الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٧٤ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 161 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٧٤ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يقول تعالى توبيخا لبني إسرائيل ، وتقريعا لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى ، وإحيائه الموتى : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) كله ( فهي كالحجارة ) التي لا تلين أبدا .
ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم فقال : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون ) [ الحديد : 16 ] .
وقال العوفي ، في تفسيره ، عن ابن عباس : لما ضرب المقتول ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط ، فقيل له : من قتلك ؟
فقال : بنو أخي قتلوني .
ثم قبض .
فقال بنو أخيه حين قبض : والله ما قتلناه ، فكذبوا بالحق بعد إذا رأوا .
فقال الله : ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) يعني : بني أخي الشيخ ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج للينها أو أشد قسوة من الحجارة ، فإن من الحجارة ما تتفجر منها العيون الجارية بالأنهار ، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء ، وإن لم يكن جاريا ، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله ، وفيه إدراك لذلك بحسبه ، كما قال : ( تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا ) [ الإسراء : 44 ] .
وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد أنه كان يقول : كل حجر يتفجر منه الماء ، أو يتشقق عن ماء ، أو يتردى من رأس جبل ، لمن خشية الله ، نزل بذلك القرآن .
وقال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد ، عن عكرمة أو سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ) أي وإن من الحجارة لألين من قلوبكم عما تدعون إليه من الحق ( وما الله بغافل عما تعملون ) [ وقال أبو علي الجبائي في تفسيره : ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) هو سقوط البرد من السحاب .
قال القاضي الباقلاني : وهذا تأويل بعيد ، وتبعه في استبعاده فخر الدين الرازي وهو كما قالا ; فإن هذا خروج عن ظاهر اللفظ بلا دليل ، والله أعلم ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا الحكم بن هشام الثقفي ، حدثني يحيى بن أبي طالب يعني يحيى بن يعقوب في قوله تعالى : ( وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ) قال : هو كثرة البكاء ( وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء ) قال : قليل البكاء ( وإن منها لما يهبط من خشية الله ) قال : بكاء القلب ، من غير دموع العين .
وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز ; وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله : ( يريد أن ينقض ) قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة : ولا حاجة إلى هذا فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة كما في قوله تعالى : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) الآية ، وقال : ( والنجم والشجر يسجدان ) و ( أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله ) الآية ، ( قالتا أتينا طائعين ) ( لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ) الآية ، ( وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله ) الآية ، وفي الصحيح : " هذا جبل يحبنا ونحبه " ، وكحنين الجذع المتواتر خبره ، وفي صحيح مسلم : " إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن " وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة ، وغير ذلك مما في معناه .
وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير ; أي مثلا لهذا وهذا ، وهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين .
.
وكذا حكاه الرازي في تفسيره وزاد قولا آخر : إنها للإبهام بالنسبة إلى المخاطب كقول القائل أكلت خبزا أو تمرا ، وهو يعلم أيهما أكل ، وقال آخر : إنها بمعنى قول القائل : كل حلوا أو حامضا ; أي لا يخرج عن واحد منهما ; أي وقلوبكم صارت كالحجارة أو أشد قسوة منها لا تخرج عن واحد من هذين الشيئين .
والله أعلم .
تنبيه : اختلف علماء العربية في معنى قوله تعالى : ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) بعد الإجماع على استحالة كونها للشك ، فقال بعضهم : " أو " هاهنا بمعنى الواو ، تقديره : فهي كالحجارة وأشد قسوة كقوله تعالى : ( ولا تطع منهم آثما أو كفورا ) [ الإنسان : 24 ] ، وكما قال النابغة الذبياني : قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا أو نصفه فقد تريد : ونصفه ، قاله ابن جرير .
وقال جرير بن عطية : نال الخلافة أو كانت له قدرا كما أتى ربه موسى على قدر قال ابن جرير : يعني نال الخلافة ، وكانت له قدرا .
وحكى القرطبي قولا أنها للتخيير في مفهومها بهذا أو بهذا مثل جالس الحسن أو ابن سيرين ، وكذا حكاه فخر الدين في تفسيره وزاد قولا آخر وهو : أنها للإبهام وبالنسبة إلى المخاطب ، كقول القائل : أكلت خبزا أو تمرا وهو يعلم أيهما أكل ، وقولا آخر وهو أنها بمعنى قول القائل : أكلي حلو أو حامض ، أي : لا يخرج عن واحد منهما ، أي : وقلوبكم صارت في قسوتها كالحجارة أو أشد قسوة منها لا يخرج عن واحد من هذين الشيئين والله أعلم .
وقال آخرون : " أو " هاهنا بمعنى بل ، تقديره فهي كالحجارة بل أشد قسوة ، وكقوله : ( إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) [ النساء : 77 ] ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) [ الصافات : 147 ] ( فكان قاب قوسين أو أدنى ) [ النجم : 9 ] وقال آخرون : معنى ذلك ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) عندكم .
حكاه ابن جرير .
وقال آخرون : المراد بذلك الإبهام على المخاطب ، كما قال أبو الأسود : أحب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة والوصيا فإن يك حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غيا قال ابن جرير : قالوا : ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى رشد ، ولكنه أبهم على من خاطبه ، قال : وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له : شككت ؟
فقال : كلا والله .
ثم انتزع بقول الله تعالى : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) فقال : أوكان شاكا من أخبر بهذا في الهادي منهم من الضلال ؟
وقال بعضهم : معنى ذلك : فقلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين ، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها قسوة .
قال ابن جرير : ومعنى ذلك على هذا التأويل : فبعضها كالحجارة قسوة ، وبعضها أشد قسوة من الحجارة .
وقد رجحه ابن جرير مع توجيه غيره .
قلت : وهذا القول الأخير يبقى شبيها بقوله تعالى : ( مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ) [ البقرة : 17 ] مع قوله : ( أو كصيب من السماء ) [ البقرة : 19 ] وكقوله : ( والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ) [ النور : 39 ] مع قوله : ( أو كظلمات في بحر لجي ) [ النور : 40 ] ، الآية أي : إن منهم من هو هكذا ، ومنهم من هو هكذا ، والله أعلم .
قال الحافظ أبو بكر بن مردويه : حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم ، حدثنا محمد بن أيوب ، حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي الثلج ، حدثنا علي بن حفص ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن حاطب ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله ، فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة القلب ، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي " .
رواه الترمذي في كتاب الزهد من جامعه ، عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج ، صاحب الإمام أحمد ، به .
ومن وجه آخر عن إبراهيم بن عبد الله بن الحارث بن حاطب ، به ، وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديث إبراهيم .
[ وروى البزار عن أنس مرفوعا : " أربع من الشقاء : جمود العين ، وقسي القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا " ] .
.
القول في تأويل قوله تعالى : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ قال أبو جعفر: يعني بذلك كفار بني إسرائيل, وهم -فيما ذكر- بنو أخي المقتول, فقال لهم: " ثم قست قلوبكم ": أي جفت وغلظت وعست, كما قال الراجز: وقد قسوت وقسا لداتي (54) يقال: " قسا " و " عسا " و " عتا " بمعنى واحد, وذلك إذا جفا وغلظ وصلب.
يقال: منه: قسا قلبه يقسو قسوا وقسوة وقساوة وقَساء.
(55) * * * ويعني بقوله: (من بعد ذلك)، من بعد أن أحيا المقتول لهم الذي - ادارءوا &; 2-234 &; في قتله، فأخبرهم بقاتله، وبالسبب الذي من أجله قتله، (56) كما قد وصفنا قبل على ما جاءت الآثار والأخبار - وفصل الله تعالى ذكره بخبره بين المحق منهم والمبطل (57) .
وكانت قساوة قلوبهم التي وصفهم الله بها، أنهم -فيما بلغنا- أنكروا أن يكونوا هم قتلوا القتيل الذي أحياه الله, فأخبر بني إسرائيل بأنهم كانوا قتلته، بعد إخباره إياهم بذلك, وبعد ميتته الثانية، كما:- 1314 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: لما ضرب المقتول ببعضها - يعني ببعض البقرة - جلس حيا, فقيل له: من قتلك؟
فقال: بنو أخي قتلوني.
ثم قبض فقال بنو أخيه حين قبض: والله ما قتلناه!
فكذبوا بالحق بعد إذ رأوه, فقال الله: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك) -يعني بني أخي الشيخ- فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً .
1315 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد, عن سعيد, عن قتادة: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك)، يقول: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى, وبعد ما أراهم من أمر القتيل - ما أراهم, فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً .
* * * القول في تأويل قوله تعالى : فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً قال أبو جعفر: يعني بقوله: (فهي): " قلوبكم ".
يقول: ثم صلبت قلوبكم -بعد إذ رأيتم الحق فتبينتموه وعرفتموه- عن الخضوع له والإذعان لواجب حق الله عليكم, فقلوبكم كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة, أو " أشد قسوة "، &; 2-235 &; يعني: قلوبهم - عن الإذعان لواجب حق الله عليهم, والإقرار له باللازم من حقوقه لهم- أشد صلابة من الحجارة.
(58) * * * فإن سأل سائل فقال: وما وجه قوله: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)، و " أو " عند أهل العربية، إنما تأتي في الكلام لمعنى الشك, والله تعالى جل ذكره غير جائز في خبره الشك؟
قيل: إن ذلك على غير الوجه الذي توهمته، من أنه شك من الله جل ذكره فيما أخبر عنه, ولكنه خبر منه عن قلوبهم القاسية، أنها - عند عباده الذين هم أصحابها، الذين كذبوا بالحق بعد ما رأوا العظيم من آيات الله - كالحجارة قسوة أو أشد من الحجارة، عندهم وعند من عرف شأنهم.
* * * وقد قال في ذلك جماعة من أهل العربية أقوالا فقال بعضهم: إنما أراد الله جل ثناؤه بقوله: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)، وما أشبه ذلك من الأخبار التي تأتي ب " أو ", كقوله: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات: 147]، وكقول الله جل ذكره: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [ سبأ: 24] [الإبهام على من خاطبه] (59) فهو عالم أي ذلك كان.
قالوا: ونظير ذلك قول القائل: أكلت بسرة أو رطبة, (60) وهو عالم أي ذلك أكل، ولكنه أبهم على المخاطب, كما قال أبو الأسود الدؤلي: أحـــب محــمدا حبــا شــديدا وعباســـا وحـــمزة والوصيــا (61) &; 2-236 &; فــإن يــك حـبهم رشـدا أصبـه ولســـت بمخــطئ إن كـان غيـا قالوا: ولا شك أن أبا الأسود لم يكن شاكا في أن حب من سمى - رَشَد, ولكنه أبهم على من خاطبه به.
وقد ذكر عن أبي الأسود أنه لما قال هذه الأبيات قيل له: شككت!
فقال: كلا والله!
ثم انتزع بقول الله عز وجل: وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ، فقال: أَوَ كان شاكا -من أخبر بهذا- في الهادي من الضلال.
(62) * * * وقال بعضهم: ذلك كقول القائل: " ما أطعمتك إلا حلوا أو حامضا ", وقد أطعمه النوعين جميعا.
فقالوا: فقائل ذلك لم يكن شاكا أنه قد أطعم صاحبه الحلو والحامض كليهما, ولكنه أراد الخبر عما أطعمه إياه أنه لم يخرج عن هذين النوعين.
قالوا: فكذلك قوله: (فهي كالحجارة أو أشد قسوة)، إنما معناه: فقلوبهم لا تخرج من أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثلا للحجارة في القسوة, وإما أن تكون أشد منها قسوة.
ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة, وبعضها أشد قسوة من الحجارة.
وقال بعضهم: " أو " في قوله: (أو أشد قسوة)، بمعنى، وأشد قسوة, كما قال تبارك وتعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا [ الإنسان: 24] بمعنى: وكفورا، وكما قال جرير بن عطية: نـال الخلافـة أو كـانت لـه قـدرا كمـا أتـى ربـه موسـى عـلى قدر (63) يعني: نال الخلافة، وكانت له قدرا، وكما قال النابغة: قـالت: ألا ليتمـا هـذا الحمـام لنـا إلــى حمامتنــا أو نصفــه فقـد (64) &; 2-237 &; يريد.
ونصفه * * * وقال آخرون: " أو " في هذا الموضع بمعنى " بل ", فكان تأويله عندهم: فهي كالحجارة بل أشد قسوة, كما قال جل ثناؤه: وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [ الصافات: 147]، بمعنى: بل يزيدون.
* * * وقال آخرون: معنى ذلك: فهي كالحجارة، أو أشد قسوة عندكم.
* * * قال أبو جعفر: ولكل مما قيل من هذه الأقوال التي حكينا وجه ومخرج في كلام العرب.
غير أن أعجب الأقوال إلي في ذلك ما قلناه أولا ثم القول الذي ذكرناه عمن وجه ذلك إلى أنه بمعنى: فهي أوجه في القسوة: إما أن تكون كالحجارة، أو أشد, (65) على تأويل أن منها كالحجارة, ومنها أشد قسوة.
لأن " أو "، وإن استعملت في أماكن من أماكن " الواو " حتى يلتبس معناها ومعنى " الواو "، لتقارب معنييهما في بعض تلك الأماكن - (66) فإن أصلها أن تأتي بمعنى أحد الاثنين.
فتوجيهها إلى أصلها - ما وجدنا إلى ذلك سبيلا (67) أعجب إلي من إخراجها عن أصلها، ومعناها المعروف لها.
* * * قال أبو جعفر: وأما الرفع في قوله: (أو أشد قسوة) فمن وجهين: أحدهما: أن يكون عطفا على معنى " الكاف " في قوله: (كالحجارة)، لأن معناها الرفع.
وذلك أن معناها معنى " مثل "، [فيكون تأويله] (68) فهي مثل الحجارة أو أشد قسوة من الحجارة.
&; 2-238 &; والوجه الآخر: أن يكون مرفوعا، على معنى تكرير " هي" عليه.
فيكون تأويل ذلك: فهي كالحجارة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ذكره: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار): وإن من الحجارة حجارة يتفجر منها الماء الذي تكون منه الأنهار, فاستغنى بذكر الأنهار عن ذكر الماء.
(69) وإنما ذكر فقال " منه "، للفظ " ما ".
(70) * * * و " التفجر ": " التفعل " من " تفجر الماء ", (71) وذلك إذا تنـزل خارجا من منبعه.
وكل سائل شخص خارجا من موضعه ومكانه، فقد " انفجر "، ماء كان ذلك أو دما أو صديدا أو غير ذلك, ومنه قوله عمر بن لجأ: ولمــا أن قــرنت إلــى جـرير أبـــى ذو بطنـــه إلا انفجــارا (72) يعني: إلا خروجا وسيلانا.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: " وإن منها لما يشقق "، &; 2-239 &; وإن من الحجارة لحجارة يشقق.
وتشققها: تصدعها.
(73) وإنما هي: لما يتشقق, ولكن التاء أدغمت في الشين فصارت شينا مشددة.
وقوله: (فيخرج منه الماء) فيكون عينا نابعة وأنهارا جارية.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ قال أبو جعفر: يعني بذلك جل ثناؤه: وإن من الحجارة لما يهبط - أي يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح - (74) من خوف الله وخشيته.
وقد دللنا على معنى " الهبوط" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع.
(75) * * * قال أبو جعفر: وأدخلت هذه " اللامات " اللواتي في" ما "، توكيدا للخبر.
وإنما وصف الله تعالى ذكره الحجارة بما وصفها به - من أن منها المتفجر منه الأنهار, وأن منها المتشقق بالماء, وأن منها الهابط من خشية الله، بعد الذي جعل منها لقلوب الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل، (76) مثلا - معذرة منه جل ثناؤه لها، (77) دون الذين أخبر عن قسوة قلوبهم من بني إسرائيل إذ كانوا بالصفة التي وصفهم الله بها من التكذيب لرسله، والجحود لآياته، بعد الذي أراهم من الآيات والعبر، وعاينوا من عجائب الأدلة والحجج، مع ما أعطاهم تعالى ذكره من صحة العقول، ومن به عليهم من سلامة النفوس التي لم &; 2-240 &; يعطها الحجر والمدر, ثم هو مع ذلك منه ما يتفجر بالأنهار، ومنه ما يتشقق بالماء، ومنه ما يهبط من خشية الله, فأخبر تعالى ذكره أن من الحجارة ما هو ألين من قلوبهم لما يدعون إليه من الحق، كما:- 1316 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق.
* * * وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك: 1317 - حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد في قول الله جل ثناؤه: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله)، قال: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء, أو يتردى من رأس جبل, فهو من خشية الله عز وجل, نـزل بذلك القرآن.
1318 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد مثله.
1319 - حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ثم عذر الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم.
فقال: (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله).
1320 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أحبرنا معمر, عن قتادة مثله.
1321 - حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس قال: ثم عذر الله الحجارة فقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ .
1322 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا حجاج, عن ابن &; 2-241 &; جريج أنه قال فيها: كل حجر انفجر منه ماء، أو تشقق عن ماء، أو تردى من جبل, فمن خشية الله.
نـزل به القرآن.
* * * قال أبو جعفر: ثم اختلف أهل التأويل في معنى هبوط ما هبط من الحجارة من خشية الله.
فقال بعضهم: إن هبوط ما هبط منها من خشية الله تفيؤ ظلاله.
(78) وقال آخرون: ذلك الجبل الذي صار دكا إذ تجلى له ربه.
(79) وقال بعضهم: ذلك كان منه ويكون، بأن الله جل ذكره أعطى بعض الحجارة المعرفة والفهم, فعقل طاعة الله فأطاعه.
1324 - كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب، فلما تحول عنه حن.
(80) 1325 - وكالذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن ".
(81) &; 2-242 &; وقال آخرون: بل قوله: ( يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ) كقوله: جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ولا إرادة له.
قالوا وإنما أريد بذلك أنه من عظم أمر الله، يرى كأنه هابط خاشع من ذل خشية الله, كما قال زيد الخيل: بجـمع تضـل البلـق فـي حَجَراتـه تـرى الأكْـمَ منـه سـجدا للحـوافر (82) وكما قال سويد بن أبي كاهل يصف عدوا له: ســـاجد المنخـــر لا يرفعـــه خاشــع الطــرف أصـم المسـتمع (83) يريد أنه ذليل.
(84) وكما قال جرير بن عطية: لمـا أتـى خـبر الرسول تضعضعت ســور المدينــة والجبـال الخشـع (85) * * * وقال آخرون: معنى قوله: (يهبط من خشية الله)، أي: يوجب الخشية لغيره، بدلالته على صانعه، كما قيل: " ناقة تاجرة "، إذا كانت من نجابتها وفراهتها تدعو الناس إلى الرغبة فيها, كما قال جرير بن عطية: &; 2-243 &; وأعــور مـن نبهـان, أمـا نهـاره فــأعمى, وأمــا ليلــه فبصــير (86) فجعل الصفة لليل والنهار, وهو يريد بذلك صاحبه النبهاني الذي يهجوه, من أجل أنه فيهما كان ما وصفه به.
* * * وهذه الأقوال، وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل, فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها.
(87) * * * وقد دللنا فيما مضى على معنى " الخشية ", وأنها الرهبة والمخافة, فكرهنا إعادة ذلك في هذا الموضع.
(88) * * * القول في تأويل قوله تعالى : وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وما الله بغافل عما تعملون)، وما الله بغافل -يا معشر المكذبين بآياته، والجاحدين نبوة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, والمتقولين عليه الأباطيل من بني إسرائيل وأحبار اليهود- عما تعملون من أعمالكم الخبيثة، وأفعالكم الرديئة، ولكنه محصيها عليكم, فمجازيكم بها في الآخرة، أو معاقبكم بها في الدنيا.
(89) &; 2-244 &; وأصل " الغفلة " عن الشيء، تركه على وجه السهو عنه، والنسيان له.
* * * فأخبرهم تعالى ذكره أنه غير غافل عن أفعالهم الخبيثة، ولا ساه عنها, بل هو لها محص, ولها حافظ.
----------------- الهوامش : (54) لم أعرف قائله ، وسيأتي في 6 : 99 (بولاق) ، وكان في الأصل هنا"وقسا لدنى" ، وهو خطأ .
ولداتى جمع لدة ، ولدة الرجل : تربه ، ولد معه .
وقسا هنا بمعنى : أسن وكبر وولي شبابه ، وجف عوده .
ولم ترد بذلك المعنى في المعاجم .
(55) أنا في شك في ضبطه المصدر الأول من هذه المصادر الأربعة وهو"قسوا" ، وتبعت في ضبطه القاموس المحيط ، وإن ، كان قد ضبط بالقلم ، وأخشى أن يكون مصدرا على"فعول" مثل دنا يدنوا دنوا ، وسما يسمو سموا .
(56) في المطبوعة : "وما السبب" وليست بشيء .
(57) سياق العبارة بلا فصل"من بعد أن أحيى المقتول لهم .
.
وفصل بخبره بين المحق منهم والمبطل" .
(58) كانت هذه الجملة في المطبوعة هكذا : "كالحجارة صلابة ويبسا وغلظا وشدة ، أو أشد صلابة ، يعني قلوبكم عن الإذعان لواجب حق الله عليهم ، والإقرار له باللازم من حقوقه لهم من الحجارة" .
وكأنها سهو من الناسخ ، فرددته إلى أصله بحمد الله .
(59) اللسان (سكن) .
غاله الشيء يغوله : ذهب به فلم تدر أين هو وأجن: ستر وأخفى .
(60) ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام ، استظهرته من قوله بعد : "ولكنه أبهم على المخاطب" ، ومن تفسير ابن كثير 1 : 209 ، 210 .
(61) ديوانه : 32 (من نفائس المخطوطات) ، والأغاني 11 : 113 ، وإنباه الرواة 1 : 17 ، وسيأتي البيت الثاني وحده في 22 : 65 (بولاق) ورواية الديوان : "وفيهم أسوة إن كان غيا" .
(62) قوله"في الهادي من الضلال" يعني نبيه صلى الله عليه وسلم .
وعبارة الأغاني : أفترى الله عز وجل شك في نبيه" .
(63) سلف هذا البيت وتخريجه في 1 : 337 .
(64) ديوانه : 32 ، وروايته هناك"ونصفه" .
وهو من قصيدته المشهورة التي يعتذر فيها إلى النعمان .
والضمير في قوله : "قالت" إلى"فتاة الحي ، المذكورة في شعر قبله ، وهي زرقاء اليمامة .
وهو خبر مشهور ، لا نطيل بذكره .
(65) في المطبوعة : "فهي أوجه في القسوة من أن تكون كالحجارة أو أشد" ، واستظهرت تصويبه مما مضى آنفًا ، ومن تأويله بعد ، فوضعت"إما" مكان"من" .
(66) انظر ما سلف في 1 : 327 - 328 .
(67) في المطبوعة : "من وجد إلى ذلك سبيلا" .
وهو خطأ .
(68) زدت ما بين القوسين ، ليستقيم الكلام .
(69) في المطبوعة : "بذكر الماء عن ذكر الأنهار" ، وهو خطأ بين .
(70) في المطبوعة : "وإنما ذكر فقيل .
.
" ، وهو لا شيء .
(71) في المطبوعة : "من : فجر الماء" ، وهو خطأ يدل السياق على خلافه ، وهو ما أثبت .
(72) طبقات فحول الشعراء : 369 ، والأغاني 8 : 72 ، وروايتهما"إلا انحدارا" ، وراوية الطبري أعرق في الشعر .
وفي المطبوعة"قربت" ، وهو خطأ محض .
قاله عمر بن لجأا حين أخذهما أبو بكر ابن حزم - بأمر الوليد بن عبد الملك - فقرنهما ، وأقامهما على البلس يشهر بهما ، فكان التميمي ينشد هذا البيت في هجاء جرير .
وقوله : "ذو بطنه" ، كناية جيدة عما يشمأز من ذكره .
(73) أسقط ذكر الآية في المطبوعة ، كأنه استطال التكرار؛ وأقمنا الكلام على نهج أبي جعفر وفي المطبوعة : "لحجارة تشقق" ، ورددتها إلى الصواب أيضًا .
(74) تردى من الجبل ترديا : طاح وسقط .
(75) انظر ما سلف 1 : 534 ، وهذا الجزء 2 : 132 .
(76) سياق هذه العبارة : جعل منها مثلا لقلوب الذين .
(77) وسياق هذه الجملة : وإنما وصف الله بما وصفها به .
.
معذرة منه لها" أي للحجارة ، وما بين ذلك فصل كدأب جعفر رحمه الله .
(78) يريد قوله تعالى في سورة النحل : 48 ( أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ ) .
وانظر تفسير الآية من تفسير الطبري 14 : 78 ، 79 (بولاق) .
(79) يريد قوله تعالى في سورة الأعراف : 143 : ( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ) .
(80) الحديث : 1324 - قصة حنين الجذع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، متواترة صحيحة ، لا يشك في صحتها إلا من لا يريد أن يؤمن .
وقد عقد الحافظ ابن كثير في التاريخ بابا لذلك 6 : 125 - 132 قال في أوله : "باب حنين الجذع شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وشفقا من فراقه .
وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة ، بطرق متعددة ، تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن ، وفرسان هذا الميدان، ثم ساق من الأحاديث الصحاح من دواوين السنة .
وانظر منها في المسند: 2236 ، 3430 من حديث ابن عباس .
و2237 ، 3431 ، من حديث أنس .
و3432 من حديث ابن عباس وأنس .
وصحيح البخاري 6 : 443 (من الفتح) .
(81) الحديث : 1325 - روى مسلم في صحيحه 2 : 203 - 204 ، عن جابر بن سمرة قال : "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني لأعرف حجرا بمكة ، كان يسلم عليّ قبل أن أبعث ، إني لأعرفه الآن" .
وذكره ابن كثير في التاريخ 6 : 134 ، من مسند أحمد ، ثم نسبه لصحيح مسلم ، ومسند الطيالسي .
(82) مضى هذا البيت في هذا الجزء : 2 : 104 وورد هنا"ترى الأكم فيها" والصواب ما أثبته ، كما مضى آنفًا ، وفي الأضداد لابن الأنباري"منها" مكان"فيها" .
(83) المفضليات : 407 ، والأضداد لابن الأنباري : 257 .
من قصيدته المحكمة .
و"ساجد" منصوب إذ قبله ، في ذكر عدوه هذا : ثــم ولـى وهـو لا يحـمى اسـته طــائر الإتــراف عنـه قـد وقـع وفي الأصل المطبوع : "إذ يرفعه" ، وهو خلل في الكلام .
وأثبت ما في المفضليات ، ورواية ابن الأنباري : "ما يرفعه" .
.
يقول أذله فطأطأ رأسه خزيا ، وألزم الأرض بصره ، وصار كأنه أصم لا يسمع ما يقال له ، فهو لا حراك به ، مات وهو حي قائم ، لا يحير جوابا .
ولذلك قال بعده : فـــر منــي هاربــا شــيطانه حــيث لا يعطـى, ولا شـيئا منـع (84) هذه الجملة كانت قبل البيت ، فرددتها إلى حيث ينبغي أن ترد .
(85) سلف هذا البيت وتخرجه في هذا الجزء 2 : 17 ، وروايته هناك "خبر الزبير" ، وهي أصح وأجود .
(86) سلف هذا البيت وتخريجه في 1 : 317 من طبعتنا هذه ، وأغفلت هناك أن أرده إلى هذا الموضع من التفسير ، فقيده .
(87) ليت من تهور من أهل زماننا ، فاجترأ على جعل كتاب ربه منبعا يستقى منه ما يشاء لأهوائه وأهواء أصحاب السلطان - سمع ما يقول أبو جعفر ، فيما تجيزه لغة العرب ، فكيف بما هو تهجم على كلام ربه بغير علم ولا هدى ولا حجة؟
اللهم إنا نبرأ إليك منهم ، ونستعيذ بك أن نضل على آثارهم .
(88) انظر ما سلف 1 : 559 - 560 ، وهو من تفسير" فارهبون" ، ولم ترد مادة (خشي) في القرآن قبل هذا الموضع ، فلذلك قطعت بأنه أحال على هذه الآية .
(89) كانت في المطبوعة"يحصيها ، .
.
فيجازيكم .
.
أو يعاقبكم" بالياء في أولها جميعا ، واستجزت أن أردها إلى الاسمية ، لأن الطبري هكذا يقول ، وقد سلف مثل ذلك مرارا ، ورأيت النساخ تصرفوا فيه كما بيناه في موضعه .
فاستأنست بنهجه في بيانه ، وهو أبلغ وأقوم .
قوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله وما الله بغافل عما تعملونقوله تعالى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك القسوة : الصلابة والشدة واليبس وهي عبارة عن خلوها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى .
قال أبو العالية وقتادة وغيرهما : المراد قلوب جميع بني إسرائيل .
وقال ابن عباس : المراد قلوب ورثة القتيل ؛ لأنهم حين حيي وأخبر بقاتله وعاد إلى موته أنكروا قتله ، وقالوا : كذب ، بعد ما رأوا هذه الآية العظمى ، فلم يكونوا قط أعمى قلوبا ولا أشد تكذيبا لنبيهم منهم عند ذلك ، لكن نفذ حكم الله بقتله .
روى الترمذي عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي .
وفي مسند البزار عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أربعة من الشقاء : جمود العين ، وقساوة القلب ، وطول الأمل ، والحرص على الدنيا .قوله تعالى : فهي كالحجارة أو أشد قسوة أو قيل هي بمعنى الواو كما قال : آثما أو كفورا .
عذرا أو نذرا وقال الشاعر :نال الخلافة أو كانت له قدراأي : وكانت .
وقيل : هي بمعنى بل ، كقوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون المعنى بل يزيدون .
وقال الشاعر :بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى وصورتها أو أنت في العين أملحأي : بل أنت وقيل : معناها الإبهام على المخاطب ، ومنه قول أبي الأسود الدؤليأحب محمدا حبا شديدا وعباسا وحمزة أو عليافإن يك حبهم رشدا أصبه ولست بمخطئ إن كان غياولم يشك أبو الأسود أن حبهم رشد ظاهر ، وإنما قصد الإبهام .
وقد قيل لأبي الأسود حين قال ذلك : شككت قال : كلا ، ثم استشهد بقوله تعالى : وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين وقال : أو كان شاكا من أخبر بهذا ؟
وقيل : معناها التخيير ، أي : شبهوها بالحجارة تصيبوا ، أو بأشد من الحجارة تصيبوا ، وهذا كقول القائل : جالس الحسن أو ابن سيرين ، وتعلم الفقه أو الحديث أو النحو .
قيل : بل هي على بابها من الشك ، ومعناها : عندكم أيها المخاطبون وفي نظركم أن لو شاهدتم قسوتها لشككتم : أهي كالحجارة أو أشد من الحجارة ؟
وقد قيل هذا المعنى في قوله تعالى : إلى مائة ألف أو يزيدون وقالت فرقة : إنما أراد الله تعالى أن فيهم من قلبه كالحجر ، وفيهم من قلبه أشد من الحجر ، فالمعنى : هم فرقتان ." أو أشد " أشد مرفوع بالعطف على موضع الكاف في قوله كالحجارة ؛ لأن المعنى : فهي مثل الحجارة أو أشد .
ويجوز أو " أشد " بالفتح عطف على الحجارة .
و " قسوة " نصب على التمييز .
وقرأ أبو حيوة " قساوة " والمعنى واحد .قوله تعالى : وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء قد تقدم معنى الانفجار .
ويشقق أصله يتشقق ، أدغمت التاء في الشين ، وهذه عبارة عن العيون التي لم تعظم حتى تكون أنهارا ، أو عن الحجارة التي تتشقق ، وإن لم يجر ماء منفسح .
وقرأ ابن مصرف " ينشقق " بالنون ، وقرأ " لما يتفجر " " لما يتشقق " بتشديد " لما " [ ص: 432 ] في الموضعين .
وهي قراءة غير متجهة .
وقرأ مالك بن دينار " ينفجر " بالنون وكسر الجيم .
قال قتادة : عذر الحجارة ولم يعذر شقي بني آدم .
قال أبو حاتم : يجوز " لما تتفجر " بالتاء ، ولا يجوز لما تتشقق بالتاء ؛ لأنه إذا قال تتفجر أنثه بتأنيث الأنهار ، وهذا لا يكون في تشقق .
قال النحاس : يجوز ما أنكره على المعنى ؛ لأن المعنى : وإن منها لحجارة تتشقق ، وأما يشقق فمحمول على لفظ " ما " .
والشق واحد الشقوق ، فهو في الأصل مصدر ، تقول : بيد فلان ورجليه شقوق ، ولا تقل : شقاق ، إنما الشقاق داء يكون بالدواب ، وهو تشقق يصيب أرساغها ، وربما ارتفع إلى وظيفها ، عن يعقوب .
والشق : الصبح .
و " ما " في قوله : " لما يتفجر " في موضع نصب ؛ لأنها اسم إن واللام للتأكيد .
" منه " على لفظ " ما " ، ويجوز " منها " على المعنى ، وكذلك وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء .
وقرأ قتادة " وإن " في الموضعين ، مخففة من الثقيلة .قوله تعالى : وإن منها لما يهبط من خشية الله يقول : إن من الحجارة ما هو أنفع من قلوبكم ، لخروج الماء منها وترديها .
قال مجاهد : ما تردى حجر من رأس جبل ، ولا تفجر نهر من حجر ، ولا خرج منه ماء إلا من خشية الله ، نزل بذلك القرآن الكريم .
ومثله عن ابن جريج .
وقال بعض المتكلمين في قوله : وإن منها لما يهبط من خشية الله : البرد الهابط من السحاب .
وقيل : لفظة الهبوط مجاز ، وذلك أن الحجارة لما كانت القلوب تعتبر بخلقها ، وتخشع بالنظر إليها ، أضيف تواضع الناظر إليها ، كما قالت العرب : ناقة تاجرة ، أي : تبعث من يراها على شرائها .
وحكى الطبري عن فرقة أن الخشية للحجارة مستعارة ، كما استعيرت الإرادة للجدار في قوله : يريد أن ينقض ، وكما قال زيد الخيل :لما أتى خبر الزبير تواضعت سور المدينة والجبال الخشعوذكر ابن بحر أن الضمير في قوله تعالى : " وإن منها " راجع إلى القلوب لا إلى الحجارة أي : من القلوب لما يخضع من خشية الله .قلت : كل ما قيل يحتمله اللفظ ، والأول صحيح ، فإنه لا يمتنع أن يعطى بعض الجمادات المعرفة فيعقل ، كالذي روي عن الجذع الذي كان يستند إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا [ ص: 433 ] خطب ، فلما تحول عنه حن ، وثبت عنه أنه قال : إن حجرا كان يسلم علي في الجاهلية إني لأعرفه الآن .
وكما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : قال لي ثبير اهبط فإني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله .
فناداه حراء : إلي يا رسول الله .
وفي التنزيل : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال الآية .
وقال : لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله يعني تذللا وخضوعا ، وسيأتي لهذا مزيد بيان في سورة " سبحان " إن شاء الله تعالى .قوله تعالى : وما الله بغافل عما تعملون بغافل في موضع نصب على لغة أهل الحجاز ، وعلى لغة تميم في موضع رفع .
والباء توكيد عما تعملون أي : عن عملكم حتى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا يحصيها عليكم ، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره .
ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ولا تحتاج " ما " إلى عائد إلا أن يجعلها بمعنى الذي ، فيحذف العائد لطول الاسم ، أي : عن الذي تعملونه .
وقرأ ابن كثير " يعملون " بالياء ، والمخاطبة على هذا لمحمد عليه السلام .
{ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ } أي: اشتدت وغلظت, فلم تؤثر فيها الموعظة، { مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } أي: من بعد ما أنعم عليكم بالنعم العظيمة وأراكم الآيات، ولم يكن ينبغي أن تقسو قلوبكم, لأن ما شاهدتم, مما يوجب رقة القلب وانقياده، ثم وصف قسوتها بأنها { كَالْحِجَارَةِ } التي هي أشد قسوة من الحديد، لأن الحديد والرصاص إذا أذيب في النار, ذاب بخلاف الأحجار.
وقوله: { أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً } أي: إنها لا تقصر عن قساوة الأحجار، وليست \" أو \" بمعنى \" بل \" ثم ذكر فضيلة الأحجار على قلوبهم، فقال: { وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ } فبهذه الأمور فضلت قلوبكم.
ثم توعدهم تعالى أشد الوعيد فقال: { وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ } بل هو عالم بها حافظ لصغيرها وكبيرها, وسيجازيكم على ذلك أتم الجزاء وأوفاه.
واعلم أن كثيرا من المفسرين رحمهم الله, قد أكثروا في حشو تفاسيرهم من قصص بني إسرائيل, ونزلوا عليها الآيات القرآنية, وجعلوها تفسيرا لكتاب الله, محتجين بقوله صلى الله عليه وسلم: \" حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج \" والذي أرى أنه وإن جاز نقل أحاديثهم على وجه تكون مفردة غير مقرونة, ولا منزلة على كتاب الله, فإنه لا يجوز جعلها تفسيرا لكتاب الله قطعا إذا لم تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن مرتبتها كما قال صلى الله عليه وسلم: \" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم \" فإذا كانت مرتبتها أن تكون مشكوكا فيها, وكان من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن القرآن يجب الإيمان به والقطع بألفاظه ومعانيه، فلا يجوز أن تجعل تلك القصص المنقولة بالروايات المجهولة, التي يغلب على الظن كذبها أو كذب أكثرها, معاني لكتاب الله, مقطوعا بها ولا يستريب بهذا أحد، ولكن بسبب الغفلة عن هذا حصل ما حصل، والله الموفق.
قوله تعالى: {ثم قست قلوبكم} يبست وجفت، جفاف القلب: خروج الرحمة واللين عنه، وقيل: غلظت، وقيل: اسودت.
{من بعد ذلك} من بعد ظهور الدلالات.
قال الكلبي: "قالوا بعد ذلك: نحن لم نقتله، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك".
{فهي} أي في الغلظة والشدة.
{كالحجارة أو أشد قسوة} قيل: أو بمعنى بل، وقيل: بمعنى الواو كقوله تعالى: {مائة ألف أو يزيدون} [147-الصافات] أي: بل يزيدون أو ويزيدون، وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود عليه السلام، والحجارة لا تلين قط، ثم فضل الحجارة على القلب القاسي فقال: {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار} قيل: أراد به (جميع) الحجارة، وقيل: أراد به الحجر الذي كان يضرب عليه موسى للأسباط.
{وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء} أراد به عيوناً دون الأنهار.
{وإن منها لما يهبط} ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله.
{من خشية الله} وقلوبكم لا تلين ولا تخشع يا معشر اليهود.
فإن قيل: جماد لا يفهم، فكيف (يخشى)؟
قيل: الله يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه.
ومذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خلق علماً في الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقل، لا يقف عليه غيره، فلها صلاة وتسبيح وخشية كما قال جل ذكره: {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} [44-الاسراء]، وقال: {والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} [41-النور]، وقال: {ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض والشمس والقمر} [18-الحج] الآية، فيجب (المؤمن) الإيمان به ويكل علمه إلى الله تعالى سبحانه وتعالى.
ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان على ثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل: انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ علي فيعاقبني الله بذلك فقال له جبل حراء: إلي يا رسول الله.
أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي ثنا السيد أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي أنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب النيسابوري أنا محمد بن إسماعيل الصائغ أنا يحيى بن أبي بكر أنا إبراهيم بن طهمان عن سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن" [ هذا حديث صحيح أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن يحيى بن أبي بكر.
وصح عن أنس "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طلع على أُحُد فقال: هذا جبل يحبنا و نحبه".
وروي عن أبي هريرة يقول: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح ثم أقبل على الناس بوجهه وقال: بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فضربها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا لحراثة الأرض فقال الناس: سبحان الله بقرة تتكلم!؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أومن به أنا وأبو بكر وعمر وماهُمَا ثَمّ، وقال: " بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فأدركها صاحبها فاستنفذها، فقال الذئب: فمن لها يوم السبع؟
أي يوم القيامة، يوم لا راعي لها غيري، فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم؟
فقال: أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم".
وصح عن أبي هريرة قال:"كان رسول صلى الله عليه وسلم على حراء وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم اهدأ -أي: اسكن- فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" صحيح أخرجه مسلم .
أنا أحمد بن عبد الله الصالحي أنا أبو سعيد يحيى بن أحمد بن علي الصانع أنا أبو الحسن علي بن إسحاق بن هشام الرازي أنا محمد بن أيوب بن ضريس البجلي الرازي أنا محمد بن الصباح عن الوليد بن أبي ثور عن السدي عن عباد بن أبي يزيد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا في نواحيها خارجاً من مكة بين الجبال والشجر، فلم يمر بشجرة ولا جبل إلا قال السلام عليك يارسول الله".
أنا أبو الحسن عبد الوهاب بن محمد الخطيب أنا عبد العزيز بن أحمد الخلال أنا أبو العباس الأصم أنا الربيع أنا الشافعي أنا عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خطب استند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له المنبر فاستوى عليه اضطربت تلك السارية وحنت كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتنقها فسكنت".
قال مجاهد: "لا ينزل حجر من أعلى إلى الأسفل إلا من خشية الله".
ويشهد لما قلنا قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} [21-الحشر].
قوله عز وجل: {وما الله بغافل} بِسَاه.
{عما تعملون} وعيد وتهديد، وقيل: بتارك عقوبة ما تعملون، بل يجازيكم به.
قرأ ابن كثير (يعملون) بالياء، والآخرون بالتاء.
«ثم قست قلوبكم» أيها اليهود صلبت عن قبول الحق «من بعد ذلك» المذكور من إحياء القتيل وما قبله من الآيات «فهي كالحجارة» في القسوة «أو أشد قسوة» منها «وإن من الحجارة لما يتفجَّر منه الأنهار وإن منها لما يشقق» فيه إدغام التاء في الأصل في الشين «فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط» ينزل من علو إلى أسفل «من خشية الله» وقلوبكم لا تتأثر ولا تلين ولا تخشع «وما الله بغافل عما تعلمون» وإنما يؤخركم لوقتكم وفي قراءة بالتحتانية وفيه التفات عن الخطاب.
ولكنكم لم تنتفعوا بذلك؛ إذ بعد كل هذه المعجزات الخارقة اشتدت قلوبكم وغلظت، فلم يَنْفُذ إليها خير، ولم تَلِنْ أمام الآيات الباهرة التي أريتكموها، حتى صارت قلوبكم مثل الحجارة الصمَّاء، بل هي أشد منها غلظة؛ لأن من الحجارة ما يتسع وينفرج حتى تنصبَّ منه المياه صبًا، فتصير أنهارًا جاريةً، ومن الحجارة ما يتصدع فينشق، فتخرج منه العيون والينابيع، ومن الحجارة ما يسقط من أعالي الجبال مِن خشية الله تعالى وتعظيمه.
وما الله بغافل عما تعملون.
ثم بين القرآن الكريم ، بعد ذلك أن هذه المعجزات الباهرة التي تزلزل المشاعر ، وتهز القلوب ، وتبعث في النفوس الإِيمان ، لم تؤثر في قلوب بني إسرائيل الصلدة لأنه قد طرأ عليهم بعد رؤيتها ما أزال آثارها من قلوبهم ، ومحا الاعتبار بها من عقولهم ، فقال تعالى : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) .والمعنى : ثم صلبت قلوبكم - يا بني إسرائيل - وغلظت من بعد أن رأيت ما رأيتم من معجزات منها إحياء القتيل أمام عينكم ، فهي كالحجارة في صلابتها وببوستها ، بل هي أشد صلابة منها ، لأن من الحجرة ما فيه ثقوب متعددة ، وخروق متسعة ، فتتدفق منه مياه الأنهار التي تعود بالمنافع على المخلوقات ، ولأن من بينها ما يتصدق تصدعاً قليلاً فيخرج منه ماء اليعون والآبار ولأن منها ما يتردى من رأس الجبل إلى الأرض والسفح من خوف الله وخشيته ، أما أنتم - يا بني إسرائيل - فإن قلوبكم لا تتأثر بالمواعظ ولا تنقاد للخير ، ولا تفعل ما تؤمر به مهما تعاقبت عليكم النعم والنقم والآيات ، وما الله بغافل عما تعملون .وقوله تعالى : ( ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذلك فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) بيان لما طرأ على قلوب بني إسرائيل من بعد عن الاعتبار ، وعدم تأثر بالعظات وإعراض عن الإِنابة والإِذعان لآيات الله وتحلل من المواثيق التي أقروا بها على أنفسهم وجيء ( بثم ) التي هي للترتيب والتراخي .
لاستبعاد استيلاء الغلظة والقسوة على قلوبهم بعد أن رأوا الكثير من المعجزات ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم - بعد أن ساق لهم قصة البقرة وما ترتب عليها من منافع وعبر : ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم - يا بني إسرائيل - ولم تفدكم المعجزات : فقست قلوبكم وكان من المستبعد أن تقسوا .وقوله تعالى : ( بَعْدِ ذلك ) فيه زيادة تعجيب من إحاطة القساوة بقلوبهم ، بعد توالى النعم ، وتكاثر المعجزات التي أشار القرآن الكريم إلى بعضها في الآيات السابقة .واسم الإِشارة ( ذلك ) مشار به إلى إحياء القتيل بعد ضربه بجزء من البقرة أو إلى جميع النعم والمعجزات الواردة في الآيات السابقة .و ( أو ) في قوله تعالى : ( فَهِيَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ) قيل : للتنويع ، فإن قلوبهم متفاوتة في القسوة ، فمنها ما هو قاس كالحجارة ، ومنها ما هو أشد منها قسوة ، أي : فبعض قلوبكم كالحجارة في صلابتها وبعضها أشد من الحجارة في صلابتها .وقيل : للتشكيك بالنسبة للمخاطبين ، لا إلى المتكلم ، كأن يقول أحد الناس لآخر ، إن هذه القلوب قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها .والأظهر أن تكون للإِضراب على طريقة المبالغة والمعنى : ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة بل هي أشد منها قسوة ، إذ لا شعور فيها يأتي بخير ، والحجارة ليست كذلك .وشبه - سبحانه - قلوبهم بالحجارة في القسوة ، لأن صلابة الحجرة أعرف للناس وأشهر ، حيث إنها محسوسة لديهم ومتعارفة بينهم ولذا جاء التشبيه بها .قال صاحب الكشاف : فإن قلت لم قيل أشد قسوة ، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟
قلت : لكونه أبين وأدل على فرط القسوة ، ووجه آخر ، وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة .
كأنه قيل اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة " .وقوله تعالى : ( وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ المآء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ) بيان لفضل الحجارة على قلوبهم القاسية ، قصد به إظهار زيادة قسوة قلوبهم عن الحجارة ، لأن هذا الأمر لغرابته يحتاج إلى بيان سببه .فكأنه - سبحانه - يقول لهم .
إن هذه الحجارة على صلابتها ويبوستها منها ما تحدث فيه المياه خروقاً واسعة تتدفق منها الأنهار الجارية النافعة ، ومنها ما تحدث فيه المياه شقوقاً مختلفة تنجم عنها العيون النابعة ، والآبار الجوفية المفيدة .
ومنهخا ما ينقاد لأوامر الله عن طواعية وامتقال .
أما قلوبكم أنتم فلا يصدر عنها نفع ، ولا تتأثر بالعظات والعبر ، ولا تنقاد للحكم التي من شأنها هداية النفوس .وقوله تعالى : ( وَمَا الله بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ) تهديد وتخويف ، حيث إنه - سبحانه - سيحاسبهم على أعمالهم ، وسيذيقهم ما يستحقونه من عقاب جزاء جحودهم لنعمه ، وعصيانهم لأمره .وبذلك تكون الآية الكريمة قد وصفت بني إسرائيل بما هم أهله .
من قساوة القلب وانطماس البصيرة ، وعدم التأثر بالعظات مهما كثرت .
وبالىيات مهما توالت .ما يؤخذ من هذه القصة من العظات والعبر :اشتملت هذه القصة على كثير من العظات والتوجيهات الإِلهية من ذلك .1 - دلالتها على ما جبل عليه بنو إسرائيل من فظاظة وغلظة ، وسوء أدب مع مرشيدهم ، وإحفاء في الأسئلة بلا موجب ، وعدم استعداد للتسليم بما يأتيهم به الرسل ، ومما طلة في الانصياع للتكاليف ، وانحراف عن الطريق المستقيم .2 - دلالتها على أن التنطع في الدين ، والإِلحاف في المسألة يؤديان إلى التشديد في الأحكام ، لأن بني إسرائيل لو أنهم أول الأمر عمدوا إلى ذبح أي بقرة لأجزأتهم ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم .أخرد ابن جرير - رحمه الله - عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : " لو أن القوم أخذوا أدنى بقرة لأجزائهم .لكنهم شددوا فشد الله عليهم " .وقد أدى بهم هذا التنطع والتشديد إلى تضييق دائرة اختيارهم ، وتكثير للشروط التي يجب توافرها في البقرة المطلوبة ، وذلك لتأديبهم على مما طلتهم وبلادة عقولهم ، وسوء تلقيهم للشريعة بأنواع من التقصير عملا وشكرا وفهما ، وبذلك يعلم أن ما كلفهم الله به أولا هو ذبح بقرة ما ، وأن ما أمروا به بعد ذلك من كونها صفراء سالمة من آثار الخدمة ليس من باب تأخير البيان عن وقت الخطاب ، وإنما هو تشريع طارئ قصد منه تأديبهم على تعنتهم ولجاجهم وكثرة أسئلتهم .وقد جاءت تعاليم الإِسلام بالنهي عن كثرة السؤال قال تعالى :( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَآءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُواْ عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القرآن تُبْدَ لَكُمْ عَفَا الله عَنْهَا والله غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُواْ بِهَا كَافِرِينَ ) وفي الحديث الشريف : " ذروني ما تركتكم ، فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم ، واختلافهم على أنبيائهم ، فإذا أمرتكم بشيء فأتوه ، وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا عنه ما استطعتم " .قال صاحب المنار : " وقد امتثل سلفنا لأمر الله فلم يشددوا على أنفسهم ، فكان الدين عندهم فطرياً وحنيفياً سمحاً ، ولكن من خلفهم عمد إلى ما عفا الله عنه فاستخرج له أحكاماً استنبطها باجتهاده ، حتى صار الدين حملا ثقيلا على الأمة فسئمته وملت وألقته وتخلت " .4 - قال الإِمام ابن القيم - رحمه الله - : وفي هذه القصة أنواع من العبر منها .أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور به وجه الحكمة فيه بالإِنكار ، فإن القوم لما قال لهم نبيهم ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) قابلوا هذا الأمر بقولهم : ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) فلما لم يعلموا وجه الحكمة في ارتباط هذا الأمر بما سألو عنه قالوا ( أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ) .
وهذا من غاية جهلهم بالله ورسوله ، فإنه أخبرهم عن أمر الله لهم بذلك ، فلما قال لهم : ( أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين ) وتيقنوا أن الله - تعالى - أمره بذلك ، أخذوا في التعنت بسؤالهم عن عينها ولنها ، فلما أخبروا عن ذلك رجعوا إلى السؤال مرة ثالثة ، فلما تعينت لهم ولم يبق إشكال توقفوا في الامتثال ، ولم يكادوا يفعلون .ثم من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم : ( الآن جِئْتَ بالحق ) فإن أردوا بذلك : أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة ، فتلك ردة وكفر ظاهر ، وإن أرادوا : أنك الآن بينت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر ، فإن البيان قد حصل بقوله : ( إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ) فإنه لا إجمال في الأمر ولا في الفعل ولا في المذبوح فقد جاء رسول الله بالحق من أول مرة .قال الإِمام بن جرير : " وقد كان بعض من سلف يزعم أن القوم ارتدوا عن دينهم وكفروا بقولهم لموسى ( الآن جِئْتَ بالحق ) وزعم أن ذلك نفي منهم أن يكون موسى - عليه السلام - أتاهم بالحق في أمر البقرة قبل ذلك ، وأن ذلك كفر منهم ، وليس الأمر كما قال عندنا ، لأنهم قد أذعنوا بالطاعة بذبحها ، وإن كان قولهم الذي قالوه لموسى يعد من جهالاتهم وهفوة من هفواتهم " .( ب ) ومنها : الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم من معاد الأبدان ، وقيام الموتى من قبورهم .( ج ) ومنها : إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق المتوعات ، زيادة في هداية المهتدى ، وأعذارا وإنذارا للضال :( د ) - ومنها : الإِخبار عن قساوة هذه الأمة وغلظها ، وعدم تمكن الإِيمان فيها .قال عبد الصمد بن معقل عن وهب : كان ابن عباس يقول " إن القوم بعد أن أحيا الله - تعالى - الميت فأخبرهم يقاتله ، أنكروا قتله ، وقالوا : والله ما قتلناه بعد أن رأوا الآيات الحق " .( ه ) ومنها : مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً ، فإن القاتل قصد ميراث المقتول ، ودافع القاتل عن نفسه ، ففضحة الله - تعالى - وهتكه ، وحرمه ميراث المقتول .( و ) ومنها : أن بني إسرائيل فتنوا بالبقرة مرتين من سائر الدواب ففتنوا بعبادة العجل وفتنوا بالأمر بذبح البقرة ، والبقرة من أبلد الحيوان حتى ليضرب به المثل في البلادة .ثم قال الإِمام ابن القيم في ختام حديثه عن هذه القصة : والظاهر أن هذه كانت بعد قصة العجل؛ ففي الأمر بذبح البقرة تنبيه على أن هذا النوع من الحيوان الذي لا يمتنع من الذبح والحرث والسقي ، لا يصلح أن يكون إلهاً معبوداً من دون الله ، وأنه إنما يصلح للذبح والحرث والسقي والعمل " .5 - دلالتها على قدرة الله - تعالى - فإن إحياء الميت عن طريق الضرب بقطعة من جسم بقرة مذبوحة - دليل على قدرة الله - تعالى - على الإِحياء والإِماتة وما هذا الضرب إلا وسيلة كشفت للناس عن طريق المشاهدة عن آثار قدرته - تعالى - التي لا يدرون كيف تعمل ، فهم يرون آثارها الخارقة ولكنهم لا يعرفون كنهها ، وصدق الله حيث يقول : ( فَقُلْنَا اضربوه بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي الله الموتى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .وإلى هنا تكون هذه القصة قد دمغت بني إسرائيل برذيلة التنطع في الدين ، والتعنت في الأسئلة ، والإِساءة إلى نبيهم - عليه السلام - وعدم اعتبارهم بالعظات والمثلات .
لقساوة قلوبهم ، وسوء طباعهم ، وانطماس بصيرتهم ( يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ )
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مّن بَعْدِ ذلك ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: الشيء الذي من شأنه بأصل ذاته أن يقبل الأثر عن شيء آخر ثم إنه عرض لذلك القابل ما لأجله صار بحيث لا يقبل الأثر فيقال لذلك القابل: إنه صار صلباً غليظاً قاسياً، فالجسم من حيث إنه جسم يقبل الأثر عن الغير إلا أن صفة الحجرية لما عرضت للجسم صار جسم الحجر غير قابل وكذلك القلب من شأنه أن يتأثر عن مطالعة الدلائل والآيات والعبر وتأثره عبارة عن ترك التمرد والعتو والاستكبار وإظهار الطاعة والخضوع لله والخوف من الله تعالى، فإذا عرض للقلب عارض أخرجه عن هذه الصفة صار في عدم التأثر شبيهاً بالحجر فيقال: قسا القلب وغلظ، ولذلك كان الله تعالى وصف المؤمنين بالرِّقة فقال: ﴿ كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ .
المسألة الثانية: قال القفال: يجوز أن يكون المخاطبون بقوله: ﴿ قُلُوبُكُمْ ﴾ أهل الكتاب الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وسلم، أي اشتدت قلوبكم وقست وصلبت من بعد البينات التي جاءت أوائلكم والأمور التي جرت عليهم والعقاب الذي نزل بمن أصر على المعصية منهم والآيات التي جاءهم بها أنبياؤهم والمواثيق التي أخذوها على أنفسهم وعلى كل من دان بالتوراة ممن سواهم، فاخبر بذلك عن طغيانهم وجفائهم مع ما عندهم من العلم بآيات الله التي تلين عندها القلوب، وهذا أولى لأن قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ خطاب مشافهة، فحمله على الحاضرين أولى، ويحتمل أيضاً أن يكون المراد أولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى عليه السلام خصوصاً، ويجوز أن يريد من قبلهم من سلفهم.
المسألة الثالثة: قوله تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ يحتمل أن يكون المراد من بعد ما أظهره الله تعالى من إحياء ذلك القتيل عند ضربه ببعض البقرة المذبوحة حتى عين القاتل، فإنه روي أن ذلك القتيل لما عين القاتل نسبه القاتل إلى الكذب وما ترك الإنكار، بل طلب الفتنة وساعده عليه جمع، فعنده قال تعالى واصفاً لهم: إنهم بعد ظهور مثل هذه الآية قست قلوبهم، أي صارت قلوبهم بعد ظهور مثل هذه الآية في القسوة كالحجارة ويحتمل أن يكون قوله: ﴿ مِن بَعْدِ ذلك ﴾ إشارة إلى جميع ما عدد الله سبحانه من النعم العظيمة والآيات الباهرة التي أظهرها على يد موسى عليه السلام، فإن أولئك اليهود بعد أن كثرت مشاهدتهم لها ما خلوا من العناد والاعتراض على موسى عليه السلام وذلك بين في أخبارهم في التيه لمن نظر فيها.
أما قوله تعالى: ﴿ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ فيه مسائل.
المسألة الأولى: كلمة أو للترديد وهي لا تليق بعلام الغيوب، فلابد من التأويل وهو وجوه: أحدها: أنها بمعنى الواو كقوله تعالى: ﴿ إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ بمعنى ويزيدون، وكقوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لبعواتهن أو آبائهن ﴾ والمعنى وآبائهن وكقوله: ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ يعني وبيوت آبائكم.
ومن نظائره قوله تعالى: ﴿ لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يخشى ﴾ ، ﴿ فَٱلْمُلْقِيَٰتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ﴾ .
وثانيها: أنه تعالى أراد أن يبهمه على العباد فقال ذلك كما يقول المرء لغيره: أكلت خبزاً أو تمراً وهو لا يشك أنه أكل أحدهما إذا أراد أن يبينه لصاحبه.
وثالثها: أن يكون المراد فهي كالحجارة، ومنها ما هو أشد قسوة من الحجارة.
ورابعها: أن الآدميين إذا اطلعوا على أحوال قلوبهم قالوا: إنها كالحجارة أو هي أشد قسوة من الحجارة وهو المراد في قوله: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أدنى ﴾ أي في نظركم واعتقادكم.
وخامسها: أن كلمة أو بمعنى بل وأنشدوا: فوالله ما أدري أسلمى تغولت *** أم القوم أو كل إلي حبيب قالوا: أراد بل كل.
وسادسها: أنه على حد قولك ما آكل إلا حلواً أو حامضاً أي طعامي لا يخرج عن هذين، بل يتردد عليهما، وبالجملة: فليس الغرض إيقاع التردد بينهما، بل نفي غيرهما.
وسابعها: أن أو حرف إباحة كأنه قيل بأي هذين شبهت قلوبهم كان صدقاً كقولك: جالس الحسن أو ابن سيرين أي أيهما جالست كنت مصيباً ولو جالستهما معاً كنت مصيباً أيضاً.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: أشد معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل: أشد قسوة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وإما على أو هي أنفسها أشد قسوة.
المسألة الثالثة: إنما وصفها بأنها أشد قسوة لوجوه: أحدها: أن الحجارة لو كانت عاقلة ولقيتها هذه الآية لقبلنها كما قال: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ .
وثانيها: أن الحجارة ليس فيها امتناع مما يحدث فيها بأمر الله تعالى وإن كانت قاسية بل هي منصرفة على مراد الله غير ممتنعة من تسخيره، وهؤلاء مع ما وصفنا من أحوالهم في اتصال الآيات عندهم وتتابع النعم من الله عليهم يمتنعون من طاعته ولا تلين قلوبهم لمعرفة حقه وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ والذين كَذَّبُواْ باياتنا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظلمات ﴾ كأن المعنى أن الحيوانات من غير بني آدم أمم سخر كل واحد منها لشيء وهو منقاد لما أريد منه وهؤلاء الكفار يمتنعون عما أراد الله منهم.
وثالثها: أو أشد قسوة، لأن الأحجار ينتفع بها من بعض الوجوه، ويظهر منها الماء في بعض الأحوال، أما قلوب هؤلاء فلا نفع فيها ألبتة ولا تلين لطاعة الله بوجه من الوجوه.
المسألة الرابعة: قال القاضي: إن كان تعالى هو الخالق فيهم الدوام على ما هم عليه من الكفر، فكيف يحسن ذمهم بهذه الطريقة ولو أن موسى عليه السلام خاطبهم فقالوا له: إن الذي خلق الصلابة في الحجارة هو الذي خلق في قلوبنا القسوة والخالق في الحجارة انفجار الأنهار هو القادر على أن ينقلنا عما نحن عليه من الكفر بخلق الإيمان فينا، فإذا لم يفعل فعذرنا ظاهر لكانت حجتهم عليه أوكد من حجته عليهم، وهذا النمط من الكلام قد تقدم تقريراً وتفريعاً مراراً وأطواراً.
المسألة الخامسة: إنما قال: ﴿ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ ولم يقل أقسى، لأن ذلك أدل على فرط القسوة ووجه آخر وهو أن لا يقصد معنى الأقسى، ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة، وقرئ قساوة وترك ضمير المفضل عليه لعدم الالباس كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.
ثم إنه سبحانه وتعالى فضل الحجارة على قلوبهم بأن بين أن الحجارة قد يحصل منها ثلاثة أنواع من المنافع، ولا يوجد في قلوب هؤلاء شيء من المنافع.
فأولها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ: وإن بالتخفيف وهي إن المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة، ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ ﴾ .
المسألة الثانية: التفجر التفتح بالسعة والكثرة، يقال: انفجرت قرحة فلان، أي انشقت بالمدة ومنه الفجر والفجور.
وقرأ مالك بن دينار ينفجر بمعنى وإن من الحجارة ما ينشق فيخرج منه الماء الذي يجري حتى تكون منه الأنهار.
قالت الحكماء: إن الأنهار إنما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخواً انشقت تلك الأبخرة وانفصلت، وإن كان ظاهر الأرض صلباً حجرياً اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتى تكثر كثرة عظيمة فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهاراً.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء ﴾ ، أي من الحجارة لما ينصدع فيخرج منه الماء فيكون عيناً لا نهراً جارياً، أي أن الحجارة قد تندى بالماء الكثير وبالماء القليل، وفي ذلك دليل تفاوت الرطوبة فيها، وأنها قد تكثر في حال حتى يخرج منها ما يجري منه الأنهار، وقد تقل، وهؤلاء قلوبهم في نهاية الصلابة لا تندى بقبول شيء من المواعظ ولا تنشرح لذلك ولا تتوجه إلى الاهتداء وقوله تعالى: ﴿ يَشَّقَّقُ ﴾ أي يتشقق، فأدغم التاء كقوله: ﴿ يَذَّكَّرُ ﴾ أي يتذكر وقوله: ﴿ يا أيها المزمل ﴾ ، ﴿ يا أيها المدثر ﴾ .
وثالثها: قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ﴾ .
واعلم أن فيه إشكالاً وهو أن الهبوط من خشية الله صفة الأحياء العقلاء، والحجر جماد فلا يتحقق ذلك فيه، فلهذا الإشكال ذكروا في هذه الآية وجوهاً: أحدها: قول أبي مسلم خاصة وهو أن الضمير في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا ﴾ راجع إلى القلوب، فإنه يجوز عليها الخشية والحجارة لا يجوز عليها الخشية: وقد تقدم ذكر القلوب كما تقدم ذكر الحجارة، أقصى ما في الباب أن الحجارة أقرب المذكورين، إلا أن هذا الوصف لما كان لائقاً بالقلوب دون الحجارة وجب رجوع هذا الضمير إلى القلوب دون الحجارة، واعترضوا عليه من وجهين: الأول: أن قوله تعالى: ﴿ فَهِىَ كالحجارة أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ جملة تامة، ثم ابتدأ تعالى فذكر حال الحجارة بقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار ﴾ فيجب في قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ الله ﴾ أن يكون راجعاً إليها.
الثاني: أن الهبوط يليق بالحجارة لا بالقلوب، فليس تأويل الهبوط أولى من تأويل الخشية.
وثانيها: قول جمع من المفسرين: إن الضمير عائد إلى الحجارة، لكن لا نسلم أن الحجارة ليست حية عاقلة، بيانه أن المراد من ذلك جبل موسى عليه السلام حين تقطع وتجلى له ربه، وذلك لأن الله سبحانه وتعالى خلق فيه الحياة والعقل والإدراك، وهذا غير مستبعد في قدرة الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿ وَقَالُواْ لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُواْ أَنطَقَنَا الله الذي أَنطَقَ كُلَّ شَيء ﴾ ، فكما جعل الجلد ينطق ويسمع ويعقل، فكذلك الجبل وصفه بالخشية، وقال أيضاً: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرءان على جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشعا مُّتَصَدّعاً مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ ، والتقدير أنه تعالى لو جعل فيه العقل والفهم لصار كذلك، وروي أنه حن الجزع لصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أتاه الوحي في أول المبعث وانصرف النبي صلى الله عليه وسلم إلى منزله سلمت عليه الأحجار والأشجار، فكلها كانت تقول: السلام عليك يا رسول الله، قالوا: فغير ممتنع أن يخلق في بعض الأحجار عقل وفهم حتى تحصل الخشية فيه، وأنكرت المعتزلة هذا التأويل لما أن عندهم البنية واعتدال المزاج شرط قبول الحياة والعقل، ولا دلالة لهم على اشتراط البنية إلا مجرد الاستبعاد، فوجب أن لا يلتفت إليهم.
وثالثها: قول أكثر المفسرين وهو أن الضمير عائد إلى الحجارة، وأن الحجارة لا تعقل ولا تفهم، وذكروا على هذا القول أنواعاً من التأويل.
الأول: أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه فينزل إلى أسفل وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فكأن الهبوط من العلو جعل مثلاً للانقياد، وقوله: ﴿ مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ ، أي ذلك الهبوط لو وجد من العاقل المختار لكان به خاشياً لله وهو كقوله: ﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ﴾ ، أي جداراً قد ظهر فيه الميلان ومقاربة السقوط ما لو ظهر مثله في حي مختار لكان مريداً للانقضاض، ونحو هذا قول بعضهم: بخيل تضل البلق من حجراته *** ترى الأكم فيه سجداً للحوافر وقول جرير: لما أتى خبر الزبير تضعضعت *** سور المدينة والجبال الخشع فجعل الأول ما ظهر في الأكم من أثر الحوافر مع عدم امتناعها من دفع ذلك عن نفسها كالسجود منها للحوافر، وكذلك الثاني: جعل ما ظهر في أهل المدينة من آثار الجزع كالخشوع.
وعلى هذا الوجه تأول أهل النظر قوله تعالى: ﴿ تُسَبّحُ لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مّن شَيء إِلاَّ يُسَبّحُ بِحَمْدَهِ ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الأرض ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ والنجم والشجر يَسْجُدَانِ ﴾ .
الوجه الثاني: في التأويل: أن قوله تعالى: ﴿ مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ أي ومن الحجارة ما ينزل وما ينشق ويتزايل بعضه عن بعض، عند الزلازل من أجل ما يريد الله بذلك من خشية عباده له وفزعهم إليه بالدعاء والتوبة.
وتحقيقه أنه لما كان المقصود الأصلي من إهباط الأحجار في الزلازل الشديدة أن تحصل خشية الله تعالى في قلوب العباد صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في حصول ذلك الهبوط، فكلمة من لابتداء الغاية فقوله: ﴿ مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ ، أي بسبب أن تحصل خشية الله في القلوب، الوجه الثالث: ما ذكره الجبائي وهو أنه فسر الحجارة بالبرد الذي يهبط من السحاب تخويفاً من الله تعالى لعباده ليزجرهم به.
قال وقوله تعالى: ﴿ مّنْ خَشْيَةِ الله ﴾ أي خشية الله، أي ينزل بالتخويف للعباد أو بما يوجب الخشية لله كما يقال: نزل القرآن بتحريم كذا وتحليل كذا أي بإيجاب ذلك على الناس، قال القاضي: هذا التأويل ترك للظاهر من غير ضرورة لأن البرد لا يوصف بالحجارة، لأنه وإن اشتد عند النزول فهو ماء في الحقيقة ولأنه لا يليق ذلك بالتسمية.
أما قوله تعالى: ﴿ وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ فالمعنى أن الله تعالى بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم محصي لها فهو يجازيهم بها في الدنيا والآخرة وهو كقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ وفي هذا وعيد لهم وتخويف كبير لينزجروا.
فإن قيل: هل يصح أن يوصف الله بأنه ليس بغافل؟
قلنا: قال القاضي: لا يصح لأنه يوهم جواز الغفلة عليه وليس الأمر كذلك لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها عليه، بدليل قوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ ﴾ ﴿ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ ﴾ والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
معنى ﴿ ثُمَّ قَسَتْ ﴾ استبعاد القسوة من بعد ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها ونحوه: ﴿ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ﴾ وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار وأنّ المواعظ لا تؤثر فيها.
و ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدّم من الآيات المعدودة ﴿ فَهِىَ كالحجارة ﴾ فهي في قسوتها مثل الحجارة ﴿ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ منها، (وأشد) معطوف على الكاف، إما على معنى أو مثل أشد قسوة، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وتعضده قراءة الأعمش بنصب الدال عطفاً على الحجارة، وإمَّا على: أو هي في أنفسها أشد قسوة.
والمعنى أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً.
أو من عرفها شبهها بالحجارة، أو قال: هي أقسى من الحجارة.
فإن قلت: لم قيل: أشد قسوة، وفعل القسوة مما يخرج منه أفعل التفضيل وفعل التعجب؟
قلت: لكونه أبين وأدلّ على فرط القسوة.
ووجه آخر: وهو أن لا يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة، كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة، وقلوبهم أشدّ قسوة.
وقرئ: ﴿ قساوة ﴾ .
وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس، كقولك: زيد كريم وعمرو أكرم.
وقوله: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة ﴾ بيان لفضل قلوبهم على الحجارة في شدّة القسوة، وتقرير لقوله: (أو أشدّ قسوة).
وقرئ (وإنْ) بالتخفيف.
وهي (إن) المخففة من الثقيلة التي تلزمها اللام الفارقة.
ومنها قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ ﴾ [يس: 33] .
والتفجر: التفتح بالسعة والكثرة.
وقرأ مالك بن دينار ﴿ ينفجر ﴾ بالنون.
﴿ يَشَّقَّقُ ﴾ يتشقق.
وبه قرأ الأعمش.
والمعنى إنّ من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً ﴿ يَهْبِطُ ﴾ يتردى من أعلى الجبل.
وقرئ بضم الباء.
والخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله تعالى وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به.
وقرئ ﴿ يعملون ﴾ بالياء والتاء، وهو وعيد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ القَساوَةُ عِبارَةٌ عَنِ الغِلَظِ مَعَ الصَّلابَةِ، كَما في الحَجَرِ.
وقَساوَةُ القَلْبِ مَثَلٌ في نَبْوِهِ عَنِ الِاعْتِبارِ، وثَمَّ لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ يَعْنِي إحْياءَ القَتِيلِ، أوْ جَمِيعَ ما عَدَّدَ مِنَ الآياتِ فَإنَّها مِمّا تُوجِبُ لِينَ القَلْبِ.
﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ ﴾ في قَسْوَتِها ﴿ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ مِنها، والمَعْنى أنَّها في القَساوَةِ مِثْلُ الحِجارَةِ أوْ أزْيَدُ عَلَيْها، أوْ أنَّها مِثْلُها، أوْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ مِنها قَسْوَةً كالحَدِيدِ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ بِالجَرِّ عَطْفًا عَلى الحِجارَةِ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ أقْسى لِما في أشَدِّ مِنَ المُبالَغَةِ والدَّلالَةِ عَلى اشْتِدادِ القَسْوَتَيْنِ واشْتِمالِ المُفَضَّلِ عَلى زِيادَةٍ و (أوْ) لِلتَّخْيِيرِ، أوْ لِلتَّرْدِيدِ بِمَعْنى: أنَّ مَن عَرَفَ حالَها شَبَّهَها بِالحِجارَةِ أوْ بِما هو أقْسى مِنها.
﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ تَعْلِيلٌ لِلتَّفْضِيلِ، والمَعْنى: أنَّ الحِجارَةَ تَتَأثَّرُ وتَنْفَعِلُ فَإنَّ مِنها ما يَتَشَقَّقُ فَيَنْبُعُ مِنهُ الماءُ، وتَنْفَجِرُ مِنهُ الأنْهارُ، ومِنها ما يَتَرَدّى مِن أعْلى الجَبَلِ انْقِيادًا لِما أرادَ اللَّهُ تَعالى بِهِ.
وقُلُوبُ هَؤُلاءِ لا تَتَأثَّرُ ولا تَنْفَعِلُ عَنْ أمْرِهِ تَعالى.
والتَّفَجُّرُ التَّفَتُّحُ بِسِعَةٍ وكَثْرَةٍ، والخَشْيَةُ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ، وقُرِئَ (إنْ) عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ وتَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ إنِ النّافِيَةِ، ويَهْبِطُ بِالضَّمِّ.
﴿ وَما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى ذَلِكَ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ ويَعْقُوبُ وخَلَفٌ وأبُو بَكْرٍ بِالياءِ ضَمًّا إلى ما بَعْدَهُ، والباقُونَ بِالتّاءِ.
<div class="verse-tafsir"
ومعنى {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ} استبعاد القسوة {مِن بَعْدِ} ما ذكر مما يوجب لين القلوب ورقتها وصفة القلوب بالقسوة مثل لنبوها عن الاعبتار والاتعاظ من بعد {ذلك} إشارة إلى إحياء القتيل أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة {فَهِىَ كالحجارة} فهي في قسوتها مثل الحجارة {أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} منها وأشد معطوف على الكاف تقديره أو مثل أشد قسوة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو هي في أنفسها أشد قسوة يعني أن من عرف حالها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى منها وهو الحديد مثلاً أو من عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة
وإنما لم يقل أقسى لكونه أبين وأدل على فرط القسوة وترك ضمير المفضل عليه لعدم الإلباس كقولك زيد كريم وعمرو أكرم {وَإِنَّ مِنَ الحجارة} بيان لزيادة قسوة قلوبهم على الحجارة {لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأنهار} ما بمعنى الذي في موضع النصب وهو اسم إن واللام للتوكيد والتفجر التفتح بالسعة والكثرة {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ} أصله يتشقق وبه قرأ الأعمش فقلبت التاء شيئا وأدغمت {فَيَخْرُجُ مِنْهُ الماء} يعني أن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير ومنها ما ينشقى انشقاقاً بالطول أو بالعرض فينبع منه الماء أيضاً وقلوبهم لا تندى {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ} يتردى من أعلى الجبل {مّنْ خَشْيَةِ الله} قيل هو مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع على ما يريد فيها وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تفعل ما أمرت به وقيل المراد به حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة وعلى هذا قوله لَوْ أَنزَلْنَا هذا القرآن على جبل الآية يعنى وقلوبهم
البقرة (٧٣ _ ٧٨)
لا تخشى {وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ} وبالياء مكي وهو وعيد
﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ القَسْوَةُ في الأصْلِ اليُبْسُ والصَّلابَةُ، وقَدْ شُبِّهَتْ هُنا حالُ قُلُوبِهِمْ، وهي نُبُوُّها عَنِ الِاعْتِبارِ بِحالِ قَسْوَةِ الحِجارَةِ في أنَّها يَجْرِي فِيها لُطْفُ العَمَلِ فَفي (قَسَتِ) اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، أوْ تَمْثِيلِيَّةٌ، (وثُمَّ) لِاسْتِبْعادِ القَسْوَةِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ ما يُزِيلُها، وقِيلَ: إنَّها لِلتَّراخِي في الزَّمانِ لِأنَّهم قَسَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ مُدَّةٍ حِينَ قالُوا: إنَّ المَيِّتَ كَذَبَ عَلَيْهِمْ، أوْ أنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ قَسْوَةِ عَقِبِهِمْ، والضَّمِيرُ في (قُلُوبِكُمْ) لِوَرَثَةِ القَتِيلِ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعِنْدَ أبِي العالِيَةِ وغَيْرِهِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ أيْ إحْياءِ القَتِيلِ، وقِيلَ: كَلامِهِ، وقِيلَ: ما سَبَقَ مِنَ الآياتِ الَّتِي عَلِمُوها، كَمَسْخِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ورَفْعِ الجَبَلِ، وانْبِجاسِ الماءِ، والإحْياءِ، وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الزَّجّاجُ، وعَلَيْهِ تَكُونُ ﴿ ثُمَّ قَسَتْ ﴾ إلَخْ، عَطْفًا عَلى مَضْمُونِ جَمِيعِ القِصَصِ السّابِقَةِ، والآياتِ المَذْكُورَةِ، وعَلى سابِقِهِ تَكُونُ عَطْفًا عَلى قِصَّةِ ﴿ وإذْ قَتَلْتُمْ ﴾ ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ ﴾ أيْ في القَسْوَةِ، وعَدَمِ التَّأثُّرِ، والجَمْعُ لِجَمْعِ القُلُوبِ، ولِلْإشارَةِ إلى أنَّها مُتَفاوِتَةٌ في القَسْوَةِ، كَما أنَّ الحِجارَةَ مُتَفاوِتَةٌ في الصَّلابَةِ، والكافُ لِلتَّشْبِيهِ، وهي حَرْفٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وجُمْهُورِ النَّحْوِيِّينَ، والأخْفَشُ يَدَّعِي اسْمِيَّتَها، وهي مُتَعَلِّقَةٌ هُنا بِمَحْذُوفٍ، أيْ كائِنَةٌ كالحِجارَةِ، خِلافًا لِابْنِ عُصْفُورٍ، إذْ زَعَمَ أنَّ كافَ التَّشْبِيهِ لا تَتَعَلَّقُ بِشَيْءٍ ﴿ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ أيْ مِنَ الحِجارَةِ، فَهي كالحَدِيدِ مَثَلًا، أوْ كَشَيْءٍ لا يَتَأثَّرُ أصْلًا، ولَوْ وهْمًا، (وأوْ) لِتَخْيِيرِ المُبالِغِ، ويَكُونُ في التَّشْبِيهِ كَما يَكُونُ بَعْدَ الأمْرِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ بَعْضٌ كالحِجارَةِ، وبَعْضٌ أشَدُّ، أوْ لِلتَّرْدِيدِ، بِمَعْنى تَجْوِيزِ الأمْرَيْنِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الغَيْرِ، عَلى ما قِيلَ، أوْ بِمَعْنى بَلْ، ويَحْتاجُ إلى تَقْدِيرِ مُبْتَدَإٍ، إذا قُلْنا بِاخْتِصاصِ ذَلِكَ بِالجُمَلِ، أوْ بِمَعْنى الواوِ، أوْ لِلشَّكِّ، وهو لِاسْتِحالَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى يُصْرَفُ إلى الغَيْرِ، والعَلّامَةُ لا يَرْتَضِي ذَلِكَ لِما أنَّهُ يُؤَدِّي إلى تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ مَعانِي الحُرُوفِ بِالقِياسِ إلى السّامِعِ، وفِيهِ إخْراجٌ لِلْألْفاظِ عَنْ أوْضاعِها، فَإنَّها إنَّما وُضِعَتْ لِيُعَبِّرَ بِها المُتَكَلِّمُ عَمّا في ضَمِيرِهِ، والحَقُّ جَوازُ اعْتِبارِ السّامِعِ في مَعانِي الألْفاظِ عِنْدَ امْتِناعِ جَرْيِها عَلى الأصْلِ بِالنَّظَرِ إلى المُتَكَلِّمِ، فَلا بَأْسَ بِأنْ يَسْلُكَ بِأوْ في الشَّكِّ مَسْلَكَ لَعَلَّ في التَّرَجِّي الواقِعِ في كَلامِهِ تَعالى، فَتِلْكَ جادَّةٌ مَسْلُوكَةٌ لِأهْلِ السُّنَّةِ، وقَدْ مَرَّتِ الإشارَةُ إلى ذَلِكَ، فَتَذَكَّرْ، (وأشَدُّ) عَطْفٌ عَلى (كالحِجارَةِ) مِن قَبِيلِ عَطْفِ المُفْرَدِ عَلى المُفْرَدِ، كَما تَقُولُ: زَيْدٌ عَلى سَفَرٍ أوْ مُقِيمٌ، وقَدَّرَ بَعْضُهُمْ: أوْ هي أشَدُّ، فَيَصِيرُ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، ومِنَ النّاسِ مَن يُقَدِّرُ مُضافًا مَحْذُوفًا، أيْ مِثْلُ ما هو أشَدُّ، ويَجْعَلُهُ مَعْطُوفًا عَلى الكافِ، إنْ كانَ اسْمًا، أوْ مَجْمُوعَ الجارِّ والمَجْرُورِ إذا كانَ حَرْفًا، ثُمَّ لَمّا حُذِفَ المُضافُ أُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، فَأُعْرِبَ بِإعْرابِهِ، ولا يَخْفى أنَّ اعْتِبارَ التَّشْبِيهِ في جانِبِ المَعْطُوفِ بِدُونِ عَطْفِهِ عَلى المَجْرُورِ بِالكافِ مُسْتَبْعَدٌ جِدًّا، وقَرَأ الأعْمَشُ (أوْ أشَدُّ) مَجْرُورًا بِالفَتْحَةِ، لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُنْصَرِفٍ لِلْوَصْفِ ووَزْنِ الفِعْلِ، وهو عَطْفٌ عَلى الحِجارَةِ، واعْتِبارُ التَّشْبِيهِ حِينَئِذٍ ظاهِرٌ، وإنَّما لَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ وتَعالى: أقْسى، مَعَ أنَّ فِعْلَ القَسْوَةِ مِمّا يُصاغُ مِنهُ أفْعَلُ، وهو أخْصَرُ، ووارِدٌ في الفَصِيحِ كَقَوْلِهِ: كُلُّ خَمْصانَةٍ أرَقُّ مِنَ الخَمْرِ بِقَلْبٍ أقْسى مِنَ الجُلْمُودِ لِما في أشَدَّ مِنَ المُبالَغَةِ، لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى الزِّيادَةِ بِجَوْهَرِهِ، وهَيْئَتِهِ، بِخِلافِ أقْسى، فَإنَّ دِلالَتَهُ بِالهَيْئَةِ فَقَطْ، وفِيهِ دِلالَةٌ عَلى اشْتِدادِ القَسْوَتَيْنِ، ولَوْ كانَ أقْسى لَكانَ دالًّا عَلى اشْتِراكِ القُلُوبِ والحِجارَةِ في القَسْوَةِ، واشْتِمالِ القُلُوبِ عَلى زِيادَةِ القَسْوَةِ لا في شِدَّةِ القَسْوَةِ، ولَيْسَ هَذا مِثْلَ قَوْلِكَ: زَيْدٌ أشَدُّ إكْرامًا مِن عَمْرٍو، حَيْثُ ذَكَرُوا أنَّ لَيْسَ مَعْناهُ إلّا أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في الإكْرامِ، وإكْرامُ زَيْدٍ زِيدَ عَلى إكْرامِ عَمْرٍو، لا أنَّهُما مُشْتَرِكانِ في شِدَّةِ الإكْرامِ وشِدَّةُ إكْرامِ زَيْدٍ زائِدَةٌ عَلى شِدَّةِ إكْرامِ عَمْرٍو، لِلْفَرْقِ بَيْنَ ما بُنِيَ لِلتَّوَصُّلِ، وما بُنِيَ لِغَيْرِهِ، وما نَحْنُ فِيهِ مِنَ الثّانِي، وإنْ كانَ الأوَّلُ أكْثَرَ، والِاعْتِراضُ بِأنَّ أشَدَّ مَحْمُولٌ عَلى القُلُوبِ، دُونَ القَسْوَةِ لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَيْها، بِحَسَبِ المَعْنى، لِكَوْنِها تَمْيِيزًا مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ، أوْ مَنقُولًا عَنِ المُبْتَدَإ، كَما في البَحْرِ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أبْرَزَ القَساوَةَ في مَعْرِضِ العُيُوبِ الظّاهِرَةِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّها مِنَ العُيُوبِ، بَلِ العَيْبُ كُلُّ العَيْبِ ما صَدَّ عَنْ عالَمِ الغَيْبِ، ﴿ فَإنَّها لا تَعْمى الأبْصارُ ولَكِنْ تَعْمى القُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ ﴾ ﴿ وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِنَ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ تَذْيِيلٌ لِبَيانِ تَفْضِيلِ قُلُوبِهِمْ عَلى الحِجارَةِ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ وبَيْنَ الحالِ عَنْها، وهو ﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ ﴾ لِبَيانِ سَبَبِ ذَلِكَ، فَإنَّهُ لِغَرابَتِهِ يَحْتاجُ إلى بَيانِ السَّبَبِ، كَما في قَوْلِهِ: فَلا هِجْرَةَ يَبْدُو وفي اليَأْسِ راحَةٌ ∗∗∗ ولا وصْفُهُ يَصْفُو لَنا فَنُكارِمُهُ) وجَعْلُهُ جُمْلَةً حالِيَّةً مُشْعِرَةً بِالتَّعْلِيلِ يَأْباهُ الذَّوْقُ، إذْ لا مَعْنى لِلتَّقْيِيدِ، وكَوْنُهُ بَيانًا وتَقْرِيرًا مِن جِهَةِ المَعْنى لِما تَقَدَّمَ مَعَ كَوْنِهِ بِحَسَبِ اللَّفْظِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ ﴾ كَما قالَهُ الَعَلّامَةُ مِمّا لا يَظْهَرُ وجْهُهُ، لِأنَّهُ إذا كانَ بَيانًا في المَعْنى كَيْفَ يَصِحُّ عَطْفُهُ، ويُتْرَكُ جَعْلُهُ بَيانًا؟
والمَعْنى: إنَّ الحِجارَةَ تَتَأثَّرُ، وتَنْفَعِلُ، وقُلُوبُ هَؤُلاءِ لا تَتَأثَّرُ ولا تَنْفَعِلُ عَنْ أمْرِ اللَّهِ تَعالى أصْلًا، وقَدْ تَرَقّى سُبْحانَهُ في بَيانِ التَّفْضِيلِ كَأنَّهُ بَيَّنَ أوَّلًا تَفْضِيلَ قُلُوبِهِمْ في القَساوَةِ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي تَتَأثَّرُ تَأثُّرًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنفَعَةٌ عَظِيمَةٌ مِن تَفَجُّرِ الأنْهارِ، ثُمَّ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي تَتَأثَّرُ تَأثُّرًا ضَعِيفًا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَنفَعَةٌ قَلِيلَةٌ مِن خُرُوجِ الماءِ، ثُمَّ عَلى الحِجارَةِ الَّتِي تَتَأثَّرُ مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ، فَكَأنَّهُ قالَ سُبْحانَهُ: قُلُوبُ هَؤُلاءِ أشَدُّ قَسْوَةً مِنَ الحِجارَةِ، لِأنَّها لا تَتَأثَّرُ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ المَنفَعَةُ العَظِيمَةُ بَلِ الحَقِيرَةُ بَلْ لا تَتَأثَّرُ أصْلًا، وبِما ذُكِرَ يَظْهَرُ نُكْتَةُ ذِكْرِ تَفَجُّرِ الأنْهارِ، وخُرُوجِ الماءِ، وتَرْكِ فائِدَةِ الهُبُوطِ، وذَكَرَ غَيْرُ واحِدٍ أنَّ الآيَةَ وارِدَةٌ عَلى نَهْجِ التَّتْمِيمِ دُونَ التَّرَقِّي، كالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إذْ لَوْ أُرِيدَ التَّرَقِّي لَقِيلَ: وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ، وإنَّ مِنها لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ، وفائِدَتُهُ اسْتِيعابُ جَمِيعِ الِانْفِعالاتِ الَّتِي عَلى خِلافِ طَبِيعَةِ هَذا الجَوْهَرِ، وهو أبْلَغُ مِنَ التَّرَقِّي، ويَكُونُ ﴿ وإنَّ مِنها ﴾ الأخِيرُ تَتْمِيمًا لِلتَّتْمِيمِ، ولا يَخْفى أنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِ مَنعُ إفادَتِهِ لِاسْتِيعابِ جَمِيعِ الِانْفِعالاتِ وخُلُوُّهُ عَنْ لَطافَةِ ما ذَكَرْناهُ، والفَجْرُ التَّفَتُّحُ بِسَعَةٍ، وكَثْرَةٍ، كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوْهَرُ الكَلِمَةِ، وبِناءُ التَّفَعُّلِ، والمُرادُ مِنَ الأنْهارِ الماءُ الكَثِيرُ الَّذِي يَجْرِي في الأنْهارِ، والكَلامُ إمّا عَلى حَذْفِ المُضافِ أوْ ذِكْرِ المَحَلِّ وإرادَةِ الحال،ِ أوِ الإسْنادُ مَجازِيٌّ، قالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: وحَمْلُها عَلى المَعْنى الحَقِيقِيِّ وهْمٌ، إذِ التَّفَتُّحُ لا يُمْكِنُ إسْنادُهُ إلى الأنْهارِ، اللَّهُمَّ إلّا بِتَضْمِينِ مَعْنى الحُصُولِ، بِأنْ يُقالَ: يَتَفَجَّرُ، ويَحْصُلُ مِنهُ الأنْهارُ، عَلى أنَّ تَفْجِيرَ الحِجارَةِ بِحَيْثُ تَصِيرُ نَهْرًا غَيْرُ مُعْتادٍ، فَضْلًا عَنْ كَوْنِها أنْهارًا، والتَّشَقُّقُ التَّصَدُّعُ بِطُولٍ أوْ بِعَرْضِ، والخَشْيَةُ الخَوْفُ، واخْتُلِفَ في المُرادِ مِنها، فَذَهَبَ قَوْمٌ وهو المَرْوِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ وغَيْرِهِ، أنَّها هُنا حَقِيقَةٌ، وهي مُضافَةٌ إلى الِاسْمِ الكَرِيمِ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى مَفْعُولِهِ، أيْ مِن خَشْيَةِ الحِجارَةِ اللَّهَ، ويَجُوزُ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعالى العَقْلَ والحَياةَ في الحَجَرِ، واعْتِدالُ المِزاجِ والبِنْيَةُ لَيْسا شَرْطًا في ذَلِكَ خِلافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ، وظَواهِرُ الآياتِ ناطِقَةٌ بِذَلِكَ، وفي الصَّحِيحِ: «(إنِّي لَأعْرِفُ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ)» وأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ ما مَرَّ بِحَجَرٍ ولا مَدَرٍ، إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ، ووَرَدَ في الحَجَرِ الأسْوَدِ أنَّهُ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ، وحَدِيثُ تَسْبِيحِ الحَصى بِكَفِّهِ الشَّرِيفِ مَشْهُورٌ، وقِيلَ: هي حَقِيقَةٌ، والإضافَةُ هي الإضافَةُ، إلّا أنَّ الفاعِلَ مَحْذُوفٌ، هو العِبادُ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما يَنْزِلُ بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ، عِنْدَ الزِّلْزالِ مِن خَشْيَةِ عِبادِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ، وتَحْقِيقُهُ أنَّهُ لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِنها خَشْيَةَ اللَّهِ تَعالى صارَتْ تِلْكَ الخَشْيَةُ كالعِلَّةِ المُؤَثِّرَةِ في ذَلِكَ الهُبُوطِ، فَيُؤَوَّلُ المَعْنى أنَّهُ يَهْبِطُ مِن أجْلِ أنْ يَحْصُلَ خَشْيَةُ العِبادِ اللَّهَ تَعالى.
وذَهَبُ أبُو مُسْلِمٍ إلى أنَّ الخَشْيَةَ حَقِيقَةٌ، وأنَّ الضَّمِيرَ في ﴿ مِنها لَما يَهْبِطُ ﴾ عائِدٌ عَلى القُلُوبِ، والمَعْنى: أنَّ مِنَ القُلُوبِ قُلُوبًا تَطْمَئِنُّ، وتَسْكُنُ، وتَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، وهي قُلُوبُ المُخْلِصِينَ، فَكَنّى عَنْ ذَلِكَ بِالهُبُوطِ، وقِيلَ: إنَّها حَقِيقَةٌ، إلّا أنَّ إضافَتَها مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الفاعِلِ، والمُرادُ بِالحَجَرِ البَرَدُ، وبِخَشْيَتِهِ تَعالى إخافَتُهُ عِبادَهُ بِإنْزالِهِ، وهَذا القَوْلُ أبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وما قَبْلَهُ أكْثَفُ مِنَ الحَجَرِ، وما قَبْلَهُما بَيْنَ بَيْنَ، وقالَ قَوْمٌ: إنَّ الخَشْيَةَ مَجازٌ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ اللَّهِ تَعالى إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ، ولا يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ عَلى حَقِيقَتِها، أمّا عَلى القَوْلِ بِأنَّ اعْتِدالَ المِزاجِ والبِنْيَةَ شَرْطٌ، وما ورَدَ مِمّا يَقْتَضِي خِلافَهُ مَحْمُولٌ عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى قَرَنَ مَلائِكَتَهُ بِتِلْكَ الجَماداتِ، ومِنها هاتِيكَ الأفْعالُ، ونَحْوُ «(هَذا جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ)،» عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ يُحِبُّنا أهْلُهُ، ونُحِبُّ أهْلَهُ، فَظاهِرٌ.
وأمّا عَلى القَوْلِ بِعَدَمِ الِاشْتِراطِ فَلِأنَّ الهُبُوطَ والخَشْيَةَ عَلى تَقْدِيرِ خَلْقِ العَقْلِ، والحَياةِ لا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ بَيانًا لِكَوْنِ الحِجارَةِ في نَفْسِها أقَلَّ قَسْوَةً، وهو المُناسِبُ لِلْمَقامِ، والِاعْتِراضُ بِأنَّ قُلُوبَهم إنَّما تَمْتَنِعُ عَنِ الِانْقِيادِ لِأمْرِ التَّكْلِيفِ بِطَرِيقِ القَصْدِ، والِاخْتِيارِ، ولا تَمْتَنِعُ عَمّا يُرادُ بِها عَلى طَرِيقِ القَسْرِ، والإلْجَإ كَما في الحِجارَةِ، وعَلى هَذا لا يَتِمُّ ما ذُكِرَ، فالأوْلى الحَمْلُ عَلى الحَقِيقَةِ، أُجِيبَ عَنْهُ بِأنَّ المُرادَ أنَّ قُلُوبَهم أقْسى مِنَ الحِجارَةِ، لِقَبُولِها التَّأثُّرَ الَّذِي يَلِيقُ بِها، وخُلِقَتْ لِأجْلِهِ بِخِلافِ قُلُوبِهِمْ، فَإنَّها تَنْبُو عَنِ التَّأثُّرِ الَّذِي يَلِيقُ بِها، وخُلِقَتْ لَهُ، والجَوابُ بِأنَّ ما رَأوْهُ مِنَ الآياتِ مِمّا يُقْسِرُ القَلْبَ ويُلْجِؤُهُ فَلَمّا لَمْ تَتَأثَّرْ قُلُوبُهم عَنِ القاسِراتِ الكَثِيرَةِ ويَتَأثَّرُ الحَجَرُ مِن قاسِرٍ واحِدٍ تَكُونُ قُلُوبُهم أشَدُّ قَسْوَةً، لا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ، لِأنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ المُبالَغَةُ في الدِّلالَةِ عَلى الصِّدْقِ، فَلا يَنْفَعُ، وإنْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ الإلْجاءِ فَمَمْنُوعٌ، وإلّا لَما تَخَلَّفَ عَنْها التَّأثُّرُ، ولَما اسْتَحَقَّ مَن آمَنَ بَعْدَ رُؤْيَتِها الثَّوابَ لِكَوْنِهِ إيمانًا اضْطِرارِيًّا، ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، ثُمَّ الظّاهِرُ عَلى هَذا تَعَلُّقُ خَشْيَةِ اللَّهِ بِالأفْعالِ الثَّلاثَةِ السّابِقَةِ، وقُرِئَ (وإنْ) عَلى أنَّها المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ، ويَلْزَمُها اللّامُ الفارِقَةُ بَيْنَها وبَيْنَ النّافِيَةِ، والفَرّاءُ يَقُولُ: إنَّها النّافِيَةُ، واللّامُ بِمَعْنى إلّا، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ (إنَّ) إنْ ولِيَها اسْمٌ كانَتِ المُخَفَّفَةَ، وإنْ فِعْلٌ كانَتِ النّافِيَةَ، وقُطْرُبٌ: إنَّها إنْ ولِيَها فِعْلٌ كانَتْ بِمَعْنى قَدْ، وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ (يَنْفَجِرُ) مُضارِعَ انْفَجَرَ، والأعْمَشُ (يَتَشَقَّقُ)، (ويَهْبُطُ) بِالضَّمِّ.
﴿ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ عَلى ما ذُكِرَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى لَبِالمِرْصادِ لِهَؤُلاءِ القاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ، حافِظٌ لِأعْمالِهِمْ مُحْصٍ لَها، فَهو مُجازِيهِمْ بِها في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (يَعْمَلُونَ) بِالياءِ التَّحْتانِيَّةِ ضَمًّا إلى ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ”أنْ يُؤْمِنُوا ويُسْمِعُونَ“ وفَرِيقٌ مِنهُمْ، وقَرَأ الباقُونَ بِالتّاءِ الفَوْقانِيَّةِ لِمُناسَبَةِ (وإذْ قَتَلْتُمْ) و(ادّارَأْتُمْ) و(تَكْتُمُونَ) إلَخْ، وقِيلَ: ضَمًّا إلى قَوْلِهِ تَعالى: (أفَتَطْمَعُونَ) بِأنْ يَكُونَ الخِطابُ فِيهِ لِلْمُؤْمِنِينَ، وعْدٌ لَهُمْ، ويُبْعِدُهُ أنَّهُ لا وجْهَ لِذِكْرِ وعْدِ المُؤْمِنِينَ تَذْيِيلًا لِبَيانِ قَبائِحِ اليَهُودِ، <div class="verse-tafsir"
قوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، قال الزجاج: تأويل قست في اللغة أي غلظت ويبست، فتأويل القسوة في القلب ذهاب اللين والرحمة والخشوع.
وقوله: مِنْ بَعْدِ ذلِكَ، قد قيل: من بعد إحياء الميت، ويحتمل بعد الآيات التي ذكرت، نحو مسخ القردة والخنازير ورفع الجبل وتفجير الأنهار من الحجر وغير ذلك.
وقال بعض الحكماء: معنى قوله: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ، أي يبست.
ويبس القلب أن ييبس عن ماءين أحدهما: ماء خشية الله والثاني: ماء شفقة الخلق.
ثم قال تعالى: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ، وكل قلب لا يكون فيه خشية الله تعالى فهو كالحجارة.
أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، قال بعضهم: بل أشد قسوة مثل قوله تعالى: إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ [الصافات: 147] بمعنى بل يزيدون، وكقوله: كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ [النحل: 77] ، أي بل هو أدنى.
وقال بعضهم: معناه وأشد قسوة الألف زائدة.
وقال الزجاج: أو للتخيير يعني إن شئتم شبهتم قسوتها بالحجارة أو بما هو أشد قسوة فأنتم مصيبون كقوله تعالى: كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ [البقرة: 19] ثم قال تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ فأعذر الحجارة وعاب قلوبهم، حين لم تلن بذكر الله ولا بالموعظة فقال: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ، يعني الحجر الذي منه العيون في الجبل.
ويقال أراد به حجر موسى- - الذي كان يخرج منه العيون.
وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ، أي من الحجارة ما يتصدع فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.
ويقال: كل حجر يتردى من رأس الجبل إلى الأرض فهو من خشية الله.
ويقال: أراد به الجبل الذي صار دكاً حين كلم الله موسى- -.
ويقال: هو جميع الجبال، وما يزول الحجر من مكانه إلا من خشية الله تعالى.
وقال بعضهم: هو على وجه المثال، يعني لو كان له عقل لهبط من خشية الله تعالى، وهو قول المعتزلة وهو خلاف أقاويل أهل التفسير.
قوله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ، قرأ ابن كثير وابن عامر يعملون بالياء والباقون بالتاء.
واختلفوا في مواضع أخرى.
قرأ حمزة والكسائي في كل موضع وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بالياء.
وفي كل موضع وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ [هود: 123] بالتاء.
واختلفت الروايات عن غيرهما.
وهذا كلام التهديد، يعني أن الله تعالى يجازيكم بما تعملون فيحذركم بذلك.
ثم ذكر التعزية للنبي لكيلا يحزن على تكذيبهم إياه، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا فقال تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ، قال ابن عباس: يعني النبيّ خاصة.
وقال بعضهم: أراد به النبيّ وأصحابه، أفتطمعون أن يصدقوكم وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ؟
فإن أراد به النبيّ خاصة، فمعناه أفتطمع أن يصدقوك؟
وقد يذكر لفظ الجماعة ويراد به الواحد، كما قال في آية أخرى مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِمْ [يونس: 83] ، وقال تعالى: إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ [القصص: 76] ، وقال تعالى: فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ [هود: 14] ، أراد به النبي خاصة كذلك هاهنا.
ثم قال: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ، قال في رواية الكلبي: يعني السبعين الذين ساروا مع موسى- - إلى طور سيناء فسمعوا هناك كلام الله تعالى، فلما رجعوا قال سفهاؤهم: إن الله أمر بكذا بخلاف ما أمرهم، فذلك قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ، أي غيروه من بعد ما حفظوه وفهموه.
وقال بعضهم: إنما أراد به الذين يغيرون التوراة.
وقال بعضهم: يغيرون تأويله وهم يعلمون.
<div class="verse-tafsir"
ذلك خوف الفضيحة في أمر القاتل «١» .
وفَادَّارَأْتُمْ: معناه: تدافعتم قتل القتيل، وفِيها، أي: في النَّفْس.
وقوله تعالى: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
: آية من اللَّه تعالى على يدَيْ موسى عليه السلام أن أمرهم أن يضربوا ببعض البقرة القتيلَ، فيحيى ويخبر بقاتله، فقيل: ضربوه، وقيل: ضربوا قبره لأن ابن عباس ذكر أنَّ أمر القتيل وقع قَبْل جواز البَحْر، وأنهم داموا في طلب البقرة أربعين سنَةً.
وقوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى ...
الآيةَ: في هذه الآية حض على العبرة، ودلالةٌ على البعث في الآخرة، وظاهرها أنها خطاب لبني إسرائيل حينئذ، حكي لمحمّد صلّى الله عليه وسلم، ليعتبر به إلى يوم القيامة.
وذهب الطبريُّ إلى أنها خطاب لمعاصري محمّد صلّى الله عليه وسلم، وأنها مقطوعة من قوله:
اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
، وروي أن هذا القتيل لما حَيِيَ، وأخبر بقاتله، عاد ميتا كما كان.
وقوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ...
الآية: أي: صلبت وجفَّت، وهي عبارة عن خلوِّها من الإنابة والإذعان لآيات اللَّه تعالى، قال قتادة وغيره: المراد قلوب بني إسرائيل جميعاً في معاصيهم، وما ركبوه بعد ذلك «٢» ، و «أَوْ» : لا يصحُّ أن تكون هنا للشكِّ، فقيل: هي بمعنى «الواو» ، وقيل: للإضراب، وقيل: للإبهام، وقيل غير ذلك «٣» .
وقوله تعالى: وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ ...
الآية: معذرةٌ للحجارة، وتفضيلٌ لها على قلوبهم، قال قتادة: عذر اللَّه تعالى الحجارة، ولم يعذِر شقيَّ بني آدم «١» .
ت: وروى البَزَّار عن النبيِّ صلّى الله عليه وسلم أنه قال: «أَرْبَعَةٌ مِنَ الشَّقَاءِ: جُمُودُ العَيْنِ، وَقَسَاوَةُ القَلْبِ، وَطُولُ الأَمَلِ، وَالْحِرْصُ عَلَى الدُّنْيَا» «٢» .
انتهى من «الكوكب الدّرّيّ» لأبي
العباس أحمد بن سَعْد التُّجِيبِيِّ، قال الغَزَّاليُّ في «المِنْهَاج» : واعلم أن أول الذنب قسوةٌ، وآخره، والعياذ باللَّه، شؤمٌ وشِقْوَةٌ، وسوادُ القلْب يكون من الذنوب، وعلامةُ سواد القلب ألاَّ تجد للذنوب مفزعاً، ولا للطاعات موقعاً، ولا للموعظة منجعاً.
انتهى.
وقيل في هبوط الحجارة: تفيُّؤ ظلالها، وقيل: إن اللَّه تعالى يخلُقُ في بعض الأحجار خشيةً وحياةً، يهبط بها من عُلْوٍ تواضعاً، وقال مجاهد: ما تردى حجرٌ من رأسِ جبلٍ، ولا تَفَجَّرَ نهر من حَجَر، ولا خَرَج ماء منه، إلا من خشية الله عز وجلّ نزل بذلك القرآن «١» ، وقال مثله ابْنُ جُرَيْجٍ «٢» .
وقوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ...
الآية: الخطاب للمؤمنين من أصحاب محمّد صلّى الله عليه وسلم وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجوار ٢٥ ب الذي كان بينهم، ومعنى هذا الخطابِ التقرير/ على أمر فيه بُعْد إذ قد سلف لأسلاف هؤلاء اليهودِ أفاعيلُ سوءٍ، وهؤلاء على ذلك السَّنَن.
وتحريفُ الشيء: إِمالته من حالٍ إلى حال، وذهب ابن عبَّاس إلى أن تحريفهم وتبديلهم إِنما هو بالتأويل، ولفْظُ التوراة باق «٣» ، وذهب جماعة من العلماء إلى أنهم بدَّلوا ألفاظاً من تلقائهم، وأنَّ ذلك ممكن في التوراة لأنهم استحفظوها، وغير ممكن في القرآن لأن اللَّه تعالى ضَمِنَ حفظه.
قلْتُ: وعن ابن إسحاق أن المراد ب «الفريقِ» هنا طائفةٌ من السبعين الذين سمعوا كلامَ اللَّه مع موسى.
انتهى من «مختصر الطبريِّ» وهذا يحتاج إلى سند صحيح.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : قالَ إبْراهِيمُ بْنُ السَّرِيِّ: قَسَتْ في اللُّغَةِ: غَلُظَتْ ويَبِسَتْ وعَسَتْ، فَقَسْوَةُ القَلْبِ: ذِهابُ اللِّينِ والرَّحْمَةِ وِالخُشُوعِ مِنهُ.
والقاسِي: والعاسِي: الشَّدِيدُ الصَّلابَةِ.
وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قَسَتْ وعَسَتْ وعَتَتْ واحِدٌ، أيْ: يَبِسَتْ.
وَفِي المُشارِ إلَيْهِمْ بِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: جَمِيعُ بَنِي إسْرائِيلَ.
والثّانِي: القاتِلُ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ الَّذِينَ قَتَلُوهُ بَعْدَ أنْ سَمّى قاتِلَهُ: واللَّهِ ما قَتَلْناهُ.
وفي كافِ "ذَلِكَ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ إشارَةٌ إلى إحْياءِ المَوْتى، فَيَكُونُ الخِطابُ لِجَمِيعِ بَنِي إسْرائِيلَ.
والثّانِي: إلى كَلامِ القَتِيلِ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِلْقاتِلِ، ذَكَرَهُما المُفَسِّرُونَ.
والثّالِثُ: إلى ما شُرِحَ مِنَ الآَياتِ مِن مَسْخِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، ورَفْعِ الجَبَلِ وانْبِجاسِ الماءِ، وإحْياءِ القَتِيلِ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي "أوْ" أقْوالٌ، هي بِعَيْنِها مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ كَصَيِّبٍ ﴾ وقَدْ تَقَدَّمَتْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: كُلُّ حَجَرٍ يَنْفَجِرُ مِنهُ الماءُ، ويَنْشَقُّ عَنْ ماءٍ، أوْ يَتَرَدّى مِن رَأْسِ جَبَلٍ، فَمِن خَشْيَةِ اللَّهِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَهي كالحِجارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً وإنَّ مِن الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللهِ وما اللهِ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وهم يَعْلَمُونَ ﴾ "قَسَتْ" أيْ صَلَبَتْ وجَفَّتْ، وهي عِبارَةٌ عن خُلُوِّها مِنَ الإنابَةِ والإذْعانِ لِآياتِ اللهِ تَعالى.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُرادُ قُلُوبُ ورَثَةِ القَتِيلِ، لِأنَّهم حِينَ حَيِيَ، قالَ إنَّهم قَتَلُوهُ، وعادَ إلى حالِ مَوْتِهِ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، وقالُوا: كَذَبَ.
بَعْدَ ما رَأوا هَذِهِ الآيَةَ العُظْمى لَكِنْ نَفَّذَ حُكْمَ اللهِ تَعالى بِقَتْلِهِمْ.
قالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مِن حِينَئِذٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وبِمَثَلِهِ جاءَ شَرْعُنا وحَكى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في المُوَطَّأِ: أنَّ قِصَّةَ أُحَيْحَةَ بْنِ الجَلّاحِ في عَمِّهِ هي الَّتِي كانَتْ سَبَبًا ألّا يَرِثَ قاتِلٌ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ الإسْلامُ، كَما ثَبَتَ كَثِيرًا مِن نَوازِلِ الجاهِلِيَّةِ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: إنَّما أرادَ اللهُ قُلُوبَ بَنِي إسْرائِيلَ جَمِيعًا في مَعاصِيهِمْ وما رَكَّبُوهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ ﴾ الآيَةُ، الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعِ خَبَرٍ لِهِيَ، تَقْدِيرُهُ: فَهي مِثْلُ الحِجارَةِ ﴿ أو أشَدُّ ﴾ مُرْتَفَعٌ بِالعَطْفِ عَلى الكافِ، "أوَ" عَلى خَبَرِ الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ تَكْرارِ هِيَ، و"قَسْوَةً" نُصِبَ عَلى التَمْيِيزِ.
والعُرْفِ في "أو"، أنَّها لِلشَّكِّ، وذَلِكَ لا يَصِحُّ في هَذِهِ الآيَةُ.
واخْتُلِفَ في مَعْنى "أو"، هُنا، فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى الواوُ كَما قالَ تَعالى: ﴿ آثِمًا أو كَفُورًا ﴾ ، أيْ وكَفُورًا.
وكَما قالَ الشاعِرُ: نالَ الخِلافَةَ أو كانَتْ لَهُ قَدَرًا كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ أيْ وكانَتْ لَهُ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: هي بِمَعْنى بَلْ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ إلى مِائَةِ ألْفٍ أو يَزِيدُونَ ﴾ ، المَعْنى بَلْ يَزِيدُونَ.
وقالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناها التَخْيِيرُ، أيْ شَبَّهُوها بِالحِجارَةِ تُصِيبُوا، أو بِأشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ تُصِيبُوا.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى بابِها في الشَكِّ، ومَعْناهُ عِنْدَكم أيُّها المُخاطَبُونَ، وفي نَظَرِكم أنْ لَوْ شاهَدْتُمْ قَسْوَتَها لَشَكَكْتُمْ: أهِيَ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ؟
وقالَتْ فِرْقَةٌ: هي عَلى جِهَةِ الإبْهامِ عَلى المُخاطَبِ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي الأُسُودِ الدُؤَلِيِّ: أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا ∗∗∗ وعَبّاسًا وحَمْزَةُ أو عَلِيًّا ولَمْ يَشُكَّ أبُو الأُسُودِ، وإنَّما قَصَدَ الإبْهامَ عَلى السامِعِ، وقَدْ عُورِضَ أبُو الأُسُودِ في هَذا واحْتَجَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أو إيّاكم لَعَلى هُدًى أو في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ ، وهَذِهِ الآيَةُ مُفارِقَةٌ لِبَيْتِ أبِي الأُسُودِ، ولا يَتِمُّ مَعْنى الآيَةِ إلّا بـِ "أو"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ اللهُ تَعالى أنَّ فِيهِمْ مَن قَلْبُهُ كالحَجَرِ، وفِيهِمْ مَن قَلْبُهُ أشَدُّ مِنَ الحَجَرِ، فالمَعْنى فَهي فِرْقَتانِ كالحِجارَةِ أو أشَدَّ، ومِثْلُ هَذا قَوْلُكَ أطْعَمْتُكَ الحُلْوَ أوِ الحامِضَ، تُرِيدُ أنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ ما أطْعَمْتَهُ عن هَذَيْنَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما أرادَ عَزَّ وجَلَّ أنَّها كانَتْ كالحِجارَةِ يَتَرَجّى لَها الرُجُوعُ والإنابَةُ كَما تَتَفَجَّرُ الأنْهارُ ويَخْرُجُ الماءُ مِنَ الحِجارَةِ، ثُمَّ زادَتْ قُلُوبُهم بَعْدَ ذَلِكَ قَسْوَةً بِأنْ صارَتْ في حَدِّ مَن لا تُرْجى إنابَتُهُ، فَصارَتْ أشَدَّ مِنَ الحِجارَةِ فَلَمْ تَخْلُ أنْ كانَتْ كالحِجارَةِ طَوْرًا أو أشَدَّ طَوْرًا، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "قَساوَةً"، والمَعْنى واحِدٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ ﴾ الآيَةُ مَعْذِرَةٌ لِلْحِجارَةِ، وتَفْضِيلٌ لَها عَلى قُلُوبِهِمْ في مَعْنى قِلَّةِ القَسْوَةِ.
وقالَ قَتادَةُ: عَذَرَ اللهُ تَعالى الحِجارَةَ ولَمْ يَعْذُرْ شَقِيَّ بَنِي آدَمَ.
وقَرَأ قَتادَةُ: "وَإنَّ"، مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَقِيلَةِ، وكَذَلِكَ في الثانِيَةِ والثالِثَةِ، وفَرَّقَ بَيْنَها وبَيْنَ النافِيَةِ لامُ التَأْكِيدِ في "لَمّا"، و"ما" في مَوْضِعِ نَصْبِ اسْمٍ لـِ "إنَّ"، ودَخَلَتِ اللامُ عَلى اسْمِ "إنَّ" لَمّا حالَ بَيْنَهُما المَجْرُورُ، ولَوِ اتَّصَلَ الِاسْمُ بـِ "إنَّ" لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ اللامِ لِثِقَلِ اجْتِماعِ تَأْكِيدَيْنِ.
وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ "يَنْفَجِرُ" بِالنُونِ وياءٍ مِن تَحْتٍ قَبْلَها وكَسْرِ الجِيمِ.
ووَحَّدَ الضَمِيرَ في "مِنهُ" حَمْلًا عَلى لَفْظِ "ما".
وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والضَحّاكُ "مِنها الأنْهارُ" حَمْلًا عَلى الحِجارَةِ.
و"الأنْهارُ" جَمْعُ نَهْرٍ، وهو ما كَثُرَ ماؤُهُ جَرْيًا مِنَ الأخادِيدِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "لَمّا" بِتَشْدِيدِ المِيمِ في المَوْضِعَيْنِ وهي قِراءَةٌ غَيْرُ مُتَّجِهَةٍ.
و"يَشَّقَّقُ" أصْلُهُ يَتَشَقَّقُ، أُدْغِمَتِ التاءُ في الشِينِ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَنِ العُيُونِ الَّتِي لَمْ تُعَظَّمْ حَتّى تَكُونَ أنْهارًا، أو عَنِ الحِجارَةِ الَّتِي تَشَقَّقُ وإنْ لَمْ يَجْرِ ماءٌ مُنْفَسِحٌ.
وقَرَأ ابْنُ مُصَرِّفٍ: "يَنْشَقَّقُ" بِالنُونِ.
وقِيلَ في هُبُوطِ الحِجارَةِ: تَفَيُّؤُ ظِلالِها، وَقِيلَ: المُرادُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ دَكًّا، وقِيلَ: إنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ في بَعْضِ الأحْجارِ خَشْيَةً وحَياةً يَهْبِطُ بِها مِن عُلُوٍّ تَواضُعًا.
ونَظِيرُ هَذِهِ الحَياةِ حَياةُ الحَجَرِ المُسْلِمِ عَلى النَبِيِّ ، وحَياةُ الجِزْعِ الَّذِي أنَّ لِفَقْدِ النَبِيِّ .
وقِيلَ: لَفْظَةُ الهُبُوطِ مَجازٌ، وذَلِكَ أنَّ الحِجارَةَ -لَمّا كانَتِ القُلُوبُ تَعْتَبِرُ بِخَلْقِها، وتَخْشَعُ بِبَعْضِ مَناظِرِها- أُضِيفَ تَواضُعُ الناظِرِ إلَيْها، كَما قالَتِ العَرَبُ: "ناقَةٌ تاجِرَةٌ"، أيْ تَبْعَثُ مَن يَراها عَلى شِرائِها.
وقالَ مُجاهِدٌ: "ما تَرَدّى حَجَرٌ مِن رَأْسِ جَبَلٍ، ولا تَفَجَّرَ نَهْرٌ مِن حَجَرٍ، ولا خَرَجَ ماءٌ مِنهُ إلّا ﴿ مِن خَشْيَةِ اللهِ ﴾ نَزَلَ بِذَلِكَ القُرْآنُ"، وقالَ مِثْلُهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ: أنَّ الخَشْيَةَ لِلْحِجارَةِ مُسْتَعارَةٌ كَما اسْتُعِيرَتِ الإرادَةُ لِلْجِدارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ ﴾ ، وكَما قالَ زَيْدُ الخَيْلِ: بِجَمْعٍ تَضِلُّ البُلْقُ في حُجُراتِهِ ∗∗∗ تَرى الأُكْمَ فِيهِ سُجَّدًا لِلْحَوافِرِ وكَما قالَ جَرِيرٌ: ......................................
∗∗∗......
والجِبالُ الخُشَّعُ أيْ مَن رَأى الحَجَرَ هابِطًا تَخَيَّلَ فِيهِ الخَشْيَةَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأنَّ بَراعَةَ مَعْنى الآيَةِ تَخْتَلُّ بِهِ، بَلِ القَوِيُّ أنَّ اللهَ تَعالى يَخْلُقُ لِلْحِجارَةِ قَدْرًا ما مِنَ الإدْراكِ تَقَعُ بِهِ الخَشْيَةُ والحَرَكَةُ.
و"بِغافِلٍ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ خَبَرُ "ما"، لِأنَّها الحِجازِيَّةُ، يُقَوِّي ذَلِكَ دُخُولُ الباءِ في الخَبَرِ، وإنْ كانَتِ الباءُ قَدْ تَجِيءُ شاذَّةً مَعَ التَمِيمِيَّةِ.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ: "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ، والمُخاطَبَةُ عَلى هَذا لِمُحَمَّدٍ .
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ ﴾ الآيَةُ.
الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ، وذَلِكَ أنَّ الأنْصارَ كانَ لَهم حِرْصٌ عَلى إسْلامِ اليَهُودِ لِلْحِلْفِ والجِوارِ الَّذِي كانَ بَيْنَهم.
ومَعْنى هَذا الخِطابُ التَقْرِيرُ عَلى أمْرٍ فِيهِ بُعْدٌ، إذْ قَدْ سَلَفَتْ لِأسْلافِ هَؤُلاءِ اليَهُودِ أفاعِيلُ سُوءٍ، وهَؤُلاءِ عَلى ذَلِكَ السَنَنِ.
والفَرِيقُ: اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ كالحِزْبِ.
وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: عُنِيَ بِالفَرِيقِ هُنا الأحْبارُ الَّذِينَ حَرَّفُوا التَوْراةَ في صِفَةِ مُحَمَّدٍ .
وقِيلَ: المُرادُ كُلُّ مَن حَرَّفَ في التَوْراةِ شَيْئًا حُكْمًا أو غَيْرَهُ، كَفِعْلِهِمْ في آيَةِ الرَجْمِ ونَحْوِها، وقالَ ابْنُ إسْحاقَ والرَبِيعُ: عُنِيَ السَبْعُونَ الَّذِينَ سَمِعُوا مَعَ مُوسى، ثُمَّ بَدَّلُوا بَعْدَ ذَلِكَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وفي هَذا القَوْلِ ضَعْفٌ، ومَن قالَ إنَّ السَبْعِينَ سَمِعُوا ما سَمِعَ مُوسى فَقَدْ أخْطَأ، وأذْهَبَ فَضِيلَةَ مُوسى عَلَيْهِ السَلامُ، واخْتِصاصَهُ بِالتَكْلِيمِ.
وقَرَأ الأعْمَشُ كَلِمَ اللهُ"، وتَحْرِيفُ الشَيْءِ إمالَتُهُ مَن حالٍ إلى حالٍ، وذَهَبَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما إلى أنَّ تَحْرِيفَهم وتَبْدِيلَهم إنَّما هو بِالتَأْوِيلِ، ولَفْظُ التَوْراةِ باقٍ، وذَهَبَ جَماعَةٌ مِنَ العُلَماءِ إلى أنَّهم بَدَّلُوا ألْفاظًا مِن تِلْقائِهِمْ، وأنَّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ في التَوْراةِ لِأنَّهُمُ اسْتَحْفَظُوها، وغَيْرُ مُمْكِنٍ في القُرْآنِ لِأنَّ اللهَ تَعالى ضَمِنَ حِفْظَهُ.
<div class="verse-tafsir"
(ثم) هنا للترتيب الرتبي الذي تتهيأ له (ثم) إذا عَطفت الجمل، أي ومع ذلك كله لم تلن قلوبكم ولم تنفعكم الآيات ﴿ فقست قلوبكم ﴾ وكان من البعيد قسوتها.
وقوله: ﴿ من بعد ذلك ﴾ زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك على حد قول القطامي: أكفراًبعد ردِّ الموتتِ عني *** وبعدَ عَطائك المائة الرِّتاعَا أي كيف أكفر نعمتك أي لا أكفرها مع إنجائك لي من الموت إلخ.
ووجه استعمال (بعد) في هذا المعنى أنها مجاز في معنى (مع) لأن شأن المسبب، أن يتأخر عن السبب ولما لم يكن المقصد التنبيه على تأخره للعلم بذلك وأريد التنبيه على أنه معه إثباتاً أو نفياً عُبر ببعد عن معنى (مع) مع الإشارة إلى التأخر الرتبي.
والقسوة والقساوة توصف بها الأجسام وتوصف بها النفوس المعبر عنها بالقلوب فالمعنى الجامع للوصفين هو عدم قبول التحول عن الحالة الموجودة إلى حالة تخالفها.
وسواء كانت القساوة موضوعة للقدر المشترك بين هذين المعنيين الحسي والقلبي وهو احتمال ضعيف أم كانت موضوعة للأجسام حقيقة واستعملت في القلوب مجازاً وهو الصحيح، فقد شاع هذا المجاز حتى ساوى الحقيقة وصار غير محتاج إلى القرينة فآل اللفظ إلى الدلالة على القدر المشترك بالاستعمال لا بأصل الوضع وقد دل على ذلك العطف في قوله: ﴿ أو أشد قسوة ﴾ كما سيأتي.
وقوله: ﴿ فهي حجارة ﴾ تشبيه فرع بالفاء لإرادة ظهور التشبيه بعدحكاية الحالة المعبر عنها بقست لأن القسوة هي وجه الشبه ولأن أشهر الأشياء في هذا الوصف هو الحجر فإذا ذكرت القسوة فقد تهيأ التشبيه بالحجر ولذا عطف بالفاء أي إذا علمت أنها قاسية فشبهها بالحجارة كقول النابغة يصف الحجيج: عليهن شعثٌ عامدون لربهم *** فهُنَّ كأطراف الحَنِيِّ خواشع وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها، وهذا الأسلوب يسمى عندي تهيئة التشبيه وهو من محاسنه، وإذا تتبعت أساليب التشبيه في كلامهم تجدها على ضربين ضرب لا يهيأ فيه التشبيه وهو الغالب وضرب يهيأ فيه كما هنا والعطف بالفاء في مثله حسن جداً وأما أن يأتي المتكلم بما لا يناسب التشبيه فذلك عندي يعد مذموماً.
وقد رأيت بيتاً جمع تهيئة التشبيه والبعد عنه وهو قول ابن نباتة: في الريق سُكْر وفي الأَصداغ تجعيد *** هذا المُدَام وهاتيك العناقيد فإنه لما ذكر السكر تهيأ التشبيه بالخمر ولكن قوله: تجعيد لا يناسب العناقيد.
فإن قلت لم عددته مذموماً وما هو إلا كتجريد الاستعارة؟
قلت: لا لأن التجريد يجيء بعد تكرر الاستعارة وعلم بها فيكون تفنناً لطيفاً بخلاف ما يجيء قبل العلم بالتشبيه.
وقوله: ﴿ أو أشد قسوة ﴾ مرفوع على أنه خبر مبتدأ دل عليه قوله: ﴿ فهي كالحجارة ﴾ و(أو) بمعنى بل الانتقالية لتوفر شرطها وهوكون معطوفها جملة.
وهذا المعنى متولدمن معنى التخيير الموضوعة له (أو) لأن الانتقال ينشأ عن التخيير فإن القلوب بعد أن شبهت بالحجارة وكان الشأن يكون المشبه أضعف في الوصف من المشبه به يُبنى على ذلك ابتداءُ التشبيه بما هو أشهر ثم عقب التشبيه بالترقي إلى التفضيل في وجه الشبه على حد قول ذي الرمة: بَدَتْ مثل قرن الشمس في رونق الضُّحى *** وصورتِها أو أنتتِ في العين أَمْلَح فليست (أو) للتخيير في التشبيه أي ليست عاطفة على قوله الحجارة المجرورة بالكاف لأن تلك لها موقع مَا إذا كُرر المشبه به كما قدمناه عند قوله تعالى: ﴿ أوْ كصيب من السماء ﴾ [البقرة: 19].
ويجوز أن تكون للتخيير في الأخبار عطفاً على الخبر الذي هو ﴿ كالحجارة ﴾ أي فهي مثل الحجارة أو هي أقوى من الحجارة والمقصود من التخيير أن المتكلم يشير إلى أنه لا يرمي بكلامه جزافاً ولا يذمهم تحاملاً بل هومتثبت متحر في شأنهم فلا يُثْبِت لهم إلا ما تبين له بالاستقراء والتقصي فإنه ساواهم بالحجارة في وصف ثم تَقَصَّى فرأى أنهم فيه أقوى فكأنه يقول للمخاطب إن شئت فسَوِّهم بالحجارة في القسوة ولك أن تقول هم أشد منها وذلك يفيد مفاد الانتقال الذي تدل عليه بل وهو إنما يحسن في مقام الذم لأن فيه تلطفاً وأما في مقام المدح فالأحسن هو التعبير ببل كقول الفرزدق: فقالت لنا أهلاً وسهلاً وزوَّدَتْ *** جَنَى النَّحْل بل ما زوّدتْ منه أطيب ووجه تفضيل تلك القلوب على الحجارة في القساوة أن القساوة التي اتصفت بها القلوب مع كونها نوعاً مغايراً لنوع قساوة الحجارة قد اشتركا في جنس القساوة الراجعة إلى معنى عدم قبول التحول كما تقدم فهذه القلوب قساوتها عند التمحيص أشد من قساوة الحجارة لأن الحجارة قد يعتريها التحول عن صلابتها وشدتها بالتفرق والتشقق وهذه القلوب لم تُجْدِ فيها محاولة.
وقوله: ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجَّر ﴾ إلخ تعليل لوجه التفضيل إذ من شأنه أن يُستغرب، وموقع هذه الواو الأولى في قوله: ﴿ وإن من الحجارة ﴾ عسير فقيل: هي للحال من الحجارة المقدَّرة بعد (أَشَد) أي أشد من الحجارة قسوةً، أي تفضيل القلوب على الحجارة في القسوة يظهرُ في هذه الأحوال التي وُصِفت بها الحجارة ومعنى التقييد أن التفضيل أظهر في هذه الأحوال، وقيل هي الواوللعطف على قوله: ﴿ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ قاله التفتزاني، وكأنه يجعل مضمون هذه المعطوفات غير راجع إلى معنى تشبيه القلوب بالحجارة في القساوة بل يجعلها إخباراًعن مزايا فَضُلت بها الحجارة على قلوب هؤلاء بما يحصل عن هذه الحجارة من منافع في حين تُعطَّلُ قلوب هؤلاء من صدور النفع بها، وقيل: الواو استئنافية وهو تذييل للجملة السابقة وفيه بعدكما صرح به ابن عرفة، والظاهر أنها الواو الاعتراضية وأن جملة ﴿ وإن من الحجارة وما عطف عليها معترضاتٌ بين قوله: ثم قست قلوبكم ﴾ وبين جملة الحال منها وهي قوله: ﴿ وما الله بغافر عما تعملون ﴾ .
والتوكيد بإنَّ للاهتمام بالخبر وهذا الاهتمام يؤذن بالتعليل ووجود حرف العطف قبلها لا يُناكدُ ذلك كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿ فإن لكم ما سألتم ﴾ [البقرة: 61].
ومن بديع التخلص تأخُّر قوله تعالى: ﴿ وإنَّ منها لَمَا يهبط من خشية الله ﴾ والتعبير عن التَسخُّر لأمر التكوين بالخشية ليتم ظهور تفضيل الحجارة على قلوبهم في أحوالها التي نهايتها الامتثال للأمر التكليفي مع تعاصي قلوبهم عن الامتثال للأمر التلكيفي ليتأتى الانتقال إلى قوله: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وقوله: ﴿ أفتطعمون أن يؤمنوا لكم ﴾ [البقرة: 75].
وقد أشارت الآية إلى أن انفجار الماء من الأرض من الصخور منحصر في هذين الحالين وذلك هو ما تقرر في علم الجغرافيا الطبيعية أن الماء النازل على الأرض يخرق الأرض بالتدريج لأن طبع الماء النزول إلى الأسفل جرياً على قاعدة الجاذبية فإذا أضغط عليه بثقل نفسه مِن تكاثُره أو بضاغطٍ آخرمن أهْوية الأرض تطلب الخروج حتى إذا بلغ طبقة صخرية أو صلصالية طفا هناك فالحجر الرملي يشرب الماء والصخور والصلصال لا يخرقها الماءُ إلا إذا كانت الصخور مركبة من مواد كلسية وكان الماءُ قد حمل في جريته أجزاء من معدن الحامض الفحمي فإن له قوة على تحليل الكلس فيحدث ثقباً في الصخور الكلسية حتى يخرقها فيخرج منها نابعاً كالعيون.
وإذا اجتمعت العيون في موضع نشأت عنها الأنهار كالنيل النابع من جبال القمر، وأما الصخور غير الكلسية فلا يفتتها الماء ولكن قد يعرض لها انشقاق بالزلازل أو بفلق الآلات فيخرج منها الماء إما إلى ظاهر الأرض كما نرى في الآبار وقد يخرج منها الماء إلى طبقة تحتها فيختزن تحتها حتى يخرج بحالة من الأحوال السابقة.
وقد يجد الماء في سيره قبل الدخول تحت الصخر أو بعدَه منفذاً إلى أرض ترابية فيخرج طافياً من سطح الصخور التي جرى فوقها.
وقد يجد الماء في سيره منخفضات في داخل الأرض فيستقر فيها ثم إذا انضمت إليه كميات أخرى تَطَلَّبَ الخروج بطريق من الطرق المتقدمة ولذلك يكثر أن تنفجر الأنهار عقب الزلازل.
والخشية في الحقيقة الخوفُ الباعث على تقوى الخائف غيرَه.
وهي حقيقة شرعية في امتثال الأمر التكليفي لأنها الباعث على الامتثال.
وجُعلت هنا مجازاً عن قبول الأمر التكويني إما مرسلاً بالإطلاق والتقييد، وإما تمثيلاً للهيئة عند التكوين بهيئة المكلَّف إذ ليست للحجارة خشية إذ لا عقل لها.
وقد قيل إن إسناد (يهبط) للحجر مجاز عقلي والمراد هبوط القلوب أي قلوب الناظرين إلى الصخور والجبال أي خضوعها فأسند الهبوط إليها لأنها سببه كما قالوا ناقة تاجرة أي تبعث من يراها على المساومة فيها.
وقوله: ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ تذييل في محل الحال أي فعلتم ما فعلتم وما الله بغافل عن كل صنعكم.
وقد قرأه الجمهور بالتاء الفوقية تكملة خطاب بني إسرائيل، وقرأ ابن كثير ويعقوب وخلف (يعملون) بالياء التحتية وهو انتقال من خطابهم إلى خطاب المسلمين فلذلك غُيّر أسلوبه إلى الغيبة وليس ذلك من الالتفات لاختلاف مرجع الضميرين لأن تفريع قوله: ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ﴾ [البقرة: 75] عليه دل على أن الكلام نقل من خطاب بني إسرائيل إلى خطاب المسلمين.
وهو خبر مرادبه التهديد والوعيد لهم مباشرة أو تعريضاً.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ اخْتُلِفَ في المُشارِ إلَيْهِ بِالقَسْوَةِ، عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: بَنُو أخِي المَيِّتِ حِينَ أنْكَرُوا قَتْلَهُ، بَعْدَ أنْ سَمِعُوهُ مِنهُ عِنْدَ إحْياءِ اللَّهِ لَهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: أنَّهُ أشارَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ كُلِّهِمْ، ومَن قالَ بِهَذا قالَ: مِن بَعْدِ ذَلِكَ: أيْ مِن بَعْدِ آياتِهِ كُلِّها الَّتِي أظْهَرَها عَلى مُوسى.
وَفي قَسْوَتِها وجْهانِ: أحَدُهُما: صَلابَتُها حَتّى لا تَلِينَ.
والثّانِي: عُنْفُها حَتّى لا تَرْأفَ.
وَفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: مِن بَعْدِ إحْياءِ المَوْتى، ويَكُونُ هَذا الخِطابُ راجِعًا إلى جَماعَتِهِمْ.
والثّانِي: مِن بَعْدِ كَلامِ القَتِيلِ، ويَكُونُ الخِطابُ راجِعًا إلى بَنِي أخِيهِ.
وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً ﴾ يَعْنِي القُلُوبَ الَّتِي قَسَتْ.
واخْتَلَفَ العُلَماءُ في مَعْنى ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ وأشْباهِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى ﴾ عَلى خَمْسَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ إبْهامٌ عَلى المُخاطَبِينَ، وإنْ كانَ اللَّهُ تَعالى عالِمًا، أيْ ذَلِكَ هُوَ، كَما قالَأبُو الأسْوَدِ الدُّؤَلِيُّ أُحِبُّ مُحَمَّدًا حُبًّا شَدِيدًا وعَبّاسًا وحَمْزَةَ أوْ عَلِيّا ∗∗∗ فَإنْ يَكُ حُبُّهم رُشْدًا أُصِبْهُ ∗∗∗ ولَسْتُ بِمُخْطِئٍ إنْ كانَ غَيّا وَلا شَكَّ، أنَّ أبا الأسْوَدِ الدُّؤَلِيَّ، لَمْ يَكُنْ شاكًّا في حُبِّهِمْ، ولَكِنْ أبْهَمَ عَلى مَن خاطَبَهُ، وقَدْ قِيلَ لِأبِي الأسْوَدِ حِينَ قالَ ذَلِكَ: شَكَكْتَ؟
فَقالَ: كَلّا، ثُمَّ اسْتَشْهَدَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ ﴾ وقالَ: أفَكانَ شاكًّا مَن أخْبَرَ بِهَذا؟
والثّانِي: أنَّ ( أوْ ) هَهُنا بِمَعْنى الواوِ، وتَقْدِيرُهُ: فَهو كالحِجارَةِ وأشَدُّ قَسْوَةً، ومِثْلُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ: جاءَ الخِلافَةَ أوْ كانَتْ لَهُ قَدَرًا ∗∗∗ كَما أتى رَبَّهُ مُوسى عَلى قَدَرِ والثّالِثُ: أنَّ ( أوْ ) في هَذا المَوْضِعِ، بِمَعْنى بَلْ أشَدُّ قَسْوَةً، كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَأرْسَلْناهُ إلى مِائَةِ ألْفٍ أوْ يَزِيدُونَ ﴾ يَعْنِي بَلْ يَزِيدُونَ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْناها الإباحَةُ وتَقْدِيرُهُ، فَإنْ شَبَّهْتُمُوها بِالحِجارَةِ كانَتْ مِثْلَها، وإنْ شَبَّهْتُمُوها بِما هو أشَدُّ، كانَتْ مِثْلَها.
والخامِسُ: فَهي كالحِجارَةِ، أوْ أشَدُّ قَسْوَةً عِنْدَكم.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ ﴾ يَعْنِي أنَّ مِنَ الحِجارَةِ ما هو أنْفَعُ مِن قُلُوبِكُمُ القاسِيَةِ، لِتَفَجُّرِ الأنْهارِ مِنها.
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ وَإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ فاخْتَلَفُوا في ضَمِيرِ الهاءِ في (مِنها)، إلى ماذا يَرْجِعُ؟
عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: إلى القُلُوبِ لا إلى الحِجارَةِ، فَيَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: وإنَّ مِنَ القُلُوبِ لَما يَخْضَعُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ بَحْرٍ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى الحِجارَةِ، لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، في هَذِهِ الحِجارَةِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها البَرَدُ الهابِطُ مِنَ السَّحابِ، وهَذا قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ بَعْضُ المُتَكَلِّمِينَ.
والثّانِي: وهو قَوْلُ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ: أنَّها حِجارَةُ الجِبالِ الصَّلْدَةُ، لِأنَّها أشَدُّ صَلابَةً.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الجَبَلُ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ دَكًّا، حِينَ كَلَّمَ مُوسى.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في جَمِيعِ الجِبالِ.
واخْتَلَفَ مَن قالَ بِهَذا، في تَأْوِيلِ هُبُوطِها، عَلى أرْبَعَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: إنَّ هُبُوطَ ما هَبَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، نَزَلَ في ذَلِكَ القُرْآنُ.
والثّانِي: ...
...
...
والثّالِثُ: أنَّ مَن عَظَّمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، يُرى كَأنَّهُ هابِطٌ خاشِعٌ، كَما قالَ جَرِيرٌ: لَمّا أتى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَواضَعَتْ ∗∗∗ سُورُ المَدِينَةِ والجِبالُ الخُشَّعُ والرّابِعُ: أنَّ اللَّهَ أعْطى بَعْضَ الجِبالِ المَعْرِفَةَ، فَعَقَلَ طاعَةَ اللَّهِ، فَأطاعَهُ، كالَّذِي رُوِيَ عَنِ الجِذْعِ، الَّذِي كانَ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ النَّبِيُّ ، فَلَمّا تَحَوَّلَ عَنْهُ حَنَّ، رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: « (إنَّ حَجَرًا كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ في الجاهِلِيَّةِ إنِّي لَأعْرِفُهُ الآنَ» ويَكُونُ مَعْنى الكَلامِ: إنَّ مِنَ الجِبالِ ما لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ، لَهَبَطَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ تَذَلُّلًا وخُضُوعًا.
<div class="verse-tafsir"
أخرج عبد بن حميد وابن جرير عن قتادة في قوله: ﴿ ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ﴾ قال: من بعد ما أراهم الله من إحياء الموتى، ومن بعدما أراهم من أمر القتيل.
﴿ فهي كالحجارة أو أشد قسوة ﴾ ثم عذر الله الحجارة ولم يعذر شقي ابن آدم فقال: ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله ﴾ .
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن من الحجارة...
﴾ الآية.
أي أن من الحجارة لألين من قلوبكم، لما تدعون إليه من الحق.
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد قال: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يشقق عن ماء أو يتردى من رأس جبل فمن خشية الله.
نزل بذلك القرآن.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وإن منها لما يهبط من خشية الله ﴾ قال: إن الحجر ليقع على الأرض، ولو اجتمع عليه كثير من الناس ما استطاعوه، وإنه ليهبط من خشية الله.
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ ثُمَ قَسَت قُلُوبُكُم ﴾ معنى القسوة في اللغة: الشدة والصلابة واليبس، ويقال: حجر قاسٍ: صلب، وأرض قاسية: لا تنبت شيئا، وعامٌ قَسِيٌّ: ذو قحط، قال شمر: هو الشديد (١) (٢) ويقال: قَسا قلبُه يَقْسُو قَسْوَةً وقَسَاوةً وقُسُوًّا (٣) وقال بعضهم: قسا قلبه قِسِيًّا، والعرب تقلب الفعول في المصدر إلى الياء فيقول: طغا طِغِيّاً وعتا عِتِيّاً.
قال أبو إسحاق: وتأويل القسوة ذهاب اللين والرحمة والخشوع (٤) وقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ ﴾ : أي من بعد إحياء الميت لكم بعضوٍ من أعضاء البقرة، وهذه آية عظيمة كان يجب على من شاهدها أن يلين قلبه (٥) (٦) قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن، فلم يكونوا قط أعمى قلباً ولا أشد تكذيباً لنبيهم منهم عند ذلك (٧) قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون (من بعد ذلك)، أي: من بعد إحياء الميت والآيات التي تقدمت، نحو: مسخ القردة والخنازير، ورفع الجبل فوقهم، وانبجاس الماء من حجر.
وإنما جاز (ذلك) للجماعة، ولم يقل: (ذلكم)، لأن الجماعة يؤدي عن لفظها الجميع والفريق، والخطاب في لفظ واحد، والمعنى جماعة (٨) وقوله تعالى: ﴿ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ ﴾ قال أبو إسحاق: لا يجوز عندي إسكان الواو والياء من (هو وهي) لأن كل مضمر فحركته إذا انفرد الفتح نحو (أنا) فكما لا يسكن نون أنا فلا تسكن (٩) قال أبو علي فيما استدرك عليه (١٠) ولو قال قائل: الجيد الإسكان (١١) (١٢) (١٣) فإن قلت: فقولهم: (نحن) من المضمر المنفصل، وآخره متحرك فذلك لا يشبه هو وهي وأنا وأنت، لأن آخر (نحن) إنما حرك لالتقاء الساكنين، ولوكان آخره متحرّكًا من الجهة التي ذكرت (١٤) (١٥) ويدل على جواز (١٦) (١٧) (١٨) كأَطُومٍ فَقَدَتْ بُرْغُزَهَا ...
أعْقَبَتْهُ الغُبْسُ منه عَدَمَا غَفَلَتْ ثم أَتَتْ تَرْقُبُهُ ...
فإِذا هي بِعظامٍ ودَمَا (١٩) وقوله تعالى: ﴿ كَالْحِجَارَةِ ﴾ قال الليث: الحجارة جمع الحجر (٢٠) (٢١) قال (٢٢) (٢٣) وأقرأني العروضي عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري عن أبي الهيثم قال: العرب تدخل الهاء في كل جمع على فِعَال أو فُعُول، فتقول: عظام وعِظَامةٌ وفِحَالةٌ وجمالةٌ (٢٤) (٢٥) (٢٦) (٢٧) قال المفسرون: إنما شبه قلوبهم بالحجارة في الغلظة والشدة، ولم يقل (٢٨) (٢٩) وقوله: ﴿ أَو أَشَدُّ ﴾ (أو) دخلت لغير معنى شك، ولكنها للإباحة (٣٠) ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ ﴾ ، وقيل: (أو) هاهنا بمعنى بل (٣١) ﴿ أَوْ يَزِيدُونَ ﴾ .
وقيل: أراد إبهام علم ذلك على المخاطبين، كالعادة في مثل هذا في المخاطبة أن يقال: فلان كالبدر أو أحسن، وكالبحر أو (٣٢) (٣٣) (٣٤) ويجوز أن يرتفع بالعطف على موضع الكاف، كأنه قيل: فهي مثل الحجارة (٣٥) (٣٦) قال ابن عباس في هذه الآية: إنما قال: ﴿ أَشَدُّ قَسْوَةً ﴾ لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله تعالى (٣٧) بجبل فسمع منه أنيناً فقال: يا رب ائذن لهذا (٣٨) ﴿ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾ فخفتُ أن أكون من تلك الحجارة (٣٩) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ﴾ (٤٠) (٤١) (٤٢) (٤٣) (٤٤) (٤٥) والنهر: اتساع الضياء، والنهر: أوسع من الجدول، والانتهار: إظهار الزجر، لا يكنى عنه، والنهار: ولد الكروان (٤٦) وقوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ قيل: أراد به جبل موسى، لما تجلّى ربه للجبل جعله دكّاً (٤٧) وقال ابن الأنباري: يجوز أن يجعل الله تعالى للحجر عقلاً فيخشاه، كما جعل بحراء (٤٨) (٤٩) (٥٠) ﴿ يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ ﴾ ، وروي عنه أنه قال: "إني لأعرف (٥١) (٥٢) وروي أنه قال: "كان موسى يخرج من الرَّوحاء يؤمُّ هذا البيت يُلبّي، ومقامُ الروحاء يُجاوبه" (٥٣) ﴿ لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ يدل على عقل يُركَّب في الجبل لو أنزل القرآن عليه، لأنّ في القرآن أمراً ونهياً، ولا يؤمر ولا ينهى (٥٤) (٥٥) وقيل: إن الخشية في اللفظ للحجر، وفي المعنى للناظر إلى الحجر، وذلك (٥٦) (٥٧) (٥٨) (٥٩) (٦٠) (٦١) وقال مجاهد: كلُّ حجر تفجّر منه الماءُ أوتشقّق عن ماء أو تردّى من رأس جبل فهو من خشية الله [نزل به القرآن (٦٢) وقال بعض المتأولين: من قال: المراد بالحجارة في قوله: ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ ] (٦٣) (٦٤) (٦٥) ﴿ جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ ﴾ ، أي: كأنه مريد.
وكقول جرير: لمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْرِ تَوَاضَعَتْ ...
سُورُ المدينةِ والجِبَالُ الخُشَّعُ (٦٦) أي: كأنها خاشعة للتذلل الذي ظهر (٦٧) (٦٨) وقوله تعالى: ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ اختلف القراء في مثل هذا، فقرأوا بالياء والتاء (٦٩) والقول في جملة ذلك (٧٠) ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ ثم قال: ﴿ عَمَّا تَعْمَلُون ﴾ فالتاء هاهنا حسن، لأن المتقدم خطاب.
ومن (٧١) (٧٢) (٧٣) (٧٤) (٧٥) (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (١) قوله: (هو الشديد) ساقط من (ب).
(٢) "تهذيب اللغة" (قسا) 3/ 2955، وانظر: "اللسان" (قسا) 6/ 3622.
(٣) (قُسُوًّا): كذا ضبط في: (أ)، ومثله في "الوسيط" 1/ 132، وفي "تفسير الطبري" 361 (قَسْوا) وكذا في "القاموس" 20/ 78.
(٤) انظر: "معاني القرآن" 1/ 128، "تهذيب اللغة" (قسا) 3/ 2955، والنص من "تفسير الثعلبي" 1/ 85 ب.
(٥) في (ج): (عليه).
(٦) ذكره الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 128، وله قول آخر يأتي ذكره قريبًا.
وانظر "تفسير الطبري" 1/ 361 - 362.
(٧) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 85 ب، والبغوي في "تفسيره" 1/ 185.
(٨) في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 128.
(٩) في (أ): (يسكن) وأثبت ما في: (ب، ج)، ومثله ورد في "معاني القرآن" للزجاج 1/ 130.
(١٠) "الإغفال" ص 211.
(١١) أي: الإسكان في (الياء) من (هي)، و (الواو) من (هو).
انظر: "الإغفال" ص 211.
(١٢) قوله: (في أنت) ساقط من: (ب).
(١٣) أي: الزجاج، وفي "الإغفال": (كما قال أبو إسحاق) ص 211.
(١٤) ما الجهة التي ذكر؟
قال في "الإغفال" (فتبين مما ذكرنا أن (نحن) لم يحرك آخره من حيث كان مضمرا منفردًا) ص 212.
(١٥) انظر: "الإغفال" ص 211، 212.
(١٦) (جواز): ساقط من (ج).
(١٧) في "الإغفال": (ويدل على جواز هذا الإسكان إذا جاءت به رواية ثقة غير ممتنع ما أخبرنا ..) ص 213.
(١٨) هو أبو بكر محمد بن الحسن بن دريد.
(١٩) لم أعثر على قائل البيتين.
قوله: (أَطُوم): يريد البقرة الوحشية، (بُرْغُزَها): ولدها، (الغُبْسُ): الذئاب أو الكلاب.
ورد البيتان في "الإغفال" ص 213، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 326، "المنصف" 2/ 148، "اللسان" (برغز) 1/ 315، و (اطم) 1/ 170، "الخزانة" 7/ 491، وورد الشطر الثاني من البيت الثاني في "التكملة" ص 30، "المخصص" 6/ 93، والبيت الثاني في "شرح المفصل" 5/ 84، "الهمع" 1/ 13.
وبهذين البيتين انتهى ما نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب "الإغفال" ص 211 - 213.
(٢٠) في (ج): (حجر).
(٢١) في (ب): (وترى)، وفي "تهذيب اللغة" (ترك القياس له ..) 1/ 746.
(٢٢) (قال): ساقط من (ج).
(٢٣) "تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، وانظر: "اللسان" (حجر) 2/ 781.
(٢٤) في "تهذيب اللغة": (حبالة)، وفي الحاشية (د): (جمالة).
(٢٥) في "تهذيب اللغة": أخبرني المنذري عن أبي الهيثم.
ثم ذكره مع بعض الاختلاف في العبارة (حجر) 1/ 747، وانظر: "اللسان" (حجر) 2/ 781.
(٢٦) في (ب): (اللغة).
(٢٧) "تهذيب اللغة" (حجر) 1/ 746، وفيه: (قلت: وهذا هو العلة التي عللها النحويون فأما الاستحسان الذي شَبَّهه بالاستحسان في الفقه فإنه باطل، ومثله في "اللسان" (حجر) 2/ 78.
(٢٨) (يقل): ساقط من (ج).
(٢٩) انظر: "تفسير البغوي" 1/ 85، "تفسير ابن كثير" 1/ 121.
(٣٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 129، وانظر: "تفسير الطبري" 1/ 362 - 363، و"تفسير أبي الليث" 1/ 395، "الماوردي" 1/ 372، "ابن عطية" 1/ 354.
(٣١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 363، "تفسير أبي الليث" 1/ 395، "تفسير الثعلبي" 1/ 85 أ، "تفسير الماوردي" 1/ 372، "تفسير ابن عطية" 1/ 354.
(٣٢) في (ب): (بل أجود).
(٣٣) ذكره الطبري في "تفسيره" ورجحه 1/ 362 - 363، "تفسير الماوردي" 1/ 371، "تفسير ابن عطية" 1/ 354 - 355، وذكر الأخفش: أنها بمعنى (الواو) "معاني القرآن" 1/ 284، وقد رده الزجاج وقال: (أو) لا تصلح بمعنى (الواو) و"المعاني" 1/ 129، وهذا على قول البصريين، انظر: "الإنصاف" ص 383، وانظر ما سبق عند تفسير قوله تعالى: ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ ﴾ .
(٣٤) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 284، وللزجاج 1/ 129، "الطبري" 1/ 363.
(٣٥) في (ب): (كالحجارة).
(٣٦) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 363، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 188، "الكشاف" 1/ 290، "البحر المحيط" 1/ 263.
(٣٧) لم أجده بهذا النص عن ابن عباس والله أعلم، وأخرج الطبري في "تفسيره" نحوه عن ابن عباس وقتادة 1/ 364، وانظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 1/ 433، "تفسير ابن كثير" 120، 122، "الدر المنثور" 1/ 156.
(٣٨) في (ب): (لهذا الجبل).
(٣٩) ذكره السيوطي في "الدر" وعزاه إلى ابن المنذر عن عبد العزيز بن أبي رواد، "الدر" 6/ 375.
(٤٠) في (ج): (وإن من الحجارة لما يشقق فيخرج منه الماء).
(٤١) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 363 - 364، "إعراب القرآن" للنحاس 188، "تفسير ابن عطية" 1/ 356، "تفسير القرطبي" 1/ 394، "البحر المحيط" 1/ 265.
(٤٢) ذكره الفراء في "معاني القرآن" 1/ 49.
(٤٣) انظر: "تهذيب اللغة" (نهر) 4/ 3674، "الصحاح" (نهر) 2/ 840.
(٤٤) البيت لقيس بن الخطيم.
(٤٥) تمام البيت: مَلَكْتُ بها كَفِّي فَأَنْهَرْتُ فَتْقَهَا ...
يَرَى قَائِمٌ مِن دُونها ما وَراءَها سبق البيت وتخريجه.
(٤٦) قال الليث: فرخ القطاة، وقال الأصمعي: فرخ الحبارى.
انظر: "تهذيب اللغة" (نهر) 4/ 3674، "الصحاح" (نهر) 2/ 840، وفي "القاموس": فرخ القطا أو ذكر البوم، أو ولد الكروان أو ذكر الحبارى (نهر) ص 489.
(٤٧) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 364، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 135، "تفسير الماوردي" 1/ 373، "تفسير ابن عطية" 1/ 357 - 358.
(٤٨) في (ب): (لحراء).
(٤٩) لعله بهذا يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة، فقال رسول الله : "اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" مسلم (2414).
كتاب فضائل الصحابة، فضائل طلحة والزبير، وأخرج أبو داود نحوه وفيه.
"أثبت حراء ..
" "سنن أبي داود" (4648)، كتاب: السنة، باب: الخلفاء، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة (فضائل العشرة).
(٥٠) أخرجه البيهقي بسنده عن أبي ذر ، وفيه: (..
وبين يدي رسول الله سبع حصيات، أو قال: تسع حصيات فأخذهن فوضعهن في كفه فسبحن، حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل ..
الحديث) وفي بعض رجاله ضعف.
انظر: "دلائل النبوة" 6/ 64، 65، وذكر الحديث ابن حجر في "الفتح" وعزاه للبزار، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقي في "الدلائل"، وقال: (..
وأما تسبيح الحصى فليست له إلا هذه الطريق الواحدة مع ضعفها ..) "فتح الباري" 6/ 592.
(٥١) في (ب): (لا أعرف).
(٥٢) أخرج مسلم نحوه عن جابر بن سمرة ولفظه: "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" مسلم (2276).
كتاب الفضائل، فضل نسب النبي وتسليم الحجر عليه)، وأخرجه الترمذي (3624) أبواب المناقب، باب (في إثبات نبوة النبي وما خصه الله به).
معه "عارضة الأحوذي "، والدارمي في "سننه " باب ما أكرم الله به نبيه من إيمان الشجر والبهائم والجن 1/ 12، وأحمد في "مسند" 5/ 89، 95، 105.
(٥٣) لم أجده بهذا اللفظ، وأخرج أحمد بسنده عن ابن عباس أن رسول الله مر بوادي الأزرق، فقال: "أي واد هذا؟
"، قالوا: هذا وادي الأزرق، فقال: "كأني انظر إلى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار إلى الله عز وجل بالتلبية" ..
"المسند" 1/ 215، 216.
وأخرج عن ابن عباس وفيه: "وأما موسى .
فرجل آدم جعد على جمل أحمر مخطوم بخلبة، كأني أنظر إليه إذا انحدر من الوادي يلبي" "المسند" 1/ 277، وانظر "البداية والنهاية" 1/ 316.
(٥٤) في (ج): (وينهى).
(٥٥) ذكر نحوه الطبري في "تفسيره" 1/ 365، "تفسير الماوردي" 1/ 374، "تفسير ابن عطية" 1/ 357 - 358.
(٥٦) في (ب): (وقيل أنه تعالى).
(٥٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٥٨) في (ب): (مجاز).
(٥٩) في (ب): (إلى الله سرابها).
(٦٠) ذكر الطبري في "تفسيره" نحوه 1/ 365، "تفسير الماوردي" 1/ 374، "تفسير ابن عطية" 1/ 357 - 358، قال الزجاج: (وقال قوم إنها أثر الصنعة التي تدل على أنها مخلوقة، وهذا خطأ، لأن ليس منها شيء ليس أثر الصنعة بينًا في جميعها، وإنما الهابط منها مجعول فيه التميز ..) "معاني القرآن" 1/ 130، وانظر: "تفسير القرطبي" 1/ 395، "تفسير ابن كثير" 1/ 121 - 222.
(٦١) (إلى): ساقط من (ب).
(٦٢) ذكره الطبري في "تفسيره" 1/ 364، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 433، "تفسير الماوردي" 1/ 374، انظر: "تفسير ابن عطية" 1/ 356 - 357، "تفسير ابن كثير" 1/ 121 - 122.
(٦٣) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٦٤) نسب الرازي هذا القول للمعتزلة 3/ 131.
(٦٥) في (ب): (على وجه).
(٦٦) من قصيدة قالها جرير في هجاء الفرزدق، يقول: لما وافى خبر قتل الزبير إلى المدينة تواضعت هي وجبالها وخشعت حزنا له، لأن قاتل الزبير من رهط الفرزدق.
ورد البيت في مواضع كثيرة منها،"الكتاب" 1/ 52، "مجاز القرآن" 1/ 197، "الكامل" 2/ 141، "المقتضب" 2/ 197،"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري ص 595، "جمهرة أمثال العرب" 2/ 3339، "الأضداد" لابن الأنباري ص 296، "معاني القرآن" للفراء 2/ 37، والطبري في "تفسيره" 1/ 261، 365، "الخزانة" 4/ 218، "الخصائص" 2/ 418، "المخصص" 17/ 77، "تفسير القرطبي" 1/ 395، "البحر المحيط" 1/ 266، "رصف المباني" ص 244، "ديوان جرير" ص 270.
(٦٧) في (ب): (للتذل ظهر الذي فيها).
(٦٨) انظر: "تفسير الطبري" 1/ 365، وقد قال بعد أن ذكر هذه الأقوال: (وهذه الأقوال وإن كانت غير بعيدات المعنى مما تحتمله الآية من التأويل، فإن تأويل أهل التأويل من علماء سلف الأمة بخلافها، فلذلك لم نستجز صرف تأويل الآية إلى معنى منها)، 2/ 243، وإلى نحو هذا مال القرطبي في "تفسيره" وقال: إنه لا يمتنع أن يعطي الله الجمادات المعرفة والعقل ولا ندرك نحن كيفيته، 1/ 465، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 121، وبهذا أخذ الواحدي كما يأتي قوله.
(٦٩) قرأ ابن كثير بالياء، وبقية السبعة بالتاء في هذه الآية، انظر: "السبعة" ص 160، "التيسير" ص 74، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 101.
(٧٠) نقله عن "الحجة" لأبي علي بتصرف 2/ 113.
(٧١) في (ب): (فمن).
(٧٢) في (ج): (الياء) بسقوط الباء.
(٧٣) في (ب): (قصته).
(٧٤) في (ب): (فيما كان لفظه غيبة).
(٧٥) في (ب): (فيغلب).
(٧٦) في (ب): (فتصير).
(٧٧) في (ب): (فقال).
(٧٨) كذا في جميع النسخ، وفي "الحجة" (اعطاكه) 2/ 113، وهو الصواب.
(٧٩) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٨٠) قوله: (ومعناه) ساقط من (ب).
(٨١) انتهى من "الحجة" لأبي علي 2/ 113 - 114، وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص101، "الحجة" لابن خالويه ص 82، "الكشف" 1/ 448.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ ﴾ : خطاباً لبني إسرائيل ﴿ مِّن بَعْدِ ذلك ﴾ أي بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات ﴿ أَوْ أَشَدُّ ﴾ عطف على موضع الكاف أو خبر ابتداء، أي: هي أشدّ، أدلّ على فرط القسوة ﴿ وَإِنَّ مِنَ الحجارة ﴾ الآية؛ تفضيل الحجارة على قلوبهم ﴿ يَهْبِطُ ﴾ أي يتردّى من علو إلى أسفل، والخشية عبارة عن انقيادها، وقيل: حقيقة، وأن كل حجر يهبط فمن خشية الله.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ يأمركم ﴾ بالاختلاس: أبو عمرو وكذلك كل فعل مستقبل مهموز من ذوات الراء.
﴿ هزؤا ﴾ ساكنة الزاء مهموزة، حمزة وخلف وعباس والمفضل وإسماعيل.
وقرأ حمزة مبدلة الواو من الهمزة في الوقف لمكان الخط، وقرأ حفض غير الخراز مثقلاً غير مهموز، الباقون: مثقلاً مهموزاً ﴿ جئت ﴾ وبابه بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى وحمزة في الوقت ﴿ فأدارأتم ﴾ بغير همزة: أبو عمرو ويزيد والأعشى والأصفهاني عن ورش وحمزة في الوقف، ﴿ عما يعملون ﴾ بالياء التحتانية: ابن كثير.
الوقوف: ﴿ بقرة ﴾ (ط) ﴿ هزواً ﴾ (ط) ﴿ الجاهلين ﴾ (ه) نصف الجزء ﴿ ما هي ﴾ (ط) ﴿ ولا بكر ﴾ (ط) لأن التقدير هي عوان ﴿ بين ذلك ﴾ (ط) على تقدير قد تبين لكم ﴿ فافعلوا ما تؤمرون ﴾ (ه) ﴿ ما لونها ﴾ (ط) ﴿ صفراء ﴾ (لا) إلى آخر الآية لأن الجملة صفة بعد صفة ﴿ الناظرين ﴾ (ه) ﴿ ما هي ﴾ (لا) لأن التقدير فإن البقر أو لأن البقر إيلاء لعذر تكرار السؤال ﴿ علينا ﴾ (ط) ﴿ لمهتدون ﴾ (ه) ﴿ الحرث ﴾ (ج) لأن قوله ﴿ مسلمة ﴾ صفة بقرة أو خبر محذوف أي هي مسلمة ﴿ لا شية فيها ﴾ (ط) ﴿ جئت بالحق ﴾ (ط) لأن التقدير فطلبوها فوجدوها ﴿ فذبحوها ﴾ (ط) ﴿ يفعلون ﴾ (ه) ﴿ فادارأتم فيها ﴾ (ط) ﴿ يكتمون ﴾ (ه) ج للآية والفاء بعدها ﴿ ببعضها ﴾ (ط) لأن التقدير فضربوه فحيي فقيل لهم ﴿ كذلك يحيي الله الموتى ﴾ ﴿ تعقلون ﴾ (ه) ﴿ قسوة ﴾ (ط) ﴿ الأنهار ﴾ (ط) ﴿ الماء ﴾ (ط) ﴿ خشية الله ﴾ (ط) لتفصيل دلائل القدرة ﴿ تعملون ﴾ (ه).
التفسير: عن ابن عباس أن رجلاً من بني إسرائيل قتل قريباً له لكي يرثه ثم رماه في مجمع الطريق ثم شكا ذلك إلى موسى ، فاجتهد موسى في تعرف القاتل.
فلما لم يظهر قالوا له: سل لنا ربك حتى يبينه، فسأله فأوحى الله إليه إن الله يأمرهم أن يذبحوا بقرة.
فعجبوا من ذلك فشددوا على أنفسهم بالاستفهام حالاً بعد حال، واستقصوا في طلب الوصف، فلما تعين لم يجدوها بذلك النعت إلا عند يتيم.
وذلك أنه كان في بني إسرائيل شيخ صالح له عجلة فأتى بها الغيضة وقال: اللهم إني أستودعكها لابني حتى يكبر، وكان براً بوالديه، فشبت وكانت من أحسن البقر وأسمنه، فساوموها اليتيم وأمه حتى اشتروها بملء مسكها ذهباً، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، وكانوا طلبوا البقرة الموصوفة أربعين سنة فذبحوها، وأمر موسى أن يأخذوا عضواً منها فيضربوا به القتيل فصار المقتول حياً وسمى لهم قاتله وهو الذي ابتدأ بالشكاية فقتلوه قوداً.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند مجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره إلى وقت الحاجة فمختلف فيه، فالمجوزون استدلوا بالآية قالوا: أمروا بذبح بقرة معينة بدليل تعيينها بسؤالهم آخراً، وبدليل أنه لم يؤمر بمتجدد بل المأمور به في الثانية هو المأمور به في الأولى بالاتفاق، وبدليل المطابقة لما ذبح.
والمانعون قالوا: معناه اذبحوا أية بقرة شئتم بدليل تنكير بقرة، وهو ظاهر في أن المراد بقرة غير معينة، وبدليل أن ابن عباس قال: لو ذبحوا بقرة ما لأجزأهم، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم، وبدليل التعنيف في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ ولو كانت معينة لما استحقوا التعنيف على السؤال.
وأجيب بأن ترك الظاهر يجوز لموجب راجح، وما نقل عن ابن عباس خبر الواحد، والتعنيف يجوز أن يكون لتفريطهم في الامتثال بعد حصول البيان التام.
ويتفرع على قول المانعين أن التكليف يكون متغايراً فكلفوا في الأول أيّ بقرة كانت، وثانياً أن تكون لا فارضاً ولا بكراً بل عواناً، فلما لم يفعلوا ذلك كلفوا أن تكون صفراء، فلما لم يفعلوا كلفوا أن تكون لا ذلولاً تثير الأرض ولا تسقي الحرث.
ثم اختلف القائلون بهذا المذهب.
منهم من قال في التكليف الواقع أخيراً يجب أن يكون مستوفياً كل صفة تقدمت حتى تكون البقرة مع الصفة الأخيرة لا فارضاً ولا بكراً وصفراء فاقعاً لونها.
ومنهم من يقول: إنما يجب كونها بالصفة الأخيرة فقط، وهذا أشبه بظاهر الكلام إذا كان تكليفاً بعد تكليف، وإن كان الأول أشبه بالروايات وبطريقة التشديد عليهم عند ترك الامتثال.
وإذا ثبت أن البيان لا يتأخر وأنه تكليف بعد تكليف، دل على أن الأسهل قد ينسخ بالأشق، فإن المربي لولده قد يأمره بالسهل اختباراً، فإذا امتنع الولد منه فقد يرى المصلحة في أن يأمره بالصعب.
ويدل أيضاً على جواز النسخ قبل الفعل وإن لم يجز قبل وقت الفعل وإمكانه لأدائه إلى البداء، ويدل على وقوع النسخ في شرع موسى ، ويدل أيضاً على أن الزيادة في الخطاب نسخ له.
﴿ أتتخذنا هزواً ﴾ استفهام بطريقة الإنكار، معناه لا تجعلنا مكان هزء أو أهل هزء أو مهزوءاً بنا، أو الهزء نفسه لفرط الاستهزاء.
كان القوم ظنوا أنه يداعبهم لأنه من المحتمل أن موسى أمرهم بذبح البقرة، وما أعلمهم أنهم إذا ذبحوا البقرة وضربوا القتيل ببعضها صار حياً، فلا جرم وقع هذا القول منهم موقع الهزء.
ويحتمل أنه وإن كان قد تبين لهم كيفية الحال إلا أنهم تعجبوا من أن القتيل كيف يحيا بأن يضرب ببعض أجزاء البقرة.
واختلف العلماء ههنا فعن بعضهم تكفيرهم بهذا القول لأنهم إن شكوا في قدرة الله على إحياء الموتى فقد كفروا، وإن شكوا في أن الذي أمرهم به موسى هل هو بأمر الله فقد جوزوا الخيانة على موسى في الوحي، وذلك أيضاً كفر.
وعن آخرين أنه لا يوجب الكفر لأن المداعبة على الأنبياء جائزة، فلعلهم ظنوا أنه يداعبهم مداعبة حقة، أو المراد ما أعجب هذا الجواب كأنك تستهزئ بنا لا أنهم حققوا على موسى الاستهزاء ﴿ من الجاهلين ﴾ إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فإن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوّة يجل عن ذلك كما يقول الرجل عند مثل ذلك: أعوذ بالله من عدم العقل وغلبة الهوى، أو أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين لما في الاستهزاء من نقصان الدين والعقاب الشديد.
وقيل: نفس الهزء قد يسمى جهلاً، فإن الجهل ضد الحلم، كما أنه ضد العلم.
ثم إن قيل: إن المأمور بذبحه بقرة معينة في نفسها غير مبينة التعيين حسن موقع سؤالهم، لأن المأمور به لما كان مجملاً حسن الاستفسار والاستعلام.
أما على قول القائل إنها للعموم فلا بد من بيان أنه ما الذي حملهم على هذا الاستفسار فذكروا وجوهاً أحدها: أنه لما أخبرهم بشأن البقرة تعجبوا وظنوا أن البقرة التي لها مثل هذه الخاصية لا تكون إلا بقرة معينة، فلا جرم استقصوا في السؤال عن وصفها كعصا موسى المخصوصة من سائر العصي بتلك الخواص، إلا أن القوم كانوا مخطئين في ذلك لأن هذه الآية العجيبة لا تكون خاصية البقرة، بل كانت معجزة يظهرها الله على يد موسى، أو لعل القوم أرادوا قتل أي بقرة كانت إلا أن القاتل خاف من الفضيحة فألقى شبهة في البين وقال: المأمور به بقرة معينة لا مطلق البقرة، فلما وقعت المنازعة رجعوا إلى موسى، أو الخطاب وإن أفاد العموم إلا أن القوم أرادوا الاحتياط فسألوا مزيد البيان وإزالة الاحتمال، إلا أن المصلحة تغيرت واقتضت الأمر بذبح البقرة المعينة.
فإن قيل: السؤال بما هو لطلب الحقيقة والحقيقة لا تعلم إلا بأجزائها ومقوماتها لا بصفاتها الخارجة، فالجواب بالأوصاف الخارجة لا يكون مطابقاً للسؤال.
قلنا: من البين أن مقصودهم من قولهم "ما البقرة" ليس طلب ماهيتها النوعية فإن ذلك كالمفروغ منه عندهم، وإنما وقع السؤال عن المشخصات.
فالظاهر يقتضي أن يقال: أي بقرة هي؟
فإن مطلب "أي" السؤال عن الصفات الذاتية والخواص.
فسبب العدول إما إقامة الحقيقة الشخصية مقام الحقيقة النوعية فإن الشخص من حيث هو شخص حقيقة أيضاً قد يطلب تصورها، وإما لأنهم تصوروا أن البقرة التي لها هذه الخاصية العجيبة حقيقتها مغايرة لحقيقة سائر البقرات وإن كانت صورتها موافقة لصورتها، وإما لأن السؤال عن الجزئيات كزيد وعمرو إنما يكون بـ "من" إذا كان طلباً للعوارض، وههنا الجزئي غير ذي عقل فناسب أن يقام ما مقام "من".
الفارض المسنة، وقد فرضت فروضاً فهي فارض كطالق كأنها فرضت سنها أي قطعتها وبلغت آخرها.
والبكر الفتية، وكان الأظهر أنها التي لم تلد كما في الإنسان.
والعوان النصف قال: نواعم بين أبكار وعون.
*** وقد غونت وقال: فــإن أتــوك وقـــالــوا إنهـــا نصـــف *** فــإن أطيــب نصفيهــا الــــذي ذهبـــا وقد يستدل من هذا على جواز الاجتهاد واستعمال غلبة الظن في الأحكام إذ لا يعلم أنها بين الفارض والبكر إلا بطريق الاجتهاد.
وإنما جاز دخول "بين" على لفظة "ذلك" مع أنه لا يدخل إلا على متعدد، لأنها في معنى شيئين حيث وقع مشاراً به إلى ما ذكر من الفارض والبكر.
وإنما أشير بذلك إلى مؤنثين وهو للإشارة إلى واحد مذكر على تأويل ما ذكر وما تقدم للاختصار في الكلام ﴿ ما تؤمرون ﴾ مثل: أمرتك الخير فافعل ما أمرت به.
بمعنى ما تؤمرون به، أو أمركم بمعنى مأموركم تسمية المفعول بالمصدر كضرب الأمير، ولما بين لهم كمال حالها في السن شرعوا في تعرف حال اللون.
والفقوع أشد ما يكون من الصفرة.
يقال في التوكيد أصفر فاقع مثل أسود حالك، وأحمر قانئ، وارتفع اللون على أنه فاعل سببي لفاقع.
والفرق بين قولك "صفراء فاقعة" و "صفراء فاقع لونها" أن في الثاني تأكيداً ليس في الأول، لأن اللون اسم للهيئة وهي الصفرة فكأنه قيل: شديد الصفرة صفرتها مثل جد جده، وجنونه مجنون.
وعن وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشمس يخرج من جلدها.
والسرور حالة نفسانية تعرض عند اعتقاد أو علم أو ظن بحصول شيء لذيذ أو نافع.
وعن علي : من لبس نعلاً صفراء قل همه لقوله ﴿ سر الناظرين ﴾ وعن الحسن البصري: صفراء فاقع لونها سوداء شديدة السواد، ولعله مستعار من صفة الإبل لأن سوادها يعلوه صفرة وبه فسر قوله ﴿ جمالات صفر ﴾ ﴿ إن البقر تشابه علينا ﴾ لأن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير ﴿ وإنا إن شاء الله لمهتدون ﴾ عن النبي أنه قال "والذي نفس محمد بيده لو لم يقولوا إن شاء الله لحيل بينهم وبينها أبداً" وفيه دليل على أن الاستثناء مندوب في كل عمل صالح يراد تحصيله، ففيه استعانة بالله وتفويض للأمر إليه، والاعتراف بقدرته ونفاذ مشيئته الأزلية وإرادته السرمدية، ما شاء الله كان وما لم يشاء لم يكن.
والمعنى إنا بمشيئة الله نهتدي للبقرة المأمور بذبحها عند تحصيلنا أوصافها التي بها تمتاز عما عداها، أو إنا إن شاء الله على هدى في استقصاء السؤال أي نرجو أنا لسنا على ضلالة فيما نفعله من هذا البحث، أو إنا إن شاء الله تعريفنا إياها بالزيادة لنا في البيان نهتدي لها، أو إنا إن شاء الله نهتدي للقاتل ﴿ لا ذلول ﴾ صفة لبقرة مثل لا فارض أي بقرة غير ذلول لم تذلل للكراب وإثارة الأرض، ولا هي من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحرث.
"لا" الأولى للنفي والثانية مزيدة للتوكيد، لأن المعنى لا ذلول تثير وتسقي، على أن الفعلين صفتان لذلول كأنه قيل: لا ذلول مثيرة وساقية.
والذل بالكسر اللين ضد الصعوبة، ودابة ذلول بينة الذل "فعول" بمعنى "فاعل"، ولهذا استوى فيه المذكر والمؤنث.
تقول: رجل صبور وامرأة صبور ﴿ مسلمة ﴾ سلمها الله من العيوب مطلقاً، أو معفاة من العلم وحشية مرسلة عن الحبس، أو مخلسة اللون لم يشب صفرتها شيء من الألوان.
وعلى هذا يكون ﴿ لا شية فيها ﴾ كالبيان.
والشية كل لون يخالف معظم لون الفرس وغيره أي لا لون فيها يخالف سائر لونها فهي صفراء كلها حتى قرنها وظلفها، وهي في الأصل مصدر "وشاة" إذا خلط بلونه لوناً آخر، أصلها وشية حذف فاؤها كما هو "عدة" و "زنة" ﴿ الآن ﴾ اسم للوقت الذي أنت فيه وهو ظرف غير متمكن وقع معرفة، وليس الألف واللام فيه للتعريف لأنه ليس له ما يشركه وهو يائي ﴿ جئت بالحق ﴾ أي بحقيقة وصف البقرة أو ما بقي إشكال في أمرها فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف ﴿ فذبحوها ﴾ والذبح هو قطع أعلى العنق وهو المستحب في الغنم والبقر.
والنحر هو قطع اللبة أسفل العنق وهو المستحب في الإبل.
والمرعي في الحالتين قطع الحلقوم والمرئ لكن عنق الإبل طويل، فإذا قطع أعلاه تباطأ الزهوق.
ولا يكره الذبح في الإبل والنحر في البقر والغنم وإن كان خلاف المستحب ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ استبطاء لهم، وأنهم لكثرة استكشافهم ما كاد ينقطع خيط أشباههم.
وقيل: وما كادوا يذبحونها لغلاء ثمنها.
وقيل: لخوف الفضيحة في ظهور القاتل.
وقد يستدل بهذا على أن الأمر للوجوب بل للفور وإلا لما ترتب هذا الذم على تثاقلهم ﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ خوطبت الجماعة لوجود القتل فيهم ﴿ فادارأتم فيها ﴾ فاختلفتم واختصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضاً أي يدفعه ويزحمه، أو ينفي كل واحد منكم القتل عن نفسه ويضيفه إلى غيره أو يدفع بعضكم بعضاً عن البراءة ويتهمه.
وأصله تدارأتم أدغمت التاء في الدال فاحتيج إلى همزة الوصل، ويحتمل أن يرجع الضمير في "فيها" إلى القتلة المعلومة من قتلتم ﴿ والله مخرج ﴾ مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتيل.
وقد حكي ما كان مستقبلاً في وقت التدارؤ كما حكي الحاضر في قوله ﴿ وكلبهم باسط ذراعيه ﴾ فلهذا صح عمل اسم الفاعل.
وهذه الجملة معترضة، وفيها دليل على جواز عموم النص الوارد على السبب الخاص، لأن هذا يتناول كل المكتومات.
وفيها دليل على أن الله لا يحب الفساد، وأنه سيجعل إلى زواله سبيلاً، وأن ما يسّره العبد من خير أو شر ودام ذلك منه فالله سيظهره، ويعضده قوله "إن عبداً لو أطاع الله من وراء سبعين حجاباً لأظهر الله ذلك على ألسنة الناس " وكذلك المعصية والضمير في ﴿ اضربوه ﴾ عائد إلى النفس، والتذكير على تأويل الشخص أو الإنسان، ويحتمل أن يعود إلى القتيل بدلالة ﴿ قتلتم ﴾ أو ﴿ ما كنتم تكتمون ﴾ واختلف في البعض من البقرة فقيل لسانها، وقيل: فخذها اليمنى، وقيل: عجبها، وقيل: العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الأذن، وقيل: الأذن، وقيل: البضعة من بين الكتفين، والظاهر أنهم كانوا مخيرين بين أيّ بعض أرادوا، وههنا محذوف بدلالة الفاء الفصيحة والمعنى فضربوه فحيي فقلنا كذلك يحيي الله الموتى.
روي أنهم لما ضربوه قام بإذن الله وأوداجه تشخب دماً وقال: قتلني فلان وفلان - وهما ابنا عمه - ثم سقط ميتاً فأخذا وقتلا ولم يورّث قاتل بعد ذلك، ويؤيده قوله نبينا "ليس للقاتل من الميراث شيء" والسر فيه أنه استعجل الميراث فناسب أن يعارض بنقيض مقصوده وهو قول الشافعي.
ولم يفرق بين أن يكون القتل مستحقاً كالعادل إذا قتل الباغي، أو غير مستحق عمداً كان أو خطأ.
وعند أبي حنيفة لا يرث في العمد والخطأ إلا أن العادل إذا قتل الباغي فإنه يرثه.
وقال مالك: لا يرثه من ديته ويرثه من سائر أمواله.
ومحل ﴿ كذلك ﴾ نصب على المصدر أي يحيي الله الموتى مثل ذلك الإحياء.
وهذا الكلام إما مع الذين حضروا حياة القتيل لأنهم وإن كانوا مؤمنين بذلك إلا أنهم لم يؤمنوا بذلك من طريق العيان والمشاهدة، وشتان بين عين اليقين وعلم اليقين.
وإما أن يكون مع منكري البعث في زمن رسول الله .
وعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير "فقلنا" بعد تقدير "فضربوه فحيي" ﴿ ويريكم آياته ﴾ دلائله على أنه قادر على كل شيء.
فدلالة هذه القصة على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإعدام آية، ودلالتها على صدق موسى آية، ودلالتها على براءة ساحة من سوى القاتل آية، ودلالتها على حشر الأموات آية، فهي وإن كانت واحدة إلا أنها في الحقيقة آيات عدة.
ويمكن أن يراد بالآيات غير هذه أي مثل هذه الإراءة يريكم سائر الإراءات، كما أن مثل هذا الإحياء يحيي سائر الأموات.
وفي قوله ﴿ كذلك ﴾ دون أن يقال كهذا تعظيم للمشار إليه بتبعيده كما قلنا في ﴿ ذلك الكتاب ﴾ ﴿ لعلكم تعقلون ﴾ تعملون على قضية عقولكم، فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها إذ لا أثر للمخصصات في ذلك.
فإن قيل: ما الفائدة في ضرب المقتول ببعض البقرة مع أنه قادر على إحيائه ابتداء؟
قلنا: الفائدة فيه كون الحجة آكد وعن الحيلة أبعد، فقد كان يجوز لملحد أن يتوهم أن موسى إنما أحياه بضرب من السحر، وليعلم بما أمر من مس الميت بالميت وحصول الحياة عقيبه، أن المؤثر هو المسبب لا الأسباب، ولما في ذبح البقرة من القربان وأداء التكليف واكتساب الثواب والإشعار بحسن تقديم القربة على طلب الحوائج، وما في التشديد عليهم لأجل تشديدهم من اللطف لهم وللآخرين في ترك التشديد والمسارعة إلى امتثال أوامر الله على الفور ونفع اليتيم بالتجارة الرابحة، والدلالة على بركة البر بالأبوين والإشفاق على الأولاد، وتجهيل المستهزئ بما لا يعلم تأويله من كلام الحكيم، وبيان أن من حق المتقرب به إلى الرب أن يكون من أحسن ما يتقرب به، فتيّ السن حسن اللون بريئاً من العيوب ثميناً نفيساً "أسمنوا ضحاياكم فإنها على الصراط مطاياكم" فإن قيل: هلا قدم ذكر القتيل على الأمر بذبح البقرة كما هو حق القصة؟
قلنا: لأنها كانت تكون حينئذ قصة واحدة ويذهب الغرض في ثنية التقريع بالاستهزاء وترك المبادرة بالامتثال أولاً، وبقتل النفس المحرمة وما تبعه من الآية ثانياً، على أنها دلت على اتحاد القصتين برجوع الضمير في ﴿ ببعضها ﴾ إلى البقرة وهي مذكورة في الأولى.
قوله ﴿ ثم قست قلوبكم ﴾ الآية.
خطاب لأولئك اليهود الذين كانوا في زمن موسى، أو للذين هم في زمن محمد من بعد ذلك الإحياء، أو من بعد ذلك الذي عددنا من جميع الآيات الباهرات والمعجزات الظاهرات.
ومعنى "ثم" استبعاد القسوة من بعدما يوجب اللين والرقة.
وصفة القلوب بالقسوة والغلظ مثل لنبوّها عن الاعتبار والاتعاظ فهي كالحجارة مثلها في القسوة، أو هي أشد قسوة من الحجارة.
فمن عرفها شبهها بالحجارة أو قال هي أقسى من الحجارة، ويجوز أن يقدر مضاف أي هي كالحجارة أو مثل أشد قسوة.
فمن عرفها شبهها بالحجارة أو بجوهر أقسى من الحجارة كالحديد مثلاً.
وإنما قيل: أشد قسوة مع إمكان بناء أفعل التفضيل من فعل القسوة، لكونه أدل على فرط القسوة، أو لأنه لم يقصد معنى الأقسى ولكن قصد وصف القسوة بالشدة كأنه قيل: اشتدت قسوة الحجارة وقلوبهم أشد قسوة منها، وحذف هذا الراجع لعدم الالتباس نحو: زيد كريم وعمر أكرم.
وكلمة "أو" ههنا ليست للشك، فعلام الغيوب لا يشك في شيء، وإنما هي للتخيير بأيهما شئت شبهت فكنت صدوقاً، ولو جمعت بينهما جاز.
ثم أخذ في بيان فضل قلوبهم على الحجارة في شدة القسوة فقال ﴿ وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ أي إن منها للذي فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الغزير، وإن منها للذي ينشق انشقاقاً طولاً أو عرضاً فينبع منه الماء وذلك بحسب كثرة المادة وقلتها، فإن الأبخرة تجمع في باطن الأرض.
ثم إن كان ظاهر الأرض رخواً نفشت وانفصلت، وإن كان صلباً حجرياً اجتمعت وصارت مياهاً، ولا يزال يتواتر مددها إلى أن تنشق الأرض من مزاحمتها وتسيل أنهاراً أو عيوناً.
وأما قلوب هؤلاء فلا تنشرح للحق ولا تتأثر من الوعظ والنصح بعد مشاهدة الآيات ومعاينة الدلائل.
ويشقق أصله يتشقق فأدغم التاء في الشين كقولهم "يذكر" في "يتذكر" ﴿ لما يهبط ﴾ للذي يتردى من أعلى الجبل وذلك من خشية الله، إما لأنه خلق فيه الحياة والعقل والإدراك كما يروى من تسبيح الحصى في كف النبي ، وإما لأن الخشية مجاز عن انقيادها لأمر الله وأنها لا تمتنع عما يريد بها من الإهباط والانفصال عن كلها، وقلوب هؤلاء لا تنقاد ولا تأتمر، وقيل: أن يتزلزل من أجل أن تحصل خشية الله في قلوب عباده فيفزعون إليه بالتضرع والدعاء ﴿ وما الله بغافل عما تعملون ﴾ وعيد، والمعنى أنه بالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم وحافظ لأعمالهم فيجازيهم في الدنيا والآخرة ﴿ فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عداً ﴾ ووصفه بأنه ليس بغافل لا يوهم جواز الغفلة عليه لأن نفي الصفة عن الشيء لا يستلزم ثبوت صحتها مثل ﴿ لا تأخذه سنة ولا نوم ﴾ .
التأويل: ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيمية، فإن في ذبحها حياة القلب الروحاني وهو الجهاد الأكبر موتوا قبل أن تموتوا.
اقتلوني يا ثقاتي *** إن في قتلي حياتي وحياتي في مماتي *** ومماتي في حياتي مت بالإرادة تحيا بالطبيعة.
وقال بعضهم: مت بالطبيعة تحيا بالحقيقة ﴿ ما هي إنها بقرة ﴾ نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ﴿ لا فارض ﴾ في سن الشيخوخة فيعجز عن وظائف سلوك الطريق لضعف القوى البدنية كما قيل: الصوفي بعد الأربعين بارد ﴿ ولا بكر ﴾ في سن شرخ الشباب يستهويه سكره ﴿ عوان بين ذلك ﴾ لقوله ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة ﴾ .
﴿ بقرة صفراء ﴾ إشارة إلى صفرة وجوه أصحاب الرياضيات ﴿ فاقع لونها ﴾ يريد أنها صفرة زين لا صفرة شين فإنها سيماء الصالحين.
﴿ لا ذلول تثير الأرض ﴾ لا تحتمل ذلة الطمع ولا تثير بآلة الحرص أرض الدنيا لطلب زخارفها ومشتهياتها ﴿ ولا تسقي ﴾ حرث الدنيا بماء وجهه عند الخلق وبماء وجاهته عند الخالق، فيذهب ماؤه عند الحق وعند الخلق ﴿ مسلمة ﴾ من آفات صفاتها ليس فيها علامة طلب غير الله ﴿ وما كادوا يفعلون ﴾ بمقتضى الطبيعة لولا فضل الله وحسن توفيقه.
﴿ وإذ قتلتم نفساً ﴾ يعني القلب ﴿ فادّارأتم ﴾ فاختلفتم أنه كان من الشيطان أم من الدنيا أو من النفس الأمارة ﴿ فقلنا اضربوه ببعضها ﴾ ضرب لسان بقرة النفس المذبوحة بسكين الصدق على قتيل القلب بمداومة الذكر فحيي بإذن الله وقال ﴿ إن النفس لأمارة بالسوء ﴾ ﴿ وأن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ﴾ مراتب القلوب في القسوة مختلفة، فالتي يتفجر منها الأنهار قلوب يظهر عليها الغليان أنوار الروح يترك اللذات والشهوات بعض الأشياء المشبهة بخرق العادات كما يكون لبعض الرهبانيين والهنود، والتي تشقق فيخرج منها الماء هي التي يظهر عليها في بعض الأوقات عند انخراق الحجب البشرية من أنوار الروح فيريه بعض الآيات والمعاني المعقولة كما يكون لبعض الحكماء، والتي تهبط من خشية الله ما يكون لبعض أهل الأديان والملل من قبول عكس أنوار الروح من وراء الحجب فيقع فيها الخوف والخشية، وهذه المراتب مشتركة بين المسلمين وغيرهم.
والفرق أنها في المسلمين مؤيدة بنور الإيمان فيزيدوا في قربهم وقبولهم ودرجاتهم، ولغيرهم ليست مؤيدة بالإيمان فيزيدوا في غرورهم وعجبهم وبعدهم واستدراجهم، والمسلمون مخصوصون بكرامات وفراسات تظهر لهم من تجلي أنوار الحق ورؤية برهانه.
فإراءة الآيات للخواص ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم ﴾ ﴿ ويريكم آياته لعلكم تعقلون ﴾ لكن إراءة البرهان لأخص الخواص كما في حق يوسف ﴿ لولا أن رأى برهان ربه ﴾ سئل الحسن بن منصور عن البرهان فقال: واردات ترد على القلوب فتعجز النفوس عن تكذيبها.
والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ .
قيل: قُتِل قتيلٌ في بني إِسرائيل، وأُلْقيَ على باب غيرِهم؛ فتنازعوا فيه واختلفوا؛ فأَمر الله نبيَّه موسى أَن يذبحوا بقرةً، فقال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ فاضربوه ببعضها ذلك الميت؛ فيحيى، فيقول: مَنْ قتلني.
وقوله: ﴿ قَالُوۤاْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ * قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ ﴾ .
قال بعضُهم: كفروا بهذا القول؛ لأَنهم سمَّوْه هازئاً، ومن سَمَّى رسولاً من الرسل هازئاً يكفر؛ أَلا ترى أَنهم قالوا في الآخِر: ﴿ قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ ﴾ ؟!
دل أَن ما قال لهم أَولَ مرَّةٍ ليس بحق عندهم.
وليس هذا بشيء.
ولا يحتمل ما قالوا.
ولكن يحمل على المجازاة، كأَنهم قالوا: أتجازينا بهذا لما مضى منا وسبق من العصيان بك، والخلاف لك؟!
لما لم يعلموا أَنه من عند الله يأْمر بذلك.
وهذا وأَمثاله على المجازاة جائزٌ على ما ذكرنا من الاستهزاءِ، والمخادعة، والمكر، كله على المجازاة جائز.
وكقول نوح لقومه: ﴿ فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ ﴾ على المجازاة [جائز على ما ذكرنا من الاستهزاء]؛ فكذلك الأَول.
وأما الاستهزاء فيما بين الخلق فهو جهل يسخر بعضهم ببعض؛ لجهلٍ بأَحوال أَنفسهم؛ إذ كلهم سواء مِن جهة الجوْهر والخِلْقة، وتركيب الجوارح، وتصوير الصُّور، وتمثيلها.
أَلا ترى: أن موسى أجاب لهم عن الهزء بالجهْل، فقال: ﴿ أَعُوذُ بِٱللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ ٱلْجَاهِلِينَ ﴾ ؟!
دل أَن الهزء في الخلق لجهلٍ فيهم، وبالله التوفيق.
ثم استدل قوم بهذه الآية على: عموم الخطاب وقت قرْع السمع؛ لأَنه أَمرهم بذبح بقرة لم يبين لهم كيفيَّتها، ولا ماهيتها وقت الخطاب، إلا بعد البحث والسؤال عنها؛ فثبت أَنه على العموم.
أَلا ترى ما روي في الخبر: "لو عمدوا إلى أَدنى بقرة لأَجزأتهم، لكنهم شددوا على أنفسهم فشدد الله عليهم" لكن هذا لا يصح؛ لأَنه دعوى على الله، لحدوث شيء في أَمره، وبُدُوٍّ في حكمه، فذلك كفرٌ، لا يقوله مسلم، فضلاً عن أَن يقولَ به رسولٌ من الرسل.
تأْويل هذا أَنه قال: إنه يقول كذا، فلو كان الأَول على غير ذلك لكان قد بدا له فيما عم وفسر بما لم يكن أَرادَ.
وذلك معنى البداءِ، بل معنى الرجوع عن الأَول مما أَراد، والتفسير له بغَيره، ولا قوة إلا بالله.
ثم في الآية دليل خصوص الخطاب من وجهين: أَحدهما: أَخذُ كل آيةٍ خرجت في الظاهر على العموم حتى الخصوص.
والثاني: جواز تأْخير البيان على تقدم الأَمر به؛ لما ذكرنا: أنها لو حملت على العموم - وهو مرادها - ثم ظهر الخصوص، فهو بدو وحدوث في الأَحكام والشرائع، فذلك حال من جهل العواقب والنهايات، الله عن ذلك.
ومعنى سُؤالهم؛ بدعاءِ الرب لهم: البيان بما أريد جعل ذلك آية؛ فوقع عندهم: أَنْ لا كل بقرة تصلح للآيات، ولذلك لم يسأَلوا موسى عن تفسيرها؛ إذ الله - - هو الذي يعلم الآيات.
والحرف الثاني هو الأَول الذي قلنا: إليه انصرف المراد في الابتداءِ؛ لما يوجبه، وأَن الأَمر بالذبح في الابتداءِ كان على ما آل أَمرها إليه وظهر.
لكنهم أمروا بالسؤال عنها، والبحث عن أَحوالها؛ ليصلوا إلى المراد فيه، لا أَنه أَحدث لهم ذلك بالسؤال.
وعلى ذلك: ما روي في الخبر: "أَن صلة الرحم تزيد في العمر" أَي: لما علم من عبده أَنه يصل رحمه، جعل مدة عمره أَكثر مما لو علم أَنه لا يصل، لا أَنه يجعل أَجله إلى وقتٍ، فإذا وصل رحمه زادَ على ذلك.
لا على ما يقوله المعتزلة: أَن الله - - يجعل لكل أَحد أَجلين، فإذا وَصَل رحمه أَماته في أَبْعد الأَجلين، وإذا لم يصل جعلَ أَجله الأولَ.
فهذا أَمر من يجهل العواقب، فأَما من كان عالماً بالعواقب فلا؛ لأَنه بدوٌّ ورجوعٌ عما تقدم من الأَمر.
ثم من استدل بهذه الآية: بقبول قول أَولياءِ المقتول وَهِمَ؛ لأَوجهٍ: أَحدها: ما لا يقبل قول القتيل قبل خروج الروح منه: إنَّ فلاناً قتلني، في قطع حَق الميراث، وإغرام الدية.
والثاني: أَن ذلك كان آية عظيمة لهم، لم يكن ذلك لغيرهم.
والثالث: أَن أَولياء المقتول قد كانوا - قبل أَن يحيى - يدَّعون عليهم القتل، فلو كان لهم حق القبول، لم يحتج إلى تلك الآية.
والرابع: أَن قبول قول الميت أَحق من قبول قول الولي؛ لأَن الوليَّ ينتفع بقوله، والميت لا ينتفع بقوله شيئاً، ثم القتيل لا يقبل قوله في شريعتنا فكذلك الولي، والله الموفق.
ثُم وَجْه جعْلِ البقرة آيةً دون غيرها من البهائم وجهان: أَحدهما: ما رُوي أَن رجلاً كان بارّاً بوالديْه، محسناً إليهما عاطفاً عليهما، وكانت له بقرة على تلك الصفة والشبه، فأَراد الله - عز وجل - أَن يوصل إليه في الدنيا جزاء ما كان منه بمكان والديْهِ.
والثاني: أَنهم كانوا يعبدون البُقُور والعَجَاجيل، وحُبِّبَ ذلك إليهم؛ كقوله: ﴿ وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلْعِجْلَ ﴾ ، ثم تابوا وعادوا إلى عبادة الله وطاعته، فأَراد الله أَن يمتحنهم بذبح ما حُبِّب إليهم؛ ليظهر منهم حقيقة التوبة، وانقلاع ما كان في قلُوبهم من حب البُقُور والعجاجيل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ .
يقول: ليست بكبيرة.
وقوله: ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ .
ولا شابة.
وقوله: ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذٰلِكَ فَٱفْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ ﴾ .
بين الشابة والكبيرة.
وقيل: ﴿ لاَّ فَارِضٌ ﴾ : لا كبيرة، على ما ذكرنا ﴿ وَلاَ بِكْرٌ ﴾ ، أَي: ولا ما [لا] تلد، ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ﴾ أي: قد ولدت بطناً أَو بَطنَين.
وقوله: ﴿ صَفْرَآءُ ﴾ .
قيل: الصفراءُ؛ التي تضرب إلى السواد، وذلك لشدته.
وقيل: الصفراءُ؛ من الصّفَر المعروف.
وقوله: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ .
قيل: صاَفٍ.
وقوله: ﴿ تَسُرُّ ٱلنَّاظِرِينَ ﴾ .
تُعْجِب الناظرين.
وقيل: ﴿ فَاقِـعٌ لَّوْنُهَا ﴾ ؛ صَفْرَاءُ الظلف والقَرن، والله أعلم.
وقوله: ﴿ قَالُواْ ٱدْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ ٱلبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَآءَ ٱللَّهُ لَمُهْتَدُونَ ﴾ .
وقوم موسى مع غلظ أفهامهم، ورقة عقولهم - أَعرف لله، وأَمهلُ توحيداً من المعتزلة؛ لأَنهم قالوا: إنْ شَاءَ الله لكنا من المهتدين.
والمعتزلة يقولون: قد شاءَ الله أَن يهتدوا، وشاءُوا هُم ألا يهتدوا؛ فغلَبَتْ مشيئَتُهم على مشيئة الله على قولهم - فنعُوذ بالله من السَّرَفِ في القول، والجهل في الدين.
وقوله: ﴿ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي ٱلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ فَذَبَحُوهَا ﴾ .
قيل: لم يذللها لِلعمل؛ أَي: لم يزرع عليها، ولا هي مما يُسقى عليها الحرث.
وقيل: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ ؛ أي: بقرة وحشية صعبة، تثير الأَرض، ولكن إثارة الأَرض لم تذللها؛ لصعوبتها وشدتها.
وقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ .
قيل فيه بوجوه: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ ، خوفاً على أَنفسهم أَن يفتضحوا لظهور القاتل.
وقيل: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ ﴾ لغلاءِ ثمنها.
والأولُ أَقرب، والله أعلم.
وقيل: إنهم استقصَوْأ في صفة تلك البقرة، والسؤال عن أحوالها، والاستقصاءُ في الشيء ربما يكون للمدافعة، والله الموفق.
وفي قوله: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً ﴾ دليلٌ لأَبي حنيفةَ - رَحمَهُ الله وَأصحابِه - أَن من حَلَف لا يأْكل لحم بقرَةٍ، فأَكل لحْم ثَور حنث؛ لأَن الله ذكر البقرةَ, ثم بين في آخره ما يدل على أَنه أَراد به الثورَ؛ لقوله: ﴿ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ ٱلأَرْضَ ﴾ .
والثوْرُ هو الذي يثير الأَرض، ويسقي الحرث، دون الأُنثى منها؛ لذلك كان الجواب على ما ذكرنا.
إلا أَن يكونوا هُمْ كانوا يحرثون بالأُنثى منها كما يَحرث أَهل الزمان بالذكَر، فحينئذ لا يكون فيه دليلٌ لما ذكرنا، والله أَعلم.
وقوله: ﴿ وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ .
في الآية: دليلٌ مُرادِ الخصوص - وإن خرجت في الظاهر مخرج العموم - لأَنه قال عز وجل: ﴿ قَتَلْتُمْ ﴾ ، وإنما قتله واحد، وقال: ﴿ وَٱللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ﴾ ، وإنما كان كتمه الذي قتله.
لذلك قلنا: ألا نصْرف مرادَ الآية إلى العموم بلفظ العموم، ولا إلى الخصوص بلفظ الخصوص إلا بعد قيام الدليل والبرهان على ذلك، والله الموفق.
وقوله: ﴿ فَقُلْنَا ٱضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ﴾ .
قال بعضهم: بفخذها الأَيمن.
لكن هذا لا يعلم إلا بخبر عن الله ، ولكن يقال: ﴿ بِبَعْضِهَا ﴾ بقدر ما في الكتاب.
وقوله: ﴿ كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾ .
أَي: هكذا يُحيي الله الموتى، من الوجه الذي لا يتوهمون إحياءَه، بضرب بعض البقرة عليه.
وكذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ ٱلَّذِيۤ أَرْسَلَ ٱلرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَاباً فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ ٱلأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ ٱلنُّشُورُ ﴾ .
فكما أَحيا الأَرض بَعد موتها بالمطر المنزل من السماءِ، يقدر على إحياءِ الموتى، وبعثهم على الوجه الذي لا يظنون ولا يتوهمون، والله أعلم.
ويحتمل: إحياء ذلك القتيل لهم، لما لم يكونوا اطمَأَنُّوا على إِحياءِ الموتى؛ فأَرَاهُم الله - عز وجل - ذلك؛ ليطمئنوا، وليَسْتَقِروا على ذلك، ولا يضْطَربوا فيه، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ .
يحتمل: يُريكم آيات وحدانيته.
ويحتمل: يريكم آيات إِحياءِ الموتى، وآيات البعث.
ويحتمل: آياته فيما تحتاجون إليه، كما أَرى من تقدمكم عند حاجاتهم.
ويحتمل: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ ﴾ آيات نبوة محمد ؛ إذ هو خبَّر عن الغيب.
وأَوضح آيات الرسالة؛ الخَبَرُ عن الغيْبِ، وذكرُ القصة على الوجه الذي يعلم أَن الاختراع لا يبلغ ذلك؛ لتعلموا أَنه بالله علم؛ إذ لم يذكر له خط كتاب، ولا اختلافٌ إلى من عنده.
على أَنه لو كان مسموعاً منهم، يجرى على مثله القول بالزيادة والنقصان، ولكن منعهم الله عن ذلك - إذ علموا صدقه - إشفاقاً على أَنفسهم، أَن ينزل عليهم نِقْمة الله.
وقوله: ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .
لكي تَعقلُوا آيات وحدانيته، وتعقلوا أَنه قادر على إِحياءِ الموتى بَعْدَ الموت.
وقوله: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَٱلْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
ضرب الله لقلوبهم مثلاً بالحجارة، وشبهها بها، لتساويها، وشدة صلابتها، وأَنها أَشدُّ قسوةً من الحجارة، وذلك: أَن من الحجارة - مع صلابتها وشدتها، مع فقد أسباب الفهم والعقل عنها، وزوال الخطاب منها - ما تخضع له، وتتصدع؛ كقوله: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـٰذَا ٱلْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ ﴾ .
وقوله: ﴿ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ...
﴾ الآية [الأعراف: 143].
وقلبُ الكافر - مع وجود أسباب الفهم والعقل، وسعة سببية القبول - لا يخضع له، ولا يلين.
وكذلك أَخبر الله عز وجل عن الجبال أَنها تلينُ، وتخضع لهول ذلك اليوم بقوله: ﴿ وَتَكُونُ ٱلْجِبَالُ كَٱلْعِهْنِ ٱلْمَنفُوشِ ﴾ .
وقلبُ الكافر لا يلين أَبداً.
أَو أَن يقال: إنّ الله عز وجل جعل من الجبال مَنافِع للخلق مع صلابتها وشدتها حتى يتفجر منه الأَنهار والمياه.
وقلبُ الكافر - مع احتمال ذلك وإمكانه - لا منفعة منه لأَحدٍ.
وبالله التوفيق.
ثم وجه حكمة ضرب قلوبهم مثلاً بالحجارة، وتشبيهها بها، دونَ غيرها من الأَشياء الصُّلبة؛ من الحديد، والصُّفْر، وغيرهما، وذلك - والله أعلم - أَن الحديد تُلينه النار، وكذلك الصُّفْر حتى تضرب منهما الأَواني.
والحجرُ لا تُلينهُ النار ولا شيء؛ لذلك شبه قلب الكافر بها.
وهذا - والله أعلم - في قوم علم الله أَنهم لا يؤمنون أَبداً.
وقوله: ﴿ وَمَا ٱللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ .
خرجت على الوعيد - أَبلغ الوعيد - والوعظ؛ حين ذَكرهم علمه بما يعملون.
<div class="verse-tafsir"
ثم قست قلوبكم من بعد هذه المواعظ البليغة والمعجزات الباهرة، حتَّى صارت مثل الحجارة، بل أشد صلابة منها؛ فهي لا تتحول عن حالها أبدًا، وأما الحجارة فتتغير وتتحول، فإن من الحجارة ما يتفجر منه الأنهار، وإن منها لما يتشفق فيخرج منه الماء ينابيع جارية في الأرض، ينتفع بها الناس والدواب، ومنها ما يسقط من أعالي الجبال خشية من الله ورهبة، وليست كذلك قلوبكم، وما الله بغافل عما تعملون، بل هو عالم به، وسيجازيكم عليه.
<div class="verse-tafsir" id="91.lJ0dQ"
القسوة: الصلابة، وهي من صفات الأجسام.
ووصف القلوب والنفوس بالقسوة مجاز.
وهو هنا استعارة بالكتابة.
ويصح في ﴿ أو ﴾ الترديد والتشكيك، وهو بالنسبة للمخاطبين لا إلى المتكلم، أو باعتبار ما يعهد في التخاطب العربي، كأن عربيًا يحدث آخر ويقول له: إن هذه القلوب في قسوتها تشبه الحجارة أو تزيد عليها.
ويصح فيها التقسيم أي أن القسوة عمت قلوبكم، فأقلها قسوة تشبه الحجر الصلد، ومنها ما هو أشد منه قسوة.
وأظهر منهما أن تكون للإضراب على طريقة المبالغة، أي بل هي أشد قسوة من الحجارة، إذ لا شعور فيها يأتي بخير ولا عاطفة تفيض منها بعبرة والحجارة ليست كذلك لأن منها ما يفيض بالخيرات ومنها ما يكون موضع ظهور آثار القدرة الإلهية.
وصف الحجارة بالثلاث الصفات الآتية بعد أن شبه القلوب بها في الصلابة المطلقة، وفرق بين القلوب وبينها بالإضراب والانتقال إلى أن القلوب أشد صلابة، وأراد أن يبين بهذه الصفات وجه ضعف الصلابة في الحجارة وشدتها في القلوب فكأن الكلام يشبه أن يكون عذرًا عن الحجارة دون القلوب، والمراد بالقلوب ما اعتبرت عنوانًا له وهو الوجدان والعقل وأكثر ما تستعمل في الأول لأنه سائق الإقناع والإذعان، ويطلق لفظ القلب على النفس الناطقة لأن من شأن القلب أن يتأثر مما يتأثر منه الوجدان أو العقل أو الروح مطلقًا.
وفي الكلام من المبالغة أن هذه القلوب فقدت خاصة التأثر والانفعال بما يرد عليها من المواعظ والآيات التي هي من خواص الروح الإنساني حتى كأن أصحابها هبطوا من درجة الحيوان إلى دركة الجماد كالحجارة، بل نزلوا عن درجة الحجارة أيضًا، وذلك ما أفاده قوله تعالى: ﴿ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ التفجر تفعل من الفجر وهو الشق الواسع يكون للمطاوعة كفجرته فتفجر "بالتشديد فيهما" ويكون لتكرر الفعل وحصوله مرة أخرى، ومثله التشقق إلا أنه أعم، ولما في التفجر من معنى السعة عبر به عن خروج الأنهار من الصخور الكبار وهو معهود في الجبال، وعبر بالتشقق لخروج الماء الذي يصدق بالقليل منه.
والمعنى أن هذه الحجارة على صلابتها وقسوتها تتأثر بالماء الرقيق اللطيف فيشقها وينفذ منها بقلة أو كثرة فيحيي الأرض وينفع النبات والحيوان.
وأما هذه القلوب فلم تعد تتأثر بالحكم والنذر ولا بالعظات والعبر، فالحكم لا تقوى على شقها والنفوذ منها إلى أعماق الوجدان، وأنوار الفطرة قد انطفأت فيها فلا يظهر شعاعها على إنسان -ومن الحجارة ما يشقه الماء القليل كماء العيون والينابيع الحجرية، ومنها ما لا يفجره إلا الماء القوي الغمر الذي يسمى نهرًا ﴿ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ﴾ وهو ما ينحط من أعلى الجبل ومن أثنائه بسبب أثر من آثار القهر الإلهي كالبراكين والصواعق التي تهبط بها الصخور وتندك الجبال، وقد جعل هذا شبهًا للآيات الإلهية التي أظهرها على يد عبده ونبيه موسى ، فهي حوادث عظيمة في الكون تفزع بها نفوس المؤمنين إلى الله، وتخشع لأمره ونهيه، لعظمتها وخفاء سر إيجادها، كما تفزع النفوس من حوادث البراكين والصواعق التي تدك الصخور وتدمر الحصون، وقد أصبحت تلك القلوب بعد مشاهدة الآيات لا تتأثر بها ولا تزداد إيمانًا.
فملخص التشبيه أن قلوبكم تشبه الحجارة في القسوة بل تزيد في القساوة عنها، فإن الحجارة الصم تتأثر في باطنها بالماء اللطيف النافع بعضها بالقوي منه وبعضها بالضعيف، ولكن قلوبكم لا تتأثر بالحكم والمواعظ التي من شأنها التأثير في الوجدان، والنفوذ إلى الجنان، والحجارة تتأثر بالحوادث الهائلة التي يحدثها الله في الكون كالصواعق والزلازل، ولكن قلوبكم لم تتأثر بتلك الآيات الإلهية التي تشبهها، فلا أفادت فيها المؤثرات الداخلية ولا المؤثرات الخارجية كما أفادت في الأحجار، فبذلك كانت قلوبكم أشد قسوة.
ثم هددهم بقوله ﴿ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ أي فهو سيربيكم بضروب النقم، إذا لم تتربوا بصنوف النعم.
<div class="verse-tafsir"