الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ١٠ من سورة النور
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 180 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ١٠ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
فقال : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ) أي : لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم ، ( وأن الله تواب ) [ أي ] : على عباده - وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة - ( حكيم ) فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه .
وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية ، وذكر سبب نزولها ، وفيمن نزلت فيه من الصحابة ، فقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد ، أخبرنا عباد بن منصور ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما نزلت : ( والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ) ، قال سعد بن عبادة - وهو سيد الأنصار - : هكذا أنزلت يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟
" قالوا : يا رسول الله ، لا تلمه فإنه رجل غيور ، والله ما تزوج امرأة قط [ إلا بكرا ، وما طلق امرأة له قط ] فاجترأ رجل منا أن يتزوجها ، من شدة غيرته .
فقال سعد : والله - يا رسول الله - إني لأعلم أنها حق وأنها من الله ، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل ، لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء ، فوالله لا آتي بهم حتى يقضي حاجته .
قال : فما لبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن أمية - وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم - فجاء من أرضه عشاء ، فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه ، وسمع بأذنيه ، فلم يهجه حتى أصبح ، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء ، فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني ، وسمعت بأذني .
فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به ، واشتد عليه ، واجتمعت الأنصار فقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة ، الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ، ويبطل شهادته في المسلمين .
فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا .
وقال هلال : يا رسول الله ، إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به ، والله يعلم إني لصادق .
فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه ، إذ أنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي - وكان إذا نزل عليه الوحي عرفوا ذلك ، في تربد وجهه .
يعني : فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي - فنزلت : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم ) الآية ، فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " أبشر يا هلال ، قد جعل الله لك فرجا ومخرجا " .
فقال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي ، عز وجل .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرسلوا إليها " .
فأرسلوا إليها ، فجاءت ، فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما ، وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا .
فقال هلال : والله - يا رسول الله - لقد صدقت عليها .
فقالت : كذب .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لاعنوا بينهما " .
فقيل لهلال : اشهد .
فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، فلما كان في الخامسة قيل له : يا هلال ، اتق الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب .
فقال : والله لا يعذبني الله عليها ، كما لم يجلدني عليها .
فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .
ثم قيل [ لها : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، فلما كانت الخامسة قيل ] لها : اتقي الله ، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب .
فتلكأت ساعة ، ثم قالت : والله لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين .
ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقضى ألا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ، ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد ، وقضى ألا [ بيت لها عليه ولا ] قوت لها ، من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق ، ولا متوفى عنها .
وقال : " إن جاءت به أصيهب أريسح حمش الساقين فهو لهلال ، وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين ، فهو الذي رميت به " فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا الأيمان لكان لي ولها شأن " .
قال عكرمة : فكان بعد ذلك أميرا على مصر ، وكان يدعى لأمه ولا يدعى لأب .
ورواه أبو داود عن الحسن بن علي ، عن يزيد بن هارون ، به نحوه مختصرا .
ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة .
فمنها ما قال البخاري : حدثني محمد بن بشار ، حدثنا ابن أبي عدي ، عن هشام بن حسان ، حدثني عكرمة ، عن ابن عباس; أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " البينة أو حد في ظهرك " فقال : يا رسول الله ، إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة؟
فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " البينة وإلا حد في ظهرك " .
فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد .
فنزل جبريل ، وأنزل عليه : ( والذين يرمون أزواجهم ) ، فقرأ حتى بلغ : ( إن كان من الصادقين ) فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما ، فجاء هلال فشهد ، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : " الله يشهد أن أحدكما كاذب ، فهل منكما تائب " ؟
ثم قامت فشهدت ، فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة .
قال ابن عباس : فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم .
فمضت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " أبصروها ، فإن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الأليتين ، خدلج الساقين ، فهو لشريك بن سحماء " .
فجاءت به كذلك ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لولا ما مضى من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن " .
انفرد به البخاري من هذا الوجه وقد رواه من غير وجه ، عن ابن عباس وغيره .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور الزيادي حدثنا يونس بن محمد ، حدثنا صالح - وهو ابن عمر - حدثنا عاصم - يعني : ابن كليب - ، عن أبيه ، حدثني ابن عباس قال : جاء رجل إلى رسول الله ، فرمى امرأته برجل ، فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يزل يردده حتى أنزل الله : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء [ إلا أنفسهم ] ) [ فقرأ ] حتى فرغ من الآيتين ، فأرسل إليهما فدعاهما ، فقال : " إن الله ، عز وجل ، قد أنزل فيكما " .
فدعا الرجل فقرأ عليه ، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين .
ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه ، فقال له : " كل شيء أهون عليه من لعنة الله " .
ثم أرسله فقال : ( لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين ) ثم دعاها بها ، فقرأ عليها ، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها ، وقال : " ويحك .
كل شيء أهون من غضب الله " .
ثم أرسلها ، فقالت : ( غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما والله لأقضين بينكما قضاء فصلا " .
قال : فولدت ، فما رأيت مولودا بالمدينة أكثر غاشية منه ، فقال : " إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا ، وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا " .
فجاءت به يشبه الذي قذفت به .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد ، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال : سمعت سعيد بن جبير قال : سئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما - في إمارة ابن الزبير؟
فما دريت ما أقول ، فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت : أبا عبد الرحمن ، المتلاعنان أيفرق بينهما؟
فقال : سبحان الله ، إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان فقال : يا رسول الله ، أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم ، وإن سكت سكت على مثل ذلك .
فسكت فلم يجبه ، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال : الذي سألتك عنه قد ابتليت به .
فأنزل الله عز وجل هذه الآيات في سورة النور : ( والذين يرمون أزواجهم ) حتى بلغ : ( أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ) .
فبدأ بالرجل فوعظه وذكره ، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فقال : والذي بعثك بالحق ما كذبتك .
ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها ، وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة ، فقالت : والذي بعثك بالحق إنه لكاذب .
قال : فبدأ بالرجل ، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين .
ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين ، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ، ثم فرق بينهما .
رواه النسائي في التفسير ، من حديث عبد الملك بن أبي سليمان ، به وأخرجاه في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير ، عن ابن عباس .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا أبو عوانة ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد ، فقال رجل من الأنصار : أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه ، وإن تكلم جلدتموه ، وإن سكت سكت عن غيظ؟
والله لئن أصبحت صالحا لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال : فسأله .
فقال : يا رسول الله ، إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا فقتله قتلتموه ، وإن تكلم جلدتموه ، وإن سكت سكت على غيظ؟
اللهم احكم .
قال : فأنزل آية اللعان ، فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به .
انفرد بإخراجه مسلم ، فرواه من طرق ، عن سليمان بن مهران الأعمش ، به .
وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو كامل : حدثنا إبراهيم بن سعد ، حدثنا ابن شهاب ، عن سهل بن سعد ، قال : جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال : سل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله ، أيقتل به أم كيف يصنع؟
فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل .
قال : فلقيه عويمر فقال : ما صنعت؟
قال : ما صنعت!
إنك لم تأتني بخير; سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل فقال عويمر : والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه .
فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيهما .
قال : فدعا بهما فلاعن بينهما .
قال عويمر : لئن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها .
قال : ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أبصروها ، فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين ، فلا أراه إلا قد صدق ، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا " .
فجاءت به على النعت المكروه .
أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي ، من طرق ، عن الزهري ، به .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إسحاق بن الضيف ، حدثنا النضر بن شميل ، حدثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن زيد بن يثيع ، عن حذيفة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر : " لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به؟
قال : كنت والله فاعلا به شرا .
قال : " فأنت يا عمر؟
" .
قال : كنت والله فاعلا كنت أقول : لعن الله الأعجز ، وإنه خبيث .
قال : فنزلت : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) ثم قال : لا نعلم أحدا أسنده إلا النضر بن شميل ، عن يونس بن أبي إسحاق ، ثم رواه من حديث الثوري عن أبي إسحاق ، عن زيد بن يثيع مرسلا فالله أعلم .
وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي ، حدثنا مخلد بن الحسين ، عن هشام ، عن ابن سيرين ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه ، قال : لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته ، فرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك " ، فقال : يا رسول الله ، إن الله يعلم إني لصادق ، ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد .
فأنزل الله آية اللعان : ( والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ) إلى آخر الآية .
قال : فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنى " فشهد بذلك أربع شهادات ، ثم قال له في الخامسة : " ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنى " ، ففعل .
ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنى " .
فشهدت بذلك أربع شهادات ، ثم قال لها في الخامسة : " وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنى " ، فقالت : فلما كانت الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة ، حتى ظنوا أنها ستعترف ، ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم .
فمضت على القول ، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما ، وقال : " انظروه ، فإن جاءت به جعدا حمش الساقين ، فهو لشريك بن سحماء ، وإن جاءت به أبيض سبطا قضيء العينين فهو لهلال بن أمية " .
فجاءت به آدم جعدا حمش الساقين ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لولا ما نزل فيهما من كتاب الله ، لكان لي ولها شأن " .
يقول تعالى ذكره: ولولا فضل الله عليكم أيها الناس ورحمته بكم، وأنه عَوّاد على خلقه بلطفه وطوله، حكيم في تدبيره إياهم، وسياسته لهم، لعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم وفضح أهل الذنوب منكم بذنوبهم، ولكنه ستر عليكم ذنوبكم وترك فضيحتكم بها عاجلا رحمة منه بكم، وتفضلا عليكم، فاشكروا نعمه وانتهوا عن التقدّم عما عنه نهاكم من معاصيه، وترك الجواب في ذلك، اكتفاء بمعرفة السامع المراد منه.
" فضل " رفع بالابتداء عند سيبويه , والخبر محذوف لا تظهره العرب .وحذف جواب " لولا " لأنه قد ذكر مثله بعد ;
{ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ْ} وجواب الشرط محذوف، يدل عليه سياق الكلام أي: لأحل بأحد المتلاعنين الكاذب منهما، ما دعا به على نفسه، ومن رحمته وفضله، ثبوت هذا الحكم الخاص بالزوجين، لشدة الحاجة إليه، وأن بين لكم شدة الزنا وفظاعته، وفظاعة القذف به، وأن شرع التوبة من هذه الكبائر وغيرها.
قوله : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم ) جواب لولا محذوف ، يعني لعاجلكم بالعقوبة ، ولكنه ستر عليكم ودفع عنكم الحد باللعان ، وإن الله تواب يعود على من يرجع عن المعاصي بالرحمة ، حكيم فيما فرض من الحدود .
«ولولا فضل الله عليكم ورحمته» بالستر في ذلك «وأن الله تواب» بقبوله التوبة في ذلك وغيره «حكيم» فيما حكم به في ذلك وغيره ليبين الحق في ذلك وعاجل بالعقوبة من يستحقها.
ولولا تفضُّل الله عليكم ورحمته- أيها المؤمنون- بهذا التشريع للأزواج والزوجات، لأحلَّ بالكاذب من المتلاعنين ما دعا به على نفسه، وأن الله تواب لمن تاب مِن عباده، حكيم في شرعه وتدبيره.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان جانب من فضله - تعالى - على خلقه فقال : ( وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ ) .وجواب " لولا " محذوف .
وجاءت الآية بأسلوب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ، للعناية بشأن مقام الامتنان والفضل من الله - تعالى - عليهم بتشريع هذه الأحكام .أى : ولوا أن الله - تعالى - تفضل عليكم ورحمكم - أيها المؤمنون - بسبب ما شرعه لكم فى حكم الذين يرمون أزواجهم بالفاحشة .
.
.
لولا ذلك لحصل لكم من الفضيحة ومن الحرج ما لا يحيط به الوصف ، ولكنه - سبحانه - شرع هذه الأحكام سترا للزوجين ، وتخفيفا عليهما .
وحضا لهما على التوبة الصادقة النصوح ، وأن الله - تعالى - " تواب " أى : كثير القبول لتوبة التائب متى صدق فيها ، " حكيم " أى : فى كل ما شرعه لعباده .هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآيات ، أن قاذف زوجته بفاحشة الزنا ، إذا لم يأت بأربعة شهداء على صحة ما قاله .
فإنه يكون مخيرا بين أن يلاعن ، وبين أن يقام عليه الحد .بخلاف من قذف أجنبية محصنة بفاحشة الزنا ، فإنه يقام عليه الحد ، إذا لم يأت بأربعة شهداء على أنه صادق فى قوله .قال بعض العلماء : ولعلك تقول : لماذا كان حكم قاذف زوجته ، مخالفا لكم قاذف الأجنبية؟
وما السر فى أنه جاء مخففا؟والجواب : أنه لا ضرر على الزوج بزنا الأجنبية؟
وأما زنا زوجته فيلحقه به العار .
وفساد البيت .
فلا يمكنه الصبر عليه ، ومن الصعب عليه جدا أن يجد البينة .
فتكليفه إياها فيه من العسر والحرج ما لا يخفى .
وأيضا فإن الغالب فى الرجل أنه لا يرمى زوجته بتلك الفاحشة ، إلا عن حقيقة .
لأن فى هذا الرمى إيذاء له ، وهتكا لحرمته ، وإساءة لسمعته .
.
.
فكان رميه إياها بالقذف دليل صدقه .
إلا أن الشارع أراد كمال شهادة الحال .
بذكر كلمات اللعان المؤكدة بالأيمان ، فجعلها - منضمة إلى قوة جانب الزوج - قائمة مقام الشهود فى قذف الأجنبى " .كذلك أخذ العلماء من هذه الآيات أن كيفية اللعان بين الزوجين ، أن يبدأ بالزوج فيقول أمام القاضى : أشهد بالله إنى لمن الصادقين ، وفى المرة الخامسة يقول : لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين - أى فيما رمى به زوجته - ، وكذلك المرأة تقول فى لعانها أربع مرات : أشهد بالله إنه لمن الكاذبين .
وفى المرة الخامسة تقول : غضب الله عليها إن كان من الصادقين - أى فيما قاله زوجها فى حقها - .فإذا ما قالا ذلك .
سقط عنهما الحد ، وفرق القاضى بينهما فراقا أبديا .قال القرطبى : " قال مالك وأصحابه : وبتمام اللعان تقع الفرقة بين المتلاعنين فلا يجتمعان أبدا .
ولا يتوارثان .
ولا يحل له مراجعتها أبدا لا قبل زوج ولا بعده .وقال أبو حنيفة وغيره : لا تقع الفرقة بعد فراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما .وقال الشافعى : إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان : فقد زال فراش امرأته .
التعنت أو لم تلتعن .
لأن لعانها إنما هو لدرء الحد عنها لا غير .
وليس لالتعانها فى زوال الفراش معنى .
.
.
" .
الحكم الرابع: حكم اللعان: اعلم أنه سبحانه لما ذكر أحكام قذف الأجنبيات عقبه بأحكام قذف الزوجات، ثم هذه الآية مشتملة على أبحاث: البحث الأول: في سبب نزوله وذكروا فيه وجوها: أحدها: قال ابن عباس رحمهم الله: لما تزل قوله تعالى: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء ﴾ قال عاصم بن عدي الأنصاري إن دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدوا بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب وإن سكت سكت على غيظ.
اللهم افتح.
وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس فأتى عويمر عاصماً فقال: لقد رأيت شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ذاك؟
فقال أخبرني عويمر ابن عمي بأنه رأى شريك بن سحماء على بطن امرأته خولة وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بنو عم عاصم فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعاً وقال لعويمر: «اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها» فقال يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ماقربتها منذ أربعة أشهر وأنها حبلى من غيري، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت» فقالت يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل النظر إلي ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال، فأنزل الله تعالى هذه الآية فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نودي الصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: «قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثانية قل أشهد بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين، ثم قال في الثالثة قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين، ثم قال في الرابعة قل أشهد بالله أنها زانية وأني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين.
ثم قال في الخامس قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قال.
ثم قال اقعد، وقال لخولة قومي» فقامت وقالت أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين، وقالت في الثانية أشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الثالثة أشهد بالله أني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الرابعة أشهد بالله أنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما.
وثانيها: قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية الكلبي: أن عاصماً ذات يوم رجع إلى أهله فوجد شريك بن سحماء على بطن امرأته فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمام الحديث كما تقدم.
وثالثها: ما روى عكرمة عن ابن عباس لما نزل ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار لو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة من الشهداء يكون قد قضى حاجته وذهب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا معشر الأنصار أما تسمعون ما يقول سيدكم؟» فقالوا يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور، فقال سعد يا رسول الله والله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق، ولكني عجبت منه، فقال عليه السلام: «فإن الله يأبى إلا ذلك،» قال فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فقال يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به، فقال هلال والله يا رسول الله إني لأرى الكراهة في وجهك مما أخبرتك به والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إما البيتة وإما إقامة الحد عليك» فاجتمعت الأنصار فقالوا ابتلينا بما قال سعد، فبينا هم كذلك إذ نزل عليه الوحي وكان إذا نزل عليه الوحي اربد وجهه وعلا جسده حمرة فلما سرى عنه قال عليه السلام: «أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجاً،» قال قد كنت أرجو ذلك من الله تعالى فقرأ عليهم هذه الآيات فقال عليه السلام: «ادعوها فدعيت» فكذبت هلالاً، فقال عليه السلام: «الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب وأمر بالملاعنة» فشهد هلال أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين فقال عليه السلام له عند الخامسة: «اتق الله يا هلال فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة،» فقال والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد الخامسة، ثم قال رسول الله: «أتشهدين» فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين فلما أخذت في الخامسة قال لها: «اتقي الله فإن الخامسة هي الموجبة،» فتفكرت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت والله لا أفضح قومي وشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، ثم قال: انظروها إن جاءت به أثيبج أصهب أحمش الساقين فهو لهلال، وإن جاءت به خدلج الساقين أورق جعداً فهو لصاحبه، فجاءت به أورق خدلج الساقين فقال عليه السلام لولا الإيمان لكان لي ولها شأن قال عكرمة لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار ولا يدري من أبوه!.
البحث الثاني: ما يتعلق بالقراءة قرئ ولم تكن بالتاء لأن الشهداء جماعة أو لأنهم في معنى الأنفس ووجه من قرأ أربع أن ينصب لأنه في حكم المصدر والعامل فيه المصدر الذي هو فشهادة أحدهم وهي مبتدأ محذوف الخبر فتقديره فواجب شهادة أحدهم أربع شهادات، وقرئ أن لعنة الله وأن غضب الله على تخفيف أن ورفع ما بعدها، وقرئ أن غضب الله على فعل الغضب، وقرئ بنصب الخامستين على معنى ويشهد الخامسة.
البحث الثالث: ما يتعلق بالأحكام، والنظر فيه يتعلق بأطراف: الطرف الأول: في موجب اللعان وفيه مسائل: المسألة الأولى: اعلم أنه إذا رمى الرجل امرأته بالزنا يجب عليه الحد إن كانت محصنة والتعزير إن لم تكن محصنة، كما في رمي الأجنبية لا يختلف موجبهما غير أنهما يختلفان في المخلص ففي قذف الأجنبي لا يسقط الحد عن القاذف إلا بإقرار المقذوف أو ببينة تقوم على زناها، وفي قذف الزوجة يسقط عنه الحد بأحد هذين الأمرين أو باللعان، وإنما اعتبر الشرع اللعان في هذه الصورة دون الأجنبيات لوجهين: الأول: أنه لا معرة عليه في زنا الأجنبية والأولى له ستره، أما إذا زنى بزوجته فيلحقه العار والنسب الفاسد، فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمعتذر، فلا جرم خص الشرع هذه الصورة باللعان الثاني: أن الغالب في المتعارف من أحوال الرجل مع امرأته أنه لا يقصدها بالقذف إلا عن حقيقة، فإذا رماها فنفس الرمي يشهد بكونه صادقاً إلا أن شهادة الحال ليست بكاملة فضم إليها ما يقويها من الإيمان، كشهادة المرأة لما ضعفت قويت بزيادة العدد والشاهد الواحد يتقوى باليمين على قول كثير من الفقهاء.
المسألة الثانية: قال أبو بكر الرازي كان حد قاذف الأجنبيات والزوجات والجلد، والدليل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم لهلال بن أمية حين قذف امرأته بشريك بن سحماء ائتني بأربعة يشهدون لك وإلا فحد في ظهرك فثبت بهذا أن حد قاذف الزوجات كان كحد قاذف الأجنبيات إلا أنه نسخ عن الأزواج الجلد باللعان، وروى نحو ذلك في الرجل الذي قال أرأيتم لو أن رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فإن تكلم جلدتموه، وإن قتل قتلتموه، وإن سكت سكت على غيظ.
فدلت هذه الأخبار على أن حد قاذف الزوجة كان الجلد وأن الله نسخه باللعان.
المسألة الثالثة: قال الشافعي رحمه الله إذا قذف الزوج زوجته فالواجب هو الحد ولكن المخلص منه باللعان، كما أن الواجب بقذف الأجنبية الحد والمخلص منه بالشهود، فإذا نكل الزوج عن اللعان يلزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان يلزمها حد الزنا، وقال أبو حنيفة رحمه الله إذا نكل الزوج عن اللعان حبس حتى يلاعن، وكذا المرأة إذا نكلت حبست حتى لا تلاعن حجة الشافعي وجوه: أحدها: أن الله تعالى قال في أول السورة: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ يعني غير الزوجات ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ثم عطف عليه حكم الأزواج فقال: ﴿ والذين يَرْمُونَ أزواجهم وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فشهادة أَحَدِهِمْ ﴾ الآية فكما أن مقتضى قذف الأجنبيات الإتيان بالشهود أو الجلد فكذا موجب قذف الزوجات الإتيان باللعان أو الحد.
وثانيها: قوله تعالى: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بالله ﴾ والألف واللام الداخلان على العذاب لا يفيدان العموم لأنه لم يجب عليها جميع أنواع العذاب فوجب صرفهما إلى المعهود السابق والمعهود السابق هو الحد لأنه تعالى ذكر في أول السورة ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مّنَ المؤمنين ﴾ والمراد منه الحد وإذا ثبت أن المراد من العذاب في قوله: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب ﴾ هو الحد ثبت أنها لو لم تلاعن لحدت وأنها باللعان دفعت الحد، فإن قيل المراد من العذاب هو الحبس.
قلنا قد بينا أن الألف واللام للمعهود المذكور، وأقرب المذكورات في هذه السورة العذاب بمعنى الحد، وأيضاً فلو حملناه على الحد لا تصير الآية مجملة.
أما لو حملناه على الحبس تصير الآية مجملة لأن مقدار الحبس غير معلوم.
وثالثها: قال الشافعي رحمه الله ومما يدل على بطلان الحبس في حق المرأة أنها تقول إن كان الرجل صادقاً فحدوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا الإجماع ولا القياس.
ورابعها: أن الزوج قذفها ولم يأت بالمخرج من شهادة غيره أو شهادة نفسه، فوجب عليه الحد لقوله تعالى: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فاجلدوهم ﴾ وإذا ثبت ذلك في حق الرجل ثبت في حق المرأة لأنه لا قائل بالفرق.
وخامسها: قوله عليه السلام لخولة: فالرجم أهون عليك من غضب الله وهو نص في الباب حجة أبي حنيفة رحمه الله، أما في حق المرأة فلأنها ما فعلت سوى أنها تركت اللعان، وهذا الترك ليس بينة على الزنا ولا إقراراً منها به، فوجب أن لا يجوز رجمها، لقوله عليه السلام: «لا يحل دم امرئ» الحديث.
وإذا لم يجب الرجم إذا كانت محصنة لم يجب الجلد في غير المحصن لأنه لا قائل بالفرق، وأيضاً فالنكول ليس بصريح في الإقرار فلم يجز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا ولغيره.
المسألة الرابعة: قال الجمهور إذا قال لها يا زانية وجب اللعان.
وقال مالك رحمه الله لا يلاعن إلا أن يقول رأيتك تزني أو ينفي حملاً لها أو ولداً منها، حجة الجمهور أن عموم قوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ يتناول الكل، ولأنه لا تفاوت في قذف الأجنبية بين الكل، فكذا في حق قذف الزوجة.
الطرف الثاني: الملاعن قال الشافعي رحمه الله من صح يمينه صح لعانه، فيجري اللعان بين الرقيقين والذميين والمحدودين، وكذا إذا كان أحدهما رقيقاً أو كان الزوج مسلماً والمرأة ذمية، قال أبو حنيفة رحمه الله لا يصح في صورتين إحداهما: أن تكون الزوجة ممن لا يجب على قاذفها الحد إذا كان أجنبياً نحو أن تكون الزوجة مملوكة أو ذمية والثاني: أن يكون أحدهما من غير أهل الشهادة بأن يكون محدوداً في قذف أو عبداً أو كافراً، ثم زعم أن الفاسق والأعمى مع أنهما ليسا من أهل الشهادة يصح لعانهما، وجه قول الشافعي رحمه الله أن ظاهر قوله تعالى: ﴿ والذين يَرْمُونَ أزواجهم ﴾ يتناول الكل ولا معنى للتخصيص والقياس أيضاً ظاهر من وجهين: الأول: أن المقصود دفع العار عن النفس، ودفع ولد الزنا عن النفس، وكما يحتاج غير المحدود إليه فكذا المحدود محتاج إليه والثاني: أجمعنا على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى، وإن لم يكونا من أهل الشهادة فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع عار الزنا، ووجه قول أبو حنيفة رحمه الله النص والمعنى، أما النص فما روى عبدالله بن عمرو بن العاص أنه عليه السلام قال: «أربع من النساء ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر» أما المعنى فنقول أما في الصورة الأولى فلأنه كان الواجب على قاذف الزوجة والأجنبية الحد بقوله: ﴿ والذين يَرْمُونَ المحصنات ﴾ ثم نسخ ذلك عن الأزواج وأقيم اللعان مقامه فلما كان اللعان مع الأزواج قائماً مقام الحد في الأجنبيات لم يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي، وأما في الصورة الثانية فالوجه فيه أن اللعان شهادة فوجب أن لا يصح إلا من أهل الشهادة وإنما قلنا إن اللعان شهادة لوجهين: الأول: قوله تعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فشهادة أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شهادات بالله ﴾ فسمى الله تعالى لعانهما شهادة كما قال: ﴿ واستشهدوا شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ ﴾ وقال: ﴿ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مّنْكُمْ ﴾ الثاني: أنه عليه السلام حين لاعن بين الزوجين أمرهما باللعان بلفظ الشهادة، ولم يقتصر على لفظ اليمين، إذا ثبت أن اللعان شهادة وجب أن لا تقبل من المحدود في القذف لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ وإذا ثبت ذلك في المحدود ثبت في العبد والكافر، إما للإجماع على أنهما ليسا من أهل الشهادة أو لأنه لا قائل بالفرق، أجاب الشافعي رحمه الله بأن اللعان ليس شهادة في الحقيقة بل هو يمين لأنه لا يجوز أن يشهد الإنسان لنفسه، ولأنه لو كان شهادة لكانت المرأة تأتي بثمان شهادات، لأنها على النصف من الرجل، ولأنه يصح من الأعمى والفاسق ولا يجوز شهادتهما، فإن قيل الفاسق والفاسقة قد يتوبان قلنا، وكذلك العبد قد يعتق فتجوز شهادته، ثم أكد الشافعي رحمه الله ذلك بأن العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته في الحال، ثم ألزم أبا حنيفة رحمه الله بأن شهادة أهل الذمة مقبولة بعضهم على بعض، فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية، وهذا كله كلام الشافعي رحمه الله.
ثم قال بعد ذلك: وتختلف الحدود بمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن تنصف حد القذف عليه لرقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وعدم إحصانها وحريتها ورقها.
الطرف الثالث: الأحكام المرتبة على اللعان قال الشافعي رحمه الله يتعلق باللعان خمسة أحكام درء الحد ونفي الولد والفرقة والتحريم المؤبد ووجوب الحد عليها، وكلها تثبت بمجرد لعانه ولا يفتقر فيه إلى لعانها ولا إلى حكم الحاكم، فإن حكم الحاكم به كان تنفيذاً منه لا إيقاعاً للفرقة.
فلنتكلم في هذه المسائل: المسألة الأولى: اختلف المجتهدون في وقوع الفرقة باللعان على أربعة أقوال: أحدها: قال عثمان ألبتي: لا أرى ملاعنة الزوج امرأته تقتضي شيئاً يوجب أن يطلقها.
وثانيها: قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد لا تقع الفرقة بفراغهما من اللعان حتى يفرق الحاكم بينهما.
وثالثها: قال مالك والليث وزفر رحمهم الله إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة وإن لم يفرق الحاكم.
ورابعها: قال الشافعي رحمه الله إذا أكمل الزوج الشهادة والالتعان فقد زال فراش امرأته ولا تحل له أبداً التعنت أو لم تلتعن، حجة عثمان البتي وجوه: أحدها: أن اللعان ليس بصريح ولا كناية عن الفرقة فوجب أن لا يفيد الفرقة كسائر الأقوال التي لا إشعار لها بالفرقة لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قوله وهو لا يوجب تحريماً ألا ترى أنه لو قامت البينة عليها لم يوجب ذلك تحريماً فإذا كان كاذباً والمرأة صادقة يثبت أنه لا دلالة فيه على التحريم.
وثانيها: لو تلاعنا فيما بينهما لم يوجب الفرقة فكذا لو تلاعنا عند الحاكم.
وثالثها: أن اللعان قائم مقام الشهود في قذف الأجنبيات فكما أنه لا فائدة في إحضار الشهود هناك إلا إسقاط الحد، فكذا اللعان لا تأثير له إلا إسقاط الحد.
ورابعها: إذا أكذب الزوج نفسه في قذفه إياها ثم حد لم يوجب ذلك فرقة فكذا إذا لاعن لأن اللعان قائم مقام درء الحد، قال وأما تفريق النبي صلى الله عليه وسلم بين المتلاعنين فكان ذلك في قصة العجلاني وكان قد طلقها ثلاثاً بعد اللعان فلذلك فرق بينهما، وأما قول أبي حنيفة وهو أن الحاكم يفرق بينهما فلابد من بيان أمرين: أحدهما: أنه يجب على الحاكم أن يفرق بينهما ودليله ما روى سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً والثاني: أن الفرقة لا تحصل إلا بحكم الحاكم، واحتجوا عليه بوجوه: أحدها: روى في قصة عويمر أنهما لما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، هي طالق ثلاثاً فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاستدلال بهذا الخبر من وجوه: أحدها: أنه لو وقعت الفرقة باللعان لبطل قوله: كذبت عليها إن أمسكتها لأن إمساكها غير ممكن.
وثانيها: ما روي في هذا الخبر أنه طلقها ثلاث تطليقات فأنفذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنفيذ الطلاق إنما يمكن لو لم تقع الفرقة بنفس اللعان.
وثالثها: ما قال سهل بن سعد في هذا الخبر مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ولا يجتمعان أبداً، ولو كانت الفرقة واقعة باللعان استحال التفريق بعدها.
وثانيها: قال أبو بكر الرازي قول الشافعي رحمه الله خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج للاعنت المرأة وهي أجنبية وذلك خلاف الآية لأن الله تعالى إنما أوجب اللعان بين الزوجين.
وثالثها: أن اللعان شهادة لا يثبت حكمه إلا عند الحاكم فوجب أن لا يوجب الفرقة إلا بحكم الحاكم كما لا يثبت المشهود به إلا بحكم الحاكم.
ورابعها: اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي بالبينة، فلما لم يجز أن يستحق المدعي مدعاه إلا بحكم الحاكم وجب مثله في استحقاق المرأة نفسها.
وخامسها: أن اللعان لا إشعار فيه بالتحريم لأن أكثر ما فيه أنها زنت ولو قامت البينة على زناها أو هي أقرت بذلك فذاك لا يوجب التحريم فكذا اللعان وإذا لم يوجد فيها دلالة على التحريم وجب أن لا تقع الفرقة به، فلابد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم، أما قول مالك وزفر فحجته أنهما لو تراضيا على البقاء على النكاح لم يخليا بل يفرق بينهما، فدل على أن اللعان قد أوجب الفرقة، أما قول الشافعي رحمه الله فله دليلان الأول: قوله تعالى: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب أَن تَشْهَدَ ﴾ الآية فدل هذا على أنه لا تأثير للعان المرأة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وأن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج الثاني: أن لعان الزوج وحده مستقل بنفي الولد فوجب أن يكون الاعتبار بقوله في الإلحاق لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه فيعتبر نفي الزوج لا إلحاق المرأة، ولهذا إذا أكذب الزوج نفسه ألحق به الولد وما دام يبقى مصراً على اللعان فالولد منفي عنه إذا ثبت أن لعانه مستقل بنفي الولد وجب أن يكون مستقلاً بوقوع الفرقة، لأن الفرقة لو لم تقع لم ينتف الولد لقوله عليه السلام: «الولد للفراش» فما دام يبقى الفراش التحق به، فلما انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أنه يزول الفراش عنه بمجرد لعانه، وأما الأخبار التي استدل بها أبو حنيفة رحمه الله فالمراد به أن النبي عليه السلام أخبر عن وقوع الفرقة وحكم بها وذلك لا ينافي أن يكون المؤثر في الفرقة شيئاً آخر، وأما الأقيسة التي ذكرها فمدارها على أن اللعان شهادة وليس الأمر كذلك بل هو يمين على ما بينا، وأما قوله: اللعان لا إشعار فيه بوقوع الحرمة.
قلنا بينته على نفي الولد مقبولة ونفي الولد يتضمن نفي حلية النكاح والله أعلم.
المسألة الثانية: قال مالك والشافعي وأبو يوسف والثوري وإسحاق والحسن المتلاعنان لا يجتمعان أبداً، وهو قول علي وعمر وابن مسعود، وقال أبو حنيفة ومحمد إذا أكذب نفسه وحد زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد.
حجة الشافعي رحمه الله أمور: أحدها: قوله عليه السلام للملاعن بعد اللعان: «لا سبيل لك عليها» ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان الإكذاب غاية لهذه الحرمة لردها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية، كما قال في المطلقة بالثلاث ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ﴾ .
وثانيها: ما روي عن علي وعمر وابن مسعود أنهم قالوا لا يجتمع المتلاعنان أبداً، وهذا قد روي أيضاً مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وثالثها: ما روى الزهري عن سهل بن سعد في قصة العجلاني مضت السنة أنهما إذا تلاعنا فرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً حجة أبي حنيفة رحمه الله قوله تعالى: ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ .
المسألة الثالثة: اتفق أهل العلم على أن الولد قد ينفى عن الزوج باللعان، وحكى عن بعض من شذ أنه للزوج ولا ينتفي نسبه باللعان، واحتج بقوله عليه السلام: «الولد للفراش».
وهذا ضعيف لأن الأخبار الدالة على أن النسب ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها هذا الواحد.
المسألة الرابعة: قال الشافعي رحمه الله: لو أتى أحدهما ببعض كلمات اللعان لا يتعلق به الحكم، وقال أبو حنيفة رحمه الله أكثر كلمات اللعان تعمل عمل الكل إذا حكم به الحاكم، والظاهر مع الشافعي لأنه يدل على أنها لا تدرأ العذاب عن نفسها إلا بتمام ما ذكره الله تعالى، ومن قال بخلاف ذلك فإنما يقوله بدليل منفصل.
الطرف الرابع: في كيفية اللعان والآية دالة عليها صريحاً، فالرجل يشهد أربع شهادات بالله بأن يقول: أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا، ثم يقول من بعد، وعليه لعنة الله إن كان من الكاذبين.
ويتعلق بلعان الزوج تلك الأحكام الخمسة على قول الشافعي رحمه الله، ثم المرأة إذا أرادت إسقاط حد الزنا عن نفسها عليها أن تلاعن ولا يتعلق بلعانها إلا هذا الحكم الواحد، ثم هاهنا فروع الفرع الأول: أجمعوا على أن اللعان كالشهادة فلا يثبت إلا عند الحاكم الثاني: قال الشافعي رحمه الله يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى اللعنة والغضب ويقول له أني أخاف إن لم تك صادقاً أن تبوء بلعنة الله الثالث: اللعان بمكة بين المقام والركن وبالمدينة عند المنبر وبيت المقدس في مسجده وفي غيرها في المواضع المعظمة ولعان المشرك كغيره في الكيفية، وأما الزمان فيوم الجمعة بعد العصر، ولا بد من حضور جماعة من الأعيان أقلهم أربعة.
الطرف الخامس: في سائر الفوائد وفيه مسائل: المسألة الأولى: احتج أصحابنا بهذه الآية على بطلان قول الخوارج في أن الزنا والقذف كفر من وجهين: الأول: أن الرامي إن صدق فهي زانية، وإن كذب فهو قاذف فلابد على قولهم من وقوع الكفر من أحدهما، وذلك يكون ردة فيجب على هذا أن تقع الفرقة ولا لعان أصلاً، وأن تكون فرقة الردة حتى لا يتعلق بذلك توارث ألبتة الثاني: أن الكفر إذا ثبت عليها بلعانه، فالواجب أن تقتل لا أن تجلد أو ترجم، لأن عقوبة المرتد مباينة للحد في الزنا.
المسألة الثانية: الآية دالة على بطلان قول من يقول إن وقوع الزنا يفسد النكاح، وذلك لأنه يجب إذا رماها بالزنا أن يكون قوله هذا كأنه معترف بفساد النكاح حتى يكون سبيله سبيل من يقر بأنها أخته من الضراع أو بأنها كافرة، ولو كان كذلك لوجب أن تقع الفرقة بنفس الرمي من قبل اللعان وقد ثبت بالإجماع فساد ذلك.
المسألة الثالثة: قالت المعتزلة دلت الآية على أن القاذف مستحق للعن الله تعالى إذا كان كاذباً وأنه قد فسق، وكذلك الزاني والزانية يستحقان غضب الله تعالى وعقابه وإلا لم يحسن منهما أن يلعنا أنفسهما، كما لا يجوز أن يدعو أحد ربه أن يلعن الأطفال والمجانين، وإذا صح ذلك فقد استحق العقاب، والعقاب يكون دائماً كالثواب ولا يجتمعان فثوابهما أيضاً محبط، فلا يجوز إذا لم يتوبا أن يدخلا الجنة، لأن الأمة مجمعة على أن من دخل الجنة من المكلفين فهو مثاب على طاعاته وذلك يدل على خلود الفساق في النار، قال أصحابنا لا نسلم أن كونه مغضوباً عليه بفسقه ينافي كونه مرضياً عنه لجهة إيمانه، ثم لو سلمناه فلم نسلم أن الجنة لا يدخلها إلا مستحق الثواب والإجماع ممنوع.
المسألة الرابعة: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها هي أصل الفجور ومنبعه بخيلائها وإطماعها ولذلك كانت مقدمة في آية الجلد.
واعلم أنه سبحانه لما بين حكم الرامي للمحصنات والأزواج على ما ذكرنا وكان في ذلك من الرحمة والنعمة ما لا خفاء فيه، لأنه تعالى جعل باللعان للمرء سبيلاً إلى مراده، ولها سبيلاً إلى دفع العذاب عن نفسها، ولهما السبيل إلى التوبة والإنابة، فلأجل هذا بين تعالى بقوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ عظم نعمه فيما بينه من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة ولا شبهة في أن في الكلام حذفاً إذ لابد من جواب إلا أن تركه يدل على أنه أمر عظيم لا يكتنه، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به.
<div class="verse-tafsir"
الفضل: التفضل، وجواب ﴿ لولا ﴾ متروك، وتركه دال على أمر عظيم لا يكتنه، ورب مسكوت عنه أبلغ من منطوق به.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ ﴾ أيِ الحَدَّ.
﴿ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ فِيما رَمانِي بِهِ.
﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ في ذَلِكَ ورَفْعُ الخامِسَةِ بالِابْتِداءِ وما بَعْدَها الخَبَرُ أوْ بِالعَطْفِ عَلى أنْ تَشْهَدَ، ونَصَبَها حَفْصٌ عَطْفًا عَلى ﴿ أرْبَعَ ﴾ .
وقَرَأ نافِعٌ ويَعْقُوبُ ﴿ أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ ﴾ و ﴿ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ فِيهِما وكَسْرِ الضّادِ وفَتْحِ الباءِ مِن غَضِبَ ورَفْعِ الهاءِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ، والباقُونَ بِتَشْدِيدِ النُّونِ فِيهِما ونَصْبِ التّاءِ وفَتْحِ الضّادِ وجَرِّ الهاءِ.
﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ ﴾ مَتْرُوكُ الجَوابِ لِلتَّعْظِيمِ أيْ لَفَضَحَكم وعاجَلَكم بِالعُقُوبَةِ.
<div class="verse-tafsir"
{وَلَوْلاَ فَضْلُ الله} تفضله {عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ} نعمته {وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ} جواب لولا محذوف أي لفضحكم أو لعاجلكم بالعقوبة
﴿ ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللَّهِ تَوّابٌ حَكِيمٌ ﴾ التِفاتٌ إلى خِطابِ الرّامِينَ والمَرْمِيّاتِ بِطَرِيقِ التَّغْلِيبِ لِتَوْفِيَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ حَقِّهِ، وجَوابُ ﴿ لَوْلا ﴾ مَحْذُوفٌ لِتَهْوِيلِهِ حَتّى كَأنَّهُ لا تُوجَدُ عَبّارَةٌ تُحِيطُ بِبَيانِهِ، وهَذا الحَذْفُ شائِعٌ في كَلامِهِمْ.
قالَ جَرِيرٌ: كَذِبَ العَواذِلُ لَوْ رَأيْنَ مُناخَنا بِحَزِيزٍ رامَّةٍ والمَطِيُّ سِوامُ ومِن أمْثالِهِمْ لَوْ ذاتُ سَوارٍ لَطَمَتْنِي فَكَأنَّهُ قِيلَ: لَوْلا تُفَضِّلُهُ تَعالى عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ سُبْحانَهُ وأنَّهُ تَعالى مُبالَغٌ في قَبُولِ التَّوْبَةِ حَكِيمٌ في جَمِيعِ أفْعالِهِ وأحْكامِهِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها ما شَرَعَ لَكم مِن حُكْمِ اللِّعانِ لَكانَ مِمّا لا يُحِيطُ بِهِ نِطاقُ البَيانِ، ومِن جُمْلَتِهِ أنَّهُ تَعالى لَوْ لَمْ يُشَرِّعْ لَهم ذَلِكَ لَوَجَبَ عَلى الزَّوْجِ حَدُّ القَذْفِ مَعَ أنَّ الظّاهِرَ صِدْقُهُ لِأنَّهُ أعْرَفُ بِحالِ زَوْجَتِهِ وأنَّهُ لا يَفْتَرِي عَلَيْها لِاشْتِراكِهِما في الفَضاحَةِ، وبَعْدَ ما شَرَعَ لَهم لَوْ جَعَلَ شَهاداتِهِ مُوجِبَةً لِحَدِّ الزِّنا عَلَيْها لَفاتَ النَّظَرُ إلَيْها، ولَوْ جَعَلَ شَهاداتِهِ مُوجِبَةً لِحَدِّ القَذْفِ عَلَيْهِ لَفاتَ النَّظَرُ لَهُ، ولا رَيْبَ في خُرُوجِ الكُلِّ عَنْ سُنَنِ الحِكْمَةِ والفَضْلِ والرَّحْمَةِ، فَجَعَلَ شَهاداتِ كُلٍّ مِنهُما مَعَ الجَزْمِ بِكَذِبِ أحَدِهِما حَتْمًا دارِئَةً لِما تَوَجَّهَ إلَيْهِ مِنَ الغائِلَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ، وقَدِ ابْتُلِيَ الكاذِبُ مِنهُما في تَضاعِيفِ شَهاداتِهِ مِنَ العَذابِ بِما هو أتَمُّ مِمّا دَرَأتْهُ عَنْهُ وأطَمُّ وفي ذَلِكَ مِن أحْكامِ الحِكَمِ البالِغَةِ وآثارِ التَّفَضُّلِ والرَّحْمَةِ ما لا يَخْفى أمّا عَلى الصّادِقِ فَظاهِرٌ وأمّا عَلى الكاذِبِ فَهو إمْهالُهُ والسَّتْرُ عَلَيْهِ في الدُّنْيا ودَرْءُ الحَدِّ عَنْهُ وتَعْرِيضُهُ لِلتَّوْبَةِ حَسْبَما يُنَبِّئُ عَنْهُ التَّعَرُّضُ لِعُنْوانِ تَوابِيتِهِ تَعالى فَسُبْحانَهُ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأوْسَعَ رَحْمَتَهُ وأدَقَّ حِكْمَتَهُ قالَ شَيْخُ الإسْلامِ، وعَنِ ابْنِ سَلامٍ تَفْسِيرُ الفَضْلِ بِالإسْلامِ ولا يَخْفى أنَّهُ مِمّا لا يَقْتَضِيهِ المَقامُ، وعَنْ أبِي مُسْلِمٌ أنَّهُ أدْخَلَ في الفَضْلِ النَّهْيُ عَنِ الزِّنا ويُحْسِنُ ذَلِكَ لَوْ جُعِلَتِ الجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِجَمِيعِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ وفِيهِ مِنَ البُعْدِ ما فِيهِ.
<div class="verse-tafsir"
ثم قال تعالى: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ، يعني: يقذفون أزواجهم بالزنى.
قال الفقيه أبو الليث: حدثنا أبو جعفر قال: حدّثنا أبو الحسن علي بن أحمد قال: حدثنا محمد بن الفضل قال: حدثنا يزيد بن هارون، عن عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما نزل وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الآية، قال سعد بن عبادة، وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟
فقال النبيّ : «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَاِر، ألا تَسْمَعُونَ إلَى مَا يَقُولُ سَيِّدُكُمْ؟» .
فقال سعد: والله يا رسول الله إني لأعلم أنها حق، وأنها من الله تعالى، ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أخرجه، حتى آتي بأربعة شهداء، فو الله لا آتي بهم، حتى يقضي حاجته.
قال: فما لبثوا إلا يسيراً، حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم.
فجاء من أرضه عشاء، فوجد عند أهله رجلاً، فرأى بعينه وسمع بأذنه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله ، فقال: يا رسول الله، إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني وسمعت بأذني، فكره النبيّ ما جاء به واشتد عليه.
واجتمعت الأنصار، فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة، الآن يضرب رسول الله هلال بن أمية، ويبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي مخرجا، فو الله إن النبيّ ليريد أن يأمر بضربي، إذ نزل عليه الوحي، فعرفوا ذلك في تربد وجهه، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ الآية، فسري عن رسول الله ، فقال: «أَبْشِرْ يا هِلالُ فَقَدْ جَعَلَ الله لَكَ فرجا ومخرجا» .
فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي.
فأرسلوا إليها، فجاءت فتلاها رسول الله عليهما وذكرهما، وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا.
فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليهما.
فقالت: كذب علي.
فقال النبي : «لاعِنُوا بَيْنَهُما» .
فقيل لهلال: اشهد، فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، فلما كانت الخامسة، قيل: يا هلال، اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب.
قال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها، فشهد الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فلما كانت الخامسة، قيل لها: اتقي الله، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فمكثت ساعة ثم قالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرق رسول الله بينهما، وقضى أن لا يدعى ولدها لأب، وقال: «إن جاءت به أصيهب أريسج أثيبج خمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق جعدا جماليجا خدلج الساقين سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به» .
فجاءت به أورق جعداً جمالياً خدلج الساقين سابغ الأليتين، فقال النبيّ : «لَوْلاَ الأَيْمَانُ، لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ» قال عكرمة: فكان بعد ذلك أميراً على مصر ولا يدعى لأب (١) وروى ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي: «أن عويمرا العجلاني أتى رسول الله ، فقال: يا رسول الله، أرأيت إن وجد الرجل مع امرأته رجلاً، إن قتله فتقتلوه أو كيف يفعل؟
قال: «قَدْ أَنْزَلَ الله فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ قُرْآناً فَاذْهَبْ فَأْت بِهَا» فتلاعنا عند رسول الله فلما فرغا، قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها فهي طالق ثلاثاً، فطلقها ثلاثاً قبل أن يأمره النبيّ .
قال ابن شهاب: تلك سنة المتلاعنين» وفي رواية أخرى: «أنه فرق بينهما» وقال الزهري: «صار ذلك سنة في المتلاعنين» (٢) فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ، أي: يحلف الزوج أربع مرات، فيقول في كل مرة: أشهد بالله الذى لا إله إلا هو أني صادق فيما رميتها به من الزنى، وَالْخامِسَةُ يعني: يقول في المرة الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ فيما رماها به من الزنى.
قوله: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ، يعني: ويدفع الحاكم الحد عن المرأة أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ، يعني: بعد ما تحلف المرأة أربع مرات، فتقول في كل مرة: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن الزوج من الكاذبين في قوله، وَالْخامِسَةُ يعني: وتقول المرّة الخامسة: أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ الزوج مِنَ الصَّادِقِينَ في مقالته.
قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص أَرْبَعُ شهادات بضم العين، وقرأ الباقون بالنصب.
فمن قرأ بالضم، يكون على معنى خبر الابتداء، فشهادة أحدهم التي تدرأ حد القذف أربع شهادات.
ومن قرأ بالنصب، فالمعنى: فعليه أن يشهد أحدهم أربع شهادات.
قال أبو عبيد: وبهذا نقرأ، ومعناه: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع شهادات، فيكون الجواب في قوله: إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ.
وقرأ نافع: أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ بتخفيف أنْ والجزم، وقرأ الباقون بالتشديد، وقرأ عاصم في رواية حفص وَالْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها بنصب التاء، وقرأ الباقون بالرفع.
فإذا فرغا من اللعان، فرق القاضي بينهما وقال بعضهم: تقع الفرقة بنفس اللعان وهو قول الشافعي رحمه الله وفي قول علمائنا رحمهم الله: لا تقع الفرقة ما لم يفرق بينهما.
ثم قال عز وجل: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وجوابه مضمر ومعناه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ، لبين الصادق من الكاذب.
ويقال: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لنال الكاذب منكم بما ذكرناه من عذاب عظيم.
ثم قال: وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ، يعني: تَوَّابٌ لمن تاب ورجع، حَكِيمٌ حكم بينهما بالملاعنة.
(١) حديث ابن عباس: عزاه السيوطي: 6/ 133- 134 إلى أحمد وعبد الرزاق والطيالسي وعبد بن حميد، وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم.
(٢) حديث سهل: أخرجه مالك: 2/ 567 والبخاري (4745) (5259) و (5308) ومسلم (1492) (1) (2) (3) وأبو داود (2245) والنسائي 6/ 143- 145 والبيهقي 7/ 398- 400 وأحمد 5/ 337 10/ 4212 16/ 7099.
<div class="verse-tafsir"
وهذا يقتضي مُدَّةَ أعمارهم، ثم حكم بفسقهم، ثم استثنى تعالى مَنْ تاب وأصلح من بعد القذف، فالاستثناء غيرُ عامل في جلده بإجماع، وعامل في فسقه بإجماع، واخْتُلِفَ في عمله في رَدِّ الشهادة، والجمهور أَنَّه عامل في رَدِّ الشهادة، فإذا تاب القاذف قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، ثم اختلفوا في صورة توبته، فقيل بأن يُكَذِّبَ نَفْسَه، وإلاَّ لم تُقْبَلُ، وقالت فرقةٌ منها مالك:
توبته أن يَصْلُحَ وتَحْسُنَ حالُه «١» .
وإنْ لم يرجع عن قوله بتكذيب واختلف فقهاءُ المالكيَّةِ متى تسقط شهادة القاذفِ فقال ابن الماجشون: بنفس قَذَفِهِ، وقال ابن القاسم وغيره: لا تَسْقُطُ حتى يُجْلَدَ، فإن مَنَعَ من جلده مانع عفو أو غيره لم تُرَدَّ شهادَتُه، قال اللَّخْمِيَّ:
شهادته في مدة الأجل للإثبات موقوفة، وتابُوا معناه: رجعوا، وقد رَجَّحَ الطبريُّ «٢» وغيرُهُ قولَ مالك، واخْتُلِفَ أَيضاً على القول بجواز شهادته، فقال مالك: تجوزُ في كل شيء بإطلاق، وكذلك كُلُّ مَنْ حُدَّ في شيء.
وقال سحنون: مَنْ حُدَّ في شيء فلا تجوز شهادته في مثل ما حُدَّ فيه، واتفقوا فيما أحفظ على ولد الزنا أَنَّ شهادته لا تجوز في الزنا.
وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ ...
الآية: لما رَمَى هلالُ بن أُمَيَّةَ الوَاقِفِيُّ زوجته بِشَرِيكِ بنِ سحماء- عزم النبي صلّى الله عليه وسلّم على ضَرْبِهِ حَدَّ القَذْفِ فَنَزَلَتْ هذه الآية حسبما هو مشروح في الصحاح، فجمعهما صلّى الله عليه وسلّم في المسجد،
وَتَلاَعَنَا، وجاء أَيضاً عُوَيْمِرُ العَجْلاَنِيُّ فرمى امرأته ولا عن «١» ، والمشهورُ: أَنَّ نازلةَ هلالٍ قبلُ، وأَنَّها سَبَبُ الآية، والأزواج في هذه الآية: يَعُمُّ المسلماتِ والكافرات والإماءِ فكُلُّهن يُلاعِنُهُنَّ الزوجُ للانتفاء من الحمل، وتختصُّ الحُرَّةُ بدفع حَدِّ القذف عن نفسها، وقرأ السبعة غيرَ نافعِ «٢» : أَنَّ لَعْنَتَ، وأَنَّ غَضَبَ بتشديد «أَنَّ» فيهما ونَصْبِ اللعنة والغضب، والعذاب المُدْرَأَ في قول الجمهور: هو الحَدُّ، وجُعِلَتْ اللعنة للرجل الكاذب لأَنَّهُ مفترٍ مُبَاهِتٌ، فَأُبْعِدَ باللعنة، وجُعِلَ الغَضَبُ، الذي هو أَشَدُّ على المرأة التي باشرت المعصية بالفعل ثم كذبت وباهتت- بالقول، والله أعلم، وأجمع مالك وأصحابه على وجوب اللعان بادِّعاء الرؤية زناً لا وطء من/ الزوج بعده، وذلك مشهور المذهب.
٣٥ ب وقال مالك: إنَّ اللعان يجب بنفي حمل يُدَّعَى قبله استبراءٌ والمُسْتَحَبُّ من ألفاظ اللعان أنْ يمشي مع ترتيب القرآن ولفظه، فيقول الزوج: أشهد بالله لرأيتُ هذه المرأة تزني،
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهُمْ ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ وجَدَ عِنْدَ أهْلِهِ رَجُلًا، فَرَأى بِعَيْنِهِ وسَمِعَ بِأُذُنِهِ، فَلَمْ يَهْجُهُ حَتّى أصْبَحَ، فَغَدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ، فَقالَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ أهْلِي، فَوَجَدْتُ عِنْدَها رَجُلًا، فَرَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ما جاءَ بِهِ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقالَ سَعْدُ بْنُ عُبادَةَ: الآنَ يَضْرِبُ رَسُولُ اللَّهِ هِلالًا ويُبْطِلُ شَهادَتَهُ، فَقالَ هِلالٌ: واللَّهِ إنِّي لِأرْجُوَ أنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِي مِنها مَخْرَجًا، فَواللَّهِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ يُرِيدُ أنَّ يَأْمُرَ بِضَرْبِهِ [إذْ] نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وفي حَدِيثٍ آخَرَ «أنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قَذَفَها بِهِ شَرِيكُ بْنُ سَحْماءَ وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ قالَ لِهِلالٍ حِينَ قَذَفَها: " ائْتِنِي بِأرْبَعَةِ شُهَداءَ، وإلّا فَحَدٌّ في ظَهْرِكَ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ،» فَنُسِخَ حُكْمِ الجَلْدِ في حَقِّ الزَّوْجِ القاذِفِ.
* فَصْلٌ فِي بَيانِ حُكْمِ الآيَةِ إذا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنا، لَزِمَهُ الحَدُّ، ولَهُ التَّخَلُّصُ مِنهُ بِإقامَةِ البَيِّنَةِ، أوْ بِاللِّعانِ، فَإنْ أقامَ البَيِّنَةَ لَزِمَها الحَدُّ، وإنْ لاعَنَها، فَقَدْ حَقَّقَ عَلَيْها الزِّنا، ولَها التَّخَلُّصُ مِنهُ بِاللِّعانِ؛ فَإنْ نَكَلَ الزَّوْجُ عَنِ اللِّعانِ، فَعَلَيْهِ حَدُّ القَذْفِ، وإنْ نَكَلَتِ الزَّوْجَةُ، لَمْ تُحَدَّ، وحُبِسَتْ حَتّى تُلاعَنَ أوْ تُقِرَّ بِالزِّنا في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ، وفي الأُخْرى: يُخْلى سَبِيلُها.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يُحَدُّ واحِدٌ مِنهُما، ويُحْبَسُ حَتّى يُلاعَنَ.
وقالَ مالِكُ، والشّافِعِيُّ: يَجِبُ الحَدُّ عَلى النّاكِلِ مِنهُما.
* فَصْلٌ وَلا تَصِحُّ المُلاعَنَةُ إلّا بِحَضْرَةِ الحاكِمِ.
فَإنْ كانَتِ المَرْأةُ خَفِرَةً، بَعَثَ الحاكِمُ مَن يُلاعِنُ بَيْنَهُما.
وصِفَةُ اللِّعانِ أنْ يَبْدَأ الزَّوْجُ فَيَقُولَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لِمَنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمَيْتُها بِهِ مِنَ الزِّنا، أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ في الخامِسَةِ: ولَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ، ثُمَّ تَقُولُ الزَّوْجَةُ أرْبَعَ مَرّاتٍ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنا، ثُمَّ تَقُولُ: وغَضَبُ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ.
والسُّنَّةُ أنْ يَتَلاعَنا قِيامًا، ويُقالُ لِلزَّوْجِ إذا بَلَغَ اللَّعْنَةَ: اتَّقِ اللَّهَ فَإنَّها المُوجِبَةُ، وعَذابُ الدُّنْيا أهْوَنُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِلزَّوْجَةِ إذا بَلَغَتْ إلى الغَضَبِ.
فَإنْ كانَ بَيْنَهُما ولَدٌ، اقْتَصَرَ نَفْيُهُ عَنِ الأبِ إلى ذِكْرِهِ في اللِّعانِ، فَيَزِيدُ في الشَّهادَةِ: وما هَذا الوَلَدُ ولَدِي وتَزِيدُ هِيَ: وإنَّ هَذا الوَلَدَ ولَدُهُ.
* فَصْلٌ واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في الزَّوْجَيْنِ اللَّذَيْنِ يَجْرِي بَيْنَهُما اللِّعانُ، فالمَشْهُورُ عَنْ أحْمَدَ أنَّ كُلَّ زَوْجٍ صَحَّ قَذْفُهُ صَحَّ لِعانُهُ، فَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذا المُسْلِمُ والكافِرُ والحُرُّ والعَبْدُ، وكَذَلِكَ المَرْأةُ، وهَذا قَوْلُ مالِكَ، والشّافِعِيِّ.
وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ اللِّعانُ بَيْنَ الحُرِّ والأمَةِ، ولا بَيْنَ العَبْدِ والحُرَّةِ، ولا بَيْنَ الذِّمِّيِّينَ، أوْ إذا كانَ أحَدُهُما ذِمِّيًّا؛ ونَقَلَ حَرْبٌ عَنْ أحْمَدَ نَحْوَ هَذا، والمَذْهَبُ هو الأوَّلُ.
ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايَةُ عَنْ أحْمَدَ أنَّ فُرْقَةَ اللِّعانِ لا تَقَعُ بِلِعانِ الزَّوْجِ وحْدَهُ.
واخْتُلِفَ هَلْ تَقَعُ بِلِعانِهِما مِن غَيْرِ فُرْقَةِ الحاكِمِ عَلى رِوايَتَيْنِ.
وتَحْرِيمُ اللِّعانِ مُؤَبَّدٌ، فَإنَّ أكْذَبَ المُلاعِنُ نَفْسَهُ لَمْ تَحِلَّ لَهُ زَوْجَتُهُ أيْضًا، وبِهِ قالَ عُمَرُ، وعَلَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وعَنْ أحْمَدَ رِوايَتانِ، أصَحُّهُما: هَذا، والثّانِيَةُ: يَجْتَمِعانِ بَعْدَ التَّكْذِيبِ، وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ.
وابْنُ يَعْمُرَ، والنَّخَعِيُّ: " تَكُنْ " بِالتّاءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعُ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمَ: " أرْبَعَ " بِفَتْحِ العَيْنِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفَصٌ عَنْ عاصِمَ: بِرَفْعِ العَيْنِ.
قالَ الزَّجّاجُ: مِن رَفْعِ " أرْبَعٍ "، فالمَعْنى: فَشَهادَةُ أحَدِهِمُ الَّتِي تَدْرَأُ حَدَّ القَذْفِ أرْبَعٌ؛ ومَن نَصَبَ فالمَعْنى: فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْهَدَ أحَدُهم أرْبَعًا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والخامِسَةُ ﴾ قَرَأ حَفْصٌ عَنْ عاصِمَ: " والخامِسَةُ " نَصْبًا، حَمْلًا عَلى نَصْبِ ﴿ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ قَرَأ نافِعُ، ويَعْقُوبُ، والمُفَضَّلُ: " أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ " و ﴿ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ ﴾ بِتَخْفِيفِ النُّونِ فِيهِما وسُكُونِهِما ورَفْعِ الهاءِ مِن " لَعْنَةٌ " والباءِ مِن " غَضَب "، إلّا أنَّ نافِعًا كَسَرَ الضّادَ مِن " غَضِبَ " وفَتَحَ الباءَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَأُ عَنْها ﴾ أيْ: ويَدْفَعُ عَنْها ﴿ العَذابَ ﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: [أنَّهُ] الحَدُّ.
والثّانِي: الحَبْسُ ذَكَرَهُما ابْنُ جَرِيرٍ.
والثّالِثُ العارُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ أيْ: سِتْرُهُ ونِعْمَتُهُ.
قالَ الزَّجّاجُ: وجَوابُ " لَوْلا " هاهُنا مَتْرُوكٌ؛ والمَعْنى: لَوْلا ذَلِكَ لَنالَ الكاذِبَ مِنكم عَذابٌ عَظِيمٌ.
وقالَ غَيْرُهُ: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ لَبَيَّنَ الكاذِبَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ فَأُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ، ﴿ وَأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ ﴾ يَعُودُ عَلى مَن رَجَعَ عَنِ المَعاصِي بِالرَّحْمَةِ ﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما فَرَضَ مِنَ الحُدُودِ.
<div class="verse-tafsir"
قوله عزّ وجلّ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهم فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ وَيَدْرَأُ عنها العَذابَ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصادِقِينَ ﴾ ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ وأنَّ اللهِ تَوّابٌ حَكِيمٌ ﴾ لِما نَزَلَتِ الآيَةُ المُتَقَدِّمَةُ في الَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَناتِ تَناوَلَ ظاهِرُها الأزْواجَ وغَيْرَها، فَقالَ سَعْدُ بْنُ عِبادَةَ: يا رَسُولَ اللهِ إنْ وجَدْتُ مَعَ امْرَأتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتّى آتِيَ بِأرْبَعَةٍ؟
واللهِ لَأضْرِبَنَّهُ بِالسَيْفِ غَيْرَ مُصَفَّحٍ عنهُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ : «أتَعْجَبُونَ مِن غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟
لَأنا أغْيَرُ مِنهُ واللهُ أُغْيَرُ مِنِّي»، وفي ألْفاظِ سَعْدٍ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةٌ، هَذا نَحْوَ مَعْناها، ثُمْ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ فَرَمى زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَحْماءِ البَلَوِيِّ، فَعَزَمَ رَسُولُ اللهِ عَلى ضَرْبِهِ حَدَّ القَذْفِ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، عِنْدَ ذَلِكَ فَجَمَعَهُما رَسُولُ اللهِ في المَسْجِدِ، وتَلاعَنا فَتَلَكَّأتِ المَرْأةُ عِنْدَ الخامِسَةِ لَمّا وُعِظَتْ وقِيلَ: إنَّها مُوجِبَةٌ، فَقالَتْ: لا أفْضَحُ قَوْمِي سائِرَ اليَوْمِ ولَجَّتْ، وفَرَّقَ رَسُولُ اللهِ بَيْنَهُما، ووَلَدَتْ غُلامًا كَأنَّهُ جَمَلٌ أورَقُ، ثُمْ كانَ -بَعْدَ ذَلِكَ- الغُلامُ أمِيرًا بِمِصْرَ وهو لا يَعْرِفُ لِنَفْسِهِ أبًا.
وجاءَ أيْضًا عُوَيْمِرٌ العَجْلانِيُّ فَرَمى امْرَأتَهُ ولاعَنَ، والمَشْهُورُ أنَّ نازِلَةَ هِلالٍ قَبْلُ وأنَّها سَبَبُ الآيَةِ، وقِيلَ: نازِلَةُ عُوَيْمِرٍ قَبْلُ، وهو الَّذِي وسَّطَ إلى رَسُولِ اللهِ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ.
و"الأزْواجُ" في هَذا الحَكَمِ يَعُمُ المُسْلِماتِ والكافِراتِ والإماءَ، فَكُلَّهُنَّ يُلاعِنُهُنَّ الزَوْجُ لِلِانْتِفاءِ مِنَ الحَمْلِ، وتَخْتَصُّ الحُرَّةُ بِدَفْعِ حَدِّ القَذْفِ عن نَفْسِها.
وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَصْبِ، وهو كانْتِصابِ المَصْدَرِ، والعامِلُ في ذَلِكَ قَوْلُهُ: "فَشَهادَةُ"، ورَفْعُ "الشَهادَةِ" عَلى خَبَرِ ابْتِداءٍ تَقْدِيرُهُ: فالحَكَمُ أو فالواجِبُ، أو عَلى الِابْتِداءِ بِتَقْدِيرِ: فَعَلَيْهِمْ أنْ يَشْهَدُوا، أو بِتَقْدِيرِ حَذْفِ الخَبَرِ وتَقْدِيرِهِ في آخِرِ الآيَةِ: كافِيَةٌ أو واجِبَةٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِاللهِ" مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ "فَشَهادَةُ".
وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عن عاصِمْ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ، وذَلِكَ عَلى خَبَرِ قَوْلِهِ تَعالى: "فَشَهادَةُ"، قالَ أبُو حاتِمْ: لا وجْهَ لِلرَّفْعِ لَأنَّ الشَهادَةَ لَيْسَتْ بِأرْبَعِ شَهاداتٍ، و"بِاللهِ" -عَلى هَذِهِ القِراءَةِ- مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ"، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن صِلَةِ "فَشَهادَةُ" لَأنَّكَ كُنْتَ تَفْصِلُ بَيْنَ الصِلَةِ والمَوْصُولِ بِالخَبَرِ الَّذِي هو " أرْبَعَ شَهاداتٍ ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ في قَوْلِ مَن نَصَبَ ﴿ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِن صِلَةِ "شَهادَةُ"، وهي جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ نَصْبٍ لَأنَّ "الشَهادَةَ" أوقَعَتْها مَوْقِعَ المَفْعُولِ بِهِ، ومِن رَفَعَ ﴿ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ فَقَوْلُهُ: ﴿ إنَّهُ لَمِنَ الصادِقِينَ ﴾ مِن صِلَةِ "شَهاداتٍ" لِعِلَّةِ الفَصْلِ المُتَقَدِّمَةِ في قَوْلِهِ: "بِاللهِ".
وقَرَأ حَفْصٌ عن عاصِمْ: "والخامِسَةَ" بِالنَصْبِ في الثانِيَةِ، وقَرَأها بِالنَصْبِ فِيهِما طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ، والحَسَنُ، والأعْمَشُ، وقَرَأ الجُمْهُورُ فِيهِما: "والخامِسَةُ" بِالرَفْعِ، فَأمّا مَن نَصَبَ فَإنْ كانَ مِن قِراءَتِهِ نَصْبُ قَوْلِهِ تَعالى: "أرْبَعَ شُهُداتٍ" فَإنَّهُ عَطَفَ "الخامِسَةَ" عَلى ذَلِكَ لَأنَّها مِنَ الشَهاداتِ، وإنْ كانَ يَقْرَأُ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ فَإنَّهُ جَعَلَ نَصْبَ قَوْلِهِ: "والخامِسَةَ" عَلى فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مُتَقَدِّمُ الكَلامِ، تَقْدِيرُهُ: وتَشْهَدُ الخامِسَةَ، وأمّا مِن رَفَعَ قَوْلَهُ: "والخامِسَةَ" فَإنْ كانَ يَقْرَأُ: "أرْبَعُ شَهاداتٍ" بِالرَفْعِ فَقَوْلُهُ: "والخامِسَةُ" عَطْفٌ عَلى ذَلِكَ، وإنْ كانَ يَقْرَأُ "أرْبَعَ شَهاداتٍ" بِالنَصْبِ فَإنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ: "والخامِسَةُ" عَلى المَعْنى؛ لَأنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ ﴾ : عَلَيْهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ والخامِسَةُ، واسْتَشْهَدَ أبُو عَلِيٍّ لِهَذا بِحَمْلِ الشاعِرِ: ومُشَجَّجٌ أمّا سَواءُ.....البَيْتُ............................
عَلى قَوْلِهِ: ....................
∗∗∗ إلّا رَواكِدَ جَمْرِهِنَّ هَباءٌ لَأنَّ المَعْنى: ثُمْ رَواكِدَ.
ولا خِلافَ في السَبْعِ في رَفْعِ قَوْلِهِ تَعالى: "والخامِسَةُ" في الأُولى، وإنَّما خِلافُ السَبْعِ في الثانِيَةِ فَقَطْ، فَنَصْبُهُ حَمْلٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ ﴾ ، "والخامِسَةَ" عَلى القَطْعِ والحَمْلِ عَلى المَعْنى.
وَقَرَأ نافِعٌ: "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"، و"أنْ غَضِبَ اللهُ"، وقَرَأ الأعْرَجُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وأبُو رَجاءٍ، وعِيسى: "أنْ لَعْنَةُ اللهِ"، و"أنْ غَضَبَ اللهِ"، وهَذا عَلى إضْمارِ الأمْرِ، وهي المُخَفَّفَةُ كَما هي في قَوْلِ الشاعِرِ: في فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا ∗∗∗ أنْ هالِكٌ كُلُّ مَن يَحْفى ويَنْتَعِلُ وقَرَأ باقِي السَبْعَةِ: "أنَّ لَعْنَةَ اللهِ" و"أنَّ غَضَبَ اللهِ" بِتَشْدِيدِ النُونِ فِيهِما ونَصْبِ اللَعْنَةِ والغَضَبِ، ورَجَّحَ الأخْفَشُ القِراءَةَ بِتَثْقِيلِ النُونِ لَأنَّ الخَفِيفَةَ إنَّما يُرادُ بِها التَثْقِيلُ ويُضْمَرُ مَعَها الأمْرُ والشَأْنُ، وما لا يَحْتاجُ مَعَهُ إلى إضْمارٍ أُولى.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: لا سِيَّما وأنَّ الخَفِيفَةَ -عَلى قِراءَةِ نافِعٍ - في قَوْلِهِ تَعالى: "أنْ غَضَبَ اللهِ" قَدْ ولِيَها الفِعْلُ، قالَ أبُو عَلِيٍّ: وأهْلُ العَرَبِيَّةِ يَسْتَقْبِحُونَ أنْ يَلِيَها الفِعْلُ إلّا أنْ يَفْصِلَ بَيْنَها وبَيْنَهُ بِشَيْءٍ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ عَلِمَ أنْ سَيَكُونُ ﴾ ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أفَلا يَرَوْنَ ألا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلا ﴾ ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ وَأنْ لَيْسَ لِلإنْسانِ إلا ما سَعى ﴾ فَذَلِكَ لِقِلَّةِ تَمَكِّنِ "لَيْسَ" في الأفْعالِ، وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ بُورِكَ مَن في النارِ ﴾ فَـ "بُورِكَ" عَلى مَعْنى الدُعاءِ فَلَمْ يُجُزْ دُخُولُ الفاصِلِ لِئَلّا يُفْسِدَ المَعْنى.
و"العَذابُ المُدْرَأُ" في قَوْلِ العُلَماءِ: الحَدُّ، وحَكى الطَبَرِيُّ عن آخَرِينَ أنَّهُ الحَبْسُ، وهَذا قَوْلُ أصْحابِ الرَأْيِ، وأنَّهُ لا حَدَّ عَلَيْها إنْ لَمْ تُلاعِنَ، ولَيْسَ يُوجِبُهُ عَلَيْها قَوْلُ الزَوْجِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وظاهِرُ الحَدِيثِ الوَقْفَةُ في الخامِسَةِ حِينَ تَلَكَّأتْ ثُمْ مَرَّتْ في لِعانِها أنَّها كانَتْ تَحُدُّ لِقَوْلِ النَبِيِّ لَها: «فَعَذابُ الدُنْيا أيْسَرُ مِن عَذابِ الآخِرَةِ».
وجُعِلَتِ اللَعْنَةُ لِلرَّجُلِ الكاذِبِ لَأنَّهُ مُفْتَرٍ مُباهِتٌ بِالقَوْلِ فَأُبْعِدَ بِاللَعْنَةِ، وجُعِلَ الغَضَبُ الَّذِي هو أشَدُّ عَلى المَرْأةِ الَّتِي باشَرَتِ المَعْصِيَةَ بِالفِعْلِ ثُمْ كَذَّبَتْ وباهَتَتْ بِالقَوْلِ، فَهَذا مَعْنى هَذِهِ الألْفاظِ، واللهِ أعْلَمُ.
ولا بُدَّ أنْ نَذْكُرَ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن مَسائِلَ اللِعانِ إذْ لا يُسْتَغْنى عنها في مَعْرِفَةِ حُكْمِهِ وحَيْثُ يَجِبُ، أجْمَعَ مالِكٌ وأصْحابُهُ عَلى وُجُوبِ اللِعانِ بِادِّعاءِ رُؤْيَةِ زِنًى لا وطْءَ مِنَ الزَوْجِ، وكَذَلِكَ مَشْهُورُ المَذْهَبِ، وقَوْلُ مالِكٍ إنَّ اللِعانَ يَجِبُ بِنَفْيِ حَمْلٍ يُدَّعى قَبْلَهُ اسْتِبْراءٌ، وحَكى اللَخْمِيُّ عن مالِكٍ أنَّهُ قالَ مَرَّةً: لا يُنْفى الوَلَدُ بِالِاسْتِبْراءِ لَأنَّ الحَيْضَ يَأْتِي عَلى الحَمْلِ، وقالَهُ أشْهَبُ في كِتابِ ابْنِ المَوّازِ، وقالَهُ المُغِيرَةُ، وقالَ: لا يُنْفى الوَلَدُ إلّا بِخَمْسِ سِنِينَ.
واخْتَلَفَ المَذْهَبُ في أنْ يَقْذِفَ الرَجُلُ أو يَنْفِيَ حَمْلًا ولا يُعَلِّلُ ذَلِكَ لا بِرُؤْيَةٍ ولا بِاسْتِبْراءٍ، فَجُلُّ رُواةِ مالِكٍ عَلى أنَّ ذَلِكَ لا يُوجِبُ لِعانًا، بَلْ يَحُدُّ الزَوْجُ، قالَهُ ابْنُ القاسِمْ، ورُوِيَ عنهُ أيْضًا أنَّهُ قالَ: يُلاعِنُ ولا يُسْألُ عن شَيْءٍ.
واخْتُلِفَ -بَعْدَ هَذا القَوْلِ بِاللِعانِ بِالِاسْتِبْراءِ- في قَدْرِ الِاسْتِبْراءِ، فَقالَ مالِكٌ، والمُغِيرَةُ -فِي أحَدِ قَوْلَيْهِ-: يَجْزِي في ذَلِكَ حَيْضَةٌ، وقالَ أيْضًا مالِكٌ: لا يَنْفِيهِ إلّا ثَلاثُ حِيَضٍ.
وأمّا مَوْضِعُ اللِعانِ فَفي المَسْجِدِ وعِنْدَ الحاكِمْ، والمُسْتَحَبُّ أنْ يَكُونَ في المَسْجِدِ بِحَضْرَةِ الحاكِمْ، وكَذَلِكَ يَسْتَحِبُّ [أنْ يَكُونَ] بَعْدَ العَصْرِ تَغْلِيظًا بِالوَقْتِ، وكُلُّ وقْتٍ مُجْزٍ.
ومِن قَذَفَ امْرَأتَهَ وهي كَبِيرَةٌ لا تَحْمِلُ تَلاعَنا، هو لِرَفْعِ الحَدِّ، وهي لِدَرْءِ العَذابِ، وإنْ كانَتْ صَغِيرَةً لا تَحْمِلُ لاعَنَ هو لِدَفْعِ الحَدِّ، ولَمْ تَلاعِنْ هي لَأنَّها لَوْ أقَرَّتْ لَمْ يَلْزَمْها شَيْءٌ، وقالَ ابْنُ الماجَشُونِ: لا حَدَّ عَلى قاذِفِ مَن لَمْ يَبْلُغْ، قالَ اللَخْمِيُّ: فَعَلى هَذا لا لِعانَ عَلى زَوْجِ الصَغِيرَةِ الَّتِي لا تَحْمِلُ.
والمُسْتَحَبُّ مِن ألْفاظِ اللِعانِ أنْ يَمْشِيَ مَعَ تَرْتِيبِ القُرْآنِ ولَفْظِهِ، فَيَقُولُ الزَوْجُ: أشْهَدُ بِاللهِ لَرَأيْتُ هَذِهِ المَرْأةَ تَزْنِي، وإنِّي في ذَلِكَ لِمَنِ الصادِقِينَ، ثُمْ يَقُولُ في الخامِسَةِ: لَعْنَةُ اللهِ عَلَيَّ إنْ كُنْتُ مِنَ الكاذِبِينَ، وقالَ أصْبَغُ: لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: "كالمِرْوَدِ في المُكْحُلَةِ"، وقِيلَ: لا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ يَقُولُ أشْهَبُ: لا بُدَّ أنْ يَقُولَ: بِاللهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، وأمّا في لِعانِ نَفْيِ الحَمْلِ فَقِيلَ: يَقُولُ الرَجُلُ ما هَذا الوَلَدُ مِنِّي ولَزَنَتْ، وقالَ ابْنُ القاسِمْ في المُوازَنَةِ: لا يَقُولُ "وَزَنَتْ" مِن حَيْثُ يُمْكِنُ أنْ تَغْضَبَ، ثُمْ تَقُولُ: غَضَبُ اللهِ عَلَيَّ إنْ كانَ مِنَ الصادِقِينَ، فَإنْ مَنَعَ جَهْلُهُما مِن تَرْتِيبِ هَذِهِ الألْفاظِ وأتَيا بِما في مَعْناها أجْزَأ ذَلِكَ.
وحَكى اللَخْمِيُّ عن مُحَمَّدِ بْنِ أبِي صُفْرَةَ أنَّهُ قالَ: اللِعانُ لا يَرْفَعُ العِصْمَةَ لِقَوْلِ عُوَيْمِرٍ: كَذَبْتُ عَلَيْها يا رَسُولَ اللهِ إنْ أمْسَكْتُها، قالَ: "فَأُحْدِثُ طَلاقًا"، ومَشْهُورُ المَذْهَبِ أنَّ نَفْسَ تَمامِ اللِعِانِ بَيْنَهُما فُرْقَةٌ، ولا يَحْتاجُ مَعَها إلى تَفْرِيقِ حاكِمْ، وابْنُ أبِي صُفْرَةَ هَذا لَيْسَ بِعَدَدٍ يُزاحَمُ بِهِ الجُمْهُورُ.
ومَذْهَبُ الشافِعِيِّ أنَّ الفِرْقَةَ حاصِلَةٌ إثْرَ لِعانِ الزَوْجِ وحْدَهُ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأصْحابُهُ: لا تَفْرِيقَ إلّا بِحُكْمِ السُلْطانِ بَعْدَ تَمامِ لِعانَهُما، فَإنْ ماتَ أحَدُهُما بَعْدَ تَمامِ لِعانَهُما وقَبْلَ حُكْمِ القاضِي ورِثَهُ الآخَرُ، ومَذْهَبُ "المُدَوَّنَةِ" أنَّ اللِعانَ حُكْمُ تَفْرِيقِهِ حُكْمُ الطَلاقِ، ويُعْطى لِغَيْرِ المَدْخُولِ بِها نَفْسُ الصَداقِ، وفي مُخْتَصَرِ ابْنِ الجَلّابِ: لا شَيْءَ لَها، وهَذا عَلى أنَّ تَفْرِيقَ اللِعانِ فَسَخٌ، وقالَ ابْنُ القِصارِ: تَفْرِيقُ اللِعانِ عِنْدَنا فَسْخٌ.
وتَحْرِيمُ اللِعانِ أبَدِيٌّ بِإجْماعٍ فِيما أحْفَظُ مِن مَذْهَبِ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ، ومِن فُقَهاءِ الكُوفَةِ وغَيْرِهِمْ مَن لا يَراهُ مُتَأبِّدًا، وإنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِعانِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِذَلِكَ، ورُوِيَ عن عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ أنَّهُ إنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ بَعْدَ اللِعانِ كانَ خاطِبًا مِنَ الخُطّابِ.
وإنْ تَقَدَّمَتِ المَرْأةُ في اللِعانِ فَقالَ ابْنُ القاسِمْ: لا تُعِيدُ، وقالَ أشْهَبُ: تُعِيدُ.
والجَوابُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ الآيَةُ.
مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لِكَشَفَ الزُناةَ بِأيْسَرَ مِن هَذا، أو لَأخَذَهم بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ، أو نَحْوَ هَذا مِنَ المَعانِي الَّتِي أوجَبَ تَقْدِيرُها إبْهامُ الجَوابِ.
<div class="verse-tafsir"
تذييل لما مر من الأحكام العظيمة المشتملة على التفضل من الله والرحمة منه، والمؤذنة بأنه تواب على من تاب من عباده، والمنبئة بكمال حكمته تعالى إذ وضع الشدة موضعها والرفق موضعه وكف بعض الناس عن بعض فلما دخلت تلك الأحكام تحت كلي هذه الصفات كان ذكر الصفات تذييلاً.
وجواب (لولا) محذوف لقصد تهويل مضمونه فيدل تهويله على تفخيم مضمون الشرط الذي كان سبباً في امتناع حصوله.
والتقدير: لولا فضل الله عليكم فدفع عنكم أذى بعضكم لبعض بما شرع من الزواجر لتكالبَ بعضكُم على بعض، ولولا رحمة الله بكم فقدر لكم تخفيضاً مما شرع من الزواجر في حالة الاضطرار والعذر لما استطاع أحد أن يسكت على ما يرى من مثار الغيرة، فإذا باح بذلك أُخذ بعقاب وإذا انتصف لنفسه أهلك بعضاً أو سكت على ما لا على مثله يغضى، ولولا أن الله تواب حكيم لما رد على من تاب فأصلح ما سلبه منه من العدالة وقبول الشهادة.
وفي ذكر وصف «الحكيم» هنا مع وصف ﴿ تواب ﴾ إشارة إلى أن في هذه التوبة حكمة وهي استصلاح الناس.
وحذف جواب ﴿ لولا ﴾ للتفخيم والتعظيم وحذفه طريقة لأهل البلاغة، وقد تكرر في هذه السورة وهو مثل حذف جواب (لو)، وتقدم حذف جواب (لو) عند قوله تعالى: ﴿ ولو ترى الذين ظلموا إذ يرون العذاب ﴾ في سورة البقرة (165).
وجواب (لولا) لم يحضرني الآن شاهد لحذفه وقد قال بعض الأئمة: إن (لولا) مركبة من (لو) و(لا).
<div class="verse-tafsir"
قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ يَرْمُونَ أزْواجَهم ولَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ إلا أنْفُسُهُمْ ﴾ يَعْنِي بِالزِّنى.
﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَهم شُهَداءُ ﴾ يَعْنِي يَشْهَدُونَ بِالزِّنى إلى أنْفُسِهِمْ وهَذا حُكْمٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ الأزْواجَ في قَذْفِ نِسائِهِمْ لِيُلاعَنُوا فَيَذْهَبُ حَدُّ القَذْفِ عَنْهم.
وَفي سَبَبِ ذَلِكَ قَوْلانِ: أحَدُهُما: ما رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ هِلالَ بْنَ أُمَيَّةَ أتى رَسُولَ اللَّهِ وهو جالِسٌ مَعَ أصْحابِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي جِئْتُ أهْلِي عِشاءً فَوَجَدْتُ رَجُلًا مَعَ أهْلِي؛ رَأيْتُ بِعَيْنِي وسَمِعْتُ بِأُذُنِي، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ما أتاهُ بِهِ وثَقُلَ عَلَيْهِ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ هَذِهِ الآيَةَ.
» الثّانِي: ما رَواهُ الأوْزاعِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ عُوَيْمِرٍ أتى رَسُولَ اللَّهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ وجَدَ مَعَ امْرَأتِهِ رَجُلًا أيَقْتُلُهُ فَتَقْتُلُونَهُ أمْ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ القُرْآنَ فِيكَ وفي صاحِبَتِكَ) فَأمَرَها رَسُولُ اللَّهِ بِالمُلاعَنَةِ فَلاعَنَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ : (انْظُرُوا فَإنْ جاءَتْ بِهِ أسْحَمَ أدْعَجَ العَيْنَيْنِ عَظِيمَ الألِيَتَيْنِ خَدْلَجَ السّاقَيْنِ فَلا أحْسَبُ عُوَيْمِرًا إلّا قَدْ صَدَقَ عَلَيْها، وإنْ جاءَتْ بِهِ أُحَيْمِرَ كَأنَّهُ وحْرَةٌ فَلا أراهُ إلّا كاذِبًا فَجاءَتْ بِهِ عَلى النَّعْتِ الَّذِي نَعَتَ رَسُولُ اللَّهِ في تَصْدِيقِ عُوَيْمِرٍ وكانَ بَعْدُ يُنْسَبُ إلى أُمِّهِ»، قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ولَقَدْ صارَ أمِيرًا بِمِصْرَ وإنَّهُ يُنْسَبُ إلى غَيْرِ أبٍ.
فَإذا قَذَفَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ بِالزِّنى كانَ لَهُ اللِّعانُ مِنها إنْ شاءَ، وإنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِقاذِفٍ سِواهُ، لِأنَّ الزَّوْجَ لِنَفْيِ نَسَبٍ لَيْسَ مِنهُ ورَفْعِ فِراشٍ قَدْ عَرَّهُ مُضْطَرٌّ إلى لِعانِها دُونَ غَيْرِهِ، فَإذا أرادَ ذَلِكَ لاعَنَ بَيْنَهُما حاكِمٌ نافِذُ الحُكْمِ في الجامِعِ عَلى المِنبَرِ أوْ عِنْدَهُ، ويَبْدَأُ بِالزَّوْجِ وهي حاضِرَةٌ فَيَقُولُ: أشْهَدُ بِاللَّهِ إنِّي لَمِنَ الصّادِقِينَ فِيما قَذَفْتُ بِهِ زَوْجَتِي هَذِهِ مِنَ الزِّنى بِفُلانٍ إذا ذَكَرَهُ في قَذْفِهِ، وإنْ لَمْ يَذْكُرْهُ في لِعانِهِ كانَ لِعانُهُ نافِذًا.
وَإنْ أرادَ نَفْيَ ولَدِها قالَ: إنَّ هَذا الوَلَدَ مِن زِنًى ما هو مِنِّي، فَإذا أكْمَلَ ما وصَفْنا أعادَهُ أرْبَعًا كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ فَشَهادَةُ أحَدِهِمْ أرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ ﴾ والشَّهادَةُ هُنا يَمِينٌ عُبِّرَ عَنْها بِلَفْظِ الشَّهادَةِ في قَوْلِ مالِكٍ والشّافِعِيِّ، وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: هي شَهادَةٌ فَرُدَّ بِها لِعانُ الكافِرِ والمَمْلُوكِ ولَوْ كانَتْ شَهادَةً ما جازَ أنْ تَشْهَدَ لِنَفْسِها وبِلَعْنِها، والعَرَبُ تُسَمِّي الحَلِفَ بِاللَّهِ تَعالى شَهادَةً كَما قالَ قَيْسُ بْنُ المُلَوَّحِ وأشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ أنِّي أُحِبُّها فَهَذا لَها عِنْدِي فَما عِنْدَها لِيا أيْ أحْلِفُ بِاللَّهِ فِيما وصَفْتُها مِنَ الزِّنى، وهو تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿ والخامِسَةُ أنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كانَ مِنَ الكاذِبِينَ ﴾ فَإذا أكْمَلَ الخامِسَةَ فَقَدْ أكْمَلَ لِعانَهُ، فَتَلاعِنُ هي بَعْدَهُ عَلى المِنبَرِ أوْ عِنْدَهُ فَتَقُولُ وهو حاضِرٌ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّ زَوْجِي فُلانًا هَذا مِنَ الكاذِبِينَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى وأنَّ هَذا - إنْ كانَ الزَّوْجُ قَدْ نَفى في لِعانِهِ ولَدَهُ مِنها - ما هو مِن زِنًى، تَقُولُ كَذَلِكَ أرْبَعًا، وهو تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَيَدْرَأُ عَنْها العَذابَ ﴾ أيْ يَدْفَعُ، وفي هَذا العَذابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الحَدُّ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ، والشّافِعِيِّ.
الثّانِي: أنَّهُ الحَبْسُ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
﴿ أنْ تَشْهَدَ أرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللَّهِ إنَّهُ لَمِنَ الكاذِبِينَ ﴾ ثُمَّ تَقُولُ في الخامِسَةِ وأنَّ عَلَيَّ غَضَبَ اللَّهِ إنْ كانَ زَوْجِي مِنَ الصّادِقِينَ فِيما رَمانِي بِهِ مِنَ الزِّنى وهو تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والخامِسَةَ أنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْها إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ ﴾ والغَضَبُ في لِعانِها بَدَلًا مِنَ اللَّعْنَةِ في لِعانِ زَوْجِها، وإذا تَمَّ اللِّعانُ وقَعَتِ الفُرْقَةُ المُؤَبَّدَةُ بَيْنَهُما، وبِماذا تَقَعُ؟
فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: بِلِعانِ الزَّوْجِ وحْدَهُ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ.
الثّانِي: بِلِعانِهِما مَعًا، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ.
الثّالِثُ: بِلِعانِهِما وتَفْرِيقِ الحاكِمِ بَيْنَهُما، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
والرّابِعُ: بِالطَّلاقِ الَّذِي يُوقِعُهُ الزَّوْجُ بَعْدَ اللِّعانِ، وهو مَذْهَبُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ثُمَّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أبَدًا.
واخْتَلَفُوا في إحْلالِها لَهُ إنْ أُكْذِبَ بَعْدَ اللِّعانِ نَفْسِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: تَحِلُّ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.
والثّانِي: لا تَحِلُّ، وهو مَذْهَبُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ.
وَإذا نَفى الزَّوْجُ الوَلَدَ بِاللِّعانِ لَحِقَ بِها دُونَهُ، فَإنْ أكْذَبَ نَفْسَهُ لَحِقَ بِهِ الوَلَدُ حَيًّا أوْ مَيِّتًا، وألْحَقَهُ أبُو حَنِيفَةَ بِهِ في الحَياةِ دُونَ المَوْتِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ ﴾ في فَضْلِ اللَّهِ ورَحْمَتِهِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ الإسْلامُ ورَحْمَتَهُ القُرْآنُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.
الثّانِي: أنَّ فَضْلَ اللَّهِ مِنهُ، ورَحْمَتَهُ نِعْمَتُهُ، قالَهُ السُّدِّيُّ.
وَفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّ تَقْدِيرَهُ: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِإمْهالِهِ حَتّى تَتُوبُوا لَهَلَكْتُمْ.
الثّانِي: تَقْدِيرُهُ: لَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكم ورَحْمَتُهُ بِكم لَنالَ الكاذِبَ مِنكم عَذابٌ عَظِيمٌ.
﴿ وَأنَّ اللَّهَ تَوّابٌ حَكِيمٌ ﴾ فَيَكُونُ المَحْذُوفُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الجَوابَ وبَعْضَ الشَّرْطِ، وعَلى الثّانِي الجَوابَ وحْدَهُ بَعْدَ اسْتِيفاءِ الشَّرْطِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن عاصم بن عدي قال: لما نزلت ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ قلت: يا رسول الله إلى أن يأتي الرجل بأربعة شهداء قد خرج الرجل؟
فلم ألبث إلا أياماً فإذا ابن عم لي معه امرأته ومعها ابن وهي تقول: منك.
وهو يقول: ليس مني.
فنزلت آية اللعان قال عاصم: فأنا أول من تكلم وأول من ابتلى به.
وأخرج أحمد وعبد الرزاق والطيالسي وعبد بن حميد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت ﴿ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء..
﴾ الآية قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: أهكذا أنزلت يا رسول الله؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟
فقالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور.
والله ما تزوّج امرأة قط إلا بكراً، وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا على أن يتزوجها من شدة غيرته فقال سعد: يا رسول الله إني لأعلم أنها حق وأنها من الله، ولكني تعجبت إني لو وجدت لكاعاً قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء- فوالله- لا آتي بهم حتى يقضي حاجته قال: فما لبثوا إلا يسيراً حتى جاء هلال بن أمية؛ وهو أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، فجاء من أرضه عشاء فدخل على امرأته فوجد عندها رجلاً، فرأى بعينه، وسمع بأذنيه، فلم يهجه حتى أصبح، فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء، فوجدت عندها رجلاً، فرأيت بعيني، وسمعت بأذني، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد به، واجتمعت الأنصار فقالوا: قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن.
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية وأبطل شهادته في المسلمين فقال هلال: والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجاً فقال: يا رسول الله إني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم إني لصادق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد جلده، فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت ﴿ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ﴾ فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي فقال: ابشر يا هلال قد جعل الله لك فرجاً ومخرجاً فقال هلال: قد كنت أرجو ذلك من ربي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارسلوا إليها فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما، وذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال: والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت: كذب.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاعنوا بينهما فقيل لهلال اشهد.
فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، فلما كان في الخامسة قيل لهلال: فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال: والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها.
فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين.
ثم قيل لها اشهدي.
فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين.
فلما كانت في الخامسة قيل لها: اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب، فتلكأت ساعة فقالت: والله لا أفضح قومي، فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها أن كان من الصادقين.
ففرق رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أنه لا يدعى لأب، ولا يرمى ولدها من أجل الشهادات الخمس، وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس لها قوت، ولا سكنى، ولا عدة، من أجل أنهما تفرقا من غير طلاق، ولا متوفى عنها» .
وأخرج البخاري والترمذي وابن ماجة عن ابن عباس: «أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم: البينة، أو حدٌّ في ظهرك.
فقال: يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلاً ينطلق يلتمس البينة!
فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: وإلاَّ حَدٌّ في ظهرك.
فقال هلال: والذي بعثك بالحق إني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبريل فأنزل الله عليه ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ حتى بلغ ﴿ إن كان من الصادقين ﴾ فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال يشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب؟
ثم قامت فشهدت فلما كانت عند الخامسة وقفوها وقالوا: إنها موجبة.
فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الاليتين، خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء.
فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن» .
وأخرج ابن أبي حاتم وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فرمى امرأته برجل.
فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يردده حتى أنزل الله: ﴿ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ حتى فرغ من الآيتين فأرسل إليهما فدعاهما فقال: إن الله قد أنزل فيكما..
فدعا الرجل فقرأ عليه.
فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين، ثم أمر به فأمسك على فيه، فوعظه فقال له: كل شيء أهون عليك من لعنة الله.
ثم أرسله فقال: لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين، ثم دعا بها فقرأ عليها.
فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، ثم أمر بها فأمسك على فيها، فوعظها وقال: ويحك!
كل شيء أهون عليك من غضب الله، ثم أرسلت فقالت: غضب الله عليها إن كان من الصادقين» .
وأخرج البخاري ومسلم وابن مردويه من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي زنت.
وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه منكس في الأرض ثم رفع رأسه فقال: قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك فائت بها.
فجاءت فقال: قم فاشهد أربع شهادات، فقام فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين.
فقال له: ويلك أو ويحك!
إنها موجبة.
فشهد الخامسة ان لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين.
ثم قامت امرأته فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين.
ثم قال ويلك أو ويحك!
إنها موجبة.
فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين.
ثم قال له: اذهب فلا سبيل لك عليها فقال: يا رسول الله مالي..؟
قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها» .
وأخرج أحمد وعبد بن حميد والترمذي وصححه والنسائي وابن جرير وابن مردويه عن سعيد بن جبير قال: «سألت عن المتلاعنين أيفرق بينهما؟
فقال: سبحان الله!
نعم..
إن أول من سأل عن ذلك فلان ابن فلان قال: يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك؟
فسكت فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله هذه الآية في سورة النور ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ حتى بلغ ﴿ أَن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ﴾ فبدأ بالرجل فوعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال: والذي بعثك بالحق ما كذبتك.
ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت: والذي بعثك بالحق أنه لكاذب.
فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الصادقين، والخامسة أن لعنة الله عليه ان كان من الكاذبين.
ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها ان كان من الصادقين» .
وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد ومسلم وعبد بن حميد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه عن ابن عمر قال: كنا جلوساً عشية الجمعة في المسجد فجاء رجل من الأنصار فقال: أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه، وان تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ، والله لئن أصبحت صالحاً لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فسأله فقال: يا رسول الله أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلاً فقتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه، وإن سكت سكت على غيظ.
اللهم احكم.
فنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول من ابتلى به.
وأخرج عبد الرزاق وأحمد وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن جرير وابن منذر والطبراني عن سهل بن سعد قال: «جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال: سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلاً وجد مع امرأته رجلاً فقتله أيقتل به؟
أم كيف يصنع؟
فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل فلقيه عويمر فقال: ما صنعت؟
فقال: إنك لم تأتني بخير، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل فقال: والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأسألنه، فأتاه فوجده قد أنزل عليه..
فدعا بهما، فلاعن بينهما قال عويمر: أن انطلق بها يا رسول الله لقد كذبت عليها، ففارقها قبل أن يخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين، عظيم الاليتين، فلا أراه إلا قد صدق.
وإن جاءت به أحمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذباً.
فجاءت به على النعت المكروه» .
واخرج أبو يعلى وابن مردويه عن أنس قال: «لأوّل لعان كان في الإِسلام أن شريك بن سحماء رماه هلال بن أمية بامرأته، فرفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أربعة شهود، وإلا فحد في ظهرك.
فقال: يا رسول الله إن الله ليعلم أني لصادق، ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الجلد.
فأنزل الله آية اللعان ﴿ والذين يرمون أزواجهم..
﴾ إلى آخر الآية فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا.
فشهد بذلك أربع شهادات بالله، ثم قال له في الخامسة: لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا.
ففعل.
ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: قومي فاشهدي بالله أنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا.
فشهدت بذلك أربع شهادات، ثم قال لها في الخامسة وغضب الله عليك ان كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا.
قال: فلما كان في الرابعة أو الخامسة سكتت سكته حتى ظنوا أنها ستعترف.
ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول، ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال: انظروا فإن جاءت به جعداً أخمش الساقين، فهو لشريك بن سحماء، وإن جاءت به أبيض سبطاً، قصير العينين، فهو لهلال بن أمية، فجاءت به آدم جعداً أخمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن» .
وأخرج النسائي وابن مردويه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رجلاً من الأنصار من بني زريق قذف امرأته، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فرد ذلك عليه أربع مرات.
فأنزل الله آية الملاعنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين السائل قد نزل من الله أمر عظيم؟
فأبى الرجل إلا أن يلاعنها، وأبت ألا تدرأ عن نفسها العذاب.
فتلاعنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما تجيء به أصفر أخمش مفتول العظام فهو للملاعن، واما تجيء به أسود كالجمل الأورق فهو لغيره، فجاءت به أسود كالجمل الأورق، فدعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعله لعصبة أمه وقال: لولا الآيات التي مضت لكان فيه كذا وكذا» .
وأخرج البزار عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر «لو رأيت مع أم رومان رجلاً ما كنت فاعلاً به؟
قال: كنت- والله- فاعلاً به شراً قال: فأنت ياعمر؟
قال: كنت- والله- قاتله فنزلت ﴿ والذين يرمون أزواجهم...
﴾ قلت: رجال إسناده ثقات إلا أن البزار كان يحدث من حفظه فيخطئ.
وقد أخرجه ابن مردويه والديلمي من هذا الطريق وزاد بعد قوله كنت قاتله قال: فأنت يا سهيل بن بيضاء قال: كنت أقول لعن الله الأبعد فهو خبيث، ولعن الله البُعْدَى فهي خبيثة، ولعن الله أوّل الثلاثة أخبر بهذا.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأوّلت القرآن يا ابن بيضاء ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ وهذا أصح من قول البزار فنزلت» .
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن زيد بن نفيع «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: أرأيت لو وجدت مع أهلك رجلاً كيف كنت صانعاً؟
قال: إذاً لقتلته.
ثم قال لعمر..
فقال مثل ذلك.
فتتابع القوم على قول أبي بكر وعمر.
ثم قال لسهيل بن البيضاء..
قال: كنت أقول لعنك الله فأنت خبيثة، ولعنك الله فأنت خبيث، ولعن الله أول الثلاثة منا يخرج هذا الحديث.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تأوّلت القرآن يا ابن البيضاء لو قتله قتل به، ولو قذفه جلد، ولو قذفها لاعنها» .
وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ قال: هو الرجل يرمي زوجته بالزنا ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ يعني ليس للرجل شهداء غيره ان امرأته قد زنت، فرفع ذلك إلى الحكام فشهادة أحدهم- يعني الزوج- يقوم بعد الصلاة في المسجد فيحلف أربع شهادات بالله ويقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أن فلانة- يعني امرأته- زانية.
والخامسة أن لعنة الله عليه- يعني على نفسه- ان كان من الكاذبين في قوله.
ويدرأ يدفع الحكام عن المرأة العذاب- يعني الحد- أن تشهد أربع شهادات بالله أنه- يعني زوجها- لمن الكاذبين.
فتقوم المرأة مقام زوجها فتقول أربع مرات أشهد بالله الذي لا إله إلا هو أني لست بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين.
والخامسة أن غضب الله عليها- يعني على نفسها- إن كان زوجها من الصادقين.
وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ﴾ قال: فإن هي اعترفت رجمت، وإن هي أبت يدرأ عنها العذاب قال: عذاب الدنيا ﴿ أن تشهد أربع شهادات بالله إِنه لمن الكاذبين، والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ﴾ .
ثم يفرق بينهما وتعتد عدة المطلقة.
وأخرج عبد الرزاق عن عمر بن الخطاب قال: لا يجتمع المتلاعنان أبداً.
وأخرج عبد الرزاق عن علي وابن مسعود.
مثله.
وأخرج عبد الرزاق عن الشعبي قال: اللعان أعظم من الرجم.
وأخرج عبد الرزاق عن سعيد بن المسيب قال: وجبت اللعنة على أكذبهما.
وأخرج البزار عن جابر قال: ما نزلت آية التلاعن إلا لكثرة السؤال.
وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة قال: «لما نزلت هذه الآية قال سعد بن عبادة: إني لو رأيت أهلي ومعها رجل أنتظر حتى آتي بأربعة؟
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم.
قال: والذي بعثك بالحق لو رأيته لعاجلته بالسيف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر الأنصار اسمعوا ما يقول سيدكم ان سعداً لغيور، وأنا أغير منه، والله أغير مني» .
وأخرج ابن ماجة وابن حبان والحاكم وابن مردويه عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين نزلت آية الملاعنة «أيما امرأة أدخلت على قوم ما ليس منهم فليست من الله في شيء، ولن يدخلها الله جنته.
وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة، وفضحه على رؤوس الأولين والآخرين» .
<div class="verse-tafsir"
قوله تعالى: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ ﴾ قال الفراء: (لولا) هاهنا متروك الجواب؛ لأنه معلوم المعنى.
وكذلك كل ما كان معلوم الجواب فإن العرب تكتفي بترك جوابه، ألا ترى أن الرجل ليشتم صاحبه فيقول المشتوم: أما والله لولا أبوك، فيعلم أنه يريد لشتمتك، فمثل هذا يترك جواب، وقد قال بعد ذلك فبيّن جواب وهو قوله ﴿ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ ﴾ ﴿ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ ﴾ فذلك يبين لك المتروك (١) وقال المبرد: تأويله -والله أعلم- لهلكتم، أو لم يبق لكم باقية، أو لم يصلح لكم أمر، أو ما أشبه ذلك من الوعيد المرجع، فحذف لأنه (٢) (٣) (٤) وقد ذكرنا هذا مستقصى فيما تقدم.
وقال أبو إسحاق: المعنى والله أعلم: لولا فضل الله عليكم لنال الكاذب منكم عذاب عظيم (٥) وهذا مما ذكره المبرّد لأن هذه الآية (٦) (٧) (٨) قال ابن عباس: ولولا ستر الله عليكم ورحمته.
قال مقاتل: (ونعمته) لأطلع على الكاذب منهما (٩) يعني: لولا أنّه ستر بفضله ورحمته لبيَّن الكاذب من الزوجين فيقام عليه الحد.
﴿ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ ﴾ يعود على من رجع عن معاصي الله إلى ما يجب بالرحمة.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ في خلقه فيما فرض من الحدود.
قاله ابن عباس.
وقال مقاتل: ﴿ حَكِيمٌ ﴾ حكم بالملاعنة (١٠) (١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 247.
(٢) في (ع): (أنَّه).
(٣) ذكر الزركشي في "البرهان" 3/ 187 هذا القول عن المبرد.
(٤) البيت في "ديوانه" 2/ 961، "النقائض" لأبي عبيدة 1/ 258، "سر صناعة الإعراب" 2/ 648.
والعَواذل: جمع عاذلة وهي اللائمة.
والمُناخ -بالضم-: مبرك الإبل.
والحزيز -كأمير-: الموضع من الأرض كثرت حجارته وغلظت كأنَّها السكاكين، وقيل الأرض فيها غلظ واستواء.
وحزيز رامه: اسم لعدة مواضع في بلاد العرب، منها موضع في طريق البصرة إلى مكة.
انظر: "معجم البلدان" لياقوت 4/ 212، "لسان العرب" 11/ 437 (عذل) 5/ 335 (حزز) 14/ 400 (سما)، "القاموس المحيط" 2/ 272.
قال أبو عبيدة في "النقائض" 1/ 258 - 259: و"المطي": ما امتطى ظهره، والطا: الظهر.
و"المطي سوامي" يقول: هي في بلد لا رعي فيها فهي تسمو بأبصارها إلى موضع الرعي.
يقول: لو رأين مناخنا وما نلقى ما عذلننا في الطلب.
اهـ مع تصرف.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 33.
(٦) في (ع): (اللام).
(٧) (أليق) ساقطة من (ع).
(٨) في (ع): (جائز).
(٩) "تفسير مقاتل" 2/ 35 ب: وفيه لأظهر علي الذنب يعني الكاذب منهما.
(١٠) "تفسير مقاتل" 2/ 35 ب.
<div class="verse-tafsir"
﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله ﴾ جواب لو محذوف هنا وفي الموضع الآخر تقديره ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ ﴾ لأخذكم، أو نحو هذا.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ فرضناها ﴾ بالتشديد: ابن كثير وأبو عمرو ﴿ ورأفة ﴾ بفتح الهمزة: ابن كثير عن ابن فليح ورفعه الباقون بالإسكان وكلاهما مصدر.
وكذلك روى الخزاعي عن أصحابه، وروى ابن شنبوذ عن البزي ههنا وفي الحديد متحركة الهمزة، وعن قنبل ههنا بالفتح وفي الحديد بالسكون.
وقرأ أبو عمر وغير شجاع ويزيد والأعشى والأصبهاني عن ورش وحمزة في الوقف بغير همز ﴿ أربع شهادات ﴾ بالرفع: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير أبي بكر وحماد.
الآخرون بالنصب على إعمال المصدر فيما في حكم المصدر والتقدير فواجب شهادة أحدهم شهادات أربعاً ﴿ أن ﴾ مخففة ﴿ لعنة الله ﴾ بالرفع: نافع وسهل ويعقوب والمفضل.
الباقون بالتشديد والنصب ﴿ والخامسة ﴾ الثانية بالنصب: حفص على معنى وتشهد الشهادة الخامسة.
﴿ أن ﴾ مخففاً ﴿ غضب ﴾ فعلاً ماضياً ﴿ الله ﴾ بالرفع: نافع والمفضل ﴿ أن ﴾ بالتخفيف ﴿ غضب الله ﴾ بالرفع: سهل ويعقوب.
الباقون ﴿ أن غضب الله ﴾ بالتشديد والنصب.
الوقوف: ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ جلدة ﴾ ص ﴿ الآخر ﴾ ه للعدول واعتراض الشرط مع اتفاق الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ مشركة ﴾ ه للتفصيل بين الحالتين مع اتفاق الجملتين ﴿ مشرك ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ المؤمنين ﴾ ه ﴿ أبداً ﴾ ه ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ وأصلحوا ﴾ ج للفاء وإن ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بالله ﴾ ط في الموضعين لأن ما بعده جواب لما في حكم القسم ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ الكاذبين ﴾ ه ﴿ الصادقين ﴾ ه ﴿ حكيم ﴾ ه.
التفسير: لما أمر رسول الله في خاتمة السورة المتقدمة بطلب المغفرة والرحمة وطلبه يستلزم مطلوبة لا محالة بدليل سل تعط، أردفه بذكر ما هو اصل كل رحمة ومنشأ كل خير فقال ﴿ سورة ﴾ أي هذه سورة ﴿ أنزلناها وفرضناها ﴾ أو فيما أوحينا إليك سورة أنزلناها.
وقرئ بالنصب على "دونك سورة" أو "اتل سورة" أو على شريطة التفسير.
وعلى هذا لا يكون لقوله ﴿ أنزلناها ﴾ محل من الإعراب لأنها ليست بصفة وإنما هي مفسرة للمضمر فكانت في حكمه.
ومعنى إنزال الوحي قد سلف في أول البقرة.
والفرض القطع والتقدير: ولا بد من تقدير مضاف لأن السورة قد دخلت في الوجود فلا معنى لفرضها فالمراد: فرضنا أحكامها التي فيها.
ومن شدد فللمبالغة أو للتكثير ففي أحكام هذه السورة كثرة.
ويجوز أن يرجع معنى الكثرة إلى المفروض عليهم فإنهم كل المكلفين من السلف والخلف.
وأما الآيات البينات فإنها دلائل التوحيد التي يذكرها الله بعد الأحكام والحدود ويؤيده قوله ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ فإن الأحكام والشرائع ما كانت معلومة لهم ليؤمروا بتذكرها بخلاف دلائل التوحيد فإنها كالمعلومة لظهورها فيكفي فيها التذكر.
وقال أبو مسلم: هي الحدود والأحكام أيضاً ولا بعد في تسميتها آيات كقول زكريا ﴿ رب اجعل لي آية ﴾ سأل ربه أن يفرض عليه عملاً.
وقال القاضي: أراد بها الأشياء المباحة المذكورة في السورة بينها الله لأجل التذكر.
فمن جملة الأحكام حكم الزنا.
قال الخليل وسيبويه: رفعهما على الابتداء والخبر محذوف ولا بد من تقدير مضاف اي فيما فرض عليكم جلد الزانية والزاني، أو فيما يتلى عليكم حكم الزانية والزاني وقال آخرون: الخبر ﴿ فاجلدوا ﴾ والفاء لتضمن معنى الشرط فإن الألف واللام بمعنى الموصول تقديره: التي زنت والذي زنى فاجلدوا.
وقرئ بالنصب على إضمار فعل يفسره الظاهر وهو أحسن من نصب ﴿ سورة أنزلناها ﴾ لأجل الأمر فإن الطلب من مظان الفعل والجلد ضرب الجلد كما يقال "رأسه" أي ضرب رأسه وكذلك في سائر الأعضاء بعد ثبوت السماع، وفيه إشارة إلى أن إقامة هذا الحد ينبغي لأأن يكون على الاعتدال بحيث لا يتجاوز الألم من الجلد إلى اللحم.
فعلى الإمام أن ينصب للحدود رجلاً عالماً بصيراً يعقل كيف يضرب.
فالرجل يجلد قائماً على تجرده ليس عليه إزاره ضرباً وسطاً لا مبرحاً ولا هيناً على الأعضاء كلها إلا الوجه والفرج، والمرأة تجلد قاعدة ولا ينزع من ثيابها إلا الحشو والفرو.
والصحيح أن الزنا من الكبائر ولهذا قرنه الله تعالى بالشرك وقتل النفس في قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ وقد وفى فيه عقد المائة بكماله بخلاف حدّ القذف وشرب الخمر وشرع فيه الرجم الذي هو أشنع أنواع القتل، ونهى المؤمنين عن الرأفة بهما وأمر بشهود طائفة للتشهير.
وعن النبي "اتقوا الزنا فإن فيه ست خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة.
فأما التي في الدنيا فيذهب البهاء ويورث الفقر وينقص العمر، وأما التي في الآخرة فيوجب السخطة وسوء الحساب والخلود في النار" واعلم أن البحث في هذه الآية يقع عن أمور أحدها عن ماهية الزنا، وثانيها عن أحكام الزنا، وثالثها في الشرائط المعتبرة في كون الزنا موجباً لتلك الأحكام، ورابعها في الطريق الذي به يعرف حصول الزنا، وخامسها عن كيفية إقامة هذا الحد الأول.
قد حده علماء الشافعية بأنه عبارة عن إيلاج فرج في فرج مشتهى طبعاً محرم شرعاً.
قالوا: فيدخل فيه اللواطة لأنها مثل الزنا صورة وذلك ظاهر لحصول معنى الانفراج في الدبر ايضاً، ومعنى لأنهما يشتركان في المعاني المتعلقة بالشهوة من الحرارة واللين وضيق المدخل، ولذلك لا يفرق أهل الطبائع بين المحلين.
والأكثرون على أن اللواط لا يدخل تحت الزنا للعرف ولهذا، لو حلف لا يزني فلاط أو بالعكس لم يحنث، ولأن الصحابة اختلفوا في حكم اللواط مع كونهم عالمين باللغة.
وما روى عن أبي موسى الأشعري أنه قال "إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان" محمول على اشتراكهما في الإثم بدليل قوله أيضاً "إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان" وقوله "اليدان تزنيان والعينان تزنيان" والقياس المذكور بعيد لأنه لا يلزم من تسمية القبل فرجاً.
لانفراجه أن يسمى كل منفرج كالفم والعين فرجاً.
واعلم أن للشافعي في اللائط قولين أصحهما أن عليه حد الزنا إن كان محصناً فيرجم، وإن لم يكن محصناً فيجلد ويغرب.
والثاني قتل الفاعل والمفعول.
والقتل إما بجز الرقبة كالمرتد، أو بالرجم وهو قول مالك وأحمد وإسحق، أو بالهدم عليه.
ويروى عن أبيّ: أو بالرمي من شاهق.
ويروى عن علي وذلك أن قوم لوطٍ عذبوا كل هذه الوجوه قال عز من قائل ﴿ جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ﴾ وأما المفعول فإن كان صغيراً أو مجنوناً أو مكروهاً فلا حد عليه ولا مهر لأن بضع الرجل لا يتقوَّم، وإن كان مكلفاً طائعاً فهو كالفاعل في الأقوال وإن أتى امرأة في دبرها ولا ملك ولا نكاح فالأظهر أنه لواط وحكمه ما مر، وقيل زناً لأنه وطء أثنى فأشبه الوطء في القبل، وإذا لاط بعبده فهو كالأجنبي على الأصح.
ولو أتى امرأته أو جاريته في الدبر فالأصح القطع بمنع الحد لأنها محل استمتاعه وبالجملة جميع ذلك مما ذهب إليه الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن الائط لا يحدّ بل يعزر.
حجة الشافعي خبر أبي موسى الأشعري.
فإِنه يدل على اشتراك اللواط والزنا في الاسم والحقيقة لا أقل من اشتراكهما في اللوازم.
وأيضاً إنه قال "من عمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل منهما والمفعول به" وقال صلى الله عيه وسلم "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث زنا بعد إحصان وكفر بعد إيمان وقتل نفس بغير نفس" وليس اللواط من قبيل الثاني والثالث فهو من الأول.
وأيضاً قاس اللواط على الزنا بجامع كون الطبع داعياً إليه فيناسب الزاجر.
وفرق بأن الزنا أكثر وقوعاً وكان الاحتياج فيه إلى الزاجر اشد، وبأن الزنا يقتضي فساد الأنساب دون اللواط، وألغى الفرق بوطء العجوز الشوهاء.
حجة أبي حنيفة أنه وطء لا يتعلق به المهر فلا يتعلق به الحد وضعف بفقد الجامع قال: إنه لا يساوي الزنا في الحاجة على شرع الحد لأن اللواط لا يرغب فيه المفعول طبعاً، ولأنه ليس فيه إضاعة النسب.
وأجيب بأن الإنسان حريص على ما منع، فلو لم يشرع الحد شاع اللواط وأدى إلى إضاعة النسب بل إلى إفناء الأشخاص وانقطاع طريق التوالد والتناسل.
وللشافعي في إتيان البهيمة أقوال: أحدهما أنه كالزنا في أحكامه، وثانيها القتل مطلقاً لما روي عن ابن عباس أن رسول الله قال " من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه" فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟
قال: لأنه كره أن يؤكل لحمها.
وأصحها وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحمد والثوري أن عليه التعزير لأنه غير مشتهي طبعاً.
والحديث ضعيف الإسناد وبتقدير صحته معارض بما روي أنه نهى عن ذبح الحيوان إلا لأكله.
ولا خلاف في أن السحق وإتيان الميتة والاستمناء باليد لا يشرع فيها إلا التعزير.
البحث الثاني قد مر في أول سورة النساء أن حكم الزاني في أوائل الإسلام كان الحبس في البيوت في حق الثيب، والإيذاء بالقول في حق البكر، ثم نسخ بآية الزنا وبقوله : "الثيب بالثيب جلد مائه ورجم بالحجارة والبكر بالبكر جلد مائه وتغريب عام" والخوارج أنكروا الرجم لأنه لا ينتصف وقد قال ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ ولأنه تعالى أطنب في أحكام الزنا بما لم يطنب في غيره، فلو كان الرجم مشروعاً لكان أولى بالذكر، ولأن قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب الجلد على كل الزناة وإيجاب الرجم على البعض يقتضي تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد.
وجمهور المجتهدين خالفوهم في ذلك فأجابوا عن الأول بأن الرجم حيث لم ينتصف لم يشرع في حق العبد فخصص العذاب بغير الرجم للدليل العقلي.
وعن الثاني بأن الأحكام الشرعية كانت تنزل بحسب تجدد المصالح فلعل المصلحة التي اقتضت وجوب الرجم حدثت بعد نزول هذه الآيات.
وعن الثالث بأن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد جائز عندنا لأن القرآن وإن كان قاطعاً في متنه إلا أن العام غير قاطع الدلالة فأمكن تخصيصه بالدليل المظنون.
سلمنا إلا أن الرجم ثبت بالتواتر رواه ابو بكر وعمر وعلي م وجابر والخدري وأبو هريرة وبريدة الأسلمي وزيد بن خالد في آخرين من الصحابة.
وما نقل عن علي أنه جمع بين الجلد والرجم وهو اختيار أحمد وإسحق وداود محمول على مثل ما روي عن النبي أن رجلاً زنى بامرأة فأمر به النبي فجلد، ثم أخبر النبي أنه كان محصناً فأمر به فرجم.
وقوله "الثيب بالثيب جلد مائة" ورجم بالحجارة متروك العمل بما روي في قصة العسيف أنه قال: يا أنيس اغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها.
ولو وجب الجلد إذ ذاك لذكره.
وأن قصة ما عز رويت من جهات مختلفة وليس فيها ذكر الجلد مع الرجم وكذا قصة الغامدية.
وروى الزهري بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال: قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله وقد قرأنا "الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة" فرجم النبي ورجمنا بعده.
فأخبر أن الذي فرضه الله هذا الرجم ولو كان الجلد واجباً مع الرجم لذكره.
قال الشافعي: يجمع بين الجلد والتغريب في حد البكر.
وقال أبو حنيفة: يجلد.
وأما التغريب فمفوَّض إلى راي الإمام.
وقوله "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وكذا ما يروى عن الصحابة أنهم جلدوا ونفوا منسوخ أو محمول على وجه التعزير والتأديب من غير وجوب.
وقال مالك: يجلد الرجل ويغرب وتجلد المرأة بلا تغريب.
حجة الشافعي حديث عبادة "البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام" وقد ورد مثله في قصة العسيف.
حجة أبي حنيفة أن إيجاب التغريب يقتضي نسخ القرآن بخبر الواحد.
بيانه أن إيجاب الجلد مرتب على الزنا بالفاء التي هي للجزاء، ومعنى الجزاء كونه كافياً في ذلك الباب منه قوله "يجزيك ولا يجزي أحداً بعدك" وإيجاب شيء آخر غير الجلد يقتضي نسخ كونه كافياً ولو كان النفي مشروعاً لوجب على النبي توقيف الصحابة عليه عند تلاوة هذه الآية ولو فعل لاشتهر.
وقد روى أبو هريرة "أن النبي قال في الأمة إذا زنت فاجلدها فإن زنت فاجلدها فإن زنت فبعها" والاستدلال به أنه لم يذكر النفي مع الجلد ونظيره ما روي أن شيخاً وجد على بطن جارية، فأتي به إلى النبي فقال: اجلدوه مائة.
فقالوا: إنه اضعف من ذلك.
فقال: خذوا عثكالاً فيه مائة شمراخ فاضربوه بها خلوا سبيله.
لا يقال: إنه إنما لم ينفه لأنه كان عاجزاً عن الحركة لأنا نقول: كان ينبغي أن يأمر له بدابة يركبها.
ولا يقال: لعله كان ضعيفاً عن الركوب أيضاً لأنا نقول: القادر على الجماع كيف لا يقدر على الاستمساك.
وأيضاً الأمر بالنفي لو كان مشروعاً لزم في حق العبد الإضرار بسيده في مدة غيبته، وفي حق المرأة الإضرار بزوجها، وكذا لمن يؤمر أن يكون معها من محارمها أو من النسوة الثقاة مع انفتاح باب الزنا عليها في الغربة، لهذا روي عن علي أنه قال في البكرين: إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان فإن نفيهما من الفتنة.
وعن ابن عمر أن امرأة زنت فجلدها ولم ينفها.
وأيضاً النفي نظير القتل لقوله ﴿ اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ﴾ فإذا لم يشرع القتل في حد البكر وجب أن لا يشرع نظيره وهو التغريب.
وأجيب بأن إيجاب الجلد مفهوم مشترك بين إيجاب الجلد مع إيجاب التغريب وبين إيجابه مع نفي التغريب فلا إشعار في الاية بأحد القسمين إلا أن عدم التغريب موافق للبراءة الأصلية.
فإيجابه بخبر الواحد لا يزيل إلا محض البراءة فلا يلزم نسخ القرآن به وهو قول الأدباء إن الجزاء سمي جزاء لأنه كافٍ في الشرط لا يصلح حجة في الأحكام.
ولا استبعاد في عدم اشتهار بعض الأحكام كأكثر المخصصات والأخبار الواردة في نفي التغريب معارضة بما روى أبو علي في جامعة أنه جلد وغرّب.
ولا بعد في أن يكون القادر على الزنا عاجزاً عن الاستمساك على الدابة والإضرار بالسيد قد يجوز للضرورة كالعبد المرتد يقتل، وعلى هذا يغرّب نصف سنة على الأصح لأنه يقبل التنصيف.
وقيل: سنة كاملة لأن التغريب للإِيحاش وهذا معنى يرجع إلى الطبع فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الإيلاء والعنة.
وأما المرأة فلا تغرّب وحدها لقوله "لا يحل لامرأة أن تسافر إلا ومعها ذو محرم" فإن تبرع المحرم أو نسوة ثقاة فذاك وإلا أعطي أجرتهم من مالها أو من بيت المال فيه قولان، وتنتفي التهمة حينئذ مع أن أكثر الزنا إنما يقع بالألف والمؤانسة وفراغ القلب، وفي التغريب الأغلب هو الوحشة والتعب.
وأما أن النفي يشبه القتل فمسلم من بعض الوجوه لا من كلها.
واعلم أن قولنا ﴿ الزانية والزاني ﴾ إما مطلق دال على الجنسين المنافيين لجنس العفيفة والعفيف أو عام يشمل كل ما اتصف بهذه الفعلة الشنعاء فلا بد من تقييد أو تخصيص وهو البحث الثالث فتقول: أجمعت الأمة على أنه لا بد فيه من العقل والبلوغ فلا حد على مجنون ولا على صبي لأنهما ليسا من أهل التكليف.
هذا في غير الرجم وأما في الرجم فلا بد من شروط أخر منها: الحرية بالإجماع.
ولا فرق بين القن والمدبر والمكاتب والمستولدة وحر البعض، والسبب أن الحرية توسع طريق الحلال لأن الرقيق يحتاج في النكاح إلى إذن السيد.
ولا يجوز له أن ينكح إلا امرأتين، وجناية من ارتكب الحرام مع اتساع طريق الحلال أغلظ.
ومنهما الإصابة في نكاح صحيح وقد يعبر عن هذا الشرط بشرطين: أحدهما التزويج بنكاح صحيح، والآخر الدخول.
وكيفما كان فوجه الاعتبار أنه قضى الشهوة واستوفى اللذة فحقه أن يمتنع من الحرام.
ويكفي في الإصابة تغيب الحشفة بلا إنزال، ولا يقدح وقوعها في حالة الحيض والإحرام وعدة الوطء بالشبهة، ولا يحصل الإحصان بالإصابة في ملك اليمين كما لا يحصل التحليل.
وفي الإصابة بالشبهة وفي النكاح الفاسد قولان: أحدهما أنه يفيد الإحصان لأن الفاسد كالصحيح في العدة والنسب، وأصحهما المنع لأن الفاسد لا أثر له في إكمال طريق الحلال.
وهل يشترط أن تكون الإصابة في النكاح بعد التكليف والحرية؟
الأصح عند إمام الحرمين لا، فإنه وطء يحصل به التحليل فكذا الإحصان.
والأرجح عند معظم الأصحاب نعم، لأن شرط الإصابة أن تحصل بأكمل الجهات وهو النكاح الصحيح فيعتبر حصولها من كامل، وعلى هذا فهل يشترط كمال الواطئين جميعاً؟
قال أبو حنيفة: نعم وهو أحد قولي الشافعي فلو كان أحدهما كاملاً دون آخر لم يصر الكامل محصناً ايضاً.
وقال الشافعي في اصح قولية: لا بل لكل منهما حكم نفسه.
ومنها الإسلام عند أبي حنيفة لقوله "من أشرك بالله فليس بمحصن" دون الشافعي لقوله "إذا قبلوا الجزية فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" ولحديث مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي رجم يهوديين زنيا.
فلو حكم بشرعه فظاهر، ولو حكم بشريعة من قبله فقد صار شرعاً له، ولأن زنا الكافر مثل زنا المسلم في الحاجة إلا الزاجر ولهذا قلنا: إذا أقر الذمي بالزنا أقيم عليه الحد جبراً بخلاف الشرب فإنه لا يعتقد تحريمه.
ومما احتج به لأبي حنيفة أن النعمة في حق المسلم أعظم فكانت جنايته أغلظ كقوله ﴿ يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين ﴾ وعورض بأن الإسلام من كسب العبد.
وزيادة الخدمة إن لم تكن سبباً للعذر فلا أقل من أن لا تكون سبباً لزيادة العقوبة.
قالوا: إحصان القذف يعتبر فيه الإسلام بالإجماع فكذا إحصان الرجم والجامع كمال النعمة.
وأجيب بأن حد القذف لرفع العار كرامة للمقذوف والكافر لا يكون محلاً للكرامة وصيانة للعرض.
والجواب عن الحديث بأنا لا نسلم أن الذمى مشرك، سلمنا لكن الإحصان قد يراد به التزويج كقوله ﴿ فإذا أحصن ﴾ والذمي الثيب محصن بهذا التفسير فوجب رجمه لقوله "وزنا بعد إحصان" وبقوله "عليهم ما على المسلمين" قال بعض أهل الظاهر: عموم قوله ﴿ الزانية والزاني ﴾ يقتضي وجوب المائة على العبد والأمة إلا أنه ورد النصب بالتنصيف في حق الأمة، فلو قسنا العبد عليها لزم تخصيص عموم الكتاب بالقياس.
ومنهم من قال: الأمة إذا تزوّجت فعليها خمسون لقوله ﴿ فإذا أحصن ﴾ أي تزوّجن ﴿ فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات ﴾ فإذا لم تتزوّج فعليها المائة لعموم قوله ﴿ الزانية ﴾ واتفاق الجمهور على حذف هذين.
وقال الشافعي وأبو حنيفة: الذمي يجلد للعموم ولأنه رجم يهوديين فالجلد أولى.
وقال مالكك لا يجلد بناء على أن الكفار ليسوا مخاطبين بالفروع.
البحث الرابع في طريق معرفة الزنا وأنه ثلاثة: الأول أن يراه الإمام بنفسه فيجيء الخلاف في أن القاضي هل له أن يقضي بعلمه أم لا؟
رجح كلاً مرجحون.
وجه القضاء أنه يقضي بالظن وذلك عند شهادة شاهدين فلأن يقضي بالعلم أولى.
ووجه عدم القضاء أن فيه تهمة والتهمة تمنع القضاء ولهذا لا يقضي القاضي لولده ووالده.
وهذا الوجه في حدود الله تعالى ارجح لأن الحاكم فيه مأمور بالستر ولهذا "قال النبي في قضية اللعان لو كنت راجماً بغير بينة لرجمتها" ولا فرق على القولين أن يحصل العلم للقاضي في زمان ولايته ومكانها أو في غيرهما.
وعن أبي حنيفة أنه إن حصل العلم فيهما قضى بعلمه وإلا فلا.
الطريق الثاني الإقرار ويكفي عند الشافعي مرة واحدة.
وقال أبو حنيفة: لا بد من أربع مرات في أربع مجالس.
وجوّز أحمد أن يكون المجلس واحداً.
حجة الشافعي قصة العسيف "فإن اعترفت فارجمها" والقياس على الإقرار بالقتل والردة مع أن الصارف عن الإقرار بالزنا قويّ وهو العار في الحال والقتل أو الألم الشديد في المآل، فالإقدام على الإقرار مع هذا الصارف لا يكون إلا عن صدق ويقين.
حجة ابي حنيفة قصة ما عز وإعراضه عنه مرات حتى قال أبو بكر له بعدما أقر ثلاث مرات: لو اقررت الرابعة لرجمك رسول الله والقياس على الشهادة.
وأجيب بأنه لا منافاة بين القضيتين فإن الأولى محمولة على أقل المراتب، والثانية على كمالها.
والفرق أن المقذوف لو اقر بالزنا مرة سقط الحد عن القاذف، ولو شهد اثنان بزناة لم يسقط.
الطريق الثالث الشهادة وأجمعوا على أنه لا بد من شهود اربعة من الرجال لقوله ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾ ولقوله ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ والشهادة على الإقرار بالزنا كالشهادة على الزنا في أنه لا بد من شهود اربعة.
وفي قول يكفي فيه اثنان لأن الفعل مما يعسر الاطلاع عليه فلزم الاحتياط فيه باشتراط الأربعة والإقرار أمر ظاهر فيكفي فيه رجلان.
البحث الخامس: أجمعت الأمة على أن المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوا ﴾ هو الإمام حتى احتجوا به على وجوب نصب الإمام فإن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وقال الشافعي: السيد يملك إقامة الحد على مملوكه وهو قول ابن مسعود وابن عمر وفاطمة وعائشة.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يملك.
حجة الشافعي أنه قال "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" وعن أبي هريرة أنه قال "ذا زنت أمة أحدكم فليجلدها" وحمل الأول على رفع القضية إلى الإمام حتى يقيموا عليهم الحدود، وحمل الثاني على التعزير خلاف الظاهر.
وأيضاً إن ولاية السيد على العبد فوق الولاية بالبيعة فكان أولى.
وأيضاً الإجماع على أن السيد يملك التعزير مع أنه في محل الاجتهاد فلأن يملك الحد مع التنصيص عليه أولى.
حجة أبي حنيفة في قوله ﴿ فاجلدوا ﴾ الخطاب للأمة بالتفاق ولم يذكر فرق بين الأحرار المحدودين وبين العبيد.
وأيضاً لو جاز للمولى أن يسمع شهادة الشهود على عبده بالسرقة فيقطعه، فلو رجعوا عن شهادتهم لوجب أن يتمكن من تضمين الشهود وليس له ذلك بالتفاق لأنه ليس لأحد أن يحكم لنفسه.
وأيضاً المالك في محل التهمة لأنه قد يشفق على ملكه فلا يستوفى الحد.
أجابت الشافعية بأن عدم ذكر الفرق لا يدل على عدم الفرق مع أن الكلام في جواز إقامة السيد الحد لا في وجوبه.
فالإمام يملك حد العبد في الجملة وذلك كافٍ في بقاء الآية على عمومها.
وعن الثاني بأن للشافعي في القطع والقتل قولين: أحدهما يجوز لما روي أن ابن عمر قطع عبداً له سرق.
وثانيهما لا، وهو قول مالك أن القطع للإمام بخلاف الجلد لأن المولى يملك جنس الجلد وهو التعزير.
وفي سماع المولى الشهادة ايضاً وجهان: فإذا فقد الإمام فليس لآحاد الناس إقامة هذه الحدود بل ينبغي أن يعينوا واحداً من الصلحاء ليقوم بها، وفي الخارجي المتغلب خلاف.
البحث السادس في كيفية إقامة الحد: إنه قد أشار إلى أن هذا الحد يجب أن لاي كون في غاية العنف بلفظ الجلد كما مر، وإلى أنه يجب أن لا يكون في غاية الرفق بقوله ﴿ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ﴾ وذلك إما بأن يترك الحد راساً، أو ينقص شيء منه، أو يخفف بحيث لا يحس الزاني بالألم.
وفي معناه أن يفرق على الأيام كأن يضرب كل يوم سوطاً أو سوطين، وإن ضرب كل يوم عشرين مثلاً كان محسوباً لحصول التكليف.
والأولى أن لا يفرق وأكد هذا المعنى بقوله ﴿ إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ﴾ قال الجبائي: فيه دلالة على أن الاشتغال بأداء الواجبات من الإيمان لأن التقدير: إن كنتم مؤمنين فلا تتركوا إقامة الحدود.
وأجيب بأن الرأفة لا تحصل إلا إذا حكم الإنسان بطبعه وأن ذلك يوجب ترك إقامة الحد، وحينئذ يكون منكراً للدين فلهذا يخرج من الإيمان.
وفي الحديث "يؤتي بوال نقص من الحد سوط فيقال له: لم فعلت ذاك؟
فيقول: رحمة لعبادك.
فيقول له: أنت أرحم بهم مني فيؤمر به إلى النار" روى أبو عثمان النهدي قال: أتي عمر برجل في حد، ثم جيء بسوط فيه شدة فقال: أريد ألين من هذا.
فأتي بسوط فيه لين فقال: أريد اشد من هذا.
فأتي بسوط بين السوطين.
وروي أن أبا عبيدة بن الجراح أتي برجل في حد فذهب الرجل ينزع قميصه وقال: ماينبغي لجسد هذا المذنب أن يضرب وعليه قميص.
فقال أبو عبيدة: لا تدعوه ينزع قميصه وضربه عليه.
ولا خلاف في أن المرأة لا يجوز تجريدها بل يربط عليها ثيابها حتى لا تنكشف ويلي ذلك منها امرأة.
وجوّز الشافعي الضرب على الرأس لما روي أن أبا بكر قال: اضرب على الرأس فإن الشيطان فيه.
وقال أبو حنيفة: حكم الراس حكم الوجه لأن الموضحة وسائر الشجاج حكمها في الرأس وفي الوجه واحد، وأما في سائر البدن فلا يجب إلا الحكومة.
وأيضاً إن ضرب الرأس يوجب في الأغلب ظلمة البصر ونزول الماء واختلاط العقل كالوجه فإنه ايضا عرضة للآفات وفيه الأعضاء الشريفة اللطيفة.
وللشافعي أن يقول: إنما يحترم الوجه لما جاء في الحديث "إن الله خلق آدم على صورته" وهذا المعنى مفقود في الرأس.
ولتكن إقامة الحد في وقت اعتدال الهواء إلا إذا كان رجماً فإن المقصود - وهو قتله - لا يتفاوت بذلك.
ولهذا يرجم المريض أيضاً في مرضه.
وقيل: إن كان مرضاً يرجى برؤه يؤخر كما في الجلد لأنه ربما يرجع عن إقراره في حال الرجم وقد أثر الرجم في بدنه فتعين شدة الحر والبرد مع المرض على إهلاكه، وهذا بخلاف ما ثبت بالبينة فإنه لا يسقط.
وفي الجلد إن كان المرض مما لا يرجى زواله كالسل والزمانة فلا يؤخر سواء زنى في حال الصحة أو حال المرض ولكن لا يضرب بالسياط عند الشافعي، لأن المقصود ليس موته بل يضرب بعثكال عليه مائة شمراخ كما روي أن مقعداً اصاب امرأة فأمر النبي فأخذوا مائة شمراخ فضربوه بها ضربة واحدة.
والأثكال والعثكال الغصن الذي عليه فروع خفيفة من النخل أو من غيره.
وعند أبي حنيفة يضرب بالسياط.
ثم إن ثبت الزنا بإقراره فمتى رجع ترك وقع به بعض الحد أو لم يقع وبه قال أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وإسحق، لأن "ماعزاً لما مسته الحجارة هرب فقال :هلا تركتموه" .
وعن الحسن وابن أبي ليلى وداود أن لا يقبل رجوعه.
ويحفر للمرأة إلى صدرها حتى لا تنكشف ويرمى إليها، ولا يحفر للرجل كما في حق ماعز إذ لو كان في الحفرة لم يمكنه الهرب.
ولما روى أبو سعيد الخدري في قصته "فما أوثقناه ولا حفرنا له".
وإذا مات الزاني في الحد يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
ومن تغليظات حد الزنا قوله ﴿ وليشهد ﴾ ظاهره أمر للوجوب إلا أن الفقهاء أجمعوا على أن حضورالجمع مستحب والمقصود إعلان إقامة الحد لما فيه من مزيد الردع، ولما فيه من دفع التهمة عمن يجلد.
وفي لفظ العذاب دليل على أنه عقوبة لا استصلاح إلا أن يراد بالعذاب ما يمنع من المعاودة كالنكال وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ ولهم عذاب عظيم ﴾ ومعنى الطائفة قد مر في التوبة.
فقال النخعي ومجاهد: هي في الآية واحد.
وعن عطاء وعكرمة اثنان.
وعن الزهري وقتادة ثلاثة.
وقال ابن عباس والشافعي: اربعة بعدد شهود الزنا.
وعن الحسن عشرة لأنها أول عقد.
وجوّز ابن عباس إلى أربعين رجلاً من المصدقين بالله.
وحضور الإمام والشهود ليس بلازم عند الشافعي ومالك لأنه لم يحضر رجم ماعز والغامدية.
وقال أبو حنيفة: إن ثبت بالبينة وجب على الشهود أن يبدأوا بالرجم ثم الإمام ثم الناس وإن ثبت بإقراره بدأ الإمام ثم الناس.
ثم ذكر شيئاً من خواص الزناة فقال: ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ وهو خبر في معنى النهي كقراءة عمرو بن عبد ﴿ لا ينكح ﴾ بالجزم.
ويجوز أن يكون خبراً محضاً على معنى أن عادتهم جارية بذلك.
وفي الآية أسئلة: الأول: كيف قدمت الزانية على الزاني في الآية المتقدمة وعكس الترتيب في هذه؟
والجواب أن تلك الاية مسبوقة لبيان عقوبتهما على جنياتهما وكانت المرأة أصلاً فيها لأنها هي التي أطمعت الرجل في ذلك.
وأما الثانية فمسوقة لذكر النكاح والرجل هو الأصل في الرغبة والخطبة.
والثاني: ما الفرق بين الجملتين في الآية؟
والجواب معنى الأولى صفة الزاني بكونه غير راغب في العفائف ولكن في الفواجر، ومعنى الثانية صفة الزانية بكونها غير مرغوب فيها للأعفاء، ولكن للزناة وهما معنيان مختلفان لأنه لا يلزم عقلاً من كون الزاني كذلك أن يكون حال الزانية منحصرة في ذلك فأخبره الله بالجملة الثانية عن هذا الانحصار.
الثالث أنا نرى الزاني قد ينكح المؤمنة العفيفة والزانية قد ينكحها المؤمن العفيف، وايضاً المؤمن قد يحل له التزوج بالمرأة الزانية.
الجواب للمفسرين فيه وجوه.
أحدها وهو الأحسن قول القفال: إن اللفظ وإن كان عاماً إلا أن المراد منه الأعم الأغلب، وذلك أن الفاسق الخبيث الذي من شأنه الزنا والتقحب لا يرغب في نكاح الصوالح من النساء وإنما يرغب في فاسقة خبيثة من شكله أو في مشركة، والفاسقة الخبيثة المسافحة لا يرغب في نكاحها الصلحاء في الأغلب وإنما يرغب فيها أشكالها من الفسقة أو المشركين نظير هذا الكلام قول القائل "لا يفعل الخير إلا الرجل التقي".
وقد يفعل بعض الخير من ليس بتقي.
وأما المحرم على المؤمنين فصرف الرغبة بالكلية إلى الزواني وترك الرغبة في الصالحات لانخراطهم بسبب هذا الحصر في سلك الفسقة المتسمين بالزنا.
الوجه الثاني أن الألف واللام في قوله ﴿ الزاني ﴾ وفي قوله ﴿ المؤمنين ﴾ للعهد.
روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح وقتادة أنه قدم المهاجرون المدينة وليست لهم أموال ولا عشائر وبها نساء يكرين أنفسهن وهن يومئذ أخصب أهل المدينة ولكل واحدة منهن علامة على بابها لتعرف بها وكان لا يدخل عليها إلا زانٍ أو مشرك، فرغب فيهن ناس من فقراء المسلمين وقالوا: نتزوج بهن إلى أن يغنينا الله عنهن.
فاستأذنوا رسول الله فنزلت الآية.
والتقدير: أولئك الزواني لا ينكحون إلا تلك الزانيات، وتلك الزانيات لا ينكحها إلا أولئك الزواني، وحرم نكاحهن بأعيانهن على المؤمنين.
الوجه الثالث أن هذا خبر في معنى النهي كما مر.
وهكذا كان الحكم في ابتداء الإسلام.
ثم قيل: إن ذلك الحكم باقٍ إلى الآن حتى يحرم على الزاني والزانية التزويج بالعفيفة والعفيف وبالعكس.
ويقال: هذا مذهب ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وعائشة.
ثم في هؤلاء من يسوّي بين الابتداء والدوام فيقول: كما لا يحل للمؤمن أن يتزوج بالزانية فكذلك إذا زنت تحته لا يحل له أن يقيم عليها.
ومنهم من يفصل لأن في جملة ما منع من التزوج مالا يمنع من دوام النكاح كالإحرام والعدة.
وقيل: إنه صار منسوخاً إما بالإجماع - وهو قول سعيد بن المسيب - وزيف بأن الإجماع لا ينسخ ولا ينسخ به، وإما بعموم قوله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ ﴿ فانكحوا ما طاب لكم ﴾ وهو قول الجبائي.
وضعف بأن ذلك العام مشروط بعدم الموانع السببية والنسبية وليكن هذا المانع أيضاً من جملتها.
وسئل ابن عباس عن ذلك فأجازه وشبه بمن سرق ثمر شجرة ثم اشتراه.
وعن النبي أنه سئل عن ذلك فقال: "أوّله سفاح وآخره نكاح والحرام لا يحرم الحلال" الوجه الرابع قول أبي مسلم: إن النكاح محمول على الوطء وذلك إشارة إلى الزنا أي وحرم الزنا على المؤمنين.
قال الزجاج: هذا التأويل فاسد من جهة أن النكاح في كتاب الله لم يرد إلا بمعنى التزويج، ومن جهة أن يخرج الكلام عن الفائدة إذ لا معنى لقول القائل "الزاني لا يطأ إلا الزانية" حتى يكون وطؤه زناً، ولو أريد حين التزوج فالإشكال عائد لأن الزاني قد يطأ العفيفة حين يتزوج بها.
الحكم الثاني من أحكام السورة حد القذف والرمي قد يكون بالزنا وبغيره كالكفر والسرقة وشرب الخمر، إلا أن العلماء أجمعوا على أن المراد به في الآية هو الرمي بالزنا بالقرائن: منها تقدم ذكر الزنا، ومنها ذكر المحصنات وهن العفائف، ومنها قوله ﴿ لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي على صحة ما رموها به، ومعلوم أن هذا العدد من الشهود غير مشروط إلا في الزنا، والقذف بغير الزنا يكفي فيه شاهدان.
وألفاظ القذف تتقسم إلى صريح وكناية وتعريض، فالصريح أن يقول: يا زانية أو زنيت أو زنى قبلك أو دبرك.
والأصح أن قوله "زنى بدنك" صريح لأن الفعل لكل البدن والفرج آلة.
والكناية أن يقول "يا فاسقة يا فاجرة يا خبيثة يا بنت الحرام أو امراة لا تردّ يد لامس" فهذا لا يكون قذفاً إلا أن يريده.
وكذا لو قال العربي "يا نبطي الدار واللسان" وادعت أم المقول له أنه أراد القذف فالقول قوله مع يمينه.
والتعريض ليس بقذف كقوله "يا ابن الحلال" و "أما أنا فليست أمي بزانية" وهذا قول الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه.
وقال مالك: يجب الحد فيه.
وقال أحمد وإسحق: هو قذف في حال الغضب دون حال الرضا لنا أن الأصل براءة الذمة فلا يرجع عنه بالشك ولهذا قال "ادرؤا الحدود بالشبهات" والإيذاء الحاصل بالتصريح فوق الإيذاء الحاصل بالتعريض.
حجة المخالف ما روي أن رجلين استبا في زمن عمر بن الخطاب فقال أحدهما للآخر: والله ما أرى أبي بزانٍ ولا أمي بزانية.
فاستشار عمر الناس في ذلك فقال قائل: مدح اباه وأمه.
وقال آخرون قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا.
فجلده عمر ثمانين.
وإذا قذف شخصاً واحداً مراراً فإن اراد بالكل زنية واحدة كما لو قال مراراً؟زنيت بعمرو" لم يجب إلا حد واحد.
ولو أنشأ الثاني بعد ما حد للأول عزر للثاني.
وإن أراد زنيات مختلفة كأن قال "زنيت بزيد وزنيت بعمرو" فالأصح تداخل الحدود لأنهما حدان من جنس واحد فصار كما لو قذف زوجته مراراً يكتفي بلعان واحد.
وإذا قذف جماعة بكلمات أو بكلمة واحدة كأن قال "يا ابن الزانيين" فعليه حدان لأنه قذف لكل واحد من أبويه، هذا هو الجديد من قولي الشافعي.
وعند أبي حنيفة لا يجب إلا حد واحد لأن قوله ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ معناه كل من رمى جماعة من المحصنات فاجلدوه ثمانين، ولأنه قال الهلال بن أمية "أو حدّ في ظهرك" فلم يوجب عليه إلا حداً واحداً مع قذفه لامرأته.
ولشريك بن سحماء للقياس على من زنى مراراً أو شرب أو سرق مراراً والجامع رفع مزيد الضرر.
وأجيب بأن قوله ﴿ والذين ﴾ صيغة جمع وقوله ﴿ المحصنات ﴾ كذلك.
وإذا قوبل الجمع بالجمع يقابل الفرد بالفرد فيصير المعنى: كل من رمى محصنة فاجلدوه.
وفيه أن رمي المحصنة علة الجلد فحيث وجدت وجد.
ولا شك أن هذه العلة موجودة عند رمي كل واحدة من المحصنات فيترتب عليها الجلد لا محالة.
وأما السنة فالإنصاف أن دلالتها على المطلوب قوية، وأما القياس فالفرق أن هذا الآدمي وتلك حدود الله .
هذا كله هو البحث عن الرمي.
وأما البحث عن الرامي فنقول: لا عبرة بقذف الصبي والمجنون إلا في باب التعزير للتأديب إن كان لهما تمييز ولو لم يتفق إقامة التعزير على الصبي حتى بلغ.
قال القفال: يسقط التعزير لأنه كان للزجر.
والعقل زاجر قوي وإشارة الأخرس وكتابته قذف ولعان عند الشافعي قياساً على سائر الأحكام، ولأنه كافٍ في لحوق العار.
وعند ابي حنيفة لا يصح قذفه ولعانه لضعف تاثيرهما.
وإذا قذف العبد حراً فعليه أربعون جلدة قاله مالك والشافعي وابو حنيفة واصحابه على قانون قوله ﴿ فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ﴾ وعند الشيعة ويروى عن علي أنه يجلد ثمانين أخذاً بعموم الآية، ولهذا اتفقوا على دخول الكافر فيه حتى لو قذف اليهودي مسلماً جلد ثمانين.
ويستثنى من الرماة الأب أو الجد إذا قذف أولاده أو أحفاده فإنه لا يجب عليه الحد كما لا يجب عليه القصاص.
وأما البحث عن المرمي فالمحصنات العفائف لأنهن منعن فرجهن إلا من زوجهن وهي عامة إلا أن الفقهاء اعتبروا لكونها محصنة شرائط خمساً: الإسلام لقوله "من أشرك بالله فليس بمحصن" والعقل والبلوغ لأن المجنون والصبي لا اهتمام لهما بدفع العار عن أنفسهما، والحرية لمثل ما قلناه، والعفة لأن الحد شرع لتكذيب القاذف فإذا كان صادقاً فلا معنى للحد حتى لو زنى مرة في عنفوان شبابه ثم تاب وحسنت حاله لم يحد قاذفه بخلاف ما لو زنى في حال صغره أو جنونه ثم بلغ أو أفاق فقذفه قاذف فإنه يحد لأن فعل الصبي والمجنون لا يكون زنا.
ولو زنى بعد القذف وقبل إقامة الحد على القاذف سقط الحد عن قاذفه.
قال أبو حنيفة والشافعي لأن ظهور الزنا منه خدش ظن الإحصان به وقت القذف، ودل على أنه كان متصفاً به قبله كما روي أن رجلاً زنى في عهد عمر فقال: والله ما زنيت إلا هذه.
فقال عمر: كذبت إن الله لا يفضح عبده في أول مرة.
وقال أحمد والمزني وأبو ثور: الزنا الطارئ لا يسقط الحد عن القاذف.
ولفظ المحصنات لا يتناول الرجال عند جمهور العلماء إلا أنهم أجمعوا على أنه لا فرق في هذا الباب بين المحصنين والمحصنات والقذف بغير الزنا كأن يقول "يا آكل الربا" يا "شارب الخمر" يا "يهودي" يا "مجوسي" يا "فاسق" وكذا قذف غير المحصنين بالزنا لا يوجب الا التعزير، ولو كان المقذوف معروفاً بما ذكره فلا تعزير أيضاً.
واعلم أنه حكم على القاذف إذا لم يأت بأربعة شهداء بثلاثة أحكام: جلد ثمانين وبطلان الشهادة والحكم بفسقه إلى أن يتوب.
فذهب جمع من الأئمة كالشافعي والليث بن سعد إلى أنه رتب على القذف مع عدم الإتيان بالشهداء الأربعة أموراً ثلاثة معطوفة بعضها على بعض بالواو وهو لا يفيد الترتيب، فوجب أن لا يكون رد الشهادة مرتباً على إقامة الحد، بل يجب أن يثبت رد الشهادة بالقذف مع عدم البينة سواء اقيم عليه الحد أم لا.
وقال مالك وأبو حنيفة واصحابه: شهادته مقبولة ما لم يحد فإذا استوفى لم تقبل شهادته.
وإنما ذهب إلى هذا نظراً إلى ظاهر الترتيب مع موافقته للأصل وهو كونه مقبول الشهادة ما لم يطرأ مانع ولقوله "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدوداً في قذف" أخبر ببقاء عدالته ما لم يحدّ.
أما الاستثناء في قوله ﴿ إلا الذين تابوا ﴾ فإنه لا يرجع إلا الجملة الأولى اتفاقاً لأنه إذا عجز عن البينة وهو الإتيان بأربعة شهداء وجب عليه الجلد ولم يكن للإمام ولا للمقذوف أن يعفو عن القاذف لأنه خالص حق الله عز وجل، ولهذا لا يصح أن يصالح عنه بمال.
هذا قول أبي حنيفة وأصحابه.
وقال الشافعي: إذا عجز عن البينة وجب على الإمام وهو المخاطب بقوله ﴿ فاجلدوهم ﴾ أن يأمر بجلده وإن تاب لأن القذف وحده حق الآدمي والمغلب فيه حقه، فليس للإمام أن يعفو عنه.
ولا خلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة وأن المراد أنهم محكوم عليهم بالفسق.
إلا أن تابوا.
بقي الخلاف في رجوع الاستثناء إلى الجملة المتوسطة، منشأ الخلاف مسألة أصولية هي أن الاستثناء بعد جمل معطوف بعضها على بعض للجميع وهو مذهب الشافعية، أو للاخيرة وهو مذهب الحنفية، ويتفرع على مذهب الشافعي أن القاذف إذا تاب وحسنت حاله قبلت شهادته فيكون الأبد مصروفاً إلى مدة كونه قاذفاً وهي تنتهي بالتوبة والرجوع عن القذف.
ويتفرغ على مذهب أبي حنيفة أنه لم تقبل شهادته وإن تاب والأبد عنده مدة حياته.
وقوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ جملة مستأنفة عنده لا معطوفة لأنها خبرية وما قبلها طلبية، ولو سلم أنها معطوفة فالاستثناء يرجع إليها فقط.
قال صاحب الكشاف: حق المستثنى عند الشافعي أن يكون مجروراً بدلاً من هم في لهم، وحقه عند أبي حنيفة أن يكون منصوباً لأنه عن موجب.
قلت: حقه عند الإمامين أن يكون منصوباً لأن الاستثناء يعود عند الشافعي إلى الجملتين، ولا يمكن أن يكون الاسم الواحد معرباً بإعرابين مختلفين في حالة واحدة، لكنه يجب نصبه نظراً إلى الأخيرة فتعين نصبه نظراً إلى ما قبلها أيضاً، وإن جاز البدل في غير هذه المادة.
هذا وقد احتجت الشافعية أيضاً في قبول شهادة القاذف بعد التوبة بقوله "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" وإذا كانت التوبة من الكفر والزنا والقتل مع غلظها مقبولة فلأن تقبل من القذف أولى.
وأيضاً إن أبا حنيفة يقبل شهادته قبل الحد فبعده وقد تاب وحسن حاله أولى.
وأيضاً الكافر يقذف فيتوب من الكفر فتقبل شهادته بالإجماع، فالقاذف المسلم إذا تاب من القذف كان أولى بأن تقبل شهادته لأن القذف مع الإسلام أهون حالاً من القذف مع الكفر.
لا يقال: المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لاشتهارهم بعداوتهم والطعن فيهم فلا يلحق المقذوف بقذف الكافر عار حادث بخلاف ما لو قذفه مسلم.
وأيضاً الإيمان يجب ما قبله وبهذا لا يلزم الحد بعد التوبة من الكفر ويلزم بعد التوبة من القذف لأنا نقول: هذا الفرق ملغى في أهل الذمة لقوله "لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" واحتجت الحنفية في عدم قبول شهادته بما روى ابن عباس في قصة هلال بن أمية يجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين ولم يشترط التوبة، ومثله قوله "المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدود في قذف" ولم يذكر التوبة.
وروى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أن رسول الله قال "لا تجوز شهادة محدود في الإسلام" والشافعية عارضوا هذه الحجج بوجوه: منها قوله "إذا علمت مثل الشمس فاشهد" فإذا علم المحدود وجبت عليه الشهادة ولو لم يقبل كان عبثاً.
ومنها قوله نحن نحكم بالظاهر، وههنا قد ظهرت العفة والصلاح.
ومنها أن عمر بن الخطاب ضرب الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة وهم ابو بكرة ونافع ونفيع ثم قال لهم: من أكذب نفسه قبلت شهادته.
فأكذب نافع ونفيع أنفسهما وتابا فكان يقبل شهادتهما.
وقد بقي في الآية مسائل.
الأولى: قال الشافعي: لا فرق بين أن يجيء الشهود متفرقين أو مجتمعين.
وقال أبو حنيفة: إذا جاؤوا متفرقين لم يثبت وعليهم حد القذف كما لو شهد على الزنا أقل من أربعة.
حجة الشافعي أن الآتي بالشهداء متفرقين آتٍ بمقتضى النص واجتماعهم أمر زائد لا إشعار به في الآية.
وأيضاً القياس على سائر الأحكام بل تفريقهم أولى لأنه ابعد عن التهمة والتواطؤ.
وكذلك يفعل القاضي في كل حكم سواه عند الريبة.
وايضاً لا يجب أن يشهدوا معاً في حالة واحدة بل إذا اجتمعوا عند القاضي ويقوم واحد بعد آخر ويشهد جاز فكذا إذا اجتمعوا على بابه ويدخل واحد بعد آخر.
حجة أبي حنيفة الشاهد الواحد لما شهد قذفه ولم يأت بأربعة شهداء فوجب عليه الحد فخرج عن كونه شاهداً، ولا عبرة بتسميته شاهد إذا فقد المسمى فلا خلاص عن هذا الإشكال إلا باشتراط الاجتماع، ونظيره ما روي أن المغيرة بن شعبة شهد عليه بالزنا عند عمر بن الخطاب اربعة: أبو بكرة ونافع ونفيع.
وقال زياد: وكان رابعهم: رايت رجليها على عاتقه كأذني حمار ولا أدري ما وراء ذلك.
فجلد عمر الثلاثة ولم يسأل هل معهم شاهد آخر.
فلو قبل بعد ذلك شهادة غيرهم لتوقف في الحد للاحتياط.
الثانية: جوّز أبو حنيفة أن يكون زوج المقذوفة واحداً من الشهداء الأربعة وأباه الشافعي.
الثالثة: قال الشافعي: في أحد قوليه: إذا أتي بأربعة فساق فهم قذفه يجب عليهم الحد كما يجب على القاذف الأول.
وقال أبو حنيفة: لا حد عليهم ولا على القاذف لأنه أتى باربعة من أهل الشهادة إلا أن الشرع لم يعتبر شهادتهم، فكما اعتبرنا التهمة في نفي الحد عن المشهود عليه فكذلك يجب اعتبارها في نفي الحد عنهم.
الرابعة: لا يكفي في الشهادة إطلاق الزنا لا بد ان يذكروا التي زنى بها وأن يذكروا الزنا مفصلاً مفسراً فيقولوا: رأيناه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في المكحلة أو كالرشا في البئر، ولا بد مع ذلك من الوصف بالتحريم.
ولو أقر على نفسه بالزنا فهل يشترط التفسير والبيان؟
فيه وجهان: نعم كالشهود لا كالقذف.
الخامسة: قالوا: أشد الحدود ضرب الزنا ثم ضرب الخمر ثم القذف لأن سبب عقوبته يحتمل الصدق والكذب.
إلا أنه عوقب صيانة للأعراض.
السادسة: حد القذف يورث عند مالك والشافعي بناء على أنه حق الآدمي.
وقد قال "من ترك حقاً فلورثته" والأصح أنه يرثه جميع الورثة.
وفي قول سوى الزوج والزوجة لأن الزوجية ترفع بالموت، ولأن لحوق العار بها أقل.
وعلى هذا القول اعتراض أبو حنيفة بأنه لو كان موروثاً لكان للزوج والزوجة فيه نصيب.
السابعة: إذا قذف إنسان إنساناً بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل والرجل غائب فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلاناً قد قذفك وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له حق على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه، وبهذا المعنى بعث النبي أنيساً ليخبرها بأن فلاناً قذفها بابنه ولم يبعثه ليتفحص عن زناها.
قال الشافعي: وليس للإمام إذا رمى رجل بالزنى أن يبعث إليه فيساله عن ذلك لأن الله تعالى قال ﴿ ولا تجسسوا ﴾ وأراد به إذا لم يكن القاذف معيناً كأن قال رجل بين يدي الحاكم: الناس يقولون إن فلاناً زنى: فلا يبعث الحاكم إليه فيساله.
الثامنة: قال الشافعي: توبة القاذف إكذابه نفسه.
وفسره الأصطخري بأن يقول: كذبت فيما قلت فلا أعود إلى مثله.
وقال أبو إسحق: لا يقول كذبت لأنه ربما يكون صادقاً فيكون قوله كذبت كذباً والكذب معصية والإتيان بالمعصية لا يكون توبة عن معصية أخرى بل يقول: القذف باطل وندمت على ما قلت ورجعت عنه ولا أعود إليه.
ولا بد من مضيّ مدة عليه في حسن الحال وهو المراد بقوله ﴿ واصلحوا ﴾ وقدّروا تلك المدة بسنة لأن مرور الفصول الأربعة كلها له تاثير في الطباع.
وأن الشارع جعل السنة معتبرة في الزكاة والجزية وغيرهما.
أما قوله ﴿ وأولئك هم الفاسقون ﴾ ففيه دليل على أن القذف من جملة الكبائر، وأن الفاسق اسم من يستحق العقاب لأنه لو كان مشتقاً من فعله لكانت التوبة لا تمنع من دوامه كما لا تمنع من وصفه بأنه ضارب، اللهم إلا أن يقال: إنما لا يطلق عليه هذا الاسم بعد التوبة للتعظيم كما لا يقال الأكابر الصحابة كافر لكفر سبق.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دلالة على أن قبول التوبة لا يجب عليه وإلا لم يفد المدح.
الحكم الثالث: اللعان وسببه قذف الزوجات خاصة.
القذف أمر محظور في نفسه إلا إذا عرض ما يباح أو يجب به.
وتفضيل ذلك أنه إن رآها الزوج بعينه تزني، أو أقرت هي على نفسها ووقع في قلبه صدقها، أو سمع ممن يثق بقوله، أو استفاض بين الناس أن فلاناً يزني بفلانة وقد رآه الزوج يخرج من بيتها، أو رآه معها في بيت، أبيح له القذف لتأكيد التهمة.
ويجوز أن يمسكها أو يستر عليها لما روي أن رجلاً قال: يا رسول الله إن لي امرأة لا تردّ يد لامس.
قال: طلقها.
قال: إني أحبها.
قال: فأمسكها أما إذا سمعه ممن لا يوثق بقوله، أو استفاض ولكن لم يره الزوج معها أو بالعكس لم يحل له قذفها لأنه ربما دخل لخوف أو سرقة أو لطلب فجور وابت المرأة هذا كله إذا لم يكن ثمة ولد يريد نفيه، فإن كان ثمة ولد فإن تيقن أنه ليس منه بأن لم يكن وطئها أو وطئها لكنها أتت به لأقل من ستة اشهر من وقت الوطء أو لأكثر من أربع سنين يجب عليه نفيه باللعان لأنه ممنوع من استلحاق نسب الغير كما هو ممنوع من نفي نسبه.
قال رسول الله "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء ولن يدخلها الله جنته.
وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه يوم القيامة وفضحه على رؤوس الشهاد من الأولين والآخرين" وإن احتمل أن يكون الولد منه بأن أتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الوطء ولأقل من أربع سنين، فإن لم يكن استبرأها بحيضة أو استبرأها وأتت به لدون ستة أشهر من وقت الاستبراء لم يحل له القذف والنفي، وإن اتهمها بالزنا وإن استبرأها وأتت به لأكثر من ستة أشهر من وقت الاستبراء يباح له القذف والنفي، والأولى أن لا يفعل لأنها قد ترى الدم على الحبل.
وإن أتت امرأته بولد لا يشبهه كأن كانا أبيضين وأتت به أسود فإن لم يتهمها بالزنا فليس له نفيه لما "روى أبو هريرة أن رجلاً قال للنبي : إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فقال: هل لك من إبل؟قال: نعم.
قال:ما لونها؟
قال: حمر.
قال: فهل فيها أورق؟
قال: نعم قال: فكيف ذاك؟
قال: نزعه عرق.
قال: فلعل هذا نزعه عرق" .
وإن كان يتهمها بزنا أو برجل فأتت بولد يشبهه فهل يباح نفيه؟
فيه وجهان: أما سبب نزول الاية فقد قال ابن عباس: لما نزلت الآية المتقدمة قال عاصم بن عدي الأنصاري: إذا دخل منا رجل بيته ووجد رجلاً على بطن امرأته فإن جاء بأربعة رجال يشهدون بذلك فقد قضى الرجل حاجته وخرج، وإن قتله قتل به، وإن قال: وجدت فلاناً مع تلك المرأة ضرب، وإن سكت سكت على غيظ، اللهم افتح.
وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وله امرأة يقال لها خولة بنت قيس، فأتى عويمر عاصماً وقال: رأيت شريك بن السحماء على بطن امرأتي خولة فاسترجع عاصم وأتى رسول الله في الجمعة الأخرى فقال: يا رسول الله ما أسرع ما ابتليت بهذا في أهل بيتي.
أخبرني عويمر أنه رأى شريكاً على بطن امرأته، وكان عويمر وخولة وشريك كلهم أبناء عم عاصم.
فدعاهم رسول الله جميعاً وقال لعويمر: اتق الله في زوجتك وابنة عمك ولا تقذفها.
فقال: يا رسول الله أقسم بالله أني رأيت شريكاً على بطنها وأني ما قربتها منذ أربعة اشهر وأنها حبلى من غيري.
فقال لها رسول الله : اتقي الله ولا تخبري إلا بما صنعت.
فقالت: يا رسول الله إن عويمراً رجل غيور وإنه رأى شريكاً يطيل التردد ويتحدث فحملته الغيرة على ما قال فأنزل الله هذه الآيات.
﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ إلى آخرها.
فأمر رسول الله حتى نودي بالصلاة جامعة فصلى العصر ثم قال لعويمر: قم وقل أشهد بالله أن خولة لزانية وإني لمن الصادقين.
ثم قال في الثانية قل أشهد بالله إني رايت شريكاً على بطنها وإني لمن الصادقين.
ثم قال في الثالثة: قل أشهد بالله أنها حبلى من غيري وإني لمن الصادقين.
ثم قال في الرابعة: قل أشهد بالله إنها زانية وإني ما قربتها منذ أربعة أشهر وإني لمن الصادقين.
ثم قال في الخامسة: قل لعنة الله على عويمر يعني نفسه إن كان من الكاذبين فيما قاله.
ثم قال: اقعد.
وقال لخولة: قومي فقامت.
وقالت: أشهد بالله ما أنا بزانية وإن زوجي عويمراً لمن الكاذبين.
وقالت في الثانية: اشهد بالله ما رأى شريكاً على بطني وإنه لمن الكاذبين.
وقالت في الثالثة: اشهد بالله إني حبلى منه وإنه لمن الكاذبين.
وفي الرابعة: أشهد بالله إنه ما رآني على فاحشة قط وإنه لمن الكاذبين.
وفي الخامسة: غضب الله على خولة إن كان عويمر من الصادقين في قوله.
ففرق رسول الله بينهما.
وعن ابن عباس أيضاً في رواية الكلبي أن عاصماً رجع إلى أهله فوجد شريكاً على بطن امرأته فأتى رسول الله والحديث كما تقدم.
وفي رواية عكرمة عن ابن عباس: "لما نزلت آية القذف قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار: ولو وجدت رجلاً على بطنها فإني إن جئت بأربعة شهداء يكون قد قضى حاجته وذهب.
فقال : يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم؟
قالوا: يا رسول الله لا تلمه فإنه رجل غيور.
فقال سعد: يا رسول الله إني لأعرف أنها من الله وأنها حق ولكني عجبت منه.
فقال : فإن الله أبى لي ذلك فلم يلبثوا إلا يسيراً حتى جاء ابن عم له يقال له هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم فقال: يا رسول الله إني وجدت مع امرأتي رجلاً رأيت بعيني وسمعت باذني، فكره رسول الله ما جاء به فقال هلال: والله يا رسول الله إني لأرى الكراهية في وجهك مما أخبرتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلت إلا حقاً.
فقال رسول الله : إما البينة وإما إقامة الحد عليك.
فاجتمعت الأنصار فقالوا: ابتلينا بما قال سعد.
فبيناهم كذلك إن نزل الوحي فقال: يا هلال أبشر فقد جعل الله لك فرجاً وأمر بالملاعنة وفرق بينهما وقال: أبصروها فإن جاءت به اصهب أحمش الساقين أي دقيقهما فهو لهلال، وإن جاءت به اورق جعداً خدلج الساقين.
اي ضخمهما فهو لصاحبه.
فجاءت به خدلج الساقين فقال : لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.
قال عكرمة: لقد رأيته بعد ذلك أمير مصر من الأمصار لا يدري من أبوه" واعلم أن الفرق بين قذف غير الزوجة وبين قذف الزوجة هو أن المخلص من الحد في الأول إقرار المقذوف بالزنا أو بينة تقوم على زناة، وفي الثانية المخلص أحد الأمرين أو اللعان.
وسبب شرع اللعان هو أنه لا مضرة على الزوج في زنا الأجنبي والأولى له ستره، وأما في زنا الزوجة فيلحقه العار والشنار والسنب الفاسد فلا يمكنه الصبر عليه وتوقيفه على البينة كالمتعذر.
وأيضاً الغالب أن الرجل لا يقصد رمي زوجته إلا عن حقيقة، فنفس الرمي دليل على صدقه إلا أن الشرع أراد كمال شهادة الحال بقرينة الإيمان كما أن شهادة المرأة حين ضعفت أكدت بزيادة العدد فمن هنا قال كثير من العلماء: إن حد قاذف الزوجة كان هو الجلد وإن الله نسخه باللعان.
ولنذكر ههنا مسائل: الأولى: قال الشافعي: إذا نكل الزوج عن اللعان لزمه الحد للقذف، فإذا لاعن ونكلت عن اللعان لزمها حد الزنا.
وقال أبو حنيفة: إذا نكل الزوج يحبس حتى يلاعن وكذا المرأة.
حجة الشافعي إذا لم يأت بالمخلص وهو الملاعنة وجب الرجوع إلى مقتضى آية القذف وهو الحد.
وايضاً قوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب ﴾ ليست اللام فيه للجنس لأنه لا يجب عليها جميع أنواع العذاب، ولأن الآية تصير إذ ذاك مجملة فهو للعهد ولا معهود في الاية إلا حد القذف، ولقوله لخولة الرجم أهون عليك من غضب الله.
وللمرأة أن تقول: إن كان الرجل صادقاً فحدّوني وإن كان كاذباً فخلوني فما بالي والحبس وليس حبسي في كتاب الله ولا سنة رسوله.
حجة أبي حنيفة أن النكول ليس بصريح في الإقرار فلا يجوز إثبات الحد به كاللفظ المحتمل للزنا وغيره.
الثانية: الجمهور على أنه إذا قال "يا زانية" وجب اللعان لعموم قوله ﴿ والذين يرمون ﴾ وقال مالك: لا يلاعن إلا أن يقول: رأيتك تزني وينفي حملاً بها أو ولداً منها.
الثالثة: قال الشافعي: من صح رميه صح لعانه فلا يشترط إلا التكليف، ويجري اللعان بين الذميين والمحدودين والرقيقين.
وذهب أبو حنيفة إلى ان الزوج ينبغي أن يكون مسلماً حراً عاقلاً بالغاً غير محدود في القذف، والمرأة ينبغي أن تكون بهذه الصفة مع العفة.
فإذا كان الزوج عبداً أو محدوداً في قذف والمرأة محصنة حدّ كما في قذف الأجنبيات.
دليل الشافعي عموم قوله ﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ والإجماع.
على أنه يصح لعان الفاسق والأعمى وإن لم يكونا من أهل الشهادة، فكذا القول في غيرهما، والجامع هو الحاجة إلى دفع العار.
دليل أبي حنيفة حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي من النساء من ليس بينهن وبين أزواجهن ملاعنة اليهودية والنصرانية تحت المسلم والحّرة تحت المملوك والمملوكة تحت الحر.
وأيضاً اللعان بين الزوجات قائم مقام الحد في الأجنبيات فلا يجب اللعان على من لا يجب عليه الحد لو قذفها أجنبي.
وأيضاً اللعان شهادة لقوله ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ وقد جاء مثله في أحاديث اللعان.
وإذا كان شهادة وجب أن لا يقبل من المحدود في القذف ولا من العبد والكافر.
أجاب الشافعي بأن اللعان يمين مؤكدة بلفظ الشهادة أو يمين فيها شائبة الشهادات فلا يشترط في الملاعن إلا أهلية لليمين، ومما يدل على أنه يمين قوله لهلال بن أمية: احلف بالله الذي لا إله إلا هو إنك صادق.
وقوله: لولا الإيمان لكان لي ولها شأن.
وأيضاً لو كان شهادة لكان حظ المرأة ثمان شهادات لأنها على النصف من الرجل، ولم يجز لعان الفاسق والأعمى لأنهما ليسا من أهل الشهادة.
لا يقال: الفاسق والفاسقة قد يتوبان لأنا نقول: العبد أيضاً قد يعتق، بل العبد إذا عتق تقبل شهادته في الحال، والفاسق إذا تاب لا تقبل شهادته إلا بعد الاختبار.
ثم ألزم الشافعي أبا حنيفة بأن شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض مقبولة فينبغي أن يجوز اللعان بين الذمي والذمية.
ثم قال الشافعي بعد ذلك: وتختلف الحدود لمن وقعت له، ومعناه أن الزوج إن لم يلاعن ينصف الحد عليه برقه، وإن لاعن ولم تلاعن اختلف حدها بإحصانها وحريتها ورقها.
الرابعة: اختلف المجتهدون في نتائج اللعان، فعن عثمان البتي أنه لا يحصل به الفرقة أصلاً لأن أكثر ما فيه أن يكون الزوج صادقاً في قذفه وهذا لا يوجب تحريماً كما لو قامت البينة عليها.
وأيضاً إن تلاعنهما في بيتهما لا يوجب الافتراق فكذا عند الحاكم.
وأيضاً إنه قائم مقام الشهود في الأجنبيات فلا يكون له تأثير إلا في إسقاط الحد.
وأيضاً إذا أكذب الزوج نفسه ثم حدّ لا يوجب الفرقة فكذا اللعان.
وأما تفريق النبي بين المتلاعنين في قصة العجلاني فذلك لأن الزوج كان طلقها ثلاثاً قبل اللعان.
وعن أبي حنيفة وأصحابه إلاَّ زفر، أن الحاكم يفرق بينهما لما روى سهل بن سعد: مضت السنة في المتلاعنين أن يفرق بينهما ثم يجتمعان أبداً، ولما في قصة عويمر كذبت عليها إن أمسكتها هي طالق ثلاثاً، فلو وقعت الفرقة باللعان لم يمكن إمساكها.
وقال مالك والليث وزفر: إذا فرغا من اللعان وقعت الفرقة بينهما وإن لم يفرق الحاكم، لأنهما لو تراضيا على دوام النكاح لم يخليا فدل ذلك على وقوع الفرقة بينهما.
وقال الشافعي: إذا فرغ الزوج وحده من اللعان حصل بذلك خمس نتائج: درء الحد عنه، ونفي الولد، والفرقة، والتحريم المؤبد، ووجوب الحد عليها.
ولا تأثير للعان الزوجة إلا في دفع العذاب عن نفسها، وما روي أنه فرق بينهما محمول على أنه أخبر عن وقوع الفرقة بينهما.
وزعم ابو بكر الرازي أن قول الشافعي خلاف الآية، لأنه لو وقعت الفرقة بلعان الزوج لاعنت المرأة وهي أجنبية، ولكنه أوجب اللعان بين الزوجين، وأيضاً اللعان شهادة فلا يثبت حكمها إلا عند الحاكم كسائر الشهادات.
وأيضاً اللعان تستحق به المرأة نفسها كما يستحق المدعي ما ادعاه بالبينة فيتوقف على حكم الحاكم.
وأيضاً اللعان لا إشعار فيه بالتحريم فهو كما لو قامت البينة على زناها فلا بد من إحداث التفريق إما من قبل الزوج أو من قبل الحاكم.
ولقائل أن يقول: سميا زوجين باعتبار ما كان كالعبد على من عتق، ولا نسلم أن اللعان شهادة محضة.
ومما يؤكد قول الشافعي تنصيص الله على ذلك بقوله ﴿ ويدرأ عنها العذاب أن تشهد ﴾ ففيه دلالة على أن كل ما يجب باللعان من الأحكام فقد وقع بلعان الزوج إلا درء العذاب.
وأيضاً أن لعان الزوج مستقل بنفي الولد لأن الاعتبار في الإلحاق بقوله لا بقولها، ألا ترى أنها في لعانها تلحق الولد به ونحن ننفيه عنه، وإذا انتفى الولد عنه بمجرد لعانه وجب أن يكون الفراش زائلاً لقوله "الولد للفراش".
الخامسة: مذهب مالك والشافعي وأبي يوسف والثوري وإسحق، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبداً وهو قول علي وابن مسعود.
ولما روي الزهري من حديث سهل بن سعد، ولما روي أنه قال للمتلاعنين بعد اللعان لا سبيل لك عليها.
ولم يقل حتى تكذب نفسك ولو كان إلا كذاب غاية لهذه الحرمة، وأنه إذا أكذب نفسه وحدّ زال تحريم العقد وحلت له بنكاح جديد لذكرها رسول الله كما قال ﴿ فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره ﴾ وقد يحتج لأبي حنيفة بعموم قوله ﴿ فانكحوا ما طاب لكم من النساء ﴾ وقوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم ﴾ .
السادسة: اتفق أهل العلم على أن الولد ينتفي من الزوج باللعان.
وخالف بعضهم مستدلاً بقوله "الولد للفراش" وزيف بأن الأخبار الدالة على أن الولد ينتفي باللعان كالمتواترة فلا يعارضها الواحد بل يجب تخصيصه بها.
السابعة: لو أتى ببعض كلمات اللعان لا يتعلق بها الحكم عند الشافعي وهو ظاهر وعن أبي حنيفة أن للأكثر حكم الكل إذا حكم به الحاكم.
الثامنة: كيفية اللعان كالصريحة في الاية وأن الحديث قد زادها بياناً كما مر.
وقد عد الشافعي ومن سننها أن يقام الرجل حتى يشهد والمرأة قاعدة، وتقام المرأة حتى تشهد والرجل قاعد، ويأمر الإمام من يضع يده على فيه عند الانتهاء إلى العنة ويقول له القاضي أو صاحب المجلس: اتق الله فإنها موجبة.
وهكذا يقال للمرأة إذا انتهت إلى الغضب.
ومما يستحب في اللعان ولا يجب على الأصح، التغليظ بالزمان.
وهو ما بعد صلاة العصر ولا سيما عصر يوم الجمعة، وبالمكان وذلك بمكة بين الركن والمقام، وبالمدينة بين المنبر والمدفن، وفي سائر البلاد عند المنبر في المسجد الجامع ايضاً وهو المقصورة، وفي بيت المقدس في المسجد القصى عند الصخرة، ولليهود في الكنيسة، وللنصارى في البيعة، وللمجوس في بيت نارهم، وإذا لم يكون له دين ففي مساجدنا إلا في المسجد الحرام.
ولا بد من حضور الحاكم سواء كان مدار اللعان على اليمين أو على الشهادة، ولا بد من حضور جمع من الأعيان أقلهم أربعة.
التاسعة: قال جار الله: إنما خصت الملاعنة بأن تخمس بغضب الله تغليظاً عليها لأنها أصل الفجور ومنبعه بخلابتها وإطماعها ولذلك كانت متقدمة في آية الجلد.
العاشرة: في فوائد متعلقة بالآية منها: إبطال الجمهور وقول الخوارج إن الزنا والقذف كفر، وذلك أن الرامي إن صدق فهي زانية وإن كذب فهو قاذف، فلا بد من كفر أحدهما والردة توجب الفرقة من غير لعان: ومنها إبطال قول من زعم أن الزنا يوجب فساد النكاح لأن رمي الزوج إياها اعتراف منه بزناها بل بفساد النكاح على قول هذا القائل فتحصل الفرقة بلا لعان.
ومنها أن المعتزلة قالوا: المتلاعنان يستحقان اللعن أو الغضب الموجبين للعقاب الأبدي المضاد للثواب وذلك يدل على خلود الفساق في النار.
أجابت الاشاعرة بأن كونه مغضوباً عليه بفسقه لا ينافى كونه مرضياً عنه بجهة إيمانه فلا بد أن يحصل له بعد العقاب ثواب.
ثم أخبر عن كمال رافته بقوله ﴿ ولولا فضل الله عليكم ورحمته ﴾ أي فيما بين من هذه الأحكام وفيما أمهل وأبقى ومكن من التوبة.
وجواب "لولا" محذوف أي لهلكتم أو فضحتم أو لكان ما كان من أنواع المفاسد.
وإنما حسن حذفه ليذهب الوهم كل مذهب فيكون أبلغ في البيان فرب مسكوت عنه ابلغ من منطوق به.
التأويل: النفس الزانية المستسلمة لتصرفات الشيطان والدنيا فيها، والروح الزاني بتصرفه في الدنيا وشهواتها المنهية عنها ﴿ فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ﴾ من الجوع وترك الشهوات والمرادات، ومن حملهما على المخالفات.
ولعل السر في تخصيص هذا العدد هو أن ساعات اليوم بليلته اربع وعشرون منها: أربع ساعات لأجل النوم ﴿ إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ﴾ والباقية يجب فيها مراقبة الحواس الخمس وتأديبهن بآداب الشرع والعقل، فيكون المجموع مائة وتأديبة يحصل نتائجها وكمالها للنفس والروح والله أعلم.
﴿ وليشهد عذابهما ﴾ ولتكن هذه التزكية والتأديبات بمحضر شيخ واصل كامل يحفظه من طرفي الإفراط والتفريط ﴿ الزاني لا ينكح ﴾ فيه أن الطبع يسرق والجنس إلى الجنس يميل، فأهل الفساد لا ترغب إلا في صحبة أمثالهم من أهل الفساد كما أن أرباب السداد لا تطمح إلا إلى صحبة أمثالهم من أرباب السداد.
﴿ وحرم ذلك ﴾ الذي قلنا من اختلاط الأشرار ﴿ على المؤمنين ﴾ ﴿ والذين يرمون المحصنات ﴾ أي الأرواح الذين ينسبون إلى نقصان النفوس المستعدات للكمالات ﴿ ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ﴾ أي لم يكن خواص العناصر الأربعة ظاهرة على صفحات أحوالهن كما مر تقريره في أول النساء في قوله { ﴿ فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ﴾ ولم تبلغ الملكات الذميمة منهن مرتبتها.
الرابعة كالكاتب يكتب بالفعل ﴿ فاجلودهم ثمانين جلدة ﴾ مر وهم بالخلوة أربعين يوماً وأربعين ليلة حتى يظهر لهم كمال حال النفوس في الموافقة لهم ولا تقبلوا لهم بعد ذلك شهادة عليهن، وأولئك هم الذين يريدون أن يخرجوا عن طاعة الله بقدر نسبة النقصان إلى النفوس المستعدة.
﴿ والذين يرمون أزواجهم ﴾ وهن القوالب المزدوجة بالأرواح ﴿ ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم ﴾ لأنه لا يطلع على أحوال القالب إلا الروح ﴿ فشهادة أحدهم أربع شهادات ﴾ هي الأسنان الأربعة التي فيها تحصل التربية والاستكمال.
﴿ والخامسة ﴾ وهي حالة حلول الأجل اللعنة والغضب والعذاب الأبدي وما تولد منهما من الصفات الذميمة ينسبها الروح إلى ثالث هو الشيطان، وينسبها القالب إلى الروح الذي يدبره ويتصرف فيه.
والافتراق الذي يحصل بينهما ليس بالصورة بل المعنى لأن الروح يميل إلى العالم العلوي والقالب إلى العالم السفلي لعدم الموافقة بينهما وهو أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ .
ذكر الرمي ولم يذكر بم؟
فيعرف ذلك بالنازلة، ولقوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ ، وذكر الأربعة الشهود، والزنا هو المخصوص بالشهود الأربعة دون غيره من الإجرام؛ فدل ذكر ذلك على أثر ذلك على أن الرمي المذكور فيه هو الزنا.
ثم قوله: ﴿ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ : هن الحرائر في هذا الموضع لا العفائف؛ لأن قاذف الأمة يلزمه التعزير؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ...
﴾ الآية [النساء: 25]؛ [و] ألا ترى أنه أوجب على الإماء نصف ما على المحصنات وهن الحرائر.
ولأنا لو جعلنا ﴿ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ عبارة وكناية عن العفائف دون الحرائر لأسقطنا شهادة الشهود؛ لأن العفة تكذبها.
وكذلك يدل قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ ، الغافلات: عبارة عن العفائف؛ فدل أن المحصنات عبارة عن الحرائر، ثم أدخل المحصنين في حكم هذه الآية في الرمي والقذف وغيره، وإن لم يذكروا في الآية.
ثم شدد الله - - في الزنا وغلظ في أمره ما لم يشدد ولم يغلظ في غيره من الإجرام مثله: منها: ما نهى عن تعطيل الحدّ فيه وإضاعته وتخفيفه؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ ٱللَّهِ ﴾ .
ومنها: ما أمر برجمه إذا كان محصناً مثل ما يرجم الكلب ويقتل بالحجارة.
ومنها: ما أوجب على الرامي به من الحدّ إذا لم يأت بأربعة شهداء.
والزنا بهذا كله مخصوص من بين غيره من الإجرام؛ وذلك - والله أعلم - لقبحه في العقل والطبع جميعاً، وكذلك في الشرع.
والدليل أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً ما ينفر عنه طبع كل مسلم وينفر عنه كل عقل سليم.
فإن قيل: لو كان ينفر عنه لكان لا يرتكبه ولا يأتيه.
قيل: ينفر عنه إلا أن الشهوة التي مكنت فيه وركبت تغلبه وتمنعه عن النفار عنه؛ ألا ترى أنه لو تفكر مثله في المتصلات به من الأم والابنة وجميع المحارم، لم يحتمل قلبه ذلك، وبمثله روي عن رسول الله "أن رجلا أتاه فقال له: ائذن لي في الزنا؛ فقال: أرأيت لو فُعِل بابنتكَ وأمِّكَ مثلهُ: أكنت تكرهُ؟
فقال: نعم؛ فقال له: اكْرَهْ لِغَيْرِكَ ما تكرهُ لنفسك" : دل ذلك أنه قبيح في الطبع والعقل جميعاً إلا أن الشهوة تمنعه عن النفار عنه.
وفيه اشتباه الأنساب والمعارف التي جعلت فيما بين الخلق؛ حتى لا يهتدي أحد إلى معلم يعلمه الحكمة والآداب ومعالم السنن ولا الدعاء بالآباء، وارتفع التواصل وحفظ الحقوق التي يقوم بعض لبعض، والشفقة التي جعل لبعض على بعض: من التربية في الصغار، وحقوق المحارم وغيرهم، وبها امتحن البشر والعالم الصغير، وبطل خلق ما ذكر من الإنشاء لهذا العالم، وتسخير ما ذكر ما في السماوات والأرض لهم، فهذا كله يدلّ على قبح الزنا ونهايته في الفحش والمنكر؛ حتى لا يعرف هذا العالم قبحه ونهاية فحشه، وإنما يعرفه العالم الروحاني الذي لم يكن فيهم هذه الشهوة ولم يمتحنوا بها، وأمّا هذا العالم الذي جعلت فيهم الشهوة لا يعرفون قدر قبحه وفحشه؛ لما تغلبهم وتمنعهم عن النفار عنه والنظر في معرفة قبحه؛ لهذا - والله أعلم - ما شدّد الله - - أمر الزنا وغلظ في أحكامه ما لم يغلظ بمثله في غيره من الإجرام وعظم شأنه من بين سائر الآثام.
ثم الذكر إنما جرى في الحرائر بما ذكرنا فهو بالرجال من الأحرار إن لم يكن أكثر فما يكون دونه؛ لأن العذر فيهن أكثر وهي الشهوة التي تغلب وتمنع عن النفار عنه، وفي الرجال أقل؛ فالعذر فيهم أقل؛ ألا ترى أنه ذكر الحدّ في الإماء بقوله: ﴿ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، ولم يذكر في العبيد شيئاً؛ فيلزم للعبد ذلك الحدّ إذا ارتكبه؛ فعلى ذلك ما ذكر من الحدّ في النساء والقذف، فهو في الرجال مثله.
ثم أجمعوا على أن على قاذف الأمة التعزير ولا حدّ عليه، وقد سمى الزوجة وإن كانت محصنة أمة، وقال: ﴿ فَإِذَآ أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَٰحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، وقال: ﴿ وَٱلْمُحْصَنَٰتُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَٰنُكُمْ ﴾ ، سمّي ملك اليمين: محصنة بقوله: ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ ، أي: تزوجن، وقوله: ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى ٱلْمُحْصَنَٰتِ مِنَ ٱلْعَذَابِ ﴾ ، أي: الحرائر؛ فقد بان بهذه الآية أن الإحصان قد يكون بالحرية، ويكون بالزوج، وإن كانت الزوجة أمة إذا كان لها زوج، وسمّى الطيعة من النساء محصنة، قال - -: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ ﴾ ، يعني: العفائف، فالإحصان على ثلاثة أوجه؛ وإنما يجب الحدّ على قاذف الحر المسلم والحرة المسلمة؛ فإن كان حراً أو حرة فعليهما الحدّ ثمانين، وإن كان عبداً أو أمة فعليه الحد أربعين سوطاً على ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ .
فظاهر هذا أنه لا يقع عند حضرة القذف، ولكن له أن يأتي إلى وقت إياسه وهو الموت، كمن يحلف بيمين ولم يوقت لها وقتاً، فإنما وقعت إلى وقت إياسه فحنث عند ذلك؛ فعلى ذلك يجيء على ظاهره أن يقع على الأبد ليس عند حضرة القذف، لكن لو وقع على الأبد لكان فيه سقوطه؛ إذ لا يقام الحد بعد الموت.
أو إن أراد بذكر الشهود الأربع زجره عن قذف المحصنات؛ لما لا يجد الشهود على الحلال؛ فالذي هو أخفى وأسر أبعد.
والثاني: أن الحدّ قد لزمه بالقذف، فإن أراد إسقاطه لم يسقط إلا ببينة تقوم حضرة ذلك، كمن يقر بقصاص أو حق من الحقوق، ثم ادعى العفو في ذلك أو إسقاط ما أقر له والخروج منه، لم يصدق إلا ببينة تقوم على حضرة ذلك، فعلى ذلك قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ ﴾ : وقع ذلك على حضرة القذف، فإن أتى به وإلا حدّ، والله أعلم.
ثم المسألة بأنه إذا أتى بأربعة فساق درأ عن نفسه الحدّ عندنا، والقياس ألا يطالب بشهود عدول؛ لأن العدول لا يشهدون ذلك المشهد، ولا ينظرون إليه؛ إنما يشهده الفساق [فالفساق] أحق أن يدرأ بهم الحد عنه من العدول، وليس كالشهادة على إقامة حدّ الزنا؛ لأن قصدهم بالنظر إلى ذلك المكان - قصد إقامة الشهادة وإيجاب الحدّ على فاعل ذلك؛ لذلك لم يصيروا فسقة، ولأنهم لا يشهدون بذلك إلا عن توبة تكون منهم إذ يملكون التوبة، ولأن الفساق من أهل الشهادة ليس كالكفار والعبيد، وهؤلاء وإن كانت لا تقبل شهادة الفساق فهم من أهل الشهادة؛ ألا ترى أن من قذف فاسقاً أو كانت امرأة فقذفها زوجها - وهو فاسق - أنا نحدّ قاذف الفاسق، ونلاعن بين الزوج وبين امرأته، وإن قذف مسلمٌ كافراً أو قذف حرٌّ عبداً، لم يحد، وإن قذف أحدهما زوجته لم يلاعن بينهما، فمن خالفنا في هذا اللعان فليس يخالفنا في أن الحرّ إذا قذف العبد، والمسلم إذا قذف الكافر فلا حدّ على واحد منهما؛ فهذا كله يدل أن الفساق من أهل الشهادة والكافر والعبد والمحدود في القذف ليسوا من أهل الشهادة، فإذا كانوا من أهل الشهادة - وإن لم تقبل شهادتهم في غيره - فأوجب ذلك الشبهة، والحدود مما يدرأ بالشبهات؛ لذلك درئ عنه الحدّ، وأما الكافر والعبد والمحدود في قذف فإن لم يكونوا من أهل الشهادة - لم يجب شبهة في درء الحدّ عنه؛ لذلك افترقا.
ثم المسألة إذا جاء الشهود متفرقين حدّوا، ولم تقبل شهادتهم، والقياس عندنا ألا يحدّوا؛ لأنهم إنما يقومون في الشهادة محتسبين لا يقصدون به قذفه ولا شتمه، وأمّا الرامي فإنه يقصد قصد شتمه وقذفه، ولأن الشاهد يقول: رأيته فعل كذا، والرامي يقول: أنت كذا؛ فكان كمن يقول الآخر: رأيته كفر، لم يضرب بهذا القول، ولو قال: يا كافر، ضرب؛ لأن هذا خرج مخرج الشتم، والأول لا؛ فعلى ذلك الأول، لكنهم أقاموا الحد على الشهود إذا جاءوا متفرقين؛ لأن الله أكدّ الشهادة بالزنا بأمرين: أحدهما: ألا يقبل فيها أقل من أربعة، وألا يقبل حتى يقولوا: زنى بها، فيأتون هذه اللفظة ويصفوا بأكثر مما يوصف غيره من النكاح وغيره؛ فالشهادة بالزنا أحوج إلى اجتماع الشهود في موطن واحد من اجتماع الشهود على النكاح، ومن قولهم: إن النكاح إذا عقد بشاهدين متفرقين لم يكن نكاحاً؛ فالزنا الذي كان أمره أوكد والحاجة إليه أحوج وأكثر أحق ألا يقبل.
والثاني: ما جاء عن عمر أن ثلاثة شهدوا على رجل بالزنا وفيهم أبو بكرة، فجلدهم عمر جميعاً؛ لما لم يشهد الرابع كما شهدوا هم، وكان ذلك بحضرة أصحاب النبي فلم ينكر ذلك عليه أحد؛ فكان ذلك إجماعاً؛ ألا ترى أن أبا بكرة قال بعد ذلك: أنا أشهد؛ فهمّ عمر أن يجلده؛ فقال له علي - -: إن جلدت هذا فارجم صاحبك، فلم ينكر عليه على جلده إياهم إذا لم يتم أربعة؛ إنما أنكر إذا تم، والله أعلم؛ لذلك قلنا: إنهم إذا جاءوا فرادى متفرقين صاروا قذفة ولا ينتظر به حضور من بقي منهم؛ كما لم ينتظر عمر.
ثم مسألة أخرى: أنه إذا جاء أربعة وأحدهم زوج قبل عندنا ودرئ عنه الحدّ؛ لما روي عن ابن عباس - ما - وغيره من السلف، ولأن الشهادة عليها وشهادة الزوج على امرأته تقبل، وإنما ترد إذا شهد لها؛ ألا ترى أنه لو شهد عليها في الديون والقصاص والسرقة وغير ذلك من الحقوق لقبل؛ فعلى ذلك في هذا.
فإن قيل: إن الزوج إنما يشهد لنفسه وفيه منفعة له؛ لأن حدّه اللعان إذا قذفها؛ فهو يريد أن يزيل اللعان عن نفسه.
قيل: إنما يكون حدّ الزوج اللعان إذا قذفها قبل أن يرتفعا إلى الحاكم، فإذا فعل ذلك ثم شهد مع ثلاثة آخرين لم تجز شهادته، وأما إذا كان أوّل ما بدأ به إن جاء مع ثلاثة فشهدوا عليها بالزنا فليس يبطل بشهادته عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ ألا ترى أن الأجنبي إذا قذف امرأة ثم جاء ليشهد بذلك عليها مع ثلاثة أن شهادته لا تجوز؛ لأن الحدّ قد لزمه قبل شهادته؛ فهو يدفع الحدّ الذي وجب عليه بشهادته؛ فلا تقبل، وأنه لو جاء مع ثلاثة، وكان أول أمرهم أن يشهدوا عليها بالزنا فشهادتهم جائزة، ولا يقال: إن أحداً منهم يدفع عن نفسه شيئاً وجب عليه؛ فعلى ذلك الزوج.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَـٰئِكَ هُمُ ٱلْفَاسِقُونَ ﴾ .
تسمية الفسق لهم: لا تخلو إما أن كان لما رموا وقذفوا به بريئاً من ذلك، أو لما هتكوا عليه الستر من غير أن هتك هو على نفسه؛ فإن كان الأول فذلك لا يعلمه إلا الله؛ فعلى ذلك توبته لا تظهر عندنا؛ فإنما ذلك فيما بينه وبين ربه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عند الله إلا الذين تابوا.
وإن كان الثاني فإنا نعلمه؛ فكأنه قال: وأولئك هم الفاسقون عندكم.
﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ .
لا تظهر توبته عندنا؛ لأن توبته هو أن يعزم ألا يهتك على آخر ستره، أو يعزم ألا يقذف بريئاً من الزنا أبداً؛ فأيّ الوجهين كان تسميته فسقهم فإن التوبة من ذلك لا تظهر عند الناس لذلك لم تقبل؛ ولذلك قال ابن عباس: وإنما توبته فيما بينه وبين الله: إذا تاب غفر الله له ذنبه: الفرية، وكذلك روي عن غير واحد من السلف: من نحو الحسن وإبراهيم وأمثالهم، قالوا: توبته فيما بينه وبين ربه.
وقوله: ﴿ وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً ﴾ ليس ثمة شهادة رفعت إلى الحاكم فردّها؛ ولكن: لا تقبلوا لهم شهادة يرفعونها إلى الحكام؛ فالحرج على كل شهادة يرفعون من بعد، ثم إذا شهد بعد ما قذف وقبل أن يجلد قبلت شهادته وهو قاذف؛ فدل أن شهادته إنما ترد بعد ما جلد لما اتهمه الحاكم، وكل شهادة ردّت لتهمة فهي لا تقبلُ أبداً، والتهمة التي بها جلد القاذف هي لا تزول أبداً.
أو أن يكون توبته قوله: " فقد كذبت فيما قذفت"؛ فكنا نردّ شهادته؛ لتهمة الكذب، فإذا أكذب نفسه نقبلها؛ لتحقق الكذب؛ فهذا بعيد.
وأصله أن كل توبة كانت بعد التمكين فهي لا ترفع الحكم الذي جعل له والحدّ، وكل توبة كانت قبل التمكين فهي ترفع العقوبات، كقوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ ؛ فلو لم يرفعوا عنهم تلك العقوبات لكانوا يتمادون في السعي في الأرض بالفساد، وأمّا فيما نحن فيه فليس في ذلك التمادي فيه.
وزعم الشافعي أن حاله قبل الحدّ وبعد ذلك سواء، هذا خلاف ما نصّ الله عليه؛ قال الله - -: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً...
﴾ الآية، وقال: ﴿ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ ؛ فجعلهم كاذبين عند العجز عن إقامة الشهداء، وكان أمرهم قبل ذلك موقوفاً؛ فالواجب أن يجعلهم كاذبين عند عجزهم عن تصحيح ما قالوا، وهي الحال التي جعلهم الله فيها كاذبين؛ فبان بما وصفنا أن من جعل حال المحدود بعد أن ضرب الحدّ كحاله قبل ذلك مخطئ.
ودل ما وصفنا على أنه لا يجب أن يستدل بجواز شهادته قبل أن يجلد على جواز شهادته إذا تاب بعد الجلد على ما ذكرنا؛ لأنا بالجلد علمنا أنه قاذف، لا بما كان من رميه المرأة قبل أن يجلد.
ومن الدليل على اختلاف الحالين أن عمر لما جلد أبا بكرة قال له: إن تبت قبلت شهادتك، وأنه قبل أن يجلده لم يرد شهادته؛ لأنه لو كان عنده مجروحاً بالقذف لم يسمع شهادته، ولا أعلم بين أهل العلم خلافاً أنه لا يقبل شهادته بعد الجلد ما لم يتب؛ وإنما يختلفون في شهادته بعد التوبة، وأن شهادته قبل الجلد مقبولة؛ فكيف يشتبه الحالتان مع [ما] وصف؟!
وقال غيرهم: التوبة تزيل فسقه ولا يجوز شهادته، قالوا: الاستثناء على آخر الكلام على الذي يليه، وقد روي عن النبي ما يدل على بطلان شهادته، وإن تاب: ما روي عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، قال: قال رسول الله : "المسلمونَ عدولٌ بعضُهم على بعضٍ إلا محدوداً في قَذْفٍ" وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ، وذكر حديث فيه طول، وفيه: "لم يلبثوا إلا قليلا حتى جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، قال: يا رسول الله، لقد رأيت فلاناً مع أهلي؛ فقال رسول الله: ما تقول يا هلال؟!
قال: والله يا رسول الله، لقد رأيته وسمعته بأذني، قال: فشق على رسول الله للذي جاء به، ثم قال: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين؟!
فاشتد ذلك على رسول الله، وجعل يقول: أيجلد هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ؟!
وقول رسول الله: "يضرب هلال وتبطل شهادته في المسلمين" ، وما ظهر من غمه بذلك وجزعه يدلان على أن المحدود لا تقبل شهادته بعد توبته؛ لأن توبته لو قبلت، وكان كسائر الأشياء التي إذا تيب منها، جازت شهادته، لقال النبي: "تبطل شهادته في المسلمين إلا أن يتوب" ؛ لأنه لا يقال في شيء من المعاصي: فلان فعل كذا وكذا؛ فبطلت شهادته في المسلمين؛ حتى يقرن إلى ذلك: إلا أن يتوب.
وقد ذكرنا عن ابن عباس في قوله: ﴿ إِلاَّ ٱلَّذِينَ تَابُواْ ﴾ ، قال: فتاب الله عليهم من الفسق، فأما الشهادة فلا تجوز.
وكذلك روي عن كثير من السلف أنهم قالوا: توبته فيما بينه وبين ربّه.
وفيه وجه آخر، وهو أن القاذف إذا ضرب الحدّ فهو يقول ما لم يرجع: أنا صادق في نفسي ولم يلزمني الحدّ فيما بيني وبين ربي؛ وإنما لزمني في ذلك الحكم، فإذا تاب فهو يقول: كان الحدّ واجباً علي فيما بيني وبين ربي وفي الحكم؛ فذلك أحْرى ألا يزول عنه من إبطال شهادته بذلك الحدّ.
ووجه آخر: وهو أن القاذف لم تبطل شهادته بقوله: فلان زان؛ لأنه مدّع - بقوله هذا - شيئاً قد يجوز أن يكون حقّاً، ولكنه يصير قاذفاً إذا عجز عن إقامة البينة وضربه الحاكم الحد، فإذا كانت شهادته إنما بطلت بحكم حاكم لم يزل ذلك الحكم إلا بحكم حاكم؛ فإن حكم حاكم: بجواز شهادته في شيء جازت شهادته فيه.
فإن قيل: يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن قال حاكم: قد أجزت شهادته في كل شيء أن تجوز؛ لأن الحاكم قد رفع ما لزم من بطلان شهادته بالحكم الأول.
قيل: قول الحاكم: قد أجزت شهادته، ليس بحكم؛ إنما هو فتوى، والحكم إنما يكون فيما تقام له البينة، أو يقع به الإقرار.
فإن قيل: فما تقولون في رجل زنى فحدّه الحاكم: هل تجوز شهادته إن تاب؟
قيل: بلى.
فإن قيل: قد بطلت شهادته بحكم آخر، وتوبته مقبولة بغير حكم حاكم؛ فما منع أن يكون القذف مثل ذلك وما الفرق؟
قيل: الزنا فعل ظاهر يعرف به الزاني وإن لم يحد، والقذف لا يعلم كذب القاذف فيه من صدقه؛ لأنه شيء يدعيه على غيره، وإنما يعلم أنه كاذب في قذفه بما ينفذ عليه من حكم الحاكم؛ فلذلك افترقا.
ومن الدليل - أيضاً - على أن شهادة القاذف إذا حدّ لا تقبل - وإن تاب - أنه إذا قال: تبت من قذفي فلاناً، وكنت في ذلك كاذباً؛ فلسنا ندري هل هو صادق في قوله: كنت كاذباً أم هو في قوله ذلك كاذب؛ لأن المقذوف إن كان في الحقيقة زانياً فقول القاذف: "كنت في قذفي إياه كاذباً" [كذب] منه، وهو في ذلك آثم؛ فإذا كنا لا نقف بتكذيبه نفسه على كذبه فيه من صدقه لم نجعله توبة؛ لأن التوبة إنما تكون أن يظهر عند الحكم من الأفعال ما يعلم بنفسها أنها طاعة وأنه فيها على خلاف ما ظهر من نفسه في الوقت الأول؛ فلما لم يعرف كذب المكذب لنفسه من صدقه لم يجعل ذلك من توبة.
وقلنا: توبته فيما بينه وبين ربه؛ لأن الله يعلم هل هو كاذب في تكذيبه نفسه أو صادق، ونحن لا نعلم ولا دليل لنا من الظاهر عليه؛ فلم نجعل توبته توبة في الحكم، وقلنا: حالك الآن كحالك قبل ذلك.
ودليل آخر: أنا قد علمنا كذبه بقول الله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ عِندَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلْكَاذِبُونَ ﴾ ، فإذا قال: كذبت في قذفي، قلنا له: لم تفدنا بتكذيبك نفسك فائدة لم نعرفها، فأنت في هذا الوقت كاذب؛ فإنك في الوقت الأول تعلمنا أنك كاذب؛ فحالك الآن في شهادتك كحالك قبل ذلك، على ما ذكرنا.
على أن الشافعي يقول: لا ترجع الملاعنة إلى زوجها، وإن تاب، فإذا كانت توبته لا تبطل ما لزمها من الحكم في رجوعها إليه فكذلك لا يبطل ما لزمه من الحكم في بطلان شهادته، والله أعلم.
وقوله: ﴿ فَٱجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ﴾ ، إن كان الجلد مأخوذاً من الجلود فجائز أن يستخرج منه حدّ الضرب، وهو ألا يجاوز الجلود؛ ولكن يضرب مقدار ما يتألم به ويتوجع، ولا يمزق به الجلود ولا يخرقها.
ونستخرج منه التفريق في الأعضاء كلها والجوارح؛ لأنه لو ضرب في مكان واحد لخرقه ومزقه، سوى الرأس والوجه والمذاكير؛ لما فيه من التأثير والمجاوزة.
فإن كان كذلك ففيه حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: إن الشهود إذا شهدوا على حد، فضرب به الإمام فأصابه الجراحات، ثم رجعوا لا يضمنون ما أصابه من الجراحات؛ لأنهم لم يشهدوا على ضرب يجرح ويؤثر فيه ما أصابه؛ لذلك لم يضمنوا.
وقول عمر لأبي بكرة: "تقبل شهادتك إن تبت"، فهو يحتمل، أي: تقبل روايتك عن رسول الله ومشاهدك التي شهدتها.
وقد ذكر أن الحكم والحدّ في الآية إنما جرى في قذف المحصنات دون المحصنين بقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ...
﴾ الآية، لكن قذف المحصن وشتمه إن لم يكن أكثر في الشين وأعظم في الوزر لا يكون دونه، فالذكر وإن جرى في المحصنات فأمكن وجود المعنى الذي به جرى ذلك في المحصنات في المحصن، وهو ما قال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ ﴾ ، وهو الإيمان والإحصان والعفة؛ لذلك لزم الحكم في هذا كما لزم في المحصنات.
وقد ذكرنا فيما تقدم ألا يجلد من قذف مملوكة أو مملوكاً أو قذف كافرة: أما المملوك فلقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ﴾ ، وقد ذكرنا الدليل على أن المراد بالمحصنات الحرائر دون غيرهن؛ لذلك لم يجلد قاذف المملوك.
ولأنا لو أجبنا جلد ثمانين؛ فهو لو أتى بفعل الزنا حدّ خمسين؛ فلا يجوز أن نوجب على قاذفه مما به قذف من الجلد أكثر مما نوجبه في عين ذلك الفعل لو أتى به؛ فيسقط بما ذكرنا الجلد على قاذف المملوك.
وأما الكافر والكفارة: فسقط عن قاذفهما الحدّ؛ لما ذكرنا من قوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرْمُونَ ٱلْمُحْصَنَاتِ ٱلْغَافِلاَتِ ٱلْمُؤْمِناتِ ﴾ : شرط فيه الإيمان والإحصان والعفة، فإذا فقد واحد مما ذكرنا - لم يقم.
ولأنا لو أوجبنا الحدّ وحددنا، لحد بقذف عدو الله، ولا يجوز أن يجلد مسلم بقذف عدو من أعداء الله، مع ما فيما ذكرنا من المسائل إجماع بين أهل العلم في ذلك، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ .
روي عن ابن عباس: قال: "لما نزلت هذه الآية قال عاصم بن عدي الأنصاري: [إن] دخل منا رجل بيته فوجد رجلاً على بطن امرأته، [و] أراد أن يخرج فيجيء بأربعة رجال شهود؛ ليشهدوا على ذلك - قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل فَقَتَل قُتِل به، وإن هو قال: وجدت فلانا مع فلانة، ضرب به الحدّ، ولاعن امرأته، وإن سكت سكت على غيظ!!.
فذكر أنه ابتلي بذلك من بين الناس؛ فأتى رسول الله فأخبره بذلك، وقال: وجدت فلانا على بطنها؛ فأرسل رسول الله إلى امرأته وإلى فلان، فجميع بينهما وبين عاصم فقال للمرأة: ويحك، ما يقول زوجك؟!
قالت: يا رسول الله، إنه لكاذب؛ ما رأى شيئاً من ذلك، ولكنه رجل غيور؛ فذلك الذي حمله على أن يتكلم بالذي تكلم، فكان فلان ضيفا عنده يدخل ويخرج علي وهو يعلم ذلك، فلم ينهني عن ذلك ساعة من ليل ونهار أن يدخل علي؛ فسأله عن ذلك فقال: يا عاصم، اتق الله في حليلتك، ولا تقبل إلا حقّاً!!
قال: يا رسول الله، أقسم بالله ما قلت إلا حقّاً، ولقد رأيته يغشى على بطنها، وهي حبلى وما قربتها منذ كذا وكذا؛ فأمرهما رسول الله أن يتلاعنا عند ذلك، وقال: يا عاصم، قم فاشهد أربع شهادات بالله أنه لكما قلت، وإنك لمن الصادقين في قولك عليها، ثم قال: والخامسة: أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين؛ ففعل ما ذكر، ثم قال للمرأة مثل ذلك؛ فشهدت أربع شهادات بالله: إنه لمن الكاذبين عليها، والخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين في قوله، فلما تلاعنا وفرغا من اللعان فرق بينهما، ثم قال للمراة: إذا ولدت فلا ترضعيه حتى تأتيني به، فلما انصرفوا عنه قال رسول الله : إن ولدته أحيمر مثل الينعة فهو الذي يشبه أباه الذي نفاه، وإن ولدته أسود أدعج جعدا قططا فهو يشبه الذي رميت به، فلما وضعت أتت به رسول الله، فنظر إليه فإذا هو أسود أدعج جعد قطط على ما نعته رسول الله يشبه الذي رميت به؛ فقال رسول الله: لولا اللعان والأيمان التي سلفت لكان لي فيها رأي" .
وفي بعض الأخبار أنه لما جمع بينهما قال لها: بعد أن تلاعنا: "فإن الله يعلم أن أحدكما كاذب؛ فهل منكما تائب؟!" ، [و] قال: "عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا" ، وفي بعض الأخبار: "أن الآية نزلت في لعان هلال بن أمية، فذكر فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم في هذا مسائل: إحداها: أنه ذكر قذف الأزواج وذكر فيه الأيمان ولم يبين؛ فظاهر الآية: الزوج والزوجة: كافران أو مسلمان، حران أو مملوكان، أو كيف [كانا]؟!
فعندنا أنه إذا كان أحدهما حرّاً والآخر مملوكاً، أو كانا جميعاً مملوكين لم يكن بينهما لعان إلا أن يكونا جميعاً من أهل الشهادة.
وحجتهم في ذلك أن الله جعل على الأجنبي الحر إذا قذف أجنبية حرة الحدّ ثمانين، وجعل حدّ الزوج إذا قذف زوجته وهما حران مسلمان اللعان، ثم قد ذكرنا إجماعهم على أن الحرّ إذا قذف أمة أو يهودية فلا حدّ عليه؛ فلما لم يكن على الحرّ القاذف للأمة من الحدّ ما على القاذف الحرّ إذا قذف حرة لم يكن على زوج الأمة من اللعان ما على زوج الحرة.
وأصل هذا: أن الله ذكر الشهادة في رمي الأجنبية المحصنة وأبرأ القاذف من الحد إذا أتى بها، وأمر بإقامة الحدّ إذا عجز عن إقامتها، ثم استثنى من الشهداء الذين ذكر في قذف الأجنبية شهادة الزوجين بقوله: ﴿ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُمْ شُهَدَآءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ ؛ فإذا لم يدخلا في تلك الشهادة إذا كانا مملوكين أو كافرين أو أحدهما لم يدخلا فيما استثنى؛ إذا الثنيا استخراج من تلك الجملة المستثناة وتحصيل منها؛ لذلك بطل اللعان.
ووجه آخر في الكافرة: وهو أن المرأة تقول في الخامسة: عليها غضب الله إن كان من الصادقين، وغضب الله يكون عليها بغير شرط؛ فمحال أن يقول القاضي لها: عليك غضب الله بشرط إن كان الزوج صادقاً، وهو يعلم أن غضبه عليها في كل حال؛ لذلك بطل.
والمخالف لنا أولى بإبطال اللعان بين الحرة والأمة والمسلم والذمية منا؛ لأنهم يزعمون أن العبد ليس بكفء للحر ولا الكافر بكفء للمسلم في القصاص في النفس وفيما دون النفس؛ فكيف جعلوهما في أيمانهما أكفاء لأيمان الأحرار المسلمين؟!
كان يجب أن يقولوا مثل يمين الكافر يصححان به ليمين المسلم؛ فلا يوجبون بينهما لعانا، والوجه فيه ما ذكرنا بدءاً.
ثم المسألة في إباء الأيمان: إذا أبي أحدهم حدّ عند بعض أهل العلم وهو قول الشافعي، وعندنا أنه لا يحد بالإباء؛ فذهب من أوجب الجلد بالإباء إلى ظاهر قوله: ﴿ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَٱجْلِدُوهُمْ ﴾ : أوجب الجلد في قذف الأجنبي إذ عجز عن إقامة الشهود، ودرأ عنه الحدّ إذا أتى بأربعة يشهدون؛ فعلى ذلك درأ عن الزوجين الحدّ إذا شهد كل واحد منهما أربع شهادات بالله، فوجب إذا أبي أحدهما الأيمان أن يحد؛ إذ بالأيمان يدرأ الحد ويوجب اللعان.
والثاني: ما قال: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ : جعل الأيمان سبب درء الحدّ عنها؛ فإذا أبت ذلك لزم الحدّ.
وعندنا أنه لا يحدّ بالإباء؛ لأنه ليس في الإباء ظهور الكذب؛ إذ ليس كل من أبي اليمين يظهر كذبه فيه؛ وإنما يحدّ لظهور كذبه في القذف، وهو لا يعلم، [و] لا يظهر بالإباء، وإنما حدّ في الأجنبية إذا لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه في الظاهر عند الناس كاذب؛ لأنه ليس بينه وبين الأجنبية سبب ولا معنى يبعثه على إظهار ما ذكر، وأمّا فيما بينه وبين زوجته سبب ومعنى يحمله على إظهار ذلك، وهو الغيرة، فإذا كان كذلك فهو في قذف الزوجة في الظاهر صادق عند الناس؛ للسبب الذي ذكرنا؛ لأنه طالب حق قبلها؛ على ما روي: لا يوطئن فرشهن من يكره الأزواج؛ فلا يزال صدقه بإباء اليمين، وأما من قذف أجنبية فهو كاذب في الظاهر؛ لعدم السبب الحامل على إظهار ذلك الكذب، حتى يأتي ما يزيل الكذب وهو الشهود، وفي الزوجة: على الصدق، حتى يظهر بالأيمان؛ لذلك افترقا، ولأن الحدّ لا يقام بالإباء ألبتة.
ولأن الأيمان لا تقابل بشهادة العدول بحال؛ ألا ترى أن من شهد عليه شاهدا عدلٍ بحق، فحلف هو بأيمان لم تقابل الأيمان بتلك الشهادة في سقوط الحق.
وأما قوله: ﴿ وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا ٱلْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِٱللَّهِ ﴾ : جائز أن يكون ذلك في تلك المرأة التي في أمرها نزلت الآية، علم رسول الله كذبها بالوحي؛ ألا ترى أنه قال: إذا جاءت كذا فهو لكذا، وإذا جاءت بكذا فهو لكذا، ثم إذا [بها] قد جاءت شبيها بالذي رميت به، فقال رسول الله : "لولا الأيمان لكان [لي] ولها شأن" كذَّبها؛ حيث قال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ، فدرأت تلك المرأة العذاب عنها بالأيمان.
أو أن يكون العذاب الذي دُرئ عنها الحبس؛ إذ من قولنا: أيهما أبي اليمين حبس، حتى يشهد أربع شهادات بالله، أو تقر بالزنا، أو يكذب نفسه؛ فدرأ الحبس عنها بالأيمان التي ذكر.
وإنما لم يحد بالإباء؛ لأن الإباء لا تظهر الكذب كالإقرار، ولأن الإباء في الحقيقة إباحة.
ولو أن إنساناً أباح للحاكم أن يقيم عليه الحدَّ لم يقم؛ فعلى ذلك هذا، أو لما يجوز أن يأبى عن الأيمان؛ صوناً لنفسه عن اللعن والغضب الّذي ذكر فلم يحدّ؛ لما ذكرنا.
ثم مسألتان في هذا نذكرهما وإن لم يكونا في ظاهر هذه الآية: إحداهما: في إلحاق الولد أمّه.
والأخرى في تفريق الحاكم بينهما إذا تلاعنا.
قال بعض أهل العلم: إذا فرغ الزوج من لعانه لحق الولد أمه، وإن لم تلتعن المرأة، والقياس في لحوق الولد ما قال أولئك: إنّه يلحق بفراغ الزوج من اللعان.
والقياس في وقوع الفرقة: ما قال أصحابنا: إنه لا يقع إلا بعد فراغ الزوجين جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأن الزوج إذا شهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصّادقين قد ألزم امرأته الزنا في الظاهر؛ فإذا ظهر أن الولد ليس منه فجائز لحوقه بالأم بفراغه من اللعان.
وأما الفرقة فإنها لا تقع بظهور الزنا؛ ألا ترى أن امرأة الرجل إذا زنت لا يقع بينهما الفرقة، [و] ألا ترى أن دعوى المرأة باقية بعد فراغ الزوج من أيمانه؛ لذلك افترقا.
والأخبار تدل لمذهب أصحابنا في المسألتين جميعاً؛ لأنه روي عن نافع، عن ابن عمر - ما - أن رجلا لاعن امرأته في زمان رسول الله وانتفى من ولدها؛ ففرق رسول الله بينهما، وألحق الولد بالمرأة.
وعن ابن عباس أن النبي لما لاعن بينهما فرق بينهما.
وروي في الأخبار: أن رسول الله قال لهما: "اللهُ يعلمُ أنَّ أحدَكما كاذبٌ؛ فهل منكما تائبٌ؟" ، قال ذلك لهما ثلاثاً، فأبيا؛ ففرق بينهما.
وفي بعض الأخبار قال: "حسابُكما على اللهِ، أحدُكما كاذبٌ، لا سبيلَ لكَ عليها" فإن قيل: إنما فرق بينهما النبي؛ لأن الفرقة قد وقعت بينهما؛ فأخبره النبي أنه لا تحل له، وقال: "لا سبيل لك عليها" قيل: قولكم: إن الفرقة قد وقعت بينهما باللعان دعوى منكم، وظاهر الأخبار يشهد لنا وعلى وهم الخصم.
ثم يقال لهم: ألستم تقولون في المولى إذا مضت مدته فارتفعا إلى الحاكم: هل تقع الفرقة بينهما إذا امتنع من قربانها وطلاقها ما لم يقل القاضي: قد فرقت بينكما؟!
فإن قيل: فرقة الإيلاء طلاق وفرقة اللعان غير طلاق عندنا.
قيل: هما عندنا طلاق.
فإن قيل: إنكم تزعمون أن فرقة الإيلاء تقع بمضي الأجل؛ فما منع أن يقع الفرقة باللعان بتمام اللعان؟!
قيل: لم يكن للحاكم في الإيلاء صنع؛ فلا يحتاج إلى حكمه، وفي الآخر: لا يتم اللعان إلا بالقاضي؛ فلا تقع الفرقة إلا بالقاضي.
ويقال لهم: ما تقولون في رجل ادعى حقّاً فأقام عليه شاهدين عند قاض: هل يلزم الحكم قبل أن يقول القاضي: قد حكمت بذلك؟
فإن قالوا: لا يلزم الحكم حتى يقول: قد حكمت؛ فيقال: ما منع أن [يكون] اللعان مثله؟!
ويقال لهم أيضاً: ما تقولون في العنين: أجّله الحاكم [أيفرق] بينهما؟
فإن قالوا: لا تقع حتى يفرق الحاكم بينهما، قيل: ما منع في فرقة اللعان أنه كذلك؟!BR>فإن قالوا: إنما صارت الفرقة لا تقع في العنين والمولى حتى يوقعها الحاكم، يقول: طلقها أو فيء إليها، ويقول لامرأة العنين: اختاري في الفرقة أو المقام معه؛ فلما كان الحاكم ينتظر ما يقول المولى وامرأة العنين، لم تقع الفرقة حتى يوقعها، وليس في اللعان شيء ينتظره الحاكم؛ لذلك افترقا.
فقيل: بل ينتظر الحاكم تكذيب المرأة نفسها؛ فيحدها وتكون امرأته، وكذلك إن أكذب الزوج نفسه حدّه وترك عنده امرأته.
وأصله أنه لا تقع الفرقة إلا بعد التعانهما جميعاً وتفريق الحاكم بينهما؛ لأنهما إذا التعنا جميعاً عند ذلك يكون أحدهما معلوناً أيهما كذب، والانتفاع بالملعون حرام؛ ألا ترى أنه روي في الخبر أنها موجبة، أي: اللعنة التي ذكرت؛ فإنما يلحق اللعن أحدهما إذا التعنا جميعاً، فأما بالتعان الزوج خاصة فلا يقع؛ فإذا كان كذلك فيحتاج إلى أن يفرق الحاكم بينهما ويطرد أحدهما من صاحبه؛ إذ اللعن هو الطرد في اللغة، وهو عندنا كالعقود التي تفسخ: لا يكون إلا بالحاكم، نحو ما ذكرنا من العنين، والذي يأبى الإسلام، وغيرها من العقود؛ فإنه لا يقع بينهما الفرقة إلا بالحاكم؛ فعلى ذلك هذا.
وروي عن عمر أنه قال: المتلاعنان يفرق بينهما ثم لا يجتمعان أبداً.
ثم مسألة أخرى: أنه إذا فرق بينهما باللعان فأكذب الملاعن نفسه: يجوز له أن يتزوجها أم لا؟
فعند بعض أهل العلم: ليس له أن يتزوجها؛ احتجوا بما روي عن عمر وعلي - ما -: "المتلاعنان لا يجتمعان أبداً"، وعن عبد الله كذلك.
وعند أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله -: له أن يتزوجها إذا أكذب نفسه، وليس في الخبر: "لا يجتمعان أبدا"، وإن تاب وأكذب نفسه فجائز أن يكون قوله: "لا يجتمعان أبداً" ما داما في تلاعنهما وما أقام على قوله ولم يكذب نفسه، وإن كان فيه حجة لمن قال إذا قال: "لا يجتمعان" قبل التوبة وبعدها، يدل على ما ذكرنا قوله: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ ، وقوله: ﴿ وَلَن تُفْلِحُوۤاْ إِذاً أَبَداً ﴾ ما داموا في ملتهم، فأمّا إذا انقلعوا منها فقد أفلحوا؛ فعلى ذلك: لا يجتمعان أبدا ما داموا في تلاعنهما وما أقام الزوج على قوله، فأمّا إذا رجع عن ذلك لهما الاجتماع، واجتمعوا: أنه إذا أكذب نفسه وادعى الولد ألحق به؛ فعلى ذلك هي.
والثاني: لو أكذب الزوج نفسه بعد اللعان قبل الفرقة، وجب أن يحدّ، ويكونان على نكاحهما، فيجب إذا أكذب نفسه بعد اللعان فجلد - فله أن يتزوجها.
ثم فرقة اللعان عندنا طلاق، وهي تطليقة بائنة؛ لما روي "أن النبي لما لاعن بين عويمر وامرأته - قال: كذبت عليها إن أمسكتها؛ هي طالق ثلاثا" ؛ فصارت سنة في المتلاعنين، فإذا كانت سنة الفرقة بين المتلاعنين الطلاق الذي أوقعه عويمر؛ فواجب أن يكون كل فرقة تقع باللعان: طلاقا.
ومن الدليل على ذلك أن قذف الزوج كان سبب هذه الفرقة، وكل فرقة تكون من الزوج، أو أن يكون الزوج سببها، وتقع بقوله فإنها طلاق: كالعنين، والخلع، والإيلاء ونحوه؛ فعلى ذلك فرقة اللعان تطليقة بائنة؛ لأن الزوج سببها وتقع به، وعلى ذلك جاءت الآثار عن السلف أن كل فرقة وقعت من قبل الرجال بقول، فهي طلاق، من نحو إبراهيم، والحسن، وسعيد وقتادة وهؤلاء، وكذلك يقول أصحابنا: إن كل فرقة جاءت من الرجال بقول - فهي تطليقة.
فإن عورض بأفعال تكون من الرجال، فتقع بها الفرقة والحرمة: من نحو الجماع ونحوه - فذلك ليس بمعارضة لما ذكرنا، والله أعلم.
ثم قوله: ﴿ وَلَوْلاَ فَضْلُ ٱللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ﴾ .
هذا الحرف مما يقتضي الجواب، ثم يحتمل أن يكون جوابه: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الكاذب منهما من الصادق، والمذنب من غيره.
ويحتمل: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما من غيره، لكن لا ينتفع بأحدهما مما لحقه الّلعن الّذي ذكر، ولا يحل الانتفاع بالملعون؛ ألا ترى أنه روي في الخبر: أن امرأة ركبت ناقتها فلعنتها فاستجيب؛ فأمرت أن ترفع ثيابها وتخلي سبيلها.
لكن بفضله ورحمته ستر على الملعون حتى يجوز لغيره أن ينتفع به، وإن كان لا يجوز لواحد منهما أن ينتفع بصاحبه ما دامت اللعنة فيها قائمة.
وجائز أن يكون وجه آخر: وهو أن يقال: لولا فضل الله عليكم ورحمته لأظهر الملعون منهما، وإلا جعل العقوبة بين الزوجين كهي في الأجنبيين: وهي الحدّ، ولأظهر الزاني، لكن بفضله لم يجعل، والله أعلم.
وقوله: ﴿ وَأَنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ ﴾ .
جائز أن يكون ﴿ تَوَّابٌ ﴾ : يقبل التوبة إذا تاب وأكذب نفسه؛ فيرفع اللعن عنهما بالتوبة؛ فإذا رفع اللعن جاز لهما الانتفاع والاجتماع بينهما؛ ففيه حجة لقول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله - في جواز نكاحهما إذا أكذب نفسه.
﴿ حَكِيمٌ ﴾ : حيث حكم بالحكمة بين المتلاعنين، أو ﴿ حَكِيمٌ ﴾ : وضع كل شيء موضعه.
وفيه نقض قول المعتزلة في قولهم: إن الله لا يفعل بأحد إلا ما هو أصلح له في الدين وأخير؛ إذ لو لم يكن له أن يفعل غير الذي فعل لم يكن لتسمية ما فعل فضلا ورحمة - معنى؛ فدل أن له أن [يفعل] غير الأصلح في الدّين.
<div class="verse-tafsir"
ولولا تفضل الله عليكم -أيها الناس- ورحمته بكم، وإنه تواب على من تاب من عباده، حكيم في تدبيره وشرعه لعاجلكم بالعقوبة على ذنوبكم، ولفضحكم بها.
من فوائد الآيات التمهيد للحديث عن الأمور العظام بما يؤذن بعظمها.
الزاني يفقد الاحترام والرحمة في المجتمع المسلم.
الحصار الاجتماعي على الزناة وسيلة لتحصين المجتمع منهم، ووسيلة لردعهم عن الزنى.
تنويع عقوبة القاذف إلى عقوبة مادية (الحد)، ومعنوية (رد شهادته، والحكم عليه بالفسق) دليل على خطورة هذا الفعل.
لا يثبت الزنى إلا ببينة، وادعاؤه دونها قذف.
<div class="verse-tafsir" id="91.lZaek"