الإسلام > القرآن > سور > سورة 2 البقرة > الآية ٩٧ من سورة البقرة
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 164 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٩٧ من سورة البقرة: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله : أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا [ على ] أن هذه الآية نزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وأن ميكائيل ولي لهم ، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك .
فقال بعضهم : إنما كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته .
ذكر من قال ذلك حدثنا أبو كريب ، حدثنا يونس بن بكير ، عن عبد الحميد بن بهرام ، عن شهر بن حوشب ، عن ابن عباس أنه قال : حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا : يا أبا القاسم ، حدثنا عن خلال نسألك عنهن ، لا يعلمهن إلا نبي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلوا عما شئتم ، ولكن اجعلوا لي ذمة وما أخذ يعقوب على بنيه ، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه لتتابعني على الإسلام " .
فقالوا : ذلك لك .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سلوني عما شئتم " .
فقالوا : أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن : أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة ؟
وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل ؟
وكيف يكون الذكر منه والأنثى ؟
وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ووليه من الملائكة ؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني ؟
" فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق .
فقال : " نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه ، فنذر لله نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه ، وكان أحب الطعام إليه لحوم الإبل وأحب الشراب إليه ألبانها ؟
" .
فقالوا : اللهم نعم .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اللهم اشهد عليهم .
وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ ، وأن ماء المرأة أصفر رقيق ، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله ، وإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله ؟
" .
قالوا : اللهم نعم .
قال : " اللهم اشهد " .
قال : " وأنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى ، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه ؟
" .
قالوا : اللهم نعم .
قال : " اللهم اشهد " .
قالوا : أنت الآن ، فحدثنا من وليك من الملائكة ، فعندها نجامعك أو نفارقك .
قال : " فإن وليي جبريل ، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه " .
قالوا : فعندها نفارقك ، لو كان وليك سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك .
قال : " فما منعكم أن تصدقوه ؟
" قالوا : إنه عدونا .
فأنزل الله عز وجل : ( قل من كان عدوا لجبريل ) إلى قوله : ( لو كانوا يعلمون ) [ البقرة : 103 ] فعندها باؤوا بغضب على غضب .
وقد رواه الإمام أحمد في مسنده ، عن أبي النضر هاشم بن القاسم وعبد بن حميد في تفسيره ، عن أحمد بن يونس ، كلاهما عن عبد الحميد بن بهرام ، به .
ورواه الإمام أحمد أيضا عن الحسين بن محمد المروزي ، عن عبد الحميد ، بنحوه [ به ] .
وقد رواه محمد بن إسحاق بن يسار : حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن شهر بن حوشب ، فذكره مرسلا وزاد فيه : قالوا : فأخبرنا عن الروح قال : " أنشدكم بالله وبآياته عند بني إسرائيل ، هل تعلمون أنه جبريل ، وهو الذي يأتيني ؟
" قالوا : نعم ، ولكنه لنا عدو ، وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء ، فلولا ذلك اتبعناك .
فأنزل الله فيهم : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) إلى قوله : ( كأنهم لا يعلمون ) [ البقرة : 101 ] .
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو أحمد حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي ، عن بكير بن شهاب ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، قال : أقبلت يهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا أبا القاسم ، إنا نسألك عن خمسة أشياء ، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك .
فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال : ( الله على ما نقول وكيل ) [ يوسف : 66 ] قال : " هاتوا " .
قالوا : أخبرنا عن علامة النبي .
قال : " تنام عيناه ولا ينام قلبه " .
قالوا : أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف يذكر الرجل ؟
قال : " يلتقي الماءان فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت ، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت " ، قالوا : أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه .
قال : " كان يشتكي عرق النساء ، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا " قال أحمد : قال بعضهم : يعني الإبل " فحرم لحومها " قالوا : صدقت .
قالوا : أخبرنا ما هذا الرعد ؟
قال " ملك من ملائكة الله ، عز وجل ، موكل بالسحاب بيديه أو في يده مخراق من نار يزجر به السحاب ، يسوقه حيث أمره الله عز وجل " .
قالوا : فما هذا الصوت الذي نسمعه ؟
قال : " صوته " .
قالوا : صدقت .
إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا ، إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخبر ، فأخبرنا من صاحبك ؟
قال : " جبريل عليه السلام " ، قالوا : جبريل ، ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا ، لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والنبات والقطر لكان .
فأنزل الله عز وجل : ( قل من كان عدوا لجبريل ) إلى آخر الآية .
ورواه الترمذي ، والنسائي من حديث عبد الله بن الوليد ، به .
وقال الترمذي : حسن غريب .
وقال سنيد في تفسيره ، عن حجاج بن محمد ، عن ابن جريج : أخبرني القاسم بن أبي بزة أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن صاحبه الذي ينزل عليه بالوحي .
قال : " جبريل " .
قالوا : فإنه لنا عدو ، ولا يأتي إلا بالشدة والحرب والقتال .
فنزل : ( قل من كان عدوا لجبريل ) الآية .
قال ابن جريج : وقال مجاهد : قالت يهود : يا محمد ، ما ينزل جبريل إلا بشدة وحرب وقتال ، وإنه لنا عدو .
فنزل : ( قل من كان عدوا لجبريل ) الآية .
وقال البخاري : قوله : ( من كان عدوا لجبريل ) قال عكرمة : جبر ، وميك ، وإسراف : عبد .
وإيل : الله .
حدثنا عبد الله بن منير سمع عبد الله بن بكر حدثنا حميد ، عن أنس بن مالك ، قال : سمع عبد الله بن سلام بمقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف .
فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي : ما أول أشراط الساعة ؟
وما أول طعام أهل الجنة ؟
وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه ؟
قال : " أخبرني بهن جبريل آنفا " .
قال : جبريل ؟
قال : " نعم " .
قال : ذاك عدو اليهود من الملائكة ، فقرأ هذه الآية : ( من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك ) " أما أول أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة [ ماء الرجل ] نزعت " .
قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله .
يا رسول الله ، إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني .
فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أي رجل عبد الله بن سلام فيكم ؟
" قالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا .
قال : " أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام " .
فقالوا : أعاذه الله من ذلك .
فخرج عبد الله فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله .
فقالوا : شرنا وابن شرنا .
فانتقصوه .
قال : هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله .
انفرد به البخاري من هذا الوجه وقد أخرجه من وجه آخر ، عن أنس بنحوه .
وفي صحيح مسلم ، عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريب من هذا السياق كما سيأتي في موضعه .
وحكاية البخاري عن عكرمة هو المشهور أن " إيل " هو الله .
وقد رواه سفيان الثوري ، عن خصيف ، عن عكرمة .
ورواه عبد بن حميد ، عن إبراهيم بن الحكم ، عن أبيه ، عن عكرمة ، ورواه ابن جرير ، عن الحسين بن يزيد الطحان ، عن إسحاق بن منصور ، عن قيس ، عن عاصم ، عن عكرمة ، أنه قال : إن جبريل اسمه عبد الله وميكائيل : عبيد الله .
إيل : الله .
ورواه يزيد النحوي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، مثله سواء .
وكذا قال غير واحد من السلف ، كما سيأتي قريبا .
[ وقال الإمام أحمد في أثناء حديث سمرة بن جندب : حدثنا محمد بن سلمة ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثنا محمد بن عمرو بن عطاء قال : قال لي علي بن الحسين : اسم جبريل عبد الله ، واسم ميكائيل : عبيد الله ] .
ومن الناس من يقول : " إيل " عبارة عن عبد ، والكلمة الأخرى هي اسم الله ; لأن كلمة " إيل " لا تتغير في الجميع ، فوزانه : عبد الله ، عبد الرحمن ، عبد الملك ، عبد القدوس ، عبد السلام ، عبد الكافي ، عبد الجليل .
فعبد موجودة في هذا كله ، واختلفت الأسماء المضاف إليها ، وكذلك جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ونحو ذلك ، وفي كلام غير العرب يقدمون المضاف إليه على المضاف ، والله أعلم .
ثم قال ابن جرير : وقال آخرون : بل كان سبب قيلهم ذلك من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب وبينهم في أمر النبي صلى الله عليه وسلم .
ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن المثنى ، حدثني ربعي بن علية ، عن داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : نزل عمر الروحاء ، فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها ، فقال : ما بال هؤلاء ؟
قالوا : يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى هاهنا .
قال : فكفر ذلك .
وقال : إنما رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد صلاها ثم ارتحل ، فتركه .
ثم أنشأ يحدثهم ، فقال : كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان ومن الفرقان كيف يصدق التوراة ؟
فبينما أنا عندهم ذات يوم ، قالوا : يا ابن الخطاب ، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك .
قلت : ولم ذلك ؟
قالوا : إنك تغشانا وتأتينا .
فقلت : إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة ، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان .
قال : ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا ابن الخطاب ، ذاك صاحبكم فالحق به ، قال : فقلت لهم عند ذلك : نشدتكم بالله الذي لا إله إلا هو ، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه : أتعلمون أنه رسول الله ؟
قال : فسكتوا .
فقال لهم عالمهم وكبيرهم : إنه قد غلظ عليكم فأجيبوه .
فقالوا : فأنت عالمنا وكبيرنا فأجبه أنت .
قال : أما إذ نشدتنا بما نشدتنا به فإنا نعلم أنه رسول الله ، قال : قلت : ويحكم فأنى هلكتم ؟
!
قالوا : إنا لم نهلك [ قال ] : قلت : كيف ذلك وأنتم تعلمون أنه رسول الله [ ثم ] ولا تتبعونه ولا تصدقونه ؟
قالوا : إن لنا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة ، وإنه قرن بنبوته عدونا من الملائكة .
قال : قلت : ومن عدوكم ومن سلمكم ؟
قالوا : عدونا جبريل ، وسلمنا ميكائيل .
قال : قلت : وفيم عاديتم جبريل ، وفيم سالمتم ميكائيل ؟
قالوا : إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا ، وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا .
قال : قلت : وما منزلتهما من ربهما عز وجل ؟
قالوا : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره .
قال : قلت : فو [ الله ] الذي لا إله إلا هو ، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما وسلم لمن سالمهما وما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل وما ينبغي لميكائيل أن يسالم عدو جبريل .
ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم فلحقته وهو خارج من خوخة لبني فلان ، فقال : يا ابن الخطاب ، ألا أقرئك آيات نزلن قبل ؟
" فقرأ علي : ( من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه ) حتى قرأ هذه الآيات .
قال : قلت : بأبي وأمي يا رسول الله ، والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك ، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو أسامة ، عن مجالد ، أنبأنا عامر ، قال : انطلق عمر بن الخطاب إلى اليهود ، فقال : أنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى : هل تجدون محمدا في كتبكم ؟
قالوا : نعم .
قال : فما يمنعكم أن تتبعوه ؟
قالوا : إن الله لم يبعث رسولا إلا جعل له من الملائكة كفلا ، وإن جبريل كفل محمدا ، وهو الذي يأتيه ، وهو عدونا من الملائكة ، وميكائيل سلمنا ; لو كان ميكائيل هو الذي يأتيه أسلمنا .
قال : فإني أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى : ما منزلتهما من رب العالمين ؟
قالوا : جبريل عن يمينه وميكائيل عن شماله .
قال عمر .
وإني أشهد ما ينزلان إلا بإذن الله ، وما كان ميكائيل ليسالم عدو جبريل ، وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل .
فبينما هو عندهم إذ مر النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : هذا صاحبك يا ابن الخطاب : فقام إليه عمر ، فأتاه ، وقد أنزل الله ، عز وجل ، عليه : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) .
وهذان الإسنادان يدلان على أن الشعبي حدث به عن عمر ، ولكن فيه انقطاع بينه وبين عمر ، فإنه لم يدرك وفاته ، والله أعلم .
وقال ابن جرير : حدثنا بشر حدثنا يزيد بن زريع ، عن سعيد ، عن قتادة ، قال : ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود .
فلما أبصروه رحبوا به ، فقال لهم عمر : أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ، ولكن جئت لأسمع منكم .
فسألهم وسألوه .
فقالوا : من صاحب صاحبكم ؟
فقال لهم : جبريل .
فقالوا : ذاك عدونا من أهل السماء ، يطلع محمدا على سرنا ، وإذا جاء جاء الحرب والسنة ، ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل ، وكان إذا جاء جاء الخصب والسلم .
فقال لهم عمر : هل تعرفون جبريل وتنكرون محمدا صلى الله عليه وسلم ؟
ففارقهم عمر عند ذلك وتوجه نحو النبي صلى الله عليه وسلم ، ليحدثه حديثهم ، فوجده قد أنزلت عليه هذه الآية : ( قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله ) .
ثم قال : حدثني المثنى ، حدثنا آدم ، حدثنا أبو جعفر عن قتادة ، قال : بلغنا أن عمر أقبل إلى اليهود يوما ، فذكر نحوه .
وهذا أيضا منقطع ، وكذلك رواه أسباط ، عن السدي ، عن عمر مثل هذا أو نحوه ، وهو منقطع أيضا .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن يعني الدشتكي حدثنا أبو جعفر ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن يهوديا أتى عمر بن الخطاب ، فقال : إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدو لنا .
فقال عمر : ( من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو للكافرين ) قال : فنزلت على لسان عمر ، رضي الله عنه .
وقال ابن جرير : حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا هشيم ، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن ، عن ابن أبي ليلى في قوله : ( من كان عدوا لجبريل ) قال : قالت اليهود للمسلمين : لو أن ميكائيل كان الذي ينزل عليكم اتبعناكم ، فإنه ينزل بالرحمة والغيث ، وإن جبريل ينزل بالعذاب والنقمة ، فإنه لنا عدو .
قال : فنزلت هذه الآية .
حدثني يعقوب قال : حدثنا هشيم ، أخبرنا عبد الملك ، عن عطاء ، بنحوه .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن قتادة في قوله : ( قل من كان عدوا لجبريل ) قال : قالت اليهود : إن جبريل عدونا ، لأنه ينزل بالشدة والسنة ، وإن ميكائيل ينزل بالرخاء والعافية والخصب ، فجبريل عدونا .
فقال الله تعالى : ( من كان عدوا لجبريل ) [ الآية ] .
القول في تأويل قوله جل ثناؤه قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ قال أبو جعفر: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعا على أن هذه الآية نـزلت جوابا لليهود من بني إسرائيل, إذ زعموا أن جبريل عدو لهم, وأن ميكائيل ولي لهم.
ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك.
فقال بعضهم: إنما كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر نبوته.
* ذكر من قال ذلك: 1605 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يونس بن بكير, (28) عن عبد الحميد بن بهرام, عن شهر بن حوشب, عن ابن عباس أنه قال: حضرت عصابة من اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم، حدثنا عن خلال نسألك عنهن، لا يعلمهن إلا نبي.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوا عما شئتم, ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب على بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئا فعرفتموه، لتتابعُني على الإسلام.
فقالوا: ذلك لك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سلوني عما شئتم.
فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا، أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟
وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل؟
وكيف يكون الذكر منه والأنثى؟
وأخبرنا بهذا النبي الأمي في النوم ومن وليه من الملائكة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عليكم عهد الله لئن أنا أنبأتكم لتتابعني!
فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق.
فقال: " نشدتكم بالذي أنـزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضا شديدا فطال سقمه منه, فنذر نذرا لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الطعام والشراب إليه، وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل - قال أبو جعفر: فيما أروي: (29) وأحب الشراب إليه ألبانها؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد الله عليكم وأنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو، الذي أنـزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ, وأن ماء المرأة أصفر رقيق, فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله, فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: اللهم اشهد!
قال: وأنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى, هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
قالوا: اللهم نعم!
قال: اللهم اشهد!
قالوا: أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة، (30) فعندها نتابعك أو نفارقك.
قال: فإن وليي جبريل, ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه.
قالوا: فعندها نفارقك, لو كان وليك سواه من الملائكة، تابعناك وصدقناك.
قال: " فما يمنعكم أن تصدقوه؟
قالوا: إنه عدونا.
فأنـزل الله عز وجل: (من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ ، فعندها باءوا بغضب على غضب.
(31) 1606 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة قال، حدثني محمد بن إسحاق قال، حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي الحسين -يعني المكي-, عن شهر بن حوشب الأشعري: أن نفرا من اليهود جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، فإن فعلت اتبعناك وصدقناك وآمنا بك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه، لئن أنا أخبرتكم بذلك لتصدقني؟
قالوا: نعم.
قال: فاسألوا عما بدا لكم.
فقالوا: أخبرنا كيف يشبه الولد أمه، وإنما النطفة من الرجل؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن نطفة الرجل بيضاء غليظة, ونطفة المرأة صفراء رقيقة, فأيتهما علت صاحبتها كان لها الشبه؟
(32) نعم.
قالوا: فأخبرنا كيف نومك؟
قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل، هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
(33) قالوا: اللهم نعم.
قال: اللهم اشهد!
قالوا أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنـزل التوراة؟
قال: هل تعلمون أنه كان أحب الطعام والشراب إليه ألبان الإبل ولحومها, وأنه اشتكى شكوى فعافاه الله منها, فحرم أحب الطعام والشراب إليه شكرا لله، فحرم على نفسه لحوم الإبل وألبانها؟
قالوا: اللهم نعم.
قالوا: فأخبرنا عن الروح.
قال: أنشدكم بالله وبأيامه عند بني إسرائيل, هل تعلمون أنه جبريل، (34) وهو الذي يأتيني؟
قالوا: نعم, ولكنه لنا عدو, وهو ملك إنما يأتي بالشدة وسفك الدماء, فلولا ذلك اتبعناك.
فأنـزل الله فيهم: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك) إلى قوله كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ .
(35) 1607 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج قال، حدثني القاسم بن أبي بزة: أن يهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم: من صاحبه الذي ينـزل عليه بالوحي؟
فقال: جبريل.
قالوا: فإنه لنا عدو ولا يأتي إلا بالحرب والشدة والقتال!
فنـزل: (من كان عدوا لجبريل) الآية.
قال ابن جريج: وقال مجاهد: قالت يهود: يا محمد، ما ينـزل جبريل إلا بشدة وحرب!
وقالوا: إنه لنا عدو!
(36) فنـزل: (من كان عدوا لجبريل) الآية.
(37) * * * وقال آخرون: بل كان سبب قيلهم ذلك، من أجل مناظرة جرت بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبينهم، في أمر النبي صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك: 1608 - حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا ربعي بن علية, عن داود بن أبي هند, عن الشعبي, قال: نـزل عمر الروحاء, فرأى رجالا يبتدرون أحجارا يصلون إليها, فقال: ما هؤلاء؟
قالوا: يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ههنا.
فكره ذلك وقال: أيما؟
رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه!
(38) ثم أنشأ يحدثهم فقال: كنت أشهد اليهود يوم مدراسهم فأعجب من التوراة كيف تصدق الفرقان، ومن الفرقان كيف يصدق التوراة!
فبينما أنا عندهم ذات يوم قالوا: يا ابن الخطاب، ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك.
قلت: ولم ذلك؟
قالوا: إنك تغشانا وتأتينا.
قال: قلت إني آتيكم فأعجب من الفرقان كيف يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان!
قال: ومر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ابن الخطاب، ذاك صاحبكم فالحق به.
قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه, أتعلمون أنه رسول الله؟
قال: فسكتوا، قال: فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه.
(39) قالوا: أنت عالمنا وسيدنا، فأجبه أنت.
قال: أما إذ نشدتنا به, فإنا نعلم أنه رسول الله.
قال: قلت: ويحكم!
إذا هلكتم!
(40) قالوا إنا لم نهلك.
قال: قلت: كيف ذاك، وأنتم تعلمون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟
قالوا: إن لدينا عدوا من الملائكة وسلما من الملائكة, وإنه قرن به عدونا من الملائكة.
(41) قال: قلت: ومن عدوكم؟
ومن سلمكم؟
قالوا: عدونا جبريل، وسلمنا ميكائيل.
قال: قلت: وفيم عاديتم جبريل؟
وفيم سالمتم ميكائيل؟
قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار والتشديد والعذاب ونحو هذا, وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف ونحو هذا.
قال: قلت: وما منـزلتهما من ربهما؟
قالوا: أحدهما عن يمينه، والآخر عن يساره.
قال: قلت: فوالله الذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو لمن عاداهما، وسلم لمن سالمهما, ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل, ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل!
قال: ثم قمت فاتبعت النبي صلى الله عليه وسلم, فلحقته وهو خارج من مخرفة لبني فلان، (42) فقال لي: يا ابن الخطاب، ألا أقرئك آيات نـزلن؟
فقرأ على: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه) حتى قرأ الآيات.
قال: قلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، (43) والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر، فأسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر!
(44) 1609 - حدثني يعقوب بن ابرهيم قال، حدثنا ابن علية, عن داود, عن الشعبي قال، قال عمر: كنت رجلا أغشى اليهود في يوم مدراسهم، ثم ذكر نحو حديث ربعي.
(45) 1610 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قال: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود, فلما أبصروه رحبوا به.
فقال لهم عمر: أما والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم, ولكن جئت لأسمع منكم.
فسألهم وسألوه, فقالوا: من صاحب صاحبكم؟
فقال لهم: جبريل.
فقالوا: ذاك عدونا من أهل السماء، يطلع محمدا على سرنا, وإذا جاء جاء بالحرب والسنة (46) ولكن صاحب صاحبنا ميكائيل, وكان إذا جاء جاء بالخصب وبالسلم, فقال لهم عمر: أفتعرفون جبريل وتنكرون محمدا؟
ففارقهم عمر عند ذلك، وتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم, فوجده قد أنـزل عليه هذه الآية: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله).
1611 - حدثني المثنى قال، حدثنا آدم قال، حدثنا أبو جعفر، عن قتادة قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب أقبل على اليهود يوما، فذكر نحوه.
1612 - حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر, عن قتادة في قوله: (من كان عدوا لجبريل)، قال: قالت اليهود: إن جبريل هو عدونا، لأنه ينـزل بالشدة والحرب والسنة, وإن ميكائيل ينـزل بالرخاء والعافية والخصب, فجبريل عدونا.
فقال الله جل ثناؤه: (من كان عدوا لجبريل).
1613 - حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه)، قال: كان لعمر بن الخطاب أرض بأعلى المدينة, فكان يأتيها, وكان ممره على طريق مدراس اليهود, وكان كلما دخل عليهم سمع منهم.
وإنه دخل عليهم ذات يوم فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد أحب إلينا منك، إنهم يمرون بنا فيؤذوننا, وتمر بنا فلا تؤذينا, وإنا لنطمع فيك.
فقال لهم عمر: أي يمين فيكم أعظم؟
قالوا: الرحمن الذي أنـزل التوراة على موسى بطور سيناء.
فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنـزل التوراة على موسى بطور سيناء، أتجدون محمدا صلى الله عليه وسلم عندكم؟
فأَسْكتوا.
(47) فقال: تكلموا، ما شأنكم؟
فوالله ما سألتكم وأنا شاك في شيء من ديني.
فنظر بعضهم إلى بعض, فقام رجل منهم فقال: أخبروا الرجل، لتخبرنه أو لأخبرنه.
قالوا: نعم, إنا نجده مكتوبا عندنا، ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي هو جبريل، وجبريل عدونا, وهو صاحب كل عذاب أو قتال أو خسف, ولو أنه كان وليه ميكائيل، إذًا لآمنا به, فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث.
فقال لهم عمر: فأنشدكم بالرحمن الذي أنـزل التوراة على موسى بطور سيناء, أين مكان جبريل من الله؟
قالوا: جبريل عن يمينه, وميكائيل عن يساره.
قال عمر: فأشهدكم أن الذي هو عدو للذي عن يمينه، عدو للذي هو عن يساره؛ والذي هو عدو للذي هو عن يساره؛ عدو للذي هو عن يمينه؛ وأنه من كان عدوهما، فانه عدو لله.
ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم, فوجد جبريل قد سبقه بالوحي, فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه, فقال عمر: والذي بعثك بالحق, لقد جئتك وما أريد إلا أن أخبرك!
(48) 1614 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق بن الحجاج الرازي قال، حدثنا عبد الرحمن بن مغراء أبو زهير, عن مجالد, عن الشعبي قال: انطلق عمر إلى يهود فقال: إني أنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى هل تجدون محمدا في كتابكم؟
قالوا: نعم.
قال: فما يمنعكم أن تتبعوه؟
قالوا: إن الله لم يبعث رسولا إلا كان له كفل من الملائكة, وإن جبريل هو الذي يتكفل لمحمد, وهو عدونا من الملائكة, وميكائيل سلمنا، فلو كان هو الذي يأتيه اتبعناه.
قال: فإني أنشدكم بالذي أنـزل التوراة على موسى, ما منـزلتهما من رب العالمين؟
قالوا: جبريل عن يمينه, وميكائيل عن جانبه الآخر.
فقال: إني أشهد ما يقولان إلا بإذن الله, (49) وما كان لميكائيل أن يعادي سلم جبريل, وما كان جبريل ليسالم عدو ميكائيل.
[فبينما هو عندهم]، إذ مر نبي الله صلى الله عليه وسلم, (50) فقالوا: هذا صاحبك يا ابن الخطاب.
فقام إليه، فأتاه وقد أنـزل عليه: (من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله) إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ .
(51) 1615 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا حصين بن عبد الرحمن, عن ابن أبي ليلى في قوله: (من كان عدوا لجبريل).
قال: قالت اليهود للمسلمين: لو أن ميكائيل كان الذي ينـزل عليكم لتبعناكم, فإنه ينـزل بالرحمة والغيث, وإن جبريل ينـزل بالعذاب والنقمة، وهو لنا عدو.
قال: فنـزلت هذه الآية: (من كان عدوا لجبريل).
1616 - حدثني يعقوب قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك, عن عطاء بنحو ذلك.
* * * قال أبو جعفر: وأما تأويل الآية - أعني قوله: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله) - فهو: أن الله يقول لنبيه: قل يا محمد - لمعاشر اليهود من بني إسرائيل، الذين زعموا أن جبريل لهم عدو، من أجل أنه صاحب سطوات وعذاب وعقوبات، لا صاحب وحي وتنـزيل ورحمة, فأبوا اتباعك، وجحدوا نبوتك, وأنكروا ما جئتهم به من آياتي وبينات حكمي، من أجل أن جبريل وليك وصاحب وحيي إليك, وزعموا أنه عدو لهم -: من يكن من الناس لجبريل عدوا، ومنكرا أن يكون صاحب وحي الله إلى أنبيائه، وصاحب رحمته، فإني له ولي وخليل, ومقر بأنه صاحب وحي إلى أنبيائه ورسله, وأنه هو الذي ينـزل وحي الله على قلبي من عند ربي، بإذن ربي له بذلك، يربط به على قلبي، ويشد فؤادي، كما:- 1617 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق, عن الضحاك, عن ابن عباس في قوله: (قل من كان عدوا لجبريل)، قال: وذلك أن اليهود قالت - حين سألت محمدا صلى الله عليه وسلم عن أشياء كثيرة, فأخبرهم بها على ما هي عندهم -" إلا جبريل ", فإن جبريل كان عند اليهود صاحب عذاب وسطوة, ولم يكن عندهم صاحب وحي - يعني: تنـزيل من الله على رسله - ولا صاحب رحمة، فأخبرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما سألوه عنه: أن جبريل صاحب وحي الله, وصاحب نقمته.
وصاحب رحمته، فقالوا: ليس بصاحب وحي ولا رحمة، هو لنا عدو!
فأنـزل الله عز وجل إكذابا لهم: (قل) يا محمد: (من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك)، يقول: فإن جبريل نـزله.
يقول: نـزل القرآن - بأمر الله يشد به فؤادك، ويربط به على قلبك ", يعني: بوحينا الذي نـزل به جبريل عليك من عند الله- وكذلك يفعل بالمرسلين والأنبياء من قبلك.
1618 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (قل من كان عدوا لجبريل فإنه نـزله على قلبك بإذن الله)، يقول: أنـزل الكتاب على قلبك بإذن الله.
1619 - وحدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع: (فإنه نـزله على قلبك)، يقول: نـزل الكتاب على قليك جبريل.
* * * قال أبو جعفر: وإنما قال جل ثناؤه: (فإنه نـزله على قلبك) - وهو يعني بذلك قلب محمد صلى الله عليه وسلم, وقد أمر محمدا في أول الآية أن يخبر اليهود بذلك عن نفسه - ولم يقل: فإنه نـزله على قلبي = ولو قيل: " على قلبي" كان صوابا من القول = لأن من شأن العرب إذا أمرت رجلا أن يحكي ما قيل له عن نفسه، أن تخرج فعل المأمور مرة مضافا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه, إذ كان المخبر عن نفسه؛ ومرة مضافا إلى اسمه، كهيئة كناية اسم المخاطب لأنه به مخاطب.
فتقول في نظير ذلك: " قل للقوم إن الخير عندي كثير " - فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه، لأنه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه-: و " قل للقوم إن الخير عندك كثير " - فتخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنه وإن كان مأمورا بقيل ذلك، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له.
وكذلك: " لا تقل للقوم إني قائم " و " لا تقل لهم إنك قائم ", و " الياء " من " إني" اسم المأمور بقول ذلك، على ما وصفنا.
ومن ذلك قول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ و (تغلبون) [آل عمران: 12]، بالياء والتاء.
(52) * * * وأما " جبريل " فإن للعرب فيه لغات.
فأما أهل الحجاز فإنهم يقولون " جبريل، وميكال " بغير همز، بكسر الجيم والراء من " جبريل " وبالتخفيف.
وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل المدينة والبصرة.
أما تميم وقيس وبعض نجد فيقولون: " جَبرئيل وميكائيل " على مثال " جبرعيل وميكاعيل "، بفتح الجيم والراء، وبهمز، وزيادة ياء بعد الهمزة.
وعلى القراءة بذلك عامة قَرَأَة أهل الكوفة, كما قال جرير بن عطية: عبــدوا الصليـب وكذبـوا بمحـمد وبجَــــبرَئيل وكذبــــوا ميكــــالا (53) وقد ذكر عن الحسن البصري وعبد الله بن كثير أنهما كانا يقرآن: " جبريل " بفتح الجيم.
وترك الهمز.
قال أبو جعفر: وهي قراءة غير جائزةٍ القراءةُ بها, لأن " فعليل " في كلام العرب غير موجود.
(54) وقد اختار ذلك بعضهم, وزعم أنه اسم أعجمي، كما يقال: " سمويل ", وأنشد في ذلك: (55) بحـيث لـو وزنـت لخـم بأجمعهـا مـا وازنـت ريشــة مـن ريش سـمويلا (56) وأما بنو أسد فإنها تقول " جِبرين " بالنون.
وقد حكي عن بعض العرب أنها تزيد في" جبريل "" ألفا " فتقول: جبراييل وميكاييل.
وقد حكي عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأ: " جَبْرَئِلّ" بفتح الجيم، والهمز، وترك المد، وتشديد اللام.
فأما " جبر " و " ميك "، فإنهما الاسمان اللذان أحدهما بمعنى: " عبد "، والآخر بمعنى: " عبيد ".
* * * وأما " إيل " فهو الله تعالى ذكره، كما:- 1620 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا جرير بن نوح الحماني, عن الأعمش, عن المنهال, عن سعيد بن جبير قال، قال ابن عباس: " جبريل " و " ميكائيل "، كقولك: عبد الله.
1621 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا يحيى بن واضح قال، حدثنا الحسين بن واقد, عن يزيد النحوي, عن عكرمة, عن ابن عباس قال: " جبريل " عبد الله؛ و " ميكائيل "، عبيد الله.
وكل اسم " إيل " فهو: الله.
1622 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن إسماعيل بن رجاء, عن عمير مولى ابن عباس: أن " إسرائيل، وميكائيل وجبريل، وإسرافيل " كقولك: عبد الله.
1623 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير, عن الأعمش, عن المنهال بن عمرو, عن عبد الله بن الحارث قال: " إيل "، الله، بالعبرانية.
1624 - حدثنا الحسين بن يزيد الضحاك قال، حدثنا إسحاق بن منصور قال، حدثنا قيس, عن عاصم, عن عكرمة، قال: " جبريل " اسمه: عبد الله؛ و " ميكائيل " اسمه: عبيد الله." إيل ": الله.
1625 - حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العنقزي قال، حدثنا أبو أحمد الزبيري قال، حدثنا سفيان, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن علي بن حسين قال: اسم " جبريل " عبد الله, واسم " ميكائيل " عبيد الله, واسم " إسرافيل ": عبد الرحمن.
وكل معبد،" إيل "، فهو عبد الله.
(57) 1626 - حدثنا المثنى قال، حدثنا قبيصة بن عقبة قال، حدثنا سفيان, عن محمد المدني - قال المثنى: قال قبيصة: أراه محمد بن إسحاق - عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن علي بن حسين, قال: ما تعدون " جبريل " في أسمائكم؟
قال: " جبريل " عبد الله, و " ميكائيل " عبيد الله.
وكل اسم فيه " إيل "، فهو مُعَبَّدٌ لله.
1627 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق, عن محمد بن عمرو بن عطاء, عن علي بن حسين قال: قال لي: هل تدري ما اسم " جبريل " من أسمائكم؟
قلت: لا.
قال: عبد الله.
قال: فهل تدري ما اسم " ميكائيل " من أسمائكم؟
قلت: لا.
(58) قال: عبيد الله.
وقد سمى لي" إسرائيل " باسم نحو ذلك فنسيته, إلا أنه قد قال لي: أرأيت، كل اسم يرجع إلى " إيل " فهو معبد له.
1628 - حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن سفيان, عن خصيف, عن عكرمة في قوله: (جبريل) قال: " جبر " عبد," إيل " الله, و " ميكا " قال: عبد." إيل ": الله.
(59) * * * قال أبو جعفر: فهذا تأويل من قرأ " جبرئيل " بالفتح، والهمز، والمد.
وهو -إن شاء الله- معنى من قرأ بالكسر، وترك الهمز.
وأما تأويل من قرأ ذلك بالهمز، وترك المد، وتشديد اللام, فإنه قصد بقوله ذلك كذلك، إلى إضافة " جبر " و " ميكا " إلى اسم الله الذي يسمى به بلسان العرب دون السرياني والعبراني.
وذلك أن " الإلّ" بلسان العرب: الله، كما قال: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً [التوبة: 10].
فقال جماعة من أهل العلم: " الإل " هو الله.
ومنه قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه - لوفد بني حنيفة، حين سألهم عما كان مسيلمة يقول, فأخبروه - فقال لهم: ويحكم " أين ذهب بكم؟
والله, إن هذا الكلام ما خرج من إل ولا بر.
يعني" من إل ": من الله وقد:- 1629 - حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية, عن سليمان التيمي, عن أبي مجلز في قوله: لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا وَلا ذِمَّةً قال: قول " جبريل " و " ميكائيل " و " إسرافيل ".
كأنه يقول: حين يضيف " جبر " و " ميكا " و " إسرا " إلى " إيل " يقول: عبد الله.
(60) لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلا ، كأنه يقول: لا يرقبون الله عز وجل.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ قال أبو جعفر: يعني جل ثناؤه بقوله: (مصدقا لما بين يديه)، القرآن.
ونصب " مصدقا " على القطع من " الهاء " التي في قوله: نَـزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ .
(61) فمعنى الكلام: فإن جبريل نـزل القرآن على قلبك، يا محمد، مصدقا لما بين يدي القرآن.
يعني بذلك: مصدقا لما سلف من كتب الله أمامه, ونـزلت على رسله الذين كانوا قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
وتصديقه إياها، موافقة معانيه معانيها في الأمر باتباع محمد صلى الله عليه وسلم وما جاء به من عند الله, وهي تصدقه.
(62) كما:- 1630 - حدثنا أبو كريب قال، حدثنا عثمان بن سعيد قال، حدثنا بشر بن عمارة, عن أبي روق عن الضحاك, عن ابن عباس.(مصدقا لما بين يديه)، يقول: لما قبله من الكتب التي أنـزلها الله، والآيات، والرسل الذين بعثهم الله بالآيات، نحو موسى ونوح وهود وشعيب وصالح، وأشباههم من الرسل صلى الله عليهم.
1631 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد, عن قتادة: (مصدقا لما بين يديه)، من التوراة والإنجيل.
1632 - حُدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر, عن أبيه, عن الربيع مثله.
* * * القول في تأويل قوله تعالى : وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه: (وهدى) ودليل وبرهان.
وإنما سماه الله جل ثناؤه " هدى "، لاهتداء المؤمن به.
و " اهتداؤه به " اتخاذه إياه هاديا يتبعه، وقائدا ينقاد لأمره ونهيه وحلاله وحرامه.
و " الهادي" من كل شيء: ما تقدم أمامه.
ومن ذلك قيل لأوائل الخيل: " هواديها ", وهو ما تقدم أمامها, وكذلك قيل للعنق: " الهادي", لتقدمها أمام سائر الجسد.
(63) * * * وأما " البشرى " فإنها البشارة.
أخبر الله عباده المؤمنين جل ثناؤه، أن القرآن لهم بشرى منه، لأنه أعلمهم بما أعد لهم من الكرامة عنده في جناته, وما هم إليه صائرون في معادهم من ثوابه، وذلك هو " البشرى " التي بشر الله بها المؤمنين في كتابه.
لأن البشارة في كلام العرب، هي: إعلام الرجل بما لم يكن به عالما مما يسره من الخبر، قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره.
(64) وقد روي في ذلك عن قتادة قول قريب المعنى مما قلناه: 1633 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (هدى وبشرى للمؤمنين)، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي وعد فيه, وكان على يقين من ذلك.
قوله تعالى : قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله مصدقا لما بين يديه وهدى وبشرى للمؤمنينسبب نزولها أن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي ، فمن صاحبك حتى نتابعك ؟
قال : ( جبريل ) قالوا : ذاك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ، ذاك عدونا !
لو قلت : ميكائيل الذي ينزل بالقطر وبالرحمة تابعناك ، فأنزل الله الآية إلى قوله : للكافرين أخرجه الترمذي .
وقوله تعالى : فإنه نزله على قلبك الضمير في إنه يحتمل معنيين ، الأول : فإن الله نزل جبريل على قلبك .
الثاني : فإن جبريل نزل بالقرآن على قلبك .
وخص القلب بالذكر لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف .
ودلت الآية على شرف جبريل عليه السلام وذم معاديه .وقوله تعالى : بإذن الله أي بإرادته وعلمه .
مصدقا لما بين يديه يعني التوراة .
وهدى وبشرى للمؤمنين تقدم معناه والحمد لله .
تفسير الآيتين 97 و98 :ـ أي: قل لهؤلاء اليهود, الذين زعموا أن الذي منعهم من الإيمان بك, أن وليك جبريل عليه السلام, ولو كان غيره من ملائكة الله, لآمنوا بك وصدقوا، إن هذا الزعم منكم تناقض وتهافت, وتكبر على الله، فإن جبريل عليه السلام هو الذي نزل بالقرآن من عند الله على قلبك, وهو الذي ينزل على الأنبياء قبلك, والله هو الذي أمره, وأرسله بذلك, فهو رسول محض.
مع أن هذا الكتاب الذي نزل به جبريل مصدقا لما تقدمه من الكتب غير مخالف لها ولا مناقض, وفيه الهداية التامة من أنواع الضلالات, والبشارة بالخير الدنيوي والأخروي, لمن آمن به، فالعداوة لجبريل الموصوف بذلك, كفر بالله وآياته, وعداوة لله ولرسله وملائكته، فإن عداوتهم لجبريل, لا لذاته بل لما ينزل به من عند الله من الحق على رسل الله.
فيتضمن الكفر والعداوة للذي أنزله وأرسله, والذي أرسل به, والذي أرسل إليه, فهذا وجه ذلك.
قوله عز وجل: {قل من كان عدواً لجبريل} قال ابن عباس رضي الله عنهما: "إن حبراً من أحبار اليهود يقال له عبد الله بن صوريا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أي ملك (نزل) من السماء؟
قال (جبريل) قال: ذلك عدونا من الملائكة ولو كان ميكائيل لآمنا بك، إن جبريل ينزل بالعذاب والقتال والشدة وإنه عادانا مراراً وكان من أشد ذلك علينا، أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب على يد رجل يقال له بختنصر، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، فلما كان وقته بعثنا رجلاً من أقوياء بني إسرائيل في طلبه لقتله فانطلق حتى لقيه ببابل غلاماً مسكيناً فأخذه ليقتله فدفع عنه جبريل وكبر بختنصر وقوي وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً فأنزل الله تعالى هذه الآية".
وقال مقاتل: "قالت اليهود: إن جبريل عدونا لأنه أمر بجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا".
وقال قتادة وعكرمة والسدي: "كان لعمر بن الخطاب أرض بأعلى المدينة وممرها على مدارس اليهود فكان إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم كلاماً فقالوا له: ما في أصحاب محمد أحب إلينا منك، إنهم يمرون علينا فيؤذوننا وأنت لا تؤذينا وإنا لنطمع فيك، فقال عمر: والله ما آتيكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم وأنتم تكتمونها، فقالوا: من صاحب ممحمد الذي يأتيه من الملائكة؟، قال: جبريل، فقالوا: ذلك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل عذاب وخسف وسنة وشدة، وإن ميكائيل إذا جاء جاء بالخصب والمغنم، فقال لهم عمر: تعرفون جبريل وتنكرون محمداً؟، قالوا: نعم قال: فأخبروني عن منزلة جبريل وميكائيل من الله عز وجل؟، قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره قال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، ومن كان عدواً لميكائيل فإنه عدو لجبريل، ثم رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية فقال: ((لقد وافقك ربك يا عمر)) فقال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك في دين الله أصلب من الحجر".
قال الله تعالى: {قل من كان عدواً لجبريل فإنه} يعني: جبريل.
{نزله} يعنى: القرآن، كناية عن غير مذكور.
{على قلبك} يا محمد.
{بإذن الله} بأمر الله.
{مصدقاً} موافقاً.
{لما بين يديه} لما قبله من الكتب.
{وهدىً وبشرى للمؤمنين}.
«قل» لهم «من كان عدوّاً لجبريل» فليمت غيظاً «فإنه نزَّله» أي القرآن «على قلبك بإذن» بأمر «الله مصدقاً لما بين يديه» قلبه من الكتب «وهدىً» من الضلالة «وبشرى» بالجنة «للمؤمنين».
قل-أيها الرسول- لليهود حين قالوا: إن جبريل هو عدونا من الملائكة: من كان عدوًا لجبريل فإنه نزَّل القرآن على قلبك بإذن الله تعالى مصدِّقًا لما سبقه من كتب الله، وهاديًا إلى الحق، ومبشرًا للمصدِّقين به بكل خير في الدنيا والآخرة.
ثم ساق القرآن بعد ذلك لوناً عجيباً من ألوان اليهود وهو مجاهرتهم بالعداوة لأمين الوحي جبريل - عليه السلام - فقال - تعالى - :( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ .
.
.
)هاتان الآيتان تكشفان عن رذيلة غريبة حقاً من رذائل اليهود وهي عداوتهم لملك من ملائكة الله ، لا يأكل مما يأكلون ، ولا يشرب مما يشربون وإنما هو من الملائكة المقربين ، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وإذا فليس هناك مقتض لعداوته ، فلماذا هذا التصريح منهم ببغضه وكراهيته؟لقد سمعوا أن جبريل - عليه السلام - ينزل بالوحي من عند الله على محمد صلى الله عليه وسلم وهم يحسدونه على النبوة ، فلج بهم الحقد والغيظ إلى أن أعلنوا عن عدائهم لجبريل - أيضاً - وهذه حماقة وجهالة منهم ، لأن جبريل - عليه السلام - نزل بالخير لهم في دينهم وفي دنياهم .
ولكن الحقد والحسد إذا استوليا على النفوس جعلالها لا تفرق بين الخير والشر .ومعنى الآيتين الكريمتين ، قل - يا محمد - لهؤلاء اليهود الذين أعلنوا عداءهم لجبريل أنه لا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وإنما نزل على قلبك بأمر الله ليكون مؤيداً لما نزل قبله من الكتب السماوية وليكون هداية إلى طريق السعادة وبشارة للمؤمنين بالجنة ، وقل لهم كذلك من كان معادياً لله أو لملك من ملائكته أو لرسول من رسله ، فقد كفر وباء بغضب من الله ، ومن غضب الله عليه ، فجزاؤه الخزي وسوء المصير .قال الإِمام ابن جرير : ( أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً ، على أن هذه نزلت جواباً ليهود من بني إسرائيل ، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم ، وميكائيل ولي لهم ) .وروى البخاري في صحيحه - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : " سمع عبد الله بن سلام بقدوم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف - أي يجني ثمارها - فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي ، فيم أول أشراط الساعة؟
وما أول طعام أهل الجنة ، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال : أخبرني بهن جبريل آنفاً .
قال : جبريل؟
قال : نعم قال ذكل عدو اليهود من الملائكة - فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ .
.
.
) الآية ثم قال : أما أول أشراط الساعة ، فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب!
وأما أول طعام أهل الجنة فزيادة كبد الحوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سببق ماء المرأة نزعت فقال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله .
يا رسول الله : إن اليهود قوم بهت ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم يبهتوني ، فجاءت اليهود فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أي رجل فيكم عبد الله؟
قالوا : خيرنا وابن خيرنا ، وسيدنا وابن سيدنا : قال " أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟
فقالوا : أعاذه الله من ذلك؟
فخرج عبد الله فقال : " أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فقالوا : شرنا وابن شرنا ، وانتقصوه ، قال : فهذا الذي كنت أخاف يا رسول الله " .وأخرج الإِمام أحمد عن ابن عباس : " أن اليهود بعد أن سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أسئلة أجابهم عنها ، قالوا صدقت فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نجامعك أو نفارقك .
قال : وليى جبريل ، لم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه ، قالوا : فعندما نفارقك ، ولو كان وليك سواه من الملائكة لتابعناك وصدقناك ، قال : فما يمنعكم أن تصدقوه؟
قالوا : إنه عدونا ، فأنزل الله - تعالى - قوله : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ .
.
.
) الآيات .وفي حديث للإِمام أحمد والترمذي والنسائي " قال اليهود للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سألوه عن أشياء أجابهم عنها إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها ، إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخير ، فأخبرنا من صاحبك؟
قال جبريل - عليه السلام - قالوا : جبريل ذلك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا ، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان .
فأنزل الله - تعالى - : ( قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ) الآية .فيؤخذ من هذه الأحاديث وما في معناها أن اليهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يجاهرون بعداوتهم لجبريل - عليه السلام - وأن هذه المجاهرة بالعداوة ، قد تكررت منهم في مواقف متعددة بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم وأن الذي حملهم على ذلك هو حسدهم له ، وغيظهم من جبريل ، لأنه ينزل بالوحي عليه .قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور : " ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من عند الله ، ومع ذلك يبغضونه ، وهذا أحط درجات الانحطاط في العقل والعقيدة ، ولا شك أن الاضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تضافر آرائهم على الخطأ والأوهام " .وفي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بلفظ ( قُلْ ) كي يرد على اليهود ، تثبيت له ، وتطمين لنفسه وتوبيخ لهم على معاداتهم لأمين الوحي ، وهو جبريل - عليه السلام - .وقوله تعالى : ( مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ) شرط عام قصد الإِتيان به ليعلموا أن الله - تعالى - لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادي جبريل ، إن وجد معاد آخر له سواهم .وقوله تعالى : ( على قَلْبِكَ ) زيادة تقرير للتنزيل ، ببيان محل الوحي ، وإشارة إلى أن السبب في تمكنه صلى الله عليه وسلم من تلاوة القرآن الكريم ، وإبلاغه للناس ، ثباته في قلبه .وقوله تعالى : ( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله ) معناه : فلا موجب لعداوته .
لأنه نزل القرآن على قلبك يا محمد بإذن الله وأمره .
وإذاً فعداوته عداوة لله في الحقيقة والواقع ، ومن هنا يتبين أن هذه الجملة تعليل لجواب الشرط وقائمة مقامه .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف استقام قوله تعالى : ( فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ ) جزاء للشرط؟
قلت : فيه وجهان :أحدهما : إن عادي جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته ، حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب التي بين يديه ، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم .والثاني : إن عاداه أحد فالسبب في عداواته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم ، وموافقاً له ، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم ، ولذلك يحرفونه ويجحدون موافقته له .
كقولك : " إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه " .وقوله - تعالى - : ( بِإِذْنِ الله ) أي بأمره ، وهو توبيخ لهم على عداوتهم لجبريل ، الذي أنزل بالقرآن بإذن الله ، لا من تلقاء نفسه ، وهذه حجة أولى عليهم .وقوله تعالى : ( مُصَدِّقاً ) حال من الضمير العائد على القرآن الكريم ، ف قوله ( نَزَّلَهُ ) أي أنزله حالة كونه مؤيداً للكتب السماوية التي قبله ومن بينها التوراة ، وهذه حجة ثانية عليهم .ثم عززهما بثالثة ورابعة - فقال تعالى : ( وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) أي هذا القرآن الذي نزل مصدقاً لكتبكم ، هو هاد إلى طريق الفلاح والنجاح ، والعقال لا يرفض الهداية التي تأتيه وتنقذه مما هو فيه من ضلالات ولو كان الواسطة في مجيئها عدواً له ، وهو - أيضاً - مبشر للمؤمنين برضا الله تعالى - عنهم في الدنيا والآخرة ، أما الضالون فقد أنذرهم بسوء العقبى فعليكم أن تتبعوا طريق الإِيمان لتكونوا من المفلحين وبذلك يكون القرآن قد أقام حججاً متعددة على حماقتهم وعنادهم وجحودهم للحق بعد ما تبين .
وتكون الآية الكريمة قد مدحت القرآن بخمس صفات .أولها : أنه منزل من عند الله وبإذنه .وثانيها : أنه منزل على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .وثالثها : أنهن مصدق لما نزل قبله من الكتب السماوية .ورابعها : أنه هاد إلى الخير أبلغ هدى وأقواه .وخامسها : أنه بشارة سارة للمؤمنين .
اعلم أن هذا النوع أيضاً من أنواع قبائح اليهود ومنكرات أقوالهم وأفعالهم وفيه مسائل: المسألة الأولى: أن قوله تعالى: ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ ﴾ لابد له من سبب وأمر قد ظهر من اليهود حتى يأمره تعالى بأن يخاطبهم بذلك لأنه يجري مجرى المحاجة، فإذا لم يثبت منهم في ذلك أمر لا يجوز أن يأمره الله تعالى بذلك والمفسرون ذكروا أموراً، أحدها: أنه عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك، فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان؟
فقال عليه السلام: «تنام عيناي ولا ينام قلبي» قال: صدقت يا محمد، فأخبرني عن الولد أمن الرجل يكون أم من المرأة؟
فقال: أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر، فمن المرأة فقال صدقت.
فما بال الرجل يشبه أعمامه دون أخواله أو يشبه أخواله دون أعمامه؟
فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، قال: صدقت فقال: أخبرني أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه؟
فقال عليه السلام: «أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب، وهو لحمان الإبل وألبانها؟» فقالوا: نعم.
فقال له: بقيت خصلة واحدة إن قلتها آمنت بك، أي ملك يأتيك بما تقول عن الله؟
قال: «جبريل».
قال: إن ذلك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي بالبشر والرخاء فلو كان هو الذي يأتيك آمنا بك، فقال عمر: وما مبدأ هذه العداوة؟
فقال ابن صوريا مبدأ هذه العداوة أن الله تعالى أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخرب في زمان رجل يقال له: بختنصر ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله فهذا ليس هو ذاك الذي أخبر الله عنه أنه سيخرب بيت المقدس، فلا فائدة في قتله، ثم إنه كبر وقوى وملك وغزانا وخرب بيت المقدس وقتلنا، فلذلك نتخذه عدواً، وأما ميكائيل فإنه عدو جبريل فقال عمر؛ فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل وهما عدوان لمن عداهما فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.
وثانيها: روي أنه كان لعمر أرض بأعلى المدينة وكان ممره على مدراس اليهود وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدونا يطلع محمداً على أسرارنا وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلم فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟
قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وميكائيل عدواً لجبريل فقال عمر: لئن كان كما تقولون فما هما بعدوين ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدو لأحدهما كان عدواً للآخر ومن كان عدواً لهما كان عدواً الله، ثم رجع عمر فوجد جبريل عليه السلام قد سبقه بالوحي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ربك يا عمر قال عمر: لقد رأيتني في دين بعد ذلك أصلب من الحجر.
وثالثها: قال مقاتل زعمت اليهود أن جبريل عليه السلام عدونا، أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا فأنزل الله هذه الآيات.
واعلم أن الأقرب أن يكون سبب عداوتهم له أنه كان ينزل القرآن على محمد عليه السلام لأن قوله: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله ﴾ مشعر بأن هذا التنزيل لا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة لأنه إنما فعل ذلك بأمر الله فلا ينبغي أن يكون سبباً للعداوة وتقرير هذا من وجوه، أولها: أن الذي نزله جبريل من القرآن بشارة المطيعين بالثواب وإنذار العصاة بالعقاب والأمر بالمحاربة والمقاتلة لما لم يكن ذلك باختياره بل بأمر الله الذي يعترفون أنه لا محيص عن أمره ولا سبيل إلى مخالفته فعداوة من هذا سبيله توجب عداوة الله وعداوة الله كفر، فيلزم أن عداوة من هذا سبيله كفر.
وثانيها: أن الله تعالى لو أمر ميكائيل بإنزال مثل هذا الكتاب فإما أن يقال: إنه كان يتمرد أو يأبى عن قبول أمر الله وذلك غير لائق بالملائكة المعصومين أو كان يقبله ويأتي به على وفق أمر الله فحينئذ يتوجه على ميكائيل ما ذكروه على جبريل عليهما السلام فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟.
وثالثها: أن إنزال القرآن على محمد كما شق على اليهود فإنزال التوراة على موسى شق على قوم آخرين، فإن اقتضت نفرة بعض الناس لإنزال القرآن قبحه فلتقتض نفرة أولئك المتقدمين إنزال التوراة على موسى عليه السلام قبحه ومعلوم أن كل ذلك باطل فثبت بهذه الوجوه فساد ما قالوه.
المسألة الثانية: من الناس من استبعد أن يقول قوم من اليهود: إن جبريل عدوهم قالوا: لأنا نرى اليهود في زماننا هذا مطبقين على إنكار ذلك مصرين على أن أحداً من سلفهم لم يقل بذلك، واعلم أن هذا باطل لأن حكاية الله أصدق، ولأن جهلهم كان شديداً وهم الذين قالوا؛ ﴿ اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ ﴾ .
المسألة الثالثة: قرأ ابن كثير: جبريل بفتح الجيم وكسر الراء من غير همز، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بفتح الجيم والراء مهموزاً والباقون بكسر الجيم والراء غير مهموز بوزن قنديل وفيه سبع لغات ثلاث منها ذكرناها، وجبرائيل على وزن جبراعل وجرائيل على وزن جبراعيل وجبرايل على وزن جبراعل وجبرين بالنون ومنع الصرف للتعريف والعجمة.
المسألة الرابعة: قال بعضهم: جبريل معناه عبد الله، ف جبر عبد وإيل الله: وميكائيل عبد الله وهو قول ابن عباس وجماعة من أهل العلم، قال: أبو علي السوسي: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه لا يعرف من أسماء الله أيل والثاني: أنه لو كان كذلك لكان آخر الاسم مجروراً.
أما قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: الهاء في قوله تعالى: فإنه وفي قوله: نزله إلى ماذا يعود؟
الجواب فيه قولان: أحدهما: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله: ﴿ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ ﴾ يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم.
أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله.
قال صاحب الكشاف: إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته، وثانيهما: المعنى فإن الله نزل جبريل عليه السلام لا أنه نزل نفسه.
السؤال الثاني: القرآن: إنما نزل على محمد صلى الله عليه وسلم فما السبب في قوله نزله على قلبك؟
الجواب: هذه المسألة ذكرناها في سورة الشعراء في قوله: ﴿ نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ ﴾ وأكثر الأمة على أنه أنزل القرآن عليه لا على قلبه إلا أنه خص القلب بالذكر لأجل أن الذي نزل به ثبت في قلبه حفظاً حتى أداه إلى أمته، فلما كان سبب تمكنه من الأداء ثباته في قلبه حفظاً جاز أن يقال: نزله على قلبك وإن كان في الحقيقة نزله عليه لا على قلبه.
السؤال الثالث: كان حق الكلام أن يقال على قلبي، والجواب: جاءت على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي، من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
السؤال الرابع: كيف استقام قوله: ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ جزاء للشرط؟
والجواب فيه وجهان: الأول: أنه سبحانه وتعالى بين أن هذه العداوة فاسدة لأنه ما أتى إلا أنه أمر بإنزال كتاب فيه الهداية والبشارة فأنزله، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يجب أن يكون مشكوراً فكيف تليق به العداوة، والثاني: أنه تعالى بين أن اليهود إن كانوا يعادونه فيحق لهم ذاك، لأنه نزل عليك الكتاب برهاناً على نبوتك، ومصداقاً لصدقك وهم يكرهون ذلك فكيف لا يبغضون من أكد عليهم الأمر الذي يكرهونه.
أما قوله تعالى: ﴿ بِإِذُنِ الله ﴾ فالأظهر بأمر الله وهو أولى من تفسيرة بالعلم لوجوه.
أولها؛ أن الإذن حقيقة في الأمر مجاز في العلم واللفظ واجب الحمل على حقيقته ما أمكن.
وثانيها: أن إنزاله كان من الواجبات والوجوب مستفاد من الأمر لا من العلم.
وثالثها: أن ذلك الإنزال إذا كان عن أمر لازم كان أوكد في الحجة.
أما قوله تعالى: ﴿ مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ فمحمول على ما أجمع عليه أكثر المفسرين من أن المراد ما قبله من كتب الأنبياء ولا معنى لتخصيص كتاب دون كتاب، ومنهم من خصه بالتوراة وزعم أنه أشار إلى أن القرآن يوافق التوراة في الدلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: أليس أن شرائع القرآن مخالفة لشرائع سائر الكتب، فلم صار بأن يكون مصدقاً لها لكونها متوافقة في الدلالة على التوحيد ونبوة محمد أولى بأن يكون غير مصدق لها؟
قلنا: الشرائع التي تشتمل عليها سائر الكتب كانت مقدرة بتلك الأوقات ومنتهية في هذا الوقت بناء على أن النسخ بيان انتهاء مدة العبادة، وحينئذ لا يكون بين القرآن وبين سائر الكتب اختلاف في الشرائع.
أما قوله تعالى: ﴿ وهدى ﴾ فالمراد به أن القرآن مشتمل على أمرين.
أحدهما: بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأعمال الجوارح وهو من هذا الوجه هدى.
وثانيهما: بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه وهو من هذا الوجه بشرى، ولما كان الأول مقدماً على الثاني في الوجود لا جرم قدم الله لفظ الهدى على لفظ البشرى، فإن قيل: ولم خص كونه هدى وبشرى بالمؤمنين مع أنه كذلك بالنسبة إلى الكل؟
الجواب من وجهين: الأول: أنه تعالى إنما خصهم بذلك، لأنهم هم الذين اهتدوا بالكتاب فهو كقوله تعالى: ﴿ هُدًى لّلْمُتَّقِينَ ﴾ .
والثاني: أنه لا يكون بشرى إلا للمؤمنين، وذلك لأن البشرى عبارة عن الخبر الدال على حصول الخير العظيم وهذا لا يحصل إلا في حق المؤمنين، فلهذا خصهم الله به.
أما الآية الثانية وهي قوله تعالى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لّلَّهِ وَمَلئِكَتِهِ ﴾ فاعلم أنه تعالى لما بين في الآية الأولى: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ ﴾ لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد، وجب أن يكون عدواً لله تعالى، بين في هذه الآية أن من كان عدواً لله كان عدواً له، فبين أن في مقابلة عداوتهم ما يعظم ضرر الله عليهم وهو عداوة الله لهم، لأن عداوتهم لا تؤثر ولا تنفع ولا تضر، وعداوته تعالى تؤدي إلى العذاب الدائم الأليم الذي لا ضرر أعظم منه، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله ومن حق العداوة الإضرار بالعدو، وذلك محال على الله تعالى؟
والجواب: أن معنى العداوة على الحقيقة لا يصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى، بل المراد منه أحد وجهين، إما أن يعادوا أولياء الله فيكون ذلك عداوة لله كقوله: ﴿ إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ وكقوله: ﴿ إِنَّ الذين يُؤْذُونَ الله وَرَسُولَهُ ﴾ لأن المراد بالآيتين أولياء الله دونه لاستحالة المحاربة والأذية عليه، وإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته وبعدهم عن التمسك بذلك فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة لأن الإضرار جائز عليهم لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم.
السؤال الثاني: لما ذكر الملائكة فلم أعاد ذكر جبريل وميكائيل مع اندراجهما في الملائكة؟
الجواب لوجهين: الأول: أفردهما بالذكر لفضلهما كأنهما لكمال فضلهما صارا جنساً آخر سوى جنس الملائكة.
الثاني: أن الذي جرى بين الرسول واليهود هو ذكرهما والآية إنما نزلت بسببهما، فلا جرم نص على اسميهما، واعلم أن هذا يقتضي كونهما أشرف من جميع الملائكة وإلا لم يصح هذا التأويل، وإذا ثبت هذا فنقول: يجب أن يكون جبريل عليه السلام أفضل من ميكائيل لوجوه، أحدها: أنه تعالى قدم جبريل عليه السلام في الذكر، وتقديم المفضول على الفاضل في الذكر مستقبح عرفاً فوجب أن يكون مستقبحاً شرعاً لقوله عليه السلام: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن».
وثانيها: أن جبريل عليه السلام ينزل بالقرآن والوحي والعلم وهو مادة بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والأمطار وهي مادة بقاء الأبدان، ولما كان العلم أشرف من الأغذية وجب أن يكون جبريل أفضل من ميكائيل.
وثالثها: قوله تعالى في صفة جبريل: ﴿ مطاع ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ ذكره يوصف المطاع على الإطلاق، وظاهره يقتضي كونه مطاعاً بالنسبة إلى ميكائيل فوجب أن يكون أفضل منه.
المسألة الثانية: قرأ أبو عمرو وحفص عن عاصم ميكال بوزن قنطار، ونافع ميكائل مختلسة ليس بعد الهمزة ياء على وزن ميكاعل، وقرأ الباقون ميكائيل على وزن ميكاعيل، وفيه لغة أخرى ميكئيل على وزن ميكعيل، وميكئيل كميكعيل، قال ابن جنّي: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.
المسألة الثالثة: الواو في جبريل وميكال، قيل: واو العطف، وقيل: بمعنى أو يعني من كان عدواً لأحد من هؤلاء فإن الله عدو لجميع الكافرين.
المسألة الرابعة: ﴿ عَدُوٌّ للكافرين ﴾ أراد عدو لهم إلا أنه جاء بالظاهر ليدل على أن الله تعالى إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر.
<div class="verse-tafsir"
روي: أن عبد الله بن صوريا من أحبار (فدك) حاجّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسأله عمن يهبط عليه بالوحي، فقال: جبريل، فقال: ذاك عدوّنا، ولو كان غيره لآمنا بك، وقد عادانا مراراً، وأشدّها أنه أنزل على نبينا أنّ بيت المقدس سيخربه بختنصّر، فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاما مسكيناً، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه، وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.
وقيل: أمره الله تعالى أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.
وروي: أنه كان لعمر رضي الله عنه أرض بأعلى المدينة، وكان ممرّه على مدارس اليهود، فكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم، فقالوا: يا عمر، قد أحببناك، وإنا لنطمع فيك فقال: والله ما أجيئكم لحبكم، ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد صلى الله عليه وسلم، وأرى آثاره في كتابكم، ثم سألهم عن جبريل فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإنّ ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.
فقال لهم: وما منزلتهما من الله تعالى قالوا: أقرب منزلة، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره.
وميكائيل عدوّ لجبريل.
فقال عمر: لئن كانا كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدّواً لله.
ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد وافقك ربك يا عمر.
فقال عمر: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.
وقرئ: ﴿ جبرئيل ﴾ ، بوزن قفشليل و ﴿ جبرئل ﴾ بحذف الياء، و ﴿ جبريل ﴾ بحذف الهمزة، و ﴿ جبريل ﴾ بوزن قنديل، و ﴿ جبرالّ ﴾ بلام شديدة.
و ﴿ جبرائيل ﴾ بوزن جبراعيل.
و ﴿ جبرائل ﴾ بوزن جبراعل.
ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة.
وقيل معناه: عبد الله.
الضمير في ﴿ نَزَّلَهُ ﴾ للقرآن.
ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة لشأن صاحبه، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته ﴿ على قَلْبِكَ ﴾ أي حفظه إياك وفهمكه ﴿ بإذنالله ﴾ بتيسيره وتسهيله.
فإن قلت: كان حق الكلام أن يقال: على قلبي.
قلت: جاءت على حكاية كلام الله تعالى كما تكلم به، كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي: من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك.
فإن قلت: كيف استقام قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ جزاء للشرط؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدّقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في إنزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.
والثاني: إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدّقاً لكتابهم وموافقاً له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه، أُفرد الملكان بالذكر لفضلهما كأنهما من جنس آخر، وهو مما ذكر أنّ التغاير في الوصف ينزل منزلة التغاير في الذات.
وقرئ: ﴿ ميكال ﴾ ، بوزن قنطار.
و ﴿ ميكائيل ﴾ كميكاعيل.
و ﴿ ميكائل ﴾ كميكاعل.
و ﴿ ميكئل ﴾ كميكعل.
و ﴿ ميكئيل ﴾ كميكعيل.
قال ابن جني: العرب إذا نطقت بالأعجمي خلطت فيه.
﴿ عَدُوٌّ للكافرين ﴾ أراد عدوّ لهم فجاء بالظاهر، ليدل على أنّ الله إنما عاداهم لكفرهم، وأن عداوة الملائكة كفر، وإذا كانت عداوة الأنبياء كفراً فما بال الملائكة وهم أشرف والمعنى من عاداهم عاداه الله وعاقبه أشدّ العقاب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ نَزَلَ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيّا، سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ بِالوَحْيِ؟
فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا عادانا مِرارًا، وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرِّبُهُ بُخْتُنَصَّرُ، فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ فَرَآهُ بِبابِلَ فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ.
وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم أمَرَهُ بِهَلاكِكم فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ وإلّا فِيمَ تَقْتُلُونَهُ؟
وَقِيلَ: «دَخَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَدارِسَ اليَهُودِ يَوْمًا، فَسَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ فَقالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا وإنَّهُ صاحِبُ كُلَّ خَسْفٍ وعَذابٍ، ومِيكائِيلُ صاحِبُ الخِصْبِ والسَّلامِ، فَقالَ: وما مَنزِلَتُهُما مِنَ اللَّهِ؟
قالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ وبَيْنَهُما عَداوَةٌ، فَقالَ: لَئِنْ كانا كَما تَقُولُونَ فَلَيْسا بِعَدُوَّيْنِ ولَأنْتُمْ أكْفُرُ مِنَ الحَمِيرِ، ومَن كانَ عَدُوَّ أحَدِهِما فَهو عَدُوُّ اللَّهِ.
ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: « لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ» .
وفي جِبْرِيلَ ثَمانُ لُغاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ أرْبَعٌ فِي: المَشْهُورِ « جَبْرَئِيلُ» كَسَلْسَبِيلٍ قِراءَةُ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ، و « جَبْرِيلُ» بِكَسْرِ الرّاءِ وحَذْفِ الهَمْزَةِ قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، و « جَبْرَئِلُ» كَجَحْمَرِشٍ قِراءَةُ عاصِمٍ بِرِوايَةِ أبِي بَكْرٍ، و « جِبْرِيلُ» كَقِنْدِيلٍ قِراءَةُ الباقِينَ.
وأرْبَعٌ في الشَّواذِّ: جَبْرائِلُّ و « جَبْرائِيلُ» كَجَبْراعِيلٍ، و « جَبْرِيلُ» وجَبْرِينُ ومُنِعَ صَرْفُهُ لِلْعُجْمَةِ، والتَّعْرِيفِ، ومَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ.
﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ البارِزُ الأوَّلُ لِجِبْرِيلَ، والثّانِي لِلْقُرْآنِ، وإضْمارُهُ غَيْرُ مَذْكُورٍ يَدُلُّ عَلى فَخامَةِ شَأْنِهِ كَأنَّهُ لِتَعَيُّنِهِ وفَرْطِ شُهْرَتِهِ لَمْ يَحْتَجْ إلى سَبْقِ ذِكْرِهِ.
﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ فَإنَّهُ القابِلُ الأوَّلُ لِلَوْحِي، ومَحَلُّ الفَهْمِ والحِفْظِ، وكانَ حَقُّهُ عَلى قَلْبِي لَكِنَّهُ جاءَ عَلى حِكايَةِ كَلامِ اللَّهِ تَعالى كَأنَّهُ قالَ: قُلْ ما تَكَلَّمْتَ بِهِ.
﴿ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ بِأمْرِهِ أوْ تَيْسِيرِهِ حالٌ مِن فاعِلِهِ نَزَّلَهُ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أحْوالٌ مِن مَفْعُولِهِ، والظّاهِرُ أنَّ جَوابَ الشَّرْطِ ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ ، والمَعْنى مَن عادى مِنهم جِبْرِيلَ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإنْصافِ، أوْ كَفَرَ بِما مَعَهُ مِنَ الكِتابِ بِمُعاداتِهِ إيّاهُ لِنُزُولِهِ عَلَيْكَ بِالوَحْيِ، لِأنَّهُ نُزُولُ كِتابٍ مُصَدِّقٍ لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، فَحُذِفَ الجَوابُ وأُقِيمَ عِلَّتُهُ مَقامَهُ، أوْ مَن عاداهُ فالسَّبَبُ في عَداوَتِهِ أنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَيْكَ.
وقِيلَ مَحْذُوفٌ مِثْلَ: فَلْيَمُتْ غَيْظًا، أوْ فَهو عَدُوٌّ لِي وأنا عَدُوٌّ لَهُ.
كَما قالَ: <div class="verse-tafsir"
{قُلْ مَن كَانَ عَدُوّا لِّجِبْرِيلَ} بفتح الجيم وكسر الراء بلا همزة مكي وبفتح الراء والجيم والهمز مشبعاً كوفي غير حفص وبكسر الراء والجيم بلا همز غيرهم ومنع الصرف فيه للتعريف والعجمة ومعناه عبد الله لأن جبر هو العبد بالسريانية وايل اسم الله روي أَن ابن صوريا من أحبار اليهود حاج النبى صلى الله عليه وسلم وسأله عمن يهبط عليه بالوحي فقال جبريل فقال ذاك عدونا
البقرة (٩٧ _ ١٠١)
ولو كان غيره لآمنا وقد عادانا مراراً وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بختنصر فبعثنا من يقتله فلقيه ببابل غلاماً مسكيناً فدفع عنه جبريل وقال إن كان ربكم أمره بهلاككم فإنه لا يسلطكم عليه وإن لم يكن إياه فعلى أي ذنب تقتلونه {فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ} فإن جبريل نزل القرآن ونحو هذا الإضمار أعني إضمار ما لم يسبق ذكره فيه فخامة حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته {على قَلْبِكَ} أي حفظه إياك وخص القلب لأنه محل الحفظ كقوله نَزَلَ بِهِ الروح الأمين على قَلْبِكَ وكان حق الكلام أن يقال على قلبي ولكن جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به وإنما استقام أن يقع فإنه نزله جزاء للشرط لأن تقديره إن عادى جبريل احد من أهل الكتاب فلاوجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه فى انزاله ما ينفعهم ويصحح المنزل عليه وقيل جواب الشرط محذوف تقديره من كان عدواً لجبريل فليمت غيظاً فإنه نزل الوحي على قلبك {بِإِذْنِ الله} بأمره {مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ} رد على اليهود حين قالوا إن جبريل ينزل بالحرب والشدة فقيل فإنه ينزل
بالهدى والبشرى أيضاً
﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ «دَخَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مَدارِسَ اليَهُودِ يَوْمًا، فَسَألَهم عَنْ جِبْرِيلَ، فَقالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا، يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى أسْرارِنا، وأنَّهُ صاحِبُ كُلِّ خَسْفٍ، وعَذابٍ، ومِيكائِيلُ صاحِبُ الخِصْبِ والسَّلامِ، فَقالَ: ما مَنزِلَتُهُما مِنَ اللَّهِ تَعالى؟
قالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ، وبَيْنَهُما عَداوَةٌ، فَقالَ: لَئِنْ كانا كَما تَقُولُونَ، فَلَيْسا بِعَدُوَّيْنِ، ولَأنْتُمْ أكْفَرُ مِنَ الحَمِيرِ، ومَن كانَ عَدُوًّا لِأحَدِهِما فَهو عَدُوُّ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ فَوَجَدَ جِبْرِيلَ قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ، فَقالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: لَقَدْ وافَقَكَ رَبُّكَ يا عُمَرُ، قالَ عُمَرُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي بَعْدَ ذَلِكَ أصْلَبَ مِنَ الحَجَرِ،» وقِيلَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا كانَ يَهُودِيًّا مِن أحْبارِ فَدَكٍ، سَألَ رَسُولَ اللَّهِ عَمَّنْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ؟
فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَقالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، عادانا مِرارًا، وأشَدُّها أنَّهُ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّنا أنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ سَيُخَرِّبُهُ بُخْتَنَصَّرُ، فَبَعَثْنا مَن يَقْتُلُهُ، فَرَآهُ بِبابِلَ، فَدَفَعَ عَنْهُ جِبْرِيلُ، وقالَ: إنْ كانَ رَبُّكم أمَرَهُ بِهَلاكِكُمْ، فَلا يُسَلِّطُكم عَلَيْهِ، وإلّا فَبِمَ تَقْتُلُونَهُ، وصَدَّقَهُ الرَّجُلُ المَبْعُوثُ، ورَجَعَ إلَيْنا وكَبُرَ بُخْتَنَصَّرُ وقَوِيَ وغَزانا، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، رَوى ذَلِكَ بَعْضُ الحُفّاظِ، وقالَ العِراقِيُّ: لَمْ أقِفْ لَهُ عَلى سَنَدٍ، فَلَعَلَّ الأوَّلَ أقْوى مِنهُ، وإنْ أوْهَمَ صَنِيعُ بَعْضِهِمُ العَكْسَ، وجِبْرِيلُ عَلَمُ مَلَكٍ، كانَ يَنْزِلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالقُرْآنِ، وهو اسْمٌ أعْجَمِيٌّ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والعُجْمَةِ، وأبْعَدَ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِن جَبَرُوتِ اللَّهِ، وجَعَلَهُ مُرَكَّبًا تَرْكِيبَ مَزْجٍ مِن مُضافٍ ومُضافٍ إلَيْهِ، فَمَنَعَهُ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّرْكِيبِ، لَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ ما يُرَكَّبُ هَذا التَّرْكِيبَ يَجُوزُ فِيهِ البِناءُ والإضافَةُ ومَنعُ الصَّرْفِ، فَكَوْنُهُ لَمْ يُسْمَعْ فِيهِ الإضافَةُ أوِ البِناءُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَيْسَ مِن تَرْكِيبِ المَزْجِ، وقَدْ تَصَرَّفَتْ فِيهِ العَرَبُ عَلى عادَتِها في تَغْيِيرِ الأسْماءِ الأعْجَمِيَّةِ، حَتّى بَلَغَتْ فِيهِ إلى ثَلاثَ عَشْرَةَ لُغَةً، أفْصَحُها وأشْهَرُها جِبْرِيلُ كَقِنْدِيلٍ، وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو، ونافِعٍ، وابْنِ عامِرٍ، وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعَهُما مِنَ اللَّهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنَزَّلُ الثّانِيَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها بِفَتْحِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ كَثِيرٍ، والحَسَنِ، وابْنِ مُحَيْصِنٍ، قالَ الفَرّاءُ: لا أُحِبُّها، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فَعْلِيلٌ، ولَيْسَ بِشَيْءٍ، لِأنَّ الأعْجَمِيَّ إذْ عَرَّبُوهُ قَدْ يُلْحِقُونَهُ بِأوْزانِهِمْ كَلِجامِ، وقَدْ لا يُلْحِقُونَهُ بِها كَإبْرَيْسِمٍ، وجِبْرِيلُ مِن هَذا القَبِيلِ، مَعَ أنَّهُ سُمِعَ سَمَوْألُ، لِطائِرٍ، الثّالِثُ جَبْرَئِيلُ كَسَلْسَبِيلٍ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَمّادٌ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وهي لُغَةُ قَيْسٍ، وتَمِيمٍ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ نَجْدٍ، وحَكاها الفَرّاءُ، واخْتارَها الزَّجّاجُ، وقالَ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ، وقالَ حَسّانُ: شَهِدْنا فَما يَلْقى لَنا مِن كَتِيبَةٍ ∗∗∗ مَدى الدَّهْرِ إلّا جَبْرَئِيلُ أمامَها الرّابِعَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّها بِدُونِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وهي رِوايَةُ يَحْيى بْنِ آدَمَ عَنْ أبِي بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ، وتُرْوى عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، الخامِسَةُ كَذَلِكَ، إلّا أنَّ اللّامَ مُشَدَّدَةٌ، وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، ويَحْيى ابْنِ يَعْمَرَ أيْضًا، السّادِسَةُ جَبْرائِلُ، بِألِفٍ وهَمْزَةٍ بَعْدَها مَكْسُورَةٍ بِدُونِ ياءٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعِكْرِمَةُ، السّابِعَةُ مِثْلُها مَعَ زِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، الثّامِنَةُ جَبْرايِيلُ بِياءَيْنِ بَعْدَ الألِفِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وابْنُ يَعْمَرَ، ورَواها الكِسائِيُّ عَنْ عاصِمٍ، التّاسِعَةُ جَبْرالَ، العاشِرَةُ جِبْرِيلُ بِالياءِ والقَصْرِ، وهي قِراءَةُ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، الحادِيَةَ عَشْرَةَ جَبْرِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ والنُّونِ، الثّانِيَةَ عَشْرَةَ كَذَلِكَ إلّا أنَّها بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي لُغَةُ أسَدٍ، الثّالِثَةَ عَشْرَةَ جَبْرايِنُ، قالَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ: جُمِعَ جِبْرِيلُ جَمْعَ تَكْسِيرٍ عَلى جَبارِينَ، عَلى اللُّغَةِ العالِيَةِ، واشْتُهِرَ أنَّ مَعْناهُ عَبْدُ اللَّهِ عَلى أنَّ جَبْرَ هو اللَّهُ تَعالى، وإيلُ هو العَبْدُ، وقِيلَ: عَكْسُهُ، ورَدَّهُ بَعْضُهم بِأنَّ المَعْهُودَ في الكَلامِ العَجَمِيِّ تَقْدِيمُ المُضافِ إلَيْهِ عَلى المُضافِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ.
﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ جَوابُ الشَّرْطِ، إمّا نِيابَةً أوْ حَقِيقَةً، والمَعْنى مَن عاداهُ مِنهُمْ، فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإنْصافِ، أوْ كَفَرَ بِما مَعَهُ مِنَ الكِتابِ بِمُعاداتِهِ إيّاهُ، لِنُزُولِهِ عَلَيْكَ بِالوَحْيِ، لِأنَّهُ نَزَّلَ كِتابًا مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ المُتَقَدِّمَةِ، أوْ فالسَّبَبُ في عَداوَتِهِ أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْكَ، ولَيْسَ المُبْتَدَأُ عَلى هَذا الأخِيرِ مَحْذُوفًا، و”إنَّهُ نزله“ خَبَرُهُ، حَتّى يَرِدَ أنَّ المَوْضِعَ لِلْمَفْتُوحَةِ، بَلْ أنَّ الفاءَ داخِلَةٌ عَلى السَّبَبِ، ووَقَعَ جَزاءً بِاعْتِبارِ الإعْلامِ والإخْبارِ بِسَبَبِيَّتِهِ، لِما قَبْلَهُ، فَيَؤُولُ المَعْنى إلى مَن عاداهُ، فَأُعْلِمُكم بِأنَّ سَبَبَ عَداوَتِهِ كَذا، فَهو كَقَوْلِكَ: إنْ عاداكَ فُلانٌ فَقَدْ آذَيْتَهُ، أيْ فَأخْبَرَكَ بِأنَّ سَبَبَ عَداوَتِكَ أنَّكَ آذَيْتَهُ، وقِيلَ: الجَزاءُ مَحْذُوفٌ بِحَيْثُ لا يَكُونُ المَذْكُورُ نائِبًا، وعَنْهُ يُقَدَّرُ مُؤَخَّرًا عَنْهُ، ويَكُونُ هو تَعْلِيلًا وبَيانًا لِسَبَبِ العَداوَةِ، والمَعْنى: مَن عاداهُ، لِأنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ، فَلْيَمُتْ غَيْظًا، أوْ فَهو عَدُوٌّ لِي وأنا عَدُوُّهُ، والقَرِينَةُ عَلى حَذْفِ الثّانِي الجُمْلَةُ المُعْتَرِضَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَهُ في وعِيدِهِمْ، واحْتِمالُ أنْ يَكُونَ ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا ﴾ إلَخِ اسْتِفْهامًا لِلِاسْتِبْعادِ، أوِ التَّهْدِيدِ، ويَكُونُ (فَإنَّهُ) تَعْلِيلَ العَداوَةِ، وتَقْيِيدًا لَها، أوْ تَعْلِيلَ الأمْرِ بِالقَوْلِ مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُرْتَكَبَ في القُرْآنِ العَظِيمِ، والضَّمِيرُ الأوَّلُ البارِزُ لِجِبْرِيلَ، والثّانِي لِلْقُرْآنِ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ الأحْوالُ، لِأنَّها كُلَّها مِن صِفاتِ القُرْآنِ ظاهِرًا، وقِيلَ: الأوَّلُ لِلَّهِ تَعالى، والثّانِي لِجِبْرِيلَ، أيْ فَإنَّ اللَّهَ نَزَّلَ جِبْرِيلَ بِالقُرْآنِ عَلى قَلْبِكَ، وفي كُلٍّ مِنَ الوَجْهَيْنِ إضْمارٌ يَعُودُ عَلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّياقُ، وفي ذَلِكَ مِن فَخامَةِ الشَّأْنِ ما لا يَخْفى، ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: عَلَيْكَ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى ﴾ بَلْ قالَ: ﴿ عَلى قَلْبِكَ ﴾ ، لِأنَّهُ القابِلُ الأوَّلُ لِلْوَحْيِ إنْ أُرِيدَ بِهِ الرُّوحُ، ومَحَلُّ الفَهْمِ والحِفْظِ إنْ أُرِيدَ بِهِ العُضْوُ، بِناءً عَلى نَفْيِ الحَواسِّ الباطِنَةِ، وقِيلَ: كَنّى بِالقَلْبِ عَنِ الجُمْلَةِ الإنْسانِيَّةِ كَما يُكَنّى بِبَعْضِ الشَّيْءِ عَنْ كُلِّهِ، وقِيلَ: مَعْنى ﴿ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ جَعَلَ قَلْبَكَ مُتَّصِفًا بِأخْلاقِ القُرْآنِ، ومُتَأدِّبًا بِآدابِهِ كَما في حَدِيثِ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها: «(كانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ، يَرْضى لِرِضاهُ، ويَغْضَبُ لِغَضَبِهِ)،» وكانَ الظّاهِرُ أنْ يَقُولَ: عَلى قَلْبِي، لِأنَّ القائِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، لَكِنَّهُ حَكى ما قالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ، وجَعَلَ القائِلَ كَأنَّهُ اللَّهُ تَعالى، لِأنَّهُ سَفِيرٌ مَحْضٌ بِإذْنِ اللَّهِ، أيْ بِأمْرِهِ، أوْ بِعِلْمِهِ، وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، أوْ بِاخْتِيارِهِ، أوْ بِتَيْسِيرِهِ وتَسْهِيلِهِ، وأصْلُ مَعْنى الإذْنِ في الشَّيْءِ الإعْلامُ بِإجازَتِهِ، والرُّخْصَةُ فِيهِ، فالمَعانِي المَذْكُورَةُ كُلُّها مَجازِيَّةٌ، والعَلاقَةُ ظاهِرَةٌ، والمُنْتَخَبُ كَما في المُنْتَخَبِ المَعْنى الأوَّلُ، والمُعْتَزِلَةُ لَمّا لَمْ يَقُولُوا بِالكَلامِ النَّفْسِيِّ، وإسْنادِ الإذْنِ إلَيْهِ تَعالى بِاعْتِبارِ الكَلامِ اللَّفْظِيِّ يَحْتاجُ إلى تَكَلُّفٍ، اقْتَصَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ عَلى الوَجْهِ الأخِيرِ، والقَوْلُ: إنَّ الإذْنَ بِمَعْنى الأمْرِ إنْ أُرِيدَ بِالتَّنْزِيلِ مَعْناهُ الظّاهِرُ، وبِمَعْنى التَّيْسِيرِ إنْ أُرِيدَ بِهِ التَّحَفُّظُ، والتَّفْهِيمُ مِمّا لا وجْهَ لَهُ.
﴿ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ مِنَ الكُتُبِ الإلَهِيَّةِ الَّتِي مُعْظَمُها التَّوْراةُ، وانْتِصابُ (مُصَدِّقًا) عَلى الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في (نَزَّلَهُ) إنْ كانَ عائِدًا لِلْقُرْآنِ، وإنْ كانَ لِجِبْرِيلَ، فَيَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ أحَدُهُما أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ المَحْذُوفِ لِفَهْمِ المَعْنى، كَما أشَرْنا إلَيْهِ، والثّانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِن جِبْرِيلَ، والهاءُ إمّا لِلْقُرْآنِ، أوْ لِجِبْرِيلَ، فَإنَّهُ مُصَدِّقٌ أيْضًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ والكُتُبِ، ﴿ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ مَعْطُوفانِ عَلى (مُصَدِّقًا) فَهُما حالانِ مِثْلُهُ، والتَّأْوِيلُ غَيْرُ خَفِيٍّ، وخَصَّ المُؤْمِنِينَ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُ عَلى غَيْرِهِمْ عَمًى، وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى تَعْظِيمِ جِبْرِيلَ، والتَّنْوِيهِ بِقَدْرِهِ، حَيْثُ جَعَلَهُ الواسِطَةَ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَ أشْرَفِ خَلْقِهِ، والمُنَزَّلَ بِالكِتابِ الجامِعِ لِلْأوْصافِ المَذْكُورَةِ، ودَلَّتْ عَلى ذَمِّ اليَهُودِ، حَيْثُ أبْغَضُوا مَن كانَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ العَظِيمَةِ الرَّفِيعَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، قِيلَ: وتَعَلَّقَتِ الباطِنِيَّةُ بِهَذِهِ الآيَةِ، وقالُوا: إنَّ القُرْآنَ إلْهامٌ، والحُرُوفَ عِبارَةُ الرَّسُولِ ، ورُدَّ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُ مُعْجِزَةٌ ظاهِرَةٌ وباطِنَةٌ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى سَمّاهُ قُرْآنًا وكِتابًا وعَرَبِيًّا، وإنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهِ، والمُلْهَمُ لا يَحْتاجُ إلَيْهِ.
<div class="verse-tafsir"
قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ، وذلك أن عمر بن الخطاب- - قال لليهود: ما لكم لا تؤمنون بمحمد ؟
قالوا: لأن جبريل هو الذي ينزل عليه بالوحي، فلو نزل عليه ميكائيل بالوحي لآمنا به، لأن ميكائيل ملك الرحمة وجبريل ملك العذاب.
وهو عدونا فأطلع محمداً على سرنا، فنزلت هذه الآية.
ويقال: إنهم يقولون: إن النبوة كانت فينا، فجبريل صرف النبوة عنا إلى غيرنا لعداوته معنا فنزلت هذه الآية قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ.
قال بعضهم: في الآية مضمر، ومعناه: قل من كان عدوا لجبريل ويبغضه جبريل هو الذي نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ، ينزل بالقرآن فيقرأه عليك فتحفظه في قلبك بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من التوراة.
ويقال: هذا على وجه الترغيم، فكأنه يقول: قل من كان عدواً لجبريل، فإن جبريل هو الذي ينزل عليك رغماً لهم بهذا القرآن عليك، ليثبت به فؤادك.
وَهُدىً وهذا القرآن هدى من الضلالة وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ.
أي لمن آمن به من المؤمنين مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ، معناه من كان عدوا لجبريل فإنه عدو الله وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ، يعني اليهود.
ويقال: إن عبد الله بن صوريا هو الذي قال لعمر: إن جبريل عدونا لأنه ينزل بالشدة والخوف، وميكائيل ينزل بالرخاء، فنزلت هذه الآية مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ.
قرأ حمزة وعاصم والكسائي في رواية أبي بكر جَبْرَئِيلَ بفتح الجيم والراء والهمزة، وميكائيل.
بالياء مع الهمزة.
وقرأ نافع جِبرِيل بكسر الجيم والراء بغير همزة ومِكَالَ بالهمزة بغير ياء.
وقرأ أبو عمرو وعاصم في رواية حفص بغير همزة بكسر الجيم والراء وميكال بغير همز وياء.
وقرأ ابن كثير جبريل بنصب الجيم بغير همزة وميكايل بهمز مع الياء.
وقرأ ابن عامر جبريل بكسر الجيم مثل قراءة نافع وميكائيل بالياء مع المد والهمز مثل حمزة وإنما لا ينصرف لأنه اسم أعجمي، فوقع ذلك في لسان العرب واختلفوا فيه لاختلاف ألفاظهم ولغاتهم.
ويقال: إن جبريل وميكائيل معناه عبد الله وعبد الرحمن أي بلغتهم سوى العربية.
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ: ظاهره الخبر، ومضمَّنه الوعيدُ لأن اللَّه سبحانه عليمٌ بالظالمينَ، وغيرهم، ففائدة تخصيصهم حصول الوعيد.
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٩٦) قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧)
وقوله تعالى: وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ ...
الآية: وحرصهم على الحياة لمعرفتهم بذنوبهم، وأن لا خير لهم عند اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا: قيل: المعنى: / وأحرصُ من الذين أشركوا ٣٠ ألأن مشركِي العَرَبِ لا يعرفون إلا هذه الحياة الدنيا، والضمير في أَحَدُهُمْ يعودُ في هذا القول على اليهودِ، وقيل: إِن الكلام تَمَّ في حياةٍ، ثم استؤنف الإِخبار عن طائفة من المشركين أنهم يودُّ أحدهم لو يُعمَّر ألف سنَةٍ، والزحزحة الإبعاد والتنحية، وفي قوله تعالى: وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ وعيدٌ.
وقوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ...
الآيةَ: أجمع أهل التفْسير أن اليهود قالتْ: جبريلُ عدوُّنا، واختلف في كيفيَّة ذلك، فقيل: إن يهود فدك «١» قالوا للنبيّ صلّى الله عليه وسلم:
«نَسْأَلُكَ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ، فَإِنْ عَرَفْتَهَا، اتبعناك، فَسَأَلُوهُ عَمَّا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ على نَفْسِهِ، فَقَالَ:
لُحُومُ الإِبِلِ، وأَلْبَانُهَا، وَسَأَلُوهُ عَنِ الشَّبَهِ فِي الوَلَدِ، فَقَالَ: أَيُّ مَاءٍ عَلاَ، كَانَ لَهُ الشَّبَهُ، وَسَأَلُوهُ عَنْ نَوْمِهِ، فَقَالَ: تَنَامُ عَيْنِي، وَلاَ يَنَامُ قَلْبِي، وَسَأَلُوهُ عَنْ مَنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلاَئِكَةِ، فَقَالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ، قَالُوا: ذَاكَ عَدُوُّنَا لأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ، وَالشَّدَائِدِ، وَالجَدْبِ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكَائِيلُ مَلَكُ الرَّحْمَةِ، وَالخِصْب، والأَمْطَار، لاتَّبَعْنَاكَ» .
وَفِي جِبْرِيلَ لغاتٌ:
جِبْرِيلُ «٢» بكسر الجيم والراء من غير همز، وبها قرأ نافع، وجبريل، بفتح الجيم
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «أقْبَلَتِ اليَهُودُ إلى النَّبِيِّ، فَقالُوا: مَن يَأْتِيكَ مِنَ المَلائِكَةِ؟
قالَ: جِبْرِيلُ، فَقالُوا: ذاكَ يَنْزِلُ بِالحَرْبِ والقِتالِ، ذاكَ عَدُوُّنا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي تَلِيها.» وَفِي جِبْرِيلَ إحْدى عَشْرَةَ لُغَةً.
إحْداها: جِبْرِيلُ، بِكَسْرِ الجِيمِ والرّاءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو.
قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: وجِبْرِيلُ يَأْتِيهِ ومِيكالُ مَعَهُما مِنَ اللهِ وحْيٌ يَشْرَحُ الصَّدْرَ مُنْزَلَ وَقالَ عِمْرانُ بْنُ حَطّانٍ: والرُّوحُ جِبْرِيلُ فِيهِمْ لا كَفاءَ لَهُ ∗∗∗ وكانَ جِبْرِيلُ عِنْدَ اللَّهِ مَأْمُونًا وَقالَ حَسّانُ: وجِبْرِيلُ رَسُولُ اللَّهِ فِينا ∗∗∗ ورُوحُ القُدُسِ لَيْسَ لَهُ كَفاءُ واللُّغَةُ الثّانِيَةِ: جَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الرّاءِ، وبَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ مِن غَيْرِ هَمْزٍ عَلى وزْنِ: فَعْلِيلٍ، وبِها قَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: لا أشْتَهِيها، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ فِعْلِيلٌ، ولا أرى الحَسَنَ قَرَأها إلّا وهو صَوابٌ، لِأنَّهُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ.
والثّالِثَةُ: جَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ، وبَعْدَها هَمْزَةٌ مَكْسُورَةٌ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِيلَ، وبِها قَرَأ، الأعْمَشُ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ.
قالَ الفَرّاءُ: وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ.
وقالَ الزَّجّاجُ: هي أجْوَدُ اللُّغاتِ، وقالَ جَرِيرٌ: عَبَدُوا الصَّلِيبَ وكَذَّبُوا بِمُحَمَّدٍ ∗∗∗ وبَجَبْرَئِيلَ وكَذَّبُوا مِيكالا والرّابِعَةُ: جَبْرَئِلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والرّاءِ وهَمْزَةٌ بَيْنَ الرّاءِ واللّامِ، مَكْسُورَةٌ مِن غَيْرِ مَدٍّ عَلى وزْنِ: جَبْرَعِلِ، رَواها أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
والخامِسَةُ جَبْرَئِلُّ، بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ وتَشْدِيدِ اللّامِ، وهي قِراءَةُ أبانَ عَنْ عاصِمٍ، ويَحْيى بْنِ يَعْمُرَ.
والسّادِسَةُ: جِبْرائِيلُ، بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ مَعَ الألِفِ.
والسّابِعَةُ: جِبْرايِيلُ بِيائَيْنِ بَعْدَ الألِفِ أوَّلَهُما مَكْسُورَةٌ.
والثّامِنَةُ: جَبْرِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ ونُونٍ مَكانَ اللّامِ.
والتّاسِعَةُ: جِبْرِينُ، بِكَسْرِ الجِيمِ وبَنُونٍ، قالَ الفَرّاءُ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ.
وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ عَنِ ابْنِ الأنْبارِيِّ قالَ: في جِبْرِيلَ تِسْعُ لُغاتٍ، فَذَكَرَهُنَّ.
وَذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ "الرَّدِّ عَلى مَن خالَفَ مُصْحَفَ عُثْمانَ" جِبْرائِلَ، بِفَتْحِ الجِيمِ وإثْباتٍ الألِفِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ لَيْسَ بَعْدَها ياءٌ.
وجَبْرَئِينُ، بِفَتْحِ الجِيمِ مَعَ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَها ياءٌ ونُونٌ.
فَأمّا مِيكائِيلُ، فَفِيهِ خَمْسُ لُغاتٍ.
إحْداهُنَّ: مِيكالُ، مِثْلُ: مِفْعالُ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ.
والثّانِيَةُ: مِيكائِيلَ بِإثْباتِ ياءٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، مِثْلُ: مِيكاعِيلُ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ وقَيْسٍ، وكَثِيرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ.
والثّالِثَةُ: مِيكائِلُ بِهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ بَعْدَ الألِفِ مِن غَيْرِ ياءٍ، مِثْلُ مِيكاعِلُ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وابْنُ شَنَبُوذَ، وابْنُ الصَّباحِ، جَمِيعًا عَنْ قُنْبُلٍ.
والرّابِعَةُ: مِيكَئِلُ، عَلى وزْنِ: مِيكَعِلُ، وبِها قَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ.
والخامِسَةُ: مِيكائِينُ بِهَمْزَةٍ مَعَها ياءٌ ونُونٌ بَعْدَ الألِفِ، ذَكَرَها ابْنُ الأنْبارِيِّ.
قالَ الكِسائِيُّ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، اسْمانِ لَمْ تَكُنِ العَرَبُ تَعْرِفُهُما، فَلَمّا جاءا عَرَّبَتْهُما.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، ذَهَبَ إلى أنَّ "إيلَ" اسْمُ اللَّهِ، واسْمُ المَلِكِ، "جَبْرَ" و"مِيكا" .
وقالَ عِكْرِمَةُ: مَعْنى جِبْرِيلَ: عَبْدُ اللَّهِ، ومَعْنى مِيكائِيلَ: عُبَيْدُ اللهِ، وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في المَلائِكَةِ، لَكِنَّهُ أعادَ ذِكْرَهُما لِشَرَفِهِما، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيهِما فاكِهَةٌ ونَخْلٌ ورُمّانٌ ﴾ .
وإنَّما قالَ: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ: لَهم، لِيَدُلَّ عَلى أنَّهم كافِرُونَ بِهَذِهِ العَداوَةِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ الناسِ عَلى حَياةٍ ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وما هو بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ العَذابِ أنْ يُعَمَّرُ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ ﴾ "وَجَدَ" في هَذا المَعْنى تَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، لِأنَّها مِن أفْعالِ النَفْسِ، ولِذَلِكَ صَحَّ تَعَدِّيها إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ في قَوْلِ الشاعِرِ: تَلَفَّتَ نَحْوَ الحَيِّ حَتّى وجَدْتُنِي وجُعْتُ مِنَ الإصْغاءِ لِيتًا وأخْدَعا «وَقالَ النَبِيُّ في الضَبِّ: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِأرْضِ قَوْمِي فَأجِدُنِي أُعافُهُ».
وحِرْصُهم عَلى الحَياةِ لِمَعْرِفَتِهِمْ بِذُنُوبِهِمْ، وأنْ لا خَيْرَ لَهم عِنْدَ اللهِ تَعالى.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا ﴾ ، قِيلَ: المَعْنى وأحْرَصُ مِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا، لِأنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يَعْرِفُونَ إلّا هَذِهِ الحَياةَ الدُنْيا، ألا تَرى إلى قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: تَمَتَّعْ مِنَ الدُنْيا فَإنَّكَ فانٍ ∗∗∗..............
والضَمِيرُ في "أحَدُهُمْ" يَعُودُ في هَذا القَوْلِ عَلى اليَهُودِ، وقِيلَ: إنَّ الكَلامَ تَمَّ في قَوْلِهِ حَياةٍ، ثُمَّ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عن طائِفَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ أنَّهم ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ ، وهي المَجُوسُ، لِأنَّ تَشْمِيتَهم لِلْعاطِسِ لَفْظٌ بِلُغَتِهِمْ مَعْناهُ "عِشْ ألْفَ سَنَةٍ" فَكَأنَّ الكَلامَ: ومِنَ المُشْرِكِينَ قَوْمٌ ﴿ يَوَدُّ أحَدُهُمْ ﴾ ، وفي هَذا القَوْلِ تَشْبِيهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِهَذِهِ الفِرْقَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ.
وقَصَدَ الألِفَ بِالذِكْرِ لِأنَّها نِهايَةُ العَقْدِ في الحِسابِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما هو بِمُزَحْزِحِهِ ﴾ ، اخْتَلَفَ النُحاةُ في "هُوَ"، فَقِيلَ: هو ضَمِيرُ الأحَدِ المُتَقَدِّمِ، فالتَقْدِيرُ: وما أحَدُهم بِمُزَحْزِحِهِ، وخَبَرُ الِابْتِداءِ في المَجْرُورِ، و ﴿ أنْ يُعَمَّرَ ﴾ فاعِلٌ بِمُزَحْزِحِهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ضَمِيرُ التَعْمِيرِ، والتَقْدِيرُ: وما التَعْمِيرُ بِمُزَحْزِحِهِ، والخَبَرُ في المَجْرُورِ، و"أنْ يَعْمُرَ" بَدَلٌ مِنَ التَعْمِيرِ في هَذا القَوْلِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "هُوَ" ضَمِيرُ الأمْرِ والشَأْنِ، وقَدْ رَدَّ هَذا القَوْلَ بِما حُفِظَ عَنِ النُحاةِ مِن أنَّ الأمْرَ والشَأْنَ إنَّما يُفَسَّرُ بِجُمْلَةٍ سالِمَةٍ مِن حَرْفِ جَرٍّ.
وقَدْ جَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ ذَلِكَ في بَعْضِ مَسائِلِهِ الحَلَبِيّاتِ،.
وحَكى الطَبَرِيُّ عن فِرْقَةٍ أنَّها قالَتْ: هو عِمادٌ، وقِيلَ: "ما" عامِلَةٌ حِجازِيَّةٌ و"هُوَ" اسْمُها والخَبَرُ في "بِمُزَحْزِحِهِ".
والزَحْزَحَةُ الإبْعادُ والتَنْحِيَةُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ واللهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ ﴾ وعِيدٌ، والجُمْهُورُ عَلى قِراءَةِ "يَعْمَلُونَ" بِالياءِ مِن أسْفَلَ، وقَرَأ قَتادَةُ، والأعْرَجُ، ويَعْقُوبُ، "تَعْمَلُونَ" بِالتاءِ مِن فَوْقَ، وهَذا عَلى الرُجُوعِ إلى خِطابِ المُتَوَعِّدِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وقَوْلُهُ: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ الآيَةُ، نَزَلَ عَلى سَبَبٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ فِيما مَضى مِنَ الآياتِ، ولَكِنْ أجْمَعَ أهْلُ التَفْسِيرِ أنَّ اليَهُودَ قالَتْ: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، واخْتُلِفَ في كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ، فَقِيلَ: «إنَّ يَهُودَ فَدْكٍ قالُوا لِلنَّبِيِّ : نَسْألُكَ عن أرْبَعَةِ أشْياءَ، فَإنَّ عَرَفْتَها اتَّبَعْناكَ، فَسَألُوهُ عَنِ الشَبَهِ في الوَلَدِ فَقالَ: أيُّ ماءٍ عَلا كانَ الشَبَهُ لَهُ، وسَألُوهُ عن نَوْمِهِ فَقالَ: تَنامُ عَيْنِي ولا يَنامُ قَلْبِي، وسَألُوهُ عَمَّنْ يَجِيئُهُ مِنَ المَلائِكَةِ فَقالَ: جِبْرِيلُ، فَلَمّا ذَكَرَهُ قالُوا: ذاكَ عَدُّونا، لِأنَّهُ مَلَكُ الحَرْبِ والشَدائِدِ والجَدْبِ، ولَوْ كانَ الَّذِي يَجِيئُكَ مِيكائِيلُ مَلَكُ الرَحْمَةِ والخَصْبِ والأمْطارِ لاتَّبَعْناكَ».
وقِيلَ: إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ كانَ يَتَكَرَّرُ عَلى بَيْتِ المَدارِسِ، فاسْتَحْلَفَهم يَوْمًا بِالَّذِي أنْزَلَ التَوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَعْلَمُونَ أنَّ مُحَمَّدًا نَبِيٌّ؟
قالُوا نَعَمْ، قالَ فَلِمَ تَهْلَكُونَ في تَكْذِيبِهِ؟
قالُوا صاحِبَهُ جِبْرِيلُ، وهو عَدُوُّنا.
وذَكَرَ أنَّهم قالُوا سَبَبَ عَداوَتِهِمْ لَهُ: أنَّهُ حَمى بُخْتِ نَصَّرَ حِينَ بُعِثُوا إلَيْهِ قَبْلَ أنْ يَمْلِكَ مَن يَقْتُلُهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِقَوْلِهِمْ.
وفِي جِبْرِيلَ لُغاتٌ: "جِبْرِيلُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ نافِعٌ، وجَبْرِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ وكَسْرِ الراءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ، وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ورُوِيَ عنهُ أنَّهُ قالَ: رَأيْتُ النَبِيَّ في النَوْمِ وهو يَقْرَأُ جِبْرِيلَ ومِيكالَ، فَلا أزالُ أقْرَؤُهُما أبَدًا كَذَلِكَ.
وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَيْنَ الراءِ واللامِ وبِها قَرَأ عاصِمٌ، وجَبْرَئِيلُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ بَعْدَ الراءِ وياءٍ بَيْنَ الهَمْزَةِ واللامِ، وبِها قَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وحَكاها الكِسائِيُّ عن عاصِمٍ، وجَبْرائِلُ بِألِفٍ بَعْدِ الراءِ ثُمَّ هَمْزَةٍ، وبِها قَرَأ عِكْرِمَةُ، وجِبْرائِيلُ بِزِيادَةِ ياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ، وجِبْرايِيلُ بِياءَيْنِ، وبِها قَرَأ الأعْمَشُ، وجَبْرَألُ بِفَتْحِ الجِيمِ والراءِ وهَمْزَةٍ ولامٍ مُشَدَّدَةٍ، وبِها قَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ، وجَبْرالُ لُغَةٌ فِيهِ.
و"جِبْرِينُ" بِكَسْرِ الجِيمِ والراءِ وياءٍ ونُونٍ، قالَ الطَبَرِيُّ: هي لُغَةُ بَنِي أسَدٍ، ولَمْ يَقْرَأْ بِها.
وجِبْرِيلُ اسْمٌ أعْجَمِيٌّ عَرَّبَتْهُ العَرَبُ فَلَها فِيهِ هَذِهِ اللُغاتُ، فَبَعْضُها هي مَوْجُودَةٌ في أبْنِيَةِ العَرَبِ وتِلْكَ أدْخَلُ في التَعْرِيبِ كَجِبْرِيلَ الَّذِي هو كَقِنْدِيلُ، وبَعْضُها خارِجٌ عن أبْنِيَةِ العَرَبِ، فَذَلِكَ كَمَثَلِ ما عَرَّبَتْهُ العَرَبُ ولَمْ تُدْخِلْهُ في بِناءٍ كَإبْرَيْسَمْ وفِرِنْدَ وآجِرَ ونَحْوِهِ.
وذَكَرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وغَيْرُهُ: أنَّ جَبْرَ، ومَيْكَ، وسَرافَ، هي كُلُّها بِالأعْجَمِيَّةِ بِمَعْنى عَبْدٍ ومَمْلُوكٍ، وإيلُ: اسْمُ اللهِ تَعالى، ويُقالُ فِيهِ: إلَّ، ومِنهُ قَوْلُ أبِي بَكْرٍ الصَدِيقِ رَضِيَ اللهُ عنهُ حِينَ سَمِعَ سَجْعَ مُسَيْلِمَةَ: هَذا كَلامٌ لَمْ يَخْرُجْ مِن إلَّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ ﴾ الضَمِيرُ في "فَإنَّهُ" عائِدٌ عَلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، والضَمِيرُ في "نَزَّلَهُ" عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ ، والمَعْنى بِالقُرْآنِ وسائِرُ الوَحْيِ، وقِيلَ: الضَمِيرُ في (إنَّهُ) عائِدٌ عَلى جِبْرِيلَ، وفي "نَزَّلَهُ" عَلى القُرْآنِ، وخُصَّ القَلْبُ بِالذِكْرِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ العَقْلِ والعِلْمِ وتَلَقِّي المَعارِفِ.
وجاءَتِ المُخاطَبَةُ بِالكافِ في "قَلْبِكَ" اتِّساعًا في العِبارَةِ، إذْ لَيْسَ ثُمَّ مَن يُخاطِبُهُ النَبِيُّ بِهَذِهِ الكافِ، وإنَّما يَجِيءُ قَوْلُهُ: فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِي، لَكِنَّ حَسُنَ هَذا إذْ يَحْسُنُ فِي كَلامِ العَرَبِ أنْ تُحْرِزَ اللَفْظَ الَّذِي يَقُولُهُ المَأْمُورُ بِالقَوْلِ، ويَحْسُنُ أنْ تُقْصَدَ المَعْنى الَّذِي يَقُولُهُ فَتَسْرُدُهُ مُخاطَبَةً لَهُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: قُلْ لِقَوْمِكَ لا يُهِينُوكَ، فَكَذَلِكَ هي الآيَةُ، ونَحْوٌ مِن هَذا قَوْلُ الفَرَزْدَقِ ألَمْ تَرَ أنِّي يَوْمَ جَوِّ سَوِيقَةٍ ∗∗∗ بَكَيْتُ فَنادَتْنِي هُنَيْدَةُ ما لِيا فَأحْرَزَ المَعْنى ونَكَبَ عن نِداءِ هُنَيْدَةَ: مالَكَ؟
و ﴿ بِإذْنِ اللهِ ﴾ مَعْناهُ: بِعِلْمِهِ وتَمْكِينِهِ إيّاهُ مِن هَذِهِ المَنزِلَةِ، و"مُصَدِّقًا" حالٌ مِن ضَمِيرِ القُرْآنِ في "نَزَّلَهُ"، و( ما بَيْنَ يَدَيْهِ ): ما تَقَدَّمَهُ مِن كُتُبِ اللهِ تَعالى، و"هُدًى": إرْشادٌ، و"البُشْرى": أكْثَرُ اسْتِعْمالِها في الخَيْرِ، ولا تَجِيءُ في الشَرِّ إلّا مُقَيَّدَةً بِهِ، ومَقْصِدُ هَذِهِ الآيَةِ تَشْرِيفُ جِبْرِيلَ وذَمُّ مُعادِيهِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ الآيَةُ، وعِيدٌ وذَمٌّ لِمُعادِي جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَلامُ، وإعْلامُ أنَّ عَداوَةَ البَعْضِ تَقْتَضِي عَداوَةَ اللهِ لَهم.
وعَداوَةُ العَبْدِ لِلَّهِ هي مَعْصِيَتُهُ واجْتِنابُ طاعَتِهِ، ومُعاداةُ أولِيائِهِ.
وعَداوَةُ اللهِ لِلْعَبْدِ تَعْذِيبُهُ وإظْهارُ أثَرِ العَداوَةِ عَلَيْهِ.
وذِكْرُ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وقَدْ كانَ ذِكْرُ المَلائِكَةِ عَمَّهُما تَشْرِيفًا لَهُما.
وقِيلَ: خُصّا لِأنَّ اليَهُودَ ذَكَرُوهُما، ونَزَلَتِ الآيَةُ بِسَبَبِهِما، فَذِكْرُهُما واجِبٌ، لِئَلّا تَقُولَ اليَهُودُ: إنّا لَمْ نُعادِ اللهَ وجَمِيعَ مَلائِكَتِهِ.
وقَرَأ نافِعٌ مِيكائِلَ بِهَمْزَةٍ دُونَ ياءٍ.
وقَرَأ بِها ابْنُ كَثِيرٍ فِيما رُوِيَ عنهُ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وابْنُ كَثِيرٍ أيْضًا، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: مِيكائِيلَ بِياءٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ "مِيكالَ"، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ مُنْذُ رَآها في النَوْمِ كَما ذَكَرْنا.
وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ "مِيكَئِلَ" بِهَمْزَةٍ دُونَ ألِفٍ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "مِيكايِيلَ" بِياءَيْنِ.
وظَهَرَ الِاسْمُ في قَوْلِهِ: ﴿ فَإنَّ اللهَ ﴾ ، لِئَلّا يُشْكَلَ عَوْدُ الضَمِيرِ.
وجاءَتِ العِبارَةُ بِعُمُومِ الكافِرِينَ لِأنَّ عَوْدَ الضَمِيرِ عَلى "مَن" يُشَكِّلُ سَواءً أفْرَدَتْهُ أو جَمَعَتْهُ، ولَوْ لَمْ نُبالِ بِالإشْكالِ وقُلْنا: المَعْنى يَدُلُّ السامِعَ عَلى المَقْصِدِ لَلَزِمَ تَعْيِينُ قَوْمٍ بِعَداوَةِ اللهِ لَهُمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ اللهَ تَعالى قَدْ عَلِمَ أنَّ بَعْضَهم يُؤْمِنُ فَلا يَنْبَغِي أنْ تُطْلِقَ عَلَيْهِ عَداوَةَ اللهِ لِلْمَآلِ.
ورُوِيَ أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، فَقالَ لَهُ: أرَأيْتَ جِبْرِيلَ الَّذِي يَزْعُمُ صاحِبُكَ أنَّهُ يَجِيئُهُ؟
ذَلِكَ عَدُوُّنا.
فَقالَ لَهُ عُمْرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا الخَبَرُ ضَعِيفٌ مِن جِهَةِ مَعْناهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ ﴾ ، ذَكَرَ الطَبَرِيُّ «أنَّ ابْنَ صُورِيّا قالَ لِلنَّبِيِّ : يا مُحَمَّدُ.
ما جِئْتَ بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ.
فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.» و"الفاسِقُونَ" هُنا: الخارِجُونَ عَنِ الإيمانِ، فَهو فِسْقُ الكُفْرِ، والتَقْدِيرُ: ما يَكْفُرُ بِها أحَدٌ إلّا الفاسِقُونَ، لِأنَّ الإيجابَ لا يَأْتِي إلّا بَعْدَ تَمامِ جُمْلَةِ النَفْيِ.
<div class="verse-tafsir"
معطوف على قوله: ﴿ ولن يتمنوه أبداً ﴾ [البقرة: 95] للإشارة إلى أن عدم تمنيهم الموت ليس على الوجه المعتاد عند البشر من كراهة الموت ما دام المرء بعافية بل هم تجاوزوا ذلك إلى كونهم أحرص من سائر البشر على الحياة حتى المشركين الذين لا يرجون بعثاً ولا نشوراً ولا نعيماً فنعيمهم عندهم هو نعيم الدنيا وإلى أن تمنوا أن يعمروا أقصى أمد التعمير مع ما يعتري صاحب هذا العمر من سوء الحالة ورذالة العيش.
فلما في هذه الجمل المعطوفة من التأكيد لمضمون الجملة المعطوف عليها أخرت عنها، ولما فيها من الزيادة في وصفهم بالأحرصية المتجاوزة الحد عطف عليه ولم يفصل لأنه لوكان لمجرد التأكيد لفصل كما يفصل التأكيد عن المؤكد.
وقوله: ﴿ لتجدنهم ﴾ من الوجدان القلبي المتعدي إلى مفعولين.
والمراد من الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر فهم أحرصهم على الحياة فإن الحرص على الحياة غريزية في الناس إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسباباً قال أبو الطيب: أرى كلنا يهوَى الحياةَ بسعيه *** حريصاً عليها مستهاماً بها صَبّا فحُب الجباننِ النفسَ أوده التُّقَى *** وحبُّ الشجاععِ النفسَ أَوْرَدَهِ الحَربا ونكر (الحياة) قصداً للتنويع أي كيفما كانت تلك الحياة وتقول يهود تونس ما معناه «الحياة وكفى».
وقوله: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ عطف على (الناس) لأن المضاف إليه أفعل التفضيل تقدر معه من التفضيلية لا محالة فإذا عطف عليه جاز إظهارها ويتعين الإظهار إذا كان المفضل من غير نوع المفضل عليه لأن الإضافة حينئذ تمتنع كما هنا فإن اليهود من الناس وليسوا من الذين أشركوا.
وعند سيبويه أن إضافته على تقدير اللام فيكون قوله: ﴿ ومن الذين أشركوا ﴾ على قوله عطفاً بالحمل على المعنى أو بتقدير معطوف محذوف تقديره أحرص هو متعلق من ﴿ الذين أشركوا ﴾ وإليه مال في «الكشاف».
وقوله: ﴿ يود أحدهم ﴾ بيان لأحرصيتهم على الحياة وتحقيق لعموم النوعية في الحياة المنكرة لدفع توهم أن الحرص لا يبلغ بهم مبلغ الطمع في الحياة البالغة لمدة ألف سنة فإنها مع تعذرها لو تمت لهم كانت حياة خسف وأرذل عيش يظن بهم أن لا يبلغ حبهم الحياة إلى تمنيها، وقد قال الحريري: والموت خير للفتى *** من عيشهِ عَيْشَ البهيمة فجيء بهاته الجملة لتحقيق أن ذلك الحرص يشمل حتى هاته الحياة الذميمة ولما في هاته الجملة من البيان لمضمون الجملة قبلها فُصلت عنها.
والود المحبة و(لو) للتمني وهو حكاية للفظ الذي يودون به والمجيء فيه بلفظ الغائب مراعاة للمعنى ويجوز أن تكون (لو) مصدرية والتقدير يود أحدهم تَعمير ألففِ سنة.
وقوله: ﴿ لو يعمر ألف سنة ﴾ بيان ليود أي يود ودًّا بيانه لو يعمر ألف سنة، وأصل (لو) أنه حرف شرط للماضي أو للمستقبل فكان أصل موقعه مع فعل يود ونحوه أنه جملة مبينة لجملة ﴿ يود ﴾ على طريقة الإيجاز والتقدير في مثل هذا يود أحدهم لو يعمر ألف سنة لَما سَئِم أو لما كَرِهَ فلما كان مضمون شرط (لو) ومضمون مفعول ﴿ يود ﴾ واحداً استغنوا بفعل الشرط عن مفعول الفعل فحذفوا المفعول ونزل حرف الشرط مع فعله منزلة المفعول فلذلك صار الحرف مع جملة الشرط في قوة المفعول فاكتسب الاسمية في المعنى فصار فعل الشرط مؤولاً بالمصدر المأخوذ منه ولذلك صار حرف (لو) بمنزلة أَن المصدرية نظراً لكون الفعل الذي بعدها صار مؤولاً بمصدر فصارت جملة الشرط مستعملة في معنى المصدر استعمالاً غلَب على (لو) الواقعة بعد فعل ﴿ يود ﴾ وقد يلحق به ما كان في معناه من الأفعال الدالة على المحبة والرغبة.
هذا تحقيق استعمال لو في مثل هذا الجاري على قول المُحَققّين من النحاة ولغلبة هذا الاستعمال وشيوع هذا الحذف ذهب بعض النحاة إلى أن (لو) تستعمل حرفاً مصدرياً وأثبتوا لها من مواقع ذلك موقعها بعد ﴿ يود ﴾ ونحوه وهو قول الفراء وأبي علي الفارسي والتبريزي والعكبري وابن مالك فيقولون: لا حذف ويجعلون (لو) حرفاً لمجرد السبك بمنزلة أن المصدرية والفعل مسبوكاً بمصدر والتقدير يود أحدهم التعمير وهذا القول أضعف تحقيقاً وأسهل تقديراً.
وقوله: ﴿ وما هو بمزحزحه ﴾ يجوز أن يكون الضمير لأحدهم ويجوز أن يكون ضميراً مبهماً يفسره المصدر بعده على حد قول زهير: وما الحربُ إلا ما علمتم وذتُمُ *** وما هو عنها بالحديث المرجَّم ولم يجعل ضمير شأن لدخول النفي عليه كالذي في البيت لكنه قريب من ضمير الشأن لأن المقصود منه الاهتمام بالخبر ولأن ما بعده في صورة الجملة، وقيل: هو عائد على التعمير المستفاد من ﴿ لو يعمر ألف سنة ﴾ .
وقوله: ﴿ أن يعمر ﴾ بدل منه وهو بعيد.
والمزحزح المُبعد.
وقوله: ﴿ والله بصير بما يعلمون ﴾ البصير هنا بمعنى العليم كما في قول علقمة الفحل: فإن تسألوني بالنساء فإنني *** بَصِيرٌ بأدواء النساء طبيبُ وهو خبر مستعمل في التهديد والتوبيخ لأن القدير إذا علم بما يجترحه الذي يعصيه وأعلمه بأنه علم منه ذلك علم أن العقاب نازل به لا محال ومنه قول زهير: فلا تكتمُنَّ اللَّهَ ما في نفوسكم *** ليخفى فمهما يُكتم اللَّهُ يَعلم يؤخَّرْ فيوضَعْ في كتاب فيُدَّخرْ *** ليوم الحساب أو يعَجَّلْ فينقم فجعل قوله: يَعْلم بمعنى العلم الراجع للتهديد بدليل إبداله منه قوله يؤخر، البيت وقريب من هذا قول النابغة في النعمان: علمتُك ترعاني بعين بصيرةٍ *** وتبعث حُرَّاساً عليَّ وناظرا (97، 98) ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ بِإِذْنِ الله مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا لّلَّهِ وملائكته وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال فَإِنَّ الله عَدُوٌّ للكافرين ﴾ .
موقع هاته الجملة موقع الجمل قبلها من قوله: ﴿ قل فلم تقتلون أنبياء الله ﴾ [البقرة: 91].
وقوله: ﴿ قل بئسما يأمركم ﴾ [البقرة: 93].
وقوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ [البقرة: 94].
فإن الجميع للرد على ما تضمنه قولهم ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ [البقرة: 91] لأنهم أظهروا به عذراً عن الإعراض عن الدعوة المحمدية وهو عذر كاذب ستروا به السبب في الواقع وهو الحسد على نزول القرآن على رجل من غيرهم فجاءت هاته المجادلات المصدرة بقل لإبطال معذرتهم وفضح مقصدهم.
فأبطل أولاً ما تضمنه قولهم: ﴿ نؤمن بما أنزل علينا ﴾ من أنهم إنما يقبلون ما أنزل على رسلهم بأنهم قد قابلوا رسلهم أيضاً بالتكذيب والأذى والمعصية وذلك بقوله: ﴿ قل فلم تقتلون ﴾ وقوله: ﴿ قل بئسما ﴾ إلخ.
وأبطل ثانياً ما تضمنه من أنهم شديدو التمسك بما أنزل عليهم حريصون على العمل به متباعدون عن البعد عنه لقصد النجاة في الآخرة بقوله: ﴿ قل إن كانت لكم الدار الآخرة ﴾ .
وأبطل ثالثاً أن يكون ذلك العذر هو الصارفَ لهم عن الإيمان مع إثبات أن الصارف لهم هو الحسد بقوله هنا: ﴿ قل من كان عدواً لجبريل ﴾ إلخ.
ويؤيد هذا الارتباط وقوع الضمير في قوله نَزَّله عائداً على ﴿ ما أنزل الله ﴾ في الآية المجابة بهاته الإبطالات، ولذلك فصلت هذه كما فصلت أخواتها ولأنها لا علاقة لها بالجمل القريبة منها فتعطف عليها فجاءت لذلك متسأنفة.
والعدو المبغض وهو مشتق من عَدَا عليه يعدو بمعنى وثب، لأن المبغض يثب على المبغوض لينتقم منه ووزنه فَعول.
وجبريل اسم عبراني للمَلَك المرسل من الله تعالى بالوحي لرُسله مركب من كلمتين.
وفيه لغات أشهرها جِبْرِيل كقِطمير وهي لغة أهل الحجاز وبها قرأ الجمهور.
وجَبْريل بفتح الجيم وكسر الراء وقع في قراءة ابن كثير وهذا وزن فَعْليل لا يوجد له مثال في كلام العرب قاله الفراء والنحاس، وجَبْرَئِيل بفتح الجيم أيضاً وفتح الراء وبين الراء والياء همزة مكسورة وهي لغة تميم وقيس وبعضضِ أهل نجد وقرأ بها حمزة والكسائي.
وجَبْرَئِل بفتح الجيم والراء بينها وبين اللام همزة مكسورة قرأ بها أبو بكر عن عاصم وفيه لغات أخرى قُرِئ بها في الشواذ.
وهو اسم مركب من كلمتين كلمة جبر وكلمة إِيل.
فأما كلمة جبر فمعناه عند الجمهور نقلاً عن العبرانية أنها بمعنى عبد والتحقيق أنها في العبرانية بمعنى القُوة.
وأما كلمة إِيل فهي عند الجمهور اسم من أسماء الله تعالى.
وذهب أبو علي الفارسي إلى عكس قول الجمهور فزعم أن جبر اسم الله تعالى وإِيل العبد وهو مخالف لما في اللغة العبرانية عند العارفين بها.
وقد قفا أبوالعلاء المعري رأي أبي علي الفارسي في صدر رسالته التي خاطب بها علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح وهي المعروفة «برسالة الغُفران» فقال: «قَدْ علم الجَبْر الذي نسب إليه جبريل وهو في كل الخيرات سبيل أنَّ في مسكني حَمَاطَة» إلخ.
أي قد علم الله الذي نُسب جبريل إلى اسمه أي اسمه جبر يريد بذلك القَسَم وهذا إغراب منه وتنبيه على تباصره باللغة.
وعدواة اليهود لجبريل نشأت من وقت نزوله بالقرآن على محمد صلى الله عليه وسلم وقيل: لأنه ينزل على الأمم التي كذبت رسلها بالعذاب والوعيد، نقله القرطبي عن حديث خرجه الترمذي.
وقوله: ﴿ من كان عدواً لجبريل ﴾ شرط عام مراد به خاص وهم اليهود.
قصد الإتيان بالشمول ليعلموا أن الله لا يعبأ بهم ولا بغيرهم ممن يعادي جبريل إن كان له معاد آخر.
وقد عرف اليهود في المدينة بأنهم أعداء جبريل ففي البخاري عن أنس بن مالك قال: «سمع عبد الله بن سلام بقدوم رسول الله وهو في أرض يخترف فأتى النبيء فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبيء «فما أول أشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال رسول الله أخبرني بهن جبريل آنفاً قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة فإنهم أبغضوه لأنه يجيء بما فيه شدة وبالأمر بالقتال» الحديث وفي سفر دانيال من كتبهم في الإصحاحين الثامن والتاسع ذكروا أن جبريل عبر لدانيال رؤيا رآها وأنذره بخراب أورشليم.
وذكر المفسرون أسباباً أخرى لبغضهم جبريل.
ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من الله ويبغضونه وهذا من أحط دركات الانحطاط في العقل والعقيدة ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تظاهر آرائهم على الخطأ والأوهام.
وقوله: ﴿ وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله ﴾ [البقرة: 91] وإما لأن الفعل لا يصلح إلا له هنا على حد ﴿ حتى توارت بالحجاب ﴾ [ص: 32] ﴿ فلولا إذا بلغت الحلقوم ﴾ [الواقعة: 83].
وهذه الجملة قائمة مقام جواب الشرط لظهور أن المراد أن لا موجب لعداوته لأنه واسطة أذنه الله بالنزول بالقرآن فهم بمعاداته إنما يعادون الله تعالى فالتقدير من كان عدواً لجبريل فلا يعاده وليعاد الله تعالى.
وهذا الوجه أحسن مما ذكروه وأسعد بقوله تعالى ﴿ بإذن الله ﴾ وأظهر ارتباطاً بقوله بعد ﴿ من كان عدواً لله وملائكته ﴾ كما ستعرفونه ويجوز أن يكون التقدير فإنه قدنزله عليك سواء أحبوه أم عادوه فيكون في معنى الإغاظة من باب ﴿ قل موتوا بغيظكم ﴾ [آل عمران: 119]، كقول الربيع بن زياد: من كان مسروراً بمقتل مالك *** فليأتتِ ساحَتنا بوجه نهار يجد النساءَ حواسراً يندبنه *** بالليل قبل تبلج الإسفار أي فلا يسر بمقتله فإنا قد قتلنا قاتله قبل طلوع الصباح فإن قاتله من أولياء من كان مسروراً بمقتله.
ويجوز أن يكون المراد فإنه نزل به من عند الله مصدقاً لكتابهم وفيه هدى وبشرى، وهذه حالة تقتضي محبة من جاء به فمن حمقهم ومكابرتهم عداوتهم لمن جاء به فالتقدير فقد خلع ربقة العقل أو حلية الإنصاف.
والإتيان بحرف التوكيد في قوله: ﴿ فإنه نزله ﴾ لأنهم منكرون ذلك.
والقلب هنا بمعنى النفس وما به الحفظ والفهم، والعرب تطلق القلب على هذا الأمر المعنوي نحو: ﴿ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ﴾ [ق: 37] كما يطلقونه أيضاً على العضو الباطني الصنوبري كما قال: كأنّ قلوب الطير رطباً ويابساً *** و ﴿ مصدقاً ﴾ حال من الضمير المنصوب في ﴿ أنزله ﴾ أي القرآن الذي هو سبب عداوة اليهود لجبريل أي أنزله مقارناً لحالة لا توجب عداوتهم إياه لأنه أنزله مصدقاً لما بين يديه من الكتب وذلك التوراة والإنجيل.
والمصدق المخبر بصدق أحد.
وأدخلت لام التقوية على مفعول ﴿ مصدقاً ﴾ للدلالة على تقوية ذلك التصديق أي هو تصديق ثابت محقق لا يشوبه شيء من التكذيب ولا التخطئة فإن القرآن نوه بالتوراة والإنجيل ووصف كلاً بأنه هدى ونور كما في سورة المائدة.
وتصديق الرسل السالفين من أول دلائل صدق المصدق لأن الدجاجلة المدعين النبوات يأتون بتكذيب من قبلهم لأن ما جاءوا به من الهدى يخالف ضلالات الدجالين فلا يسعهم تصديقهم ولذا حذر الأنبياء السابقون من المتنبئين الكذبة كما جاء في مواضع من التوراة والأناجيل.
والمراد بما بين يديه ما سبقه وهو كناية عن السبق لأن السابق يجيء قبل المسبوق ولما كان كناية عن السبق لم يناف طول المدة بين الكتب السابقة والقرآن ولأن اتصال العمل بها بين أممها إلى مجيء القرآن فجعل سبقهما مستمراً إلى وقت مجيء القرآن فكان سبقهما متصلاً.
والهدى وصف للقرآن بالمصدر لقصد المبالغة في حصول الهدى به.
والبشرى الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى وكمال ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهم خير الدنيا وخير الآخرة.
فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيراً عاجلاً وواعد لهم بعاقبة الخير.
وهذه خصال الرجل الكريم محتده وبيته وقومه، السخي بالبذل الواعد به وهي خصال نظر إليها بيت زياد الأعجم: إنَّ المساحةَ والمروءةَ والنَّدى *** في قبة ضُربت على ابن الحَشْرج وقوله: ﴿ من كان عدواً لله ﴾ إلخ قد ظهر حسن موقعه بما علمتموه من وجه معنى ﴿ فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ أي لما كانت عداوتهم جبريل لأجل عداوتهم الرسول ورجعت بالأخرة إلى إلزامهم بعدواتهم الله المرسل، لأن سبب العداوة هو مجيئه بالرسالة تسنى أن سجل عليهم أنهم أعداء الله لأنه المرسل، وأعداء رسله لأنهم عادوا الرسول، وأعداء الملائكة لذلك، فقد صارت عداوتهم جبريل كالحد الوسط في القياس لا يلتفت إليه وإنما يلتفت للمقدمتين بالصغرى والكبرى فعداوتهم الله بمنزلة المقدمة الكبرى لأنها العلة في المعنى عند التأمل.
وعداوتهم الرسول بمنزلة المقدمة الصغرى لأنها السبب الجزئي المثبت له فلا يرد أنه لا وجه لذكر عداوة الله تعالى هنا حتى يجاب بأن عداوة الملائكة والرسل عداوة لله على حد ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ﴾ [النساء: 80] فإن ذلك بعيد.
وقد أثبت لهم عدواة الملائكة والرسل مع أنهم إنما عادوا جبريل ومحمداً لأنهم لما عادوهما عادوا جبريل لأجل قيامه بما هو من خصائص جنسه الملكي وهو تبليغ أمر الله التكليفي فإن ذلك خصيصتهم قال تعالى: ﴿ وهم بأمره يعملون ﴾ [الأنبياء: 27] كانت عداوتهم إياه لأجل ذلك آيلة إلى عداوة جنس الملائكة إذ تلك طريق ليس جبريل فيها بأوحد وكذلك لما عادوا محمداً لأجل مجيئه بالرسالة لسبب خاص بذاته، كانت عداوتهم إياه آيلة إلى عداوة الوصف الذي هو قوام جنس الرسول فمن عادى واحداً كان حقيقاً بأن يعاديهم كلَّهم وإلا كان فعله تحكماً لا عذر له فيه.
وخُص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه وليُذكَرَ معه ميكائيل ولعلهم عادَوهما معاً أو لأنهم زعموا أن جبريل رسول الخسف والعذاب وأن ميكائيل رسول الخصب والسلام وقالوا: نحن نحب ميكائيل فلما أريد إنذارهم بأن عداوتهم الملائكة تجر إليهم عداوة الله وأعيد ذكر جبريل للتنويه به وعطف عليه ميكائيل لئلا يتوهموا أن محبتهم ميكائيل تكسب المؤمنين عداوته.
وفي ميكائيل لغات إحداها ميكائيل بهمزة بعد الألف وياء بعد الهمزة وبها قرأ الجمهور.
الثانية ميكائيل بهمزة بعد الألف وبلا ياء بعد الهمزة وبها قرأ نافع.
الثالثة ميكالَ بدون همز ولا ياء وبها قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة أهل الحجاز.
وقوله: ﴿ فإن الله عدو للكافرين ﴾ جواب الشرط.
والعدو مستعمل في معناه المجازي وهو ما يستلزمه من الانتقام والهلاك وأنه لا يفلته كما قال النابغة: فإنك كالليل الذي هو مدركي *** البيت.
وقوله تعالى: ﴿ ووجد الله عنده فوفاه حسابه ﴾ [النور: 39] وما ظنك بمن عاداه الله.
ولهذا ذكر اسم الجلالة بلفظه الظاهر ولم يقل فإني عدو أو فإنه عدو لما يشعر به الظاهر هنا من القدرة العظيمة على حد قول الخليفة: «أميرُ المؤمنين يأمر بكذا» حثًّا على الامتثال.
والمراد بالكافرين جميع الكافرين وجيء بالعام ليكون دخولهم فيه كإثبات الحكم بالدليل، وليدل على أن الله عاداهم لكفرهم، وأن تلك العداوة كفر، ولتكون الجملة تذييلاً لما قبلها.
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ ﴾ وسَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، «أنَّ ابْنَ صُورِيا وجُمْلَةً مِن يَهُودِ (فَدَكَ)، لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ المَدِينَةَ سَألُوهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، كَيْفَ نَوْمُكَ؟
فَإنَّهُ قَدْ أُخْبِرْنا عَنْ نَوْمِ النَّبِيِّ الَّذِي يَأْتِي في آخِرِ الزَّمانِ، فَقالَ: (تَنامُ عَيْنايَ وقَلْبِي يَقْظانُ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنا عَنِ الوَلَدِ يَكُونُ مِنَ الرَّجُلِ أوِ المَرْأةِ؟
فَقالَ: (أمّا العِظامُ والعَصَبُ والعُرُوقُ فَمِنَ الرَّجُلِ، وأمّا اللَّحْمُ والدَّمُ والظُّفْرُ والشَّعْرُ فَمِنَ المَرْأةِ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَما بالُ الوَلَدِ يُشْبِهُ أعْمامَهُ، لَيْسَ فِيهِ مِن شَبَهِ أخْوالِهِ شَيْءٌ، أوْ يُشْبِهُ أخْوالَهُ، لَيْسَ فِيهِ مِن شَبَهِ أعْمامِهِ شَيْءٌ؟
فَقالَ: (أيُّهُما عَلا ماؤُهُ كانَ الشَّبَهُ لَهُ) قالُوا: صَدَقْتَ يا مُحَمَّدُ، فَأخْبِرْنا عَنْ رَبِّكَ ما هُوَ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ، قالَ لَهُ ابْنُ صُورِيا: خَصْلَةٌ إنْ قُلْتَها آمَنتُ بِكَ واتَّبَعْتُكَ، أيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِما يَقُولُ اللَّهُ؟
قالَ: (جِبْرِيلُ)، قالَ: ذاكَ عَدُوُّنا، يَنْزِلُ بِالقِتالِ والشِّدَّةِ والحَرْبِ، ومِيكائِيلُ يَنْزِلُ بِالبِشْرِ والرَّخاءِ، فَلَوْ كانَ مِيكائِيلُ هو الَّذِي يَأْتِيكَ آمَنّا بِكَ، فَقالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عِنْدَ ذَلِكَ: فَإنِّي أشْهَدُ أنَّ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ، فَإنَّهُ عَدُوٌّ لِمِيكائِيلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ،» فَأمّا جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ فَهُما اسْمانِ، أحَدُهُما عَبْدُ اللَّهِ والآخَرُ عُبَيْدُ اللَّهِ، لِأنَّ إيلَ هو اللَّهُ، وجَبْرَ هو عَبْدٌ، ومِيكا هو عُبَيْدٌ، فَكانَ جِبْرِيلُ عَبْدَ اللَّهِ، ومِيكائِيلُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْسَ لَهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ مُخالِفٌ.
فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ قالَ: ﴿ مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ وقَدْ دَخَلَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ في عُمُومِ المَلائِكَةِ فَلِمَ خَصَّهُما بِالذِّكْرِ؟
فَعَنْهُ جَوابانِ: أحَدُهُما: أنَّهُما خُصّا بِالذِّكْرِ تَشْرِيفًا لَهُما وتَمْيِيزًا.
والثّانِي: أنَّ اليَهُودَ لَمّا قالُوا: جِبْرِيلُ عَدُوُّنا، ومِيكائِيلُ ولِيُّنا، خُصّا بِالذِّكْرِ، لِأنَّ اليَهُودَ تَزْعُمُ أنَّهم لَيْسُوا بِأعْداءٍ لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ، لِأنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ مَخْصُوصانِ مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ، فَنَصَّ عَلَيْهِما لِإبْطالِ ما يَتَأوَّلُونَهُ مِنَ التَّخْصِيصِ، ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ ﴾ ، ولَمْ يَقُلْ لَهُمْ، لِأنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أنْ يَنْتَقِلُوا عَنِ العَداوَةِ بِالإيمانِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج الطيالسي والفريابي وأحمد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل عن ابن عباس قال: حضرت عصابة من اليهود نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي.
قال: «سلوني عما شئتم، ولكن اجعلوا لي ذمة الله وما أخذ يعقوب على بنيه لئن أنا حدثتكم شيئاً فعرفتموه لتتابعني؟
قالوا: فذلك لك.
قالوا: أربع خلال نسألك عنها: أخبرنا أي طعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا كيف ماء الرجل من ماء المرأة وكيف الأنثى منه والذكر، وأخبرنا كيف هذا النبي الأمي في النوم، ومن وليه من الملائكة، فأخذ عليهم عهد الله لئن أخبرتكم لتتابعني، فأعطوه ما شاء من عهد وميثاق.
قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً طال سقمه، فنذر نذراً لئن عافاه الله من سقمه ليحرمن أحب الشراب إليه وأحب الطعام إليه، وكان أحب الطعام إليه لُحْمَان الإبل، وأحب الشراب إليه ألبانها؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال: اللهم اشهد.
قال: أنشدكم بالذي لا إله إلا هو هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظ وأن ماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا كان له الولد والشبه بإذن الله، إن علا ماء الرجل كان ذكراً بإذن الله وإن علا ماء المرأة كان أنثى بإذن الله؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: اللهم اشهد قال: فأنشدكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن النبي الأمي هذا تنام عيناه ولا ينام قلبه؟
قالوا: نعم.
قال: اللهم اشهد عليهم.
قالوا: أنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة فعندها نتابعك أو نفارقك؟
قال: وليي جبريل ولم يبعث الله نبياً قط إلا وهو وليه.
قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليك سواه من الملائكة لا تبعناك وصدقناك.
قال: فما يمنعكم أن تصدقوه؟
قالوا: هو عدوّنا.
فأنزل الله تعالى ﴿ من كان عدواً لجبريل ﴾ إلى قوله: ﴿ كأنهم لا يعلمون ﴾ فعند ذلك باؤوا بغضب على غضب» .
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وإسحاق بن راهويه في مسنده وابن جرير وابن أبي حاتم عن الشعبي قال: «نزل عمر رضي الله عنه بالروحاء، فرأى ناساً يبتدرون أحجاراً فقال: ما هذا؟
فقالوا: يقولون إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى هذه الأحجار، فقال: سبحان الله...
ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلاَّ راكباً مر بواد فحضرت الصلاة فصلَّى، ثم حدث فقال: إني كنت أغشى اليهود يوم دراستهم فقالوا: ما من أصحابك أحد أكرم علينا منك لأنك تأتينا.
قلت: وما ذاك إلا أني أعجب من كتب الله كيف يصدق بعضها بعضاً، كيف تصدق التوراة الفرقان والفرقان التوراة، فمر النبي صلى الله عليه وسلم يوماً وأنا أكلمهم فقلت: أنشدكم بالله وما تقرأون من كتابه، أتعلمون أنه رسول الله؟
قالوا: نعم.
فقلت: هلكتم والله، تعلمون أنه رسول الله ثم لا تتبعونه؟
فقالوا: لم نهلك ولكن سألناه من يأتيه بنبوّته فقال: عدوّنا جبريل، لأنه ينزل بالغلظة والشدة والحرب والهلاك ونحو هذا، فقلت فمن سلمكم من الملائكة؟
فقالوا: ميكائيل ينزل بالقطر والرحمة وكذا.
قلت: وكيف منزلتهما من ربهما؟
فقالوا: أحدهما عن يمينه والآخر من الجانب الآخر.
قلت: فإنه لا يحل لجبريل أن يعادي ميكائيل، ولا يحل لميكائيل أن يسالم عدوّ جبريل، وإني أشهد أنهما وربهما سلم لمن سالموا وحرب لمن حاربوا، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أريد أن أخبره، فلما لقيته قال: ألا أخبرك بآيات أنزلت عليّ؟
قلت: بلى يا رسول الله فقرأ ﴿ من كان عدواً لجبريل ﴾ حتى بلغ ﴿ الكافرين ﴾ قلت: والله يا رسول الله ما قمت من عند اليهود إلا إليك لأخبرك بما قالوا لي، وقلت لهم فوجدت الله قد سبقني.
صحيح الإِسناد ولكن الشعبي لم يدرك عمر» .
وأخرج سفيان بن عيينة عن عكرمة قال: كان عمر يأتي يهود يكلمهم فقالوا: إنه ليس من أصحابك أحد أكثر إتياناً إلينا منك، فأخبرنا من صاحب صاحبك الذي يأتيه بالوحي؟
فقال: جبريل.
قالوا: ذاك عدونا من الملائكة، ولو أن صاحبه صاحب صاحبنا لاتبعناه، فقال عمر: من صاحب صاحبكم؟
قالوا: ميكائيل.
قال: وما هما؟
قالوا: أما جبريل فينزل بالعذاب والنقمة وأما ميكائيل فينزل بالغيث والرحمة وأحدهما عدو لصاحبه.
فقال عمر.
وما منزلتهما؟
قالوا: إنهما من أقرب الملائكة منه أحدهما عن يمينه وكلتا يديه يمين والآخر على الشق الآخر.
فقال عمر: لئن كانا كما تقولون ما هما بعدوّين، ثم خرج من عندهم فمر بالنبي صلى الله عليه وسلم فدعاه فقرأ عليه ﴿ من كان عدوّاً لجبريل...
﴾ الآية.
فقال عمر: والذي بعثك بالحق أنه الذي خاصمتهم به آنفاً.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا عمر بن الخطاب انطلق ذات يوم إلى اليهود، فلما أبصروه رحبوا به فقال عمر: والله ما جئت لحبكم ولا للرغبة فيكم ولكني جئت لأسمع منكم، وسألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟
فقال لهم: جبريل، قالوا: ذاك عدوّنا من الملائكة يطلع محمداً على سرنا، وإذا جاء، جاء بالحرب والسنة ولكن صاحبنا ميكائيل، وإذا جاء جاء بالخصب والسلم.
فتوجه نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحدثه حديثهم، فوجده قد أنزل هذه الآية ﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل...
﴾ الآية.
وأخرج ابن جرير عن السدي قال «لما كان لعمر أرض بأعلى المدينة يأتيها، وكان ممره على مدارس اليهود، وكان كلما مر دخل عليهم فسمع منهم، وإنه دخل عليهم ذات يوم فقال لهم: أنشدكم بالرحمن الذي أنزل التوراة على موسى بطور سيناء أتجدون محمداً عندكم؟
قالوا: نعم، إنا نجده مكتوباً عندنا ولكن صاحبه من الملائكة الذي يأتيه بالوحي جبريل وجبريل عدونا، وهو صاحب كل عذاب وقتال وخسف، ولو كان وليه ميكائيل لآمنا به، فإن ميكائيل صاحب كل رحمة وكل غيث.
قال عمر: فأين مكان جبريل من الله؟
قالوا: جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره.
قال عمر: فأشهدكم أن الذي عدوّ للذي عن يمينه عدوّ للذي هو عن يساره والذي عدوّ للذي هو عن يساره عدوّ للذي هو عن يمينه، وأنه من كان عدوّهما فإنه عدوّ لله، ثم رجع عمر ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ﴿ قل من كان عدوّاً لجبريل...
﴾ الآية.
فقال عمر: والذي بعثك بالحق لقد جئت وما أريد إلا أن أخبرك» .
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى.
أن يهودياً لقي عمر فقال: إن جبريل الذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا.
فقال عمر ﴿ من كان عدوّاً لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدوّ للكافرين ﴾ قال: فنزلت على لسان عمر، وقد نقل ابن جرير الاجماع على أن سبب نزول الآية ذلك.
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد وعبد بن حميد والبخاري والنسائي وأبو يعلى وابن حبان والبيهقي في الدلائل عن أنس قال «سمع عبد الله بن سلام بمقدم النبي صلى الله عليه وسلم وهو في أرض يخترف، فأتى صلى الله عليه وسلم فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي.
ما أول اشراط الساعة، وما أول طعام أهل الجنة، وما ينزع الولد إلى أبيه أو إلى أمه؟
قال: أخبرني جبريل بهن آنفاً.
قال: جبريل؟
قال: نعم.
قال: ذاك عدو اليهود من الملائكة.
فقرأ هذه الآية ﴿ من كان عدوّاً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ قال: أما أوّل أشراط الساعة فنار تخرج من المشرق فتحشر الناس إلى المغرب، وأما أول ما يأكل أهل الجنة فزيادة كبد حوت، وأما ما ينزع الولد إلى أبيه وأمه فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع إليه الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزع إليها.
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله» .
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإنه نزله على قلبك بإذن الله ﴾ يقول: جبريل نزل القرآن بإذن الله يشدد به فؤادك، ويربط به على قلبك ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ يقول: لما قبله من الكتب التي أنزلها، والآيات والرسل الذين بعثهم الله.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ قال: من التوراة والإِنجيل ﴿ وهدى وبشرى للمؤمنين ﴾ قال: جعل الله هذا القرآن هدى وبشرى للمؤمنين، لأن المؤمن إذا سمع القرآن حفظه، ووعاه، وانتفع به، واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الذي وعده فيه، وكان على يقين من ذلك.
وأخرج ابن جرير من طريق عبيد الله العكي عن رجل من قريش قال: سأل النبي صلى الله عليه وسلم اليهود فقال: «أسألكم بكتابكم الذي تقرأون هل تجدونه قد بشر بي عيسى أن يأتيكم رسول اسمه أحمد؟
فقالوا: اللهم وجدناك في كتابنا ولكنا كرهناك لأنك تستحل الأموال وتهرق الدماء، فأنزل الله: ﴿ من كان عدوًّا لله وملائكته ورسله ﴾ الآية» .
وأما قوله تعالى ﴿ وجبريل وميكال ﴾ .
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: جبريل كقولك عبد الله جبر عبد وايل الله.
وأخرج ابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان والخطيب في المتفق والمفترق عن ابن عباس قال: جبريل عبد الله، وميكائيل عبيد الله، وكل اسم فيه ايل فهو معبد لله.
وأخرج الديلمي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اسم جبريل عبد الله، واسم اسرافيل عبد الرحمن» .
وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ في العظمة عن علي بن حسين قال: اسم جبريل عبد الله، واسم ميكائيل عبيد الله، واسم اسرافيل عبد الرحمن، وكل شيء راجع إلى ايل فهو معبد لله عز وجل.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: جبريل اسمه عبد الله، وميكائيل اسمه عبيد الله، قال: والإِل الله، وذلك قوله: ﴿ لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة ﴾ [ التوبة: 10] قال: لا يرقبون الله.
وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن يحيى بن يعمر أنه كان يقرأها جبرال، ويقول جبر هو عبد وال هو الله.
وأخرج وكيع عن علقمة أنه كان يقرأ مثقلة ﴿ جبريل وميكائيل ﴾ .
وأخرج وكيع ابن جبرير عن عكرمة قال: جبر عبد وايل الله، وميك عبد وايل الله، واسراف عبد وايل الله.
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ في العظمة والبيهقي في شعب الإِيمان بسند حسن عن ابن عباس قال: «بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل يناجيه إذ انشق أفق السماء، فأقبل جبريل يتضاءل ويدخل بعضه في بعض ويدنو من الأرض، فإذا ملك قد مثل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، ويخيرك بين أن تكون نبياً ملكاً وبين أن تكون نبياً عبداً.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأشار جبريل إليّ بيده أن تواضع، فعرفت أنه لي ناصح فقلت: عبد نبي.
فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت: يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا، فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟
قال: هذا اسرافيل خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافاً قدميه لا يرفع طرفه، بينه وبين الرب سبعون نوراً ما منها نور يدنو منه إلا احترق، بين يديه اللوح المحفوظ فإذا أذن الله في شيء في السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فيه، فإذا كان من عملي أمرني به، وإن كان من عمل ميكائيل أمره به، وإن كان من عمل ملك الموت أمره به.
قلت: يا جبريل على أي شيء أنت؟
قال: على الرياح والجنود.
قلت: على أي شيء ميكائيل؟
قال: على النبات والقطر.
قلت: على أي شيء ملك الموت؟
قال: على قبض الأنفس، وما ظننت أنه هبط إلا بقيام الساعة، وما ذاك الذي رأيت مني إلا خوفاً من قيام الساعة» .
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل، وأفضل النبيين آدم، وأفضل الأيام يوم الجمعة، وأفضل الشهور رمضان، وأفضل الليالي ليلة القدر، وأفضل النساء مريم بنت عمران» .
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ في العظمة عن عبد العزيز بن عمير قال: اسم جبريل في الملائكة خادم الله عز وجل.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن عكرمة قال: قال جبريل عليه السلام: إن ربي عز وجل ليبعثني على الشيء لأمضيه فأجد الكون قد سبقني إليه.
وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال: بلغني أن جبريل إمام أهل السماء.
وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن مرة قال: جبريل على ريح الجنوب.
وأخرج البيهقي في شعب الإِيمان عن ثابت قال: بلغنا أن الله تعالى وكَّل جبريل بحوائج الناس، فإذا دعا المؤمن قال: «يا جبريل احبس حاجته فإني أحب دعاءه، وإذا دعا الكافر قال: يا جبريل اقض حاجته فإني أبغض دعاءه» .
وأخرج ابن أبي شيبة من طريق ثابت عن عبدالله بن عبيد قال: «إن جبريل موكل بالحوائج، فإذا سأل المؤمن ربه قال: احبس احبس حبا لدعائه أن يزداد، وإذا سأل الكافر قال: أعطه أعطه بغضاً لدعائه» .
وأخرج البيهقي والصابوني في المائتين عن جابر بن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن جبريل موكل بحاجات العباد، فإذا دعا المؤمن قال: يا جبريل احبس حاجة عبدي فإني أحبه وأحب صوته، وإذا دعا الكافر قال: يا جبريل اقض حاجة عبدي فإني أبغضه وأبغض صوته» .
وأخرج أبو الشيخ في العظمة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل: «وددت أني رأيتك في صورتك قال: وتحب ذلك؟
قال: نعم.
قال: موعدك كذا وكذا من الليل بقيع الغرقد، فلقيه رسول الله صلى الله عليه وسلم موعده، فنشر جناحاً من أجنحته فسد أفق السماء حتى ما يرى من السماء شيء» .
وأخرج أحمد وأبو الشيخ عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رأيت جبريل مهبطاً قد ملأ ما بين الخافقين، عليه ثياب سندس معلق بها اللؤلؤ والياقوت» .
وأخرج أبو الشيخ عن شريح بن عبيد «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد إلى السماء رأى جبريل في خلقته منظومة أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، قال: فخيل إلي أن ما بين عينيه قد سد الأفق، وكنت أراه قبل ذلك على صور مختلفة، وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي، وكنت أحياناً أراه كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال» .
وأخرج ابن جرير عن حذيفة وابن جرير وقتادة.
دخل حديث بعضهم لبعض لجبريل جناحان، وعليه وشاح من در منظوم، وهو براق الثنايا، أجلى الجبينين، ورأسه حُبكَ حبكاً مثل المرجان، وهو اللؤلؤ كأنه الثلج، وقدماه إلى الخضرة.
وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما بين منكبي جبريل مسيرة خمسمائة عام للطائر السريع الطيران» .
وأخرج أبو الشيخ عن وهب بن منبه.
أنه سئل عن خلق جبريل؟
فذكر أن ما بين منكبيه من ذي إلى ذي خفق الطير سبعمائة عام.
وأخرج ابن سعد والبيهقي في الدلائل عن عمار بن أبي عمار.
إن حمزة بن عبد المطلب قال: يا رسول الله أرني جبريل على صورته.
قال: «إنك لا تستطيع أن تراه.
قال: بلى فأرنيه.
قال: فاقعد.
فقعد فنزل جبريل على خشبة كانت الكعبة يلقي المشركون عليها ثيابهم إذا طافوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ارفع طرفك.
فانظر فرفع طرفه، فرأى قدميه مثل الزبرجد الأخضر، فخر مغشياً عليه» .
وأخرج ابن المبارك في الزهد عن ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل أن يتراءى له في صورته فقال جبريل: إنك لن تطيق ذلك.
قال: إني أحب أن تفعل.
فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى في ليلة فأتاه في ليلة مقمرة، فأتاه جبريل في صورته، فغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده وواضع إحدى يديه على صدره والآخرى بين كتفيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أرى أن شيئاً من الخلق هكذا!
فقال جبريل: فكيف لو رأيت إسرافيل، إن له لاثني عشر جناحاً، منها جناح في المشرق، وجناح في المغرب، وإن العرش على كاهله، وإنه ليتضاءل أحياناً لعظمة الله عز وجل حتى يصير مثل الوصع، حتى ما يحمل عرشه إلا عظمته» .
وأخرج ابن أبي داود في المصاحف عن أبي جعفر قال: كان أبو بكر يسمع مناجاة جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يراه.
وأخرج الحاكم عن ابن عباس قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم «لما رأيت جبريل لم يره خلق الأعمى إلا أن يكون نبياً، ولكن أن يجعل ذلك في آخر عمرك» .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة لنهرا ما يدخله جبريل من دخلة فيخرج فينتفض إلا خلق الله من كل قطرة تقطر ملكاً» .
وأخرج أبو الشيخ عن أبي العلاء بن هرون قال: لجبريل في كل يوم انغماسة في نهر الكوثر، ثم ينتفض فكل قطرة يخلق منها ملك.
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن جبريل ليأتيني كما يأتي الرجل صاحبه في ثياب بيض مكفوفة باللؤلؤ والياقوت، رأسه كالحبك، وشعره كالمرجان، ولونه كالثلح، أجلى الجبين، براق الثنايا، عليه وشاحان من در منظوم، وجناحاه أخضران، ورجلاه مغموستان في الخضرة، وصورته التي صور عليها تملأ ما بين الأفقين، وقد قال صلى الله عليه وسلم: أشتهي أن أراك في صورتك يا روح الله.
فتحوّل له فيها فسدَّ ما بين الأفقين» .
وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل «هل ترى ربك؟
قال: إن بيني وبينه لسبعين حجاباً من نار أو نور، لو رأيت أدناها لاحترقت» .
وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم في الحلية بسند واه عن أبي هريرة.
أنَّ رجلاً من اليهود أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله هل احتجب الله بشيء عن خلقه غير السموات؟
قال: «نعم، بينه وبين الملائكة الذين حول العرش سبعون حجاباً من نور، وسبعون حجاباً من نار، وسبعون حجاباً من ظلمة، وسبعون حجاباً من رفارف الاستبرق، وسبعون حجاباً من رفارف السندس، وسبعون حجاباً من در أبيض، وسبعون حجاباً من در أحمر، وسبعون حجاباً من در أصفر، وسبعون حجاباً من در أخضر، وسبعون حجاباً من ضياء، وسبعون حجاباً من ثلج، وسبعون حجاباً من برد، وسبعون حجاباً من عظمة الله التي لا توصف، قال: فأخبرني عن ملك الله الذي يليه؟
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الملك الذي يليه إسرافيل، ثم جبريل، ثم ميكائيل، ثم ملك الموت عليهم السلام» .
وأخرج أحمد في الزهد عن أبي عمران الجوني «أنه بلغه أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبكي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يبكيك؟!
قال: وما لي لا أبكي...
!
فوالله ما جفت لي عين منذ خلق الله النار، مخافة أن أعصيه فيقذفني فيها» .
وأخرج أحمد في الزهد عن رباح قال: «حدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: لم تأتني إلا وأنت صار بين عينيك؟
قال: إني لم أضحك منذ خلقت النار» .
وأخرج أحمد في مسنده وأبو الشيخ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لجبريل: «ما لي لم أر ميكائيل ضاحكاً قط؟
قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .
وأخرج أبو الشيخ عن عبد العزيز بن أبي رواد قال: «نظر الله إلى جبريل وميكائيل وهما يبكيان، فقال الله: ما يبكيكما وقد علمتما إني لا أجور...؟
فقالا: يا رب إنا لا نأمن مكرك.
قال: هكذا فافعلا فإنه لا يأمن مكري إلا كل خاسر» .
وأخرج أبو الشيخ من طريق الليث عن خالد بن سعيد قال: بلغنا أن إسرافيل يؤذن لأهل السماء فيؤذن لأثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل لكل ساعة تأذين، يسمع تأذينه من في السموات السبع ومن في الأرضين السبع إلا الجن والإِنس، ثم يتقدم بهم عظيم الملائكة فيصلي بهم.
قال: وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة في البيت المعمور.
وأخرج الحكيم الترمذي عن زيد بن رفيع قال: «دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل وميكائيل وهو يستاك، فناول رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل السواك، فقال جبريل: كبر.
قال جبريل: ناول ميكائيل فإنه أكبر» .
وأخرج أبو الشيخ عن عكرمة بن خالد «أن رجلاً قال: يا رسول الله أي الخلق أكرم على الله عز وجل؟
قال: لا أدري...
!
فجاءه جبريل عليه السلام فقال: يا جبريل أي الخلق أكرم على الله؟
قال: لا أدري...
!
فعرج جبريل ثم هبط، فقال: أكرم الخلق على الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فأمَّا جبريل فصاحب الحرب وصاحب المرسلين، وأما ميكائيل فصاحب كل قطرة تسقط وكل ورقة تنبت وكل ورقة تسقط، وأما ملك الموت فهو موكل بقبض كل روح عبد في بر أو بحر، وأما إسرافيل فأمين الله بينه وبينهم» .
وأخرج أبو الشيخ عن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أقرب الخلق إلى الله جبريل وميكائيل وإسرافيل وهم منه مسيرة خمسين ألف سنة، جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وإسرافيل بينهما» .
وأخرج أبو الشيخ عن خالد بن أبي عمران قال: جبريل أمين الله إلى رسله، وميكائيل يتلقى الكتب التي تلقى من أعمال الناس، وإسرافيل كمنزلة الحاجب.
وأخرج سعيد بن منصور وأحمد وابن أبي داود في المصاحف وأبو الشيخ في العظمة والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في البعث عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إسرافيل صاحب الصور، وجبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وهو بينهما» .
وأخرج أبو الشيخ عن وهب قال: إن أدنى الملائكة من الله جبريل ثم ميكائيل، فإذا ذكر عبداً بأحسن عمله قال: فلان ابن فلان عمل كذا وكذا من طاعتي صلوات الله عليه، ثم سأل ميكائيل جبريل ما أحدث ربنا؟
فيقول: فلان ابن فلان ذكر بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه، ثم سأل ميكائيل من يراه من أهل السماء فيقول: ماذا أحدث ربنا؟
فيقول: ذكر فلان ابن فلان بأحسن عمله فصلى عليه صلوات الله عليه، فلا يزال يقع إلى الأرض.
وإذا ذكر عبداً بأسوأ عمله قال: عبدي فلان ابن فلان عمل كذا وكذا من معصيتي فلعنتي عليه، ثم سأل ميكائيل جبريل ماذا أحدث ربنا؟
فيقول: ذكر فلان ابن فلان بأسوأ عمله فعليه لعنة الله، فلا يزال يقع من سماء إلى سماء حتى يقع إلى الأرض.
وأخرج الحاكم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر» .
وأخرج البزار والطبراني عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله أيدني بأربعة وزراء، اثنين من أهل السماء جبريل وميكائيل، واثنين من أهل الأرض أبي بكر وعمر» .
وأخرج الطبراني بسند حسن عن أم سلمة.
أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في السماء ملكين أحدهما يأمر بالشدة والآخر يأمر باللين وكل مصيب جبريل وميكائيل.
ونبيان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشده وكل مصيب وذكر إبراهيم ونوحاً، ولي صاحبان أحدهما يأمر باللين والآخر يأمر بالشدة وكل مصيب وذكر أبا بكر وعمر» .
وأخرج البزار والطبراني في الأوسط والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبدالله بن عمرو قال: «جاء فئام الناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله زعم أبو بكر أن الحسنات من الله والسيئات من العباد، وقال عمر: الحسنات والسيئات من الله فتابع هذا قوم وهذا قوم.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأقضين بينكما بقضاء إسرافيل بين جبريل وميكائيل، إن ميكائيل قال يقول أبي بكر، وقال جبريل بقول عمر.
فقال جبريل لميكائيل: إنا متى تختلف أهل السماء تختلف أهل الأرض فلنتحاكم إلى إسرافيل، فتحاكما إليه فقضى بينهما بحقيقة القدر خيره وشره وحلوه ومره كله من الله، ثم قال: يا أبا بكر إن الله لو أراد أن لا يعصى لم يخلق إبليس.
فقال أبو بكر: صدق الله ورسوله» .
وأخرج الحاكم عن أبي المليح عن أبيه «أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتي الفجر، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين قال: فسمعته يقول: اللهم رب جبريل وميكائيل واسرافيل ومحمد أعوذ بك من النار ثلاث مرات» .
وأخرج أحمد في الزهد عن عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم أغمي عليه ورأسه في حجرها، فجعلت تمسح وجهه وتدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: لا بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل عليهم السلام» .
<div class="verse-tafsir"
وقوله تعالى: ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ ﴾ الآية، سألت اليهود نبي الله عمن يأتيه من الملائكة فقال: جبريل فقالوا: هو عدونا، ولو أتاك بالوحي ميكائيل لتقبلنا منك، فأنزل الله تعالى هذه الآية (١) وجبريل فيه لغات (٢) (٣) (٤) وهذه أسماء عجمية (٥) (٦) (٧) (٨) (٩) (١٠) (١١) (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) ومن قال جَبْرَئيل: على وزن جبرعل كان على وزن: جَحْمَرِش (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) عبدوا الصّليبَ وكذّبوا بمحمدٍ ...
وبِجبْرَئيلَ وكذّبوا ميكالا (٢٣) (٢٤) وجبريلٌ رسولُ الله فينا ...
وروحُ القُدْس ليس به خفاءُ (٢٥) وقال كعب بن مالك: ويوم بدر لقيناكم لنا مَدَدٌ ...
فيه مع النصرِ جبريل وميكالُ (٢٦) قال أبو علي الفارسي (٢٧) (٢٨) (٢٩) (٣٠) (٣١) (٣٢) (٣٣) قوله تعالى: ﴿ فَإِنَّهُ ﴾ يعني جبريل ﴿ نَزَّلَهُ ﴾ يعنى: القرآن، كنى عنه ولم يجئ له ذكر، وهو كثير، وقيل: فإن الله نزل جبريل على قلبك (٣٤) وقيل: جواب من مُضمر، أراد: من كان عدُوًّا لجبريل فليخف، أو ليَمُتْ غيظا أو ما أشبهه من الإضمار (٣٥) وقوله تعالى: ﴿ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ يعني: قلبَ محمد قال الفراء: ولو كان: على قلبي، كان صوابًا، مثله في الكلام: لا تقل للقوم: إن الخَيْر عندي وعندك، أما عندك فجائز؛ لأنه كالخطاب، وأما عندي فهو قول المتكلم بعينه (٣٦) وقوله تعالى: ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ قال ابن عباس: لما قبله من الكتب التي أنزلها الله عز وجل (٣٧) وفي قوله تعالى: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ رد على اليهود حين قالوا: إن جبريل ينزك بالحرب والشدة، فقيل: إنه وإن كان ينزل بالحرب والشدة على الكافرين فإنه ينزل بالهدى والبشرى للمؤمنين (٣٨) (١) أخرجه أحمد في "مسنده" 1/ 274، والنسائي في "السنن الكبرى"، في عشرة النساء، كما في "تحفة الأشراف" 4/ 394، والترمذي (3117) كتاب باب ومن "التفسير"، سورة الرعد وقال: حسن غريب، وأبو نعيم في "الحلية" 4/ 237 وقال: غريب من حديث بكير، تفرد به بكير، الطبري في تفسيره 1/ 43 - 432، ابن أبي حاتم في "تفسيره" 1/ 180، وعبد بن حميد كما ذكره ابن كثير في التفسير، وصححه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على الطبري في تفسيره.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 242: رواه الترمذي باختصار ورواه أحمد والطبراني ورجالهما ثقات وصححه الألباني في "صحيح سنن الترمذي" (3117) قال الطبري في تفسيره 1/ 431: أجمع أهل العلم جميعًا على أن هذه الآية نزلت جوابًا لليهود من بني إسرائيل، إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم، ثم اختلفوا في السبب الذي من أجله قالوا ذلك وحكى الإجماع أيضًا أبو حيان في "البحر" 1/ 319 قال الحافظ ابن حجر في "العجاب" 1/ 298 بعد أن ذكر الروايات في سبب النزول: وحاصل ما ذكر فيه ثلاثة أقوال: أحدها: قول الجمهور: أن عداوتهم لكونه ينزل العذاب.
ثانيها: كونه حال دون قتل بختنصّر الذي خَرّب مسجدهم، وسفك دمائهم، وسبى ذراريهم.
ثالثها: كونه عدل بالنبوة عن بني إسرائيل إلى بني إسماعيل.
(٢) استقصى اللغات في جبريل وميكائيل: الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1044 وما بعدها، وأبو حيان في "البحر" 1/ 318، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 117 - 119.
(٣) قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب وابن عامر وحفص، بكسر الجيم والراء بلا همز، وقرأ ابن كثير كذلك ولكن مع فتح الجيم، وقرأ شعبة بفتح الجيم والراء وبعدها همزة مكسورة، وقرأ كذلك حمزة والكسائي وخلف، ولكن بزيادة ياء ساكنة بعد الهمزة، ولحمزة إن وقف عليه التسهيل فقط.
وأما ميكال، فقد قرأ نافع وأبو جعفر بهمزة مكسورة بعد الألف من غير ياء بعدها، وقرأ حفص وأبو عمرو ويعقوب من غير همز ولا ياء، وقرأ الباقون بهمزة مكسورة بعد الألف وياء ساكنة بعدها، ولحمزة فيه التسهيل مع المد والقصر.
ينظر: "السبعة" ص 166 - 167، و"النشر" 2/ 219، و"البدور الزاهرة" ص 46.
(٤) ينظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 179، وذلك مثل: قراعة ابن محيصن (جبرئل) == وقراءة الحسن (جبرائل).
ينظر: "المحستب" 1/ 97، و"القراءات الشاذة" للقاضي ص 31.
(٥) في (م): (أسماء عربية وعجمية).
(٦) في (م): (للعرب).
(٧) في "الحجة": وهذه أسماء معربة.
(٨) في (ش): (القرند).
(٩) في "الحجة" (زورْأ اشُوْب).
قال المحققان: في المعجم في اللغة الفارسية: زور: قوة، غلبة، وآشوب: من أشوفتين: الاضطراب.
(١٠) في (م) و (ش): (كما).
(١١) قال ابن جني في "المحتسب" 1/ 97: عن العرب إذا نطقت بالأعجمي خَلّطَتْ فيه ..
وذكرنا أنهم قد يحرِّفون ما هو من كلامهم فكيف مما هو من كلام غيرهم.
وقال في 1/ 98: وهم لما كثر استعماله أشد تغييرًا.
(١٢) الآجُرّ: اللَّبِنُ إذا طُبخ، بمد الهمزة، والتشديد أشهر من التخفيف، الواحدة آجُرَّة وهو مُعَرّب، ينظر "المصباح المنير" ص 6.
(١٣) الإبْرِيسَمُ: بفتح السين وضمها، هو الحرير، أو معرَّبٌ مُفَّرِّحٌ للبدن، معتدلٌ مُقَوٍّ للبَصر إذا اكتحل به، "القاموس" 1079.
(١٤) الفِرِنْد: بكسر الفاء والراء، السيف وجواهره ووشيه.
ينظر: "القاموس" ص 306.
(١٥) البِرطِيل: بكسر الباء: الرشوة، ينظر: "المصباح المنير" ص 42.
(١٦) هذا كله كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 164، 165.
(١٧) في (ش): (جمحرش) وفي (م): (جمحرين).
(١٨) الجَحْمَرِشُ: العجوز الكبيرة، والمرأة السمجة، والأرنب المرضع، ومن الأفاعي: الخشناء، وجمعه: جَحَامرِ ينظر: "القاموس" ص 586.
(١٩) الصهصلق: العجوز الصَّخَّابة، ومن الأصوات: الشديد.
ينظر: "القاموس" ص 306.
(٢٠) العَنْدَلِيبُ: طائرٌ يقال له: الهزارُ، يصَوِّت ألوانًا، وجمعه: عَنَادِل: "القاموس" 118.
(٢١) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 165.
(٢٢) في "الحجة" الأمران: ما هو على لفظ التعريب، وما هو خارج عن ذلك.
(٢٣) البيت لجرير من قصيدة له في هجاء تغلب، ينظر: "شرح ديوان جرير" 361،==، "إعراب القرآن" للزجاج 1/ 179، "تفسير الطبري" 1/ 436، "الحجة" لأبي علي2/ 167، "البحر المحيط" لأبي حيان 1/ 486.
(٢٤) هو حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري، أبو الوليد الصحابي، شاعر الرسول وأحد المخضرمين الذين أدركوا الجاهلية والإسلام، دافع بشعره عن الإسلام ونبيه ، إلا أنه لم يشهد معه مشهدا لعلة أصابته.
ينظر: "الإصابة" 1/ 326، و"الأعلام" 2/ 175.
(٢٥) البيت لحسان بن ثابت، في "ديوانه" ص 75، و"لسان العرب" 7/ 3892 (مادة: كفأ)، 1/ 535 (مادة: جبر).
ورواية الزجاج وأبي علي: ليس له كفاء، ونفى صاحب "الخزانة" 1/ 199 أن يكون البيت لحسان.
(٢٦) نَسب أبو علي البيت لكعب، ونُسِب لحسان في "ديوانه" ص 204 وجبريل بدل ميكال، وكذا نسبه في "لسان العرب" 7/ 4252 (مادة: مكا).
ورواية "اللسان" ميكال وجبريل.
(٢٧) من كلام أبي علي في "الحجة" 2/ 167 - 168، وقال في "البحر المحيط"1/ 319: (فإنه نزله) ليس هذا جواب الشرط لما تقرر في علم العربية أن اسم الشرط لابد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه ...
وإنما الجزاء محذوف لدلالة ما بعده عليه، بالتقدير: فعداوته لا وجه لها أو ما أشبه هذا التقدير.
(٢٨) ذكر ذلك الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 163، وقال: وهذا قول ابن عباس، وليس له من المفسرين مخالف، ونقله عنه القرطبي في "تفسيره" 2/ 33 ثم نقل خلافه، ونقل ابن كثير في تفسيره الخلاف أيضًا.
ونقل هذا القول أبو حيان في "البحر المحيط" 1/ 317، وينظر: "الإجماع في التفسير" ص 179 - 182.
(٢٩) من قوله: (اسم الله وأضيف) ..
ساقط من (ش).
(٣٠) في (ش): (ينصرف).
(٣١) "الحجة" 1/ 169، وينظر: "البحر المحيط" 1/ 317.
(٣٢) ينظر: "تفسير الطبري" 1/ 436 - 437، "تفسير الثعلبي" 1/ 1048، "زاد المسير" 1/ 119، و"الدر المنثور" 1/ 176.
(٣٣) ذكره الثعلبي في "تفسيره" 1/ 1048 بسنده من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي عن معاوية يرفعه، ونسبه في "الدر المنثور" 1/ 176 إلى الديلمي عن أبي أمامة، وهو من مظان الحديث الضعيف والله أعلم.
(٣٤) ينظر: "التفسير الكبير" للرازي 3/ 196، "البحر المحيط" 1/ 320 ورجَّح الأول.
(٣٥) ينظر: "التبيان" 1/ 79.
(٣٦) "معاني القرآن" للفراء 1/ 63، وينظر: "تفسير الرازي" 3/ 196 "البحر المحيط" 1/ 320.
(٣٧) أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 438 - 439، وينظر: "تفسير الرازي" 3/ 197.
(٣٨) ينظر: "البحر المحيط" 1/ 321.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ ﴾ الآية: سببها أنّ اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: جبريل عدوّنا لأنه ملك الشدائد والعذاب؛ فلذلك لا نؤمن به، ولو جاءك ميكائيل لآمنا بك؛ لأنه ملك الأمطار والرحمة ﴿ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ ﴾ فيه وجهان: الأول فإن الله نزل جبريل، والآخر فإن جبريل نزل القرآن، وهذا أظهر، لأن قوله: مصدّقاً لما بين يديه من أوصاف القرآن، والمعنى: الرد على اليهود بأحد وجهين: أحدهما من كان عدواً لجبريل فلا ينبغي له أن يعاديه؛ لأنه نزله على قلبك فهو مستحق للمحبة، ويؤكد هذا قوله وهدى وبشرى، والثاني: من كان عدوّاً لجبريل فإنما عاداه لأنه نزله على قلبك، فكان هذا تعليل لعداوتهم لجبريل ﴿ وَجِبْرِيلَ وميكال ﴾ ذُكرا بعد الملائكة تجديداً للتشريف والتعظيم.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جبريل ﴾ مفتوحة الجيم مكسورة الراء غير مهموز: ابن كثير.
وقرأ حمزه وعلي وخلف وعاصم غير حفص ويحيى مفتوحة الراء والجيم مهموزة مشبعاً.
وقرأ يحيى مختلساً.
الباقون: مكسورة الراء والجيم غير مهموز.
﴿ ميكال ﴾ أبو عمرو وسهل ويعقوب وحفص، وقرأ أبو جعفر ونافع مختلساً مهموزاً.
الباقون: ميكائيل مهموزاً مشبعاً.
الوقوف: ﴿ للمؤمنين ﴾ (ه) ﴿ للكافرين ﴾ (ه) ﴿ بينات ﴾ (ج) لأن هذه الواو للابتداء أو الحال والحال أوجه لاتحاد القصة ﴿ الفاسقون ﴾ (ه) ﴿ فريق منهم ﴾ (ط) لأن "بل" للإعراض عن الأول ﴿ لا يؤمنون ﴾ (ه) ﴿ أوتوا الكتاب ﴾ (ط) قد قيل يوقف لبيان أن كتاب الله مفعول "نبذ" لا بدل مما قبله ﴿ لا يعلمون ﴾ (ه) قد يجوز للآية، والوصل للعطف على ﴿ نبذ ﴾ لإتمام سوء اختيارهم في النبذ والاتباع.
التفسير: هذا نوع آخر من قبائح أفعال اليهود، والسبب في نزوله أنه لما قدم المدينة أتاه عبد الله بن صوريا من أحبار فدك فقال: يا محمد، كيف نومك؟
فقد أخبرنا عن نوم النبي الذي يجيء في آخر الزمان، فقال تنام عيناي ولا ينام قلبي.
قال: صدقت يا محمد، فأخبرنا عن الولد من الرجل يكون أو من المرأة؟
فقال: أما العظام والعصب والغضروف فمن الرجل، وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن المرأة.
فقال صدقت.
قال: فما بال الولد يشبه أعمامه دون أخواله، أو يشبه أخواله دون أعمامه؟
فقال: أيهما غلب ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له.
قال: صدقت.
قال: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه وفي التوراة أن النبي الأمي يخبر عنه، فقال : "أنشدكم بالله الذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل مرض مرضاً شديداً فطال سقمه فنذر لله نذراً إن عافاه الله من سقمه ليحرّمن أحب الطعام والشراب على نفسه وهو لحمان الإبل وألبانها" ؟
فقالوا: اللهم نعم.
فقال له: بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك.
أيّ ملك يأتيك بما تقول عن الله؟
قال: جبريل قال: ذاك عدونا ينزل بالقتال والشدة، ورسولنا ميكائيل يأتي باليسر والرخاء.
فإن كان هو يأتيك آمنا بك.
فقال عمر: ما مبدأ هذا العداوة؟
فقال ابن صوريا: إن الله أنزل على نبينا أن بيت المقدس يخرب في زمان رجل يقال له بختنصر، ووصفه لنا فطلبناه فلما وجدناه بعثنا لقتله رجالاً فدفع عنه جبريل وقال: إن سلطكم الله على قتله.
فهذا ليس هو ذاك وإن لم يكن إياه فعلى أي حق تقتلونه.
ثم إنه كبر وقوي وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدواً.
وأما ميكائيل فإنه عدو لجبريل.
فقال عمر: فإني أشهد أن من كان عدواً لجبريل فهو عدو لميكائيل، وهما عدوان لمن عاداهما، فأنكر ذلك على عمر فأنزل الله تعالى هاتين الآيتين.
وقيل: كان لعمر أرض بالمدينة أعلاها، وكان ممره على مدراس اليهود، وكان يجلس إليهم ويسمع كلامهم.
فقالوا: يا عمر قد أحببناك وإنا لنطمع فيك.
فقال: والله لا أجيئكم لحبكم ولا أسألكم لأني شاك في ديني، وإنما أدخل عليكم لأزداد بصيرة في أمر محمد وأرى آثاره في كتابكم.
ثم سألوه فقالوا: من صاحب صاحبكم؟
فقال عمر: جبريل.
فقالوا: ذاك عدوّنا يطلع محمداً على أسرارنا، وهو صاحب كل خسف وعذاب، وإن ميكائيل يجيء بالخصب والسلام.
فقال لهم: وما منزلتهما من الله؟
قالوا: أقرب منزلة جبريل وهو عن يمينه، وميكائيل عن يساره، وميكائيل عدوّ لجبريل.
فقال عمر: إن كان كما تقولون فما هما بعدوّين، ولأنتم أكفر من الحمير.
ومن كان عدواً لأحدهما كان عدواً للآخر، ومن كان عدواً لهما كان عدواً لله.
ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي فقال النبي : "لقد وافقك ربك يا عمر" .
قال: لقد رأيتني في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر.
وعن مقاتل: زعمت اليهود أن جبريل عدونا أمر بأن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا.
والأقرب في سبب عداوتهم إياه أنه كان ينزل بالقرآن على محمد كما يشعر بذلك قوله ﴿ فإنه نزله ﴾ أي إن عاداه أحد فالسبب في عداوته أنه نزل عليك القرآن مصدقاً لكتابهم وموافقاً له وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرّفونه ويجحدون موافقته له كقولك "إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه" أو إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب فلا وجه لمعاداته حيث نزل كتاباً مصدقاً للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه في النزول بما ينفعهم ويصحح المنزل عليهم.
ويمكن أن يتوجه الجزاء إلى قوله ﴿ بإذن الله ﴾ إلى آخره.
أي إن عاداه أحد فلا وجه لعداوته لأنه لم ينزل بالقرآن من تلقاء نفسه وباختياره وإنما جاء به بإذن الله وأمره الذي لا محيص عنه ولا سبيل إلى مخالفته وجاء به مصدقاً هادياً مبشراً، فهو من حيث إنه مأمور وجب أن يكون معذوراً، ومن حيث إنه أتى بالهداية والبشارة يلزم أن يكون مشكوراً.
فعداوة من هذا سبيله عداوة الله، ولو أنه أمر ميكائيل بذلك لانقاد لأمره أيضاً لا محالة ولتوجه الإشكال عليه، فما الوجه في تخصيص جبريل بالعداوة؟
وجبريل ممتنع من الصرف للعلمية والعجمة بشرطها.
وعن ابن عباس وغيره أن معناه عبد الله، والضمير في نزله للقرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم مثل قوله ﴿ ما ترك على ظهرها من دابة ﴾ وهذا النوع من الإضمار فيه فخامة لشأن صاحبه حيث جعله لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه.
وأكثر الأمة على أن القرآن إنما نزل على محمد لا على قلبه، لكن خص القلب بالذكر لأن السبب في تمكنه من الأداء ثباته في قلبه، فمعنى على قلبك حفظه إياك وفهمه.
وقيل: أي جعل قلبك متصفاً بأخلاق القرآن ومتأدباً بآدابه كما في حديث عائشة "كان خلقه القرآن" وكان حق الكلام أن يقال على قلبي إلا أنه جاء على حكاية كلام الله كما تكلم به كأنه قيل: قل ما تكلمت به من قولي ﴿ من كان عدواً لجبريل فإنه نزله على قلبك ﴾ ومعنى ﴿ مصدقاً لما بين يديه ﴾ موافقاً لما قبله من كتب الأنبياء فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات.
ومعنى قوله ﴿ وهدى وبشرى ﴾ أن القرآن يشتمل على أمرين.
أحدهما بيان ما وقع التكليف به من أعمال القلوب وأفعال الجوارح فهو من هذا الوجه هدى، وثانيهما بيان أن الآتي بتلك الأعمال كيف يكون ثوابه فهو من هذا الوجه بشرى، والأول مقدم على الثاني في الوجود فقدم في الذكر أيضاً.
ولا ريب أن البشرى تختص بالمؤمنين، وأما الهدى فلأنهم هم المنتفعون به كما مر في ﴿ هدى للمتقين ﴾ .
ولما بين في الآية المتقدمة أن من كان عدواً لجبريل لأجل أنه نزل القرآن على قلب محمد وجب أن يكون عدواً لله ، بين في الآية التالية أن من كان عدواً لله وللمخصوصين بكرامته فإن الله يعاديهم وينتقم منهم.
والعداوة بالحقيقة لا تصح إلا فينا لأن العدو للغير هو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا التصور يستحيل في حقه من العاقل المتفطن لا الغافل المتغابي.
فمعنى قوله ﴿ من كان عدواً لله ﴾ أي لأولياء الله كقوله ﴿ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ﴾ ﴿ إن الذين يؤذون الله ورسوله ﴾ .
أو يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وبعدهم عن التمسك بدينه، لأن العدو لا يكاد يوافق عدوه وينقاد لأمره.
قال أهل التحقيق: عداوتهم لله وملائكته نتيجة عداوة الله لهم ونظره إليهم في الأزل بالقهر " هؤلاء في النار ولا أبالي" كما أن محبة المؤمنين لله نتيجة محبة الله إياهم ﴿ يحبهم ويحبونه ﴾ وذلك أن صفات الله قديمة وصفات الخلق محدثة، والأولى علة الثانية.
وأفرد الملكان بالذكر دلالة على فضلها كأنهما من جنس آخر، فإن التغاير في الوصف قد ينزل منزلة التغاير في الذات، ولأن الآية نزلت فيما يتعلق بهما فحسن أن ينص على اسميهما.
وتقديم جبريل في الذكر يدل على أنه أفضل من ميكائيل وأيضاً أن جبريل ينزل بالوحي والعلم وذلك سبب بقاء الأرواح، وميكائيل ينزل بالخصب والرزق وهو سبب بقاء الأبدان.
والواو في جبريل وميكائيل بمعنى "أو" لأن عداوة أحد هؤلاء توجب عداوة الله كما أن عداوة كلهم توجب ذلك، ويحتمل أن يكون الواو على الأصل ويعرف ما ذكرنا من القرينة.
وقوله ﴿ للكافرين ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر دلالة على أن عداوة هؤلاء كفر.
الآيات البينات هي آيات القرآن، ولا يبعد أن تشمل سائر معجزاته وإن كان لفظ الإنزال نابياً عنه بضع النبوّ.
ومعنى كون الآية بينة أن العلوم تنقسم إلى ما يكون طريق تحصيله، والدليل الدال عليه أكثر مقدمات فيكون الوصل إليه أصعب، وإلى ما يكون أقل مقدمات فيكون الوصول إليه أقرب وهذا هو الآية البينة.
والكفر بها إما جحودها مع العلم بصحتها، وإما جحودها مع الجهل وترك النظر فيها والإعراض عن دلائلها، وليس في الظاهر تخصيص فيدخل الكل فيه، والفسق هو خروج الإنسان عما حد له إلى الفساد ويقرب منه الفجور، لأنه مأخوذ من فجور السد الذي يمنع الماء من أن يصير إلى الموضع الذي يفسد.
عن الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره.
ولهذا لا يوصف صاحب الصغيرة بالفسق وإن تجاوز عن أمر الله كمن فتح من النهر نقباً صغيراً لا يقال: إنه فجر النهر.
وفي قوله ﴿ إلا الفاسقون ﴾ وجهان: أحدهما أن كل كافر فاسق ولا ينعكس، وكان ذكر الفاسق أولى ليأتي على الكافر وغيره.
الثاني أن المراد وما يكفر بها إلا الكافر المتجاوز عن كل حد في كفره.
وهذه الآيات لما كانت بينة لم يكفر بها إلا الكافر الذي بلغ في الكفر النهاية القصوى، وهذا نوع آخر من فضائح اليهود.
عن ابن عباس أنهم كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله قبل مبعثه، فلما بعث من العرب كفروا به وجحدوا بما كانوا يقولون فيه فقال لهم معاذ بن جبل: يا معشر اليهود اتقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك، وتخبروننا أنه مبعوث وتصفون لنا صفته.
فقال بعضهم: ما جاءنا بشيء من البينات وما هو بالذي كنا نذكر لكم فنزلت.
واللام في ﴿ الفاسقون ﴾ للجنس أو إشارة إلى أهل الكتاب.
﴿ أو كلما ﴾ الواو للعطف على محذوف معناه أكفروا بالآيات البينات؟
وكلما عاهدوا واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله فلم يفوا الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة.
وفيه تسلية لرسول الله لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس من مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك.
والنبذ الرمي بالذمام ورفضه، وإنما قيل ﴿ فريق منهم ﴾ لأن منهم من لم ينقض بل أكثرهم لا يؤمنون بالتوراة وليسوا من الدين في شيء، فلا يعدون نقض المواثيق ذنباً.
﴿ ولما جاءهم رسول ﴾ أي كتاب لتلازمهما بدليل كتاب الله وهو القرآن، نبذوه بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول كأنهم لا يعلمون أنه كتاب الله، يعني أن علمهم بذلك رصين من قبل التوراة ولكن المكابرة هجيراهم، ونبذه وراء ظهورهم مثل لإعراضهم عنه وتركهم العمل به.
وقيل: كتاب الله التوراة لأنهم لكفرهم برسول الله كافرون بها.
وعن سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير وحلوه بالذهب ولم يحلوا حلاله ولم يحرّموا حرامه.
اللهم ارزقنا العلم بكتابك والعمل به.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ .
وذلك أَن اليهود قالوا: لو كان الذي يَنْزِل على محمد بالوحي ميكائيل لتَّبعناه، ونؤمن به؛ لأَن ميكائيل هو الذي ينزل بالغيث والرحمة، وجبريل هو المنزل بالعذاب والحرب والشدائد، فهو عدو لنا؛ لذلك لا نتَّبعه.
وفي جهة العداوة بينهم وبين جبريل وجه آخر، وهو أَن قالوا: إن جبريل أُرسل بالوحي والرسالة في أَولاد إسرائيل، لكنه أَنزلها على أَولاد إسماعيل؛ عداوة لنا وبغضاً؛ لذلك نَصبوا العداوة بينه وبينهم - والله أعلم بذلك - فَأَكذبهم الله - - بزعمهم، فقال: ﴿ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ ، لا كما تقول اليهود.
وما ينزل من العذاب والشدائد، إنما ينزل بأَمره، لا من تلقاءِ نفسه وذَاته.
ثم كان إظهارهم عداوة جبريل، لاعتقادهم عداوة الله - عز وجل - لكنهم لم يجترئوا على عداوة الله - على التصريح - فدل أنه على الكناية عن عداوة الله تبارك وتعالى.
ويدل هذا على أن الروافض طعنوا في رسول الله حيث طعنوا.
وقوله: ﴿ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ ﴾ .
تقول الباطنية: إن القرآن لم ينزل على رسول الله - - بالأَحرف التي نقرؤها، ولكنه إلهام، نزل على قلبه، ثم هو يصوره ويرسمه ذا الحروف، ويعبر به، ويعربه بالمعربة التي نقرؤها.
فلو كان على ما يقولون لزال موضع الاحتجاج عليهم بما أَتى به معجزاً؛ كقوله: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ﴾ إذ كان لهم أَن يقولوا: أنزل على لسان العجمي، لكنه غيّر ذلك بلسانه.
وكذلك قوله: ﴿ لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ ﴾ مخافة النسيان والذهاب.
وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ ﴾ .
فدلت هذه الآيات كلها على بطلان قولهم، وفساد مذهبهم، وبُعدهم عن دين الله المستقيم.
وقوله: ﴿ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ .
هدى من الضلالة، وبشرى للمؤمنين بالجنة.
وقوله: ﴿ مَن كَانَ عَدُوّاً للَّهِ وَمَلاۤئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴾ الآية.
يحتمل وجهين: يحتمل: من كان عدوّاً لله، أَو ملائكته، أَو رسله.
ويحتمل: افتتاح العداوة به دون هؤلاء على التعظيم لهم، وفضل المنزلة عند الله، وحسن المآب لديه؛ كقوله: ﴿ وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ ﴾ معنى إضافة ذلك إليه: على التعظيم له، والإفضال لله، لا على جعل ذلك لله مفرداً.
فعلى ذلك: معنى افتتاح العداوة به - على ما ذكرنا - والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قل -أيها النبي- لمن قال من اليهود: "إن جبريل عدونا من الملائكة": من كان معاديًا لجبريل فإنه هو الَّذي نَزَلَ بالقرآن على قلبك بإذن من الله، مصدقًا لما سبق من الكتب الإلهية؛ كالتوراة والإنجيل، ودالًّا على الخير، ومبشرًا للمؤمنين بما أعده الله لهم من النعيم، فمن كان معاديًا لمن هذه صفته وعمله فهو من الضالين.
<div class="verse-tafsir" id="91.8Kxky"
الكلام متصل بما قبله من ذكر تعلات اليهود واعتذارهم عن الإيمان بالنبي وبما جاء به من البينات والهدى.
زعموا أنهم مؤمنون بكتاب لا حاجة لهم بهداية في غيره، فاحتج عليهم بما ينقض دعواهم، وزعموا أنهم ناجون في الأخرة على كل حال لأنهم شعب الله وأبناؤه فأبطل زعمهم، ثم ذكر تعلة أخرى أغرب مما سبقها، وفندها كما فند ما قبلها، وهي أن جبريل الذي ينزل بالوحي على النبي عدوهم فلا يؤمنون بوحي يجئ هو به.
وقد جاء في أسباب النزول روايات عنهم في ذلك منها أن عبد الله بن صوريا، من علمائهم، سأل النبي عن الملك الذي ينزل عليه بالوحي فقال هو جبريل فزعم أنه عدو اليهود وذكر من عداوته أنه أنذرهم خراب بيت المقدس فكان.
ومنها أن عمر بن الخطاب دخل مدارسهم فذكر جبريل فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمدًا على أسرارنا وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلم: إلخ وهذا القول هراء وخطله بين، وإنما عني القرآن بذكره ورده لأنه مؤذن بتعنتهم وعنادهم، وشاهد على فساد تصورهم وعدم تدبرهم، ليعلم الذين كانوا ينتظرون ما يقول أهل الكتاب فيه أنه لا قيمة لأقوالهم، ولا اعتداد بمرائهم وجدالهم.
قال تعالى ﴿ قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ أي قل لهم أيها الرسول حكاية عن الله تعالى: من كان عدوًا لجبريل فإن شأن جبريل كذا -فهو إذًا عدو لوحي الله الذي يشمل التوراة وغيرها ولهداية الله تعالى لخلقه وبشراه للمؤمنين على ما يأتي في بيان ذلك- وإذا كان يناجي روحك ويخاطب قلبك بإذن الله لا افتياتًا من نفسه فعداوته لا يصح أن تصد عن الإيمان بك، وليس للعاقل أن يتخذها تعلة وينتحلها عذرًا، فإن القرآن من عند الله لا من عنده.
فقوله ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ حجة أولى عليهم ثم قال ﴿ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ﴾ أي حال كونه موافقًا للكتب التي تقدمته في الأصول التي تدعو إليها من التوحيد واتباع الحق والعمل الصالح ومطابقًا لما فيها من البشارات بالنبي الذي يجئ من أبناء إسماعيل، كأنه يقول فآمنوا به لهذه المطابقة والموافقة لا لأن جبريل واسطة في تبليغه وتنزيله، وهذه حجة ثانية، ثم عززهما بثالثة وهي قوله ﴿ وَهُدًى ﴾ أي نزله هاديًا من الضلالات والبدع التي طرأت على الأديان، فألقت أهلها في حضيض الهوان، والعاقل لا يرفض الهداية التي تأتيه، وتنقذه من ضلال هو فيه، لأن الواسطة في مجيئها كان عدوًا له من قبل، فإن هذا الرفض من عمل الغبي الجاهل الذي لا يعرف الخير بذاته وإنما يعرفه بمن كان سببًا في حصوله : ثم أيد الحجج الثلاث برابعة فقال ﴿ وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي إذا كنتم تعادون جبريل لأنه أنذر بخراب بيت المقدس فهو إنما أنذر المفسدين، وقد أنزل هذا القرآن عَلَيَّ بشرى للمؤمنين فما لكم أن تتركوا هذه البشرى إن كنتم من أهل الإيمان، لأن الذي نزل فيها قد نزل بإنذار أهل الفساد والطغيان.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن جبريل اسم أعجمي مركب من "جبر" ومعناه بالعبرانية أو السريانية القوة ومن "ايل" ومعناه الإله أي قوة الله وقيل معناه عبد الله وفيه ١٣ لغة منها ثمان لغات قرئ بهن أربع في المشهورات: جبرئيل كسلسبيل قرأ بها حمزة والكسائي وجبريل بفتح الراء وحذف الهمزة قرأ بها ابن كثير والحسن وابن محيصن وجبرئل كجحمرش قرأ بها عاصم برواية أبي بكر، وجبريل كقنديل قرأ بها الباقون.
وأربع في الشواذ جبرال وجبرائيل وجبرئل وجبرين.
ومنها أن قوله ﴿ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ ﴾ ورد على طريق الالتفات عن التكلم إلى الخطاب اذ كان مقتضى السباق أن يقول"نزله على قلبي"وقد قالوا في نكتته إنها حكاية ما خاطبه الله تعالى به.
ولا أرى صاحب الذوق السليم إلا مستنكرًا صيغة التكلم في هذا المقام، والعلة في ذلك لا تبعد عن الأفهام، ومنها أن الضمير المنصوب البارز في ﴿ نَزَّلَهُ ﴾ للقرآن وهو لم يذكر فيها قبلها وإنما عينته قرينة الحال، وذلك يدل على فخامة شأنه، كأنه لشهرته قد استغني عن ذكره.
أقام الحجج على حماقتهم وسخفهم في دعوى عداوة جبريل وبيان أنها لا يصح أن تكون مانعة من الإيمان بكتاب أنزله الله بتلك الصفات التي طويت فيها الحجج، ثم بين في آية أخرى حقيقة حالهم في هذه العداوة فقال ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّه ﴾ بكفره بما ينزله من الهداية ﴿ وَمَلائِكَتِهِ ﴾ برفض الحق والخير الذي فطروا عليه وكراهة القيام بما يعهد به إليهم ربهم ، لأنهم ﴿ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ ﴿ وَرُسُلِهِ ﴾ به بتكذيب بعض و قتل بعض ﴿ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ ﴾ بأن الأول ينزل بالآيات والنذر، ومن كان عدوًا لجبريل فهو عدو لميكال لأن فطرتهما واحدة وحقيقتهما واحدة من مقتها وعاداها في أحدهما فقد عاداها في الآخر ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ أي من عادى الله وعادى هؤلاء المقربين من الله الذين جعلهم رحمة لخلقه فإن الله عدو له لأنه كافر بالله ومعاد له والله عدو للكافرين أن يعاملهم معاملة الأعداء للأعداء، وهم الظالمون لأنفسهم إذ دعاهم فلم يقبلوا أن يكونوا مع الأولياء ﴿ مِيكَالَ ﴾ بوزن ميعاد قراءة أبي عمرو ويعقوب وعاصم برواية حفص، وقرأ نافع ميكائيل وحمزة والكسائي وابن عامر ميكائيل وفي الشواذ ميكئل وميكئيل ميكائل.
هذا وعيد لهم بعد بيان فساد العلة التي جاءوا بها وهم لم يدَّعوا عداوة هؤلاء كلهم ولكنهم كذلك في نفس الأمر، فأراد أن يبين حقيقة حالهم في الواقع، وهي أنهم أعداء الحق وأعداء كل من يمثله وينقله ويدعو إليه، فالتصريح بعداوة جبريل كالتصريح بعداوة ميكال الذي يزعمون أنهم يحبونه وأنهم كانوا يؤمنون بالنبي لو كان هو الذي ينزل بالوحي عليه.
ومعاداة القرآن كمعاداة سائر الكتب الإلهية لأن الغرض من الجميع واحد.
ومعاداة محمد كمعاداة سائر رسل الله لأن وظيفتهم واحدة.
فقولهم السابق وحالهم يدلان على معاداة كل من ذكر وهذا من ضروب إيجاز القرآن التي انفرد بها.
وفي قوله تعالى ﴿ لِلْكَافِرِينَ ﴾ وضع للمظهر في موضع المضمر لبيان أن سبب عداوته تعالى لهم هو الكفر فإن الله لا يعادي قومًا لذواتهم ولا لأنسابهم، وإنما يكره لهم الكفر ويعاقبهم عليه معاقبة العدو للعدو.
وقد بينا غير مرة أن عذاب الله وانتقامه من الكفرة والفجرة لا يشبه انتقام ملوك الدنيا وزعمائها، وإنما قضت سنته تعالى بأن يكون لكل عمل يعمله الانسان في ظاهره أو في نفسه وضميره أثر في نفس العامل يزكيها ويدسيها، وسعادة الإنسان في الآخر أو شقاؤه تابع لآثار اعتقاداته وأعماله في نفسه، ولذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ ﴾ .
ثم صرح بأن القرآن منزل من عند الله وحده، وأنه في نفسه آيات بينات لا يحتاج إلى آية أخرى تبينه وتشهد له، فإن ما كان بينا في نفسه أولى بالقبول مما يحتاج في بيانه إلى غيره، فقال ﴿ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ﴾ وقد تقدم أن الوحي من الله للنبي يسمى تنزيلًا وإنزالًا ونزولًا لبيان علو مرتبة الربوبية لا أن هناك نزولًا حسيًا من مكان مرتفع إلى مكان منخفض.
وأما كون آيات القرآن بينات فهي أنها بإعجازها البشر وبقرن المسائل الاعتقادية فيها ببراهينها والأحكام الأدبية والعملية بوجوه منافعها، لا تحتاج إلى دليل آخر يدل على أنها هداية من الله تعالى وأنها جديرة بالاتباع، بل هي دليل على نفسها عند صاحب الفطرة السليمة كالنور يظهر الأشياء وهو ظاهر بنفسه لا يحتاج إلى شيء آخر يظهره ﴿ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ ﴾ الذين خرجوا من نور الفطرة وانغمسوا في ظلمة التقليد فتركوا طلب الحق بذاته لاعتقادهم أن فطرتهم ناقصة لا استعداد فيها لإدراكه بذاته على شدة ظهوره، وإنما يطلبونه من كلام مقلديهم.
وكذلك الذين ظهر لهم الحق فاستحبوا العمى على الهدى حسدًا لمن ظهر الحق على يديه وعنادًا له.
بعد هذا كله بين الله تعالى شأنين من شؤون أهل الكتاب وهما: أنه لا ثقة بهم في شيء، لما عرف عنهم من نقض العهود وأنه لا رجاء في إيمان أكثرهم لأن الضلالة قد ملكت عليهم أمرهم، إلا قليلًا منهم، فإن كل ما تقدم من الأعمال والأقوال قد صدر عن بعضهم، وإن كان نقض العهود قد وقع في كل زمن من فريق منهم دون فريق، فلا يتوهمن أحد أن أولئك هم الأقلون، كلا بل هم الأكثرون، ولذلك قال ﴿ أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم ﴾ همزة الاستفهام التوبيخي داخلة على محذوف أي أكفروا بالآيات وقالوا ما قالوا وكلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم؟.
النبذ طرح الشيء وإلقاؤه والمراد بالعهود هنا عهودهم للنبي ، ولما كان لفظ فريق وهم العدد القليل، وكان الواقع أن الذين كانوا يرون الوفاء له قليلون، والناقضين هم الأكثرون، أضرب عنه وقال ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ﴾ فهم لا إيمان لهم لأنهم لا أيمان لهم، أي لا عهود لهم.
وفيه من خبر الغيب أن أكثر اليهود لا يؤمنون بالنبي ، وكذلك كان، وصدق الله العظيم.
<div class="verse-tafsir"