الآية ٨٧ من سورة البقرة

الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٨٧ من سورة البقرة

وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَـٰبَ وَقَفَّيْنَا مِنۢ بَعْدِهِۦ بِٱلرُّسُلِ ۖ وَءَاتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَـٰتِ وَأَيَّدْنَـٰهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌۢ بِمَا لَا تَهْوَىٰٓ أَنفُسُكُمُ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًۭا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًۭا تَقْتُلُونَ ٨٧

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 122 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٨٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٨٧ من سورة البقرة عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

ينعت ، تبارك وتعالى ، بني إسرائيل بالعتو والعناد والمخالفة ، والاستكبار على الأنبياء ، وأنهم إنما يتبعون أهواءهم ، فذكر تعالى أنه آتى موسى الكتاب وهو التوراة فحرفوها وبدلوها ، وخالفوا أوامرها وأولوها .

وأرسل الرسل والنبيين من بعده الذين يحكمون بشريعته ، كما قال تعالى : ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء ) الآية [ المائدة : 44 ] ، ولهذا قال : ( وقفينا من بعده بالرسل ) قال السدي ، عن أبي مالك : أتبعنا .

وقال غيره : أردفنا .

والكل قريب ، كما قال تعالى : ( ثم أرسلنا رسلنا تترا ) [ المؤمنون : 44 ] حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم ، فجاء بمخالفة التوراة في بعض الأحكام ، ولهذا أعطاه الله من البينات ، وهي : المعجزات .

قال ابن عباس : من إحياء الموتى ، وخلقه من الطين كهيئة الطير فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله ، وإبرائه الأسقام ، وإخباره بالغيوب ، وتأييده بروح القدس ، وهو جبريل عليه السلام ما يدلهم على صدقه فيما جاءهم به .

فاشتد تكذيب بني إسرائيل له وحسدهم وعنادهم لمخالفة التوراة في البعض ، كما قال تعالى إخبارا عن عيسى : ( ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم ) الآية [ آل عمران : 50 ] .

فكانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء عليهم السلام أسوأ المعاملة ، ففريقا يكذبونه .

وفريقا يقتلونه ، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها ، فلهذا كان يشق ذلك عليهم ، فيكذبونهم ، وربما قتلوا بعضهم ; ولهذا قال تعالى : ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) والدليل على أن روح القدس هو جبريل ، كما نص عليه ابن مسعود في تفسير هذه الآية ، وتابعه على ذلك [ ابن عباس و ] محمد بن كعب القرظي ، وإسماعيل بن أبي خالد ، والسدي ، والربيع بن أنس ، وعطية العوفي ، وقتادة مع قوله تعالى : ( نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين [ بلسان عربي مبين ] ) [ الشعراء : 193 - 195 ] ما قال البخاري : وقال ابن أبي الزناد ، عن أبيه ، عن عروة ، عن عائشة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان بن ثابت منبرا في المسجد ، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك " .

وهذا من البخاري تعليق .

وقد رواه أبو داود في سننه ، عن لوين ، والترمذي ، عن علي بن حجر ، وإسماعيل بن موسى الفزاري ، ثلاثتهم عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن أبيه وهشام بن عروة ، كلاهما عن عروة ، عن عائشة به .

وقال الترمذي : حسن صحيح ، وهو حديث أبي الزناد .

وفي الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة : أن عمر مر بحسان ، وهو ينشد الشعر في المسجد فلحظ إليه ، فقال : قد كنت أنشد فيه ، وفيه من هو خير منك .

ثم التفت إلى أبي هريرة ، فقال : أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أجب عني ، اللهم أيده بروح القدس " ؟

.

فقال : اللهم نعم .

وفي بعض الروايات : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحسان : " اهجهم أو : هاجهم وجبريل معك " .

[ وفي شعر حسان قوله : وجبريل رسول الله ينادي وروح القدس ليس به خفاء ] وقال محمد بن إسحاق : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي ، عن شهر بن حوشب الأشعري : أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : أخبرنا عن الروح .

فقال : " أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ؟

وهو الذي يأتيني ؟

" قالوا : نعم .

[ وفي صحيح ابن حبان أظنه عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن روح القدس نفخ في روعي : إن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها وأجلها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب " ] .

أقوال أخر : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا منجاب بن الحارث ، حدثنا بشر ، عن أبي روق ، عن الضحاك ، عن ابن عباس : ( بروح القدس ) قال : هو الاسم الأعظم الذي كان عيسى يحيي به الموتى .

وقال ابن جرير : حدثت عن المنجاب .

فذكره .

قال ابن أبي حاتم : وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك .

[ ونقله القرطبي عن عبيد بن عمير أيضا قال : وهو الاسم الأعظم ] .

وقال ابن أبي نجيح : الروح هو حفظة على الملائكة .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس : القدس هو الرب تبارك وتعالى .

وهو قول كعب .

وقال السدي : القدس : البركة .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : القدس : الطهر .

[ وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن البصري أنهما قالا : القدس : هو الله تعالى ، وروحه : جبريل ، فعلى هذا يكون القول الأول ] .

وقال ابن جرير : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أنبأنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله تعالى : ( وأيدناه بروح القدس ) قال : أيد الله عيسى بالإنجيل روحا كما جعل القرآن روحا ، كلاهما روح من الله ، كما قال تعالى : ( وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ) [ الشورى : 52 ] .

ثم قال ابن جرير : وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال : الروح في هذا الموضع جبريل ، لأن الله ، عز وجل ، أخبر أنه أيد عيسى به ، كما أخبر في قوله : ( إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) الآية [ المائدة : 110 ] .

فذكر أنه أيده به ، فلو كان الروح الذي أيده به هو الإنجيل ، لكان قوله : ( إذ أيدتك بروح القدس ) ( وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ) تكرير قول لا معنى له ، والله أعز أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به .

قلت : ومن الدليل على أنه جبريل ما تقدم في أول السياق ; ولله الحمد .

وقال الزمخشري ( بروح القدس ) بالروح المقدسة ، كما يقول : حاتم الجود ورجل صدق ، ووصفها بالقدس كما قال : ( وروح منه ) فوصفه بالاختصاص والتقريب تكرمة ، وقيل : لأنه لم تضمه الأصلاب والأرحام الطوامث ، وقيل : بجبريل ، وقيل : بالإنجيل ، كما قال في القرآن : ( روحا من أمرنا ) [ الشورى : 52 ] وقيل باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره ، وتضمن كلامه قولا آخر وهو أن المراد روح عيسى نفسه المقدسة المطهرة .

وقال الزمخشري في قوله : ( ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون ) إنما لم يقل : وفريقا قتلتم ; لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضا لأنهم حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بالسم والسحر ، وقد قال ، عليه السلام ، في مرض موته : " ما زالت أكلة خيبر تعاودني فهذا أوان انقطاع أبهري " ، وهذا الحديث في صحيح البخاري وغيره .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (آتينا موسى الكتاب): أنـزلناه إليه.

وقد بينا أن معنى " الإيتاء " الإعطاء، فيما مضى قبل.

(49) * * * و " الكتاب " الذي آتاه الله موسى عليه السلام، هو التوراة.

وأما قوله: (وقفينا)، فإنه يعني: وأردفنا وأتبعنا بعضهم خلف بعض, كما يقفو الرجل الرجل: إذا سار في أثره من ورائه.

وأصله من " القفا ", يقال منه: " قفوت فلانا: إذا صرت خلف قفاه, كما يقال: " دبرته ": إذا صرت في دبره.

* * * ويعني بقوله: (من بعده)، من بعد موسى.

* * * ويعني بـ(الرسل): الأنبياء, وهم جمع " رسول ".

يقال: " هو رسول وهم رسل ", كما يقال: " هو صبور وهم قوم صبر, وهو رجل شكور وهم قوم شكر.

* * * وإنما يعني جل ثناؤه بقوله: (وقفينا من بعده بالرسل)، أي أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد وشريعة واحدة.

لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى صلى الله عليه وسلم إلى زمان عيسى ابن مريم, فإنما بعثه يأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة، والعمل بما فيها، والدعاء إلى ما فيها.

فلذلك قيل: (وقفينا من بعده بالرسل)، يعني على منهاجه وشريعته, والعمل بما كان يعمل به.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ قال أبو جعفر: يعني بقوله: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات)، أعطينا عيسى ابن مريم.

* * * ويعني بـ " البينات " التي آتاه الله إياها: ما أظهر على يديه من الحجج والدلالة على نبوته: من إحياء الموتى، وإبراء الأكمه، ونحو ذلك من الآيات، التي أبانت منـزلته من الله, ودلت على صدقه وصحة نبوته، كما:- 1483 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثنا محمد بن أبي محمد, عن سعيد بن جبير، أو عكرمة, عن ابن &; 2-319 &; عباس: (وآتينا عيسى ابن مريم البينات): أي الآيات التي وضع على يديه: من إحياء الموتى, وخلقه من الطين كهيئة الطير، ثم ينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله, وإبراء الأسقام, والخبر بكثير من الغيوب مما يدخرون في بيوتهم, وما رد عليهم من التوراة، مع الإنجيل الذي أحدث الله إليه.

* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ قال أبو جعفر: أما معنى قوله: (وأيدناه)، فإنه قويناه فأعناه, كما:- 1484 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير، عن جويبر, عن الضحاك: (وأيدناه)، يقول: نصرناه.

يقال منه: " أيدك الله "، أي قواك," وهو رجل ذو أَيْد، وذو آد ", يراد: ذو قوة.

ومنه قول العجاج: من أن تبدلت بآدي آدا (50) * يعني: بشبابي قوة المشيب، ومنه قول الآخر: (51) إن القــداح إذا اجــتمعن فرامهــا بالكســـر ذو جَــلَد وبطش أيِّــد &; 2-320 &; (52) يعني بالأيد: القوي.

* * * ثم اختلف في تأويل قوله: (بروح القدس).

فقال بعضهم: " روح القدس " الذي أخبر الله تعالى ذكره أنه أيد عيسى به، هو جبريل عليه السلام.

* ذكر من قال ذلك: 1485 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (وأيدناه بروح القدس) قال: هو جبريل.

1486 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي قوله: (وأيدناه بروح القدس)، قال: هو جبريل عليه السلام.

1487 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا أبو زهير, عن جويبر, عن الضحاك في قوله: (وأيدناه بروح القدس)، قال: روح القدس، جبريل.

1488 - حدثنا عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (وأيدناه بروح القدس)، قال: أيد عيسى بجبريل، وهو روح القدس.

1489 - وقال ابن حميد، حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي, عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أخبرنا عن الروح.

قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أنه جبريل؟

وهو [الذي] &; 2-321 &; يأتيني؟

قالوا: نعم.

(53) وقال آخرون: الروح الذي أيد الله به عيسى، هو الإنجيل.

* ذكر من قال ذلك: 1490 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (وأيدناه بروح القدس)، قال: أيد الله عيسى بالإنجيل روحا، كما جعل القرآن روحا كلاهما روح الله, كما قال الله: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا [ الشورى: 52].

* * * وقال آخرون: هو الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

* ذكر من قال ذلك: 1491 - حدثت عن المنجاب قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس: (وأيدناه بروح القدس)، قال: هو الاسم الذي كان يحيي عيسى به الموتى.

* * * قال أبو جعفر: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: " الروح " في هذا الموضع جبريل.

لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به, كما أخبر في قوله: إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا &; 2-322 &; وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ [المائدة: 110]، فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل، لكان قوله: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، و " إذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل "، تكرير قول لا معنى له.

وذلك أنه على تأويل قول من قال: معنى إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ، إنما هو: إذ أيدتك بالإنجيل - وإذ علمتك الإنجيل.

وهو لا يكون به مؤيدا إلا وهو مُعَلَّمُه، فذلك تكرير كلام واحد، من غير زيادة معنى في أحدهما على الآخر.

وذلك خلف من الكلام, (54) والله تعالى ذكره يتعالى عن أن يخاطب عباده بما لا يفيدهم به فائدة.

وإذْ كان ذلك كذلك، فَبَيِّنٌ فساد قول من زعم أن " الروح " في هذا الموضع، الإنجيل, وإن كان جميع كتب الله التي أوحاها إلى رسله روحا منه لأنها تحيا بها القلوب الميتة, وتنتعش بها النفوس المولية, وتهتدي بها الأحلام الضالة.

* * * وإنما سمى الله تعالى جبريل " روحا " وأضافه إلى " القدس "، لأنه كان بتكوين الله له روحا من عنده، من غير ولادة والد ولده, فسماه بذلك " روحا "، وأضافه إلى " القدس " - و " القدس "، هو الطهر - كما سمي عيسى ابن مريم " روحا " لله من أجل تكوينه له روحا من عنده من غير ولادة والد ولده.

* * * وقد بينا فيما مضى من كتابنا هذا، أن معنى " التقديس ": التطهير, و " القدس "- الطهر، من ذلك.

وقد اختلف أهل التأويل في معناه في هذا الموضع نحو اختلافهم في الموضع الذي ذكرناه.

(55) 1492 - حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط, عن السدي قال: القدس، البركة.

1493 - حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه قال: القدس، وهو الرب تعالى ذكره.

&; 2-323 &; 1494 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد: (وأيدناه بروح القدس)، قال: الله، القدس, وأيد عيسى بروحه، قال: نعت الله، القدس.

وقرأ قول الله جل ثناؤه: هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ [الحشر: 23]، قال: القدس والقدوس، واحد.

1495 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني عمرو بن الحارث, عن سعيد بن أبي هلال، [عن هلال] بن أسامة, عن عطاء بن يسار قال، قال كعب: الله، القدس.

(56) * * * القول في تأويل قوله تعالى : أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87) قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم)، اليهود من بني إسرائيل.

1496 - حدثني بذلك محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد.

* * * قال أبو جعفر: يقول الله جل ثناؤه لهم: يا معشر يهود بني إسرائيل, لقد آتينا موسى التوراة, وتابعنا من بعده بالرسل إليكم, وآتينا عيسى ابن مريم &; 2-324 &; البينات والحجج، إذ بعثناه إليكم, وقويناه بروح القدس، وأنتم كلما جاءكم رسول من رسلي بغير الذي تهواه نفوسكم استكبرتم عليهم - تجبرا وبغيا - استكبار إمامكم إبليس، فكذبتم بعضا منهم.

وقتلتم بعضا.

فهذا فعلكم أبدا برسلي.

* * * وقوله: (أفكلما)، وإن كان خرج مخرج التقرير في الخطاب، فهو بمعنى الخبر.

-------------- الهوامش: (49) انظر ما سلف 1 : 574 .

(50) زيادة ديوانه : 76 ، واللسان (آود) (أيد) ومجاز القرآن : 46 ، وأمالي الزجاجي : 39 في خبر ، ورواه : فــــإن تبـــدلت بـــآدي آدا لــم يــك ينــآد فأمســى انـآدا فقـــد أرانــي أصــل القعــادا .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

والقعاد: القواعد من النساء، جمع على جمع المذكر، كما قال القطامي: أبصــارهن إلــى الشـبان مائلـة وقــد أراهـن عنـي غـير صـداد يعني : غير صواد .

(51) ينسب البيت - من أبيات - لعبد الملك بن مروان ، والصواب أنه لعبد الله بن عبد الأعلى ابن أبي عمرة الشيباني .

مولى بني شيبان (تاريخ الطبري 4 : 22 / وسمط اللآلئ : 963 ترجمته) .

(52) البيت من أبيات جياد رواها أبو العباس المبرد في التعازي والمراثي ورقة : 105 ، 106 ، والمسعودى في مروج الذهب 3 : 104 ، ولباب الآداب : 31 ، وجاء بيت الشاهد في تاريخ الإسلام للذهبي 3 : 280 ، وتاريخ ابن كثير 9 : 67 ، وتاريخ الخلفاء للسيوطي : 147 ، واختلفت رواية البيت الشاهد .

وقد أوصى عبد الملك بن مروان بنيه وصية جليلة ، ثم قال لهم احفظوا عني هذه الأبيات - يعني شعر عبد الله بن عبد الأعلى - أمرهم أن يجتمعوا ولا يتفرقوا فتذهب ريحهم .

وبعد البيت : عـزت ولـم تكسـر, وإن هـي بددت فـــالوهن والتكســـير للمتبــدد (53) الحديث : 1489 - وقع في المطبوعة "حدثنا سلمة، عن إسحاق" .

وهو خطأ ، صوابه"عن ابن إسحاق" .

عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين المكي : ثقة فقيه ، من شيوخ الليث ومالك .

مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 2 / 2 /97 .

شهر بن حوشب الأشعري : تابعي ثقة ، ومن تكلم فيه فلا حجة له .

وقد فصلنا القول في توثيقه ، في شرح المسند : 5007 .

وهو مترجم في التهذيب ، والكبير للبخاري .

2 /2 / 659 - 260 ، وابن سعد 7 /2 /158 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 382 - 383 .

ولكن هذا الحديث مرسل ، فإن شهرا تابعي كما قلنا .

ومعناه - في تفسير"الروح" بأنه جبريل - ثابت في أحاديث صحاح متكاثرة .

ذكر منها ابن كثير 1 : 227 حديث ابن مسعود ، في صحيح ابن حبان ، مرفوعا : "إن روح القدس نقث في روعي : أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها ، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب" .

وقد ذكرنا في شرحنا رسالة الشافعي .

رقم : 306 كثيرا من هذا المعنى .

وهذا الحديث جزء من حديث مطول ، سيأتي بهذا الإسناد رقم : 1606 .

(54) الخلف : الرديء الفاسد من القول .

يقال في المثل : "سكت ألفا ونطق خلفا" ، للرجل يطيل الصمت ، فإذا تكلم تكلم بالخطأ والخطل .

(55) انظر ما سلف 1 : 475 - 476 .

(56) الخبر: 1495 - هو كلمة من كلام كعب الأحبار.

أما الإسناد إليه ففيه إشكال.

ولعله خطأ من الناسخين.

فليس في الرواة - فيما علمنا - من يسمى"سعيد بن أبي هلال بن أسامة" كما كان في المطبوعة.

وإنما صوابه ما رجحنا إثباته، بزيادة [عن هلال].

فسعيد بن أبي هلال الليثي المدني المصري: ثقة من أتباع التابعين، يروي عنه عمرو بن الحارث (الذي سبقت ترجمته في 1387).

وسعيد مترجم في التهذيب، وفي الكبير للبخاري 2 / 1 /475، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 71 .

وهلال بن أسامة: هو: "هلال بن علي بن أسامة المدني " ، وبعضهم نسبه إلى جده ، فقال: ابن أسامة"، كما في التهذيب، وهو ثقة.

مترجم أيضًا في الكبير للبخاري 4 / 2 /204 - 205، وابن أبي حاتم 4 /2 /76.

وقد فصلنا القول في ترجمته، في شرح المسند: 7346.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلونقوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب يعني التوراة .

وقفينا أي أتبعنا والتقفية : الإتباع والإرداف ، مأخوذ من إتباع القفا وهو مؤخر العنق .

تقول استقفيته إذا جئت من خلفه ، ومنه سميت قافية الشعر ; لأنها تتلو سائر الكلام .

والقافية : القفا ، ومنه الحديث : يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم .

والقفي والقفاوة : ما يدخر من اللبن وغيره لمن تريد إكرامه .

وقفوت الرجل : قذفته بفجور .

وفلان قفوتي أي تهمتي .

وقفوتي أي خيرتي .

قال ابن دريد كأنه من الأضداد .

قال العلماء : وهذه الآية مثل قوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى .

وكل رسول جاء بعد موسى فإنما جاء بإثبات التوراة والأمر بلزومها إلى عيسى عليه السلام .

ويقال : رسل ورسل لغتان ، الأولى لغة الحجاز ، والثانية لغة تميم ، وسواء كان مضافا أو غير مضاف .

وكان أبو عمرو يخفف إذا أضاف إلى حرفين ، ويثقل إذا أضاف إلى حرف واحد .قوله تعالى : وآتينا عيسى ابن مريم البينات أي الحجج والدلالات ، وهي التي [ ص: 25 ] ذكرها الله في " آل عمران " و " المائدة " ، قاله ابن عباس .

وأيدناه أي قويناه .

وقرأ مجاهد وابن محيصن " آيدناه " بالمد ، وهما لغتان .

بروح القدس روى أبو مالك وأبو صالح عن ابن عباس ومعمر عن قتادة قالا : جبريل عليه السلام .

وقال حسان :وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس به خفاءقال النحاس : وسمي جبريل روحا وأضيف إلى القدس ; لأنه كان بتكوين الله عز وجل له روحا من غير ولادة والد ولده ، وكذلك سمي عيسى روحا لهذا .

وروى غالب بن عبد الله عن مجاهد قال : القدس هو الله عز وجل .

وكذا قال الحسن : القدس هو الله ، وروحه جبريل .

وروى أبو روق عن الضحاك عن ابن عباس : بروح القدس قال : هو الاسم الذي كان يحيي به عيسى الموتى ، وقاله سعيد بن جبير وعبيد بن عمير ، وهو اسم الله الأعظم .

وقيل : المراد الإنجيل ، سماه روحا كما سمى الله القرآن روحا في قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا .

والأول أظهر ، والله تعالى أعلم .

والقدس : الطهارة .

وقد تقدم .قوله تعالى : أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم أي بما لا يوافقها ويلائمها ، وحذفت الهاء لطول الاسم ، أي بما لا تهواه .

استكبرتم عن إجابته احتقارا للرسل ، واستبعادا للرسالة .

وأصل الهوى الميل إلى الشيء ، ويجمع أهواء ، كما جاء في التنزيل ، ولا يجمع أهوية ، على أنهم قد قالوا في ندى : أندية ، قال الشاعر :في ليلة من جمادى ذات أندية لا يبصر الكلب في ظلمائها الطنباقال الجوهري : وهو شاذ وسمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه إلى النار ، ولذلك لا يستعمل في الغالب إلا فيما ليس بحق وفيما لا خير فيه ، وهذه الآية من ذلك .

وقد يستعمل في الحق ، ومنه قول عمر رضي الله عنه في أسارى بدر : فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت .

وقالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم في صحيح الحديث : والله ما أرى ربك إلا يسارع في هواك .

أخرجهما مسلم .[ ص: 26 ] قوله تعالى : ففريقا كذبتم ففريقا منصوب ب كذبتم ، وكذا وفريقا تقتلون فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد عليهما السلام ، وممن قتلوه يحيى وزكريا عليهما السلام ، على ما يأتي بيانه في " سبحان " إن شاء الله تعالى .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يمتن تعالى على بني إسرائيل أن أرسل لهم كليمه موسى, وآتاه التوراة, ثم تابع من بعده بالرسل الذين يحكمون بالتوراة, إلى أن ختم أنبياءهم بعيسى ابن مريم عليه السلام، وآتاه من الآيات البينات ما يؤمن على مثله البشر، { وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } أي: قواه الله بروح القدس.

قال أكثر المفسرين: إنه جبريل عليه السلام, وقيل: إنه الإيمان الذي يؤيد الله به عباده.

ثم مع هذه النعم التي لا يقدر قدرها, لما أتوكم { بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ } عن الإيمان بهم، { فَفَرِيقًا } منهم { كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } فقدمتم الهوى على الهدى, وآثرتم الدنيا على الآخرة، وفيها من التوبيخ والتشديد ما لا يخفى.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : {ولقد آتينا} أعطينا.

{موسى الكتاب} التوراة، جملة واحده.

{وقفينا} وأتبعنا.

{من بعده بالرسل} رسولا بعد رسول.

{وآتينا عيسى ابن مريم البينات} الدلالات الواضحات وهي ما ذكر الله في سورة آل عمران والمائدة، وقيل: أراد الإنجيل.

{وأيدناه} قويناه.

{بروح القدس} قرأ ابن كثير القدس بسكون الدال والآخرون بضمها وهما لغتان مثل الرُّعب والرَّعب ، واختلفوا في روح القدس: قال الربيع وغيره: "أراد بالروح الروح الذي نفخ فيه، والقدس هو الله أضافه إلى نفسه تكريماً وتخصيصاً نحو بيت الله، وناقة الله، كما قال : {فنفخنا فيه من روحنا} [12- التحريم]، {وروح منه} [171-النساء]".

وقيل: أراد بالقدس الطهارة؛ يعني الروح الطاهرة، سمى روحه قدساً لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث إنما كان أمراً من الله تعالى.

قال قتادة والسدي و لضحاك: "روح القدس جبريل عليه السلام".

قيل: وصف جبريل بالقدس أي بالطهارة لأنه لم يقترف ذنباً.

قال الحسن : "القدس هو الله وروحه جبريل قال الله تعالى : {قل نزله روح القدس من ربك بالحق} [102- النحل] وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام أنه أمر أن يسير معه حيث سار حتى صعد به الله إلى السماء".

وقيل: سمي جبريل عليه السلام روحاً للطافته ولمكانته من الوحي الذي هو سبب حياة القلوب.

وقال ابن عباس وسعيد بن جبير: "روح القدس هو اسم الله تعالى الأعظم به كان يحيي الموتى ويرى الناس به العجائب".

وقيل: هو الإنجيل جعل له روحا كما جعل القرآن روحا لمحمد صلى الله عليه وسلم لأنه سبب لحياة القلوب، قال تعالى: {وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا} [52- الشورى] فلما سمع اليهود ذكر عيسى عليه السلام قالوا: يامحمد لا مثل عيسى -كما تزعم- عملت، ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فأتنا بما أتى به عيسى إن كنت صادقا.

قال الله تعالى: {أفكلما جاءكم} يا معشر اليهود.

{رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم} تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان.

{ففريقاً} طائفة.

{كذبتم} مثل عيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم.

{وفريقا تقتلون} أي قتلتم مثل زكريا ويحيى وشعيا وسائر من قتلوه من الأنبياء عليهم السلام .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ولقد آتينا موسى الكتاب» التوراة «وقفيَّنا من بعده بالرسل» أي اتبعناهم رسولا في إثر رسول «وآتينا عيسى ابن مريم البينات» المعجزات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص «وأيدناه» قويناه «بروح القدس» من إضافة الموصوف إلى الصفة أي الروح المقدسة جبريل لطهارته يسير معه حيث سار فلم تستقيموا «أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى» تحب «أنفسُكم» من الحق «استكبرتم» تكبرتم عن إتباعه جواب كلما وهو محل الاستفهام، والمراد به التوبيخ «ففريقا» منهم «كذبتم» كعيسى «وفريقاً تقتلون» المضارع لحكاية الحال الماضية: أي قتلتم كزكريا ويحيى.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ولقد أعطينا موسى التوراة، وأتبعناه برسل من بني إسرائيل، وأعطينا عيسى ابن مريم المعجزات الواضحات، وقوَّيناه بجبريل عليه السلام.

أفكلما جاءكم رسول بوحي من عند الله لا يوافق أهواءكم، استعليتم عليه، فكذَّبتم فريقًا وتقتلون فريقًا؟

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم ذكرهم - سبحانه - بعد ذلك بلون آخر من ألوان جناياتهم ، فقال تعالى :( وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب وَقَفَّيْنَا .

.

.

)في هاتين الآيتين تذكير لبني إسرائيل بضرب من النعم التي أمدهم الله بها ثم قابلوها بالكفر والإِجرام .والمراد بالكتاب الذي أعطاه الله لموسى التوراة ، فقد أنزلها عليه لهدايتهم ولكنهم حرفوها وبدلوها وخالفوا أوارمه وأولوها تأويلا سقيما .ومعنى ( وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ) أردفنا وأرسلنا من عبد موسى رسلا كثيرين متتابعين ، لإِرشاد بني إسرائيل ، وإخراجهم من الظلمات إلى النور .يقال : قفا أثره يقفوه قفواً وقفواً ، إذا تبعه .

وقفى على أثره بفلان إذا أتبعه إياه .

وقفيته زيداً به : أتبعته إياه .

واشتقاقه من : قفوته إذا أتبعت قفاه ، والقفا مؤخر العنق ، ثم أطلق على كل تابع ولو بعد الزمن بينه وبين متبوعه .والرسل : جمع رسول بمعنى مرسل ، وقد أرسل الله - تعالى - رسلا بعد موسى - عليه السلام - : منهم : داود ، وسليمان ، وإلياس ، واليسع ، ويونس ، وزكريا ، ويحيى - عليهم الصلاة والسلام - .فمن مظاهر نعم الله على بني إسرائيل ، أنه لم يكتف بإنزال الكتب لهدايتهم ، وإنما أرسل فيهم بجانب ذلك رسلا متعددين ، لكي يبشروهم وينذروهم ، ولكن بني إسرائيل قابلوا نعم الله بالجحود والكفران ، فقد حرفوا كتب الله ، وقتلوا بعض أنبيائه .والمراد بالبينات في قوله : ( وَآتَيْنَا عِيسَى ابن مَرْيَمَ البينات ) الحجج والبراهين والآيات الدالة على صدقه وصحة نبوته ، فتشمل كل معجزة أعطاها الله لعيسى كإبراء الأكمة والأبرص ، وإحاء الموتى ، والإِخبار ببعض المغيبات ، وغير ذلك من المعجزات التي أيد الله بها عيسى - عليه السلام - .وخص القرآن عيسى بالذكر لكونه صاحب كتاب هو الإِنجيل ، ولأن شرعه نسخ أحكاما من شريعة موسى - عليه السلام - .وفي إضافة عيسى إلى أمه إبطال لما يزعمه اليهود من أن له أباً من البشر .وقوله : ( وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ القدس ) أي : قويناه مأخوذ من الأَيْدِ وهو القوة .وروح القدس هو جبريل - عليه السلام - ، قال - تعالى - :( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق .

.

.

) والإِضافة فيه من إضافة الموصوف إلى الصفة ، أي : الروح المقدس .

ووصف بالقدس لطهارته وبركته .

وسمى روحاً لمشابهته الروح الحقيقي في أن كلا منهما مادة لحياة البشر .

فجبريل من حيث ما يحمل من الرسالة الإِلهية تحيا به القلوب .

والروح تحيا به الأجسام .أي : أننا أعطينا عيسى بن مريم الحجج الدالة على صدقه في نبوته وقويناه على ذلك كله بوحينا الذي أوحيناه إليه عن طريق جبريل - عليه السلام - .ثم وبخ الله اليهود على أفعالهم القبيحة فقال : ( أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تهوى أَنْفُسُكُمْ استكبرتم فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ) .أي : أفكلما جاءكم يا بني إسرائيل رسول بما لا تحبه أنفسكم الشريرة استكبرتم عن اتباعه والإِيمان به وأقبلتم على هؤلاء الرسل ففريقاً منهم كذبتم ، وفريقاً آخر منهم تقتلونه غير مكتفين بالتكذيب :وتهوى : من هوى إذا أحب " والهوى يكون في الحق ويكون في الباطل كما في هذه الآية .واستكبرتم : تكبرتم ، والتكبر ينشأ عن الأعجاب بالنفس الذي هو أثر الجهل بها .

وهو من الصفات التي متى تمكنت في النفس أوردتها المهالك ، وساقتها إلى سوء المصير .وقدم تكذيبهم للرسل على قتلهم إياهم ، لأن التكذيب أول ما يصدر عنهم من الشر .وعبر في جانب القتل بالفعل المضارع فقال : ( تَقْتُلُونَ ) ولم يقل قتلتم كما قال كذبتم ، لأن الفعل المضارع كما هو المألوف في أساليب البلاغة .

يستعمل في الأفعال الماضية التي بلغت من الفظاعة مبلغاً عظيماً .

ووجهه أن المتكلم يعمد بذلك الفعل القبيح كقتل الأنبياء ، ويعبر عنه بالفعل المضارع الذي يدل بحسب وضه على الفعل الواقع في الحال .

فكأنه أحضر صورة قتل الأنبياء أمام السامع ، وجعله ينظر إليها بعينه ، فيكون إنكاره لها أبلغ ، واستفظاعه لها أعظم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن هذا نوع آخر من النعم التي أفاضها الله عليهم ثم إنهم قابلوه بالكفر والأفعال القبيحة، وذلك لأنه تعالى لما وصف حال اليهود من قبل بأنهم يخالفون أمر الله تعالى في قتل أنفسهم وإخراج بعضهم بعضاً من ديارهم وبين أنهم بهذا الصنيع اشتروا الدنيا بالآخرة، زاد في تبكيتهم بما ذكره في هذه الآية.

أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله إياها جملة واحدة، روي عن ابن عباس أن التوراة لما نزلت أمر الله تعالى موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها فخففها الله على موسى فحملها.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ الرسل ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: قفينا، أتبعنا مأخوذ من الشيء يأتي في قفاه الشيء، أي بعد نحو ذنبه من الذنب، ونظيره قوله: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى  ﴾ .

المسألة الثانية: روي أن بعد موسى عليه السلام إلى أيام عيسى عليه السلام كانت الرسل تتواتر ويظهر بعضهم في أثر بعض، والشريعة واحدة إلى أيام عيسى عليه السلام، فإنه صلوات الله عليه جاء بشريعة مجددة، واستدلوا على صحة ذلك بقوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ﴾ فإنه يقتضي أنهم على حد واحد في الشريعة يتبع بعضهم بعضاً فيها، قال القاضي: إن الرسول الثاني لا يجوز أن يكون على شريعة الأول حتى لا يؤدي إلى تلك الشريعة بعينها من غير زيادة ولا نقصان، مع أن تلك الشريعة محفوظة يمكن معرفتها بالتواتر عن الأول، لأن الرسول إذا كان هذا حاله لم يمكن أن يعلم من جهة إلا ما كان قد علم من قبل أو يمكن أن يعلم من قبل، فكما لا يجوز أن يبعث الله تعالى رسولاً لا شريعة معه أصلاً، تبين العقليات لهذه العلة، فكذا القول في مسألتنا: فثبت أنه لابد في الرسل الذين جاؤوا من بعد موسى عليه السلام أن يكونوا قد أتوا بشريعة جديدة إن كانت الأولى محفوظة أو محيية لبعض ما اندرس من الشريعة الأولى.

والجواب: لم لا يجوز أن يكون المقصود من بعثة هؤلاء الرسل تنفيذ تلك الشريعة السالفة على الأمة أو نوع آخر من الألطاف لا يعلمها إلا الله، وبالجملة، فالقاضي ما أتى في هذه الدلالة إلا بإعادة الدعوى، فلم قال: إنه لا يجوز بعث هؤلاء الرسل إلا لشريعة جديدة أو لإحياء شريعة اندرست وهل النزاع وقع إلا في هذا؟

المسألة الثالثة: هؤلاء الرسل هم: يوشع، وشمويل، وشمعون، وداود، وسليمان وشعياء، وأرمياء، وعزير، وحزقيل، وإلياس، واليسع، ويونس، وزكريا، ويحيى، وغيرهم.

أما قوله تعالى: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى عليه السلام.

المسألة الثانية: قيل عيسى بالسريانية أيشوع، ومريم بمعنى الخادم، وقيل: مريم بالعبرانية من النساء كزير من الرجال، وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمة *** المسألة الثالثة: في البينات وجوه: أحدها: المعجزات من إحياء الموتى ونحوها عن ابن عباس.

وثانيها: أنها الإنجيل.

وثالثها: وهو الأقوى أن الكل يدخل فيه، لأن المعجز يبين صحة نبوته كما أن الإنجيل يبين كيفية شريعته فلا يكون للتخصيص معنى.

أما قوله تعالى: ﴿ وأيدناه بِرُوحِ القدس ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ وأيدناه قرأ ابن كثير القدس بالتخفيف والباقون بالتثقيل وهما لغتان مثل رعب ورعب.

المسألة الثانية: اختلفوا في الروح على وجوه: أحدها: أنه جبريل عليه السلام وإنما سمي بذلك لوجوه: الأول: أن المراد من روح القدس الروح المقدسة كما يقال: حاتم الجود ورجل صدق فوصف جبريل بذلك تشريفاً له وبياناً لعلو مرتبته عند الله تعالى.

الثاني: سمي جبريل عليه السلام بذلك لأنه يحيا به الدين كما يحيا البدن بالروح فإنه هو المتولي لإنزال الوحي إلى الأنبياء والمكلفون في ذلك يحيون في دينهم.

الثالث: أن الغالب عليه الروحانية وكذلك سائر الملائكة غير أن روحانيته أتم وأكمل.

الرابع: سمي جبريل عليه السلام روحاً، لأنه ما ضمته أصلاب الفحول وأرحام الأمهات.

وثانيها: المراد بروح القدس الإنجيل، كما قال في القرآن: ﴿ رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا  ﴾ وسمي به لأن الدين يحيا به ومصالح الدنيا تنتظم لأجله.

وثالثها: أنه الاسم الذي كان يحيي به عليه السلام الموتى، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.

ورابعها: أنه الروح الذي نفخ فيه والقدس هو الله تعالى فنسب روح عيسى عليه السلام إلى نفسه تعظيماً له وتشريفاً، كما يقال: بيت الله وناقة الله، عن الربيع، وعلى هذاب المراد به الروح الذي يحيا به الإنسان.

واعلم أن اطلاق اسم الروح على جبريل وعلى الانجيل وعلى الاسم الأعظم مجاز لأن الروح هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه ومعلوم أن هذه الثلاثة ما كانت كذلك إلا أنه سمي كل واحد من هذه الثلاثة بالروح على سبيل التشبيه من حيث أن الروح كما أنه سبب لحياة الرجل، فكذلك جبريل عليه السلام سبب لحياة القلوب بالعلوم، والانجيل سبب لظهور الشرائع وحياتها، والاسم الأعظم سبب لأن يتوسل به إلى تحصيل الأغراض إلا أن المشابهة بين مسمى الروح وبين جبريل أتم لوجوه: أحدها: لأن جبريل عليه السلام مخلوق من هواء نوراني، لطيف فكانت المشابهة أتم، فكان إطلاق اسم الروح على جبريل أولى.

وثانيها: أن هذه التسمية فيه أظهر منها فيما عداه.

وثالثها: أن قوله تعالى: ﴿ وأيدناه بِرُوحِ القدس ﴾ يعني قويناه، والمراد من هذه التقوية الإعانة وإسناد الإعانة إلى جبريل عليه السلام حقيقة وإسنادها إلى الإنجيل والاسم الأعظم مجاز، فكان ذلك أولى.

ورابعها: وهو أن اختصاص عيسى بجبريل عليهما السلام من آكد وجوه الاختصاص بحيث لم يكن لأحد من الأنبياء عليهم السلام مثل ذلك لأنه هو الذي بشر مريم بولادتها وإنما ولد عيسى عليه السلام من نفخة جبريل عليه السلام وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.

أما قوله تعالى: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُم استكبرتم ﴾ فهو نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه.

وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم.

أما قوله تعالى: ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ فلقائل أن يقول: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟

وجوابه من وجهين: أحدهما: أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب.

الثاني: أن يراد فريقاً تقتلونهم بعد لأنكم حاولتم قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

وقال عليه السلام عند موته: ما زالت أكلة خيبر تعاودني.

فهذا أوان انقطاع أبهري والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ الكتاب ﴾ التوراة، آتاه إياها جملة واحدة.

ويقال: قفاه إذا أتبعه من القفا.

نحو ذنبه، من الذنب.

وقفاه به: أتبعه إياه، يعني: وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل، كقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى ﴾ [المؤمنون: 44] وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

وقيل: ﴿ عِيسَى ﴾ بالسريانية يشوع.

و ﴿ مَرْيَمَ ﴾ بمعنى الخادم.

وقيل: المريم بالعربية من النساء، كالزير من الرجال.

وبه فسر قول رؤبة: قُلْتُ لِزَيْرٍ لَمْ تَصِلْهُ مَرْيَمُهْ ووزن ﴿ مريم ﴾ عند النحويين (مفعل) لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو عثير وعليب ﴿ البينات ﴾ المعجزات الواضحات والحجج.

كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص والإخبار بالمغيبات.

وقرئ: ﴿ وآيدناه ﴾ .

ومنه: آجده بالجيم إذا قوّاه.

يقال: الحمد لله الذي آجدني بعد ضعف، وأوجدني بعد فقر.

﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ بالروح المقدسة كما تقول: حاتم الجود، ورجل صدق.

ووصفها بالقدس كما قال: ﴿ وَرُوحٌ مّنْهُ ﴾ [النساء: 171] فوصفه بالاختصاص والتقريب للكرامة.

وقيل: لأنه لم تضمه الأصلاب، ولا أرحام الطوامث.

وقيل: بجبريل.

وقيل: بالإنجيل كما قال في القرآن: ﴿ وروحا مِنْ أَمْرِنَا ﴾ [الشورى: 52] وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره.

والمعنى: ولقد آتينا يابني إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءكُمْ رَسُولٌ ﴾ منهم بالحق ﴿ استكبرتم ﴾ عن الإيمان به، فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجيب من شأنهم.

ويجوز أن يريد: ولقد آتيناهم ما آتيناهم ففعلتم ما فعلتم.

ثم وبخهم على ذلك.

ودخول الفاء لعطفه على المقدّر.

فإن قلت: هلا قيل وفريقاً قتلتم؟

قلت: هو على وجهين: أن تراد الحال الماضية، لأنّ الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب، وأن يراد: وفريقاً تقتلونهم بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أني أعصمه منكم.

ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

وقال صلى الله عليه وسلم عند موته: «ما زالت أكلةُ خيبر تعادّني، فهذا أوان قطعت أبهري» ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف، أي هي خلقة وجبلة مغشاة بأغطية لا يتوصل إليها ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ولا تفقهه، مستعار من الأغلف الذي لم يختن، كقولهم: ﴿ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه ﴾ [فصلت: 5] .

ثم ردّ الله أن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة والتمكن من قبول الحق، بأن الله لعنهم وخذلهم بسبب كفرهم، فهم الذين غلفوا قلوبهم بما أحدثوا من الكفر الزائغ عن الفطرة وتسببوا بذلك لمنع الألطاف التي تكون للمتوقع إيمانهم وللمؤمنين ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ فإيماناً قليلاً يؤمنون.

وما مزيدة، وهو إيمانهم ببعض الكتاب.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم.

وقيل: (غلف) تخفيف (غلف) جمع (غلاف)، أي قلوبنا أوعية للعلم فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره.

وروى عن أبي عمرو: قلوبنا غلف، بضمتين ﴿ كتاب مّنْ عِندِ الله ﴾ هو القرآن ﴿ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ من كتابهم لا يخالفه.

وقرئ: ﴿ مصدقاً ﴾ ، على الحال.

فإن قلت: كيف جاز نصبها عن النكرة؟

قلت: إذا وصف النكرة تخصص فصح انتصاب الحال عنه، وقد وصف ﴿ كتاب ﴾ بقوله: ﴿ مِنْ عِندِ الله ﴾ وجواب لما محذوف وهو نحو: كذبوا به، واستهانوا بمجيئه، وما أشبه ذلك ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الذين كَفَرُواْ ﴾ يستنصرون على المشركين، إذا قاتلوهم قالوا: اللَّهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة، ويقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبيّ يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل معنى ﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبيّاً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة، أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم، كالسين في استعجب واستسخر، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليهم ﴿ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ ﴾ من الحق ﴿ كَفَرُواْ بِهِ ﴾ بغياً وحسداً وحرصاً على الرياسة.

﴿ عَلَى الكافرين ﴾ أي عليهم وضعاً للظاهر موضع المضمر للدلالة على أنّ اللعنة لحقتهم لكفرهم.

واللام للعهد.

ويجوز أن تكون للجنس ويدخلوا فيه دخولاً أوّلياً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ أيِ التَّوْراةَ ﴿ وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ أيْ أرْسَلْنا عَلى أثَرِهِ الرُّسُلَ، كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ .

يُقالُ قَفّاهُ إذا تَبِعَهُ، وقَفّاهُ بِهِ إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ مِنَ القَفا، نَحْوَ ذَنْبِهِ مِنَ الذَّنْبِ ﴿ وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ المُعْجِزاتِ الواضِحاتِ كَإحْياءِ المَوْتى وإبْراءِ الأكَمَهِ والأبْرَصِ، والإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ.

أوِ الإنْجِيلَ، وعِيسى بِالعِبْرِيَّةِ أبْشُوعُ.

ومَرْيَمُ بِمَعْنى الخادِمِ، وهو بِالعَرَبِيَّةِ مِنَ النِّساءِ كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، قالَ رُؤْبَةُ: قُلْتُ لِزِيرٍ لَمْ تَصُلْهُ مَرْيَمَهْ.

وَوَزْنُهُ مَفْعَلٌ إذْ لَمْ يَثْبُتُ فَعِيلٌ ﴿ وَأيَّدْناهُ ﴾ وقَوَّيْناهُ، وَقُرِئَ « آيَدْناهُ» بِالمَدِّ ﴿ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ بِالرُّوحِ المُقَدَّسَةِ كَقَوْلِكَ: حاتِمُ الجُودِ، ورَجُلُ صِدْقٍ، وأرادَ بِهِ جِبْرِيلَ.

وَقِيلَ: رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ووَصَفَها بِهِ لِطَهارَتِهِ عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ، أوْ لِكَرامَتِهِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى ولِذَلِكَ أضافَهُ إلى نَفْسِهِ تَعالى، أوْ لِأنَّهُ لَمْ تَضُمَّهُ الأصْلابُ والأرْحامُ الطَّوامِثُ، أوِ الإنْجِيلُ، أوِ اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمِ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ « القُدْسِ» بِالإسْكانِ في جَمِيعِ القُرْآنِ ﴿ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ ﴾ بِما لا تُحِبُّهُ.

يُقالُ هَوِيَ بِالكَسْرِ هَوًى إذا أحَبَّ وهَوى بِالفَتْحِ هُوِيًّا بِالضَّمِّ إذا سَقَطَ.

ووُسِّطَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ الفاءِ وما تَعَلَّقَتْ بِهِ تَوْبِيخًا لَهم عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذاكَ بِهَذا وتَعْجِيبًا مِن شَأْنِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، ﴿ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ عَنِ الإيمانِ واتِّباعِ الرُّسُلِ.

﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ ﴾ كَمُوسى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أوْ لِلتَّفْصِيلِ ﴿ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ كَزَكَرِيّا ويَحْيى عَلَيْهِما السَّلامُ، وإنَّما ذُكِرَ بِلَفْظِ المُضارِعِ عَلى حِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا لَها في النُّفُوسِ، فَإنَّ الأمْرَ فَظِيعٌ.

أوْ مُراعاةً لِلْفَواصِلِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّكم بَعْدُ فِيهِ فَإنَّكم تَحُومُونَ حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ  ، لَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ مِنكُمْ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَمْتُمْ لَهُ الشّاةَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{ولقد آتينا موسى الكتاب} التوراة أتاه جملة {وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل} يقال قفاه إذا اتبعه من القفا نحو ذنبه من الذنب وقفاه به إذا أتبعه إياه يعني وأرسلنا على أثره الكثير من الرسل وهم يوشع واشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم {وآتينا عيسى ابن مريم البينات} هي بمعنى الخادم ووزن مريم عند النحويين مفعل لأن فعيلاً لم يثبت في الأبنية البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص والإخبار بالمغيبات {وأيدناه بِرُوحِ القدس} أي الطهارة وبالسكون حيث كان مكي أي بالروح المقدسة كما

يقال حاتم الجود ووصفها بالقدس للاختصاص والتقريب أو بجبريل عليه السلام لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب وذلك لأنه رفعه إلى السماء حين قصد اليهود قتله أو بالإنجيل كما قال في القرآن رُوحاً مّنْ أَمْرِنَا أو باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره {أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى} تحب {أَنفُسُكُم استكبرتم} تعظمتم عن قبوله {فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ} كعيسى ومحمد عليهما السلام {وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ} كزكريا ويحيى عليهما السلام ولم يقل قتلتم لوفاق الفواصل أو لأن المراد وفريقاً تقتلونه بعد لأنكم تحومون حول قتل محمد عليه السلام لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة والمعنى ولقد آتينا يابنى إسرائيل أنبياءكم ما آتيناهم فكلما جاءكم رسول منهم بالحق استكبرتم عن الإيمان به فوسط بين الفاء وما تعلقت به همزة التوبيخ والتعجب من شأنهم

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ بَعْضٍ آخَرَ مِن جِناياتِهِمْ، وتَصْدِيرُهُ بِالجُمْلَةِ القَسَمِيَّةِ لِإظْهارِ كَمالِ الِاعْتِناءِ بِهِ، والإيتاءُ الإعْطاءُ، والكِتابُ التَّوْراةُ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وهو مَفْعُولٌ ثانٍ (لِآتَيْنا)، وعِنْدَ السُّهَيْلِيِّ مَفْعُولٌ أوَّلُ، والمُرادُ بِإتْيانِها لَهُ إنْزالُها عَلَيْهِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ التَّوْراةَ نَزَلَتْ جُمْلَةً واحِدَةً، فَأمَرَ اللَّهُ تَعالى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَمْلِها، فَلَمْ يُطِقْ، فَبَعَثَ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنها مَلَكًا، فَلَمْ يُطِيقُوا حَمْلَها، فَخَفَّفَها اللَّهُ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَحَمَلَها، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿ آتَيْنا ﴾ إلَخْ، أفْهَمْناهُ ما انْطَوى عَلَيْهِ مِنَ الحُدُودِ والأحْكامِ والأنْباءِ والقِصَصِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ عِلْمَ الكِتابِ، أوْ فَهْمَهُ، ولَيْسَ بِالظّاهِرِ، ﴿ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ يُقالُ: قَفاهُ إذا اتَّبَعَهُ، وقَفّاهُ بِهِ إذا أتْبَعَهُ إيّاهُ، مِنَ القَفا، وأصْلُ هَذِهِ الياءِ واوٌ لِأنَّها مَتى وقَعَتْ رابِعَةً أُبْدِلَتْ كَما تَقُولُ: عَرِيتُ مِنَ العَرْوِ، أيْ أرْسَلْناهم عَلى أثَرِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى ﴾ وكانُوا إلى زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أرْبَعَةَ آلافٍ، وقِيلَ: سَبْعِينَ ألْفًا، وكُلُّهم عَلى شَرِيعَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، مِنهم يُوشَعُ، وشَمْوِيلُ وشَمْعُونُ وداوُدُ، وسُلَيْمانُ واشْعِياءُ، وأرْمِياءُ، وعُزَيْرٌ، وحِزْقِيلُ، وإلْياسُ، واليَسَعُ، ويُونُسُ، وزَكَرِيّا، ويَحْيى وغَيْرُهم عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَرَأ الحَسَنُ ويَحْيى بْنُ يَعْمَرَ (بِالرُّسْلِ) بِتَسْكِينِ السِّينِ، وهو لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، والتَّحْرِيكُ لُغَةُ تَمِيمٍ، ﴿ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ أيِ الحُجَجَ الواضِحَةَ الدّالَّةَ عَلى نُبُوَّتِهِ، فَتَشْمَلُ كُلَّ مُعْجِزَةٍ أُوتِيَها عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو الظّاهِرُ، وقِيلَ: الإنْجِيلُ، وعِيسى أصْلُهُ بِالعِبْرانِيَّةِ إيشُوعُ بِهَمْزَةٍ مُمالَةٍ بَيْنَ بَيْنَ أوْ مَكْسُورَةٍ، ومَعْناهُ السَّيِّدُ، وقِيلَ: المُبارَكُ، فَعُرِّبَ، والنِّسْبَةُ إلَيْهِ عِيسِيٌّ وعِيسَوِيٌّ، وجَمْعُهُ عِيسَوْنَ، بِفَتْحِ السِّينِ، وقَدْ تُضَمُّ، وأفْرَدَهُ عَنِ الرُّسُلِ عَلَيْهِ السَّلامُ لِتَمَيُّزِهِ عَنْهم لِكَوْنِهِ مِن أُولِي العَزْمِ وصاحِبَ كِتابٍ، وقِيلَ: لِأنَّهُ لَيْسَ مُتَّبِعًا لِشَرِيعَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، حَيْثُ نَسَخَ كَثِيرًا مِن شَرِيعَتِهِ، وأضافَهُ إلى أُمِّهِ رَدًّا عَلى اليَهُودِ، إذْ زَعَمُوا أنَّ لَهُ أبًا، ومَرْيَمُ بِالعِبْرِيَّةِ الخادِمُ، وسُمِّيَتْ أُمُّ عِيسى بِهِ، لِأنَّ أُمَّها نَذَرَتْها لِخِدْمَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقِيلَ: العابِدَةُ، وبِالعَرَبِيَّةِ مِنَ النِّساءِ مَن تُحِبُّ مُحادَثَةَ الرِّجالِ، فَهي كالزِّيرِ مِنَ الرِّجالِ، وهو الَّذِي يُحِبُّ مُحادَثَةَ النِّساءِ، وقِيلَ: ولا يُناسِبُ مَرْيَمَ أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا، لِأنَّها كانَتْ بَرِيَّةً عَنْ مَحَبَّةِ مُحادَثَةِ الرِّجالِ، اللَّهُمَّ إلّا أنْ يُقالَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ تَمْلِيحًا، كَما يُسَمّى الأسْوَدُ كافُورًا، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا مانِعَ مِن تَسْمِيَتِها بِذَلِكَ بِناءً عَلى أنَّ شَأْنَ مَن تَخْدُمُ مِنَ النِّساءِ ذَلِكَ، وفي القامُوسِ: هي الَّتِي تُحِبُّ مُحادَثَةَ الرِّجالِ، ولا تَفْجُرُ، وعَلَيْهِ لا بَأْسَ بِالتَّسْمِيَةِ، كَما ذَكَرَهُ المَوْلى عِصامٌ، والأوْلى عِنْدِي أنَّ التَّسْمِيَةَ وقَعَتْ بِالعِبْرِيِّ، لا بِالعَرَبِيِّ، بَلْ يَكادُ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ كَما لا يَخْفى عَلى المُنْصِفِ، وعَنِ الأزْهَرِيِّ: المَرْيَمُ المَرْأةُ الَّتِي لا تُحِبُّ مُجالَسَةَ الرِّجالِ، وكَأنَّهُ قِيلَ لَها ذَلِكَ تَشْبِيهًا لَها بِمَرْيَمَ البَتُولِ، ووَزْنُهُ عَرَبِيًّا مَفْعَلٌ، لا فَعِيلًا، لِأنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ في الأبْنِيَةِ عَلى المَشْهُورِ، وأثْبَتَهُ الصّاغانِيُّ في الذَّيْلِ، وقالَ: إنَّهُ مِمّا فاتَ سِيبَوَيْهِ، ومِنهُ عَثْيَرٌ لِلْغُبارِ وضَهْيَدٌ بِالمُهْمَلَةِ والمُعْجَمَةِ لِلصُّلْبِ، واسْمُ مَوْضِعٍ، ومَدْيَنُ عَلى القَوْلِ بِأصالَةِ مِيمِهِ، وضَهْيا بِالقَصْرِ، وهي المَرْأةُ الَّتِي لا تَحِيضُ، أوْ لا ثَدْيَ لَها مِنَ المُضاهاةِ، كَأنَّها أُطْلِقَ عَلَيْها ذَلِكَ لِمُشابَهَتِها الرَّجُلَ، وابْنُ جِنِّي يَقُولُ: إنَّ (ضَهْيَدَ) (وعَثْيَرَ) مَصْنُوعانِ، فَلا دِلالَةَ فِيهِما عَلى إثْباتِ فَعْيَلٍ، وذَكَرَ السّالِيكُوتِيُّ أنَّ (عِثْيَرَ) بِمَعْنى الغُبارِ بِكَسْرِ العَيْنِ، وإذا كانَ مَفْعَلًا فَهو أيْضًا عَلى خِلافِ القِياسِ، إذِ القِياسُ إعْلالُهُ بِنَقْلِ حَرَكَةِ الياءِ إلى الرّاءِ وقَلْبِها ألِفًا، نَحْوَ مُباعٍ، لَكِنَّهُ شَذَّ كَما شَذَّ مَدْيَنُ ومَزْيَدُ، وإذا كانَ مِن رامَ يَرِيمُ إذا فارَقَ وبَرِحَ فالقِياسُ كَسْرُ يائِهِ أيْضًا، ﴿ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ أيْ قَوَّيْناهُ بِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وإطْلاقُ رُوحِ القُدُسِ عَلَيْهِ شائِعٌ، فَقَدْ قالَ سُبْحانَهُ: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ ﴾ «وقالَ  لِحَسّانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ (اهْجُهم ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ)،» ومَرَّةً قالَ لَهُ: «(وجِبْرِيلُ مَعَكَ)،» وقالَ حَسّانُ: وجِبْرِيلُ ورُوحُ القُدُسِ فِينا ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كِفاءُ والقُدُسُ الطَّهارَةُ والبَرَكَةُ، أوِ التَّقْدِيسُ، ومَعْناهُ التَّطْهِيرُ، والإضافَةُ مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِلْمُبالَغَةِ في الِاخْتِصاصِ، وهي مَعْنَوِيَّةٌ بِمَعْنى اللّامِ، فَإذا أُضِيفَ العِلْمُ كَذَلِكَ يَكُونُ مُؤَوَّلًا بِواحِدٍ مِنَ المُسَمَّيْنِ بِهِ، وقالَ مُجاهِدٌ والرَّبِيعُ: القُدُسُ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ إطْلاقَ الرُّوحِ عَلى جِبْرِيلَ مَجازٌ لِأنَّهُ الرِّيحُ المُتَرَدِّدُ في مَخارِقِ الإنْسانِ، ومَعْلُومٌ أنَّ جِبْرِيلَ لَيْسَ كَذَلِكَ، لَكِنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ مِن حَيْثُ إنَّ الرُّوحَ سَبَبُ الحَياةِ الجِسْمانِيَّةِ، وجِبْرِيلُ سَبَبُ الحَياةِ المَعْنَوِيَّةِ بِالعُلُومِ، وكَأنَّ هَذا الزَّعْمَ نَشَأ مِن كَثافَةِ رُوحِ الزّاعِمِ، وعَدَمِ تَغَذِّيها بِشَيْءٍ مِنَ العُلُومِ، وخُصَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِذِكْرِ التَّأْيِيدِ بِرُوحِ القُدُسِ، لِأنَّهُ تَعالى خَصَّهُ بِهِ مِن وقْتِ صِباهُ إلى حالِ كِبَرِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ تُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا ﴾ ولِأنَّهُ حَفِظَهُ حَتّى لَمْ يَدْنُ مِنهُ الشَّيْطانُ، ولِأنَّهُ بالَغَ اثْنا عَشَرَ ألْفَ يَهُودِيٍّ لِقَتْلِهِ، فَدَخَلَ عِيسى بَيْتًا فَرَفَعَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَكانًا عَلِيًّا، وقِيلَ: الرُّوحُ هُنا اسْمُ اللَّهِ تَعالى الأعْظَمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، ورُوِيَ ذَلِكَ كالأوَّلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الإنْجِيلُ، كَما جاءَ في شَأْنِ القُرْآنِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ وذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبٌ لِلْحَياةِ الأبَدِيَّةِ، والتَّحَلِّي بِالعُلُومِ والمَعارِفِ الَّتِي هي حَياةُ القُلُوبِ، وانْتِظامُ المَعاشِ الَّذِي هو سَبَبُ الحَياةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقِيلَ: رُوحُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ نَفْسِهِ، ووَصَفَها بِهِ لِطَهارَتِها عَنْ مَسِّ الشَّيْطانِ، أوْ لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ تَعالى، ولِذَلِكَ أضافَها إلى نَفْسِهِ، أوْ لِأنَّهُ لَمْ يَضُمَّهُ الأصْلابُ ولا أرْحامُ الطَّوامِثِ بَلْ حَصَلَ مِن نَفْخِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ في دِرْعِ أُمِّهِ، فَدَخَلَتِ النَّفْخَةُ في جَوْفِها، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ (القُدْسِ) بِسُكُونِ الدّالِ، حَيْثُ وقَعَ وأبُو حَيْوَةَ (القُدُّوسِ) بِواوٍ.

﴿ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ مُسَبَّبٌ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا ﴾ بِحَيْثُ لا يَتِمُّ الكَلامُ السّابِقُ بِدُونِهِ كالشَّرْطِ بِدُونِ الجَزاءِ، وقَدْ أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ بَيْنَ السَّبَبِ والمُسَبَّبِ لِلتَّوْبِيخِ عَلى تَعْقِيبِهِمْ ذَلِكَ بِهَذا، والتَّعْجِيبُ مِن شَأْنِهِمْ عَلى مَعْنى: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ وأنْعَمْنا عَلَيْكم بِكَذا وكَذا، لِتَشْكُرُوا بِالتَّلَقِّي بِالقَبُولِ، فَعَكَسْتُمْ بِأنْ كَذَّبْتُمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءُ كَلامٍ، والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: أفَعَلْتُمْ ما فَعَلْتُمْ، فَكُلَّما جاءَكُمْ، ثُمَّ المُقَدَّرُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عِبارَةً عَمّا وقَعَ بَعْدَ الفاءِ، فَيَكُونُ العَطْفُ لِلتَّفْسِيرِ، وأنْ يَكُونَ غَيْرُهُ مِثْلَ أكَفَرْتُمُ النِّعْمَةَ واتَّبَعْتُمُ الهَوى، فَيَكُونُ لِحَقِيقَةِ التَّعْقِيبِ، وضُعِّفَ هَذا الِاحْتِمالُ بِما ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَجازَ وُقُوعُ الهَمْزَةِ في الكَلامِ قَبْلَ أنْ يَتَقَدَّمَهُ ما كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ، ولَمْ تَجِئْ إلّا مَبْنِيَّةً عَلى كَلامٍ مُتَقَدِّمٍ، وفي كَوْنِ الهَمْزَةِ الدّاخِلَةِ عَلى جُمْلَةٍ مَعْطُوفَةٍ بِالواوِ أوِ الفاءِ، أوْ ثُمَّ في مَحَلِّها الأصْلِيِّ، أوْ مُقَدَّمَةً مِن تَأْخِيرٍ حَيْثُ إنَّ مَحَلَّها بَعْدَ العاطِفِ خِلافٌ مَشْهُورٌ بَيْنَ أهْلِ العَرَبِيَّةِ، وبَعْضُ المُحَقِّقِينَ يَحْمِلُها في بَعْضِ المَواضِعِ عَلى هَذا، وفي البَعْضِ عَلى ذَلِكَ بِحَسَبِ مُقْتَضى المَقامِ، ومَساقِ الكَلامِ، والقَلْبُ يَمِيلُ إلَيْهِ، قِيلَ: ولا يَلْزَمُ بُطْلانُ صَدارَةِ الهَمْزَةِ، إذْ لَمْ يَتَقَدَّمْها شَيْءٌ مِنَ الكَلامِ الَّذِي دَخَلَتْ هي عَلَيْهِ، وتَعَلَّقَ مَعْناها بِمَضْمُونِهِ، غايَةُ الأمْرِ أنَّها تَوَسَّطَتْ بَيْنَ كَلامَيْنِ لِإفادَةِ إنْكارِ جَمْعِ الثّانِي مَعَ الأوَّلِ، أوْ لِوُقُوعِهِ بَعْدَهُ مُتَراخِيًا، أوْ غَيْرَ مُتَراخٍ، وهَذا مُرادُ مَن قالَ: إنَّها مُقْحَمَةٌ مَزِيدَةٌ لِتَقْرِيرِ مَعْنى الإنْكارِ، أوِ التَّقْرِيرِ، أيْ مُقْحَمَةٌ عَلى المَعْطُوفِ مَزِيدَةٌ بَعْدَ اعْتِبارِ عَطْفِهِ، ولَمْ يَرِدْ أنَّها صِلَةٌ، (وتَهْوى) مِن هَوِيَ بِالكَسْرِ، إذا أحَبَّ، ومَصْدَرُهُ هَوًى، بِالقَصْرِ، وأمّا هَوى بِالفَتْحِ فَبِمَعْنى سَقَطَ، ومَصْدَرُهُ هُوِيٌّ بِالضَّمِّ، وأصْلُهُ فَعُولٌ فَأُعِلَّ، وقالَ المَرْزُوقِيُّ: هَوى انْقَضَّ انْقِضاضَ النَّجْمِ والطّائِرِ، والأصْمَعِيُّ يَقُولُ: هَوَتِ العُقابُ إذا انْقَضَّتْ لِغَيْرِ الصَّيْدِ، وأهْوَتْ إذا انْقَضَّتْ لِلصَّيْدِ، وحَكى بَعْضُهم أنَّهُ يُقالُ: هَوى يَهْوِي هَوِيًّا بِفَتْحِ الهاءِ، إذا كانَ القَصْدُ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وهَوى يَهْوِي هُوِيًّا بِالضَّمِّ إذا كانَ مِن أسْفَلَ إلى أعْلى، وما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو المَشْهُورُ، والهَوى يَكُونُ في الحَقِّ وغَيْرِهِ، وإذا أُضِيفَ إلى النَّفْسِ، فالمُرادُ بِهِ الثّانِي في الأكْثَرِ، ومِنهُ هَذِهِ الآيَةُ، وعَبَّرَ عَنِ المَحَبَّةِ بِأنَّ مَدارَ الرَّدِّ والقَبُولِ عِنْدَهم هو المُخالَفَةُ لِأهْواءِ أنْفُسِهِمْ، والمُوافَقَةُ لَها، لا شَيْءَ آخَرَ، ومُتَعَلِّقُ (اسْتَكْبَرْتُمْ) مَحْذُوفٌ، أيْ عَنِ الإيمانِ بِما جاءَ بِهِ مَثَلًا، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى تَفَعَّلَ.

﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ عَطْفٌ عَلى ﴿ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ والفاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ إنْ كانَ التَّكْذِيبُ والقَتْلُ مُرَتَّبَيْنِ عَلى الِاسْتِكْبارِ، ولِلتَّفْصِيلِ إنْ كانا نَوْعَيْنِ مِنهُ، وجَوَّزَ الرّاغِبُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى ﴿ وأيَّدْناهُ ﴾ ويَكُونُ ﴿ أفَكُلَّما ﴾ مَعَ ما بَعْدَهُ فَصْلًا بَيْنَهُما عَلى سَبِيلِ الإنْكارِ، وقَدَّمَ فَرِيقًا في المَوْضِعَيْنِ لِلِاهْتِمامِ، وتَشْوِيقِ السّامِعِ إلى ما فَعَلُوا بِهِمْ، لا لِلْقَصْرِ، وثَمَّ مَحْذُوفٌ: أيْ فَرِيقًا مِنهُمْ، وبَدَأ بِالتَّكْذِيبِ لِأنَّهُ أوَّلُ ما يَفْعَلُونَهُ مِنَ الشَّرِّ، ولِأنَّهُ المُشْتَرِكُ بَيْنَ المُكَذِّبِ والمَقْتُولِ، ونُسِبَ القَتْلُ إلَيْهِمْ مَعَ أنَّ القاتِلَ آباؤُهم لِرِضاهم بِهِ، ولِحُوقِ مَذَمَّتِهِ بِهِمْ، وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ حِكايَةً لِلْحالِ الماضِيَةِ، واسْتِحْضارًا لِصُورَتِها لِفَظاعَتِها، واسْتِعْظامِها، أوْ مُشاكَلَةً لِلْأفْعالِ المُضارِعَةِ الواقِعَةِ في الفَواصِلِ، فِيما قَبْلُ، أوْ لِلدِّلالَةِ عَلى أنَّكُمُ الآنَ فِيهِ، فَإنَّكم حَوْلَ قَتْلِ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، ولَوْلا أنِّي أعْصِمُهُ لَقَتَلْتُمُوهُ، ولِذَلِكَ سَحَرْتُمُوهُ وسَمَّمْتُمْ لَهُ الشّاةَ، فالمُضارِعُ لِلْحالِ، ولا يُنافِيهِ قَتْلُ البَعْضِ، والمُرادُ مِنَ القَتْلِ مُباشَرَةُ الأسْبابِ المُوجِبَةِ لِزَوالِ الحَياةِ سَواءٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ، أوْ لا، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى التَّعْمِيمِ، لِأنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قُتِلَ حَقِيقَةً بِالسُّمِّ الَّذِي ناوَلُوهُ عَلى ما وقَعَ في الصَّحِيحِ بِلَفْظِ: «(وهَذا أوانُ وجَدْتُ انْقِطاعَ أبْهَرِي مِن ذَلِكَ السُّمِّ)،» وفِيهِ أنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ مِنهُمُ القَتْلُ زَمانَ نُزُولِ الآيَةِ، بَلْ مُباشَرَةُ الأسْبابِ فَلا بُدَّ مِنَ التَّعْمِيمِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ، أي أعطينا موسى التوراة جملة واحدة ويقال: الألواح وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ، أي أتبعنا وأردفنا، معناه: أرسلنا رسولاً على أثر رسول.

يقال: قفوت الرجل إذا ذهبت في أثره.

وَآتَيْنا أي أعطينا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ، أي الآيات والعلامات مثل: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ.

قرأ ابن كثير الْقُدُسِ بسكون الدال، وقرأ الباقون الْقُدُسِ برفع الدال ومعناهما واحد، أي إغاثة بجبريل حين أرادوا قتله فرفعه إلى السماء.

وقال بعضهم: أيدناه أي قويناه وأعناه باسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى.

أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ يقول: بما لا يوافق هواكم اسْتَكْبَرْتُمْ، تعظمتم عن الإيمان.

قال الزجاج: معناه أنفتم أن تكونوا له أتباعاً.

لأنهم كانت لهم رئاسة وكانوا متبوعين، فلم يؤمنوا مخافة أن تذهب عنهم الرياسة.

فقال تعالى: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ، مثل عيسى ابن مريم ومحمد- صلى الله عليهم وعلى جميع الأنبياء وسلم- وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ، مثل يحيى وزكريا عليهما السلام.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً ما يُؤْمِنُونَ (٨٨)

وقوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ ...

الآية: جعل اللَّه ترك الآخرةِ، وأخْذَ الدنيا عوضاً عنها، مع قدرتهم على التمسُّك بالآخرة- بمنزلة من أخذها، ثم باعها بالدنيا، فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ، في الآخرة، وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ لا في الدنيا، ولا في الآخرة.

ص «١» : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ: «اللام» في «لَقَدْ» : يحتمل أن تكون توكيداً، ويحتمل أن تكون جواب قسم، وموسى هو المفعول الأول، والكتاب الثانِي، وعكس السّهيليّ.

ومَرْيَمَ: معناه في السُّرْيانية: الخَادَم، وسميت به أمُّ عيسى، فصار علما عليها.

انتهى.

والْكِتابَ: التوراةُ.

وَقَفَّيْنا: مأخوذ من القَفَا تقول: قَفَيْتُ فُلاَناً بِفُلاَنٍ، إِذا جئْتَ به من قبل قَفَاه، ومنه: قَفَا يَقْفُو، إِذا اتبع، وكلُّ رسول جاء بعد موسى، فإِنما جاء بإِثبات التوراة، والأمر بلزومها إلى عيسَى- عليهم السلام-.

والْبَيِّناتِ: الحججُ التي أعطاها اللَّه عيسى.

وقيل: هي آياته من إحياء، وإبراء، وخَلْق طَيْرٍ، وقيل: هي الإِنجيل، والآية تعم ذلك.

وَأَيَّدْناهُ: معناه: قويْناه، والأَيْدُ القوة.

قال ابن عبَّاس: رُوح القدس: هو الاسم الذي كان يُحْيِي به الموتى «٢» ، وقال ابن زِيْد: هو الإِنجيل كما سمَّى اللَّه تعالَى القرآن رُوحاً «٣» ، وقال السُّدِّيُّ، والضّحّاك،

والربيع، وقتادة: بِرُوحِ الْقُدُسِ: جبريلُ- عليه السلام «١» - وهذا أصحُّ الأقوال، وقد قال النبيّ صلّى الله عليه وسلم لِحَسَّان: «اهج قُرَيْشاً، وَرُوحُ القُدُسِ مَعكَ» «٢» ومرةً قال له: «وجبريل معك» ، وفَكُلَّما: ظرف والعامل فيه: اسْتَكْبَرْتُمْ، وظاهر الكلامِ الاستفهامُ، ومعناه التوبيخُ روي أن بني إِسرائيل كانوا يقتلون في اليومِ ثلاثمائة نبيٍّ، ثم تقوم سوقُهم آخر النهار، وروي سبعين نبيًّا، ثم تقومُ سوق بَقْلِهِمْ آخر النهار.

والهوى أكثر ما يستعمل فيما ليس بحقٍّ، وهو في هذه الآية من ذلك لأنهم إنما كانوا يَهْوَوْنَ الشهوات، ومعنى: قُلُوبُنا غُلْفٌ، أي: عليها غشاوات، فهي لا تفقه، قاله ابن عبَّاس.

ثم بيَّن تعالى سبب نُفُورهم عن الإِيمان إِنما هو أنهم لُعِنُوا بما تقدَّم من كفرِهِم واجترامهم، وهذا هو الجزاء على الذنْبِ بذنْب أعظم منه، واللعن: الإبعاد والطرد.

وفَقَلِيلًا: نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، تقديره: فإِيماناً قَلِيلاً مَّا يؤمنون، والضمير في «يؤمنون» لحاضري محمّد صلّى الله عليه وسلم منْهُمْ ومَا في قوله: مَّا يُؤْمِنُونَ زائدةٌ موكّدة «٣» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يُرِيدُ التَّوْراةَ.

وقَفَّيْنا: أتْبَعْنا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا.

يُقالُ: قَفَوْتُ الرَّجُلَ: إذا سِرْتُ في أثَرِهِ.

والبَيِّناتُ: الآَياتُ والواضِحاتُ كَإبْراءِ الأكْمَهِ والأبْرَصِ، وإحْياءِ المَوْتى.

وأيَّدْناهُ: قَوَّيْناهُ.

والأيْدُ: القُوَّةُ.

وَفِي رُوحِ القُدُسِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ جِبْرِيلُ.

والقُدْسُ: الطَّهارَةُ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، والسُّدِّيِّ، في آَخَرِينَ.

وكانَ ابْنُ كَثِيرٍ يَقْرَأُ: (بِرُوحِ القُدْسِ) ساكِنَةَ الدّالِ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: التَّخْفِيفُ والتَّثْقِيلُ فِيهِ حَسَنانِ، نَحْوُ: العُنْقُ والعُنُقُ، والطُّنْبُ والطُّنُبُ.

وَفِي تَأْيِيدِهِ بِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

ذَكَرَها الزَّجّاجُ.

أحَدُها: أنَّهُ أيَّدَ بِهِ ظاهِرَ حُجَّتِهِ وأمْرَ دِينِهِ.

.

والثّانِي: لِدَفْعِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْهُ إذْ أرادُوا قَتْلَهُ.

والثّالِثُ: أنَّهُ أيَّدَ بِهِ في جَمِيعِ أحْوالِهِ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ الِاسْمُ الَّذِي كانَ يُحْيِي بِهِ المَوْتى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ الإنْجِيلُ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُنْيا بِالآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ ولا هم يُنْصَرُونَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُسُلِ وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ ﴿ وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ ﴾ جَعَلَ اللهُ تَرْكَ الآخِرَةِ، وأخَذَ الدُنْيا مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلى التَمَسُّكِ بِالآخِرَةِ بِمَنزِلَةِ مَن أخَذَها ثُمَّ باعَها بِالدُنْيا، وهَذِهِ النَزْعَةُ صَرَفَها مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ في فِقْهِ البُيُوعِ، إذْ لا يَجُوزُ الشِراءُ عَلى أنْ يَخْتارَ المُشْتَرِي في كُلِّ ما تَخْتَلِفُ صِفَةُ آحادِهِ، ولا يَجُوزُ فِيهِ التَفاضُلُ كالحِجَلِ المَذْبُوحَةِ وغَيْرِها، ولا يُخَفَّفُ عنهُمُ العَذابُ في الآخِرَةِ، ولا يُنْصَرُونَ لا في الدُنْيا ولا في الآخِرَةِ، "والكِتابَ" التَوْراةُ ونَصْبُهُ عَلى المَفْعُولِ الثانِي لـ "آتَيْنا"، و"قَفَّيْنا" مَأْخُوذٌ مِنَ القَفا، تَقُولُ: قَفَيْتُ فُلانًا بِفُلانٍ إذا جِئْتُ بِهِ مِن قِبَلِ قَفاهُ، ومِنهُ قَفا يَقْفُو إذا اتَّبَعَ، وهَذِهِ الآيَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ثُمَّ أرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرى  ﴾ ، وكُلُّ رَسُولٍ جاءَ بَعْدَ مُوسى فَإنَّما جاءَ بِإثْباتِ التَوْراةِ والأمْرُ بِلُزُومِها إلى عِيسى عَلَيْهِ السَلامُ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ويَحْيى بْنُ يَعْمُرَ: "بِالرُسْلِ" ساكِنَةَ السِينِ، ووافَقَهُما أبُو عَمْرٍو إذا انْضافَ ذَلِكَ إلى ضَمِيرٍ نَحْوُ: رُسْلُنا ورُسْلُهم.

و"البَيِّناتِ" الحُجَجُ الَّتِي أعْطاها اللهُ عِيسى، وقِيلَ: هي آياتُهُ مِن إحْياءٍ، وإبْراءٍ، وخَلْقِ طَيْرٍ، وقِيلَ: هي الإنْجِيلُ، والآيَةُ تَعُمُّ جَمِيعَ ذَلِكَ.

"وَأيَّدْناهُ" مَعْناهُ قَوَّيَّناهُ، والأيْدِ القُوَّةُ.

وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ، والأعْرَجُ، وحُمَيْدُ "آيَدْناهُ".

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ومُجاهِدٌ: "رُوحُ القُدْسِ" بِسُكُونِ الدالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ القافِ والدالِ، وفِيهِ لُغَةُ فَتْحِهِما، وقَرَأ أبُو حَيْوَةَ "بِرُوحِ القُدُسِ" بِواوٍ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: رُوحُ القُدُسِ": هو الِاسْمُ الَّذِي بِهِ كانَ يُحْيِي المَوْتى.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الإنْجِيلُ، كَما سَمّى اللهُ تَعالى القُرْآنُ رُوحًا.

وقالَ السُدِّيُّ، والضَحّاكُ، والرَبِيعُ، وقَتادَةُ: "رُوحُ القُدُسِ" جِبْرِيلُ  ، وهَذا أصَحُّ الأقْوالِ، وقَدْ «قالَ النَبِيُّ  لِحَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: اهْجُ قُرَيْشًا، ورُوحُ القُدُسِ مَعَكَ، ومَرَّةً قالَ لَهُ: وجِبْرِيلُ مَعَكَ»، وقالَ الرَبِيعُ، ومُجاهِدٌ: "القُدُسِ" اسْمٌ مِن أسْماءِ اللهِ تَعالى كالقُدُّوسِ، والإضافَةُ عَلى هَذا إضافَةُ المَلِكِ إلى المالِكِ، وتَوَجَّهَتْ لِما كانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَلامُ مِن عِبادِ اللهِ تَعالى، وقِيلَ: "القُدُسِ" الطَهارَةُ، وقِيلَ: القُدُسُ البَرَكَةُ.

و"كُلَّما" ظَرْفٌ، والعامِلُ فِيهِ "اسْتَكْبَرْتُمْ"، وظاهِرُ الكَلامِ الِاسْتِفْهامُ ومَعْناهُ التَوْبِيخُ والتَقْرِيرُ، ويَتَضَمَّنُ أيْضًا الخَبَرُ عنهُمْ، والمُرادُ بِهَذِهِ الآيَةِ بَنُو إسْرائِيلَ.

ويُرْوى أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا يَقْتُلُونَ في اليَوْمِ ثَلاثَمِائَةَ نَبِيٍّ، ثُمَّ تَقُومُ سُوقُهم آخِرُ النَهارِ، ورُوِيَ: سَبْعِينَ نَبِيًّا ثُمَّ تَقُومُ سُوقُ بَقْلِهِمْ آخِرُ النَهارِ، وفي "تَهْوى" ضَمِيرٌ مِن صِلَةِ "ما" لِطُولِ اللَفْظِ.

والهَوى أكْثَرُ ما يُسْتَعْمَلُ فِيما لَيْسَ بِحَقٍّ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن ذَلِكَ، لِأنَّهم إنَّما كانُوا يَهْوُونَ الشَهَواتِ، وقَدْ يُسْتَعْمَلُ في الحَقِّ، ومِنهُ «قَوْلُ عَمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ في قِصَّةِ أسْرى بَدْرٍ: فَهَوى رَسُولُ اللهِ  ما قالَ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَهْوَ ما قُلْتُ» واسْتَكْبَرْتُمْ مِنَ الكِبَرِ، و"فَرِيقًا" مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ.

وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ: "غُلْفٌ" بِإسْكانِ اللامِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ أُغْلُفٍ مِثْلُ حُمْرٍ وصُفْرٍ، والمَعْنى قُلُوبُنا عَلَيْها غُلْفٌ وغِشاوَةٌ فَهي لا تَفْقَهُ.

قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى عَلَيْها طابَعٌ.

وقالَتْ طائِفَةٌ: غُلْفٌ بِسُكُونِ اللامِ جَمْعُ غُلافِ أصْلُهُ غُلُّفٌ بِتَثْقِيلِ اللامِ فَخُفِّفَ.

وهَذا قَلَّما يُسْتَعْمَلُ إلّا في الشِعْرِ.

وقَرَأ الأعْمَشُ، والأعْرَجُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "غُلُّفٌ" بِتَثْقِيلِ اللامِ جَمْعُ غُلافٍ، ورُوِيَتْ عن أبِي عَمْرٍو، فالمَعْنى.

هي أوعِيَةٌ لِلْعِلْمِ والمَعارِفِ بِزَعْمِهِمْ، فَهي لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ.

وقِيلَ: المَعْنى فَكَيْفَ يَعْزُبُ عنها عِلْمُ مُحَمَّدٍ  ؟

فَرَدَّ اللهُ تَعالى عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ ، و"بَلْ" في هَذِهِ الآيَةِ نَقْضٌ لِلْأوَّلِ، وإضْرابٌ عنهُ، ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى أنَّ السَبَبَ في نُفُورِهِمْ عَنِ الإيمانِ إنَّما هو أنَّهم لُعِنُوا بِما تَقَدَّمَ مِن كُفْرِهِمْ واجْتِرامِهِمْ، وهَذا هو الجَزاءُ عَلى الذَنْبِ فالذَنْبُ أعْظَمُ مِنهُ، واللَعْنُ الإبْعادُ والطَرْدُ.

و"قَلِيلًا" نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: فَإيمانًا قَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ، والضَمِيرُ في "يُؤْمِنُونَ" لِحاضِرِي مُحَمَّدٍ  ، ويَتَّجِهُ قِلَّةُ هَذا الإيمانِ، إمّا لِأنَّ مَن آمَنُ بِمُحَمَّدٍ مِنهم قَلِيلٌ، فَيَقِلُّ لِقِلَّةِ الرِجالِ، قالَ هَذا المَعْنى قَتادَةُ، وإمّا لِأنَّ وقْتَ إيمانِهِمْ عِنْدَ ما كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِهِ قَبْلَ مَبْعَثِهِ قَلِيلٌ، إذْ قَدْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ، وإمّا لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم بَعْدَ كُفْرِهِمْ غَيْرُ التَوْحِيدِ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، إذْ هم مُجَسِّمُونَ، فَقَدْ قَلَّلُوهُ بِجَحْدِهِمُ الرَسُولَ، وتَكْذِيبِهِمُ التَوْراةَ، فَإنَّما يَقِلُّ مِن حَيْثُ لا يَنْفَعُهم كَذَلِكَ، وعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَجِيءُ التَقْدِيرُ: فَإيمانًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ: فَوَقْتًا قَلِيلًا، وعَلى الَّذِي قَبْلَهُ فَعَدَدًا مِنَ الرِجالِ قَلِيلًا، و"ما" في قَوْلِهِ: ما يُؤْمِنُونَ زائِدَةٌ مُؤَكَّدَةٌ، و"قَلِيلًا" نُصِبَ بِـ" يُؤْمِنُونَ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

انتقال من الإنحاء على بني إسرائيل في فعالهم مع الرسول موسى عليه السلام بما قابلوه به من العصيان والتبرم والتعلل في قبول الشريعة وبما خالفوا من أحكام التوراة بعد موته إلى قرب مجيء الإسلام إلى الإنحاء عليهم بسوء مقابلتهم للرسل الذين أتوا بعد موسى مثل يوشع وإلياس وأرمياء وداوود مؤيدين لشريعته ومفسرين وباعثين للأمة على تجديد العمل بالشريعة مع تعدد هؤلاء الرسل واختلاف مشاربهم في الدعوة لذلك المقصد من لين وشدة، ومن رغبة ورهبة، ثم جاء عيسى مؤيداً وناسخاً ومبشراً فكانت مقابلتهم لأولئك كلهم بالإعراض والاستكبار وسوء الصنيع وتلك أمارة على أنهم إنما يعرضون عن الحق لأجل مخالفة الحق أهواءَهم وإلا فكيف لم يجدوا في خلال هاته العصور ومن بين تلك المشارب ما يوافق الحق ويتمحض للنصح.

وإن قوماً هذا دأبهم يرثه الخلف عن السلف لجديرون بزيادة التوبيخ ليكون هذا حجة عليهم في أن تكذيبهم للدعوة المحمدية مكابرة وحسد حتى تنقطع حجتهم إذ لو كانت معاندتهم للإسلام هي أُولى فعلاتهم لأوهموا الناس أنهم ما أعرضوا إلا لِمَا تبين لهم من بطلان فكان هذا مرتبطاً بقوله: ﴿ وآمنوا بما أنزلت مصدقاً ﴾ [البقرة: 41] ومقدمة للإنحاء عليهم في مقابلتهم للدعوة المحمدية الآتي ذكرها في قوله تعالى: ﴿ وقالوا قلوبنا غُلف ﴾ [البقرة: 88].

فقوله تعالى: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ تمهيد للمعطوف وهو قوله: ﴿ وقفَّينا من بعده بالرسل ﴾ الذي هو المبني عليه التعجب في قوله: ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ فقوله: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ تمهيد التمهيد وإلا فهو قدعُلم من الآيات السابقة فلا مقتضى للإعلام به استقلالاً هنا ولكنه ذكر ليبنى عليه ما بعده فكأنه تحصيل لما تقدم أي ولقد كان ما كان مما تقدم وهو إيتاء موسى الكتاب وقفينا أيضاً بعده بالرسل فهو كالعلاوة أو كقول القائل هذا وقد كان كذا.

و (قفى) مضاعف قفا تقول قفوت فلاناً إذا جئت في إثره لأنك حينئذ كأنك تقصد جهة قفاه فهومن الأفعال المشتقة من الجوامد مثل جبهه، فصار المضاعف قفاه بفلان تقفية وذلك أنك جعلته مأموراً بأن يقفو بجعل منك لا من تلقاء نفسه أي جعلته يقفوه غيره ولكون المفعول واحداً جعلوا المفعول الثاني عند التضعيف متعلقاً بالفعل بباء التعدية لئلا يلتبس التابع بالمتبوع فقالوا: قفَّى زيداً بعمرو عوض أن يقولوا: قفى زيداً عمراً.

فمعنى ﴿ قفينا من بعه بالرسل ﴾ أرسلنا رسلاً وقد حذف مفعول ﴿ قفينا ﴾ للعلم به وهو ضمير موسى.

وقوله: ﴿ من بعده ﴾ أي من بعد ذهابه أي موته، وفيه إيماء إلى التسجيل على اليهود بأن مجيء الرسل بعد موسى ليس ببدع.

والجمع في الرسل للعدد والتعريف للجنس وهو مراد به التكثير قاله صاحب «الكشاف» أي لأن شأن لفظ الجنس المعرف إذا لم يكن عهد أن يدل على الاستغراق فلما كان الاستغراق هنا متعذراً دل على التكثير مجازاً لمشابهة الكثير بجميع أفراد الجنس كقولك لم يبق أحد في البلد لم يشهد الهلال إذا شهده جماعات كثيرة وهو قريب من معنى الاستغراق العرفي.

وسمي أنبياء بني إسرائيل الذين من بعد موسى رسلاً مع أنهم لم يأتوا بشرع جديد اعتباراً بأن الله لما أمرهم بإقامة التوراة وتفسيرها والتفريع منها فقد جعل لهم تصرفاً شرعياً وبذلك كانوا زائدين على مطلق النبوة التي لا تعلق لها بالتشريع لا تأصيلاً ولا تفريعاً.

وقال الباقلاني فيما نقله عنه الفخر: لا بد أن يكون هؤلاء الرسل جاءوا بشرع جديد ولو مع المحافظة على الشرع الأول أو تجديد ما اندرس منه وهو قريب مما قلناه قال تعالى: ﴿ وإن إلياس لمن المرسلين ﴾ [الصافات: 123] وقال: ﴿ وإن يونس لمن المرسلين ﴾ [الصافات: 139] وما كان عيسى عليه السلام إلا مثلهم في أنه ما أتى بأحكام جديدة إلا شيئاً قليلاً وخص عيسى بالذكر من بين سائر الأنبياء الذين جاءوا بعد موسى زيادة في التنكيل على اليهود لأنهم يكفرون به ويكذبونه ولذلك أيضاً خصه بقوله: ﴿ وأيدناه بروح القدس ﴾ ولأن من جاء بعد موسى من الرسل لم يخبروا أن جبريل جاءهم بوحي وعيسى كان أوسع منهم في الرسالة.

وعيسى اسم معرب من يشوع أو يسوع وهو اسم عيسى ابن مريم قلبوه في تعريبه قلباً مكانياً ليجري على وزن خفيف كراهية اجتماع ثقل العجمة وثقل ترتيب حروف الكلمة فإن حرفي علة في الكلمة وشيناً والختم بحرف حلق لا يجري هذا التنظيم على طبيعة ترتيب الحروف مع التنفس عند النطق بها فقدموا العين لأنها حلقية فهي مبدأ النطق ثم حركوا حروفه بحركات متناسبة وجعلوا شينه المعجمة الثقيلة سيناً مهملة فلله فصاحة العربية.

ومعنى يشوع بالعبرانية السيد أو المبارك.

ومريم هي أم عيسى وهذا اسمها بالعبرانية نقل للعربية على حاله لخفته ولا معنى لمريم في العربية غير العلمية إلا أن العرب المتنصرة عاملوه معاملة الصفة في معنى المرأة المتباعدة عن مشاهدة النساء لأن هاته الصفة اشتهرت بها مريم إذ هي أول امرأة عبرانية خدمت بيت المقدس فلذلك يقولون امرأةٌ مريمٌ أي معرضة عن صفات النساء كما يقولون رجل حاتم بمعنى جواد وذلك معلوم منهم في الأعلام المشتهرة بالأوصاف ولذلك قال رؤبة: قلت لزيرٍ لم تزره مريمه *** فليس هو مشتقاً من رام يريم كما قد يتوهم.

وينبغي أن يكون وزنها فعيل بفتح الفاء وإن كان نادراً.

وعيسى عليه السلام هوابن مريم كونه الله في بطنها بدون مس رجل، وأمه مريم ابنة عمران من سبط يهوذا.

ولد عيسى في مدة سلطنة أغسطس ملك رومية وفي مدة حكم هيرودس على القدس من جهة سلطان الرومان وذلك في سنة 430 عشرين وستمائة قبل الهجرية المحمدية، وكانت ولادته بقرية تعرف ببيت لحم اليهودية، ولما بلغ ثلاثين سنة بعث رسولاً إلى بني إسرائيل وبقي في الدنيا إلى أن بلغ سنه ثلاثاً وثلاثين سنة.

وأما مريم أمه فهي مريم ابنة عمران بن ماثان من سبط يهوذا ولدت عيسى وهي ابنة ثلاث عشرة سنة فتكون ولادتها في سنة ثلاث عشرة قبل ميلاد عيسى وتوفيت بعد أن شاخت ولا تعرف سنة وفاتها، وكان أبوها مات قبل ولادتها فكفلها زكرياء من بني أبيا وهو زوج اليصابات خالة مريم وكان كاهناً من أحبار اليهود كما سيأتي في سورة آل عمران.

والبينات صفة لمحذوف أي الآيات والمعجزات الواضحات، ﴿ وأيدناه ﴾ قويناه وشددنا عضده ونصرناه وهو مشتق من اسم جامد وهو اليد فأيد بمعنى جعله ذا يد واليد مجاز في القوة والقدرة فوزن أيد أفعل، ولك أن تجعله مشتقاً من الأيد وهو القوة فوزنه فعل.

والتأييد التقوية والإقدار على العمل النفسي وهو مشتق من الأيد وهو القوة قال تعالى: ﴿ واذكر عبدنا داود ذا الأيد ﴾ [ص: 17] والأيد مشتق من اليد لأنها آلة القدرة والأحسن أن يكون مشتقاً من اليد أي جعله ذا يد أي قوة، والمراد هنا قوة معنوية وهي قوة الرسالة وقوة الصبر على أذى قومه وسيأتي في الأنفال (62) قوله؛ ﴿ وهو الذي أيدك بنصره ﴾ والروح جوهر نوراني لطيف أي غير مدرك بالحواس فيطلق على النفس الإنساني الذي به حياة الإنس، ولا يطلق على ما به حياة العجماوات إلا لفظ نفس، قال تعالى: ﴿ ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ﴾ [الإسراء: 85] ويطلق على قوة من لدن الله تعالى يكون بها عمل عجيب ومنه قوله: ﴿ فنفخنا فيها من روحنا ﴾ [التحريم: 12]، ويطلق على جبريل كما في قوله: ﴿ نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين ﴾ [الشعراء: 193، 194] وهو المراد في قوله تعالى: ﴿ تنزل الملائكة والروح فيها ﴾ [القدر: 4] وقوله: ﴿ يوم يقوم الروح والملائكة ﴾ [النبأ: 38].

والقدس بضمتين وبضم فسكون مصدر أو اسم مصدر بمعنى النزاهة والطهارة.

والمقدس المطهر وتقدم في قوله تعالى: ﴿ ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك ﴾ [البقرة: 30].

وروح القدس روح مضاف إلى النزاهة فيجوز أن يكون المراد به الروح الذي نفخ الله في بطن مريم فتكوّن منه عيسى وإنما كان ذلك تأييداً له لأن تكوينه في ذلك الروح اللدني المطهر هو الذي هيأه لأن يأتي بالمعجزات العظيمة، ويجوز أن يكون المراد به جبريل والتأييد به ظاهر لأنه الذي يأتيه بالوحي وينطق على لسانه في المهد وحين الدعوة إلى الدين وهذا الإطلاق أظهر هنا، وفي الحديث الصحيح " إن روح القدس نفث في روعي أن نفساً لن تموت حتى تستوفي أجلها " وعلى كلا الوجهين فإضافة (روح) إلى (القدس) إما من إضافة ما حقه أن يكون موصوفاً إلى ما حقه أن تشتق منه الصفة ولكن اعتبر طريق الإضافة إلى ما منه اشتقاق الصفة لأن الإضافة أدل على الاختصاص بالجنس المضاف إليه لاقتضاء الإضافة ملابسة المضاف بالمضاف إليه وتلك الملابسة هنا تؤول إلى التوصيف وإلى هذا قال التفتزاني في «شرح الكشاف» وأنكر أن يكون المضاف إليه في مثله صفة حقيقة حتى يكون في الوصف بالمصدر.

وقوله تعالى: ﴿ أفكلما جاءكم رسول ﴾ هو المقصود من الكلام السابق، وما قبله من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ تمهيد له كما تقدم، فالفاء للسببية والاستفهام للتعجيب من طغيانهم ومقابلتهم جميع الرسل في جميع الأزمان بمقابلة واحدة ساوى فيها الخلف السلف مما دل على أن ذلك سجية في الجميع.

وتقديم همزة الاستفهام على حرف العطف المفيد للتشريك في الحكم استعمال متبع في كلام العرب وظاهره غريب لأنه يقتضي أن يكون الاستفهام متسلطاً على العاطف والمعطوف وتسلط الاستفهام على حرف العطف غريب فلذلك صرفه علماء النحو عن ظاهره ولهم في ذلك طريقتان: إحداهما طريقة الجمهور قالوا: همزة الاستفهام مقدمة من تأخير وقد كان موقعها بعد حرف العطف فقدمت عليه لاستحقاق الاستفهام التصدير في جملته، وإنما خصوا التقديم بالهمزة دون غيرها من كلمات الاستفهام لأن الهمزة متأصلة في الاستفهام إذ هي الحرف الموضوع للاستفهام الأكثر استعمالاً فيه، وأما غيرها فكلمات أشربت معنى الاستفهام منها ما هو اسم مثل (أين)، ومنها حرف تحقيق وهو (هل) فإنه بمعنى قد فلما كثر دخول همزة الاستفهام عليه حذفوا الهمزة لكثرة الاستعمال فأصل هل فعلت أهل فعلت فالتقدير فأكلما جاءكم رسول فقلب، وقيل: أفكلما جاءكم رسول فعلى هذه الطريقة يكون الاستفهام معطوفاً وتكون الجملة معطوفة على التي قبلها أو معطوفة على محذوف بحسب ما يسمح به المقام.

الطريقة الثانية طريقة صاحب «الكشاف» وفي «مغني اللبيب» أن الزمخشري أول القائلين بها وادعى الدماميني أن الزمخشري مسبوق في هذا ولم يعين من سبقه فإنه قد جوز طريقة الجمهور وجوز أن تكون همزة الاستفهام هي مبدأ الجملة وأن المستفهم عنه محذوف دل عليه ما عطف عليه بحرف العطف والتقدير في مثله أتكذبونهم فكلما جاءكم رسول إلخ.

وعلى هذه الطريقة تكون الجملة استفهامية مستأنفة محذوفاً بقيتها ثم عطف عليها ما عطف، ولا أثر لهذا إلا في اختلاف الاعتبار والتقدير فأما معنى الكلام فلا يتغير على كلا الاعتبارين لأن العطف والاستفهام كليهما متوجهان إلى الجملة الواقعة بعدهما.

والظاهر من كلام صاحب «الكشاف» في هذه الآية وفي قوله تعالى في سورة آل عمران (165): ﴿ أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها ﴾ أن الطريقتين جائزتان في جميع مواقع الاستفهام مع حرف العطف وهو الحق وأما عدم تعرضه لذلك عند آيات ﴿ أفتطمعون أن يؤمنوا لكم ﴾ [البقرة: 75] ﴿ أفلا تعقلون ﴾ [البقرة: 44].

﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب ﴾ [البقرة: 85] فيما مضى من هذه السورة فذلك ذهول منه وقد تداركه هنا.

وعندي جواز طريقة ثالثة وهي أن يكون الاستفهام عن العطف والمعنى أتزيدون على مخالفاتكم استكباركم كلما جاءكم رسول إلخ وهذا متأت في حروف التشريك الثلاثة كما تقدم من أمثلة الواو والفاء وكقوله تعالى: ﴿ أثم إذا ما وقع آمنتم به ﴾ في سورة يونس (51) وقوله النابغة: أثم تَعذَّران إلى منها *** فإني قد سمعتُ وقد رأيتُ وقد استقريت هذا الاستعمال فوجدت مواقعه خاصة بالاستفهام غير الحقيقي كما رأيت من الأمثلة.

ومعنى الفاء هنا تسبب الاستفهام التعجيبي الإنكاري على ما تقرر عندهم من تقفية موسى بالرسل أي قفينا موسى بالرسل فمن عجيب أمركم أن كل رسول جاءكم استكبرتم وجوز صاحب الكشاف } كون العطف على مقدر أي آتينا موسى الكتاب إلخ ففعلتم ثم وبخهم بقوله: ﴿ أفكلما ﴾ ، فالهمزة للتوبيخ والفاء حينئذ عاطفة مقدراً معطوفاً على المقدر المؤهل للتوبيخ، وهو وجه بعيد، ومرمى الوجهين إلى أن جملة ﴿ آتينا موسى الكتاب ﴾ إلخ غير مراد منها الإخبار بمدلولها.

وانتصب (كلما) بالنيابة عن الظرف لأنه أضيف إلى ما الظرفية المصدرية والعامل فيه قوله: ﴿ استكبرتم ﴾ ، وقدم الظرف ليكون موالياً للاستفهام المراد منه التعجيب ليظهر أن محل العجب هو استمرار ذلك منهم الدال على أنه سجية لهم وليس ذلك لعارض عرض في بعض الرسل وفي بعض الأزمنة، والتقدير أفاستكبرتم كلما جاءكم رسول فقدم الظرف للاهتمام لأنه محل العجب، وقد دل العموم الذي في (كلما) على شمول التكذيب أو القتل لجميع الرسل المرسلين إليهم لأن عموم الأزمان يستلزم عموم الأفراد المظروفة فيها.

و ﴿ تهوى ﴾ مضارع هوي بكسر الواو إذا أحب والمراد به ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة.

والاستكبار الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعاً لهم، فالسين والتاء في ﴿ استكبرتكم ﴾ للمبالغة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ إلا إبليس أبى واستكبر ﴾ [البقرة: 34] وقوله: ﴿ ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ﴾ مسبب عن الاستكبار فالفاء للسببية فإنهم لما استكبروا بلغ بهم العصيان إلى حد أن كذبوا فريقاً أي صرحوا بتكذيبهم أو عاملوهم معاملة الكاذب وقتلوا فريقاً وهذا كقوله تعالى عن أهل مدين: ﴿ قالوا يا شعيب ما نفقه كثيراً مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفاً ولولا رهطك لرجمناك ﴾ [هود: 9].

وتقديم المفعول هنا لما فيه من الدلالة على التفصيل فناسب أن يقدم ليدل على ذلك كما في قوله تعالى: ﴿ فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ﴾ [الأعراف: 30].

وهذا استعمال عربي كثير في لفظ فريق وما في معناه نحو طائفة إذا وقع معمولاً لفعل في مقام التقسيم نحو ﴿ يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم ﴾ [آل عمران: 159].

والتفصيل راجع إلى ما في قوله: ﴿ رسول ﴾ من الإجمال لأن (كلما جاءكم رسول) أفاد عموم الرسول وشمل هذا موسى عليه السلام فإنهم وإن لم يكذبوه بصريح اللفظ لكنهم عاملوه معاملة المكذبين به إذ شكوا غير مرة فيما يخبرهم عن الله تعالى وأساءوا الظن به مراراً في أوامره الاجتهادية وحملوه على قصد التغرير بهم والسعي لإهلاكهم كما قالوا حين بلغوا البحر الأحمر وحين أَمرهم بالحضور لسماع كلام الله تعالى، وحين أمرهم بدخول أريحا، وغير ذلك، وأما بقية الرسل فكذبوهم بصريح القول مثل عيسى وقتلوا بعض الرسل مثل أشعياء وزَكرياء ويحيى ابنه وأرمياء.

وجاء في ﴿ تقتلون ﴾ بالمضارع عوضاً عن الماضي لاستحضار الحالة الفظيعة وهي حالة قتلهم رسلهم كقوله: ﴿ الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه ﴾ [الروم: 48] مع ما في صيغة ﴿ تقتلون ﴾ من مراعاة الفواصل فاكتمل بذلك بلاغة المعنى وحسن النظم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ ﴾ يَعْنِي التَّوْراةَ.

﴿ وَقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ والتَّقْفِيَةُ: الإتْباعُ، ومَعْناهُ: وأتْبَعْنا، يُقالُ: اسْتَقْفَيْتُهُ إذا جِئْتَ مِن خَلْفِهِ، وسُمِّيَتْ قافِيَةُ الشِّعْرِ قافِيَةً لِأنَّها خَلْفَهُ.

﴿ وَآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ ﴾ وفِيها ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ البَيِّناتِ الحُجَجُ.

والثّانِي: أنَّها الإنْجِيلُ.

والثّالِثُ: وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ البَيِّناتِ الَّتِي أُوتِيَها عِيسى إحْياءُ المَوْتى، وخَلْقُهُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وإبْراءُ الأسْقامِ.

﴿ وَأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ رُوحَ القُدُسِ الِاسْمُ الَّذِي يُحْيِي بِهِ عِيسى المَوْتى، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الإنْجِيلُ، سَمّاهُ رُوحًا، كَما سَمّى اللَّهَ القُرْآنُ رُوحًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ﴾ والثّالِثُ: وهو الأظْهَرُ، أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ وقَتادَةَ، والرَّبِيعِ، والسُّدِّيِّ، والضَّحّاكِ.

واخْتَلَفُوا في تَسْمِيَةِ جِبْرِيلَ بِرُوحِ القُدُسِ، عَلى ثَلاثَةِ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا، لِأنَّهُ بِمَنزِلَةِ الأرْواحِ لِلْأبْدانِ، يُحْيِي بِما يَأْتِي بِهِ مِنَ البَيِّناتِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

والثّانِي: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا، لِأنَّ الغالِبَ عَلى جِسْمِهِ الرُّوحانِيَّةُ، لِرِقَّتِهِ، وكَذَلِكَ سائِرُ المَلائِكَةِ، وإنَّما يَخْتَصُّ بِهِ جِبْرِيلُ تَشَرِيفًا.

والثّالِثُ: أنَّهُ سُمِّيَ رُوحًا، لِأنَّهُ كانَ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعالى لَهُ رُوحًا مِن عِنْدِهِ مِن غَيْرِ وِلادَةٍ.

والقُدُسُ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: هو اللَّهُ تَعالى، ولِذَلِكَ سُمِّيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ رُوحَ القُدُسِ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى كَوَّنَهُ مِن غَيْرِ أبٍ، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والرَّبِيعِ وابْنِ زَيْدٍ.

قالَ ابْنُ زَيْدٍ: القُدُسُ والقُدُّوسُ واحِدٌ.

والثّانِي: هو الطُّهْرُ، كَأنَّهُ دَلَّ بِهِ عَلى التَّطَهُّرِ مِنَ الذُّنُوبِ.

والثّالِثُ: أنَّ القُدُسَ البَرَكَةُ، وهو قَوْلُ السُّدِّيِّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك في قوله: ﴿ وقفينا ﴾ اتبعنا.

وأخرج ابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله: ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ يعني التوراة جملة واحدة مفصلة محكمة ﴿ وقفينا من بعده بالرسل ﴾ يعني رسولاً يدعى اشمويل بن بابل، ورسولاً يدعي مشتانيل، ورسولاً يدعى شعيا بن أمصيا، ورسولاً يدعى حزقيل، ورسولاً يدعى أرميا بن حلقيا وهو الخضر، ورسولاً يدعى داود بن أيشا وهو أبو سليمان، ورسولاً يدعى المسيح عيسى ابن مريم، فهؤلاء الرسل ابتعثهم الله وانتخبهم للأمة بعد موسى بن عمران، وأخذ عليهم ميثاقاً غليظاً أن يؤدوا إلى أممهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم وصفة أمته.

وأما قوله تعالى: ﴿ وآتينا عيسى ابن مريم البينات ﴾ .

أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم قال: هي الآيات التي وضعت على يده من إحياء الموتى، وخلقه من الطين كهيئة الطير، وإبراء الأسقام، والخبر بكثير من الغيوب، وما رد عليهم من التوراة مع الإِنجيل الذي أحدث الله إليه.

وأما قوله تعالى: ﴿ وأيدناه بروح القدس ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأيدناه ﴾ قال: قوّيناه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: روح القدس.

الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: القدس لله تعالى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس قال: القدس هو الرب تعالى.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: القدس الطهر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال: القدس البركة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد في قوله: ﴿ وأيدناه بروح القدس ﴾ قال: أعانه جبريل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: روح القدس جبريل.

وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «روح القدس جبريل» .

وأخرج ابن سعيد وأحمد والبخاري وأبو داود والترمذي عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وضع لحسان منبراً في المسجد، فكان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيه» .

وأخرج ابن حبان عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن روح القدس نفث في روعي: أن نفساً لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا الله وأجملوا في الطلب» .

وأخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كلمة روح القدس لن يؤذن للأرض أن تأكل من لحمه» .

وأما قوله تعالى: ﴿ ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون ﴾ .

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ فريقاً ﴾ يعني طائفة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ﴾ أي: أرسلنا رسولًا يقفو رَسُولًا في الدعاء إلى توحيد الله والقيام بشرائع دينه (١) يقال: قفّى أثره، وقفّى غيرَه على أثره، أي: اتبعه إياه، والقفا: مُؤَخَّرُ العُنُق، ويقال للشيخ إذا هرم: رُدّ على قَفَاه، ورُدّ قَفًا.

قال: إِن تَلْقَ رَيْبَ المنايا أو تُرَدُّ قفًا ...

لا أَبْكِ مِنك على دينٍ ولا حَسَب (٢) ومنه: قافية الشعر (٣) ﴿ وَلَا تَقفُ مَا ليَسَ لَكَ بِهِ عِلم  ﴾ إن شاء الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ ﴾ يعني: الآياتِ التي ذكرها في سورة آل عمران (٤) (٥) ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ أي: قويناه (٦) فَأَثَّتْ (٧) (٨) أي: قويت وإياد كل شيء: ما يَقْوَى به (٩) متخذًا مِنها إيادًا (١٠) واختلفوا في معنى (روح القدس).

فقال قتادة (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وتأييد عيسى بجبريل عليهما السلام هو أنه كان قرينه، يسير معه حيثما سار، وأيضًا فإنه صَعِد به إلى السماء (١٦) ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ  ﴾ ، يعني: جبريل (١٧) (١٨) ﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ  ﴾ ، أي: كان كافرًا فهديناه.

وقيل (١٩) وقال آخرون: أراد: الروح القدس، أي: المقدس، فأضاف الاسْم إلى الصفة، وأراد به روح عيسى  .

وسمى روحَه قُدُسًا؛ لأنه لم تتضمنه أصلاب الفحولة، ولم تشتمل عليه أرحام الطوامث (٢٠) (٢١) (٢٢) (٢٣) (٢٤) قال العَجّاج: قد عَلِمَ القُدُّوس رَبُّ القُدْس (٢٥) وذكرنا ما فيه عند قوله ﴿ وَنُقَدِّسُ لَكَ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا ﴾ ذهب أبو الحسن (٢٦) وعلى هذا قوله  ، وقد قيل له لما جهد (٢٧) (٢٨) (٢٩) ونصب (كلّما) كنصب سائر الظروف (٣٠) (٣١) وقال أبو الهيثم: يقع (كل) على اسم منكور مُوحَّد فيؤدي معنى الجماعة، كقولهم: ما كلُّ بيضاءَ شحمةً (٣٢) و (ما) هاهُنا حرف جزاء (٣٣) (٣٤) ومعنى ﴿ أسْتَكبَرْتُم ﴾ : تعظمتم عن الإيمان به؛ لأنهم كانت لهم الرئاسة، وكانوا متبوعين، فآثروا الدنيا على الآخرة (٣٥) ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ ﴾ مثل: عيسى ومحمد، ﴿ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ ﴾ مثل: يحيى وزكريا.

نظيره في المائدة [70]: ﴿ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ ﴾ (٣٦) (٣٧) قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ فيما دل عليه قوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ ﴾ كأنه قال: فما استقمتم (٣٨) (١) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، قال الطبري في "تفسيره" 1/ 403: وقفينا من بعده بالرسل أي: أتبعنا بعضهم بعضا على منهاج واحد، وشريعة واحدة لأن كل من بعثه الله نبيا بعد موسى  إلى زمان عيسى بن مريم فإنما بعثه بأمر بني إسرائيل بإقامة التوراة والعمل بما فيها والدعاء إلى ما فيها.

(٢) البيت بلا نسبة في: "لسان العرب" 6/ 3708، و"أساس البلاغة" ص 2/ 269، (٣) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 403، "تهذيب اللغة" 3/ 3013، "المحرر الوجيز" 1/ 385، "اللسان" 6/ 3708 مادة (قفا).

(٤) في قوله تعالى: ﴿ وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ  ﴾ .

(٥) في قوله تعالى: ﴿ إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ ﴾ الآية: 110 من سورة المائدة وينظر: "تفسير الطبري" 1/ 403، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024.

(٦) "تفسير الطبري" 1/ 403، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، "تفسير الثعلبي" 1/ 1024و"المحرر الوجيز" 1/ 385.

(٧) في (م) (فأتت).

(٨) عجز البيت: ومال بقُنْيَانٍ من البُسْرِ أحمرا يصف نخيلًا، انظر "ديوانه" ص 60، "لسان العرب" 1/ 189 (مادة أيد).

"المعجم المفصل" 3/ 140.

(٩) ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189، وفيه: وإياد كل شيء: ما يقوى به من جانبيه، وهما إياداه.

(١٠) البيت للعجاج يصف الثور: متخذًا منها إيادًا هدفًا.

ينظر "تهذيب اللغة" 1/ 96، "اللسان" 1/ 189.

(١١) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320 وذكره ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 168، الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1026.

(١٢) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 2/ 320 وذكره الثعلبي فى "تفسيره" 1/ 1026.

(١٣) أخرجه عنه الطبري في "تفسيره" 1/ 404.

(١٤) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168 وكذا اختاره الطبري في "تفسيره" 1/ 404 بعد أن ذكر قولين آخرين: الأول: أنه الإنجيل، والثاني: أنه الاسم الذي كان عيسى يحيي به الموتى.

ثم قال: وأولى التأويلات في ذلك بالصواب قول من قال: الروح في هذا الموضع جبريل؛ لأن الله جل ثناؤه أخبر أنه أيد عيسى به، كما أخبر في قوله: {إِذْ == قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ} فلو كان الروح الذي أيده الله به هو الإنجيل لكان قوله: ﴿ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ ﴾ ﴿ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ﴾ تكرير قول لا معنى له، وانظر "تفسير ابن كثير" ص 112.

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 168، الطبري في "تفسيره" 1/ 132.

(١٦) ينظر: "تفسير الثعلبي" 2/ 1026، وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 112 - 113 في تأييد عيسى بروح القدس الذي هو جبريل ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أُيد به لإظهار حجته وأمر دينه.

والثاني: لدفع بني إسرائيل عنه إذ أرادوا قتله.

والثالث: أنه أيد به في جميع أحواله.

(١٧) "تفسير الثعلبي" 1/ 1026 وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 1/ 142 هو جبريل على الأصحِ، ويدل ذلك قوله تعالى: ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  ﴾ وقوله: ﴿ فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا  ﴾ ، انتهى.

ويؤيده أيضًا قول النبي  لحسان  : "ياحسان أجب عن رسول الله  ، اللهم أيده بروح القدس".

رواه البخاري (453) في الصلاة، باب الشعر في المسجد ومسلم (2485) كتاب: في فضائل الصحابة، باب فضائل حسان بن ثابت وينظر "التفسير الصحيح" 1/ 192.

(١٨) في (م): (عن).

(١٩) سقطت من (م).

(٢٠) في (م): (الطوارق).

(٢١) "تفسير الثعلبي" 2/ 1025، "الكشاف" للزمخشري 1/ 80، "تفسير ابن كثير" 1/ 132.

(٢٢) في (م): (لما أخذ من ظهر آدم الذرية).

(٢٣) قرأ ابن كثير في تفسيره (القُدْس) بإسكان الدال حيث جاء، والباقون بضمها.

ينظر: "السبعة" ص 163، و"التيسير" ص 64، و"النشر" 2/ 216.

(٢٤) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 150.

(٢٥) وبعده: إن أبا العباس أولى نفس ...

بمعدن الملك القديم الكِرسِ ذكره في: "اللسان" 6/ 3550 (مادة: قدس)، وفيه: (مولى) بدل (رب).

(٢٦) أي: الأخفش.

(٢٧) في (م): (أجهد).

(٢٨) رواه البخاري (1130) في أبواب التهجد، باب: قيام النبي  الليل حتى ترم قدماه، ومسلم (2819) في الجنة والنار، باب: إكثار الأعمال والاجتهاد في العبادة.

(٢٩) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 300.

(٣٠) "معاني القرآن" للزجاج 1/ 169.

(٣١) "اللسان" 11/ 591، وقال في "البحر المحيط" 1/ 88: كل للعموم، وهو اسم جمع لازم للإضافة، إلا أن ما أضيف إليه يجوز حذفه ويعوض منه التنوين، وأحكام كل كثيرة.

(٣٢) نقله عنه الأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 450 وعنه ابن منظور في "اللسان" 11/ 591، وينظر: "مغني اللبيب" 1/ 201 - 202.

(٣٣) في (ش): (وخبر).

(٣٤) ينظر: "مغني اللبيب" 2/ 201.

(٣٥) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1027.

(٣٦) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 405 - 406، "تفسير الثعلبي" 1/ 1027.

(٣٧) "تفسيرالثعلبي" 1/ 1027.

(٣٨) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 300.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَآءَكُمْ ﴾ لا يسفك بعضكم دم بعض، وإعرابه مثل لا تعبدون ﴿ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ بالميثاق واعترفتم بلزومه ﴿ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ﴾ بأخذ الميثاق عليكم ﴿ هؤلاء ﴾ منصوب على التخصيص بفعل مضمر، وقيل: هؤلاء مبتدأ وخبره أنتم وتقتلون حالاً لازمة تم بها المعنى ﴿ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾ كانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير: حلفاء الخزرج، وكان كل فريق يقاتل الآخر مع حلفائه، ويتقيه من موضعه إذا ظفر به ﴿ تظاهرون ﴾ أي تتعاونون ﴿ تفادوهم ﴾ قرئ بالألف وحذفها والمعنى واحد.

وكذلك أسارى بالألف وحذفها جمع أسير ﴿ وَهُوَ مُحَرَّمٌ ﴾ الضمير للإخراج من ديارهم، وهو مبتدأ وخبره محرم و ﴿ إِخْرَاجُهُمْ ﴾ بدل، والضمير للأمر والشأن، وإخراجهم: مبتدأ، ومحرّم خبره، والجملة خبر الضمير ﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب ﴾ فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم ﴿ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ﴾ القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم ﴿ خِزْيٌ ﴾ الجزية أو الهزيمة لقريظة والنضير وغيرهم، أو مطلق ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بالرسل ﴾ أي جئنا من بعده بالرسل، وهو مأخوذ من القفا أي جاء بالثاني في قفا الأول ﴿ البينات ﴾ المعجزات من إحياء الموتى وغير ذلك ﴿ بِرُوحِ القدس ﴾ جبريل، وقيل؛ الإنجيل، وقيل الاسم الذي كان يحيى به الموتى، والأول أرجح لقوله: ﴿ قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس ﴾ [النحل: 102] ولقوله صلى الله عليه وسلم لحسان: اللهم أيده بروح القدس ﴿ أَتَقْتُلُونَ ﴾ جاء مضارعاً مبالغة لأنه أيد استحضاره في النفوس، أو لأنهم حاولوا قتل محمد صلى الله عليه وسلم لولا أن الله عصمه ﴿ غُلْفٌ ﴾ جمع أغلف: أي عليه غلاف، وهو الغشاء فلا تَفْقَه ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ الله ﴾ رداً عليهم، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم ﴿ فَقَلِيلاً ﴾ أي إيماناً قليلاً ﴿ مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ ما زائدة، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم على أصلها؛ لأن من دخل منهم بالإسلام قليل، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ القدس ﴾ بسكون الدال حيث كان: ابن كثير.

﴿ بئسما ﴾ وبابه بغير همز: أبو عمرو ويزيد والأعشى وورش وحمزة في الوقف.

﴿ ينزل ﴾ خفيفاً: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب.

الوقوف: ﴿ القدس ﴾ (ط) ﴿ استكبرتم ﴾ (ج) لتناهي الاستفهام مع تعقب فاء التعقيب بعده ﴿ كذبتم ﴾ (ز) لعطف المستقبل على الماضي مع تقدم المفعولين فيهما ﴿ تقتلون ﴾ (ه) ﴿ غلف ﴾ (ط) (ز) لأن "بل" إعراض عن الأول وتحقيق للثاني ﴿ يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) "لأن" الواو للحال ﴿ كفروا ﴾ (ج) لأن "لما" متضمنة للشرط وجوابها منتظر والوصل أجوز لأن "لما" مكرر وجوابهما متحد، وقوله: ﴿ وكانوا من قبل ﴾ حال معترض ﴿ كفروا به ﴾ (ج) لأن ما بعده مبتدأ لكن الفاء تقتضي تعجيل ذكر جوابهم ﴿ الكافرين ﴾ (ه) ﴿ من عباده ﴾ (ج) لطول الكلام مع فاء التعقيب ﴿ على غضب ﴾ (ط) ﴿ مهين ﴾ (ه) ﴿ لما معهم ﴾ (ط) ﴿ مؤمنين ﴾ (ط).

التفسير: لما ذكر  في آلاي المتقدمة صنيع اليهود في مخالفتهم أمره  ومناقضة حالهم، أكد ذلك في هذه الآي بذكر نعم أفاضها عليهم ثم إنهم قابلوها بالكفران ونقيض المقصود زيادة في تبكيتهم.

أما الكتاب فهو التوراة آتاه الله  إياه جملة واحدة.

عن ابن عباس أنها لما نزلت أمر الله موسى بحملها فلم يطق ذلك، فبعث الله لكل آية منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فبعث الله لكل حرف منها ملكاً فلم يطيقوا حملها، فخففها الله على موسى  فحملها.

القفو والتقفية الإتباع وهو من القفا كالتذنيب من الذنب أي أتبعنا على أثره رسلاً كثيرين وهم يوشع وأشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعيا وأرميا وعزير وحزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم.

روي أن هؤلاء الرسل كانوا على شريعة واحدة إلى أيام عيسى  فإنه جاء بشريعة مجددة ناسخة لأكثر شرع موسى، وكان المقصود من بعثة هؤلاء تنفيذ الشريعة السالفة وإحياء بعض ما اندرس منها ومن هنا قال  "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل" "إن الله سيبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة من يجدد لها دينها" فقيل عيسى بالسريانية أيشوع أي المبارك، ومريم بمعنى الخادم.

وقيل مريم بالعبرية من النساء كالزير من الرجال وهو الذي يحب محادثة النساء ومجالستهن، سمي بذلك لكثرة زيارته لهن وبه فسر قول رؤبة: قلت لزير لم تصله مريمه *** ووزن "مريم" عند أهل الصرف "مفعل" لأن فعيلاً بفتح الفاء لم يثبت في الأبنية كما ثبت نحو "عثير" للغبار "وعليب" اسم واد.

البينات المعجزات الواضحات كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وغير ذلك، أيدناه قويناه من الأيد القوة، وبروح القدس الروح المقدس كما يقال حاتم الجود ورجل صدق أي بجبريل سمي بذلك لأنه سبب حياة الدين كما أن الروح سبب حياة البدن، ولأنه الغالب عليه الروحانية، ولأنه لم تضمه أصلاب الفحول ولا أرحام الأمهات، وقيل بالإنجيل كما قال ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا  ﴾ لأن العلم سبب حياة القلوب، وقيل: باسم الله الأعظم الذي كان يحيي الموتى بذكره، عن ابن عباس وسعيد بن جبير.

وقيل: الروح الذي نفخ فيه، والقدس والقدوس هو الله، وإضافة الروح إليه تشريف وتعظيم كما يقال "بيت الله" و "ناقة الله".

عن الربيع: وكون الروح ههنا جبريل أظهر لأن اختصاصه بعيسى أكثر لأنه الذي بشر مريم بولادتها وقد تولد  من نفخة جبريل في أمه وهو الذي رباه في جميع الأحوال وكان يسير معه حيث سار وكان معه حين صعد إلى السماء.

قوله  : ﴿ أفكلما ﴾ وسطت الهمزة بين الفاء وما تعلقت به من قوله: ﴿ ولقد آتينا ﴾ لإفادة التوبيخ والتعجيب من شأنهم، ويجوز أن تكون الفاء للعطف على مقدر معناه أأعرضتم فكلما ﴿ جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ﴾ الباء للتعدية أو بمعنى "مع"، وذلك أنهم كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما يهوون كذبوه وإن تهيأ لهم قتله قتلوه ترفعاً وترؤساً على عامتهم.

وأخذ أموالهم بغير حق يوهمون عوامهم أنهم على الحق والنبي  على الباطل، ويحتجون على ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم  ﴿ ففريقاً كذبتم ﴾ على التمام وما بقي منه غير مكذب ﴿ وفريقاً تقتلون ﴾ أي ما تيسر لكم قتله بعد على التمام لأنكم تحومون حول قتل محمد  لولا أني أعصمه منكم ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة.

قال  عند وفاته: "ما زالت أكلة خيبر تعادّني فهذا أوان قطعت أبهري" .

والعداد اهتياج وجع اللديغ بعد كل سنة، والأبهر عرق يخرج من القلب إذا انقطع مات صاحبه.

ويجوز أن يراد الحال الماضية لأن الأمر فظيع فأريد استحضاره في النفوس وتصويره في القلوب كقوله: فأضربها بلا دهش فخرت *** وفائدة تقديم المفعول به على الفعلين بعد رعاية الفاصلة في ﴿ يقتلون ﴾ بيان غاية عنادهم وفرط عتوهم حيث جعلوا الرسل فريقين: أحدهما مخصص بالتكذيب والآخر بالقتل، كأن وصف الرسالة عندهم هو الذي اقتضى عندهم أحد هذين حتى خص المنعوت به دون سائر الناس بأحد الأمرين، وهذا نهاية الجهالة حيث استقبلوا أشرف الأصناف لأكرم الأوصاف بغاية الاستخفاف.

غلف جمع أغلف وهو كل ما فيه غلاف ومنه الأغلف للذي لم يختن، أي قلوبنا مغشاة بأغطية فلا تتأثر من دعوتك لمكان الحائل بينهما.

وقيل: غلف تخفيف غلف بضمتين جمع غلاف أي قلوبنا أوعية للعلم والحكمة فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره لا حاجة بنا إلى شرعك.

﴿ بل لعنهم الله ﴾ رد لقولهم وأن تكون قلوبهم مخلوقة كذلك لأنها خلقت على الفطرة، والتمكن من قبول الحق ولكنهم لعنوا أي طردوا عن رحمة الله وأبعدوا عن الخيرات بسبب كفرهم الذي أحدثوه بعد نصب الأدلة وإزاحة العلة.

وفي هذا لطف للمكلفين أن لا يتسلقوا إلى المعاصي بإبلاء نحو هذا العذر وإبداء مثل هذه الحجة، ولكن يشمرون عن ساق الاجتهاد "فكل ميسر لما خلق" له ﴿ فقليلاً ما يؤمنون ﴾ أي إيماناً قليلاً يؤمنون.

و "ما" مزيدة وهو إيمانهم ببعض الكتاب أو بقليل مما كلفوا به.

يؤمنون، فانتصب بنزع الخافض.

و "ما" صفة أي بشيء قليل من الأشياء المكلف بها.

ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أي لا يؤمنون أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً كما يقال: قليلاً ما تفعل.

أي لا تفعل ألبتة.

وذلك أن الإيمان بالله إنما يعبأ به إذا كان مؤمناً بجميع ما أنزل الله، فإذا فرق بين أوامره فهو عن الإيمان بمعزل.

﴿ ولما جاءهم ﴾ جوابه محذوف وهو نحو: كذبوا به واستهانوا بمجيئه.

ويجوز أن يكون جوابه هو جواب "لما" الثانية المكررة للتأكيد لطول الكلام نحو قوله ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة  ﴾ بعد قوله ﴿ لا تحسبن  ﴾ .

واتفقوا على أن المراد بالكتاب هو القرآن، ووجه تصديقه لما معهم ليس هو الموافقة في أصول الشرائع، لأن جميع كتب الله كذلك، بل المراد ما يختص بنبوة محمد  من العلامات والنعوت والصفات.

والتحقيق أن ذكر الكتاب ههنا كناية عن الرسول لأن الرسول يلزمه الكتاب عرفاً أو مجازاً لأن الكتاب مستلزم للرسول لا محالة يدل على ذلك قوله ﴿ يستخفون على الذين كفروا  ﴾ وذلك أن اليهود قبل مبعث محمد  ونزول القرآن كانوا يسألون به الفتح والنصرة على المشركين إذا قاتلوهم يقولون: اللهم انصرنا بالنبي المبعوث في آخر الزمان الذي نجد نعته وصفته في التوراة.

وكانوا يقولون لأعدائهم من المشركين: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.

وقيل: معنى يستفتحون يفتحون عليهم ويعرفونهم أن نبياً يبعث منهم قد قرب أوانه.

والسين للمبالغة أي يسألون أنفسهم الفتح عليهم كالسين في "استعجب" و "استخسر"، أو يسأل بعضهم بعضاً أن يفتح عليه، ﴿ فلما جاءهم ما عرفوا من الحق ﴾ وهو نبوة محمد  ، ويجوز أن تكون "ما" بمعنى "من" نحو: سبحان ما سخركن لنا أي فلما جاءهم النبي  الذي كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ﴿ كفروا به ﴾ ، إما لأنهم كانوا يظنون أن المبعوث يكون من بني إسرائيل لكثرة مجيء الرسل منهم فيرغبون الناس في دينه ويدعونهم إليه فلما بعث الله محمداً  من العرب من ذرية إسماعيل  عظم ذلك عليهم فأظهروا التكذيب بغياً وحسداً وعناداً ولدداً، وإما لأنهم ظنوا أنه  مبعوث إلى العرب خاصة، وإما لأن اعترافهم بنبوته كان يوجب عليهم زوال رياساتهم ومكاسبهم فأبوا وأصروا على الإنكار.

فكفرهم إذاً كفر عناد، ﴿ فلعنة الله ﴾ وهي الإبعاد عن الخيرات الحقيقية الباقية) ﴿ على الكافرين ﴾ أي عليهم، فوضع الظاهر موضع المضمر ليدل على أن اللعنة إنما لحقتهم لكفرهم، واللام للعهد أو للجنس ويدخلون فيه دخولاً أولياً.

فإن قيل: أليس أنه  ذكر ﴿ وقولوا للناس حسناً  ﴾ قلنا: العام قد يخص، وأيضاً لعن من يستحق اللعن حسن، وأيضاً أولئك بالنسناس أشبه منهم بالناس ﴿ أولئك كالأنعام بل هم أضل  ﴾ "بئس" لإنشاء الذم، وفاعله قد يكون مظهراً نحو "بئس الرجل زيد"، وقد يكون مضمراً يعود إلى معهود ذهني فيفسر حينئذ بنكرة منصوبة وبعدهما المخصوص بالذم فـ "ما" نكرة منصوبة مفسرة: لفاعل "بئس" أي بئس شيئاً اشتروا به أنفسهم، والمخصوص بالذم ﴿ أن يكفروا ﴾ واختلف في إعراب المخصوص فقيل: مبتدأ والجملة قبله خبره.

وقيل خبر مبتدأ محذوف أي هو أن يكفروا.

واشتروا بمعنى باعوا لأن الكفر حاصل تعلق نفوسهم بأبدانهم كما أن، الثمن حاصل ملك المالك.

وقيل: إن المكلف إذا كان يخاف على نفسه من عقاب الله  فأتى بأعمال يظن بها أنها تخلصه من العقاب فكأنه قد اشترى نفسه بتلك الأعمال، وهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ويوصلهم إلى الثواب، فقد ظنوا أنهم قد اشتروا أنفسهم بها، والمراد بما أنزل الله القرآن لأنهم كانوا مؤمنين بغيره.

ثم بين الوجه الذي لأجله اختاروا هذا الكفر فقال ﴿ بغياً ﴾ أي حسداً وطلباً لما ليس لهم، ولولا هذا البيان لجاز أن يكون الباعث لهم على ذلك الكفر هو الجهل لا البغي ولما كان الباعث على البغي قد يكون وجوهاً شتى بين أن الحامل لهم على البغي هو ﴿ أن ينزل الله من فضله ﴾ الذي هو الوحي ﴿ على من يشاء ﴾ وتقتضي حكمته إرساله وهذا هو اللائق بما حكينا من أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب حملهم ذلك على البغي والحسد، وعلى هذا يكون الجار المحذوف هو لام الغرض أي لأجل أن ينزل، ويحتمل أني قال المحذوف على أي حسدوه على أن ينزل.

﴿ فباءوا بغضب على غضب ﴾ لا بد من إثبات سببي غضبين: أحدهما تكذيبهم عيسى وما أنزل عليه، والثاني تكذيبهم محمد  وما أنزل عليه، فصار ذلك سبباً بعد سبب لسخط بعد سخط وهو قول الحسن والشعبي وعكرمة وأبي العالية وقتادة.

وقيل: الأول لعبادتهم العجل، والثاني لكتمانهم نعت محمد  وجحدهم نبوته عن السدي.

وقيل: ليس المراد إثبات الغضبين فقط، بل المراد إثبات أنواع من الغضب مترادفة لأجل أمور متوالية صدرت عنهم كقولهم ﴿ عُزير ابن الله  ﴾ ﴿ يد الله مغلولة  ﴾ ﴿ إن الله فقير ونحن أغنياء  ﴾ عن عطاء وعبيد بن عمير.

وقيل: المراد تأكيد الغضب وتكثير له لأجل أن هذا الكفر وإن كان واحداً إلا أنه عظيم، وهو قول أبي مسلم.

ومعنى الغضب في حقه  قد عرفت مراراً أنه عبارة عن لازمه وهو إرادة الانتقام، وأما تزايده وتكثره فيصح فيه ذلك كصحته في العذاب، فلا يكون غضبه على من كفر بخصال كثيرة كمن كفر بخصلة واحدة ﴿ وللكافرين عذاب مهين ﴾ من وضع الظاهر مقام المضمر أي ولهم عذاب، وفائدته ما ذكرنا في قوله ﴿ فلعنة الله على الكافرين ﴾ ووصف العذاب بالمهين والمهين هو المعذب لأن الإهانة لما حصلت مع العذاب جاز أن يجعل ذلك من وصفه لأنها بسبب منه، ولا يلزم من اقتران العذاب بالإهانة تكرار فقد يكون العذاب ولا إهانة كالوالد يؤدب ولده ﴿ آمنوا بما أنزل الله ﴾ بكل ما أنزل الله من كتاب وقد يستدل به على عموم "ما" ﴿ قالوا نؤمن بما أنزل علينا ﴾ أي بالتوراة وكتب سائر الأنبياء الذين أتوا بتقرير شرع موسى  ﴿ ويكفرون بما وراءه ﴾ أي قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون بما وراء التوراة وهو الإنجيل والقرآن ﴿ وهو الحق ﴾ الضمير يعود إلى "ما وراءه" أو إلى القرآن فقط.

و ﴿ مصدقاً ﴾ حال مؤكدة لوجود شرطها وهو كونها مقررة لمضمون جملة اسمية، أو كون مضمونها لازماً لمضمون الجملة الاسمية، فإن التصديق لازم حقية القرآن فصار كأنه هو والعامل في ﴿ مصدقاً ﴾ محذوف وهو يبدو أو يثبت على الأصح.

وأما الواو في ﴿ وهو الحق ﴾ فيجوز أن تكون معترضة فلا محل للجملة، ويجوز أن تكون للحال وحينئذ إما أن يكون العامل فيها هو العامل في قوله ﴿ ويكفرون ﴾ على أن كلاً منهما حال بحيالها، وإما أن يكون العامل فيها هو يكفرون على أنهما حالان متداخلتان.

وفي قوله ﴿ وهو الحق مصدقاً لما معهم ﴾ دلالة على وجوب الإيمان بمحمد  لأنه لما أثبت نبوته بالمعجزات ثم إنه أخبر أن هذا القرآن منزل من عند الله وأنه  أمر المكلفين بالإيمان، كان الإيمان به واجباً لا محالة، وعند هذا يظهر أن الإيمان ببعض الأنبياء وبعض الكتب مع الكفر ببعضهم وبعضها محال.

وأيضاً أنه  لم يتعلم علماً ولم يقرأ ولم يخط، ثم إنه  أتى بالقصص والأخبار مطابقة لما في التوراة، فيعلم بالضرورة أنه  استفادها من قبل الوحي وأيضاً القرآن يدل على نبوة محمد  ، فلما أخبر الله  عنه أنه مصدق التوراة وجب اشتمال التوراة على الأخبار عن نبوته.

فمدعي الإيمان بالتوراة يجب أن يؤمن بمحمد  وإلا كان كاذباً.

ثم إنه  بين من وجه آخر كذب دعواهم، وهو أن التوراة لا تسوغ قتل الأنبياء وأنهم سوغوا ذلك، وفيه دليل على أن إيراد المناقضة على الخصم الألد جائز.

والكلام وإن كان على وجه الخطاب إلا أن المراد بذلك أسلافهم بدليل ﴿ من قبل ﴾ وتقتلون حكاية حال ماضية.

وأصل "لم" لما بإدخال لام التعليل في "ما" الاستفهامية، حذفت الألف للتخفيف أي لأي غرض وبأي حجة كان أسلافكم يقتلون الأنبياء.

وفي قوله ﴿ إن كنتم مؤمنين ﴾ تشكيك في إيمانهم وقدح في صحة دعواهم الإيمان، وجواب الشرط محذوف يدل عليه ما تقدمه.

وفيه تنبيه على أن اليهود المعاصرين خرجوا بتكذيب محمد  من الإيمان بالتوراة كما أن أسلافهم خرجوا بقتل بعض الأنبياء عن الإيمان بها والله  أعلم.

التأويل: هذا حال أكثر البطالين المتشبهين بالطالبين يصغون إلى كلمات العلماء الراسخين، فما استحلته نفوسهم قبلوه، وما استغربته نبذوه وأنكروه، فيكذبون فريقاً منهم فراراً عن تحمل أعباء الطلب ويثيرون الفتنة على فريق بالحسد والإنكار والفتنة أشد من القتل ﴿ وقالوا قلوبنا غلف ﴾ فيه إشارة إلى أن الطالب إذا ابتلى في أثناء الطلب بالرهقة أو الفترة لم يضره ذلك ما دام متمسكاً بالإرادة، فيرجى رجوعه بإذن الله وبمدد همة الأستاذ والشيخ، فأما إذا زلت قدمه عن جادة الإرادة وأظهر الإنكار والاعتراض فلن يرجى فلاحه.

﴿ ولما جاءهم كتاب ﴾ فيه إشارة إلى أن أهل كل زمان يتمنون أن يدركوا أحداً من العلماء والأولياء المحظوظين بالعلوم الكسبية واللدنية ويتوسلون بهم إلى الله  عند رفع حوائجهم في صالح دعائهم ويظهرون محبتهم عند الخلق ﴿ فلما وجدوا ﴾ واحداً منهم ﴿ ما عرفوا ﴾ قدره وحسدوه وأظهروا عداوته وما أنصفوه ﴿ فباءوا بغضب ﴾ من رد ولاية الأولياء ﴿ على غضب ﴾ من الله لأوليائه كما جاء في الحديث "من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة" و "إنما أنا أغضب لأوليائي كما يغضب الليث لجروه" والله أعلم بالصواب.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ ٱلْكِتَابَ ﴾ .

يعني: التوراة، وهو ظاهر.

وقوله: ﴿ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِٱلرُّسُلِ ﴾ .

وقيل: وقفينا: أَرْدَفْنَا، وهو من القفا، قفا يقفو.

وقيل: أَتبعنا رسولاً على أَثر رسول؛ كقوله: ﴿ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضاً ﴾ \[المؤمنون: 44\] واحداً على أَثر واحدٍ.

وقوله: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ٱلْبَيِّنَاتِ ﴾ .

قيل: البينات: الحجج.

وقيل: العجائب التي كانت تجري على يديه، من خلق الطين، وإحياء الموتى، وإِبراءِ الأكمه والأَبرص، وإِنباءِ ما يأْكلون وما يدخرون.

وقيل: البينات: الحلال والحرام.

ثم الرسل في أَنفسهم حفظوا حججاً؛ فلم يحتج كل قول يقولون إلى أن يكون مصحوباً بدليل وبيانٍ على صدقهم؛ لأَنهم في أَنفسهم حجة.

وأما سائر الناس فليسوا بحجج في أَنفسهم، فلا بد لكل قول يقولون أَن يأْتوا بدليلٍ يدل على صدقهم، وبيانٍ يُظهر الحقَّ من الباطل، والصوابَ من الخطأ، والصدقَ من الكذب.

وبالله التوفيق.

وقوله: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ ﴾ : قويناه.

﴿ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ .

اختلف فيه: قيل: روح القدس: جبريل.

وفي الأَصل: القدوس، لكن طرحت الواو للتخفيف.

وتأْييدُه: هو أَن عصمه على حفظه؛ حتى لم يدن منه شيطان، فضلاً أَن يدنو بشيء، والله أعلم.

وقيل: ﴿ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ ٱلْقُدُسِ ﴾ يعني بالروح: روح الله.

ووجه إضافةِ روح عيسى إلى الله - عز وجل -: أَن تكون أضيفت تعظيماً له وتفضيلاً، وذلك أن كل خاص أُضيف إلى الله - عز وجل - أُضيف؛ تعظيماً لذلك الشيء، وتفضيلاً له، كما يقال لموسى: كليم الله، ولعيسى: روحُ الله، ولإبراهيم: خليلُ الله، على التعظيم والتفضيل.

وإذا أُضيف الجُمَل إلى الله - عز وجل - فإنما تضاف؛ تعظيماً له - عز وجل - وتنزيهاً؛ كقوله: ﴿ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ  ﴾ أُضيف ذلك إليه؛ تعظيماً وتنزيهاً، والله الموفق.

والأَصل في ذلك: أَن خاصية الأَشياءِ إذا أُضيف ذلك إليه أضيف تعظيماً لتلك الخاصية.

وإذا أُضيف جمل الأَشياء إلى الله، فهو يخرج على تعظيم الرب والتبجيل له.

وقوله: ﴿ أَفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَىٰ أَنْفُسُكُمْ ٱسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ .

في ظاهر هذه الآية أَنهم كذبوا فريقاً من الرسل، وقَتلوا فريقاً منهم.

ويقول بعض الناس: إنهم قتلوا الأَنبياءَ ولم يقتلوا الرسل؛ لقوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا  ﴾ ، ولقوله: ﴿ إِنَّهُمْ لَهُمُ ٱلْمَنصُورُونَ  ﴾ أَخبر أَنه ينصرهم، ومن كان الله ناصره فهو لا يقتل.

ومنهم من يقول: إنهم قتلوا الرسل والأنبياء.

فنقول: يحتمل قوله: ﴿ إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا ﴾ في رسول دون رسول، فمن نصره الله فهو لم يقتل.

أَو كان ما ذكر من النُّصرة لهم كان بالحجج والآيات.

ثم في الآية دلالة رسالة محمد  ونبوته؛ لأَنه أَخبرهم بتكذيب بعض الرسل، وقتل بعضهم، فسكتوا عن ذلك، فلولا أَنهم عرفوا أنه رسول - عرف ذلك بالله - وإلا لم يسكتوا عن ذلك.

وقوله: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفْرِهِمْ ﴾ .

يعني: في أَكنة عليها الغطاء؛ فلا نفهم ما تقول، ولا نفقه ما تُحدِّث.

يدَّعون زوال الخطاب عن أَنفسهم؛ كراهية لما سمعوا.

وأَكذبَهُمُ الله  بقوله: ﴿ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ ﴾ أَي: طردهم الله؛ بكفرهم، وعتوهم، وتفريطهم في تكذيب الرسول  ، واعتنادهم إياه، لا أَن قلوبهم بمحل لا يفهمون شيئاً مما يخاطبون به - على ما يزعمون - ولكن ذلك لترك التفكر والتدبر فيها.

وقيل في قوله: ﴿ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ﴾ : يعني: أَوعيةً، تفهم وتعي ما يقال، ويخاطب، ولكن لا تفهم ما تقول، ولا تفقه ما تُحدث، فلو كان حقّاً وصدقاً لفهمت ولفقهت عليه.

يَدَّعون إِبطال ما يقول الرسول  لهم، وذلك نحو ما قالوا لشعيب: ﴿ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ  ﴾ .

وقوله: ﴿ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قيل فيه بوجهين: قيل: فقليلاً أي بقليل ما يؤمنون من التوراة؛ لأَنهم عرفوا نَعْته وصفته، وحرفوه، فلم يؤمنوا به.

وقيل: فقليلاً، أَي: قليل منهم يؤمنون بالرسل، صلى الله عليهم وسلم.

وقوله: ﴿ وَلَمَّا جَآءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

فلولا أنهم عرفوا أَن هذا الكتاب هو موافق لما معهم من الكتاب، غير مخالف له، وإلا لأَظهروا الخلاف لو عرفوا ذلك، ولتكلفوا على إِطفاءِ هذا النُّور ودفعه؛ فدل سكوتهم عن ذلك، وترك اشتغالهم بذلك، أَنهمه عرفوا موافقته لما معهم من التوراة؛ ففيه آية نُبوة محمد  .

وقوله: ﴿ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُمْ مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلْكَافِرِينَ ﴾ .

﴿ يَسْتَفْتِحُونَ ﴾ : يستنصرون ﴿ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ قبل أن يُبعث محمد  ، يقولون اللهم انصرنا بحق نبيِّك الذي تبعثه، فلما لم يجئهم على هواهم ومرادهم كفروا به، فلعنة الله على الكافرين.

وقوله: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَآ أنَزَلَ ٱللَّهُ ﴾ .

يقول: اشتروا ما به هلاكهم بما به نجاتهم.

وذلك أَنهم كانوا آمنوا بمحمد  ؛ فكان إيمانُهم به نجاتَهم في الآخرة، فكفروا به، وذلك هلاكُهم، وبالله التوفيق.

وقيل: ﴿ بِئْسَمَا ٱشْتَرَوْاْ بِهِ ﴾ : باعوا به أَنفسهم بعرض يسير من الدنيا، بعذاب في الآخرة أَبداً.

وقوله: ﴿ بَغْياً ﴾ .

قيل: حسداً منهم؛ وذلك أَنهم قد هَووا أن يُبعث محمد  من أَولاد إسرائيل؛ لأَنهم كانوا أُمَّتَه، فلما بُعث من أَولاد إسماعيل -  - والعربُ كانت من أَولاده كفروا به، وكتموا نعته حسداً منهم.

وقوله: ﴿ أَن يُنَزِّلُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ .

يعني: النبوة والكتاب على محمد رسول الله  .

وقيل: ﴿ بَغْياً ﴾ أَي: ظلماً، ظلموا أَنفسهم بكفرهم بمحمد  ، وتكذيبهم إياه.

وقوله: ﴿ فَبَآءُو ﴾ .

قد ذكرنا فيما تقدم.

وقوله: ﴿ بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾ .

يحتمل وجهين: قيل: استوجبوا الغضب من الله؛ بكفرهم بمحمد  ، على أَثر غضب؛ بكفرهم بعيسى، وبما جاء به.

وقيل: إنما استحقوا اللَّعنة على أَثر اللَّعنةِ؛ بعصيانٍ بعد عصيانِ، وبذنب على أَثر الذنب.

والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ .

على محمد  من القرآن.

وقوله: ﴿ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ﴾ .

يعني التوراة، وهم لم يكونوا آمنوا بالتوراة؛ لأنهم لو كانوا آمنوا بها لكان في الإيمان بها إيمان بمحمد  وبما أُنزل عليه، وإيمان بجميع الأَنبياءِ - عليهم السلام - والرسل، وبجميع ما أُنزل عليهم؛ لأَن فيها الأَمرَ بالإِيمان بجميع الرسل وبكتبهم؛ لأَنه قال: ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ ، وموافقاً له.

فالإيمان بواحد منهم إيمان بجميع الكتب، وبعضها موافق لبعض.

وقوله: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ وَهُوَ ٱلْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ ﴾ .

قيل: وراءَ التوراة كفروا بالإِنجيل والفرقان؛ كأَنه قال: كفروا بالذي وراءَه وهو الحق؛ إذ هما موافقان لما معهم، غير مخالف له.

ويحتمل: ﴿ وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَآءَهُ ﴾ يعني: وراء موسى بعيسى وبمحمد  ؛ كأَنه قال: من ورائه  .

وقوله: ﴿ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَآءَ ٱللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ .

فإن قالوا: إنا لم نقتل الأَنبياءَ، ونحن مؤمنون.

قيل لهم: إنكم - وإن لم تتولوا القتلَ - فقد رَضيتُم بصنيع أُولئك، واتبعتم لهم، مع ما قد هَمُّوا بقتل محمد  مراراً؛ ولذلك أُضيف إليهم.

وقيل: أَخبر - عز وجل - نبيَّه  غاية سفههم، وعتوهم، ومكابرتهم في تكذيبه.

وذلك: أَن النبي  دعا اليهود إلى الإِيمان به، وبما أُنزل عليه.

فقالوا: ائتنا بالآيات والقربان، وكما كانت الأَنبياء - من قبل - يأْتون بها قومهم.

يقول الله - عز وجل -: قد كانت الأَنبياء من قبل تجيء - بما تقولون - إلى آبائكم؛ من الآيات والقربان، فكانوا يقتلُونهم.

فيقول الله - عز وجل - لمحمد  : أَنْ قل لهم: لن تقتلون؟

يقول: لم قتل آباؤكم أَنبياء الله قَبْلَ محمد  وقد جاءُوا بالآيات والقربان إن كنتم صادقين بأَن الله عهد إليكم في التوراة: ألا تؤمنوا لرسول حتى يأْتيكم بقربان تأْكله النار، وقد جاءُوا به.

فَلِم قتلوهم؟!

فهو - والله أعلم - أَنهم أَخذوا هذه المحاجة من أَوائلهم، وإن علموا بما ظهرت نبوة محمد  ، وأَنه مبعوث، وأَنتم تقلدونهم، فتُقلدونهم - لو أوتيتم - كما قلدتموهم، وإن علمتم بما عاينتم؛ إذ لا حجة لكم.

والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ولقد آتينا موسى التوراة، وأتبعناه برسل من بعده على أثره، وآتينا عيسى بن مريم الآيات الواضحة المبيِّنةَ لصدقه؛ كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، وقويناه بالملَكِ جبريل  ، أفكلما جاءكم -يا بني إسرائيل- رسول من عند الله بما لا يوافق أهواءكم استكبرتم على الحق، وتعاليتم على رسل الله؛ ففريقًا منهم تكذِّبون، وفريقًا تقتلون؟!

<div class="verse-tafsir" id="91.WKZRo"

تفسير محمد عبده · محمد عبده

عهد في سيرة البشر أن الأمة توعظ وتنذر، فتتعظ وتتدبر، فإذا طال عليها الأمد بعد النذير تقسو القلوب، ويذهب أثر الموعظة من الصدور، وتفسق عن أمر ربها، وتنسى ما لم تعمل به مما أُنذرت به، أو تحرفه عن موضعه بضروب التأويل، وزخرف القال والقيل، ولقد يكون للمتأخرين منها بعض العذر لجهله بما فعل المتقدم وأخذه ما يؤثر عنه بالتسليم لكمال الثقة وحسن الظن.

بين الله تعالى هذه السنة الاجتماعية في سورة الحديد بقوله ﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ  ﴾ ولهذا كان تعالى يرسل الرسل بعضهم في إثر بعض حتى لا يطول أمد الإنذار على الناس فيفسقوا ويضلوا.

ولا يعرف التاريخ شعبًا جاءت فيه الرسل تترى كشعب إسرائيل، لذلك كانوا بمعزل عن صحة العذر بطول الأمد على الإنذار.

وفي ناحية عما يرجى قبوله من التعلل والاعتذار، لهذا قال تعالى بعد كل ما تقدم ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ  ﴾ فلم يمر زمن بين موسى وعيسى آخر أنبيائهم إلا وكان فيه نبي مرسل أو أنبياء متعددون يأمرون وينهون.

كأنه يقول: اعلموا يا بني إسرائيل أنه إن كان لطول الأمد على النبوة وبعد العهد بالرسل يد في تغيير الأوضاع ونسيان الشرائع، وكان في ذلك وجه لاعتذار بعض المتأخرين، فإن ذلك لا يتناولكم، فإن الرسل قد جاءتكم تترى ثم كان من أمركم معهم ما كان.

ذكر رسل بني إسرائيل بالإجمال لبيان ما ذكر، ثم خص بالذكر المسيح  فقال: ﴿ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ  ﴾ فأما البينات فهي ما يتبين به الحق من الحجج القيمة والآيات الباهرة، والمراد بها ما دعا إليه من أحكام التوراة.

وأما روح القدس فهو روح الوحي الذي يؤيد الله تعالى به أنبياءه في عقولهم ومعارفهم، وهو هو المراد بقوله تعالى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ  ﴾ الآية.

ويطلق عليه روح القدس لأن التعليم الذي يكون به مقدس أو لأنه يقدس النفوس كما يطلق عليه ﴿ الرُّوحُ الأَمِينُ  ﴾ لأن النبي الموحى إليه يكون على بينة من ربه فيه يأمن معه التلبيس فيما يلقى إليه، قال تعالى في القرآن ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ  عَلَىٰ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ ٱلْمُنذِرِينَ  ﴾ .

ذهب جمهور المفسرين إلى أن المراد بروح القدس الملك المسمى بجبريل الذي ينزل على الأنبياء ومنه يستمدون الشرائع عن الله تعالى وهو على حد قولهم "حاتم الجود"، وذكر بعضهم وجهًا آخر وهو أن المراد بها روح عيسى نفسه ووصفها بالقداسة والطهارة بمعنى إعاذته من الشيطان أن يكون له حظ فيه، أو لأنه أنزل عليه الإنجيل بالتعاليم التي تقدس النفوس، بل قال بعضهم إن روح القدس هو الإنجيل، والمراد من الكل واحد وهو أن الله تعالى ارسل إليهم عيسی بعد ظهور رسل كثيرين فيهم بعد موسى وأعطاه ما لم يعط كل رسول من أولئك الرسل أو من قوة الروح، وزكاء النفس، ومكارم الأخلاق، ونسخ بعض الأحكام، وقد كان حظه مع ذلك منهم كحظ سابقيه الذين لم يؤتوا من المواهب مثلما أوتي.

ماذا كان حظ أولئك الرسل من بني إسرائيل؟

كان حظهم منهم ما أفاده الاستفهام التوبيخي في قوله ﴿ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ  ﴾ فاتبعتم الهوى وأطعتم الشهوات، وعصيتم الرسل واحتميتم عليهم أن أنذروكم و دعوكم إلى أحكام كتابكم ﴿ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ  ﴾ كان المعهود فی التخاطب وكلام الناس أن تذكر هذه المساوئ ثم يوبخون عليها، ولكن طواها في الخطاب وأدمجها في الاستفهام لتفاجئ النفوس بقوة التشنيع والتقبيح، وتبرز لها في ثوب الإنكار والتوبيخ، وفي ذلك الإيماء إلى أن هذه المعاملة السؤى مما لا يخفى خبرها، ولا تغيب عن الأفكار صورها، فلا ينبغي الإلماع إليها إلا في سياق تقريع مجترحيها، وهذا من إيجاز القرآن الذي لا يعرج إليه فكر الإنسان، وانظر كيف أورد خبر القتل بصيغة المضارع التي تدل على الحال لاستحضار تلك الصورة الفظيعة وتمثيلها للسامع حتى يمثلها في الخيال، وإن مرت عليها القرون والأحوال، لأنها أفاعيل لا تخلق جدتها، ودماء لا تطير رغوتها، وإن مثل هذا التعبير ليمثل تلك الصورة المشوهة لأن الألفاظ إذا قرعت الذهن بمفهومها يتناول الخيال ذلك المفهوم ويصوره بالصورة اللائقة به، فيكون له من التأثير ما يناسبه.

قتلوا من الأنبياء المرسلين زكريا و يحيى عليهما السلام، ويروى أنهم قتلوا في يوم واحد مئة وخمسين نبيًا، فإن صح هذا فالمراد بأولئك الأنبياء من كانت نبوتهم محصورة في الدعوة إلى إقامة التوراة، ودليلها محصورًا في الإنباء بعض المغيبات، وكان هذا الفريق منتشرًا في أسباط بني إسرائيل وكثيرًا بكثرتهم.

وفي هذه الآية حجتان للنبي  .

حجة على بني إسرائيل وحجة على الذين يعجبون لعدم إيمانهم به وإجابتهم دعوته، وبيان أن المجاحدة والمعاندة من شأنهم ومما عرف من شنشنتهم، وناسب بعد هذا أن يذكر ما كانوا يعتذرون به عن الإيمان به، والاهتداء بكتابه، بعد تقرير الدعوة، وإقامة الحجة، فقال ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ  ﴾ الغلف بضم وسكون وبضمتين جمع أغلف، وهو ما يحيط به غلاف يمنع أن يصيبه شيء.

والمراد أننا لا نعقل قولك ولا ينفذ إلى قلوبنا مفهوم دعوتك، فهو بمعنى قوله تعالى ﴿ وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ  ﴾ .

وقد رد الله تعالى عليهم بما يشعر بكذبهم وعنادهم فقال ﴿ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ  ﴾ أي أن قلوبهم ليست غلفًا لا تفهم الحق بطبعها، وإنما أبعدهم الله تعالى من رحمته بسبب كفرهم بالأنبياء السابقين وبالكتاب الذي تركوا العمل به وحرفوه اتباعًا لأهوائهم، فهم قد أنسوا بالكفر وانطبعوا عليه، فكان ذلك سببًا في حرمانهم من قبول الرحمة الكبرى بإجابة دعوة خاتم النبيين، هذا هو معنى اللعن وقد ذكرت معه علته ليعلم أنه جرى على سنة الله تعالى في الأسباب والمسببات وأن الله لم يظلمهم بهذا، وإنما ظلموا أنفسهم بالكفر الذي يستتبع الكفر، والعصيان الذي يجر إلى التمادي في العصيان، كما هي السنة في أخلاق الإنسان.

ولما كان ذكر اللعن معللًا بالكفر الذي هو نتيجة تأثير أعمالهم السابقة في أنفسهم، وكان مما يخطر بالبال أن أولئك القوم لم يكونوا كافرين، بل مؤمنين بالله وكتابه ورسله إليهم، استدرك فقال ﴿ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ  ﴾ وإنما القلة في الإيمان باعتبار ما يؤمن به من أصول الدين وأحكام الشريعة، وبالنسبة إلى اليقين في الإيمان، و تحكيمه فی الفكر والوجدان.

ولقد كان القوم يؤمنون بالشريعة في الجملة وكما تعطيه ظواهر الألفاظ، ولكنهم لم يلبسوها مفصلة تفصيلًا، ولم يفقهوا حكمها وأسرارها، فلم يكن لها سلطان على قلوبهم، ولم تكن هي المحركة لإرادتهم في أعمالهم، وإنما كان يحركها الهوى والشهوة، ويصرفها عامل اللذة، فالإيمان إنما كان عندهم قوة باللسان، ورسمًا يلوح في الخيال، تكذبه الأعمال، وتطمسه السجايا الراسخة والخلال، وهذا هو الإيمان الذي لا قيمة له عند الله تعالی.

ومن العجب أن نرى آيات القرآن تبطله بالحجج القيمة، والأساليب المؤثرة، وأهل القرآن عن ذلك غافلون فقليلًا ما يعتبرون ويتذكرون.

ومن مباحث اللفظ في الآية أن كثيرًا من المفسرين يزعمون أن ﴿ مَا  ﴾ زائدة وما هي بزائدة وفاقًا لابن جرير الطبري، وجل القرآن أن يكون فيه كلمة زائدة وإنما تأتي ﴿ مَا  ﴾ هذه لإفادة العموم تارة ولتفخيم الشيء تارة، ويقول ابن جرير إنما يؤتى بها في مثل هذا المقام كمبتدأ كلام جديد يفيد العموم كأنه قال: فإيمانًا قليلًا ذلك الذي يؤمنون به: وأما التي لتفخيم الشيء فقوله تعالى ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ  ﴾ أي فبسبب رحمة عظيمة الشأن خصك الله بها لنت لهم على ما لقيت منهم، وقد بين تعالى هذه الرحمة بقوله في وصفه  ﴿ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ  ﴾ ، وقوله ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.7 / 29.5
الإضاءة 23%
البدر بعد 10 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله