الآية ٣٠ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣٠ من سورة النور

قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا۟ مِنْ أَبْصَـٰرِهِمْ وَيَحْفَظُوا۟ فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا يَصْنَعُونَ ٣٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 167 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٠ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٠ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم ، فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه ، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم ، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد ، فليصرف بصره عنه سريعا ، كما رواه مسلم في صحيحه ، من حديث يونس بن عبيد ، عن عمرو بن سعيد ، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير ، عن جده جرير بن عبد الله البجلي ، رضي الله عنه ، قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم ، عن نظرة الفجأة ، فأمرني أن أصرف بصري .

وكذا رواه الإمام أحمد ، عن هشيم ، عن يونس بن عبيد ، به .

ورواه أبو داود والترمذي والنسائي ، من حديثه أيضا .

وقال الترمذي : حسن صحيح .

وفي رواية لبعضهم : فقال : " أطرق بصرك " ، يعني : انظر إلى الأرض .

والصرف أعم; فإنه قد يكون إلى الأرض ، وإلى جهة أخرى ، والله أعلم .

وقال أبو داود : حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري ، حدثنا شريك ، عن أبي ربيعة الإيادي ، عن عبد الله بن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " يا علي ، لا تتبع النظرة النظرة ، فإن لك الأولى وليس لك الآخرة " ورواه الترمذي من حديث شريك ، وقال : غريب ، لا نعرفه إلا من حديثه .

وفي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إياكم والجلوس على الطرقات " .

قالوا : يا رسول الله ، لا بد لنا من مجالسنا ، نتحدث فيها .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن أبيتم ، فأعطوا الطريق حقه " .

قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله؟

قال : " غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر " .

وقال أبو القاسم البغوي : حدثنا طالوت بن عباد ، حدثنا فضل بن جبير : سمعت أبا أمامة يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة : إذا حدث أحدكم فلا يكذب ، وإذا اؤتمن فلا يخن ، وإذا وعد فلا يخلف .

وغضوا أبصاركم ، وكفوا أيديكم ، واحفظوا فروجكم " .

وفي صحيح البخاري : " من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه ، أكفل له الجنة " .

وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر ، عن أيوب ، عن ابن سيرين ، عن عبيدة قال : كل ما عصي الله به ، فهو كبيرة .

وقد ذكر الطرفين فقال : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) .

ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب ، كما قال بعض السلف : " النظر سهام سم إلى القلب " ; ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك ، فقال : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ) .

وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى ، كما قال ( والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ) [ المعارج : 29 ، 30 ] وتارة يكون بحفظه من النظر إليه ، كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن : احفظ عورتك ، إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك " .

( ذلك أزكى لهم ) أي : أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم ، كما قيل : " من حفظ بصره ، أورثه الله نورا في بصيرته " .

ويروى : " في قلبه " .

وقد قال الإمام أحمد : حدثنا عتاب ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرنا يحيى بن أيوب ، عن عبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة [ أول مرة ] ثم يغض بصره ، إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها " .

وروي هذا مرفوعا عن ابن عمر ، وحذيفة ، وعائشة ، رضي الله عنهم ولكن في إسنادها ضعف ، إلا أنها في الترغيب ، ومثله يتسامح فيه .

وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن زحر ، ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أمامة مرفوعا : " لتغضن أبصاركم ، ولتحفظن فروجكم ، ولتقيمن وجوهكم - أو : لتكسفن وجوهكم " .

وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن زهير التستري قال : قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرئ ، حدثنا يحيى بن أبي بكير ، حدثنا هريم بن سفيان ، عن عبد الرحمن بن إسحاق ، عن القاسم بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم ، من تركه مخافتي ، أبدلته إيمانا يجد حلاوته في قلبه " .

وقوله : ( إن الله خبير بما يصنعون ) ، كما قال تعالى : ( يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ) [ غافر : 19 ] .

وفي الصحيح ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كتب على ابن آدم حظه من الزنى ، أدرك ذلك لا محالة .

فزنى العينين : النظر .

وزنى اللسان : النطق .

وزنى الأذنين : الاستماع .

وزنى اليدين : البطش .

وزنى الرجلين : الخطي .

والنفس تمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه " .

رواه البخاري تعليقا ، ومسلم مسندا من وجه آخر بنحو ما تقدم .

وقد قال كثير من السلف : إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى الأمرد .

وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك ، وحرمه طائفة من أهل العلم ، لما فيه من الافتتان ، وشدد آخرون في ذلك كثيرا جدا .

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو سعيد المدني ، حدثنا عمر بن سهل المازني ، حدثني عمر بن محمد بن صهبان ، حدثني صفوان بن سليم ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل عين باكية يوم القيامة ، إلا عينا غضت عن محارم الله ، وعينا سهرت في سبيل الله ، وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب ، من خشية الله ، عز وجل " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ) بالله وبك يا محمد ( يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) يقول: يكفوا من نظرهم إلى ما يشتهون النظر إليه، مما قد نهاهم الله عن النظر إليه ( وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) أن يراها من لا يحلّ له رؤيتها، بلبس ما يسترها عن أبصارهم ( ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ) يقول: فإن غضها من النظر عما لا يحلّ النظر إليه، وحفظ الفرج عن أن يظهر لأبصار الناظرين؛ أطهر لهم عند الله وأفضل ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) يقول: إن الله ذو خبرة بما تصنعون أيها الناس فيما أمركم به من غض أبصاركم عما أمركم بالغضّ عنه، وحفظ فروجكم عن إظهارها لمن نهاكم عن إظهارها له.

وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ بن سهل الرملي، قال: ثنا حجاج، قال: ثنا أبو جعفر، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية في قوله: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) قال: كل فرج ذُكِرَ حِفْظُهُ في القرآن فهو من الزنا إلا هذه وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ فإنه يعني الستر.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ قال: يغضوا أبصارهم عما يكره الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ) قال: يغضّ من بصره: أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، إذا رأى ما لا يحلّ له غضّ من بصره لا ينظر إليه، ولا يستطيع أحد أن يغضّ بصره كله، إنما قال الله: ( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ).

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعونفيه سبع مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم وصل تعالى بذكر الستر ما يتعلق به من أمر النظر ؛ يقال : غض بصره يغضه غضا ؛ قال الشاعر :فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلاباوقال عنترة :وأغض طرفي ما بدت لي جارتي حتى يواري جارتي مأواهاولم يذكر الله تعالى ما يغض البصر عنه ويحفظ الفرج ، غير أن ذلك معلوم بالعادة ، وأن المراد منه المحرم دون المحلل .

وفي البخاري : ( وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورءوسهن ؟

قال : اصرف بصرك ؛ يقول الله تعالى : قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم وقال قتادة : عما لا يحل لهم ؛ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن خائنة الأعين من النظر إلى ما نهي عنه .الثانية : قوله تعالى : من أبصارهم من زائدة ؛ كقوله : فما منكم من أحد عنه حاجزين .

وقيل : من للتبعيض ؛ لأن من النظر ما يباح .

وقيل : الغض النقصان ؛ [ ص: 206 ] يقال : غض فلان من فلان أي وضع منه ؛ فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو موضوع منه ومنقوص .

ف ( من ) صلة للغض ، وليست للتبعيض ولا للزيادة .الثالثة : البصر هو الباب الأكبر إلى القلب ، وأعمر طرق الحواس إليه ، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته .

ووجب التحذير منه ، وغضه واجب عن جميع المحرمات ، وكل ما يخشى الفتنة من أجله ؛ وقد قال : صلى الله عليه وسلم - : إياكم والجلوس على الطرقات فقالوا : يا رسول الله ، ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها .

فقال : فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه قالوا : وما حق الطريق يا رسول الله ؟

قال : غض البصر ، وكف الأذى ، ورد السلام ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر .

رواه أبو سعيد الخدري ، خرجه البخاري ، ومسلم .

وقال : صلى الله عليه وسلم - لعلي : لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية .

وروى الأوزاعي قال : حدثني هارون بن رئاب أن غزوان ، وأبا موسى الأشعري كانا في بعض مغازيهم ، فكشفت جارية فنظر إليها غزوان ، فرفع يده فلطم عينه حتى نفرت ، فقال : إنك للحاظة إلى ما يضرك ولا ينفعك ؛ فلقي أبا موسى فسأله فقال : ظلمت عينك ، فاستغفر الله وتب ، فإن لها أول نظرة وعليها ما كان بعد ذلك .

قال الأوزاعي : وكان غزوان ملك نفسه فلم يضحك حتى مات - رضي الله عنه - .

وفي صحيح مسلم ، عن جرير بن عبد الله قال : سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظرة الفجاءة ؛ فأمرني أن أصرف بصري .

وهذا يقوي قول من يقول : إن من للتبعيض ؛ لأن النظرة الأولى لا تملك فلا تدخل تحت خطاب تكليف ، إذ وقوعها لا يتأتى أن يكون مقصودا ، فلا تكون مكتسبة فلا يكون مكلفا بها ؛ فوجب التبعيض لذلك ، ولم يقل ذلك في الفرج ؛ لأنها تملك .

ولقد كره الشعبي أن يديم الرجل النظر إلى ابنته أو أمه أو أخته ؛ وزمانه خير من زماننا هذا وحرام على الرجل أن ينظر إلى ذات محرمة نظر شهوة يرددها .الرابعة : قوله تعالى : ويحفظوا فروجهم أي يستروها عن أن يراها من لا يحل .[ ص: 207 ] وقيل : ويحفظوا فروجهم أي عن الزنا ؛ وعلى هذا القول لو قال : ( من فروجهم ) لجاز .

والصحيح أن الجميع مراد واللفظ عام .

وروى بهز بن حكيم بن معاوية القشيري ، عن أبيه ، عن جده قال : قلت يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟

قال : احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك .

قال : الرجل يكون مع الرجل ؟

قال : إن استطعت ألا يراها فافعل .

قلت : فالرجل يكون خاليا ؟

فقال : الله أحق أن يستحيا منه من الناس .

وقد ذكرت عائشة - رضي الله عنها - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحالها معه فقالت : ما رأيت ذلك منه ، ولا رأى ذلك مني .الخامسة : بهذه الآية حرم العلماء نصا دخول الحمام بغير مئزر .

وقد روي عن ابن عمر أنه قال : أطيب ما أنفق الرجل درهم يعطيه للحمام في خلوة .

وصح عن ابن عباس أنه دخل الحمام وهو محرم بالجحفة .

فدخوله جائز للرجال بالمآزر ، وكذلك النساء للضرورة كغسلهن من الحيض ، أو النفاس ، أو مرض يلحقهن ؛ والأولى بهن والأفضل لهن غسلهن إن أمكن ذلك في بيوتهن ، فقد روى أحمد بن منيع ، حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا زبان ، عن سهل بن معاذ ، عن أبيه ، عن أم الدرداء أنه سمعها تقول : لقيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد خرجت من الحمام فقال : من أين يا أم الدرداء ؟

فقالت من الحمام ؛ فقال : والذي نفسي بيده ما من امرأة تضع ثيابها في غير بيت أحد من أمهاتها إلا وهي هاتكة كل ستر بينها وبين الرحمن - عز وجل - .

وخرج أبو بكر البزار ، عن طاوس ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : احذروا بيتا يقال له الحمام .

قالوا : يا رسول الله ، ينقي الوسخ ؟

قال : فاستتروا .

قال أبو محمد عبد الحق : هذا أصح إسناد حديث في هذا الباب ؛ على أن الناس [ ص: 208 ] يرسلونه عن طاوس ، وأما ما خرجه أبو داود في هذا من الحظر والإباحة فلا يصح منه شيء لضعف الأسانيد ، وكذلك ما خرجه الترمذي .قلت : أما دخول الحمام في هذه الأزمان فحرام على أهل الفضل والدين ؛ لغلبة الجهل على الناس واستسهالهم إذا توسطوا الحمام رمي مآزرهم ، حتى يرى الرجل البهي ذو الشيبة قائما منتصبا وسط الحمام وخارجه باديا عن عورته ضاما بين فخذيه ولا أحد يغير عليه .

هذا أمر بين الرجال فكيف من النساء !

لا سيما بالديار المصرية إذ حماماتهم خالية عن المظاهر التي هي من أعين الناس سواتر ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .السادسة : قال العلماء : فإن استتر فليدخل بعشرة شروط :الأول : ألا يدخل إلا بنية التداوي أو بنية التطهير عن الرحضاء .الثاني : أن يعتمد أوقات الخلوة أو قلة الناس .الثالث : أن يستر عورته بإزار صفيق .الرابع : أن يكون نظره إلى الأرض أو يستقبل الحائط لئلا يقع بصره على محظور .الخامس : أن يغير ما يرى من منكر برفق ، يقول : استتر سترك الله !

.السادس : إن دلكه أحد لا يمكنه من عورته ، من سرته إلى ركبته إلا امرأته أو جاريته .وقد اختلف في الفخذين هل هما عورة أم لا ؟

.السابع : أن يدخله بأجرة معلومة بشرط أو بعادة الناس .الثامن : أن يصب الماء على قدر الحاجة .التاسع : إن لم يقدر على دخوله وحده اتفق مع قوم يحفظون أديانهم على كرائه .العاشر : أن يتذكر به جهنم .

فإن لم يمكنه ذلك كله فليستتر وليجتهد في غض البصر .ذكر الترمذي أبو عبد الله في نوادر الأصول من حديث طاوس ، عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : اتقوا بيتا يقال له الحمام .

قيل : يا رسول الله ، إنه يذهب به الوسخ ويذكر النار فقال : إن كنتم لا بد فاعلين فادخلوه مستترين .

وخرج من حديث أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : نعم البيت يدخله الرجل المسلم بيت الحمام - وذلك لأنه إذا دخله سأل الله الجنة واستعاذ به من النار - وبئس البيت يدخله الرجل بيت العروس .

وذلك لأنه يرغبه [ ص: 209 ] في الدنيا وينسيه الآخرة .

قال أبو عبد الله : فهذا لأهل الغفلة ، صير الله هذه الدنيا بما فيها سببا للذكر لأهل الغفلة ليذكروا بها آخرتهم ؛ فأما أهل اليقين فقد صارت الآخرة نصب أعينهم ، فلا بيت حمام يزعجه ولا بيت عروس يستفزه ، لقد دقت الدنيا بما فيها من الصنفين والضربين في جنب الآخرة ، حتى أن جميع نعيم الدنيا في أعينهم كنثارة الطعام من مائدة عظيمة ، وجميع شدائد الدنيا في أعينهم كتفلة عوقب بها مجرم أو مسيء قد كان استوجب القتل أو الصلب من جميع عقوبات أهل الدنيا .السابعة : قوله تعالى : ذلك أزكى لهم أي غض البصر وحفظ الفرج أطهر في الدين وأبعد من دنس الأنام .

إن الله خبير أي عالم .

بما يصنعون تهديد ووعيد .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أي: أرشد المؤمنين، وقل لهم: الذين معهم إيمان، يمنعهم من وقوع ما يخل بالإيمان: { يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } عن النظر إلى العورات وإلى النساء الأجنبيات، وإلى المردان، الذين يخاف بالنظر إليهم الفتنة، وإلى زينة الدنيا التي تفتن، وتوقع في المحذور.

{ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } عن الوطء الحرام، في قبل أو دبر، أو ما دون ذلك، وعن التمكين من مسها، والنظر إليها.

{ ذَلِكَ } الحفظ للأبصار والفروج { أَزْكَى لَهُمْ } أطهر وأطيب، وأنمى لأعمالهم، فإن من حفظ فرجه وبصره، طهر من الخبث الذي يتدنس به أهل الفواحش، وزكت أعماله، بسبب ترك المحرم، الذي تطمع إليه النفس وتدعو إليه، فمن ترك شيئا لله، عوضه الله خيرا منه، ومن غض بصره عن المحرم، أنار الله بصيرته، ولأن العبد إذا حفظ فرجه وبصره عن الحرام ومقدماته، مع داعي الشهوة، كان حفظه لغيره أبلغ، ولهذا سماه الله حفظا، فالشيء المحفوظ إن لم يجتهد حافظه في مراقبته وحفظه، وعمل الأسباب الموجبة لحفظه، لم ينحفظ، كذلك البصر والفرج، إن لم يجتهد العبد في حفظهما، أوقعاه في بلايا ومحن، وتأمل كيف أمر بحفظ الفرج مطلقا، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأما البصر فقال: { يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } أتى بأداة " من " الدالة على التبعيض، فإنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد والعامل والخاطب، ونحو ذلك.

ثم ذكرهم بعلمه بأعمالهم، ليجتهدوا في حفظ أنفسهم من المحرمات.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ) أي : عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه .

وقيل : " من " صلة أي : يغضوا أبصارهم .

وقيل : هو ثابت لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلا لأنه لا يجب الغض عما يحل النظر إليه ، وإنما أمروا بأن يغضوا عما لا يحل النظر إليه ، ( ويحفظوا فروجهم ) عما لا يحل ، قال أبو العالية : كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا والحرام ، إلا في هذا الموضع فإنه أراد به الاستتار حتى لا يقع بصر الغير عليه ، ( ذلك ) أي : غض البصر وحفظ الفرج ، ( أزكى لهم ) أي : خير لهم وأطهر ، ( إن الله خبير بما يصنعون ) عليم بما يفعلون ، روي عن بريدة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعلي : " يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة " .

وروي عن جرير بن عبد الله قال : سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن نظرة الفجأة فقال : " اصرف بصرك " .

أخبرنا إسماعيل بن عبد القاهر ، أخبرنا عبد الغافر بن محمد ، حدثنا محمد بن عيسى الجلودي ، حدثنا إبراهيم بن محمد بن سفيان ، حدثنا مسلم بن الحجاج ، أخبرنا أبو بكر بن أبي شيبة ، أخبرنا زيد بن الحباب ، عن الضحاك بن عثمان قال : أخبرني زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل ، ولا المرأة إلى عورة المرأة ، ولا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد " .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم» عما لا يحلُّ لهم نظره، ومن زائدة «ويحفظوا فروجهم» عما لا يحل لهم فعله بها «ذلك أزكي» أي خير «لهم إن الله خبير بما يصنعون» بالأبصار والفروج فيجازيهم عليه.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

قل - أيها النبي - للمؤمنين يَغُضُّوا مِن أبصارهم عمَّا لا يحلُّ لهم من النساء والعورات، ويحفظوا فروجهم عمَّا حَرَّم الله من الزنى واللواط، وكشف العورات، ونحو ذلك، ذلك أطهر لهم.

إن الله خبير بما يصنعون فيما يأمرهم به وينهاهم عنه.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وبعد أن نهى - سبحانه - عن دخول البيوت بدون استئذان .

أتبع ذلك بالأمر بغض البصر ، وحفظ الفرج ، وعدم إبداء الزينة إلى فى الحدود المشروعة ، فقال - تعالى - : ( قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ .

.

.

) .قال الآلوسى : قوله - تعالى - ( قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ .

.

.

) شروع فى بيان أحكام كلية شاملة للمؤمنين كافة ، يندرج فيها حكم المستأذنين عند دخول البيوت اندراجا أوليا .وقوله - تعالى - : ( يَغُضُّواْ ) من الغض بمعنى الخفض .

يقال : غض الرجل صوته إذا خفضه .

وغض بصره إذا خفضه ومنعه من التطلع إلى مالا يحل له النظر إليه .

قال الشاعر :وأغض طرفى إن بدت لى جارتى ...

حتى يوارى جارتى مأواهاوهو جواب الأمر " قل " أى : قل - أيها الرسول الكريم - للمؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم عما يحرم أو يكره النظر إليه وبأن يحفظوا فروجهم عما لا يحل لهم ، فإن ذلك دليل على كمال الإيمان!

وعلى حسن المراقبة وشدة الخوف من الله - تعالى - .وجمع - سبحانه - بين غض البصر وحفظ الفرج ، باعتبارهما كالسبب والنتيجة ، إذ أن عدم غض البصر كثيرا ما يؤدى إلى الوقوع فى الفواحش ، ولذا قدم - سبحانه - الأمر بغض البصر ، على الأمر بحفظ الفرج .وجاء التعبير بقوله - سبحانه - ( قُلْ ) للإشعار بأن المؤمنين الصادقين ، من شأنهم إذا ما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر ، فإنهم سرعان ما يمتثلون ويطيعون ، لأنه صلى الله عليه وسلم مبلغ عن الله - تعالى - الذى يجب الامتثال لأمره ونهيه .وخص - سبحانه - المؤمنين بهذا الأمر ، لأنهم أولى الناس بالمخاطبة .

وبالإرشاد إلى ما يرفع درجاتهم ، ويعلى أقدارهم .قال صاحب الكشاف : و " من " للتبعيض .

.

.

فإن قلت : كيف دخلت فى غض البصر ، دون حفظ الفروج؟

قلت : للدلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن .

.

.

والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها .

.

.

وأما أمر الفرج فمضيق .واسم الإشارة فى قوله - تعالى - : ( ذلك أزكى لَهُمْ ) يعود إلى ما ذكر من الغض والحفظ .أى : ذلك الذى كلفناك بأمر المؤمنين به - أيها الرسول الكريم - أزكى لقلوبهم ، وأطهر لنفوسهم ، وأنفع لهم فى دنياهم وآخرتهم .وقوله - سبحانه - : ( إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ) تحذير من مخالفة أمره - سبحانه - .أى : مرهم - أيها الرسول الكريم - بالتزام ما أمرناهم به وما نهيناهم عنه ، لأننا لا يخفى علينا شىء من تصرفاتهم ، ولأننا أعلم بهم من أنفسهم ، وسنحاسبهم على ما يصنعون فى دنياهم ، يوم القيامة .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

الحكم السابع: حكم النظر: اعلم أنه تعالى قال: ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ وإنما خصهم بذلك لأن غيرهم لا يلزمه غض البصر عما لا يحل له ويحفظ الفرج عما لا يحل له، لأن هذه الأحكام كالفروع للإسلام والمؤمنون مأمورون بها ابتداء، والكفار مأمورون قبلها بما تصير هذه الأحكام تابعة له، وإن كان حالهم كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها، لكن المؤمن يتمكن من هذه الطاعة من دون مقدمة، والكافر لا يتمكن إلا بتقديم مقدمة من قبله، وذلك لا يمنع من لزوم التكاليف له.

واعلم أنه سبحانه أمر الرجال بغض البصر وحفظ الفرج، وأمر النساء بمثل ما أمر به الرجال وزاد فيهن أن لا يبدين زينتهن إلا لأقوام مخصوصين.

أما قوله تعالى: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأكثرون (من) هاهنا للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة، ونظيره قوله: ﴿ مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ  ﴾ ﴿ فَمَا مِنكُم مّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجزين  ﴾ وأباه سيبويه، فإن قيل كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟

قلنا دلالة على أن أمر النظر أوسع ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن وصدورهن وكذا الجواري المستعرضات، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه، ومنهم من قال: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ أي ينقصوا من نظرهم فالبصر إذا لم يمكن من عمله فهو مغضوض ممنوع عنه، وعلى هذا من ليست بزائدة ولا هي للتبعيض بل هي من صلة الغض يقال غضضت من فلان إذا نقصت من قدره.

المسألة الثانية: اعلم أن العورات على أربعة أقسام عورة الرجل مع الرجل وعورة المرأة مع المرأة وعورة المرأة مع الرجل وعورة الرجل مع المرأة، فأما الرجل مع الرجل فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنه إلا عورته وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة، وعند أبي حنيفة رحمه الله الركبة عورة، وقال مالك الفخذ ليست بعورة، والدليل على أنها عورة ما روي عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به في المسجد وهو كاشف عن فخذه فقال عليه السلام: «غط فخذك فإنها من العورة» وقال لعلي رضي الله عنه: «لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت» فإن كان في نظره إلى وجهه أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه، ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل، وإن كان كل واحد منهما في جانب من الفراش، لما روى أبو سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال: «لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في ثوب واحد» وتكره المعانقة وتقبيل الوجه إلا لولده شفقة، وتستحب المصافحة لما روى أنس قال: «قال رجل يا رسول الله الرجل منا يلقي أخاه أو صديقه أينحني له؟

قال لا، قال أيلتزمه ويقبله؟

قال لا، قال أفيأخذ بيده ويصافحه؟

قال نعم» أما عورة المرأة مع المرأة فكعورة الرجل مع الرجل، فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، وعند خوف الفتنة لا يجوز، ولا يجوز المضاجعة.

والمرأة الذمية هل يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة، قيل يجوز كالمسلمة مع المسلمة، والأصح أنه لا يجوز لأنها أجنبية، في الدين والله تعالى يقول: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ وليست الذمية من نسائنا، أما عورة المرأة مع الرجل فالمرأة إما أن تكون أجنبية أو ذات رحم محرم، أو مستمتعة، فإن كانت أجنبية فإما أن تكون حرة أو أمة فإن كانت حرة فجميع بدنها عورة، ولا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين، لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه في البيع والشراء، وإلى إخراج الكف للأخذ والعطاء، ونعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين، وقيل ظهر الكف عورة.

واعلم أنا ذكرنا أنه لا يجوز النظر إلى شيء من بدنها، ويجوز النظر إلى وجهها وكفها، وفي كل واحد من القولين استثناء.

أما قوله يجوز النظر إلى وجهها وكفها، فاعلم أنه على ثلاثة أقسام لأنه إما أن لا يكون فيه غرض ولا فيه فتنة، وإما أن يكون فيه فتنة ولا غرض فيه، وإما أن يكون فيه فتنة وغرض أما القسم الأول: فاعلم أنه لا يجوز أن يتعمد النظر إلى وجه الأجنبية لغير غرض وإن وقع بصره عليها بغتة يغض بصره، لقوله تعالى: ﴿ قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ وقيل يجوز مرة واحدة إذا لم يكن محل فتنة، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله ولا يجوز أن يكرر النظر إليها لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد كُلُّ أولئك كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً  ﴾ ولقوله عليه السلام: «يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» وعن جابر قال: «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجأة فأمرني أن أصرف بصري» ولأن الغالب أن الاحتراز عن الأولى لا يمكن فوقع عفواً قصد أو لم يقصد أما القسم الثاني: وهو أن يكون فيه غرض ولا فتنة فيه فذاك أمور: أحدها: بأن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفيها، روى أبو هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً».

وقال عليه الصلاة والسلام: «إذا خطب أحدكم المرأة فلا جناح عليه أن ينظر إليها إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة».

وقال المغيرة بن شعبة خطبت امرأة فقال عليه السلام نظرت إليها، فقلت لا، قال فانظر فإنها أحرى أن يؤدم بينكما فكل ذلك يدل على جواز النظر إلى وجهها وكفيها للشهوة إذا أراد أن يتزوجها، ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿ لاَّ يَحِلُّ لَكَ النساء مِن بَعْدُ وَلاَ أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ  ﴾ ولا يعجبه حسنهن إلا بعد رؤية وجوههن.

وثانيها: إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

وثالثها: أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة إليه.

ورابعها: ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى غير الوجه لأن المعرفة تحصل به أما القسم الثالث: وهو أن ينظر إليها للشهوة فذاك محظور، قال عليه الصلاة والسلام: «العينان تزنيان».

وعن جابر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري وقيل: مكتوب في التوراة النظرة تزرع في القلب الشهوة، ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.

أما الكلام الثاني: وهو أنه لا يجوز للأجنبي النظر إلى بدن الأجنبية فقد استثنوا منه صوراً: إحداها: يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إليها للمعالجة، كما يجوز للختان أن ينظر إلى فرج المختون، لأنه موضع ضرورة.

وثانيتها: يجوز أن يتعمد النظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة على الزنا، وكذلك ينظر إلى فرجها لتحمل شهادة الولادة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع، وقال أبو سعيد الإصطخري لا يجوز للرجل أن يقصد النظر في هذه المواضع، لأن الزنا مندوب إلى ستره، وفي الولادة والرضاع تقبل شهادة النساء فلا حاجة إلى نظر الرجال للشهادة وثالثتها: لو وقعت في غرق أو حرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها، أما إذا كانت الأجنبية أمة فقال بعضهم عورتها ما بين السرة والركبة، وقال آخرون عورتها ما لا يبين للمهنة فخرج منه أن رأسها ساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف المذكور، ولا يجوز لمسها ولا لها لمسه بحال لا لحجامة ولا اكتحال ولا غيره، لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطره، وقال أبو حنيفة رحمه الله يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه أما إن كانت المرأة ذات محرم له بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها معه ما بين السرة والركبة كعورة الرجل، وقال آخرون بل عورتها ما لا يبدو عند المهنة، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله فأما سائر التفاصيل فستأتي إن شاء الله تعالى في تفسير الآية، أما إذا كانت المرأة مستمتعة كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها، فيجوز له أن ينظر إلى جميع بدنها حتى إلى فرجها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج وكذا إلى فرج نفسه، لأنه يروي أنه يورث الطمس، وقيل لا يجوز النظر إلى فرجها ولا فرق بين أن تكون الأمة قنة أو مدبرة أو أم ولد أو مرهونة.

فإن كانت مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو متزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية، روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة» وأما عورة الرجل مع المرأة (ففيه) نظر إن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وقيل جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه، والأول أصح بخلاف المرأة في حق الرجل، لأن بدن المرأة في ذاته عورة بدليل أنه لا تصح صلاتها مكشوفة البدن وبدن الرجل بخلافه، ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي عن أم سلمة: أنها كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم وميمونة إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليها فقال عليه الصلاة والسلام: «احتجبا منه» فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه» وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها، ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته، لأنه روي أنه عليه الصلاة والسلام سئل عنه فقال: «الله أحق أن يستحيي منه» وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: «إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله» والله أعلم.

المسألة الثالثة: سئل الشبلي عن قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم ﴾ فقال أبصار الرؤوس عن المحرمات، وأبصار القلوب عما سوى الله تعالى.

وأما قوله تعالى: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ فالمراد به عما لا يحل، وعن أبي العالية أنه قال: كل ما في القرآن من قوله: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ ، ويحفظن فروجهن، من الزنا إلا التي في النور: ﴿ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ ، ﴿ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ أن لا ينظر إليها أحد، وهذا ضعيف لأنه تخصيص من غير دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم الله عليه من الزنا والمس والنظر، وعلى أنه إن كان المراد حظر النظر فالمس والوطء أيضاً مرادان بالآية، إذ هما أغلظ من النظر، فلو نص الله تعالى على النظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء والمس، كما أن قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ  ﴾ اقتضى حظر ما فوق ذلك من السب والضرب.

أما قوله تعالى: ﴿ ذلك أزكى لَهُمْ ﴾ أي تمسكهم بذلك أزكى لهم وأطهر، لأنه من باب ما يزكون به ويستحقون الثناء والمدح، ويمكن أن يقال إنه تعالى خص في الخطاب المؤمنين لما أراده من تزكيتهم بذلك، ولا يليق ذلك بالكافر.

أما قوله تعالى: ﴿ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ فالقول فيه على ما تقدم، فإن قيل فلم قدم غض الأبصار على حفظ الفروج، قلنا لأن النظر بريد الزنا ورائد الفجور والبلوى فيه أشد وأكثر، ولا يكاد يقدر على الاحتراس منه.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ فمن الأحكام التي تختص بها النساء في الأغلب، وإنما قلنا في الأغلب لأنه محرم على الرجل أن يبدي زينته حلياً ولباساً إلى غير ذلك للنساء الأجنبيات، لما فيه من الفتنة وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد بزينتهن، واعلم أن الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله تعالى وعلى سائر ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلى وغير ذلك، وأنكر بعضهم وقوع اسم الزينة عل الخلقة، لأنه لا يكاد يقال في الخلقة إنها من زينتها.

وإنما يقال ذلك فيما تكتسبه من كحل وخضاب وغيره، والأقرب أن الخلقة داخلة في الزينة، ويدل عليها وجهان: الأول: أن الكثير من النساء ينفردن بخلقتهن عن سائر ما يعد زينة، فإذا حملناه على الخلقة وفينا العموم حقه، ولا يمنع دخول ما عدا الخلقة فيه أيضاً الثاني: أن قوله: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ﴾ يدل على أن المراد بالزينة ما يعم الخلقة وغيرها فكأنه تعالى منعهن من إظهار محاسن خلقتهن بأن أوجب سترها بالخمار، وأما الذين قالوا الزينة عبارة عما سوى الخلقة فقد حصروه في أمور ثلاثة: أحدها: الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والغمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.

وثانيها: الحلى كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلادة والإكليل والوشاح والقرط.

وثالثها: الثياب قال الله تعالى: ﴿ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ  ﴾ وأراد الثياب.

المسألة الثانية: اختلفوا في المراد من قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ أما الذين حملوا الزينة على الخلقة، فقال القفال معنى الآية إلا ما يظهره الإنسان في العادة الجارية، وذلك في النساء الوجه والكفان، وفي الرجل الأطراف من الوجه واليدين والرجلين، فأمروا بستر ما لا تؤدي الضرورة إلى كشفه ورخص لهم في كشف ما اعتيد كشفه وأدت الضرورة إلى إظهاره إذ كانت شرائع الإسلام حنيفية سهلة سمحة، ولما كان ظهور الوجه والكفين كالضروري لا جرم اتفقوا على أنهما ليسا بعورة، أما القدم فليس ظهوره بضروري فلا جرم اختلفوا في أنه هل هو من العورة أم لا؟

فيه وجهان: الأصح أنه عورة كظهر القدم، وفي صوتها وجهان أصحهما أنه ليس بعورة، لأن نساء النبي صلى الله عليه وسلم كن يروين الأخبار للرجال، وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فقالوا إنه سبحانه إنما ذكر الزينة لأنه لا خلاف أنه يحل النظر إليها حالما لم تكن متصلة بأعضاء المرأة، فلما حرم الله سبحانه النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة كان ذلك مبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة، وعلى هذا القول يحل النظر إلى زينة وجهها من الوشمة والغمرة وزينة بدنها من الخضاب والخواتيم وكذا الثياب، والسبب في تجويز النظر إليها أن تسترها فيه حرج لأن المرأة لابد لها من مناولة الأشياء بيديها والحاجة إلى كشف وجهها في الشهادة والمحاكمة والنكاح.

المسألة الثالثة: اتفقوا على تخصيص قوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ بالحرائر دون الإماء، والمعنى فيه ظاهر، وهو أن الأمة مال فلابد من الاحتياط في بيعها وشرائها، وذلك لا يمكن إلا بالنظر إليها على الاستقصاء بخلاف الحرة.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ﴾ فالخمر واحدها خمار، وهي المقانع.

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يشددن خمرهن من خلفهن، وإن جيوبهن كانت من قدام فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمرن أن يضربن مقانعهن على الجيوب ليتغطى بذلك أعناقهن ونحورهن وما يحيط به من شعر وزينة من الحلى في الأذن والنحر وموضع العقدة منها، وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء، والباء للإلصاق، وعن عائشة رضي الله عنها ما رأيت خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الآية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرت فأصبحن على رؤوسهن الغربان وقرئ ﴿ جُيُوبِهِنَّ ﴾ بكسر الجيم لأجل الياء وكذلك ﴿ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ .

فأما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ فاعلم أنه سبحانه لما تكلم في مطلق الزينة تكلم بعد ذلك في الزينة الخفية التي نهاهن عن إبدائها للأجانب، وبين أن هذه الزينة الخفية يجب إخفاؤها عن الكل، ثم استثنى اثنتي عشرة صورة أحدها: أزواجهن.

وثانيها: آباؤهن وإن علون من جهة الذكران والإناث كآباء الآباء وآباء الأمهات.

وثالثها: آباء أزواجهن.

ورابعها.

وخامسها: أبناؤهن وأبناء بعولتهن، ويدخل فيه أولاد الأولاد وإن سفلوا من الذكران والإناث كبني البنين وبني البنات.

وسادسها: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.

وسابعها: بنو إخوانهن.

وثامنها: بنو أخواتهن وهؤلاء كلهم محارم، وهاهنا سؤالات: السؤال الأول: أفيحل لذوي المحرم في المملوكة والكافرة ما لا يحل له في المؤمنة؟

الجواب: إذا ملك المرأة وهي من محارمه فله أن ينظر منها إلى بطنها وظهرها لا على وجه الشهوة، بل لأمر يرجع إلى مزية الملك على اختلاف بين الناس في ذلك.

السؤال الثاني: كيف القول في العم والخال؟

الجواب: القول الظاهر أنهما كسائر المحارم في جواز النظر وهو قول الحسن البصري، قال لأن الآية لم يذكر فيها الرضاع وهو كالنسب وقال في سورة الأحزاب ﴿ لاَّ جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي ءَابَائِهِنَّ  ﴾ الآية.

ولم يذكر فيها البعولة ولا أبناءهم وقد ذكروا هاهنا، وقد يذكر البعض لينبه على الجملة.

قال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله لئلا يصفهما العم عند ابنه الخال كذلك، ومعناه أن سائر القرابات تشارك الأب والابن في المحرمية إلا العم والخال وأبناءهما، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم فيقرب تصوره لها بالوصف من نظره إليها، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط عليهم في التستر.

السؤال الثالث: ما السبب في إباحة نظر هؤلاء إلى زينة المرأة؟

الجواب: لأنهم مخصوصون بالحاجة إلى مداخلتهن ومخالطتهن ولقلة توقع الفتنة بجهاتهن، ولما في الطباع من النفرة عن مجالسة الغرائب، وتحتاج المرأة إلى صحبتهم فى الأسفار وللنزول والركوب.

وتاسعها: قوله تعالى: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ وفيه قولان: أحدهما: المراد والنساء اللاتي هن على دينهن، وهذا قول أكثر السلف.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها لقوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات وثانيهما: المراد بنسائهن جميع النساء، وهذا هو المذهب وقول السلف محمول على الاستحباب والأولى.

وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ وظاهر الكلام يشمل العبيد والإماء، واختلفوا فمنهم من أجرى الآية على ظاهرها، وزعم أنه لا بأس عليهن في أن يظهرن لعبيدهن من زينتهن ما يظهرن لذوي محارمهن، وهو مروي عن عائشة وأم سلمة رضي الله عنهما، واحتجوا بهذه الآية وهو ظاهر.

وبما روى أنس: أنه عليه الصلاة والسلام أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بها، قال: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك» وعن مجاهد: كان أمهات المؤمنين لا يحتجبن عن مكاتبهن ما بقي عليه درهم.

وعن عائشة رضي الله عنها: أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.

وروي أن عائشة رضي الله عنها: كانت تمتشط والعبد ينظر إليها، وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب رضي الله عنهم: إن العبد لا ينظر إلى شعر مولاته، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، واحتجوا عليه بأمور: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفراً فوق ثلاث إلا مع ذي محرم» والعبد ليس بذي محرم منها فلا يجوز أن يسافر بها، وإذا لم يجز له السفر بها لم يجز له النظر إلى شعرها كالحر الأجنبي.

وثانيها: أن ملكها للعبد لا يحلل ما يحرم عليه قبل الملك إذ ملك النساء للرجال ليس كملك الرجال للنساء، فإنهم لم يختلفوا في أنها لا تستبيح بملك العبد منه شيئاً من التمتع كما يملكه الرجل من الأمة.

وثالثها: أن العبد وإن لم يجز له أن يتزوج بمولاته إلا أن ذلك التحريم عارض كمن عنده أربع نسوة فإنه لا يجوز له التزوج بغيرهن فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب.

إذا ثبت هذا ظهر أن المراد من قوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ الإماء فإن قيل الإماء دخلن في قوله: ﴿ نِسَائِهِنَّ ﴾ فأي فائدة في الإعادة؟

قلنا الظاهر أنه عنى بنسائهن وما ملكت أيمانهن من في صحبتهن من الحرائر والإماء، وبيانه أنه سبحانه ذكر أولاً أحوال الرجال بقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ إلى آخر ما ذكر فجاز أن يظن ظان أن الرجال مخصوصون بذلك إذ كانوا ذوي المحارم أو غير ذات المحارم، ثم عطف على ذلك الإماء بقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن ﴾ لئلا يظن أن الإباحة مقصورة على الحرائر من النساء إذ كان ظاهر قوله: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ يقتضي الحرائر دون الإماء كقوله: ﴿ شَهِيدَيْنِ مّن رّجَالِكُمْ  ﴾ على الأحرار لإضافتهم إلينا كذلك قوله: ﴿ أَوْ نِسَائِهِنَّ ﴾ على الحرائر، ثم عطف عليهن الإماء فأباح لهن مثل ما أباح في الحرائر وحادي عشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: قيل هم الذين يتبعونكم لينالوا من فضل طعامكم، ولا حاجة بهم إلى النساء، لأنهم بله لا يعرفون من أمرهن شيئاً، أو شيوخ صلحاء إذا كانوا معهن غضوا أبصارهم، ومعلوم أن الخصى والعنين ومن شاكلهما قد لا يكون له إربة في نفس الجماع ويكون له إربة قوية فيما عداه من التمتع، وذلك يمنع من أن يكون هو المراد.

فيجب أن يحمل المراد على من المعلوم منه إنه لا إربة له في سائر وجوه التمتع، إما لفقد الشهوة، وإما لفقد المعرفة، وإما للفقر والمسكنة، فعلى هذه الوجوه الثلاثة اختلف العلماء.

فقال بعضهم هم الفقراء الذين بهم الفاقة، وقال بعضهم: المعتوه والأبله والصبي، وقال بعضهم: الشيخ، وسائر من لا شهوة له، ولا يمتنع دخول الكل في ذلك، وروى هشام بن عروة عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة فقال يا عبد الله إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان فقال عليه الصلاة والسلام: لا يدخلن عليكم هذا فأباح النبي عليه الصلاة والسلام دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولى الإربة فحجبه، وفي الخصى والمجبوب ثلاثة أوجه: أحدها: استباحة الزينة الباطنة معهما والثاني: تحريمها عليهما والثالثة: تحريمها على الخصى دون المجبوب.

المسألة الثانية: الإربة الفعلة من الأرب كالمشية والجلسة من المشي والجلوس والأرب الحاجة والولوع بالشيء والشهوة له، والإربة الحاجة في النساء، والإربة العقل ومنه الأريب.

المسألة الثالثة: في ﴿ غَيْرِ ﴾ قراءتان قرأ ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر غير بالنصب على الاستثناء أو الحال يعني أو التابعين عاجزين عنهن والقراءة الثانية بالخفض على الوصفية وثاني عشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء ﴾ وفيه مسائل: المسألة الأولى: الطفل اسم للواحد لكنه وضع هاهنا موضع الجمع لأنه يفيد الجنس، ويبين ما بعده أنه يراد به الجمع ونظيره قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً  ﴾ .

المسألة الثانية: الظهور على الشيء على وجهين: الأول: العلم به كقوله تعالى: ﴿ إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ  ﴾ أي إن يشعروا بكم والثاني: الغلبة له والصولة عليه كقوله: ﴿ فَأَصْبَحُواْ ظاهرين  ﴾ فعلى الوجه الأول يكون المعنى أو الطفل الذين لم يتصوروا عورات النساء ولم يدروا ما هي من الصغر وهو قول ابن قتيبة، وعلى الثاني الذين لم يبلغوا أن يطيقوا إتيان النساء، وهو قول الفراء والزجاج.

المسألة الثالثة: أن الصغير الذي لم يتنبه لصغره على عورات النساء فلا عورة للنساء معه، وإن تنبه لصغره ولمراهقته لزم أن تستر عنه المرأة ما بين سرتها وركبتها، وفي لزوم ستر ما سواه وجهان: أحدهما: لا يلزم لأن القلم غير جار عليه والثاني: يلزم كالرجل لأنه يشتهي والمرأة قد تشتهيه وهو معنى قوله: ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النساء ﴾ واسم الطفل شامل له إلى أن يحتلم، وأما الشيخ إن بقيت له شهوة فهو كالشاب، وإن لم يبق له شهوة ففيه وجهان: أحدهما: أن الزينة الباطنة معه مباحة والعورة معه ما بين السرة والركبة والثاني: أن جميع البدن معه عورة إلا الزينة الظاهرة، وهاهنا آخر الصور التي استثناها الله تعالى، قال الحسن هؤلاء وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الباطنة فهم على أقسام ثلاثة، فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والحرمة الثانية للابن والأب والأخ والجد وأبي الزوج وكل ذي محرم والرضاع كالنسب يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك، والحرمة الثالثة هي للتابعين غير أولي الإربة من الرجال وكذا مملوك المرأة فلا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً والستر في هذا كله أفضل، ولا يحل للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب، فهذا ضبط هؤلاء المراتب.

أما قوله تعالى: ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ فقال ابن عباس وقتادة كانت المرأة تمر بالناس وتضرب برجلها ليسمع قعقعة خلخالها، ومعلوم أن الرجل الذي يغلب عليه شهوة النساء إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعية له زائدة في مشاهدتهن، وقد علل تعالى ذلك بأن قال: ﴿ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ فنبه به على أن الذي لأجله نهى عنه أن يعلم زينتهن من الحلى وغيره وفي الآية فوائد: الفائدة الأولى: لما نهى عن استماع الصوت الدال على وجود الزينة فلأن يدل على المنع من إظهار الزينة أولى الثانية: أن المرأة منهية عن رفع صوتها بالكلام بحيث يسمع ذلك الأجانب إذ كان صوتها أقرب إلى الفتنة من صوت خلخالها، ولذلك كرهوا أذان النساء لأنه يحتاج فيه إلى رفع الصوت والمرأة منهية عن ذلك الثالثة: تدل الآية على حظر النظر إلى وجهها بشهوة إذا كان ذلك أقرب إلى الفتنة.

أما قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتُوبُواْ إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: في التوبة وجهان: أحدهما: أن تكاليف الله تعالى في كل باب لا يقدر العبد الضعيف على مراعاتها وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا ينفك من تقصير يقع منه، فلذلك وصى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار وتأميل الفلاح إذا تابوا واستغفروا والثاني: قال ابن عباس رضي الله عنهما توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة، فإن قيل قد صحت التوبة بالإسلام والإسلام يجب ما قبله فما معنى هذه التوبة؟

قلنا قال بعض العلماء إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكره أن يجدد عنه التوبة، لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه إلى أن يلقى ربه.

المسألة الثانية: قرئ ﴿ أَيُّهَ المؤمنون ﴾ بضم الهاء، ووجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها، والله أعلم.

المسألة الثالثة: تفسير لعل قد تقدم في سورة البقرة في قوله: ﴿ اعبدوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ والذين مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  ﴾ والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

من للتبعيض، والمراد غضّ البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحلّ وجوّز الأخفش أن تكون مزيدة، وأباه سيبويه.

فإن قلت: كيف دخلت في غضّ البصر دون حفظ الفروج؟

قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع.

ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهنّ وصدورهنّ وثديهنّ وأعضادهنّ وأسوقهنّ وأقدامهن وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها وقدميها في إحدى الروايتين.

وأما أمر الفرج فمضيق وكفاك فرقاً أن أبيح النظر إلاّ ما استثنى منه، وحظر الجماع إلاّ ما استثنى منه، ويجوز أن يراد- مع حفظها عن الإفضاء إلى ما لا يحلّ- حفظها عن الإبداء.

وعن ابن زيد: كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا، إلاّ هذا فإنه أراد به الاستتار.

ثم أخبر أنه ﴿ خَبِيرٌ ﴾ بأفعالهم وأحوالهم، وكيف يجيلون أبصارهم؟

وكيف يصنعون بسائر حواسهم وجوارحهم؟

فعليهم- إذا عرفوا ذلك- أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴾ أيْ ما يَكُونُ نَحْوَ مُحَرَّمٍ.

﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهم، ولَمّا كانَ المُسْتَثْنى مِنهُ كالشّاذِّ النّادِرِ بِخِلافِ الغَضِّ أطْلَقَهُ وقَيَّدَ الغَضَّ بِحَرْفِ التَّبْعِيضِ، وقِيلَ حِفْظُ الفُرُوجِ ها هُنا خاصَّةً سَتْرُها.

﴿ ذَلِكَ أزْكى لَهُمْ ﴾ أنْفَعُ لَهم أوْ أطْهَرُ لِما فِيهِ مِنَ البُعْدِ عَنِ الرِّيبَةِ.

﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ إجالَةُ أبْصارِهِمْ واسْتِعْمالُ سائِرِ حَواسِّهِمْ وتَحْرِيكُ جَوارِحِهِمْ وما يَقْصِدُونَ بِها، فَلْيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{قُلْ لّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أبصارهم} من للتبعيض والمراد

النور (٣١ - ٣٠)

غض البصر عما يحرم والاقتصار به على ما يحل {وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ} عن الزنا ولم يدخل من هنا لأن الزنا لارخصة فيه بوجه ويجوز النظر إلى وجه الأجنبية وكفها وقدميها في رواية وإلى رأس المحارم والصدر والساقين والعضدين {ذلك} أي غض البصر وحفظ الفرج {أزكى لَهُمْ} أي أطهر من دنس الاثم {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} فيه ترغيب وترهيب يعني أنه خبير

بأحوالهم وأفعالهم وكيف يجيلون أبصارهم يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور فعليهم إذا عرفوا ذلك أن يكونوا منه على تقوى وحذر في كل حركة وسكون

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ أحْكامٍ كُلِّيَّةٍ شامِلَةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ كافَّةً يَنْدَرِجُ فِيها حُكْمُ المُسْتَأْذِنِينَ عِنْدَ دُخُولِهِمُ البُيُوتِ انْدِراجًا أوَّلِيًّا.

وتَلْوِينُ الخِطابِ وتَوْجِيهُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ  وتَفْوِيضُ ما في حَيِّزِهِ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قِيلَ لِأنَّها تَكالِيفُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأُمُورٍ جُزْئِيَّةٍ كَثِيرَةِ الوُقُوعِ حُرِّيَّةً بِأنْ يَكُونَ الآمِرُ بِها والمُتَصَدِّي لِتَدْبِيرِها حافِظًا ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِمْ.

وقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ لَمّا أنَّ بَعْضَ المُؤْمِنِينَ جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  كالمُسْتَدْعِي لِأنْ يَقُولَ لَهُ ما في حَيِّزِ القَوْلِ.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهَ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ قالَ: «مَرَّ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ  في طَرِيقٍ مِن طُرُقاتِ المَدِينَةِ فَنَظَرَ إلى امْرَأةٍ ونَظَرَتْ إلَيْهِ فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ أحَدُهُما إلى الآخَرِ إلّا إعْجابًا بِهِ فَبَيْنَما الرَّجُلُ يَمْشِي إلى جَنْبِ حائِطٍ وهو يَنْظُرُ إلَيْها إذِ اسْتَقْبَلَهُ الحائِطُ فَشَقَّ أنْفَهُ فَقالَ: واللَّهِ لا أغْسِلُ الدَّمَ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ  فَأُخْبِرُهُ أمْرِي فَأتاهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ فَقالَ النَّبِيُّ  : هَذا عُقُوبَةُ ذَنْبِكَ وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴾ » ومَفْعُولُ القَوْلِ مُقَدَّرٌ، ( ويَغُضُّوا ) جَوابٌ لَقَلَّ لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى حَرْفِ الشَّرْطِ كَأنَّهُ قِيلَ: إنْ تَقُلْ لَهم غَضُّوا يَغُضُّوا، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم لِفَرْطِ مُطاوَعَتِهِمْ لا يَنْفَكُّ فِعْلُهم عَنْ أمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وأنَّهُ كالسَّبَبِ المُوجِبِ لَهُ وهَذا هو المَشْهُورُ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ ﴿ يَغُضُّوا ﴾ جَوابًا لِلْأمْرِ المُقَدِّرِ المَقُولِ لِلْقَوْلِ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ الجَوابَ لا بُدَّ أنْ يُخالِفَ المُجابَ إمّا في الفِعْلِ والفاعِلِ نَحْوِ ائْتِنِي أُكْرِمْكَ أوْ في الفِعْلِ نَحْوِ أسْلِمْ تَدَخُّلِ الجَنَّةَ أوْ في الفاعِلِ نَحْوِ قُمْ أقُمْ ولا يَجُوزُ أنْ يَتَوافَقا فِيهِ، وأيْضًا الأمْرُ لِلْمُواجَهَةِ ( ويَغُضُّوا ) غائِبٌ ومِثْلُهُ لا يَجُوزُ، وقِيلَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَمْ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن قُبَيْلِ «مَن كانَتْ هِجْرَتُهُ» الحَدِيثُ ولا نُسَلِّمُ أنَّهُ لا يُجابُ الأمْرُ بِلَفْظِ الغِيبَةِ إذا كانَ مَحْكِيًّا بِالقَوْلِ لِجَوازِ التَّلْوِينِ حِينَئِذٍ وفِيهِ بَحْثٌ، ومَن أنْصَفَ لا يَرى هَذا الوَجْهَ وجِيهًا وهو عَلى ما فِيهِ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، وجَوَّزَ الطَّبَرْسِيُّ.

وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ ﴿ يَغُضُّوا ﴾ مَجْزُومًا بِلامِ أمْرٍ مُقَدِّرَةٍ لِدَلالَةٍ ﴿ قُلْ ﴾ أيْ قُلْ لَهم لِيَغُضُّوا والجُمْلَةُ نَصْبٌ عَلى المَفْعُولِيَّةِ لِلْقَوْلِ، وغَضُّ البَصَرِ إطْباقُ الجَفْنِ عَلى الجَفْنِ، ( ومِن ) قِيلَ صِلَةٌ وسِيبَوَيْهُ يَأْبى ذَلِكَ في مِثْلِ هَذا الكَلامِ والجَوازِ مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن لِبَيانِ الجِنْسِ ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ.

وتَعْقُبُهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مُبْهَمٌ لِتَكُونَ مَن لِبَيانِ الجِنْسِ عَلى أنَّ الصَّحِيحَ أنَّها لَيْسَ مِن مَوْضُوعاتِها أنْ تَكُونَ لِبَيانِ الجِنْسِ انْتَهى، والجُلُّ عَلى أنَّها هُنا تَبْعِيضِيَّةٌ والمُرادُ غَضُّ البَصَرِ عَمّا يَحْرُمُ والِاقْتِصارُ بِهِ عَلى ما يَحُلُّ، وجَعْلُ الغَضِّ عَنْ بَعْضِ المُبْصِرِ غَضُّ بَعْضِ البَصَرِ وفِيهِ كَما في الكَشْفِ كِنايَةً حَسَنَةً ثُمَّ إنَّ غَضَّ البَصَرِ عَمّا يُحَرِّمُ النَّظَرَ إلَيْهِ واجِبٌ ونَظْرَةُ الفَجْأةِ الَّتِي لا تَعْمِدُ فِيها مَعْفُوٌّ عَنْها، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وغَيْرُهُما عَنْ بِرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««لا تَتْبَعِ النَّظْرَةُ النَّظْرَةَ فَإنَّ لَكَ الأوْلى ولَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ»» وبَدَأ سُبْحانَهُ بِالإرْشادِ إلى غَضِّ البَصَرِ لِما في ذَلِكَ مِن سَدِّ بابِ الشَّرِّ فَإنَّ النَّظَرَ بابٌ إلى كَثِيرٍ مِنَ الشُّرُورِ وهو بَرِيدُ الزِّنا وراءَ الفُجُورِ، وقالَ بَعْضُهُمْ: كُلُّ الحَوادِثِ مُبْداها مِنَ النَّظَرِ ومُعْظَمُ النّارِ مِن مُسْتَصْغِرِ الشَّرَرِ والمَرْءُ ما دامَ ذا عَيْنٍ يُقَلِّبُها ∗∗∗ في أعْيُنِ العَيْنِ مَوْقُوفٌ عَلى الخَطَرِ كَمْ نَظْرَةٍ فَعَلَتْ في قَلْبِ فاعِلِها ∗∗∗ فِعْلَ السِّهامِ بِلا قَوْسٍ ولا وتَرٍ يَسُرُّ ناظِرَهُ ما ضَرَّ خاطِرَهُ ∗∗∗ لا مَرْحَبًا بِسُرُورٍ عادَ بِالضَّرَرِ والظّاهِرُ أنَّ الإرْشادَ لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ ولَفْظُ الجَمْعِ لا يَأْبى ذَلِكَ، والظّاهِرُ أيْضًا أنَّ المُؤْمِنِينَ أعَمُّ مِنَ العِبادِ وغَيْرِهِمْ، وزَعَمَ بَعْضُهم جَوازَ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِمُ العِبادَ والمُؤْمِنِينَ المُخْلِصِينَ عَلى أنْ يَكُونَ المَعْنى قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ الكامِلِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴿ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ أيْ عَمّا لا يَحِلُّ لَهم مِنَ الزِّنا واللُّواطَةِ، ولَمْ يُؤْتَ هُنا بِمَنِ التَّبْعِيضِيَّةِ كَما أتى بِها فِيما تَقَدَّمَ لِما أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حُسْنُ كِنايَةٍ كَما في ذَلِكَ.

وفي الكَشّافِ دَخَلَتْ ﴿ مِن ﴾ في غَضِّ البَصَرِ دُونَ حِفْظِ الفَرْجِ دَلالَةً عَلى أنَّ أمْرَ النَّظَرِ أوْسَعُ ألا تَرى أنَّ المَحارِمَ لا بَأْسَ بِالنَّظَرِ إلى شُعُورِهِنَّ وصُدُورِهِنَّ وثَدْيِهِنَّ وأعْضادِهِنَّ وسُوقِهِنَّ وأقْدامِهِنَّ وكَذَلِكَ الجَوارِي المُسْتَعْرِضاتِ لِلْبَيْعِ والأجْنَبِيَّةِ يَنْظُرُ إلى وجْهِها وكَفَّيْها وقَدَمَيْها في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ وأمّا أمْرُ الفَرْجٍ فَمُضَيَّقٌ، وكَفاكَ فَرْقًا أنْ أُبِيحَ النَّظَرَ إلّا ما اسْتُثْنِيَ مِنهُ وحَظْرُ الجِماعِ إلّا ما اسْتَثْنى مِنهُ انْتَهى، وقالَ صاحِبُ الفَرائِدِ: يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: المُرادُ غَضُّ البَصَرِ عَنِ الأجْنَبِيَّةِ والأجْنَبِيَّةُ يَحُلُّ النَّظَرُ إلى بَعْضِها وأمّا الفَرَجُ فَلا طَرِيقَ إلى الحَلِّ فِيهِ أصْلًا بِالنِّسْبَةِ إلى الأجْنَبِيَّةِ فَلا وجْهَ لِدُخُولِ ﴿ مِن ﴾ فِيهِ وفِيهِ تَأمُّلٌ، وقِيلَ: لَمْ يُؤْتَ بِمَن هُنا لِأنَّ المُرادَ مِن حِفْظِ الفُرُوجِ سَتْرُها.

فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ وجَماعَةٌ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ قالَ: كُلُّ آيَةٍ يُذْكَرُ فِيها حِفْظُ الفَرْجِ فَهو مِنَ الزِّنا إلّا هَذِهِ الآيَةُ في النُّورِ ﴿ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ ﴿ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ فَهو أنْ لا يَراها أحَدٌ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أبِي زَيْدٍ، والسَّتْرُ مَأْمُورٌ بِهِ مُطْلَقًا.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ يَجُوزُ الكَشْفُ في مَواضِعَ فَلَوْ جِيءَ بِمَن لَكانَ فِيهِ إشارَةٌ إلى ذَلِكَ، وتَفْسِيرُ حَفْظِ الفُرُوجِ هُنا خاصَّةً بِسَتْرِها قِيلَ لا يَخْلُو عَنْ بُعْدٍ لِمُخالَفَتِهِ لِما وقَعَ في القُرْآنِ الكَرِيمِ كَما اعْتَرَفَ بِهِ مَن فَسَّرَهُ بِما ذَكَرَ.

واخْتارَ بَعْضُ المُدَقِّقِينَ أنَّ المُرادَ مِن ذَلِكَ حِفْظُ الفُرُوجِ عَنِ الإفْضاءِ إلى ما لا يَحِلُّ وحِفْظُها عَنِ الإبْداءِ لِأنَّ الحِفْظَ لِعَدَمِ ذِكْرِ صِلَتِهِ يَتَناوَلُ القِسْمَيْنِ، وذَكَرَ أنَّ الحِفْظَ عَنِ الإبْداءِ يَسْتَلْزِمُ الآخَرَ مِن وجْهَيْنِ عَدَمُ خُلُوِّهِ عَنِ الإبْداءِ عادَةً وكَوْنُ الحِفْظِ عَنِ الإبْداءِ بَلِ الأمْرُ بِالتَّسَتُّرِ مُطْلَقًا لِلْحِفْظِ عَنِ الإفْضاءِ، ومِن هُنا تَعْلَمُ أنَّ مِن ضَعْفِ ما رُوِيَ عَنْ أبِي العالِيَةِ.

وابْنُ زَيْدٍ بِعَدَمِ تَعَرُّضِ الآيَةِ عَلَيْهِ بِحِفْظِ الفَرْجِ عَنِ الزِّنا لَمْ يَصُبِ المَحَزَّ.

﴿ ذَلِكَ ﴾ أيْ ما ذَكَرَ مِنَ الغَضِّ والحِفْظِ ﴿ أزْكى لَهُمْ ﴾ أيْ أطْهَرَ مِن دَنَسِ الرِّيبَةِ أوْ أنْفَعَ مِن حَيْثُ الدِّينِ والدُّنْيا فَإنَّ النَّظَرَ بَرِيدُ الزِّنا وفِيهِ مِنَ المَضارِّ الدِّينِيَّةِ أوِ الدُّنْيَوِيَّةِ ما لا يَخْفى وأفْعَلُ لِلْمُبالَغَةِ دُونَ التَّفْضِيلِ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّفْضِيلِ عَلى مَعْنى أزْكى مِن كُلِّ شَيْءٍ نافِعٍ أوْ مُبْعِدٍ عَنِ الرِّيبَةِ، وقِيلَ عَلى مَعْنى أنَّهُ أنْفَعُ مِنَ الزِّنا والنَّظَرِ الحَرامِ فَإنَّهم يَتَوَهَّمُونَ لَذَّةَ ذَلِكَ نَفْعًا ﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمّا يَصْدُرُ عَنْهم مِنَ الأفاعِيلِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها إجالَةُ النَّظَرِ واسْتِعْمالُ سائِرِ الحَواسِّ وتَحْرِيكُ الجَوارِحِ وما يَقْصِدُونَ بِذَلِكَ فَلْيَكُونُوا عَلى حَذَرٍ مِنهُ عَزَّ وجَلَّ في كُلِّ ما يَأْتُونَ وما يَذْرُوَنَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ، يعني: يكفوا أبصارهم ومِنْ صلة في الكلام.

وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ عما لا يحل لهم.

وقال أبو العالية الرياحي: كلما ذكر حفظ الفرج في القرآن، أراد به الحفظ عن الزنى، إلا هاهنا، فإن المراد به هاهنا: الستر عن النظر، يعني: قل للمؤمنين يغضوا أبصارهم عن عورات النساء، ويحفظوا فروجهم عن أبصار الناس.

وقال النبيّ  ، لعليّ  : «يا عَلِيُّ لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ، فَإنَّ الأُولَى لَكَ وَالأُخْرَى عَلَيْكَ» .

وروي عن عيسى ابن مريم أنه قال: «إياكم والنظرة، فإنها تزرع في القلب شهوة» .

فذلك قوله: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ وأطهر من الريبة، يعني: غض البصر والحفظ خير لكم من ترك الحفظ والنظر.

ثم قال: إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ، يعني: عالم بهم.

قوله عز وجل: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ، يعني: يحفظن أبصارهن عن الحرام، وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ عن الفواحش، وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها.

روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه قال: «وجهها وكفيها» ، وهكذا قال إبراهيم النخعي.

وروي أيضاً عن عائشة  ا أنها قالت: «الوجه والكفان» ، وهكذا قال الشعبي.

وروى نافع، عن ابن عمر أنه قال: «الوجه والكفان» ، وقال مجاهد: «الكحل والخضاب» .

وروى أبو صالح، عن ابن عباس: «الكحل والخاتم» .

وروي، عن ابن عباس في رواية أُخرى: إِلَّا ما ظَهَرَ مِنْها يعني: «فوق الثياب» .

وروى أبو إسحاق، عن ابن مسعود أنه قال: «ثيابها» ، وروي عن ابن مسعود رواية أُخرى أنه سئل عن قوله: إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها «فتقنع عبد الله بن مسعود، وغطى وجهه وأبدى عن إحدى عينيه» .

قوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ يعني: ليرخين بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ، يعني: على الصدر والنحر.

قال ابن عباس: «وكنّ النساء قبل هذه الآية يبدين خمرهن من ورائهن، كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية، سدلن الخمر على الصدر والنحر» .

ثم قال: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ، يعني: لا يظهرن مواضع زينتهن، وهو الصدر والساق والساعد والرأس، لأن الصدر موضع الوشاح، والساق موضع الخلخال، والسّاعد موضع السوار، والرأس موضع الإكليل، فقد ذكر الزينة وأراد بها موضع الزينة.

إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ، يعني: لأزواجهن، أَوْ آبائِهِنَّ يعني: يجوز للآباء النظر إلى مواضع زينتهن، أَوْ آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنائِهِنَّ أَوْ أَبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَواتِهِنَّ.

وقد ذكر في الآية بعض ذوي الرحم المحرم، فيكون فيه دليل على ما كان بمعناه، لأنه لم يذكر فيها الأعمام والأخوال، ولكن الآية إذا نزلت في شيء، فقد نزلت فيما هو في معناه، والأعمام والأخوال بمعنى الإخوة وبني الإخوة، لأنه ذو رحم محرم.

وقد ذكر الأبناء في آية أُخرى، وهي قوله: لاَّ جُناحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبائِهِنَّ وَلا أَبْنائِهِنَّ [الأحزاب: 55] .

والنظر إلى النساء على أربع مراتب: في وجه: يجوز النظر إلى جميع أعضائها، وهي النظر إلى زوجته وأمته.

وفي وجه: يجوز النظر إلى الوجه والكفين، وهو النظر إلى المرأة التي لا يكون محرماً لها، ويأمن كل واحد منهما على نفسه، فلا بأس بالنظر عند الحاجة.

وفي وجه: يجوز النظر إلى الصدر والساق والرأس والساعد، وهو النظر إلى امرأة ذي رحم أو ذات رحم محرم، مثل الأخت والأم والعمة والخالة وأولاد الأخ والأخت وامرأة الأب وامرأة الابن وأم المرأة سواء كان من قبل الرضاع أو من قبل النسب، وفي وجه: لا يجوز النظر إلى شيء، وهو أن يخاف أن يقع في الإثم إذا نظر.

ثم قال تعالى: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني: نساء أهل دينهن، ويكره للمرأة أن تظهر مواضع زينتها عند امرأة كتابية، لأنها تصف ذلك عند غيرها.

ويقال: نِسائِهِنَّ يعني: العفائف، ولا ينبغي أن تنظر إليها المرأة الفاجرة، لأنها تصف ذلك عند الرجال.

ثم قال: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، يعني: الجواري، فإنها نزلت في الإماء وقال سعيد بن المسيب: لا تغرنكم هذه الآية أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، يعني: الجواري، فإنها نزلت في الإماء.

لا ينبغي للمرأة أن ينظر العبد إلى شعرها، ولا إلى شيء من محاسنها.

وقال مجاهد أكره أن ينظر العبد إلى شعر مولاته، وكذلك قال عطاء وطاوس.

وقال مجاهد: في بعض القراءات أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ، الذين لم يبلغوا الحلم.

وروى سفيان، عن ليث قال: كان بعضهم يقرأ: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ من الصغار وقال الشعبي: لا ينظر العبد إلى مولاته، ولا إلى شعرة منها.

ثم قال تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ، يعني: الخادم أو الأجير للمرأة، يعني: غير ذوي الحاجة مثل الشيخ الكبير ونحوه، وقال مجاهد: هو الذي لا إرب له، أي لا حاجة له بالنساء، مثل فلان، وكذا روى الشعبي عن علقمة، وقال الحسن والزهري: غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ: هو الأحمق، وقال الضحاك: هو الأبله، ويقال: هو الذي طبعه طبع النساء، فلا يكون له شهوة الرجال.

وسئلت عائشة  ا هل يرى الخصي حسن المرأة؟

قالت: «لا، ولا كرامة، أليس هو رجل؟» قرأ ابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ بنصب الراء، وقرأ الباقون بالكسر.

فمن قرأ بالكسر، يكون على النعت للتابعين، فيكون معناها: التابعين الذين هذه حالهم.

ومن نصب، أراد به الاستثناء، والمعنى: إلا أولي الإربة.

ثم قال: مِنَ الرِّجالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ، يعني: لم يطلعوا ولم يشتهوا الجماع.

ثم قال: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ، يعني: لا يضربن بإحدى أرجلهن على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال، لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ يعني: ما يواري الثياب من زينتهن.

وروى سفيان، عن السدي قال: «كانت المرأة تمر على المجلس وفي رجلها الخلخال، فإذا جازت بالقوم ضربت برجلها ليصوت خلخالها، فنزلت: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ وقال بعض المفسرين: قد علم الله تعالى أن من النساء من تكون حمقاء، فتحرك رجلها ليعلم أن لها خلخالاً، فنهي النساء أن يفعلن، كما تفعل الحمقاء.

ثم قال: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً، يعني: من جميع ما وقع التقصير من الأوامر والنواهي التي ذكر من أول السورة إلى هاهنا، أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، يعني: أيها المصدقون بالله ورسوله.

وفي هذه الآية دليل: أن الذنب لا يخرج العبد من الإيمان، لأنه أمر بالتوبة، والتوبة لا تكون إلا من الذنب، ولم يفصل بين الكبائر وغيرها، فقال بعد ما أمر بالتوبة أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ، سماهم مؤمنين بعد الذنب.

ثم قال: لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، أي تنجون من العذاب.

قرأ ابن عامر أَيُّهَ بضم الهاء، وكذلك في قوله: يا أيّه السّاحر، وأيّه الثقلان، وقرأ الباقون بالنصب.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال ع «١» : وتصريف الفعل يأْبَى أَنْ يكون من أنس، وقرأ أُبَيُّ وابن عباس «٢» :

«حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا» وصورة الاستئذان أَنْ يقول الإنسان: السلام عليكم، أأدخل؟

فإن أُذِنَ له دَخَل، وإنْ أُمِرَ بالرجوع انصرف، وإنْ سُكِتَ عنه استأذن ثلاثاً ثم ينصرف، جاءت في هذا كله آثار، والضمير في قوله: تَجِدُوا فِيها: للبيوت التي هي بيوتُ الغير، وأسند الطبريُّ «٣» عن قتادة أنه قال: قال رجل من المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كُلَّه هذه الآيةَ فما أدركتها أن أستأذنَ على بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مُغْتَبِطٌ «٤» لقوله تعالى: هُوَ أَزْكى لَكُمْ.

وقوله تعالى: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ تَوَعُّدٌ لأهل التجسّس.

وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ مَسْكُونَةٍ ...

الآية: أباح سبحانه في هذه الآية رفعَ الاستئْذان في كُلِّ بيت لا يسكنه أحد لأَنَّ العِلَّةَ في الاستئذان خوفُ الكشفة على المُحَرِّمَاتِ، فإذا زالت العِلَّةُ زال الحكم، وباقي الآية بَيِّنٌ ظاهر التوعد، وعن مالك رحمه الله: أَنه بلغه أَنَّهُ كان يُسْتَحَبُّ إذا دخل البيتَ غيرَ المسكون، أن يقول

الذي يدخله: السَّلاَمُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ، انتهى، أخرجه «١» في «المُوَطَّإِ» .

وقوله تعالى: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ أظهر ما في مِنْ أَنْ تكون للتبعيض، لأَنَّ أول نظرة لا يملكها الإنسانُ وإنَّما يَغُضُّ فيما بعد ذلك، فقد وقع التبعيض بخلاف الفروج إذ حفظُها عامٌّ لها، والبصر هو الباب الأكبر إلى القلب، وبحسب ذلك كثر السقوط من جهته، ووجب التحذيرُ منه، وحفظُ الفرج هو عن الزنا وعن كشفه حيث لا يحل.

قلت: النواظر «٢» صوارمُ مشهورة فاغمدها في غِمْدِ الغَضِّ والحياء مِنْ نظر المولى وإلاَّ جرحك بها عَدُوُّ الهوى، لا ترسلْ بريد النظر فيجلبَ لقلبك رَدِيءَ الفكر، غُضُّ البصرِ يُورِثُ القلب نوراً، وإطلاقُه يَقْدَحُ في القلب ناراً.

انتهى من «الكَلِمِ الفارقيَّة فِي الحِكَمِ الحقيقيَّة» .

قال ابن العربيِّ»

في «أحكامه» : قوله تعالى: ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ يريد: أطهر وأنمى، يعني: إذا غَضَّ بصره كان أطهرَ له من الذنوب وأَنمى لعمله في الطاعة.

قال ابن العربي «٤» : ومِنْ غَضَّ البصر: كَفُّ التطلع إلى المُبَاحَاتِ من زينة الدنيا وجمالِها كما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلّم: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى مَا مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ ٣٧ ب زَهْرَةَ الْحَياةِ/ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى [طه: ١٣١] .

يريد ما عند الله تعالى، انتهى.

وقوله تعالى: وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصارِهِنَّ ...

الآية: أمر الله تعالى النساء في هذه الآية بِغَضِّ البصر عن كل ما يُكْرَهُ- من جهة الشرع- النظرُ إليه، وفي حديث أُمِّ سلمةَ قالت: كُنْتُ أنا وعائشة عند النّبيّ صلى الله عليه وسلّم فدخل ابن أمّ مكتوم فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم:

«احتجبن، فقلن: إنّه أعمى!

فقال صلى الله عليه وسلّم: «أفعمياوان أنتما» «٥» ومِنْ الكلام فيها كالتي قبلها.

قال ابن العربي في «أحكامه» «١» : وكما لا يَحِلُّ للرجل أن ينظر إلى المرأة، لا يحل للمرأة أَنْ تنظر إلى الرجلِ، فإنَّ عَلاَقَتَهُ بها كعلاقتها به، وقصدَه منها كقصدها منه، ثم استدل بحديث أُمِّ سلمة المتقدم، انتهى.

وحفظ الفرج يَعُمُّ الفواحش، وسترَ العورة، وما دون ذلك مِمَّا فيه حفظ، ثم أَمر تعالى بأَلاَّ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ ما يظهر من الزينة قال ابن مسعود «٢» : ظاهر الزينة: هو الثياب.

وقال ابن جبير وغيره «٣» : الوجه والكَفَّانِ والثيابُ.

وقيل: غير هذا.

قال زينتها ع «٤» ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أَنَّ المرأة مأمورة بأَلاَّ تبديَ، وأَنْ تجتهدَ في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء في كُلِّ ما غلبها، فظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بُدَّ منه أو إصلاح شأن، فما ظهر على هذا الوجه فهو المَعفُوُّ عنه، وذكر أبو عمر: الخلاف في تفسير الآية كما تقدم قال: ورُوِيَ عن أبي هريرة في قوله تعالى: وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْها قال: القلب والفتخة.

قال جرير بن حازم: القُلْبُ: السِّوَارُ، والفتخة: الخاتم، انتهى من «التمهيد» .

وقوله تعالى: وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ.

قال ابن العربي «١» : الجيب هو الطَّوْقُ، والخمار: هو المِقْنَعَة، انتهى.

قال ع «٢» : سبب الآية أَنَّ النساء كُنَّ في ذلك الزمان إذا غَطَّيْنَ رؤوسهنَّ بالأخمرة سَدَلْنَهَا من وراء الظهر فيبقى النَّحْرُ والعُنُقُ والأُذُنَانِ لا سِتْرَ على ذلك، فأمر الله تعالى بِلَيِّ الخمار على الجيوب، وهَيْئَةُ ذلك يستر جميعَ ما ذكرناه، وقالت عائشة- رضي الله عنها- رُحِمَ اللهُ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لمَّا نزلت هذه الآية عَمَدْنَ إلى أكثف المروط «٣» فشققنها أخمرةً، وضربن بها على الجيوب «٤» .

وقوله سبحانه: أَوْ نِسائِهِنَّ يعني جميع المؤمنات، ويخرج منه نساء المشركين، وكتب عمر إلى أبي عبيدةَ بن الجراح أَنْ يمنع نساءَ أهل الذِّمَّةِ أَنْ يدخلنَ الحَمَّامَ مع نساء المسلمين فامتثل «٥» .

وقوله سبحانه: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمانُهُنَّ يدخل فيه الإماءُ الكتابِيَّاتُ والعبيد.

وقال ابن عباس وجماعة «٦» : لا يدخل العبد على سَيِّدته فيرى شعرها إلاَّ أن يكون وغْداً.

وقوله تعالى: أَوِ التَّابِعِينَ يريد الأتباع لِيُطْعَمُوا، وهم فُسُولُ الرجال الذين لا إرْبَةَ لهم في الوَطْءِ، ويدخل في هذه الصنيفة: المَجْبُوبُ، والشيخ الفاني، وبعضُ المَعْتُوهِينَ، والذي لا إرْبَةَ له من الرجال قليلٌ، والإربة: الحاجة إلى الوطء، والطفل اسم جنس،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴾ في " مِن " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها صِلَةٌ.

والثّانِي: أنَّها أصْلٌ، لِأنَّهم لَمْ يُؤَمَرُوا بِالغَضِّ مُطْلَقًا، وإنَّما أُمِرُوا بِالغَضِّ عَمّا لا يَحِلُّ.

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: عَمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: عَنْ أنْ تَرى فَهو أمْرٌ لَهم بِالِاسْتِتارِ، قالَهُ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى الغَضِّ وحِفْظِ الفُرُوجِ ﴿ أزْكى لَهُمْ ﴾ أيْ: خَيْرٌ وأفْضَلُ ﴿ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ في الأبْصارِ والفُرُوجِ.

ثُمَّ أمَرَ النِّساءَ بِما أمَرَ بِهِ الرِّجالَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ أيْ: لا يُظْهِرْنَها لِغَيْرِ مَحْرَمٍ.

وزِينَتُهُنَّ عَلى ضَرْبَيْنِ، خَفِيَّةٍ كالسِّوارَيْنِ والقِرْطَيْنِ والدُّمْلُجِ والقَلائِدِ ونَحْوِ ذَلِكَ، وظاهِرَةٍ وهي المُشارُ إلَيْها بِقَوْلِهِ: ﴿ إلا ما ظَهَرَ مِنها ﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُهُما: أنَّها الثِّيابُ، رَواهُ أبُو الأحْوَصِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ؛ وفي لَفْظٍ آخَرَ قالَ: هو الرِّداءُ.

والثّانِي: أنَّها الكَفُّ والخاتَمُ والوَجْهُ.

والثّالِثُ: الكُحْلُ والخاتَمُ، رَواهُما سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: القَلْبانِ، وهُما السِّوارانِ والخاتَمُ والكُحْلُ، قالَهُ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ.

والخامِسُ: الكُحْلُ والخاتَمُ والخِضابُ، قالَهُ مُجاهِدُ.

والسّادِسُ: الخاتَمُ والسِّوارُ، قالَهُ الحَسَنُ.

والسّابِعُ: الوَجْهُ والكَفّانِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والقَوْلُ الأوَّلُ أشْبَهُ، وقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ أحْمَدُ، فَقالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الثِّيابُ، وكُلُّ شَئٍ مِنها عَوْرَةٌ حَتّى الظُّفْرُ، ويُفِيدُ هَذا تَحْرِيمَ النَّظَرِ إلى شَئٍ مِنَ الأجْنَبِيّاتِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَإنْ كانَ لِعُذْرٍ مِثْلِ أنْ يُرِيدَ أنْ يَتَزَوَّجَها أوْ يَشْهَدَ عَلَيْها، فَإنَّهُ يَنْظُرُ في الحالَيْنِ إلى وجْهِها خاصَّةً فَأمّا النَّظَرُ إلَيْها لِغَيْرِ عُذْرٍ فَلا يَجُوزُ لا لِشَهْوَةٍ ولا لِغَيْرِها، وسَواءً في ذَلِكَ الوَجْهُ والكَفّانِ وغَيْرُهُما مِنَ البَدَنِ.

فَإنْ قِيلَ: فَلِمَ لا تَبْطُلُ الصَّلاةُ بِكَشْفِ وجْهِها؟!

فالجَوابُ: أنَّ في تَغْطِيَتِهِ مَشَقَّةً، فَعُفِيَ عَنْهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ ﴾ وهي جُمْعُ خِمارٍ، وهو ما تُغَطِّي بِهِ المَرْأةُ رَأْسَها، والمَعْنى: ولْيُلْقِينَ مَقانِعَهُنَّ ﴿ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ لِيَسْتُرْنَ بِذَلِكَ شُعُورَهُنَّ وقِرْطَهُنَّ وأعْناقَهُنَّ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وإبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ، والأعْمَشُ: " عَلى جِيُوبِهِنَّ " بِكَسْرِ الجِيمِ، ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ﴾ يَعْنِي: الخَفِيَّةَ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُها ﴿ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا يَضَعْنَ الجِلْبابَ والخِمارَ إلّا لِأزْواجِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ نِسائِهِنَّ ﴾ يَعْنِي: المُسْلِماتِ.

قالَ أحْمَدُ: لا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمَةِ أنْ تَكْشِفَ رَأْسَها عِنْدَ نِساءِ أهْلِ الذِّمَّةِ، واليَهُودِيَّةُ والنَّصْرانِيَّةُ لا تَقْبَلانِ المُسْلِمَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ قالَ أصْحابُنا: المُرادُ بِهِ: الإماءُ دُونَ العَبِيدِ.

وقالَ أصْحابُ الشّافِعِيِّ: يَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ، فَيَجُوزُ لِلْمَرْأةِ عِنْدَهم أنْ تُظْهِرَ لِمَمْلُوكِها ما تُظْهِرُ لِمَحارِمِها، لِأنَّ مَذْهَبَ الشّافِعِيِّ أنَّهُ مَحْرَمٌ لَها، وعِنْدَنا أنَّهُ لَيْسَ بِمَحْرَمٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى غَيْرِ وجْهِها وكَفَّيْها، وقَدْ نَصَّ أحْمَدُ عَلى أنَّهُ يَجُوزُ أنْ يَنْظُرَ إلى شَعْرِ مَوْلاتِهِ، قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وإنَّما ذَكَرَ الإماءَ في الآيَةِ، لِأنَّهُ قَدْ يَظُنُّ الظّانُّ أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تُبْدِيَ زِينَتَها لِلْإماءِ، لِأنَّ الَّذِينَ تَقَدَّمَ ذِكْرُهم أحْرارٌ، فَلَمّا ذَكَرَ الإماءَ زالَ الإشْكالُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوِ التّابِعِينَ ﴾ وهُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ القَوْمَ ويَكُونُونَ مَعَهم لِإرْفاقِهِمْ إيّاهُمْ، أوْ لِأنَّهم نَشَؤُوا فِيهِمْ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في هَذا التّابِعِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الأحْمَقُ الَّذِي لا تَشْتَهِيهِ المَرْأةُ ولا يَغارُ عَلَيْهِ الرَّجُلُ، قالَهُ قَتادَةُ، وكَذَلِكَ قالَ مُجاهِدُ: هو الأبْلَهُ الَّذِي يُرِيدُ الطَّعامَ ولا يُرِيدُ النِّساءَ.

والثّانِي: أنَّهُ العِنِّينُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: المُخَنَّثُ كانَ يَتْبَعُ الرَّجُلَ يَخْدُمُهُ بِطَعامِهِ، ولا يَسْتَطِيعُ غَشَيانَ النِّساءِ ولا يَشْتَهِيهِنَّ، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّيْخُ الفانِي، والخامِسُ: أنَّهُ الخادِمُ، قالَهُما ابْنُ السّائِبِ.

والسّادِسُ: أنَّهُ الَّذِي لا يَكْتَرِثُ بِالنِّساءِ، إمّا لِكِبَرٍ أوْ لِهِرَمٍ أوْ لِصِغَرٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ المُنادِي مِن أصْحابِنا.

قالَ الزَّجّاجُ: ﴿ غَيْرِ ﴾ صِفَةٌ لِلتّابِعِينَ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ مَعْناهُ: ﴿ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ﴾ والمَعْنى: ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِمَمالِيكِهِنَّ، ولا لِتُبّاعِهِنَّ، إلّا أنْ يَكُونُوا غَيْرَ أُولِي الإرْبَةِ، والإرْبَةُ: الحاجَةُ، ومَعْناهُ: غَيْرُ ذَوِي الحاجاتِ إلى النِّساءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوِ الطِّفْلِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُرِيدُ الأطْفالَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ ﴾ أيْ: لَمْ يَعْرِفُوها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ ﴾ أيْ: بِإحْدى الرِّجْلَيْنِ عَلى الأُخْرى لِيَضْرِبَ الخَلْخالُ الخَلْخالَ فَيُعْلَمَ أنَّ عَلَيْها خَلْخالَيْنِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم ذَلِكَ أزْكى لَهم إنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما يَصْنَعُونَ ﴾ ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: إنَّهُمْ، فَقَوْلُهُ: "يَغُضُّوا" جَوابُ الأمْرِ، وقالَ المازِنِيُّ: المَعْنى: قُلْ لَهم غُضُّوا يَغُضُّوا، ويَلْحَقُ هَذَيْنِ مِنَ الِاعْتِراضِ أنَّ الجَوابَ خَبَرٌ مِنَ اللهِ تَعالى، وقَدْ يُوجَدُ مَن لا يَغُضُّ، ويَنْفَصِلُ بِأنَّ المُرادَ: يَكُونُونَ في حُكْمِ مَن يَغُضُّ.

وقَوْلُهُ: ﴿ مِن أبْصارِهِمْ ﴾ ، أظْهَرَ ما في "مِن" أنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ، وذَلِكَ أنَّ أوَّلَ نَظْرَةٍ لا يَمْلِكُها الإنْسانُ، وإنَّما يَغُضُّ فِيما بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَدْ وقَعَ التَبْعِيضُ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَأْوِيلَ ما رُوِيَ مِن قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعالى عنهُ: «لا تُتْبِعِ النَظْرَةَ النَظْرَةَ فَإنَّ الأُولى لَكَ، ولَيْسَتْ لَكَ الثانِيَةُ» الحَدِيثُ.

وقالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: سَألَتُ النَبِيَّ  عن نَظْرَةِ الفَجْأةِ فَقالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ "مِن" لِبَيانِ الجِنْسِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ لِابْتِداءِ الغايَةِ، والبَصَرُ هو البابُ الأكْبَرُ إلى القَلْبِ وأعْمَرُ طُرُقِ الحَواسِّ إلَيْهِ، وبِحَسْبِ ذَلِكَ كَثُرَ السُقُوطُ مِن جِهَتِهِ، ووَجَبَ التَحْذِيرُ مِنهُ.

و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ: في الزِنى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِسَتْرِ العَوْرَةِ، والأظْهَرُ أنَّ الجَمِيعَ مُرادٌ واللَفْظُ عامٌّ، وبِهَذِهِ الآيَةِ حَرَّمَ العُلَماءُ دُخُولَ الحَمّامِ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ: كُلُّ فَرْجِ ذُكِرَ في القُرْآنِ فَهو مِنَ الزِنى إلّا هَذِهِ الآيَتَيْنِ فَإنَّهُ يَعْنِي التَسَتُّرَ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولا وجْهَ لِهَذا التَخْصِيصِ عِنْدِي.

وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، وظاهِرُهُ التَوَعُّدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ ﴾ الآيَةُ، أمَرَ اللهُ تَعالى النِساءَ في هَذِهِ الآيَةِ بِغَضِّ البَصَرِ عن كُلِّ ما يُكْرَهُ مِن جِهَةِ الشَرْعِ النَظَرُ إلَيْهِ، وفي حَدِيثِ أمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كُنْتُ أنا وعائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنهُما عِنْدَ النَبِيِّ  ، فَدَخْلَ ابْنُ أُمْ مَكْتُومٍ، فَقالَ النَبِيُّ  : "احْتَجِبْنَ" فَقُلْنا: إنَّهُ أعْمى، فَقالَ النَبِيُّ  : "أفَعَمْياوانِ أنْتُما؟"»، "مِن" يَحْتَمِلُ ما تَقَدَّمَ في الأُولى، و"حِفْظُ الفُرُوجِ" يَعُمُ الفَواحِشَ وسَتْرَ العَوْرَةِ وما دُونُ ذَلِكَ مِمّا فِيهِ حِفْظٌ.

وأمَرَ اللهُ تَعالى بِألا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ لِلنّاظِرِينَ، إلّا ما اسْتَثْناهُ مِنَ الناظِرِينِ في باقِي الآيَةِ، ثُمُ اسْتَثْنى ما يَظْهَرُ مِنَ الزِينَةِ، فاخْتَلَفَ الناسُ في قَدْرِ ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الوَجْهُ والثِيابُ، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أيْضًا، وعَطاءٌ، والأوزاعِيُّ: الوَجْهُ والكَفّانِ والثِيابُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقَتادَةُ، والمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ: ظاهِرُ الزِينَةِ هو الكُحْلُ والسِواكُ والخِضابُ إلى نِصْفِ الذِراعِ والقِرَطَةُ والفَتْخُ، ونَحْوَ هَذا فَمُباحٌ أنْ تُبْدِيَهُ المَرْأةُ لِكُلٍّ مِن دَخْلَ عَلَيْها مِنَ الناسِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن قَتادَةَ في مَعْنى نِصْفِ الذِراعِ حَدِيثًا عَنِ النَبِيِّ  ، وذَكَرَ آخَرَ عن عائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عنها، عَنِ النَبِيِّ  .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ويَظْهَرُ لِي بِحُكْمِ ألْفاظِ الآيَةِ أنَّ المَرْأةَ مَأْمُورَةٌ بِألا تُبْدِيَ، وأنْ تَجْتَهِدَ في الإخْفاءِ لِكُلِّ ما هو زِينَةٌ، ووَقَعَ الِاسْتِثْناءُ في كُلِّ ما غَلَبَها فَظَهَرَ بِحُكْمِ ضَرُورَةِ حَرَكَةٍ فِيما لا بُدَّ مِنهُ، أو إصْلاحِ شَأْنٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، فَما ظَهَرَ عَلى هَذا الوَجْهِ فَهو المَعْفِيُّ عنهُ، فَغالِبُ الأمْرِ أنَّ الوَجْهَ بِما فِيهِ والكَفَّيْنِ يَكْثُرُ مِنهُما الظُهُورُ، وهو الظاهِرُ في الصَلاةِ، ويَحْسُنُ بِالحَسَنَةِ الوَجْهِ أنْ تَسْتَتِرَ إلّا مِن ذِي حُرْمَةٍ مُحَرَّمَةٍ، ويَحْتَمِلُ لَفْظُ الآيَةِ أنَّ الظاهِرَ مِنَ الزِينَةِ لَها أنْ تُبْدِيَهُ، ولَكِنْ يُقَوِّي ما قُلْناهُ الِاحْتِياطُ ومُراعاةُ فَسادِ الناسِ، فَلا يُظَنُّ أنْ يُباحَ لِلنِّساءِ مِن إبْداءِ الزِينَةِ إلّا ما كانَ بِذَلِكَ الوَجْهِ، واللهُ المُوَفِّقِ لِلصَّوابِ بِرَحْمَتِهِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَلْيَضْرِبْنَ" بِسُكُونِ اللامِ الَّتِي هي لِلْأمْرِ، وقَرَأ أبُو عَمْرٍو -فِي رِوايَةِ عَبّاسٍ عنهُ-: "وَلِيَضْرِبْنَ" بِكَسْرِ اللامِ عَلى الأصْلِ؛ لَأنَّ أصْلَ لامِ الأمْرِ الكَسْرُ في "لِيَذْهَبْ ولِيَضْرِبْ"، وإنَّما تَسْكِينُها كَتَسْكِينِ "عَضُدٍ وفَخِذٍ".

وسَبَبُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النِساءَ كُنَّ في ذَلِكَ الزَمانِ إذا غَطَّيْنَ رُءُوسَهُنَّ بِالخُمُرَةِ سَدَلْنَها مِن وراءِ الظَهْرِ، قالَ النِقاشَ: كَما يَصْنَعُ النَبَطُ، فَيَبْقى النَحْرُ والعُنُقُ والأُذُنانِ لا سَتْرَ عَلى ذَلِكَ، فَأمَرَ اللهُ تَعالى بِلَيِّ الخِمارِ عَلى الجُيُوبِ، وهَيْئَةُ ذَلِكَ [ أنْ تَضْرِبَ المَرْأةُ بِخِمارِها عَلى جَيْبِها] فَيَسْتُرُ جَمِيعَ ما ذَكَرْناهُ.

وقالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عنها: رَحِمُ اللهُ المُهاجِراتِ الأوُلُ، لِما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَمَدْنَ إلى أكْثَفِ المُرُوطِ فَشَقَقْنَها أخْمِرَةً، وضَرَبْنَ بِها عَلى الجُيُوبِ، ودَخَلَتْ عَلى عائِشَةَ حَفْصَةُ بِنْتُ أخِيها عَبْدِ الرَحْمَنِ وقَدِ اخْتَمَرَتْ بِشَيْءٍ يَشِفُّ عن عُنُقِها وما هُنالِكَ، فَشَقَّتْهُ عَلَيْها وقالَتْ: إنَّما يُضْرَبُ بِالكَثِيفِ الَّذِي يَسْتُرُ.

ومَشْهُورُ القِراءَةِ ضَمُّ الجِيمِ مِن "جُيُوبِهِنَّ"، وقَرَأ بَعْضُ الكُوفِيِّينَ بِكَسْرِها بِسَبَبِ الياءِ كَقِراءَتِهِمْ ذَلِكَ في بُيُوتٍ وشُيُوخٍ، ذَكَرَهُ الزَهْراوِيُّ.

*** قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أو آبائِهِنَّ أو آباءِ بُعُولَتِهِنَّ أو أبْنائِهِنَّ أو أبْناءِ بُعُولَتِهِنَّ أو إخْوانِهِنَّ أو بَنِي إخْوانِهِنَّ أو بَنِي أخَواتِهِنَّ أو نِسائِهِنَّ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ أو التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِجالِ أو الطِفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِساءِ ﴾ المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: ولا يَقْصِدْنَ تَرْكَ الإخْفاءِ لِلزِّينَةِ الباطِنَةِ كالخَلْخالِ والأقْراطِ ونَحْوِهُ، ويَطْرَحْنَ مَؤُونَةَ التَحَفُّظِ إلّا مَعَ مَن سُمِّيَ.

وبَدَأ بِالبُعُولَةِ وهُمُ الأزْواجُ لَأنَّ اطِّلاعَهم يَقَعُ عَلى أعْظَمِ مِن هَذا، ثُمْ ثَنّى بِهِ المَحارِمْ وسَوّى بَيْنِهِمْ في إبْداءِ الزِينَةِ، ولَكِنَّهم تَخْتَلِفُ مَراتِبُهم في الحُرْمَةِ بِحَسْبِ ما في نُفُوسِ البَشَرِ، فَلا مِرْيَةَ أنَّ كَشْفَ الأبِ والأخِ عَلى المَرْأةِ أحْوَطُ مِن كَشْفِ ولَدِ زَوْجِها، وتَخْتَلِفُ مَراتِبُ ما يُبْدى لَهُمْ، فَيُبْدى لِلْأبِ ما لا يَجُوزُ إبْداؤُهُ لِوَلَدِ الزَوْجِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "أو نِسائِهِنَّ" يَعْنِي جَمِيعَ المُؤْمِناتِ، فَكَأنَّهُ قالَ: أو صِنْفِهِنَّ، ويَدْخُلُ في هَذا الإماءُ المُؤْمِناتُ، ويَخْرُجُ مِنهُ نِساءُ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ الذِمَّةِ وغَيْرِهِمْ، وكَتَبَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عنهُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءَ أهْلِ الذِمَّةِ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ المُسْلِمِينَ، فامْنَعْ مِن ذَلِكَ وحُلْ دُونَهُ، فَإنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ تَرى الذِمِّيَّةُ عُرْيَةَ المُسْلِمَةِ، قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ قامَ أبُو عُبَيْدَةَ فابْتَهَلَ وقالَ: أيُّما امْرَأةٍ تَدَخُّلُ الحَمّامَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، لا تُرِيدُ إلّا أنْ تُبَيِّضَ وجْهَها فَسَوَّدَ اللهُ وجْهَها يَوْمَ تَبْيَضُّ الوُجُوهُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ ﴾ يَدْخُلُ فِيهِ الإماءُ الكِتابِيّاتُ، ويَدْخُلُ فِيهِ العَبِيدُ عِنْدَ جَماعَةٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، وهو الظاهِرُ مِن مَذْهَبِ عائِشَةَ وأُمْ سَلَمَةَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما وجَماعَةُ العُلَماءِ: لا يَدْخُلُ العَبْدُ عَلى سَيِّدَتِهِ فَيَرى شَعْرَها ونَحْوَ ذَلِكَ إلّا أنْ يَكُونَ وغْدًا، فَمَنَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ الكَشْفَ بِمِلْكِ اليَمِينِ، وَأباحَتْهُ بِأنْ يَكُونَ مِنَ التابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، وفي بَعْضِ المَصاحِفِ "أو ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ" فَيَدْخُلُ فِيهِ عَبْدُ الغَيْرِ.

وقَوْلُهُ: "أوِ التابِعِينَ" يُرِيدُ الأتْباعَ [الَّذِينَ يَدْخُلُونَ] لِيُطْعَمُوا الفُضُولَ، وهم مِنَ الرِجالِ الَّذِينَ لا إرْبَةَ لَهم في الوَطْءِ، فَهي شَرْطانِ، ويَدْخُلُ في هَذِهِ الصِفَةِ المَجْبُوبُ والمَعْتُوهُ والمُخَنَّثُ والشَيْخُ الفانِي والزَمِنُ المَوْقُوذُ بِزَمانَتِهِ، ونَحْوَ هَذا هو الغالِبُ في هَذِهِ الأصْنافِ، ورُبَّ مُخَنَّثٍ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، ألّا تَرى إلى حَدِيثِ " هِيتٍ " ونَهى رَسُولُ اللهِ  عن كَشْفِهِ عَلى النِساءِ لَمّا وصَفَ بادِيَةَ بِنْتَ غَيْلانَ بْنِ مُعَتَّبٍ ؟

وتَأمَّلَ ما رُوِيَ في أخْبارِ الدَلّالِ المُخَنَّثِ، وكَذَلِكَ الحَمْقى والمَعْتُوهُونَ فِيهِ مِمَّنْ لا يَنْبَغِي أنْ يُكْشَفَ، والَّذِي لا إرْبَةَ لَهُ مِنَ الرِجالِ قَلِيلٌ.

و"الإرْبَةُ": الحاجَةُ إلى الوَطْءِ، وعَبَّرَ عن هَذا بَعْضُ المُفَسِّرِينَ فَقالَ: هو الَّذِي يَتْبَعُكَ لا يُرِيدُ إلّا الطَعامَ وما يَأْكُلُهُ، وقَرَأ عاصِمْ، وابْنُ عامِرٍ: "غَيْرَ" بِالنَصْبِ، وهو عَلى الحالِ مِنَ الذِكْرِ الَّذِي في "التابِعِينَ"، أو عَلى الِاسْتِثْناءِ مِنَ "التابِعَيْنِ"، وقَرَأ الباقُونَ: "غَيْرِ" بِالخَفْضِ عَلى النَعْتِ لِـ "التابِعِينَ"، والقَوْلُ فِيها كالقَوْلِ في ﴿ غَيْرِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: "أوِ الطِفْلِ" اسْمُ جِنْسٍ بِمَعْنى الجَمْعِ، ويُقالُ: "طِفْلٌ" ما لَمْ يُراهِقِ الحُلُمْ، و"يَظْهَرُوا" مَعْناهُ: يَطَّلِعُونَ بِالوَطْءِ، والجُمْهُورُ عَلى إسْكانِ الواوِ مِن "عَوْراتٍ"، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ فَتْحُ الواوِ، وقالَ الزُجاجُ: الأكْثَرُ سُكُونُ الواوِ، كَجَوْزاتٍ وبَيْضاتٍ لِثِقَلِ الحَرَكَةِ عَلى الواوِ والياءِ، ومَن قَرَأ بِالفَتْحِ فَعَلى الأصْلِ في فَعْلَةٍ وفَعْلاتٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

أعقب حكم الاستئذان ببيان آداب ما تقتضيه المجالسة بعد الدخول وهو أن لا يكون الداخل إلى البيت محدقاً بصره إلى امرأة فيه بل إذا جالسته المرأة غض بصره واقتصر على الكلام ولا ينظر إليها إلا النظر الذي يعسر صرفه.

ولما كان الغض التام لا يمكن جيء في الآية بحرف ﴿ من ﴾ الذي هو للتبعيض إيماء إلى ذلك إذ من المفهوم أن المأمور بالغض فيه هو ما لا يليق تحديق النظر إليه وذلك يتذكره المسلم من استحضاره أحكام الحلال والحرام في هذا الشأن فيعلم أن غض البصر مراتب: منه واجب ومنه دون ذلك، فيشمل غض البصر عما اعتاد الناس كراهية التحقق فيه كالنظر إلى خبايا المنازل، بخلاف ما ليس كذلك فقد جاء في حديث عمر بن الخطاب حين دخل مشربة النبي صلى الله عليه وسلم «فرفعت بصري إلى السقف فرأيت أهَبَةً معلقة».

وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الثانية».

وفي هذا الأمر بالغض أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام أو ما عسى أن يكلفها صبراً شديداً عليها.

والغض: صرف المرء بصره عن التحديق وتثبيت النظر.

ويكون من الحياء كما قال عنترة: وأغض طرفي حين تبدو جارتي *** حتى يواري جارتي مأواها ويكون من مذلة كما قال جرير: فغض الطرف إنك من نمير *** ومادة الغض تفيد معنى الخفض والنقص.

والأمر بحفظ الفروج عقب الأمر بالغض من الأبصار لأن النظر رائد الزنى.

فلما كان ذريعة له قصد المتذرع إليه بالحفظ تنبيهاً على المبالغة في غض الأبصار في محاسن النساء.

فالمراد بحفظ الفروج حفظها من أن تباشر غير ما أباحه الدين.

واسم الإشارة إلى المذكور، أي ذلك المذكور من غض الأبصار وحفظ الفروج.

واسم التفضيل بقوله: ﴿ أزكى ﴾ مسلوب المفاضلة.

والمراد تقوية تلك التزكية لأن ذلك جنة من ارتكاب ذنوب عظيمة.

وذيل بجملة: ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ لأنه كناية عن جزاء ما يتضمنه الأمر من الغض والحفظ لأن المقصد من الأمر الامتثال.

(31) ﴿ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بنى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النسآء وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

﴿ وَقُل للمؤمنات يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارهن وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَآئِهِنَّ أَوْ ءَابَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَآئِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بنى إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِى أخواتهن أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أيمانهن أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِى الإربة مِنَ الرجال أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عورات النسآء ﴾ .

أردف أمر المؤمنين بأمر المؤمنات لأن الحكمة في الأمرين واحدة، وتصريحاً بما تقرر في أوامر الشريعة المخاطب بها الرجال من أنها تشمل النساء أيضاً.

ولكنه لما كان هذا الأمر قد يظن أنه خاص بالرجال لأنهم أكثر ارتكاباً لضده وقع النص على هذا الشمول بأمر النساء بذلك أيضاً.

وانتقل من ذلك إلى نهي النساء عن أشياء عرف منهن التساهل فيها ونهيهن عن إظهار أشياء تعوّدْن أن يحببن ظهورها وجمعها القرآن في لفظ الزينة بقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ .

والزينة: ما يحصل به الزين.

والزين: الحسن، مصدر زانه.

قال عمر بن أبي ربيعة: جلل الله ذلك الوجه زَيْناً يقال: زين بمعنى حسن، قال تعالى: ﴿ زين للناس حب الشهوات ﴾ في سورة آل عمران (14) وقال: ﴿ وزيناها للناظرين ﴾ في سورة الحجر (16).

والزينة قسمان خِلقية ومكتسبة.

فالخلقية: الوجه والكفان أو نصف الذراعين، والمكتسبة: سبب التزين من اللباس الفاخر والحلي والكحل والخضاب بالحناء.

وقد أطلق اسم الزينة على اللباس في قوله تعالى: ﴿ يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد ﴾ [الأعراف: 31] وقوله: ﴿ قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده ﴾ في سورة الأعراف (32)، وعلى اللباس الحسن في قوله ﴿ قال موعدكم يوم الزينة ﴾ [طه: 59].

والتزين يزيد المرأة حسناً ويلفت إليها الأنظار لأنها من الأحوال التي لا تقصد إلا لأجل التظاهر بالحسن فكانت لافتة أنظار الرجال، فلذلك نهى النساء عن إظهار زينتهن إلا للرجال الذين ليس من شأنهم أن تتحرك منهم شهوة نحوها لحرمة قرابة أو صهر.

واستثني ما ظهر من الزينة وهو ما في ستره مشقة على المرأة أو في تركه حرج على النساء وهو ما كان من الزينة في مواضع العمل التي لا يجب سترها مثل الكحل والخضاب والخواتيم.

وقال ابن العربي: إن الزينة نوعان: خلقية ومصطنعة.

فأما الخلقية: فمعظم جسد المرأة وخاصة: الوجه والمعصمين والعضدين والثديين والساقين والشعر.

وأما المصطنعة: فهي ما لا يخلو عنه النساء عرفاً مثل: الحلي وتطريز الثياب وتلوينها ومثل الكحل والخضاب بالحناء والسواك.

والظاهر من الزينة الخلقية ما في إخفائه مشقة كالوجه والكفين والقدمين، وضدها الخفية مثل أعالي الساقين والمعصمين والعضدين والنحر والأذنين.

والظاهر من الزينة المصطنعة ما في تركه حرج على المرأة من جانب زوجها وجانب صورتها بين أترابها ولا تسهل إزالته عند البدوّ أمام الرجال وإرجاعه عند الخلو في البيت، وكذلك ما كان محل وضعه غير مأمور بستره كالخواتيم بخلاف القرط والدمالج.

واختلف في السوار والخلخال والصحيح أنهما من الزينة الظاهرة وقد أقر القرآن الخلخال بقوله: ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ كما سيأتي.

قال ابن العربي: روى ابن القاسم عن مالك: ليس الخضاب من الزينة اه ولم يقيده بخضاب اليدين.

وقال ابن العربي: والخضاب من الزينة الباطنة إذا كان في القدمين.

فمعنى ﴿ ما ظهر منها ﴾ ما كان موضعه مما لا تستره المرأة وهو الوجه والكفان والقدمان.

وفسر جمع من المفسرين الزينة بالجسد كله وفسر ما ظهر بالوجه والكفين قيل والقدمين والشعر.

وعلى هذا التفسير فالزينة الظاهرة هي التي جعلها الله بحكم الفطرة بادية يكون سترها معطلاً الانتفاع بها أو مدخلاً حرجاً على صاحبتها وذلك الوجه والكفان، وأما القدمان فحالهما في الستر لا يعطل الانتفاع ولكنه يعسره لأن الحفاء غالب حال نساء البادية.

فمن أجل ذلك اختلف في سترهما الفقهاء؛ ففي مذهب مالك قولان: أشهرهما أنها يجب ستر قدميها، وقيل: لا يجب، وقال أبو حنيفة: لا يجب ستر قدميها، أما ما كان من محاسن المرأة ولم يكن عليها مشقة في ستره فليس مما ظهر من الزينة مثل النحر والثدي والعضد والمعصم وأعلى الساقين، وكذلك ما له صورة حسنة في المرأة وإن كان غير معرى كالعجيزة والأعكان والفخذين ولم يكن مما في إرخاء الثوب عليه حرج عليها.

وروى مالك في «الموطأ» عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة " قال ابن عبد البر: أراد اللواتي يلبسن من الثياب الخفيف الذي يصف ولا يستر، أي هن كاسيات بالاسم عاريات في الحقيقة اه.

وفي نسخة ابن بشكوال من «الموطأ» عن القنازعي قال فسر مالك: إنهن يلبسن الثياب الرقاق التي لا تسترهن اه.

وفي سماع ابن القاسم من «جامع العتبية» قال مالك: بلغني أن عمر بن الخطاب نهى النساء عن لبس القباطي.

قال ابن رشد في «شرحه»: هي ثياب ضيقة تلتصق بالجسم لضيقها فتبدو ثخانة لابستها من نحافتها، وتبدي ما يستحسن منها، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ اه.

وفي روايات ابن وهب من «جامع العتبية» قال مالك في الإماء يلبسن الأقبية: ما يعجبني فإذا شدته عليها كان إخراجاً لعجزتها.

وجمهور الأئمة على أن استثناء إبداء الوجه والكفين من عموم منع إبداء زينتهن يقتضي إباحة إبداء الوجه والكفين في جميع الأحوال لأن الشأن أن يكون للمستثنى جميع أحوال المستثنى منه.

وتأوله الشافعي بأنه استثناء في حالة الصلاة خاصة دون غيرها وهو تخصيص لا دليل عليه.

ونُهِين عن التساهل في الخِمرة.

والخمار: ثوب تضعه المرأة على رأسها لستر شعرها وجيدها وأذنيها وكان النساء ربما يسدلن الخمار إلى ظهورهن كما تفعل نساء الأنباط فيبقى العنق والنحر والأذنان غير مستورة فلذلك أُمرْنَ بقوله تعالى: ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ .

والضرب: تمكين الوضع وتقدم في قوله تعالى: ﴿ إن الله لا يستحيِ أن يضرب مثلاً ﴾ في سورة البقرة (26).

والمعنى: ليشددن وضع الخمر على الجيوب، أي بحيث لا يظهر شيء من بشرة الجيد.

والباء في قوله ﴿ بخمرهن ﴾ لتأكيد اللصوق مبالغة في إحكام وضع الخمار على الجيب زيادة على المبالغة المستفادة من فعل ﴿ يضربن ﴾ .

والجُيوب: جمع جيب بفتح الجيم وهو طوق القميص مما يلي الرقبة.

والمعنى: وليضعن خمرهن على جيوب الأقمصة بحيث لا يبقى بين منتهى الخمار ومبدأ الجَيب ما يظهر منه الجيد.

وقوله: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أعيد لفظ ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ تأكيداً لقوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ المتقدم وليبني عليه الاستثناء في قوله: ﴿ إلا لبعولتهن ﴾ إلخ الذي مقتضى ظاهره أن يعطف على ﴿ إلا لبعولتهن ﴾ لبعد ما بين الأول والثاني، أي ولا يبدين زينتهن غير الظاهرة إلا لمن ذُكروا بعد حرف الاستثناء لشدة الحرج في إخفاء الزينة غير الظاهرة في أوقات كثيرة، فإن الملابسة بين المرأة وبين أقربائها وأصهارها المستثنين ملابسة متكررة فلو وجب عليها ستر زينتها في أوقاتها كان ذلك حرجاً عليها.

وذكرت الآية اثني عشر مستثنى كلهم ممن يكثر دخولهم.

وسكتت الآية عن غيرهم ممن هو في حكمهم بحسب المعنى.

وسنذكر ذلك عند الفراغ من ذكر المصرح بهم في الآية.

والبعولة: جمع بعل.

وهو الزوج، وسيد الأَمَة.

وأصل البعل الرب والمالك (وسمي الصنم الأكبر عند أهل العراق القدماء بعْلاً وجاء ذكره في القرآن في قصة أهل نينوى ورسولهم إلياس)، فأطلق على الزوج لأن أصل الزواج ملك وقد بقي من آثار الملك فيه الصداق لأنه كالثمن.

ووزن فعولة في الجموع قليل وغير مطرد وهو مزيد التاء في زنة فعول من جموع التكسير.

وكل من عد من الرجال الذين استُثْنوا من النهي هم من الذين لهم بالمرأة صلة شديدة هي وازع من أن يهموا بها.

وفي سماع ابن القاسم من كتاب «الجامع من العتبية»: سئل مالك عن الرجل تضع أم امرأته عنده جلبابها قال: لا بأس بذلك.

قال ابن رشد في «شرحه»: لأن الله تعالى قال: ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ الآية، فأباح الله تعالى أن تضع خمارها عن جيبها وتبدي زينتها عند ذوي محارمها من النسب أو الصهر ا ه.

أي قاس مالك زوج بنت المرأة على ابن زوج المرأة لاشتراكهما في حُرمة الصهر.

والإضافة في قوله: ﴿ نسائهن ﴾ إلى ضمير ﴿ المؤمنات ﴾ : إن حملت على ظاهر الإضافة كانت دالة على أنهن النساء اللاتي لهن بهن مزيد اختصاص فقيل المراد نساء أُمَّتِهن، أي المؤمنات، مثل الإضافة في قوله تعالى: ﴿ واستشهدوا شهيدين من رجالكم ﴾ [البقرة: 282]، أي من رجال دينكم.

ويجوز أن يكون المراد أو النساء.

وإنما أضافهن إلى ضمير النسوة إتباعاً لبقية المعدود.

قال ابن العربي: إن في هذه الآية خمسة وعشرين ضميراً فجاء هذا للإتباع ا ه.

أي فتكون الإضافة لغير داع معنوي بل لداع لفظي تقتضيه الفصاحة مثل الضميرين المضاف إليهما في قوله تعالى: ﴿ فألهمها فجورها وتقواها ﴾ [الشمس: 8] أي ألهمها الفجور والتقوى.

فإضافتهما إلى الضمير إتباع للضمائر التي من أول السورة: ﴿ والشمس وضحاها ﴾ [الشمس: 1] وكذلك قوله فيها: ﴿ كذبت ثمود بطغواها ﴾ [الشمس: 11] أي بالطغوى وهي الطغيان فذكر ضمير ثمود مستغنى عنه لكنه جيء به لمحسن المزاوجة.

ومن هذين الاحتمالين اختلف الفقهاء في جواز نظر النساء المشركات والكتابيات إلى ما يجوز للمرأة المسلمة إظهاره للأجنبي من جسدها.

وكلام المفسرين من المالكية وكلام فقهائهم في هذا غير مضبوط.

والذي يستخلص من كلامهم قول خليل في «التوضيح» عند قول ابن الحاجب: وعورة الحرة ما عدا الوجه والكفين.

ومقتضى كلام سيدي أبي عبد الله بن الحاج: أما الكافرة فكالأجنبية مع الرجال اتفاقاً ا ه.

وفي مذهب الشافعي قولان: أحدهما: أن غير المسلمة لا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين ورجحه البغوي وصاحب «المنهاج» البيضاوي واختاره الفخر في «التفسير».

ونقل مثل هذا عن عمر بن الخطاب وابن عباس، وعلله ابن عباس بأن غير المسلمة لا تتورع عن أن تصف لزوجها المسلمة.

وكتب عمر بن الخطاب إلى أبي عبيدة بن الجراح: «أنه بلغني أن نساء أهل الذمة يدخلن الحمامات مع نساء المسلمين فامنعْ من ذلك وحُلْ دونه فإنه لا يجوز أن ترى الذمية عِرْيَة المسلمة».

القول الثاني: أن المرأة غير المسلمة كالمسلمة ورجحه الغزالي.

ومذهب أبي حنيفة كذلك فيه قولان: أصحهما أن المرأة غير المسلمة كالرجل الأجنبي فلا ترى من المرأة المسلمة إلا الوجه والكفين والقدمين، وقيل: هي كالمرأة المسلمة.

وأما ما ملكت أيمانهن فهو رخصة لأن في ستر المرأة زينتها عنهم مشقة عليها.

لكثرة ترددهم عليها.

ولأن كونه مملوكاً لها وازع له ولها عن حدوث ما يحرم بينهما، والإسلام وازع له من أن يصف المرأة للرجال.

وأما التابعون غير أولي الإربة من الرجال فهم صنف من الرجال الأحرار تشترك أفراده في الوصفين وهما التبعية وعدم الإربة.

فأما التبعية فهي كونهم من أتباع بيت المرأة وليسوا ملك يمينها ولكنهم يترددون على بيتها لأخذ الصدقة أو للخدمة.

والإربة: الحاجة.

والمراد بها الحاجة إلى قربان النساء.

وانتفاء هذه الحاجة تظهر في المجبوب والعنين والشيخ الهرم فرخص الله في إبداء الزينة لنظر هؤلاء لرفع المشقة عن النساء مع السلامة الغالبة من تطرق الشهوة وآثارها من الجانبين.

واختلف في الخصي غير التابع هل يلحق بهؤلاء على قولين مرويين عن السلف.

وقد روي القولان عن مالك.

وذكر ابن الفرس: أن الصحيح جواز دخوله على المرأة إذا اجتمع فيه الشرطان التبعيّة وعدم الإربة.

وروي ذلك عن معاوية بن أبي سفيان.

وأما قضية (هيتٍ) المخنث أو المخصي ونهى النبي صلى الله عليه وسلم نساءه أن يدخلن عليهن فتلك قضية عين تعلقت بحالة خاصة فيه.

وهي وصفه النساء للرجال فتقصى على أمثاله.

ألا ترى أنه لم ينه عن دخوله على النساء قبل أن يسمع منه ما سمع.

وقرأ الجمهور: ﴿ غير أولي الإربة ﴾ بخفض ﴿ غير ﴾ .

وقرأه ابن عامر وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر بنصب ﴿ غير ﴾ على الحال.

والطفل مفرد مراد به الجنس فلذلك أجري عليه الجمع في قوله: ﴿ الذين لم يظهروا ﴾ وذلك مثل قوله: ﴿ ثم نخرجكم طفلاً ﴾ [الحجّ: 5] أي أطفالاً.

ومعنى: ﴿ لم يظهروا على عورات النساء ﴾ لم يطلعوا عليها.

وهذا كناية عن خلو بالهم من شهوة النساء وذلك ما قبل سن المراهقة.

ولم يذكر في عداد المستثنيات العم والخال فاختلف العلماء في مساواتهما في ذلك: فقال الحسن والجمهور: هما مساويان لمن ذكر من المحارم وهو ظاهر مذهب مالك إذ لم يذكر المفسرون من المالكية مثل ابن الفرس وابن جزي عنه المنع.

وقال الشعبي بالمنع وعلل التفرقة بأن العم والخال قد يصفان المرأة لأبنائهما وأبناؤهما غير محارم.

وهذا تعليل واهٍ لأن وازع الإسلام يمنع من وصف المرأة.

والظاهر أن سكوت الآية عن العم والخال ليس لمخالفة حكمهما حكم بقية المحارم ولكنه اقتصار على الذين تكثر مزاولتهم بيت المرأة، فالتعداد جرى على الغالب.

ويلحق بهؤلاء القرابة من كان في مراتبهم من الرضاعة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ".

وجزم بذلك الحسن، ولم أر فيه قولاً للمالكية.

وظاهر الحديث أن فيهم من الرخصة ما في محارم النسب والصهر.

﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ .

الضرب بالأرجل إيقاع المشي بشدة كقوله: يضرب في الأرض.

روى الطبري عن حضرمي: أن امرأة اتخذت بُرتين (تثنية بُرَة بضم الباء وتخفيف الراء المفتوحة ضرب من الخَلْخَال) من فضة واتخذت جَزْعاً في رجليها فمرت بقوم فضربت برجلها فوقع الخلخال على الجزع فصوت فنزلت هذه الآية.

والتحقيق أن من النساء من كن إذا لبسن الخلخال ضربن بأرجلهن في المشي بشدة لتسمع قعقعة الخلاخل غنجاً وتباهياً بالحسن فنهين عن ذلك مع النهي عن إبداء الزينة.

قال الزجاج: سماع هذه الزينة أشد تحريكاً للشهوة من النظر للزينة فأما صوتُ الخلخال المعتادُ فلا ضير فيه.

وفي أحاديث ابن وهب من «جامع العتبية»: سئل مالك عن الذي يكون في أرجل النساء من الخلاخل قال: «ما هذا الذي جاء فيه الحديث وتركُه أحب إليّ من غير تحريم».

قال ابن رشد في «شرحه«: أراد أن الذي يحرمُ إنما هو أن يقصدْنَ في مشيهن إلى إسماع قعقعة الخلاخل إظهاراً بهن من زينتهن.

وهذا يقتضي النهي عن كل ما من شأنه أن يُذَكِّرَ الرجل بلهو النساء ويثير منه إليهن من كل ما يُرى أو يسمع من زينة أو حركة كالتثني والغناء وكلم الغَزَل.

ومن ذلك رقص النساء في مجالس الرجال ومن ذلك التلطخ بالطيب الذي يغلب عبيقه.

وقد أومأ إلى علة ذلك قوله تعالى: ﴿ ليعلم ما يخفين من زينتهن ﴾ ولعن النبي صلى الله عليه وسلم المستوشمات والمتفلجات للحسن.

قال مكي بن أبي طالب ليس في كتاب الله آية أكثر ضمائر من هذه الآية جمعت خمسة وعشرين ضميراً للمؤمنات من مخفوض ومرفوع وسماها أبو بكر ابن العربي: آية الضمائر.

﴿ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ .

أعقبت الأوامر والنواهي الموجهة إلى المؤمنين والمؤمنات بأمر جميعهم بالتوبة إلى الله إيماء إلى أن فيما أمروا به ونهوا عنه دفاعاً لداع تدعو إليه الجبلة البشرية من الاستحسان والشهوة فيصدر ذلك عن الإنسان عن غفلة ثم يتغلغل هو فيه فأمروا بالتوبة ليحاسبوا أنفسهم على ما يفلت منهم من ذلك اللمم المؤدي إلى ما هو أعظم.

والجملة معطوفة على جملة: ﴿ قل للمؤمنين ﴾ [النور: 30].

ووقع التفات من خطاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى خطاب الأمة لأن هذا تذكير بواجب التوبة المقررة من قبل وليس استئناف تشريع.

ونبه بقوله: ﴿ جميعاً ﴾ على أن المخاطبين هم المؤمنون والمؤمنات وإن كان الخطاب ورد بضمير التذكير على التغليب، وأن يؤملوا الفلاح إن هم تابوا وأنابوا.

وتقدم الكلام على التوبة في سورة النساء (17) عند قوله تعالى: ﴿ إنما التوبة على الله.

﴾ وكتب في المصحف ﴿ أيه ﴾ بهاء في آخره اعتباراً بسقوط الألف في حال الوصل مع كلمة ﴿ المؤمنون ﴾ .

فقرأها الجمهور بفتح الهاء بدون ألف في الوصل.

وقرأها أبو عامر بضم الهاء إتباعاً لحركة (أيّ).

ووقف عليها أبو عمرو والكسائي بألف في آخرها.

ووقف الباقون عليها بسكون الهاء على اعتبار ما رسمت به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ وفي ﴿ مِن ﴾ في هَذا المَوْضِعِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها صِلَةٌ وزائِدَةٌ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا أبْصارَهم، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في مُضْمَرٍ وتَقْدِيرُهُ، يَغُضُّوا أبْصارَهم عَمّا لا يَحِلُّ مِنَ النَّظَرِ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ.

الثّالِثُ: أنَّها مُسْتَعْمَلَةٌ في المَظْهَرِ، لِأنَّ غَضَّ البَصَرِ عَنِ الحَلالِ لا يَلْزَمُ وإنَّما يَلْزَمُ غَضُّها عَنِ الحَرامِ فَلِذَلِكَ دَخَلَ حَرْفُ التَّبْعِيضِ في غَضِّ الأبْصارِ فَقالَ: مِن أبْصارِهِمْ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

وَيَحْرُمُ مِنَ النَّظَرِ ما قُصِدَ، ولا تَحْرُمُ النَّظْرَةُ الأُولى الواقِعَةُ سَهْوًا.

رَوى الحَسَنُ البَصْرِيُّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «ابْنَ آدَمَ لَكَ النَّظْرَةُ الأُولى وعَلَيْكَ الثّانِيَةُ» .

﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَعْنِي بِحِفْظِ الفَرْجِ عَفافَهُ، والعَفافُ يَكُونُ عَنِ الحَرامِ دُونَ المُباحِ ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ حَرْفُ التَّبْعِيضِ كَما دَخَلَ في غَضِّ البَصَرِ.

الثّانِي: قالَهُ أبُو العالِيَةِ الرِّياحِيُّ المُرادُ بِحِفْظِ الفُرُوجِ في هَذا المَوْضِعِ سَتْرُها عَنِ الأبْصارِ حَتّى لا تُرى، وكُلُّ مَوْضِعٍ في القُرْآنِ ذُكِرَ فِيهِ الفَرَجُ فالمُرادُ بِهِ الزِّنى إلّا في هَذا المَوْضِعِ فَإنَّ المُرادَ بِهِ السَّتْرُ، وسُمِّيَتْ فُرُوجًا لِأنَّها مَنافِذُ الأجْوافِ ومَسالِكُ الخارِجاتِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب قال: «مر رجل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في طريق من طرقات المدينة، فنظر إلى امرأة ونظرت إليه، فوسوس لهما الشيطان: إنه لم ينظر أحدهما إلى الآخر إلا اعجاباً به، فبينا الرجل يمشي إلى جنب حائط ينظر إليها، إذ استقبله الحائط فشق أنفه فقال: والله لا اغسل الدم حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعلمه أمري، فأتاه فقص عليه قصته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا عقوبة ذنبك وأنزل الله: ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم...

﴾ الآية» .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم...

﴾ الآية أي عما لا يحل لهم ﴿ ويحفظوا فروجهم ﴾ أي عما لا يحل لهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ قال من شهواتهم عما يكره الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ يعني أبصارهم، فمن هنا صلة في الكلام.

يعني يحفظوا أبصارهم عما لا يحل لهم النظر إليه، ويحفظوا فروجهم عن الفواحش ﴿ ذلك أزكى لهم ﴾ يعني غض البصر، وحفظ الفرج.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال: كل آية يذكر فيها حفظ الفرج، فهو من الزنا إلا هذه الآية في النور ﴿ ويحفظوا فروجهم ﴾ ﴿ ويحفظن فروجهن ﴾ فهو ان يراها.

وأخرج أحمد وعبد بن حميد والبخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت يا رسول الله عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟

قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك قلت: يا نبي الله إذا كان القوم بعضهم في بعض قال: إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يرينها قلت: إذا كان أحدنا خالياً قال: الله أحق أن يستحي منه من الناس.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن العلاء بن زياد قال: كان يقال لا تتبعن بصرك حسن رداء امرأة، فإن النظر يجعل شبقاً في القلب.

وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس قال: الشيطان من الرجل على ثلاثة منازل: على عينيه، وقلبه، وذكره، وهو من المرأة على ثلاثة: على عينها، وقلبها، وعجزها.

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن مردويه عن جرير البجلي قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجاءة، فأمرني أن أصرف بصري.

وأخرج ابن أبي شيبة وأبو داود والبيهقي في سننه عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه من حديث علي مثله.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم «قال لا تجلسوا في المجالس، فإن كنتم لا بد فاعلين، فردوا السلام، وغضوا الأبصار، واهدوا السبيل، وأعينوا على الحمولة» .

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس على الطرقات قالوا: يا رسول الله ما لنا بد من مجالسنا.

نتحدث فيها فقال: إن أبيتم فاعطوا الطريق حقه قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟

قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر» .

وأخرج أبو القاسم البغوي في معجمه والطبراني عن أبي أمامة سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة.

إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم» .

وأخرج أحمد والحكيم في نوادر الأصول والطبراني وابن مردويه والبيهقي في شعب الإِيمان عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من مسلم ينظر إلى امرأة أول رمقة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه» .

وأخرج أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة.

فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش، وزنا الرجلين الخطو، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه» .

وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه إِيماناً يجد حلاوته في قلبه» .

وأخرج ابن أبي الدنيا والديلمي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل عين باكية يوم القيامة، إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ يقال: غضّ بصره يغضُّه غضّا، ومثله أغضى (١) فغضّ الطَّرف إنك من نمير ...

فلا كعبًا بلغت ولا كلابا (٢) (٣) (٤) وقالوا: إنّ (من) هاهنا صلة.

وهو قول مقاتل، وسفيان (٥) وقيل (٦) (٧) (٨) وقوله ﴿ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ أي عن الفواحش وعمَّن لا يحل.

وهذا قول عامة (٩) (١٠) وروى الربيع (١١) (١٢) (١٣) ويدل على صحّة هذا التأويل إسقاط (من) هاهنا على قول من يجعله للتبعيض (١٤) وقوله (ذَلِكَ) قال مقاتل: ذلك الغض من البصر والحفظ للفرج (١٥) ﴿ أَزْكَى لَهُمْ ﴾ خيرٌ لهم عند الله وأعظم لأجورهم.

﴿ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ في الفروج والأبصار (١٦) (١) انظر: "تهذيب اللغة" "المستدرك" ص 36، "لسان العرب" 7/ 197 (غضض).

(٢) البيت في "ديوانه" 3/ 821 و"تهذيب اللغة" للأزهري "المستدرك" ص 36 == (غض)، "لسان العرب" 7/ 197 "غضض"، "خزانة الأدب" 1/ 72.

وهو من قصيدة يهجو بها الراعي النُّميري.

(٣) روى الطبري 18/ 117 وابن أبي حاتم 7/ 34 أعن ابن عباس قال: يغضوا أبصارهم عما يكره الله.

وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 34 ب عن قتادة نحو هذا القول الذي ذكره الواحدي عن ابن عباس.

(٤) انظر: "الطبري" 18/ 116 - 117، "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 34 أ، ب، الثعلبي 3/ 77 ب، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 176 - 177.

(٥) قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 37 ب، وتتمّة كلامه: يعني: يحفظوا أبصارهم كلها عمّا لا يحل لهم النظر إليه.

اهـ وقد حكى الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 89 هذا القول عن قتادة.

وأما قول سفيان فلم أجده.

وقد روى ابن أبي حاتم 7/ 34 أمثل هذا القول عن سعيد بن جبير.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 177 عن سعيد، وعزاه لابن أبي حاتم.

(٦) حكى الرازي 23/ 202 هذا القول عن أكثر المفسرين.

قال الثعلبي 3/ 77 أ: لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلاً، وإنما أمروا بالغض عمّا لا يجوز.

واستظهر ابن عطية 10/ 485 هذا القول.

وقوَّى القرطبي 12/ 223 هذا القول بما في "صحيح مسلم" كتاب: الآداب- باب: نظر الفجأة 3/ 99 عن جرير بن عبد الله قال: سألت رسول الله -  - عن نظرة الفُجاءة، فأمرني أن أصرف بصري.

وانظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 486، القرطبي 12/ 222، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 397.

(٧) (لتبعيض): موضعها بياض في (ظ).

(٨) في (أ): (وأما).

(٩) عامة: ساقطة من (ظ).

(١٠) حكاه الثعلبي 3/ 77 أ، عن أكثر المفسرين.

وانظر: "الطبري" 18/ 116، وابن أبي حاتم 7/ 34 ب، "الدر المنثور" 6/ 176 - 177.

(١١) هو: الربيع بن أنس.

(١٢) رواه الطبري 18/ 116، وابن أبي حاتم 7/ 34 ب عن الربيع، عن أبي العالية.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 177 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

قال الجصَّاص في "أحكام القرآن" 3/ 315 - بعد ذكره لهذا القول عن أبي العالية: هذا تخصيص بلا دلالة، والذي يقتضيه الظاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرم عليه من الزنا واللمس والنظر، وكذلك سائر الآي المذكورة في غير هذا الموضع في حفظ الفروج، هي على جميع ذلك ما لم يقم الدلالة على أنَّ المراد بعض ذلك دون بعض.

(١٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 77 أ، والزمخشري 3/ 60.

(١٤) قال الزمخشري 3/ 60: فإن قلت كيف دخلت -يعني "من"- في غض البصر دون حفظ الفروج؟

قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع؛ ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن ..

وأما الفرج فمضيّق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلا ما استثنى منه وحظر الجماع إلا ما استثنى منه.

(١٥) "تفسير مقاتل" 2/ 37 ب.

(١٦) هذا قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 37 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ إعرابها كإعراب ﴿ يُقِيمُواْ الصلاة ﴾ في [إبراهيم: 31] وقد ذكر ومن أبصارهم للتبعيض، والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وقيل: معنى التبعيض فيه أن النظرة الأولى لا حرج فيها، ويمنع ما بعدها، وأجاز الأخفش أن تكون من زائدة، وقيل: هي لابتداء الغاية، لأن البصر مفتاح القلب والغض المأمور به هو عن النظر إلى العورة، أو إلى ما لا يحل من النساء، أو إلى كتب الغير وشبه ذلك مما يستر، وحفظ الفروج المأمور به: هو عن الزنا، وقيل: أراد ستر العورة، والأظهر أن الجميع مراد ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ﴾ تؤمر المرأة بغض بصرها عن عورة الرجل وعن عورة المرأة إجماعاً، واختلف هل يجب عليها غض بصرها عن سائر جسد الرجل الأجنبي أم لا، وعن سائر جسد المرأة أم لا، فعلى القول بذلك تشتمل الآية عليه، والكلام في حفظ فروج النساء كحفظ فروج الرجال ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ نهى عن إظهار الزينة بالجملة ثم استثنى الظاهر منها، وهو ما لابد من النظر إليه عند حركتها أو إصلاح شأنها وشبه ذلك، فقيل: إلا ما ظهر منها يعني الثياب؛ فعلى هذا يجب ستر جميع جسدها، وقيل: الثياب والوجه والكفان، وهذا مذهب مالك لأنه أباح كشف وجهها وكفيها في الصلاة، وزاد أبو حنيفة القدمين ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ ﴾ الجيوب هي التي يقول لها العامة أطواق، وسببها أن النساء كن في ذلك الزمان يلبسن ثياباً واسعات الجيوب، ويظهر منها صدورهن، وكن إذا غطين رؤوسهن بالأخمرة، سدلنها، من وراء الظهر، فبيقى الصدر والعنق والأذنان لا ستر عليها، فأمرهن الله بلي الأخمرة جمع خمار على الجيوب ليستر جميع ذلك ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ ﴾ الآية: المراد بالزينة هنا الباطنة، فلما ذكر في الآية قبلها ما أباح أن يراه غير ذوي المحرم من الزينة الظاهرة، وذكر في هذه ما أباح أن يراه الزوج وذوي المحارم من الزينة الباطنة، وبدأ بالبعولة وهم الأزواج لأن اطلاعهم يقع على أعظم من هذا، ثم ثنّى بذوي المحارم وسوّى بينهم في أبداء الزينة، ولكن مراتبهم تختلف بحسب القرب، والمراد بالآباء كل من له ولادة من والد وجدّ، وبالأبناء كل من عليه ولادة من ولد وولد ولد، ولم يذكر في هذه الآية من ذوي المحارم: العم والخال ومذهب جمهور العلماء جواز رؤيتهما للمرأة، لأنهما من ذوي المحارم، وكره ذلك قوم، وقال الشافعي: إنما لم يذكر العم والخال لئلا يصفا زينة المرأة لأولادهما ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ يعني جميع المؤمنات، فكأنه قال أو صنفهن ويخرج عن ذلك نساء الكفار ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ يدخل في ذلك الإماء المسلمات والكتابيات، وأما العبيد: ففيهم ثلاثة أقوال: منع رؤيتهم لسيدتهم وهو قول الشافعي، والجواز: وهو قول ابن عباس وعائشة، والجواز بشرط أن يكون العبد وغداً وهو مذهب مالك، وإنما أخذ جوازه من قوله: ﴿ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة ﴾ واختلف هل يجوز أن يراها عبد زوجها وعبد الأجنبيّ أم لا؟

على قولين ﴿ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التابعين غَيْرِ أُوْلِي الإربة ﴾ شرط في رؤية غير ذوي المحارم شرطين: أحدهما أن يكونا تابعين، ومعناه أن يتبع لشيء يعطاه كالوكيل والمتصرف، ولذلك قال بعضهم هو الذي يتبعك وهمه بطنه، والآخر: أن لا يكون لهم إربة في النساء كالخصي والمخنث والشيخ الهرم والأحمق، فلا يجوز رؤيتهم للنساء إلا باجتماع الشرطين، وقيل بأحدهما، ومعنى الإربة الحاجة إلى الوطء ﴿ أَوِ الطفل الذين لَمْ يَظْهَرُواْ على عَوْرَاتِ النسآء وَلاَ يَضْرِبْنَ ﴾ أراد بالطفل الجنس، ولذلك وصفه بالجمع، ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم، و ﴿ يَظْهَرُواْ ﴾ معناه يطلعون بالوطء على عورات النساء، فمعناه الذين لم يطأوا النساء، وقيل: الذي لا يدرون ما عورات النساء وهذا أحسن ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ روي أن امرأة كان لها خلخالان، فكانت تضرب بهما ليسمعهما الرجال، فنهى الله عز وجل عن ذلك، قال الزجاج: إسماع صوت الزينة أشد تحريكاً للشهوة من إبدائها.

﴿ وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون ﴾ التوبة واجبة على كل مؤمن مكلف بدليل الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وفرائضها ثلاثة: الندم على الذنب من حيث عصي به ذو الجلال، لا من حيث أضر ببدن أو ما، والإقلاع عن الذنب في أول أوقات الإمكان من غير تأخير ولا توان، والعزم أن لا يعود إليها أبداً ومهما قضى عليه بالعود أحدث عزماً مجدّداً، وآدابها ثلاثة: الاعتراف بالذنب مقروناً بالانكسار، والإكثار من التضرع والاستغفار، والإكثار من الحسنات لمحو ما تقدم من السيئات، ومراتبها سبع: فتوبة الكفار من الكفر، وتوبة المخلطين من الذنوب والكبائر، وتوبة العدول من الصغائر وتوبة العابدين من الفترات، وتوبة السالكين من علل القلوب والآفات، وتوبة أهل الورع من الشبهات، وتوبة أهل المشاهدة من الغفلات.

والبواعث على التوبة سبعة: خوف العقاب، ورجاء الثواب، والخجل من الحساب، ومحبة الحبيب، ومراقبة الرقيب القريب، وتعظيم بالمقام، وشكر الإنعام.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ وليضربن ﴾ بكسر اللام على الأصل: عياش ﴿ جيوبهن ﴾ بضم الجيم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى والبزي والعواس من طريق الهاشمي.

وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم يشير إلى الكسر وبضم الياء.

الآخرون: بالسكر الخالص.

﴿ غير ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالكسر على الوصف ﴿ آية المؤمنون ﴾ بضم الهاء في الحالين: ابن عامر.

وقرأ ابو عمرو وعلي وابن كثير بألف في الوقف.

الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبالف في الوصل.

الوقوف: ﴿ أهلها ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ يؤذن لكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ أزكى لكم ﴾ ط عليمر ه ﴿ متاع لكم ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ فروجهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ ما يصنعون ﴾ ه ﴿ جيوبهن ﴾ صل ﴿ عورات النساء ﴾ ص ﴿ زينتهن ﴾ ط ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وإمائكم ﴾ ط ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ق قد قيل: والوصل أوجه للعطف.

﴿ آتاكم ﴾ ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقاً إلى التهمة ولذلك وجد أهل الإفك سبيلاً إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان.

وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله  ﴿ ولا مستأنسين لحديث  ﴾ ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟

جوابه بعد تسليم أن الواو للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام.

وقال جار الله: هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم.

أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا.

أو هو من الإنس بالكسر وهو أن يتعرف هل ثمَّ إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت إنسان أم لا.

وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو "حتى تستأذنوا" فأخطأ الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه.

الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟

الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال  ﴿ ذلكم ﴾ يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور اي الدخول من غير إذن.

قال  "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر" واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي أنزل عليكم.

أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به.

الثالث: كيف يكون الاستئذان؟

جوابه: استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج.

فقال: لامرأة يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أدخل" فسمع الرجل فقالها فقال: ادخل.

ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ﴾ وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله  عن ذلك وعلم الأدب الأحسن.

وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه.

وقال عكرمة: هو التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب الدار منهي عنه وكذا كل ما يؤدي على الكراهية وينبئ عن الثقل.

الرابع: كم عدد الاستئذان؟

الجواب روى أبو هريرة أن النبي  قال "الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون" ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك.

وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي: الثاني ليتهيأ.

والثالث إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا.

وينبغي أني كون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم واحد.

الخامس: كيف يقف على الباب؟

جوابه أنه  كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف.

السادس: قوله ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا ﴾ يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة إذن أو من يأذن لأن "حتى" للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها جوابه.

سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أن قبل الاستئذان لا يجوز الدخول مطلقاً وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحداً من الآذنين مطلقاً أو من يعتبر إذنه شرعاً فليس له الدخول وذلك قوله ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ اي على الإطلاق أو ممن له الإذن ﴿ فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ﴾ اي حتى تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ﴾ أي الرجوع أطيب ﴿ لكم وأطهر ﴾ لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة.

وفي قوله ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض يدخل وكيف يخرج.

وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟

عن أبي هريرة أن النبي  قال "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية أخرى "إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" وقيل: إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.

والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك الهدايا لأجل الضرورة.

وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟

"روي أن رجلاً قال للنبي  : استأذن على أمي؟

قال: نعم.

قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت عليها.

قال: أتحب أن تراها عريانة؟

قال الرجل: لا.

قال: فاستأذن" .

قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولاً بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره.

التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟

الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما روى سهل بن سعد "أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي  ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك، إنما الاستئذان من النظر" .

وعن أبي هريرة أنه  قال "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامناً وعليه القصاص إن كان عامداً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع.

فمعنى الحديث لو صح أنه من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لمادة هذه المفسدة.

جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم تكن مسكونة فذلك قوله ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الآية.

وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والسلع والبيع والشراء.

يروى أن ابا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن فنزلت.

وقيل: هي الخربات يتبرز فيها الوتاع التبرز.

وقيل: الأسواق.

والأولى العموم.

وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعاً للحرج، ولأنها ماذون في دخولها من جهة العرف.

ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ الفرج عما لا يحل.

وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضاً فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها.

قال أكثر النحويين: "من" للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق.

وجوز الأخفش أن تكون "من" مزيدة.

وقيل: صلة للغض أي ينقصوا من نظرهم.

يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره.

فالنظر إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه.

وإعراب قوله ﴿ يغضوا ﴾ كما مر في سورة إبراهيم في قوله ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا  ﴾ قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وبالعكس.

أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.

وعند أبي حنيفة: الركبة عورة.

قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما روي "أنه  قال لعلي:لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي وميت." فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه.

ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما في جانب الفراش لرواية أبي سعيد الخدري أنه  قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" ويكره المعانقة وتقبيل الوجه.

إلا لولده شفقة.

وتستحب المصافحة والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضاً لما مر في الحديث.

والصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية في الدين والله تعالى يقول ﴿ أو نسائهن ﴾ أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء.

ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين.

وقيل: ظهر الكف عورة.

وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله  ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ﴾ ولقوله  "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها.

روى أبو هريرة "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله  :انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً." ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة.

ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به.

ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة.

وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع.

فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال  "العينان تزنيان" وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.

ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها.

وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي "أنه  قال في الرجل يشتري الأمة لا باس أن ينظر إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها" وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف.

وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطر.

وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجل.

وعند أبي حنيفة: عورتها مالا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعاً له كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاوز له أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أن يورث الطمس.

وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية.

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  قال "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة.

وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.

والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.

ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي " عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله  وميمونه إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل فقال  :احتجبا منه.فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال:أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها.

ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته لأنه  سئل عن ذلك فقال: "الله أحق أن يستحي منه." وعنه "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولاً ثم بحفظ الفروج عن الزنا والفجور ثانياً.

وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق.

وحين خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، وهذا لا يليق بالكافر.

وفي قوله ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ ولا ثاني له في القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون.

وتفسير قوله ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ يعلم من التفصيل المتقدم.

أما قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب.

وقد يحرم على الرجل إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك فتنة.

قال أكثر المفسرين: الزينة ههنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.

وثانيها الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط.

وثالثها الثياب.

وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله  وعلى ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك.

يدل على ذلك أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة.

وفي قوله ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ إشارة إلى ذلك وكأنه  منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار.

قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة.

وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي  يروين الأخبار للرجال.

وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه  إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه.

ولهذا قال ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة.

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة.

وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق.

وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان.

ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة.

الثانية: آباؤهن وإن علوا من جهة الأب والأم.

الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا.

الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا ايضاً.

السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.

السابعة: بنو إخوانهن.

الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم اولاد فيهما.

وهؤلاء كلهم محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم في جواز النظر.

وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن  ﴾ إلى آخر الآية.

ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم.

وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله  لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب من النظر، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر.

وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولا سيما في السفار للنزول والركوب.

وأيضاً لقلة وقوع الفتنة من جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب.

التاسعة: قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ فذهب أكثر السلف على أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها.

وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات.

وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد جميع النساء وقول السلف محمول على الأولى والأحب.

العاشرة: قوله ﴿ أو ما ملكت ايمانهن ﴾ وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما روى أنس أنه  أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله  ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك،" وعن عائشة أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.

وعنها أنها كانت تمشط والعبد ينظر إليها.

وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئً من التمتع منه كما يملك الرجل من الأمة.

وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب خصياً كان العبد او فحلاً.

وأورد على هذا القول لزوم التكرار ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن.

وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد بالرجال الأحرار في قوله ﴿ شهيدين من رجالكم  ﴾ الحادية عشرة قوله ﴿ أو التابعين غير أولي الإربة ﴾ وهي الحاجة وهم البله.

وأهل العنة الذين لا يعرفون شيئاً من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة.

"عن زينب بنت أم سلمة أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها.

فقال  :لا يدخلن عليكم هذا." فأباح النبي  دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه.

الثانية عشر قوله ﴿ أو الطفل ﴾ وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ههنا.

قال ابن قتيبة معنى ﴿ لم يظهروا ﴾ لم يطلعوا ﴿ على عورات النساء ﴾ والعورة سوأة الإنسان وكل مايستحيا منه.

وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم "ظهر على كذا" إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.

فعلى الأول يجب الاحتجاب ممن ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك.

والثالث التابعون غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب.

فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال.

وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين.

وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلىالفتنة يجب الاحتراز عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعياً له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا كرهوا أذان النساء، ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب.

قال العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل.

وعن ابن عباس: اراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.

قال جار الله: من قرأ ﴿ آيه المؤمنون ﴾ بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.

الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج ارشد بعد ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة.

وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.

قال النضر بن شميل: الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك يقول: زوِّجوا أياماكم بعضهم من بعض.

وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين.

قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت افتى منكم أتأيم.

وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو كان واجباً لشاع في عصر الرسول  وانتشر، ولو انتشر لنقل لعموم الحاجة إليه.

وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة كقوله  "النكاح سنتي" وكقوله  "من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح" وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه.

واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته.

نعم قد يجب في بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب كفؤاً.

استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها وإعترض أبو بكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما روي أنه  قال "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي.

والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضاً نزاع.

واستدل ابو حنيفة بعموم الآية أيضاً على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه.

قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة النكاح وإلا فليكسر شهوته بالصوم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله  قال "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فإن الصوم له وجاء" والذي جاء لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم مالا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله  .

وقال أبو حنيفة: النكاح افضل.

حجة الشافعي أنه تعالى مدح يحيى بقوله ﴿ وسيداً وحصوراً  ﴾ والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن.

وقال النبي  "أفضل أعمالكم الصلاة" وقال "أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" وقال "أحب المباحات إلى الله  النكاح" والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم يصح من الكافر.

والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال على الله  فأين أحدهما من الآخر!‍ ولو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم.

فالاشتغال بالزراعة أيضاً أولى من النافلة للعلة المذكورة.

وقد وقع الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب.

وعن النبي  "إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" وعنه  "يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة" حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صوت النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع.

وأيضاً النكاح يتضمن العدل.

وقد ورد في الحديث "لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" وقال  "النكاح سنتي" وقال في الصلاة "إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ ومعنى ﴿ منكم ﴾ أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك.

ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب.

ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام.

ثم امر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين.

واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضاً، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم.

وأيضاً الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد.

ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح.

وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد.

أما قوله ﴿ إن يكونوا فقراء ﴾ فالأصح أن هذا ليس وعداً من الله  بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح.

على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطاً بالمشيئة في قوله ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء  ﴾ فالمُطلق محمول على المقيد.

وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا.

وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد.

وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى.

وعن ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح.

"وشكا رجل إلى رسول الله  الحاجة فقال:عليك بالباءة." وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم يتصور فقرهما وغناهما.

والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بعد في رجوعه إلى الكل ﴿ والله واسع ﴾ إفضاله ولكنه ﴿ عليم ﴾ يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي.

وفيه إشارة إلى قيد المشيئة في الوعد المذكور.

ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح بقوله ﴿ وليستعفف ﴾ أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا محذوف.

وفي قوله ﴿ حتى يغنيهم ﴾ نوع تأميل للمستعففين.

وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب.

الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم الإضرار بالسادة فقال ﴿ والذين يبتغون ﴾ ومحله إما رفع والخبر ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء للإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله { ﴿ وربك فكبر  ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم النجوم بعضها إلى بعض.

وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على نفس أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل واجباً عند الشافعي وندباً عند أبي حنيفة كما تجيء.

والأجل يستدعي الكتابة لقوله { ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه  ﴾ قال محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى مالا يؤديه في نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه.

ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينوِ بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، فإن ما في يد العبد فهو ملك لاسيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه.

فقوله "كاتبتك" كناية في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته.

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع.

الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال.

وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة ايضاً مثله.

الثالث: قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين.

روي ذلك عن علي  وعمر وعثمان وابن عمر.

وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم، وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على سائر العقود.

الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى.

وذهب الشافعي إلى أنه يجب أن يكون عاقلاً بالغاً لأنه  قال ﴿ والذين يبتغون ﴾ والصبي لا يتصور منه الطلب.

الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه مكلفاً مطلقاً، لأن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين خلاف في أن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت.

ويروى أن عمر أمر إنساناً بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه.

وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري إلى أنه ندب لقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب من قلبه" ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع.

قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه الثواب.

أما قوله ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال عطاء: الخير هو المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً  ﴾ قال: بلغني ذلك عن ابن عباس.

وضعف بأنه لا يقال في فلان مال وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن سيرين: اراد إذا صلى.

وعن النخعي: وفاء وصدقاً.

وقال الحسن: صلاحاً في الدين.

والأقرب أنه شيء يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب.

ويروى مثله مرفوعاً إلى النبي  .

وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه.

واختلفوا أيضاً في المخاطب بقوله ﴿ وآتوهم ﴾ فعن الحسن والنخعي وابن عباس في رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب.

والسهم الذي يأخذه المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما قاله  في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" وعن كثير من الصحابة وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن يبذلوا للمكاتبين شيئاً من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءاً من مال الكتابة.

ثم اختلفوا في قدره فعن علي  أنه كان يحط الربع ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له بخمسة وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف وهو السبع.

والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل متمول.

عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئاً.

وعن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو وقال: استعن به على مكاتبتك.

فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه وأكدوه بما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه  قال "أَيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلاّ عشر أواق فهو عبد" فلو كان الحط واجباً لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

وايضاً لو كان الحط واجباً فإن كان معلوماً لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولاً لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولاً فلا تصح الكتابة.

وأيضاً أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا أمر من الله  بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم قال  "من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه" الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن ابيّ راس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرهن على البغاء - أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله  .

وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله { ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أنهم أجمعوا على أن حال الحرائر أيضاً كذلك.

والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن.

والجواب بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم غرادة التحصن والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلاً لامتناعه في ذاته.

وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وقيل: "إن" بمعنى "إذ" لأن سبب النزول وارد على ذلك.

قال جار الله: أوثرت كلمة "أن" على "إذ" إيذاناً بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر.

وللآية مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها.

و ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ كسبهن وأولادهن ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ.

وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: ألأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة.

الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس باقل من العجب في قصة يوسف ومريم ومااتهما به.

وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود.

وعن مقاتل: اراد شبيه ما حل بهم من العقاب إذا عصوا.

الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة.

التأويل: لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى تتعرفوا أحوالها ﴿ وتسلموا على أهلها ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بالتصرف فيها بالحق للحق ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ فارجعوا ﴾ ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الاية.

ثم أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات غلى ما سوى الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له وإجلالاً، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه.

ثم أمر النساء بمثل ما أمر به الرجال تنبيهاً على أن النساء بالصورة قد يكن رجالاً في المعنى.

ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ماظهر على صفحات أحوالهم من غير تكلف منهم.

ثم اباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة مصدور من غير ضرب.

﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً ﴾ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي مما سوى الله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستديعة للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد اشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف ﴾ ليحفظ الذين لا يجدون شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر  ، أو يخصهم بجذبة ﴿ الله يجتبي  ﴾ ﴿ والذين يبتغون ﴾ فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من المواهب ﴿ ولا تكرهوا ﴾ فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ روي عن علي -  - قال: قال رسول الله  : "يا علي إن لك كنزا في الجنة، وإنك ذو قرنيها فلا تتبع النظرة النظرة؛ فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" .

وعن أنس -  - [قال]: قال رسول الله  : "يا بن آدم لك أول نظرة فإياك الثانية" وعن جرير قال: "سألت النبي  عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري" .

وعن ابن عباس قال: يغضوا أبصارهم عن شهواتهم فيما يكره الله.

ثم يحتمل قوله: ﴿ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ﴾ وجوهاً ثلاثة: أحدها: غضوا أبصارهم لكي يحفظوا فروجهم؛ فإن حفظ الفرج إنما يكون بغض البصر وحفظه.

والثاني: يغضوا أبصارهم عن النظر إلى من لا تحل من الأجنبيات؛ لأن النظر إلى المحارم يحل، ويحفظوا فروجهم عن الكل من المحارم والأجنبيات إلا الذين استثناهم في آية أخرى.

والثالث: غضوا أبصارهم عما في أيدي الخلق، ولا تفتحوها إلى ما في أيديهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ...

﴾ الآية [طه: 131].

وقوله: ﴿ ذٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ﴾ أي: أطهر لهم، وأدعى لهم إلى الصلاح من النظر.

وعلى هذه يخرج قوله: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ روي عن عبد الله بن مسعود -  - قال: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الرداء والثياب.

وعن ابن عباس قال: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الكحل والخاتم.

وفي رواية أخرى: الكف والوجه.

وعن عائشة قالت: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : القلب والفتخة، وهي خاتم أصبع الرجل.

وعن عبد: الله الزينة زينتان: زينة باطنة لا يراها إلا الزوج.

وأما الزينة الظاهرة فالثياب.

والباطنة كالإكليل والسوار والخاتم.

فإن كان التأويل ما روي عن ابن مسعود حيث جعلها من الثياب وغيره، ففيه دلالة ألا يحل النظر إلى وجه امرأة أجنبية.

وإن كان ما قال ابن عباس ففيه دلالة حل النظر إلى وجه المرأة لا بشهوة.

وإن كان ما قالت عائشة من القلب والفتحة ففيه دلالة جواز النظر إلى الكفين والقدمين؛ لأنهما ظاهرتان باديتان؛ ألا ترى أنهما من الظواهر في فرض غسل الوضوء، وإن كان ذلك ففيه دلالة جواز صلاتها مع ظهور القدم.

وجائز أن يكون النظر إلى وجه المرأة حلالا إذا لم يكن بشهوة، لكن غض البصر وترك النظر أرفق وأزكى، كقوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ  ﴾ أنهن حرائر ﴿ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ كما تؤذى الإماء.

والذي يدل أن للمرأة ألا تغطي وجهها، ولا ينبغي للرجل أن يتعمد النظر إلى وجه المرأة إلا عند الحاجة إليه - قول رسول الله  لعلي -  -: "إنما لك الأولى وليست لك الآخرة" وفي بعضها: "الأولى لك والآخرة عليك" ؛ لأنه كأنه إنما كرر النظر في الثانية؛ لشهوة تحدث في قلبه.

وإذنه للذي يريد أن يتزوج امرأة أن ينظر إليها يدل على أن نظر الرجل إلى وجه المرأة غير حرام؛ لأنه لو كان حراماً لم يأذن فيه النبي لأحد.

ونرى - والله أعلم - أن النظر إلى وجه المرأة ليس بحرام إذا لم يقع في قلب الرجل من ذلك شهوة، فإذا وجد لذلك شهوة، ولم يأمن أن يؤدي به ذلك إلى ما يكره فمحظور عليه أن ينظر إليها إلا أن يريد به معرفتها والنكاح فإنه قد رخص في ذلك؛ "روي أن المغيرة أراد أن يتزوج امرأة فقال له رسول الله  : اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" وقال في بعض الأخبار: "إذا خطب أحدكم المراة فلا بأس أن ينظر إليها؛ إذا كان إنما ينظر إليها للخطبة، وإن كانت لا تعلم" وأحسن للشابة وأفضل لها أن تستر وجهها ويديها عن الرجال ليس لأن ذلك حرام وإليها معصية، ولكن لما يخاف في ذلك من حدوث الشهوة، ووقوع الفتنة بها، فإذا لم يكن للناظر في ذلك شهوة بأن كان شيخاً كبيراً، أو كانت المرأة دميمة، أو عجوزاً فإنه لا يحظر النظر إلى وجوه أمثالهن، ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، وأصله قول الله -  -: ﴿ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ .

ومما يدل على أن الوجه والكفين جائز ألا يكون بعورة أن المرأة لا تصلي وعورتها مكشوفة، ويجوز أن تصلي ووجهها ويداها ورجلاها مكشوفة.

فإذا كان كذلك دل ذلك على أن النظر إلى ذلك جائز إذا لم يكن ذلك لشهوة؛ دخل في ذلك معنى قول رسول الله  : "العينان تزنيان" ؛ لأن زناء العين لا يكون إلا النظر للشهوة، فإذا كان لشهوة دخل في ذلك معنى قول رسول الله  .

وروي في الخبر عن رسول الله  ما يدل على أن الوجه والكفين ليسا بعورة، [وهو] ما روي عن عائشة قالت: "دخلت عليّ أختي أسماء وعليها ثياب شامية رقاق، وهي اليوم عندكم صفاق، فقال رسول الله  : هذه ثياب لا تحبها سورة النور فأمر بها فأخرجت، فقلت: يا رسول الله، زارتني أختي فقلت لها ما قلت، فقال: يا عائش، إن الحرة إذا حاضت لا ينبغي أن يرى إلا وجهها وكفاها" ، فإن ثبت هذا عنه فهو يبين ما ذكرنا، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ﴾ قد ذكرنا أن المرأة يكره لها النظر إلى الرجال من غير محرمها كما يكره للرجل [النظر] إلى المرأة الأجنبية؛ ألا ترى أنه روي "أن أعميين دخلا على رسول الله  وبعض أزواجه عنده - عائشة وأخرى - فقال لهما رسول الله  : قوما، فقالتا: إنهما أعميان يا رسول الله!!

فقال لهما: هما وإن كانا أعميين فأنتما لستما بأعميين" ، أو كلام نحو هذا، فدل أنه ما ذكرنا.

وعلى ذلك أخبار: روي عن خالد بن معدان قال: قال رسول الله  : "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم [الآخر] أن تبيت في مكان تسمع فيه نفس رجل ليس بمحرم، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت في مكان يسمع فيه نفس امرأة ليست له بمحرم" وفي بعض الأخبار: أنه لم يرخص للمرأة أن يرى غير ذي محرم منها إلا الوجه والكف وما ظهر، وقبض رسول الله  على كوع عائشة وقال: "هذا".

وعن الحسن أنه قال في قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : الوجه وما ظهر من الثياب.

فإن ثبت ما ذكرنا من المروي عن رسول الله  حيث رخص النظر إلى الوجه والكف؛ لقوله: "إلا الوجه والكف" فاستثنى الوجه والكف من بين سائر الجوارح - كان ذلك تفسيراً لقوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ كأنه قال: "ولا يبدين زينتهن للأجنبيين إلا ما ظهر منها وهو الكحل والخاتم"، ثم الكحل يكون في الوجه والخاتم في اليد فذكر الزينة يكون كناية عن موضعها؛ لأن النظر إلى الزينة حلال لكل أحد إذا كان المراد بالزينة الحلي وما ذكره القوم، فدل أن المراد بذكر الزينة موضع الزينة لا نفس الزينة والحلي، ثم رخص للأجنبيين النظر إلى بعض مواضع الزينة وهو ما ظهر منها من الوجه والكف ولم يرخص ما خفي منها وما بطن.

ثم استثنى المحارم منها، ورخص لهم النظر إلى ذلك بقوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَآئِهِنَّ ﴾ إلى آخر ما ذكر.

ثم مواضع الزينة الخفية منها الصدر، ومنها الأذنان وهما في الرأس، ومنها الساق.

ثم جمع بين الأب ومن سمى معه وبين الزوج في النظر إلى زينة المرأة، ولا خلاف في أن الأب لا يجوز له أن ينظر من عورة ابنته إلا إلى رأسها وفي الرأس الأذنان، وقد يكون فيهما القرط ونحوه، وإذا جاز له أن ينظر إلى رأسها ولا خمار عليها؛ فله أن ينظر إلى صدرها وهو موضع الزينة؛ لأنه مما يغطيه الخمار، وينظر إلى ذراعيها وموضع الخلخال من قدميها ورجليها، وهي مواضع الزينة الباطنة التي لا يجوز للأجنبي النظر إليها.

ثم النظر إلى الوجه أحق أن يحرم النظر إليه للأجنبي من الرأس وغيره من مواضع الزينة؛ لأن الوجه يجمع فيه جميع المحاسن وغيره من مواضع الزينة ليس فيها محاسن لكن إنما حرم النظر إلى هذه المواضع؛ لأنها عورة في نفسها؛ فالنظر إلى العورة حرام للأجنبي؛ ولأن النظر إليها - أعني: مواضع الزينة - لا يكون إلا للشهوة والنظر إليها للشهوة حرام.

فأما المحارم منها فإنهم لا ينظرون إلى هذه المواضع منها لشهوة ولا يقصدون به ذلك ألبتة؛ فأبيح لهم النظر إليها لحاجة.

وكل من يخشى من المحارم النظر إليها لشهوة لا ينظر إليها، وكذلك الأجنبي حيث أبيح النظر إلى الزينة الظاهرة فإن خشي به الشهوة لم ينظر إليها.

ثم غيرها من الزينة لا يحل لأحد النظر إليها: الأب وغيره - إلا للزوج خاصة وللمولى إلى مملوكته وهو ما قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 5-6\] استثنى الأزواج والموالي من بين غيرهم؛ لأن النظر إلى ذلك لا يكون إلا للشهوة لا يقع فيه حاجة فلا يباح ذلك إلا لمن له قضاء الشهوة والوطء وهو الزوج والمولى.

فانقسمت العورة إلى جهتين: جهة يحل للمحارم منها النظر إليها لحاجة وضرورة تقع لهم.

وجهة لا تحل لهم إلا للأزواج لما لا يقع لهم حاجة ولا ضرورة بالنظر إلى ذلك؛ ألا ترى أن الأمة ينظر إلى شعرها وذراعيها وساقيها وصدرها إذا أراد شرائها ولا ينظر إلى ما سوى ذلك، فإذا جاز للأجنبي أن ينظر إليه من الأمة جاز لمحرمها النظر إلى ذلك من المرأة للحاجة التي ذكرنا.

ثم ذكر في الآية المحارم جميعاً عدا الأعمام والأخوال، قال بعضهم: إنما لم يذكرا في هذه الآية؛ لأنها تحل لبنيهما بالنكاح فكره أن يصفاها لبنيهما؛ ولهذا كره من كره للمرأة المسلمة إبداء الزينة الخفية للكافرة من اليهودية والنصرانية لما لعلها تصف ذلك للمشركين، فيرغبون فيها، ويتكلفون ذلك، وصرف قوله: ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ إلى المسلمات.

لكن جائز عندنا أن العم والخال إنما لم يذكرهما للكثرة والتطويل لما يكثر ذلك من أجناسهم وأمثالهم، فذكر الرخصة في أمثالهم كافية.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ نِسَآئِهِنَّ ﴾ يحتمل وجوهاً: يحتمل النساء [اللاتي] يختلطن بهن، أو نساء قرابتهن وأرحامهن، أو النساء اللاتي توافقهن في دينهن، وهن المسلمات على ما قاله أولئك.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ .

قال قائلون: ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ ﴾ كقوله: ﴿ إِلاَّ عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ \[المؤمنون: 6\] ونحوه.

وقال قائلون: الإماء والعبيد جميعاً.

فإن كان المراد به الإماء فهو ظاهر.

وإن كان المراد به الأمة والعبد، ففيه إباحة نظر العبد إلى شعر مولاته على ما يقوله بعض الناس.

والأشبه أن يكون المراد به والله أعلم الإماء دون العبيد؛ لما ذكر في آخر الآية ﴿ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ والعبد من الرجال.

أو ذكر التابع والمتابع وإن كان خصيّا أو عنيناً أو معتوها على ما قالوا، فإنه لا يحل لهؤلاء النظر إلى تلك المواضع على حال فعلى ذلك العبد؛ فيكون الدخول عليهن مضمر في الآية، وكن النساء متأهبات وقت دخول العبيد والتابعين عليهن؛ لأنه ذكر المتابعين وهم تابعو الأزواج، ووقت دخول هؤلاء يكون معلوماً عندهن فيتأهبن لهم ويستترن، والله أعلم بذلك؛ ألا ترى [أنه] لا يحل للمرأة أن تسافر بعبدها، دل أنه ليس بمحرم لها؛ لذلك لم يحل له النظر إلى شعر مولاته.

فإن قيل: ما معنى ذكر إمائهن ونسائهن وكل النساء يجوز لهن النظر إلى المرأة وإلى هذه المواضع التي ذكرنا؟

قيل: خصّ الله - عز وجل - بالذكر إماءهن ونساءهن دون النساء الأجنبيات؛ تأديبا لا حظراً، وذلك أن المرأة قد يضيق عليها أن تستتر من أمتها ونساء أهل بيتها، لكثرة رؤيتهن لها، وقد تقدر أن تستر من الأجنبية محاسنها وزينتها؛ لقلة رؤيتها لها؛ ألا ترى أنه قد نهى المرأة أن تضرب برجلها؛ ليعلم ما تخفي من زينتها، وفي ذلك صيانة للرجل والمرأة وإبعاد لهما عما يحذر عليهما ويخاف؛ فليس ببعيد أن يجعل نهيه المراة أن تظهر زينتها ومحاسنها للأجنبية؛ لما يخاف على الأجنبية من فساد قلبها وحدوث الشهوات لها؛ صيانة للنساء والرجال جميعاً، وإبعاداً لهم عن الزينة، ولئلا تصفها لرجل يفتتن بها، ويتكلف الوصول إليها.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ روي عن عائشة -  ا - أنها قالت: "لما نزلت هذه الآية، أخذ النساء أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها" ، وعن ابن عباس: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّ ﴾ يقول: وليشددن بخمرهن على جيوبهن، يقول: ليرخين بخمرهن على الصدر والنحر فلا يرين منها شيئاً.

قال: وكن النساء قبل هذه الآية إنما يسدلن خمرهن سدلا من ورائهن كما يصنع النبط، فلما نزلت هذه الآية شددن الخمر على النحر والصدر.

وفي الآية دلالة أن دروع النساء كانت جيب؛ لأن الجيب إنما تكون للدروع، وذلك كان لباس النساء، وقد روي عن النبي  أنه نهى الرجال عن لبسة النساء، وأنه لعن المتشبهين من الرجال بالنساء.

وروي أنه لعن الرجل يلبس لبسة المرأة، والمرأة تلبس لبسة الرجل.

وعن ابن عباس: "لعن النبي المؤنثين من الرجال والمذكرات من النساء" .

وكأنه مكروه للرجل - والله أعلم - أن يلبس فراعة وحدها لا قميص تحتها؛ لأن ذلك لباس النساء إلا أن يكون لها شق ذيل، فخرجت من لبس النساء، ولم تكره للرجال، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾ : إنما يباح النظر إلى الوجه للحاجة، وأما على غير الحاجة فلا يباح؛ لما ذكرنا من قوله: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ...

﴾ الآية [الأحزاب: 59]، وقوله: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَٱسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ ذٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ  ﴾ ؛ فعلى ذلك ترك النظر إلى وجه المرأة أطهر للنساء وللناس جميعاً؛ فلا يباح ذلك إلا عند الحاجة إليه، وهو معرفتها؛ ليقيم به الشهادة.

فإن قيل: أليس النظر يسع إلى مواضع الزينة الخفية للأجنبي؛ للتداوي بها؟

قيل: يسع ذلك للضرورة وأما للحاجة فلا، ومسألتنا في الحاجة ليست في الضرورة.

ثم قوله: ﴿ وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ ﴾ إلى آخره ما ذكر: جائز أن يكون المراد برخصة النظر إلى الزينة لهؤلاء المسمين في الآية رخصة النظر إلى نفس الزينة لا موضع الزينة؛ فيدخل في هذه الرخصة من ذًكِرَ من التابعين غير [أولي] الإربة من الرجال ونحوه؛ لأن الزينة في الصدر وما ذكر إنما تكون من وراء ثياب تكون على الصدر، ثم رخص النظر للمحارم إلى مواضع الزينة الخفية بغير هذه الآية.

أو أن يكون رخصة النظر للمحارم إلى مواضع الزينة ولغير المحارم من المماليك والتابعين غير أولي الإربة ومن ذكر - رخصة الدخول عليهن؛ فيكون في الآية إضمار الدخول؛ كأنه قال: ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن ذكر من المحارم، ولا يدخل عليهن إلا العبيد والتابعون ومن ذكر من غير أولي الإربة، فيكن في وقت دخول هؤلاء متأهبات؛ لأن وقت دخول هؤلاء يكون معلوماً يعرفن فيتأهبن لهم؛ لأن العبيد إنما يدخلون على ساداتهم ومواليهم عند حاجتهن إليهم، والتابعون ومن ذكر إنما يدخلون إذا دخل أزواجهن عليهن فيتأهبن لذلك، ومثل هذه الإضمار جائز في الكلام يتبين ذلك بالثنيا كقوله: ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ ٱلأَنْعَامِ إِلاَّ مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ  ﴾ ، دل قوله: ﴿ غَيْرَ مُحِلِّي ٱلصَّيْدِ  ﴾ أنه قد كان الصيد مذكوراً فيه مراداً؛ إذ لو لم يكن مذكوراً لم يكن استثنى منه؛ فعلى ذلك جائز أن يكون في الأول إضمار الدخول فيه لهؤلاء الذين لا يحل لهم النظر إلى مواضع الزينة منهن ورخصة الإبداء للمحارم، أو أن يكون ما ذكرنا فيما تقدم، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ أَوِ ٱلتَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ قال بعضهم: الشيخ الكبير الذي لا حاجة له في النساء.

وقال بعضهم: المعتوه الأحمق الذي لا يشتهي النساء، ولا يغار عليه الأزواج.

وقال بعضهم: العنين والخصي، وهؤلاء الذين لا يطيقون الجماع.

لكن عندنا لا يسع للعنين ولا للخصي أن يخلو بامرأة أجنبية.

وقال الحسن: ﴿ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ مِنَ ٱلرِّجَالِ ﴾ هم المخنثون؛ روي عن عائشة قالت: "كان يدخل على أزواج النبي  مخنث، وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة، قالت: فدخل النبي ذات يوم وهو ينعت امرأة، فقال: لا أرى هذا يعلم ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم؛ فحجبوه" .

وعن أم سلمة "أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث، فأقبل على أخي أم سلمة فقال: يا عبد الله، إن فتح الله لكم غداً الطائف دللتك على بنت غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال: لا أرى [هذا] يعرف ما هاهنا؛ لا يدخلن عليكم" وقال بعضهم: ﴿ غَيْرِ أُوْلِي ٱلإِرْبَةِ ﴾ الذين لا تهمهم ولا يخافون على النساء، وكله واحد، وهم الذين ليست لهم الحاجة إلى النساء.

قال أبو عوسجة: الإربة: الحاجة: والإرب جمع، وكذلك قال القتبي.

وقال ابن عباس: هو الذي لا يستحي منه النساء.

وقوله: ﴿ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ قال بعضهم: هو الإطلاع، أي: لم يطلعوا، ولم يعلموا، ولم يدروا ما هو من الصغر.

وقال بعضهم: لم يظهروا على عورات النساء، أي: لم يبلغوا الحلم.

والأول أشبه عندنا؛ وذلك أن الطفل الذي لم يحتلم قد أمر بالاستئذان في بعض الأوقات؛ لقوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ  ﴾ فالذي يؤمر بالاستئذان هو الطفل الذي لم يحتلم، وقد يطلع على عورات النساء، والذي لا يؤمر بالاستئذان هو أصغر من ذلك، وهو الذي لا يطلع على عورات النساء لصغره، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أي: لا تضربن إحدى رجليها على الأخرى ليقرع الخلخال بالخلخال.

﴿ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾ أي: ما يواري الثياب من الزينة وهو الخلخال قد أخفاه الثياب؛ نهيت المرأة عن ضرب رجلها؛ ليعلم الرجال ما تخفي من زينتها، وذلك محظور عليها، لما يخرج ذلك مخرج ترغيب الناس وحثهم عليها، فالزينة في الأصل ما جعلت إلا للترغيب والتحريض على أنفسهم، وهي الداعية إلى النظر والشهوة، وفي ترك ذلك وترك المرأة الزينة صيانتها، وصيانة الرجال، وإبعادهم جميعاً من الزينة، والرغبة، فكشف الشابة عن وجهها، ونظر الرجل بشهوة إليها أحرى أن يكون محظورا عليه، منهيّاً عنه، والله أعلم بالصواب.

وقوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ أي: ارجعوا إلى الله بالطاعة له والخضوع؛ لتكونوا مفلحين.

أو أن يكون قوله: ﴿ وَتُوبُوۤاْ إِلَى ٱللَّهِ ﴾ ارجعوا عما قدمتم من المعاصي والمساوئ، واجعلوا مكان ذلك طاعة له؛ ليعفوا عنكم ما قدمتم من المعاصي، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

قل -أيها الرسول- للمؤمنين يكفّوا من أبصارهم عن النظر إلى ما لا يحل لهم من النساء والعورات، ويحفظوا فروجهم من الوقوع في المحرم، ومن كشفها، ذلك الكف عن النظر إلى ما حرمه الله أطهر لهم عند الله، إن الله خبير بما يصنعون، لا يخفى عليه شيء منه، وسيجازيهم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.VyOXK"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
اللهم صل على محمد