الإسلام > القرآن > سور > سورة 21 الأنبياء > الآية ٣ من سورة الأنبياء
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 94 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الأنبياء: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
وقوله : ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) أي : قائلين فيما بينهم خفية ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) يعنون رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يستبعدون كونه نبيا; لأنه بشر مثلهم ، فكيف اختص بالوحي دونهم; ولهذا قال : ( أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ) ؟
أي : أفتتبعونه فتكونون كمن أتى السحر وهو يعلم أنه سحر .
فقال تعالى مجيبا لهم عما افتروه واختلقوه من الكذب .
يقول تعالى ذكره ( لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) غافلة : يقول: ما يستمع هؤلاء القوم الذين وصف صفتهم هذا القرآن إلا وهم يلعبون غافلة عنه قلوبهم، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه الله من الحجج عليهم.
كما حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله ( لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) يقول: غافلة قلوبهم.
وقوله ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) يقول: وأسرّ هؤلاء الناس الذين اقتربت الساعة منهم وهم في غفلة معرضون، لاهية قلوبهم، النجوى بينهم، يقول: وأظهروا المناجاة بينهم فقالوا: هل هذا الذي يزعم أنه رسول من الله أرسله إليكم، إلا بشر مثلكم: يقولون: هل هو إلا إنسان مثلكم في صوركم وخلقكم؟
يعنون بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم ، وقال الذين ظلموا فوصفهم بالظلم بفعلهم وقيلهم الذي أخبر به عنهم في هذه الآيات إنهم يفعلون ويقولون من الإعراض عن ذكر الله، والتكذيب برسوله وللذين من قوله ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) في الإعراب وجهان: الخفض على أنه تابع للناس في قوله اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ) والرفع على الردّ على الأسماء الذين (1) في قوله ( وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ) من ذكر الناس، كما قيل: ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وقد يحتمل أن يكون رفعا على الابتداء، ويكون معناه: وأسرّوا النجوى، ثم قال: هم الذين ظلموا.
وقوله ( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) يقول: وأظهروا هذا القول بينهم، وهي النجوى التي أسرّوها بينهم، فقال بعضهم لبعض: أتقبلون السحر وتصدّقون به وأنتم تعلمون أنه سحر؟
يعنون بذلك القرآن.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله ( أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ) قال: قال أهل الكفر لنبيهم لما جاء به من عند الله، زعموا أنه ساحر، وأن ما جاء به سحر، قالوا: أتأتون السحر وأنتم تبصرون؟
------------------------ الهوامش : (1) لعله على الاسم الذي .
.
إلخ .
لاهية قلوبهم أي ساهية قلوبهم ، معرضة عن ذكر الله ، متشاغلة عن التأمل والتفهم ؛ من قول العرب : لهيت عن ذكر الشيء إذا تركته وسلوت عنه ألهى لهيا ولهيانا .
و لاهية نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع المنعوت في جميع الإعراب ، فإذا تقدم النعت الاسم انتصب كقوله : خاشعة أبصارهم و ودانية عليهم ظلالها و لاهية قلوبهم قال الشاعر [ كثير عزة ] :لعزة موحشا طلل يلوح كأنه خللأراد : طلل موحش .
وأجاز الكسائي والفراء لاهية قلوبهم بالرفع بمعنى قلوبهم لاهية .
وأجاز غيرهما الرفع على أن يكون خبرا بعد خبر وعلى إضمار مبتدأ .
وقال الكسائي : ويجوز أن يكون المعنى ؛ إلا استمعوه لاهية قلوبهم .
وأسروا النجوى الذين ظلموا أي تناجوا فيما بينهم بالتكذيب ، ثم بين من هم فقال : الذين ظلموا أي الذين أشركوا ؛ ف الذين ظلموا بدل من الواو في أسروا وهو عائد على الناس المتقدم ذكرهم ؛ ولا يوقف على هذا القول على النجوى .
قال المبرد وهو كقولك : إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله فبنو بدل من الواو في انطلقوا .
وقيل : هو رفع على الذم ، أي هم الذين ظلموا .
وقيل : على حذف القول ؛ التقدير : يقول الذين ظلموا وحذف القول ؛ مثل والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم .
واختار هذا القول النحاس ؛ قال : والدليل على صحة هذا الجواب أن بعده هل هذا إلا بشر مثلكم .
وقول رابع : يكون منصوبا بمعنى أعني الذين ظلموا .
وأجاز الفراء أن يكون خفضا بمعنى اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم ؛ ولا يوقف على هذا الوجه على النجوى ويوقف على الوجوه المتقدمة الثلاثة قبله ؛ فهذه خمسة أقوال .
وأجاز الأخفش الرفع على لغة من قال : أكلوني البراغيث ؛ وهو حسن ؛ قال الله تعالى : ثم عموا وصموا كثير منهم .
وقال الشاعر :بل نال النضال دون المساعي فاهتدين النبال للأغراضوقال آخر [ الفرزدق ] :ولكن ديافي أبوه وأمه بحوران يعصرن السليط أقاربه[ ص: 180 ] وقال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ؛ مجازه : والذين ظلموا أسروا النجوى أبو عبيدة : أسروا هنا من الأضداد ؛ فيحتمل أن يكونوا أخفوا كلامهم ، ويحتمل أن يكونوا أظهروه وأعلنوه .قوله تعالى : هل هذا إلا بشر مثلكم أي تناجوا بينهم وقالوا : هل هذا الذكر الذي هو الرسول ، أو هل هذا الذي يدعوكم إلا بشر مثلكم ، لا يتميز عنكم بشيء ، يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق كما تفعلون .
وما علموا أن الله - عز وجل - أنه لا يجوز أن يرسل إليهم إلا بشرا ليتفهموا ويعلمهم .
أفتأتون السحر أي إن الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - سحر ، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه ؟
فأطلع الله نبيه - عليه السلام - على ما تناجوا به .
و السحر في اللغة كل مموه لا حقيقة له ولا صحة .
وأنتم تبصرون أنه إنسان مثلكم مثل : كنتم تعقلون لأن العقل البصر بالأشياء .
وقيل : المعنى ؛ أفتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر .
وقيل : المعنى ؛ أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعرفون الحق ؛ ومعنى الكلام التوبيخ .
{ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ } أي: قلوبهم غافلة معرضة لاهية بمطالبها الدنيوية، وأبدانهم لاعبة، قد اشتغلوا بتناول الشهوات والعمل بالباطل، والأقوال الردية، مع أن الذي ينبغي لهم أن يكونوا بغير هذه الصفة، تقبل قلوبهم على أمر الله ونهيه، وتستمعه استماعا، تفقه المراد منه، وتسعى جوارحهم، في عبادة ربهم، التي خلقوا لأجلها، ويجعلون القيامة والحساب والجزاء منهم على بال، فبذلك يتم لهم أمرهم، وتستقيم أحوالهم، وتزكوا أعمالهم، وفي معنى قوله: { اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ } قولان: أحدهما أن هذه الأمة هي آخر الأمم، ورسولها آخر الرسل، وعلى أمته تقوم الساعة، فقد قرب الحساب منها بالنسبة لما قبلها من الأمم، لقوله صلى الله عليه وسلم " بعثت أنا والساعة كهاتين " وقرن بين إصبعيه، السبابة والتي تليها.
والقول الثاني: أن المراد بقرب الحساب الموت، وأن من مات، قامت قيامته، ودخل في دار الجزاء على الأعمال، وأن هذا تعجب من كل غافل معرض، لا يدري متى يفجأه الموت، صباحا أو مساء، فهذه حالة الناس كلهم، إلا من أدركته العناية الربانية، فاستعد للموت وما بعده.ثم ذكر ما يتناجى به الكافرون الظالمون على وجه العناد، ومقابلة الحق بالباطل، وأنهم تناجوا، وتواطأوا فيما بينهم، أن يقولوا في الرسول صلى الله عليه وسلم، إنه بشر مثلكم، فما الذي فضله عليكم، وخصه من بينكم، فلو ادعى أحد منكم مثل دعواه، لكان قوله من جنس قوله، ولكنه يريد أن يتفضل عليكم، ويرأس فيكم، فلا تطيعوه، ولا تصدقوه، وأنه ساحر، وما جاء به من القرآن سحر، فانفروا عنه، ونفروا الناس، وقولوا: { أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ } هذا وهم يعلمون أنه رسول الله حقا بما شاهدوا من الآيات الباهرة ما لم يشاهد غيرهم، ولكن حملهم على ذلك الشقاء والظلم والعناد، والله تعالى قد أحاط علما بما تناجوا به، وسيجازيهم عليه
( لاهية ) ساهية غافلة ، ( قلوبهم ) معرضة عن ذكر الله ، وقوله ( لاهية ) نعت تقدم الاسم ، ومن حق النعت أن يتبع الاسم في الإعراب ، وإذا تقدم النعت الاسم فله حالتان : فصل ووصل ، فحالته في الفصل النصب كقوله تعالى : ( خشعا أبصارهم ) ( القمر : 7 ) ، ( ودانية عليهم ظلالها ) ( الإنسان : 11 ) ، و ( لاهية قلوبهم ) وفي الوصل حالة ما قبله من الإعراب كقوله ، ( أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ) ( النساء : 75 ) ; ( وأسروا النجوى الذين ظلموا ) أي أشركوا ، قوله : ( وأسروا ) فعل تقدم الجمع وكان حقه وأسر ، قال الكسائي : فيه تقديم وتأخير ، أراد : والذين ظلموا أسروا النجوى .
وقيل : محل " الذين " رفع على الابتداء ، معناه : وأسروا النجوى ، ثم قال : وهم الذين ظلموا .
وقيل : رفع على البدل من الضمير في أسروا .
قال المبرد : هذا كقولك إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله ، على البدل مما في انطلقوا ثم بين سرهم الذي تناجوا به فقال : ( هل هذا إلا بشر مثلكم ) أنكروا إرسال البشر وطلبوا إرسال الملائكة .
( أفتأتون ) أي تحضرون السحر وتقبلونه ، ( وأنتم تبصرون ) تعلمون أنه سحر .
«لاهية» غافلة «قلوبهم» عن معناه «وأسَرُّوا النجوى» الكلام «الذين ظلموا» بدل من واو «وأسروا النجوى الذين ظلموا» «هلْ هذا» أي محمد «إلا بشر مثلكم» فما يأتي به سحر «أفتأتون السحر» تتبعونه «وأنتم تبصرون» تعلمون أنه سحر.
قلوبهم غافلة عن القرآن الكريم، مشغولة بأباطيل الدنيا وشهواتها، لا يعقلون ما فيه.
بل إن الظالمين من قريش اجتمعوا على أمر خَفِيٍّ: وهو إشاعة ما يصدُّون به الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم من أنه بشر مثلهم، لا يختلف عنهم في شيء، وأن ما جاء به من القرآن سحر، فكيف تجيئون إليه وتتبعونه، وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم؟
وقوله : ( لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ) حال أخرى من أحوالهم الغريبة التى تدل على نهاية طغيانهم وفجورهم ، لأنهم بجانب استماعهم إلى ما ينزل من القرآن بلعب وغفلة ، تستقبله قلوبهم - التى هى محل التدبر والتفكر - بلهو واستخفاف .ثم حكى - سبحانه - لونا من ألوان مكرهم وخبثهم فقال : ( وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ) والنجوى : المسارة بالحديث ، وإخفاؤه عن الناس .أى : بعد أن استمعوا إلى القرآن بإعراض ولهو واستهتار ، اختلى بعضهم ببعض ، وبالغوا فى إخفاء ما يضمرونه من سوء نحو النبى - صلى الله عليه وسلم - ونحو ما جاء به من عند الله - تعالى - ، وحاولوا أن يظهروا ذلك فيما بينهم فحسب ، مبالغة منهم فى المرك السيىء الذى حاق بهم .وقوله - سبحانه - : ( هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ) بيان لما قالوه فى تناجيهم من سوء .والاستفهام للنفى والإنكار .أى : أنهم قالوا فى تناجيهم : ما هذا الذى يدعى النبوة ، وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - إلا بشر مثلكم ، ولا يمكن أن يكون رسولا ، وما جاءنا به إنما هو السحر بعينه ، فكيف تذهبون إليه ، وتقبلون منه ما يدعيه ، والحال أنكم تعاينون بأبصاركم سحره .وما حملهم على هذا القول الباطل إلا توهمهم أن الرسول لا يكون من البشر ، وأن كل ما يظهر على يد مدعى النبوة من البشر من خوارق ، إنما هو من قبيل السحر .قال الآلوسى : وأرادوا بقولهم : " ما هذا إلا بشر مثلكم " أى : من جنسكم ، وما أتى به سحر ، تعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون أنه سحر .
قالوا ذلك بناء على ما ارتكز فى اعتقادهم الزائع أن الرسول لا يكون إلا ملكا ، وأن كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر .
وعنوا بالسحر .
هنا القرآن الكريم ، ففى ذلك إنكار لحقيته على أبلغ وجه ، قاتلهم الله - تعالى - : أنَّى يؤفكون .
وإنما أسروا ذلك ، لأنه كان على طريق توثيق العهد ، وترتيب مبادئ الشر والفساد وتمهيد مقدمات المكر والكيد فى هدم أمر النبوة .وإطفاء نور الدين ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون .هذا ، ودعوى المشركين أن الرسول لا يكون بشرا ، قد حكاها القرآن فى كثير من آياته ، ومن ذلك قوله - تعالى - : ( وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى .
.
.
) ثم
اعلم أن قوله تعالى: ﴿ اقترب لِلنَّاسِ حسابهم ﴾ فيه مسائل: المسألة الأولى: القرب لا يعقل إلا في المكان والزمان، والقرب المكاني هاهنا ممتنع فتعين القرب الزماني، والمعنى اقترب للناس وقت حسابهم.
المسألة الثانية: لقائل أن يقول كيف وصف بالاقتراب، وقد عبر بعد هذا القول قريب من ستمائة عام والجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه مقترب عند الله تعالى والدليل عليه قوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ .
وثانيها: أن كل آت قريب وإن طالت أوقات ترقبه، وإنما البعيد هو الذي انقرض قال الشاعر: فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس وثالثها: أن المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر، فإنه لا يقال اقترب الأجل أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل، فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا الوجه قال عليه السلام: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وهذا الوجه قيل إنه عليه السلام ختم به النبوة، كل ذلك لأجل أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي.
المسألة الثالثة: إنما ذكر تعالى هذا الاقتراب لما فيه من المصلحة للمكلفين فيكون أقرب إلى تلافي الذنوب والتحرر عنها خوفاً من ذلك، والله أعلم.
المسألة الرابعة: إنما لم يعين الوقت لأجل أن كتمانه أصلح، كما أن كتمان وقت الموت أصلح.
المسألة الخامسة: الفائدة في تسمية يوم القيامة بيوم الحساب أن الحساب هو الكاشف عن حال المرء فالخوف من ذكره أعظم.
المسألة السادسة: يجب أن يكون المراد بالناس من له مدخل في الحساب وهم المكلفون دون من لا مدخل له، ثم قال ابن عباس: المراد بالناس المشركون.
وهذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين أما قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ فاعلم أنه تعالى وصفهم بأمرين الغفلة والإعراض.
أما الغفلة فالمعنى أنهم غافلون عن حسابهم ساهون لا يتفكرون في عاقبتهم مع اقتضاء عقولهم أنه لابد من جزاء المحسن والمسئ ثم إذا انتبهوا من سنة الغفلة ورقدة الجهالة مما يتلى عليهم من الآيات والنذر أعرضوا وسدوا أسماعهم.
أما قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن أبي عبلة محدث بالرفع صفة للمحل.
المسألة الثانية: إنما ذكر الله تعالى ذلك بياناً لكونهم معرضين، وذلك لأن الله تعالى يجدد لهم الذكر وقتاً فوقتاً ويظهر لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة ليكرر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم ذلك إلا لعباً واستسخاراً.
المسألة الثالثة: المعتزلة احتجوا على حدوث القرآن بهذه الآية فقالوا: القرآن ذكر والذكر محدث فالقرآن محدث، بيان أن القرآن ذكر قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ وقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ وقوله: ﴿ ص والقرءان ذِي الذكر ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر ﴾ وقوله: ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ﴾ وقوله: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أنزلناه ﴾ وبيان أن الذكر محدث قوله في هذا الموضع: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ وقوله في سورة الشعراء: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن الرحمن مُحْدَثٍ ﴾ ثم قالوا: فصار مجموع هاتين المقدمتين المنصوصتين كالنص في أن القرآن محدث والجواب من وجهين: الأول: أن قوله: ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ للعالمين ﴾ وقوله: ﴿ وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ ﴾ إشارة إلى المركب من الحروف والأصوات فإذا ضممنا إليه قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ لزم حدوث المركب من الحروف والأصوات وذلك مما لا نزاع فيه بل حدوثه معلوم بالضرورة، وإنما النزاع في قدم كلام الله تعالى بمعنى آخر.
الثاني: أن قوله: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مّن ذِكْرٍ مّن رَّبّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على ذكر ما محدث كما أن قول القائل لا يدخل هذه البلدة رجل فاضل إلا يبغضونه، فإنه لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً بل على أن في الرجال من هو فاضل وإذا كان كذلك فالآية لا تدل إلا على أن بعض الذكر محدث فيصير نظم الكلام هكذا القرآن ذكر وبعض الذكر محدث وهذا لا ينتج شيئاً كما أن قول القائل: الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس لا ينتج شيئاً فظهر أن الذي ظنوه قاطعاً لا يفيد ظناً ضعيفاً فضلاً عن القطع.
أما قوله: ﴿ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: أن ذلك ذم للكفار وزجر لغيرهم عن مثله لأن الإنتفاع بما يسمع لا يكون إلا بما يرجع إلى القلب من تدبر وتفكر، وإذا كانوا عند استماعه لاعبين حصلوا على مجرد الاستماع الذي قد تشارك البهيمة فيه الإنسان ثم أكد تعالى ذمهم بقوله: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ واللاهية من لهى عنه إذا ذهل وغفل، وإنما ذكر اللعب مقدماً على اللهو كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الحياة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ﴾ تنبيهاً على أن اشتغالهم باللعب الذي معناه السخرية والإستهزاء معلل باللهو الذي معناه الذهول والغفلة، فإنهم أقدموا على اللعب للهوهم وذهولهم عن الحق، والله أعلم بالصواب.
المسألة الثانية: قال صاحب الكشاف: ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ حالان مترادفان أو متداخلان ومن قرأ لاهية بالرفع فالحال واحدة لأن لاهية قلوبهم خبر بعد خبر لقوله: ﴿ وَهُمْ ﴾ .
أما قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ ففيه سؤالان: السؤال الأول: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية فما معنى قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ .
الجواب: معناه بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم.
السؤال الثاني: لم قال: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ .
الجواب: أبدل الذين ظلموا من أسروا إشعاراً بأنهم هم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسروا به أو جاء على لغة من قال: أكلوني البراغيث أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبره: ﴿ أَسَرُّواْ النجوى ﴾ قدم عليه والمعنى وهؤلاء أسروا النجوى فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم.
أما قوله: ﴿ هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال صاحب الكشاف هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويحتمل أن يكون التقدير وأسروا النجوى وقالوا هذا الكلام.
المسألة الثانية: إنما أسروا هذا الحديث لوجهين: أحدهما: أنه كان ذلك شبهة التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعادة المتشاورين أن يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم.
الثاني: يجوز أن يسروا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله والمؤمنين إن كان ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررناه.
المسألة الثالثة: أنهم طعنوا في نبوته بأمرين: أحدهما: أنه بشر مثلهم.
والثاني: أن الذي أتى به سحر، وكلا الطعنين فاسد.
أما الأول: فلأن النبوة تقف صحتها على المعجزات والدلائل لا على الصور إذ لو بعث الملك إليهم لما علم كونه نبياً لصورته، وإنما كان يعلم بالعلم فإذا ظهر ذلك على من هو بشر فيجب أن يكون نبياً، بل الأولى أن يكون المبعوث إلى البشر بشراً لأن المرء إلى القبول من أشكاله أقرب وهو به آنس.
وأما الثاني: وهو أن ما أتى به الرسول عليه السلام سحر وأنهم يرون كونه سحراً فجهل أيضاً، لأن كل ما أتى به الرسول من القرآن وغيره ظاهر الحال لا تمويه فيه ولا تلبيس فيه.
فقد كان عليه السلام يتحداهم بالقرآن حالاً بعد حال مدة من الزمان وهم أرباب الفصاحة والبلاغة، وكانوا في نهاية الحرص على إبطال أمره وأقوى الأمور في إبطال أمره معارضة القرآن فلو قدروا على المعارضة لامتنع أن لا يأتوا بها لأن الفعل عند توافر الدواعي وارتفاع الصارف واجب الوقوع، فلما لم يأتوا بها دلنا ذلك على أنه في نفسه معجزة وأنهم عرفوا حاله.
فكيف يجوز أن يقال: إنه سحر والحال على ما ذكرناه، وكل ذلك يدل على أنهم كانوا عالمين بصدقه، إلا أنهم كانوا يموهون على ضعفائهم بمثل هذا القول وإن كانوا فيه مكابرين.
<div class="verse-tafsir"
قرّر إعراضهم عن تنبيه المنبه وإيقاظ الموقظ: بأنّ الله يجدّد لهم الذكر وقتاً فوقتاً، ويحدث لهم الآية بعد الآية والسورة بعد السورة، ليكرّر على أسماعهم التنبيه والموعظة لعلهم يتعظون، فما يزيدهم استماع الآي والسور وما فيها من فنون المواعظ والبصائر- التي هي أحق الحق وأجدّ الجدّ- إلا لعباً وتلهياً واستسخاراً والذكر: هو الطائفة النازلة من القرآن.
وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ مُّحْدَثٍ ﴾ بالرفع صفة على المحل.
قوله: ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ حالان مترادفتان أو متداخلتان ومن قرأ: ﴿ لاَهِيَةً ﴾ بالرفع فالحال واحدة، لأن ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ خبر بعد خبر، لقوله: ﴿ وَهُمْ ﴾ واللاهية: من لها عنه إذا ذهل وغفل، يعني أنهم وإن فطنوا فهم في قلة جدوى فطنتهم كأنهم لم يفطنوا أصلاً، وثبتوا على رأس غفلتهم، وذهولهم عن التأمّل والتبصر بقلوبهم [(وأسروا النجوى)] فإن قلت: النجوى وهي اسم من التناجي لا تكون إلا خفية، فما معنى قوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ ﴾ ؟
قلت: معناه وبالغوا في إخفائها.
أو جعلوها بحيث لا يفطن أحد لتناجيهم ولا يعلم أنهم متناجون، أبدل ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ من واو وأسرّوا، إشعاراً بأنهم الموسومون بالظلم الفاحش فيما أسرّوا به.
أو جاء على لغة من قال (أكلوني البراغيث) أو هو منصوب المحل على الذم.
أو هو مبتدأ خبره ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ قدّم عليه.
والمعنى: وهؤلاء أسروا النجوى.
فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ﴿ هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا الكلام كله في محل النصب بدلاً من النجوى، أي: وأسروا هذا الحديث.
ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمراً: اعتقدوا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكون إلا ملكاً، وأن كل من ادّعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة هو ساحر ومعجزته سحر، فلذلك قالوا على سبيل الإنكار: أفتحضرون السحر وأنتم تشاهدون وتعاينون أنه سحر.
فإن قلت: لم أسروا هذا الحديث وبالغوا في إخفائه؟
قلت: كان ذلك شبه التشاور فيما بينهم، والتحاور في طلب الطريق إلى هدم أمره، وعمل المنصوبة في التثبيط عنه وعادة المتشاورين في خطب أن لا يشركوا أعداءهم في شوراهم، ويتجاهدوا في طيّ سرّهم عنهم ما أمكن واستطيع.
ومنه قول الناس: «استعينوا على حوائجكم بالكتمان» وَيُرفع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن يسرّوا نجواهم بذلك ثم يقولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين: إن كان ما تدعونه حقاً فأخبرونا بما أسررنا.
<div class="verse-tafsir"
﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ أيِ اسْتَمَعُوهُ جامِعِينَ بَيْنَ الِاسْتِهْزاءِ والتَّلَهِّي والذُّهُولِ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيهِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن واوِ ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ وقُرِئَتْ بِالرَّفْعِ عَلى أنَّها خَبَرٌ آخَرُ لِلضَّمِيرِ.
﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ بالَغُوا في إخْفائِها أوْ جَعَلُوها بِحَيْثُ خَفِيَ تَناجِيهِمْ بِها.
﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بَدَلٌ مِن واوِ ﴿ وَأسَرُّوا ﴾ لِلْإيماءِ بِأنَّهم ظالِمُونَ فِيما أسَرُّوا بِهِ، أوْ فاعِلٌ لَهُ والواوُ لِعَلامَةِ الجَمْعِ أوْ مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ المُتَقَدِّمَةُ خَبَرُهُ وأصْلُهُ وهَؤُلاءِ أسَرُّوا النَّجْوى فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَهُ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِأنَّهُ ظُلْمٌ أوْ مَنصُوبٌ عَلى الذَّمِّ.
﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ بِأمْرِهِ في مَوْضِعِ النَّصْبِ بَدَلًا مِنَ ﴿ النَّجْوى ﴾ ، أوْ مَفْعُولًا لِقَوْلٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِكَوْنِهِ بَشَرًا عَلى كَذِبِهِ في ادِّعاءِ الرِّسالَةِ لِاعْتِقادِهِمْ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلَكًا، واسْتَلْزَمُوا مِنهُ أنَّ ما جاءَ بِهِ مِنَ الخَوارِقِ كالقُرْآنِ سِحْرٌ فَأنْكَرُوا حُضُورَهُ، وإنَّما أسَرُّوا بِهِ تَشاوُرًا في اسْتِنْباطِ ما يَهْدِمُ أمْرَهُ ويُظْهِرُ فَسادَهُ لِلنّاسِ عامَّةً.
<div class="verse-tafsir"
{لاهية} حال من ضمير يعلبون أو وهم يلعبون ولاهية حالان من الضمير في اسمتعوه ومن قرأ لاهية بالرفع يكون خبر ابعد خبر لقوله وهم وارتفعت {قلوبهم} بلا هية وهي من لها عنه إذا ذهل وغفل والمعنى قلوبهم غافلة عما يراد بها ومنها قال أبو بكر الوراق القلب اللاهي المشغول بزينة الدنيا وزهرتها الغافل عن الآخرة وأهوالها {وَأَسَرُّواْ} وبالغوا في إخفاء {النجوى} وهي اسم من التناجي ثم أبدل {الذين ظَلَمُواْ} من واو وأسروا إيذاناً بأنهم الموسومون بالظلم فيما أسروبا به أو جاء على لغة من قال أكلوني البراغيث أو هو مجرور المحل لكونه صفة أو بدلاً من الناس أو هو منصوب المحل على الذم أو هو مبتدأ خبرا أسروا النجوى فقدم عليه أي والذين ظلموا أسروا النجوى {هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} هذا الكلام كله في محل نصب بدل من النجوى أي وأسروا هذا الحديث ويجوز أن يتعلق بقالوا مضمراً والمعنى أنهم اعتقدوا أن الرسول لا يكون إلا ملكاً وأن كل من ادعى الرسالة من البشر وجاء بالمعجزة فهو ساحر ومعجزته سحر فلذلك قالوا على سبيل الإنكار افتحضرون السحر وانتم تشاهدون تعاينون انه سحر
وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ إمّا حالٌ أُخْرى مِنهُ فَتَكُونُ مُتَرادِفَةً أوْ حالٌ مِن واوِ ( يَلْعَبُونَ ) فَتَكُونُ مُتَداخِلَةً والمَعْنى ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا حالَ اسْتِماعِهِمْ إيّاهُ لاعِبِينَ مُسْتَهْزِئِينَ بِهِ لاهِينَ عَنْهُ أوْ لاعِبِينَ بِهِ حالَ كَوْنِ قُلُوبِهِمْ لاهِيَةً عَنْهُ.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ وعِيسى (لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ لَهم، والسِّرُّ في اخْتِلافِ الخَبَرَيْنِ لا يَخْفى، و ﴿ لاهِيَةً ﴾ مِن لَهي عَنِ الشَّيْءِ بِالكَسْرِ لُهِيًّا ولِهْيانًا إذا سَلا عَنْهُ وتَرَكَ ذِكْرَهُ وأضْرَبَ عَنْهُ كَما في الصِّحاحِ، وفي الكَشّافِ هي مِن لَهي عَنْهُ إذا ذَهَلَ وغَفَلَ وحَيْثُ اعْتَبَرَ في الغَفْلَةِ فِيما مَرَّ أنْ لا يَكُونَ لِلْغافِلِ شُعُورٌ بِالمَفْعُولِ عَنْهُ أصْلًا بِأنْ لا يَخْطُرَ بِبالِهِ ولا يَقْرَعَ سَمْعَهُ أُشْكِلَ وصْفُ قُلُوبِهِمْ بِالغَفْلَةِ بَعْدَ سَماعِ الآياتِ إذْ قَدْ زالَتْ عَنْهم بِذَلِكَ وحَصَلَ لَهُمُ الشُّعُورُ وإنْ لَمْ يُوَفَّقُوا لِلْإيمانِ وبَقُوا في غَيابَةِ الخِزْيِ والخِذْلانِ.
وأُجِيبَ بِأنَّ الوَصْفَ بِذَلِكَ عَلى تَنْزِيلِ شُعُورِهِمْ لِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ مَنزِلَةَ العَدَمِ نَظِيرَ ما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ ولَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أنْفُسَهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بَأْسَ أنْ يُرادَ مِنَ الغَفْلَةِ المَذْكُورَةِ في تَفْسِيرِ لَهي التَّرْكُ والإعْراضُ عَلى ما تُفْصِحُ عَنْهُ عِبارَةُ الصِّحاحِ، وإنَّما لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مِنَ اللَّهْوِ بِمَعْنى اللَّعِبِ عَلى ما هو المَشْهُورُ لِأنَّ تَعْقِيبَ ( يَلْعَبُونَ ) بِذَلِكَ حِينَئِذٍ مِمّا لا يُناسِبُ جَزالَةَ التَّنْزِيلِ ولا يُوافِقُ جَلالَةَ نَظْمِهِ الجَزِيلِ وإنْ أمْكَنَ تَصْحِيحُ مَعْناهُ بِنَوْعٍ مِنَ التَّأْوِيلِ، والمُرادُ بِالحُدُوثِ الَّذِي يَسْتَدْعِيهِ مُحْدَثٌ التَّجَدُّدُ وهو يَقْتَضِي المَسْبُوقِيَّةَ بِالعَدَمِ، ووُصِفَ الذِّكْرُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ تَنْزِيلِهِ لا بِاعْتِبارِهِ نَفْسَهُ وإنْ صَحَّ ذَلِكَ بِناءً عَلى حَمْلِ الذِّكْرِ عَلى الكَلامِ اللَّفْظِيِّ والقَوْلِ بِما شاعَ عَنِ الأشاعِرَةِ مِن حُدُوثِهِ ضَرُورَةً أنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنَ الحُرُوفِ والأصْواتِ لِأنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ المَقامُ ويَسْتَدْعِيهِ حُسْنُ الِانْتِظامِ بَيانَ أنَّهُ كُلَّما تَجَدَّدَ لَهُمُ التَّنْبِيهُ والتَّذْكِيرُ وتَكَرَّرَ عَلى أسْماعِهِمْ كَلِماتُ التَّخْوِيفِ والتَّحْذِيرِ ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ الآياتُ وقَرَعَتْ لَهُمُ العَصا ونُبِّهُوا عَنْ سِنَةِ الغَفْلَةِ والجَهالَةِ عَدَدَ الحَصا وأُرْشِدُوا إلى طَرِيقِ الحَقِّ مِرارًا لا يَزِيدُهم ذَلِكَ إلّا فِرارًا، وأمّا إنَّ ذَلِكَ المَنزِلَ حادِثٌ أوْ قَدِيمٌ فَمِمّا لا تَعَلُّقَ لَهُ بِالمَقامِ كَما لا يَخْفى عَلى ذَوِي الأفْهامِ، وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالذِّكْرِ الكَلامَ النَّفْسِيَّ وإسْنادُ الإتْيانِ إلَيْهِ مَجازٌ بَلْ إسْنادُهُ إلى الكَلامِ مُطْلَقًا كَذَلِكَ والمُرادُ مِنَ الحُدُوثِ التَّجَدُّدُ ويُقالُ: إنَّ وصْفَهُ بِذَلِكَ بِاعْتِبارِ التَّنْزِيلِ فَلا يُنافِي القَوْلَ بِقِدَمِ الكَلامِ النَّفْسِيِّ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ مُثْبِتُوهُ مِن أهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ، والحَنابِلَةُ القائِلُونَ بِقِدَمِ اللَّفْظِيِّ كالنَّفْسِيِّ يَتَعَيَّنُ عِنْدَهم كَوْنُ الوَصْفِ بِاعْتِبارِ ذَلِكَ لِألّا تَقُومَ الآيَةُ حُجَّةً عَلَيْهِمْ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ المُرادُ بِالذِّكْرِ النَّبِيُّ وقَدْ سُمِّيَ ذِكْرًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكم ذِكْرًا ﴾ ﴿ رَسُولا ﴾ ويَدُلُّ عَلَيْهِ هُنا ( هَلْ ) هَذا إلَخِ الآتِي قَرِيبًا إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى وفِيهِ نَظَرٌ، وبِالجُمْلَةِ لَيْسَتِ الآيَةُ مِمّا تُقامُ حُجَّةً عَلى رَدِّ أهْلِ السُّنَّةِ ولَوِ الحَنابِلَةَ كَما لا يَخْفى ﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ جِنايَةٍ أُخْرى مِن جِناياتِهِمْ، ( والنَّجْوى ) اسْمٌ مِنَ التَّناجِي ولا تَكُونُ إلّا سِرًّا فَمَعْنى إسْرارِها المُبالَغَةُ في إخْفائِها، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرًا بِمَعْنى التَّناجِي فالمَعْنى أخْفَوْا تَناجِيَهم بِأنْ لَمْ يَتَناجَوْا بِمَرْأىً مِن غَيْرِهِمْ، وهَذا عَلى ما في الكَشْفِ أظْهَرُ وأحْسَنُ مَوْقِعًا، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الإسْرارُ مِنَ الأضْدادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ هُنا بِمَعْنى الإظْهارِ ومِنهُ قَوْلُ الفَرَزْدَقِ: فَلَمّا رَأى الحَجّاجَ جَرَّدَ سَيْفَهُ أسَرَّ الحَرُورِيَّ الَّذِي كانَ أضْمَرا وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ الشّائِعَ في الِاسْتِعْمالِ مَعْنى الإخْفاءِ وإنْ قُلْنا إنَّهُ مِنَ الأضْدادِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ التَّبْرِيزِيُّ ولا مُوجِبَ لِلْعُدُولِ عَنْ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ بَدَلٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ أسَرُّوا ﴾ كَما قالَ المُبَرِّدُ، وعَزاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ إلى سِيبَوَيْهِ، وفِيهِ إشْعارٌ بِكَوْنِهِمْ مَوْصُوفِينَ بِالظُّلْمِ الفاحِشِ فِيما أسَرُّوا بِهِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ.
والأخْفَشُ، وغَيْرُهُما: هو فاعِلُ ﴿ أسَرُّوا ﴾ والواوُ حَرْفٌ دالٌّ عَلى الجَمْعِيَّةِ كَواوِ قائِمُونَ وتاءِ قامَتْ وهَذا عَلى لُغَةِ أكَلُونِي البَراغِيثُ وهي لُغَةٌ لِأزْدِ شَنُوءَةَ قالَ شاعِرُهم: يَلُومُونَنِي في اشْتِراءِ النَّخِيلِ أهْلِي وكُلُّهم ألْوَمُ وهِيَ لُغَةٌ حَسَنَةٌ عَلى ما نَصَّ أبُو حَيّانَ ولَيْسَتْ شاذَّةً كَما زَعَمَهُ بَعْضُهم، وقالَ الكِسائِيُّ: هو مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ قَبْلَهُ خَبَرُهُ وقُدِّمَ اهْتِمامًا بِهِ، والمَعْنى هم أسَرُّوا النَّجْوى فَوُضِعَ المَوْصُولُ مَوْضِعَ الضَّمِيرِ تَسْجِيلًا عَلى فِعْلِهِمْ بِكَوْنِهِ ظُلْمًا، وقِيلَ هو مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفٌ أيْ هُمُ الَّذِينَ، وقِيلَ هو فاعِلٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَقُولُ الَّذِينَ والقَوْلُ كَثِيرًا ما يُضْمَرُ، واخْتارَهُ النَّحّاسُ، وهو عَلى هَذِهِ الأقْوالِ في مَحَلِّ الرَّفْعِ.
وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ النَّصْبِ عَلى الذَّمِّ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ أوْ عَلى إضْمارِ أعْنِي كَما ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُهم، وأنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنْ يَكُونَ نَعْتًا ( لِلنّاسِ ) كَما قالَ أبُو البَقاءِ أوْ بَدَلًا مِنهُ كَما قالَ الفَرّاءُ وكِلاهُما كَما تَرى، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إلَخْ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ بَعْدَ المَوْصُولِ وصِلَتُهُ هو جَوابٌ عَنْ سُؤالٍ نَشَأ مِمّا قَبْلَهُ كَأنَّهُ قِيلَ ماذا قالُوا في نَجْواهم ؟
فَقِيلَ قالُوا هَذا إلَخْ أوْ بَدَلٌ مِن ﴿ أسَرُّوا ﴾ أوْ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ، وقِيلَ حالٌ أيْ قائِلِينَ هَلْ هَذا إلَخْ وهو مَفْعُولٌ لِقَوْلٍ مُضْمَرٍ قَبْلَ المَوْصُولِ عَلى ما اخْتارَهُ النَّحّاسُ، وقِيلَ مَفْعُولٌ لِلنَّجْوى نَفْسِها لِأنَّها في مَعْنى القَوْلِ والمَصْدَرُ المُعَرَّفُ يَجُوزُ إعْمالُهُ الخَلِيلُ، وسِيبَوَيْهِ، وقِيلَ بَدَلٌ مِنها أيْ أسَرُّوا هَذا الحَدِيثَ، و( هَلْ ) بِمَعْنى النَّفْيِ ولَيْسَتْ لِلِاسْتِفْهامِ التَّعَجُّبِيِّ كَما زَعَمَ أبُو حَيّانَ، والهَمْزَةُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ لِلْإنْكارِ والفاءُ لِلْعَطْفِ عَلى مُقَدَّرٍ يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ حالٌ مِن فاعِلِ تَأْتُونَ مُقَرِّرَةٌ لِلْإنْكارِ مُؤَكِّدَةٌ لِلِاسْتِبْعادِ، وأرادُوا كَما قِيلَ ما هَذا إلّا بَشَرٌّ مِثْلُكم أيْ مِن جِنْسِكم وما أتى بِهِ سِحْرٌ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَتَأْتُونَهُ وتَحْضُرُونَهُ عَلى وجْهِ الإذْعانِ والقَبُولِ وأنْتُمْ تُعايِنُونَ أنَّهُ سِحْرٌ قالُوهُ بِناءً عَلى ما ارْتَكَزَ في اعْتِقادِهِمُ الزّائِغِ أنَّ الرَّسُولَ لا يَكُونُ إلّا مَلِكًا وأنَّ كُلَّ ما يَظْهَرُ عَلى يَدِ البَشَرِ مِنَ الخَوارِقِ مِن قَبِيلِ السِّحْرِ، وعَنَوْا بِالسِّحْرِ ها هُنا القُرْآنَ فَفي ذَلِكَ إنْكارٌ لِحَقِّيَّتِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ قاتَلَهُمُ اللَّهُ تَعالى أنّى يُؤْفَكُونَ، وإنَّما أسَرُّوا ذَلِكَ لِأنَّهُ عَلى طَرِيقِ تَوْثِيقِ العَهْدِ وتَرْتِيبِ مَبادِئِ الشَّرِّ والفَسادِ وتَمْهِيدِ مُقَدِّماتِ المَكْرِ والكَيْدِ في هَدْمِ أمْرِ النُّبُوَّةِ وإطْفاءِ نُورِ الدِّينِ واللَّهُ تَعالى يَأْبى إلّا أنْ يُتِمَّ نُورَهُ ولَوْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ، وقِيلَ أسَرُّوهُ لِيَقُولُوا لِلرَّسُولِ والمُؤْمِنِينَ إنْ كانَ ما تَدَّعُونَهُ حَقًّا فَأخْبِرُونا بِما أسْرَرْناهُ ؟
ورَدَّهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا يُساعِدُهُ النَّظْمُ ولا يُناسِبُ المُبالَغَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ولا في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ أفَتَأْتُونَ ﴾ السِّحْرَ <div class="verse-tafsir"
(١) كلّها مكية وهي: مائة واثنتا عشرة آية قول الله سبحانه وتعالى: اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ، يعني: قربت القيامة كقوله: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ [القمر: 1] ، ويقال: معناه اقترب وقت حسابهم، ويقال: دنا للناس ما وعدوا في هذا القرآن، وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ، يعني: في جهل وعمى من أمر آخرتهم.
مُعْرِضُونَ، يعني: جاحدين مكذبين، وهم كفار مكة ومن كان مثل حالهم.
ثم نعتهم فقال: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ، يعني: ما يأتيهم جبريل بالقرآن محدث، والمحدث: إتيان جبريل بالقرآن مرة بعد مرة، ويقال: قراءة النبيّ القرآن مرة بعد مرة إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، يعني: يستمعون لاعبين، ويقال: وَهُمْ يَلْعَبُونَ يعني: يهزئون ويسخرون.
قوله عز وجل: لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ، يعني: ساهية قلوبهم عن أمر الآخرة.
وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، يعني: أخفوا تكذيبهم بمحمد والقرآن ويتناجون فيما بينهم، ثم بين أمرهم فقال: الَّذِينَ ظَلَمُوا، معناه: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى يعني: الذين ظلموا.
ثم بين ما يسرون فقال: هَلْ هذا، يعني: يقولون ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أي: آدميّ مِثلكم؟
أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ، يعني: أفتصدقون الكذب؟
وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وتعلمون أنه سحر.
(١) في نسخة «أ» سورة الأنبياء عليهم السلام.
<div class="verse-tafsir"
ت: أَيَّها الأَخُ أَشْعرِ قلبك مَهَابَةَ رَبِّك، فإليه مآلك وتأهب للقدوم عليه فقد أنَ ارتحالك أنت في سكرة لذاتِك وغشية شهواتكِ وإغماء غفلاتِك ومِقْراضُ/ الفناء يعمل في ثوب حياتك ويفصل أجزاء عمرك جُزْءاً جزءاً في سائر ساعاتك كل نفس من أنفاسك جزءٌ منفصل من جملة ذاتك وبذهاب الأجزاء تذهبُ الجمل، أنت جملة تؤخذ، آحادها وأبعاضها، إلى أن تستوفي سائرها عساكر الأقضية، والأقدار مُحْدقة بأسوار الإعمار تهدمُها بمعاول الليل والنهار فلو أضاء لنا مِصْباحُ الاعتبار لم يبقَ لنا في جَمِيع أوقاتنا سكونٌ ولاَ قَرار.
انتهى من «الكلم الفارقية والحكم الحقيقة» .
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)
وقوله: مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ وما بعده مختصٌ بالكُفَّارِ، والذكر: القرآن، ومعناه محدث نزوله، لا هو في نفسه.
وقوله: وَهُمْ يَلْعَبُونَ جملة في موضع الحال، أيْ: استماعهم في حال لعب فهو غير نافع، ولا وَاصِلٍ إلى النفس.
وقوله لاهِيَةً حال بعد حال، واختلف النحاةُ في إعراب قوله: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فمذهبُ سيبويه «١» (رحمه الله تعالى) : أن الضمير في أَسَرُّوا: فاعل، وأن الَّذِينَ بدل مِنْه، وقال: ليس في القرآن لغةُ مَنْ قال: أكلوُنِي البَرَاغِيثُ «٢» ، ومعنى:
أَسَرُّوا النَّجْوَى تكلَّمُوا بينهم في السرِّ، ومُنَاجَاتِ بعضهم لبعض.
سُورَةُ الأنْبِياءِ وَهِيَ مَكِّيَّةٌ بِإجْماعِهِمْ مِن غَيْرِ خِلافٍ نَعْلَمُهُ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتَرَبَ ﴾ افْتَعَلَ، مِنَ القُرْبِ، يُقالُ: قَرُبَ الشَّيْءُ واقْتَرَبَ.
وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في كُفّارِ مَكَّةَ.
وقالَ الزَّجّاجُ: اقْتَرَبَ لِلنّاسِ وقْتَ حِسابِهِمْ.
وقِيلَ: اللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ لِلنّاسِ ﴾ بِمَعْنى ( مِن ) .
والمُرادُ بِالحِسابِ: مُحاسَبَةُ اللَّهِ لَهم عَلى أعْمالِهِمْ.
وَفِي مَعْنى قُرْبِهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ آتٍ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.
والثّانِي: لِأنَّ الزَّمانَ - لِكَثْرَةِ ما مَضى وقِلَّةِ ما بَقِيَ - قَرِيبٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم في غَفْلَةٍ ﴾ ؛ أيْ: عَمّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِهِمْ ذَلِكَ اليَوْمِ، ﴿ مُعْرِضُونَ ﴾ عَنِ التَّأهُّبِ لَهُ.
وقِيلَ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ ﴾ عامٌّ، والغَفْلَةُ والإعْراضُ خاصٌّ في الكُفّارِ، بِدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ ، وفي هَذا الذِّكْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُهُما: أنَّهُ القُرْآنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ مُحْدَثٍ ﴾ إلى إنْزالِهِ لَهُ؛ لِأنَّهُ أُنْزِلَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ.
والثّانِي: أنَّهُ ذِكْرٌ مِنَ الأذْكارِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ، حَكاهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
وقالَ النِّقاشُ: هو ذِكْرٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ، ولَيْسَ بِالقُرْآنِ.
والثّالِثُ: أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ في سِياقِ الآيَةِ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، قالَهُ الحَسَنُ بْنُ الفَضْلِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ وهم يَلْعَبُونَ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَسْتَمِعُونَ القُرْآنَ مُسْتَهْزِئِينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ؛ أيْ: غافِلَةً عَمّا يُرادُ بِهِمْ.
قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: إلّا اسْتَمَعُوهُ لاعِبِينَ لاهِيَةً قُلُوبُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿ يَلْعَبُونَ ﴾ .
وقَرَأ عِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( لاهِيَةٌ ) بِالرَّفْعِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى ﴾ ؛ أيْ: تَناجَوْا فِيما بَيْنَهم، يَعْنِي: المُشْرِكِينَ.
ثُمَّ بَيَّنَ مَن هم، فَقالَ: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ ؛ أيْ: أشْرَكُوا بِاللَّهِ.
و " الَّذِينَ " في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ في " وأسَرُّوا " .
ثُمَّ بَيَّنَ سِرِّهُمُ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ، فَقالَ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ؛ أيْ: آدَمِيٌّ، فَلَيْسَ بِمَلِكٍ، وهَذا إنْكارٌ لِنُبُوَّتِهِ.
وبَعْضُهم يَقُولُ: " أسَرُّوا " هاهُنا بِمَعْنى: أظْهَرُوا؛ لِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ ﴾ ؛ أيْ: أفَتَقْبَلُونَ السِّحْرَ، ﴿ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ أنَّهُ سَحْرٌ ؟
يَعْنُونَ: أنَّ مُتابِعَةَ مُحَمَّدٍ مُتابَعَةُ السِّحْرِ.
﴿ قالَ رَبِّي ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( قُلْ رَبِّي ) .
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( قالَ رَبِّي )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ الكُوفِيِّينَ، وهَذا عَلى الخَبَرِ «عَنِ النَّبِيِّ أنَّهُ قالَ: ﴿ يَعْلَمُ القَوْلَ ﴾ ؛ أيْ: لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقالُ في السَّماءِ والأرْضِ، فَهو عالِمٌ بِما أسْرَرْتُمْ» .
﴿ بَلْ قالُوا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: رَدٌّ بِـ " بَلْ " عَلى مَعْنى تَكْذِيبِهِمْ، وإنْ لَمْ يَظْهَرْ قَبْلَهُ الكَلامُ بِجُحُودِهِمْ؛ لِأنَّ مَعْناهُ الإخْبارُ عَنِ الجاحِدِينَ، وأعْلَمَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا قَدْ تَحَيَّرُوا في أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ، فاخْتَلَفَتْ أقْوالُهم فِيهِ، فَبَعْضُهم يَقُولُ: هَذا الَّذِي يَأْتِي بِهِ سِحْرٌ، وبَعْضُهم يَقُولُ: أضْغاثُ أحْلامٍ، وهي الأشْياءُ المُخْتَلَطَةُ تُرى في المَنامِ، وقَدْ شَرَحْناها في ( يُوسُفَ: ٤٤ )، وبَعْضُهم يَقُولُ: افْتَراهُ؛ أيِ: اخْتَلَقَهُ، وبَعْضُهم يَقُولُ: هو شاعِرٌ، ﴿ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ ﴾ كالنّاقَةِ والعَصا، فاقْتَرَحُوا الآياتِ الَّتِي لا إمْهالَ بَعْدَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ ﴾ يَعْنِي: مُشْرِكِي مَكَّةَ، ﴿ مِن قَرْيَةٍ ﴾ وصَفَ القَرْيَةِ، والمُرادُ: أهْلُها، والمَعْنى: أنَّ الأُمَمَ الَّتِي أُهْلِكَتْ بِتَكْذِيبِ الآياتِ، لَمْ يُؤْمِنُوا بِالآياتِ لَمّا أتَتْهم، فَكَيْفَ يُؤْمِنُ هَؤُلاءِ ؟
وهَذِهِ إشارَةٌ إلى أنَّ الآيَةَ لا تَكُونُ سَبَبًا لِلْإيمانِ، إلّا أنْ يَشاءَ اللَّهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما أرْسَلْنا قَبْلَكَ إلا رِجالا ﴾ هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ نُوحِي إلَيْهِمْ ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ: ( يُوحى ) بِالياءِ.
ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( نُوحِي ) بِالنُّونِ.
وقَدْ شَرَحْنا هَذِهِ الآيَةَ في ( النَّحْلِ: ٤٣ ) .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَما جَعَلْناهُمْ ﴾ يَعْنِي: الرُّسُلَ، ﴿ جَسَدًا ﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ: أجْسادًا؛ لِأنَّهُ اسْمُ الجِنْسِ.
قالَ مُجاهِدٌ: وما جَعَلْناهم جَسَدًا لَيْسَ فِيهِمْ رُوحٌ.
قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ما جَعَلْنا الأنْبِياءَ قَبْلَهُ أجْسادًا لا تَأْكُلُ الطَّعامَ، ولا تَمُوتُ فَنَجْعَلُهُ كَذَلِكَ.
قالَ المُبَرِّدُ وثَعْلَبٌ جَمِيعًا: العَرَبُ إذا جاءَتْ بَيْنَ الكَلامِ بِجَحْدَيْنِ، كانَ الكَلامُ إخْبارًا، فَمَعْنى الآيَةِ: إنَّما جَعَلْناهم جَسَدًا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.
قالَ قَتادَةُ: المَعْنى: وما جَعَلْناهم جَسَدًا إلّا لِيَأْكُلُوا الطَّعامَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الوَعْدَ ﴾ يَعْنِي: الأنْبِياءَ أنْجَزْنا وعْدَهُمُ الَّذِي وعَدْناهم بِإنْجائِهِمْ وإهْلاكِ مُكَذِّبِيهِمْ، ﴿ فَأنْجَيْناهم ومَن نَشاءُ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ صَدَّقُوهم، ﴿ وَأهْلَكْنا المُسْرِفِينَ ﴾ يَعْنِي: أهْلَ الشِّرْكِ؛ وهَذا تَخْوِيفٌ لِأهْلِ مَكَّةَ.
ثُمَّ ذَكَرَ مِنَّتَهُ عَلَيْهِمْ بِالقُرْآنِ، فَقالَ: ﴿ لَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم كِتابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: فِيهِ شَرَفُكم، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّانِي: فِيهِ دِينُكم، قالَهُ الحَسَنُ، يَعْنِي: فِيهِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن أمْرِ دِينِكم.
والثّالِثُ: فِيهِ تَذْكِرَةٌ لَكم لِما تَلْقَوْنَهُ مِن رَجْعَةٍ أوْ عَذابٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا تَعْقِلُونَ ﴾ ما فَضَّلْتُكم بِهِ عَلى غَيْرِكم.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهم وأسَرُّوا النَجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكم أفَتَأْتُونَ السِحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ﴿ قالَ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ وهو السَمِيعُ العَلِيمُ ﴾ قَوْلُهُ: "لاهِيَةً" حالٌ بَعْدَ حالٍ، واخْتَلَفَ النُحاةُ في إعْرابِ قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وَأسَرُّوا النَجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ - فَمَذْهَبُ سِيبَوَيْهَ أنَّ الضَمِيرَ في قَوْلِهِ: "أسَرُّوا" فاعِلٌ، وأنَّ "الَّذِينَ" بَدَلٌ مِنهُ، وأنَّ لُغَةَ "أكَلُونِي البَراغِيثُ" لَيْسَتْ في القُرْآنِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ وغَيْرُهُ: الواوُ والألْفُ عَلامَةٌ أنَّ الفاعِلَ مَجْمُوعٌ، كالتاءِ في قَوْلِكَ: "قامَتْ هِنْدٌ"، و"الَّذِينَ" فاعِلٌ بِـ "أسَرُّوا"، وهَذا عَلى لُغَةِ مَن قالَ: "أكَلُونِي البَراغِيثُ"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ فاعِلٌ، و"الَّذِينَ" مُرْتَفِعٌ بِفِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أسَرَّها الَّذِينَ، أو قالَها الَّذِينَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والوُقُوفُ عَلى "النَجْوى" في هَذا القَوْلِ وفي القَوْلِ الأوَّلِ أُحْسِنُ، ولا يُحْسَنُ في الثانِي.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" مُرْتَفِعٌ عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ مُضْمَرٍ، تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، والوَقْفُ مَعَ هَذا حَسَنٌ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِفِعْلٍ تَقْدِيرِهِ: أعْنِي الَّذِينَ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: "الَّذِينَ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ بَدَلٌ مِنَ "الناسِ" في قَوْلِهِ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ .
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ أقْوالٌ ضَعِيفَةٌ.
ومَعْنى: " أسَرُّوا النَجْوى ": تَكَلَّمُوا بَيْنَهم بِالسِرِّ والمُناجاةِ بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: "أسَرُّوا": أظْهَرُوا، وهو مِنَ الأضْدادِ، ثُمْ بَيَّنَ تَعالى الأمْرَ الَّذِي تَناجَوْا بِهِ وهو قَوْلُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ: ﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ، ثُمْ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ - عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ في الجَهالَةِ -: ﴿ أفَتَأْتُونَ السِحْرَ ﴾ ، أيْ ما يَقُولُ، شَبَّهُوهُ بِالسِحْرِ، المَعْنى: أفَتَتَّبِعُونَ السِحْرَ؟
﴿ وَأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ، أيْ تُدْرِكُونَ أنَّهُ سِحْرٌ، وتَعْلَمُونَ ذَلِكَ، كَأنَّهم قالُوا: تَضِلُّونَ عَلى بَيِّنَةٍ ومَعْرِفَةٍ، ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى نَبِيَّهُ أنْ يَقُولَ لَهم ولِلنّاسِ جَمِيعًا: ﴿ رَبِّي يَعْلَمُ القَوْلَ في السَماءِ والأرْضِ ﴾ ، أيْ: يَعْلَمُ أقْوالَكم هَذِهِ وهو بِالمِرْصادِ في المُجازاةِ عَلَيْها.
وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: "قُلْ رَبِّي"، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: "قالَ رَبِّي" عَلى مَعْنى الخَبَرِ عن نَبِيِّهِ ، واخْتُلِفَ عن عاصِمْ، قالَ الطَبَرَيْ رَحِمَهُ اللهُ: وهُما قِراءَتانِ مُسْتَفِيضَتانِ في قِراءَةِ الأمْصارِ.
<div class="verse-tafsir"
﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ إِلاَّ استمعوه وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لاَهِيَةً ﴾ .
جملة مبينة لجملة ﴿ وهم في غفلة معرضون ﴾ [الأنبياء: 1] لبيان تمكن الغفلة منهم وإعراضهم، بأنهم إذا سمعوا في القرآن تذكيراً لهم بالنظر والاستدلال اشتغلوا عنه باللعب واللهو فلم يفقهوا معانيه وكان حظهم منه سماع ألفاظه كقوله تعالى: ﴿ ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون ﴾ في سورة [البقرة: 171].
والذكر: القرآن أطلق عليه اسم الذكر الذي هو مصدر لإفادة قوة وصفه بالتذكير.
والمحدَث: الجديد.
أي الجديد نزوله متكرراً، وهو كناية عن عدم انتفاعهم بالذكر كلما جاءهم بحيث لا يزالون بحاجة إلى إعادة التذكير وإحداثه مع قطع معذرتهم لأنه لو كانوا سمعوا ذكراً واحداً فلم يعبأوا به لانتحلوا لأنفسهم عذراً كانوا ساعتئذ في غفلة، فلما تكرر حدثان إتيانه تبين لكل منصف أنهم معرضون عنه صداً.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ وما يأتيهم من ذكر من الرحمان محدث إلا كانوا عنه معرضين ﴾ في سورة [الشعراء: 5]، وليس المراد بمحدث ما قابل القديم في اصطلاح علم الكلام لعدم مناسبته لسياق النظم.
ومسألة صفة كلام الله تعالى تقدم الخوض فيها عند قوله تعالى: ﴿ وكلم الله موسى تكليماً ﴾ في سورة [النساء: 164].
وجملة ﴿ استمعوه ﴾ حال من ضمير النصب في ﴿ يأتيهم ﴾ وهذا الحال مستثنى من عموم أحوال أي ما يأتيهم ذكر في حال إلا في حال استماعهم.
وجملة ﴿ وهم يلعبون ﴾ حال لازمة من ضمير الرفع في ﴿ استمعوه ﴾ مقيّدة لجملة ﴿ استمعوه ﴾ لأن جملة ﴿ استمعوه ﴾ حال باعتبار أنها مقيّدة بحال أخرى هي المقصودة من التقييد وإلاّ لصار الكلام ثناء عليهم.
وفائدة هذا الترتيب بين الجملتين الحاليتين الزيادةُ لِقطع معذرتهم المستفاد من قوله ﴿ مُحْدَث ﴾ كما علمت.
و ﴿ لاهية قلوبهم ﴾ حال من المبتدأ في جملة ﴿ وهم يلعبون ﴾ وهي احتراس لجملة وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ} جملة مستأنفة يجوز أن تكون عطفاً على جملة ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ [الأنبياء: 1] إلى آخرها، لأن كلتا الجملتين مسوقة لذكر أحوال تلقي المشركين لدعوة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والبهتان والتآمر على رفضها.
فالذين ظلموا هم المراد بالناس كما تقدم.
وواو الجماعة عائد إلى ما عاد إليه ضمائر الغيبة الراجعة إلى ﴿ للناس وليست جملة وأسروا النجوى ﴾ عطفاً على جملة ﴿ استمعوه وهم يلعبون ﴾ لأن مضمونها ليس في معنى التقييد لِما يأتيهم من ذكر.
و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل من واو الجماعة لزيادة تقرير أنهم المقصود من النجوى، ولما في الموصول من الإيماء إلى سبب تناجيهم بما ذكر وأن سبب ذلك كفرهم وظلمهم أنفسهم، وللنداء على قبح ما هم متصفون به.
وجملة ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ بدل من ﴿ النجوى ﴾ لأن ذلك هو ما تناجوا به، فهو بدل مطابق.
وليست هي كجملة ﴿ قالوا إنّ هذاننِ لساحران من جملة فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى ﴾ في سورة [طه: 6263] فإن تلك بدل بعض من كل لأن ذلك القول هو آخر ما أسفرت عليه النجوى.
ووجه إسرارهم بذلك الكلام قصدهم أن لا يطلع المسلمون على ما تآمروا به لئلا يتصدى الرسول صلى الله عليه وسلم للرد عليهم لأنهم علموا أن حجتهم في ذلك واهية يرومون بها أن يضللوا الدهماء، أو أنهم أسروا بذلك لفريق رأوا منهم مخائل التصديق لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لما تكاثر بمكة الذين أسلموا فخشوا أن يتتابع دخول الناس في الإسلام فاختلَوا بقوم ما زالوا على الشرك وناجَوْهم بذلك ليُدخلوا الشك في قلوبهم.
والنجوى: المحادثة الخفية.
والإسرار: هو الكتمان والكلام الخفي جداً.
وقد تقدم الجمع بينهما في قوله تعالى ﴿ ألم يعلموا أن الله يعلم سرهم ونجواهم ﴾ في سورة [براءة: 78]، وتقدم وجه جعل النجوى مفعولاً ل ﴿ أسروا ﴾ في قوله تعالى ﴿ وأسروا النجوى في ﴾ [سورة طه: 62]، أي جعلوا نجواهم مقصودة بالكتمان وبالغوا في إخفائها لأن شأن التشاور في المهم كتمانه كيلا يطلع عليه المخالف فيفسده.
والاستفهام في قوله ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ إنكاري يقتضي أنهم خاطبوا من قارب أن يصدق بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم أي فكيف تؤمنون بنبوءته وهو أحد منكم.
وكذلك الاستفهام في قوله ﴿ أفتأتون بالسحر ﴾ إنكاري وأراد بالسحر الكلام الذي يتلوه عليكم.
والمعنى: أنه لما كان بشراً مثلكم فما تصديقكم لنُبُوءته إلا من أثر سحرٍ سحَرَكم به فتأتون السحر بتصديقكم بما يَدعوكم إليه.
وأطلق الإتيان على القبول والمتابعة على طريق المجاز أو الاستعارة، لأن الإتيان لشيء يقتضي الرغبة فيه، ويجوز أن يراد بالإتيان هنا حضور النبي صلى الله عليه وسلم لسماع دعوته فجعلوه إتياناً، لأن غالب حضور المجالس أن يكون بإتيان إليها، وجعلوا كلامه سحراً فنَهوا من ناجَوهم عن الاستماع إليه.
وهذا كقوله تعالى: ﴿ وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ﴾ في سورة [فصلت: 26].
وقوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ في موضع الحال، أي تأتون السحر وبصركم سليم، وأرادوا به العلم البديهي، فعبروا عنه بالبصر لأن المبصرات لا يحتاج إدراكها إلى تفكير.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الأنْبِياءِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنّاسِ حِسابُهُمْ ﴾ أيِ اقْتَرَبَ مِنهم، وفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: قَرُبَ وقْتُ عَذابِهِمْ، يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ؛ لِأنَّهُمُ اسْتَبْطَئُوا ما وُعِدُوا بِهِ مِنَ العَذابِ تَكْذِيبًا، فَكانَ قَتْلُهم يَوْمَ بَدْرٍ، قالَهُ الضَّحّاكُ.
الثّانِي: قَرُبَ وقْتُ حِسابِهِمْ وهو قِيامُ السّاعَةِ.
وَفي قُرْبِهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: لا بُدَّ آتٍ، وكُلُّ آتٍ قَرِيبٌ.
الثّانِي: لِأنَّ الزَّمانَ لِكَثْرَةِ ما مَضى وقِلَّةِ ما بَقِيَ قَرِيبٌ.
﴿ وَهم في غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: في غَفْلَةٍ بِالدُّنْيا مُعْرِضُونَ عَنِ الآخِرَةِ.
الثّانِي: في غَفْلَةٍ بِالضَّلالِ، مُعْرِضُونَ عَنِ الهُدى.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِن رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ ﴾ التَّنْزِيلُ مُبْتَدَأُ التِّلاوَةِ لِنُزُولِهِ سُورَةً بَعْدَ سُورَةٍ.
وَآيَةً بَعْدَ آيَةٍ، كَما كانَ يُنَزِّلُهُ اللَّهُ عَلَيْهِ في وقْتٍ بَعْدَ وقْتٍ.
﴿ إلا اسْتَمَعُوهُ ﴾ أيِ اسْتَمَعُوا تَنْزِيلَهُ فَتَرَكُوا قَبُولَهُ.
﴿ وَهم يَلْعَبُونَ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أيْ يَلْهُونَ.
الثّانِي: يَشْتَغِلُونَ.
فَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى اللَّهْوِ احْتَمَلَ ما يَلْهُونَ بِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِلَذّاتِهِمْ.
الثّانِي: بِسَماعِ ما يُتْلى عَلَيْهِمْ.
وَإنْ حُمِلَ تَأْوِيلُهُ عَلى الشُّغُلِ احْتَمَلَ ما يَشْتَغِلُونَ بِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: بِالدُّنْيا؛ لِأنَّها لَعِبٌ كَما قالَ تَعالى: ﴿ إنَّما الحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ ولَهْوٌ ﴾ .
الثّانِي: يَتَشاغَلُونَ بِالقَدْحِ فِيهِ والِاعْتِراضِ عَلَيْهِ.
قالَ الحَسَنُ: كُلَّما جَدَّدَ لَهُمُ الذِّكْرَ اسْتَمَرُّوا عَلى الجَهْلِ.
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي غافِلَةً بِاللَّهْوِ عَنِ الذِّكْرِ، قالَهُ قَتادَةُ.
الثّانِي: مُشْغَلَةً بِالباطِلِ عَنِ الحَقِّ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ: فَمِثْلُكِ حُبْلى قَدْ طَرَقْتُ ومُرْضِعٌ فَألْهَيْتُها عَنْ ذِي تَمائِمِ مِحْوَلِ أيْ شَغَلَتُها عَنْ ولَدِها.
وَلِبَعْضِ أصْحابِ الخَواطِرِ وجْهٌ ثالِثٌ: أنَّها غافِلَةٌ عَمّا يُرادُ بِها ومِنها.
﴿ وَأسَرُّوا النَّجْوى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ذَكَرَهُ ابْنُ كامِلٍ أنَّهم أخْفَوْا كَلامَهُمُ الَّذِي يَتَناجَوْنَ بِهِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.
الثّانِي: يَعْنِي أنَّهم أظْهَرُوهُ وأعْلَنُوهُ، وأسَرُّوا مِنَ الأضْدادِ المُسْتَعْمَلَةِ وإنْ كانَ الأظْهَرُ في حَقِيقَتِها أنْ تُسْتَعْمَلَ في الإخْفاءِ دُونَ الإظْهارِ إلّا بِدَلِيلٍ.
﴿ هَلْ هَذا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ إنْكارًا مِنهم لِتُمَيِّزُهُ عَنْهم بِالنُّبُوَّةِ.
﴿ أفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وأنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ويَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أفَتَقْبَلُونِ السِّحْرَ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّهُ سِحْرٌ.
الثّانِي: أفَتَعْدِلُونَ إلى الباطِلِ وأنْتُمْ تَعْرِفُونَ الحَقَّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَلْ قالُوا أضْغاثُ أحْلامٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أهاوِيلُ أحْلامٍ رَآها في المَنامِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.
الثّانِي: تَخالِيطُ أحْلامٍ رَآها في المَنامِ، قالَهُ قَتادَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: كَضِغْثِ حُلْمٍ غُرَّ مِنهُ حالِمُهْ الثّالِثُ: أنَّهُ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ، قالَهُ اليَزِيدِيُّ.
وَفي الأحْلامِ تَأْوِيلانِ: أحَدُهُما: ما لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْوِيلٌ ولا تَفْسِيرٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.
الثّانِي: إنَّها الرُّؤْيا الكاذِبَةُ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: أحادِيثُ طَسْمٍ أوْ سَرابٌ بِفَدْفَدِ ∗∗∗ تَرَقْرَقَ لِلسّارِي وأضْغاثُ حالِمِ <div class="verse-tafsir"
أخرج ابن مردويه عن أبي هريرة، «عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ﴾ قال: من أمر الدنيا» .
وأخرج ابن أبي شيبة وابن أبي حاتم، عن ابن جريج في قوله: ﴿ اقترب للناس حسابهم ﴾ قال: ما يوعدون.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ ما يأتيهم من ذكر من ربهم ﴾ يقول: ما ينزل عليهم شيء من القرآن.
وفي قوله: ﴿ لاهية قلوبهم ﴾ قال: غافلة.
وفي قوله: ﴿ وأسروا النجوى الذين ظلموا ﴾ يقول: أسروا الذين ظلموا النجوى.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ وأسروا النجوى ﴾ قال: أسروا نجواهم بينهم ﴿ هل هذا إلا بشر مثلكم ﴾ يعنون محمداً صلى الله عليه وسلم ﴿ أفتأتون السحر ﴾ يقولون: إن متابعة محمد صلى الله عليه وسلم متابعة السحر.
وفي قوله: ﴿ قال ربي يعلم القول ﴾ قال: الغيب وفي قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ قال: أباطيل أحلام.
وأخرج ابن منده وأبو نعيم في المعرفة والبيهقي في سننه وابن عدي، عن جندب البجلي أنه قتل ساحراً كان عند الوليد بن عقبة ثم قال: ﴿ أفتأتون السحر وأنتم تبصرون ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام ﴾ أي فعل الأحلام إنما هي رؤيا رآها ﴿ بل افتراه بل هو شاعر ﴾ كل هذا قد كان منه ﴿ فليأتنا بآية كما أرسل الأوّلون ﴾ كما جاء موسى وعيسى بالبينات والرسل ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها ﴾ أي أن الرسل كانوا إذا جاؤوا قومهم بالآيات فلم يؤمنوا لم ينظروا.
وأخرج ابن جرير عن قتادة قال: «قال أهل مكة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن كان ما تقول حقاً ويسرك أن نؤمن، فحوّل لنا الصفا ذهباً.
فأتاه جبريل فقال: إن شئت كان الذي سألك قومك، ولكنه إن كان ثم لم يؤمنوا لم ينظروا؛ وإن شئت استأنيت بقومك.
قال: بل أستأني بقومي» فأنزل الله: ﴿ ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون ﴾ .
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ أفهم يؤمنون ﴾ قال: يصدقون بذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام ﴾ يقول: لم نجعلهم جسداً ليس يأكلون الطعام، إنما جعلناهم جسداً يأكلون الطعام.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ قال: لا بد لهم من الموت أن يموتوا.
وفي قوله: ﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ إلى قوله: ﴿ وأهلكنا المسرفين ﴾ قال: هم المشركون.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس في قوله: ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه شرفكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه حديثكم.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن الحسن في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ قال: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم بكتابكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ كتاباً فيه ذكركم ﴾ يقول: فيه ذكر ما تعنون به وأمر آخرتكم ودنياكم.
وأخرج ابن مردويه من طريق الكلبي، عن ابن عباس قال: بعث الله نبياً من حمير يقال له شعيب، فوثب إليه عبد فضربه بعصا فسار إليهم بختنصر فقاتلهم فقتلهم حتى لم يبق منهم شيء، وفيهم أنزل الله: ﴿ وكم أهلكنا من قرية كانت ظالمة ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر، عن الكلبي ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: هي حصون بني أزد.
وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد في قوله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ قال: أهلكناها.
وفي قوله: ﴿ لا تركضوا ﴾ قال: لا تفروا.
وفي قوله: ﴿ لعلكم تسألون ﴾ قال: تتفهمون.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: كانوا إذا أحسوا بالعذاب وذهبت عنهم الرسل من بعد ما أنذروهم فكذبوهم، فلما فقدوا الرسل وأحسوا بالعذاب أرادوا الرجعة إلى الإيمان وركضوا هاربين من العذاب، فقيل لهم؛ لا تركضوا.
فعرفوا أنه لا محيص لهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿ إذا هم منها يركضون ﴾ قال: يفرون.
وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن قتادة في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ يقول: ارجعوا إلى دنياكم التي أترفتم فيها ﴿ لعلكم تسألون ﴾ من دنياكم شيئاً استهزاء بهم.
وفي قوله: ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: لما رأوا العذاب وعاينوه، لم يكن لهم هجيري إلا قولهم: ﴿ إنا كنا ظالمين ﴾ حتى دمر الله عليهم وأهلكهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ قال: ارجعوا إلى دوركم وأموالكم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فما زالت تلك دعواهم ﴾ قال: هم أهل حصون، كانوا قتلوا نبيهم فأرسل الله عليهم بختنصر فقتلهم.
وفي قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً خامدين ﴾ قال: بالسيف ضربت الملائكة وجوههم حتى رجعوا إلى مساكنهم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن وهب قال: حدثني رجل من المحررين قال: كان باليمن قريتان، يقال لإحداهما حضور، والأخرى فلانة، فبطروا وأترفوا حتى كانوا يغلقون أبوابهم، فلما أترفوا بعث الله إليهم نبياً فدعاهم فقتلوه، فألقى الله في قلب بختنصر أن يغزوهم فجهز إليهم جيشاً فقاتلوهم فهزموا جيشه، ثم رجعوا منهزمين إليه فجهز إليهم جيشاً آخر أكثف من الأول فهزموهم أيضاً، فلما رأى بختنصر ذلك غزاهم هو بنفسه فقاتلوه فهزمهم حتى خرجوا منها يركضون، فسمعوا منادياً يقول: ﴿ لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم ﴾ فرجعوا فسمعوا منادياً يقول: يا لثارات النبي، فقتلوا بالسيف فهي التي قال الله: ﴿ وكم قصمنا من قرية ﴾ إلى قوله: ﴿ خامدين ﴾ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس في قوله: ﴿ حتى جعلناهم حصيداً ﴾ قال: الحصاد ﴿ خامدين ﴾ قال: كخمود النار إذا طفئت.
وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ خامدين ﴾ قال: ميتين.
قال: وهل تعرف العرب ذلك؟
قال: نعم، أما سمعت لبيد بن ربيعة وهو يقول: خلوا ثيابهم على عوراتهم ** فهم بأفنية البيوت خمود <div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ قال ابن عباس: أي عما يراد بهم (١) وقال السدي: عما جاء به محمد - - (٢) وانتصابه على وجهين: أحدهما: إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم، لأن قوله: ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ في موضع الحال (٣) ﴿ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ (٤) (٥) (٦) وقوله تعالى: ﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ تناجوا فيما بينهم يعني المشركين الذين وُصفوا باللهو واللعب.
ثم بين من هم فقال: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا (٧) وفي محل ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ وجوه (٨) ﴿ وَأَسَرُّوا ﴾ فيكون في موضع رفع (٩) قال المبرد: وهذا كقولك في الكلام: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله.
على البدل مما في انطلقوا (١٠) والثاني: أن يكون رفعًا على الذم على معنى: هم الذين ظلموا.
أويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: (أعني) (١١) (١٢) (١٣) ويجوز أن يكون في موضع خفض تبعًا للناس، كأنك قلت (١٤) (١٥) وقد قال قومٌ: ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ في موضع رفع بأسرّوا، واستعمل الفعل مقدما كما يستعمل مؤخرا.
قالوا: وعلامة الجمع ليست بضمير (١٦) (١٧) فجعلوا الألف والواو في التثنية والجمع كهذه التاء التي تقدم لتؤذن بالتأنيث (١٨) قال الأخفش: وهذا على لغة الذين يقولون (١٩) (٢٠) (٢١) وقال المبرد: الذي قالوه يجوز، ولكنه بعيد لا يختار في القرآن [[ذكره عن المبرّد: الطوسيُّ في "التبيان" 7/ 204.
وذكر أبو حيان في "البحر" 6/ 297 أنه قيل: إنها لغة شاذة.
ولم ينص على أحد.
وكذا ذكر السمين في "الدر المصون" 8/ 133 أن بعضهم ضعف هذه اللغة.
ثم قال أبو حيان: وقيل: والصحيح أنها لغة حسنة، وهي من لغة أزد شنوءه، وخرج عليه قوله: "ثم عموا وصموا كثير منهم" [المائدة: 71].]].
قال صاحب النظم (٢٢) (٢٣) (٢٤) ﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ﴾ فعل قد تقدمت الأسماء عليه، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿ اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ، وقد تكرر ذكرهم إلى أن قال (٢٥) ﴿ وَأَسَرُّوا ﴾ فجاء قول ﴿ وَأَسَرُّوا ﴾ معطوفا عليها، وصارت الأسماء مضمرة في هذا الفعل.
هذا كلامه.
وما ذكرنا من الوجوه في إعراب ﴿ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ قول الفراء والزجاج (٢٦) وقوله تعالى: ﴿ هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ ﴾ ترجمة سرهم، أي: تناجوا بهذا القول فيما بينهم يريدون: أن محمدا بشر آدمي مثلكم، لحم ودم، ليس مثل الملائكة.
﴿ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ قال ابن عباس: يريدون أن الذي جاء به محمد - - سحر (٢٧) وقال السدي: يقولون إن متابعة محمد - - متابعة السحر (٢٨) والمعنى: أتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر (٢٩) فأطلع الله نبيه على ما تناجوا به (١) لم أجده.
(٢) لم أجده.
(٣) فيكون قوله "لاهية" حالا بعد حال من فاعل "استمعوه".
وهذا قول الكسائي.
انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 63، "البيان في غريب إعراب القرآن" لأبي البركات ابن الأنباري 2/ 157، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 21/ 130، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 130.
(٤) فيكون منصوبًا على الحال من الضمير في "يلعبون".
انظر ما تقدم من مراجع في الفقرة السابقة.
(٥) "معاني القرآن": 2/ 198.
(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 383.
(٧) مثله في "تنوير المقباس" ص 200.
(٨) في (ع): (وجوه)، وهو خطأ.
(٩) وهذا قول سيبويه كما في "الكتاب" 2/ 41.
وجود هذا القول الزجاج في "معانيه" 3/ 383، وحسنه ابن جزي الكلبي في "التسهيل" 3/ 47، واستظهره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 555.
(١٠) ذكره البغوي 5/ 310، والقرطبي 11/ 269 هذا القول بنصه عن المبرد.
ونسب أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 297 للمبرد القول بأن "الذين" بدل، وذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 132 أن هذا القول معزو للمبرّد.
(١١) أعني: زيادة من "معاني القرآن" للزجاج يتضح بها المعنى.
(١٢) ساقط من (أ)، (ت).
(١٣) من قوله أن يكون رفعا ..
إلى هنا.
هذا نص كلام الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 383 - 384.
وفي رفع "الذين" وجوه أخرى منها.
الأول: أن يكون في موضع رفع بـ"أسرّوا" وسيذكره المصنف.
الثاني: أن يكون "الذين" مبتدأ، و"أسروا" جملة خبرية قدمت على المبتدأ.
وهذا القول حكاه الثعلبي عن الكسائي.
الثالث: أن يكون الذين مرفوعًا بفعل مقدر تقديره: يقول الذين كفروا.
== وحسن هذا الوجه النحاس وقال: فالدليل على صحة هذا الجواب أن بعده: "هل هذا إلا بشر مثلكم" فهذا الذي قالوه.
الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هم الذين ظلموا.
الخامس: أنه مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: الذي يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم.
وفي نصبه وجه آخر سوي ما ذكره الواحدي، وهو نصبه على الذمّ.
انظر: "إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب 2/ 477، "البيان في غريب إعراب القرآن" لأبي البركات الأنباري 2/ 158، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 32 - 133.
(١٤) في (ع): (تقول).
(١٥) فيكون "الذين" في موضع جر نعتا "للناس".
وهذا قول الفراء.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 198، "إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 158.
وقيل: الذين في موضع جر وهو بدل من "الناس".
قال أبو حيان: وهو أبعد الأقوال.
"البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 297.
(١٦) في (أ): (لضمير).
(١٧) قاله أبو عبيدة، والأخفش، وغيرهما.
انظر.
"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 101، 2/ 35، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 475، 632، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 297، "الدر المصون" للسمين 8/ 133.
وذكر الطوسي "التبيان" 7/ 204 هذا القول ونسبه لقوم كما فعل الواحدي.
(١٨) انظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 40.
(١٩) في (ت): (يقولوني)، وهو خطأ.
(٢٠) في (ع): (وضربني)، وهو خطأ.
(٢١) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 475، 632.
(٢٢) تنبيه: ذهب د.
جودة المهدي في كتابه "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 141 إلى أن صاحب النظم الذي ينقل عنه الواحدي هو الحسين بن علي بن نصر بن منصور الطوسي؛ لأن الداودي ذكر له في "طبقات المفسرين" 1/ 141 - 142 كتاب نظم القرآن.
والصواب خلاف ما قال، وأن صاحب النظم هو الحسن بن يحيى الجرجاني، ولو أن د.
المهدي رجع إلى كتاب "تاريخ جرجان" للسهمي لرجح هذا، مع أنه نقل عن ابن قاضي شهبة في كتابه طبقات النحاة قوله -وهو يتناول مصادر تفسير البسيط في ترجمته للواحدي- وكتاب "نظم القرآن" للجرجاني، وليس هو عبد القاهر الجرجاني كما غلط فيه الإمام فخر الدين الرازي إنّما هذا تأليف شخص ذكره حمزة السهمي في "تاريخ جرجان".
ومما يدل على أن مؤلف النظم الذي ينقل عنه الواحدي هو الحسن بن يحيى الجرجاني لا الحسن بن علي الطوسي أن الثعلبي -شيخ الواحدي- ذكر الجرجاني وذكر كتابه "النظم"، فقال في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 8 أ -وهو يذكر مصادره-: كتاب "النظم" == "النظم": قرأ علينا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بلفظه قال: قرأت على أبي النضر محمد بن محمد بن يوسف بـ"طوس" قال: قرأت على أبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني".
وتقدم أن الجرجاني يروي عنه أبو النضر -كما ذكر ذلك السهمي في "تاريخ جرجان".
ويدل على ذلك أيضًا أن ابن الجوزي قال في "زاد المسير" 9/ 165: وقال الحسين -هكذا في المطبوع وهو تصحيف- بن يحيى الجرجاني، ويقال له صاحب النظم.
(٢٣) (لأنه): ساقطة من (ع).
(٢٤) (ويضمنها) مهملة في (ع).
(٢٥) في (أ): (قالوا)، وهو خطأ.
(٢٦) (والزجاج) ساقط من (أ).
(٢٧) روى الطبري (17/ 3) هذا القول عن ابن زيد.
(٢٨) ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 616، وعزاه لابن أبي حاتم في "تفسيره".
(٢٩) ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 203، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 136 أهذا القول ولم ينسباه لأحد.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ ﴾ الواو في ﴿ وَأَسَرُّواْ ﴾ ضمير فاعل، يعود على ما قبله، ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ : بدل الضمير، وقيل: إن الفاعل هو الذين ظلموا، وجاء ذلك على لغة من قال: أكلوني البراغيث، وهي لغة بني الحارث بن كعب، وقال سيبويه: لم تأت هذه اللغة في القرآن ويحتمل أن يكون ﴿ الذين ظَلَمُواْ ﴾ منصوباً بفعل مضمر على الذم أو خبر ابتداء مضمر، والأول أحسن ﴿ هَلْ هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ هذه الكلام في موضع نصب بدل من النجوى، لأن هو الكلام الذي تناجوا به، والبشر المذكور في الآية هو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول ﴾ إخبار بأنه ما تناجوا به على أنهم أسّروه فإن قيل: هلا قال يعلم السر مناسبة لقوله: ﴿ وَأَسَرُّواْ النجوى ﴾ ؟
فالجواب: أن القول يشمل السرّ والجهر فحصل به ذكر السرّ وزيادة.
﴿ بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ ﴾ أي أخلاط منامات، وحكى عنهم هذه الأقوال الكثير، ليظهر اضطراب أمرهم وبطلان أقوالهم ﴿ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون ﴾ أي كما جاء الرسل المتقدمون بالآيات، فليأتنا محمد بآية.
فالتشبيه في الإتيان بالمعجزة ﴿ مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ ﴾ لما قالوا: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ ﴾ أخبرهم الله أن الذين من قبلهم طلبوا الآيات، فلما رأوها ولم يؤمنوا أهلكوا، ثم قال: ﴿ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي أن حالهم في عدم الإيمان وفي الهلاك كحال من قبلهم، ويحتمل أن يكون المعنى: أن كل قرية هلكت لم تؤمن فهؤلاء كذلك، ولا يكون على هذا جواباً لقولهم: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ ﴾ بل يكون إخباراً مستأنفاً على وجه التهديد؛ وأهلكناها في موضع الصفة لقرية، والمراد أهل القرية.
<div class="verse-tafsir"
القراءات ﴿ قال ربي ﴾ بالألف: حمزة وعلي وحفص.
الباقون ﴿ قل ﴾ على الأمر ﴿ نوحي ﴾ بالنون مبنياً للفاعل: حفص غير الخراز.
الباقون: بالياء مجهولاً.
الوقوف: ﴿ معرضون ﴾ ج للآية مع احتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً.
﴿ يلعبون ﴾ لا لأن ﴿ لاهية ﴾ حال أخرى مترادفة أو متداخلة من ضمير ﴿ يلعبون ﴾ وهي لقلوبهم في المعنى.
﴿ قلوبهم ﴾ ط ﴿ مثلكم ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ تبصرون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ز لاتفاق الجملتين مع استغناء الثانية عن الأولى ﴿ العليم ﴾ ه ﴿ شاعر ﴾ ج لاختلاف النظم مع اتحاد المقول ﴿ الأولون ﴾ ه ﴿ أهلكناها ﴾ ج لابتداء الاستفهام مع اتحاد المقول ﴿ يؤمنون ﴾ ه ﴿ لا تعلمون ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ه ﴿ المسرفين ﴾ ه ﴿ ذكركم ﴾ ه ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ آخرين ﴾ ه ﴿ يركضون ﴾ ه ط لتقدير القول ﴿ تسألون ﴾ ه ﴿ ظالمين ﴾ ه ﴿ خامدين ﴾ ه ﴿ لاعبين ﴾ ه ﴿ من لدنا ﴾ ه على جعل "إن" نافية والأصح أنها للشرط ﴿ فاعلين ﴾ ه ﴿ زاهق ﴾ لا ﴿ تصفون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط لأن ما بعده مبتدأ ﴿ يستحسرون ﴾ ه ج لأن ما بعده يصلح حالاً واستئنافاً، ﴿ لا يفترون ﴾ ه.
التفسير: قال جار الله: اللام في قوله ﴿ للناس ﴾ إما صلة لاقترب أو تأكيد لإضافة الحساب إليهم كقولك في أزف رحيل الحي أزف للحي الرحيل، فيه تأكيد إن من جهة تقديم الحي ومن جهة إظهار اللام، ثم تزيد تأكيداً آخر من جهة وضع ضمير الحي مضافاً إليه الرحيل، موضع لام التعريف فيه فتقول: أزف للحي رحيلهم.
والمراد اقترب للناس وقت حسابهم وهو القيامة كقوله ﴿ اقتربت الساعة ﴾ فإذا اقتربت الساعة فقد إقترب ما يكون فيها من الحساب وغيره، كأنه لما هدد في خاتمة السورة المتقدمة بقوله ﴿ فستعلمون ﴾ بين في أول هذه السورة أن وقت ذلك العلم قريب.
فإن قيل: كيف وصف بالاقتراب وقد مضى دون هذا القول أكثر من سبعمائة عام فالجواب أن كل ما هو آتٍ قريب، وإنما البعيد الذي دخل في خبر كان قال القائل: شعر فلا زال ما تهواه أقرب من غد *** ولا زال ما تخشاه أبعد من أمس على أنه لم يمض بعد يوم من ايام الله ﴿ وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾ ومما يدل على أن الباقي من مدة التكليف أقل من الماضي قوله "بعثت أنا والساعة كهاتين" وقد وعد بعث خاتم النبيين في آخر الزمان، وفي ذكر هذا الاقتراب تنبيه للغافلين وزجر للمذنبين.
فالمراد بالناس كل من له مدخل في الحساب وهم جميع المكلفين.
وما روي عن ابن عباس أن المراد بالناس المشركون فمن باب إطلاق اسم الجنس على بعضه بالدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين من الغفلة والإعراض وغيرهما.
والذكر الطائفة النازلة من القرآن، وقرئ ﴿ محدث ﴾ بالرفع صفة على المحل، واحتجت المعتزلة بالآية على أن القرآن محدث، وأجاب الأشاعرة بأنه لا نزاع في حدوث المركب من الأصوات والحروف لأنه متجدد في النزول، وإنما النزاع في الكلام النفسي الذي لا يصح عليه الإتيان والنزول.
وزعم الإمام فخر الدين الرازي أن حاصل قول المعتزلة في هذا المقام يؤل إلى قولنا القرآن ذكر، وبعض الذكر محدث لأن قوله ﴿ من ذكر من ربهم محدث ﴾ لا يدل على حدوث كل ما كان ذكراً بل على أن ذكراً ما محدث، كما أن قول القائل: لا يدخل هذا البلد رجل فاضل إلا يبغضونه، لا يدل على أن كل رجل يجب أن يكون فاضلاً، وإذا كان كذلك فيصير صورة القياس كقولنا "الإنسان حيوان وبعض الحيوان فرس" وإنه لا ينتج شيئاً لأن كلية الكبرى شرط في إنتاج الشكل الأول كما عرف فيعلم الميزان.
قلت: إن المعتزلة لا يحتاجون في إثبات دعواهم إلى تركيب مثل هذا القياس لأن مدعاهم يثبت بتسنيم إحدى مقدمتي القياس الذي ركبه وهي قوله "بعض الذكر محدث" لأنه نقيض ما يدعيه الأشاعرة وهو لا شيء من القرآن بمحدث.
وإذا صدق أحد النقيضين كذب بالضرورة، فظهر أن الإمام غلطهم في هذا القياس الذي ركبه، ثم لقائل أن يقول تتميماً لقول المعتزلة: إذا ثبت أن بعض القرآن محدث لزم أن يكون كله محدثا لأن القائل قائلان: أحدهما ذهب إلى قدم كله، والثاني إلى حدوث كله، ولم يذهب أحد إلى قدم بعضه وحدوث بعضه.
قال أهل البرهان: إنما قال في هذه السورة ﴿ من ربهم محدث ﴾ لموافقة قوله بعد هذا ﴿ قل ربي يعلم ﴾ وقال في الشعراء ﴿ من ذكر من الرحمن محدث ﴾ لكثرة الرحيم فيها.
فكان "الرحمن بالرحيم" أنسب.
قوله ﴿ يلعبون ﴾ اللعب الاشتغال بما لا يعني قوله ﴿ لاهية ﴾ هي من لهى عنه بالكسر إذا ذهل وغفل.
وفيه إن هم كالأنعام بل هم لا يحصلون من الاستماع والتذكير إلا على مثل ما تحصل هي عليه آذانهم تسمع وقلوبهم لا تعي ولا تفقه.
ومعنى ﴿ وأسروا النجوى ﴾ بالغوا في إخفائها وجعلوها بحيث لا يفطن أحد لها ولا يعلم أنهم متناجون وفي "واو" اسروا وجهان: أحدهما أن على لغة من يجوز إلحاق علامة التثنية والجمع بالفعل إذا كان مقدماً على فاعله، وثانيهما وهو الأقوى أن الواو ضمير راجع إلى الناس المقدم ذكرهم و ﴿ الذين ظلموا ﴾ بدل منهم.
أو هو منصوب المحل على الذم، أو هو مبتدأ خبره ﴿ أسروا النجوى ﴾ مقدماً عليه.
وعلى التقادير أراد وأسروا النجوى هؤلاء فوضع المظهر موضع المضمر تسجيلاً على فعلهم بأنه ظلم ثم أبدل من النجوى قوله ﴿ هل هذا إلاّ بشر ﴾ إلى قوله ﴿ وأنتم تبصرون ﴾ أي أتقبلون سحره وتحضرون هناك وأنتم ترون أنه رجل مثلكم، أو تعلمون أنه سحر وأنتم من أهل البصر والعقل؟
وجوز بعضهم أن يكون قوله ﴿ هل هذا ﴾ إلى آخره مفعولاً لقالوا مضمراً، وإنما أسروا نجوى هذا الحديث لأنهم أرادوا شبه التشاور فيما بينهم تحرياً لهدم أمر النبي كما جاء في كلام الحكماء.
ويرفع أيضاً إلى النبي "استعينوا على حوائجكم بالكتمان" ويجوز أن يسروا بذلك ثم يقولوا للرسول والمؤمنين: إن كان ما تدعون حقاً فأخبرونا بما اسررنا.
من قرأ ﴿ قال ربي ﴾ فعلى حكاية الرسول كأنه قال: إنكم وإن أخفيتم قولكم وطعنكم فإن ربي عالم بذلك، وإنه من وراء عقابه يصف نفسه في بعض المواضع بأنه يعلم السر وذلك حين يريد تخصيصه بعلم الغيب، ووصف نفسه ههنا بأنه يعلم القول.
قال جار الله: هذا آكد لأنه عام يشمل السر والجهر، فكان في العلم به العلم بالسر وزيادة، وأقول هذا إذا كان اللام في القول للاستغراق، أما إذا كان للجنس فلا يلزم زيادة العلم إذ لا دلالة للعام على الخاص.
بل نقول: العلم بالسر يستلزم العلم بالجهر بالطريق الأولى فلا مزية لإحدى العبارتين على الأخرى ﴿ وهو السميع العليم ﴾ خصص علمه بالمسموعات أولاً ثم عمم وقال الإمام قدم "السميع" على "العليم" لأنه لا بد من استماع الكلام أولاً ثم من حصول العلم بمعناه.
قلت: هذا قياس للغائب على الحاضر قوله ﴿ بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر ﴾ معنى هذه الإضطرابات مع ملاحظة ما قبلها أنهم أنكروا أولاً كون الرسول من جنس البشر، ثم كأنهم قالوا: سلمنا ذلك ولكن الذي ادعيت أنه معجز ليس بمعجز غايته أنه خارق للعادة، وليس كل ما هو خارق للعادة معجزاً فقد يكون سحراً هذا إذا ساعدنا على أن فصاحة القرآن خارجة عن العادة، لكنا عن تسليم هذه المقدمة بمراحل فإنا ندعي أنه في غاية الركاكة وسوء النظم كأضغاث أحلام وهي الأحلام المختلطة التي لا أصل لها وقد مر في سورة يوسف.
سلمنا ولكنه من جنس كلام الأوساط افتراه من عنده؟
سلمنا أنه كلام فصيح ولكنه لا يتجاوز فصاحة الشعراء، وإذا كان حال هذا المعجز هكذا.
﴿ فليأتنا بآية ﴾ لا يتطرق إليها شيء من هذه الاحتمالات ﴿ كما أرسل الأولون ﴾ اي كما أتى الأولون بالآيات لأن إرسال الرسل متضمن لإتيانهم بالآيات.
ومن تأمل في هذه الأقوال المحكية عن أولئك الكفرة علم أنها كلام مبطل متحير هائم في أودية الضلال وألا يكفي في إعجاز القرآن أنهم عدلوا حين تحدوا به عن المعارضة بالحروف إلى المقارعة بالسيوف.
ثم بين أن الآيات التي يقترحونها لا فائدة لهم فيها لأنهم أعتى من الأمم السالفة وأنهم ما آمنوا عند مجيء الايات المقترحة فأهلكوا لأجل ذلك ﴿ افهم يؤمنون ﴾ مع شدة شكيمتهم فيه معنى الإنكار أي لا يؤمنون ألبتة وحينئذ يجب إهلاكهم، ولكن قد سبق القول من الله أن هذه الأمة أمنوا من عذاب الاستئصال.
ثم أجاب عن شبهتهم الأولى وهي قولهم ﴿ هل هذا إلاّ بشر مثلكم ﴾ بقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك إلا رجالاً ﴾ وقد مر مثله في آخر سورة يوسف وفي النحل.
وإنما جاز الأمر بالرجوع إلى أهل الكتاب وإن كانوا من الكفرة، لأن هذا الخبر قد تواتر عندهم وبلغ حد الضرورة على أن أهل الكتاب كانوا يتابعون المشركين في معادة رسول الله فكان قولهم عندهم حجة.
وقيل: أهل الذكر أهل القرآن.
وضعف بأنهم كانوا طاعنين في القرآن وفي محمد ، فكيف يؤمرون بالرجوع إلى قولهم؟
واستدل كثير من الفقهاء بالآية في أن للعاميّ أن يرجع إلى فتيا العلماء، وللمجتهد أن يأخذ بقول مجتهد آخر وأجيب بأنها خطاب مشافهة وارد في الواقعة المخصوصة، وفي السؤال عن أهل الكتاب فلا يتعدى عن مورد النص وقد مر في آخر سورة يوسف الفرق بين قوله ﴿ وما ارسلنا من قبلك ﴾ وقوله ﴿ وما أرسلنا قبلك ﴾ بغير "من" وليس إلا ههنا وفي أوائل الفرقان ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ﴾ ثم أكد كون الرسل من جنس البشر بقوله ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ الآية كأنهم قالوا: إنه بشر يأكل كما نأكل ويموت كما نموت، فلعلهم اعتقدوا خلود الملائكة لا أقل من العمر الطويل، ولا بد من تقدير مضاف محذوف اي وما جعلنا الأنبياء قبلك ذوي جسد غير طاعمين وإلا قيل: وما جعلنا لهم جسداً.
ووحد الجسد لإرادة الجنس اي ذوي ضرب من الأجساد وأراد كل واحد منهم قوله: ﴿ صدقناهم الوعد ﴾ أصله في الوعد فنصب بنزع الخافض، ثم فسر الوعد بقوله ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ وهم المؤمنون، ثم نبههم على عظيم نعمه عليهم بقوله، ﴿ لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم ﴾ أي شرفكم وصيتكم، أو فيه بيان مكارم الآخلاق التي بها يبقى الذكر الجميل مع الثواب الجزيل، ثم أوعدهم وحذرهم ما جرى على الأمم المكذبة فقال ﴿ وكم قصمنا ﴾ والقصم القطع الكبير وهو الذي يبين تلاؤم الأجزاء، وإذا لم يبين فهو الفصم بالفاء، وذلك أن القاف حرف شديد والفاء رخو لوحظ جانب المعنى في اللفظ ومعنى ﴿ من قرية ﴾ من أهل قرية لقوله ﴿ وأنشأنا بعدها قوماً آخرين ﴾ وللضمائر في قوله ﴿ فلما أحسوا ﴾ إلى آخر القصة.
والمراد بالإحساس الإدراك بحاسة اللمس أو علم لا شك فيه كالمحسوس المشاهد.
والركض ضرب الدابة بالرجل كأنهم ركبوا دوابهم يركضونها هاربين منهزمين من قريتهم حين أدركتهم مقدمة العذاب، قال الجوهري: الركض تحريك الرجل على الدابة استحثاثاً لها ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا، فعلى هذا يجوز أن القوم كانوا يعدون على أرجهلم فقيل لهم لا تركضوا.
والقائل إما من الملائكة أو من المؤمنين أو يجعلون أحقاء بأن يقال لهم ذلك، أو أسمع رب العزة ملائكته هذا القول لينفعهم في دينهم، أو ألهم الله الكفار ذلك فحدثوا به أنفسهم: ﴿ وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ﴾ من العيش الهنيء والإتراف إبطار النعمة ﴿ لعلكم تسألون ﴾ غداً عما جرى عليكم وعلى أموالكم ومساكنكم فتجيبوا السائل عن علم ومشاهدة، أو أجلسوا في مجالسكم حتى يسألكم عبيدكم وحشمكم بما تأمرون وماذا ترسمون فينفذ فيهم أمركم ونهيكم، أو يسألكم الناس مستعينين بتدابيركم بآرائكم، أو يسألكم الوافدون وأرباب الطمع مستمطرين سحاب أكفكم إما لأنهم كانوا أسخياء ولكن سمعة ورياء، إما لأنهم بخلاء وفي كل هذه الوجوه تهكم بهم وتوبيخ لهم ﴿ فما زالت تلك ﴾ الدعوى وهي قولهم ﴿ يا ويلنا ﴾ لأن المولول كأنه يدعو الويل ﴿ دعواهم ﴾ الأول اسم "ما زال" والثاني خبره أو بالعكس.
والدعوى بمعنى الدعوة وقد مر في قوله ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ والحصيد المحصود كقوله ﴿ منها قائم وحصيد ﴾ شبهوا بالزرع المستأصل والنار التي تخمد فتصير رماداً أي جعلناهم مشبهين بالمحصود والخامد، ووحد ﴿ حصيداً ﴾ لأن المراد زرعاً حصيداً، ولأن "فعيلاً" قد يستوي فيه الواحد والجمع، عن ابن عباس أن الآية نزلت في حضور وسحول قريتين باليمن تنسب إليهما الثياب.
وفي الحديث كفن رسول الله في ثوبين سحوليين.
وروى حضوريين بعث الله إليهم نبياً فقتلوه فسلط الله عليهم بختنصر كما سلطه على أهل بيت المقدس فاستأصلهم فكأن القوم حصدوا بالسيف وروي أنه لما أخذتهم السيوف نادى مناد من السماء بالثارات الأنبياء.
قال أهل النظم: لما بين إهلاك كثير من القرى لأجل ظلمهم وتكذيبهم منها اللتان رواهما ابن عباس، أتبعه ما يدل على أنه فعل ذلك عدلاً ومجازاة لا عبثاً ولا مجازفة فقال: ﴿ وما خلقنا السماء والأرض ﴾ الاية أي وما سوينا هذا السقف المرفوع والمهاد الموضوع ﴿ وما بينهما ﴾ من الأركان والمواليد كما تسوّي الجبابرة سقوفهم وفرشهم وسائر زخارفهم للهو أو اللعب، وإنما سويناهما لغايات صحيحة ومنافع للخلق دينية ودنيوية كما مر طرف منها في أول "البقرة" ويمكن أن يقال: المقصود من سياق الآية تقرير نبوة محمد والرد على منكريه لأنه ظهر المعجز عليه، فإن كان صادقاً فهو المطلوب، وإن كان كاذباً كان إظهار المعجز عليه من باب اللعب وهو منفي عنه .
قال القاضي عبد الجبار: فيه دليل على أنه لا يخلق اللعب وكل قبيح وإلا كان لاعباً وعورض بمسألتي العلم والداعي.
ثم بين أن السبب في ترك اتخاذ اللهو واللعب ليس هو العجز والضعف ولكن لأن الحكمة تنافيه، معنى ﴿ من لدنا ﴾ من جهة قدرتنا وقيل: اللهو الولد بلغة اليمن أو المرأة، وقيل: من لدنا اي من الملائكة لا من الإنس رداً على من قال: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.
ويحتمل أن يقال من لدنا أي من عندنا على سبيل الخفية فلا تعرفونه ولا تسمعون اسمه فيكون الرد شاملاً لكل من ادعى الله ولداً ولو من الملائكة.
ثم اضرب عن اتخاذ اللهو واللعب فوصف نفسه بما يضاد فعل العبث قائلاً ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو ﴾ يعني الباطل ﴿ زاهق ﴾ اي ففاجأ الدمغ زهوق الباطل، قال علماء المعاني: هذا من باب استعارة المحسوس للمعقول بجامع عقلي: فأصل استعمال القذف والدمغ في الأجسام لأن القذف الرمي بنحو الحجارة، والدمغ من دمغه إذا شجه حتى بلغت الشجة الدماغ، ثم استعير القذف لإيراد الحق على الباطل، والدمغ لإذهاب الباطل بجامع الزهوق، ثم وبخهم ونعى عليهم بما وصفوه بالولد وغير ذلك مما لا يجوز عليه وينافي وجوب الوجود بما وصفوا رسوله به من السحر والشعر وغير ذلك من الأوصاف المضادة للرسالة فقال ﴿ ولكم الويل مما تصفون ﴾ اي تصفونه به.
ثم بين كمال قدرته ونهاية حلمه وحكمته فقال ﴿ وله من في السموات والأرض ﴾ والمراد بمن عنده الملائكة المقربون والمقصود عندية الشرف والرتبة.
فأما عندية المكان ففيها بحث طويل.
قال الزجاج: ﴿ لا يستحسرون ﴾ أي لا يتعبون ولا يمسهم الإعياء.
قال جار الله: كان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور ولكنه ذكر بلفظ المبالغة وهو "استفعل" لبيان أن ما هم فيه يوجب غاية الحسور، وأنهم أحقاء بتلك العبادات الشاقة بأن يستحسروا ومع ذلك لا يعدُّونها تعباً عليهم.
ثم أكد ذلك بقوله ﴿ يسبحون الليل والنهار ﴾ منصوبان على الظرفية ﴿ لا يفترون ﴾ لا يلحقهم الفتور والكلال.
وحاصل الآية أؤن الملائكة مع غاية شرفهم ونهاية قربهم لا يستنكفون عن طاعة الله، فكيف يليق بالبشر مع ضعفهم ونقصهم أن يتمردوا عن طاعته؟
وقد مر في أول سورة البقرة استدلال مفضلي الملائكة على الأنبياء بهذه الآية وبغيرها فلا حاجة إلى إعادته عن عبد الله بن الحرث بن نوفل قال: قلت لكعب الأحبار: أرأيت قول الله عز وجل ﴿ يسبحون الليل والنهار لا يفترون ﴾ ثم قال: { ﴿ جاعل الملائكة رسلاً ﴾ ﴿ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ﴾ أليس الرسالة واللعن ما نعين لهم عن التسبيح؟
أجاب كعب بأن التسبيح لهم كالنفس لنا لا يمنعهم عن الاشتغال بشيء آخر.
واعترض بأن آلة التنفس فينا مغايرة للسان فلهذا صح اجتماع التنفس والتكلم.
وأجيب بأنه لا استبعاد في أن يكون لهم ألسن كثيرة، أو يكون المراد بعدم الفتور أنهم لا يتركون التسبيح في أوقاته اللائقة به.
التأويل: اقترب لأهل النسيان أن يحاسبوا أنفسهم كقوله ﴿ ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ﴾ ﴿ وما يأتيهم من ذكر ﴾ وعظ وتذكير من عالم رباني ﴿ محدث ﴾ إلهامه إلا أنكروه عليه ونسبوه إلى التخليط ونحوه ﴿ وما جعلناهم جسداً ﴾ فيه أن الله قادر على أن لا يجعل النبي الولي ذا جسد ولكن اقتضت حكمته كونهم ذوي أجساد آكلين للطعام فإن الطعام للروح الحيواني الذي هو مركب الروح الإنساني كالدهن للسراج، وبالقوى الحيوانية تتم الكمالات النفسانية وتدرك المحسوسات وتستفاد العلوم المستندة إلى الإحساس والتجربة وتفصيله أكثر من أن يحصى.
قال بعض المشايخ، لولا الهوى ما سلك أحد طريقاً إلى الله ﴿ وما كانوا خالدين ﴾ والسر فيه أن يعلموا من الموت حقيقة اسم المميت كما علموا من الحياة حقيقة اسم المحيي.
﴿ ثم صدقناهم الوعد ﴾ الذي وعدناهم حين أهبطوا إلى الأرض ﴿ فأنجيناهم ومن نشاء ﴾ من متابعيهم من هاوية الهوان وعالم الطبيعة ﴿ وأهلكناهم المسرفين ﴾ الذين اسرفوا على أنفسهم بالكون إلى أسفل سافلين الطبائع.
﴿ وكم قصمنا من ﴾ أهل ﴿ قرية ﴾ قالت ﴿ فلما أحسوا بأسنا ﴾ وهي شدة قطع التعلق عن الكونين فإن الفطام عن المألوف شديد ﴿ لا تركضوا ﴾ منا بل ففروا إلينا ﴿ وارجعوا ﴾ إلى التنعمات الروحاينة ﴿ ومساكنكم ﴾ الصلية ﴿ لعلكم تسألون ﴾ عزة وكرامة ﴿ وما خلقنا ﴾ سموات الأرواح وأرض الأجساد، وما بينهما من النفوس والقلوب والأسرار من غير غاية، وإنما خلقناها لتكون لطفنا وقهرنا ﴿ بل نقذف بالحق على الباطل ﴾ للحق ثلاث مراتب: مرتبة أفعال الحق ومرتبة صفات الحق ومرتبة ذات الحق، ففي كل مرتبة يتجلى الحق فيها للعبد، ارهق باطل تلك المرتبة عن العبد حتى إذا تجلى له بأفعاله ذهب عنه باطل الأفعال، وإذا تجلى له بصفاته ذهب باطل صفاته، وإذا تجلى له بذاته في ذاته فيقول: أنا الحق وسبحاني والويل لمن لم يذهب باطله بإحدى هذه المراتب فيبقى متصفاً بالوجود المجازي.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ .
قال الحسن: أي: محاسبتهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ .
ظاهر هذا أنه نزل في المشركين؛ لأنها نزلت بمكة وكان أكثر أهلها أهل شرك، لكن لأهل الإسلام في ذلك حظ وشرك فيما وصفهم بالغفلة عن ذلك والإعراض عنه، وأهل الإسلام قد يغفلون عن الحساب إلا أن غفلة الكفرة غفلة تكذيب وإعراضهم إعراض تكذيب بالحساب والآيات التي أنزلها عليهم، وغفلة أهل الإسلام ليست كذا، قد آمنوا بالحساب وصدقوا بآياته وعرفوها، لكنهم غفلوا عن الحساب؛ لشهوات مكنت فيهم وغلبت شهواتهم وأغفلتهم عنه، فمن هذه الجهة [كانوا] كأولئك، فأما من جهة الإيمان به والتصديق بالآيات فليسوا كأولئك.
ثم وصف الحساب والساعة بالقرب والدنو والإتيان؛ كقوله: ﴿ ٱقْتَرَبَتِ ٱلسَّاعَةُ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ ، و ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ وأمثاله: هي قريبة كالماهية عند الله؛ لأن الله عرف جملة الأوقات فهي في جملة ما عرف قريبة كالماهية، وأما الخلق فإنهم قد استبعدوها؛ لأنهم إنما يقدرون ذلك بآجالهم وأعمارهم وما جاوز أعمارهم، فهو عندهم بعيد ليس بقريب، وهذا إِنما يكون بعد ذهاب أعمارهم.
وقال قتادة: ذكر أنه لما نزلت هذه الآية ﴿ ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ﴾ ، و ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾ قال ناس من أهل الضلال: يزعم هذا الرجل أن الساعة قد اقتربت فتناهوا قليلا، ثم عادوا إلى أعمالهم، وكذلك قالوا في قوله: ﴿ أَتَىٰ أَمْرُ ٱللَّهِ ﴾ تناهوا عنها، ثم لما تأخر ذلك عنهم عادوا إلى ما كانوا من قبل؛ هذا لأنهم فهموا من قرب الساعة وإتيان أمره وقتاً يقرب ومدة تدنو، فلما مضى ذلك وقع عندهم أن الخبر كذب فكذبوه؛ لأنهم إنما قدروه بآجالهم وما عرفوا هم من القرب والدنو.
وقوله: ﴿ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ ﴾ ما ذكرنا من غفلة تكذيب وإعراض، تكذيب بعد ما عرفوا أنها آيات، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ ﴾ .
قوله: ﴿ مِّن ذِكْرٍ ﴾ ما يذكرهم ما يأتون وما يتقون.
أو ما يذكر ما أوعدوا وخوفوا.
أو ﴿ مِّن ذِكْرٍ ﴾ يذكرهم ما لهم وما عليهم.
وقوله: ﴿ مُّحْدَثٍ ﴾ قال بعضهم: محدث: محكم أحكمه من أن يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأحكمه لما أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله.
وقال بعضهم: محدث؛ لأن الله أنزل هذا القرآن بالتفاريق وأحدث إنزاله في كل وقت على قدر الحاجة، فعلى ما نزل بالتفاريق أحدثوا هم - أعني الكفرة - تكذيبه ورده على ما ذكر، فزادهم رجساً إلى رجسهم ونحوه، فهو محدث من الوجوه التي ذكرنا؛ لأن كل موصوف بالإتيان فهو محدث.
وقوله - عز وجل -: ﴿ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ .
دل قوله: ﴿ إِلاَّ ٱسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ ﴾ أن استماعهم إياه استماع استهزاء به.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ هذا الذي أسروا فيما بينهم ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ ﴾ ، هذا كان نجواهم.
وقوله: ﴿ لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ ﴾ ، قيل: غافلة قلوبهم عن الذكر، ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ الذي أسروه هو ما ذكرنا قولهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ السحر.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وأسروا النجوى الذين كفروا منهم)، وقال الكسائي: وفي بعض الحروف: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ، قال: وفي حرفنا: ﴿ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ﴾ .
ثم أخبر - عز وجل - عنهم خبراً مستأنفاً فقال: ﴿ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ ؛ كقول الله : ﴿ ثُمَّ عَمُواْ وَصَمُّواْ ﴾ ثم قال: ﴿ كَثِيرٌ مِّنْهُمْ ﴾ ، وهذا على كلامين، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ .
يشبه أن يكون قوله: ﴿ يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ ﴾ القول الذي أسروا فيما بينهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ ، وأمثال ما قالوا فيه ونسبوه إليه، أي: قل لهم: ربي يعلم ذلك القول منكم في السماء والأرض لينتهوا عن ذلك؛ لأن من يعلم في الشاهد أن أحداً يطلع على جميع ما يختاره من القول والفعل، ترك ذلك وامتنع عن التفوه به والإقدام على ما يختاره.
أو أن يكون قال ذلك على الابتداء والاستئناف أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء ﴿ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ ﴾ : السميع لقولهم، العليم بأفعالهم.
ثم أخبر عن سفههم وقلة نظرهم في قولهم وكلامهم وحفظهم عن التناقض فقال: ﴿ بَلْ قَالُوۤاْ أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ ٱفْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ ﴾ فيما نسبوه إلى الشعر والسحر والافتراء وأنه أضغاث أحلام تناقض في قولهم؛ لأن السحر هو غير الافتراء، والسحر غير أضغاث الأحلام، كل حرف من هذه الحروف التي نسبوه إليها يناقض الآخر ويبطله؛ فدل أنهم إنما قالوا ذلك ونسبوه إلى ما نسبوا متعنتين مكابرين لا عن معرفة وعلم قالوا ذلك؛ إذ تناقض قولهم وكلامهم؛ إذ السحر لا يدوم ولا يبقى في وقت آخر، فإذا عرفوا وعلموا أنه دام وبقي إلى آخر الدهر، وكذلك ما قالوا من أضغاث أحلام والافتراء، أعني: ما أتى رسول الله به، وبعد فإنه لو كان ما أتاهم به سحرا كان ذلك آية وعلامة على صدقه ونبوته؛ لأن السحر لا يعرفه أحد إلا بالتعليم، فإذا رأوه نشأ بين أظهرهم ولم يكن في قومه ساحر حتى يتعلم منه، ولا اختلف إلى أحد من السحرة يتعلم منهم السحر، ثم أتى به - لكان ذلك يدل على أنه إنما عرف ذلك بالله ، فكيف وقد أتاهم بالحجج المنيرة الواضحة والآيات المعجزة الخارجة عن وسع البشر وطوقهم؟
لكنهم كابروا وعاندوا في ردها وتكذيبها، والله الموفق.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ ٱلأَوَّلُونَ ﴾ .
قد علموا علم حقيقة أنه قد أتاهم بآيات وحجج ما لو تأملوا فيها ولم يكابروا، لدلهم على صدقه ورسالته، وقد عرفوا أنه صادق، لكنهم سألوا في قلوبهم: ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ ﴾ الآية التي تنزل عند المكابرة والعناد، وهي الآية التي نزلت في الأمم الخالية عند مكابرتهم الآيات والحجج، وهو إهلاكهم واستئصالهم؛ إذ من سنته وحكمه في الأولين الإهلاك والاستئصال عند مكبارتهم الآيات والحجج، وسنته وحكمه في هذه الآية ختم النبوة بهم وإبقاء شريعة محمد - صلوات الله عليه - إلى الساعة، وسنته في الأمم الماضية نسخ شرائعهم واستبدال أحكامهم، فإذا كان ما ذكرنا جعل وقت إهلاكهم الساعة، وهو ما قال: ﴿ بَلِ ٱلسَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ...
﴾ الآية [القمر: 46].
وقوله - عز وجل -: ﴿ مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ ﴾ .
أي: ما آمنت قبلهم من قرية سألوا الآية سؤال مكابرة وعناد.
وقوله - عز وجل -: ﴿ أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .
أي: لا يؤمن هؤلاء وإن أتاهم بآية فإنهم لا يؤمنون، كما لم يؤمن من أولئك المتقدمون؛ لأنهم يسألون سؤال عناد ومكابرة لا سؤال استرشاد واستهداء.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ .
كأن هذا خرج جواباً لقولهم: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ...
﴾ كذا، وجواب قولهم: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وجواب قولهم: ﴿ لَوْلاۤ أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ ، فقال: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً ﴾ ، أي: بشراً، ﴿ نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ إلى عامة الخلق، أي: الرسالة في الأمم الذين من قبله إلى عامة الخلق كانت في البشر لم تكن في الملائكة، وإلا كانت الرسالة إلى الخواص في الملائكة وهم الرسل، فعلى ذلك لا تجعل الرسالة في هذه الأمة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن تجعل في البشر على ما جعلت في الأمم الأولى في البشر.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، أي: جعلها في الذكور منهم لم يجعلها في النساء والإناث؛ لما لم يستكملن شرائط الرسالة والنبوة، فكأن الأول في بيان الجنس، أي: لم يجعل الرسالة إلى عامة الخلق في الملائكة، ولكن جعلها في البشر، والثاني في بيان استكمال شرائط الرسالة واستحقاقها.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: (وما أرسلنا قبله إلا رجالا نوحي إليهم)، فعلى حرفهما كأنه خاطب به أولئك الكفرة، أي: ما أرسلنا قبل محمد إلا رجالا نوحي إليهم، وفي القراءة الظاهرة المشهورة يكون الخطاب لرسول الله، أي: قل لهم: إنه ما أرسل الله من قبلك إلا رجالا يوحي إليهم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ فَاسْئَلُوۤاْ أَهْلَ ٱلذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ .
قال بعضهم: إنما خاطب به مشركي العرب وأمرهم أن يسألوا أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالرسل المتقدمة؛ ليخبروكم: أنه لم تجعل الرسالة فيهم إلى عامة الخلق إلا في البشر، وقال بعضهم: إنما خاطب من كفر من أهل الكتاب - من لا يعرف الكتاب وغيره - بمحمد أن اسألوا أهل الذكر، أي: من آمن منهم؛ ليخبروكم أن محمدا رسول الله إليكم إن كنتم لا تعلمون أنتم أنه رسول الله، [فهذا التأويل في محمد] خاصة والتأويل الأول في جميع الرسل.
وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ ﴾ .
قال بعضهم: ما جعلنا أجساداً لا أرواح فيها لا يأكلون ولا يشربون، ولكن جعلناهم أجسادا فيها أرواح يأكلون ويشربون ويمشون في الأسواق.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ﴾ من نحو الملائكة والجن، ولكن جعلناهم بشراً.
وحاصله: أنهم كانوا يطعنون الرسل بأشياء، مرة قالوا: ﴿ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً ﴾ ، وقالوا: ﴿ هَلْ هَـٰذَآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ ونحوه، كانوا لا يرون الرسالة في البشر، ولا يرون الرسول يكون من نوع المبعوث إليه، فألزمهم أن الرسل الذين كانوا من قبل الذين صدقهم آباؤهم وآمنوا بهم كانوا من البشر بقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِيۤ إِلَيْهِمْ ﴾ ، ومرة طعنوا الرسل أنهم يأكلون الطعام ويشربون وينكحون ويمشون في الأسواق كغيرهم من الناس؛ كقوله: ﴿ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي ٱلأَسْوَاقِ ﴾ ونحوه، فألزمهم - عز وجل - وأخبرهم أن الرسل الذين كانوا من قبل كانوا يأكلون ويشربون ويقضون حوائجهم؛ حيث قال: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ في الدنيا، وما قال في آية أخرى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً ﴾ ؛ فعلى ذلك الرسول المبعوث إليكم هو كسائر الرسل الذين كانوا من قبل، هو ممن يأكل ويشرب وينكح وهو رسول، وأنه بشر كسائر الرسل، وهو رسول الله؛ على هذا يخرج تأويل الآية.
وهذه الآية ترد على الباطنية قولهم ومذهبهم؛ لأنهم يقولون: إن الرسالة لا تكون في الجوهر الكثيف الجسداني الذي يأكل ويشرب ويفنى ويبيد، إنما تكون في الجوهر البسيط الذي لا يأكل ولا يشرب ولا يبيد ولا يفنى، فأخبر - عز وجل - أنه لم يجعلهم جسداً لا يأكلون الطعام ولا يبيدون، بل جعلهم أجساداً يأكلون ويموتون بقوله: ﴿ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَمَا كَانُواْ خَالِدِينَ ﴾ .
وقوله - عز وجل -: ﴿ ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ ٱلْوَعْدَ ﴾ .
أخبر أنه وعد الرسل وعداً، لكنه لم يبين ما كان ذلك الوعد الذي وعد رسله؟
لكن في آخره بيان أن الوعد الذي وعدهم كان وعد إهلاك وتعذيب؛ لأنه قال: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ ﴾ ، دل قوله: ﴿ فَأَنجَيْنَاهُمْ وَمَن نَّشَآءُ وَأَهْلَكْنَا ٱلْمُسْرفِينَ ﴾ : أن الوعد كان وعد إهلاك، فنقول: كان وعد - عز وجل - الرسل الذين من قبل إهلاك من كذبهم، فكان كما وعدوا، وإن تأخر ذلك الموعود عن وقت الوعد؛ فعلى ذلك ما وعدكم محمد من العذاب فإنه نازل بكم وإن تأخر نزوله، والله أعلم.
وقوله - عز وجل -: ﴿ لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ .
يحتمل قوله: ﴿ ذِكْرُكُمْ ﴾ ما يذكركم ما تأتون وتتقون، أو يذكركم ما لكم وما عليكم.
وقال بعضهم: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ ، أي: شرفكم ونبلكم لو اتبعتم.
وقال الحسن في قوله: ﴿ فِيهِ ذِكْرُكُمْ ﴾ أي: فيه دينكم الذي أمسك عليكم به.
وقال غيره: فيه شرفكم ونبلكم لو اتبعتموه؛ كقوله: ﴿ وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ ﴾ ، أي: شرف لك.
<div class="verse-tafsir"
استمعوه وقلوبهم كافلة عنه، وأخفى الظالمون بالكفرِ الحديثَ الذي يتناجون به قائلين: هل هذا الذي يدعي أنه رسول الله بشر مثلكم، لا ميزة له عنكم؟!
وما جاء به سحر، أفتتبعونه وأنتم تدركون أنه بشر مثلكم، وأن ما جاء به سحر؟!
<div class="verse-tafsir" id="91.Zo8rZ"