضاً فلعله فهم الوجوب هاهنا بسبب آخر سوى الأمر، وذلك السبب المنفصل إما قرينة حالية وهي العلم بأن دفع المضار واجب، أو مقالية وهي ما تقدم بيانه من أن القربان لا يكون مشروعاً إلا على وجه الوجوب.

والجواب: أن المذكور مجرد قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فلما ذكر الذم والتوبيخ على ترك الذبح المأمور به علمنا أن منشأ ذلك هو مجرد ورود الأمر به لما ثبت في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم.

البحث الخامس: احتج القائلون بأن الأمر يفيد الفور بهذه الآية، قالوا: لأنه ورد التعنيف على ترك المأمور به عند ورود الأمر المجرد فدل على أنه للفور.

أما قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادرأتم فِيهَا ﴾ فاعلم أن وقوع ذلك القتل لابد وأن يكون متقدماً لأمره تعالى بالذبح.

أما الإخبار عن وقوع ذلك القتل وعن أنه لابد وأن يضرب القتيل ببعض تلك البقرة فلا يجب أن يكون متقدماً على الإخبار عن قصة البقرة، فقول من يقول: هذه القصة يجب أن تكون متقدمة في التلاوة على الأولى خطأ، لأن هذه القصة في نفسها يجب أن تكون متقدمة على الأول في الوجود، فأما التقدم في الذكر فغير واجب لأنه تارة يتقدم ذكر السبب على ذكر الحكم وأخرى على العكس من ذلك، فكأنه لما وقعت لهم تلك الواقعة أمرهم تعالى بذبح البقرة فلما ذبحوها قال: وإذ قتلتم نفساً من قبل واختلفتم وتنازعتم فإني مظهر لكم القاتل الذي سترتموه بأن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة، وذلك مستقيم.

فإن قيل: هب أنه لا خلل في هذا النظم، ولكن النظم الآخر كان مستحسناً فما الفائدة في ترجيح هذا النظم؟

قلنا: إنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولو كانت قصة واحدة لذهب الغرض من بينية التفريع.

أما قوله تعالى: ﴿ فادرأتم فِيهَا ﴾ ففيه وجوه: أحدها: اختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدافعه ويزاحمه.

وثانيها: أدارأتم ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره.

وثالثها: دفع بعضكم بعضاً عن البراءة والتهمة، وجملة القول فيه أن الدرء هو الدفع.

فالمتخاصمون إذا تخاصموا فقد دفع كل واحد منهم عن نفسه تلك التهمة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه عن تلك الفعلة، ودفع كل واحد منهم حجة صاحبه في إسناد تلك التهمة إلى غيره وحجة صاحبه في براءته عنه، قال القفال: والكناية في (فيها) للنفس، أي فاختلفتم في النفس ويحتمل في القتلة لأن قوله: ﴿ قُتِلْتُمْ ﴾ يدل على المصدر.

أما قوله تعالى: ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل.

فإن قيل: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضي؟

قلنا: قد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارء كما حكى الحاضر في قوله: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ  ﴾ وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما ادارأتم، فقلنا ثم فيه مسائل: المسألة الأولى: قالت المعتزلة قوله: ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ أي لابد وأن يفعل ذلك وإنما حكم بأنه لابد وأن يفعل ذلك، لأن الاختلاف والتنازع في باب القتل يكون سبباً للفتن والفساد والله لا يحب الفساد فلأجل هذا قال: لابد وأن يزيل هذا الكتمان ليزول ذلك الفساد، فدل ذلك على أنه سبحانه لا يريد الفساد ولا يرضى به ولا يخلقه.

المسألة الثانية: الآية تدل على أنه تعالى عالم بجميع المعلومات وإلا لما قدر على إظهار ما كتموه.

المسألة الثالثة: تدل الآية على أن ما يسره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فإن الله سيظهره.

قال عليه الصلاة والسلام: «إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس» وكذلك المعصية.

وروي أن الله تعالى أوحى إلى موسى عليه السلام: قل لبني إسرائيل يخفون لي أعمالهم وعلي أن أظهرها لهم.

المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز ورود العام لإرادة الخاص لأن قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ يتناول كل المكتومات ثم إن الله تعالى أراد هذه الواقعة.

أما قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: المروي عن ابن عباس أن صاحب بقرة بني إسرائيل طلبها أربعين سنة حتى وجدها، ثم ذبحت إلا أن هذه الرواية على خلاف ظاهر القرآن لأن الفاء في قوله تعالى: ﴿ فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ للتعقيب، وذلك يدل على أن قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ حصل عقيب قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .

المسألة الثانية: الهاء في قوله تعالى: ﴿ اضربوه ﴾ ضمير وهو إما أن يرجع إلى النفس وحينئذ يكون التذكير على تأويل الشخص والإنسان وإما إلى القتيل وهو الذي دل عليه قوله: ﴿ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

المسألة الثالثة: يجوز أن يكون الله تعالى إنما أمر بذبح البقرة، لأنه تعلق بذبحها مصلحة لا تحصل إلا بذبحها ويجوز أن يكون الحال فيها وفي غيرها على السوية والأقرب هو الأول، لأنه لو قام غيرها مقامها لما وجبت على التعيين، بل على التخير بينها وبين غيرها وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أن الله تعالى قادر على أن يحييه ابتداء؟

الجواب: الفائدة فيه لتكون الحجة أوكد وعن الحيلة أبعد فقد كان يجوز لملحد أن يوهم أن موسى عليه السلام إنما أحياه بضرب من السحر والحيلة، فإنه إذا حيي عندما يضرب بقطعة من البقرة المذبوحة انتفت الشبهة في أنه لم يحي بشيء انتقل إليه من الجسم الذي ضرب به، إذا كان ذلك إنما حيي بفعل فعلوه هم، فدل ذلك على أن إعلام الأنبياء إنما يكون من عند الله لا بتمويه من العباد وأيضاً فتقديم القربان مما يعظم أمر القربان.

السؤال الثاني: هلا أمر بذبح غير البقرة، وأجابوا بأن الكلام في غيرها لو أمروا به كالكلام فيه، ثم ذكروا فيها فوائد، منها التقرب بالقربان الذي كانت العادة به جارية ولأن هذا القربان كان عندهم من أعظم القرابين ولما فيه من مزيد الثواب لتحمل الكلفة في تحصيل هذه البقرة على غلاء ثمنها، ولما فيه من حصول المال العظيم لمالك البقرة.

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن ذلك البعض الذي ضربوا القتيل به ما هو؟

والأقرب أنهم كانوا مخيرين في أبعاض البقرة لأنهم أمروا بضرب القتيل ببعض البقرة وأي بعض من أبعاض البقرة ضربوا القتيل به، فإنهم كانوا ممتثلين لمقتضى قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ والإتيان بالمأمور به يدل على الخروج عن العهدة على ما ثبت في أصول الفقه، وذلك يقتضي التخيير.

واختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل: لسانها وقيل: فخذها اليمنى وقيل: ذنبها وقيل: العظم الذي يلى الغضروف وهو أصل الآذان، وقيل: البضعة بين الكتفين، ولا شك أن القرآن لا يدل عليه فإن ورد خبر صحيح قبل وإلا وجب السكوت عنه.

المسألة الخامسة: في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيي إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ وعليه هو كقوله تعالى: ﴿ اضرب بّعَصَاكَ الحجر فانفجرت  ﴾ أي فضرب فانفجرت، روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال قتلني فلان، وفلان لابني عمه ثم سقط ميتاً: وقتلاً.

أما قوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن يكون إشارة إلى نفس ذلك الميت.

والثاني: أنه احتجاج في صحة الإعادة، ثم هذا الاحتجاج أهو على المشركين أو على غيرهم؟

فيه وجهان.

الأول: قال الأصم: إنه على المشركين لأنه إن ظهر لهم بالتواتر أن هذا الإحياء قد كان على هذا الوجه علموا صحة الإعادة، وإن لم يظهر ذلك بالتواتر فإنه يكون داعية لهم إلى التفكر.

قال القاضي: وهذا هو الأقرب لأنه تقدم منه تعالى ذكر الأمر بالضرب وأنه سبب إحياء ذلك الميت، ثم قال: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ فجمع ﴿ الموتى ﴾ ولو كان المراد ذلك القتيل لما جمع في القول فكأنه قال: دل بذلك على أن الإعادة كالابتداء في قدرته.

الثاني: قال القفال: ظاهر الكلام يدل على أن الله تعالى قال لبني إسرائيل: إحياء الله تعالى لسائر الموتى يكون مثل هذا الإحياء الذي شاهدتم، لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا به إلا من طريق الاستدلال ولم يشاهدوا شيئاً منه، فإذا شاهدوه اطمأنت قلوبهم وانتفت عنهم الشبهة التي لا يخلو منها المستدل، وقد قال إبراهيم عليه السلام: ﴿ رَبّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ الموتى ﴾ إلى قوله: ﴿ لّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى  ﴾ فأحيا الله تعالى لبني إسرائيل القتيل عياناً، ثم قال لهم: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ أي كالذي أحياه في الدنيا يحيي في الآخرة من غير احتياج في ذلك الإيجاد إلى مادة ومدة ومثال وآلة.

المسألة الثانية: من الناس من استدل بقوله تعالى: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ على أن المقتول ميت وهو ضعيف لأنه تعالى قاس على إحياء ذلك القتيل إحياء الموتى، فلا يلزم من هذا كون القتيل ميتاً.

أما قوله تعالى: ﴿ وَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ فلقائل أن يقول: إن ذلك كان آية واحدة فلم سميت بالآيات؟

والجواب: أنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات.

العالم بكل المعلومات، المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى عليه السلام، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلاً.

وعلى تعين تلك التهمة على من باشر ذلك القتل، فهي وإن كانت آية واحدة إلا أنها لما دلت على هذه المدلولات الكثيرة لا جرم جرت مجرى الآيات الكثيرة.

أما قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ففيه بحثان: الأول: أن كلمة لعل قد تقدم تفسيرها في قوله تعالى: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ .

الثاني: أن القوم كانوا عقلاء قبل عرض هذه الآيات عليهم وإذا كان العقل حاصلاً امتنع أن يقال: إني عرضت عليك الآية الفلانية لكي تصير عاقلاً، فإذن لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها بل لابد من التأويل وهو أن يكون المراد لعلكم تعملون على قضية عقولكم وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص، حتى لا ينكروا البعث، هذا آخر الكلام في تفسير الآية.

واعلم أن كثيراً من المتقدمين ذكر أن من جملة أحكام هذه الآية أن القاتل هل يرث أم لا؟

قالوا: لا.

لأنه روي عن عبيدة السلماني أن الرجل الذي كان قاتلاً في هذه الواقعة حرم من الميراث لأجل كونه قاتلاً.

قال القاضي: لا يجوز جعل هذه المسألة من أحكام هذه الآية لأنه ليس في الظاهر أن القاتل هل كان وارثاً لقتيله أم لا؟

وبتقدير أن يكون وارثاً له فهل حرم الميراث أم لا؟

وليس يجب إذا روي عن أبي عبيدة أن القاتل حرم لمكان قتله الميراث أن يعد ذلك في جملة أحكام القرآن إذا كان لا يدل عليه لا مجملاً ولا مفصلاً، وإذا كان لم يثبت أن شرعهم كشرعنا وأنه لا يلزم الاقتداء بهم، فإدخال هذا الكلام في أحكام القرآن تعسف.

واعلم أن الذي قاله القاضي حق، ومع ذلك فلنذكر هذه المسألة فنقول: اختلف المجتهدون في أن القاتل هل يرث أم لا، فعند الشافعي رضي الله عنه لا يرث سواء كان القتل غير مستحق عمداً كان أو خطأ أو كان مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، وعند أبي حنيفة رحمه الله، لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه، وكذا القاتل إذا كان صبياً أو مجنوناً يرثه لا من ديته ولا من سائر أمواله، وهو قول علي وعمر وابن عباس وسعيد بن المسيب، وقال عثمان البتي: قاتل الخطأ يرث وقاتل العمد لا يرث، وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله وهو قول الحسن ومجاهد والزهري والأوزاعي.

واحتج الشافعي رضي الله عنه بعموم الخبر المشهور المستفيض أنه صلى الله عليه وسلم قال: «ليس للقاتل من الميراث شيء» إلا أن الاستدلال بهذا الخبر إنما يصح لو جوزنا تخصيص عموم الكتاب بخبر الواحد، والكلام فيه مذكور في أصول الفقه، ثم هاهنا دقيقة وهي أن تطرق التخصيص إلى العام يفيد نوع ضعف فلو خصصنا هذا الخبر ببعض الصور فحينئذ يتوالى عليه أسباب الضعف، فإن كونه خبر واحد يوجب الضعف وكونه على مصادمة الكتاب سبب آخر وكونه مخصوصاً سبب آخر، فلو خصصنا عموم الكتاب به لكنا قد رجحنا الضعيف جداً على القوي جداً.

أما إذا لم يخصص هذا الخبر ألبتة اندفع عنه بعض أسباب الضعف فحينئذ لا يبعد تخصيص عموم الكتاب به.

واحتج أبو بكر الرازي على أن العادل إذا قتل الباغي فإنه لا يصير محروماً عن الميراث بأنا لا نعلم خلافاً أن من وجب له القود على إنسان فقتله قوداً أنه لا يحرم من الميراث، واعلم أن الشافعية يمنعون هذه الصورة والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله ابنه بنو أخيه ليرثوه، وطرحوه على باب مدينة ثم جاءوا يطالبون بديته، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوه ببعضها ليحيا فيخبرهم بقاتله ﴿ قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا ﴾ أتجعلنا مكان هزو، أو أهل هزو، أو مهزواً بنا، أو الهزو نفسه لفرط الاستهزاء ﴿ مِنَ الجاهلين ﴾ لأن الهزو في مثل هذا من باب الجهل والسفه.

وقرى ﴿ هزؤاً ﴾ بضمتين.

و ﴿ هزءاً ﴾ بسكون الزاي، نحو كفؤا وكفؤاً.

وقرأ حفص: ﴿ هزواً ﴾ بالضمتين والواو وكذلك ﴿ كفواً ﴾ .

والعياذ واللياذ من واد واحد.

في قراءة عبد الله: ﴿ سل لنا ربك ما هي ﴾ ؟

سؤال عن حالها وصفتها.

وذلك أنهم تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا، فسألوا عن صفة تلك البقرة العجيبة الشأن الخارجة عما عليه البقر.

والفارض: المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض.

قال خفاف بن ندبة: لَعَمْرِي لَقَدْ أَعْطَيْتُ ضَيْفَكَ فَارِضاً ** تُسَاقُ إلَيْهِ مَا تَقُومُ عَلَى رِجْلِ وكأنها سميت فارضاً لأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.

والبكر: الفتية.

والعوان النصف.

قال: نَوَاعِمُ بَيْنَ أَبْكَارٍ وَعُونِ وقد عوّنْت.

فإن قلت: ﴿ بَيْنَ ﴾ يقتضي شيئين فصاعداً فمن أين جاز دخوله على ﴿ ذلك ﴾ قلت: لأنه في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

فإن قلت: كيف جاز أن يشار به إلى مؤنثين، وإنما هو للإشارة إلى واحد مذكر؟

قلت: جاز ذلك على تأويل ما ذكر وما تقدّم، للاختصار في الكلام، كما جعلوا (فعل) نائباً عن أفعال جمة تذكر قبله: تقول للرجل: نعم ما فعلت، وقد ذكر لك أفعالاً كثيرة وقصة طويلة، كما تقول له: ما أحسن ذلك.

وقد يجري الضمير مجرى اسم الإشارة في هذا.

قال أبو عبيدة: قلت: لرؤبة في قوله: فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وبَلَق ** كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ إن أردت الخطوط فقل: كأنها.

وإن أردت السواد والبلق فقل: كأنهما.

فقال: أردت كأن ذاك ويلك!

والذي حسن منه أنّ أسماء الإشارة تثنيتها وجمعها وتأنيثها ليست على الحقيقة وكذلك الموصولات.

ولذلك جاء الذي بمعنى الجمع ﴿ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ أي ما تؤمرونه بمعنى تؤمرون به من قوله: أمرتك الخير أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية للمفعول به بالمصدر، كضرب الأمير.

الفقوع: أشد ما يكون من الصفرة وأنصعه.

يقال في التوكيد: أصفر فاقع ووارس، كما يقال أسود حالك وحانك، وأبيض يقق ولهق.

وأحمر قاني وذريحي.

وأخضر ناضر ومدهامّ.

وأورق خطبانيّ وأرمك ردانيّ.

فإن قلت: فاقع هاهنا واقع خبراً عن اللون، فلم يقع توكيداً لصفراء قلت: لم يقع خبراً عن اللون إنما وقع توكيداً لصفراء، إلا أنه ارتفع اللون به ارتفاع الفاعل واللون من سببها وملتبس بها، فلم يكن فرق بين قولك صفراء فاقعة وصفراء فاقع لونها.

فإن قلت: فهلا قيل صفراء فاقعة؟

وأي فائدة في ذكر اللون؟

قلت: الفائدة فيه التوكيد، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة، فكأنه قيل: شديدة الصفرة صفرتها، فهو من قولك: جدّ جدّه، وجنونك مجنون.

وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.

وعن علي رضي الله عنه: من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله تعالى: ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري ﴿ صَفْرآءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا ﴾ : سوداء شديدة السواد.

ولعله مستعار من صفة الإبل؛ لأن سوادها تعلوه صفرة.

وبه فسر قوله تعالى: ﴿ جمالات صُفْرٌ ﴾ [المرسلات: 33] .

قال الأعشى: تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ وَتِلْكَ رِكَابِي ** هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ ﴿ مَا هِىَ ﴾ مرة ثانية تكرير للسؤال عن حالها وصفتها، واستكشاف زائد ليزدادوا بياناً لوصفها.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو اعترضوا أدنى بقرة فذبحوها لكفتهم، ولكن شدّدوا فشدّد الله عليهم» والاستقصاء شؤم.

وعن بعض الخلفاء أنه كتب إلى عامله بأن يذهب إلى قوم فيقطع أشجارهم ويهدم دورهم، فكتب إليه: بأيهما أبدأ؟

فقال: إن قلت لك بقطع الشجر سألتني: بأي نوع منها أبدأ؟

وعن عمر بن عبد العزيز: إذا أمرتك أن تعطي فلاناً شاة سألتني: أضائن أم ماعز؟

فإن بينت لك قلت: أذكر أم أنثى؟

فإن أخبرتك قلت: أسوداء أم بيضاء؟

فإذا أمرتك بشيء فلا تراجعني.

وفي الحديث: «أعظم الناس جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم لأجل مسئلته» ﴿ إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا ﴾ أي إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير فاشتبه علينا أيها نذبح وقرئ: ﴿ تشّابه ﴾ ، بمعنى تتشابه بطرح التاء وإدغامها في الشين.

وتشابهت ومتشابهة ومتشابه.

وقرأ محمد ذو الشامة: إن الباقر يشَّابه، بالياء والتشديد.

جاء في الحديث: «لو لم يستثنوا لما بينت لهم آخر الأبد» أي: لو لم يقولوا إن شاء الله.

والمعنى: إنا لمهتدون إلى البقرة المراد ذبحها.، أو إلى ما خفي علينا من أمر القاتل ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول، يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، و(لا) الأولى للنفي، والثانية مزيدة لتوكيد الأولى، لأن المعنى: لا ذلول تثير وتسقي.

على أنّ الفعلين صفتان لذلول، كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.

وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: لا ذلول، بمعنى لا ذلول هناك: أي حيث هي، وهو نفي لذلها؛ ولأن توصف به فيقال: هي ذلول.

ونحوه قولك: مررت بقوم لا بخيل ولا جبان.

أي فيهم، أو حيث هم.

وقرئ ﴿ تُسقي ﴾ بضم التاء من أسقى ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ سلمها الله من العيوب أو معفاة من العمل سلمها أهلها منها كقوله: أَوْ مَعْبَرَ الظَّهْرِ يُنْبِي عَنْ وَلِيَّتِه ** مَا حَجَّ رَبُهُ فِي الدُّنْيَا وَلاَ اعْتَمَرَا أو مخلصة اللون، من سلم له كذا إذا خلص له، لم يشب صفرتها شيء من الألوان ﴿ لاَّ شِيَةَ فِيهَا ﴾ لا لمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة، فهى صفراء كلها حتى قرنها وظلفها.

وهي في الأصل مصدر وشاه وشيا وشية، إذا خلط بلونه لوناً آخر، ومنه ثور موشى القوائم ﴿ جِئْتَ بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها ﴿ فَذَبَحُوهَا ﴾ أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ استثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة استكشافهم، ما كادوا يذبحونها وما كادت تنتهي سؤالاتهم وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم، وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.

وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.

وروي: أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عِجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللَّهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمّه حتى اشتروها بملء مَسْكِها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة.

فإن قلت: كانت البقرة التي تناولها الأمر بقرة من شق البقر غير مخصوصة، ثم انقلبت مخصوصة بلون وصفات، فذبحوا المخصوصة، فما فعل الأمر الأوّل؟

قلت: رجع منسوخاً لانتقال الحكم إلى البقرة المخصوصة، والنسخ قبل الفعل جائز.

على أنّ الخطاب كان لإبهامه متناولاً لهذه البقرة الموصوفة كما تناول غيرها، ولو وقع الذبح عليها بحكم الخطاب قبل التخصيص لكان امتثالاً له، فكذلك إذا وقع عليها بعد التخصيص ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادرأتم ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنّ المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً، أي يدفعه ويزحمه.

أو تدافعتم، بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح.

أو لأنّ الطرح في نفسه دفع.

أو دفع بعضكم بعضاً عن البراءة واتهمه ﴿ والله مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل لا يتركه مكتوماً.

فإن قلت: كيف أعمل مخرج وهو في معنى المضيّ؟

قلت: وقد حكى ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ.

كما حكى الحاضر في قوله: ﴿ باسط ذِرَاعَيْهِ ﴾ [الكهف: 18] وهذه الجملة اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه وهما (ادّارأتم) و(فقلنا) والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ إمّا أن يرجع إلى النفس والتذكير على تأويل الشخص والإنسان، وإمّا إلى القتيل لما دلّ عليه من قوله: (ما كنتم تكتمون).

﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ ببعض البقرة.

واختلف في البعض الذي ضرب به، فقيل: لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عَجْبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهوأصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة بين الكتفين.

والمعنى: فضربوه فحيي، فحذف ذلك لدلالة قوله: ﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ .

وروي: أنهم لمّا ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً، وقال: قتلني فلان وفلان لابني عمه، ثم سقط ميتاً، فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك.

﴿ كذلك يُحْىِ الله الموتى ﴾ إما أن يكون خطاباً للذين حضروا حياة القتيل بمعنى وقلنا لهم: كذلك يحيي الله الموتى يوم القيامة ﴿ وَيُرِيكُمْ ءاياته ﴾ ودلائله على أنه قادر على كل شيء ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ تعملون على قضية عقولكم.

وأن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص حتى لا تنكروا البعث.

وإما أن يكون خطاباً للمنكرين في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإن قلت: هلا أحياه ابتداء؟

ولم شرط في إحيائه ذبح البقرة وضربه ببعضها؟

قلت: في الأسباب والشروط حكم وفوائد.

وإنما شرط ذلك لما في ذبح البقرة من التقرّب وأداء التكاليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على الطلب، وما في التشديد عليهم لتشديدهم من اللطف لهم، ولآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله تعالى وارتسامها على الفور، من غير تفتيش وتكثير سؤال، ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البرّ بالوالدين، والشفقة على الأولاد، وتجهيل الهازئ بما لا يعلم كنهه، ولا يطلع على حقيقته من كلام الحكماء، وبيان أنّ من حق المتقرّب إلى ربه أن يتنوّق في اختيار ما يتقرّب به، وأن يختاره فتيّ السنِّ غير قحم ولا ضرع، حسن اللون برياً من العيوب يونق من ينظر إليه، وأن يغالى بثمنه، كما يروى عن عمر رضي الله عنه: أنه ضحى بنجيبة بثلاثمائة دينار، وأنّ الزيادة في الخطاب نسخ له، وأن النسخ قبل الفعل جائز وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، وليعلم بما أمر من مسّ الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، لأن الموتين الحاصلين في الجسمين لا يعقل أن تتولد منهما حياة.

فإن قلت: فما للقصة لم تقص على ترتيبها، وكان حقها أن يقدّم ذكر القتيل والضرب ببعض البقرة على الأمر بذبحها، وأن يقال: وإذا قتلتم نفساً فأدّارأتم فيها فقلنا: اذبحوا بقرة واضربوه ببعضها؟

قلت: كل ما قصّ من قصص بني إسرائيل إنما قصّ تعديداً لما وجد منهم من الجنايات، وتقريعاً لهم عليها، ولمّا جدّد فيهم من الآيات العظام.

وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وإن كانتا متصلتين متحدتين، فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتبع ذلك.

والثانية للتقريع على قتل النفس المحرّمة وما يتبعه من الآية العظيمة.

وإنما قدمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة، ولذهب الغرض في تثنية التقريع.

ولقد روعيت نكتة بعدما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى، دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: ﴿ اضربوه بِبَعْضِهَا ﴾ حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيتهِ بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها، وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ ﴾ أيْ لَمْ تُذَلَّلْ لِكِرابِ الأرْضِ وسَقْيِ الحَرْثِ، و ﴿ لا ذَلُولٌ ﴾ صِفَةٌ لِبَقَرَةٍ بِمَعْنى غَيْرِ ذَلُولٍ، ولا الثّانِيَةُ مَزِيدَةٌ لِتَأْكِيدِ الأُولى والفِعْلانِ صَفَتا ذَلُولٍ كَأنَّهُ قِيلَ: لا ذَلُولٌ مُثِيرَةٌ وساقِيَةٌ، وقُرِئَ « لا ذَلُولَ» بِالفَتْحِ أيْ حَيْثُ هِيَ، كَقَوْلِكَ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا بَخِيلَ ولا جَبانَ، أيْ حَيْثُ هُوَ، وتَسْقِي مَن أسْقى.

﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ سَلَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ العُيُوبِ، أوْ أهْلُها مِنَ العَمَلِ، أوْ أخْلَصَ لَوْنَها مِن سَلَمَ لَهُ كَذا إذا خَلَصَ لَهُ ﴿ لا شِيَةَ فِيها ﴾ لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَ جِلْدِها، وهي في الأصْلِ مَصْدَرٌ، وشّاهَ وشْيًا وشِيَةً إذا خَلَطَ بِلَوْنِهِ لَوْنًا آخَرَ.

قالُوا ﴿ الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ بِحَقِيقَةِ وصْفِ البَقَرَةِ وحَقَّقْتَها لَنا، وقُرِئَ « الآنَ» بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ، و « لانَ» بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ.

﴿ فَذَبَحُوها ﴾ فِيهِ اخْتِصارٌ، والتَّقْدِيرُ: فَحَصَّلُوا البَقَرَةَ المَنعُوتَةَ فَذَبَحُوها.

﴿ وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ لِتَطْوِيلِهِمْ وكَثْرَةِ مُراجَعاتِهِمْ، أوْ لِخَوْفِ الفَضِيحَةِ في ظُهُورِ القاتِلِ، أوْ لِغَلاءِ ثَمَنِها.

إذْ رُوِيَ: أنَّ شَيْخًا صالِحًا مِنهم كانَ لَهُ عِجْلَةٌ، فَأتى بِها الغَيْضَةَ وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَها لِابْنِي حَتّى يَكْبُرَ، فَشَبَّتْ وكانَتْ وحِيدَةً بِتِلْكَ الصِّفاتِ، فَساوَمُوها مِنَ اليَتِيمِ وأمَّهُ حَتّى اشْتَرَوْها بِمَلْءٍ مَسْكِها ذَهَبًا، وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ.

وكادَ مِن أفْعالِ المُقارَبَةِ وُضِعَ لِدُنُوِّ الخَبَرِ حُصُولًا، فَإذا دَخَلَ عَلَيْهِ النَّفْيُ قِيلَ مَعْناهُ الإثْباتُ مُطْلَقًا.

وقِيلَ ماضِيًا، والصَّحِيحُ أنَّهُ كَسائِرِ الأفْعالِ ولا يُنافِي قَوْلُهُ: ﴿ وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ قَوْلَهُ ﴿ فَذَبَحُوها ﴾ لِاخْتِلافِ وقْتَيْهِما، إذِ المَعْنى أنَّهم ما قارَبُوا أنْ يَفْعَلُوا حَتّى انْتَهَتْ سُؤالِاتُهُمْ، وانْقَطَعَتْ تَعَلُّلاتُهُمْ، فَفَعَلُوا كالمُضْطَرِّ المُلْجَأِ إلى الفِعْلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تثير الأرض} لاذلول صفة لبقرة بمعنى بقرة غير ذلول يعني لم تذلل للكراب وإثارة الأرض {وَلاَ تَسْقِي الحرث} ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقى الحروث ولا الاولى نافية والثانة مزيدة لتوكيد الأولى لأن المعنى لا ذلول تثير الأرض أي تقلبها للزراعة وتسقي الحرث على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل لا ذلول مثيرة وساقية {مُّسَلَّمَةٌ} عن العيوب وآثار العمل {لا شية فيها} لالمعة في نقبتها من لون آخر سوى الصفرة فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها وهي فى الأصل مصدر وشاه وشياوشية إذا خلط بلونه لونا آخر {قالوا الآن جئت بالحق} أى بحقيقة وصف البقرة

البقرة (٧١ _ ٧٣)

وما بقي إشكال في أمرها جئت وبابه بغير همز أبو عمرو {فَذَبَحُوهَا} فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها {وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ} لغلاء ثمنها أو خوف الفضيحة في ظهور القاتل روي أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال اللهم إني استودعتكها لابني حتى يكبر وكان براً بوالديه فشبت البقرة وكانت من أحسن البقر وأسمنه فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً وكانت البقرة ذاك بثلاثة دنانير وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة وهذا البيان من قبيل تقييد المطلق فكان نسخاً والنسخ قبل الفعل جائز وكذا قبل التمكن منه عندنا خلافاً للمعتزلة

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ﴾ صِفَةُ (بَقَرَةٌ)، وهو مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ، ومَن قالَ: هو مِنَ الوَصْفِ بِالجُمْلَةِ، وأنَّ التَّقْدِيرَ: لا هي ذَلُولٌ، فَقَدْ أبْعَدَ عَنِ الصَّوابِ، (ولا) بِمَعْنى غَيْرُ، وهو اسْمٌ عَلى ما صَرَّحَ بِهِ السَّخاوِيُّ وغَيْرُهُ لَكِنْ لِكَوْنِها في صُورَةِ الحَرْفِ ظَهَرَ إعْرابُها فِيما بَعْدَها، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ حَرْفًا (كالا) الَّتِي بِمَعْنى غَيْرُ، في مِثْلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتا ﴾ والذَّلُولُ الرَّيِّضُ الَّذِي زالَتْ صُعُوبَتُهُ، يُقالُ: دابَّةٌ ذَلُولٌ بَيِّنَةُ الذِّلِّ بِالكَسْرِ، ورَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُّلِّ بِالضَّمِّ، ﴿ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ ﴾ (لا) صِلَةٌ لازِمَةٌ لِوُجُوبِ التَّكْرارِ في هَذِهِ الصُّورَةِ، وهي مُفِيدَةٌ لِلتَّصْرِيحِ بِعُمُومِ النَّفْيِ، إذْ بِدُونِها يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ الِاجْتِماعِ، ولِذا تُسَمّى المُذَكِّرَةُ والإثارَةُ قَلْبَ الأرْضِ لِلزِّراعَةِ، مِن أثَرْتُهُ إذا هَيَّجْتَهُ، والحَرْثُ الأرْضُ المُهَيَّأةُ لِلزَّرْعِ، أوْ هو شَقُّ الأرْضِ لِيُبْذَرَ فِيها، ويُطْلَقُ عَلى ما حُرِثَ وزُرِعَ، وعَلى نَفْسِ الزَّرْعِ أيْضًا، والفِعْلانِ صِفَتا (ذَلُولٌ)، والصِّفَةُ يَجُوزُ وصْفُها عَلى ما ارْتَضاهُ بَعْضُ النُّحاةِ، وصَرَّحَ بِهِ السَّمِينُ، والفِعْلُ الأوَّلُ داخِلٌ في حَيِّزِ النَّفْيِ والمَقْصُودُ نَفْيُ إثارَتِها الأرْضَ، أيْ لا تُثِيرُ الأرْضَ، فَتُذَلُّ، فَهو مِن بابِ عَلى لاحِبٍ لا يُهْتَدى بِمَنارِهِ فَفِيهِ نَفْيٌ لِلْأصْلِ، والفَرْعِ مَعًا، وانْتِفاءُ المَلْزُومِ بِانْتِفاءِ اللّازِمِ، قالَ الحَسَنُ: كانَتْ هَذِهِ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً، ولِهَذا وُصِفَتْ بِأنَّها لا تُثِيرُ الأرْضَ إلَخْ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ (تُثِيرُ) مُثْبَتٌ لَفْظًا ومَعْنًى، وأنَّهُ أثْبَتَ لِلْبَقَرَةِ أنَّها تُثِيرُ الأرْضَ وتَحْرُثُها، ونَفى عَنْها سَقْيَ الحَرْثِ، ورُدَّ بِأنَّ ما كانَ يَحْرُثُ لا يَنْتَفِي عَنْهُ كَوْنُهُ ذَلُولًا، وقالَ بَعْضٌ: المُرادُ إنَّها تُثِيرُ الأرْضَ بِغَيْرِ الحَرْثِ بَطَرًا ومَرَحًا، ومِن عادَةِ البَقَرِ إذا بَطِرَتْ تَضْرِبُ بِقُرُونِها وأظْلافِها، فَتُثِيرُ تُرابَ الأرْضِ، فَيَكُونُ هَذا مِن تَمامِ قَوْلِهِ (لا ذَلُولٌ)، لِأنَّ وصْفَها بِالمَرَحِ والبَطَرِ دَلِيلٌ عَلى ذَلِكَ، ولَيْسَ عِنْدِي بِالبَعِيدِ، وذَهَبُ بَعْضُهم كَما في المَواشِي إلى أنَّ جُمْلَةَ (تُثِيرُ) في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ إنْ أرادَ بِالنَّكِرَةِ بَقَرَةً، فَقَدْ وُصِفَتْ، والحالُ مِنَ النَّكِرَةِ المَوْصُوفَةِ جائِزَةٌ جَوازًا حَسَنًا، وإنْ أرادَ بِها لا ذَلُولٌ، فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهِ جَوازُ مَجِيءِ الحالِ مِنَ النَّكِرَةِ، وإنْ لَمْ تُوصَفْ، وقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ في مَواضِعَ مِن كِتابِهِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ: إنَّهُ تَبِعَ الجُمْهُورَ في ذَلِكَ، وهم عَلى المَنعِ، وجَعْلُ الجُمْلَةِ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في (ذَلُولٌ)، أيْ لا ذَلُولٌ في حالِ إثارَتِها، لَيْسَ بِشَيْءٍ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ: (لا ذَلُولَ) بِالفَتْحِ، (فَلا) لِلتَّبْرِئَةِ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هُناكَ، والمُرادُ مَكانٌ وُجِدَتْ هي فِيهِ، والجُمْلَةُ صِفَةُ (ذَلُولٌ)، وهو نَفْيٌ لِأنْ تُوصَفَ بِالذُّلِّ، ويُقالُ: هي ذَلُولٌ بِطَرِيقِ الكِنايَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ في مَكانِ البَقَرَةِ لَكانَتْ مَوْصُوفَةً بِهِ ضَرُورَةَ اقْتِضاءِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ، فَلَمّا لَمْ يَكُنْ في مَكانِها لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً بِهِ، فَهَذا كَقَوْلِهِمْ: مَحَلُّ فُلانٍ مَظِنَّةُ الجُودِ والكَرَمِ، وهَذا أوْلى مِمّا قِيلَ: إنَّ (تُثِيرُ) خَبَرُ لا، والجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ، لِأنَّهُ أبْلَغُ كَما لا يَخْفى، وبَعْضُهم خَرَّجَ القِراءَةَ عَلى البِناءِ نَظَرًا إلى صُورَةِ (لا) كَما في كُنْتُ بِلا مالَ، بِالفَتْحِ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ذَلِكَ مَقْصُورٌ عَلى مَوْرِدِ السَّماعِ، ولَيْسَ بِقِياسِيٍّ عَلى ما يُشْعِرُ بِهِ كَلامُ الرَّضِيِّ، وقُرِئَ (تُسْقِي) بِضَمِّ حَرْفِ المُضارَعَةِ مِن أسْقى، بِمَعْنى سَقى، وبَعْضٌ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ سَقى لِنَفْسِهِ وأسْقى لِغَيْرِهِ، كَماشِيَتِهِ وأرْضِهِ.

﴿ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها ﴾ أيْ سَلَّمَها اللَّهُ تَعالى مِنَ العُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ أعْفاها أهْلُها مِن سائِرِ أنْواعِ الِاسْتِعْمالِ، قالَهُ الحَسَنُ، أوْ مُطَهَّرَةٌ مِنَ الحَرامِ، لا غَصْبَ فِيها ولا سَرِقَةَ، قالَهُ عَطاءٌ، أوْ أُخْلِصَ لَوْنُها مِنَ الشِّياتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والأوْلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، لِأنَّ المُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلى الكامِلِ، ولِكَوْنِهِ تَأْسِيسًا، وعَلى آخِرِ الأقْوالِ يَكُونُ ﴿ لا شِيَةَ فِيها ﴾ أيْ لا لَوْنَ فِيها يُخالِفُ لَوْنَها تَأْكِيدًا، والتَّضْعِيفُ هُنا لِلنَّقْلِ والتَّعْدِيَةِ، ووَهِمَ غَيْرُ واحِدٍ فَزَعَمَ أنَّهُ لِلْمُبالَغَةِ، والشِّيَةُ مَصْدَرُ وشَيْتُ الثَّوْبَ أشِيهِ وشْيًا إذا زَيَّنْتَهُ بِخُطُوطٍ مُخْتَلِفَةِ الألْوانِ، فَحُذِفَ فاؤُهُ كَعِدَةٍ وزِنَةٍ، ومِنهُ الواشِي لِلنَّمّامِ، قِيلَ: ولا يُقالُ لَهُ: واشٍ حَتّى يُغَيِّرَ كَلامَهُ ويُزَيِّنَهُ، ويُقالُ: ثَوْرٌ أشْيَهُ، وفَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وغُرابٌ أبْقَعُ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البُلْقَةِ، وفي البَحْرِ: لَيْسَ الأشْيَهُ في قَوْلِهِمْ: ثَوْرٌ أشْيَهُ لِلَّذِي فِيهِ بَلَقٌ مَأْخُوذًا مِنَ الشِّيَهِ لِاخْتِلافِ المادَّتَيْنِ، وشِيَةٌ اسْمُ لا، وفِيها خَبَرُهُ.

﴿ قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ أيْ أظْهَرْتَ حَقِيقَةَ ما أُمِرْنا بِهِ، فالحَقُّ هُنا بِمَعْنى الحَقِيقَةِ، وقِيلَ: بِمَعْنى الأمْرِ المَقْضِيِّ، أوِ اللّازِمِ، وقِيلَ: بِمَعْنى القَوْلِ المُطابِقِ لِلْواقِعِ، ولَمْ يُرِيدُوا أنَّ ما سَبَقَ لَمْ يَكُنْ حَقًّا، بَلْ أرادُوا أنَّهُ لَمْ يَظْهَرِ الحَقُّ بِهِ كَمالَ الظُّهُورِ فَلَمْ يَجِئْ بِالحَقِّ، بَلْ أوْمَأ إلَيْهِ، فَعَلى هَذِهِ الأقْوالِ لَمْ يَكْفُرُوا بِهَذا القَوْلِ، وأجْراهُ قَتادَةُ عَلى ظاهِرِهِ، وجَعَلَهُ مُتَضَمِّنًا أنَّ ما جِئْتَ بِهِ مِن قَبْلُ كانَ باطِلًا، فَقالَ: إنَّهم كَفَرُوا بِهَذا القَوْلِ، والأوْلى عَدَمُ الإكْفارِ، (والآنَ) ظَرْفُ زَمانٍ لازِمُ البِناءِ عَلى الفَتْحِ، ولا يَجُوزُ تَجْرِيدُهُ مِن ألْ، واسْتِعْمالُهُ عَلى خِلافِهِ لَحْنٌ، وهي تَقْتَضِي الحالَ، وتُخَلِّصُ المُضارِعَ لَهُ غالِبًا، وقَدْ جاءَتْ حَيْثُ لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ لَهُ نَحْوَ ﴿ فالآنَ باشِرُوهُنَّ ﴾ إذِ الأمْرُ نَصٌّ في الِاسْتِقْبالِ، وادَّعى بَعْضُهم إعْرابَها لِقَوْلِهِ: كَأنَّهُما مِلْآنِ لَمْ يَتَغَيَّرا يُرِيدُ مِنَ الآنَ، فَجَرَّهُ، وهو يَحْتَمِلُ البِناءَ عَلى الكَسْرِ، (وألْ) فِيها لِلْحُضُورِ عِنْدَ بَعْضٍ، وزائِدَةٌ عِنْدَ آخَرِينَ، وبُنِيَتْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى الإشارَةِ، أوْ لِتَضَمُّنِها مَعْنى (ألِ) التَّعْرِيفِيَّةِ، كَسَحَرَ، وقُرِئَ (آلْآنَ)، بِالمَدِّ عَلى الِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ إشارَةً إلى اسْتِبْطائِهِ، وانْتِظارِهِمْ لَهُ.

وقَرَأ نافِعٌ بِحَذْفِ الهَمْزَةِ وإلْقاءِ حَرَكَتِها عَلى اللّامِ، وعَنْهُ رِوايَتانِ: حَذْفُ واوِ (قالُوا)، وإثْباتُها، (فَذَبَحُوها) أيْ فَطَلَبُوا هَذِهِ البَقَرَةَ الجامِعَةَ لِلْأوْصافِ السّابِقَةِ، وحَصَّلُوها فَذَبَحُوها، فالفاءُ فَصِيحَةٌ عاطِفَةٌ عَلى مَحْذُوفٍ، إذْ لا يَتَرَتَّبُ الذَّبْحُ عَلى مُجَرَّدِ الأمْرِ بِالذَّبْحِ، وبَيانِ صِفَتِها، وحُذِفَ لِدِلالَةِ الذَّبْحِ عَلَيْهِ، وتَحْصِيلُها كانَ بِاشْتِرائِها مِنَ الشّابِّ البارِّ بِأبَوَيْهِ كَما تَظافَرَتْ عَلَيْهِ أقْوالُ أكْثَرِ المُفَسِّرِينَ، والقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ، وقِيلَ: كانَتْ وحْشِيَّةً، فَأخَذُوها، وقِيلَ: لَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الدُّنْيا، بَلْ أنْزَلَها اللَّهُ تَعالى مِنَ السَّماءِ، وهو قَوْلٌ هابِطٌ إلى تُخُومِ الأرْضِ، قِيلَ: ووَجْهُ الحِكْمَةِ في جَعْلِ البَقَرَةِ آلَةً دُونَ غَيْرِها مِنَ البَهائِمِ أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ البَقَرَ والعَجاجِيلَ، وحُبِّبَ ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ ﴾ ثُمَّ بَعْدَ ما تابُوا أرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يَمْتَحِنَهم بِذَبْحِ ما حُبِّبَ إلَيْهِمْ لِيَكُونَ حَقِيقَةً لِتَوْبَتِهِمْ، وقِيلَ: لَعَلَّهُ ألْطَفُ وأوْلى إنَّ الحِكْمَةَ في هَذا الأمْرِ إظْهارَ تَوْبِيخِهِمْ في عِبادَةِ العِجْلِ بِأنَّكم كَيْفَ عَبَدْتُمْ ما هو في صُورَةِ البَقَرَةِ، مَعَ أنَّ الطَّبْعَ لا يَقْبَلُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ خاصِّيَّةً يَحْيا بِها مَيِّتٌ بِمُعْجِزَةِ نَبِيٍّ؟!

وكَيْفَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ السّامِرِيِّ إنَّهُ إلَهُكُمْ، وها أنْتُمْ تَقْبَلُونَ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحانَهُ: إنَّهُ يَحْيا بِضَرْبِ لَحْمَةٍ مِنهُ المَيِّتُ، سُبْحانَ اللَّهِ تَعالى!

هَذا الخَرَقُ العَظِيمُ، ﴿ وما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ كَنّى عَلى الذَّبْحِ بِالفِعْلِ، أيْ وما كادُوا يَذْبَحُونَ، واحْتِمالُ - أنْ يَكُونَ المُرادُ وما كادُوا يَفْعَلُونَ ما أُمِرُوا بِهِ بَعْدَ الذَّبْحِ مِن ضَرْبِ بَعْضِها عَلى المَيِّتِ - بَعِيدٌ، وكادَ مَوْضُوعَةٌ لِدُنُوِّ الخَبَرِ حُصُولًا، ولا يَكُونُ خَبَرُها في المَشْهُورِ إلّا مُضارِعًا دالًّا عَلى الحالِ لِتَأْكِيدِ القُرْبِ، واخْتُلِفَ فِيها فَقِيلَ: هي في الإثْباتِ نَفْيٌ، وفي النَّفْيِ إثْباتٌ، فَمَعْنى كادَ زَيْدٌ يَخْرُجُ، قارَبَ، ولَمْ يَخْرُجْ، وهو فاسِدٌ، لِأنَّ مَعْناها مُقارَبَةُ الخُرُوجِ، وأمّا عَدَمُهُ فَأمْرٌ عَقْلِيٌّ خارِجٌ عَنِ المَدْلُولِ، ولَوْ صَحَّ ما قالَهُ لَكانَ قارَبَ ونَحْوُهُ كَذَلِكَ، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وقِيلَ: هي في الإثْباتِ إثْباتٌ، وفي النَّفْيِ الماضِي إثْباتٌ، وفي المُسْتَقْبَلِ عَلى قِياسِ الأفْعالِ، وتَمَسَّكَ القائِلُ بِهَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَعْنى ﴿ وما كادُوا ﴾ هُنا نَفْيًا لِلْفِعْلِ عَنْهم لَناقَضَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها ﴾ ، حَيْثُ دَلَّ عَلى ثُبُوتِ الفِعْلِ لَهُمْ، والحَقُّ إنَّها في الإثْباتِ والنَّفْيِ كَسائِرِ الأفْعالِ، فَمُثْبَتُها لِإثْباتِ القُرْبِ، ومَنفِيُّها لِنَفْيِهِ، والنَّفْيُ والإثْباتُ في الآيَةِ مَحْمُولانِ عَلى اخْتِلافِ الوَقْتَيْنِ، أوِ الِاعْتِبارَيْنِ، فَلا تَناقُضَ، إذْ مِن شَرْطِهِ اتِّحادُ الزَّمانِ والِاعْتِبارُ، والمَعْنى: أنَّهم ما قارَبُوا ذَبْحَها حَتّى انْقَطَعَتْ تَعَلُّلاتُهم فَذَبَحُوا كالمُلْجَإ، أوْ فَذَبَحُوها ائْتِمارًا وما كادُوا مِنَ الذَّبْحِ خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ، أوِ اسْتِثْقالًا لِغُلُوِّ ثَمَنِها، حَيْثُ رُوِيَ أنَّهُمُ اشْتَرَوْها بِمِلْءِ جِلْدِها ذَهَبًا، وكانَتِ البَقَرَةُ إذْ ذاكَ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، واسْتَشْكَلَ القَوْلُ بِاخْتِلافِ الوَقْتَيْنِ بِأنَّ الجُمْلَةَ حالٌ مِن فاعِلِ ذَبَحُوها، فَيَجِبُ مُقارَنَةُ مَضْمُونِها لِمَضْمُونِ العامِلِ، والجَوابُ بِأنَّهم صَرَّحُوا بِأنَّهُ قَدْ يُقَيَّدُ بِالماضِي، فَإنْ كانَ مُثْبَتًا قُرِنَ بِقَدْ، لِتَقَرُّبِهِ مِنَ الحالِ، وإنْ كانَ مَنفِيًّا كَما هُنا لَمْ يُقْرَنْ بِها، لِأنَّ الأصْلَ اسْتِمْرارُ النَّفْيِ، فَيُفِيدُ المُقارَبَةَ لا يُجْدِي نَفْعًا، لِأنَّ عَدَمَ مُقارَبَةِ الفِعْلِ لا يُتَصَوَّرُ مُقارَنَتُها لَهُ، ولِهَذا عَوَّلَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ في الجَوابِ عَلى أنَّ ﴿ وما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ كِنايَةٌ عَنْ تَعَسُّرِ الفِعْلِ، وثِقَلِهِ عَلَيْهِمْ، وهو مُسْتَمِرٌّ باقٍ، وقَدْ صَرَّحَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ أنَّهُ قَدْ يَقُولُ القائِلُ: لَمْ يَكَدْ زَيْدٌ يَفْعَلُ، ومُرادُهُ أنَّهُ فَعَلَ بِعُسْرٍ، لا بِسُهُولَةٍ، وهو خِلافُ الظّاهِرِ، الَّذِي وُضِعَ لَهُ اللَّفْظُ فافْهَمْ، <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قال ابن عباس: وذلك أن بني إسرائيل قيل لهم في التوراة: أيما قتيل وجد بين قريتين لا يدرى قاتله، فليقس إلى أيتهما أقرب، فعمد رجلان أخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما واسمه عاميل، فقتلاه لكي يرثاه وكانت ابنة عم لهما شابة جميلة حسناء، فخشيا أن ينكحها ابن عمها عاميل، ثم حملاه إلى جانب قرية، فأصبح أهل القرية والقتيل بين أظهرهم، فأخذ أهل القرية بالقتيل وجاءوا به إلى موسى.

وروى ابن سيرين عن عبيدة السلماني أن رجلاً كان له قرابة فقتله ليرثه ثم ألقاه على باب رجل، ثم جاء يطلب بدمه، فهموا أن يقتتلوا ولبس الفريقان السلاح، فقال رجل: أتقتتلون وفيكم نبي الله؟

فجاؤوا إلى موسى- عليه الصلاة والسلام- فأخبروه بذلك، فدعا الله تعالى في ذلك أن يبيِّن لهم المخرج من ذلك، فأوحى الله تعالى إليه، فأخبرهم بذلك وقال: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة فتضربوه ببعضها، يعني بعض أعضاء تلك البقرة فيحيا، فيخبركم من قتله قالُوا: يا موسى، أَتَتَّخِذُنا هُزُواً؟

قرأ عاصم في رواية حفص برفع الزاي بغير همز، وقرأ حمزة بسكون الزاي مع الهمزة، وقرأ الباقون بالهمز ورفع الزاي.

ومعناه أتتخذنا سخرية، يعني أتسخر بنا يا موسى؟

فإن قيل: ألم يكن هذا القول منهم كفراً، حيث نسبوه إلى السخرية؟

قلنا: الجواب أن يقال قد ظهر عندهم علامات نبوته وعلموا أن قوله حق، ولكنهم أرادوا بهذا الكشف والبيان ولم يريدوا به الحقيقة ف قالَ لهم موسى أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ، يعني أمتنع بالله.

ويقال: معاذ الله أن أكون من المستهزئين.

قال ابن عباس في رواية أبي صالح: فلو أنهم عمدوا إلى أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا على أنفسهم بالمسألة فشدد الله عليهم بالمنع لما قالُوا: يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك أن يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، أي يبيِّن لنا كيفية البقرة، إنها صغيرة أو كبيرة.

قالَ لهم موسى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لاَّ فارِضٌ وَلا بِكْرٌ، يعني لا كبيرة هرمة، ولا صغيرة عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ، وسطاً ونصفاً بين ذلك يعني بين الصغيرة والكبيرة.

وقد قيل في المثل: «العوان لا تعلَّم الخُمْرة» ، يعني أن المرأة البالغة ليست بمنزلة الصغيرة التي لا تحسن أن تختمر.

وقوله تعالى: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ ولا تسألوا.

فسألوا وشددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم.

قالُوا: يا موسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ، أي سل لنا ربك يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها، قال لهم موسى: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها، يعني شديد الصفرة.

كما يقال: أصفر فاقع إذا كان شديد الصفرة، كما يقال: أسود حالك، وأبيض يقق، وأحمر قاني، وأخضر ناصع إذا وصف بالشدة.

وقال بعضهم: أراد به بقرة صفراء الظلف والقرن، أي شعرها وظلفها وقرنها وكل شيء منها أصفر.

ويقال: أراد به البقرة السوداء، لأن السواد الشديد يضرب إلى الصفرة، كما قال تعالى: كَالْقَصْرِ (32) كَأَنَّهُ جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: 33] ، وكما قال القائل: تِلْكَ خَيْلِي مِنْهُ، وَتِلْكَ رِكَابِي ...

هُنَّ صُفْرٌ أَوْلاَدُهَا كَالزَّبِيبِ أراد بالصفر السود.

ولكن هذا خلاف أقاويل المفسرين، وكلهم اتفقوا أن المراد به صفراء اللون، إلا قولاً روي عن الحسن البصري.

قوله عز وجل: تَسُرُّ النَّاظِرِينَ، يعني تعجب من نظر إليها لحسن لونها، فشددوا على أنفسهم وقالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ، يعني إنها من العوامل أو من غيرها.

إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا، أي تشاكل علينا في أسنانها وألوانها وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ، يعني نهتدي للقاتل.

ويقال: نهتدي إلى البقرة أي ندركها بمشيئة الله تعالى.

وروي عن ابن عباس أنه قال: لولا أنهم استثنوا لم يدركوها.

وروي عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي  أنه قال: «لو أن بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذُوا أَدْنَى بَقَرَةٍ لأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَوْلا أَنَّهُمْ قَالُوا وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ مَا وَجَدُوها» .

قالَ إِنَّهُ، لهم موسى: إن ربكم يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ، يقول لم يذللها العمل.

وقال أهل اللغة: الذلول في الدواب مثل الذليل في الناس، يقال: رجل ذليل، ودابة ذليلة بيِّنة الذل.

تُثِيرُ الْأَرْضَ أي تقلبها للزراعة.

ويقال للبقرة: المثيرة وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ، يعني لا يسقى عليها الحرث، أي لا يستسقى عليها الماء لتسقي الزرع، ومعناه أن هذه البقرة لم تكن تعمل شيئاً من هذه الأعمال.

مُسَلَّمَةٌ يقال: مهذبة سليمة من العيوب.

ويقال: مسلمة من الألوان.

لاَّ شِيَةَ فِيها، قال بعضهم لا عيب فيها وقال بعضهم: لا وضح فيها ولا بياض ولا سواد ولا لون سوى لون الصفرة.

وقال أهل اللغة: أصله من وشى الثوب، وأصله في اللغة لا وشية فيها ولكن حذفت منها الواو للخفة مثل عدة وزنة.

فلما وصف لهم موسى ذلك، قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ، يعني الآن أتممت الصفة.

ويقال: الآن جئت بالصفة التي كنا نطلب.

فَذَبَحُوها، يعني البقرة وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، أي كادوا أن لا يذبحوها.

وقد قيل: إنما أرادوا أن لا يذبحوها، لأن كل واحد منهم خشي أن يظهر القاتل من قبيلته.

وقال بعضهم: وما كادوا يفعلون لغلاء ثمن البقرة، لأنهم كانوا لا يدركون بقرة بتلك الصفة.

وروي عن وهب بن منبه أنه قال: لم توجد تلك البقرة إلا عند فتى من بني إسرائيل، كان باراً بوالديه وكان يصلي ثلث الليل، وينام ثلث الليل، ويجلس ثلث الليل عند رأس أمه ويقول لها: إن لم تقدري على القيام فسبحي الله وهللي، وكان ورث عن أبيه بقرة فلم يجد أهل تلك القرية على تلك الصفة إلا هذه البقرة، فاشتروها بملئ مسكها دنانير.

وقال بعضهم: كان رجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس يوماً بجراب من لؤلؤ فعرض عليه، وأراد أن يبيع منه بمائة ألف، وكان ذلك يساوي مائتي ألف.

فلما أراد أن يشتري، فإذا مفتاح الصندوق كان تحت رأس أبيه وهو نائم، فذهب ليوقظه ويرفع المفتاح ويدفع الثمن، ثم قال في نفسه: كيف أوقظ أبي لأجل ربح مائة ألف ولم يحتمل قلبه فرجع، فقال: إن أبي نائم.

فقال له إبليس: اذهب فأيقظه فإني أبيع منك بخمسين ألفاً فذهب ليوقظه فلم يحتمل قلبه فرجع فلا زال إبليس يحط من الثمن حتى بلغ عشرة دراهم فلم يوقظ أباه وترك الشراء ذلك.

فجعل الله في ماله البركة حتى اشتروا بقرته بملء مسكها ذهبا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

الفأر» ، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه صلّى الله عليه وسلم في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله صلّى الله عليه وسلم على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال صلّى الله عليه وسلم: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال:

الزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها.

قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب «١» ، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها «٢» ، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى «٣» .

وَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد صلّى الله عليه وسلم، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.

وقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ ...

الآية: المراد تذكيرهم بنقْضِ سلفهم للميثاقِ، وسبب هذه القصَّة على ما روي أن رجلاً من بني إسرائيل أَسَنّ، وكان له مالٌ، فاستبطأ ابن أخيه موته، وقيل: أخوه، وقيل: ابنا عمه، وقيل: ورثةٌ غيْرُ معيَّنين، فقتله ليرثه، وألقاه في سبط آخر غير سبطه ليأخذ ديته، ويلطّخهم بدمه.

وقيل: كانت بنو إسرائيل في قريتين متجاورتين، فألقاهُ إِلى باب إِحدى القريتَيْن، وهي التي لم يُقْتَلْ فيها، ثم جعل يطلبه هو وسبطه حتى وجده قتيلاً، فتعلَّق بالسبط، أوْ بسكَّان المدينة التي وجد القتيل عندها، فأنكروا قتله، فوقع بين بني إسرائيل في ذلك لحاء «١» حتى دخلوا في السِّلاح، فقال أهل النهى، منهم: أَنَقْتَتِلُ ورسُولُ اللَّهِ معنا، فذهبوا إلى موسى عليه السلام، فقصُّوا علَيْهِ القصَّة، وسألوهُ البيانَ، فأوحى اللَّه تعالى إِليه أن يذبحوا بقرةً، فيُضْرَبُ القتيل ببعضها، فيحيى ويُخْبِرُ بقاتله، فقال لهم: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، فكان جوابهم أنْ قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً وهذا القول منهم ظاهره فسادُ اعتقادٍ مِمَّنْ قاله، ولا يصحُّ إيمان من يقول لِنبيٍّ قد ظهرتْ معجزته، وقال: إن اللَّه يأمرُ بكذا: أنتخذُنَا هُزُواً، ولو قال ذلك اليوم أحد عن بعض أقوال النبيّ صلّى الله عليه وسلم، لوجب تكفيره.

وذهب قوم إلى أنَّ ذلك منهم على جهة غلظ الطبع والجفاء، وقول موسى عليه السلام: أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:

أحدهما: الاستعاذةُ من الجهل في أن يخبر عن اللَّه تعالى مستهزئاً.

والآخر: من الجهل كما جهلوا في قولهم.

٢٤ ب وقوله تعالى: قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ/ ...

الآيةَ: هذا تعنيتٌ منهم، وقلَّةُ طواعية، ولو امتثلوا الأمر، فاستعرضوا بقرةً فذبحُوها، لَقَضَوْا ما أمروا به، ولكن شدَّدوا، فشَدَّدَ اللَّهُ علَيْهم قاله ابن عَبَّاسٍ وغيره «٢» .

والفارض: المسنَّة الهَرِمَة، والبِكْر من البقر: التي لم تلدْ من الصغر، ورفعت «عَوَانٌ» على خبر ابتداءِ مضمرٍ، تقديره: هي عَوَانٌ، والعَوَانُ التي قد وَلَدَتْ مرَّةً بعد مرّة.

قال م: قال الجَوْهَرِيُّ «٣» : والعَوَانُ: النَّصَفُ في سِنِّها من كل شيْء، والجمعُ عون.

انتهى.

ت: قال الشيخُ زين الدين عبد الرحيم بن حُسَيْنٍ العَراقيُّ «١» في نظمه لغريب القُرآن جمع أبي حيان: [الرجز]

معنى «عَوَانٌ» نَصَفٌ بَيْنَ الصِّغَرْ ...

وَبَيْنَ مَا قَدْ بَلَغَتْ سِنَّ الْكِبَرْ

وكل ما نقلته عن العِرَاقِيِّ منظوماً، فمن أرجوزته هذه.

وقوله: فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ تجديدٌ للأمر، وتأكيدٌ وتنبيهٌ على ترك التعنُّت، فما تركوه.

قال ابنُ زَيْد: وجمهورُ الناسِ في قوله: صَفْراءُ أنَّها كانت كلُّها صفراء، وفي «مختصر الطبريِّ» : فاقِعٌ لَوْنُها أي: صافٍ لونُها.

انتهى.

والفقوعُ مختصٌّ بالصفرة كما خُصَّ أحمر بقانئ، وأسْوَدُ بحالِك، وأبْيَضُ بناصِع، وأخْضَرُ بناضِرٍ، قال ابن عبَّاس وغيره: الصفرة تسر النفْسَ، وسأَلُوا بعد هذا كلِّه عن ما هي سؤال متحيِّرين، قد أحسُّوا مقْتَ المعصية «٢» .

وفي استثنائهمْ في هذا السؤالِ الأخيرِ إنابةٌ مَّا، وانقيادٌ، ودليلُ ندمٍ وحِرْصٌ على موافقة الأمر.

ورُوِيَ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لَوْلاَ مَا استثنوا، مَا اهتدوا إليها أبدا» «٣» .

وقوله: لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ، أي: غير مذللة بالعمل والرياضة، وتُثِيرُ الْأَرْضَ معناه: بالحراثة، وهي عند قوم جملةٌ في موضعِ رفعٍ على صفة البقرة، أي: لا ذلول مثيرة، وقال قوم: «تُثِيرُ» فعلٌ مستأنفٌ والمعنى إيجاب الحرث، وأنها كانت تحرُثُ، ولا تسقي، ومُسَلَّمَةٌ: بناء مبالغة من السلامة قال ابن عبَّاس وغيره: معناه: من العيوب «١» ، وقال مجاهد: معناه: من الشّيات والألوان «٢» ، وقيل: من العمل «٣» .

ولا شِيَةَ فِيها، أي: لا خلاف في لونها هي صفراء كلُّها قاله ابن زيد وغيره، والمُوَشَّى المختلِطُ الألوان، ومنه: وَشْيُ الثَّوْب: تزينه بالألوان، والثَّوْرُ الأَشْيَهُ الذي فيه بلقة يقال: فرس أَبْلَقُ، وكبش أَخْرَجُ، وتَيْسٌ أَبْرَق، وكَلْبٌ أبقع، وثور أشبه كل ذلك بمعنى البلقة.

وهذه الأوصاف في البقرة سببها أنهم شدَّدوا، فشدَّد اللَّه عليهم، ودينُ اللَّه يُسْر، والتعمُّق في سؤال الأنبياء مذمومٌ، وقصَّة وجود هذه البقرة على ما روي أنَّ رجلاً من بني إِسرائيل ولد له ابنٌ، وكانت له عِجْلَةٌ، فأرسلها في غيضة «٤» ، وقال: اللهم، إني قد استودعتُكَ هذه العِجْلَةَ لهذا الصبيِّ، ومات الرجُلُ، فلما كبر الصبيُّ، قالت له أمه: إِن أباك كان قد استودع اللَّه عِجْلَةً لكَ، فاذهب، فخذْها، فلما رأَتْه البقَرَة، جاءت إلَيْه حتى أخذ بقرنَيْها، وكانت مستوحشةً، فجعل يقودها نحو أمه، فلقيه بنو إسرائيل، ووجدوا بقرته على الصِّفَة التي أمروا بها، فلمَّا وجدت البقرة، ساموا صاحبها، فاشتطّ عليهم، فأتوا به موسى ٢٥ أعليه السلام وقالوا له: إِن هذا اشتطَّ علينا، فقال لهم موسى: أرضُوهُ في مِلْكِه.

/ فاشتروها منه بوزنها مرّة قاله عبيدة السّلمانيّ «٥» ،

وقيل: بوزنها مرتَيْنِ «١» .

وقيل: بوزنها عشْرَ مرَّات «٢» ، وقال مجاهد: كانت لرجل يبَرُّ أمه، وأخذت منه بملء جلدها دنانير «٣» .

والْآنَ: مبنيٌّ على الفتح «٤» ، معناه: هذا الوقت، وهو عبارة عما بين الماضي والمستقبل، وجِئْتَ بِالْحَقِّ: معناه عن من جعلهم عُصَاةً: بيَّنْتَ لنا غاية البيانِ، وهذه الآية تعطي أن الذَّبْح أصل في البقر، وإن نحرت أَجْزَأَ.

وقوله تعالى: وَما كادُوا يَفْعَلُونَ: عبارة عن تثبُّطهم في ذَبْحِها، وقلَّة مبادرتهم إلى أمر اللَّه تعالى، وقال محمَّد بن كَعْب القُرَظِيُّ: كان ذلك منهم لغلاء البقرة «٥» ، وقيل: كان

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ﴾ قالَ قَتادَةُ: لَمْ يُذِلْها العَمَلُ فَتُثِيرُ الأرْضَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: في الدَّوابِّ: دابَّةٌ ذَلُولٌ: بَيِّنَةُ الذِّلِّ بِكَسْرِ الذّالِ، وفي النّاسِ: رَجُلٌ ذَلِيلٌ بَيِّنُ الذُّلِّ بِضَمِّ الذّالِ.

﴿ تُثِيرُ الأرْضَ ﴾ تُقَلِّبُها لِلزِّراعَةِ، ويُقالُ لِلْبَقَرَةِ: المُثِيرَةُ.

قالَ الفَرّاءُ: تَقِفْنَ عَلى ذَلُولٍ، لِأنَّ المَعْنى: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرُ الأرْضَ، وحَكى ابْنُ القاسِمِ أنَّ أبا حاتِمٍ السِّجِسْتانِيَّ أجازَ الوَقْفَ عَلى ذَلُولٍ، ثُمَّ أنْكَرَهُ عَلَيْهِ جِدًّا، وعَلَّلَ بِأنَّ الَّتِي تُثِيرُ الأرْضَ يُعْدَمُ مِنها سَقْيُ الحَرْثِ؛ ومَتى أثارَتِ الأرْضَ كانَتْ ذَلُولًا.

ومَعْنى: ولا تَسْقِي الحَرْثَ: لا يَسْتَقِي عَلَيْها الماءَ لِسَقْيِ الزَّرْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ.

والثّانِي: مُسْلَّمَةٌ مِنَ العَمَلِ، قالَهُ الحَسَنُ وابْنُ قُتَيْبَةَ.

والثّالِثُ: مُسْلَّمَةٌ مِنَ الشِّيَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وابْنُ زَيْدٍ.

والرّابِعُ: مُسَلَّمَةُ القَوائِمِ والخَلْقِ، قالَهُ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ.

فَأمّا الشِّيَةُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: الوَشْيُ في اللُّغَةِ: خَلْطُ لَوْنٍ بِلَوْنٍ.

ويُقالُ: وشِيتَ الثَّوْبُ أُشِيهِ شِيةً ووَشْيًا، كَقَوْلِكَ: وُدَيْتُ فُلانًا أدِيهِ دِيَةً.

ونُصِبَ: شِيَةَ فِيها، عَلى النَّفْيِ.

ومَعْنى الكَلامِ: لَيْسَ فِيها لَوْنٌ يُفارِقُ سائِرَ لَوْنِها.

وقالَ عَطاءٌ الخُرَسانِيُّ: لَوْنُها لَوْنٌ واحِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الآَنَ هو الوَقْتُ الَّذِي أنْتَ فِيهِ، وهو حَدُّ الزَّمانَيْنِ، حَدُّ الماضِي مِن آَخِرِهِ، وحَدُّ المُسْتَقْبَلِ مِن أوَّلِهِ، ومَعْنى ﴿ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ بَيَّنْتَ لَنا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: لِغَلاءِ ثَمَنِها، قالَهُ ابْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ.

والثّانِي: لِخَوْفِ الفَضِيحَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ في مَعْرِفَةِ القاتِلِ مِنهم، قالَهُ وهْبٌ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَكَثُوا يَطْلُبُونَ البَقَرَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً حَتّى وجَدُوها عِنْدَ رِجُلٍ، فَأبى أنْ يَبِيعَها إلّا بِمَلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، وعُبَيْدَةَ، ووَهْبٍ، وابْنِ زَيْدٍ، والكَلْبِيِّ، ومُقاتِلٍ في مِقْدارِ الثَّمَنِ.

فَأمّا السَّبَبُ الَّذِي لِأجْلِهِ غَلا ثَمَنُها، فَيُحْتَمَلُ وجْهَيْنِ.

أحَدُهُما: أنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

والثّانِي: لِإكْرامِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صاحِبَها، فَإنْ كانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ.

فَذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّهُ كانَ شابٌّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَرًّا بِأبِيهِ، فَجاءَ رَجُلٌ يَطْلُبُ سِلْعَةً هي عِنْدَهُ، فانْطَلَقَ لِيَبِيعَهُ إيّاها، فَإذا مَفاتِيحُ حانُوتِهِ مَعَ أبِيهِ، وأبُوهُ نائِمٌ، فَلَمْ يُوقِظْهُ، ورَدَّ المُشْتَرِي، فَأضْعَفَ لَهُ المُشْتَرِي الثَّمَنَ، فَرَجَعَ إلى أبِيهِ، فَوَجَدَهُ نائِمًا، فَعادَ إلى المُشْتَرِي فَرَدَّهُ، فَأضْعَفَ لَهُ الثَّمَنَ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهَما حَتّى ذَهَبَ المُشْتَرِي، فَأثابَهُ اللَّهُ عَلى بِرِّهِ بِأبِيهِ أنْ نَتَجَتْ لَهُ بَقَرَةً مِن بَقَرَةٍ، تِلْكَ البَقَرَةُ.

وَرُوِيَ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ أنَّ فَتًى كانَ بَرًّا بِوالِدَيْهِ، وكانَ يَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، فَإذا باعَهُ تَصَدَّقَ بِثُلْثِهِ، وأعْطى أمَّهُ ثُلْثَهُ، وأبْقى لِنَفْسِهِ ثُلْثَهُ، فَقالَتْ لَهُ أُمُّهُ يَوْمًا: إنِّي ورِثْتُ مِن أبِيكَ بَقَرَةٍ، فَتَرَكْتُها في البَقَرِ عَلى اسْمِ اللَّهِ، فَإذا أتَيْتَ البَقَرَ، فادْعُها بِاسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ، فَذَهَبَ فَصاحَ بِها، فَأقْبَلَتْ، فَأنْطَقَها اللَّهُ، فَقالَتِ: ارْكَبْنِي يا فَتى، فَقالَ [الفَتى: إنَّ أُمِّي ] لَمْ تَأْمُرْنِي بِهَذا.

فَقالَتْ: أيُّها البَرُّ بِأُمِّهِ!

لَوْ رَكِبْتَنِي لَمْ تَقْدِرْ عَلِيَّ، فانْطَلَقَ، فَلَوْ أمَرَتُ الجَبَلَ أنْ يَنْقَلِعَ مِن أصْلِهِ [وَيَنْطَلِقَ مَعَكَ ] لانْقَلَعَ لِبِرِّكَ بِأُمِّكَ.

فَلَمّا جاءَ بِها قالَتْ أُمُّهُ: بِعْها بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ عَلى رِضًى مِنِّي، فَبَعَثَ اللَّهُ مَلِكًا فَقالَ: بِكم هَذِهِ؟

قالَ: بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ عَلى رِضًى مِن أُمِّي.

قالَ: لَكَ سِتَّةٌ ولا تَسْتَأْمِرْها، فَأبى، وعادَ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَها، فَقالَتْ: بِعْها بِسِتَّةٍ عَلى رِضًى مِنِّي، فَجاءَ المَلِكُ فَقالَ: خُذِ اثْنَيْ عَشَرَ وتَسْتَأْمِرْها، فَأبى، وعادَ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَها، فَقالَتْ: يا بُنَيَّ!

ذاكَ مَلِكٌ، فَقُلْ لَهُ: بِكَمْ تَأْمُرُنِي أنْ أبِيعَها؟

فَجاءَ إلَيْهِ فَقالَ لَهُ ذَلِكَ، فَقالَ: يا فَتى يَشْتَرِي بَقْرَتَكَ هَذِهِ مُوسى بْنُ عِمْرانَ لِقَتِيلٍ يُقْتَلُ في بَنِي إسْرائِيلَ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ﴿ وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها واللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ﴿ فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ "ذَلُولٌ" مُذَلَّلَةٌ بِالعَمَلِ والرِياضَةِ، تَقُولُ بَقَرَةٌ ذَلُولٌ، بَيِّنَةُ الذِلِّ، بِكَسْرٍ الذالِ، ورَجُلٌ ذَلُولٌ بَيِّنُ الذُلِّ بِضَمِّ الذالِ وذَلُولٌ نَعْتٌ لـِ "بَقَرَةٌ" أو عَلى إضْمارِ هِيَ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السِلْمِيُّ "لا ذَلُولَ" بِنَصْبِ اللامِ.

و ﴿ تُثِيرُ الأرْضَ ﴾ مَعْناهُ بِالحِراثَةِ، وهي عِنْدَ قَوْمٍ: جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى صِفَةِ البَقَرَةِ أيْ: لا ذَلُولَ مُثِيرَةٌ.

وقالَ قَوْمٌ: "تُثِيرُ" فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ، والمَعْنى إيجابُ الحَرْثِ، وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي، ولا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّها مِن نَكِرَةٍ.

و"تَسْقِي الحَرْثَ" مَعْناهُ بِالسانِيَةِ أو غَيْرِها مِنَ الآلاتِ، و"الحَرْثَ": ما حُرِثَ وزُرِعَ.

و"مُسَلَّمَةٌ" بِناءُ مُبالَغَةٍ مِنَ السَلامَةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ، وأبُو العالِيَةِ: مَعْناهُ مِنَ العُيُوبِ، وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ: مَعْناهُ مِنَ الشِياتِ والألْوانِ، وقالَ قَوْمٌ: مَعْناهُ مِنَ العَمَلِ.

و ﴿ لا شِيَةَ فِيها ﴾ أيْ لا خِلافَ في لَوْنِها، هي صَفْراءُ كُلُّها، لا بَياضَ فِيها، ولا حُمْرَةَ، ولا سَوادَ.

قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وغَيْرُهُ.

والمُوشِي المُخْتَلِطُ الألْوانِ، ومِنهُ وشِيَ الثَوْبُ تَزْيِينُهُ بِالألْوانِ، ومِنهُ الواشِي لِأنَّهُ يُزَيِّنُ كَذِبَهُ بِالألْوانِ مِنَ القَوْلِ، والثَوْرُ الأُشَّيْهُ الَّذِي فِيهِ بَلْقَةٌ.

يُقالُ: فَرَسٌ أبْلَقُ، وكَبْشٌ أخْرَجُ، وتَيْسٌ أبْرَقُ، وكَلْبٌ أبْقَعُ، وثَوْرٌ أشْيَعُ، كُلُّ ذَلِكَ بِمَعْنى البُلْقَةِ.

وهَذِهِ الأوصافُ في البَقَرَةِ سَبَبُها أنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، ودِينُ اللهِ يُسْرٌ، والتَعَمُّقُ في سُؤالِ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَلامُ مَذْمُومٌ.

وقِصَّةُ وُجُودِ هَذِهِ البَقَرَةِ عَلى ما رُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ، وكانَتْ لَهُ عَجَلَةٌ فَأرْسَلَها في غَيْضَةٍ، وقالَ: اللهُمَّ إنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ هَذِهِ العَجَلَةَ لِهَذا الصَبِيِّ، وماتَ الرَجُلُ، فَلَمّا كَبُرَ الصَبِيُّ قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: إنَّ أباكَ قَدِ اسْتَوْدَعَ اللهُ عَجَلَةً لَكَ، فاذْهَبْ فَخُذْها، فَذَهَبَ، فَلَمّا رَأتْهُ البَقَرَةُ جاءَتْ إلَيْهِ حَتّى أخَذَ بِقَرْنَيْها، وكانَتْ مُسْتَوْحِشَةً فَجَعَلَ يَقُودُها نَحْوَ أُمِّهِ، فَلَقِيَهُ بَنُو إسْرائِيلَ ووَجَدُوا بَقَرَتَهُ عَلى الصِفَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِها.

ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهُ كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَرًّا بِأبِيهِ، فَنامَ أبُوهُ يَوْمًا وتَحْتَ رَأْسِهِ مَفاتِيحُ مَسْكَنِهِما، فَمَرَّ بِهِ بائِعُ جَوْهَرٍ، فَسامَهُ فِيهِ بِسِتِّينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: اصْبِرْ حَتّى يَنْتَبِهَ أبِي، وأنا آخُذُهُ مِنكَ بِسَبْعِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ صاحِبُ الجَوْهَرِ: نَبِّهْ أباكَ وأنا أُعْطِيكَهُ بِخَمْسِينَ ألْفًا، فَداما كَذَلِكَ حَتّى بَلَغَهُ مِائَةَ ألِفٍ وانْحَطَّ صاحِبُ الجَوْهَرِ إلى ثَلاثِينَ ألْفًا، فَقالَ لَهُ ابْنُ النائِمِ: واللهِ لا اشْتَرَيْتُهُ مِنكَ بِشَيْءٍ، بِرّا بِأبِيهِ، فَعَوَّضَهُ اللهُ مِنهُ أنْ وُجِدَتِ البَقَرَةُ عِنْدَهُ.

وقالَ قَوْمٌ: وُجِدَتْ عِنْدَ عَجُوزٍ تَعُولُ يَتامى كانَتِ البَقَرَةُ لَهُمْ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اخْتِلافٍ في قِصَّتِها، هَذا مَعْناهُ، فَلَمّا وُجِدَتِ البَقَرَةُ سامُوا صاحِبَها؟، فاشْتَطَّ عَلَيْهِمْ، وكانَتْ قِيمَتُها عَلى ما رُوِيَ عن عِكْرِمَةَ ثَلاثَةُ دَنانِيرَ، فَأتَوْا بِهِ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، وَقالُوا: إنَّ هَذا اشْتَطَّ عَلَيْنا، فَقالَ لَهُمْ: أرْضُوهُ في مِلْكِهِ فاشْتَرُوها مِنهُ بِوَزْنِها مَرَّةً، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ، وقِيلَ: بِوَزْنِها مَرَّتَيْنِ، وقالَ السُدِّيُّ: بِوَزْنِها عَشْرُ مَرّاتٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: كانَتْ لِرَجُلٍ يَبِرُّ أُمَّهُ، وأُخِذَتْ مِنهُ بِمَلْءِ جِلْدِها دَنانِيرَ، وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ هَذِهِ البَقَرَةَ نَزَلَتْ مِنَ السَماءِ، ولَمْ تَكُنْ مِن بَقَرِ الأرْضِ، وحَكى الطَبَرِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّها كانَتْ وحْشِيَّةً.

و"الآنَ" مَبْنِيٌّ عَلى الفَتْحِ، ولَمْ يَتَعَرَّفْ بِهَذِهِ الألِفِ واللامِ، ألا تَرى أنَّها لا تُفارِقُهُ في الِاسْتِعْمالِ؟

وإنَّما بُنِيَ لِأنَّهُ ضُمِّنَ مَعْنى حَرْفِ التَعْرِيفِ، ولِأنَّهُ واقِعٌ مَوْقِعَ المُبْهَمِ، إذْ مَعْناهُ هَذا الوَقْتُ، هو عِبارَةٌ عَمّا بَيْنَ الماضِي والمُسْتَقْبَلِ، وقُرِئَ: "قالُوا الآنَ" بِسُكُونِ اللامِ وهَمْزَةٍ بَعْدَها، و"قالُوا الآنَ" بِمُدَّةٍ عَلى الواوِ وفَتْحِ اللامِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِحَذْفِ الواوِ مِنَ اللَفْظِ دُونَ هَمْزٍ، و"قالُوا الآنَ" بِقَطْعِ الألِفِ الأُولى وإنْ كانَتْ ألِفَ وصْلٍ، كَما تَقُولُ: يا أللَّهُ.

و ﴿ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ مَعْناهُ عِنْدَ مَن جَعَلَهم عُصاةً: بَيَّنْتَ لَنا غايَةَ البَيانِ، و ﴿ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ الَّذِي طَلَبْناهُ، لا أنَّهُ كانَ يَجِيءُ قَبْلَ ذَلِكَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ومَعْناهُ عِنْدَ ابْنِ زَيْدٍ الَّذِي حَمَلَ مُحاوَرَتَهم عَلى الكُفْرِ: الآنَ صَدَقْتَ، وأذْعَنُوا في هَذِهِ الحالِ حِينَ بُيِّنَ لَهم أنَّها سَلِيمَةٌ، وقِيلَ: إنَّهم عَيَّنُوها مَعَ هَذِهِ الأوصافِ، وقالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، وهَذِهِ الآيَةُ تُعْطِي أنَّ الذَبْحَ أصْلٌ في البَقَرِ، وإنْ نُحِرَتْ أجْزَتْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ ، عِبارَةٌ عن تَثَبُّطِهِمْ في ذَبْحِها، وقِلَّةِ مُبادَرَتِهِمْ إلى أمْرِ اللهِ.

وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: كانَ ذَلِكَ مِنهم لِغَلاءِ البَقَرَةِ وكَثْرَةِ ثَمَنِها، وقالَ غَيْرُهُ: كانَ ذَلِكَ خَوْفَ الفَضِيحَةِ في أمْرِ القاتِلِ.

وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ لِلْمَعْهُودِ مِن قِلَّةِ انْقِيادِهِمْ، وتَعَنُّتِهِمْ عَلى الأنْبِياءِ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَصَصُ القَتِيلِ الَّذِي يُرادُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا ﴾ ، والمَعْنى قُلْنا لَهُمُ اذْكُرُوا إذْ "قَتَلْتُمْ" و"ادّارَأْتُمْ" أصْلُهُ: تَدارَأْتُمْ.

ثُمَّ أُدْغِمَتِ التاءُ في الدالِ، فَتَعَذَّرَ الِابْتِداءُ بِمُدْغَمٍ فَجُلِبَتْ ألِفُ الوَصْلِ، ومَعْناهُ تَدافَعْتُمْ أيْ دَفَعَ بَعْضُكم قَتْلَ القَتِيلِ إلى بَعْضٍ.

قالَ الشاعِرُ: صادَفَ دَرْءُ السَيْلِ دَرْءًا يَدْفَعُهُ......................................

وقالَ الآخَرُ: مُدْرَأٌ يَدْرَأُ الخُصُومَ بِقَوْلٍ ∗∗∗ مِثْلَ حَدِّ الصَمْصامَةِ الهِنْدُوانِيِّ والضَمِيرُ في قَوْلِهِ:"فِيها" عائِدٌ عَلى النَفْسِ، وقِيلَ عَلى القَتَلَةِ.

وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ، وأبُو السُوارِ الغَنَوِيُّ: "وَإذْ قَتَلْتُمْ نَسَمَةً فادّارَأْتُمْ".

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ "فَتَدارَأْتُمْ" عَلى الأصْلِ.

ومَوْضِعُ "ما" نُصِبَ بِمُخْرِجٍ والمَكْتُومُ هو أمْرُ المَقْتُولِ.

وقَوْلُهُ: ﴿ اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ﴾ ، آيَةٌ مِنَ اللهِ تَعالى عَلى يَدَيْ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، أنْ أمَرَهم أنْ يَضْرِبُوا بِبَعْضِ البَقَرَةِ القَتِيلَ، فَيَحْيى ويُخْبِرَ بِقاتِلِهِ، فَقِيلَ: ضَرَبُوهُ: وقِيلَ: ضَرَبُوا قَبْرَهُ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ ذَكَرَ أنَّ أمْرَ القَتِيلِ وقَعَ قَبْلَ جَوازِ البَحْرِ، وأنَّهم دامُوا في طَلَبِ البَقَرَةِ أرْبَعِينَ سَنَةً، وقالَ القُرَظِيُّ: لَقَدْ أمَرُوا بِطَلَبِها وما هي في صُلْبٍ ولا رَحِمٍ بَعْدُ.

وقالَ السُدِّيُّ: ضَرَبَ بِاللُحْمَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ وقالَ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ضَرَبَ بِالفَخِذِ، وقِيلَ ضَرَبَ بِاللِسانِ، وقِيلَ: بِالذَنَبِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: بِعَظْمٍ مِن عِظامِها.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتى ﴾ الآيَةُ، الإشارَةُ بِ "ذَلِكَ" إلى الإحْياءِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَصَصُ الآيَةِ، إذْ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَضَرَبُوهُ فَحَيِيَ.

وفي هَذِهِ الآيَةِ حَضٌّ عَلى العِبْرَةِ، ودَلالَةٌ عَلى البَعْثِ في الآخِرَةِ، وظاهِرُها أنَّها خِطابٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ حِينَئِذٍ، حُكِيَ لِمُحَمَّدٍ  لِيَعْتَبِرَ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَهَبَ الطَبَرِيُّ إلى أنَّها خِطابٌ لِمُعاصِرِي مُحَمَّدٍ  ، وأنَّها مَقْطُوعَةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ﴾ ، واسْتَدَلَّ مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ بِهَذِهِ النازِلَةِ عَلى تَجْوِيزِ قَوْلِ القَتِيلِ، وأنْ تَقَعَ مَعَهُ القَسامَةُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطفت الفاء جملة ﴿ فذبحوها ﴾ على مقدر معلوم وهو فوجدوها أو فظفروا بها أو نحو ذلك وهذا من إيجاز الحذف الاقتصاري، ولما ناب المعطوف في الموقع عن المعطوف عليه صح أن نقول الفاء فيه للفصيحة لأنها وقعت موقع جملة محذوفة فيها فاء للفصيحة ولك أن تقول إن فاء الفصيحة ما أفصحت عن مقدر مطلقاً كما تقدم.

وقوله: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ تعريض بهم بذكر حال من سوء تلقيهم الشريعة، تارة بالإعراض والتفريط، وتارة بكثرة التوقف والإفراط، وفيه تعليم للمسلمين بأصول التفقه في الشريعة، والأخذ بالأوصاف المؤثرة في معنى التشريع دون الأوصاف الطردية، ولذلك قال ابن عباس: لو ذبحوا أية بقرة لأجزأتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم.

وروى ابن مردويه والبزار وابن أبي حاتم بسندهم إلى الحسن البصري عن رافع عن أبي هريرة أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: " لو اعترضوا أدنى بقرة فدبحوها لكفتهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم " وفي سنده عبادة بن منصور وهوضعيف، وكان النبيء صلى الله عليه وسلم ينهى أصحابه عن كثرة السؤال وقال: «فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم» وبين للذي سأله عن اللقطة ما يفعله في شأنها فقال السائل: فضالّة الغنم قال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال السائل فضالة الإبل فغضب رسول الله وقال مالك ولها، معها حذاؤها وسقاؤها تشرب الماء وترعى الشجر حتى يأتيها ربها».

وجملة: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ تحتمل الحال والاستئناف، والأول أظهر لأنه أشد ربطاً للجملة وذلك أصل الجمل أي ذبحوها في حال تقرب من حال من لا يفعل، والمعنى أنهم ذبحوها مكرهين أو كالمكرهين لما أظهروا من المماطلة وبذلك يكون وقت الذبح ووقت الاتصاف بمقاربة انتفائه وقتاً متحداً اتحاداً عرفياً بحسب المقامات الخطابية للإشارة إلى أن مماطلتهم قارنت أول أزمنة الذبح.

وعلى الاستئناف يصح اختلاف الزمنين أي فذبحوها عند ذلك أي عند إتمام الصفات، وكان شأنهم قبل ذلك شأن من لم يقارب أن يفعل.

ثم إن ﴿ ما كادوا يفعلون ﴾ يقتضي بحسب الوضع نفي مدلول كاد فإن مدلولها المقاربة ونفي مقاربة الفعل يقتضي عدم وقوعه بالأولى فيقال أنى يجتمع ذلك مع وقوع ذبحها بقوله: ﴿ فذبحوها ﴾ ؟

فأما على وجه الاستئناف فيمكن الجواب بأن نفي مقاربة الفعل كان قبل الذبح حين كرروا السؤال وأظهروا المطال ثم وقع الذبح بعد ذلك، وقد أجاب بمثل هذا جماعة يعنون كأن الفعل وقع فجأة بعد أن كانوا بمعزل عنه على أنه مبني على جعل الواو استئنافاً وقد علمتم بعده.

فالوجه القالع للإشكال هو أن أئمة العربية قد اختلفوا في مفاد كاد المنفية في نحو ما كاد يفعل فذهب قوم منهم الزجاجي إلى أن نفيها يدل على نفي مقاربة الفعل وهو دليل على انتفاء وقوع الفعل بالأولى فيكون إثبات كاد نفياً لوقوع الخبر الذي في قولك كاد يقوم أي قارب فإنه لا يقال إلا إذا قارب ولم يفعل ونفيها نفياً للفعل بطريق فحوى الخطاب فهو كالمنطوق وأن ما وردمما يوهم خلاف ذلك مؤول بأنه باعتبار وقتين فيكون بمنزلة كلامين ومنه قوله تعالى: ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ في هذه الآية أي فذبحوها الآن وما كادوا يفعلون قبل ذلك، ولعلهم يجعلون الجمع بين خبرين متنافيين في الصورة قرينة على قصد زمانين، وإلى هذا ذهب ابن مالك في «الكافية» إذ قال: وبثُبوت كاد يُنفَى الخبرُ *** وحينَ ينفى كادَ ذاك أَجدر وغير ذَا على كَلاَمَيْن يَرِدْ *** كَوَلَدَتْ هند ولم تَكَد تَلِد وهذا المذهب وقوف مع قياس الوضع.

وذهب قوم إلى أن إثبات كاد يستلزم نفي الخبر على الوجه الذي قررناه في تقرير المذهب الأول وأن نفيها يصير إثباتاً على خلاف القياس وقد اشتهر هذا بين أهل الأعراب حتى ألغز فيه أبو العلاء المعري بقوله: أَنْحويَّ هذا العَصر ما هي لفظة *** أنت في لسانَيْ جُرهم وثَمود إذا استُعْمِلَتْ في صورة الجَحْدِ أَثْبَتَتْ *** وإن أُثْبِتَتْ قامت مقامَ جُحُود وقد احتجوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ وهذا من غرائب الاستعمال الجاري على خلاف الوضع اللغوي.

وقد جرت في هذا نادرة أدبية ذكرها الشيخ عبد القاهر في «دلائل الإعجاز» وهي أن عنبسة العنسي الشاعر قال: قدم ذو الرمة الكوفة فوقف على ناقته بالكناسة ينشد قصيدته الحائية التي أولها: أَمَنْزِلَتَيْ مَيَ سلام عليكم *** على النَّأْي والنَّائِي يَوَدُّ وينصَح حتى بلغ قوله فيها: إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحبين لم يَكَدُ *** رَسِيسُ الهَوَى من حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ وكان في الحاضرين ابن شبرمة فناداه ابن شبرمة يا غيلان أراه قد برح قال: فشنق ناقته وجعل يتأخر بها ويتفكر ثم قال: «لم أجد» عوض «لم يكد» قال عنبسة: فلما انصرفت حدثت أبي فقال لي: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرمة، وأخطأ ذو الرمة حين غَيَّر شعره لقول ابن شبرمة: إنما هذا كقول الله تعالى: ﴿ ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يَكَدْ يراها ﴾ [النور: 40] وإنما هو لم يرها ولم يكد.

وذهب قوم منهم أبو الفتح بن جني وعبد القاهر وابن مالك في «التسهيل» إلى أن أصل كاد أن يكون نفيها لنفي الفعل بالأولى كما قال الجمهور إلا أنها قد يستعمل نفيها للدلالة على وقوع الفعل بعد بطء وجهد وبعد أن كان بعيداً في الظن أن يقع وأشار عبد القاهر إلى أن ذلك استعمال جرى في العرف وهو يريد بذلك أنها مجاز تمثيلي بأن تشبه حالة من فعل الأمر بعد عناء بحالة من بعد عن الفعل فاستعمل المركب الدال على حالة المشبه به في حالة المشبه، ولعلهم يجعلون نحو قوله ﴿ فذبحوها ﴾ قرينة على هذا القصد.

قال في «التسهيل»: «وتنفي كاد إعلاماً بوقوع الفعل عسيراً أو بعدمه وعدم مقاربته» واعتذر في ﴿ شرحه للتسهيل ﴾ عن ذي الرمة في تغييره بيته بأنه غيره لدفع احتمال هذا الاستعمال.

وذهب قوم إلى أن كاد إن نفيت بصيغة المضارع فهي لنفي المقاربة وإن نفيت بصيغة الماضي فهي للإثبات وشبهته أن جاءت كذلك في الآيتين ﴿ لم يكد يراها ﴾ [النور: 40] وعندي أن الحق هو المذهب الثاني وهو أن نفيها في معنى الإثبات وذلك لأنهم لما وجدوها في حالة الإثبات مفيدة معنى النفي جعلوا نفيها بالعكس كما فعلوا في لو ولولا ويشهد لذلك مواضع استعمال نفيها فإنك تجد جميعها بمعنى مقاربة النفي لا نفي المقاربة ولعل ذلك من قبيل القلب المطرد فيكون قولهم ما كاد يفعل ولم يكد يفعل بمعنى كاد ما يفعل، ولا يبعد أن يكون هذا الاستعمال من بقايا لغة قديمة من العربية تجعل حرف النفي الذي حقه التأخير مقدماً ولعل هذا الذي أشار إليه المعري بقوله: جرت في لساني جرهم وثمود ويشهد لكون ذلك هو المراد تغيير ذي الرمة بيته وهو من أهل اللسان وأصحاب الذوق، فإنه وإن كان من عصر المولدين إلا أنه لانقطاعه إلى سكنى باديته كان في مرتبة شعراء العرب حتى عد فيمن يحتج بشعره، وما كان مثله ليغير شعره بعد التفكر لو كان لصحته وجه فما اعتذر به عنه ابن مالك في شرح التسهيل } ضعيف.

وأما دعوى المجاز فيه فيضعفها اطراد هذا الاستعمال حتى في آية ﴿ لم يكد يراها ﴾ فإن الواقف في الظلام إذا مد يده يراها بعناء وقال تأبط شراً «فأُبت إلى فهم وما كدت آيباً» وقال تعالى: ﴿ ولا يكاد يبين ﴾ [الزخرف: 52].

وإنما قال: <div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ رَوى الحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ  ، أنَّهُ قالَ: « (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوِ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً، فَذَبَحُوها، لَأجْزَأتْ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهُمْ، شَدَّدُوا، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» .

﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ ﴾ في الفارِضِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّها الكَبِيرَةُ الهَرِمَةُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

قالَ الرّاجِزُ: شَيَّبَ أصْداغِي فَرَأْسِي أبْيَضُ مَحامِلٌ فِيها رِجالٌ فُرَّضُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: فُرَّضُ، أيْ هَرْمى.

والثّانِي: أنَّ الفارِضَ الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بُطُونًا كَثِيرَةً، فَيَتَّسِعُ لِذَلِكَ جَوْفُها، لِأنَّ مَعْنى الفارِضِ في اللُّغَةِ الواسِعُ، وهَذا قَوْلُ بَعْضِ المُتَأخِّرِينَ، واسْتَشْهَدَ بِقَوْلِ الرّاجِزِ: يا رُبَّ ذِي ضِغْنٍ عَلَيَّ فارِضِ ∗∗∗ لَهُ قُرُوءٌ كَقُرُوءِ الحائِضِ والبِكْرُ: الصَّغِيرَةُ الَّتِي لَمْ تَحْمِلْ، والبِكْرُ مِن إناثِ البَهائِمِ، وبَنِي آدَمَ، ما لَمْ يَفْتَحِلْهُ الفَحْلُ، وهي مَكْسُورَةُ الباءِ، فَأمّا البَكْرُ بِفَتْحِ الباءِ، فَهو الفَتِيُّ مِنَ الإبِلِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ والعَوانُ النَّصَفُ الَّتِي قَدْ ولَدَتْ بَطْنًا أوْ بَطْنَيْنِ، ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ، وهي أقْوى ما تَكُونُ مِنَ البَقَرِ وأحْسَنِهِ، قالَ الشّاعِرُ: فَرُحْنَ عَلَيْهِ بَيْنَ بِكْرٍ عَزِيزَةٍ ∗∗∗ وبَيْنَ عَوانٍ كالغَمامَةِ ناصِفِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ ﴾ حُكِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ، أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: صَفْراءُ، أيْ سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: ناقَةٌ صَفْراءُ أيْ سَوْداءُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تِلْكَ خَيْلِي مِنهُ وتِلْكَ رِكابِي ∗∗∗ هُنَّ صُفْرٌ أوْلادُها كالزَّبِيبِ وَقالَ الرّاجِزُ: وصُفْرٍ لَيْسَتْ بِمُصْفَرَّةْ ∗∗∗ ولَكِنْ سَوْداءَ مِثْلِ الخُمُرْ وَقالَ سائِرُ المُفَسِّرِينَ: إنَّها صَفْراءُ اللَّوْنِ، مِنَ الصُّفْرَةِ المَعْرُوفَةِ، وهو أصَحُّ، لِأنَّهُ الظّاهِرُ، ولِأنَّهُ قالَ: ﴿ فاقِعٌ لَوْنُها ﴾ والفاقِعُ مِن صِفاتِ الصُّفْرَةِ، ولَيْسَ يُوصَفُ السَّوادُ بِذَلِكَ، وإنَّما يُقالُ: أسْوَدُ حالِكٌ، وأحْمَرُ قانٍ، وأبْيَضُ ناصِعٌ، وأخْضَرُ ناضِرٌ، وأصْفَرُ فاقِعٌ.

ثُمَّ فِيما أُرِيدَ بِالصُّفْرَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: صَفْراءُ القَرْنِ والظِّلْفِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ.

والثّانِي: صَفْراءُ اللَّوْنِ كُلِّهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقِعٌ لَوْنُها ﴾ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: الشَّدِيدَةُ الصُّفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، والحَسَنِ.

والثّانِي: الخالِصُ الصُّفْرَةِ، وهَذا قَوْلُ قُطْرُبٍ.

والثّالِثُ: الصّافِي، وهَذا قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، وقَتادَةَ.

﴿ تَسُرُّ النّاظِرِينَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: تُعْجِبُ النّاظِرِينَ بِصُفْرَتِها، فَتُعْجِبُ بِالسُّرُورِ، وهو ما يَتَأثَّرُ بِهِ القَلْبُ، والفَرَحِ، ما فَرِحَتْ بِهِ العَيْنُ، ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿ تَسُرُّ النّاظِرِينَ ﴾ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِحُسْنِ لَوْنِها فَتَكُونُ.

.....

لِصُفْرَتِها.

والثّانِي: حُسْنُ سَمْتِها، وُصِفَتْ بِذَلِكَ، لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيادَةَ شَرْطٍ في صِفَتِها، غَيْرَ ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ صُفْرَتِها، فَتَصِيرُ البَقَرَةُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ، ذاتَ وصْفٍ واحِدٍ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي، ذاتَ وصْفَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ﴾ فَسَألُوا سُؤالًا ثالِثًا، ولَمْ يَمْتَثِلُوا الأمْرَ بَعْدَ البَيانِ الثّانِي، فَرَوى ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: « (أُمِرُوا بِأدْنى بَقَرَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّهم لَمْ يَسْتَثْنُوا لَما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ)» يَعْنِي أنَّهم لَوْ لَمْ يَقُولُوا: ﴿ وَإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ ما اهْتَدَوْا إلَيْها أبَدًا.

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ ﴾ يَعْنِي لَمْ يُذَلِّلْها العَمَلُ.

﴿ تُثِيرُ الأرْضَ ﴾ والإثارَةُ تَفْرِيقُ الشَّيْءِ، أيْ لَيْسَتْ مِمّا يُثِيرُ الأرْضَ لِلزَّرْعِ، ولا يُسْقى عَلَيْها الزَّرْعُ.

[وَقِيلَ: يُثِيرُ فِعْلٌ مُسْتَأْنَفٌ والمَعْنى: إيجابُ الحَرْثِ لَها وأنَّها كانَتْ تَحْرُثُ ولا تَسْقِي].

ولَيْسَ هَذا الوَجْهُ بِشَيْءٍ، بَلْ نُفِيَ عَنْها جَمِيعُ ذَلِكَ.

﴿ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها ﴾ وفي ذَلِكَ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العُيُوبِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، وأبِي العالِيَةِ.

والثّانِي: مُسَلَّمَةٌ مِنَ العَمَلِ.

والثّالِثُ: مُسَلَّمَةٌ مِن غَصْبٍ وسَرِقَةٍ، فَتَكُونُ حَلالًا.

والرّابِعُ: مُسَلَّمَةٌ مِن.

..

...

وفي ( شِيَةَ ) ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَيْسَ فِيها عَلامَةٌ خاصَّةٌ، حَكاهُ السُّدِّيِّ.

والثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ فِيها لَوْنٌ، يُخالِفُ لَوْنَها مِن سَوادٍ أوْ بَياضٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الوَضَحُ وهو الجَمْعُ بَيْنَ ألْوانٍ مِن سَوادٍ وبَياضٍ.

وَأصْلُهُ مِن وشْيِ الثَّوْبِ، وهو تَحْسِينُ عُيُوبِهِ بِألْوانٍ مُخْتَلِفَةٍ، ومِنهُ قِيلَ لِلسّاعِي بِالرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ واشٍ، لِأنَّهُ يُحَسِّنُ كَذِبَهُ عِنْدَهُ، حَتّى يَقْبَلَهُ مِنهُ.

﴿ قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ ﴾ فِيهِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: الآنَ بَيَّنْتَ الحَقَّ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ.

والثّانِي: مَعْناهُ أنَّهُ حِينَ بَيَّنَها لَهم قالُوا هَذِهِ بَقَرَةُ فُلانٍ، الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ فِيها، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ.

وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: أنَّهم كادُوا ألّا يَفْعَلُوا لِغَلاءِ ثَمَنِها، لِأنَّهُمُ اشْتَرَوْها عَلى ما حَكى ابْنُ عَبّاسٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: بِمِلْءِ مَسْكِها ذَهَبًا مِن مالِ المَقْتُولِ.

وَقِيلَ: بِوَزْنِها عَشْرَ مَرّاتٍ.

والثّانِي: أنَّهم كادُوا ألّا يَفْعَلُوا خَوْفًا مِنَ الفَضِيحَةِ عَلى أنْفُسِهِمْ في مَعْرِفَةِ القاتِلِ، وهَذا قَوْلُ وهْبٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: ما كانَ ثَمَنُها إلّا ثَلاثَةَ دَنانِيرَ.

وَقِيلَ: كانَتِ البَقَرَةُ وحْشِيَّةً.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن بني إسرائيل لو أخذوا أدنى بقرة لأجزاهم ذلك أو لأجزأت عنهم» .

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لولا أن بني إسرائيل قالوا ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ ما أعطوا أبداً، ولو أنهم اعترضوا بقرة من البقر فذبحوها لأجزأت عنهم، ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر عن عكرمة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم «فقال لو أن بني إسرائيل أخذوا أدنى بقرة فذبحوها أجزأت عنهم ولكنهم شددوا ولولا أنهم قالوا ﴿ إنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ ما وجدوها» .

وأخرج ابن جرير عن ابن جريج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما أمروا بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد الله عليهم، ولو لم يستثنوا ما بينت لهم آخر الأبد» .

وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إنما أمر القوم بأدنى بقرة ولكنهم لما شددوا على أنفسهم شدد عليهم، والذي نفس محمد بيده لو لم يستثنوا ما بينت لهم» .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس قال: لو أخذوا أدنى بقرة فذبحوها لأجزأت عنهم ولكنهم شددوا وتعنتوا موسى فشدد الله عليهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ﴾ قال: الفارض الهرمة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل ﴿ لا فارض ﴾ قال: الكبيرة الهرمة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت الشاعر وهو يقول؟: لعمري لقد أعطيت ضيفك فارضاً ** تساق إليه ما تقوم على رجل قال: أخبرني عن قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال: الفاقع الصافي اللون من الصفرة قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول؟: سدماً قليلاً عهده بانيسه ** من بين اصفر فاقع ودفان وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال: الفارض الكبيرة، والبكر الصغيرة، والعوان النصف.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير.

أنه كان يستحب أن يسكت على بكر، ثم يقول: عوان بين ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ عوان بين ذلك ﴾ قال: بين الصغيرة والكبيرة، وهي أقوى ما يكون وأحسنه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال: شديدة الصفرة، تكاد من صفرتها تبيض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله: ﴿ صفراء ﴾ قال: صفراء الظلف ﴿ فاقع لونها ﴾ قال: صافي.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ فاقع لونها ﴾ قال: صاف لونها ﴿ تسر الناظرين ﴾ قال: تعجب الناظرين.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني والخطيب والديلمي عن ابن عباس قال: من لبس نعلاً صفراء لم يزل في سرور ما دام لابسها، وذلك قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها تسر الناظرين ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير عن الحسن في قوله: ﴿ صفراء فاقع لونها ﴾ قال: سوداء شديدة السواد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة.

أنه قرأ ﴿ أن الباقر تشابه علينا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن يحيى عن يعمر.

أنه قرأ ﴿ إن الباقر تشابه علينا ﴾ وقال: إن الباقر أكثر من البقر.

وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن الأعمش قال: في قراءتنا ﴿ إن البقر متشابه علينا ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن أبي العالية في قوله: ﴿ إنها بقرة لا ذلول ﴾ أي لم يذله العمل ﴿ تثير الأرض ﴾ يعني ليست بذلول فتثير الأرض ﴿ ولا تسقي الحرث ﴾ يقول: ولا تعمل في الحرث ﴿ مسلمة ﴾ قال: من العيوب.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ يقول: ليست بذلول فتفعل ذلك ﴿ مسلمة ﴾ قال: من الشبه قال: ﴿ لا شية فيها ﴾ قال: لا بياض ولا سواد.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ مسلمة ﴾ قال: لا عوار فيها.

وأخرج ابن جرير عن عطية ﴿ لا شية فيها ﴾ قال: لونها واحد ليس فيها لون سوى لونها.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ لا ذلول ﴾ يعني صنفة يقول: لم يذلها العمل ﴿ مسلمة ﴾ قال: من العيوب ﴿ لا شية فيها ﴾ قال: لا بياض فيها ﴿ قالوا الآن جئت بالحق ﴾ قالوا: الآن بينت لنا ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ لغلاء ثمنها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس.

أن أصحاب البقرة بني إسرائيل طلبوها أربعين سنة، حتى وجدوها عند رجل في بقر له وكانت بقرة تعجبه، فجعلوا يعطونه بها فيأبى حتى أعطوه ملء مسكها دنانير، فذبحوها فضربوه بعضو منها، فقام تشخب اوداجه دماً، فقالوا له: من قتلك؟

قال: قتلني فلان.

وأخرج وكيع وابن أبي حاتم عن عطاء قال: الذبح والنحر في البقر سواء، لأن الله يقول ﴿ فذبحوها ﴾ .

وأخرج وكيع وعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد، قال: كان لبني إسرائيل وأنتم لكم النحر، ثم قرأ ﴿ فذبحوها ﴾ ﴿ فصل لربك وانحر ﴾ [ الكوثر: 2] .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ ﴾ الذلول: المذللة بالعمل، و ﴿ تُثِيرُ اَلأرَضَ ﴾ أي: تقلبها للزراعة (١) (٢) إِذا كَانَ في صَدْر (٣) (٤) ويقال: ثار الشيء إذا ارتفع عن مكانه، يقال: ثار الغبار، ثار الدخان، وثار الدم في وجه فلان، وثَوَّرْتُ كدُورةَ الماء فثار، ومنه الثور لأنه يثير الأرض (٥) وقوله تعالى: ﴿ تُثِيرُ الأَرْضَ ﴾ صفة لذلول (٦) (٧) ﴿ تُثِيرُ الأَرْضَ ﴾ النفي لا الإثبات، لأنه نفي أن تكون مثيرة للأرض (٨) (٩) لا كَبِيرٌ (١٠) (١١) أراد أنه لا يدلف من الهرم ولا يرهب الليل، ولم يرد الإثبات.

قال ابن الأنباري (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقد أبطل (١٦) (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ ﴾ دخلت (لا) لأنه معطوف على قوله: (ذلول) فلما كان فيه حرف النفي أدخل أيضا فيما انعطف عليه (٢٣) [وجاز عطف الفعل على الاسم، لأن فيه معنى الفعل كأنه قيل: لم تُذلَّل، والاسم إذا كان مبنيّاً على الفعل] (٢٤) قال أبو العباس: والحرث كل موضع ذللته من الأرض ليزرع (٢٥) (٢٦) ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ  ﴾ ، على التشبيه بالأرض التي (٢٧) (٢٨) وقوله تعالى: ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ قال قتادة، والربيع، وابن عباس: أي من العيوب (٢٩) وقال الحسن: من أثر العمل (٣٠) وقال مجاهد: من الشية (٣١) وقوله تعالى: ﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا ﴾ الوشى في اللغة معناه (٣٢) (٣٣) (٣٤) (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) قال الزجاج: أي (٤٠) (٤١) وقوله تعالى: ﴿ قَالُوا الْآنَ ﴾ الآن هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزمانين (٤٢) (٤٣) (٤٤) وذكر الفراء في أصله قولين (٤٥) أحدهما: أن أصله (أوان) (٤٦) والقول الثاني: أن أصله: آن (٤٧)  عن قيلَ وقالَ وكثرةِ السؤال (٤٨) قال: وسمعت العرب تقول: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ مخفوض منون، يذهبون به مذهب الأسماء، والمعنى منذ كان صغيراً يشِبُّ إلى أن دَبَّ كبيرًا (٤٩) ومثله (أمس) فإن أصله الأمر من: أمسى يُمسي بُنيَ اسماً للوقت، وألحق به الألف واللام (٥٠) قال أبو علي الفارسي (٥١) (٥٢) (٥٣) (٥٤) وجهة المضارعة تضمنه معنى الحرف، وإذا تضمن الاسم معنى الحرف وجب بناؤه.

[وذلك التضمن هو تضمن معنى (٥٥) (٥٦) قيل: الألف واللام في (الآن) ليس كهما في (الرجل)؛ لأن الرجل لا يتعرف (٥٧) (٥٨) والدليل على تعرف (الآن) بغير ما ظهر فيه من الحرفين، أن ما فيه الألف واللام مما يعرف به يلزم أن يكون قبل دخوله (٥٩) (٦٠) ويراد بـ (الآن) الوقت الحاضر (٦١) (٦٢) (٦٣) (٦٤) وهذا كقولهم: أنا اليوم خارج، يريد به الذي هو عقيب الليلة.

ثم قالوا: أنا اليوم شيخ، وأنا اليوم متماسك، فاليوم أصله لما هو عقيب الليلة ثم يتسع فيستعمل لغير ذلك الزمان.

فكذلك (الآن) أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه.

فإن قلت: فهل تجد الألف واللام في اسم غير هذا، والاسم الذي فيه غير متعرف به (٦٥) (٦٦) والدليل على ذلك: تعريف سائر الموصولات (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) ويدل أيضا على أن التعريف في (الذي) ليس باللام، أنّ كثيراً من العرب قد يستعمل موضع (الذي): (ذو)، وهو عندهم معرفة.

أنشد أبو زيد لقيس بن جِرْوة (٧١) لئنْ لَم تُغَيِّرْ (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) ومثل ذلك (مِن) في ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ  ﴾ ، و (ما) في سِيَّما (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) لم أدخل اللام (٨٥) (٨٦) يَا ليْتَ أمَّ العَمْرِو كانَت صَاحِبي (٨٧) فكما أن اللام زيادة فيما ذكرنا، كذلك هو في (الآن) زائدة، ولا تستوحشنَّ من قولنا فيها، فقد قال بزيادته سيبويه والخليل في قولهم: مررت بهم الجمّاءَ الغفير نصب على نية (٨٨) (٨٩) وقال به أبو الحسن والأصمعي، وقبله أبو عثمان وأبو العباس وأبو بكر، فلم يدفعوه فيما روينا عنهم في البيت، وأما أبو الحسن الأخفش فإنَّه قال في قولهم: (مررت بالرجل خير منك، ومررت بالرجل مثلك) إن اللام زائدة (٩٠) (٩١) (٩٢) فإن قيل: إذا كانت اللام زائدة فهلّا جعلت هذا الاسم من الأسماء المنكورة (٩٣) (٩٤) (٩٥) (٩٦) (٩٧) ألا ترى أنك تخص به الوقت الحاضر دون الماضي ودون الآتي، إلا أن يتسع (٩٨) (٩٩) قال أبو على: وأما قول الفراء (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) فإن كان فعلاً مجردّاً من الفاعل لزم إعرابه وامتنع حكايته، وذاك مذهب العرب والنحويين جميعا.

ألا تراهم سمَّوا (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) قال سيبويه: وسمعناهم يصرفون رجلاً سُمَيَ كَعْسَبَ (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) ولا يجوز (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) وأما فساده من جهة المعنى، فقولهم: آن أن تفعل كذا (١٢٣) (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) (١٢٨) فإن قلت (١٢٩) قيل: إن إياساً من إسْتَه إذا أعطيتَه (١٣٠) ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا ﴾ (١٣١) (١٣٢) وأما قولهم: أعييتني من شُبَّ إلى دُبَّ (١٣٣) (١٣٤) (١٣٥) فهذه الأمثال وما شبه بها إنما تقال كما قيلت حيث جرت، ولذلك (١٣٦) (١٣٧) (١٣٨) وأما (١٣٩) (١٤٠) (١٤١) (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) (١٤٥) (١٤٦) ومعنى قوله: ﴿ الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ﴾ أي: بالوصف البين التام الذي دل على التمييز من بين أجناسها (١٤٧) (١٤٨) [وقوله: ﴿ فَذَبَحُوهَا ﴾ في الآية إضمار، أراد: فطلبوها، فوجدوها، فذبحوها] (١٤٩) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ ﴾ قال القرظي: لغلاء ثمنها (١٥٠) وقال وهب: مخافة الافتضاح (١٥١) ﴿ يَكَادُ الْبَرْقُ  ﴾ .

قال عكرمة: لو أنهم عمدوا (١٥٢) (١٥٣) (١) انظر: "تفسير الطبري" 2/ 212 و"تفسير الثعلبي" 1/ 84 ب، و"تفسير أبي الليث" 1/ 388.

(٢) نسبه المرتضى في أماليه، إلى أبي الطمحان، ونُسب في اللسان إلى الأقيبل القيني.

(٣) في (أ)، (ج): (صد)، وأثبت ما في (ب)، لأنه يوافق المصادر الأخرى التي ورد بها البيت.

(٤) البيت في "أمالي المرتضى" 1/ 259، "مقاييس اللغة" (أحسن) 1/ 67، "الفائق" 1/ 27، "اللسان" (أحن) 1/ 35.

(٥) "تهذيب اللغة" (ثار) 1/ 467، انظر: "الصحاح" (ثور) 2/ 606، "معجم مقاييس اللغة" (ثور) 1/ 395.

(٦) وقيل: في موضع الحال من المضمر في (ذلول)، أو حال من (ذلول) أو حال من بقرة، أو صفة لها، أو مستأنفة، فيكون الوقف على (ذلول)، والقول الأخير مردود عند كثير من العلماء، وسيذكره الواحدي.

انظر: "إعراب المشكل" 1/ 53، "الكشاف" 1/ 288، "تفسير ابن عطية" 1/ 346، "الإملاء" 1/ 42، "البحر المحيط" 1/ 255، "الدر المصون" 1/ 429، 430.

(٧) في (ب): (وكذلك).

(٨) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 124، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 186، "الإملاء" 1/ 42.

(٩) في (ب): (في).

(١٠) في (ب): (كثير).

(١١) قوله: (دالف): الدالف هو الذي يقارب الخطو ويمشي مشي المقيد، (الهَرَم): أقصى الكبر، كَلُّ الظفُر) أي: ظفري غير كليل، كناية عن قوته وبطشه، وكليلُ الظفَّر: المهين الذي لا يؤبه له.

ورد البيت في ديوان طرفة ص 75، "مقاييس اللغة" (ظفر) 3/ 466، وفيه (لا كليل دالف)، وورد الشطر الثاني في "اللسان" (ظفر) 5/ 2749، وفيه (لست بالفاني ولا كل الظفر).

(١٢) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 521.

(١٣) في (ب): (في هذه الآية) بدل (في هذا لأنه).

(١٤) قال النحاس (ليس بقطع طاف وزعم الفراء: أنه ليس بقطع).

"القطع والائتناف" ص148، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 384.

(١٥) قوله: (بـ (تثير) ساقط من (ب).

(١٦) (أبطل): ساقط من (ج).

(١٧) انظر: "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 521، "القطع والائتناف" ص 148، "تفسير القرطبي" 1/ 385.

(١٨) في (ب): (يؤثر).

(١٩) في (ج): (فلا يقبل).

(٢٠) (من): ساقط من (ب).

(٢١) (في الكلام): ساقط من (ب).

(٢٢) في (أ): (فينفى) وفي (ج): (فينتفي).

(٢٣) وأجاز الزمخشري أن تكون (لا) مزيدة، لتأكيد النفي في الأولى.

انظر "الكشاف" 1/ 288، قال أبو حيان: (ووافقه على جعل الثانية مزيدة صاحب المنتخب، وما ذهب إليه ليس بشيء، لأن قوله: (لا ذلول) صفة منفية بلا، وإذا كان الوصف كان الوصف قد نفى بـ (لا) لزم تكرار (لا) النافية لما دخلت عليه ....) "البحر" 1/ 255، وانظر "الدر المصون" 1/ 430.

(٢٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) لأن استقامة السياق تقتضيه.

(٢٥) في (ب): (لتزرعه).

(٢٦) انظر: "تهذيب اللغة" (حرث) 1/ 774، "الصحاح" (حرث) 1/ 279، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 34، 35، "مقاييس اللغة" (حرث) 2/ 49، "اللسان" (حرث) 2/ 819.

(٢٧) في (أ)، (ج) (الذي)، وأثبت ما في (ب) لأنه أصوب.

(٢٨) انظر: "تهذيب اللغة" (زرع) 2/ 1524، "اللسان" (زرع) 3/ 1826.

(٢٩) ذكر الطبري في "تفسيره" عنهم، وعن أبي العالية 1/ 352، وذكره "ابن أبي حاتم" عن قتادة، وأبي العالية، والربيع 1/ 423، انظر: "تفسير الماوردي" 1/ 365، "الدر المنثور" 1/ 152.

(٣٠) في الثعلبي عن الحسن: مسلمة القوائم ليس فيها أثر العمل، 1/ 84 ب، وذكره "الماوردي" 1/ 365.

(٣١) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 351 - 352، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 423، وانظر: "الدر" 1/ 152.

(٣٢) (معناه) ساقط من (ب).

(٣٣) في (ب): (وشية).

(٣٤) بنصه في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 124، وانظر "تهذيب اللغة" (وشى) 8/ 4847.

(٣٥) (الواو): ساقطة من (ج).

(٣٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 282، والطبري في "تفسيره" 1/ 352، و"تفسير القرطبي" 1/ 386.

(٣٧) في (ب): (تكون).

(٣٨) في (ب): (وشية).

(٣٩) انظر "الكشاف" 1/ 288، و"القاموس" (وشى) ص 1343.

(٤٠) (أي) ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبتها من (ب) ومثله في معاني القرآن.

(٤١) "معاني القرآن" 1/ 124.

(٤٢) في (ب): (الزمان).

(٤٣) (الزمان): ساقط من (ب).

(٤٤) ذكره ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 523.

(٤٥) "معاني القرآن" 1/ 467، 468، وقد ذكر كلام الفراء ابن قتيبة في "تأويل المشكل" ص 523، 524، والأزهري في "تهذيب اللغة" (الآن) 1/ 98، وعبارة الواحدي متفقة مع ما ذكره ابن قتيبة في "تأويل المشكل".

(٤٦) في (ب): (وان).

(٤٧) في "معاني القرآن": (الآن) أصلها من قولك آن لك أن تفعل، أدخلت عليها الألف واللام، ثم تركتها على مذهب (فَعَلَ) فأتاها النصب من نصب (فعل)، وهو وجه جيد كما قالوا ..) 1/ 468، ومثله في "تهذيب اللغة" 1/ 99.

(٤٨) أخرجه البخاري (1477) كتاب (الزكاة) باب (قول الله ﴿ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ﴾ .

عن المغيرة ولفظه: (إن الله كره لكم ثلاثا ..

الحديث).

"الفتح" 3/ 34، وفي كتاب (الأدب)، باب (عقوق الوالدين)، "الفتح" 10/ 405، و (6473) وفي كتاب (الرقاق) باب (ما يكره من قيل وقال) الفتح، وفي كتاب (الاعتصام) باب: (ما يكره من كثرة السؤال) الفتح، ومسلم عن أبي هريرة والمغيرة، بنحوه (7292) كتاب (الأقضية) (النهي عن كثرة المسائل)، وأحمد عن أبي هريرة 2/ 327، 360، 367، وعن المغيرة 4/ 246، 249، 250.

(٤٩) انتهى كلام الفراء، انظر: "المعاني" 1/ 467، 468، و"تأويل المشكل" ص 523، 524.

(٥٠) انظر: "تهذيب اللغة" (أمس) 1/ 200، و"الأزمنة" لقطرب ص 109، 110.

(٥١) "الإغفال" لأبي علي الفارسي ص 253.

وقد نقل عنه الواحدي طويلا، بتصرف في كلامه بالاختصار والتقديم والتأخير، وسأذكر الفروق الهامة في أماكنها إن شاء الله.

(٥٢) (له): ساقط من (ب).

(٥٣) في (ب): (فقال يخرج).

(٥٤) قوله: (كما أن نوعا منها لمشابهتها الأفعال يخرج إلى حكمها) ليس في "الإغفال" انظر: ص 253.

(٥٥) في "الإغفال" (تضمن معنى حرف التعريف) ص 254.

(٥٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(٥٧) في (ب): (لا يعرّف).

(٥٨) نقله بالمعنى، انظر: "الإغفال" ص 254، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 350.

(٥٩) في "الإغفال": (دخولهما)، وفي حاشيته (ج): (دخولها).

(٦٠) في (ب): (الآن).

(٦١) تصرف الواحدي في كلام أبي علي بالتقديم والتأخير، وسياق أبي علي أوضح، لترابط الكلام وبناء بعض على بعض.

قال: أبو علي: (فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون تعريف الآن كتعريف الجنس؟

..) ثم قال: (ومع ذلك فلا يصح في المعنى أن يراد بالآن تعريف الجنس ..

لأنه يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون يراد به جميع الأزمنة، أو يراد به الأوقات الحاضرة، أو الآتية ..) ثم فصل ذلك، وفي آخره قال: (فكذلك الآن أصله للوقت الحاضر، ثم قد يتسع فيه بعد ..) "الإغفال" ص 255 - 256.

(٦٢) في (ج): (من قطع).

(٦٣) في (ب): (وليس أنه يراد).

(٦٤) (من): ساقط من (ب)، وفي "الإغفال": (وما يأتي بعد) ص 255.

(٦٥) في "الإغفال": (بهما).

(٦٦) في (أ)، (ج): (ليس) بسقوط (الواو)، وثابتة في (ب)، و"الإغفال" ص 256.

(٦٧) مثل (من) و (ما) و (أي)، انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 353.

(٦٨) والتي وبابهما مما فيه (الألف واللام).

(٦٩) قوله: (في هذا الاسم) أي: الآن كما في "الإغفال" ص 257، واختصار الواحدي للكلام جعله محتملًا لأن يراد به (الذي).

(٧٠) انظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 257 - 260.

(٧١) هو قيس بن جروة الطائي، ويلقب بـ (عارق الطائي) شاعر جاهلي، انظر أخباره وترجمته في: "الحماسة"، "شرح المرزوقي" 3/ 1446، 1466، "المزهر" 2/ 438، "الخزانة" 7/ 440.

(٧٢) في (ب): (يغير) وكذا يروى في بعض المصادر.

(٧٣) في (ب): (لا نتحن).

(٧٤) يروى البيت (فإن): بدل (لئن)، ومعنى (لا نتحين): لأقصدن ولأميلن.

(عارقه): من عرق العظم، إذا نهشه بأسنانه.

يقول: إن لم تغير ما صنعتم من الظلم، لأميلن إلى كسر العظم الذي أخذت ما عليه من اللحم، ورد في "نوادر أبي زيد" == ص 266 و"الكمال" 3/ 219، و"الحماسة" بشرح المرزوقي 3/ 1447، و"الإغفال" ص 260، و"شرح المفصل" 3/ 148، و"اللسان" (عرق) 5/ 2909، و"الخزانة" 7/ 438، 11/ 339.

(٧٥) في (ب): (زائدة).

(٧٦) جعلوا (ما) لازمة وهي زائدة، انظر "الكتاب" 1/ 294.

(٧٧) في (ب): (وب).

(٧٨) انظر: "الكتاب" 2/ 170، 171.

(٧٩) انظر بقية كلام أبي علي في "الإغفال" ص 261 - 266.

(٨٠) (ما): ساقط من (ب).

(٨١) في (ب): (الحسين) وفي "الإغفال": (أبو بكر بن السراج ص 366) وهو محمد بن السري، أبو بكر سبقت ترجمته، وليس في نسبه (الحسن أو الحسين).

انظر: "طبقات النحويين" ص112، و"إنباه الرواة" 3/ 145، "معجم الأدباء" 18/ 197.

(٨٢) المبرد، سبقت ترجمته.

(٨٣) المازني، سبقت ترجمته.

(٨٤) البيت من الشواهد النحوية المشهورة، ولم يعرف له قائل، وقوله: (جنيتك): جنيت لك، وقوله: (أكمؤا): جمع كمأ، و (العساقل): نوع منه، وكذا (بنات الأوبر) وهو من رديئه، ورد البيت في "المقتضب" 4/ 48، "تهذيب اللغة" (العسقول) 3/ 2436، و (جنى) 1/ 674، و (وبر) 4/ 3827، "الخصائص" 3/ 58، "المنصف" 3/ 134، "الإنصاف" 273، "المخصص" 1/ 168، 11/ 126، 220، 13/ 215، 216، 14/ 120، "شرح المفصل" 5/ 71، "مغني اللبيب" 1/ 52، "شرح ابن عقيل" 1/ 181، "أوضح المسالك" 1/ 180، "اللسان" (سور) 4/ 2147، و (وبر) 8/ 4752.

(٨٥) في "الإغفال": (الألف واللام) ص 266.

(٨٦) في "الإغفال": (فقال أدخلها للضرورة كقول الآخر: باعَدَ أم العَمَرِ من أسيرِهَا وروينا عن أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: ياليت أم العمر ..) ص 266، 267.

(٨٧) لم يعرف قائل الرجز: وبعده: مكان من أشتى على الركائب.

ويروى (أم العمر) ورد البيت في "الإغفال" 1/ 267.

"المخصص" 1/ 168، 11/ 220، "الإنصاف" 1/ 316، "المنصف" 3/ 134، "تهذيب اللغة" (ربع) 2/ 1347، "الصحاح" (ضرب) 1/ 169، "اللسان" (ضرب) 5/ 2569، و (وبر) 8/ 4752، و (ربع) 3/ 1563، "شرح المفصل" 1/ 44.

(٨٨) (على نية): ساقط من (أ)، (ج).

(٨٩) انظر: "الكتاب" 1/ 375، وفيه: (كقولك: مررت بهم قاطبة، ومررت بهم طرّا) وانظر: "المنصف" 3/ 134، "سر صناعة الإعراب" 1/ 350 - 368.

(٩٠) كلام أبي الحسن الأخفش ورد في "الإغفال" ص 263، 264.

وفيه: (الألف واللام) زائدة، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 166.

(٩١) في (أ): (يزاد) وأثبت ما في (ب)، (ج) لأنه أنسب للسياق، ومثله في "الإغفال" ص 268.

(٩٢) انتهى كلام أبي علي في "الإغفال" في هذه المسألة ص 268.

ثم عاد إليها مرة أخرى ص 277، ونقل عنه الواحدي كما سيأتي.

(٩٣) في (ب): (المكنوزة).

(٩٤) "الإغفال" ص 277.

(٩٥) في (ب): (المكنوزة).

(٩٦) (مختص): ساقط من (ب).

(٩٧) في "الإغفال": (ما يخص).

(٩٨) في (ج): (تتسع)، ومثله في "الإغفال" ص 277.

(٩٩) في (ب): (المكنون لكيف).

(١٠٠) لم يذكر أبو علي الفراء باسمه وإنما قال: (وذكر بعضهم أن قولنا: (الآن) يجوز أن يكون ..) "الإغفال" ص 283.

(١٠١) في (ب): (الآن).

(١٠٢) في (ج): (تفعل).

(١٠٣) في "الإغفال" (من شب ..) ص 283.

(١٠٤) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في "الإغفال" ص 283، واستقامة السياق تقتضيه.

(١٠٥) في (ب): (ألا تراهم أنهم) وفي "الإغفال" (ألا ترى أنهم سموا) ص 283.

(١٠٦) العنبر بن عمرو بن تميم، كان شاعر، وإليه ينسب بني العنبر، انظر "الاشتقاق" لابن دريد ص 201، 211، و"المزهر" 2/ 275.

(١٠٧) في جميع النسخ (خضما) وفي "الإغفال": (خضم) ص 283.

قال سيبويه: ولا يصرفون (خضّم) وهو اسم للعنبر بن عمرو بن تميم.

"الكتاب" 3/ 208.

(١٠٨) قال في الصحاح (خضّم) على وزن (بعّم) اسم العنبر بن عمرو بن تميم، يزعمون أنهم سموا بذلك لكثرة الخضم، وهو المضغ.

الصحاح (خضم) 5/ 1914، وانظر "اللسان" (خضم) 2/ 1176 - 1178.

(١٠٩) في "الإغفال" ص 282: (يسمى كعسبا).

وكذا في "الكتاب" 3/ 206.

(١١٠) في "الكتاب" (وإنما هو (فَعَلَ) من الكعسبة.

قال عبد السلام هارون: (لا يقصد بـ (فعل) الوزن الصرفي، وإلا فهو (فعلل) وإنما يقصد أنه منقول من الفعلية "الكتاب" مع حاشية عبد السلام هارون 3/ 206.

(١١١) في (ب): (وهو).

(١١٢) في (ب): (الفعل).

(١١٣) (يخلو): ساقط من (ب).

(١١٤) في (ب): (فالحكاية).

(١١٥) (حال): ساقط من (أ)، (ج)، وهو في (ب) "الإغفال" ص 284.

(١١٦) في (ب): (أزيد).

(١١٧) في (ب): (بذلك).

(١١٨) في جميع النسخ (يكون) بالياء والتصحيح من "الإغفال" ص 284.

(١١٩) في (ب): (اللام والتعريف).

(١٢٠) "الإغفال" ص 288.

(١٢١) في (ب): (ألا أن يكون).

(١٢٢) أي قول الفراء.

(١٢٣) (آن): ساقط من (ب).

(١٢٤) في (ج): (عن).

(١٢٥) انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، و (الآن) 1/ 99.

(١٢٦) في (أ)، (ج): (يأس)، وفي "الإغفال": (يئس يئيس) ص 288.

(١٢٧) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج)، وأثبته من (ب) ومثله في "الإغفال" ص 288، والسياق يقتضيه.

(١٢٨) جبذ مقلوب من جذب قلبًا مكانيًّا.

انظر: "تهذيب اللغة" (جذب) 11/ 15، "اللسان" (جذب) 1/ 258.

(١٢٩) في (ب): (وأن).

(١٣٠) في "الإغفال" وقد سموا الرجل إياسا فما تنكر أن يكون غير قلب، فإن إياسا من إسته إذا أعطيته ...

"الإغفال" ص 288، وانظر: "اللسان" (يأس) 6/ 259.

(١٣١) الحديد: 16، وفي (ج) زيادة: ﴿ أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ﴾ .

(١٣٢) في (ب): (المقتض)، وفي "الإغفال": (المنقض) ص 292.

(١٣٣) قال أبو علي: (..

فإن قلت كيف يكون فيه ضمير الفاعل، وقد يقال: (أعييتني منذ شب إلى دب) ولو كان في هذا ضمير فاعل لوجب أن يكون مذ شببت إلى أن دببت؟

فالجواب: أنه إنما كان كذلك لأنه كلام مخرجه مخرج الأمثال ...

الخ) "الإغفال" ص 287.

(١٣٤) في جميع النسخ (فاعلة) وفي "الإغفال": (ناعلة) وهو الصحيح، وفي الحاشية في (ب): (فاعلة).

قال العسكري: يضرب مثلا للقوي على الأمر، وأصله أن رجلا كان تله أمتان راعيتان، إحداهما ناعلة والأخرى حافية، فقال للناعلة: أطري، أي: خذي طرر الوادي، فإنك ذات نعلين، ودعى سرارته، أي: وسطه لصاحبتك فإنها حافية.

"جمهرة الأمثال" للعسكري 1/ 50، "المستقصي" 1/ 221، "اللسان" (طرر).

(١٣٥) يضرب مثلا لمن يضيع الأمر، ثم يريد استدراكه في غير وقته، وللمثل قصة مذكورة في كتب الأمثال.

انظر: "أمثال العرب" للضبي ص 51، "الدرة الفاخرة" 1/ 11، "جمهرة الأمثال" 1/ 575.

(١٣٦) في (ب): (وكذلك).

(١٣٧) كذا في جميع النسخ، وفي "الإغفال" (للوقت) ص 287.

(١٣٨) انظر بقية كلام أبي علي ص 287.

(١٣٩) (أما): ساقط من (ب).

(١٤٠) "الإغفال" ص 295.

(١٤١) في "الإغفال": (للحروف) ص 295، وهذا أولى بالسياق.

(١٤٢) في "الإغفال" (لا تكون) في الموضعين ص 295.

(١٤٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).

(١٤٤) في (ب): (لذلك).

(١٤٥) في (ج): (هذا).

(١٤٦) هذا آخر ما نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتابه "الإغفال" عن (الآن) وقد أطال النقل وتصرف في نقله بالاختصار والتقديم والتأخير، وقد أشرت للفروق الهامة في أماكنها.

انظر: "الإغفال" ص 253 - 298.

(١٤٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 353، "تفسير الثعلبي" 1/ 84 ب.

(١٤٨) كذا يقال له: (جيئة) وجيأة وكل من كلام العرب.

"تهذيب اللغة" (الجيأة) 1/ 686، وقال صاحب اللسان: والجِئة والجِيئة: حفرة الهبطة يجتمع فيها الماء، والأعرف: الجية.

"اللسان" (جيا) 2/ 739.

(١٤٩) ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ج) وأثبته من (ب).

انظر معنى الآية في "تفسير الثعلبي" 1/ 84 ب، "الكشاف" 1/ 288، "البحر المحيط" 1/ 257.

(١٥٠) ذكره الطبري 1/ 354، "ابن أبي حاتم" 1/ 426، "تفسير ابن كثير" 1/ 119، وقال: وفي هذا نظر، لأن الثمن لم يثبت إلا من نقل بني إسرائيل.

وانظر: "الدر المنثور" 1/ 152.

(١٥١) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 355 - 356، و"ابن كثير"، وقال: (ذكره ابن جرير، ولم يسنده عن أحد).

"تفسير ابن كثير" 1/ 119الصحيح: أن ابن جرير الطبري ذكره بسنده عن وهب.

(١٥٢) في (ب): (عهدوا).

(١٥٣) ذكره الطبري عنه، وعن عدة من السلف 2/ 204، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 119، "الدر المنثور" 1/ 152.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ قصتها أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريبه ليرثه، وادّعى على قوم أنهم قتلوه، فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة، ويضربوا القتيل ببعضها، ففعلوا فقام وأخبر بمن قتله، ثم عاد ميتاً ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ﴾ جفاء وقلة أدب، وتكذيب ﴿ فَارِضٌ ﴾ مسنة ﴿ بِكْرٌ ﴾ صغيرة ﴿ عَوَانٌ ﴾ متوسطة ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ أي بين ما ذكر، ولذلك قال ذلك مع الإشارة إلى شيئين: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ من الصفرة المفروقة، وقيل سوداء: وهو بعيد، والظاهر صفراء كلها.

وقيل: القرن والظلف فقط، وهو بعيد ﴿ فَاقِعٌ ﴾ شديد الصفرة ﴿ تَسُرُّ الناظرين ﴾ لحسن لونها، وقيل لسمنها ومنظرها كله ﴿ لاَّ ذَلُولٌ ﴾ غير مذللة للعمل ﴿ تُثِيرُ الأرض ﴾ أي تحرثها وهو داخل تحت النفي على الأصح ﴿ لاَ تَسْقِى ﴾ لا يسقى عليها ﴿ مُسَلَّمَةٌ ﴾ من العمل أو من العيوب ﴿ لاَّ شِيَةَ ﴾ لا لمعة غير الصفرة، وهو في من وشى ففاءه واو محذوفة كعِدة ﴿ الآن جِئْتَ بالحق ﴾ العامل في الضرب جئت بالحق، وقي: العامل فيه مضمر تقديره الآن تذبحوها، والأول أظهر فإن كان قولهم: أتتخذنا هزوا: هكذا؛ فهذا تصديق وإن كان غير ذلك، فالمعنى الحق المبين ﴿ وَمَا كَادُواْ ﴾ لعصيانهم وكثرة سؤالهم، أو لغلاء البقرة، فقد جاء بأنها كانت ليتيم وأنهم اشتروها بوزنها ذهباً، أو لقلة وجود تلك الصفة، فقد روي أنهم لو ذبحوا أدنى بقرة أجزأت عنهم، ولكنه شدّدوا فشدّد عليهم ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً ﴾ هو أوّل قصة البقرة فمرتبته التقديم ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ ﴾ قال الزمخشري: إنما أخر لتعدّد توبيخهم لقصتين وهما: ترك المسارعة إلى الأمر، وقتل النفس، ولو قدّم لكان قصة واحدة بتوبيخ واحد ﴿ فادارأتم ﴾ أي اختلفتم وهو من المدارأة أي المدافعة ﴿ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ من أمر القتيل ومن قتله ﴿ اضربوه ﴾ القتيل أو قريبة ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ مطلقاً، وقيل: الفخذ وقيل: اللسان، وقيل الذنب ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى حياة القتيل، واستدلالٌ بها على الإحياء للبعث، وقبله محذوف لابد منه تقديره: ففعلوا ذلك فقام القتيل.

فائدة: استدل المالكية بهذه القصة على قبول المقتول: فلان قتلني، وهو ضعيف، لأن هذا المقتول قام بعد موته ومعاينة الآخرة، وقصته معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتأتى أن يكذب المقتول، بخلاف غيره، واستدلوا أيضاً بها على أن: القاتل لا يرث، ولا دليل فيها على ذلك.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ يأمركم ﴾ بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء.

﴿ هزؤا ﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل.

وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً ﴿ جئت ﴾ وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿ فأدارأتم ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿ عما يعملون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير.

الوقوف: ﴿ بقرة ﴾ (ط) ﴿ هزواً ﴾ (ط) ﴿ الجاهلين ﴾ (ه) نصف الجزء ﴿ ما هي ﴾ (ط) ﴿ ولا بكر ﴾ (ط) لأن التقدير هي عوان ﴿ بين ذلك ﴾ (ط) على تقدير قد تبين لكم ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ (ه) ﴿ ما لونها ﴾ (ط) ﴿ صفراء ﴾ (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿ الناظرين ﴾ (ه) ﴿ ما هي ﴾ (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿ علينا ﴾ (ط) ﴿ لمهتدون ﴾ (ه) ﴿ الحرث ﴾ (ج) لأن قوله ﴿ مسلمة ﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿ لا شية فيها ﴾ (ط) ﴿ جئت بالحق ﴾ (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿ فذبحوها ﴾ (ط) ﴿ يفعلون ﴾ (ه) ﴿ فادارأتم فيها ﴾ (ط) ﴿ يكتمون ﴾ (ه) ج للآية والفاء بعدها ﴿ ببعضها ﴾ (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ قسوة ﴾ (ط) ﴿ الأنهار ﴾ (ط) ﴿ الماء ﴾ (ط) ﴿ خشية الله ﴾ (ط) لتفصيل دلائل القدرة ﴿ تعملون ﴾ (ه).

التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى  ، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.

فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.

فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم.

وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى  أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.

واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.

والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال.

وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام.

ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.

ثم اختلف القائلون بهذا المذهب.

منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها.

ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال.

وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب.

ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى  ، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.

﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء.

كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى  أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء.

ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة.

واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله  على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى  هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى  في الوحي، وذلك أيضاً كفر.

وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿ من الجاهلين ﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.

وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.

ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.

أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.

فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال.

قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات.

فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟

فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص.

فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".

الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.

والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.

والعوان النصف قال: نواعم بين أبكار وعون.

*** وقد غونت وقال: فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف *** فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد.

وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.

وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ﴿ ما تؤمرون ﴾ مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.

بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون.

والفقوع أشد ما يكون من الصفرة.

يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع.

والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون.

وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.

والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.

وعن علي  : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله ﴿ سر الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله  ﴿ جمالات صفر  ﴾ ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ عن النبي  أنه قال "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.

والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل ﴿ لا ذلول ﴾ صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.

"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.

والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.

تقول: رجل صبور وامرأة صبور ﴿ مسلمة ﴾ سلمها الله  من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان.

وعلى هذا يكون ﴿ لا شية فيها ﴾ كالبيان.

والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" ﴿ الآن ﴾ اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي ﴿ جئت بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف ﴿ فذبحوها ﴾ والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر.

والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل.

والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق.

ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم.

وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.

وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.

وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادارأتم فيها ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه.

وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم ﴿ والله مخرج ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل.

وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه  ﴾ فلهذا صح عمل اسم الفاعل.

وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات.

وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله  "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة ﴿ قتلتم ﴾ أو ﴿ ما كنتم تكتمون ﴾ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.

روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا  "ليس للقاتل من الميراث شيء" والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي.

ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ.

وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه.

وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله.

ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء.

وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين.

وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله  .

وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" ﴿ ويريكم آياته ﴾ دلائله على أنه قادر على كل شيء.

فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى  آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة.

ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات.

وفي قوله ﴿ كذلك ﴾ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك.

فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟

قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى  إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟

قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ﴿ ببعضها ﴾ إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.

قوله ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ الآية.

خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد  من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات.

ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة.

وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.

فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة.

فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً.

وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم.

وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز.

ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.

ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً.

وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل.

ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" ﴿ لما يهبط ﴾ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه  خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي  ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً  ﴾ ووصفه  بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم  ﴾ .

التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.

اقتلوني يا ثقاتي *** إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي *** ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة.

وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ﴿ ما هي إنها بقرة ﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿ لا فارض ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿ ولا بكر ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره ﴿ عوان بين ذلك ﴾ لقوله ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة  ﴾ .

﴿ بقرة صفراء ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات ﴿ فاقع لونها ﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين.

﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿ مسلمة ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه.

﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ يعني القلب ﴿ فادّارأتم ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله  وقال ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء  ﴾ ﴿ وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم.

والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.

فإراءة الآيات للخواص ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم  ﴾ ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون  ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿ لولا أن رأى برهان ربه  ﴾ سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .

قيل: قُتِل قتيلٌ في بني إِسرائيل، وأُلْقيَ على باب غيرِهم؛ فتنازعوا فيه واختلفوا؛ فأَمر الله نبيَّه موسى أَن يذبحوا بقرةً، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فاضربوه ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: مَنْ قتلني.

وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ .

قال بعضُهم: كفروا بهذا القول؛ لأَنهم سمَّوْه هازئاً، ومن سَمَّى رسولاً من الرسل هازئاً يكفر؛ أَلا ترى أَنهم قالوا في الآخِر: ﴿ قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ؟!

دل أَن ما قال لهم أَولَ مرَّةٍ ليس بحق عندهم.

وليس هذا بشيء.

ولا يحتمل ما قالوا.

ولكن يحمل على المجازاة، كأَنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من العصيان بك، والخلاف لك؟!

لما لم يعلموا أَنه من عند الله يأْمر بذلك.

وهذا وأَمثاله على المجازاة جائزٌ على ما ذكرنا من الاستهزاءِ، والمخادعة، والمكر، كله على المجازاة جائز.

وكقول نوح لقومه: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ  ﴾ على المجازاة [جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء]؛ فكذلك الأَول.

وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهلٍ بأَحوال أَنفسهم؛ إذ كلهم سواء مِن جهة الجوْهر والخِلْقة، وتركيب الجوارح، وتصوير الصُّور، وتمثيلها.

أَلا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهْل، فقال: ﴿ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!

دل أَن الهزء في الخلق لجهلٍ فيهم، وبالله التوفيق.

ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرْع السمع؛ لأَنه أَمرهم بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيَّتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث والسؤال عنها؛ فثبت أَنه على العموم.

أَلا ترى ما روي في الخبر: "لو عمدوا إلى أَدنى بقرة لأَجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" لكن هذا لا يصح؛ لأَنه دعوى على الله، لحدوث شيء في أَمره، وبُدُوٍّ في حكمه، فذلك كفرٌ، لا يقوله مسلم، فضلاً عن أَن يقولَ به رسولٌ من الرسل.

تأْويل هذا أَنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأَول على غير ذلك لكان قد بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أَرادَ.

وذلك معنى البداءِ، بل معنى الرجوع عن الأَول مما أَراد، والتفسير له بغَيره، ولا قوة إلا بالله.

ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: أَحدهما: أَخذُ كل آيةٍ خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص.

والثاني: جواز تأْخير البيان على تقدم الأَمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت على العموم - وهو مرادها - ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأَحكام والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات،  الله عن ذلك.

ومعنى سُؤالهم؛ بدعاءِ الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: أَنْ لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسأَلوا موسى عن تفسيرها؛ إذ الله -  - هو الذي يعلم الآيات.

والحرف الثاني هو الأَول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداءِ؛ لما يوجبه، وأَن الأَمر بالذبح في الابتداءِ كان على ما آل أَمرها إليه وظهر.

لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أَحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا أَنه أَحدث لهم ذلك بالسؤال.

وعلى ذلك: ما روي في الخبر: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" أَي: لما علم من عبده أَنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أَكثر مما لو علم أَنه لا يصل، لا أَنه يجعل أَجله إلى وقتٍ، فإذا وصل رحمه زادَ على ذلك.

لا على ما يقوله المعتزلة: أَن الله -  - يجعل لكل أَحد أَجلين، فإذا وَصَل رحمه أَماته في أَبْعد الأَجلين، وإذا لم يصل جعلَ أَجله الأولَ.

فهذا أَمر من يجهل العواقب، فأَما من كان عالماً بالعواقب فلا؛ لأَنه بدوٌّ ورجوعٌ عما تقدم من الأَمر.

ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أَولياءِ المقتول وَهِمَ؛ لأَوجهٍ: أَحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إنَّ فلاناً قتلني، في قطع حَق الميراث، وإغرام الدية.

والثاني: أَن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم.

والثالث: أَن أَولياء المقتول قد كانوا - قبل أَن يحيى - يدَّعون عليهم القتل، فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية.

والرابع: أَن قبول قول الميت أَحق من قبول قول الولي؛ لأَن الوليَّ ينتفع بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئاً، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي، والله الموفق.

ثُم وَجْه جعْلِ البقرة آيةً دون غيرها من البهائم وجهان: أَحدهما: ما رُوي أَن رجلاً كان بارّاً بوالديْه، محسناً إليهما عاطفاً عليهما، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأَراد الله - عز وجل - أَن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديْهِ.

والثاني: أَنهم كانوا يعبدون البُقُور والعَجَاجيل، وحُبِّبَ ذلك إليهم؛ كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ  ﴾ ، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته، فأَراد الله أَن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان في قلُوبهم من حب البُقُور والعجاجيل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ .

يقول: ليست بكبيرة.

وقوله: ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ .

ولا شابة.

وقوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ .

بين الشابة والكبيرة.

وقيل: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ : لا كبيرة، على ما ذكرنا ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ ، أَي: ولا ما [لا] تلد، ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ﴾ أي: قد ولدت بطناً أَو بَطنَين.

وقوله: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ .

قيل: الصفراءُ؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته.

وقيل: الصفراءُ؛ من الصّفَر المعروف.

وقوله: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ .

قيل: صاَفٍ.

وقوله: ﴿ تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ ﴾ .

تُعْجِب الناظرين.

وقيل: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ؛ صَفْرَاءُ الظلف والقَرن، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ .

وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيداً من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ الله لكنا من المهتدين.

والمعتزلة يقولون: قد شاءَ الله أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم على مشيئة الله على قولهم - فنعُوذ بالله من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدين.

وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا ﴾ .

قيل: لم يذللها لِلعمل؛ أَي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يُسقى عليها الحرث.

وقيل: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ ؛ أي: بقرة وحشية صعبة، تثير الأَرض، ولكن إثارة الأَرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها.

وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجوه: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ، خوفاً على أَنفسهم أَن يفتضحوا لظهور القاتل.

وقيل: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ لغلاءِ ثمنها.

والأولُ أَقرب، والله أعلم.

وقيل: إنهم استقصَوْأ في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربما يكون للمدافعة، والله الموفق.

وفي قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ دليلٌ لأَبي حنيفةَ - رَحمَهُ الله وَأصحابِه - أَن من حَلَف لا يأْكل لحم بقرَةٍ، فأَكل لحْم ثَور حنث؛ لأَن الله  ذكر البقرةَ, ثم بين في آخره ما يدل على أَنه أَراد به الثورَ؛ لقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ .

والثوْرُ هو الذي يثير الأَرض، ويسقي الحرث، دون الأُنثى منها؛ لذلك كان الجواب على ما ذكرنا.

إلا أَن يكونوا هُمْ كانوا يحرثون بالأُنثى منها كما يَحرث أَهل الزمان بالذكَر، فحينئذ لا يكون فيه دليلٌ لما ذكرنا، والله أَعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .

في الآية: دليلٌ مُرادِ الخصوص - وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم - لأَنه قال عز وجل: ﴿ قَتَلْتُمْ ﴾ ، وإنما قتله واحد، وقال: ﴿ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ، وإنما كان كتمه الذي قتله.

لذلك قلنا: ألا نصْرف مرادَ الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، والله الموفق.

وقوله: ﴿ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ .

قال بعضهم: بفخذها الأَيمن.

لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن الله  ، ولكن يقال: ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ بقدر ما في الكتاب.

وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .

أَي: هكذا يُحيي الله الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءَه، بضرب بعض البقرة عليه.

وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ  ﴾ .

فكما أَحيا الأَرض بَعد موتها بالمطر المنزل من السماءِ، يقدر على إحياءِ الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، والله أعلم.

ويحتمل: إحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمَأَنُّوا على إِحياءِ الموتى؛ فأَرَاهُم الله - عز وجل - ذلك؛ ليطمئنوا، وليَسْتَقِروا على ذلك، ولا يضْطَربوا فيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .

يحتمل: يُريكم آيات وحدانيته.

ويحتمل: يريكم آيات إِحياءِ الموتى، وآيات البعث.

ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أَرى من تقدمكم عند حاجاتهم.

ويحتمل: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ آيات نبوة محمد  ؛ إذ هو خبَّر عن الغيب.

وأَوضح آيات الرسالة؛ الخَبَرُ عن الغيْبِ، وذكرُ القصة على الوجه الذي يعلم أَن الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أَنه بالله علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا اختلافٌ إلى من عنده.

على أَنه لو كان مسموعاً منهم، يجرى على مثله القول بالزيادة والنقصان، ولكن منعهم الله  عن ذلك - إذ علموا صدقه - إشفاقاً على أَنفسهم، أَن ينزل عليهم نِقْمة الله.

وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .

لكي تَعقلُوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أَنه قادر على إِحياءِ الموتى بَعْدَ الموت.

وقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .

ضرب الله لقلوبهم مثلاً بالحجارة، وشبهها بها، لتساويها، وشدة صلابتها، وأَنها أَشدُّ قسوةً من الحجارة، وذلك: أَن من الحجارة - مع صلابتها وشدتها، مع فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها - ما تخضع له، وتتصدع؛ كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...

﴾ الآية [الأعراف: 143].

وقلبُ الكافر - مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول - لا يخضع له، ولا يلين.

وكذلك أَخبر الله عز وجل عن الجبال أَنها تلينُ، وتخضع لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ  ﴾ .

وقلبُ الكافر لا يلين أَبداً.

أَو أَن يقال: إنّ الله عز وجل جعل من الجبال مَنافِع للخلق مع صلابتها وشدتها حتى يتفجر منه الأَنهار والمياه.

وقلبُ الكافر - مع احتمال ذلك وإمكانه - لا منفعة منه لأَحدٍ.

وبالله التوفيق.

ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلاً بالحجارة، وتشبيهها بها، دونَ غيرها من الأَشياء الصُّلبة؛ من الحديد، والصُّفْر، وغيرهما، وذلك - والله أعلم - أَن الحديد تُلينه النار، وكذلك الصُّفْر حتى تضرب منهما الأَواني.

والحجرُ لا تُلينهُ النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها.

وهذا - والله أعلم - في قوم علم الله أَنهم لا يؤمنون أَبداً.

وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .

خرجت على الوعيد - أَبلغ الوعيد - والوعظ؛ حين ذَكرهم علمه بما يعملون.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

فقال لهم موسى: إن الله يقول: إن صفة هذه البقرة أنها غير مذلّلة بالعمل في الحراثة، ولا في سقاية الأرض، وهي سالمة من العيوب، ليس فيها علامة من لون آخر غير لونها الأصفر، وعندئذ قالوا: الآن جئت بالوصف الدقيق الَّذي يعيِّن البقرة تمامًا، وذبحوها بعد أن أوشكوا ألا يذبحوها بسبب الجدال والتعنت.

<div class="verse-tafsir" id="91.JEDAb"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

هذه القصة مما أراد الله تعالى أن يقصه علينا من أخبار بني إسرائيل في قسوتهم وفسوقهم للاعتبار بها..

من وجوه الاعتبار أن التنطع في الدين والإحفاء في السؤال، مما يقتضي التشديد في الأحكام، فمن شَدَّد شُدِّد عليه، ولذلك نهى الله تعالى هذه الأمة عن كثرة السؤال بقوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ  قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ  ﴾ وفي الحديث الصحيح "ويكره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال".

وقد امتثل سفلنا الأمر فلم يشددوا على أنفسهم فكان الدين عندهم فطريًا ساذجًا وحنيفيًا سمحًا، ولكم مِن خَلَفِنا من عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكامًا استنبطها باجتهاده، وأكثروا منها حتى صار الدين حملًا ثقيلًا على الأمة فسئمته وملت، وألقته وتخلت.

جاءت هذه الآيات على أسلوب القرآن الخاص الذي لم يسبق إليه ولم يلحق فيه، فهو في هذه القصص ولم يلتزم ترتيب المؤرخين ولا طريقة الكتاب في تنسيق الكلام وترتيبه على حسب الوقائع حتى في القصة الواحدة.

وإنما ينسق الكلام فيه بأسلوب يأخذ بمجامع القلوب، ويحرك الفكر إلى النظر تحريكًا، ويهز النفس للاعتبار هزًا.

وقد راعى في قصص بني إسرائيل أنواع المنن التي منحهم الله تعالى إياها، وضروب الكفران والفسوق التي قابلوها بها، وما كان في أثر كل من ذلك تأديبهم بالعقوبات، وابتلائهم بالحسنات والسيئات، وكيف كانوا يحدثون في أثر كل عقوبة توبة، ويحدث لهم في أثر كل توبة نعمة، ثم يعودون إلى بطرهم وينقلبون إلى كفرهم.

كان في الآيات السابقة يذكر النعمة فالمخالفة فالعقوبة فالتوبة فالرحمة كالتفضيل على العالمين، وأخذ الميثاق، والإنجاء من آل فرعون، وما كان في أثر ذلك على ما أشرنا الآن وأجملنا، وأوضحنا من قبل وفصلنا.

وفي هذه القصة اختلف النسق فذكر المخالفة بعد في قوله ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا  ﴾ ثم المنة في الخلاص منها في قوله ﴿ فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا  ﴾ إلخ وقدم على ذلك وسيلة الخلاص وهي ذبح البقرة بما يعجب السامع ويشوقه إلى معرفة ما وراءها، حيث لم يسبق في الكلام عهد لسبب أمر موسى لقومه أي يذبحوا بقرة، فالمفاجأة بحكاية ما كان من ذلك الأمر والجدال الذي وقع فيه يثير الشوق في الأنفس إلى معرفة السبب فتتوجه الفكرة بأجمعها إلى تلقيه، إذ الحكمة في أمر الله أمة من الأمم بذبح بقرة خفية وجديرة بأن يعجب منها السامع ويحرص على طلبها، لا سيما إذا لم يعتد فهم الأساليب الأخاذة بالنفوس الهازة للقلوب.

يقول أهل الشبهات في القرآن: إن بنيب إسرائيل لا يعرفون هذه القصة إذ لا وجود لها في التوراة، فمن أين جاء بها القرآن؟

ونقول إن القرآن جاء بها من عند الله الذي يقول في بني إسرائيل المتأخرين إنهم نسوا حظًا مما ذكروا به، وإنهم لم يؤتوا إلا نصيبًا من الكتاب.

على أن هذا الحكم منصوص في التوراة وهو أنه إذا قتل قتيل لم يعرف قاتله فالواجب أن تذبح بقرة غير ذلول في وادٍ دائم السيلان ويغسل جميع شيوخ المدينة القريبة من المقتل أيديهم على العجلة التي كسر عنقها في الوادي، ثم يقولون إن أيدينا لم تسفك هذا الدم، اغفر لشعبك إسرائيل: ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل، ومن لم يفعل يتبين أنه القاتل، ويراد بذلك حقن الدماء، فيحتمل أن يكون هذا الحكم هو من بقايا تلك القصة أو كانت هي السبب فيه.

وما هذه بالقصة الوحيدة التي صححها القرآن، ولا هذا الحكم بالحكم الأول الذي حرفوه أو أضاعوه وأظهره الله تعالى..

وقد قلت لكم غير مرة إنه يجب الاحتراس في قصص بني إسرائيل وغيرهم من الأنبياء وعدم الثقة بما زاد على القرآن من أقوال المؤرخين والمفسرين فالمشتغلون بتحرير التاريخ والعلم اليوم يقولون معنا إنه لا يوثق بشيء من تاريخ تلك الأزمنة التي يسمونها أزمنة الظلمات إلا بعد التحري والبحث واستخراج الآثار، فنحن نعذر المفسرين الذين حشوا كتب التفسير بالقصص التي لا يوثق بها لحسن قصدهم، ولكننا لا نعول على ذلك بل ننهى عنه ونقف عند نصوص القرآن لا نتعداها، وإنما نوضحها بما يوافقها إذا صحت روايته.

فالأمر بذبح البقرة كان لفصل النزاع في واقعة قتل.

ويروون في قصته روايات منها: أن القاتل كان أخ المقتول، لأجل الإرث، وأنه اتهم أهل الحي بالدم وطالبهم به.

ومنها أنه كان ابن أخيه، وغير ذلك مما لا حاجة إليه.

وكانوا طلبوا من موسى الفصل في المسألة وبيان القاتل، ولما أمرهم بذبح البقرة استغربوا لما فيه من المباينة لما يطلبون، والبعد بينه وبين ما يريدون، فذلك قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ أي سخرية يهزأ بنا، وهذا القول من سفههم وخفة أحلامهم وجهلهم بعظمة الله تعالى وما يجب أن يقابل به أمره من الاحترام والامتثال، وإن لم تظهر حكمته بادي الرأي، ولولا ذلك لامتثلوا وانتظروا النتيجة بعد ذلك.

ولما كان في جوابهم هذا رمي لموسى  بالسفه والجهالة ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ  ﴾ أي ألتجئ إلى الله وأعتصم بتأديبه إياي من الجهالة والهزء بالناس.

﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ  ﴾ أي ما الصفات المميزة لها؟

إن السؤال"بما هي"ليس جاريًا هنا على اصطلاح علماء المنطق من جعله سؤالًا عن حقيقة الماهية، وإنما هو على حسب أسلوب اللغة، والعرب يسألون بما عن الصفات التي تميز الشيء في الجملة، كالذي ذكره في الجواب ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ  ﴾ أي غير مسنة انقطعت ولادتها ﴿ وَلَا بِكْرٌ  ﴾ لم تلد بالمرة، والمراد بها التي لم تلد كثيرًا ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ  ﴾ العوان النَّصَف في السن من النساء والبهائم أي هي بين ما ذكر من السنين الفارض والبكر فالمشار إليه بكلمة ذلك متعدد في المعنى، وإن كان لفظه مفردًا.

و"بين" من الكلم التي تختص بالمتعدد تقول جلست بينهم أو بينهما ولا تقول جلست بينه.

واستعمال الإشارة والضمير المفردين فيما هو بمعنى الجمع على تقدير التعبير عنه بالمذكور أو"ما ذكر"كثير في كلامهم ومنه قول رؤبة: فيها خطوط من سواد وبلق كأنه في الجسم توليع البهق ذكر هذا الوصف المميز للبقرة في الجملة وقال ﴿ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ  ﴾ وكان يجب عليهم الاكتفاء به والمبادرة بعده للامتثال ولكنهم أبوا إلا تنطعًا واستقصاء في السؤال ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ  ﴾ الفاقع الشديد الصفرة في صفاء بحيث لا يخالطه لون آخر، وبعض أهل اللغة لا يخصه بالأصفر بل يجعله وصفًا لكل لون صاف.

وكان يجب أن يكتفوا بهذه المميزات ولمنهم زادوا تنطعًا إذ ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ  ﴾ وقد أرادوا بهذا السؤال زيادة التمييز ككونها عاملة أو سائمة ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ  ﴾ سائمة ﴿ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ  ﴾ أي غير مذللة بالعمل في الحراثة ولا في السقي ﴿ مُسَلَّمَةٌ  ﴾ من العيوب أو من سائر الأعمال ﴿ لَا شِيَةَ فِيهَا  ﴾ أي ليس فيها لون آخر غير الصفرة الفاقعة.

والشية مصدر كالعِدَة من وشى الثوب يشيه إذا جعل فيه خطوطًا من غير لونه بنحو تطريز.

ولما استوفى جميع المميزات والشخصيات ولم يروا سبيلًا إلى سؤال آخر ﴿ قَالُوا الْآَنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ أي وما قاربوا أن يذبحوها إلا بعد أن انتهت أسئلتهم، وانقطع ما كان من تنطعهم وتعنتهم.

روى ابن جرير في التفسير بسند صحيح عن ابن عباس موقوفًا" لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم، ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعًا مرسلًا: وههنا يذكر المفسرون قصة في حكمة هذا التشديد وهو المصير إلى بقرة معينة لشخص معين كان بارًا بوالدته.

وقد يكون هذا صحيحًا غير أنه لا داعي إليه في التفسير وبيان المعنى.

وقد يشتبه بعض الناس فيما ذكر بأن أحكام الله تعالى لا تكون تابعة لأفعال الناس العارضة ويرد هذه الشبهة أن التكليف كثيرًا ما يكون عقوبة لأنه تربية للناس وقد وردت الأسئلة والأجوبة في هذه القصة مفصولة غير موصولة بالفاء وذلك ما يقتضيه الأسلوب البليغ فقد تقرر في البلاغة أن القول إذا أشعر بسؤال كان ما يأتي بعده مما يصح أن يكون جوابًا للسؤال المقدر مفصولة عما قبله لا يقرن جوابه بالفاء إلا إذا كان للفاء معنى خاص يقتضيه المقام كالتعقيب والجزاء، وليس ذلك موجودًا هنا.

فقوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً  ﴾ يشعر بسؤال كأنه قيل ماذا كان منهم بعد الأمر فأجيب عنه بقوله ﴿ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا  ﴾ وهذا يشعر بسؤال أيضًا كأنه قيل ماذا قال موسى إذ قالوا ذلك فأجاب ﴿ قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ  ﴾ إلخ وهكذا ورد غيرها من المراجعات في التنزيل كما ترى في قصة موسى وفرعون.

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله