الآية ٢٥ من سورة الحج

الإسلام > القرآن > سور > سورة 22 الحج > الآية ٢٥ من سورة الحج

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِى جَعَلْنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَـٰكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ۚ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍۭ بِظُلْمٍۢ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍۢ ٢٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 192 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٢٥ من سورة الحج: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٢٥ من سورة الحج عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

يقول تعالى منكرا على الكفار في صدهم المؤمنين عن إتيان المسجد الحرام ، وقضاء مناسكهم فيه ، ودعواهم أنهم أولياؤه : ( وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون ) [ الأنفال : 34 ] .

وفي هذه الآية دليل [ على ] أنها مدنية ، كما قال في سورة " البقرة " : ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله ) [ البقرة : 217 ] ، وقال : هاهنا : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ) أي : ومن صفتهم مع كفرهم أنهم يصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ، أي : ويصدون عن المسجد الحرام من أراده من المؤمنين الذين هم أحق الناس به في نفس الأمر ، وهذا التركيب في هذه الآية كقوله تعالى : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب ) [ الرعد : 28 ] أي : ومن صفتهم أنهم تطمئن قلوبهم بذكر الله .

وقوله : ( الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ) [ أي : يمنعون الناس عن الوصول إلى المسجد الحرام ، وقد جعله الله شرعا سواء ، لا فرق فيه بين المقيم فيه والنائي عنه البعيد الدار منه ، ( سواء العاكف فيه والباد ) ] ومن ذلك استواء الناس في رباع مكة وسكناها ، كما قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( سواء العاكف فيه والباد ) قال : ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام .

وقال مجاهد [ في قوله ] : ( سواء العاكف فيه والباد ) : أهل مكة وغيرهم فيه سواء في المنازل .

وكذا قال أبو صالح ، وعبد الرحمن بن سابط ، وعبد الرحمن بن زيد [ بن أسلم ] .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : سواء فيه أهله وغير أهله .

وهذه المسألة اختلف فيها الشافعي وإسحاق ابن راهويه بمسجد الخيف ، وأحمد بن حنبل حاضر أيضا ، فذهب الشافعي ، رحمه الله إلى أن رباع مكة تملك وتورث وتؤجر ، واحتج بحديث الزهري ، عن علي بن الحسين ، عن عمرو بن عثمان ، عن أسامة بن زيد قال : قلت : يا رسول الله ، أتنزل غدا في دارك بمكة؟

فقال : " وهل ترك لنا عقيل من رباع " .

ثم قال : " لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر " .

وهذا الحديث مخرج في الصحيحين [ وبما ثبت أن عمر بن الخطاب اشترى من صفوان بن أمية دارا بمكة ، فجعلها سجنا بأربعة آلاف درهم .

وبه قال طاوس ، وعمرو بن دينار .

وذهب إسحاق ابن راهويه إلى أنها تورث ولا تؤجر .

وهو مذهب طائفة من السلف ، ونص عليه مجاهد وعطاء ، واحتج إسحاق ابن راهويه بما رواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عيسى بن يونس ، عن عمر بن سعيد بن أبي حسين ، عن عثمان بن أبي سليمان ، عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر ، وما تدعى رباع مكة إلا ] السوائب ، من احتاج سكن ، ومن استغنى أسكن وقال عبد الرزاق عن ابن مجاهد ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو أنه قال : لا يحل بيع دور مكة ولا كراؤها .

وقال أيضا عن ابن جريج : كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم ، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهى أن تبوب دور مكة; لأن ينزل الحاج في عرصاتها ، فكان أول من بوب داره سهيل بن عمرو ، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك ، فقال : أنظرني يا أمير المؤمنين ، إني كنت امرأ تاجرا ، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري قال : فذلك إذا .

وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن منصور ، عن مجاهد; أن عمر بن الخطاب قال : يا أهل مكة ، لا تتخذوا لدوركم أبوابا لينزل البادي حيث يشاء .

قال : وأخبرنا معمر ، عمن سمع عطاء يقول [ في قوله ] : ( سواء العاكف فيه والباد ) ، قال : ينزلون حيث شاءوا .

وروى الدارقطني من حديث ابن أبي نجيح ، عن عبد الله بن عمرو موقوفا من أكل كراء بيوت مكة أكل نارا .

" وتوسط الإمام أحمد [ فيما نقله صالح ابنه ] فقال : تملك وتورث ولا تؤجر ، جمعا بين الأدلة ، والله أعلم .

وقوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) قال بعض المفسرين من أهل العربية : الباء هاهنا زائدة ، كقوله : ( تنبت بالدهن ) [ المؤمنون : 20 ] أي : تنبت الدهن ، وكذا قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد ) تقديره إلحادا ، وكما قال الأعشى : ضمنت برزق عيالنا أرماحنا بين المراجل ، والصريح الأجرد وقال الآخر : بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهان والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى " يهم " ، ولهذا عداه بالباء ، فقال : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) أي : يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار .

وقوله : ( بظلم ) أي : عامدا قاصدا أنه ظلم ليس بمتأول ، كما قال ابن جريج ، عن ابن عباس : هو [ التعمد ] .

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( بظلم ) بشرك .

وقال مجاهد : أن يعبد فيه غير الله .

وكذا قال قتادة ، وغير واحد .

وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( بظلم ) هو أن تستحل من الحرم ما حرم الله عليك من لسان أو قتل ، فتظلم من لا يظلمك ، وتقتل من لا يقتلك ، فإذا فعل ذلك فقد وجب [ له ] العذاب الأليم .

وقال مجاهد : ( بظلم ) : يعمل فيه عملا سيئا .

وهذا من خصوصية الحرم أنه يعاقب البادي فيه الشر ، إذا كان عازما عليه ، وإن لم يوقعه ، كما قال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا شعبة ، عن السدي : أنه سمع مرة يحدث عن عبد الله - يعني ابن مسعود - في قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) قال : لو أن رجلا أراد فيه بإلحاد بظلم ، وهو بعدن أبين ، أذاقه الله من العذاب الأليم .

قال شعبة : هو رفعه لنا ، وأنا لا أرفعه لكم .

قال يزيد : هو قد رفعه ، ورواه أحمد ، عن يزيد بن هارون ، به .

[ قلت : هذا الإسناد ] صحيح على شرط البخاري ، ووقفه أشبه من رفعه; ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود .

وكذلك رواه أسباط ، وسفيان الثوري ، عن السدي ، عن مرة ، عن ابن مسعود موقوفا ، والله أعلم .

وقال الثوري ، عن السدي ، عن مرة ، عن عبد الله قال : ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه ، ولو أن رجلا بعدن أبين هم أن يقتل رجلا بهذا البيت ، لأذاقه الله من العذاب الأليم .

وكذا قال الضحاك بن مزاحم .

وقال سفيان [ الثوري ] ، عن منصور ، عن مجاهد " إلحاد فيه " ، لا والله ، وبلى والله .

وروي عن مجاهد ، عن عبد الله بن عمرو ، مثله .

وقال سعيد بن جبير : شتم الخادم ظلم فما فوقه .

وقال سفيان الثوري ، عن عبد الله بن عطاء ، عن ميمون بن مهران ، عن ابن عباس في قوله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) قال : تجارة الأمير فيه .

وعن ابن عمر : بيع الطعام [ بمكة ] إلحاد .

وقال حبيب بن أبي ثابت : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) قال : المحتكر بمكة .

وكذا قال غير واحد .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري ، أنبأنا أبو عاصم ، عن جعفر بن يحيى ، عن عمه عمارة بن ثوبان ، حدثني موسى بن باذان ، عن يعلى بن أمية; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " احتكار الطعام بمكة إلحاد " .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، حدثني سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس في قول الله : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) قال : نزلت في عبد الله بن أنيس ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين ، أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار ، فافتخروا في الأنساب ، فغضب عبد الله بن أنيس ، فقتل الأنصاري ، ثم ارتد عن الإسلام ، وهرب إلى مكة ، فنزلت فيه : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) يعني : من لجأ إلى الحرم بإلحاد يعني بميل عن الإسلام .

وهذه الآثار ، وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد ، ولكن هو أعم من ذلك ، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها ، ولهذا لما هم أصحاب الفيل على تخريب البيت أرسل الله عليهم طيرا أبابيل ( ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول ) [ الفيل : 4 ، 5 ] ، أي : دمرهم وجعلهم عبرة ونكالا لكل من أراده بسوء; ولذلك ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يغزو هذا البيت جيش ، حتى إذا كانوا ببيداء من الأرض خسف بأولهم وآخرهم " الحديث .

وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن كناسة ، حدثنا إسحاق بن سعيد ، عن أبيه قال : أتى عبد الله بن عمر عبد الله بن الزبير ، فقال : يا ابن الزبير ، إياك والإلحاد في حرم الله ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنه سيلحد فيه رجل من قريش ، لو توزن ذنوبه بذنوب الثقلين لرجحت " ، فانظر لا تكن هو .

وقال أيضا [ في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص ] : حدثنا هاشم ، حدثنا إسحاق بن سعيد ، حدثنا سعيد بن عمرو قال : أتى عبد الله بن عمرو ابن الزبير ، وهو جالس في الحجر فقال : يا بن الزبير ، إياك والإلحاد في الحرم ، فإني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " يحلها ويحل به رجل من قريش ، ولو وزنت ذنوبه بذنوب الثقلين لوزنتها " .

قال : فانظر لا تكن هو .

ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب من هذين الوجهين .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: إن الذين جحدوا توحيد الله، وكذّبوا رسله وأنكروا ما جاءهم به من عند ربهم ( وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) يقول: ويمنعون الناس عن دين الله أن يدخلوا فيه، وعن المسجد الحرام الذي جعله الله للناس الذين آمنوا به كافة لم يخصص منها بعضا دون بعض;( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) يقول: معتدل في الواجب عليه من تعظيم حرمة المسجد الحرام، وقضاء نسكه به، والنـزول فيه حيث شاء العاكف فيه، وهو المقيم به; والباد: وهو المنتاب إليه من غيره.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معناه: سواء العاكف فيه وهو المقيم فيه؛ والباد، في أنه ليس أحدهما بأحقّ بالمنـزل فيه من الآخر.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عمرو، عن يزيد بن أبي زياد، عن ابن سابط، قال: كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنـزله منهم، وكان الرجل إذا وجد سعة نـزل.

ففشا فيهم السرق، وكل إنسان يسرق من ناحيته، فاصطنع رجل بابا، فأرسل إليه عمر: أتخذت بابا من حجاج بيت الله؟

فقال: لا إنما جعلته ليحرز متاعهم، وهو قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) قال: الباد فيه كالمقيم، ليس أحد أحقّ بمنـزله من أحد إلا أن يكون أحد سبق إلى منـزل.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، قال: قلت لسعيد بن جُبير: أعتكف بمكة، قال: أنت عاكف.

وقرأ: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) .

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام عن عنبسة، عمن ذكره، عن أبي صالح: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) العاكف: أهله، والباد: المنتاب في المنـزل سواء.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) يقول: ينـزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) قال: العاكف فيه: المقيم بمكة؛ والباد: الذي يأتيه هم فيه سواء في البيوت.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قَتادة: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) سواء فيه أهله وغير أهله.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، مثله.

حدثنا ابن حميد، قال ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) قال: أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء.

وقال آخرون في ذلك نحو الذي قلنا فيه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ) قال: الساكن، ( والباد ) الجانب سواء حقّ الله عليهما فيه.

* حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ) قال: الساكن ( والباد) الجانب.

قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو تميلة، عن أبي حمزة، عن جابر، عن مجاهد وعطاء: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ) قالا من أهله، ( والباد ) الذي يأتونه من غير أهله هما في حرمته سواء.

وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في ذلك، لأن الله تعالى ذكره، ذكر في أول الآية صدّ من كفر به من أراد من المؤمنين قضاء نسكه في الحرم عن المسجد الحرام، فقال: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ثم ذكر جلّ ثناؤه صفة المسجد الحرام، فقال: ( الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ) فأخبر جلّ ثناؤه أنه جعله للناس كلهم، فالكافرون به يمنعون من أراده من المؤمنين به عنه، ثم قال: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ) فكان معلوما أن خبره عن استواء العاكف فيه والباد، إنما هو في المعنى الذي ابتدأ الله الخبر عن الكفار أنهم صدّوا عنه المؤمنين به، وذلك لا شك طوافهم وقضاء مناسكهم به والمقام، لا الخبر عن ملكهم إياه وغير ملكهم.

وقيل: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ) فعطف بيصدون وهو مستقبل على كفروا، وهو ماض، لأن الصدّ بمعنى الصفة لهم والدوام.

وإذا كان ذلك معنى الكلام، لم يكن إلا بلفظ الاسم أو الاستقبال، ولا يكون بلفظ الماضي.

وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الكلام: إن الذين كفروا من صفتهم الصدّ عن سبيل الله، وذلك نظير قول الله: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ .

وأما قوله: ( سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ) فإن قرّاء الأمصار على رفع " سواءٌ " بالعاكف، والعاكف به، وإعمال جعلناه في الهاء المتصلة به، واللام التي في قوله للناس، ثم استأنف الكلام بسواء، وكذلك تفعل العرب بسواء إذا جاءت بعد حرف قد تمّ الكلام به، فتقول: مررت برجل سواء عنده الخير والشر، وقد يجوز في ذلك الخفض، وإنما يختار الرفع في ذلك لأن سواء في مذهب واحد عندهم، فكأنهم قالوا: مررت برجل واحد عنده الخير والشرّ.

وأما من خفضه فإنه يوجهه إلى معتدلٍ عنده الخير والشرّ، ومن قال ذلك في &; 18-598 &; سواء فاستأنف به، ورفع لم يقله في معتدل، لأن معتدل فعل مصرّح، وسواء مصدر فإخراجهم إياه إلى الفعل كإخراجهم حسب في قولهم: مررت برجل حسبك من رجل إلى الفعل.

وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه قرأه نصبا على إعمال جعلناه فيه، وذلك وإن كان له وجه في العربية، فقراءة لا أستجيز القراءة بها لإجماع الحجة من القرّاء على خلافه.

وقوله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) يقول تعالى ذكره: ومن يرد فيه إلحادا بظلم نذقه من عذاب أليم، وهو أن يميل في البيت الحرام بظلم، وأدخلت الباء في قوله بإلحاد، والمعنى فيه ما قلت، كما أدخلت في قوله: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ والمعنى: تنبت الدهن، كما قال الشاعر: بِـوَادِ يَمَـانٍ ينبـت الشَّـثَّ صَـدْرُهُ وأسْـــفَلُهُ بـــالمَرْخِ والشَّــبَهانِ (1) والمعنى: وأسفله ينبت المرخ والشبهان؛ وكما قال أعشى بني ثعلبة: ضَمِنَــتْ بِـرزْقِ عِيالِنـا أرْماحُنـا بيــنَ المَرَاجِـلِ والصَّـرِيحِ الأجْـرَدِ (2) بمعنى: ضمنت رزق عيالنا أرماحنا في قول بعض نحويي البصريين.

وأما بعض نحويي الكوفيين فإنه كان يقول: أدخلت الياء فيه، لأن تأويله: ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم.

وكان يقول: دخول الباء في أن أسهل منه في " إلحاد " وما أشبهه، لأن أن تضمر الخوافض معها كثيرا، وتكون كالشرط، فاحتملت دخول الخافض وخروجه، لأن الإعراب لا يتبين فيها، وقال في المصادر: يتبين الرفع والخفض فيها، قال: وأنشدني أبو الجَرَّاح: فَلَمَّـا رَجَـتْ بالشُّـرْبِ هَزَّ لَها العَصَا شَــحَيحٌ لــهُ عِنْــدَ الأدَاءِ نَهِيـمُ (3) وقال امرؤ القيس: ألا هَــلْ أتاهــا والحَـوَادِثُ جَمَّـةٌ بـأنَّ أمـرأ القَيْسِ بـنَ تَمْلِـكَ بَيْقَـرَا (4) قال: فأدخل الباء على أن وهي في موضع رفع كما أدخلها على إلحاد، وهو في موضع نصب، قال: وقد أدخلوا الباء على ما إذا أرادوا بها المصدر، كما قال الشاعر: ألَــمْ يَــأْتِيكَ والأنْبــاءُ تَنْمــي بِمَــا لاقَــتْ لَبُــونُ بَنِـي زِيـادِ (5) وقال: وهو في " ما " أقل منه في " أن "، لأن " أن " أقلّ شبها بالأسماء من " ما ".

قال: وسمعت أعرابيا من ربيعه، وسألته عن شيء، فقال: أرجو بذاك: يريد أرجو ذاك.

واختلف أهل التأويل في معنى الظلم الذي من أراد الإلحاد به في المسجد الحرام، أذاقه الله من العذاب الأليم، فقال بعضهم: ذلك هو الشرك بالله وعبادة غيره به: أي بالبيت.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) يقول: بشرك.

حدثنا عليّ، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن محمد بن عبد الرحمن، عن القاسم بن أبي بَزَّة، عن مجاهد، قي قوله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) هو أن يعبد فيه غير الله.

حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قال: هو الشرك، من أشرك في بيت الله عذّبه الله.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر عن قتادة، مثله.

وقال آخرون: هو استحلال الحرام فيه أو ركوبه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي ، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) يعني أن تستحلّ من الحرام ما حرّم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك، وتقتل من لا يقتلك، فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا عيسى؛ وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قال: يعمل فيه عملا سيئا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله.

حدثنا أبو كريب ونصر بن عبد الرحمن الأوْدِيّ قالا ثنا المحاربيّ، عن سفيان عن السُّديّ، عن مرّة عن عن عبد الله، قال: ما من رجل يهمّ بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلا بعد أن بين همّ أن يقتل رجلا بهذا البيت، لأذاقه الله من العذاب الأليم.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا شعبة، عن السديّ، عن مرّة، عن عبد الله، قال مجاهد، قال يزيد، قال لنا شعبة، رفعه، وأنا لا أرفعه لك في قول الله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) قال: لو أن رجلا همّ فيه بسيئة وهو بعد أن أبين، لأذاقه الله عذابا أليما.

حدثنا الفضل بن الصباح، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن أبيه، عن الضحاك بن مزاحم، في قوله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قال: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو في بلد آخر ولم يعملها، فتكتب عليه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قول الله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) قال: الإلحاد: الظلم في الحرم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك الظلم: استحلال الحرم متعمدا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس: ( بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) قال: الذي يريد استحلاله متعمدا، ويقال الشرك.

وقال آخرون: بل ذلك احتكار الطعام بمكة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني هارون بن إدريس الأصمّ، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن أشعث، عن حبيب بن أبي ثابت في قوله: ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.

وقال آخرون: بل ذلك كل ما كان منهيا عنه من الفعل، حتى قول القائل: لا والله، وبلى والله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان له فسطاطان: أحدهما في الحلّ، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحلّ، فسئل عن ذلك، فقال: كنا نحدّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله، وبلى والله.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن أبي ربعي، عن الأعمش، قال: كان عبد الله بن عمرو يقول: لا والله وبلى والله من الإلحاد فيه.

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس، من أنه معنيّ بالظلم في هذا الموضع كلّ معصية لله، وذلك أن الله عم بقوله ( وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) ولم يخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه.

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ومن يرد في المسجد الحرام بأن يميل بظلم، فيعصي الله فيه، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له.

وقد ذُكر عن بعض القرّاء أنه كان يقرأ ذلك (وَمَنْ يَرِدْ فِيه ) بفتح الياء بمعنى: ومن يرده بإلحاد من وَرَدْت المكان أرِدْه.

وذلك قراءة لا تجوز القراءة عندي بها لخلافها ما عليه الحجة من القرّاء مجمعة مع بعدها من فصيح كلام العرب، وذلك أنَّ يَرِدْ فعل واقع، يقال منه: وهو يَرِد مكان كذا أو بلدة كذا، ولا يقال: يَرِد في مكان كذا.

وقد زعم بعض أهل المعرفة بكلام العرب، أن طَيِّئا تقول: رغبت فيك، تريد: رغبت بك، وذكر أن بعضهم أنشده بيتا: وأرْغَـبُ فِيهـا عَـنْ لَقِيـطٍ وَرَهْطِـهِ وَلَكِـنَّنِي عَـنْ سِـنْبِس لَسْـتُ أرْغَبُ (6) بمعنى: وأرغب بها.

فإن كان ذلك صحيحا كما ذكرنا، فإنه يجوز في الكلام، فأما القراءة به فغير جائزة لما وصفت.

------------------------ الهوامش: (1) البيت للأحول اليشكري ، واسمه يعلى قاله في ( اللسان : شبه ) نقله عن أبي عبيدة .

وقد مر هذا الشاهد على مثل ما استشهد به المؤلف هنا ، عند قوله تعالى : " وهزي إليك بجذع النخلة " ( 16 : 72 ) ووفينا الكلام في رواياته وتخريجه ، فراجعه ثمة .

(2) هذا البيت ينسب لأعشى بني قيس بن ثعلبة ، ولم أجد في ديوانه قصيدة دالية مكسورة من بحر الكامل ، ووجدت البيت في دالية منصوبة باختلاف في رواية وهذا هو البيت مع البيتين قبله : جَــعَلَ الإلَـهُ طَعامَنـا فــي مالِنـا رِزْقــا تَضَمَّنَــهُ لَنــا لَـنْ يَنْفَـدا مِثْــلَ الهِضَــابِ جَـزَارَةً لسُـيُوفنا فــإذَا تُـــراعُ فِإنَّهَـا لَـنْ تُطْـرَدَا ضَمنَــتْ لَنــا أعْجَـازُهُنَّ قُدُورَنـا وَضُـرُوعُهُنَّ لَنـا الصَّـرِيحَ الأجْـرَدَا ومعنى الأبيات : جعل الله طعامنا في الإبل ، نرحلها حيث نشاء رزقا لا ينفد .

وهي ضخمة كالهضاب نعقرها بسيوفنا للضيفان ، لا يطردها مروع أو مغير ، وقد ضمنت أعجازها لنا قدورنا أن تفرغ ، لسمنها وكثرة لحمها ، وضمنت ضروعها لنا اللبن خالصا صافيا .

( انظر الديوان ، طبع القاهرة ، ص 230 بشرح الدكتور محمد حسين ) .

وفي اللسان رواية أخرى للبيت ، مع نسبته للأعشى ( في : جرد ) قال : ألبن وجرد لا رغوة قال الأعشى : ضَمِنَــتْ لَنــا أعْجَـازَهُ أرْماحُنـا مِـلْءَ المَرَاجِـلِ والصَّـرِيحَ الأجْـرَدَا وعلى هاتين الروايتين لا شاهد في البيت ؛ لأن المؤلف إنما ساقه شاهدا على زيادة الباء في قوله " برزق " ولا باء زائدة في هاتين الروايتين .

وقد جعل الباء في قوله ( برزق ) نظير الباء التي في الآية : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ أي على تقدير ومن يرد فيه إلحادا بظلم .

(3) هذا البيت من شواهد الفراء تلميذ الكسائي وهما زعيما نحاة أهل الكوفة وهو مما أنشده إباه أبو الجراح أحد الأعراب الذين كان يأخذ عنهم اللغة ( انظره في معاني القرآن للفراء ، الورقة 10 من مصورة الجامعة ) .

والنهيم كما في ( اللسان : نهم ) : صوت كأنه زحير .

وقيل صوت فوق الزئير .

والنهيم صوت وتوعد وزجر .

والضمير في لها : لعله راجع إلى الإبل التي أرادت الشرب ، حتى إذا كادت تبلغ الماء ، هز لها العصا ، وردها عنه ، رجل له صوت شديد منكر .

والشاهد في البيت أن الباء الزائدة في قوله ( بالشرب ) داخلة على مصدر صريح ، وأن الفراء يرى أن دخولها على المصدر المؤول بأن أو بما والفعل ، أحسن من دخولها على المصدر الصريح .

وقال الفراء : قوله " ومن يرد فيه بإلحاد بظم " دخلت الباء في الإلحاد ، لأن تأويله : ومن يرد بأن يلحد فيه بظلم ، ودخول الباء في " أن " أسهل منه في الإلحاد ، وما أشبه ، لأن " أن " تضمر الخفوض معها كثيرا ( يريد حروف الخفض ) فاحتملت دخول الخافض وخروجه ، لأن الإعراب لا يتبين فيها ، وقل في المصادر ( أي الصريحة ) لتبين الخفض والرفع فيها ؛ أنشدني أبو الجراح : " فلما رجت بالشرب هز لها العصا " .

.

.

.

البيت .

(4) البيت لامرئ القيس بن حجر ( العقد الثمين لألولاد ص 130 ) وليس في رواية الأعلم الشنتمري لديوان امرئ القيس .

والبيت شاهد كالذي قبله على أن الباء في قوله ( بأن ) زائدة في المصدر المؤول المرفوع وهي أحسن منها في المصدر الصريح لخفاء الإعراب معها .

وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن ، ساقه مع الشاهد الذي قبله ( انظر معاني القرآن للفراء ، الورقة 310 ) قال : أدخل الباء على ( أن ) وهي في موضع رفع كما أدخلها على الإلحاد بظلم ، وهو في موضع نصب .

(5) البيت لقيس بن زهير العبسي كما في ( النوادر لأبي زيد الأنصاري ، ص 203 ) ولم تحذف الياء في قوله ( يأتيك ) للجازم ، للضرورة .

والبيت من شواهد الفراء في ( معاني القرآن ، ص 310 ) على أنهم قد يدخلون الحرف الزائد على المصدر المؤول بما وما بعدها .

قال : وقد أدخلوها على ( ما ) إذا أرادوا ( أن ) أقل شبها بالأسماء من ( ما ) .

وسمعت أعرابيا من ربيعة وسألته عن شيء ، فقال : أرجو بذلك ، يريد : أرجو ذاك .

(6) البيت سبق الاستشهاد به على مثل ما استشهد به المؤلف هنا ، في ( 13 : 189 ) وهو من شواهد الفراء في معاني القرآن ، الورقة 161 ، والورقة 310 من مصورة الجامعة ( على أن من العرب من يجعل ) ( في ) في موضع الباء ، فيقول أدخلك الله بالجنة ، يريد : في الجنة .

قال الفراء في ( ص 310 ) : وقد يجوز في لغة الطائيين : لأنهم يقولون : رغبت فيك ، يريدون : رغبت بك .

أنشدني بعضهم : " وأرغب فيها عن لقيط " .

.

.

.

البيت .

يعني بنته .

أه .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والبادي ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليمفيه سبع مسائل :الأولى : قوله تعالى : إن الذين كفروا ويصدون أعاد الكلام إلى مشركي العرب حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المسجد الحرام عام الحديبية ، وذلك أنه لم يعلم لهم صد قبل ذلك الجمع ؛ إلا أن يريد صدهم لأفراد من الناس ، فقد وقع ذلك في صدر المبعث .

والصد : المنع ؛ أي وهم يصدون .

وبهذا حسن عطف المستقبل على الماضي .

وقيل : الواو زائدة ( ويصدون ) خبر ( إن ) .

وهذا مفسد للمعنى المقصود ، وإنما الخبر محذوف مقدر عند قوله ( والباد ) تقديره : خسروا إذا هلكوا .

وجاء ( ويصدون ) مستقبلا إذ هو فعل يديمونه ؛ كما جاء قوله تعالى : الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ؛ فكأنه قال : إن الذين كفروا من شأنهم الصد .

ولو قال إن الذين كفروا وصدوا لجاز .

قال النحاس : وفي كتابي عن أبي إسحاق ، قال : وجائز أن يكون - وهو الوجه - الخبر نذقه من عذاب أليم .

قال أبو جعفر : وهذا غلط ، ولست أعرف ما الوجه فيه ؛ لأنه جاء بخبر ( إن ) جزما ، وأيضا فإنه جواب الشرط ، ولو كان خبر ( إن ) لبقي الشرط بلا جواب ، ولا سيما والفعل الذي في الشرط مستقبل فلا بد له من جواب .الثانية : والمسجد الحرام قيل : إنه المسجد نفسه ، وهو ظاهر القرآن ؛ لأنه لم يذكر غيره .

وقيل : الحرم كله ؛ لأن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه ؛ قال الله تعالى : وصدوكم عن المسجد الحرام ، وقال : سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام .

وهذا صحيح ، لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .الثالثة : قوله تعالى : الذي جعلناه للناس أي للصلاة والطواف والعبادة ؛ وهو كقوله تعالى : إن أول بيت وضع للناس .

سواء العاكف فيه والبادي العاكف : [ ص: 31 ] المقيم الملازم .

والبادي : أهل البادية ومن يقدم عليهم .

يقول : سواء في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه الحاضر والذي يأتيه من البلاد ؛ فليس أهل مكة أحق من النازح إليه .

وقيل : إن المساواة إنما هي في دوره ، ومنازله ، ليس المقيم فيها أولى من الطارئ عليها .

وهذا على أن المسجد الحرام الحرم كله ؛ وهذا قول مجاهد ، ومالك ؛ رواه عنه ابن القاسم .

وروي عن عمر ، وابن عباس ، وجماعة : إلا أن القادم له النزول حيث وجد ، وعلى رب المنزل أن يؤويه شاء أو أبى .

وقال ذلك سفيان الثوري ، وغيره ، وكذلك كان الأمر في الصدر الأول ، كانت دورهم بغير أبواب حتى كثرت السرقة ؛ فاتخذ رجل بابا فأنكر عليه عمر وقال : أتغلق بابا في وجه حاج بيت الله ؟

فقال : إنما أردت حفظ متاعهم من السرقة ، فتركه فاتخذ الناس الأبواب .

وروي عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أيضا أنه كان يأمر في الموسم بقلع أبواب دور مكة ، حتى يدخلها الذي يقدم فينزل حيث شاء ، وكانت الفساطيط تضرب في الدور .

وروي عن مالك أن الدور ليست كالمسجد ولأهلها الامتناع منها والاستبداد ؛ وهذا هو العمل اليوم .

وقال بهذا جمهور من الأمة .وهذا الخلاف يبنى على أصلين : أحدهما أن دور مكة هل هي ملك لأربابها أم للناس .

وللخلاف سببان : أحدهما هل فتح مكة كان عنوة فتكون مغنومة ، لكن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقسمها وأقرها لأهلها ولمن جاء بعدهم ؛ كما فعل عمر - رضي الله عنه - بأرض السواد وعفا لهم عن الخراج كما عفا عن سبيهم واسترقاقهم إحسانا إليهم دون سائر الكفار فتبقى على ذلك لا تباع ولا تكرى ، ومن سبق إلى موضع كان أولى به .

وبهذا قال مالك ، وأبو حنيفة ، والأوزاعي .

أو كان فتحها صلحا - وإليه ذهب الشافعي - فتبقى ديارهم بأيديهم ، وفي أملاكهم يتصرفون كيف شاءوا .

وروي عن عمر أنه اشترى دار صفوان بن أمية بأربعة آلاف وجعلها سجنا ، وهو أول من حبس في السجن في الإسلام ، على ما تقدم بيانه في آية المحاربين من سورة ( المائدة ) .

وقد روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حبس في تهمة ، .

وكان طاوس يكره السجن بمكة ويقول : لا ينبغي لبيت عذاب أن يكون في بيت رحمة .قلت : الصحيح ما قاله مالك ؛ وعليه تدل ظواهر الأخبار الثابتة بأنها فتحت عنوة .

قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلاد .

وروى الدارقطني ، عن علقمة بن نضلة قال : توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - وما تدعى رباع مكة إلا السوائب ؛ من [ ص: 32 ] احتاج سكن ومن استغنى أسكن .

وزاد في رواية : وعثمان .

وروي أيضا عن علقمة بن نضلة الكناني قال : كانت تدعى بيوت مكة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - السوائب ، لا تباع ؛ من احتاج سكن ومن استغنى أسكن .

وروي أيضا عن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تعالى حرم مكة فحرام بيع رباعها وأكل ثمنها - وقال : من أكل من أجر بيوت مكة شيئا فإنما يأكل نارا .

قال الدارقطني : كذا رواه أبو حنيفة مرفوعا ، ووهم فيه ، ووهم أيضا في قوله : عبيد الله بن أبي يزيد ، وإنما هو ابن أبي زياد القداح ، والصحيح أنه موقوف ، وأسند الدارقطني أيضا عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : مكة مناخ لا تباع رباعها ولا تؤاجر بيوتها .

وروى أبو داود ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : قلت : يا رسول الله ؛ ألا أبني لك بمنى بيتا أو بناء يظلك من الشمس ؟

فقال : لا ، إنما هو مناخ من سبق إليه .

وتمسك الشافعي - رضي الله عنه - بقوله تعالى : الذين أخرجوا من ديارهم فأضافها إليهم .

وقال : عليه السلام - يوم الفتح : من أغلق بابه فهو آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن .الرابعة : قرأ جمهور الناس ( سواء ) بالرفع ، وهو على الابتداء ، و ( العاكف ) خبره .

وقيل : الخبر ( سواء ) وهو مقدم ؛ أي العاكف فيه والبادي سواء ؛ وهو قول أبي علي ، والمعنى : الذي جعلناه للناس قبلة أو متعبدا العاكف فيه والبادي سواء .

وقرأ حفص ، عن عاصم سواء بالنصب ، وهي قراءة الأعمش .

وذلك يحتمل أيضا وجهين : أحدهما : أن يكون مفعولا ثانيا لجعل ، ويرتفع ( العاكف ) به لأنه مصدر ، فأعمل عمل اسم الفاعل لأنه في معنى مستو .

والوجه الثاني : أن يكون حالا من الضمير في جعلناه .

وقرأت فرقة ( سواء ) بالنصب ( العاكف ) بالخفض ، و ( البادي ) عطفا على الناس ، التقدير : الذي [ ص: 33 ] جعلناه للناس العاكف والبادي .

وقراءة ابن كثير في الوقف والوصل بالياء ، ووقف أبو عمرو بغير ياء ووصل بالياء .

وقرأ نافع بغير ياء في الوصل والوقف .

وأجمع الناس على الاستواء في نفس المسجد الحرام ، واختلفوا في مكة ؛ وقد ذكرناه .الخامسة : ومن يرد فيه بإلحاد بظلم شرط ، وجوابه نذقه من عذاب أليم .

والإلحاد في اللغة : الميل ؛ إلا أن الله تعالى بين أن الميل بالظلم هو المراد .

واختلف في الظلم ؛ فروىعلي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ومن يرد فيه بإلحاد بظلم قال : الشرك .

وقال عطاء : الشرك والقتل .

وقيل : معناه صيد حمامه ، وقطع شجره ؛ ودخول غير محرم .

وقال ابن عمر : كنا نتحدث أن الإلحاد فيه أن يقول الإنسان : لا والله !

وبلى والله !

وكلا والله !

ولذلك كان له فسطاطان ، أحدهما في الحل والآخر في الحرم ؛ فكان إذا أراد الصلاة دخل فسطاط الحرم ، وإذا أراد بعض شأنه دخل فسطاط الحل صيانة للحرم عن قولهم : كلا والله ، وبلى والله ، حين عظم الله الذنب فيه .

وكذلك كان لعبد الله بن عمرو بن العاص فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم ، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل ، وإذا أراد أن يصلي صلى في الحرم ، فقيل له في ذلك فقال : إن كنا لنتحدث أن من الإلحاد في الحرم أن نقول : كلا والله ، وبلى والله ، والمعاصي تضاعف بمكة كما تضاعف الحسنات ، فتكون المعصية معصيتين ، إحداهما بنفس المخالفة والثانية بإسقاط حرمة البلد الحرام ؛ وهكذا الأشهر الحرم سواء .

وقد تقدم .

وروى أبو داود ، عن يعلى بن أمية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه .

وهو قول عمر بن الخطاب .

والعموم يأتي على هذا كله .السادسة : ذهب قوم من أهل التأويل منهم الضحاك ، وابن زيد إلى أن هذه الآية تدل على أن الإنسان يعاقب على ما ينويه من المعاصي بمكة وإن لم يعمله .

وقد روي نحو ذلك عن ابن مسعود ، وابن عمر قالوا : لو هم رجل بقتل رجل بهذا البيت وهو ( بعدن أبين ) لعذبه الله .قلت : هذا صحيح ، وقد جاء هذا المعنى في سورة ن والقلم مبينا ، على ما يأتي بيانه هناك إن شاء الله تعالى .[ ص: 34 ] السابعة : الباء في ( بإلحاد ) زائدة كزيادتها في قوله تعالى : تنبت بالدهن ؛ وعليه حملوا قول الشاعر :نحن بنو جعدة أصحاب الفلج نضرب بالسيف ونرجو بالفرجأراد : نرجو الفرج .

وقال الأعشى :ضمنت برزق عيالنا أرماحناأي رزق : وقال آخر [ قيس بن زهير العبسي ] :ألم يأتيك والأنباء تنمي بما لاقت لبون بني زيادأي ما لاقت ؛ والباء زائدة ، وهو كثير .

وقال الفراء : سمعت أعرابيا وسألته عن شيء فقال : أرجو بذاك ، أي أرجو ذاك .

وقال الشاعر :بواد يمان ينبت الشث صدره وأسفله بالمرخ والشبهانأي المرخ .

وهو قول الأخفش ، والمعنى عنده : ومن يرد فيه إلحادا بظلم .

وقال الكوفيون : دخلت الباء لأن المعنى بأن يلحد ، والباء مع أن تدخل وتحذف .

ويجوز أن يكون التقدير : ومن يرد الناس فيه بإلحاد .

وهذا الإلحاد والظلم يجمع المعاصي من الكفر إلى الصغائر ؛ فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه .

ومن نوى سيئة ولم يعملها لم يحاسب عليها إلا في مكة .

هذا قول ابن مسعود وجماعة من الصحابة وغيرهم .

وقد ذكرناه آنفا .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن شناعة ما عليه المشركون الكافرون بربهم، وأنهم جمعوا بين الكفر بالله ورسوله، وبين الصد عن سبيل الله ومنع الناس من الإيمان، والصد أيضا عن المسجد الحرام، الذي ليس ملكا لهم ولا لآبائهم، بل الناس فيه سواء، المقيم فيه، والطارئ إليه، بل صدوا عنه أفضل الخلق محمدا وأصحابه، والحال أن هذا المسجد الحرام، من حرمته واحترامه وعظمته، أن من يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم.

فمجرد إرادة الظلم والإلحاد في الحرم، موجب للعذاب، وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم، فكيف بمن أتى فيه أعظم الظلم، من الكفر والشرك، والصد عن سبيله، ومنع من يريده بزيارة، فما ظنكم أن يفعل الله بهم؟" وفي هذه الآية الكريمة، وجوب احترام الحرم، وشدة تعظيمه، والتحذير من إرادة المعاصي فيه وفعلها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله عز وجل : ( إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله ) عطف المستقبل على الماضي لأن المراد من لفظ المستقبل الماضي كما قال تعالى في موضع آخر ( الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) ( النساء 167 ) ، معناه إن الذين كفروا فيما تقدم ويصدون عن سبيل الله في الحال أي وهم يصدون .

( والمسجد الحرام ) أي ويصدون عن المسجد الحرام .

( الذي جعلناه للناس ) قبلة لصلاتهم ومنسكا ومتعبدا كما قال ( وضع للناس ) ( آل عمران 96 ) .

( سواء ) قرأ حفص عن عاصم ويعقوب : " سواء " نصبا بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين وقيل معناه مستويا فيه ، ( العاكف فيه والباد ) وقرأ الآخرون بالرفع على الابتداء وما بعده خبر وتمام الكلام عند قوله " للناس " وأراد بالعاكف المقيم فيه ، وبالبادي الطارئ المنتاب إليه من غيره واختلفوا في معنى الآية فقال قوم " سواء العاكف فيه والباد " أي في تعظيم حرمته وقضاء النسك فيه وإليه ذهب مجاهد والحسن وجماعة ، وقالوا المراد منه نفس المسجد الحرام .

ومعنى التسوية هو التسوية في تعظيم الكعبة في فضل الصلاة في المسجد الحرام والطواف بالبيت وقال آخرون المراد منه جميع الحرم ومعنى التسوية أن المقيم والبادي سواء في النزول به ليس أحدهما أحق بالمنزل يكون فيه من الآخر غير أنه لا يزعج فيه أحدا إذا كان قد سبق إلى منزل وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وابن زيد ، قالوا هما سواء في البيوت والمنازل .

وقال عبد الرحمن بن سابط : كان الحجاج إذا قدموا مكة لم يكن أحد من أهل مكة بأحق بمنزله منهم وكان عمر بن الخطاب ينهى الناس أن يغلقوا أبوابهم في الموسم وعلى هذا القول لا يجوز بيع دور مكة وإجارتها ، وعلى القول الأول وهو الأقرب إلى الصواب يجوز لأن الله تعالى قال ( الذين أخرجوا من ديارهم ) ( الحج 40 ) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " فنسب الدار إليه نسب ملك واشترى عمر دارا للسجن بمكة بأربعة آلاف درهم فدل على جواز بيعها وهذا قول طاوس وعمرو بن دينار ، وبه قال الشافعي .

قوله عز وجل ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ) أي في المسجد الحرام بإلحاد بظلم وهو الميل إلى الظلم الباء في قوله " بإلحاد " زائدة كقوله : ( تنبت بالدهن ) ( المؤمنون 20 ) ، ومعناه من يرد فيه إلحادا بظلم قال الأعشى : " ضمنت برزق عيالنا أرماحنا " ، أي رزق عيالنا وأنكر المبرد أن تكون الباء زائدة وقال معنى الآية من تكن إرادته فيه بأن يلحد بظلم واختلفوا في هذا الإلحاد فقال مجاهد وقتادة : هو الشرك وعبادة غير الله وقال قوم : هو كل شيء كان منهيا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم وقال عطاء : هو دخول الحرم غير محرم أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم من قتل صيد أو قطع شجر وقال ابن عباس : هو أن تقتل فيه من لا يقتلك أو تظلم فيه من لا يظلمك وهذا معنى قول الضحاك .

وعن مجاهد أنه قال تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات .

وقال حبيب بن أبي ثابت : وهو احتكار الطعام بمكة .

وقال عبد الله بن مسعود في قوله ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) قال لو أن رجلا هم بخطيئة لم تكتب عليه ما لم يعملها ولو أن رجلا هم بقتل رجل بمكة وهو بعدن أبين أو ببلد آخر أذاقه الله من عذاب أليم .

وقال السدي : إلا أن يتوب وروي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الآخر فسئل عن ذلك فقال كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل كلا والله وبلى والله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله» طاعته «و» عن «المسجد الحرام الذي جعلناه» منسكا ومتعبدا «للناس سواءً العاكف» المقيم «فيه والباد» الطارئ «ومن يرد فيه بإلحاد» الباء زائدة «بظلم» أي بسببه بأن ارتكب منهيا، ولو شتم الخادم «نذقه من عذاب أليم» مؤلم: أي بعضه، ومن هذا يؤخذ خبر إن: أي نذيقهم من عذاب أليم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

إن الذين كفروا بالله، وكذبوا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، ويمنعون غيرهم من الدخول في دين الله، ويصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في عام "الحديبية" عن المسجد الحرام، الذي جعلناه لجميع المؤمنين، سواء المقيم فيه والقادم إليه، لهم عذاب أليم موجع، ومن يرد في المسجد الحرام الميْلَ عن الحق ظلمًا فيَعْصِ الله فيه، نُذِقْه مِن عذاب أليم موجع.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد هذا الحديث المؤثر عن الخصمين وعن عاقبة كل منهما .

.

.

جاء الحديث عن المسجد الحرام ، وعن مكانته ، وعن الأمر ببنائه ، وعن وجوب الحج إليه ، وعن المنافع التى تعود على الحجاج ، وعن سوء مصير من يصد الناس عن هذا المسجد ، جاء قوله - تعالى - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ .

.

.

) .قال الإمام الرازى : اعلم أنه - تعالى - بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمة البيت ، وعظم كفر هؤلاء الكافرين فقال : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام ) .قال ابن عباس : الآية نزلت فى أبى سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية عن المسجد الحرام ، عن أن يحجوا ويعتمروا ، وينحروا الهدى .

فكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قتالهم ، وكان محرما بعمرة ، ثم صالحوه على أن يعود فى العام القادم .

.

.وصح عطف المضارع وهو " يصدون " على الماضى وهو " كفروا " لأن المضارع هنا لم يقصد به زمن معين من حال أو استقبال ، وإنما المراد به مجرد الاستمرار ، كما فى قولهم : فلان يحسن إلى الفقراء ، فإن المراد به استمرار وجود إحسانه .ويجوز أن يكون قوله ( وَيَصُدُّونَ ) خبرا لمبتدأ محذوف ، أى : وهم يصدون عن المسجد الحرام .

وخبر إن فى قوله - سبحانه - : ( إِنَّ الذين كَفَرُواْ .

.

) محذوف لدلالة آخر الآية عليه .والمعنى : إن الذين أصروا على كفرهم بما أنزله الله - تعالى - على نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - ، واستمروا على منع أهل الحق من أداء شعائر دين الله - تعالى - ، ومن زيارة المسجد الحرام .

.

.

هؤلاء الكافرون سوف نذيقهم عذابا أليما .ويصح أن يكون الخبر محذوفا للتهويل والإرهاب .

وكأن وصفهم بالكفر والصد كاف فى معرفة مصيرهم المهين .قال القرطبى : قوله - تعالى - : ( والمسجد الحرام ) قيل إنه المسجد نفسه وهو ظاهر القرآن ، لأنه لم يذكر غيره ، وقيل الحرم كله ، لأن المشركين صدوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه عنه عام الحديبية ، فنزل خارجا عنه .

.

.

وهذا صحيح لكنه قصد هنا بالذكر المهم المقصود من ذلك .وقوله - سبحانه - : ( الذي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً العاكف فِيهِ والباد .

.

.

) تشريف لهذا المكان حيث جعل الله - تعالى - الناس تحت سقفه سواء ، وتشنيع على الكافرين الذين صدوا المؤمنين عنه .ولفظ " سواء " قرأه جمهور القراء بالرفع على أنه خبر مقدم ، والعاكف : مبتدأ ، والباد معطوفة عليه أى : العاكف والباد سواء فيه .

أى مستويان فيه .وقرأه حفص عن عاصم بالنصب على أنه المفعول الثانى لقوله " جعلناه " بمعنى صيرناه .

أى : جعلناه مستويا فيه العاكف والباد .

ويصح أن يكون حالا من الهاء فى ( جَعَلْنَاهُ ) أى : وضعناه للناس حال كونه سواء العاكف فيه والباد .والمراد : بالعاكف فيه : المقيم فيه .

يقال : عكف فلان على الشىء ، إذا لازمه ولم يفارقه .

والباد : الطارىء عليه من مكان آخر .وأصله من يكون من أهل البوادى الذين يسكنون المضارب والخيام ، ويتنقلون من مكان إلى آخر .أى : جعلناه للناس على العموم ، يصلون فيه ، ويطوفون به ، ويحترمونه ويستوى تحت سقفه من كان مقيما فى جواره ، وملازما للتردد عليه ، ومن كان زائرا له وطارئا عليه من أهل البوادى أو من أهل البلاد الأخرى سوى مكة .فهذا المسجد الحرام يتساوى فيه عباد الله ، فلا يملكه أحد منهم ، ولا يمتاز فيه أحد منهم ، بل الكل فوق أرضه وتحت سقفه سواء .وقوله - تعالى - : ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ) تهديد لكل من يحاول ارتكاب شىء نهى الله عنه فى هذا المسجد الحرام .والإلحاد الميل .

يقال : ألحد فلان فى دين الله ، أى : مال وحاد عنه .و " من " شرطية وجوابها " نذقه " ومفعول " يرد " محذوف لقصد التعميم .

أى : ومن يرد فيه مرادا بإلحاد ، ويصح أن يكون المفعول قوله ( بِإِلْحَادٍ ) على أن الباء زائدة .أى : ومن يرد فى هذا المسجد الحرام إلحادا ، أى : ميلا وحيدة عن أحكام الشريعة وآدابها بسبب طلمه وخروجه عن طاعتنا ، نذقه من عذاب أليم لا يقادر قدره ، ولا يكتنه كنهه .وقد جاء هذا التهديد فى أقصى درجاته لأن القرآن توعد بالعذاب الأليم كل من بنوى ويريد الميل فيه عن دين الله ، وإذا كان الأمر كذلك ، فمن ينوى ويفعل يكون عقابه أشد ، ومصيره أقبح .ويدخل تحت هذا التهديد كل ميل عن الحق إلى الباطل ، أو عن الخير إلى الشر كالاحتقار ، والغش .ولذا قال ابن جرير بعد أن ساق الأقوال فى ذلك : وأولى الأقوال التى ذكرناها فى تأويل ذلك بالصواب : القول الذى ذكرناه من أن المراد بالظلم فى هذا الموضع ، كل معصية لله ، وذلك لأن الله عم بقوله : ( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ) ولم يخصص به ظلما دون ظلم فى خبر ولا عقل ، فهو على عمومه ، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام : ومن يرد فى المسجد الحرام بأن يميل بظلم فيعصى الله فيه ، نذقه يوم القيامة من عذاب موجع له .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه تعالى بعد أن فصل بين الكفار والمؤمنين ذكر عظم حرمه البيت وعظم كفر هؤلاء فقال: ﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والمسجد الحرام ﴾ وذلك بالمنع من الهجرة والجهاد لأنهم كانوا يأبون ذلك.

وفيه إشكال وهو أنه كيف عطف المستقبل وهو قوله: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ الماضي وهو قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ والجواب: عنه من وجهين: الأول: أنه يقال فلان يحسن إلى الفقراء ويعين الضعفاء لا يراد به حال ولا استقبال وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه في جميع أزمنته وأوقاته، فكأنه قيل إن الذين كفروا من شأنهم الصد عن سبيل الله، ونظيره قوله: ﴿ الذين ءَامَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ الله  ﴾ .

وثانيهما: قال أبو علي الفارسي التقدير إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون ويدخل فيه أنهم يفعلون ذلك في الحال والمستقبل، أما قوله: ﴿ والمسجد الحرام ﴾ يعني ويصدوهم أيضاً عن المسجد الحرام، قال ابن عباس رضي الله عنهما نزلت الآية في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية عن المسجد الحرام عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم قتالهم وكان محرماً بعمرة ثم صالحوه على أن يعود في العام القابل.

أما قوله: ﴿ الذي جعلناه لِلنَّاسِ سَوَاء العاكف فِيهِ والباد ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال أبو علي الفارسي أي جعلناه للناس منسكاً ومتعبداً وقوله: ﴿ سَوَاء العاكف فِيهِ والباد ﴾ رفع على أنه خبر مبتدأ مقدم أي العاكف والباد فيه سواء، وتقدير الآية المسجد الحرام الذي جعلناه للناس منسكاً فالعاكف والبادي فيه سواء وقرأ عاصم ويعقوب (سواء) بالنصب بإيقاع الجعل عليه لأن الجعل يتعدى إلى مفعولين، والله أعلم.

المسألة الثانية: العاكف المقيم به الحاضر.

والبادي الطارئ من البدو وهو النازع إليه من غربته، وقال بعضهم يدخل في العاكف القريب إذا جاور ولزمه للتعبد وإن لم يكن من أهله.

المسألة الثالثة: اختلفوا في أنهما في أي شيء يستويان قال ابن عباس رضي الله عنهما في بعض الروايات إنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها فليس أحدهما أحق بالمنزل الذي يكون فيه من الآخر إلا أن يكون واحد سبق إلى المنزل وهو قول قتادة وسعيد بن جبير ومن مذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام واحتجوا عليه بالآية.

والخبر، أما الآية فهي هذه قالوا إن أرض مكة لا تملك فإنها لو ملكت لم يستو العاكف فيها والبادي، فلما استويا ثبت أن سبيله سبيل المساجد، وأما الخبر فقوله عليه السلام: مكة مباح لمن سبق إليها وهذا مذهب ابن عمر وعمر بن عبد العزيز ومذهب أبي حنيفة وإسحاق الحنظلي رضي الله عنهم وعلى هذا المراد بالمسجد الحرام الحرم كله لأن إطلاق لفظ المسجد الحرام والمراد منه البلد جائز بدليل قوله تعالى: ﴿ سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مّنَ المسجد الحرام  ﴾ وهاهنا قد دل الدليل وهو قوله: ﴿ العاكف ﴾ لأن المراد منه المقيم إقامة، وإقامته لا تكون في المسجد بل في المنازل فيجب أن يقال ذكر المسجد وأراد مكة.

القول الثاني: المراد جعل الله الناس في العبادة في المسجد سواء ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس قال عليه السلام: «يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة من ليل أو نهار».

وهذا قول الحسن ومجاهد وقول من أجاز بيع دور مكة.

وقد جرت مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي بمكة وكان إسحاق لا يرخص في كراء بيوت مكة، واحتج الشافعي رحمه الله بقوله تعالى: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم بِغَيْرِ حَقّ  ﴾ فأضيفت الدار إلى مالكها وإلى غير مالكها، وقال عليه السلام يوم فتح مكة: ﴿ من أغلق بابه فهو آمن ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم: «هل ترك لنا عقيل من ربع» وقد اشترى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما دار السجن، أترى أنه اشتراها من مالكها أو من غير مالكها؟

قال إسحاق: فلما علمت أن الحجة قد لزمتني تركت قولي.

أما الذي قالوه من حمل لفظ المسجد على مكة بقرينة قوله العاكف، فضعيف لأن العاكف قد يراد به الملازم للمسجد المعتكف فيه على الدوام، أو في الأكثر فلا يلزم ما ذكروه، ويحتمل أن يراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه فلا وجه لصرف الكلام عن ظاهره مع هذه الاحتمالات.

أما قوله: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ يُرِدْ ﴾ بفتح الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بإلحاد وعن الحسن ومن يرد إلحاده بظلم، والمعنى ومن يرد إيقاع إلحاد فيه، فالإضافة صحيحة على الاتساع في الظرف كمكر الليل والنهار، ومعناه ومن يرد أن يلحد فيه ظالماً.

المسألة الثانية: الإلحاد العدول عن القصد وأصله إلحاد الحافر، وذكر المفسرون في تفسير الإلحاد وجوهاً: أحدها: أنه الشرك، يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله تعالى، وهو إحدى الروايات عن ابن عباس وقول عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير وقتادة ومقاتل.

وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما: نزلت في عبدالله بن سعد حيث استسلمه النبي صلى الله عليه وسلم فارتد مشركاً، وفي قيس بن ضبابة.

وقال مقاتل: نزلت في عبدالله بن خطل حين قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله يوم الفتح كافراً.

وثالثها: قتل ما نهى الله تعالى عنه من الصيد.

ورابعها: دخول مكة بغير إحرام وارتكاب ما لا يحل للمحرم.

وخامسها: أنه الاحتكار عن مجاهد وسعيد بن جبير.

وسادسها: المنع من عمارته.

وسابعها: عن عطاء قول الرجل في المبايعة لا والله وبلى والله.

وعن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل لا والله وبلى والله.

وثامنها: وهو قول المحققين: أن الإلحاد بظلم عام في كل المعاصي، لأن كل ذلك صغر أم كبر يكون هناك أعظم منه في سائر البقاع حتى قال ابن مسعود رضي الله عنه: لو أن رجلاً بعدن هم بأن يعمل سيئة عند البيت أذاقه الله عذاباً أليماً.

وقال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات، فإن قيل كيف يقال ذلك مع أن قوله: ﴿ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ غير لائق بكل المعاصي قلنا لا نسلم، فإن كل عذاب يكون أليماً، إلا أنه تختلف مراتبه على حسب اختلاف المعصية.

المسألة الثالثة: الباء في قوله: ﴿ بِإِلْحَادٍ ﴾ فيه قولاه: أحدهما: وهو الأولى وهو اختيار صاحب الكشاف أن قوله: ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً نذقه من عذاب أليم، يعني أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهم به ويقصده.

الثاني: قال أبو عبيدة: مجازه ومن يرد فيه إلحاداً والباء من حروف الزوائد.

المسألة الرابعة: لما كان الإلحاد بمعنى الميل من أمر إلى أمر بين الله تعالى أن المراد بهذا الإلحاد ما يكون ميلاً إلى الظلم، فلهذا قرن الظلم بالإلحاد لأنه لا معصية كبرت أم صغرت إلا وهو ظلم، ولذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ  ﴾ أما قوله تعالى: ﴿ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ فهو بيان الوعيد وفيه مسائل: المسألة الأولى: من قال الآية نزلت في ابن خطل قال: المراد بالعذاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم الفتح، ولا وجه للتخصيص إذا أمكن التعميم، بل يجب أن يكون المراد العذاب في الآخرة لأنه من أعظم ما يتوعد به.

المسألة الثانية: أن هذه الآية تدل على أن المرء يستحق العذاب بإرادته للظلم كما يستحقه على عمل جوارحه.

المسألة الثالثة: ذكروا قولين في خبر إن المذكور في أول الآية: الأول: التقدير إن الذين كفروا ويصدون ومن يرد فيه بإلحاد نذقه من عذاب فهو عائد إلى كلتا الجملتين.

الثاني: أنه محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم.

وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ يُحَلَّوْنَ ﴾ عن ابن عباس: من حِلَيت المرأَةُ فهي حال ﴿ وَلُؤْلُؤاً ﴾ بالنصب على: ويؤتون لؤلؤاً، كقوله: وحوراً عيناً.

ولؤلؤاً بقلب الهمزة الثانية واواً.

ولولياً؛ بقلبهما واوين، ثم بقلب الثانية ياء كأدل.

ولول كأدل فيمن جرّ.

ولولؤ، وليلياً، بقلبهما ياءين، عن ابن عباس: وهداهم الله وألهمهم أن يقولوا الحمد لله الذي صدقنا وعده، وهداهم إلى طريق الجنة.

يقال: فلان يحسن إلى الفقراء وينعش المضطهدين، لا يراد حال ولا استقبال، وإنما يراد استمرار وجود الإحسان منه والنعشة في جميع أزمنته وأوقاته.

ومنه قوله تعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله ﴾ أي الصدود منهم مستمرّ دائم ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ أي الذين يقع عليهم اسم الناس من غير فرق بين حاضر وباد وتانيء وطاريء ومكي وآفاقي.

وقد استشهد به أصحاب أبي حنيفة قائلين: إنّ المراد بالمسجد الحرام: مكة، على امتناع جواز بيع دور مكة وإجارتها.

وعند الشافعي: لا يمتنع ذلك.

وقد حاور إسحاق بن راهويه فاحتجّ بقوله: ﴿ الذين أُخْرِجُواْ مِن ديارهم ﴾ [الحج: 40] ، [الحشر: 8] وقال: أنسب الديار إلى مالكيها، أو غير مالكيها؟

واشترى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه دار السجن من مالكيه أو غير مالكيه؟

﴿ سَوَآء ﴾ بالنصب: قراءة حفص.

والباقون على الرفع.

ووجه النصب أنه ثاني مفعولي جعلناه، أَي: جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فِيهِ والباد ﴾ وفي القراءة بالرفع.

الجملة مفعول ثان.

الإلحاد: العدول عن القصد، وأصله إلحاد الحافر.

وقوله: ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ حالان مترادفتان.

ومفعول ﴿ يُرِدْ ﴾ متروك ليتناول كل متناول، كأنه قال: ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً ﴿ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ يعني أَنّ الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في جميع ما يهمّ به ويقصده.

وقيل: الإلحاد في الحرم: منع الناس عن عمارته.

وعن سعيد بن جبير: الاحتكار.

وعن عطاء: قول الرجل في المبايعة: «لا والله، وبلى والله، وعن عبد الله بن عمر و أنه كان له فسطاطان، أحدهما: في الحل، والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل، فقيل له، فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: لا والله وبلى والله» .

وقرئ: ﴿ يرد ﴾ بفتح الياء من الورود، ومعناه من أتى فيه بإلحاد ظالماً.

وعن الحسن: ومن يرد إلحاده بظلم.

أراد: إلحاداً فيه، فأضافه على الاتساع في الظرف، كمكر الليل: ومعناه من يرد أن يلحد فيه ظالماً.

وخبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه، تقديره: إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم؛ وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك.

عن ابن مسعود: الهمة في الحرم تكتب ذنباً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ لا يُرِيدُ بِهِ حالًا ولا اسْتِقْبالًا وإنَّما يُرِيدُ بِهِ اسْتِمْرارَ الصَّدِّ مِنهم كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُعْطِي ويَمْنَعُ، ولِذَلِكَ حَسُنَ عَطْفُهُ عَلى الماضِي.

وقِيلَ هو حالٌ مِن فاعِلِ ( كَفَرُوا ) وخَبَرُ ( إنَّ ) مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ آخِرُ الآيَةِ أيْ مُعَذَّبُونَ.

﴿ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ عُطِفَ عَلى اسْمِ اللَّهِ وأوَّلَهُ الحَنَفِيَّةُ بِمَكَّةَ واسْتَشْهَدُوا بِقَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ﴾ أيِ المُقِيمُ والطّارِئُ، عَلى عَدَمِ جَوازِ بَيْعِ دُورِها وإجارَتِها، وهو مَعَ ضَعْفِهِ مُعارَضٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ ﴾ وشِراءِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ دارَ السِّجْنِ فِيها مِن غَيْرِ نَكِيرٍ، و ( سَواءً ) خَبَرٌ مُقَدَّمٌ والجُمْلَةُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِـ ( جَعَلْناهُ ) إنْ جُعِلَ ( لِلنّاسِ ) حالًا مِنَ الهاءِ وإلّا فَحالٌ مِنَ المُسْتَكِنِ فِيهِ، ونَصَبَهُ حَفْصٌ عَلى أنَّهُ المَفْعُولُ أوِ الحالُ و ﴿ العاكِفُ ﴾ مُرْتَفِعٌ بِهِ، وقُرِئَ «العاكِفِ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ النّاسِ.

﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ ﴾ مِمّا تُرِكَ مَفْعُولُهُ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُتَناوَلٍ، وقُرِئَ بِالفَتْحِ مِنَ الوُرُودِ.

﴿ بِإلْحادٍ ﴾ عُدُولٌ عَنِ القَصْدِ ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ بِغَيْرِ حَقٍّ وهُما حالانِ مُتَرادِفانِ، أوِ الثّانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بِإعادَةِ الجارِّ أوْ صِلَةٌ لَهُ: أيْ مُلْحِدًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ كالإشْراكِ واقْتِرافِ الآثامِ ﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ جَوابٌ لِـ ( مَن ) .

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي يمنعون عن الدخول في الإسلام ويصدون حال من فاعل كفروا أي وهم يصدون أي الصدود منهم دائم متسمر كما يقال فلان يحسن إلى الفقراء فإنه يراد

به استمرار وجود الإحسان منه في الحال والاستقبال {والمسجد الحرام} أي ويصدون عن المسجد الحرام والدخول فيه {الذى جعلناه لِلنَّاسِ} مطلقاً من غير فرق بين حاضر وبادٍ فإن أريد بالمسجد الحرام مكة ففيه دليل على أنه لا تباع دور مكة وأن أريد به البيت فالمعنى أنه قلة لجميع الناس سَوَآء بالنصب حفص مفعول ثانٍ لجلناه أي جعلناه مستوياً {العاكف فِيهِ والباد} وغير المقيم بالياء مكي وافقه أبو عمرو في الوصل وغيره بالرفع على أنه خير والمبتدأ مؤخر أي العاكف فيه والباد سواء والجملة مفعول ثان وللناس حال {وَمَن يُرِدْ فِيهِ} في المسجد الحرام {بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ} حالان مترادفان ومفعول يرد متروك ليتناول كل متناول كأنه قال ومن يرد فيه مراداً ما عادلاً عن القصد ظالماً فالإلحاد العدول عن القصد {نُّذِقْهُ مِنْ}

{عذاب أليم وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا}

عذاب أليم فى الآخرة وخبران محذوف لدلالة جواب الشرط عليه تقديره إن الذين كفروا ويصدون عن المسجد الحرام نذيقهم من عذاب أليم وكل من ارتكب فيه ذنباً فهو كذلك

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ ﴾ وعِيدٌ لِصِنْفٍ مِنَ الكَفَرَةِ، وحَسُنَ عَطْفُ المُضارِعِ عَلى الماضِي لِما أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالمُضارِعِ حالٌ أوِ اسْتِقْبالٌ كَما في قَوْلِهِمْ: فُلانٌ يُحْسِنُ إلى الفُقَراءِ فَإنَّ المُرادَ بِهِ اسْتِمْرارُ وُجُودِ الإحْسانِ، وقِيلَ ( يَصُدُّونَ ) بِمَعْنى صَدُّوا إلّا أنَّهُ عُبِّرَ بِالمُضارِعِ اسْتِحْضارًا لِلصُّورَةِ الماضِيَةِ تَهْوِيلًا لِأمْرِ الصَّدِّ، وقِيلَ لا عَطْفَ بَلِ الجُمْلَةُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والمَجْمُوعُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن فاعِلِ ( كَفَرُوا ) أيْ وهم يَصُدُّونَ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا مِن غَيْرِ تَقْدِيرٍ مُبْتَدَأً لِشَبَهِها بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ مَعْنًى وخَبَرُ إنَّ مَحْذُوفٌ لِلدَّلالَةِ آخِرَ الآيَةِ الكَرِيمَةِ عَلَيْهِ أيْ نُذِيقُهم مِن عَذابٍ ألِيمٍ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ ( المَسْجِدِ الحَرامِ ) وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهُ لا يَصِحُّ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَ الصِّفَةِ وهو ( المَسْجِدِ ) والمَوْصُوفِ وهو ( الَّذِي ) .

وأُجِيبَ بِاحْتِمالِ أنَّهُ جَعَلَ ( الَّذِي ) نَعْتًا مَقْطُوعًا، وقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بَعْدَ ﴿ والبادِ ﴾ هو أوْلى إلّا أنَّهُ قَدَّرَ خَسِرُوا أوْ هَلَكُوا وتَقْدِيرُ نُذِيقُهم إلَخْ أوْلى مِنهُ، وقِيلَ الواوُ في ( ويَصُدُّونَ ) زائِدَةٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرُ إنَّ.

وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّهُ مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى المُرادِ وغَيْرُهُ بِأنَّ البَصْرِيِّينَ لا يُجِيزُونَ زِيادَةَ الواوِ والقَوْلُ بِجَوازِ زِيادَتِها قَوْلٌ كُوفِيٌّ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، والظّاهِرُ أنَّ ( المَسْجِدِ ) عُطِفَ عَلى ( سَبِيلٍ ) وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى الِاسْمِ الجَلِيلِ، والآيَةُ عَلى ما رُوِيَ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما نَزَلَتْ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وأصْحابِهِ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ  وأصْحابَهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عامَ الحُدَيْبِيَةِ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ فَكَرِهَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أنْ يُقاتِلَهم وكانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ ثُمَّ صالَحُوهُ عَلى أنْ يَعُودَ في العامِ القابِلِ»، والمُرادُ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ مَكَّةُ وعُبِّرَ بِهِ عَنْها لِأنَّهُ المَقْصُودُ المُهِمُّ مِنها، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ ﴾ أيْ كائِنًا مَن كانَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ مَكِّيٍّ وآفاقِيٍّ ﴿ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ﴾ أيِ المُقِيمُ فِيهِ والطّارِئُ فَإنَّ الإقامَةَ لا تَكُونُ في المَسْجِدِ نَفْسِهِ بَلْ في مَنازِلِ مَكَّةَ وفي وصْفِهِ بِذَلِكَ زِيادَةُ التَّشْنِيعِ عَلى الصّادِّينَ عَنْهُ، وقَدِ اسْتَشْهَدَ بَعْضُ الأئِمَّةِ بِالآيَةِ عَلى عَدَمِ جَوازِ بَيْعِ دُورِ مَكَّةَ وإجارَتِها وإلّا لَما اسْتَوى العاكِفُ فِيها والبادِ، وقَدْ ورَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ في بَعْضِ الأحادِيثِ الصَّحِيحَةِ، فَرُوِيَ مِن عِدَّةِ طُرُقٍ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ: ««مَكَّةُ حَرَّمَها اللَّهُ تَعالى لا يَحِلُّ بَيْعُ رِباعِها ولا إجارَةُ بُيُوتِها»» وذَكَرَ ابْنُ سابِطٍ أنَّ دُورَ أهْلِ مَكَّةَ كانَتْ بِغَيْرِ أبْوابٍ حَتّى كَثُرَتِ السَّرِقَةُ فاتَّخَذَ رَجُلٌ بابًا فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: أتَغْلِقُ بابًا في وجْهِ حاجِّ بَيْتِ اللَّهِ تَعالى ؟

فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ حِفْظَ مَتاعِهِمْ مِنَ السَّرِقَةِ فَتَرَكَهُ فاتَّخَذَ النّاسُ الأبْوابَ، وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ وابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ قالَ: «تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ  وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما وما تُدْعى رِباعُ مَكَّةَ إلّا السَّوائِبَ مَنِ احْتاجَ سَكَنَ ومَنِ اسْتَغْنى أسْكَنَ»، وقالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: مَن أكَلَ كِراءَ بُيُوتِ مَكَّةَ فَإنَّما أكَلَ نارًا في بَطْنِهِ لِأنَّ النّاسَ في الِانْتِفاعِ بِها سَواءٌ، وجاءَ صَدْرُهُ مِن رِوايَةِ الدّارَقُطْنِيِّ مَرْفُوعًا وفي النِّهايَةِ لا بَأْسَ بِبَيْعِ بِناءِ مَكَّةَ ويُكْرَهُ بَيْعُ أرْضِها وهَذا عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وقالَ: لا بَأْسَ بِبَيْعِ أرْضِها وهو رِوايَةٌ عَنْهُ أيْضًا وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ وعَلَيْهِ الفَتْوى.

وفي تَنْوِيرِ الأبْصارِ وشَرْحِهِ الدُّرِّ المُخْتارِ وجازَ بَيْعُ بِناءِ بُيُوتِ مَكَّةَ وأرْضِها بِلا كَراهَةٍ وبِهِ قالَ الشّافِعِيُّ وبِهِ يُفْتِي عَيْنِي.

وفي البُرْهانِ في بابِ العُشْرِ ولا يُكْرَهُ بَيْعُ أرْضِها كَبِنائِها وبِهِ يُعْمَلُ.

وفي مُخْتاراتِ النَّوازِلِ لِصاحِبِ الهِدايَةِ لا بَأْسَ بِبَيْعِ بِنائِها وإجارَتِها لَكِنْ في الزَّيْلَعِيِّ وغَيْرِهِ يُكْرَهُ إجارَتُها، وفي آخِرِ الفَصْلِ الخامِسِ مِنَ التّاتارَخانِيَّةِ وإجارَةُ الوَهْبانِيَّةِ قالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْرَهُ إجارَةَ بُيُوتِ مَكَّةَ في أيّامِ المَوْسِمِ وكانَ يُفْتِي لَهم أنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِمْ في دُورِهِمْ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ﴾ ورَخَّصَ فِيها في غَيْرِ أيّامِ المَوْسِمِ انْتَهى فَلْيُحْفَظْ، قُلْتُ: وبِهَذا يَظْهَرُ الفَرْقُ والتَّوْفِيقُ انْتَهى.

والَّذِي يُفْهَمُ مِن غايَةِ البَيانِ أنَّ القَوْلَ بِكَراهَةِ إجارَةِ بُيُوتِها أيّامَ المَوْسِمِ مِمّا لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ الإمامُ بَلْ وافَقَهُ عَلَيْهِ صاحِباهُ حَيْثُ نُقِلَ عَنْ تَقْرِيبِ الإمامِ الكَرْخِيِّ ما نَصُّهُ ورَوى هِشامٌ عَنْ أبِي يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ كَرِهَ إجارَةَ بُيُوتِ مَكَّةَ في المَوْسِمِ ورَخَّصَ في غَيْرِهِ، وكَذا قالَ أبُو يُوسُفَ، وقالَ هِشامٌ: أخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّهُ يُكْرَهُ كِراءُ بُيُوتِ مَكَّةَ في المَوْسِمِ ويَقُولُ لَهم أنْ يَنْزِلُوا عَلَيْهِمْ في دُورِهِمْ إنْ كانَ فِيها فَضْلٌ وإنْ لَمْ يَكُنْ فَلا وهو قَوْلُ مُحَمَّدٍ انْتَهى.

والَّذِي تَحَرَّرَ مِمّا رَأيْناهُ مِن أكْثَرِ مُعْتَبَراتِ كُتُبِ ساداتِنا الحَنَفِيَّةِ أنَّ جَوازَ بَيْعِ بِناءِ البُيُوتِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لِأنَّهُ مِلْكٌ لِمَن بَناهُ كَمَن بَنى في أرْضِ الوَقْفِ بِإذْنِ المُتَوَلِّي، ولا يُقالُ: إنَّهُ بِناءُ غاصِبٍ كَمَن بَنى بَيْتًا في جامِعٍ لِظُهُورِ الإذْنِ هُنا دُونَهُ ثَمَّةَ، وكَذا كَراهَةُ الإجارَةِ في أيّامِ المَوْسِمِ وأمّا بَيْعُ الأرْضِ فَعِنْدَ الإمامَيْنِ جائِزٌ بِلا كَراهَةٍ قَوْلًا واحِدًا وعَنِ الإمامِ رِوايَتانِ الجَوازُ وعَدَمُهُ والمُفْتى بِهِ الجَوازُ، ومُسْتَنَدُ مَن يُجَوِّزُ مِنَ الكِتابِ الجَلِيلِ هَذِهِ الآيَةُ.

وأجابَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ عَنْها أنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ في المَطافِ والعاكِفَ في المُعْتَكَفِ لِلْعِبادَةِ المَعْدُودِ مِن أهْلِ المَسْجِدِ لِمُلازَمَتِهِ لَهُ أظْهَرُ، وكَذَلِكَ المُساواةُ في أنَّهُ مِن شَعائِرِ اللَّهِ تَعالى المَنصُوبَةِ لِكُلِّ عاكِفٍ وبادٍ أوْضَحُ وهو المُقابِلُ لِلْمَوْصُوفِ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى والمَسْجِدِ الحَرامِ خاصَّةً فَما كانُوا يَصُدُّونَ عَنْ مَكَّةَ ولا أنَّ الصَّدَّ عَنْها لِغَيْرِ مُرِيدِ النُّسُكِ مَعْصِيَةٌ وأيُّ مَدْخَلٍ لِحَدِيثِ التَّمْلِيكِ وعَدَمِهِ في هَذا المَساقِ.

والِاسْتِدْراكُ بِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا عَلى سَبِيلِ الإدْماجِ وإشارَةِ النَّصِّ كَلامٌ لا طائِلَ تَحْتَهُ، وقَدْ فُسِّرَ ( سَواءً ) بِما فُسِّرَ كَذا في الكَشْفِ، وقَدْ جَرَتْ مُناظَرَةٌ بِمَكَّةَ بَيْنَ الشّافِعِيِّ وإسْحاقَ بْنِ راهَوَيْهِ الحَنْظَلِيِّ وكانَ إسْحاقُ لا يُرَخِّصُ في كِراءِ دُورِ مَكَّةَ فاحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ  ﴾ فَأُضِيفَتِ الدِّيارُ إلى مالِكِيها وقَوْلِهِ  يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ««مَن أغْلَقَ بابَهُ فَهو آمِنٌ ومَن دَخَلَ دارَ أبِي سُفْيانَ فَهو آمِنٌ»» وبِأنَّهُ قَدِ اشْتَرى عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ دارَ السِّجْنِ أتُرى أنَّهُ اشْتَرى مِن مالِكِيها أوْ غَيْرِ مالِكِيها قالَ إسْحاقُ: فَلَمّا عَلِمْتُ أنَّ الحُجَّةَ قَدْ لَزِمَتْنِي تَرَكْتُ قَوْلِيَ، وأجابَ بَعْضُهم أنَّ الإضافَةَ إلى مالِكِي مَنفَعَةِ السُّكْنى وأنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ اشْتَرى البِناءَ دُونَ الأرْضِ وأرْضى بِالثَّمَنِ مَن أنْفَقَ مالًا فِيهِ لِحاجَةِ العامَّةِ ولِلْإمامِ مِن ذَلِكَ ما لَيْسَ لِغَيْرِهِ.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالظّاهِرِ والعُدُولَ عَنِ الظّاهِرِ دُونَ سَنَدٍ أقْوى غَيْرُ مُلْتَفَتٍ إلَيْهِ، ولِذا قالَ ابْنُ راهَوَيْهِ: وهو أحَدُ أرْكانِ المُسْلِمِينَ وعَلَمٌ مِن أعْلامِ الدِّينِ ما قالَ.

والظّاهِرُ أنَّ الأخْبارَ المُصَرِّحَةَ بِتَحْرِيمِ البَيْعِ والإجارَةِ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَ الشّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وعِنْدَ مَن قالَ بِمِثْلِ قَوْلِهِ ونُصِبَ ( سَواءً ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلْنا، والأوَّلُ الضَّمِيرُ الغائِبُ المُتَّصِلُ و( العاكِفُ ) مُرْتَفِعٌ بِهِ لِأنَّهُ بِمَعْنى مُسْتَوٍ وإنْ كانَ في الأصْلِ مَصْدَرًا، ومِن كَلامِهِمْ مَرَرْتُ بِرَجُلٍ سَواءً هو والعَدَمُ، واللّامُ ظَرْفٌ لِما عِنْدَهُ.

وجُوِّزَ أنْ يَكُونَ ( لِلنّاسِ ) في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي أيْ جَعَلْناهُ مُباحًا لِلنّاسِ أوْ مَعْبَدًا لَهم ﴿ وسَواءٌ ﴾ حالًا مِنَ الهاءِ وكَذا يَكُونُ حالًا إذا لَمْ يُعَدَّ الجَعْلُ إلى مَفْعُولَيْنِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ «سَواءٌ» بِالرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ «والعاكِفُ» مُبْتَدَأٌ، وضَعُفَ العَكْسُ لِما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمَعْرِفَةِ عَنِ النَّكِرَةِ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي أوِ الحالِ، وجُوِّزَ أنْ تَكُونَ تَفْسِيرِيَّةً لِجَعْلِهِ لِلنّاسِ وقَرَأتْ فِرْقَةٌ مِنهُمُ الأعْمَشُ في رِوايَةِ القَطْعِيِّ «سَواءً» بِالنَّصْبِ «العاكِفِ» فِيهِ بِالجَرِّ، ووَجْهُ النَّصْبِ ما تَقَدَّمَ، ووَجْهُ جَرِّ «العاكِفِ» أنَّهُ بَدَلُ تَفْصِيلٍ مِنَ النّاسِ، وقِيلَ: هو عَطْفُ بَيانٍ.

وقُرِئَ «والبادِي» بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا ووَقْفًا، وقُرِئَ بِتَرْكِها فِيهِما وبِإثْباتِها وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا ﴿ ومَن يُرِدْ فِيهِ ﴾ مِمّا تُرِكَ مَفْعُولُهُ لِيَتَناوَلَ كُلَّ مُتَناوَلٍ أيْ ومَن يَرِدْ فِيهِ شَيْئًا ما أوْ مُرادًا ما، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ المَفْعُولَ النّاسَ أيْ ومَن يُرِدْ فِيهِ النّاسَ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بِإلْحادٍ ﴾ أيْ عُدُولٍ عَنِ القَصْدِ أيِ الِاسْتِقامَةِ المَعْنَوِيَّةِ، وأصْلُهُ إلْحادُ الحافِرِ ﴿ بِظُلْمٍ ﴾ بِغَيْرِ حَقِّ حالانِ مُتَرادِفانِ أوِ الثّانِي بَدَلٌ مِنَ الأوَّلِ بِإعادَةِ الجارِّ والباءُ فِيهِما لِلْمُلابَسَةِ، أوِ الأوَّلُ حالٌ والثّانِي مُتَعَلِّقٌ بِهِ والباءُ فِيهِ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ مُلْحِدًا بِسَبَبِ الظُّلْمِ كالإشْراكِ واقْتِرافِ الآثامِ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ و«إلْحادٍ» مَفْعُولُ ( يُرِدْ ) وأنْشَدَ عَلَيْهِ قَوْلَ الأعْشى: ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا وأُيِّدَ بِقِراءَةِ الحَسَنِ «ومَن يُرِدْ إلْحادَهُ بِظُلْمٍ» وهي عَلى مَعْنى إلْحادًا فِيهِ إلّا أنَّهُ تَوَسَّعَ فَقِيلَ إلْحادَهُ، وقالَ أبُو حَيّانَ: الأوْلى أنْ يُضَمَّنَ ( يُرِدْ ) مَعْنى يَتَلَبَّسُ وتُجْعَلُ الباءُ لِلتَّعْدِيَةِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ يَرِدُ بِفَتْحِ الياءِ مِنَ الوُرُودِ وحَكاها الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أيْ مَن أتى فِيهِ بِإلْحادٍ إلَخْ، وتَفْسِيرُ الإلْحادِ بِما ذُكِرَ هو الظّاهِرُ فَيَشْمَلُ سائِرَ الآثامِ لِأنَّ حاصِلَ مَعْناهُ المَيْلُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ وهو مُحَقَّقٌ في جَمِيعِ الآثامِ، وكَذا المُرادُ بِالظُّلْمِ عِنْدَ جَمْعٍ وجَمْعُهُما عَلى هَذا لِلتَّأْكِيدِ، وقِيلَ: المُرادُ بِذَلِكَ الشِّرْكُ ولَمْ يَرْتَضِهِ ابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ، فَقَدْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن يُرِدْ ﴾ إلَخْ فَقالَ: ما كُنّا نَشُكُّ أنَّها الذُّنُوبُ حَتّى جاءَ أعْلاجٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ إلى أعْلاجٍ مِن أهْلِ الكُوفَةِ فَزَعَمُوا أنَّها الشِّرْكُ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ وغَيْرُهُ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ قالَ: «احْتِكارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلْحادٌ فِيهِ»، وهو مَن ذَكَرَ بَعْضَ الأفْرادِ لِاقْتِضاءِ الحالِ إيّاهُ، وجَعَلَ بَعْضُهم مِن ذَلِكَ دُخُولَهُ مِن غَيْرِ إحْرامٍ، ورُوِيَ عَنْ عَطاءٍ تَفْسِيرُ الإلْحادِ بِهِ.

وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وجَماعَةٌ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما فُسْطاطانِ أحَدُهُما في الحِلِّ والآخَرُ في الحَرَمِ فَإذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ صَلّى في الَّذِي في الحَرَمِ وإذا أرادَ أنْ يُعاتِبَ أهْلَهُ عاتَبَهم في الَّذِي في الحِلِّ فَقِيلَ لَهُ فَقالَ: نُحَدَّثُ أنَّ مِنَ الإلْحادِ فِيهِ لا واللَّهِ بَلى واللَّهِ ﴿ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ جَوابٌ لِمَنِ الشَّرْطِيَّةِ.

والظّاهِرُ أنَّ الوَعِيدَ عَلى إرادَةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَيُفِيدُ أنَّ مَن أرادَ سَيِّئَةً في مَكَّةَ ولَمْ يَعْمَلْها يُحاسَبُ عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وعِكْرِمَةَ وأبِي الحَجّاجِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الوَعِيدُ عَلى الإرادَةِ المُقارَنَةُ لِلْفِعْلِ لا عَلى مُجَرَّدِ الإرادَةِ لَكِنْ في التَّعْبِيرِ بِها إشارَةٌ إلى مُضاعَفَةِ السَّيِّئاتِ هُناكَ والإرادَةُ المُصَمِّمَةُ مِمّا يُؤاخَذُ عَلَيْها أيْضًا وإنْ قِيلَ إنَّها لَيْسَتْ كَبِيرَةً، وقَدْ رُوِيَ عَنْ مالِكٍ كَراهَةَ المُجاوَرَةِ بِمَكَّةَ انْتَهى.

وإلى مُضاعَفَةِ السَّيِّئَةِ في مَكَّةَ ذَهَبَ مُجاهِدٌ، فَقَدْ أخْرَجَ عَنْهُ ابْنُ المُنْذِرِ وغَيْرُهُ أنَّهُ قالَ: تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ بِمَكَّةَ كَما تَضاعَفُ الحَسَناتُ، وقالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى.

سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ وكانَ مَنزِلُهُ في الحِلِّ ومَسْجِدُهُ في الحَرَمِ لِمَ تَفْعَلُ هَذا؟

فَقالَ: لِأنَّ العَمَلَ في الحَرَمِ أفْضَلُ والخَطِيئَةَ فِيهِ أعْظَمُ فَيَنْبَغِي لِمَن كانَ فِيهِ أنْ يَضْبُطَ نَفْسَهُ ويَسْلُكَ طَرِيقَ السَّدادِ في جَمِيعِ ما يَهُمُّ بِهِ ويَقْصِدُهُ.

والظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الإذاقَةَ في الآخِرَةِ، وقِيلَ كانَ قَبْلَ أنْ يَسْتَحِلَّهُ أهْلُهُ تُعَجَّلُ العُقُوبَةُ في الدُّنْيا لِمَن قَصَدَهُ بِسُوءٍ: وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ.

حَدَّثَنا رَجُلٌ سَمِعَهُ مِن عَقِبِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ أنَّهم أخْبَرُوهُ أنَّ أيَّما أحَدٍ أرادَ بِهِ ما أرادَ أصْحابُ الفِيلِ عُجِّلَ لَهُمُ العُقُوبَةُ في الدُّنْيا وقالَ: إنَّما يُوَفّى اسْتِحْلالُهُ مِن قِبَلِ أهْلِهِ، وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى قَرِيبًا ما يَنْفَعُكَ في هَذا المَطْلَبِ، وحَدَّ بَعْضُهُمُ الحَرَمَ بِقَوْلِهِ: ولِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِن أرْضٍ طَيِّبَةٍ ∗∗∗ ثَلاثَةُ أمْيالٍ إذا رُمْتَ إتْقانَهُ وسَبْعَةُ أمْيالٍ عِراقٌ وطائِفٌ ∗∗∗ وجِدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جُعْرانُهُ ومِن يَمَنٍ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهِ ∗∗∗ وقَدْ كَمُلَتْ فاشْكُرْ لِرَبِّكَ إحْسانَهُ وأمّا المَسْجِدُ الحَرامُ فَيُطْلَقُ عَلى الحَرَمِ كُلِّهِ عِنْدَ عَطاءٍ فَيَكُونُ حَدُّهُ ما ذَكَرَهُ.

وفي البَحْرِ العَمِيقِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: إنّا لَنَجِدُ في كِتابِ اللَّهِ تَعالى أنَّ حَدَّ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى آخِرِ المَسْعى، وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: أساسُ المَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي وضَعَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الحَزْوَةِ إلى مَخْرَجِ مَسِيلِ جِيادٍ، وقَدْ ذَكَرُوا أنَّ طُولَ المَسْجِدِ اليَوْمَ أرْبَعُمِائَةِ ذِراعٍ وأرْبَعَةُ أذْرُعٍ وعَرْضَهُ ثَلاثُمِائَةِ ذِراعٍ.

وحُكِيَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  ولَمْ يَكُنْ لَهُ جِدارٌ يُحِيطُ بِهِ فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ وسَّعَ المَسْجِدَ واشْتَرى دُورًا فَهَدَمَها وأدْخَلَها فِيهِ ثُمَّ أحاطَ عَلَيْهِ جِدارًا قَصِيرًا دُونَ القامَةِ وكانَتِ المَصابِيحُ تُوضَعُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمّا اسْتُخْلِفَ عُثْمانُ اشْتَرى دُورًا أيْضًا ووَسَّعَ بِها وبَنى المَسْجِدَ والأرْوِقَةَ، ثُمَّ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ زادَ سَنَةَ بِضْعٍ وسِتِّينَ في المَسْجِدِ زِيادَةً كَثِيرَةً في خِلافَتِهِ، ومِن ذَلِكَ بَعْضُ دارِ الأزْرَقِيِّ اشْتَراهُ بِسَبْعَةِ آلافِ دِينارٍ، ثُمَّ عَمَّرَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ ولَمْ يَزِدْ فِيهِ لَكِنْ رَفَعَ جِدارَ المَسْجِدِ وحَمَلَ إلَيْهِ أعْمِدَةَ الحِجارَةِ والرُّخامِ، ثُمَّ إنَّ المَنصُورَ زادَ في شِقِّهِ الشّامِيِّ وبَناهُ وجَعَلَ فِيهِ أعْمِدَةً مِنَ الرُّخامِ، ثُمَّ زادَ المَهْدِيُّ بَعْدَهُ مَرَّتَيْنِ وكانَتِ الكَعْبَةُ في جانِبِ المَسْجِدِ فَأحَبَّ أنْ تَكُونَ في الوَسَطِ فاشْتَرى دُورًا وزادَ في المَسْجِدِ ووَسَّطَها كَذا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ.

وفِي البَحْرِ العَمِيقِ أنَّ زِيادَةَ المَهْدِيِّ هي الَّتِي تَلِي دارَ النَّدْوَةِ خَلْفَ مَقامِ الحَنَفِيِّ، ثُمَّ لَمّا انْتَهَتِ الدَّوْلَةُ إلى سَلاطِينِ آلِ عُثْمانَ أبْقى اللَّهُ تَعالى دَوْلَتَهم ما دامَ الدَّوَرانُ لَمْ يَأْلَوْا جُهْدًا في خِدْمَتِهِ والسَّعْيِ في مَرَمَّتِهِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم قال عز وجل: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: أهل مكة.

وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، يعني: صرفوا الناس عن دين الإسلام.

وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ يعني: وعن المسجد الحرام.

وهذه الآية مدنية، وذلك أن النبي  لما خرج مع أصحابه من الحديبية، منعهم المشركون عن المسجد الحرام.

ثم وصف المسجد الحرام، فقال: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً، يعني: عاماً للمؤمنين جميعاً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ، يعني: سواء أهلها المقيم في الحرم، ومن دخل مكة من غير أهله ومعناه: المقيم والغريب فيه سواء، ويقال: في تعظيمه وحرمته، ويقال: الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أراد به: جميع الحرم، المقيم وغيره في حق النزول سواء.

وقال عمر  : «يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً، لينزل البادي حيث يشاء» (١) ثم قال: وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ، وهو الظلم والميل عن الحق، ويقال: أصله ومن يرد فيه إلحاداً، فزيد فيه الباء، كما قال: تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ [المؤمنون: 23] ويقال: من اشترى الطعام بمكة للاحتكار، فقد ألحد.

ثمّ قال بِظُلْمٍ، يعني: بشرك أو بقتل.

نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ.

قال الزجاج: الإلحاد في اللغة، العدول عن القصد، وقال مقاتل: نزلت الآية في عبد الله بن أنيس بن خطل القرشيّ، وذلك أن النبيّ  بعث رجلين أحدهما مهاجريّ، والآخر أنصاريّ، فافتخرا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري، ثم ارتد عن الإسلام، وهرب إلى مكة.

فأمر النبيّ  يوم فتح مكة بقتله، فقتل.

قرأ أبو عمرو: وَالبَادِي بالياء عند الوصل، وكذلك نافع في رواية ورش، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر بغير ياء في الوصل والقطع، وقرأ ابن كثير بالياء في الوصل والقطع، وهو الأصل في اللغة، ومن أسقطه، لأن الكسر يدل عليه.

(١) عزاه السيوطي: 6/ 25 إلى عبد بن حميد وابن أبي شيبة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

جرى معها من ذكر الله وتسبيحه، وتقديسه، وسائر كلام أهل الجنة من محاورة وحديث طيب فإنّها لا تسمع فيها لاغية، وصِراطِ الْحَمِيدِ هو طريقُ الله الذي دعا عبادَه إليه، ويحتمل أَنْ يريد بالحميد نفس الطريق، فأضاف إليهِ على حد إضافته في قوله: دار الآخرة، وقال البخاريُّ «١» : وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ: أي: أَلْهِمُوا إلى قراءة القرآن، وَهُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ: أي: إلى الإسلام، انتهى.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ هذه الآية نزلت عام الحُدَيْبِيَّةِ حين صدّ النبي صلى الله عليه وسلّم وجاء يَصُدُّونَ مستقبلاً ِاذ هو فعل يُدِيمونه، وخبر إِنَّ محذوف مقدّر عند قوله: والْبادِ: تقديره: خسروا أو هلكوا.

والْعاكِفُ: المقيم في البلد، و «البادي» : القادم عليه من غيره.

وقوله: بِإِلْحادٍ قال أبو عبيدة «٢» : الباء فيه زائدة.

ت قال ابن العربيِّ «٣» في «أحكامه» : وجَعْلُ الباء زائدةً لا يُحْتَاجُ إليه في سبيل العربية لأَنَّ حَمْلَ المعنى على القول أولى من حمله على الحروف، فيقال: المعنى ومن يَهُمَّ فيه بميل، لأَنَّ الإلحادَ هو الميل في اللغة، إلاَّ أَنَّهُ قد صار في عُرْفِ الشرع ميلاً مذموماً، فرفع الله الإشكال، وبَيَّنَ سبحانه أَنَّ الميلَ بالظلم هو المراد هنا، انتهى.

/ قال ع «٤» : والإلحاد الميلُ وهو يشمل جميع المعاصي من الكفر إلى الصغائر، ٢٣ ب فلعظم حرمة المكان توعد الله تعالى على نية السيئة فيه، ومَنْ نوى سيئة ولم يعملها- لم

يُحَاسَبْ بذلك إلاَّ في مَكَّةَ.

هذا قولُ ابنِ مسعود وجماعة من الصحابة «١» وغيرهم.

قال ص: وقوله: أَنْ لاَّ تُشْرِكْ: أَنْ: مفسِّرةٌ لقولٍ مُقَدَّرٍ، أي: قائلين له، أو موحين له: لا تشرك، وفي التقدير الأول نَظَرٌ فانظره، انتهى.

وقوله تعالى: وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ ...

الآية: تطهيرُ البيت عامٌّ في الكُفْرِ، والبِدَعِ، وجميعِ الأَنْجَاسِ، والدماءِ، وغير ذلك، وَالْقائِمِينَ: هم المصلون، وخَصَّ سبحانه بالذكر من أركان الصلاة أعظَمَها، وهو القيامُ والركوعُ والسجودُ، ورُوِيَ:

«أنّ إبراهيم- عليه [الصلاة] «٢» والسلام- لَمَّا أُمِرَ بالأذان بالحج- قال: يا رب، وإذا أَذَّنْتُ، فَمَنْ يَسْمَعُنِي؟

فقيل له: نادِ يا إبراهيمُ، فعليك النداءُ وعلينا البلاغ فصعد على أبي قُبَيْس «٣» ، وقيل: على حجر المَقَام، ونادى: أَيُّها الناس، إنَّ الله تعالى قد أمركم بحجِّ هذا البيتِ فَحِجُّوا، فَرُوِيَ أَنَّ يومَ نادى أسمع كُلَّ مَنْ يحج إلى يوم القيامة في أصلابِ الرجال، وأجابه كُل شَيءٍ في ذلك الوقْتِ: من جمادٍ، وغيرهِ: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبيك فجرت التلبيةُ على ذلك» .

قاله ابن عباس، وابن جبير «٤» ، ورِجالًا: جمع رَاجِل، وَال ضامِرٍ: قالت فرقة: أراد بها الناقةَ وذلك أَنه يقال: ناقة ضامرٌ، وقالت فرقة: لفظ «ضامر» يشمل كلَّ مَنِ اتصف بذلك من جمل، أو ناقة، وغيرِ ذلك.

قال ع «٥» : وهذا هو الأظهر، وفي تقديم رِجالًا تفضيلٌ للمُشَاةِ في الحج وإليه نحا ابن عباس «٦» .

قال ابن العربي في «أحكامه» «٧» : قوله تعالى: يَأْتِينَ رَدَّ الضمير إلى الإبل تكرمةً لها لقصدها الحج مع أربابها كما قال تعالى: وَالْعادِياتِ ضَبْحاً [العاديات: ١] .

في خيل الجهاد تكرمةً لها حين سَعَتْ في سبيل الله، انتهى.

والفَجُّ: الطريق الواسعة، والعميق:

معناه: البعيد قال الشاعر [الطويل] :

إِذَا الْخَيْلُ جَاءَتْ مِنْ فِجَاجٍ عَمِيقَة ...

يَمُدُّ بِهَا فِي السير أشعث شاحب «١»

والمنافع في هذه الآية التجارةُ في قول أكثر المتأولين، ابنِ عباس «٢» وغيرِه، وقال أبو جعفر محمد بن علي: أراد الأَجْرَ ومنافع الآخرة «٣» ، وقال مجاهد بعموم الوجهين «٤» .

ت: وأظهرها عندي قول أبي جعفر يظهر ذلك من مقصد الآية، والله أعلم.

وقال ابن العربيِّ: الصحيح: القولُ بالعموم، انتهى.

وقوله سبحانه: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُوماتٍ عَلى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعامِ ذهب قوم إلى: أَنَّ المراد ذكر اسم الله على النَّحْرِ والذبح، وقالوا: إنَّ في ذكر الأيام دليلاً على أنَّ الذبح في الليل لا يجوزُ، وهو مذهب مالكٍ وأصحابِ الرأي.

وقالت فرقة فيها مالك وأصحابُه: الأيام المعلوماتُ: يومُ النحر ويومانِ بعده.

وقوله: فَكُلُوا ندبٌ، واستحب أهل العلم أن يأكلَ الإنسانُ مِنْ هَدْيِهِ وأَضْحِيَّتِهِ، وأنْ يتصدَّقَ بالأكثر، والبائس: الذي قد مَسَّهُ ضُرُّ الفاقة وبؤسها، والمراد أهل الحاجة، والتفث: ما يصنعه المُحْرِمُ عند حِلِّهِ من تقصيرِ شعر وحلقه، وإزالة شعث ونحوه، وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ: وهو ما معهم من هدي وغيره، وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ: يعني:

طوافَ الإفاضة الذي هو من واجبات «٥» الحج.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ ؛ أيْ: يَمْنَعُونَ النّاسَ مِنَ الدُّخُولِ في الإسْلامِ.

قالَ الزَّجّاجُ: ولَفْظُ " يَصُدُّونَ " لَفْظُ مُسْتَقْبَلٍ عُطِفَ بِهِ عَلى لَفْظِ الماضِي؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ : الَّذِينَ هم كافِرُونَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إنَّ الكافِرِينَ والصّادِّينَ، فَأمّا خَبَرُ " إنَّ " فَمَحْذُوفٌ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنَّ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهم هَلَكُوا.

وَفِي " المَسْجِدِ الحَرامِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَمِيعُ الحَرَمِ.

رَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ الحَرَمَ كُلَّهُ مَسْجِدًا.

والثّانِي: نَفْسُ المَسْجِدِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ ﴾ هَذا وقْفُ التَّمامُ.

وَفِي مَعْناهُ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جَعَلْناهُ لِلنّاسِ كُلِّهِمْ، لَمْ نَخُصَّ بِهِ بَعْضُهم دُونَ بَعْضٍ، هَذا عَلى أنَّهُ جَمِيعُ الحَرَمِ.

والثّانِي: جَعَلْناهُ قِبْلَةً لِصَلاتِهِمْ ومَنسَكًا لِحُجَّتِهِمْ، وهَذا عَلى أنَّهُ نَفْسُ المَسْجِدِ.

وقَرَأ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( سَواءً ) بِالنَّصْبِ، فَيَتَوَجَّهُ الوَقْفُ عَلى ( سَواءً )، وقَدْ وقَفَ بَعْضُ القُرّاءِ كَذَلِكَ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: أُبْدِلَ العاكِفُ والبادِي مِنَ النّاسِ مِن حَيْثُ كانا كالشّامِلِ لَهم، فَصارَ المَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلْعاكِفِ والبادِي سَواءً.

فَأمّا العاكِفُ: فَهو المُقِيمُ، والبادِي: الَّذِي يَأْتِيه مِن غَيْرِ أهْلِهِ، وهَذا مِن قَوْلِهِمْ: بَدا القَوْمُ: إذا خَرَجُوا مِنَ الحَضَرِ إلى الصَّحْراءِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( البادِي ) بِالياءِ، غَيْرَ أنَّ ابْنَ كَثِيرٍ وقَفَ بِياءٍ، وأبُو عَمْرٍو بِغَيْرِ ياءٍ.

وقَرَأ عاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والمُسَيِّبِيُّ عَنْ نافِعٍ بِغَيْرِ ياءٍ في الحالَتَيْنِ.

ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّ العاكِفَ والبادِي يَسْتَوِيانِ في سُكْنى مَكَّةَ والنُّزُولِ بِها، فَلَيْسَ أحَدُهُما أحَقَّ بِالمَنزِلِ مِنَ الآخَرِ، غَيْرَ أنَّهُ لا يُخْرَجُ أحَدٌ مِن بَيْتِهِ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ وأحْمَدُ، ومَذْهَبُ هَؤُلاءِ أنَّ كِراءَ دُورِ مَكَّةَ وبَيْعِها حَرامٌ، هَذا عَلى أنَّ المَسْجِدَ: الحَرَمُ كُلُّهُ.

والثّانِي: أنَّهُما يَسْتَوِيانِ في تَفْضِيلِهِ وحُرْمَتِهِ، وإقامَةِ المَناسِكِ بِهِ، هَذا قَوْلُ الحَسَنِ ومُجاهِدٌ.

[ ومِنهم ] مَن أجازَ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ، وإلَيْهِ يَذْهَبُ الشّافِعِيُّ.

وعَلى هَذا يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالمَسْجِدِ: الحَرَمُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ نَفْسُ المَسْجِدِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ ﴾ الإلْحادُ في اللُّغَةِ: العُدُولُ عَنِ القَصْدِ، والباءُ زائِدَةٌ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ  ﴾ ، وأنْشَدُوا: بِوادٍ يَمانٍ يَنْبُتُ الشَّثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَّبَهانِ المَعْنى: وأسْفَلُهُ يُنْبِتُ المَرْخَ، وقالَ آخَرُ: هُنَّ الحَرائِرُ لا رَبّاتُ أخْمِرَةٍ ∗∗∗ سُودُ المَحاجِرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّورِ وَقالَ آخَرُ: نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أرْبابُ الفَلَجِ ∗∗∗ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ اللُّغَوِيِّينَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والباءُ قَدْ تُزادُ في الكَلامِ كَهَذِهِ الآيَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ  ﴾ ، ﴿ وَهُزِّي إلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ  ﴾ ، ﴿ بِأيِّيكُمُ المَفْتُونُ  ﴾ ، ﴿ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالمَوَدَّةِ  ﴾ ، ﴿ عَيْنًا يَشْرَبُ بِها  ﴾ ؛ أيْ: يَشْرَبُها، وقَدْ تُزادُ ( مِن ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ما أُرِيدُ مِنهم مِن رِزْقٍ  ﴾ ، وتُزادُ اللّامُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ  ﴾ ، والكافُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ  ﴾ ، و( عَنْ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ  ﴾ ، و( إنَّ ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَإنَّهُ مُلاقِيكُمْ  ﴾ ، و( إنْ ) الخَفِيفَةُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فِيما إنْ مَكَّنّاكم فِيهِ  ﴾ ، و( ما ) كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ ، والواوُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ ﴿ وَنادَيْناهُ  ﴾ .

وَفِي المُرادِ بِهَذا الإلْحادِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُ الظُّلْمُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقالَ مُجاهِدٌ: هو عَمَلُ سَيِّئَةٍ، فَعَلى هَذا تَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ المَعاصِي، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: لا تَحْتَكِرُوا الطَّعامَ بِمَكَّةَ، فَإنَّ احْتِكارَ الطَّعامِ بِمَكَّةَ إلْحادٌ بِظُلْمٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الشِّرْكُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والثّالِثُ: الشِّرْكُ والقَتْلُ، قالَهُ عَطاءٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ اسْتِحْلالُ مَحْظُوراتِ الإحْرامِ، وهَذا المَعْنى مَحْكِيٌّ عَنْ عَطاءٍ أيْضًا.

والخامِسُ: اسْتِحْلالُ الحَرامِ تَعَمُّدًا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.

فَإنْ قِيلَ: هَلْ يُؤاخَذُ الإنْسانُ إنْ أرادَ الظُّلْمَ بِمَكَّةَ ولَمْ يَفْعَلْهُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ إذا هَمَّ بِذَلِكَ في الحَرَمِ خاصَّةً، عُوقِبَ، هَذا مَذْهَبُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَإنَّهُ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ بِخَطِيئَةٍ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْهِ ما لَمْ يَعْمَلْها، ولَوْ أنَّ رَجُلًا هَمَّ بِقَتْلِ مُؤْمِنٍ عِنْدَ البَيْتِ وهو بِـ " عَدَنِ أبْيَنَ "، أذاقَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا مِن عَذابٍ ألِيمٍ.

وقالَ الضَّحّاكُ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَهُمُّ بِالخَطِيئَةِ بِمَكَّةَ وهو بِأرْضٍ أُخْرى، فَتُكْتَبُ عَلَيْهِ ولَمْ يَعْمَلْها.

وقالَ مُجاهِدٌ: تُضاعَفُ السَّيِّئاتُ بِمَكَّةَ كَما تُضاعَفُ الحَسَناتُ.

وسُئِلَ الإمامُ أحْمَدُ: هَلْ تُكْتَبُ السَّيِّئَةُ أكْثَرَ مِن واحِدَةٍ ؟

فَقالَ: لا، إلّا بِمَكَّةَ؛ لِتَعْظِيمِ البَلَدِ.

وأحْمَدُ عَلى هَذا يَرى فَضِيلَةَ المُجاوَرَةِ بِها، وقَدْ جاوَرَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يُقِيمُ بِها.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ وَمَن يُرِدْ ﴾ : مَن يَعْمَلُ.

قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: هَذا قَوْلُ سائِرِ مَن حَفِظْنا عَنْهُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ إنَّ اللهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤًا ولِباسُهم فِيها حَرِيرٌ ﴾ ﴿ وَهُدُوا إلى الطَيِّبِ مِنَ القَوْلِ وهُدُوا إلى صِراطِ الحَمِيدِ ﴾ ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ عن سَبِيلِ اللهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ومَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُعادَلَةٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ  ﴾ .

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَحِلُّونَ" بِفَتْحِ الياءِ واللامِ وتَخْفِيفِها، يُقالُ: حَلَيَ الرَجُلُ وحَلِيَتِ المَرْأةُ إذا صارَتْ ذاتِ حُلِيٍّ.

وقِيلَ: هي مِن قَوْلِهِمْ: لَمْ يَحِلْ فَلانٌ بِطائِلٍ.

و"مِن" في قَوْلِهِ تَعالى: "مِن أساوِرَ" هي لِبَيانِ الجِنْسِ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِتَّبْعِيضِ.

و"الأساوِرُ" جَمْعُ سُوارٍ وإسْوارٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، وقِيلَ: أساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةُ جَمْعُ سَوارٍ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: مِن أسْوِرَةٍ مِن ذَهَبٍ.

و "اللُؤْلُؤُ": الجَوْهَرُ، وقِيلَ: صِغارُهُ، وقِيلَ: كِبارُهُ، والأشْهُرُ أنَّهُ اسْمٌ لِلْجَوْهَرِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمْ -فِي رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ -: "وَلُؤْلُؤًا" بِالنَصْبِ عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ "الأساوِرِ"؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ: يَحِلُّونَ فِيها أساوِرَ، وهي قِراءَةُ الحَسَنِ، والجَحْدَرِيِّ، وسَلّامٍ، ويَعْقُوبَ، والأعْرَجِ، وأبِي جَعْفَرٍ، وعِيسى، وابْنِ عُمَرَ، وحَمَلَ أبُو الفَتْحِ نَصْبَهُ عَلى إضْمارٍ فَعَلَ، وقَرَأ الباقُونَ مِنَ السَبْعَةِ: "وَلُؤْلُؤٌ" بِالخَفْضِ عَطْفًا إمّا عَلى لَفْظَةِ "الأساوِرِ"، ويَكُونُ "اللُؤْلُؤُ" في غَيْرِ الأساوِرِ، وإمّا عَلى "الذَهَبِ" لِأنَّ الأساوِرَ تَكُونُ أيْضًا مِن ذَهَبٍ ولُؤْلُؤٍ قَدْ جُمِعَ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ أبِي الحَسَنِ، وطَلْحَةٍ، وابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشِ، وأهْلِ مَكَّةَ، وثَبُتَتْ في "الإمامِ" ألْفٌ بَعْدَ الواوِ، قالَهُ الجَحْدَرِيُّ، وقالَ الأصْمَعِيُّ: لَيْسَ فِيها ألِفٌ، ورَوى يَحْيى عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ بِهَمْزِ الواوِ الثانِيَةِ دُونَ الأُولى، ورَوى المُعَلّى بْنِ مَنصُورٍ، عن أبِي بَكْرٍ، عن عاصِمْ ضِدَّ ذَلِكَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: فَهَمْزُهُما وتَخْفِيفُهُما وهَمْزُ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى جائِزٌ كُلُّهُ.

وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: "لِئَلِئًا" بِكَسْرِ اللامَيْنِ.

وأخْبَرَ اللهُ تَعالى عنهم بِلِباسِ الحَرِيرِ لِأنَّها مِن أكْمَلِ حالاتِ الآخِرَةِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَبِيِّ  أنَّهُ قالَ: «مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ».

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: لا تُشْبِهُ أُمُورُ الآخِرَةِ أُمُورَ الدُنْيا إلّا في الأسْماءِ فَقَطْ، وأمّا الصِفاتُ فَمُتَبايِنَةٌ.

و"الطَيِّبُ مِنَ القَوْلِ": لا إلَهَ إلّا اللهَ وما جَرى مَعَها مِن ذِكْرِ اللهِ تَبارَكَ وتَعالى وتَسْبِيحِهِ وتَقْدِيسِهِ، وسائِرِ كَلامِ أهْلِ الجَنَّةِ مِن مُحاوَرَةٍ وحَدِيثٍ طَيِّبٍ، فَإنَّها لا تُسْمَعُ فِيها لاغِيَةٌ، و"صِراطُ الحَمِيدِ" هو طَرِيقُ اللهِ تَعالى الَّذِي دَعا عِبادَهُ إلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِـ "الحَمِيدِ" نَفْسَ الطَرِيقِ، فَأضافَ إلَيْهِ عَلى حَدِّ إضافَتِهِ في قَوْلِهِ تَعالى: "وَلَدارِ الآخِرَةِ".

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ويَصُدُّونَ ﴾ الآيَةُ.

قَوْلُهُ: "وَيَصُدُّونَ" تَقْدِيرُهُ: وهم يَصُدُّونَ، وبِهَذا حَسُنَ عَطْفُ المُسْتَقْبَلِ عَلى الماضِي، وقالَتْ طائِفَةٌ: الواوُ زائِدَةٌ، و"يَصُدُّونَ" خَبَرُ "إنَّ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا مُفْسِدٌ لِلْمَعْنى المَقْصُودِ، وإنَّما الخَبَرُ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ عِنْدَ قَوْلِهِ: "والبادِ"، تَقْدِيرُهُ: خَسِرُوا أو هَلَكُوا، وجاءَ "يَصُدُّونَ" مُسْتَقْبَلًا إذْ هو فَعَلَ يُدِيمُونَهُ، كَما جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ  ﴾ ونَحْوَهُ.

وهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ عامَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ رَسُولُ اللهِ  عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يُعْلَمْ لَهم صَدٌّ قَبْلَ ذَلِكَ الجَمْعِ، إلّا أنْ يُرادَ صَدُّهم لِأفْرادٍ مِنَ الناسِ فَقَدْ وقَعَ ذَلِكَ في صَدْرِ المَبْعَثِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: " المَسْجِدُ الحَرامُ " أرادُوا بِهِ مَكَّةَ كُلَّها.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا صَحِيحٌ لَكِنَّهُ قَصَدَ بِالذِكْرِ المُهِمُ المَقْصُودِ مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "سَواءٌ" بِالرَفْعِ، وهو عَلى الِابْتِداءِ، و "العاكِفُ" خَبَرُهُ، وقِيلَ: الخَبَرُ "سَواءٌ" وهو مُقَدَّمٌ، وهو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ، والمَعْنى: الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ قِبْلَةً أو مُتَعَبَّدًا، وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "سَواءً" بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا ثانِيًا لِـ "جَعَلَ" ويَرْتَفِعُ "العاكِفُ" بِهِ لِأنَّهُ مَصْدَرٌ في مَعْنًى مُسْتَوٍ أُعْمِلَ عَمَلَ اسْمِ الفاعِلِ، والوَجْهُ الثانِي أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَمِيرِ في "جَعَلْناهُ"، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "سَواءً" بِالنَصْبِ "العاكِفِ" بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "الناسِ"، و "العاكِفُ": المُقِيمُ في البَلَدِ، و "البادِي": القادِمْ عَلَيْهِ مِن غَيْرِهِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ: "البادِي" بِالياءِ، ووَقَفَ أبُو عَمْرُو بِغَيْرِ ياءٍ، ووَصَلَ بِالياءِ، وقَرَأ نافِعٌ: "البادِّ" بِغَيْرِ ياءٍ في الوَصْلِ والوَقْفِ في رِوايَةِ المُسَيِّبِي، وأبُو بَكْرٍ وإسْماعِيلَ بْنِ أبِي أُوَيْسٍ، ورَوى ورَشَّ الوَصْلَ بِالياءِ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ وصَلا ووَقَفًا، وهي في "الإمامِ" بِغَيْرِ ياءٍ.

وأجْمَعَ الناسُ عَلى الِاسْتِواءِ في المَسْجِدِ الحَرامِ واخْتَلَفُوا في مَكَّةَ، فَذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الخِطابِ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدُ، وجَماعَةُ مَعَهم إلى أنَّ الأمْرَ كَذَلِكَ في دُورِ مَكَّةَ، وأنَّ القادِمْ لَهُ النُزُولُ حَيْثُ وجَدَ، وعَلى رَبِّ المَنزِلِ أنْ يُؤْوِيَهُ شاءَ أو أبى، وقالَ ذَلِكَ سُفْيانُ الثَوْرِيُّ وغَيْرُهُ، وكَذَلِكَ كانَ الأمْرُ في الصَدْرِ الأوَّلِ، قالَ ابْنُ سابِطٍ: وكانَتْ دُورُهم بِغَيْرِ أبْوابٍ حَتّى كَثُرَتِ السَرِقَةُ فاتَّخَذَ رَجُلٌ بابًا فَأنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ وقالَ: أتُغْلِقُ بابًا في وجْهِ حاجِّ بَيْتِ اللهِ؟

فَقالَ: إنَّما أرَدْتُ حِفْظَ مَتاعِهِمْ مِنَ السَرِقَةِ، فَتَرَكَهُ فاتَّخَذَ الناسُ الأبْوابَ.

وقالَ جُمْهُورٌ مِنَ الأُمَّةِ مِنهم مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ: لَيْسَتِ الدُورُ كالمَسْجِدِ، ولِأهْلِها الِامْتِناعُ بِها والِاسْتِبْدادُ، وعَلى هَذا هو العَمَلُ اليَوْمَ.

وهَذا الخِلافُ مُتَرَكِّبٌ عَلى الِاخْتِلافِ في مَكَّةَ، هَلْ هي عنوَةٌ كَما رُوِيَ عن مالِكٍ والأوزاعِيِّ ؟

أو صُلْحٌ كَما رُوِيَ عَنِ الشافِعِيِّ ؟

فَمَن رَآها صُلْحًا فَإنَّ الِاسْتِواءَ عِنْدَهُ في المَنازِلِ بِعِيدٌ، ومَن رَآها عنوَةً أمْكَنَهُ أنْ يَقُولَ: الِاسْتِواءُ فِيها قَدَّرَهُ الأئِمَّةُ الَّذِينَ لَمْ يُقْطِعُوها أحَدًا وإنَّما سُكْنى مَن سَكَنَ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ قَوْلِ النَبِيِّ  : «وَهَلْ تَرَكَ لَنا عَقِيلُ مَنزِلًا»، يَقْتَضِي الِاسْتِواءَ، وأنَّها مُتَمَلَّكَةٌ مَمْنُوعَةٌ عَلى التَأْوِيلَيْنِ في قَوْلِهِ  ؛ لِأنَّهُ تُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ ورِثَ جَمِيعَ مَنازِلَ أبِي طالِبٍ وغَيْرِهِ، وتُؤُوِّلَ بِمَعْنى أنَّهُ باعَ مَنازِلَ بَنِي هاشِمْ حِينَ هاجَرُوا.

ومِنَ الحُجَّةِ لِتُمَلِّكَ أهْلَها دَوْرَهم أنَّ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ اشْتَرى مِن صَفْوانَ بْنِ أُمِّيَّةَ دارًا لِلسِّجْنِ بِأرْبَعَةِ آلافٍ، ويَصِحُّ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ الِاسْتِواءُ في وقْتِ المَوْسِمْ لِلضَّرُورَةِ والحاجَةِ فَيَخْرُجُ الأمْرُ حِينَئِذٍ عَنِ الِاعْتِبارِ بِالعنوَةِ والصُلْحِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "بِإلْحادٍ"، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الباءُ زائِدَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: بِوادٍ يَمانٍ يُنْبِتُ الشَثَّ صَدْرُهُ وأسْفَلُهُ بِالمَرْخِ والشَبَهانِ وَمِنهُ قَوْلُ الأعْشى: ضَمِنتُ بِرِزْقِ عِيالِنا أرْماحُنا ∗∗∗............................

وهَذا كَثِيرٌ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: ومَن يُرِدْ فِيهِ الناسُ بِإلْحادٍ.

و"الإلْحادُ": المَيْلُ، وهَذا الإلْحادُ والظُلْمُ يَجْمَعُ جَمِيعَ المَعاصِي مِنَ الكُفْرِ إلى الصَغائِرِ، فَلِعِظَمِ حُرْمَةِ المَكانِ تَوَعَّدَ اللهَ تَعالى عَلى نِيَّةِ السَيِّئَةِ فِيهِ، ومِن نَوى سَيِّئَةً ولَمْ يَعْمَلْها لَمْ يُحاسَبْ بِذَلِكَ إلّا في مَكَّةَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ وجَماعَةٌ مِنَ الصَحابَةِ وغَيْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: الإلْحادُ في هَذِهِ الآيَةِ: الشِرْكُ، وقالَ أيْضًا؛ وقالَ عَبْدُ اللهِ بْنِ عَمْرُو رَضِيَ اللهُ عنهُما: وقَوْلُ "لا واللهِ وبَلى واللهِ" بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ، وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: الحُكْرَةُ بِمَكَّةَ مِنَ الإلْحادِ بِالظُلْمِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والعُمُومُ يَأْتِي عَلى هَذا كُلِّهِ.

وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: "وَمَن يَرِدُ" مِنَ الوُرُودِ، حَكاهُ الفِراءُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وأعَمُّ وأمْدَحُ لِلْبُقْعَةِ.

و"مَن" شَرْطٌ جازِمَةٌ لِلْفِعْلِ، وذَلِكَ مَنعَ مَن عَطْفِها عَلى "الَّذِينَ" واللهُ المُسْتَعانُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

هذا مقابل قوله ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ [الحج: 24] بالنسبة إلى أحوال المشركين إذ لم يسبق لقوله ذلك مقابِل في الأحوال المذكورة في آية ﴿ فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار ﴾ [الحج: 19] كما تقدم.

فموقع هذه الجملة الاستئناف البياني.

والمعنى: كما كان سبب استحقاق المؤمنين ذلك النعيم اتّباعهم صراط الله كذلك كان سبَبُ استحقاق المشركين ذلك العذَاب كفرَهم وصدّهم عن سبيل الله.

وفيه مع هذه المناسبة لما قبله تخلّص بديع إلى ما بعده من بيان حقّ المسلمين في المسجد الحرام، وتهويل أمر الإلحاد فيه، والتنويهُ به وتنزيههُ عن أن يكون مأوى للشرك ورجس الظلم والعُدوان.

وتأكيد الخبر بحرف التأكيد للاهتمام به.

وجاء ﴿ يصدّون ﴾ بصيغة المضارع للدلالة على تكرر ذلك منهم وأنه دأبهم سواء فيه أهل مكة وغيرهم لأن البقية ظاهَرُوهم على ذلك الصد ووافقوهم.

أما صيغة الماضي في قوله: ﴿ إن الذين كفروا ﴾ فلأنّ ذلك الفعل صار كاللقب لهم مثل قوله: ﴿ إن الله يدخل الذين آمنوا ﴾ [الحج: 24].

وسبيل الله: الإسلام، فصدهم عنه هو الذي حقق لهم عذاب النار، كما حقق اهتداءُ المؤمنين إليه لهم نعيمَ الجنّة.

والصدّ عن المسجد الحرام مما شمله الصدّ عن سبيل الله فخصّ بالذكر للاهتمام به، ولينتقل منه إلى التنويه بالمسجد الحرام، وذكر بنائه، وشرع الحجّ له من عهد إبراهيم.

والمراد بصدّهم عن المسجد الحرام صدّ عرفه المسلمون يومئذ.

ولعله صدّهم المسلمين عن دخول المسجد الحرام والطواف بالبيت.

والمعروف من ذلك أنهم مَنَعُوا المسلمين بعد الهجرة من زيارة البيت فقد قال أبو جهل لسَعْد بن معاذ لما جاء إلى مكّة معتمراً وقال لصاحبه أميّة بن خلف: انتظر لي ساعة من النهار لعلّي أطوف بالبيت، فبينما سعد يطوف إذ أتاه أبو جهل وعَرَفَهُ.

فقال له أبو جهل: أتطوف بالكعبة آمناً وقد أوتيتم الصْباة؟

(يعني المسلمين).

ومن ذلك مَا صنعوه يوم الحديبية.

وقد قيل: إنّ الآية نزلت في ذلك.

وأحسب أنّ الآية نزلت قبل ذلك سواء نزلت بمكة أم بالمدينة.

ووصف المسجد بقوله: ﴿ الذي جعلناه للناس ﴾ الآية للإيماء إلى علّة مؤاخذة المشركين بصدّهم عنه لأجل أنهم خالفوا ما أراد الله منه فإنه جعله للناس كلهم يستوي في أحقية التعبّد به العاكفُ فيه، أي المستقرّ في المسجد، والبادي، أي البعيد عنه إذا دخله.

والمراد بالعاكف: الملازم له في أحوال كثيرة، وهو كناية عن الساكن بمكة لأنّ الساكن بمكة يعكف كثيراً في المسجد الحرام، بدليل مقابلته بالبادِي، فأطلق العكوف في المسجد على سكنى مكة مجازاً بعلاقة اللزوم العرفي.

وفي ذكر العكوف تعريض بأنهم لا يستحقون بسكنى مكة مزية على غيرهم، وبأنهم حين يمنعون الخارجين عن مكة من الدخول للكعبة قد ظلموهم باستئثارهم بمكة.

وقرأ الجمهور ﴿ سواءٌ ﴾ بالرفع على أنه مبتدأ ﴿ والعاكف فيه ﴾ فاعل سدّ مسدّ الخبر، والجملة مفعول ثان ل } وقرأه حفص بالنصب على أنه المفعول الثاني ل {جعلناه.

والعكوف: الملازمة.

والبادي: ساكن البادية.

وقوله سواء} لم يبيّن الاستواء فيما ذا لظهور أنّ الاستواء فيه بصفة كونه مسجداً إنما هي في العبادة المقصودة منه ومن ملحقاته وهي: الطواف، والسّعي، ووقوف عرفة.

وكتب ﴿ والباد ﴾ في المصحف بدون ياء في آخره، وقرأ ابن كثير ﴿ والبادِي ﴾ بإثبات الياء على القياس لأنه معرف، والقياس إثبات ياء الاسم المنقوص إذا كان معرّفاً باللام، ومحمل كتابته في المصحف بدون ياء عند أهل هذه القراءة أنّ الياء عوملت معاملة الحركات وألِفات أواسط الأسماء فلم يكتبوها.

وقرأه نافع بغير ياء في الوقف وأثبتها في الوصل.

ومحمل كتابته على هذه القراءة بدون ياء أنه روعي فيه التخفيف في حالة الوقف لأن شأن الرسم أن يراعى فيه حالة الوقف.

وقرأه الباقون بدون ياء في الحالين الوصل والوقف.

والوجه فيه قصد التخفيف ومثله كثير.

وليس في هذه الآية حجة لحكم امتلاك دُور مكة إثباتاً ولا نفياً لأنّ سياقها خاص بالمسجد الحرام دون غيره.

ويلحق به ما هو من تمام مناسكه: كالمسعَى، والموقف، والمشعر الحرام، والجمار.

وقد جرت عادة الفقهاء أن يذكروا مسألة امتلاك دور مكة عند ذكر هذه الآية على وجه الاستطراد.

ولا خلاف بين المسلمين في أنّ الناس سواء في أداء المناسك بالمسجد الحرام وما يتبعه إلاّ ما منعته الشريعة كطواف الحائض بالكعبة.

وأما مسألة امتلاك دور مكة فللفقهاء فيها ثلاثة أقوال: فكان عُمر بن الخطاب وابن عباس وغيرهما يقولون: إن القادم إلى مكة للحج له أن ينزل حيث شاء من ديارها وعلى رب المنزل أن يؤويه.

وكانت دور مكة تُدعى السوائب في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

وقال مالك والشافعي: دور مكة مِلك لأهلها، ولهم الامتناع عن إسكان غيرهم، ولهم إكراؤها للناس، وإنما تجب المواساة عند الضرورة، وعلى ذلك حملوا ما كان يفعله عمر فهو من المواساة.

وقد اشترى عمر دار صفوان بن أمية وجعلها سجناً.

وقال أبو حنيفة: دور مكة لا تُملك وليس لأهلها أن يكروها.

وقد ظُنّ أن الخلاف في ذلك مبني على الاختلاف في أنّ مكة فتحت عنوة أو صلحاً.

والحق أنه لا بناء على ذلك لأنّ من القائلين بأنها فتحت عنوة قائلين بتملك دور مكة فهذا مالك بن أنس يراها فتحت عنوة ويرى صحة تملك دورها.

ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ أهلها في منازلهم فيكون قد أقطعهم إياها كما مَنّ على أهلها بالإطلاق من الأسر ومن السبي.

ولم يزل أهل مكة يتبايعون دورهم ولا ينكر عليهم أحد من أهل العلم.

وخبر ﴿ إن الذين كفروا ﴾ محذوف تقديره: نذقهم من عذاب أليم، دلّ عليه قوله في الجملة الآتية: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ .

وإذ كان الصد عن المسجد الحرام إلحاداً بظلم فإن جملة ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ تذييل للجملة السابقة لما في (مَن) الشرطية من العموم.

والإلحاد: الانحراف عن الاستقامة وسواء الأمور.

والظلم يطلق على الإشراك وعلى المعاصي لأنها ظلم النفس.

والباء في ﴿ بإلحاد ﴾ زائدة للتوكيد مثلها في ﴿ وامسحوا برؤوسكم ﴾ [المائدة: 6].

أي من يُرد إلحاداً وبعداً عن الحق والاستقامة وذلك صدهم عن زيارته.

والباء في ﴿ بظلم ﴾ للملابسة.

فالظلم: الإشراك، لأنّ المقصود تهديد المشركين الذين حملهم الإشراك على مناوأة المسلمين ومنعهم من زيارة المسجد الحرام.

و (من) في قوله: ﴿ من عذاب أليم ﴾ مزيدة للتوكيد على رأي من لا يشترطون لزيادة (مِن) وقوعها بعد نفي أو نهي.

ولك أن تجعلها للتبعيض، أي نذقه عذاباً من عذاب أليم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ والمَسْجِدِ الحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ المَسْجِدَ نَفْسَهُ، ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ ﴾ أيْ قِبْلَةً لِصَلاتِهِمْ ومَنسَكًا لِحَجِّهِمْ.

﴿ سَواءً العاكِفُ فِيهِ ﴾ وهو المُقِيمُ، ﴿ والبادِ ﴾ وهو الطّارِئُ إلَيْهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ المُرادَ بِالمَسْجِدِ الحَرامِ جَمِيعُ الحَرَمِ، وعَلى هَذا في قَوْلِهِ: ﴿ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنّاسِ سَواءً العاكِفُ فِيهِ والبادِ ﴾ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهم سَواءٌ في دُورِهِ ومَنازِلِهِ، ولَيْسَ العاكِفُ المُقِيمُ أوْلى بِها مِنَ البادِي المُسافِرِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ ومَن مَنَعَ بَيْعَ دُورِ مَكَّةَ كَأبِي حَنِيفَةَ.

والثّانِي: أنَّهُما سَواءٌ في أنَّ مَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا، وأنَّهُ لا يَقْتُلُ بِها صَيْدًا ولا يَعْضُدُ بِها شَجَرًا.

﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِن عَذابٍ ألِيمٍ ﴾ والإلْحادُ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ، والباءُ في قَوْلِهِ: ﴿ بِإلْحادٍ ﴾ زائِدَةٌ كَزِيادَتِها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ  ﴾ ومِثْلُها في قَوْلِ الشّاعِرِ نَحْنُ بَنُو جَعْدَةَ أصْحابُ الفَلَجِ نَضْرِبُ بِالسَّيْفِ ونَرْجُو بِالفَرَجِ أيْ نَرْجُو الفَرَجَ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: ومَن يُرِدْ فِيهِ إلْحادًا بِظُلْمٍ.

وَفي الإلْحادِ بِالظُّلْمِ أرْبَعَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّهُ الشِّرْكُ بِاللَّهِ بِأنْ يُعْبَدَ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والثّانِي: أنَّهُ اسْتِحْلالُ الحَرامِ فِيهِ، وهَذا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّالِثُ: اسْتِحْلالُ الحَرامِ مُتَعَمَّدًا، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ احْتِكارُ الطَّعامِ بِمَكَّةَ، وهَذا قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وأصْحابِهِ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ  عَنْ عُمْرَتِهِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب ﴾ قال: ألهموا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: في الخصومة، إذ قالوا: الله مولانا ولا مولى لكم.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن إسماعيل بن أبي خالد ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: القرآن ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: الإخلاص ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ قال: الإسلام.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ قال: لا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوّة إلا بالله، الذي قال: ﴿ إليه يصعد الكلم الطيب ﴾ .

وأخرج عبد حميد عن ابن عباس قال: الحرم كله هو المسجد الحرام.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: خلق الله فيه سواء.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء ﴾ يعني شرعاً واحداً ﴿ العاكف فيه ﴾ قال: أهل مكة في مكة أيام الحج ﴿ والباد ﴾ قال: من كان في غير أهلها من يعتكف به من الآفاق، قال: هم في منازل مكة، سواء، فينبغي لأهل مكة أن يوسعوا لهم حتى يقضوا مناسكهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال البادي وأهل مكة سواء في المنزل والحرم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد وعطاء ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: سواء في تعظيم البلد وتحريمه.

وأخرج عبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في الآية قال: ﴿ سواء ﴾ في جواره وأمنه وحرمته ﴿ العاكف فيه ﴾ أهل مكة ﴿ والباد ﴾ من يعتكفه من أهل الآفاق.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن حصين قال: سألت سعيد بن جبير: أعتكف بمكة؟

قال: لا...

أنت معتكف ما أقمت.

قال الله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن مجاهد في الآية قال: الناس بمكة سواء، ليس أحد أحق بالمنازل من أحد.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد، عن عبدالله بن عمرو قال: من أخذ من أجور بيوت مكة إنما يأكل في بطنه ناراً.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد عن عطاء، أنه كان يكره أن تباع بيوت مكة أو تكرى.

وأخرج عبد بن حميد عن إبراهيم أنه كان يكره إجارة بيوت مكة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عمر، أن عمر نهى أن تغلق أبواب دور مكة، فإن الناس كانوا ينزلون منها حيث وجدوا، حتى كانوا يضربون فساطيطهم في الدور.

وأخرج ابن سعد عن عمر بن الخطاب، أن رجلاً قال له عند المروة: يا أمير المؤمنين، أقطعني مكاناً لي ولعقبي.

فأعرض عنه عمر وقال: هو حرم الله ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ .

وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: بيوت مكة لا تحل إجارتها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جريج قال: أنا قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز على الناس بمكة، فنهاهم عن كراء بيوت مكة ودورها.

وأخرج ابن أبي شيبة عن القاسم قال: من أكل شيئاً من كراء مكة، فإنما يأكل ناراً.

وأخرج ابن أبي شيبة عن عطاء قال: كان عمر يمنع أهل مكة أن يجعلوا لها أبواباً حتى ينزل الحاج في عرصات الدور.

وأخرج ابن أبي شيبة عن جعفر عن أبيه قال: لم يكن للدور بمكة أبواب، كان أهل مصر وأهل العراق يأتون فيدخلون دور مكة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سابط في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: البادي، الذي يجيء من الحج والمقيمون سواء في المنازل ينزلون حيث شاؤوا ولا يخرج رجل من بيته.

وأخرج ابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: سواء المقيم والذي يرحل» .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ سواء العاكف فيه والباد ﴾ قال: ينزل أهل مكة وغيرهم في المسجد الحرام.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مكة مباحة لا تؤجر بيوتها ولا تباع رباعها» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن ماجة عن علقمة بن نضلة قال: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر، وما تدعى رباع مكة إلا السوائب، من احتاج سكن ومن استغنى أسكن.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد، عن عمر أنه قال: يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث شاء.

وأخرج الدارقطني عن ابن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من أكل كراء بيوت مكة أكل ناراً» .

وأخرج الفريابي وسعيد بن منصور وابن راهويه وأحمد وعبد بن حميد والبزار وأبو يعلى وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم وصححه وابن مردويه، عن ابن مسعود رفعه في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: لو أن رجلاً هم فيه بإلحاد وهو بعدن أبين، لأذاقه الله تعالى عذاباً أليماً.

وأخرج سعيد بن منصور والطبراني، عن ابن مسعود في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ قال: من هم بخطيئة فلم يعملها في سوى البيت لم تكتب عليه حتى يعملها، ومن هم بخطيئة في البيت لم يمته الله من الدنيا حتى يذيقه من عذاب أليم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في عبد الله بن أنيس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه مع رجلين: أحدهما مهاجري والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب فغضب عبد الله بن أنيس فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة.

فنزلت فيه ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ يعني من لجأ إلى الحرم ﴿ بإلحاد ﴾ يعني بميل عن الإسلام.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير والبيهقي في شعب الإيمان، عن قتادة في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد...

﴾ .

قال: من لجأ إلى الحرم ليشرك فيه عذبه الله.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: بشرك.

وأخرج ابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: هو أن يعبد فيه غير الله.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ يعني أن تستحل من الحرام ما حرم الله عليك من لسان أو قتل، فتظلم من لا يظلمك وتقتل من لا يقتلك.

فإذا فعل ذلك فقد وجب له عذاب أليم.

وأخرج ابن جرير عن حبيب بن أبي ثابت في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.

وأخرج البخاري في تاريخه وعبد بن حميد وأبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن يعلى بن أمية، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه» .

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في تاريخه وابن المنذر، عن عمر بن الخطاب قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد بظلم.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم، عن ابن عمر قال: بيع الطعام بمكة إلحاد.

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن ابن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «احتكار الطعام بمكة إلحاد» .

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن منيع وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن مجاهد قال: كان لعبد الله بن عمرو فسطاطان: أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يصلي صلى في الذي في الحرم، واذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الذي في الحل.

فقيل له فقال: كنا نحدَّث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل: كلا والله وبلى والله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآيه قال: شتم الخادم في الحرم ظلم فما فوقه.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: تجارة الأمير بمكة إلحاد.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: أقبل تبع بريد الكعبة، حتى إذا كان بكراع الغميم بعث الله تعالى عليه ريحاً، لا يكاد القائم يقوم إلا بمشقة.

ويذهب القائم يقعد فيصرع، وقامت عليه ولقوا منها عناء، ودعا تبع حبريه فسألهما: ما هذا الذي بعث عليّ؟

قالا: أو تؤمنا؟

قال: أنتم آمنون.

قالا: فإنك تريد بيتاً يمنعه الله ممن أراده!

قال: فما يذهب هذا عني؟

قالا: تجرد في ثوبين ثم تقول: لبيك اللهم لبيك، ثم تدخل فتطوف به فلا تهيج أحداً من أهله.

قال: فإن أجمعت على هذا، ذهبت هذه الريح عني؟

قالا: نعم.

فتجرد ثم لبى فأدبرت الريح كقطع الليل المظلم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ﴾ قال: حدثنا شيخ من عقب المهاجرين والأنصار، أنهم أخبروه أن أيما أحد أراد به ما أراد أصحاب الفيل، عجل لهم العقوبة في الدنيا وقال: إنما يؤتي استحلاله من قبل أهله.

فأخبرني عنهم أنه وجد سطران بمكة مكتوبان في المقام: أما أحدهما، فكان كتابته: بسم الله والبركة، وضعت بيتي بمكة طعام أهله اللحم والسمن والتمر، ومن دخله كان آمناً لا يحله إلا أهله.

قال: لولا أن أهله هم الذين فعلوا به ما قد علمت لعجل لهم في الدنيا العذاب.

قال: ثم أخبرني أن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قبل أن يستحل منه الذي يستحل قال: أجد مكتوباً في الكتاب الأول: عبد الله يستحل به الحرم، وعنده عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير.

فقال: عبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، قال كل واحد منهما: لست قاراً به إلا حاجاً أو معتمراً أو حاجة لا بد منها.

وسكت عبد الله بن الزبير فلم يقل شيئاً فاستحل من بعد ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن مسعود قال: من هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها.

ولو أن رجلاً كان بعدن أبين حدث نفسه بأن يلحد في البيت، والإلحاد فيه: أن يستحل فيه ما حرم الله عليه فمات قبل أن يصل إلى ذلك، أذاقه الله من عذاب أليم.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عن الضحاك في قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد ﴾ قال: ان الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى، فتكتب عليه وما عملها.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر، عن مجاهد قال: تضاعف السيئات بمكة كما تضاعف الحسنات.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رباح ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: القتل والشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن أبي مليكة، أنه سئل عن قوله: ﴿ ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ﴾ قال: ما كنا نشك أنها الذنوب حتى جاء إعلاج من أهل البصرة إلى إعلاج من أهل الكوفة، فزعموا أنها الشرك.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة قال: ما من عبد يهم بذنب فيؤاخذه الله بشيء حتى يعمله، إلا من هم بالبيت العتيق شراً فإنه من هم به شراً عجل الله له.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي الحجاج في الآية قال: إن الرجل يحدث نفسه أن يعمل ذنباً بمكة فيكتبه الله عليه ذنباً.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد قال: رأيت عبد الله بن عمرو بعرفة، ومنزله في الحل ومسجده في الحرم فقلت له: لم تفعل هذا؟؟

قال: لأن العلم فيه أفضل والخطيئة فيه أعظم.

والله أعلم.

وأخرج أبو الشيخ وابن عدي وابن مردويه والديلمي بسند ضعيف، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دثر مكان البيت فلم يحجه هود ولا صالح حتى بوأه الله لإبراهيم» .

وأخرج ابن جرير والحاكم وصححه من طريق حارثة بن مضرب، عن علي بن أبي طالب قال: لما أمر إبراهيم ببناء البيت خرج معه إسماعيل وهاجر، فلما قدم مكة رأى على رأسه في موضع البيت مثل الغمامة فيه مثل الرأس، فكلمه فقال: يا إبراهيم، ابن على ظلي أو على قدري ولا تزد ولا تنقص.

فلما بنى خرج وخلف إسماعيل وهاجر.

وذلك حين يقول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف وعبد بن حميد وابن المنذر، عن عطاء بن أبي رياح قال: لما أهبط الله آدم كان رجلاه في الأرض ورأسه في السماء، فيسمع كلام أهل السماء ودعاءهم فيأنس إليهم، فهابت الملائكة منه حتى شكت إلى الله في دعائها وفي صلاتها، فأخفضه الله إلى الأرض، فلما فقد ما كان يسمع منهم استوحش حتى شكا إلى الله في دعائه وفي صلاته، فوجه إلى مكة فكان موضع قدمه قرية وخطوة مفازة، حتى انتهى إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة فكانت على موضع البيت الآن، فلم يزل يطاف به حتى أنزل الله الطوفان فرفعت تلك الياقوتة، حتى بعث الله إبراهيم فبناه.

فذلك قول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق معمر، عن قتادة قال: وضع الله البيت مع آدم حين أهبط الله آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تهابه فنقص إلى ستين ذراعاً، فحزن آدم إذ فقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكا ذلك إلى الله فقال الله: «يا آدم، إني قد أهبطت لك بيتاً يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي...

فاخرج إليه» فخرج اليه آدم ومدّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة.

فلم تزل تلك المفاوز بعد على ذلك...

وأتى آدم فطاف به ومن بعده من الأنبياء.

قال معمر: وأخبرني أبان أن البيت أهبط ياقوتة واحدة أو درة واحدة.

قال معمر: وبلغني أن سفينة نوح طافت بالبيت سبعاً، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فقدوا بقي أساسه، فبوّأه الله لإبراهيم فبناه بعد ذلك.

فذلك قول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت...

﴾ .

قال معمر: قال ابن جريج: قال ناس: أرسل الله سبحانه سحابه فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تأخذ قدر هذه السحابة.

فجعل ينظر إليها ويخط قدرها.

قال الرأس: قد فعلت؟

قال: نعم.

ثم ارتفعت فحفر فأبرز عن أساس ثابت في الأرض.

قال ابن جريج: قال مجاهد: أقبل الملك والصرد والسكينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السكينة: يا إبراهيم، ريض على البيت.

قال: فلذلك لا يطوف البيت أعرابي ولا ملك من هذه الملوك، إلا رأيت عليه السكينة والوقار.

قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان الله استودع الركن أبا قبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس فقال: يا إبراهيم، هذا الركن فيّ فخده.

فحفر عنه فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال: قد فعلت يا رب، فأرنا مناسكنا...

أبرزها لنا وعلمناها.

فبعث الله جبريل فحج به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفت.

وكان أتاها قبل ذلك مرة.

قال: فلذلك سميت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان فقال: احصب.

فحصبه بسبع حصيات.

ثم اليوم الثاني فالثالث فسدّ ما بين الجبلين- يعني إبليس- فلذلك كان رمي الجمار.

قال: اعل على ثبير.

فعلاه فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله...

يا عباد الله، أطيعوا الله...

فسمع دعوته من بين الأبحر السبع ممن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.

فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله: لبيك اللهم لبيك، ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعداً، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها.

وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار قال: كان البيت غثاة- وهي الماء- قبل أن يخلق الله الأرض بأربعين عاماً، ومنه دحيت الأرض.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن السدي قال: إن الله عز وجل أمر إبراهيم أن يبني البيت هو وإسماعيل، فانطلق إبراهيم حتى أتى مكة فقام هو وإسماعيل وأخذ المعاول لا يدريان أين البيت، فبعث الله ريحاً يقال لها ريح الخجوج، لها جناحان ورأس في صورة حية، فكنست لهما ما حول الكعبة من البيت الأول، واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس.

فذلك حين يقول الله: ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت ﴾ فلما بنيا القواعد فبلغ مكان الركن، قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجراً حسناً أضعه ههنا.

قال: يا أبت، اني كسلان لغب.

قال: عليّ ذلك.

فانطلق يطلب له حجراً فأتاه بحجر فلم يرضه، فقال: ائتني بحجر أحسن من هذا.

فانطلق يطلب حجراً فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الجنة، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثغامة، وكان آدم هبط به من الجنة فاسوّد من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر فوجد عنده الركن فقال: يا أبت، من جاءك بهذا؟

قال: جاءني به من هو أنشط منك.

فبينما هما يدعوان بالكلمات التي ابتلى بها إبراهيم ربه، فلما فرغا من البنيان أمره الله أن ينادي.

فقال: ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن حوشب بن عقيل قال: سألت محمد بن عباد بن جعفر: متى كان البيت؟

قال: خلقت الأشهر له.

قلت: كم كان طول بناء إبراهيم؟

قال: ثمانية عشر ذراعاً.

قلت: كم هو اليوم قال: ستة وعشرون ذراعاً: قلت: هل بقي من حجارة بناء إبراهيم شيء؟

قال: حشي به البيت إلا حجرين مما يليا الحجر.

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: قال الله لنبيه ﴿ وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ﴾ قال: طواف قبل الصلاة.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الطواف بالبيت بمنزلة الصلاة، إلا أن الله قد أحل فيه المنطق، فمن نطق فلا ينطق إلا بخير» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن عطاء في قوله: ﴿ للطائفين ﴾ قال: الذين يطوفون به ﴿ والقائمين ﴾ قال: المصلين عنده.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة قال: القائمون، المصلون.

وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف وابن منيع وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: ربّ، قد فرغت.

فقال: ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ قال: ربّ، وما يبلغ صوتي؟

قال: أذّن وعليّ البلاغ.

قال: ربّ، كيف أقول؟

قال: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق...

فسمعه من بين السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيئون من أقصى الأرض يلبون...؟

وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم والبيهقي، عن ابن عباس قال: لما بنى إبراهيم البيت، أوحى الله إليه أن أذن في الناس بالحج.

فقال: ألا إن ربكم قد اتخذ بيتاً وأمركم أن تحجوه.

فاستجاب له ما سمعه من حجر أو شجر أو أكمة أو تراب أو شيء.

فقالوا: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: لما أمر الله إبراهيم أن ينادي في الناس بالحج، صعد أبا قبيس فوضع أصبعيه في أذنيه ثم نادى: إن الله كتب عليكم الحج فأجيبوا ربكم.

فأجابوه بالتلبية في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وأول من أجابه أهل اليمن.

فليس حاج يحج من يومئذ إلى أن تقوم الساعة، إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ.

وأخرج الديلمي بسندٍ واهٍ، عن علي رفعه: لما نادى إبراهيم بالحج لبى الخلق، فمن لبى تلبية واحدة حج حجة واحدة، ومن لبى مرتين حج حجتين، ومن زاد فبحساب ذلك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذّن في الناس بالحج ﴾ قال: قام إبراهيم عليه السلام على الحجر فنادى: يا أيها الناس، كتب عليكم الحج...

فأسمع من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجاب من آمن ممن سبق في علم الله أن يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: وقرت في كل ذكر وأنثى.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير قال: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت، أوحى الله إليه أن ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ فخرج فنادى في الناس: يا أيها الناس، إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه.

فلم يسمعه حينئذ من إنس ولا جن ولا شجرة ولا أكمة ولا تراب ولا جبل ولا ماء ولا شيء، إلا قال: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج أبو الشيخ في كتاب الأذان، عن عبد الله بن الزبير قال: أخذ الأذان من أذان إبراهيم في الحج ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير قال: لما أمر إبراهيم عليه السلام بدعاء الناس إلى الله، استقبل المشرق فدعا، ثم استقبل المغرب فدعا، ثم استقبل الشام فدعا، ثم استقبل اليمن فدعا، فأجيب: لبيك لبيك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة، أن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام أن ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ فقام على الحجر فقال: يا أيها الناس، إن الله يأمركم بالحج.

فأجابه من كان مخلوقاً في الأرض يومئذ، ومن كان في أرحام النساء، ومن كان في أصلاب الرجال، ومن كان في البحور، فقالوا: لبيك اللهم لبيك.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: قال جبريل لإبراهيم ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ قال: كيف أؤذن؟

قال: قل يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم؛ ثلاث مرات.

فأجاب العباد فقالوا: لبيك اللهم ربنا لبيك، لبيك اللهم ربنا لبيك.

فمن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاج.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: لما فرغ إبراهيم وإسماعيل من بناء البيت، أمر إبراهيم أن يؤذن بالحج، فقام على الصفا فنادى بصوت سمعه ما بين المشرق والمغرب يا أيها الناس، أجيبوا إلى ربكم.

فأجابوه وهم في أصلاب آبائهم فقالوا: لبيك.

قال: فإنما يحج البيت اليوم من أجاب إبراهيم يومئذ.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: لما أذن إبراهيم بالحج قال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فلبى كل رطب ويابس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس بالحج، قام على المقام فنادى بصوت أسمع من بين المشرق والمغرب: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

وأخرج سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الشعب، عن مجاهد قال: قال إبراهيم: كيف أقول؟

قال: قل يا أيها الناس أجيبوا ربكم.

فما خلق الله من جبل ولا شجر ولا شيء من المطيعين له، إلا ينادي: لبيك اللهم لبيك.

فصارت التلبية.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: تطاول به المقام حتى كان كأطول جبل في الأرض، فأذن فيهم بالحج فأسمع من تحت البحور السبع وقالوا: لبيك أطعنا...

لبيك أجبنا.

فكل من حج إلى يوم القيامة ممن استجاب له يومئذ.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد قال: قيل لإبراهيم ﴿ أذن في الناس بالحج ﴾ قال: يا رب، كيف أقول؟

قال: قل لبيك اللهم لبيك.

فكان إبراهيم أول من لبى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة قال: لما أمر إبراهيم بالحج قام على المقام فنادى نداء سمعه جميع أهل الأرض: ألا إن ربكم قد وضع بيتاً وأمركم أن تحجوه.

فجعل الله في أثر قدميه آية في الصخرة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عطاء قال: صعد إبراهيم على الصفا فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فأسمع من كان حياً في أصلاب الرجال.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: أجاب إبراهيم كل جنّي وإنسي وكل شجر وحجر.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان، عن ابن عباس قال: لما أمر إبراهيم أن يؤذن في الناس، تواضعت له الجبال ورفعت له الأرض فقام فقال: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: صعد إبراهيم أبا قبيس فقال: الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن إبراهيم رسول الله...

أيها الناس، إن الله أمرني أن أنادي في الناس بالحج.

..

أيها الناس، أجيبوا ربكم.

فأجابه من أخذ الله ميثاقه بالحج إلى يوم القيامة.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأذن في الناس بالحج ﴾ يعني بالناس أهل القبلة، ألم تسمع أنه قال: ﴿ إن أول بيت وضع للناس...

﴾ [ آل عمران: 96] إلى قوله: ﴿ ومن دخله كان آمناً ﴾ [ آل عمران: 97] يقول: ومن دخله من الناس الذين أمر أن يؤذن فيهم وكتب عليهم الحج.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس، ﴿ يأتوك رجالاً ﴾ قال: مشاة ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: الإبل ﴿ يأتين من كل فج عميق ﴾ قال: بعيد.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن محمد بن كعب القرظي قال: سمعت ابن عباس يقول: ما آسى على شيء إلا أني لم أكن حججت راجلاً؛ لأني سمعت الله يقول ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ وهكذا كان يقرأوها.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن سعد وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما آسى على شيء فاتني، إلا أني لم أحج ماشياً حتى أدركني الكبر أسمع الله تعالى يقول ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فبدأ بالرجال قبل الركبان.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن مجاهد، أن إبراهيم وإسماعيل حجا وهما ماشيان.

وأخرج ابن خزيمة والحاكم وصححه والبيهقي، عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من حج من مكة ماشياً حتى يرجع إلى مكة، كتب الله له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.

قيل: وما حسنات الحرم؟

قال: بكل حسنة مائة ألف حسنة» .

وأخرج ابن سعد وابن مردويه والضياء في المختارة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن للحاج الراكب بكل خطوة تخطوها راحلته سبعين حسنة، وللماشي بكل قدم سبعمائة حسنة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله، وما حسنات الحرم!؟

قال: الحسنة مائة ألف حسنة» .

وأخرج البيهقي وضعفه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الملائكة لتصافح ركاب الحجاج وتعتنق المشاة» .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يأتوك رجالاً ﴾ قال: على أرجلهم ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: الإبل ﴿ يأتون من كل فج عميق ﴾ يعني مكان بعيد.

وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق عن مجاهد رضي الله عنه قال: كانوا يحجون ولا يتزوّدون، فأنزل الله: ﴿ وتزودوا ﴾ [ البقرة: 197] .

وكانوا يحجون ولا يركبون، فأنزل الله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ فأمرهم بالزاد ورخص لهم في الركوب والمتجر.

وأخرج الطستي في مسائله عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: طريق بعيد قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت قول الشاعر: فساروا العناء وسدوا الفجاج ** بأجساد عادلها آيدات وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ يأتوك رجالاً وعلى كل ضامر ﴾ قال: هم المشاة والركبان.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه في قوله: ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ قال: ما تبلغه المطي حتى تضمر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: طريق بعيد.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك رضي الله عنه مثله.

وأخرج ابن المنذر عن أبي العالية رضي الله عنه ﴿ من كل فج عميق ﴾ قال: مكان بعيد.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن عبيد بن عمير قال: لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ركباً يريدون البيت فقال: من أنتم؟

فأجابه أحدثهم سناً فقال: عباد الله المسلمون.

فقال: من أين جئتم؟

قال: من الفج العميق.

قال: أين تريدون؟

قال: البيت العتيق.

فقال عمر رضي الله عنه: تأوّلها لعمر الله.

فقال عمر رضي الله عنه: من أميركم؟

فأشار إلى شيخ منهم، فقال عمر: بل أنت أميرهم لأحدثهم سناً الذي أجابه.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: أسواقاً كانت لهم.

ما ذكر الله منافع إلا الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: منافع في الدنيا ومنافع في الآخرة.

فأمّا منافع الآخرة، فرضوان الله عز وجل.

وأما منافع الدنيا، فما يصيبون من لحوم البدن في ذلك اليوم والذبائح والتجارات.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ قال: الأجر في الآخرة والتجارة في الدنيا.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل رضي الله عنه في قوله: ﴿ ويذكروا اسم الله ﴾ قال: فيما ينحرون من البدن.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ ويذكروا اسم الله ﴾ قال: كان يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل بسم الله والله أكبر، اللهم هذا منك ولك عن فلان، ثم كل وأطعم كما أمرك الله: الجار والأقرب فالأقرب.

وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب العيدين وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأيام المعلومات، أيام العشر.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: الأيام المعلومات: يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ في أيام معلومات ﴾ يعني أيام التشريق.

وأخرج ابن جرير عن الضحاك رضي الله عنه ﴿ في أيام معلومات ﴾ يعني أيام التشريق ﴿ على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ﴾ يعني البدن.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات والمعدودات، هن جميعهن أربعة أيام.

فالمعلومات، يوم النحر ويومان بعده.

والمعدودات، ثلاثة أيام بعد يوم النحر.

وأخرج ابن المنذر عن علي رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات، يوم النحر وثلاثة أيام بعده.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ في أيام معلومات ﴾ قال: قبل يوم التروية بيوم، ويوم التروية، ويوم عرفة.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ومجاهد رضي الله عنه قال: الأيام المعلومات، أيام العشر.

وأخرج عن سعيد بن جبير والحسن رضي الله عنه مثله.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن إبراهيم رضي الله عنه قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائح نسائكم، فأنزل الله: ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فرخص للمسلمين، فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في سننه، عن مجاهد في الآية قال: هي رخصة، إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل.

بمنزلة قوله: ﴿ وإذا حللتم فاصطادوا ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء ﴿ فكلوا منها وأطعموا ﴾ قال: إذا ذبحتم فاهدوا وكلوا وأطعموا وأقلوا لحوم الأضاحي عندكم.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي صالح الحنفي رضي الله عنه ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ قال: هي في الأضاحي.

وأخرج عبد بن حميد عن عطاء رضي الله عنه قال: إن شاء أكل من الهدي والأضحية؛ وإن شاء لم يأكل.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ فكلوا منها ﴾ أن ابن مسعود كان يقول للذي يبعث: بهديه معه: كُلْ ثلثاً، وتصدق بالثلث، واهد لآل عتبة ثلثاً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل جزور بضعة، فجعلت في قدر فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي من اللحم وحسوا من المرق.

قال سفيان: لأن الله يقول ﴿ فكلوا منها ﴾ .

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ وأطعموا البائس ﴾ قال: الزمن.

وأخرج الطستي عن ابن عباس، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قول الله: ﴿ وأطعموا البائس الفقير ﴾ قال: ﴿ البائس ﴾ الذي لم يجد شيئاً من شدة الحاجة.

قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم، أما سمعت طرفة وهو يقول: يغشاهم البائس المدقع ** والضيف وجار مجاور جنب وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة ومجاهد قالا ﴿ البائس ﴾ الذي يمد كفيه إلى الناس يسأل.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر عن عكرمة رضي الله عنه قال: ﴿ البائس ﴾ المضطر الذي عليه البؤس و ﴿ الفقير ﴾ الضعيف.

وأخرج ابن المنذر عن مجاهد رضي الله عنه في قوله و ﴿ البائس الفقير ﴾ قال: هما سواء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة رضي الله عنه قال: ﴿ البائس الفقير ﴾ الذي به زمانه وهو فقير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ قال الفراء: رد يفعلون على فعلوا (١) ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ  ﴾ قال: وإن شئت (٢) (٣) (٤) وهذا معنى قول الكسائي: إن الذين كفروا ويصدون ولم يقل وصدوا وهي هيئة (٥) ونحو هذا قال الزجاج: لفظ المستقبل عطف به (٦) ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ الذين هم كافرون، وكأنه قال: إن الكافرين والصادين (٧) فهؤلاء جعلوا لفظ المستقبل هاهنا بمنزلة الماضي.

قال أبو علي: المعنى عندي إن الذين كفروا وصدوا [فلما كان المعطوف عليه ماضيًا بل على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله ﴿ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ  ﴾ .

قال: ويجوز أن يكون المضارع على بأبه كأنه قال: إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون مع ما تقدم من كفرهم.

والأول كأنه أقوى.

والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه لأنه قال (٨) (٩) ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ...

فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني (١٠) على معنى: ولقد مررت.

انتهت الحكاية عن أبي علي (١١) وذكرنا هذا وبيانه عند قوله: ﴿ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ  ﴾ الآية.

قوله تعالى: ﴿ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ ﴾ [قال أبو إسحاق: ﴿ جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ﴾ (١٢) ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ  ﴾ ويكون ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ رفعا على الابتداء والخبر (١٣) وهذا معنى قول الفراء: جعل الفعل -يعني جعلناه- واقعًا على الهاء واللام التي في الناس، ثم استأنف وقال: ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ .

قال: ومن شأنِ العرب أن يستأنفوا بسواء (١٤) (١٥) قال أبو علي: قوله ﴿ جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ﴾ أي مستقرًا ومنسكًا (١٦) (١٧) ﴿ وُضِعَ لِلنَّاسِ ﴾ ، وقوله ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مقدم، المعنى: العاكف والبادي فيه سواء.

ومن نصب فقال (سواء (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) قال المفسرون في قوله: ﴿ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ ﴾ خلقناه وبنيناه (٢٣) (٢٤) ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ قال ابن عباس: يريد الحاضر، والبادي: الذي يأتيه من البلاد، هم فيه سواء (٢٥) وقال سفيان: العاكف فيه: المقيم، والبادي: الذي ينتابه (٢٦) [وقال قتادة: العاكف: أهله، والبادي: غيرهم (٢٧) وقال السدي: العاكف المقيم فيه من أهل البلد، والبادي الذي ينتابه] (٢٨) وقال عطاء: العاكف أهل مكة، والبادي من أتاه من أرض غربة (٢٩) وقال الفراء: العاكف من كان من أهل مكة، والبادي من نزع إليه بحج أو عمرة (٣٠) وقال الزجاج: العاكف المقيم بها، والبادي النازع إليها من أي بلد كان (٣١) وقال ابن قتيبة: البادي الطارئ من البدو (٣٢) ومعنى البادي: النازع إليه من غربة.

من قولهم: قد بدا القوم إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء والمسافر باد وهو خلاف الحاضر (٣٣) واختلفوا في أن العاكف والباد في إيش (٣٤) فذهب (٣٥) وقال عبد الرحمن بن سابط: العاكف فيه ومن يجيء من الحجاج والمعتمرين سواء في المنازل غير أن لا يخرج أحد من بيته (٣٦) وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبي صالح (٣٧) ومن مذهب هؤلاء: أن كراء دور مكة وبيعها حرام لقوله تعالى ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ فجعل الطارئ كالمقيم فيه فليس أحد أحق بمنزلة من أحد إلا أن يكون سبق إلى منزل.

قال أبو علي: واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) وهذا مذهب ابن عمر، قال: سواء أكلت مُحرّمًا أو كراء دار مكة (٤٢) وعلى قول هؤلاء المسجد الحرام في هذه الآية معناه الحرم كله كقوله: ﴿ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ وقد مر.

وقال آخرون (٤٣) ﴿ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ في تفضيله وتعظيم حرمته وإقامة المناسك به (٤٤) وهو مذهب مجاهد (٤٥) (٤٦) (٤٧) وعلى قول هؤلاء المراد بالمسجد الحرام عين المسجد الذي يصلي فيه اليوم.

قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: فظاهر القرآن يدل على أن المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وقضاء الصلاة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه، ويدعون أنهم أربابه وولاته (٤٨) ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  ﴾ الآية.

فأما المنازل فلم تزل (٤٩) وجرت في هذه المسألة مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي -رحمهما الله- بمكة (٥٠) (٥١) ﴿ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ  ﴾ فنسب الديار إلى مالكيها، وقال النبي -  - يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٥٢)  -: "وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟

" (٥٣) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ جميع أهل المعاني قالوا في (بإلحاد) زيادة (٥٤) (٥٥) (٥٦) (٥٧) (٥٨) قال الفراء: سمعت أعرابيًّا من ربيعة (٥٩) (٦٠) (٦١) ﴿ بِإِلْحَادٍ ﴾ لأن تأويله: ومن يرد بأن (٦٢) (٦٣) (٦٤) (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) ألا هل أتاها والحوادث جَمَّة ...

بأنَّ أمرأ القيس بن تَمْلِك بيقرا (٦٩) فأدخل الباء على (أن) وهي في موضع رفع (٧٠) وقال المبرد: قال آخرون: إنما يحمل هذا على مصدره.

والمعنى: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد (٧١) وأنشد الزجاج (٧٢) أُريد لأنْسى ذكرها ...

البيت قال: والمعنى: إرادتي لهذا، ومعنى الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد (٧٣) (٧٤) واختلفوا في المراد بالإلحاد بالظلم المتوعد عليه بالعذاب الأليم: فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله (٧٥) وهو قول عطاء (٧٦) وذكر هو سبب نزوله قال (٧٧) (٧٨) (٧٩) ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ يعني يميل عن الإسلام، ثم يظلم، فيدخل الحرم بشرك (٨٠) وقال آخرون: هو كل شيء كان منهيا عنه، حتى قال ابن مسعود: لو أن رجلًا بـ (عدن أبين) (٨١) (٨٢) (٨٣) (٨٤) وهذا قول السدي (٨٥) (٨٦) (٨٧) وقال ابن عباس: هو استحلال ما حرم الله (٨٨) (٨٩) وقال في رواية عطاء: هو قتل ما نهى الله عنه من الصيد، ودخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكة، وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها (٩٠) وعلى هذا القول هذا الإلحاد والظلم يختص باستحلال محظورات الإحرام وركوبها (٩١) وقوله ﴿ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ قال أبو إسحاق (٩٢) (٩٣) (٩٤) (٩٥) والعرب ربما تحذف الخبر إيجازا واختصارا كما روي أن النبي -  - رأى عبد الله بن عمر، فقال: "إن عبد الله" (٩٦) قال أبو إسحاق: والأول الوجه (٩٧) (٩٨) (١) أي عطف (يصدون) على (كفروا).

(٢) في (أ): (إن شئت).

(٣) (رد): ساقطة من (ظ).

(٤) "معاني القرآن" للفراء 2/ 220 - 221 مع اختلاف.

(٥) (هيئ) ة: مهملة في (ظ)، (د)، (ع).

(٦) في (ظ)، (د): (به عطف).

(٧) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 420.

(٨) "الكتاب" 3/ 24.

(٩) في (أ): (وأنشد)، والمثبت من باقي النسخ.

(١٠) البيت أنشده سيبويه في "الكتاب" 3/ 24 منسوبًا لرجل مولد من بني سلول، وذلك في "المقاصد النحوية" للعيني 4/ 58 وفيه.

وأعف ثم أقول ما ...

، و"تحصيل عين الذهب" للشنتمري 1/ 416.

ونسبه الأصمعي في "الأصمعيات" ص 126 لشمر بن عمرو الحنفي، وروايته فيها: (مررت) في موضع (أمر)، ولا شاهد فيهما على هذه الرواية.

والبيت بلا نسبة في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 323، والطبري 2/ 351 وروايته فيه: فمضيت عنه وقلت: لا يعنيني، و"الخصائص" لابن جني 3/ 330.

وانظر: "الخزانة" 1/ 357.

(١١) لم أجده بنصه.

وانظر: "الحجة" 3/ 35.

(١٢) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ) (١٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 420.

(١٤) في (أ): (السواء)، وهو خطأ.

(١٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 222.

والعبارة الأخيرة فيه: لأن سواء في مذهب واحد، كأنك قلت: مررتُ على رجل واحدُ عند الخير والشر.

وليس فيه لرفعت.

(١٦) في (أ): (أو منسكا).

(١٧) في (أ): (كررت جملة:، (والمعنى أنه نصب لهم منسكًا ومتعبدًا).

(١٨) قرأ حفص عن عاصم: (سواء) نصبًا، وقرأ الباقون (سواء) رفعا.

"السبعة" ص 435، "التبصرة" ص 266، "التيسير" ص 157.

(١٩) في (ظ)، (ع): (على)، وهو خطأ.

(٢٠) في "الحجة" 5/ 271: فرفع (العاكف فيه) كما يرفع.

(٢١) ما بين المعقوفين ساقط عن (أ).

(٢٢) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 270 - 272.

مع اختلاف يسير وتقديم وتأخير وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 423، "إعراب القراءات وعللها" لابن خالويه 2/ 74.

وذكر مكي بن أبي طالب وأبو شامة وجهاً آخر في قراءة النصب، قال أبو شامة: ويجوز أن يكون حالاً من الهاء في (جعلناه)، و (للناس) هو المفعول الثاني، أي جعلناه لهم في حال استواء العاكف والبادي فيه.

"الكشف عن وجوه القراءات السبع" لمكي 2/ 118، "إبراز المعاني" لأبي شامة ص 604.

(٢٣) هكذا في جميع النسخ.

وفي "الكشف والبيان" للثعلبي (جـ 3 ل 50 أ) المنقول منه النص، و"البسيط" 3/ 265: بنيناه.

(٢٤) "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 50 أ، وانظر الطبري17/ 137.

(٢٥) روى ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 6/ 24 من ابن عباس (العاكف) أهل مكة (والباد) من كان من غير أهلها.

(٢٦) انظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 256 عن سفيان الثوري.

(٢٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 137.

(٢٨) ما بين المعقوفبن ساقط من (ظ).

(٢٩) رواه الطبري 17/ 138 بمعناه.

(٣٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 221.

(٣١) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 421.

(٣٢) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 291.

(٣٣) انظر: "لسان العرب" 14/ 67 (بدا).

(٣٤) غير منقوطة في (أ).

ومعنى إيشٍ: أي شيء.

(٣٥) في (ظ): (فذكر).

(٣٦) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 79 - 80، ورواه الطبري 17/ 137 بنحوه.

(٣٧) روى الطبري 17/ 137 هذا القول عن هؤلاء جميعًا.

وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 أعنهم سوى قتادة.

(٣٨) أن: ساقطة من (ظ)، (د).

(٣٩) في (ظ): (فيه).

(٤٠) ما بين المعقوفين ساقط من (ظ).

(٤١) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 271.

(٤٢) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" (جـ3ل 50أ) (٤٣) في (ظ): (وقال آخرون) مكررة مرتين.

(٤٤) (به): ساقطة من (أ).

(٤٥) رواه الطبري 10/ 137 - 138.

(٤٦) لم أقف عليه.

(٤٧) بيع: ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(٤٨) في (أ): (وولاه).

(٤٩) في (ط)، (د)، (ع): (يزل غير منقوط أوله.

(٥٠) انظر خبر هذه المناظرة مفصلًا في: "آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم ص 180 - 181، "مناقب الشافعي" للبيهقي 1/ 213 - 215، "طبقات الشافعية" للسبكي 2/ 89 - 90.

(٥١) في (ظ)، (د): (أبو إسحاق)، وهو خطأ.

(٥٢) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 292، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الجهاد والسير، باب: فتح مكة 3/ 1408 من حديث أبي هريرة  .

(٥٣) رواه البخاري كتاب: الحج، باب: توريث دور مكة وبيعها وشرائها 3/ 450، ومسلم كتاب: الحج، باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها 2/ 984 من حديث أسامة بن زيد  ما.

والربع: الدار.

الصحاح للجوهري 3/ 1211 (ربع).

(٥٤) قال ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1276: تكلم الناس في دخول الباء (هاهنا)، فمنهم من قال: إنها زائدة.

وهذا مما لا يحتاج إليه في سبيل العربية؛ لأن حمل المعنى على الفعل أولى من حمله على الحرف، فيقال المعنى: ومن يهم فيه بميل يكون ذلك الميل ظلمًا؛ لأن الإلحاد هو الميل في اللغة، إلا أنه قد صار في عرف الشريعة ميلا مذمومًا، فرفع الله الإشكال، وبين أن الميل بالظلم هو المراد هنا.

وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 363 - بعد ذكره لقول من قال إن الباء زائدة: والأولى أن تُضَمَّن (يرد) معنى (يتلبس) فيتعدى بالباء.

وقال ابن كثير 3/ 214: والأجود أنه ضمن الفعل هاهنا معنى (يهم)، ولذا عداه بالباء فقال (ومن يرد فيه بإلحاد) أي يهم فيه بأمر فظيع من المعاصي الكبار (بظلم) أي عامدًا قاصدًا أنه ظلم ليس بمتأول.

(٥٥) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 223.

(٥٦) انظر: "معاني القرآن" للأخفش 2/ 636.

(٥٧) في نسبة هذا القول للمبرد والزجاج لظر.

فإن أبا جعفر النحاس في كتابه "معاني القرآن" 4/ 395 بعد أن حكى عن الأخفش القول بأن الباء زائدة قال: وهذا عند أبي العباس خطأ؛ لأنه لا يزاد شيء لغير == معنى.

والقول عنده أن يريد ما يدل على الإرادة، فالمعنى: ومن إرادته بأن يلحد بظلم كما قال الشاعر: أريد لأنسى ذكرها فكأنّما ...

تَمثّلُ لي ليلى بكل سبيل وأما الزجاج فقد قال في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 421.

وقال أهل اللغة إن معنى الباء الطرح.

المعنى: ومن يرد فيه إلحادًا بظلم وأنشدوا: ثم ذكر الزجاج بيتين من الشعر.

ثم قال: والذي يذهب إليه أصحابنا أن الباء ليست بملغاة، المعنى عندهم: ومن إرادته فيه بأن يلحد بلظم، وهو مثل قوله: أريد لأنسى ذكرها.

البيت.

(٥٨) المرجع السابق.

(٥٩) ربيعة اسم لقبائل كثيرة.

ولم يتميز لي المراد بهاهنا.

انظر: "اللباب" لابن الأثير 2/ 15 - 16، "معجم قبائل العرب" لكحالة 2/ 420 - 426.

(٦٠) في جميع النسخ: بذلك.

وأثبتنا ما في كتاب الفراء 2/ 223.

(٦١) في (ظ)، (د)، (ع): (بذلك)، وهو خطأ.

(٦٢) في (ظ): (أن).

(٦٣) في (د)، (ع): (يضم)، وهو خطأ.

(٦٤) عند الفراء في "المعاني" 2/ 223: "الخوافض" وكذا الطبري 17/ 139 حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.

(٦٥) عند الفراء في "المعاني": فاحتملت، وكذا الطبري 17/ 139 حيث نقل نص الفراء من غير تصريح باسمه.

(٦٦) ما بين المعقوفين ساقط من (ع).

(٦٧) عن الفراء في "المعاني": لتبين الخفض والرفع فيها.

(٦٨) في (أ) قلا دة: (الشاعر)، بعد قوله: وأنشد.

والأولى حذفها.

(٦٩) البيت أنشده الفراء2/ 222 لامرئ القيس، وهو في "ديوانه" 392 من رواية السكري وغيره، والطبري 17/ 139، و"الصحاح" للجوهري 2/ 595 (بقر)، "لسان العرب" 4/ 75 (بقر)، و"خزانة الأدب" 9/ 524 - 527.

وهذا البيت من قصيدة طويلة قالها بعد أن ذهب إلى الروم مستنجدًا بقيصر للأخذ بثأر أبيه.

قال البغدادي في "الخزانة" 9/ 526.

قوله: (ألا هل أتاها) الضمير لحبيبته، وقوله (والحوادث جمة) أي كثيرة، جملة اعتراضية بين الفعل وفاعله ...

، وفائدة الاعتراض: الإخبار بأن هجرته عن بلاده حادئة من الحوادث، والعرب تتمدح بالإقامة في البدو ..

و"تملك" -بفتح المثناة الفوقية: اسم امرأة.

فمنهم يعني من الشراح- من قال: أمه تَمْلك، ومنهم من قال جدته، ويحتمل أن تكون جدته من قبل أمه أو أمهاتها.

والله أعلم.

أهـ و (بيقرا): (قيل: بَيْقَرا لرجل بيقرة، إذا هاجر من أرض إلى أرض، وقيل: بَيْقر الرجل أقام بالحضر وترك قومه بالبادية.

وقيل: بيقر الرجل إذا خرج من الشام إلى العراق.

"الصحاح" للجوهري 2/ 595، "لسان العرب" 4/ 75.

(٧٠) "معاني القرآن" للفراء 2/ 222 - 223.

(٧١) في (ظ)، (د)، (ع): (على الإلحاد).

(٧٢) البيت أنشده الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 421 من غير نسبة، وهو بتمامه: أريد لأنسى ذكرها فكأنَّما ...

تمثل لي ليلى بكل سبيل وهو في "ديوان كثير" ص 108، "الكامل" للمبرد 3/ 97، و"أمالي القالي" 2/ 63، "لسان العرب" 3/ 188 (رود)، و"المقاصد النحوية" للعيني 2/ 249، و"خزانة الأدب" 10/ 329.

(٧٣) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 421.

(٧٤) عند قوله تعالى: ﴿ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ  ﴾ .

(٧٥) ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 ب عنهما.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34، والطبري 17/ 140 عن قتادة.

(٧٦) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 155 ب) من طريق حبيب بن أبي ثابت، عنه قال: القتل والشرك.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 29 وعزاه لسعيد وعبد ابن حميد وابن المنذر.

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 394: وروى هشيم، عن الحجاج، عن عطاء (ومن يرد فيه بإلحاد) قال: من عبد غير الله عز وجل.

وقد تقدم أن الرواية عن عطاء هي من طريقه.

وجاء عنه تفسير آخر، فروى الطبري 17/ 141 عنه قال: هم المحتكرون الطعام بمكة.

(٧٧) في (ظ): (وقال).

(٧٨) هو: عبد الله بن هلال بن خطل، وقيل: غالب بن هلال بن خطل، اسم خطل:== عبد بن مناف، من بني تيم بن فهو بن غالب، كان اسمه عبد العُزى فأسلم فسمي عبد الله، ثم أن النبي -  - بعثه مصدقا، وبعث معه رجلا من الأنصار، وكان له مولى مسلم فغضب عليه غضبة، فقتله، ثم ارتد مشركا، وكان له قينتان تغنيان بهجاء رسول الله -  - والمسلمين، فلهذا أهدر النبي -  - دمه فقتل وهو معلق بأستار الكعبة يوم فتح مكة، واشترك في قتله أبو برزة الأسلمي وسعيد بن حريث المخزومي.

"السيرة النبوية" لابن هشام 4/ 29، "الكامل في التاريخ" لابن الأثير 2/ 169، "البداية والنهاية" 4/ 297، "فتح الباري" لابن حجر 4/ 61.

(٧٩) المصادر السابقة.

(٨٠) ذكره الرازي 23/ 25 عن مقاتل.

وقد روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 215 من طريق ابن لهيعة عن ابن عباس  ما قال في قوله (ومن يرد فيه بإلحاد): (نزلت في عبد الله بن أنيس أن رسول الله -  - بعثه مع رجلين أحدهما مهاجر والآخر من الأنصار، فافتخروا في الأنساب، فغضب عبد الله بن أنيس، فقتل الأنصاري ثم ارتد عن الإسلام، ثم هرب إلى مكة، فنزلت فيه ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ .

وسنده ضعيف، لضعف ابن لهيعة.

(٨١) في (أ): (بعدان أيبن)، وهو خطأ.

و (عدن أبين) مدينة مشهورة على ساحل بحر اليمن، ويقال لها (عدن أبين) للتمييز بينها وبين (عدن لاعة) في بلاد حجة باليمن.

انظر: "معجم البلدان" لياقوت 6/ 126 - 127، "مراصد الاطلاع" للبغدادي 2/ 923، "معجم المدن والقبائل اليمنية" للمقحفي ص 279.

(٨٢) (أن): ساقطة من (ج)، (د)، (ع).

(٨٣) رواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 65 - 66 وإسحاق بن راهويه في "مسند == كما في "المطالب العالية" لابن حجر ص 515، و"إتحاف المهرة" للبوصيري (جـ 3 ل 90 ب)، والبزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" للهيثمي 3/ 60، والطبري في "تفسيره" 17/ 141، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 214 - 215، والحاكم في "مستدركه" 2/ 387 - 388.

قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 215 - بعد أن ذكر سند ابن أبي حاتم ورواية الإمام أحمد: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري، ووقفه أشبه من رفعه.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 70: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار، ورجال أحمد رجال الصحيح.

وقال ابن حجر في "المطالب العالية" 3/ 352 والمسندة ص 515: (قوي الإسناد).

وقال البوصيري في "إتحاف المهرة" 3/ 90 ب بعد ذكره لرواية إسحاق: هذا إسناد موقوف صحيح.

(٨٤) رواه الطبري 17/ 141، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 29 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر.

(٨٥) انظر الطبري 17/ 140 - 141.

(٨٦) في الطبري 17/ 141 عنه قال: الإلحاد: الظلم في الحرم.

(٨٧) روى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 34 عن الثوري، وسعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 55 ب) عن ابن المبارك كلاهما يعني الثوري وابن المبارك عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: بيع الطعام بمكة إلحاد.

ورواه سعيد بن منصورل 55 ب عن إسماعيل بن زكريا عن عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: احتكار الطعام بمكة إلحاد، وليس الجالب كالمقيم.

(٨٨) رواه الطبري 17/ 140 عنه من رواية العوفي.

(٨٩) ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 50 (٩٠) في (ظ)، (د)، (ع): (لا يجوز أن يفعلها المحرم).

(٩١) قال الطبري 17/ 141: وأولى الأقوال: التي ذكرناها في تأويل ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن مسعود وابن عباس من أنه معني بالظلم في هذا الموضع: كل معصية لله، وذلك لأن الله عم بقوله (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم) ولم يُخصص به ظلم دون ظلم في خبر ولا عقل، فهو على عمومه.

وقال النحاس في "معاني القرآن" 4/ 394: وأبين ما قيل فيه أن معنى (بإلحاد بظلم) لكل معصية؛ لأن الآية عامة.

وقال أبو حيان في "البحر" 6/ 363 - بعد ذكره للأقوال: والأولى حمل هذه الأقوال على التمثيل لا على الحصر، إذ الكلام يدل على العموم.

وقال ابن كثير 3/ 215: وهذا الآثار وإن دلت على أن هذه الأشياء من الإلحاد ولكن هو أعم من ذلك، بل فيها تنبيه على ما هو أغلظ منها.

(٩٢) (إسحاق): مكان بياض في (أ).

ثم (أ) بعد ذلك (وعلى هذا القول) وقد ضرب عليه الناسخ، لأنه مكرر بسبب إنتقال نظره إلى السطر الذي قبله.

(٩٣) (والملحدين): ساقطة من (ظ)، (د)، (ع).

(٩٤) عند الزجاج: (نُذقُهم).

(٩٥) "معاني القرآن" للزجاج 3/ 420 مع تصرف يسير.

(٩٦) رواه الطبراني كما في "مجمع الزوائد" 9/ 246 عن مجاهد قال: شهد ابن عمر -رحمه الله- الفتح: وهو ابن عشرين ومعه فرس حرور ورمح ثقيل فذهب ابن عمي يختلي لفرسه فقال رسول الله -  -: "إن عبد الله".

قال الهيثمي في "المجمع" 9/ 246: ورجاله رجال الصحيح إلا أن مجاهدًا أرسله.

تنبيه: وقع في المطبوع من "مجمع الزوائد": (إن عبد الله رجل صالح) ولفظ (رجل صالح) زادها المعلق على المجمع كما نبه هو على ذلك في الحاشية حيث قال: (رجل صالح) مستدركة من "شذرات الذهب".

وهذا خطأ من المعلق، فإن حديث (إن عبد الله رجل صالح) بزيادة (رجل صالح) حديث آخر رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التعبير، باب: الاستبرق ودخول الجنة في المنام 12/ 403 عن ابن عمر  ما قال: رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير، لا أهوي بها إلى مكان في الجنة إلا طارت بي إليه، فقصصتها على حفصة، فقصتها حفصة على النبي -  - فقال: (إن أخاك رجل صالح)، أو قال: (إن عبد الله رجل صالح) أهـ.

(٩٧) في (أ): (أوجه)، وهو خطأ.

(٩٨) "معاني القرآن" للز جاج 3/ 420.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ إِنَّ الذين كَفَرُواْ ﴾ خبره محذوف يدل عليه قوله: ﴿ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ، وقيل: الخبر ﴿ وَيَصُدُّونَ ﴾ على زيادة الواو، وهذا ضعيف، وإنما قال: ﴿ يَصُدُّونَ ﴾ بلفظ المضارع ليدل على الاستمرار على الفعل ﴿ سَوَآءً ﴾ بالرفع مبتدأ وخبره مقدر، والجملة في موضع المفعول الثاني لجعلنا، وقرأ حفص بالنصب على أنه المفعول الثاني والعاكف فاعل به ﴿ العاكف فِيهِ والباد ﴾ العاكف المقيم في البلد: والبادي القادم عليه من غيره، والمعنى: الناس سواء في المسجد الحرام، لا يختص به أحد دون أحد وذلك إجماع، وقال أبو حنيفة: حكم سائر مكة في ذلك كالمسجد الحرام، فيجوز للقادم أن ينزل منها حيث شاء، وليس لأحد فيها ملك، والمراد عنده بالمسجد الحرام جميع مكة، وقال مالك وغيره: ليست الدور في ذلك كالمسجد، بل هي متملكة ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ الإلحاد الميل عن الصواب، والظلم هنا عام في المعاصي من الكفر إلى الصغائر، لأن الذنوب في مكة أشدّ منها في غيرها، وقيل: هو استحلال الحرام، ومفعول ﴿ يُرِدْ ﴾ محذوف تقديره: من يرد أحداً أو من يرد شيئاً، ﴿ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ : حالان مترادفان، وقيل: المفعول قوله بإلحاد على زيادة الباء.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ بهمزتين منصوباً: نافع وحفص.

مثله ولكن بتخفيف الأولى واواً ساكنة.

أبو بكر وحماد وزيد وكذلك في سورة فاطر.

وقرأ سهل ويعقوب والمفضل ههنا بالهمزة والنصب.

وفي "فاطر" بالهمز والخفض.

الباقون بالهمز والخفض في السورتين ﴿ سواء ﴾ بالنصب: حفص وروح وزيد.

الآخرون بالرفع.

﴿ والبادي ﴾ بالياء في الحالين: سهل ويعقوب وابن كثير وافق أبو عمرو وأبو جعفر ونافع غير قالون في الوصل.

﴿ بوأنا ﴾ مثل ﴿ أنشأنا ﴾ ﴿ بيتي ﴾ بفتح الياء: أبو جعفر ونافع وحفص وهشام.

﴿ فتخطفه ﴾ بتشديد الطاء: أبو جعفر ونافع ﴿ الرياح ﴾ يزيد طريق المفضل ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ بالنصب على تقدير النون: عباس ﴿ منسكاً ﴾ ونحو بكسر السين: حمزة وعلي وخلف ﴿ لن تنال الله ﴾ بتاء التأنيث: يعقوب ﴿ ولكن تناله ﴾ بالتأنيث أيضاً زيد ﴿ يدفع ﴾ من الدفع: ابن كثير وأبو عمرو وسهل ويعقوب الباقون ﴿ يدافع ﴾ من المدافعة ﴿ أذن ﴾ مبنياً للمفعول: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وعاصم ﴿ يقاتلون ﴾ مبنياً للمفعول أيضاً: أبو جعفر ونافع وابن عامر وحفص الآخرون مبنياً للفاعل فيهما.

﴿ دفاع ﴾ بألف: أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب ﴿ لهدمت ﴾ مخففاً: ابن كثير وأبو جعفر ونافع وقرأ ابن عامر وأبو عمرو وسهل وحمزة وعلي وخلق مشدداً مدغماً الباقون مشدداً.

الوقوف: ﴿ ولؤلؤاً ﴾ ط ﴿ من القول ﴾ ج للعطف مع تكرار ﴿ وهدوا ﴾ ﴿ الحميد ﴾ ه ﴿ والباد ﴾ ه ط ﴿ أليم ﴾ ه ﴿ السجود ﴾ ه ﴿ عميق ﴾ ه لا لتعلق اللام ﴿ الأنعام ﴾ ج للابتداء بالأمر مع الفاء ﴿ الفقير ﴾ ه للعطف مع العدول ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق قد قيل: لأن المراد ذلك على ما ذكر أو الأمر والشأن ذلك ثم يبتدأ بالشرط ﴿ عند ربه ﴾ ط ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ مشركين به ﴾ ط ﴿ سحيق ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ق ﴿ القلوب ﴾ ه ﴿ العتيق ﴾ ه ﴿ الأنعام ﴾ ط ﴿ اسلموا ﴾ ط ﴿ المخبتين ﴾ ه لا لاتصال الوصف ﴿ الصلاة ﴾ ه ﴿ ينفقون ﴾ ج ه ﴿ خير ﴾ ق والوصل أحسن للفاء ﴿ صواف ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ والمعتر ﴾ ط ﴿ تشكرون ﴾ ه ﴿ منكم ﴾ ط ﴿ هداكم ﴾ ط ﴿ المحسنين ﴾ ه ﴿ آمنوا ﴾ ط ﴿ كفور ﴾ ه ﴿ ظلموا ﴾ ط ﴿ لقدير ﴾ ه لا بناء على أن ﴿ الذين ﴾ بدل من الضمير في ﴿ نصرهم ﴾ ﴿ ربنا الله ﴾ ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ ينصره ﴾ ط ﴿ عزيز ﴾ ه ﴿ المنكر ﴾ ط ﴿ الأمور ﴾ ه.

التفسير: لما ذكر حال أحد الخصمين في الآخرة أراد أن يذكر حال الآخر وهو المؤمن ولهذا ألزم التكرار، إلا أنه يفطن بهذه الآية فائدة أخرى هي بيان أهل الجنة يحلون فيها وقد مر مثله في أوائل الكهف.

ومن قرأ ﴿ لؤلؤاً ﴾ بالنصب فعلى تقدير ويؤتون لؤلؤاً لأن السوار من اللؤلؤ غريب إلا أن يكون شيئاً منظوماً منه.

﴿ وهدوا إلى الطيب من القول ﴾ عن ابن عباس هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده يلهمهم الله ذلك ﴿ وهدوا إلى صراط الحميد ﴾ أي إلى طريق المقام المحمود وهو الجنة أو إلى صراط الله كقوله ﴿ إلى صراط العزيز الحميد  الله الذي له ما في السموات وما في الأرض  ﴾ وقال السدي: الطيب من القول هو القرآن.

وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله وقال حكماء الإسلام: هو كشف الغطاء عن الحقائق الروحانية والمعارف الربانية، ثم كرر وعيد أهل الكفر ومن دناهم فقال ﴿ إن الذين كفروا ويصدون ﴾ إنما حسن عطف المستقبل على الماضي لأنه أراد به الاستمرار وأنه من شأنهم الصد وكأنه قيل: كفروا واستمروا على الصد.

وقال ابو علي الفارسي.

كفروا في الماضي وهم الآن يصدون.

عن ابن عباس أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وأصحابه حين صدوا رسول الله  ومن معه عام الحديبية عن أن يحجوا ويعتمروا وينحروا الهدي.

ومن قرأ ﴿ سواء ﴾ بالنصب فعلى أنه مفعول ثانٍ لجعلنا أي جعلناه مستوياً ﴿ العاكف فيه والباد ﴾ ومن قرأ بالرفع فعلى أن ﴿ العاكف ﴾ مبتدأ و ﴿ سواء ﴾ خبر مقدم والجملة مفعول ثان ويجوز أن يكون ﴿ للناس ﴾ مفعولاً ثانياً اي جعلناه متعبداً لكل من وقع عليه اسم الناس، وقوله ﴿ سواء ﴾ إلى آخره الجملة بيان لذلك الجعل أي لا فرق بين الحاضر المقيم به وبين الطارئ من البدو، واختلفوا في أن المكي والآفاقي يستويان في أي شيء فعن ابن عباس في بعض الروايات أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها للآية بناء على أن المراد بالمسجد الحرام مكة، ولما روي أنه  قال "مكة مباحة سبق إليها" وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وهو قول قتادة وسعيد بن جبير أيضاً، ولأجل ذلك زعموا أن كراء دور مكة حرام.

والأكثرون على أنهما مستويان في العبادة في المسجد ليس للمقيم أن يمنع البادي وبالعكس ومنه قوله  " "يا بني عبد مناف من ولي منكم من أمور الناس شيئاً فلا يمنعن أحداً طاف بهذا البيت أو صلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار" وعلى هذا فلا منع من بيع دور مكة وإجارتها وهو مذهب الشافعي وقد جرت المناظرة بينه وبين إسحق الحنظلي وكان إسحق لا يرخص في كراء دور مكة فاحتج الشافعي بقوله  ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق  ﴾ بأن عمر اشترى دار السجن فسكت إسحق وإنما ذهب الأولون إلى أن المراد بالمسجد الحرام ههنا مكة كلها لأنه جعل العاكف فيه بإزاء البادي.

أجاب الأكثرون بأنه اراد بالعاكف المجاور للمسجد المتمكن في كل وقت من التعبد فيه.

والإلحاد العدول عن القصد كما مر في قوله ﴿ وذَرُوا الذين يلحدون في أسمائه  ﴾ وقوله ﴿ بالحاد بظلم ﴾ حالان ومفعول ﴿ يرد ﴾ متروك ليفيد العموم أي ومن يرد فيه مراداً ما جائراً ظالماً.

وفائدة الحال الثانية أن العدول عن القصد قد يكون بالحق كقوله ﴿ وجزاء سيئة سيئة  ﴾ واختلفوا في الإلحاد في الحرم فعن قتادة وسعيد بن جبير وابن عباس في رواية عطاء أنه الشرك يعني من لجأ إلى حرم الله ليشرك به عذبه الله.

وقال مقاتل: نزلت في عبد الله بن حنظلة حيث قتل الأنصاري وهرب إلى مكة كافراً.

فأمر النبي  بقتله يوم الفتح وهو العذاب الأليم.

وعن مجاهد أنه الاحتكار.

وقيل: المنع من عمارته.

وعن عطاء: هو قول الرجل في المبايعة "لا والله" وبلى والله.

ومثله ما روي عن عبد الله بن عمر أنه كان له فسطاطان أحدهما في الحل والآخر في الحرم، فإذا أراد أن يعاتب أهله عاتبهم في الحل فقيل له في ذلك فقال: كنا نحدث أن من الإلحاد فيه أن يقول الرجل "لا والله" و"بلى والله".

والأولى التعميم.

وفيه أن الواجب على من كان فيه أن يضبط نفسه ويسلك طريق السداد والعدل في مهامه ومقاصده، وهذا وإن كان واجباً في كل مكان إلا أن وجوبه هناك أو كد فللمكان خاصية كما للزمكان ولهذا قال مجاهد: تضاعف السيئات فيه كما تضاعف الحسنات.

عن ابن مسعود: أن القصد إلى الذنب يكتب هناك ذنباً وإن لم يخرج إلى الفعل.

وعنه لو أن رجلاً يهم بأن يعمل سيئة عند البيتن اذاقه الله  عذاباً أليماً.

واعلم أن خبر إن محذوف لدلالة جواب الشرط عليه كأنه قيل: إن الذين كفروا ويصدون نذيقهم من عذاب أليم ومن يرد في الحرم بإلحاد فهو كذلك، وحين انجر الكلام إلى ذكر المسجد الحرام أتبعه ذكر الكعبة وبعض ما يتعلق به من المناسك فقال ﴿ وإذ بوأنا ﴾ أي واذكر حين جعلنا ﴿ لإبراهيم مكان البيت ﴾ مباءة أي مرجعاً يرجع إليه للعمارة والعبادة، ويروى أن موضع البيت كان مطموساً بفبعث الله  ريحاً كنست ما حوله حتى ظهر اسه القديم فبنى إبراهيم عليه وقد مر قصة ذلك في "البقرة".

وقيل: بعث غمامة على قدر البيت الحرام في العرض والطول وفيها راس يتكلم وله لسان وعينان فقال: يا إبراهيم ابن على قدري فأخذ في البناء وذهبت السحابة.

وأن في ﴿ أن لا تشرك ﴾ هي المفسرة وذلك أن المقصود من التوبة هو العبادة فكأنه قيل: تعبدنا لإبراهيم قلنا له: لا تشرك وطهر وقد مر مثله في "البقرة".

وإنما قال ههنا ﴿ والقائمين ﴾ لأن العاكف ذكر مرة في قوله ﴿ سواء العاكف ﴾ والقائم إما بمعنى القيام في الصلاة بدليل قوله ﴿ والركع السجود ﴾ أو بمعنى المقيم المتوطن.

والظاهر أن الخطاب في ﴿ وأذن ﴾ لإبراهيم أيضاً أي ناد ﴿ في الناس ﴾ وهو أن يقول حجوا أو عليكم ﴿ بالحج ﴾ يروى أنه صعد أبا قبيس فقال: ايها الناس حجوا بيت ربكم، قال مجاهد: فما حج إنسان ولا يحج إلى القيامة إلا وقد سمع ذلك النداء من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فمن أجاب مرة حج مرة ومن أجاب أكثر فأكثر.

ولعل الفائدة في قوله ﴿ يأتوك ﴾ هي هذه لأن الإتيان إلى مكة بسبب ندائه إتيان إليه.

وأيضاً هو أول من حج وغيره يقتدي به وكأنه يأتيه.

وعن الحسن وهو اختيار أكثر العلماء المعتزلة أن الخطاب للنبي  وأنه معطوف على "أذكر" مقدراً، ثم إنه عام لجميع الناس أو خاص بمن حج معه في حجة الوداع قولان.

وقيل: إنه ابتداء فرض الحج والرجال المشاة واحده راجل.

وقوله ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ حال آخر كأنه قيل رجالاً وركباناً.

والضامر البعير المهزول لطول السفر.

﴿ ويأتين ﴾ صفة ﴿ لكل ضامر ﴾ لأنه في معنى الجمع.

والفج الطريق الواسع وقد مر في السورة المتقدمة.

والعميق البعيد ومثله معيق وبه قرأ ابن مسعود.

وفي تقديم المشاة تشريف لهم.

روى سعيد بن جبير بإسناده عن النبي  "إن الحاج الراكب له بكل خطوة تخطوها راحلته سبعون حسنة وللماشي سبعمائة من حسنات الحرم.

قيل: يا رسول الله وما حسنات الحرم؟

قال: الحسنة بمائة ألف حسنة" قال جار الله: ذكر المنافع لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة دينية ودنيوية لا توجد في غيرها من العبادات وقد كنى عن النحر والذبح بذكر اسم الله  لأن المسلمين لا ينفكون عن التسمية إذا نحروا أو ذبحوا، وفيه تنبيه على أن التسمية من الأغراض الأصلية المعتبرة خلاف ما كان يفعله المشركون من الذبح للنصب.

وفي قوله ﴿ على ما رزقهم ﴾ إشارة إلى أن نفس القربان وتيسير ذلك العمل من نعم الله  ولو قيل "لينحروا في أيام معلومات بهيمة الأنعام" لم يكن شيء من هذه الفوائد.

والأيام المعلومات عند أكثر العلماء عشر ذي الحجة الأول آخرها يوم النحر لأنها معلومة عند الناس لحرصهم على أعمال الحج فيها.

ثم للمنافع أوقات من العشر معروفة كيوم عرفة والمعشر الحرام، كذلك للذبح وقت بعينه وهو يوم النحر وهذا قول مجاهد وعطاء وقتادة والحسن ورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس واختيار الشافعي وأبي حنيفة.

وعن ابن عباس في رواية أخرى أنها يوم النحر وثلاثة ايام بعدها وهو اختيار أبي مسلم وقول أبي يوسف ومحمد.

وعلى الأول يكون قوله ﴿ في أيام ﴾ متعلقاً بكلا الفعلين أعني ﴿ ليشهدوا ﴾ ﴿ وليذكروا ﴾ وعلى الثاني يختص تعلقه بالثاني.

ومعنى ﴿ بهيمة الأنعام ﴾ بهيمة من الأنعام لأن البهيمة تشمل كل ذات أربع في البر والبحر فبينت بالأنعام وهي الإبل والبقر والضأن والمعز، وقد مر في أول المائدة قال مقاتل: إذا ذبحت فقل "بسم الله والله أكبر اللهم منك وإليك" وتستقبل القبلة.

وزاد الكلبي "إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين".

قال القفال: كأن المتقرب بها وبإراقة دمائها متصور بصورة من يفدي نفسه بما يعادلها فكأنه يبذل تلك الشاة بذل مهجته طلباً لمرضاة الله واعترافاً بأن تقصيره كاد يستحق مهجته.

أما قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ﴾ فالبائس الذي أصابه بؤس أي شدة والفقير قد مر في آية الصدقات في "التوبة" وفي غيرها.

ثم من الناس من قال: الأمران للوجوب لأن أهل الجاهلية كانوا لا يأكلون منها فأمر المسلمون بمخالفتهم.

والأكثرون على أن الأكل ليس بواجب.

ثم منهم من قال: يحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف رعاية للأمرين.

ومنهم من قال: يأكل الثلث ويتصدق بالثلثين لما يجيء من قوله ﴿ فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر ﴾ فجعلها على ثلاثة أقسام ومنهم من قال: يأكل الثلث ويدخر الثلث ويتصدق بالثلث لما جاء في الحديث من الأمر بالادخار.

والأولى وهو مذهب الشافعي أنه إن أطعم جميعها أجزأه، وإن أكل جميعها لم يجزئه، وإذا تصدق بأقل شيء من لحمها يكفي هذا إذا كان متطوعاً.

وأما الواجبات كالنذور والكفارات وجبران النقصانات مثل دم القران ودم التمتع ودم الإساءة فلا يأكل منها لا هو ولا أغنياء الرفقة ولا فقراؤها لما روي عن هشام بن عروة عن أبيه "عن ناجية الخزاعي قال: قلت: يا رسول الله كيف أصنع بما عطب من البدن؟

قال: انحرها ثم إغمس نعلها في دمها ثم خل بين الناس وبينها يأكلونها" .

وقال ايضاً  في مثله: "لا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك" .

قوله ﴿ ثم ليقضوا تفثهم ﴾ لا يبعد أن يكون معطوفاً على ﴿ ليشهدوا ﴾ فإن هذه الأعمال كلها غايات للإتيان إلا أن إسكان هذه اللامات في بعض القراآت يدل على أنها لام الأمر وعلى هذا تكون هذه الأوامر الغائبة معطوفة على الأمرين الحاضرين قبلها والله أعلم.

قال أبو عبيدة: لم يجيء في الشعر ما يحتج به في معنى النفث.

وقال الزجاج: إن أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير.

وقال القفال: قال نفطويه: سألت أعرابياً فصيحاً ما معنى قوله ﴿ ثم ليقضوا نفثهم ﴾ ؟

فقال: ما أفسر القرآن ولكنا نقول للرجل: ما أتفثك وما أدرنك!

ثم زعم القفال أن هذا أولى من قول الزجاج لأن المثبت أولى من النافي.

وقال المبرد: أصل التفث في كلام العرب كل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها.

وأجمع أهل التفسير على أن المراد ههنا إزالة الأوساخ والزوائد كقص الشارب والأظفار ونتف الإبط وحلق العانة.

فتقدير الآية ثم ليقضوا إزالة تفثهم وليوفوا نذورهم اي الأعمال التي أوجبها الحج بالشروع فيه، أو أعمال البر التي أوجبوها على أنفسهم بالنذر فإن الرجل إذا حج أو اعتمر فقد يوجب على نفسه من الهدي وغيره ما لولا إيجابه لم يكن الحج يقتضيه.

﴿ وليطوفوا ﴾ هو طواف الإفاضة والزيارة التي هي ركن وقد شرحت حاله في البقرة في قوله ﴿ فإذا أفضتم من عرفات  ﴾ وقيل: هو طواف الوداع والصدر.

سمي ﴿ بالبيت العتيق ﴾ لأنه أول بيت وضع للناس عن الحسن، وقال قتادة: لأنه أعتق من تسلط الجبابرة عليه وهو قول ابن عباس وابن الزبير ورووه عن رسول الله صلى الله عيله وسلم.

وعن ابن عيينة لأنه لم يملك قط.

وعن مجاهد لأنه أعتق من الغرق أيام الطوفان.

وقيل: معناه البيت الكريم من قولهم "عتاق الخيل والطير".

والحرمة مالا يحل هتكه وجميع التكاليف بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها، ويحتمل أن يراد ههنا ما يتعلق بالحج، عن زيد بن أسلم أن الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمحرم حتى يحل.

وتعظيمها العلم بوجوبها والقيام بحقوقها.

وقوله ﴿ فهو خير ﴾ أي فالتعظيم له خير من التهاون بذلك.

وقوله ﴿ عند ربه ﴾ إشارة إلى أن ثوابه مدخر لأجله.

قوله ﴿ وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم ﴾ قد مر في أول "المائدة" مثله أي إلا ما يتلى عليكم آية تحيمه وهي ﴿ حرمت عليكم الميتة  ﴾ أو قوله ﴿ غير محلي الصيد وأنتم حرم  ﴾ أو قوله ﴿ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه  ﴾ وحين حث على تعظيم الحرمات أتبعه الأمر بما هو أعظم أنواعها وأقدم أصنافها قائلاً ﴿ فاجتنبوا الرجس ﴾ وبينه بقوله ﴿ من الأوثان ﴾ أي الرجس الذي هو الأوثان كقولك "عندي عشرون من الدراهم".

والرجس العمل القبيح في الغاية وقد مر في آخر المائدة في تفسير قوله ﴿ رجس من عمل الشيطان  ﴾ والزور من الزور الميل والإضافة كقولهم "رجل صدق" جمع بين القول الزور وبين الشرك لأن عبادة الأوثان هي راس الزور وملاكه.

قال الصم: وصف الأوثان بأنها رجس لأن عادتهم في القرابين أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها، والأقرب أنها وصفت بذلك لأن عبادتها فعلة ممادية في القبح والسماجة.

وللمفسرين في قول الزور وجوه منها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام.

ومنها أنه شهادة الزور رفعوا هذا التفسير إلى النبي  .

ومنها أنه الكذب والبهتان.

ومنها أنه قول أهل الجاهلية في الطواف "لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك" وقوله ﴿ حنفاء لله غير مشركين به ﴾ حالان مؤكدان والمراد الإخلاص في التوحيد كقوله ﴿ حنيفاً ولم يك من المشركين  ﴾ وفائدة الحالين هي فائدة التولي والتبري وإنما أخر نفي الإشراك وإن كان مقدماً في الرتبة إذ التخلية والتبرئة مقدمة على التحلية والتولية ليرتب عليه قوله ﴿ ومن يشرك بالله ﴾ الآية.

قال جار الله: إن كان تشبيهاً مركباً فمعناه من أشرك بالله فقد هلك نفسه غاية الإهلاك وذلك بأن صور حاله بصورة من خر من السماء فاحتطفه أي استلبته الطير فتفرق مزعاً أي قطعاً من اللحم في حواصلها، أو بحال من خر فعصفت به الريح حتى هوت به في بعض المطاوح السحيقة البعيدة.

وإن كان مفرقاً فقد شبه الإيمان في علوه بالسماء، والذي تركه فأشرك فقد سقط منها والإهواء التي توزع أفكاره بالطير المتخطفة، وفي المثل الآخر شبه الشيطان الذي يطرح به في وادي الضلالة بالريح التي تهوي بالأشياء في المهاوي المتلفة.

وتعظيم شعائر الله وهي الهدايا كما مر في أمر "المائدة" هي أن يختارها عظام الأجرام غالية الأثمان.

وقد مر وصفها الشرعي في "البقرة" في قوله { ﴿ فما استيسر من الهدي  ﴾ وقد أهدى رسول الله  مائة بدنة فيها جمل لأبي جهل في أنفه برة من ذهب قال في الكشاف ﴿ فإنها من تقوى القلوب ﴾ أي فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب فحذفت هذه المضافات ولا يستقيم المعنى إلا بتقديرها لأنه لا بد من راجع من الجزاء إلى من ليرتبط به.

وأقول: في هذا الوجوب نظر لأنه ليس بشرعي ولا بعقلي على ما تزعم المعتزلة.

أما المضاف الأول فلأنه يحتمل أن يعود الضمير إلى التعظيم موحدين حتى لا يطابقها لفظ القلوب بل يحتمل أن يقدر لفظة منهم أويقدر فإن تعظيمهم إياها فيرجع الكلام إلى قلوبنا ﴿ ومن يعظم شعائر الله ﴾ فإن تلك الخلة منهم من تقوى القلوب أي ناشئة من تقوى قلوبهم، فإن القلوب مراكز التقوى التي منها عيارها وعليها مدارها ولا عبرة بما يظهر من آثارها على سائر الجوارح دونها.

ثم كان لسائل أن يسال: ما بال هذه الحيوانات تذبح فيتقرب بها إلى الله  ؟

فلهذا قال ﴿ لكم فيها منافع ﴾ يعني الدنيوية من الدر وركوب الظهر وسيشير إلى الدينية بقوله ﴿ لكم فيها خير ﴾ ولهذا أطلق ذلك وقيد هذه بقوله ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ وهو أوان النحر.

ثم بين أن وجوب نحرها أو وقت وجوب نحرها أو مكان نحرها منته إلى البيت أو إلى ما يجاوره ويقرب مه وهو الحرم كما مر في قوله ﴿ هديا بالغ الكعبة  ﴾ ومثله قوله:بلغنا البلد" إذا شارفوه واتصل مسيرهم بحدوده.

قال القفال: هذا إنما يختص بالهدايا التي بلغت مني، فأما إذا عطبت قبل بلوغ مكة فإن محلها هو موضعها.روى أبو هريرة " أنه  مر برجل يسوق بدنة وهو في جهد فقال  : اركبها فقال: يا رسول الله إنها هدي.

فقال: اركبها ويلك" .

وعن جابر أنه  قال: "اركبوا الهدي بالمعروف حتى تجدوا ظهراً" .

وهذا هو الذي اختاره الشافعي.

وعن ابي حنيفة أنه لا يجوز الإنتفاع بها لأنه لا يجوز إجازتها ولو كان مالكاً لمنافعها لملك عقد الإجارة عليها.

وضعف بأن أم الولد لا يمكنه بيعها ويمكنه الانتفاع بها.

وممن ذهب إلى هذا القول من فسر الأجل المسمى بوقت تسميتها هدياً، والمراد أن لكم أن تنتفعوا بهذه الأنعام إلى أن تسموها أضحية وهدياً فإذا فعلتم ذلك فليس لكم أن تنتفعوا بها.

وقد ينسب هذا القول إلى ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة والضحاك.

أجاب الأولون بأن الضمير في قوله ﴿ لكم فيها منافع ﴾ عائد إلى الشعائر، وتسمية ما سيجعل شعيرة مجاز والأصل عدمه.

قال في الكشاف: "ثم" للتراخي في الوقت فاستعيرت للتراخي في الأحوال، والمعنى إن لكم في الهدايا منافع كثيرة في دنياكم ودينكم، وأعظم هذه المنافع وأبعدها شوطاً في النفع محلها منتهية إلى البيت.

ومنهم من فسر الشعائر بالمناسك كلها وفسر الأجل المسمى بأوان انقطاع التكليف، وزيفه جار الله بأن محلها إلى البيت يأباه، ثم بين أن القرابين في الشرائع القديمة وإن اختلفت أمكنتها وأوقاتها فقال ﴿ ولكل أمة جعلنا منسكاً ﴾ موضعاً أو وقتاً يذبح فيه النسائك الذبائح كسر السين سماع وفتحها قياس.

ويجوز أن يكون مصدراً بمعنى النسك والمراد شرعنا لكل أمة من الأمم السالفة من زمن إبراهيم إلى من قبله وبعده أن ينسكوا له أي يذبحوا لوجهه على جهة التقرب وجعل الغاية في ذلك هي أن يذكر اسمه على نحرها، ثم بين العلة في تخصيص اسمه بذلك قائلاً ﴿ فإلهكم إله واحد ﴾ لأن تفرده بالإلهية يقتضي أن لا يذكر على الذبائح إلا إسمه.

ويجوز أن يتعلق هذا الكلام بأول الآية، والمعنى إنما اختلفت التكاليف باختلاف الأزمنة والأشخاص لاختلاف المصالح لا لتعدد الإله.

ثم ذكر أن تفرده بالإلهية يقتضي اختصاصه بالطاعة قائلاً ﴿ فله أسلموا ﴾ أي خصوه بالانقياد الكلي والامتثال لأوامره ونواهيه خالصاً لوجهه من غير شائبة إشراك.

ثم أمر نبيه  بتبشير المخبتين وفسرهم بقوله ﴿ الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ﴾ والتركيب يدور على التواضع والخشوع ومنه الخبت للمطمئن من الأرض، وعن عمرو بن أوس: هم الذين لا يظلمون وإذا ظلموا لم ينتصروا.

قال الكلبي: هم المجتهدون في العبادة.

ثم عطف على المخبتين قوله ﴿ والصابرين على ما أصابهم ﴾ أي من المكاره في ذات الله كالأمراض والمحن، فأما الذي يصيبهم من قبل الظلمة فقد قال العلماء: إنه لا يجب الصبر عليه ولكن لو أمكن الدفع وجب دفعه ولو بالقتال.

ثم خص من أنواع التكاليف التي تشق على النفس وتكرهها نوعين هما أشرف العبادات البدنية والمالية أعني الصلاة والزكاة وقوله ﴿ ومما رزقناهم ﴾ عطف على ﴿ المقيمي الصلاة ﴾ من حيث المعنى كأنه قيل: والذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون.

ثم عاد إلى تعظيم شأن الضحايا مرة اخرى وخص منها العظام الجسام بقوله ﴿ والبدن جعلناها ﴾ هي بضم الدال وسكونها جمع بدنة وهي الإبل خاصة لعظم بدنها إلا أن الشارع ألحق البقرة بها حكماً.

قال أبو حنيفة ومحمد: لو قال: عليَّ بدنة يجوز له نحرها في غير مكة.

وقال أبو يوسف: لا يجوز إلا بمكة بناء على أن البدنة مختصة بناقة أو بقرة تذبح هناك.

واتفقوا فيما إذا نذر هدياً أنه يجب ذبحه بمكة، وفيما إذا أنذر جزوراً أنه يذبحه حيث شاء.

وانتصب قوله و ﴿ البدن ﴾ بفعل يفسره ما بعده.

ومعنى جعلها من شعائر الله أنها من أعلام الشريعة التي شرعها الله.

عن بعض السلف أنه لم يملك إلا تسعة دنانير فاشترى بها بدنة فقيل له في ذلك فقال: سمعت ربي يقول ﴿ لكم فيها خير ﴾ أي ثواب في الآخرة كما ذكرنا.

وبعضهم لم يفرق بين الآيتين فحمل كلاً منهما على خير الدنيا والآخرة، والأنسب ما فسرناه حذراً من التكرار ما أمكن.

ومعنى ﴿ صواف ﴾ قائمات قد صففن أيديهن وأرجلهن، ولعل السر فيه تكثير سوادها للناظرين وتقوية قلوب المحتاجين.

﴿ فإذا وجبت جنوبها ﴾ اي سقطت على الأرض من وجبت الحائط وجبة سقطت، ووجبت الشمس وجبة غربت.

والمعنى إذا زهق روحها حل لكم الأكل منها وإطعام القانع والمعتر فالقانع السائل والمعتر الذي لا يسأل تعففاً.

وقيل: بالعكس فهماً من الأضداد كأن القانع قنع بالسؤال أو قنع بما قسم له فلا يسأل، والمعتر رضي بعرّه اي عيبه فلا يسال أو يسأل.

ثم منَّ على عباده بأن سخر لهم البدن أن يحتبسوها صافة قوائمها مطعوناً في لباتها مثل التسخير الذي شاهدوا وعلموا يأخذ بخطامها صبي فيقودها إلى حيث يشاء، وليست بأعجز من بعض الوحوش التي هي أصغر جرماً وأقل قوة لولا أنه  سخرها.

يورى أن أهل الجاهلية كانوا يلطخون الأوثان وحيطان الكعبة بلحوم القرابين ودمائها فبين الله  ما هو المقصود منها فقال ﴿ لن ينال الله ﴾ أي لن يصيب رضا الله أصحاب اللحوم والدماء المهراقة بمجرد الذبح والتصدق.

﴿ ولكن يناله التقوى منكم ﴾ بأن يكون القربان حلالاً روعي فيها جهات الأجزاء ثم يصرفها فيما آمر.

ثم كرر منة التسخير وأن الغاية تكبير الله على الهداية لأعلام دينه ومناسك حجه، وصورة التكبير وما يتعلق بها قد سبق في "البقرة" في آية الصيام.

قالت المعتزلة: لما لم ينتفع المكلف بالأجسام التي هي اللحوم والدماء وانتفع بتقواه وجب أن تكون التقوى فعلاً له وإلا كان بمنزلة الأجسام.

وأيضاً إنه قد شرط التقوى في قبول العمل وصاحب الكبيرة غير متق فوجب أن لا يقبل عمله.

والجواب أنه لا يلزم من عدم انتفاعه ببعض ما ليس من أفعاله أن لا ينتفع بكل ما ليس من أفعاله.

وأيضاً إن صاحب الكبائر اتقى الشرك فيصدق عليه أنه متقٍ ﴿ وبشر المحسنين ﴾ إلى أنفسهم بتوفير الثواب عليها.

والإحسان بالحقيقة أن تعبد الله كأنك تراه، وفيه ترغيب لما شرط من رعاية الإخلاص في القرابين وغيرها.

وحين فرغ من تعداد بعض مناسك الحج ومنافعها وكان الكلام قد انجر إلى ذكر الكفار وصدهم عن المسجد الحرام أتبعه بيان ما يزيل ذلك الصد ويمكن من الحج وزيارة البيت فقال ﴿ إن الله يدفع ﴾ ومن قرأ ﴿ يدافع ﴾ فمعناه يبالغ في الدفع ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ فعل المغالب والمدفوع هو بأس المشركين وما كانوا يخونون الله ورسوله فيه يدل عليه تعليله بقوله ﴿ إن الله لايحب كل خوان كفور ﴾ أي أنه يدفع عن المؤمنين كيد من هذه صفته قال مقاتل: اقروا بالصانع وعبدوا غيره فأي خيانة أعظم من هذا؟

وكان أصحاب رسول الله  يلقون من المشركين أذى شديداً وكانوا يلقونه من بين مضروب ومشجوج يتظلمون إليه فيقول لهم: اصبروا فإني لم أومر بالقتال حتى هاجر فنزل ﴿ أذن ﴾ وفاعله الله  أم لم يسم والمأذون فيه القتال بدليل قوله ﴿ للذين يقاتلون ﴾ إن فتح التاء فظاهر لأن المشركين كانوا يقاتلون المؤمنين وإنهم يؤمرون بالصبر، وإن كسرت فمعناه أذن للذين يحرصون على قتال المشركين في المستقبل نزل حرصهم على القتال منزلة نفس القتال ﴿ بأنهم ظلموا ﴾ أي بسبب كونهم مظلومين وهي أول آية أذن فيها بالقتال بعدما نهى عنه في نيف وسبعين آية.

وقيل: نزلت في قوم خرجوا مهاجرين فاعترضهم مشركو مكة فأذن لهم في مقاتلتهم.

وفي قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ ثم في قوله ﴿ وإن الله على نصرهم لقدير ﴾ عدة كاملة بإعلاء هذا الدين وإظهار ذويه على أهل الأديان كلهم كما تقول لغيرك إن أطعتني فأنا قادر على مجازاتك.

لا تريد مجرد إثبات القدرة بل تريد أنك ستفعل ذلك.

ثم وصف ذلك الظلم بأن وصف الموعودين بالنصر بقوله ﴿ الذين أخرجوا من ديارهم ﴾ ومحل ﴿ أن يقولوا ﴾ جر على الإبدال من ﴿ حق ﴾ اي بغير موجب سوى التوحيد الذي يوجب الإقرار والتمكين لا الإخراج والإزعاج نظيره ﴿ هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله  ﴾ ﴿ ولولا دفع الله الناس ﴾ قد مر في أواخر البقرة.

وللمفسرين في عبارات قال الكلبي: يدفع بالنبيين عن المؤمنين وبالمجاهدين عن القاعدين.

وعن ابن عباس: يدفع بالمحسن عن المسيء وعن ابن عمر أن النبي  قال: "إن الله يدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته ومن جيرانه ثم تلا هذه الآية" وقال الضحاك: يدفع بدين الإسلام وأهله عن أهل الذمة.

وقال مجاهد: يدفع عن الحقوق بالشهود وعن النفوس بالقصاص.

أما الصوامع والبيع والصلوات فعن الحسن أنها كلها اسماء المساجد، فقد يتخذ المسلم لنفسه صومعة لأجل العبادة.

قال الجوهري: الأصمع الصغير الأذن ويقال أتانا بثريدة مصمعة، إذا دققت وحدد راسها.

وصومعة النصارى "فوعلة" من هذا لأنها دقيقة الرأس، وقد تطلق البيعة على المسجد للتشبيه وكذا الصولات.

وسميت كنيسة اليهود صلاة لأنها يصلى فيها، ويحتمل أن يراد مكان الصلوات أو يراد الصلاة الشرعية نفسها.

وصح إيقاع الهدم عليها نظراً إلى قرائنها كقوله: مقلداً سيفاً ورمحاً.

وإن كان الرمح لا يتقلد.

هذا كله توجيه تفسير الحسن.

والأكثرون على أنها متعبدات مختلفة، فعن ابي العالية أن الصوامع للنصارى والبيع لليهود والصلوات للصابئين والمساجد للمسلمين.

وفي تخصيصها بقوله ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ تشريف لها وتفضيل على غيرها لأن الظاهر عود الضمير إليها فقط.

وعن قتادة أن الصوامع للصابئين والبيع للنصارى والصلوات لليهود.

قال الزجاج: وهي بالعبرانية صلوتا.

وقيل: الصوامع والبيع كلتاهما للنصارى ولكن الأولى في الصحراء والأخرى في البلد، وإنما أخر متعبد أهل الإسلام لتأخر زمانهم ولا ضير فإن أول الفكر آخر العمل.

وقال  "نحن الآخرون السابقون" وتفسير الآية على قول الأكثرين لولا دفع الله لهدم في شرع كل نبي المكان المعهود لهم في العبادة، فهدم في زمن موسى الكنائس، وفي زمن عيسى الصوامع والبيع، وفي زمن محمد  المساجد.

وعلى هذا الوجه إنما رفع عنهم حين كانوا على الحق قبل التحريف والنسخ، ويحتمل أن يراد لولا ذلك لاستولى أهل الشرك على أهل الأديان في زمن أمة محمد  من المسلمين وأهل الكتاب الذين في ذمتهم، وهدموا المتعبدات باسرها.

وعلى هذا الوجه إنما دفع عن سائر أهل الأديان لأن متعبداتهم يجري فيها ذكر الله في الجملة ليست بمنزلة بيوت الأصنام.

ثم عزم على نفسه نصرة من ينصر دينه وأولياؤه وأكد ذلك بقوله ﴿ إن الله لقوي عزيز ﴾ ومعنى القوة والعزة أنه لا يمتنع شيء من نفاذ أمره فيه مع أنه لا يتأثر عن شيء أصلاً.

ونصرة الله العبد تقويته على أعدائه ووضع الدلائل على ما يفيده في الدارين ونفث روح القدس بأمره داعية الخير والصلاح في روعه.

ثم أتبع قوله الذين أخرجوا قوله.

﴿ الذين إن مكناهم ﴾ وقيل: هو بدل من قوله ﴿ من ينصره ﴾ وهو إخبار منه عز وجل عما ستكون عليه سيرة المهاجرين إذا مكنهم في الأرض وبسط لهم في الدنيا.

وعن عثمان: هذا والله ثناء قبل بلاء، أراد أن الله  قد أثنى عليهم قبل أن يحدثوا في شأن الدين وإعلائه ما أحدثوا.

قيل: إنه مخصوص من المهاجرين بالخلفاء الراشدين لأنه  لم يعط التمكين فتمكينهم هو إبقاءهم إلى أوان التكليف، وقد يشمل الأطفال أيضاً إذا ماتوا قبل البلوغ لقوله الله أعلم بما كانوا عاملين.

ثم ختم الآية بقوله ﴿ ولله عاقبة الأمور ﴾ أي مرجعها ومصيرها إلى حكمه وتقديره وقد أراد تمكين أهل هذا الدين في كل حين فيقع لا محالة.

التأويل: ﴿ ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام ﴾ القلب سواء فيه من سبق إليه مدة طويلة والذي يصل إليه في الحال لأفضل إلا بسبق مقامات القلب ومنازله ﴿ وإذ بوأنا لإبراهيم ﴾ الروح مكان بيت القلب ﴿ وطهر بيتي ﴾ عن غيري وهو كل ما فيه حظ النفس دون الواردات المطيفة والأخلاق الثابتة والأحوال المتوالية كالرغبة والرهبة والقبض والبسط والأنس والهيبة ﴿ رجالاً ﴾ هي النفس وصفاتها ﴿ وعلى كل ضامر ﴾ هي البدن وجوارحه فإن الأعمال الشرعية قد ركبت الجوارح المرتاضة، فأعمال البدن مركبة من حركات الجوارح ونيات الضمير كما أن أعمال النفس بسيطة.

لأنها نيات الضمير فقط ﴿ من كل فج عميق ﴾ هو مصالح الدنيا لأن مصالحها بعيدة عن مصالح الآخرة ﴿ ليشهدوا منافع لهم ﴾ فمنافع النفس وصفاتها بتبديل الأخلاق، ومنافع القلب والجوارح بظهور اثر الطاعة عليها ﴿ ويذكروا ﴾ اي القلب والنفس والقالب شكراً ﴿ على ما رزقهم من ﴾ تبديل الصفات البهيمية بالصفات الروحيانية فانتفعوا بها وأفيضوا منها على الطالبين فهو خير لأن العبد يصل بالطاعة إلى الجنة ويصل بحرمة الطاعة إلى الله، وترك الخدمة يوجب العقوبة وترك الحرمة يوجب الفرقة.

﴿ وأحلت لكم ﴾ استعمال الصفات البهيمية بقدر الضرورة ﴿ إلا ما يتلى عليكم ﴾ في قولنا ﴿ ولا تسرفوا  ﴾ وفي قول النبي  "من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه" ﴿ فاجتنبوا ﴾ مقتضيات الهوى وكونوا صادقين في الطلب لا مزورين مائلين إلى الحق غير طالبين معه غيره، وخر من سماء القلب فاستلبه طير الشياطين أو وتهوي به ريح الهوى والخذلان إلى أسفل سافلين البعد والحرمان.

لكم في شواهد آثار صنع الإرشاد منافع وهي لذة العبور على المقامات ولذة البسط ولذة الأنس إلى أجل مسمى وهو حد الكمال، ثم انتهاء السلوك إلى حضرة القديم.

ولكل سالك جعلن مقصداً وطريقاًً، منهم من يطلب الله من طريق المعاملات، ومنهم من يطلبه من طريق المجاهدات، ومنهم من يطلبه بطريق المعارف، ومنهم من يطلبه به.

﴿ فله أسلموا ﴾ أي أخلصوا والإخلاص تصفية الأعمال من الآفات، ثم الأخلاق من الكدورات، ثم الأحوال من الالتفات، ثم الأنفاس من الأغيار ﴿ وبشر المخبتين ﴾ عنى المستقيمين على هذه الطريقة.

﴿ وجلت قلوبهم ﴾ الوجل عند الذكر على حسب تجلي الحق للقلب ﴿ والصابرين على ما اصابهم ﴾ من غير تمني ترحة ولا روم فرحة ﴿ والمقيمي الصلاة ﴾ الحافظين مع الله أسرارهم لا يطلبون إطلاع الخلق على أحوالهم ﴿ ومما رزقناهم ينفقون ﴾ يبذلون الموجود في طلب المقصود والوجود بشهود المعبود ﴿ والبدن ﴾ يعني بدن الأبدان الجسام جعلنا قربانها عند كعبة القلب بذبحها عن شهواتها من شعائر أهل الصدق في الطلب، فإذا ماتت عن طبيعتها فانتفعوا بها أنتم وغيركم من الطالبين والقانعين بما أفضتم عليه، والمعترين المتعطشين الذين لا يروون رياً من ماء حياة المعرفة شربت الحب كأساً بعد كأس *** فما نفد الشراب وما رويت ﴿ وكذلك سخرناها لكم ﴾ فيه أن ذبح النفس بسكين الرياضة لا يتيسر إلا بتسخير خالقها وتيسير موجدها يؤكده قوله ﴿ إن الله يدافع ﴾ خيانة النفس وهواها ﴿ عن الذين آمنوا ﴾ ﴿ أذن للذين يقاتلون ﴾ فيه أن قتال يجب أن يكون بإذن من الله  وهو أن يكون على وفق الشرع وفي أوان التكليف وعلى حسب ظلم النفس على القلب وإخراجها إياه من ديار الطمأنينة ﴿ ولولا دفع الله ﴾ النفوس بالقلوب لضيعت صوامع أركان الشريعة، وبيع آداب الطريقة، وصلوات مقامات الحقيقة، ومساجد القلوب التي ﴿ يذكر فيها اسم الله كثيراً ﴾ لاتساعها بإشراف نور الله عليها ﴿ أن مكناهم في الأرض ﴾ البشرية ﴿ أقاموا ﴾ صلاة المواصلة وأتوا زكاة الأحوال وهي إيثار ربع عشر الأوقات على مصالح الخلق، وأمروا بحفظ الحواس عن مخالفات الأمر وبمراعاة الأنفاس مع الله، ونهوا عن مناكير الرياء والإعجاب وإلى الله عاقبة الأمور.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ قوله: ﴿ كَفَرُواْ ﴾ هو خبر ماض، وقوله: ﴿ وَيَصُدُّونَ ﴾ خبر مستقبل، فنسق المستقبل على الماضي.

قال الزجاج: إن الكافرين والصادين عن سبيل الله ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ ﴾ .

وعندنا تأويله: أنّ الذين كفروا قبل أن يبعث محمدّ ويصدون الناس عن سبيل الله إذا بعث محمد.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ﴾ أي: كانوا يمنعون المسلمين عن دخول المسجد الحرام للإسلام والسؤال عنه، والثاني: إخراجهم منه، كقوله: ﴿ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ظاهر هذا أن يكون الذي جعل فيه العاكف والبادي سواء هو المسجد الحرام؛ لأنه قال: ﴿ جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ﴾ ، لكن أهل التأويل صرفوا ذلك إلى مكة، وقالوا: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ في النزول في المنازل، وظاهره ما ذكرنا.

ثم يحتمل أن يكون المسجد الحرام مخصوصاً بهذا ليس كسائر المساجد التي لها أهل: أن أهلها أحق بها من غيرهم، وأمّا المسجد الحرام فإن الناس شَرَعٌ، سواء العاكف فيه والبادي.

ويحتمل أنه [خص] المسجد الحرام بأن الناس [سواء] فيه؛ ليعلموا أن الحكم في سائر المساجد كذلك: أن الناس فيها سواء أهلها وغير أهلها، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ﴾ قال بعضهم: الإلحاد فيه: هو الشرك والكفر.

وقال [بعضهم]: الإلحاد: هو كل المعاصي، وأصل الإلحاد: هو العدول والميل عن الطريق.

وتأويله: ومن يلحد فيه إلحاد ظلم نذقه كذا.

قال بعضهم: من هَمَّ فيه بإلحاد بظلم نذقه كذا.

ثم يحتمل تخصيص ذلك المكان بما ذكر وجوهاً: أحدها: ليعلموا أن كثرة الخيرات وتضاعفها مما لا يعمل في إسقاط المساوئ فيه وهدمها؛ لما روي: "أن صلاة واحدة بمكة تعدل كذا وكذا صلاة في غيرها من الأماكن" ، وكذلك حسنة فيها.

والثاني: خصت بالذكر فيه على التغليظ والتشديد، على ما خصّت تلك البقعة بتضاعف الحسنات.

والثالث: أن أولئك ادّعوا أنهم أولى بالله من غيرهم؛ لنزولهم ذلك المكان، فأخبر أن من يرد فيه بكذا نذقه، ليس تخصيص ذلك المكان بما ذكر، والعفو في غيره، ولكن بما ذكرنا.

وقال بعضهم: معناه: من يرد فيه إلحادا بظلم، والباء زائدة، ومثله قوله: "تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ" [المؤمنون: 20] معناه: تنبت الدهن.

روي بالخبر عن رسول الله  أنه قال: "احْتكارُ الطعام بمكةَ إلحْاد" ، وكذلك روي عن عمر وابن عمر.

وجائز أن يكون ما ذكرنا من التغليظ والتشديد وتضاعف العقوبة؛ ولذلك كره قوم الجوار بمكة لما يتضاعف عليهم العقوبة إذا ارتكب فيه مأثماً وألحد فيه، وجائز ما ذكرنا.

وقد كره قوم بيع رباع مكة وإجارتها بقوله: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ، وعلى ذلك رويت الأخبار بالنهي عن ذلك، روي عن رسول الله  قال: "مكة مناخ، لا يباع رباعها، ولا يؤاجر بيوتها" [و] عن عمر -  -: "يا أهل مكة، لا تتخذوا لدوركم أبواباً؛ ليرد البادي حيث شاء" ونهاهم أن يغلقوا أبواب دورهم.

وليس في ظاهر الآية ذكر مكة؛ إن في الآية ذكر المسجد، حيث قال: ﴿ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ ٱلَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ ، وإنما ذكر ذلك في المسجد الحرام خاصّة.

وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: أكره إجازة بيوت مكة في الموسم من الحاج والمعتمر، فأما المقيم والمجاور فلا نرى بأخذ ذلك منهم بأساً.

وهو قول محمد.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ قال بعضهم: ﴿ بَوَّأْنَا ﴾ ، أي: هيأنا ﴿ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ ؛ لينزل فيه، والبيتوتة: الإنزال، كأنه قال: ﴿ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ ٱلْبَيْتِ ﴾ ، أي: أنزلناه مكان البيت؛ ليتخذ فيه بيتاً، وقلنا له: لا تشرك بي شيئاً، وهكذا بعث الأنبياء جميعاً، بعثوا ألا يشركوا بالله، وأمروا أن يدعو الناس إلى ترك الإشراك بالله  .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ وادع الناس أيضاً إلى ألا يشركوا بالله شيئاً.

ثم يحتمل قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ ومن ذكر، أي: طهره من الأصنام والأوثان التي فيه لئلا يعبد غيره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَطَهِّرْ بَيْتِيَ ﴾ عن جميع الخبائث، وعن كل أنواع الأذى من الخصومات، والبياعات، وغيرها، وذلك للمسجد الحرام ولغيره من المساجد يطهر ويجنب جميع أنواع الأذى والخبث والفحش.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلْقَآئِمِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ قال أهل التأويل: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ هم القادمون من البلدان ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ : المقيمين هناك ﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ : المصلين.

ويحتمل قوله: ﴿ لِلطَّآئِفِينَ ﴾ : لكل طائف به، ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ ، ﴿ وَٱلْعَاكِفِينَ  ﴾ : لكل عاكف نحوه، والعكوف هو المقام للعبادة، ﴿ وَٱلْقَآئِمِينَ ﴾ : لكل قائم عاكف نحوه، ﴿ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ ﴾ وساجد نحوه، أي: لكل مصلٍّ، وهذا أشبه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ يحتمل وجهين: أحدهما: على الإعلام: أن أعلم الناس: أن لله عليهم الحج بالبيت، كقوله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ...

﴾ الآية [آل عمران: 97].

والثاني: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ أي: ادع الناس ونادهم أن يحجوا البيت.

قال أهل التأويل: لما أمر الله إبراهيم ينادي في الناس بالحج، فنادى، فأسمع الله صوته ما بين المشرق والمغرب، حتى أسمع صوته ونداءه من في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فقالوا: (لبيك)، ومن حج بيته فهو الذي أجاب إبراهيم لما ناداهم بالحج.

لكن لا يعلم ذلك إلا بالخبر عن رسول الله أنه كان ما ذكروا، وإلا السكوت عنه وعن مثله أولى.

وقالوا: إن قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ موصول بقوله: ﴿ وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ...

﴾ الآية.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ لرسول الله، أو لكل رسول بعث الأمر بذلك في كل زمان، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ أي: على الأرجل مشاة ﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي: يضمر ويذهب سمنه؛ لبعد المضرب، وهو ما ذكر: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أي: من كل بعيد.

ثم قوله: ﴿ وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلْحَجِّ ﴾ على الدعاء والأمر، فيكون في قوله: ﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ دلالة لزوم الحج على المشاة، كأنه قال: مرهم يحجّون مشاة على الأرجل وركبانا، وإن كان على الإعلام فهو على الوعد والجزاء: أنهم يأتونك على الأرجل مشاة وعلى الدّواب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أضاف الإتيان إلى الدّواب؛ لأنه بالدواب يأتون، فأضاف إليها ذلك، والله أعلم.

وقال أبو عوسجة: ﴿ يُحَلَّوْنَ فِيهَا  ﴾ من الحلي من الذهب والفضة، تقول: حليت المرأة، أي: اتخذت حليا، ويقال: حلي الشيء يحلى حلًى؛ إذا حسن، ويقال: بعينه إذا حسن في عينه، ويقال: حلى الشيء يحلو حلاوة فهو حلو، ويقال: تحليت، إن شئت جعلته أكلت حلاوته، وإن شئت جعلته من الحلي، ويقال: حلأت الإبل عن الماء، أي: منعت، ويقال: حليت الشيء وأحليته، أي: جعلته حلواً.

وقال القتبي: ﴿ سَوَآءً ٱلْعَاكِفُ فِيهِ وَٱلْبَادِ ﴾ أي: المقيم، والبادي - وهو الطارئ من البدو - سواء فيه ليس المقيم فيه بأولى من النازح إليه.

﴿ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ ﴾ أي: من يرد فيه إلحادا، وهو الظلم والميل عن الحق، فزيدت الباء، كما يقال: ﴿ تَنبُتُ بِٱلدُّهْنِ ﴾ \[المؤمنون: 20\]، وهو ما ذكرنا.

وقوله: ﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي ركبانا على ضمر من طول السفر ﴿ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ ﴾ أي: بعيد غامض.

وقال أبو عوسجة: ﴿ ٱلْعَاكِفُ ﴾ : المقيم، ﴿ وَٱلْبَادِ ﴾ : من كان في البادية، والإلحاد: الميل عن الحق، ومنه اشتق اللحد، لحد القبر.

﴿ وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ ﴾ ، أي: على كل بعير ضامر، أي: خميص البطن.

﴿ يَأْتُوكَ رِجَالاً ﴾ تقول: رجل الرجل يرجل رجلة، فهو راجل، والفج: الطريق، [و] العميق: البعيد، يقال: عمق، أي: بعد، يعمق عمقا، فهو عميق.

وقوله - عز وجل -: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ ، قال الحسن: يشهدون مشاهد فيه، فيذكرون الله فيها ويكتسبون أشياء تنفع لهم في الآخرة، فذلك منافع لهم التي يشهدونها.

وقال غيره من أهل التأويل: ﴿ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ : التجارات والمنافع التي كانوا يكتسبونها إذا خرجوا للحج.

وقال بعضهم: التجارة في الدّنيا، والأجر في الآخرة، وهو مثل الأوّل.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ : الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة ما لو لم يشهدوها لم يسق الله ذلك إليهم؛ لأن من الأرزاق التي جعلت لهم في البلدان ما يساق إلى أهلها وهم في مقامهم وأمكنتهم، [و] من الأرزاق ما يساق أهلها إليها ما لو لم يأتوها لم يسق ذلك إليهم، فجائز ما ذكر من المنافع: هو ما غاب عنهم من المنافع والأرزاق التي جعلت لهم في البلدان النائية البعيدة إذا خرجوا للحج نالوها، وإذا لم يخرجوا له لم ينالوا.

وقال بعضهم: ﴿ لِّيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ أي: متاجرهم وقضاء مناسكهم.

وقوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ اختلف فيه: قال الحسن: هو يوم النحر خاصّة.

وجائز إضافة الواحد إلى الجماعة، كقوله: ﴿ وَجَعَلَ ٱلْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً  ﴾ وإنما جعل في السماء الدنيا، وكما يقال: (توارى فلان في دور بني تميم)، وإنما توارى في دار من دورهم، ومثل هذا كثير، وذلك جائز في اللسان.

وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هو يوم النحر ويومان بعده.

وقال بعضهم: المعلومات والمعدودات هي أيام التشريق جميعاً.

وقال بعضهم: الأيام المعلومات: هي أيام العشر؛ لأنها هي أيام الذكر فيها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ فِيۤ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ﴾ كناية عن الذبح، وأيام الذبح ثلاثة: يوم النحر ويومان بعده؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ذكر الأكل ولم يذكر الذبح، فذلك يدل على أن قوله: ﴿ وَيَذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ ﴾ كناية عن الذبح، وإنما كان كناية عنه؛ لأنه بالذكر يقدم الذبائح ولا يخلو منه دونه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ : قال بعضهم: من الأضاحي؛ لأن التناول من الأضاحي كان لا يحل فخرج ذلك مخرج رخصة التناول منها والحل، لكن الأضاحي لا يحتمل؛ لأن الوقت ليس هو وقت الأضاحي ولا أماكنها، إنما هو وقت دم المتعة والقران ودم التطوع.

وفيه إباحة التناول من دم المتعة والقران.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَأَطْعِمُواْ ٱلْبَآئِسَ ٱلْفَقِيرَ ﴾ : قال بعضهم: البائس: من البؤس، وهو ما اشتد به من الحاجة والشدة.

وقال بعضهم: البائس: الذي سألك، والفقير: المتعفف الذي لا شيء له.

وقال بعضهم: البائس: هو الذي به زمانة، والفقير: الصحيح الذي لا شيء له، وهو مثل الاوّل.

وقوله: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ : قال بعض أهل الأدب: التفث: لا يعرف في لسان العرب ما يراد به.

وقال الحسن: التفث: هو التقشف، وهو ترك الزينة، يدل على ذلك ما روي أنه سئل عن الحاج، فقال: "كُل أشْعَث تفِل".

وقال أبو عوسجة: التفث في الأصل: الوسخ، يقال: امرأة تفثة: إذا كانت خبيثة الريح، وهو قريب مما قال الحسن: إنه ترك الزينة.

وأهل التأويل يقولون: التفث: هو حلق الرأس، وقصّ الأظفار والشارب، والرمي، والذبح، ونحوه.

وقال بعضهم: ﴿ ثُمَّ لْيَقْضُواْ تَفَثَهُمْ ﴾ : المناسك كلها.

وروي في الخبر: "من وقف من عرفة بليل، وصلى معنا الجمع، فقد تم حجّه وقضى تفثه" ، ظاهر "قضى تفثه"، أي: نسكه.

وجائز أن يكون قوله: "قضى تفثه" أي: جاء وقت الزينة، وهو وقت الحلق واللباس، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلْيُوفُواْ نُذُورَهُمْ ﴾ ، أي: ليوفوا ذبح ما أوجبوا ذبحه، ذكر فيما ساق من الهدي لمتعته ولحجته الأكل منه؛ لقوله: ﴿ فَكُلُواْ مِنْهَا ﴾ ، ولم يذكر الأكل ممّا أوجب بالنذر؛ فلذلك يقول أصحابنا: إنه يجوز له التناول من هدي المتعة والقران، ولا يجوز التناول مما كان وجوبه بالنذر والكفارة، بل عليه أن يتصدق بالكل، وهو ما قال: ﴿ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ  ﴾ ، والله أعلم.

﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ هو طواف الزيارة، وهو طواف يوم النحر، وهو الفرض عندنا، ولا يحتمل ما قال بعض الناس: إنه طواف الصدر؛ لأن الله  قال: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ وحج البيت هو الطواف بالبيت لا غير، وطواف الدخول وطواف الصدر ليس على أهل مكة ذلك الطوافان، وعليهم الحج كما كان على غيرهم من النّاس؛ فدل ما ذكرنا على أن قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ هو طواف الزيارة، وهو حج البيت الذي قال الله: ﴿ وَللَّهِ عَلَى ٱلنَّاسِ حِجُّ ٱلْبَيْتِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ قال بعضهم: سماه: عتيقاً؛ لأنه أعتقه عن الجبابرة عن أن يتجبروا عليه، وكم من جبار قد صار إليه ليهدمه فمنعه الله عن ذلك.

وقال بعضهم: سماه: عتيقاً؛ لأنه يرفع إلى السماء الرابعة، فذلك المرفوع هو البيت العتيق.

والبيت العتيق - عندنا - هو الذي بناه إبراهيم - صلوات الله عليه - وأسسه، ويكون قوله: ﴿ وَلْيَطَّوَّفُواْ بِٱلْبَيْتِ ٱلْعَتِيقِ ﴾ الذي أسّسه إبراهيم، لا بالبيت الحادث الذي أحدثه النّاس؛ ألا ترى أنه روي عن رسول الله  أنّه قال لعائشة: "لولا أنَّ قومك حَديثُو عَهْد بالإسْلام لرددت البيت على أساس إبراهيم، وجَعَلتُ لَهُ بابين: باباً يدخل فيه، وباباً يخرج منه" ، وروي في بعض الأخبار يرويه عبد الله بن الزبير قال: قال رسول الله  "إنما سمي البيت العتيق؛ لأنه لم يظهر عليه جبّار" فإن ثبت هذا فهو هو.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

إن الذين كفروا بالله، ويصرفون غيرهم عن الدخول في الإِسلام، ويصدون الناس عن المسجد الحرام، مثل ما فعل المشركون عام الحديبية فسوف نذيقهم العذاب الأليم، ذلك المسجد الذي جعلناه قبلة للناس في صلاتهم ومنسكًا من مناسك الحج والعمرة، يستوي فيه المكي المقيم فيه، والطارئ فيه من غير أهل مكة، ومن يرد فيه ميلًا عن الحق بالوقوع بشيء من المعاصي عامدًا نذقه من عذاب مؤلم.

<div class="verse-tafsir" id="91.2yXYN"

مزيد من التفاسير لسورة الحج

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.4 / 29.5
الإضاءة 29%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد