الآية ٣٣ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٣٣ من سورة النور

وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِۦ ۗ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ ٱلْكِتَـٰبَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًۭا ۖ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ ۚ وَلَا تُكْرِهُوا۟ فَتَيَـٰتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًۭا لِّتَبْتَغُوا۟ عَرَضَ ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا ۚ وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِنۢ بَعْدِ إِكْرَٰهِهِنَّ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ٣٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 287 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٣٣ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٣٣ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وقوله تعالى : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) .

هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا [ بالتعفف ] عن الحرام ، كما قال - عليه الصلاة والسلام - : " يا معشر الشباب ، من استطاع منكم الباءة فليتزوج ، فإنه أغض للبصر ، وأحصن للفرج .

ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " .

وهذه الآية مطلقة ، والتي في سورة النساء أخص منها ، وهي قوله تعالى : ( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) ، إلى أن قال : ( ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم ) [ النساء : 25 ] أي صبركم عن تزويج الإماء خير; لأن الولد يجيء رقيقا ، ( والله غفور رحيم ) .

قال عكرمة في قوله : ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ) قال : هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي ، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها ، وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السماوات [ والأرض ] حتى يغنيه الله .

وقوله : ( والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب منهم عبيدهم الكتابة أن يكاتبوا ، بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه .

وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب ، لا أمر تحتم وإيجاب ، بل السيد مخير ، إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه ، وإن شاء لم يكاتبه .

وقال الثوري ، عن جابر ، عن الشعبي : إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه .

وقال ابن وهب ، عن إسماعيل بن عياش ، عن رجل ، عن عطاء بن أبي رباح : إن يشأ يكاتبه وإن لم يشأ لم يكاتبه ، وكذا قال مقاتل بن حيان ، والحسن البصري .

وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك ، أن يجيبه إلى ما طلب; أخذا بظاهر هذا الأمر : قال البخاري : وقال روح ، عن ابن جريج قلت لعطاء : [ أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟

قال : ما أراه إلا واجبا .

وقال عمرو بن دينار : قلت لعطاء ] ، أتأثره عن أحد؟

قال : لا .

ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره ، أن سيرين سأل أنسا المكاتبة - وكان كثير المال ، فأبى .

فانطلق إلى عمر بن الخطاب فقال : كاتبه .

فأبى ، فضربه بالدرة ، ويتلو عمر ، رضي الله عنه : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) ، فكاتبه هكذا ذكره البخاري تعليقا .

ورواه عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج قال : قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه؟

قال : ما أراه إلا واجبا .

وقال عمرو بن دينار ، قال : قلت لعطاء : أتأثره عن أحد؟

قال : لا وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن بكر ، حدثنا سعيد ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك : أن سيرين أراد أن يكاتبه ، فتلكأ عليه ، فقال له عمر : لتكاتبنه .

إسناد صحيح .

وقال سعيد بن منصور : حدثنا هشيم بن جويبر ، عن الضحاك قال : هي عزمة .

وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي ، رحمه الله ، وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب; لقوله عليه الصلاة والسلام : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه " .

وقال ابن وهب : قال مالك : الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ، ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده .

قال مالك : وإنما ذلك أمر من الله ، وإذن منه للناس ، وليس بواجب .

وكذا قال الثوري ، وأبو حنيفة ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وغيرهم .

واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية .

وقوله : ( إن علمتم فيهم خيرا ) ، قال بعضهم : أمانة .

وقال بعضهم : صدقا .

[ وقال بعضهم : مالا ] وقال بعضهم : حيلة وكسبا .

وروى أبو داود في كتاب المراسيل ، عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ) قال : " إن علمتم فيهم حرفة ، ولا ترسلوهم كلا على الناس " .

وقوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) اختلف المفسرون فيه ، فقال قائلون : معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ، ثم قال بعضهم : مقدار الربع .

وقيل : الثلث .

وقيل : النصف .

وقيل : جزء من الكتابة من غير واحد .

وقال آخرون : بل المراد من قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكوات .

وهذا قول الحسن ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، وأبيه ، ومقاتل بن حيان .

واختاره ابن جرير .

وقال إبراهيم النخعي في قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : حث الناس عليه مولاه وغيره .

وكذلك قال بريدة بن الحصيب الأسلمي ، وقتادة .

وقال ابن عباس : أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب .

وقد تقدم في الحديث ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ثلاثة حق على الله عونهم " : فذكر منهم المكاتب يريد الأداء ، والقول الأول أشهر .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن إسماعيل ، حدثنا وكيع ، عن ابن شبيب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن عمر; أنه كاتب عبدا له ، يكنى أبا أمية ، فجاء بنجمه حين حل ، فقال : يا أبا أمية ، اذهب فاستعن به في مكاتبتك .

قال : يا أمير المؤمنين ، لو تركته حتى يكون من آخر نجم؟

قال : أخاف ألا أدرك ذلك .

ثم قرأ : ( فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال عكرمة : كان أول نجم أدي في الإسلام .

وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا هارون بن المغيرة ، عن عنبسة ، عن سالم الأفطس ، عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه ، مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته .

ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته ، وضع عنه ما أحب .

وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) قال : يعني : ضعوا عنهم من مكاتبتهم .

وكذلك قال مجاهد ، وعطاء ، والقاسم بن أبي بزة ، وعبد الكريم بن مالك الجزري ، والسدي .

وقال محمد بن سيرين في قوله : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) : كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته .

وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا الفضل بن شاذان المقرئ ، أخبرنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام بن يوسف ، عن ابن جريج ، أخبرني عطاء بن السائب : أن عبد الله بن جندب أخبره ، عن علي ، رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ربع الكتابة " .

وهذا حديث غريب ، ورفعه منكر ، والأشبه أنه موقوف على علي ، رضي الله عنه ، كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي ، رحمه الله .

وقوله : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) الآية : كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة ، أرسلها تزني ، وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت .

فلما جاء الإسلام ، نهى الله المسلمين عن ذلك .

وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة - فيما ذكره غير واحد من المفسرين ، من السلف والخلف - في شأن عبد الله بن أبي بن سلول [ المنافق ] فإنه كان له إماء ، فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن ، ورغبة في أولادهن ، ورئاسة منه فيما يزعم [ قبحه الله ولعنه ] [ ذكر الآثار الواردة في ذلك ] قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار ، رحمه الله ، في مسنده : حدثنا أحمد بن داود الواسطي ، حدثنا أبو عمرو اللخمي - يعني : محمد بن الحجاج - حدثنا محمد بن إسحاق ، عن الزهري قال : كانت جارية لعبد الله بن أبي بن سلول ، يقال لها : معاذة ، يكرهها على الزنى ، فلما جاء الإسلام نزلت : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) إلى قوله : ( فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) وقال الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر في هذه الآية : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) قال : نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها : مسيكة ، كان يكرهها على الفجور - وكانت لا بأس بها - فتأبى .

فأنزل الله ، عز وجل ، هذه الآية إلى قوله ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) .

وروى النسائي ، من حديث ابن جريج ، عن أبي الزبير ، عن جابر نحوه وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن علي ، حدثنا علي بن سعيد ، حدثنا الأعمش ، حدثني أبو سفيان ، عن جابر قال : كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية يقال لها : مسيكة ، وكان يكرهها على البغاء ، فأنزل الله : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) ، إلى قوله : ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) .

صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان طلحة بن نافع ، فدل على بطلان قول من قال : " لم يسمع منه ، إنما هو صحيفة " حكاه البزار .

قال أبو داود الطيالسي ، عن سليمان بن معاذ ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس; أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية ، فولدت أولادا من الزنى ، فقال لها : ما لك لا تزنين؟

قالت لا والله لا أزني .

فضربها ، فأنزل الله عز وجل : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن الزهري : أن رجلا من قريش أسر يوم بدر ، وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا ، وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها : معاذة ، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها ، وكانت مسلمة .

وكانت تمتنع منه لإسلامها ، وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها ، رجاء أن تحمل للقرشي ، فيطلب فداء ولده ، فقال تبارك وتعالى : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) وقال السدي : أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين ، وكانت له جارية تدعى معاذة ، وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها ، إرادة الثواب منه والكرامة له .

فأقبلت الجارية إلى أبي بكر ، رضي الله عنه فشكت إليه ذلك ، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأمره بقبضها .

فصاح عبد الله بن أبي : من يعذرني من محمد ، يغلبنا على مملوكتنا؟

فأنزل الله فيهم هذا .

وقال مقاتل بن حيان : بلغنا - والله أعلم - أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما ، إحداهما اسمها مسيكة ، وكانت للأنصاري ، وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي ، وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة ، فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكرتا ذلك له ، فأنزل الله في ذلك ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ) يعني : الزنى .

وقوله : ( إن أردن تحصنا ) هذا خرج مخرج الغالب ، فلا مفهوم له .

وقوله : ( لتبتغوا عرض [ الحياة ] الدنيا ) أي : من خراجهن ومهورهن وأولادهن .

وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن كسب الحجام ، ومهر البغي وحلوان الكاهن - وفي رواية : " مهر البغي خبيث ، وكسب الحجام خبيث ، وثمن الكلب خبيث " وقوله : ( ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) [ أي : لهن ، كما تقدم في الحديث عن جابر .

وقال ابن أبي طلحة ، عن ابن عباس : فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم ] وإثمهن على من أكرههن : وكذا قال مجاهد ، وعطاء الخراساني ، والأعمش ، وقتادة .

وقال أبو عبيد : حدثني إسحاق الأزرق ، عن عوف ، عن الحسن في هذه الآية : ( فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) قال : لهن والله .

لهن والله .

وعن الزهري قال : غفور لهن ما أكرهن عليه .

وعن زيد بن أسلم قال : غفور رحيم للمكرهات .

حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله ، حدثني ابن لهيعة ، حدثني عطاء ، عن سعيد بن جبير قال : في قراءة عبد الله بن مسعود : " فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم " وإثمهن على من أكرههن .

وفي الحديث المرفوع ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ، وما استكرهوا عليه " .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ) ما ينكحون به النساء عن إتيان ما حرّم الله عليهم من الفواحش، حتى يغنيهم الله من سعة فضله، ويوسِّع عليهم من رزقه.

وقوله: ( وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يقول جلّ ثناؤه: والذين يلتمسون المكاتبة منكم من مماليككم ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) ، واختلف أهل العلم في وجه مكاتبة الرجل عبده، الذي قد علم فيه خيرا، وهل قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) على وجه الفرض، أم هو على وجه الندب؟

فقال بعضهم: فرض على الرجل أن يكاتب عبده الذي قد علم فيه خيرا، إذا سأله العبد ذلك.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: قلت لعطاء: أواجب عليّ إذا علمت مالا أن أكاتبه؟

قال: ما أراه إلا واجبا، وقالها عمرو بن دينار، قال: قلت لعطاء: أتأثِره عن أحد؟

قال: لا.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن بكر، قال: ثنا سعيد، عن قَتَادَة، عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه، فتلكأ عليه، فقال له عمر: لتكاتبنه.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قال: لا ينبغي لرجل إذا كان عنده المملوك الصالح، الذي له المال يريد إن يكاتب، ألا يكاتبه.

وقال آخرون: ذلك غير واجب على السيد، وإنما قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ ) ندب من الله سادة العبيد إلى كتابة من عُلم فيه منهم خير، لا إيجاب.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك بن أنس: الأمر عندنا أن ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك، ولم أسمع بأحد من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده، وقد سمعت بعض أهل العلم إذا سُئل عن ذلك، فقيل له: إن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يتلو هاتين الآيتين وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ قال مالك: فإنما ذلك أمر أذن الله فيه للناس، وليس بواجب على الناس ولا يلزم أحدا.

وقال الثوري: إذا أراد العبد من سيده أن يكاتبه، فإن شاء السيد أن يكاتبه كاتبه، ولا يجبر السيد على ذلك.

حدثني بذلك عليّ عن زيد، عنه، وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: ليس بواجب عليه أن يكاتبه، إنما هذا أمر أذن الله فيه، ودليل.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب، قول من قال: واجب على سيد العبد أن يكاتبه إذا علم فيه خيرا، وسأله العبد الكتابة، وذلك أن ظاهر قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ ) ظاهر أمر، وأمر الله فرض الانتهاء إليه، ما لم يكن دليل من كتاب أو سنة، على أنه ندب، لما قد بيَّنا من العلة في كتابنا المسمى " البيان عن أصول الأحكام ".

وأما الخير الذي أمر الله تعالى ذكره عباده بكتابة عبيدهم إذا علموه فيهم، فهو القدرة على الاحتراف والكسب لأداء ما كوتبوا عليه.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبد الكريم الجزري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كره أن يكاتب مملوكه إذا لم تكن له حرفة، قال: تطعمني أوساخ الناس.

حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يقول: إن علمتم لهم حيلة، ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنا أشهب، قال: سئل مالك بن أنس، عن قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) فقال: إنه ليقال: الخير القوة على الأداء.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه قول الله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: الخير: القوة على ذلك.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إن علمتم فيهم صدقا ووفاء وأداء.

*ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن عُلية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن، في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: صدقا ووفاء وأداء وأمانة.

قال: ثنا ابن عُلية، قال: ثنا عبد الله، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وطاووس، أنهما قالا في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قالا مالا وأمانة.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا جابر بن نوح، قال: ثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي صالح: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: أداء وأمانة.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن المغيرة، قال: كان إبراهيم يقول في هذه الآية ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: صدقا ووفاء، أو أحدهما.

حدثنا أبو بكر، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: أداء ومالا.

حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا ابن جُرَيج، قال: قال عمرو بن دينار: أحسبه كل ذلك المال والصلاح.

حدثني عليّ بن سهل، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يعني: صدقا ووفاء وأمانة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: إن علمت فيه خيرا لنفسك، يؤدّي إليك ويصدّقك ما حدثك؛ فكاتبه.

وقال آخرون بل معنى ذلك: إن علمتم لهم مالا.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، في قوله: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) يقول: إن علمتم لهم مالا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال ابن عباس ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: مالا.

حدثنا ابن بشار وابن المثنى، قالا ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: مالا.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، مثله.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: لهم مالا فكاتبوهم.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: إن علمتم لهم مالا كائنة أخلاقهم وأديانهم ما كانت.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن منصور، عن زاذان، عن عطاء بن أبي رباح: ( فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: مالا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا أبو بشر، عن مجاهد، قال: إن علمتم عندهم مالا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني محمد بن عمرو اليافعي، عن ابن جُرَيج، أن عطاء بن أبي رباح، كان يقول: ما نراه إلا المال، يعني قوله: ( إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ) قال: ثم تلا كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا .

وأولى هذه الأقوال في معنى ذلك عندي قول من قال: معناه فكاتبوهم إن علمتم فيهم قوة على الاحتراف والاكتساب، ووفاء بما أوجب على نفسه وألزمها وصدق لهجة.

وذلك أن هذه المعاني هي الأسباب التي بمولى العبد الحاجة إليها إذا كاتب عبده مما يكون في العبد.

فأما المال وإن كان من الخير، فإنه لا يكون في العبد وإنما يكون عنده أو له لا فيه، والله إنما أوجب علينا مكاتبة العبد إذا علمنا فيه خيرا، لا إذا علمنا عنده أو له، فلذلك لم نقل: إن الخير في هذا الموضع معنيّ به المال.

وقوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) يقول تعالى ذكره: وأعطوهم من مال الله الذي أعطاكم.

ثم اختلف أهل التأويل في المأمور بإعطائه من مال الله الذي أعطاه، من هو؟

وفي المال، أيّ الأموال هو؟

فقال: بعضهم: الذي أمر الله بإعطاء المكاتب من مال الله: هو مولى العبد المكاتب، ومال الله الذي أمر بإعطائه منه هو مال الكتابة، والقدر الذي أمر أن يعطيه منه الربع.

وقال آخرون: بل ما شاء من ذلك المولى.

*ذكر من قال ذلك: حدثني عمرو بن عليّ، قال: ثنا عمران بن عيينة، قال: ثنا عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ في قول الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: ربع المكاتبة.

حدثنا الحسن بن عرفة، قال: ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، في قوله الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: ربع الكتابة يحطها عنه.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن ليث بن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن، عن عليّ رضي الله عنه ، في قول الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: الربع من أوّل نجومه.

قال: أخبرنا ابن علية، قال عطاء بن السائب: عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ، في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: الربع من مكاتبته.

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، قال: ثنا محمد بن عبيد، قال: ثني عبد الملك بن أبي سليمان، عن عبد الملك بن أعين، قال: كاتب أبو عبد الرحمن غلاما في أربعة آلاف درهم، ثم وضع له الربع، ثم قال: لولا أني رأيت عليا، رضوان الله عليه كاتب غلاما له، ثم وضع له الربع ، ما وضعت لك شيئا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن عبد الأعلى، عن أبي عبد الرحمن السلمي: أنه كاتب غلاما له على ألف ومئتين، فترك الربع وأشهدني، فقال لي: كان صديقك يفعل هذا، يعني عليا رضوان الله عليه يتأوّل ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ).

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان ،عن عبد الملك، قال: ثني فضالة بن أبي أمية، عن أبيه، قال: كاتبني عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فاستقرض لي من حفصة مئتي درهم.

قلت: ألا تجعلها في مكاتبتي؟

قال: إني لا أدري أدرك ذاك أم لا.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، بلغني أنه كاتبه على مئة أوقية، قال: ثنا سفيان، عن عبد الملك، قال: ذكرت ذلك لعكرمة، فقال: هو قول الله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ).

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قول الله ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) يقول: ضعوا عنهم من مكاتبتهم.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي،قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) يقول: ضعوا عنهم مما قاطعتموهم عليه.

حدثنا أبو كريب، قال: ثنا ابن إدريس، قال: سمعت عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: مما أخرج الله لكم منهم.

حدثني أبو السائب، قال: ثنا ابن إدريس، عن ليث، عن مجاهد: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: آتِهمْ مما في يديك.

حدثني الحسين بن عمرو العنقزي، قال: ثني أبي، عن أسباط، عن السديّ، عن أبيه، قال: كاتبتني زينب بنت قيس، بن مخرمة من بني المطلب بن عبد مناف على عشرة آلاف، فتركت لي ألفا وكانت زينب قد صلَّت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم القبلتين جميعا.

حدثنا مجاهد بن موسى، قال: ثنا يزيد، قال: أخبرنا ابن مسعود الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، مولى أبي أسيد، قال: كاتبني أبو أسيد، على ثنتي عشرة مئة، فجئته بها، فأخذ منها ألفا، وردّ عليّ مئتين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا هارون بن المغيرة، عن عنبسة، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير، قال: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أوّل نجومه؛ مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحبّ.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن نافع، قال: كاتب عبد الله بن عمر غلامًا له يقال له: شرف، على خمسة وثلاثين ألف درهم، فوضع من آخر كتابته خمسة آلاف ولم يذكر نافع أنه أعطاه شيئا غير الذي وضع له.

قال أخبرنا ابن وهب، قال: قال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: إن ذلك أن يكاتب الرجل غلامه، ثم يضع عنه من آخر كتابته شيئا مسمى، قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت، وعلى ذلك أهل العلم، وعمل الناس عندنا.

حدثني عليّ، قال: ثنا زيد، قال: ثنا سفيان: أحبّ إليّ أن يعطيه الربع، أو أقلّ منه شيئا، وليس بواجب، وأن يفعل ذلك حسن.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن عطاء، عن عبد الله بن حبيب أبي عبد الرحمن السلمي، عن عليّ رضي الله عنه ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: هو ربع المكاتبة.

وقال آخرون: بل ذلك حضّ من الله أهل الأموال على أن يعطوهم سهمهم، الذي جعله لهم من الصدقات المفروضة لهم في أموالهم، بقوله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ قال: فالرقاب التي جعل فيها أحد سُهمان الصدقة الثمانية هم المكاتبون، قال: وإياه عنى جلّ ثناؤه بقوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) : أي سهمهم من الصدقة.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثني يحيى بن واضح، قال: ثنا الحسين، عن ابن زيد، عن أبيه، قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: يحث الله عليه يعطونه.

حدثني يعقوب، قال: ثني ابن علية، قال: أخبرنا يونس، عن الحسن ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: حثّ الناس عليه، مولاه وغيره.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن مغيرة، عن حماد، عن إبراهيم في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: يعطي مكاتبه وغيره حثّ الناس عليه.

حدثني يعقوب قال: ثنا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم أنه قال في قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: أمر مولاه والناس جميعا أن يعينوه.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد، قال: ثنا شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: أمر المسلمين أن يعطوهم مما آتاهم الله.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثني ابن زيد، عن أبيه ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: ذلك في الزكاة على الولاة، يعطونهم من الزكاة، يقول الله وَفِي الرِّقَابِ .

قال: ثني ابن زيد، عن أبيه ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) قال: الفيء والصدقات.

وقرأ قول الله: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ، وقرأ حتى بلغ: وَفِي الرِّقَابِ فأمر الله أن يوفوها منه، فليس ذلك من الكتابة، قال: وكان أبي يقول: ما له وللكتابة؟!

هو من مال الله الذي فرض له فيه نصيبا.

وأولى القولين بالصواب في ذلك عندي القول الثاني، وهو قول من قال: عنى به إيتاءهم سهمهم من الصدقة المفروضة.

وإنما قلنا ذلك أولى القولين، لأن قوله: ( وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ) أمر من الله تعالى ذكره بإيتاء المكاتبين من ماله الذي آتى أهل الأموال، وأمر الله فرض على عباده الانتهاء إليه، ما لم يخبرهم أن مراده الندب، لما قد بيَّنا في غير موضع من كتابنا، فإذ كان ذلك كذلك ولم يكن أخبرنا في كتابه، ولا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ندب، ففرض واجب.

وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الحجة قد قامت أن لا حق لأحد في مال أحد غيره من المسلمين، إلا ما أوجبه الله لأهل سهمان الصدقة في أموال الأغنياء منهم، وكانت الكتابة التي يقتضيها سيد المكاتب من مكاتبه مالا من مال سيد المكاتب، فيفاد أن الحقّ الذي أوجب الله له على المؤمنين أن يؤتوه من أموالهم، هو ما فرض على الأغنياء في أموالهم له من الصدقة المفروضة، إذ كان لا حقّ في أموالهم لأحد سواها.

القول في تأويل قوله تعالى : وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ يقول تعالى ذكره: زوّجوا الصالحين من عبادكم وإمائكم ولا تكرهوا إماءكم على البغاء، وهو الزنا( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) يقول: إن أردن تعففا عن الزنا.

( لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ) يقول: لتلتمسوا بإكراهكم إياهنّ على الزنا عرض الحياة الدنيا وذلك ما تعرض لهم إليه الحاجة من رياشها وزينتها وأموالها، ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ ) يقول: ومن يكره فتياته على البغاء، فإن الله من بعد إكراهه إياهنّ على ذلك، لهن ( غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ، ووزر ما كان من ذلك عليهم دونهن.

وذُكر أن هذه الآية أنـزلت في عبد الله بن أُبي ابن سلول، حين أكره أمته مسيكة على الزنا.

*ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن الصباح، قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جاءت مسيكة لبعض الأنصار فقالت: إن سيدي يكرهني على الزنا، فنـزلت في ذلك: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ).

حدثني يحيى بن إبراهيم المسعودي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن جدّه، عن الأعمش، عن أبي سفيان عن جابر قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول، يقال لها مسيكة، فآجرها أو أكرهها " الطبري شكّ" فأتت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فشكت ذلك إليه، فأنـزل الله ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يعني بهنّ.

حدثنا أبو حصين عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: ثنا عبثر، قال: ثنا حصين، عن الشعبي، في قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) قال: رجل كانت له جارية تفجر، فلما أسلمت نـزلت هذه.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزبير، عن جابر، قال: جاءت جارية لبعض الأنصار، فقالت: إن سيدي أكرهني على البغاء، فأنـزل الله في ذلك ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ )قال ابن جُرَيج: وأخبرني عمرو بن دينار، عن عكرمة قال: أمة لعبد الله بن أُبَيّ، أمرها فزنت، فجاءت ببرد، فقال لها: ارجعي فازني، قالت: والله لا أفعل، إن يك هذا خيرا فقد استكثرت منه، وإن يك شرّا فقد آن لي أن أدعه.

قال ابن جُرَيج، وقال مجاهد نحو ذلك، وزاد قال: البغاء الزنا، ( وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قال: للمكرهات على الزنا، وفيها نـزلت هذه الآية.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري أن رجلا من قريش أُسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أُبي أسره، وكان لعبد الله جارية يقال: لها معاذة، فكان القرشيّ الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان ابن أُبي يُكرهها على ذلك، ويضربها رجاء أن تحمل للقرشيّ، فيطلب فداء ولده، فقال الله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) قال الزهري: ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: غفور لهنّ ما أكرهن عليه.

حدثنا أبو كريب ، قال: ثنا ابن يمان، عن أشعث، عن جعفر، عن سعيد بن جُبير، أنه كان يقرأ: فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ لهن غَفُورٌ رَحِيمٌ .

حدثنا عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ) يقول: ولا تكرهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله سبحانه لهنّ غفور رحيم، وإثمهنّ على من أكرههنّ.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) ...

إلى آخر الآية، قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهن، فقال الله: لا تكرهوهنّ على الزنا من أجل المنالة في الدنيا، ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لهنّ يعني إذا أكرهن.

حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) على الزنا، قال: عبد الله بن أُبي ابن سلول أمر أمة له بالزنا، فجاءته بدينار أو ببرد " شكّ أبو عاصم " فأعطته، فقال: ارجعي فازني بآخر، فقالت: والله ما أنا براجعة، فالله غفور رحيم للمكرهات على الزنا ، ففي هذا أنـزلت هذه الآية.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، نحوه.

إلا أنه قال في حديثه: أمر أمة له بالزنا، فزنت فجاءته ببرد فأعطته، فلم يشك.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) يقول: على الزنا( فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) يقول: غفور لهنّ، للمكرهات على الزنا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال: ابن زيد، في قوله: ( وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) قال: غفور رحيم لهنّ حين أكرهن وقسرن على ذلك.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، قال: كانوا يأمرون ولائدهم يباغين يفعلن ذلك، فيصبن، فيأتينهم بكسبهنّ، فكانت لعبد الله بن أُبي ابن سلول جارية، فكانت تباغي.

فكرهت وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد أخضر، فأتتهم به، فأنـزل الله تبارك وتعالى: ( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ) ...

الآية.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيمقوله تعالى : وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله .[ ص: 225 ] فيه أربع مسائل :الأولى : قوله تعالى : وليستعفف الذين الخطاب لمن يملك أمر نفسه ، لا لمن زمامه بيد غيره فإنه يقوده إلى ما يراه ؛ كالمحجور - قولا واحدا - والأمة والعبد ؛ على أحد قولي العلماء .الثانية : ( واستعفف ) وزنه استفعل ؛ ومعناه طلب أن يكون عفيفا ؛ فأمر الله تعالى بهذه الآية كل من تعذر عليه النكاح ولا يجده بأي وجه تعذر أن يستعفف .

ثم لما كان أغلب الموانع على النكاح عدم المال وعد بالإغناء من فضله ؛ فيرزقه ما يتزوج به ، أو يجد امرأة ترضى باليسير من الصداق ، أو تزول عنه شهوة النساء .

وروى النسائي ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ثلاثة كلهم حق على الله - عز وجل - عونهم المجاهد في سبيل الله ، والناكح الذي يريد العفاف ، والمكاتب الذي يريد الأداء .الثالثة : قوله تعالى : لا يجدون نكاحا أي طول نكاح ؛ فحذف المضاف .

وقيل : النكاح هاهنا ما تنكح به المرأة من المهر والنفقة ؛ كاللحاف اسم لما يلتحف به .

واللباس اسم لما يلبس ؛ فعلى هذا لا حذف في الآية ، قاله جماعة من المفسرين ؛ وحملهم على هذا قوله تعالى : حتى يغنيهم الله من فضله فظنوا أن المأمور بالاستعفاف إنما هو من عدم المال الذي يتزوج به .

وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف ؛ وذلك ضعيف ، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذر ، كما قدمناه ، والله تعالى أعلم .الرابعة : من تاقت نفسه إلى النكاح فإن وجد الطول فالمستحب له أن يتزوج ، وإن لم يجد الطول فعليه بالاستعفاف ما أمكن ولو بالصوم فإن الصوم له وجاء ؛ كما جاء في الخبر الصحيح .

ومن لم تتق نفسه إلى النكاح فالأولى له التخلي لعبادة الله تعالى .

وفي الخبر [ ص: 226 ] ( خيركم الخفيف الحاذ الذي لا أهل له ولا ولد ) .

وقد تقدم جواز نكاح الإماء عند عدم الطول للحرة في ( النساء ) والحمد لله .

ولما لم يجعل الله له من العفة والنكاح درجة دل على أن ما عداهما محرم ولا يدخل فيه ملك اليمين ؛ لأنه بنص آخر مباح وهو قوله تعالى : أو ما ملكت أيمانكم فجاءت فيه زيادة ويبقى على التحريم الاستمناء ردا على أحمد .

وكذلك يخرج عنه نكاح المتعة بنسخه وقد تقدم هذا في ( المؤمنون ) .قوله تعالى : والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا .فيه ست عشرة مسألة :الأولى : والذين يبتغون الكتاب الذين في موضع رفع .

وعند الخليل وسيبويه في موضع نصب على إضمار فعل ؛ لأن بعده أمرا .

ولما جرى ذكر العبيد والإماء فيما سبق وصل به أن العبد إن طلب الكتاب فالمستحب كتابته ؛ فربما يقصد بالكتابة أن يستقل ويكتسب ويتزوج إذا أراد ، فيكون أعف له .

قيل : نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبح - وقيل صبيح - طلب من مولاه أن يكاتبه فأبى ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية ، فكاتبه حويطب على مائة دينار ووهب له منها عشرين دينارا فأداها ، وقتل بحنين في الحرب ؛ ذكره القشيري ، وحكاه النقاش .

وقال مكي : هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة .

وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر المؤمنين كافة أن يكاتب منهم كل من له مملوك وطلب المملوك الكتابة وعلم سيده منه خيرا .الثانية : الكتاب والمكاتبة سواء ؛ مفاعلة مما لا تكون إلا بين اثنين ، لأنها معاقدة بين السيد وعبده ؛ يقال : كاتب يكاتب كتابا ومكاتبة ، كما يقال : قاتل قتالا ومقاتلة .

فالكتاب في [ ص: 227 ] الآية مصدر كالقتال والجلاد والدفاع .

وقيل : الكتاب هاهنا هو الكتاب المعروف الذي يكتب فيه الشيء ؛ وذلك أنهم كانوا إذا كاتبوا العبد كتبوا عليه وعلى أنفسهم بذلك كتابا .

فالمعنى يطلبون العتق الذي يكتب به الكتاب فيدفع إليهم .الثالثة : معنى المكاتبة في الشرع : هو أن يكاتب الرجل عبده على مال يؤديه منجما عليه ؛ فإذا أداه فهو حر .

ولها حالتان : الأولى : أن يطلبها العبد ويجيبه السيد ؛ فهذا مطلق الآية وظاهرها .

الثانية : أن يطلبها العبد ويأباها السيد ؛ وفيها قولان : الأول : لعكرمة ، وعطاء ، ومسروق ، وعمرو بن دينار ، والضحاك بن مزاحم ، وجماعة أهل الظاهر أن ذلك واجب على السيد .

وقال علماء الأمصار : لا يجب ذلك .

وتعلق من أوجبها بمطلق الأمر ، وأفعل بمطلقه على الوجوب حتى يأتي الدليل بغيره .

وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وابن عباس ، واختاره الطبري .

واحتج داود أيضا بأن سيرين أبا محمد بن سيرين سأل أنس بن مالك الكتابة وهو مولاه فأبى أنس ؛ فرفع عمر عليه الدرة ، وتلا : فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ، فكاتبه أنس .

قال داود : وما كان عمر ليرفع الدرة على أنس فيما له مباح ألا يفعله .

وتمسك الجمهور بأن الإجماع منعقد على أنه لو سأله أن يبيعه من غيره لم يلزمه ذلك ، ولم يجبر عليه وإن ضوعف له في الثمن .

وكذلك لو قال له أعتقني أو دبرني أو زوجني لم يلزمه ذلك بإجماع ، فكذلك الكتابة ؛ لأنها معاوضة فلا تصح إلا عن تراض .

وقولهم : مطلق الأمر يقتضي الوجوب صحيح ، لكن إذا عري عن قرينة تقتضي صرفه عن الوجوب ، وتعليقه هنا بشرط علم الخير فيه ؛ فعلق الوجوب على أمر باطن وهو علم السيد بالخيرية .

وإذا قال العبد : كاتبني ؛ وقال السيد : لم أعلم فيك خيرا ؛ وهو أمر باطن ، فيرجع فيه إليه ويعول عليه .

وهذا قوي في بابه .الرابعة : واختلف العلماء في قوله تعالى : خيرا فقال ابن عباس ، وعطاء : المال .

مجاهد : المال والأداء .

والحسن ، والنخعي : الدين والأمانة .

وقال مالك : سمعت بعض أهل العلم يقولون هو القوة على الاكتساب والأداء .

وعن الليث نحوه ، وهو قول الشافعي .

وقال عبيدة السلماني : إقامة الصلاة والخير .

قال الطحاوي : وقول من قال إنه المال لا يصح عندنا ؛ لأن العبد مال لمولاه ، فكيف يكون له مال .

والمعنى عندنا : إن علمتم فيهم الدين والصدق ، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في [ ص: 228 ] المعاملة فكاتبوهم .

وقال أبو عمر : من لم يقل إن الخير هنا المال أنكر أن يقال إن علمتم فيهم مالا ، وإنما يقال : علمت فيه الخير والصلاح والأمانة ؛ ولا يقال : علمت فيه المال ، وإنما يقال علمت عنده المال .قلت : وحديث بريرة يرد قول من قال : إن الخير المال ؛ على ما يأتي .الخامسة : اختلف العلماء في كتابة من لا حرفة له ؛ فكان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم تكن له حرفة ، ويقول : أتأمرني أن آكل أوساخ الناس ؛ ونحوه عن سلمان الفارسي .

وروى حكيم بن حزام فقال : كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد : أما بعد !

فانه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس .

وكرهه الأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق .

ورخص في ذلك مالك ، وأبو حنيفة ، والشافعي .

وروي عن علي - رضي الله عنه - أن ابن التياح مؤذنه قال له : أكاتب وليس لي مال ؟

قال نعم ؛ ثم حض الناس على الصدقة علي ؛ فأعطوني ما فضل عن مكاتبتي ، فأتيت عليا فقال : اجعلها في الرقاب .

وقد روي عن مالك كراهة ذلك ، وأن الأمة التي لا حرفة لها يكره مكاتبتها لما يؤدي إليه من فسادها .

والحجة في السنة لا فيما خالفها .

روى الأئمة عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : دخلت علي بريرة فقالت : إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين كل سنة أوقية ، فأعينيني .

.

.

الحديث .

فهذا دليل على أن للسيد أن يكاتب عبده وهو لا شيء معه ؛ ألا ترى أن بريرة جاءت عائشة تخبرها بأنها كاتبت أهلها وسألتها أن تعينها ، وذلك كان في أول كتابتها قبل أن تؤدي منها شيئا ؛ كذلك ذكره ابن شهاب ، عن عروة أن عائشة أخبرته أن بريرة جاءت تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ؛ أخرجه البخاري ، وأبو داود .

وفي هذا دليل على جواز كتابة الأمة ، وهي غير ذات صنعة ولا حرفة ولا مال ، ولم يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - هل لها كسب أو عمل واصب أو مال ، ولو كان هذا واجبا لسأل عنه ليقع حكمه عليه ؛ لأنه بعث مبينا معلما - صلى الله عليه وسلم - .

وفي هذا الحديث ما يدل على أن من تأول في قوله تعالى : إن علمتم فيهم خيرا أن المال الخير ، ليس بالتأويل الجيد ، وأن الخير المذكور هو القوة على الاكتساب مع الأمانة .

والله أعلم .[ ص: 229 ] السادسة : الكتابة تكون بقليل المال وكثيره ، وتكون على أنجم ؛ لحديث بريرة .

وهذا ما لا خلاف فيه بين العلماء والحمد لله .

فلو كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلا نجمت عليه بقدر سعايته وإن كره السيد .

قال الشافعي : لا بد فيها من أجل ؛ وأقلها ثلاثة أنجم .

واختلفوا إذا وقعت على نجم واحد فأكثر أهل العلم يجيزونها على نجم واحد .

وقال الشافعي : لا تجوز على نجم واحد ، ولا تجوز حالة البتة ، وإنما ذلك عتق على صفة ؛ كأنه قال : إذا أديت كذا وكذا فأنت حر وليست كتابة .

قال ابن العربي : اختلف العلماء والسلف في الكتابة إذا كانت حالة على قولين ، واختلف قول علمائنا كاختلافهم .

والصحيح في النظر أن الكتابة مؤجلة ؛ كما ورد بها الأثر في حديث بريرة حين كاتبت أهلها على تسع أواق في كل عام أوقية ، وكما فعلت الصحابة ؛ ولذلك سميت كتابة لأنها تكتب ويشهد عليها ، فقد استوسق الاسم والأثر ، وعضده المعنى ؛ فإن المال إن جعله حالا وكان عند العبد شيء فهو مال مقاطعة وعقد مقاطعة لا عقد كتابة .

وقال ابن خويز منداد : إذا كاتبه على مال معجل كان عتقا على مال ، ولم تكن كتابة .

وأجاز غيره من أصحابنا الكتابة الحالة وسماها قطاعة ، وهو القياس ؛ لأن الأجل فيها إنما هو فسحة للعبد في التكسب .

ألا ترى أنه لو جاء بالمنجم عليه قبل محله لوجب على السيد أن يأخذه ويتعجل للمكاتب عتقه .

وتجوز الكتابة الحالة ؛ قاله الكوفيون .قلت : لم يرد عن مالك نص في الكتابة الحالة ؛ والأصحاب يقولون : إنها جائزة ، ويسمونها قطاعة .

وأما قول الشافعي إنها لا تجوز على أقل من ثلاثة أنجم فليس بصحيح ؛ لأنه لو كان صحيحا لجاز لغيره أن يقول : لا يجوز على أقل من خمسة نجوم ؛ لأنها أقل النجوم التي كانت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بريرة ، وعلم بها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقضى فيها ، فكان بصواب الحجة أولى .

روى البخاري عن عائشة أن بريرة دخلت عليها تستعينها في كتابتها وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين .

.

.

الحديث .

كذا قال الليث ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة : وعليها خمسة أواق نجمت عليها في خمس سنين .

وقال أبو أسامة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : جاءت بريرة فقالت : إني كاتبت أهلي على تسع أواق .

.

.

الحديث .

وظاهر الروايتين تعارض ، غير أن حديث هشام أولى [ ص: 230 ] لاتصاله وانقطاع حديث يونس ؛ لقول البخاري : وقال الليث حدثني يونس ؛ ولأن هشاما أثبت في حديث أبيه وجده من غيره ، والله أعلم .السابعة : المكاتب عبد ما بقي عليه من مال الكتابة شيء ؛ لقوله - عليه السلام - : المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم .

أخرج أبو داود ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده .

وروي عنه أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أيما عبد كاتب على مائة دينار فأداها إلا عشرة دنانير فهو عبد .

وهذا قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهم ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود ، والطبري .

وروي ذلك عن ابن عمر من وجوه ، وعن زيد بن ثابت ، وعائشة ، وأم سلمة ، لم يختلف عنهم في ذلك - رضي الله عنهم - .

وروي ذلك عن عمر بن الخطاب ، وبه قال ابن المسيب ، والقاسم ، وسالم ، وعطاء .

قال مالك : وكل من أدركنا ببلدنا يقول ذلك .

وفيها قول آخر روي عن علي أنه إذا أدى الشطر فهو غريم ؛ وبه قال النخعي .

وروي ذلك عن عمر - رضي الله عنه - ، والإسناد عنه بأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم خير من الإسناد عنه بأن المكاتب إذا أدى الشطر فلا رق عليه ؛ قاله أبو عمر .

وعن علي أيضا يعتق منه بقدر ما أدى .

وعنه أيضا أن العتاقة تجري فيه بأول نجم يؤديه .

وقال ابن مسعود : إذا أدى ثلث الكتابة فهو عتيق غريم ؛ وهذا قول شريح .

وعن ابن مسعود : لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة دينار فأدى العبد المائة التي هي قيمته عتق ؛ وهو قول النخعي أيضا .

وقول سابع : إذا أدى الثلاثة الأرباع وبقي الربع فهو غريم ولا يعود عبدا ؛ قاله عطاء بن أبي رباح ، رواه ابن جريج عنه .

وحكي عن بعض السلف أنه بنفس عقد الكتابة حر ، وهو غريم بالكتابة ولا يرجع إلى الرق أبدا .

وهذا القول يرده حديث بريرة لصحته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

وفيه دليل واضح على أن المكاتب عبد ، ولولا ذلك ما بيعت بريرة ، ولو كان فيها شيء من العتق ما أجاز بيع ذلك ؛ إذ من سنته المجمع عليها ألا يباع الحر .

وكذلك كتابة سلمان وجويرية ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم لجميعهم بالرق حتى أدوا الكتابة .

وهي حجة للجمهور في أن المكاتب عبد ما بقي عليه شيء .

وقد ناظر علي بن أبي طالب زيد بن ثابت في المكاتب ؛ فقال لعلي : أكنت راجمه لو زنى ، أو مجيزا شهادته لو شهد ؟

فقال علي لا .

فقال زيد : هو عبد ما بقي عليه شيء .

[ ص: 231 ] وقد روى النسائي ، عن علي ، وابن عباس - رضي الله عنهم - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى ويقام عليه الحد بقدر ما أدى ويرث بقدر ما عتق منه .

وإسناده صحيح .

وهو حجة لما روي عن علي ، ويعتضد بما رواه أبو داود عن نبهان مكاتب أم سلمة قال سمعت أم سلمة تقول : قال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه .

وأخرجه الترمذي وقال : حديث حسن صحيح .

إلا أنه يحتمل أن يكون خطابا مع زوجاته أخذا بالاحتياط والورع في حقهن ؛ كما قال لسودة : احتجبي منه مع أنه قد حكم بأخوتها له ، وبقوله لعائشة ، وحفصة : أفعمياوان أنتما ألستما تبصرانه يعني ابن أم مكتوم ، مع أنه قال لفاطمة بنت قيس : اعتدي عند ابن أم مكتوم وقد تقدم هذا المعنى .الثامنة : أجمع على أن المكاتب إذا حل عليه نجم من نجومه أو نجمان أو نجومه كلها فوقف السيد عن مطالبته وتركه بحاله أن الكتابة لا تنفسخ ما داما على ذلك ثابتين .التاسعة : قال مالك : ليس للعبد أن يعجز نفسه إذا كان له مال ظاهر ، وإن لم يظهر له مال فذلك إليه .

وقال الأوزاعي : لا يمكن من تعجيز نفسه إذا كان قويا على الأداء .

وقال الشافعي : له أن يعجز نفسه ، علم له مال أو قوة على الكتابة أو لم يعلم ؛ فإذا قال : قد عجزت وأبطلت الكتابة فذلك إليه .

وقال مالك : إذا عجز المكاتب فكل ما قبضه منه سيده قبل العجز حل له ، كان من كسبه أو من صدقة عليه .

وأما ما أعين به على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى أو تحلل منه المكاتب .

ولو أعانوه صدقة لا على فكاك رقبته فذلك [ ص: 232 ] إن عجز حل لسيده ولو تم به فكاكه وبقيت منه فضلة .

فإن كان بمعنى الفكاك ردها إليهم بالحصص أو يحللونه منها .

هذا كله مذهب مالك فيما ذكر ابن القاسم .

وقال أكثر أهل العلم : إن ما قبضه السيد منه من كتابته ، وما فضل بيده بعد عجزه من صدقة أو غيرها فهو لسيده ، يطيب له أخذ ذلك كله .

هذا قول الشافعي ، وأبي حنيفة ، وأصحابهما ، وأحمد بن حنبل ، ورواية عن شريح .

وقال الثوري : يجعل السيد ما أعطاه في الرقاب ؛ وهو قول مسروق ، والنخعي ، ورواية عن شريح .

وقالت طائفة : ما قبض منه السيد فهو له ، وما فضل بيده بعد العجز فهو له دون سيده ؛ وهذا قول بعض من ذهب إلى أن العبد يملك .

وقال إسحاق : ما أعطي بحال الكتابة رد على أربابه .العاشرة : حديث بريرة على اختلاف طرقه وألفاظه يتضمن أن بريرة وقع فيها بيع بعد كتابة تقدمت .

واختلف الناس في بيع المكاتب بسبب ذلك .

وقد ترجم البخاري ( باب بيع المكاتب إذا رضي ) .

وإلى جواز بيعه للعتق إذا رضي المكاتب بالبيع ولو لم يكن عاجزا ، ذهب ابن المنذر ، والداودي ، وهو الذي ارتضاه أبو عمر بن عبد البر ، وبه قال ابن شهاب ، وأبو الزناد ، وربيعة ؛ غير أنهم قالوا : لأن رضاه بالبيع عجز منه .

وقال مالك ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : لا يجوز بيع المكاتب ما دام مكاتبا حتى يعجز ، ولا يجوز بيع كتابته بحال ؛ وهو قول الشافعي بمصر ، وكان بالعراق يقول : بيعه جائز ، وأما بيع كتابته فغير جائزة .

وأجاز مالك بيع الكتابة ؛ فإن أداها عتق وإلا كان رقيقا لمشتري الكتابة .

ومنع من ذلك أبو حنيفة ؛ لأنه بيع غرر .

واختلف قول الشافعي في ذلك بالمنع والإجازة .

وقالت طائفة : يجوز بيع المكاتب على أن يمضي في كتابته ؛ فإن أدى عتق وكان ولاؤه للذي ابتاعه ، ولو عجز فهو عبد له .

وبه قال النخعي ، وعطاء ، والليث ، وأحمد ، وأبو ثور .

وقال الأوزاعي : لا يباع المكاتب إلا للعتق ، ويكره أن يباع قبل عجزه ؛ وهو قول أحمد ، وإسحاق .

قال أبو عمر : في حديث بريرة إجازة بيع المكاتب إذا رضي بالبيع ولم يكن عاجزا عن أداء نجم قد حل عليه ؛ بخلاف قول من زعم أن بيع المكاتب غير جائز إلا بالعجز ؛ لأن بريرة لم تذكر أنها عجزت عن أداء نجم ، ولا أخبرت بأن النجم قد حل عليها ، ولا قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : أعاجزة أنت أم هل حل عليك نجم ؟

ولو لم يجز بيع المكاتب والمكاتبة إلا بالعجز عن أداء ما قد حل لكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد سألها : أعاجزة هي أم لا ، وما كان ليأذن في شرائها إلا بعد علمه - صلى الله عليه وسلم - أنها عاجزة ولو عن أداء نجم واحد قد حل عليها .

وفي حديث الزهري أنها لم تكن قضت من كتابتها شيئا .

ولا أعلم في هذا الباب حجة أصح [ ص: 233 ] من حديث بريرة هذا ، ولم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيء يعارضه ، ولا في شيء من الأخبار دليل على عجزها .

استدل من منع من بيع المكاتب بأمور : منها أن قالوا إن الكتابة المذكورة لم تكن انعقدت ، وأن قولها كاتبت أهلي معناه أنها راوضتهم عليها ، وقدروا مبلغها وأجلها ولم يعقدوها .

وظاهر الأحاديث خلاف هذا إذا تؤمل مساقها .

وقيل : إن بريرة عجزت عن الأداء فاتفقت هي وأهلها على فسخ الكتابة ، وحينئذ صح البيع ؛ إلا أن هذا إنما يتمشى على قول من يقول : إن تعجيز المكاتب غير مفتقر إلى حكم حاكم إذا اتفق العبد والسيد عليه ؛ لأن الحق لا يعدوهما ، وهو المذهب المعروف .

وقال سحنون : لا بد من السلطان ؛ وهذا إنما خاف أن يتواطآ على ترك حق الله تعالى .

ويدل على صحة أنها عجزت ما روي أن بريرة جاءت عائشة تستعينها في كتابتها ولم تكن قضت من كتابتها شيئا ؛ فقالت لها عائشة : ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك فعلت .

فظاهر هذا أن جميع كتابتها أو بعضها استحق عليها ؛ لأنه لا يقضى من الحقوق إلا ما وجبت المطالبة به ، والله أعلم .

هذه التأويلات أشبه ما لهم وفيها من الدخل ما بيناه .

وقال ابن المنذر : ولا أعلم حجة لمن قال ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول لعل بريرة عجزت .

قال الشافعي : وأظهر معانيه أن لمالك المكاتب بيعه .الحادية عشرة : المكاتب إذا أدى كتابته عتق ولا يحتاج إلى ابتداء عتق من السيد .

وكذلك ولده الذين ولدوا في كتابته من أمته ، يعتقون بعتقه ويرقون برقه ؛ لأن ولد الإنسان من أمته بمثابته اعتبارا بالحر وكذلك ولد المكاتبة ، فإن كان لهما ولد قبل الكتابة لم يدخل في الكتابة إلا بشرط .الثانية عشرة : وآتوهم من مال الله الذي آتاكم هذا أمر للسادة بإعانتهم في مال الكتابة ؛ إما بأن يعطوهم شيئا مما في أيديهم - أعني أيدي السادة - أو يحطوا عنهم شيئا من مال الكتابة .

قال مالك : يوضع عن المكاتب من آخر كتابته .

وقد وضع ابن عمر خمسة آلاف من خمسة وثلاثين ألفا .

واستحسن علي - رضي الله عنه - أن يكون ذلك ربع الكتابة .

قال الزهراوي : روي ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

واستحسن ابن مسعود ، والحسن بن أبي الحسن ثلثها .

وقال قتادة : عشرها .

ابن جبير : يسقط عنه شيئا ، ولم يحده ؛ وهو قول الشافعي ، واستحسنه الثوري .

قال الشافعي : والشيء أقل شيء يقع عليه اسم شيء ، ويجبر عليه السيد ويحكم به الحاكم على [ ص: 234 ] الورثة إن مات السيد .

ورأى مالك رحمه الله تعالى هذا الأمر على الندب ، ولم ير لقدر الوضعية حدا .

احتج الشافعي بمطلق الأمر في قوله [ تعالى ] : وآتوهم ، ورأى أن عطف الواجب على الندب معلوم في القرآن ولسان العرب ؛ كما قال تعالى : إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وما كان مثله .

قال ابن العربي : وذكره قبله إسماعيل بن إسحاق القاضي ، جعل الشافعي الإيتاء واجبا ، والكتابة غير واجبة ؛ فجعل الأصل غير واجب والفرع واجبا ، وهذا لا نظير له ، فصارت دعوى محضة .

فإن قيل : يكون ذلك كالنكاح لا يجب فإذا انعقد وجبت أحكامه ، منها المتعة .

قلنا : عندنا لا تجب المتعة فلا معنى لأصحاب الشافعي .

وقد كاتب عثمان بن عفان عبده وحلف ألا يحطه .

.

.

، في حديث طويل .قلت : وقد قال الحسن ، والنخعي ، وبريدة : إنما الخطاب بقوله : وآتوهم للناس أجمعين في أن يتصدقوا على المكاتبين ، وأن يعينوهم في فكاك رقابهم .

وقال زيد بن أسلم : إنما الخطاب للولاة بأن يعطوا المكاتبين من مال الصدقة حظهم ؛ وهو الذي تضمنه قوله تعالى : وفي الرقاب .

وعلى هذين القولين فليس لسيد المكاتب أن يضع شيئا عن مكاتبه .

ودليل هذا أنه لو أراد حط شيء من نجوم الكتابة لقال وضعوا عنهم كذا .الثالثة عشرة : : إذا قلنا : إن المراد بالخطاب السادة فرأى عمر بن الخطاب أن يكون ذلك من أول نجومه مبادرة إلى الخير خوفا ألا يدرك آخرها .

ورأى مالك رحمه الله تعالى وغيره أن يكون الوضع من آخر نجم .

وعلة ذلك أنه إذا وضع من أول نجم ربما عجز العبد فرجع هو وماله إلى السيد ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة .

وهذا قول عبد الله بن عمر ، وعلي .

وقال مجاهد : يترك له من كل نجم .

قال ابن العربي : والأقوى عندي أن يكون في آخرها ؛ لأن الإسقاط أبدا إنما يكون في أخريات الديون .الرابعة عشرة : المكاتب إذا بيع للعتق رضا منه بعد الكتابة وقبض بائعه ثمنه لم يجب عليه أن يعطيه من ثمنه شيئا ، سواء باعه لعتق أو لغير عتق ، وليس ذلك كالسيد يؤدي إليه مكاتب كتابته فيؤتيه منها أو يضع عنه من آخرها نجما أو ما شاء ؛ على ما أمر الله به في كتابه ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر موالي بريرة بإعطائها مما قبضوا شيئا ، وإن كانوا قد باعوها للعتق .[ ص: 235 ] الخامسة عشرة : اختلفوا في صفة عقد الكتابة ؛ فقال ابن خويز منداد : صفتها أن يقول السيد لعبده : كاتبتك على كذا وكذا من المال ، في كذا وكذا نجما ، إذا أديته فأنت حر .

أو يقول له أد إلي ألفا في عشرة أنجم وأنت حر .

فيقول العبد : قد قبلت ، ونحو ذلك من الألفاظ ؛ فمتى أداها عتق .

وكذلك لو قال العبد كاتبني ، فقال السيد قد فعلت ، أو قد كاتبتك .

قال ابن العربي : وهذا لا يلزم ؛ لأن لفظ القرآن لا يقتضيه والحال يشهد له ؛ فإن ذكره فحسن ، وإن تركه فهو معلوم لا يحتاج إليه .

ومسائل هذا الباب وفروعه كثيرة ، وقد ذكرنا من أصوله جملة ، فيها لمن اقتصر عليها كفاية ، والله الموفق للهداية .السادسة عشرة : في ميراث المكاتب ؛ واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال : أن المكاتب إذا هلك وترك مالا أكثر مما بقي عليه من كتابته وله ولد ولدوا في كتابته أو كاتب عليهم ، ورثوا ما بقي من المال بعد قضاء كتابته ؛ لأن حكمهم كحكمه ، وعليهم السعي فيما بقي من كتابته لو لم يخلف مالا ، ولا يعتقون إلا بعتقه ، ولو أدى عنهم ما رجع بذلك عليهم ؛ لأنهم يعتقون عليه ؛ فهم أولى بميراثه لأنهم مساوون له في جميع حاله .والقول الثاني : أنه يؤدي عنه من ماله جميع كتابته ، وجعل كأنه قد مات حرا ، ويرثه جميع ولده وسواء في ذلك من كان حرا قبل موته من ولده ، ومن كاتب عليهم ، أو ولدوا في كتابته لأنهم قد استووا في الحرية كلهم حين تأدت عنهم كتابتهم .

روي هذا القول عن علي ، وابن مسعود ، ومن التابعين عن عطاء ، والحسن ، وطاوس ، وإبراهيم ، وبه قال فقهاء الكوفة سفيان الثوري ، وأبو حنيفة ، وأصحابه ، والحسن بن صالح بن حي ، وإليه ذهب إسحاق .والقول الثالث : أن المكاتب إذا مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا ، وكل ما يخلفه من المال فهو لسيده ، ولا يرثه أحد من أولاده ، لا الأحرار ولا الذين معه في كتابته ؛ لأنه لما مات قبل أن يؤدي جميع كتابته فقد مات عبدا وماله لسيده ، فلا يصح عتقه بعد موته ؛ لأنه محال أن يعتق عبد بعد موته ، وعلى ولده الذين كاتب عليهم أو ولدوا في كتابته أن يسعوا في باقي الكتابة ، ويسقط عنهم منها قدر حصته ، فإن أدوا عتقوا لأنهم كانوا فيها تبعا لأبيهم ، وإن لم يؤدوا ذلك رقوا .

هذا قول الشافعي ، وبه قال أحمد بن حنبل ، وهو قول عمر بن الخطاب ، وزيد بن ثابت ، وعمر بن عبد العزيز ، والزهري ، وقتادة .قوله تعالى : ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا روي عن جابر بن عبد الله ، وابن عباس - رضي الله عنهم - أن هذه الآية نزلت في عبد الله بن أبي ، وكانت له جاريتان إحداهما [ ص: 236 ] تسمى معاذة ، والأخرى مسيكة ، وكان يكرههما على الزنا ويضربهما عليه ابتغاء الأجر وكسب الولد ؛ فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فنزلت الآية فيه وفيمن فعل فعله من المنافقين .

ومعاذة هذه أم خولة التي جادلت النبي - صلى الله عليه وسلم - في زوجها .

وفي صحيح مسلم ، عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة فكان يكرههما على الزنا ، فشكتا ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنزل الله - عز وجل - ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله ( غفور رحيم ) .قوله تعالى : إن أردن تحصنا راجع إلى الفتيات ، وذلك أن الفتاة إذا أرادت التحصن فحينئذ يمكن ويتصور أن يكون السيد مكرها ، ويمكن أن ينهى عن الإكراه .

وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصن فلا يتصور أن يقال للسيد لا تكرهها ؛ لأن الإكراه لا يتصور فيها وهي مريدة للزنا .

فهذا أمر في سادة وفتيات حالهم هذه .

وإلى هذا المعنى أشار ابن العربي فقال : إنما ذكر الله تعالى إرادة التحصن من المرأة لأن ذلك هو الذي يصور الإكراه ؛ فأما إذا كانت هي راغبة في الزنا لم يتصور إكراه ، فحصلوه .

وذهب هذا النظر عن كثير من المفسرين ؛ فقال بعضهم : قوله : إن أردن تحصنا راجع إلى الأيامى ، قال الزجاج ، والحسين بن الفضل : في الكلام تقديم وتأخير ؛ أي وأنكحوا الأيامى والصالحين من عبادكم إن أردن تحصنا .

وقال بعضهم : هذا الشرط في قوله : ( إن أردن ) ملغى ، ونحو ذلك مما يضعف والله الموفق .قوله تعالى : لتبتغوا عرض الحياة الدنيا أي الشيء الذي تكسبه الأمة بفرجها والولد يسترق فيباع .

وقيل : كان الزاني يفتدي ولده من المزني بها بمائة من الإبل يدفعها إلى سيدها .قوله تعالى : ومن يكرهن أي يقهرهن .

فإن الله من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن .

وقرأ ابن مسعود ، وجابر بن عبد الله ، وابن جبير ( لهن غفور ) بزيادة لهن .

وقد مضى الكلام في الإكراه في ( النحل ) والحمد لله .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } هذا حكم العاجز عن النكاح، أمره الله أن يستعفف، أن يكف عن المحرم، ويفعل الأسباب التي تكفه عنه، من صرف دواعي قلبه بالأفكار التي تخطر بإيقاعه فيه، ويفعل أيضا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء " وقوله: { الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا } أي: لا يقدرون نكاحا، إما لفقرهم أو فقر أوليائهم وأسيادهم، أو امتناعهم من تزويجهم [وليس لهم] من قدرة على إجبارهم على ذلك، وهذا التقدير، أحسن من تقدير من قدر " لا يجدون مهر نكاح " وجعلوا المضاف إليه نائبا مناب المضاف، فإن في ذلك محذورين: أحدهما: الحذف في الكلام، والأصل عدم الحذف.

والثاني كون المعنى قاصرا على من له حالان، حالة غنى بماله، وحالة عدم، فيخرج العبيد والإماء ومن إنكاحه على وليه، كما ذكرنا.

{ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } وعد للمستعفف أن الله سيغنيه وييسر له أمره، وأمر له بانتظار الفرج، لئلا يشق عليه ما هو فيه.

وقوله { وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } أي: من ابتغى وطلب منكم الكتابة، وأن يشتري نفسه، من عبيد وإماء، فأجيبوه إلى ما طلب، وكاتبوه، { إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ } أي: في الطالبين للكتابة { خَيْرًا } أي: قدرة على التكسب، وصلاحا في دينه، لأن في الكتابة تحصيل المصلحتين، مصلحة العتق والحرية، ومصلحة العوض الذي يبذله في فداء نفسه.

وربما جد واجتهد، وأدرك لسيده في مدة الكتابة من المال ما لا يحصل في رقه، فلا يكون ضرر على السيد في كتابته، مع حصول عظيم المنفعة للعبد، فلذلك أمر الله بالكتابة على هذا الوجه أمر إيجاب، كما هو الظاهر، أو أمر استحباب على القول الآخر، وأمر بمعاونتهم على كتابتهم، لكونهم محتاجين لذلك، بسبب أنهم لا مال لهم، فقال: { وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } يدخل في ذلك أمر سيده الذي كاتبه، أن يعطيه من كتابته أو يسقط عنه منها، وأمر الناس بمعونتهم.

ولهذا جعل الله للمكاتبين قسطا من الزكاة، ورغب في إعطائه بقوله: { مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ } أي: فكما أن المال مال الله، وإنما الذي بأيديكم عطية من الله لكم ومحض منه، فأحسنوا لعباد الله، كما أحسن الله إليكم.

ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيرا، بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلا على الناس، ضائعا، وإما أن يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور.

ثم قال تعالى: { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ } أي: إماءكم { عَلَى الْبِغَاءِ } أي: أن تكون زانية { إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } لأنه لا يتصور إكراهها إلا بهذه الحال، وأما إذا لم ترد تحصنا فإنها تكون بغيا، يجب على سيدها منعها من ذلك، وإنما هذا نهى لما كانوا يستعملونه في الجاهلية، من كون السيد يجبر أمته على البغاء، ليأخذ منها أجرة ذلك، ولهذا قال: { لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } فلا يليق بكم أن تكون إماؤكم خيرا منكم، وأعف عن الزنا، وأنتم تفعلون بهن ذلك، لأجل عرض الحياة، متاع قليل يعرض ثم يزول.

فكسبكم النزاهة، والنظافة، والمروءة -بقطع النظر عن ثواب الآخرة وعقابها- أفضل من كسبكم العرض القليل، الذي يكسبكم الرذالة والخسة.

ثم دعا من جرى منه الإكراه إلى التوبة، فقال: { وَمَنْ يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ } فليتب إلى الله، وليقلع عما صدر منه مما يغضبه، فإذا فعل ذلك، غفر الله ذنوبه، ورحمه كما رحم نفسه بفكاكها من العذاب، وكما رحم أمته بعدم إكراهها على ما يضرها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا ) أي : ليطلب العفة عن الحرام والزنا الذين لا يجدون ما لا ينكحون به للصداق والنفقة ، ( حتى يغنيهم الله من فضله ) أي : يوسع عليهم من رزقه .

قوله تعالى : ( والذين يبتغون الكتاب ) أي : يطلبون المكاتبة ، ( مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم ) سبب نزول هذه الآية ما روي أن غلاما لحويطب بن عبد العزى سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه ، فأنزل الله هذه الآية فكاتبه حويطب على مائة دينار ، ووهب له منها عشرين دينارا فأداها ، وقتل يوم حنين في الحرب والكتابة أن يقول الرجل لمملوكه : كاتبتك على كذا من المال ، ويسمي مالا معلوما ، يؤدى ذلك في نجمين أو نجوم معلومة في كل نجم كذا ، فإذا أديت فأنت حر ، والعبد يقبل ذلك ، فإذا أدى المال عتق ، ويصير العبد أحق بمكاسبه بعد الكتابة ، وإذا أعتق بعد أداء المال فما فضل في يده من المال ، يكون له ، ويتبعه أولاده الذين حصلوا في حال الكتابة في العتق ، وإذا عجز عن أداء المال كان لمولاه أن يفسخ كتابته ويرده إلى الرق ، وما في يده من المال يكون لمولاه ، لما أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أخبرنا أبو مصعب ، عن مالك عن نافع ، أخبرنا عبد الله بن عمر كان يقول : " المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء " .

ورواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا : " المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته درهم " .

وذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى : ( فكاتبوهم ) أمر إيجاب ، يجب على المولى أن يكاتب عبده الذي علم فيه خيرا إذا سأل العبد ذلك ، على قيمته أو أكثر ، وإن سأل على أقل من قيمته فلا يجب ، وهو قول عطاء وعمرو بن دينار ، ولما روي أن سيرين سأل أنس بن مالك أن يكاتبه فتلكأ عنه فشكا إلى عمر ، فعلاه بالدرة وأمره بالكتابة فكاتبه .

وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه أمر ندب واستحباب .

ولا تجوز الكتابة على أقل من نجمين عند الشافعي; لأنه عقد جوز إرفاقا بالعبد ، ومن تتمة الإرفاق أن يكون ذلك المال عليه إلى أجل حتى يؤديه على مهل ، فيحصل المقصود ، كالدية في قتل الخطأ ، وجبت على العاقلة على سبيل المواساة فكانت عليهم مؤجلة منجمة ، وجوز أبو حنيفة الكتابة على نجم واحد وحالة .

قوله تعالى : ( إن علمتم فيهم خيرا ) اختلفوا في معنى الخير ، فقال ابن عمر : قوة على الكسب .

وهو قول مالك والثوري ، وقال الحسن ومجاهد والضحاك : مالا كقوله تعالى : " إن ترك خيرا " ( البقرة - 180 ) أي : مالا وروي أن عبدا لسلمان الفارسي قال له : كاتبني ، قال : ألك مال ؟

قال : لا .

قال : تريد أن تطعمني من أوساخ الناس ، ولم يكاتبه .

قال الزجاج : لو أراد به المال لقال : إن علمتم لهم خيرا .

وقال إبراهيم وابن زيد وعبيدة : صدقا وأمانة وقال طاوس ، وعمرو بن دينار : مالا وأمانة وقال الشافعي : وأظهر معاني الخير في العبد : الاكتساب مع الأمانة ، فأحب أن لا يمنع من كتابته إذا كان هكذا .

أخبرنا أبو الحسن علي بن يوسف الجويني ، أخبرنا أبو الحسن بن علي بن شريك الشافعي ، أخبرنا عبد الله بن محمد بن مسلم ، أخبرنا أبو بكر الجوربذي ، أخبرنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب أخبرني الليث عن محمد بن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " ثلاثة حق على الله عونهم : المكاتب الذي يريد الأداء ، والناكح يريد العفاف ، والمجاهد في سبيل الله " .

وحكى محمد بن سيرين عن عبيدة : " إن علمتم فيهم خيرا " أي : أقاموا الصلاة .

وقيل : هو أن يكون العبد بالغا عاقلا فأما الصبي والمجنون فلا تصح كتابتهما لأن الابتغاء منهما لا يصح .

وجوز أبو حنيفة كتابة الصبي المراهق .

قوله - عز وجل - : ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) اختلفوا فيه ، فقال بعضهم : هذا خطاب للموالي ، يجب على المولى أن يحط عن مكاتبه من مال كتابته شيئا ، وهو قول عثمان وعلي والزبير وجماعة ، وبه قال الشافعي .

ثم اختلفوا في قدره ، فقال قوم : يحط عنه ربع مال الكتابة ، وهو قول علي ، ورواه بعضهم عن علي مرفوعا ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يحط عنه الثلث .

وقال الآخرون : ليس له حد بل عليه أن يحط عنه ما شاء وهو قول الشافعي .

قال نافع : كاتب عبد الله بن عمر غلاما له على خمسة وثلاثين ألف درهم فوضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم .

وقال سعيد بن جبير : كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته ، ووضع من آخر كتابته ما أحب .

وقال بعضهم : هو أمر استحباب .

والوجوب أظهر .

وقال قوم : أراد بقوله : " وآتوهم من مال الله " أي سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات المفروضات ، بقوله تعالى : " وفي الرقاب " ( التوبة - 60 ) وهو قول الحسن وزيد بن أسلم .

وقال إبراهيم : هو حث لجميع الناس على معونتهم ولو مات المكاتب قبل أداء النجوم ، اختلف أهل العلم فيه : فذهب كثير منهم إلى أنه يموت رقيقا ، وترتفع الكتابة سواء ترك مالا أو لم يترك ، كما لو تلف المبيع قبل القبض يرتفع البيع .

وهو قول عمر ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، وبه قال عمر بن عبد العزيز ، والزهري ، وقتادة ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد .

وقال قوم : إن ترك وفاء بما بقي عليه من الكتابة كان حرا وإن كان فيه فضل ، فالزيادة لأولاده الأحرار ، وهو قول عطاء ، وطاوس ، والنخعي ، والحسن ، وبه قال مالك ، والثوري ، وأصحاب الرأي .

ولو كاتب عبده كتابة فاسدة يعتق بأداء المال لأن عتقه معلق بالأداء ، وقد وجد وتبعه الأولاد والاكتساب كما في الكتابة الصحيحة ، ويفترقان في بعض الأحكام : وهي أن الكتابة الصحيحة لا يملك المولى فسخها ما لم يعجز المكاتب عن أداء النجوم ، ولا تبطل بموت المولى ، ويعتق بالإبراء عن النجوم ، والكتابة الفاسدة يملك المولى فسخها قبل أداء المال ، حتى لو أدى المال بعد الفسخ لا يعتق ويبطل بموت المولى ، ولا يعتق بالإبراء عن النجوم ، وإذا عتق المكاتب بأداء المال لا يثبت التراجع في الكتابة الصحيحة ، ويثبت في الكتابة الفاسدة ، فيرجع المولى عليه بقيمة رقبته ، وهو يرجع على المولى بما دفع إليه إن كان مالا .

قوله - عز وجل - : ( ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا ) الآية نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول المنافق ، كانت له جاريتان : معاذة ومسيكة ، وكان يكرههما على الزنا بالضريبة يأخذها منهما ، وكذلك كانوا يفعلون في الجاهلية ، يؤجرون إماءهم ، فلما جاء الإسلام قالت معاذة لمسيكة : إن هذا الأمر الذي نحن فيه لا يخلو من وجهين ، فإن يك خيرا فقد استكثرنا منه ، وإن يك شرا فقد آن لنا أن ندعه ، فأنزل الله هذه الآية .

وروي أنه جاءت إحدى الجاريتين يوما ببرد وجاءت الأخرى بدينار ، فقال لهما : ارجعا فازنيا ، قالتا : والله لا نفعل ، قد جاء الإسلام وحرم الزنا ، فأتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشكتا إليه ، فأنزل هذه الآية ( ولا تكرهوا فتياتكم ) إماءكم ( على البغاء ) أي : الزنا ( إن أردن تحصنا ) أي : إذا أردن ، وليس معناه الشرط ، لأنه لا يجوز إكراههن على الزنا وإن لم يردن تحصنا ، كقوله تعالى : " وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين " ( آل عمران - 139 ) ، أي : إذا كنتم مؤمنين وقيل : شرط إرادة التحصن لأن الإكراه إنما يكون عند إرادة التحصن ، فإذا لم ترد التحصن بغت طوعا ، والتحصن : التعفف .

وقال الحسن بن الفضل : في الآية تقديم وتأخير تقديرها : وأنكحوا الأيامى منكم إن أردن تحصنا ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء .

( لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ) أي : لتطلبوا من أموال الدنيا ، يريد من كسبهن وبيع أولادهن ، ( ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ) يعني للمكرهات ، والوزر على المكره .

وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال : لهن والله لهن والله .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا» ما ينكحون به من مهر ونفقة عن الزنا «حتى يغنيهم الله» يوسع عليهم «من فضله» فينكحون «والذين يبتغون الكتاب» بمعنى المكاتبة «مما ملكت أيمانكم» من العبيد والإماء «فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا» أي أمانة وقدرة على الكسب لأداء مال الكتابة وصيغتها مثلا: كاتبتك على ألفين في شهرين كل شهر ألف فإذا أديتها فأنت حر فيقول قبلت «وآتوهم» أمر للسادة «من مال الله الذي آتاكم» ما يستعينون به في أداء ما التزموه لكم وفي معنى الإيتاء حط شيء مما التزموه «ولا تكرهوا فتياتكم» إماءكم «على البغاء» الزنا «إن أردن تحصنا» تعففا عنه وهذه الإرادة محل الإكراه فلا مفهوم للشرط «لتبتغوا» بالإكراه «عرض الحياة الدنيا» نزلت في عبد الله بن أبي كان يكره جواريه على الكسب بالزنا «ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور» لهن «رحيم» بهن.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

والذين لا يستطيعون الزواج لفقرهم أو غيره فليطلبوا العفة عمَّا حَرَّمَ الله حتى يغنيهم الله من فضله، وييسر لهم الزواج.

والذين يريدون أن يتحرروا من العبيد والإماء بمكاتبة أسيادهم على بعض المال يؤدونه إليهم، فعلى مالكيهم أن يكاتبوهم على ذلك إن علموا فيهم خيرًا: مِن رشد وقدرة على الكسب وصلاح في الدين، وعليهم أن يعطوهم شيئًا من المال أو أن يحطوا عنهم مما كُوتبوا عليه.

ولا يجوز لكم إكراه جواريكم على الزنى طلبًا للمال، وكيف يقع منكم ذلك وهن يُرِدْن العفة وأنتم تأبونها؟

وفي هذا غاية التشنيع لفعلهم القبيح.

ومن يكرههنَّ على الزنى فإن الله تعالى من بعد إكراههن غفور لهن رحيم بهن، والإثم على مَن أكْرههن.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أرشد - سبحانه - الذين لا يجدون وسائل النكاح ، إلى ما يعينهم على حفظ فروجهم ، فقال : ( وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ) .والاستعفاف : طلب العفة ، واختيار طريق الفضيلة التى من وسائلها ما أشار إليه - سبحانه - فى قوله : ( قُلْ لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُواْ فُرُوجَهُمْ ) والمعنى : وعلى المؤمنين والمؤمنات " الذين لا يجدون نكاحا " أى : الذين لا يجدون الوسائل والأسباب التى توصلهم إلى الزواج بسبب ضيق ذات اليد ، أو ما يشبه ذلك ، عليهم أن يتحصنوا بالعفاف وأن يصونوا أنفسهم عن الفواحش ، وأن يستمروا على ذلك حتى يرزقهم الله - تعالى - من فضله رزقا ، يستعينون به على إتمام الزواج .فهذه الجملة الحكيمة وعد كريم من الله - تعالى - للتائقين إلى الزواج ، العاجزين عن تكاليفه بأنه - سبحانه - سيرزقهم من فضله ما يعينهم على التمكن منه ، متى اعتصموا بطاعته ، وحافظوا على أداء ما أمرهم به .قال صاحب الكشاف : " وما أحسن ما رتب هذه الأوامر : حيث أمر - أولا - بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية ، وهو غض البصر .

ثم بالنكاح الذى يحصن به الدين ، ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام ، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء ، وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه " .ثم حض - سبحانه - على إعانة الأرقاء لكى يتخلصوا من رقهم ويصيروا أحرارا .

فقال : ( والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ ) .والمراد بالكتاب هنا : المكاتبة التى تكون بين السيد وعبده ، بأن يقول السيد لعبده : إن أديت إلى كذا من المال فأنت حر لوجه الله ، فإذا قبل العبد ذلك وأدى ما طلبه منه سيده ، صار حرا .أى : والذين يطلبون المكاتبة من عبيدكم - أيها الأحرار .

.

.

.

فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا ، أى : أمانة وقدرة على الكسب ، وأعينوهم على التحرر من رقهم بأن تعطوهم شيئا من المال الذى آتاكم الله إياه ، بفضله وإحسانه .وهكذا نرى الإسلام يأمر أتباعه الذين رزقهم الله نعمة الحرية ، أن يعينوا مماليكهم على ما يمكنهم من الحصول على هذه النعمة .ومن العلماء من يرى أن الأمر فى قوله - تعالى - : ( فَكَاتِبُوهُمْ ) وفى قوله ( وَآتُوهُمْ ) للوجوب ، لأنه هو الذى يتناسب مع حرص شريعة الإسلام على تحرير الأرقاء .ثم نهى - سبحانه - عن رذيلة كانت موجودة فى المجتمع ، لكى يطهره منها ، فقال : ( وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا ) .قال الآلوسى : أخرج مسلم وأبو داود عن جابر أن جارية لعبد الله بن أبى بن سلول يقال لها " مسيكة " وأخرى يقال لها " أميمة " كان يكرههما على الزنا ، فشكتا ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فنزلت .وأخرج ابن مردويه عن على - رضى الله عنه - أنهم كانوا فى الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا ، ويأخذون أجورهن ، فنهوا عن ذلك فى الإسلام ، ونزلت الآية .والفتيات جمع فتاة والمراد بهن هنا الإماء ، وعبر عنهن بقوله " فتياتكم " على سبيل التكريم لهن ، ففى الحديث الشريف : " لا يقولن أحدكم عبدى وأمتى ولكن فتاى وفتاتى " .والبغاء - بكسر الباء - زنى المرأة خاصة ، مصدر بغت المرأة تبغى بغاء إذا فجرت .والتحصن : التصون والتعفف من الزنا .والمعنى : ولا تكرهوا - أيها الأحرار - فتياتكم اللائى تملكوهن على الزنا إن كرهنه وأردن العفاف والطهر ، لكى تنالوا من وراء إكراههن على ذلك ، بعذ المال الذى يدفع لهن نظير افتراشهن .وقوله - تعالى - ( إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ) ليس المقصود منه أنهن إن لم يردن التحصن يكرهن على ذلك ، وإنما المراد منه بيان الواقع الذى نزلت من أجله الآية ، وهو إكرامهم لإمائهم على الزنا مع نفورهن منه .

ولأن الإكراه لا يتصور عند رضاهن بالزنا واختيارهن له ، وإنما يتصور عند كراهنتهن له ، وعدم رضاهن عنه ، ولأن فى هذا التعبير تعبيرا لهم ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم : كيف يقع منكم إكراههن على البغاء وهن إماء يردن العفة ويأبين الفاحشة؟

ألم يكن الأولى بكم والأليق بكرامتكم أن تعينوهن على العفاف والطهر ، بدل أن تكرهوهن على ارتكاب الفاحشة من أجل عرض من أعراض الحياة الدنيا؟وقوله - تعالى - : ( وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) بيان لمظهر من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمته - بعباده .أى : ومن يكره إماءه على البغاء فإن الله - تعالى - بفضله وكرمه من بعد إكراهكم لهن ، غفور رحيم لهن ، أما أنتم يا من أكرهتموهن على الزنا فالله وحده هو الذى يتولى حسابكم ، وسيجازيكم بما تستحقون من عقاب .فمغفرة الله - تعالى - ورحمته إنما هى للمكرهات على الزنا ، لا للمكرهين لهن على ذلك .قال بعض العلماء : قوله - تعالى - : ( فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) قيل : غفور لهن : وقيل غفور لهم .

وقيل : غفور لهن ولهم .والأظهر : أن المعنى لهن ، لأن المكره لا يؤاخذ بما يكره عليه ، بل يغفره الله له ، لعذره بالإكراه .

فالموعود بالمغفرة والرحمة ، هو المعذور بالإكراه دون المكره - بكسر الراء - لأنه غير معذور بفعله القبيح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

قوله تعالى: ﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله ﴾ .

اعلم أنه سبحانه لما ذكر تزويج الحرائر والإماء، ذكر حال من يعجز عن ذلك، فقال: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ أي وليجتهد في العفة، كأن المستعفف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه.

وأما قوله: ﴿ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً ﴾ فالمعنى لا يتمكنون من الوصول إليه، يقال لا يجد المرء الشيء إذا لم يتمكن منه، قال الله تعالى: ﴿ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ  ﴾ والمراد به بالإجماع من لم يتمكن، ويقال في أحدنا هو غير واجد للماء وإن كان موجوداً، إذا لم يمكنه أن يشتريه، ويجوز أن يراد بالنكاح ما ينكح به من المال، فبين سبحانه وتعالى أن من لا يتمكن من ذلك فليطلب التعفف، ولينتظر أن يغنيه الله من فضله، ثم يصل إلى بغيته من النكاح، فإن قيل أفليس ملك اليمين يقوم مقام نفس النكاح؟

قلنا لكن من لم يجد المهر والنفقة، فبأن لا يجد ثمن الجارية أولى، والله أعلم.

الحكم التاسع: في الكتابة: قوله تعالى: ﴿ والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما بعث السيد على تزويج الصالحين من العبيد والإماء مع الرق، رغبهم في أن يكاتبوهم إذا طلبوا ذلك، ليصيروا أحراراً فيتصرفوا في أنفسهم كالأحرار، فقال: ﴿ والذين يَبْتَغُونَ الكتاب ﴾ وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ والذين يَبْتَغُونَ ﴾ مرفوع على الابتداء، أو منصوب بفعل مضمر يفسره فكاتبوهم، كقولك زيداً فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط.

المسألة الثانية: الكتاب والكتابة كالعتاب والعتابة، وفي اشتقاق لفظ الكتابة وجوه: أحدها: أن أصل الكلمة من الكتب وهو الضم والجمع ومنه الكتيبة سميت بذلك لأنها تضم النجوم بعضها إلى بعض وتضم ماله إلى ماله.

وثانيها: يحتمل أن يكون اللفظ مأخوذاً من الكتاب ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي لي بذلك، أو كتبت لي كتاباً عليك بالوفاء بالمال وكتبت على العتق، وهذا ما ذكره الأزهري.

وثالثها: إنما سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل بالمال المعقود عليه، لأنه لا يجوز أن يقع على مال هو في يد العبد حين يكاتب، لأن ذلك مال لسيده اكتسبه في حال ما كانت يد السيد غير مقبوضة عن كسبه، فلا يجوز لهذا المعنى أن يقع هذا العقد حالاً ولكنه يقع مؤجلاً ليكون متمكناً من الاكتساب وغيره حين ما انقبضت يد السيد عنه، ثم من آداب الشريعة أن يكتب على من عليه المال المؤجل كتاب، فسمى لهذا المعنى هذا العقد كتاب لما يقع فيه من الأجل، قال تعالى: ﴿ لِكُلّ أَجَلٍ كِتَابٌ  ﴾ .

المسألة الثالثة: قال محيي السنة: الكتابة أن يقول لمملوكه كاتبتك على كذا ويسمى مالاً معلوماً يؤديه في نجمين أو أكثر، ويبين عدد النجوم وما يؤدي في كل نجم، ويقول إذا أديت ذلك المال فأنت حر، أو نوي ذلك بقلبه ويقول العبد قبلت، وفي هذا الضبط أبحاث.

البحث الأول: قال الشافعي رحمه الله: إن لم يقل بلسانه أو لم ينو بقلبه إذا أديت ذلك المال فأنت حر لم يعتق، وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر رحمهم الله لا حلاجة إلى ذلك، حجة أبي حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى: ﴿ فكاتبوهم ﴾ خال عن هذا الشرط فوجب أن تصح الكتابة بدون هذا الشرط، وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع، حجة الشافعي رحمه الله: أن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، لأن ما في يد العبد فهو ملك السيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بملكه، بل قوله كاتبتك كتابة في العتق فلابد من لفظ العتق أو نيته.

البحث الثاني: لا تجوز الكتابة الحالة عند الشافعي، وتجوز عند أبي حنيفة، وجه قول الشافعي رحمه الله أن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال، وإذا عقد حالاً توجهت المطالبة عليه في الحال، فإذا عجز عن الأداء لم يحصل مقصود العقد، كما لو أسلم في شيء لا يوجد عند المحل لا يصح بخلاف ما لو أسلم إلى معسر فإنه يجوز، لأنه حين العقد يتصور أن يكون له ملك في الباطن، فالعجز لا يتحقق عن أدائه، وجه قول أبي حنيفة رحمه الله أن قوله تعالى: ﴿ فكاتبوهم ﴾ مطلق يتناول الكتابة الحالة والمؤجلة، وأيضاً لما كان مال الكتابة بدلاً عن الرقبة كان بمنزلة أثمان السلع المبيعة فيجوز عاجلاً وآجلاً، وأيضاً أجمعوا على جواز العتق معلقاً على مال حال فوجب أن تكون الكتابة مثله، لأنه بدل عن العتق في الحالين إلا أن في أحدهما العتق معلق على شرط الأداء وفي الآخر معجل، فوجب أن لا يختلف حكمهما.

البحث الثالث: قال الشافعي رحمه الله: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين، يروى ذلك عن علي وعثمان وابن عمر، روى أن عثمان رضي الله عنه غضب على عبده، فقال: لأضيقن الأمر عليك، ولأكاتبنك على نجمين، ولو جاز على أقل من ذلك لكاتبه على الأقل، لأن التضييق فيه أشد، وإنما شرطنا التنجيم لأنه عقد إرفاق، ومن شرط الإرفاق التنجيم ليتيسر عليهم الأداء.

وقال أبو حنيفة رحمه الله: تجوز الكتابة على نجم واحد، لأن ظاهر قوله: ﴿ فكاتبوهم ﴾ ليس فيه تقييد.

المسألة الرابعة: تجوز كتابة المملوك عبداً كان أو أمة، ويشترط عند الشافعي رحمه الله أن يكون عاقلاً بالغاً، فإذا كان صبياً أو مجنوناً لا تصح كتابته، لأن الله تعالى قال: ﴿ والذين يَبْتَغُونَ الكتاب ﴾ ولا يتصور الابتغاء من الصبي والمجنون.

وعند أبي حنيفة رحمه الله: تجوز كتابة الصبي ويقبل عنه المولى.

المسألة الخامسة: يشرط أن يكون المولى مكلفاً مطلقاً، فإن كان صبياً أو مجنوناً أو محجوراً عليه بالسفه لا تصح كتابته كما لا يصح بيعه، ولأن قوله: ﴿ فكاتبوهم ﴾ خطاب فلا يتناول غير العاقل، وعند أبي حنيفة رحمه الله تصح كتابة الصبي بإذن الولي.

المسألة السادسة: اختلف العلماء في أن قوله: ﴿ فكاتبوهم ﴾ أمر إيجاب أو أمر استحباب؟

فقال قائلون هو أمر إيجاب، فيجب على الرجل أن يكاتب مملوكه إذا سأله ذلك بقيمته أو أكثر إذا علم فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه، وهذا قول عمرو بن دينار وعطاء، وإليه ذهب داود بن علي ومحمد بن جرير، واحتجوا عليه بالآية والأثر.

أما الآية فظاهر قوله تعالى: ﴿ فكاتبوهم ﴾ لأنه أمر وهو للإيجاب، ويدل عليه أيضاً سبب نزول الآية، فإنها نزلت في غلام لحويطب بن عبد العزى يقال له صبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى عليه، فنزلت الآية فكاتبه على مائة دينار ووهب له منها عشرين ديناراً، وأما الأثر فما روي أن عمر أمر أنساً أن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين فأبى، فرفع عليه الدرة وضربه وقال: ﴿ فكاتبوهم إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ وحلف عليه ليكاتبنه، ولو لم يكن ذلك واجباً لكان ضربه بالدرة ظلماً، وما أنكر على عمر أحد من الصحابة فجرى ذلك مجرى الإجماع، وقال أكثر الفقهاء إنه أمر استحباب وهو ظاهر قول ابن عباس والحسن والشعبي وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري واحتجوا عليه بقوله عليه الصلاة والسلام لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب من نفسه وأنه لا فرق أن يطلب الكتابة أو يطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة، فكما لا يجب ذلك فكذا الكتابة وهذه طريقة المعاوضات أجمع وهاهنا سؤالان: السؤال الأول: كيف يصح أن يبيع ماله بماله؟

قلنا إذا ورد الشرع به فيجب أن يجوز كما إذا علق عتقه على مال يكتسبه فيؤديه أو يؤدي عنه صار سبباً لعتقه.

السؤال الثاني: هل يستفيد العبد بعقد الكتابة ما لا يملكه؟

لولا الكتابة؟

قلنا نعم لأنه لو دفع إليه الزكاة، ولم يكاتب لم يحل له أن يأخذها وإذا صار مكاتباً حل له وإذا دفع إلى مولاه حل له، سواء أدى فعتق أو عجز فعاد إلى الرق، ويستفيد أيضاً أن الكتابة تبعثه على الجد والاجتهاد في الكسب، فلولاها لم يكن ليفعل ذلك، ويستفيد المولى الثواب لأنه إذا باعه فلا ثواب، وإذا كاتبه ففيه ثواب، ويستفيد أيضاً الولاء لأنه لو عتق من قبل غيره لم يكن له ولاء وإذا عتق بالكتابة فالولاء له، فورد الشرع بجواز الكتابة لما ذكرناه من الفوائد.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ فذكروا في الخير وجوهاً: أحدها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن علمتم لهم حرفة، فلا تدعوهم كلا على الناس.

وثانيها: قال عطاء الخير المال وتلا ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت إِن تَرَكَ خَيْرًا ﴾ أي ترك مالاً، قال وبلغني ذلك عن ابن عباس.

وثالثها: عن ابن سيرين قال إذا صلى وقال النخعي وفاء وصدقاً وقال الحسن صلاحاً في الدين.

ورابعها: قال الشافعي رحمه الله المراد بالخير الأمانة والقوة على الكسب، لأن مقصود الكتابة قلما يحصل إلا بهما فإنه ينبغي أن يكون كسوباً يحصل المال ويكون أميناً يصرفه في نجومه ولا يضيعه فإذا فقد الشرطان أو أحدهما لا يستحب أن يكاتبه، والأقرب أنه لا يجوز حمله على المال لوجهين: الأول: أن المفهوم من كلام الناس إذا قالوا فلان فيه خير إنما يريدون به الصلاح في الدين ولو أراد المال لقال إن علمتم لهم خيراً، لأنه إنما يقال لفلان مال ولا يقال فيه مال الثاني: أن العبد لا مال له بل المال لسيده، فالأولى أن يحمل على ما يعود على كتابته بالتمام، وهو الذي ذكره الشافعي رحمه الله وهو أن يتمكن من الكسب ويوثق به بحفظ ذلك لأن كل ذلك مما يعود على كتابته بالتمام ودخل فيه تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الخير لأنه عليه الصلاة والسلام فسره بالكسب وهو داخل في تفسير الشافعي رحمه الله.

أما قوله: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ ففيه مسألتان: المسألة الأولى: اختلفوا في المخاطب بقوله: ﴿ وَءَاتُوهُم ﴾ على وجوه: أحدها: أنه هو المولى يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه، وهؤلاء اختلفوا في قدره فمنهم من جعل الخيار له وقال يجب أن يحط قدراً يقع به الاستغناء، وذلك يختلف بكثرة المال وقلته ومنهم من قال يحط ربع المال، روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك له ربع مكاتبته، وقال إن علياً كان يأمرنا بذلك ويقول وهو قول الله تعالى: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ فإن لم يفعل فالسبع، لما روى عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كاتب عبداً له بخمس وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف، ويروى أن عمر كاتب عبداً له فجاء بنجمه فقال له اذهب فاستعن به على أداء مال الكتابة، فقال المكاتب لو تركته إلى آخر نجم؟

فقال إني أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ هذه الآية، وكان ابن عمر يؤخره إلى آخر النجوم مخافة أن يعجز.

وثانيها: المراد وآتوهم سهمهم الذي جعله الله لهم من الصدقات في قوله: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ وعلى هذا فالخطاب لغير السادة وهو قول الحسن والنخعي، ورواية عطاء عن ابن عباس، وأجمعوا على أنه لا يجوز للسيد أن يدفع صدقته المفروضة إلى مكاتب نفسه.

وثالثها: أن هذا أمر من الله تعالى للسادة والناس أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم، وهذا قول الكلبي وعكرمة والمقاتلين والنخعي وقال عليه الصلاة والسلام: من أعان مكاتباً على فك رقبته أظله الله تعالى في ظل عرشه، وروي أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم علمني عملاً يدخلني الجنة قال: لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعظمت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة، فقال أليسا واحداً؟

فقال لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في ثمنها قالوا ويؤكد هذا القول وجوه: أحدها: أنه أمر بإعطائه من مال الله تعالى وما أطلق عليه هذه الإضافة فهو ما كان سبيله الصدقة وصرفه في وجوه القرب.

وثانيها: أن قوله: ﴿ من مال الله الذي آتاكم ﴾ هو الذي قد صح ملكه للمالك وأمر بإخراج بعضه، ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه على عبده والمولى لا يثبت له على عبده دين صحيح.

وثالثها: أن ما آتاه الله فهو الذي يحصل في يده ويمكنه التصرف فيه، وما سقط عقيب العقد لم يحصل له عليه يد ملك، فلا يستحق الصفة بأنه من مال الله الذي آتاه، فإن قيل هاهنا وجهان يقدحان في صحة هذا التأويل أحدهما: أنه كيف يحل لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ من مال الصدقة.

والثاني: أن قوله: ﴿ وَءَاتُوهُم ﴾ معطوف على قوله: ﴿ فكاتبوهم ﴾ فيجب أن يكون المخاطب في الموضعين واحداً، وعلى هذا التأويل يكون المخاطب في الآية الأولى السادات، وفي الثانية سائر المسلمين قلنا: أما الأول فجوابه أن تلك الصدقة تحل لمولاه وكذلك إذا لم تقف الصدقة بجميع النجوم وعجز عن أداء الباقي كان للمولى ما أخذه لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد الكتابة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها منه.

يدل عليه قوله عليه الصلاة والسلام في حديث بريرة هو لها صدقة ولنا هدية والجواب: عن الثاني أنه قد يصح الخطاب لقوم ثم يعطف عليه بمثل لفظه خطاباً لغيرهم، كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النساء  ﴾ فالخطاب للأزواج ثم خاطب الأولياء بقوله: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ وقوله: ﴿ مُبَرَّءونَ مِمَّا يَقُولُونَ ﴾ والقائلون غير المبرئين فكذا هاهنا قال للسادة ﴿ فكاتبوهم ﴾ وقال لغيرهم ﴿ وَءَاتُوهُم ﴾ أو قال لهم ولغيرهم.

المسألة الثانية: قال الشافعي رحمه الله يجب على المولى إيتاء المكاتب وهو أن يحط عنه جزءاً من مال الكتابة أو يدفع إليه جزءاً مما أخذ منه، وقال مالك وأبو حنيفة وأصحابه إنه مندوب إليه لكنه غير واجب، حجة الشافعي رحمه الله ظاهر قوله: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ والأمر للوجوب فقيل عليه إن قوله: ﴿ فكاتبوهم ﴾ وقوله: ﴿ وَءَاتُوهُم ﴾ أمران وردا في صورة واحدة فلم جعلت الأولى ندباً والثاني إيجاباً؟

وأيضاً فقد ثبت أن قوله: ﴿ وَءَاتُوهُم ﴾ ليس خطاباً مع الموالي بل مع عامة المسلمين.

حجة أبي حنيفة رحمه الله من حيث السنة والقياس، أما السنة فما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه عليه الصلاة والسلام قال: «أيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلا عشر أواق فهو عبد» فلو كان الحط واجباً لسقط عنه بقدره، وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت يا عائشة إني قد كاتبت أهلي على تسع أواق في كل عام أوقية فأعيتني ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً فقالت عائشة رضي الله عنها ارجعي إلى أهلك فإن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فعلت، فأبوا فذكرت ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يمنعك ذلك منها ابتاعي وأعتقي، فإنما الولاء لمن أعتق» وجه الاستدلال أنها ما قضت من كتابتها شيئاً وأرادت عائشة أن تؤدي عنها كتابتها بالكلية وذكرته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وترك رسول الله النكر عليها، ولم يقل إنها تستحق أن يحط عنها بعض كتابتها فثبت قولنا.

وأما القياس فمن وجهين: الأول: لو كان الإيتاء واجباً لكان وجوبه متعلقاً بالعقد فيكون العقد موجباً له ومسقطاً له وذلك محال لتنافي الإسقاط والإيجاب الثاني: لو كان الحط واجباً لما أحتاج إلى أن يضع عنه بل كان يسقط القدر المستحق كمن له على إنسان دين ثم حصل لذلك الآخر على الأول مثله فإنه يصير قصاصاً، ولو كان كذلك لكان قدر الإيتاء إما أن يكون معلوماً أو مجهولاً فإن كان معلوماً وجب أن تكون الكتابة بألفين فيعتق إذا أدى ثلاثة آلاف.

والكتابة أربعة آلاف وذلك باطل لأن أداء جميعها مشروط فلا يعتق بأداء بعضها، ولأنه عليه السلام قال: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم» وإن كان مجهولاً صارت الكتابة مجهولة لأن الباقي بعد الحط مجهول فيصير بمنزلة من كاتب عبده على ألف درهم إلا شيئاً وذلك غير جائز، والله أعلم.

الحكم العاشر: الإكراه على الزنا: قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

اعلم أنه تعالى لما بين ما يلزم من تزويج العبيد والإماء وكتابتهم أتبع ذلك بالمنع من إكراه الإماء على الفجور، وهاهنا مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في سبب نزولها على وجوه: الأول: كان لعبد الله بن أبي المنافق ست جوار معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت (ا) ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية.

وثانيها: أن عبد الله بن أبي أسر رجلاً فراود الأسير جارية عبدالله وكانت الجارية مسلمة فامتنعت الجارية لإسلامها وأكرهها ابن أبي على ذلك، رجاء أن تحمل من الأسير فيطلب فداء ولده فنزلت.

وثالثها: روى أبو صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: جاء عبدالله بن أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه جارية من أجمل النساء تسمى معاذة، فقال يا رسول الله هذه لأيتام فلان أفلا نأمرها بالزنا فيصيبون من منافعها؟

فقال عليه الصلاة والسلام: «لا» فأعاد الكلام فنزلت الآية وقال جابر بن عبدالله جاءت جارية لبعض الناس فقالت إن سيدي يكرهني على البغاء فنزلت الآية.

المسألة الثانية: الإكراه إنما يحصل متى حصل التخويف بما يقتضي تلف النفس فأما باليسير من الخوف فلا تصير مكرهة، فحال الإكراه على الزنا كحال الإكراه على كلمة الكفر والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أن حال الحرائر كذلك.

المسألة الثالثة: العرب تقول للمملوك فتى وللمملوكة فتاة، قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لفتاه  ﴾ وقال: ﴿ تُرَاوِدُ فتاها  ﴾ وقال: ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن فَتَيَاتِكُمْ المؤمنات  ﴾ وفي الحديث: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي ولا يقل عبدي وأمتي».

المسألة الرابعة: البغاء الزنا يقال بغت تبغي بغاء فهي بغي.

المسألة الخامسة: الذي نقول به أن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، والدليل عليه اتفاق أهل اللغة على أن كلمة إن للشرط واتفاقهم على أن الشرط ما ينتفي الحكم عند انتفائه، ومجموع هاتين المقدمتين النقليتين، يوجب الحكم بأن المعلق بكلمة إن على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، واحتج المخالف بهذه الآية فقال إنه سبحانه علق المنع من الإكراه على البغاء على إرادة التحصن بكلمة إن فلو كان الأمر كما ذكرتموه لزم أن لا ينتفي المنع من الإكراه على الزنا إذا لم توجد إرادة التحصن وذلك باطل، فإنه سواء وجدت إرادة التحصن أو لم توجد فإن المنع من الإكراه على الزنا حاصل والجواب: لا نزاع أن ظاهر الآية يقتضي جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن ولكنه فسد ذلك لامتناعه في نفسه لأنه متى لم توجد إرادة التحصن في حقها لم تكن كارهة للزنا، وحال كونها غير كارهة للزنا يمتنع إكراهها على الزنا فامتنع ذلك لامتناعه في نفسه وذاته، ومن الناس من ذكر فيه جواباً آخر وهو أن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن، والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما أن الخلع يجوز في غير حالة الشقاق ولكن لما كان الغالب وقوع الخلع في حالة الشقاق لا جرم لم يكن لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ ألاّ يُقِيمَا حُدُودَ الله فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ  ﴾ مفهوم ومن هذا القبيل قوله: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كَفَرُواْ  ﴾ والقصر لا يختص بحال الخوف ولكنه سبحانه أجراه على سبيل الغالب، فكذا هاهنا والجواب: الثالث معناه إذا أردن تحصناً لأن القصة التي وردت الآية فيها كانت كذلك على ما روينا أن جارية عبدالله بن أبي أسلمت وامتنعت عليه طلباً للعفاف فأكرهها فنزلت الآية موافقة لذلك، نظيره قوله تعالى: ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مّمَّا نَزَّلْنَا على عَبْدِنَا  ﴾ أي وإذا كنتم في ريب.

المسألة السادسة: أنه تعالى لما منع من إكراههن على الزنا ففيه ما يدل على أن لهم إكراههن على النكاح فليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها بل له أن يكرهها على ذلك وهذه الدلالة دلالة دليل الخطاب.

أما قوله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ أي تعففاً ﴿ لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ يعني كسبهن وأولادهن.

أما قوله: ﴿ وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ فاعلم أنه ليس في الآية (بيان) أنه تعالى غفور رحيم للمكره أو للمكرهة لا جرم ذكروا فيه وجهين: أحدهما: فإن الله غفور رحيم بهن، لأن الإكراه أزال الأثم والعقوبة، لأن الإكراه عذر للمكرهة، أما المكره فلا عذر له فيما فعل الثاني: المراد فإن الله غفور رحيم بالمكره بشرط التوبة وهذا ضعيف لأن على التفسير الأول لا حاجة إلى هذا الإضمار، وعلى التفسير الثاني يحتاج إليه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ وليجتهد في العفة وظلف النفس، كأن المستعف طالب من نفسه العفاف وحاملها عليه ﴿ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً ﴾ أي استطاعة تزوج.

ويجوز أن يراد بالنكاح: ما ينكح به من المال ﴿ حتى يُغْنِيَهُمُ الله ﴾ ترجية للمستعفين وتقدمة وعد بالتفضل عليهم بالغنى، ليكون انتظار ذلك وتأميله لطفاً لهم في استعفافهم، وربطاً على قلوبهم، وليظهر بذلك أن فضله أولى بالأعفاء وأدنى من الصلحاء، وما أحسن ما رتب هذه الأوامر: حيث أمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد من مواقعة المعصية وهو غضّ البصر، ثم بالنكاح الذي يحصن به الدين ويقع به الاستغناء بالحلال عن الحرام، ثم بالحمل على النفس الأمارة بالسوء وعزفها عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن يرزق القدرة عليه ﴿ والذين يَبْتَغُونَ ﴾ مرفوع على الابتداء.

أو منصوب بفعل مضمر يفسره ﴿ فكاتبوهم ﴾ كقولك: زيداً فاضربه، ودخلت الفاء لتضمن معنى الشرط.

والكتاب والمكاتبة، كالعتاب والمعاتبة: وهو أن يقول الرجل لمملوكه: كاتبتك على ألف درهم، فإن أداها عتق.

ومعناه: كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال، وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك.

أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت علي العتق.

ويجوز عند أبي حنيفة رضي الله عنه حالاً ومؤجلاً، ومنجماً وغير منجم؛ لأن الله تعالى لم يذكر التنجيم، وقياساً على سائر العقود.

وعند الشافعي رضي الله عنه: لا يجوز إلاّ مؤجلاً منجماً.

لا يجوز عنده بنجم واحد؛ لأنّ العبد لا يملك شيئاً، فعقده حالاً منع من حصول الغرض، لأنه لا يقدر على أداء البدل عاجلاً، ويجوز عقده على مال قليل وكثير، وعلى خدمة في مدة معلومة، وعلى عمل معلوم مؤقت: مثل حفر بئر في مكان بعينه معلومة الطول والعرض وبناء دار قد أراه آجرها وجصها وما تبنى به.

وإن كاتبه على قيمته لم يجز.

فإن أداها عتق، وإن كاتبه على وصيف، جاز، لقلة الجهالة ووجب الوسط، وليس له أن يطأ المكاتبة، وإذا أدّى عتق، وكان ولاؤه لمولاه؛ لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، وهذا الأمر للندب عند عامة العلماء.

وعن الحسن رضي الله عنه: ليس ذلك بعزم، إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب.

وعن عمر رضي الله عنه: هي عزمة من عزمات الله.

وعن ابن سيرين مثله وهو مذهب داود ﴿ خَيْرًا ﴾ قدرة على أداء ما يفارقون عليه.

وقيل: أمانة وتكسباً.

وعن سلمان رضي الله عنه أن مملوكاً له ابتغى أن يكاتبه فقال: أعندك مال؟

قال: لا، قال: أفتأمرني أن آكل غسالة أيدي الناس ﴿ وَءاتُوهُم ﴾ أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، كقوله تعالى: ﴿ وَفِي الرقاب ﴾ [البقرة: 177] ، [التوبة: 60] عند أبي حنيفة وأصحابه رضي الله عنهم.

فإن قلت: هل يحلّ لمولاه إذا كان غنياً أن يأخذ ما تصدّق به عليه؟

قلت: نعم.

وكذلك إذا لم تف الصدقة بجميع البدل وعجز عن أداء الباقي طاب للمولى ما أخذه؛ لأنه لم يأخذه بسبب الصدقة، ولكن بسبب عقد المكاتبة كمن اشترى الصدقة من الفقير أو ورثها أو وهبت له، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في حديث بريرة: «هُوَ لَهَا صدقةٌ ولنا هديةٌ» ، وعند الشافعي رضي الله عنه: هو إيجاب على الموالي أن يحطوا لهم من مال الكتابة.

وإن لم يفعلوا أُجبروا.

وعن علي رضي الله عنه: يحط له الربع.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: يرضخ له من كتابته شيئاً، وعن عمر رضي الله عنه أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية، وهو أوّل عبد كوتب في الإسلام، فأَتاه بأوّل نجم فدفعه إليه عمر رضي الله عنه وقال: استعن به على مكاتبتك فقال: لو أخرته إلى آخر نجم؟

قال: أخاف أن لا أدرك ذلك.

وهذا عند أبي حنيفة رضي الله عنه على وجه الندب وقال: إنه عقد معاوضة فلا يجبر على الحطيطة كالبيع.

وقيل: معنى ﴿ وَءاتُوهُم ﴾ : أسلفوهم.

وقيل: أنفقوا عليهم بعد أن يؤدوا ويعتقوا.

وهذا كله مستحب.

وروي أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح: سأل مولاه أن يكاتبه فأبى، فنزلت.

﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ كانت إماء أهل الجاهلية يساعين على مواليهن، وكان لعبد الله بن أبيّ رأس النفاق ست جوار، معاذة، ومسيكة، وأميمة، وعمرة، وأروى، وقتيلة: يكرههن على البغاء وضرب عليهن ضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فنزلت، ويكنى بالفتى والفتاة: عن العبد والأمة.

وفي الحديث: «ليقل أحدكم فتاي وفتاتي، ولا يقل عبدي وأمتي» والبغاء: مصدر البغي.

فإن قلت: لم أقحم قوله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ قلت: لأن الإكراه لا يتأتى إلا مع إرادة التحصن، وآمر الطيعة المواتية للبغاء لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً.

وكلمة ﴿ إِنْ ﴾ وإيثارها على (إذا) إيذان بأن المساعيات كنّ يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من حيز الشاذ النادر ﴿ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ لهم أو لهنّ، أو لهم ولهنّ إن تابوا وأصلحوا.

وفي قراءة ابن عباس: ﴿ لهن غفور رحيم ﴾ فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهنّ، لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة.

قلت: لعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف أو ذهاب العضو، من ضرب عنيف أو غيره حتى تسلم من الإثم، وربما قصرت عن الحدّ الذي تعذر فيه فتكون آثمة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ ولْيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ وقَمْعِ الشَّهْوَةِ.

﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ أسْبابَهُ، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالنِّكاحِ ما يَنْكَحُ بِهِ أوْ بِالوُجْدانِ التَّمَكُّنُ مِنهُ.

﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَيَجِدُوا ما يَتَزَوَّجُونَ بِهِ.

﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ ﴾ المُكاتَبَةَ وهو أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَمْلُوكِهِ كاتَبْتُكَ عَلى كَذا مِنَ الكِتابِ لِأنَّ السَّيِّدَ كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ عِتْقَهُ إذا أدّى المالَ، أوْ لِأنَّهُ مِمّا يُكْتَبُ لِتَأْجِيلِهِ أوْ مِنَ الكَتْبِ بِمَعْنى الجَمْعِ لِأنَّ العِوَضَ فِيهِ يَكُونُ مُنَجَّمًا بِنُجُومٍ بِضَمِّ بَعْضِها إلى بَعْضٍ.

﴿ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ عَبْدًا كانَ أوْ أمَةً والمَوْصُولُ بِصِلَتِهِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ فَكاتِبُوهُمْ ﴾ أوْ مَفْعُولٌ لِمُضْمِرٍ هَذا تَفْسِيرُهُ والفاءُ لِتَضَمُّنِ مَعْنى الشَّرْطِ، والأمْرُ فِيهِ لِلنَّدْبِ عِنْدَ أكْثَرِ العُلَماءِ لِأنَّ الكِتابَةَ مُعاوَضَةٌ تَتَضَمَّنُ الإرْفاقَ فَلا تَجِبُ كَغَيْرِها واحْتِجاجُ الحَنَفِيَّةِ بِإطْلاقِهِ عَلى جَوازِ الكِتابَةِ الحالِيَّةِ ضَعِيفٌ لِأنَّ المُطْلَقَ لا يَعُمُّ مَعَ أنَّ العَجْزَ عَنِ الأداءِ في الحالِ يَمْنَعُ صِحَّتَها كَما في السَّلَمِ فِيما لا يُوجَدُ عِنْدَ المَحَلِّ.

﴿ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ أمانَةً وقُدْرَةً عَلى أداءِ المالِ بِالِاحْتِرافِ، وقَدْ رُوِيَ مَثَلُهُ مَرْفُوعًا.

وقِيلَ صَلاحًا في الدِّينِ.

وقِيلَ مالًا وضَعْفُهُ ظاهِرُ لَفْظٍ ومَعْنًى وهو شَرْطُ الأمْرِ فَلا يَلْزَمُ مِن عَدِمَهُ عَدَمُ الجَوازِ.

﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ أمْرٌ لِلْمُوالِي كَما قَبْلَهُ بِأنْ يَبْذُلُوا لَهم شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ، وفي مَعْناهُ حَطُّ شَيْءٍ مِن مالِ الكِتابَةِ وهو لِلْوُجُوبِ عِنْدَ الأكْثَرِ ويَكْفِي أقَلُّ ما يُتَمَوَّلُ.

وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يَحُطُّ الرُّبُعَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الثُّلُثَ، وقِيلَ نَدْبٌ لَهم إلى الإنْفاقِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّوا ويُعْتَقُوا، وقِيلَ أمْرٌ لِعامَّةِ المُسْلِمِينَ بِإعانَةِ المُكاتَبِينَ وإعْطائِهِمْ سَهْمَهم مِنَ الزَّكاةِ ويَحِلُّ لِلْمَوْلى وإنْ كانَ غَنِيًّا، لِأنَّهُ لا يَأْخُذُهُ صَدَقَةً كالدّائِنِ والمُشْتَرِي، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في حَدِيثِ بَرِيرَةَ «هُوَ لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ» .

﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ ﴾ إماءَكم.

﴿ عَلى البِغاءِ ﴾ عَلى الزِّنا، «كانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ سِتُّ جَوارٍ يُكْرِهُهُنَّ عَلى الزِّنا وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ الضَّرائِبَ فَشَكا بَعْضُهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ» .

﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ تَعَفُّفًا شَرْطٌ لِلْإكْراهِ فَإنَّهُ لا يُوجَدُ دُونَهُ، وإنْ جُعِلَ شَرْطًا لِلنَّهْيِ لَمْ يَلْزَمْ مِن عَدَمِهِ جَوازُ الإكْراهِ لِجَوازِ أنْ يَكُونَ ارْتِفاعُ النَّهْيِ بِامْتِناعِ المَنهِيِّ عَنْهُ، وإيثارُ إنَّ عَلى إذا لِأنَّ إرادَةَ التَّحَصُّنِ مِنَ الإماءِ كالشّاذِّ النّادِرِ.

﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ أيْ لَهُنَّ أوْ لَهُ إنْ تابَ، والأوَّلُ أوْفَقُ لِلظّاهِرِ ولِما في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ولا يُرَدُّ عَلَيْهِ أنَّ المُكْرَهَةَ غَيْرُ آثِمَةٍ فَلا حاجَةَ إلى المَغْفِرَةِ لِأنَّ الإكْراهَ لا يُنافِي المُؤاخَذَةَ بِالذّاتِ ولِذَلِكَ حَرَّمَ عَلى المُكْرَهِ القَتْلَ وأوْجَبَ عَلَيْهِ القَصاصَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)

{وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين} وليجتهدوا في العفة كأن المستعف طالب من نفسه العفاف {لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً} استطاعة تزوج من المهر والنفقة {حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ} حتى يقدرهم على المهر والنفقة قال عليه الصلاة والسلام يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فانه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء فانظر كيف رتب هذه الأوامر

فأمر أولاً بما يعصم من الفتنة ويبعد عن مواقعة المعصية وهو غض البصر ثم بالنكاح المحصن للدين المغنى عن الاحرام ثم بعزة النفس الأمارة بالسوء عن الطموح إلى الشهوة عند العجز عن النكاح إلى أن تقدر عليه {والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم} أي المماليك الذين يطلبون الكتابة فالذين مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل يفسره {فكاتبوهم} وهو للندب ودخلت الفاء لتضمنه معنى الشرط والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة وهو أن يقول لمملوكه كاتبتك على ألف درهم فإن أداها عتق ومعناه كتبت لك على نفسي أن تعتق مني إذا وفيت بالمال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليّ العتق ويجوز حالاً ومؤجلاً ومنجماً وغير منجم لإطلاق الأمر {إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً} قدرة على الكسب أو أمانة وديانة والندبية معلقة بهذا الشرط {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم} أمر للمسلمين على وجه الوجوب بإعانة المكاتبين وإعطائهم سهمهم من الزكاة لقوله تعالى وَفِي الرقاب وعند الشافعى رحمه الله معناه حطوا من بدل الكتابة ربعاً وهذا عندنا على وجه الندب والأول الوجه لأن الإيتاء هو التمليك فلا يقع على الحط سأل صبيح مولاه حويطباً أن يكاتبه فأبى فنزلت واعلم أن العبيد أربعة قن مقتنى للخدمة ومأذون فى التجارة وكاتب وآبق فمثال الأول ولي العزلة الذي حصل العزلة بإيثار الخلوة وترك العشرة والثاني ولي العشيرة فهو نجي الحضرة يخالط الناس للخبرة وينظر إليهم بالعبرة ويأمرهم بالعبرة فهو خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكم بحكم الله ويأخذ لله ويعطي في الله ويفهم عن الله ويتكلم مع الله فالدنيا سوق تجارته والعقل رأس بضاعته والعدل في الغضب والرضا ميزانه والقصد في الفقر والغنى عنوانه والعلم مفزعه ومنحاه والقرآن كتاب الإذن من مولاه هو كائن فى الناس

النور (٣٣)

بظواهره بائن منهم بسرائره فقد هجرهم فيما له عليم في الله باطناً ثم وصلهم فيما لهم عليه لله ظاهراً ...

وما هو منهمو بالعيش فيهم ...

ولكن معدن الذهب الرغام ...

يأكل ما يأكلون ويشرب ما يشربون وما يدريهم أنه ضيف الله يرى السموات والأرض قائمات بأمره وكأنه قيل فيه ...

فإن تفق الأنام وأنت منهم ...

فإن المسك بعض دم الغزال ...

فحال ولي العزلة أصفى وأحلى وحال ولى العشرة أو فى وأعلى ونزل الأول من الثاني في حضرة الرحمن منزلة النديم من الوزير عند السلطان أما النبى عليه الصلاة والسلام فهو كريم الطرفين ومعدن الشذرين ومجمع الحالين ومنبع الزلالين فباطن أحواله مهتدي ولي العزلة وظاهر أعماله مقتدى ولي العشرة والثالث المجاهد المحاسب العامل المطالب بالضرائب كنجوم المكاتب عليه فى اليوم والليلة خمس وفى المائتين درهما خمسة وفي السنة شهر وفي العمر زورة فكأنه اشترى نفسه من ربه بهذه النجوم المرتبة فيسعى في فكاك رقبته خوفاً من البقاء في ربقة العبودية وطمعاً في فتح باب الحرية ليسرح في رياض الجنة فيتمتع بمبياه ويفعل ما يشاؤه ويهواه والرابع الإباق فما أكثرهم فمنهم القاضى الجائر والعالم غير العامل والعامل المرائي والواعظ الذي لا يفعل ما يقول ويكون أكثر أقواله الفضول وعلى كل ما لا ينفعه يصول فضلا عن السارق والزاني والغاصب فعنهم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ان الله لينصر هذا الدين بقوم لاخلاق لهم في الآخرة {وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغاء} كان لابن أبيّ ست جوار معاذة ومسكية وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة يكرههن على البغاء وضرب عليهم الضرائب فشكت ثنتان منهن إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فنزلت ويكنى بالفتى والفتاة عن العبد والأمة والبغاء الزنا للنساء خاصة وهو مصدر لبغت {إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً} تعففاً عن الزنا وإنما قيده بهذا الشرط لأن الإكراه لا يكون الامع إرادة التحصن فآمر المطيعة للبغاء

لا يسمى مكرهاً ولا أمره إكراهاً ولأنها نزلت على سبب فوقع النهي على تلك الصفة وفيه توبيخ للموالي أي إذا رغبن في التحصن فأنتم أحق بذلك {لّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا} أي لتبتغوا بإكراههن على الزنا أجورهن وأولادهن {وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} أي لهن وفي مصحف ابن مسعود كذلك وكان الحسن يقول لهن والله لهن والله ولعل الإكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة وهو الذى

النور (٣٥ - ٣٤)

يخاف منه التلف فكانت آثمة أولهم إذا تابوا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ ولْيَسْتَعْفِفِ ﴾ إرْشادٌ لِلتّائِقِينَ العاجِزِينَ عَنْ مَبادِي النِّكاحِ وأسْبابِهِ إلى ما هو أوْلى لَهم وأحْرى بِهِمْ أيْ ولِيَجْتَهِدْ في العِفَّةِ وصَوْنِ النَّفْسِ ﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ أسْبابِ نِكاحٍ أوْ لا يَتَمَكَّنُونَ مِمّا يَنْكِحُ بِهِ مِنَ المالِ عَلى أنَّ فَعّالًا اسْمُ آلَةٍ كَرُكّابٍ لِما يُرْكَبُ بِهِ ﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ عِدَّةٌ كَرِيمَةٌ بِالتَّفَضُّلِ عَلَيْهِمْ بِالغِنى ولَطَفَ بِهِمْ في اسْتِعْفافِهِمْ ورَبَطَ عَلى قُلُوبِهِمْ وإيذانٍ بِأنَّ فَضْلَهُ تَعالى أوْلى بِالإعْفاءِ وأدْنى مِنَ الصُّلَحاءِ.

واسْتَدَلَّ بِالآيَةِ بَعْضُ الشّافِعِيَّةِ عَلى نَدْبِ تَرْكِ النِّكاحِ لِمَن لا يَمْلِكُ أُهْبَتَهُ مَعَ التَّوَقانِ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ ذَهَبَ إلى اسْتِحْبابِهِ لَهُ لِآيَةِ ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ وحَمَّلُوا الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى مَن لَمْ يَجِدْ زَوْجَةً بِجَعْلِ فَعّالٍ صِفَةٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ كَكِتابٍ بِمَعْنى مَكْتُوبٍ، ولا يُخْفى أنَّ الغايَةَ المَذْكُورَةَ تُبْعِدُهُ، ولا يُلْزِمُ مِنَ الفَقْرِ وِجْدانَ الأُهْبَةِ المُفَسِّرَةِ عِنْدَهم بِالمَهْرِ وكُسْوَةِ فَصْلِ التَّمْكِينِ ونَفَقَةِ يَوْمِهِ، والمَذْكُورُ في مُعْتَبِراتِ كُتُبِنا أنَّ النِّكاحَ يَكُونُ واجِبًا عِنْدَ التَّوَقانِ أيْ شِدَّةِ الِاشْتِياقِ بِحَيْثُ يَخافُ الوُقُوعَ في الزِّنا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وكَذا فِيما يَظْهَرُ لَوْ كانَ لا يُمْكِنُهُ مَنعَ نَفْسِهِ عَنِ النَّظَرِ المُحَرَّمِ أوْ عَنِ الِاسْتِمْناءِ بِالكَفِّ ويَكُونُ فَرْضًا بِأنْ كانَ لا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرازُ عَنِ الزِّنا إلّا بِهِ بِأنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى التَّسَرِّي أوِ الصَّوْمِ الكاسِرِ لِلشَّهْوَةِ كَما يَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ««ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ»» فَلَوْ قَدَرَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ النِّكاحُ فَرْضًا أوْ واجِبًا عَيْنًا بَلْ هو أوْ غَيْرُهُ مِمّا يَمْنَعُهُ مِنَ الوُقُوعِ في المُحَرَّمِ، وكِلا القَسَمَيْنِ مَشْرُوطٌ بِمُلْكِ المَهْرِ والنَّفَقَةِ، وزادَ في البَحْرِ شَرْطًا آخَرَ فِيهِما وهو عَدَمُ خَوْفِ الجَوْرِ ثُمَّ قالَ: فَإنَّ تَعارُضَ خَوْفِ الوُقُوعِ في الزِّنا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وخَوْفُ الجَوْرِ لَوْ تَزَوَّجَ قُدِّمَ الثّانِي ويُكَرَهُ التَّزَوُّجُ حِينَئِذٍ كَما أفادَهُ الكَمالُ في الفَتْحِ ولَعَلَّهُ لَأنَّ الجَوْرَ مَعْصِيَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالعِبادِ دُونَ المَنعِ مِنَ الزِّنا وحَقُّ العَبْدِ مُقَدَّمٌ عِنْدَ التَّعارُضِ لِاحْتِياجِهِ وغِنى المَوْلى عَزَّ وجَلَّ انْتَهى، ومُقْتَضاهُ الكَراهَةُ أيْضًا عِنْدَ عَدَمِ مِلْكَ المَهْرِ والنَّفَقَةِ لِأنَّهُما حَقُّ عَبْدٍ أيْضًا وإنْ خافَ الزِّنا لَكِنْ ذَكَرُوا أنَّهُ يَنْدُبُ اسْتِدانَةَ المَهْرِ ومُقْتَضاهُ أنَّهُ يَجِبُ إذا خافَ الزِّنا وإنْ لَمْ يَمْلِكِ المَهْرَ إذا قَدَرَ عَلى اسْتِدانَتِهِ، وهَذا مُنافٍ لِلِاشْتِراطِ السّابِقِ إلّا أنْ يُقالَ: الشَّرْطُ مَلْكُ النَّفَقَةِ والمَهْرِ ولَوْ بِالِاسْتِدانَةِ أوْ يُقالُ: هَذا في العاجِزِ عَنِ الكَسْبِ ومَن لَيْسَ لَهُ جِهَةُ وفاءٍ.

وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ يَنْبَغِي حَمْلُ ما ذَكَرُوا مِن نَدْبِ الِاسْتِدانَةِ عَلى نَدْبِها إذا ظَنَّ القُدْرَةَ عَلى الوَفاءِ وحِينَئِذٍ فَإذا كانَتْ مَندُوبَةً مَعَ هَذا الظَّنِّ عِنْدَ أمْنِهِ مِنَ الوُقُوعِ في الزِّنا يَنْبَغِي وُجُوبُها عِنْدَ تَيَقُّنِ الزِّنا بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُها حِينَئِذٍ وإنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ قُدْرَةُ الوَفاءِ وهو مَعْذُورٌ فِيما أرى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إذا فَعَلَ وماتَ ولَمْ يَتْرُكْ وفاءً فَتَأمَّلْ، ويَكُونُ مَكْرُوهًا عِنْدَ خَوْفِ الجَوْرِ كَما سَمِعْتَ، وحَرامًا عِنْدَ تَيَقُّنِهِ لِأنَّ النِّكاحَ إنَّما شُرِّعَ لِمَصْلَحَةِ تَحْصِينِ النَّفْسِ وتَحْصِيلِ الثَّوابِ وبِالجَوْرِ يَأْثَمُ ويَرْتَكِبُ المُحَرَّماتِ فَتَنْعَدِمُ المَصالِحُ لِرُجْحانِ هَذِهِ المَفاسِدِ، ويَكُونُ سُنَّةً مُؤَكِّدَةً في الأصَحِّ حالَةُ القُدْرَةِ عَلى الوَطْءِ والمَهْرِ والنَّفَقَةِ مَعَ عَدَمِ الخَوْفِ مِنَ الزِّنا والجَوْرِ وتَرْكِ الفَرائِضِ والسُّنَنِ فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلى واحِدٍ مِنَ الثَّلاثَةِ الأوَّلُ أوْ خافَ واحِدًا مِنَ الثَّلاثَةِ الأخِيرَةِ فَلا يَكُونُ النِّكاحُ سُنَّةً في حَقِّهِ كَما أفادَهُ في البَدائِعِ، ويُفْهَمُ مِن أشْباهِ ابْنِ نَجِيمٍ تَوَقُّفُ كَوْنِهِ سَنَةً عَلى النِّيَّةِ، وذَكَرَ في الفَتْحِ أنَّهُ إذا لَمْ يَقْتَرِنْ بِها كانَ مُباحًا لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ قَضاءِ الشَّهْوَةِ ومَبْنى العِبادَةِ عَلى خِلافِهِ فَلا يُثابُ والنِّيَّةُ الَّتِي يُثابُ بِها أنْ يَنْوِيَ مَنعَ نَفْسِهِ وزَوْجَتِهِ عَنِ الحَرامِ، وكَذا نِيَّةُ تَحْصِيلِ ولَدٍ تُكْثِرُ بِهِ المُسْلِمُونَ وكَذا نِيَّةُ الإتْباعِ وامْتِثالِ الأمْرِ وهو عِنْدَنا أفْضَلُ مِنَ الِاشْتِغالِ بِتَعَلُّمٍ وتَعْلِيمٍ كَما في دُرَرِ البِحارِ وأفْضَلُ مِنَ التَّخَلِّي لِلنَّوافِلِ كَما نَصَّ عَلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وفي بَعْضِ مُعْتَبِراتِ كُتُبِ الشّافِعِيَّةِ أنَّ النِّكاحَ مُسْتَحَبٌّ لِمُحْتاجٍ إلَيْهِ يَجِدُ أُهْبَتَهُ مِن مَهْرٍ وكُسْوَةٍ فَصْلُ التَّمْكِينِ ونَفَقَةِ يَوْمِهِ ولا يُسْتَحَبُّ لِمَن في دارِ الحَرْبِ النِّكاحُ مُطْلَقًا خَوْفًا عَلى ولَدِهِ التَّدَيُّنُ بِدِينِهِمْ والِاسْتِرْقاقُ ويَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى مَن لَمْ يَغْلِبْ عَلى ظَنِّهِ الزِّنا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ إذِ المَصْلَحَةُ المُحَقَّقَةُ النّاجِزَةُ مُقَدَّمَةٌ عَلى المَصْلَحَةِ المُسْتَقْبِلَةِ المُتَوَهِّمَةِ وإنَّهُ إنْ فَقَدَ الأُهْبَةُ اسْتَحَبَّ تَرْكَهُ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولْيَسْتَعْفِفِ ﴾ الآيَةُ ويَكْسِرْ شَهْوَتَهُ بِالصَّوْمِ لِلْحَدِيثِ، وكَوْنُهُ يُثِيرُ الحَرارَةَ والشَّهْوَةَ إنَّما هو بِابْتِدائِهِ فَإنْ لَمْ تَنْكَسِرْ بِهِ تَزَوَّجَ، ولا يَكْسِرُها بِنَحْوِ كافُورٍ فَيُكْرَهُ بَلْ يُحَرَّمُ عَلى الرَّجُلِ والمَرْأةِ إنْ أدّى إلى اليَأْسِ مِنَ النَّسْلِ، وقَوْلُ جَمْعٍ: إنَّ الحَدِيثَ يَدُلُّ عَلى حَلِّ قَطْعِ العاجِزِ الباءَةَ بِالأدْوِيَةِ مَرْدُودٌ عَلى أنَّ الأدْوِيَةَ خَطِيرَةٌ وقَدِ اسْتَعْمَلَ قَوْمٌ الكافُورَ فَأوْرَثَهم عِلَلًا مُزْمِنَةً ثُمَّ أرادُوا الِاحْتِيالَ لِعَوْدِ الباءَةِ بِالأدْوِيَةِ الثَّمِينَةِ فَلَمْ تَنْفَعْهُمْ، فَإنْ لَمْ يَحْتَجْ لِلنِّكاحِ كُرِهَ لَهُ إنْ فَقَدَ الأُهْبَةَ وإلّا يَفْقِدُها مَعَ عَدَمِ حاجَتِهِ لَهُ فَلا يُكْرَهُ لَهُ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ ومَقاصِدِهِ لا تَنْحَصِرُ في الوَطْءِ والتَّخَلِّي لِلْعِبادَةِ أفْضَلُ مِنهُ فَإنْ لَمْ يَتَعَبَّدْ فالنِّكاحُ أفْضَلُ في الأصَحِّ كَما قالَ النَّوَوِيُّ لِأنَّ البِطالَةَ تُفْضِي إلى الفَواحِشِ فَإنْ وجَدَ الأُهْبَةَ وبِهِ عِلَّةٌ كَهَرَمٍ أوْ مَرَضٍ دائِمٍ أوْ تَعْنُّنٍ كَذَلِكَ كُرِهَ لَهُ لِعَدَمِ حاجَتِهِ مَعَ عَدَمِ تَحْصِينِ المَرْأةِ المُؤَدِّي غالِبًا إلى فَسادِها، وبِهِ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الإحْياءِ يَسُنُّ لِنَحْوِ المَمْسُوحِ تَشَبُّهًا بِالصّالِحِينَ كَما يَسُنُّ إمْرارَ المُوسى عَلى رَأْسِ الأصْلَعِ، وقَوْلُ الفَزارِيُّ: أيْ نَهى ورَدَّ في نَحْوِ المَجْبُوبِ والحاجَةِ لا تَنْحَصِرُ في الجِماعِ.

ولَوْ طَرَأتْ هَذِهِ الأحْوالُ بَعْدَ العَقْدِ فَهَلْ يَلْحَقُ بِالِابْتِداءِ أوَّلًا لِقُوَّةِ الدَّوامِ تَرَدَّدَ فِيهِ الزَّرْكَشِيُّ والثّانِي هو الوَجْهُ كَما هو ظاهِرٌ انْتَهى، وفِيهِ ما لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ في كُتُبِ أصْحابِنا فِيما عَلِمْتَ لَكِنْ لا تَأْباهُ قَواعِدُنا، ثُمَّ إنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ خاصَّةً بِالرِّجالِ فَهُمُ المَأْمُورُونَ بِالِاسْتِعْفافِ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ مُبادِي النِّكاحِ وأسْبابِهِ، نَعَمْ يُمْكِنُ القَوْلُ بِعُمُومِها واعْتِبارِ التَّغْلِيبِ إذا أُرِيدَ بِالنِّكاحِ ما يَنْكِحُ لَكِنْ قَدْ عَلِمْتَ ما فِيهِ ولا تَتَوَهَّمْنَ مِن هَذا أنَّهُ لا يَنْدُبُ الِاسْتِعْفافَ لِلنِّساءِ أصْلًا لِظُهُورِ أنَّهُ قَدْ يَنْدُبُ في بَعْضِ الصُّوَرِ بَلْ مِن تَأمَّلَ أدْنى تَأمُّلٍ يَرى جَرَيانَ الأحْكامِ في نِكاحِهِنَّ لَكِنْ لَمْ أرَ مَن صَرَّحَ بِهِ مِن أصْحابِنا، نَعَمْ نَقَلَ بَعْضِ الشّافِعِيَّةِ عَنِ الأُمِّ نَدْبَ النِّكاحِ لِلتّائِقَةِ وألْحَقَ بِها مُحْتاجَةً لِلنَّفَقَةِ وخائِفَةً مِنِ اقْتِحامِ فَجَرَةٍ.

وفِي التَّنْبِيهِ مَن جازَ لَها النِّكاحُ إنِ احْتاجَتْهُ نَدَبَ لَها، ونَقَلَهُ الأذْرُعِيُّ عَنْ أصْحابِ الشّافِعِيِّ ثُمَّ بَحَثَ وجُوبَهَ عَلَيْها إذا لَمْ تَنْدَفِعْ عَنْها الفَجَرَةُ إلّا بِهِ ولا دَخَلَ لِلصَّوْمِ فِيها، وبِما ذَكَرَ عَلِمَ ضَعْفِ قَوْلِ الزِّنْجانِيِّ: يَسُنُّ لَها مُطْلَقًا إذْ لا شَيْءَ عَلَيْها مَعَ ما فِيهِ مِنَ القِيامِ بِأمْرِها وسَتْرِها، وقَوْلُ غَيْرِهِ: لا يَسُنُّ لَها مُطْلَقًا لِأنَّ عَلَيْها حُقُوقًا لِلزَّوْجِ خَطِيرَةً لا يَتَيَسَّرُ لَها القِيامُ بِها بَلْ لَوْ عَلِمَتْ مِن نَفْسِها عَدَمَ القِيامِ بِها ولَمْ تَحْتَجْ لَهُ حُرِّمَ عَلَيْها اهْـ، ولا يَخْفى أنَّ ما ذَكَرَهُ بَعْدُ بَلْ مُتَّجِهٌ واسْتَدَلَّ بَعْضُهم بِالآيَةِ عَلى بُطْلانِ نِكاحِ المُتْعَةِ لِأنَّهُ لَوْ صَحَّ لَمْ يَتَعَيَّنِ الِاسْتِعْفافُ عَلى فاقِدِ المَهْرِ، وظاهِرُ الآيَةِ تُعِينُهُ ولا يَلْزَمُ مِن ذَلِكَ تَحْرِيمَ مِلْكَ اليَمِينِ لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى النِّكاحِ لِعَدَمِ المَهْرِ لا يَقْدِرُ عَلى شِراءِ الجارِيَةِ غالِبًا ذَكَرَهُ الكَيا وهو كَما تَرى ﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ ﴾ بَعْدَ ما أمَرَ سُبْحانَهُ بِإنْكاحِ صالِحِي المَمالِيكِ الأحِقّاءِ بِالإنْكاحِ أمَرَ جَلَّ وعَلا بِكِتابَةِ مَن يَسْتَحِقُّها مِنهم لِيَصِيرَ حُرًّا فَيَتَصَرَّفُ في نَفْسِهِ، وأخْرَجَ ابْنُ السَّكَنِ في مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُبَيْحٍ قالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبَ بْنِ عَبْدِ العُزّى فَسَألْتُهُ الكِتابَةَ فَأبى فَنَزَلَتْ ﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ ﴾ إلَخْ ويُلَوِّحُ مِن هَذا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ المَذْكُورَ أوَّلَ مَن كُوتِبَ، ورُبَّما يَتَخَيَّلُ مِنهُ أنَّ الكِتابَةَ كانَتْ مَعْلُومَةً مِن قَبْلُ لَكِنْ نَقَلَ الخَفاجِيُّ عَنِ الدَّمِيرِيِّ أنَّهُ قالَ: الكِتابَةُ لَفْظَةٌ إسْلامِيَّةٌ وأوَّلُ مَن كاتَبَهُ المُسْلِمُونَ عَبْدٌ لَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ يُسَمّى أبا أُمَيَّةَ.

وصَرَّحَ ابْنُ حَجَرٍ أيْضًا بِأنَّها لَفْظَةٌ إسْلامِيَّةٌ لا تَعْرِفُها الجاهِلِيَّةُ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ، والكِتابُ مَصْدَرُ كاتِبٍ كالمُكاتَبَةِ ونَظِيرُهُ العِتابُ والمُعاتَبَةُ أيْ والَّذِينَ يَطْلُبُونَ مِنكُمُ المُكاتَبَةَ ﴿ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ ذُكُورًا كانُوا أوْ إناثًا، وهو عِنْدَنا شَرْعًا اعْتاقُ المَمْلُوكِ يَدًا حالًا ورَقَبَةً مَآلًا ورُكْنَهُ الإيجابُ بِلَفْظِ الكِتابَةِ أوْ ما يُؤَدِّي مَعْناهُ والقَبُولُ نَحْوُ أنْ يَقُولَ المَوْلى: كاتَبْتُكَ عَلى كَذا دِرْهَمًا تُؤَدِّيهِ ( إلَيَّ ) وتُعْتِقُ ويَقُولُ المَمْلُوكُ: قَبِلْتُهُ وبِذَلِكَ يَخْرُجُ مِن يَدِ المَوْلى دُونَ مِلْكِهِ فَإذا أدّى كُلَّ البَدَلِ عَتَقَ وخَرَجَ مِن مِلْكِهِ، ومَعْناهُ كَتْبُ الحُرُوفِ أيْ جَمْعِها وإطْلاقُهُ عَلى ما ذَكَرَ لِأنَّ فِيهِ ضَمَّ حُرِّيَّةِ اليَدِ إلى حُرِّيَّةِ الرَّقَبَةِ أوْ لِأنَّ البَدَلَ يَكُونُ في الأغْلَبِ مَنجَمًا بِنُجُومٍ يَضُمُّ بَعْضُها إلى بَعْضٍ أوْ لِأنَّهُ يَكْتُبُ المَمْلُوكَ عَلى نَفْسِهِ لِمَوْلاهُ ثَمَنَهُ ويَكْتُبُ المَوْلى لَهُ عَلَيْهِ العِتْقَ وهَذا أوْفَقُ بِصِيغَةِ المُفاعَلَةِ أعْنِي المُكاتَبَةَ.

وفِي إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ قالُوا: مَعْناهُ كَتَبْتُ لَكَ عَلى نَفْسِي أنْ تُعْتَقَ مِنِّي إذا وفَيْتَ بِالمالِ وكَتَبْتَ لِي عَلى نَفْسِكَ أنْ تَفِيَ بِذَلِكَ أوْ كَتَبْتُ عَلَيْكَ الوَفاءَ بِالمالِ وكَتَبْتُ عَلى العِتْقِ عِنْدَهُ، ثُمَّ قالَ: والتَّحْقِيقُ أنَّ المُكاتَبَةَ اسْمٌ لِلْعَقْدِ الحاصِلِ مِن مَجْمُوعِ كَلامِي المالِكِ والمَمْلُوكِ كَسائِرِ العُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ المُنْعَقِدَةِ بِالإيجابِ والقَبُولِ.

ولا رَيْبَ في أنَّ ذَلِكَ لا يَصْدُرُ حَقِيقَةً إلّا مِنَ المُتَعاقِدِينَ ولَيْسَ وظِيفَةَ كُلٍّ مِنهُما في الحَقِيقَةِ إلّا الإتْيانُ بِأحَدِ شَطْرَيْهِ مُعْرِبًا عَمّا يَتِمُّ مِن قَبْلِهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ مِنَ الفِعْلِ الخاصِّ بِهِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِما يَتِمُّ مِن قَبْلِ صاحِبِهِ ويَصْدُرُ عَنْهُ مِن فِعْلِهِ الخاصِّ بِهِ إلّا أنَّ كُلًّا مِن ذَيْنَكِ الفِعْلَيْنِ لِما كانَ بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ في نَفْسِهِ إلّا مَنُوطًا بِتَحَقُّقِ الآخَرِ ضَرُورَةَ أنَّ التِزامَ العِتْقِ بِمُقابَلَةِ البَدَلِ مِن جِهَةِ المَوْلى لا يَتَصَوَّرُ تَحَقُّقَهُ وتَحَصُّلَهُ إلّا بِالتِزامِ البَدَلِ مِن طَرَفِ العَبْدِ كَما أنَّ عَقْدَ البَيْعِ الَّذِي هو تَمْلِيكُ المَبِيعِ بِالثَّمَنِ مِن جِهَةِ البائِعِ لا يُمْكِنُ تَحَقُّقُهُ إلّا بِتَمَلُّكِهِ بِهِ مِن جانِبِ المُشْتَرِي لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِن تَضْمِينِ أحَدِهِما الآخَرِ وقْتَ الإنْشاءِ فَكَما أنَّ قَوْلَ البائِعِ بِعْتَ إنْشاءً لِعَقْدِ البَيْعِ عَلى مَعْنى أنَّهُ إيقاعٌ لِما يَتِمُّ مِن قَبْلِهِ أصالَةٌ ولِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ المُشْتَرِي ضِمْنًا إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى رَأْيِهِ تَوَقُّفًا شَبِيهًا بِتَوَقُّفِ عَقْدِ الفُضُولِيِّ كَذَلِكَ قَوْلُ المَوْلى كاتَبْتُكَ عَلى كَذا إنْشاءٌ لِعَقْدِ الكِتابَةِ أيْ إيقاعٍ لِما يَتِمُّ مِن قِبَلِهِ مِنَ التِزامِ العِتْقِ بِمُقابَلَةِ البَدَلِ أصالَةٌ ولِما يَتِمُّ مِن قِبَلِ العَبْدِ مِنَ التِزامِ البَدَلِ ضِمْنًا إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى قَبُولِهِ فَإذا قَبِلَ تَمَّ العَقْدُ اهْـ وبِهِ يَنْحَلُّ إشْكالٌ صَعْبٌ وارِدٌ عَلى إسْنادِ أفْعالِ العُقُودِ وهو أنَّهُ إذا كانَ رُكْنُ كُلٍّ مِنها الإيجابُ والقَبُولُ يَلْزَمُ أنْ لا يَصِحَّ نَحْوُ بِعْتُ كَذا بِكَذا مَثَلًا لِأنَّ المُتَكَلِّمَ بِهِ لَمْ يُوقِعْ إلّا ما يَتِمُّ مِن قَبْلِهِ ولَيْسَ ذَلِكَ بَيْعًا شَرْعِيًّا إذْ لا بُدَّ في البَيْعِ الشَّرْعِيِّ مِن فِعْلٍ آخَرَ أعْنِي قَبُولَ المُشْتَرِي وهو مِمّا لَمْ يُوقِعْهُ المُتَكَلِّمُ المَذْكُورُ.

والحاصِلُ أنَّ إسْنادَ باعَ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ يَقْتَضِي أنَّهُ أوْقَعَ البَيْعَ مَعَ أنَّهُ لَمْ يُوقِعْ إلّا أحَدَ رُكْنَيْهِ فَكَيْفَ يَصِحُّ الإسْنادُ، ووَجْهُ انْحِلالِ هَذا بِما ذَكَرَ ظاهِرٌ إلّا أنَّهُ أوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّ فِيهِ دَعْوى يُكَذِّبُها وِجْدانُ كُلِّ عاقِدٍ عاقِلٍ ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ بِعْتُ مَثَلًا لا يَخْطُرُ بِبالِكَ إيقاعٌ ضِمْنِيٌّ مِنكَ لِشِراءِ غَيْرِكَ إيقاعًا مُتَوَقِّفًا عَلى رَأْيِهِ أصْلًا بَلْ قُصارى ما يُخْطَرُ بِالبالِ إيقاعُهُ الشِّراءُ دُونَ إيقاعِكَ لِشِرائِهِ عَلى نَحْوِ فِعْلِ الفُضُولِيِّ ومَنِ ادَّعى ذَلِكَ فَقَدْ كابَرَ وِجْدانَهُ.

وأُجِيبُ بِأنَّ الأُمُورَ الضِّمْنِيَّةَ قَدْ تُعْتَبَرُ شَرْعًا وإنْ لَمْ تَقْصِدْ كَما يُرْشِدُ إلى ذَلِكَ أنَّهُمُ اعْتَبَرُوا في قَوْلِ القائِلِ لِآخَرَ: أعْتِقْ عَبْدَكَ عَنِّي بِكَذا فَأُعْتِقُهُ البَيْعَ الضِّمْنِيَّ بِرُكْنَيْهِ وإنْ لَمْ يَكُنِ القائِلُ خاطِرًا بِبالِهِ ذَلِكَ وقاصِدًا لَهُ.

وبَحَثَ فِيهِ بِأنَّهم إنَّما اعْتَبَرُوا أوَّلًا العِتْقَ الَّذِي هو مَدْلُولُ اللَّفْظِ والمَقْصُودُ مِنهُ تَرْجِيحًا لِجانِبِ الحُرِّيَّةِ ثُمَّ لَمّا رَأوْا أنَّ ذَلِكَ مَوْقُوفٌ عَلى المَلِكِ المَوْقُوفِ عَلى البَيْعِ حَسَبِ العادَةِ الغالِبَةِ اعْتَبَرُوا البَيْعَ لِيُتِمَّ لَهُمُ الِاعْتِبارَ الأوَّلَ ولَمْ يَعْتَبِرُوهُ مَدْلُولًا لِلَفْظِ العِتْقِ أصْلًا لِيُشْتَرَطَ القَصْدُ وإنْ أوْهَمَهُ تَسْمِيَتُهم إيّاهُ بَيْعًا ضِمْنِيًّا بِخِلافِ ما نَحْنُ فِيهِ عَلى ما سَمِعْتَ فَإنَّ إيقاعَ القَبُولِ قَدْ تَوَقَّفَ عَلَيْهِ ماهِيَّةُ البَيْعِ الشَّرْعِيِّ واعْتَبَرَ مَدْلُولًا ضِمْنِيًّا لَهُ بِحَيْثُ صارَ عِنْدَهم كَما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كَلامِ الإرْشادِ نَحْوُ بِعْتُ بِمَعْنى أوْقَعْتُ إيجابًا مِنِّي أصالَةً وقَبُولًا مِنكَ نِيابَةً وظاهِرٌ في مِثْلِ ذَلِكَ تَحَقُّقِ القَصْدِ وحَيْثُ نَفى بِالوِجْدانِ قَصْدَ إيقاعِ القَبُولِ نِيابَةً عَلِمَ أنَّهُ لَيْسَ مَدْلُولًا ضِمْنِيًّا.

ومِنَ النّاسِ مَن تَفَصّى عَنِ الإشْكالِ بِالتِزامِ أنَّ البَيْعَ هو الإيجابُ والقَبُولُ شَرْطُ صِحَّتِهِ فَقَوْلُ القائِلِ بِعْتُ إنْشاءً لِبَيْعٍ يَحْتِمِلُ الصِّحَّةَ وعَدَمَها ومَتى قالَ الآخَرُ اشْتَرَيْتُ تَعَيَّنَتِ الصِّحَّةُ وأنَّ قَوْلَهم رُكْنُ البَيْعِ الإيجابِ والقَبُولِ مِنَ المُسامِحاتِ الشّائِعَةِ أوْ بِالتِزامِ أنَّ لِلْبَيْعِ ونَحْوَهُ إطْلاقَيْنِ، أحَدُهُما العَقْدُ الحاصِلُ مِن مَجْمُوعِ الإيجابِ والقَبُولِ كَما في نَحْوِ قَوْلِكَ: وقَعَ البَيْعُ بَيْنَ زَيْدٍ وعَمْرٍو وثانِيهُما الإيجابُ فَقَطْ كَما في نَحْوِ قَوْلِكَ بِعْتُهُ كَذا فَلَمْ يَشْتَرِ والبَيْعُ الدّالُّ عَلَيْهِ بِعْتُ الإنْشائِيُّ مِن هَذا القَبِيلِ فَلا إشْكالَ في إسْنادِهِ إلى المُتَكَلِّمِ فَتَأمَّلْ وتَدَبَّرْ.

وفِي هَذا المَقامِ أبْحاثٌ تَرَكْناها خَوْفًا مَزِيدَ البُعْدِ عَمّا نَحْنُ بِصَدَدِهِ واللَّهُ تَعالى المُوَفَّقُ، ( والَّذِينَ ) يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ والخَبَرُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَكاتِبُوهُمْ ﴾ وهو بِتَقْدِيرِ القَوْلِ بِناءً عَلى المَشْهُورِ مِن أنَّ الجُمْلَةَ الإنْشائِيَّةَ لا تَقَعُ خَبَرًا عَنِ المُبْتَدَإ إلّا كَذَلِكَ، وقالَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ: لا حاجَةَ في مِثْلِ هَذا إلى التَّأْوِيلِ لِأنَّهُ في مَعْنى الشَّرْطِ والجَزاءِ ولِذا جِيءَ في الخَبَرِ بِالفاءِ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لِمَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ المَذْكُورُ والفاءُ فِيهِ لِتَضْمَنِ الشَّرْطَ أيْضًا وفي البَحْرِ يَجُوزُ أنْ تَقُولَ: زَيْدًا فاضْرِبْ وزَيْدًا اضْرِبْ فَإذا دَخَلَتِ الفاءُ كانَ التَّقْدِيرُ تَنَبَّهْ فاضْرِبْ فالفاءُ في جَوابِ أمْرٍ مَحْذُوفٍ اهْـ.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا يَحْتاجُ إلى هَذا في الآيَةِ، وذَكَرَ بَعْضُ الأفاضِلِ أنَّ الفاءَ فِيها عَلى الِاحْتِمالِ الثّانِي لِأنَّ حَقَّ المُفَسِّرِ أنْ يُعَقِّبَ المُفَسِّرُ، والمُرادُ كِتابَةً بَعْدَ كِتابَةٍ فَإنَّ في المَوالِي كَثْرَةٌ وكَذا في المُكاتِبِينَ فَلَيْسَ الأمْرُ بِهِ لِلْمَوْلى بِالنِّسْبَةِ إلى مُكاتِبٍ واحِدٍ اهْـ.

وهو يُشْبِهُ الرَّطانَةَ بِالأعْجَمِيَّةِ.

والأمْرُ لِلنَّدْبِ عَلى الصَّحِيحِ، وقِيلَ هو لِلْوُجُوبِ وهو مَذْهَبُ عَطاءَ وعَمْرِو بْنِ دِينارٍ والضَّحّاكِ وابْنِ سِيرِينَ وداوُدَ، وما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: سَألَنِي سِيرِينُ المُكاتَبَةَ فَأبَيْتُ عَلَيْهِ فَأتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَأقْبَلَ عَلَيَّ بِالدُّرَّةِ وتَلا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَكاتِبُوهُمْ ﴾ إلَخْ وفي رِوايَةٍ كاتِبْهُ أوْ لِأضْرِبَنَّكَ بِالدُّرَّةِ ظاهِرٌ في القَوْلِ بِالوُجُوبِ، وجُمْهُورُ الأئِمَّةِ كَمالِكٍ والشّافِعِيِّ، وغَيْرِهِما عَلى أنَّ المُكاتَبَةَ بَعْدَ الطَّلَبِ وتَحَقَّقَ الشَّرْطُ الآتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى مَندُوبَةٌ بَيْدَ أنَّ مَن قالَ مِنهم بِأنَّ ظاهِرَ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ كالشّافِعِيِّ لَمْ يُقُلْ بِظاهِرِهِ هُنا لِأنَّهُ بَعْدَ الحَظْرِ وهو بَيْعُ مالِهِ بِمالِهِ لِلْباحَةِ، وادَّعى أنَّ نَدْبَها مِن دَلِيلٍ آخَرَ، وظاهِرُ الآيَةِ جَوازُ الكِتابَةِ سَواءٌ كانَ البَدَلُ حالًا أوْ مُؤَجَّلًا أوْ مَنجَّمًا أوْ غَيْرَ مُنَجِّمٍ لِمَكانِ الإطْلاقِ وإلى ذَلِكَ ذَهَبَ الحَنَفِيَّةُ.

وذَهَبَ جُمْهُورُ الشّافِعِيَّةِ إلى أنَّهُ يُشْتَرَطُ أنْ يَكُونَ مُنَجَّمًا بِنَجْمَيْنِ فَأكْثَرَ فَلا تَجُوزُ بِدُونِ أجَلٍ وتَنْجِيمٍ مُطْلَقًا، وقِيلَ إنَّ مِلْكَ السَّيِّدِ بَعْضُ العَبْدِ وباقِيهِ حُرٌّ لَمْ يُشْتَرَطْ أجَلٌ وتَنْجِيمٌ، ورَدَّهُ مُحَقِّقُوهم وأجابُوا عَنْ دَعْوى إطْلاقِ الآيَةِ بِأنَّ الكِتابَةَ تُشْعِرُ بِالتَّنْجِيمِ فَتُغْنِي عَنِ التَّقْيِيدِ لِأنَّهُ يَكْتُبُ أنَّهُ يُعْتَقُ إذا أدّى ما عَلَيْهِ ومِثْلُهُ لا يَكُونُ في الحالِ.

واعْتَرَضُوا أيْضًا عَلى القَوْلِ بِصِحَّةِ الكِتابَةِ الحالَةِ بِأنَّ الكِتابَةَ لَوْ عَقَّدَتْ حالَةً تَوَجَّهَتِ المُطالِبَةُ عَلَيْهِ في الحالِ ولَيْسَ لَهُ مالٌ يُؤَدِّيهِ فِيهِ فَيَعْجِزُ عَنِ الأداءِ فَيُرَدُّ إلى الرِّقِّ فَلا يَحْصُلُ مَقْصُودُ العَقْدِ، وهَذا كَما لَوْ أسْلَمَ فِيما لا يُوجَدُ عِنْدَ حُلُولِ الأجَلِ فَإنَّهُ لا يَجُوزُ.

وأنْتَ تَعْلَمُ ما في دَعْوى إشْعارِ الكِتابَةِ بِالتَّنْجِيمِ وأنَّها تَضُرُّ الشّافِعِيَّةَ لِأنَّ التَّنْجِيمَ الَّذِي تَشْعُرُ بِهِ الكِتابَةُ عَلى زَعْمِهِمْ يَتَحَقَّقُ بِنَجْمٍ واحِدٍ فَيَقْتَضِي أنْ تَجُوزَ بِهِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أكْثَرُ العُلَماءِ وهم لا يُجَوِّزُونَ ذَلِكَ ويَشْتَرِطُونَ نَجْمَيْنِ فَأكْثَرَ.

وما ذَكَرُوهُ في الِاعْتِراضِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَإنَّهُ لا عَجْزَ مَعَ أمْرِ المُسْلِمِينَ بِإعانَتِهِ بِالصَّدَقَةِ والهِبَةِ والقَرْضِ، والقِياسُ عَلى السِّلْمِ لا يَصِحُّ لِظُهُورِ الفارِقِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرَ كالبَيْعِ لِمَن لا يَمْلِكُ الثَّمَنَ ولا شَكَّ في صِحَّتِهِ كَذا قِيلَ وفِيهِ بَحْثٌ.

وقالَ ابْنُ خُوَيْزَمَندادَ: إذا كانَتِ الكِتابَةُ عَلى مالٍ مُعَجَّلٍ كانَتْ عِتْقًا عَلى مالٍ ولَمْ تَكُنْ كِتابَةً، والفَرْقُ بَيْنَ العِتْقِ عَلى مالٍ والكِتابَةُ مَذْكُورٌ في مَوْضِعِهِ ﴿ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ أيْ أمانَةٍ وقُدْرَةٍ عَلى الكَسْبِ، وبِهِما الخَيْرُ فَسَّرَهُ الشّافِعِيُّ.

وذَكَرَ البَيْضاوِيُّ أنَّهُ رُوِيَ هَذا التَّفْسِيرِ مَرْفُوعًا وجاءَ نَحْوُ ذَلِكَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وفَسَّرَتِ الأمانَةَ بِعَدَمِ تَضْيِيعِ المالِ، قِيلَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها العَدالَةُ لَكِنْ يُشْتَرَطُ عَلى هَذا الِاسْتِحْبابِ المُكاتَبَةُ أنْ لا يَكُونَ العَبْدُ مَعْرُوفًا بِإنْفاقِ ما بِيَدِهِ بِالطّاعَةِ لِأنَّ مِثْلَ هَذا لا يُرْجى لَهُ عِتْقٌ بِالكِتابَةِ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في المَراسِيلِ والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: ««قالَ رَسُولُ اللَّهِ  في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً»، وظاهِرُهُ الِاكْتِفاءُ بِالقُدْرَةِ عَلى الكَسْبِ وعَدَمِ اشْتِراطِ الأمانَةِ، وهو قَوْلٌ نَقَلَهُ ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ، وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ المُكاتِبَ إذا لَمْ يَكُنْ أمِينًا يَضِيعُ ما كَسَبَهُ فَلا يَحْصُلُ المَقْصُودُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ السَّلَمانِيِّ وقَتادَةَ وإبْراهِيمَ وأبِي صالِحٍ أنَّهم فَسَّرُوا الخَيْرَ بِالأمانَةِ وظاهِرُ كَلامِهِمُ الاكْتِفاءُ بِها وعَدَمُ اشْتِراطِ القُدْرَةِ عَلى الكَسْبِ، ونَقَلَهُ أيْضًا ابْنُ حَجَرٍ عَنْ بَعْضِهِمْ وتَعَقَّبَهُ بِأنَّ المُكاتِبَ إذا لَمْ يَكُنْ قادِرًا عَلى الكَسْبِ كانَ في مُكاتَبَتِهِ ضَرَرٌ عَلى السَّيِّدِ ولا وُثُوقَ بِإعانَتِهِ بِنَحْوِ الصَّدَقَةِ والزَّكاةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهٍ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ فَسَّرَ الخَيْرَ بِالمالِ، وأخْرَجَهُ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ ورُوَيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءَ والضَّحّاكِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ ذَلِكَ ضَعِيفٌ لَفْظًا ومَعْنًى أمّا لَفْظًا فَلِأنَّهُ لا يُقالُ فِيهِ مالٌ بَلْ عِنْدَهُ أوْ لَهُ مالٌ، وأمّا مَعْنًى فَلِأنَّ العَبْدَ لا مالَ لَهُ ولِأنَّ المُتَبادِرَ مِنَ الخَيْرِ غَيْرُهُ وإنْ أطْلَقَ الخَيْرَ عَلى المالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ  ﴾ .

وأُجِيبُ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالخَيْرِ عِنْدَ هَؤُلاءِ الأجِلَّةِ القُدْرَةُ عَلى كَسْبِ المالِ إلّا أنَّهم ذَكَرُوا ما هو المَقْصُودُ الأصْلِيُّ مِنهُ تَساهُلًا في العِبارَةِ ومِثْلُهُ كَثِيرٌ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: الَّذِي يُظْهِرُ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أنَّهُ الدِّينُ تَقُولُ: فَلانٌ فِيهِ خَيْرٌ فَلا يَتَبادَرُ إلى الذِّهْنِ إلّا الصَّلاحُ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يُناسِبُ المَقامَ ويَقْتَضِي أنْ لا يُكاتِبَ غَيْرَ المُسْلِمِ، وفَسَّرَهُ كَثِيرٌ مِن أصْحابِنا بِأنْ لا يَضُرُّوا المُسْلِمِينَ بَعْدَ العِتْقِ وقالُوا: إنْ غَلَبَ ظَنَّ الضَّرَرِ بِهِمْ بَعْدَ العِتْقِ فالأفْضَلُ تُرْكُ مُكاتَبَتِهِمْ، وظاهِرُ التَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ أنَّهُ إذا لَمْ يَعْلَمُوا فِيهِ خَيْرًا لا يُسْتَحَبُّ لَهم مُكاتَبَتُهم أوْ لا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، وهَذا لِلْخِلافِ في أنَّ الأمْرَ هَلْ هو لِلنَّدْبِ أوْ لِلْوُجُوبِ فَلا تُفِيدُ الآيَةُ عَدَمَ الجَوازِ عِنْدَ انْتِفاءِ الشَّرْطِ فَإنَّ غايَةَ ما يَلْزَمُ انْتِفاءَهُ انْتِفاءُ المَشْرُوطِ ولَيْسَ هو فِيها إلّا الأمْرُ الدّالُّ عَلى الوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ، ومَن قالَ: إنَّهُ لِلْباحَةِ التَزَمَ أنَّ الشَّرْطَ هُنا لا مَفْهُومَ لَهُ لِجَرْيِهِ عَلى العادَةِ في مُكاتَبَةٍ مِن عِلْمِ خَيْرِيَّتِهِ كَذا قِيلَ، والَّذِي أراهُ حَرَّمَهُ المُكاتَبَةَ إذا عَلِمَ السَّيِّدُ أنَّ المُكاتِبَ لَوْ عُتِقَ أضَرَّ المُسْلِمِينَ.

فَفِي التُّحْفَةِ لِابْنِ حَجَرٍ في بابِ الكِتابَةِ عِنْدَ قَوْلِ النَّوَوِيِّ هي مُسْتَحَبَّةٌ إنْ طَلَبَها رَقِيقٌ أمِينٌ قَوِيٌّ عَلى كَسْبٍ ولا تَكْرَهُ بِحالٍ ما نَصَّهُ: لَكِنَّ بَحْثَ البَلْقِينِيِّ كَراهَتُها لِفاسِقٍ يَضِيعُ كَسْبَهُ في الفِسْقِ ولَوِ اسْتَوْلى عَلَيْهِ السَّيِّدُ لامْتَنَعَ مِن ذَلِكَ، وقالَ هو وغَيْرُهُ: بَلْ يَنْتَهِي الحالُ لِلتَّحْرِيمِ أيْ وهو قِياسُ حُرْمَةِ الصَّدَقَةِ والقَرْضِ إذا عَلِمَ أنَّ مَن أخَذَهُما يَصْرِفُهُما في مُحَرَّمٍ، ثُمَّ رَأيْتُ الأذْرُعِيَّ بَحَثَهُ فِيمَن عَلِمَ أنَّهُ يَكْتَسِبُ بِطَرِيقِ الفِسْقِ وهو صَرِيحٌ فِيما ذَكَرْتُهُ إذِ المَدارُ عَلى تَمْكِينِهِ بِسَبَبِها مِنَ المُحَرَّمِ اهْـ، وما ذَكَرَ مِنَ المَدارِ مَوْجُودٌ فِيها قُلْنا، ثُمَّ المُرادُ مِنَ العِلْمِ الظَّنُّ القَوِيُّ وهو مَدارُ أكْثَرِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ ﴿ وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ الظّاهِرُ أنَّهُ أمْرٌ لِلْمَوالِي بِإيتاءِ المُكاتِبِينَ شَيْئًا مِن أمْوالِهِمْ إعانَةً لَهُمْ، وفي حُكْمِهِ حَطُّ شَيْءٍ مِن مالِ الكِتابَةِ ويَكْفِي في ذَلِكَ أقَلُّ ما يَتَمَوَّلُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ وغَيْرُهُما مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: ««يَتْرُكُ لِلْمُكاتِبِ الرُّبْعُ»» وجاءَ هَذا أيْضًا في بَعْضِ الرِّواياتِ مَوْقُوفًا عَلى عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ، وقالَ ابْنُ حَجَرٍ الهَيْتَمِيُّ: هو الأصَحُّ ولَعَلَّ ذَلِكَ اجْتِهادٌ مِنهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ.

وادِّعاءُ أنَّ هَذا لا يُقالُ مِن قِبَلِ الرَّأْيِ فَهو في حُكْمِ المَرْفُوعِ مَمْنُوعٌ، ولِهَذا الخَبَرِ وقَوْلُ ابْنِ راهَوَيْهٍ: أجْمَعَ أهْلُ التَّأْوِيلِ عَلى أنَّ الرُّبْعَ هو المُرادُ بِالآيَةِ قالُوا: إنَّ الأفْضَلَ إيتاءُ الرُّبْعِ، واسْتَحْسَنَ ابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ إيتاءَ الثُّلْثِ، وابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما إيتاءَ السُّبْعِ، وقَتادَةُ إيتاءَ العُشْرِ والأمْرُ بِالإيتاءِ عِنْدَنا لِلنَّدْبِ وقالَ الشّافِعِيَّةُ: لِلْوُجُوبِ إذْ لا صارِفَ عَنْهُ، وصَرَّحُوا بِأنَّهُ يَلْزَمُ السَّيِّدَ أوْ وارِثَهُ مُقَدَّمًا لَهُ عَلى مُؤَنِ التَّجْهِيزِ.

أمّا الحَطُّ عَنِ المُكاتِبِ كِتابَةً صَحِيحَةً لِجُزْءٍ مِنَ المالِ المُكاتِبِ عَلَيْهِ أوْ دَفْعِ جُزْءٍ مِنَ المَعْقُودِ عَلَيْهِ بَعْدَ أخْذِهِ أوْ مِن جِنْسِهِ إلَيْهِ وأنَّ الحَطَّ أوْلى مِنَ الدَّفْعِ لِأنَّهُ المَأْثُورُ عَنِ الصَّحابَةِ ولِأنَّ الإعانَةَ فِيهِ مُحَقَّقَةٌ والمَدْفُوعُ قَدْ يُنْفِقُهُ في جِهَةٍ أُخْرى، وهو في النَّجْمِ الأخِيرِ أفْضَلُ، والأصَحُّ أنَّ وقْتَ الوُجُوبِ قَبْلَ العِتْقِ ويَتَضَيَّقُ إذا بَقِيَ مِنَ النَّجْمِ قَدْرَ ما يَفِي بِهِ مِن مالِ الكِتابَةِ، وشاعَ أنَّهم يَقُولُونَ بِوُجُوبِ الحَطِّ.

ويَرُدُّهُ قَوْلُهُ  : ««المُكاتِبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ»» إذْ لَوْ وجَبَ الحَطُّ لَسَقَطَ عَنْهُ الباقِي حَتْمًا وأيْضًا لَوْ وجَبَ الحَطُّ لَكانَ وُجُوبُهُ مُعَلَّقًا بِالعَقْدِ فَيَكُونُ العَقْدُ مُوجَبًا ومُسْقِطًا مَعًا، وأيْضًا هو عَقْدُ مُعاوَضَةٍ فَلا يُجْبِرُ عَلى الحَطِيطَةِ كالبَيْعِ، قِيلَ: مَعْنى ( آتُوهم ) أقْرَضُوهُمْ، وقِيلَ: هو أمْرٌ لَهم بِالإنْفاقِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ يُؤَدُّوا ويُعْتِقُوا، وإضافَةُ المالِ إلَيْهِ تَعالى ووَصْفُهُ بِإيتائِهِ تَعالى إيّاهم لِلْحَثِّ عَلى الِامْتِثالِ بِالأمْرِ بِتَحْقِيقِ المَأْمُورِ بِهِ فَإنَّ مُلاحَظَةَ وصُولِ المالِ إلَيْهِمْ مِن جِهَتِهِ سُبْحانَهُ مَعَ كَوْنِهِ عَزَّ وجَلَّ هو المالِكُ الحَقِيقِيُّ لَهُ مِن أقْوى الدَّواعِي إلى صَرْفِهِ إلى الجِهَةِ المَأْمُورِ بِها، وقِيلَ: هو أمْرُ نَدْبٍ لِعامَّةِ المُسْلِمِينَ إعانَةَ المُكاتِبِينَ بِالتَّصَدُّقِ عَلَيْهِمْ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّهُ أمَرَ لِلْوُلاةِ أنْ يُعْطُوهم مِنَ الزَّكاةِ وهَذا نَحْوُ ما ذَكَرَ في الكَشّافِ مِن أنَّهُ أمَرَ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الوُجُوبِ بِإعانَةِ المُكاتِبِينَ وإعْطائِهِمْ سَهْمَهُمُ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ تَعالى لَهم في بَيْتِ المالِ كَقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ( وفي الرِّقابِ ) [البَقَرَةُ: 177، التَّوْبَةُ: 60، مُحَمَّدٌ: 4] عِنْدَ أبِي حَنِيفَةَ وأصْحابِهِ، ويَحِلُّ لِلْمَوْلى إذا كانَ غَنِيًّا أنْ يَأْخُذَ ما تَصَدَّقَ بِهِ عَلى المُكاتِبِ لِتُبَدِّلَ المُلْكِ كَما فِيما إذا اشْتَرى الصَّدَقَةَ مِن فَقِيرٍ أوْ وهَبَها الفَقِيرُ لَهُ فَإنَّ المُكاتِبَ يَتَمَلَّكُهُ صَدَقَةً والمَوْلى عِوَضًا عَنِ العِتْقِ، وكَذا الحُكْمُ لَوْ عَجَزَ بَعْدَ أداءِ البَعْضِ عَنِ الباقِي فَأُعِيدَ إلى الرِّقِّ أوْ أُعْتِقَ مِن غَيْرِ جِهَةِ الكِتابَةِ، والعِلَّةُ تُبَدِّلُ المُلْكَ أيْضًا عِنْدَ مُحَمَّدٍ وفِيهِ خَفاءٌ لِأنَّ ما أخَذَ لَمْ يَقَعْ عِوَضًا عَنِ العِتْقِ، أمّا فِيما إذا أُعِيدَ إلى الرِّقِّ فَظاهِرٌ، وأمّا فِيما إذا أعْتَقَ مِن غَيْرِ جِهَةِ الكِتابَةِ فَلِأنَّ العِتْقَ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوطًا بِأداءِ ذَلِكَ فَتَدَبَّرْ.

وعَلَّلَ أبُو يُوسُفَ المَسْألَةَ بِأنَّهُ لا خُبْثَ في نَفْسِ الصَّدَقَةِ وإنَّما الخُبْثُ في فِعْلِ الآخِذِ لِكَوْنِهِ إذْلالًا بِالآخِذِ ولا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ مِن غَيْرِ حاجَةِ والأخْذُ لَمْ يُوجَدْ مِنَ السَّيِّدِ.

وأوْرَدَ عَلَيْهِ أنَّهُ يُنافِي جَعْلَها أوْساخِ النّاسِ في الحَدِيثِ.

ونُقِلَ عَنِ الشّافِعِيِّ أنَّهُ إذا أُعِيدَ المُكاتِبُ إلى الرِّقِّ أوْ أُعْتِقَ مِن غَيْرِ جِهَةِ الكِتابَةِ يَلْزَمُ السَّيِّدَ رَدَّ ما أخَذَهُ إلّا أنْ يُتْلَفَ قَبْلَهُ لِأنَّ ما دَفَعَ لِلْمُكاتِبِ لَمْ يَقَعْ مَوْقِعَهُ ولَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ الغَرَضُ المَطْلُوبُ.

قالَ الطِّيبِيُّ: وبِهَذا يَظْهَرُ أنَّ قِياسَ ذَلِكَ عَلى الصَّدَقَةِ الَّتِي اشْتُرِيَتْ مِنَ الفَقِيرِ غَيْرُ صَحِيحٍ، والمُدارُ عِنْدِي اخْتِلافُ جِهَتَيِ المُلْكِ فَمَتى تَحَقَّقَ لَمْ تُبْقَ شُبْهَةٌ في الحَلِّ، وقَدْ صَحَّ «أنَّ بِرَيْرَةَ مَوْلاةَ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها جاءَتْ بَعْدَ العِتْقِ بِلَحْمِ بَقَرٍ فَقالَتْ عائِشَةُ لِلنَّبِيِّ  : هَذا ما تَصَدَّقَ بِهِ عَلى بَرِيرَةَ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: هو لَها صَدَقَةٌ ولَنا هَدِيَّةٌ» فَأشارَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إلى حَلِّهِ لِآلِ البَيْتِ الَّذِينَ لا تَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ بِاخْتِلافِ جِهَتَيِ المُلْكِ فَتَأمَّلْ، ولِلْمُكاتَبَةِ أحْكامٌ كَثِيرَةٌ تُطْلَبُ مَن كُتُبِ الفِقْهِ.

﴿ ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ ﴾ أخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ عَنْ جابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ «أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولٍ يُقالُ لَها مَسِيكَةُ وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ كانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا فَشَكَتا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السَّدِّيِّ قالَ: «كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِيّ جارِيَةٌ تُدْعى مُعاذَةَ فَكانَ إذا نَزَلَ ضَيْفٌ أرْسَلَها لَهُ لِيُواقِعَها إرادَةَ الثَّوابِ مِنهُ والكَرامَةِ لَهُ فَأقْبَلَتِ الجارِيَةُ إلى أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَيْهِ فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ  فَأمَرَهُ بِقَبْضِها فَصاحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِيّ مَن يَعْذُرُنا مِن مُحَمَّدٍ  يَغْلِبُنا عَلى مَمالِيكِنا؟

فَنَزَلَتْ».

وقِيلَ: «كانَتْ لِهَذا اللَّعِينِ سِتُّ جَوارٍ مُعاذَةُ ومَسِيكَةُ وأُمَيْمَةُ وعُمْرَةُ وأرْوى وقَتِيلَةُ يُكْرِهُهُنَّ عَلى البِغاءِ وضَرَبَ عَلَيْهِنَّ ضَرائِبَ فَشَكَتْ ثِنْتانِ مِنهُنَّ إلى رَسُولِ اللَّهِ  فَنَزَلَتْ» .

وقِيلَ: نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا يُكْرِهانِ أمَتَيْنِ لَهُما عَلى الزِّنا أحَدُهُما ابْنُ أبِيّ، وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهَ عَنْ عَلَيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهم كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكْرِهُونَ إماءَهم عَلى الزِّنا يَأْخُذُونَ أُجُورَهُنَّ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ في الإسْلامِ .

ونَزَلَتِ الآيَةُ، ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وعَلى جَمِيعِ الرِّواياتِ لا اخْتِصاصَ لِلْخِطابِ بِمَن نَزَلَتْ فِيهِ الآيَةُ بَلْ هي عامَّةٌ في سائِرِ المُكَلَّفِينَ.

والفَتَياتُ جَمْعُ فَتاةٍ وكُلٌّ مِنَ الفَتى والفَتاةِ كِنايَةٌ مَشْهُورَةٌ عَنِ العَبْدِ والأمَةِ مُطْلَقًا وقَدْ أمَرَ الشّارِعُ  بِالتَّعْبِيرِ بِهِما مُضافَيْنِ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ دُونَ العَبْدِ والأمَةِ مُضافَيْنِ إلَيْهِ فَقالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: ««لا يَقُولُنَّ أحَدُكم عَبْدِي وأمَتِي ولَكِنَّ فَتايَ وفَتاتِي»» وكَأنَّهُ  كَرِهَ العُبُودِيَّةَ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ ولا حَجْرَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ في إضافَةِ الأخِيرَيْنِ إلى غَيْرِهِ تَعالى شَأْنُهُ، ولِلْعِبارَةِ المَذْكُورَةِ في هَذا المَقالِ بِاعْتِبارِ مَفْهُومِها الأصْلِيِّ حَسَنٌ مَوْقِعٌ ومَزِيدٌ مُناسِبَةٌ لِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ عَلى البِغاءِ ﴾ وهو زِنا النِّساءِ كَما في البَحْرِ مِن حَيْثُ صُدُورِهِ عَنْ شَوابِهِنَّ لِأنَّهُنَّ اللّاتِي يَتَوَقَّعُ مِنهُنَّ ذَلِكَ غالِبًا دُونَ مَن عَداهُنَّ مِنَ العَجائِزِ والصَّغائِرِ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ لَيْسَ لِتَخْصِيصِ النَّهْيِ بِصُورَةِ إرادَتِهِنَّ التَّعَفُّفِ عَنِ الزِّنا وإخْراجِ ما عَداها عَنْ حُكْمِهِ كَما إذا كانَ الإكْراهُ بِسَبَبِ كَراهَتِهِنَّ الزِّنا لِخُصُوصِ الزّانِي أوْ لِخُصُوصِ الزَّمانِ أوْ لِخُصُوصِ المَكانِ أوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ المُصَحَّحَةِ لِلْكَراهِ في الجُمْلَةِ بَلْ هو لِلْمُحافَظَةِ عَلى عادَةِ مَن نَزَلَتْ فِيهِمُ الآيَةُ حَيْثُ كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ عَلى البِغاءِ وهُنَّ يُرِدْنَ التَّعَفُّفَ عَنْهُ مَعَ وُفُورِ شَهْوَتِهِنَّ الآمِرَةِ بِالفُجُورِ وقُصُورِهِنَّ في مَعْرِفَةِ الأُمُورِ الدّاعِيَةِ إلى المَحاسِنِ الزّاجِرَةِ عَنْ تَعاطِي القَبائِحِ، وفِيهِ مِنَ الزِّيادَةِ لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ وتَشْنِيعِهِمْ عَلى ما كانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنَ القَبائِحِ ما لا يَخْفى فَإنَّ مَن لَهُ أدْنى مُرُوءَةٍ لا يَكادُ يَرْضى بِفُجُورِ مَن يَحْوِيهِ بَيْتُهُ مِن إمائِهِ فَضْلًا عَنْ أمْرِهِنَّ بِهِ أوْ إكْراهِهِنَّ عَلَيْهِ لا سِيَّما عِنْدَ إرادَةِ التَّعَفُّفِ ووَفَّرَ الرَّغْبَةَ فِيها كَما يَشْعُرُ بِهِ التَّعْبِيرُ بِأُرْدُنَ بِلَفْظِ الماضِي، وإيثارُ كَلِمَةِ ﴿ إنْ ﴾ عَلى إذا لِأنَّ إرادَةَ التَّحَصُّنِ مِنَ الإماءِ كالشّاذِّ النّادِرِ أوْ لِلْيَذانِ بِوُجُوبِ الِانْتِهاءِ عَنِ الإكْراهِ عِنْدَ كَوْنِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ في حَيِّزِ التَّرَدُّدِ والشَّكِّ فَكَيْفَ إذا كانَتْ مُحَقَّقَةَ الوُقُوعِ كَما هو الواقِعُ، ويَعْلَمُ مِن تَوْجِيهِ هَذا الشَّرْطِ مَعَ ما أشَرْنا إلَيْهِ مِن بَيانٍ حَسَنٍ مَوْقِعَ الفَتَياتِ هُنا بِاعْتِبارِ مَفْهُومِها الأصْلِيِّ أنَّهُ لا مَفْهُومَ لَها ولَوْ فُرِضَتْ صِفَةٌ لِأنَّ شَرْطَ اعْتِبارِ المَفْهُومِ عِنْدَ القائِلِينَ بِهِ أنْ لا يَكُونُ المَذْكُورُ خَرَجَ مَخْرَجَ الغالِبِ، وقَدْ تَمَسَّكَ جَمْعٌ بِالآيَةِ لِإبْطالِ القَوْلِ بِالمَفْهُومِ فَقالُوا: إنَّهُ لَوِ اعْتَبَرَ يُلْزِمُ جَوازَ الإكْراهِ عِنْدَ عَدَمِ إرادَةِ التَّحَصُّنِ والإكْراهِ عَلى الزِّنا غَيْرِ جائِزٍ بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ إجْماعًا ومِمّا ذَكَرْنا يُعْلَمُ الجَوابَ عَنْهُ.

وفِي شَرْحِ المُخْتَصِرِ الحاجِبِيِّ لِلْعَلّامَةِ العَضُدِ الجَوابُ عَنْ ذَلِكَ، أوَّلًا أنَّهُ مِمّا خَرَجَ مَخْرَجَ الأغْلَبِ إذا الغالِبُ أنَّ الإكْراهَ عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ ولا مَفْهُومَ في مَثَلِهِ، وثانِيًا أنَّ المَفْهُومَ اقْتَضى ذَلِكَ وقَدِ انْتَفى لِمَعارِضٍ أقْوى مِنهُ وهو الإجْماعُ، وقَدْ يُجابُ عَنْهُ بِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى عَدَمِ الحُرْمَةِ عِنْدَ عَدَمِ الإرادَةِ وأنَّهُ ثابِتٌ إذْ لا يُمْكِنُ الإكْراهُ حِينَئِذٍ لِأنَّهُنَّ إذْ لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ لَمْ يُكْرِهُنَّ البِغاءَ والإكْراهُ إنَّما هو إلْزامُ فِعْلٍ مَكْرُوهٍ وإذا لَمْ يَكُنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ التَّحْرِيمُ لِأنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الإمْكانُ ولا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ التَّحْرِيمِ الإباحَةُ انْتَهى، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا هو الأوْلى، وجَعَلَ غَيْرَ واحِدٍ زِيادَةَ التَّقْبِيحِ والتَّشْنِيعِ جَوابًا مُسْتَقِلًّا بِتَغْيِيرٍ يَسِيرٍ ولا بَأْسَ بِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ ﴿ إنْ أرَدْنَ ﴾ راجِعٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ وهو مِمّا يَقْضِي مِنهُ العَجَبُ وبِالجُمْلَةِ لا حُجَّةَ في ذَلِكَ لِمُبْطِلِي القَوْلِ بِالمَفْهُومِ وكَذا لا حُجَّةَ لَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ فَإنَّهُ كَما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ قَيَّدَ لِلْكَراهِ لا بِاعْتِبارِ أنَّهُ مَدارٌ لِلنَّهْيِ عَنْهُ بَلْ بِاعْتِبارِ أنَّهُ المُعْتادُ فِيما بَيْنَهم أيْضًا جِيءَ بِهِ تَشْنِيعًا لَهم فِيما هم عَلَيْهِ مِنِ احْتِمالِ الوِزْرِ الكَبِيرِ لِأجْلِ النَّزْرِ الحَقِيرِ أيْ لا تَفْعَلُوا ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِن إكْراهِهِنَّ عَلى البِغاءِ لِطَلَبِ المَتاعِ السَّرِيعِ الزَّوالِ الوَشِيكِ الِاضْمِحْلالِ، فالمُرادُ بِالِابْتِغاءِ الطَّلَبُ المُقارِنُ لِنَيْلِ المَطْلُوبِ واسْتِيفائِهِ بِالفِعْلِ إذْ هو الصّالِحُ لِكَوْنِهِ غايَةً لِلْكَراهِ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ لا المُطْلَقُ المُتَناوِلُ لِلطَّلَبِ السّابِقِ الباعِثِ عَلَيْهِ ولا اخْتِصاصَ لِعَرْضِ الحَياةِ الدُّنْيا بِكَسْبِهِنَّ أعْنِي أُجُورَهُنَّ الَّتِي يَأْخُذْنَها عَلى الزِّنا بِهِنَّ وإنْ كانَ ظاهِرٌ كَثِيرٌ مِنَ الأخْبارِ يَقْتَضِي ذَلِكَ بَلْ ما يَعُمُّهُ وأوْلادَهُنَّ مِنَ الزِّنا وبِذَلِكَ فَسَّرَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَما أخْرَجَهُ عَنْهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وفي بَعْضِ الأخْبارِ ما يَشْعُرُ بِأنَّهم كانُوا يُكْرِهُونَهُنَّ عَلى ذَلِكَ لِلْأوْلادِ.

أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَزّارُ وابْنُ مَرْدُويَهٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِيّ كانَتْ تَزْنِي في الجاهِلِيَّةِ فَوَلَدَتْ لَهُ أوْلادًا مِنَ الزِّنا فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ تَعالى الزِّنا قالَ لَها: ما لَكَ لا تَزِنِينَ؟

قالَتْ: واللَّهِ لا أزْنِي أبَدًا فَضَرَبَها فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ﴿ ولا تُكْرِهُوا ﴾ الآيَةَ، ولا يَقْتَضِي هَذا وأمْثالُهُ تَخْصِيصَ العَرْضِ بِالأوْلادِ كَما لا يَخْفى.

وسَمِعْتُ أنَّ بَعْضَ قَبائِلِ أعْرابِ العِراقِ كَآلِ عَزَّةَ يَأْمُرُونَ جَوارِيَهم بِالزِّنا لِلْأوْلادِ كَفِعْلِ الجاهِلِيَّةِ ولا يَسْتَغْرِبُ ذَلِكَ مِنَ الأعْرابِ لا سِيَّما في مِثْلِ هَذِهِ الأعْصارِ الَّتِي عَرا فِيها كَثِيرًا مِن رِياضِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ في كَثِيرٍ مِنَ المَواضِعِ إعْصارٌ فَإنَّهم أجْدَرُ أنْ لا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ومَن يُكْرِهُّنَّ ﴾ إلى آخِرِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنِفَةٌ سِيقَتْ لِتَقْرِيرِ النَّهْيِ وتَأْكِيدِ وُجُوبِ العَمَلِ بِبَيانِ خَلاصِ المُكْرَهاتِ مِن عُقُوبَةِ المُكْرَهِ عَلَيْهِ عِبارَةٌ ورُجُوعُ غائِلَةِ الإكْراهِ إلى المُكْرَهِينَ إشارَةٌ أيْ ومَن يُكْرِهُهُنَّ عَلى ما ذَكَرَ مِن البِغاءِ ﴿ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لَهُنَّ كَما في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وقَدْ أخْرَجَها عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْهُ لَكِنْ بِتَقْدِيمِ لَهُنَّ ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ورُوِيَتْ كَذَلِكَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، ويُنَبِئُ عَنْهُ عَلى ما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ ﴾ أيْ كَوْنِهِنَّ مُكْرَهاتٍ عَلى أنَّ الإكْراهَ مَصْدَرُ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ فَإنَّ تَوْسِيطَهُ بَيْنَ اسْمِ إنَّ وخَبَرِها لِلْإيذانِ بِأنَّ ذَلِكَ هو السَّبَبُ لِلْمَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ.

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وابْنُ جَرِيرٍ وغَيْرُهُما عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قالَ: غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُنَّ ولَيْسَتْ لَهُمْ، وكانَ الحَسَنُ إذا قَرَأ الآيَةَ يَقُولُ: لَهُنَّ واللَّهِ لَهُنَّ، وفي تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِهِنَّ وتَعْيِينِ مَدارِهِ عَلى ما سَمِعْتُ مَعَ سَبْقِ ذِكْرِ المُكْرَهِينَ أيْضًا في الشُّرْطِيَّةِ دَلالَةٌ عَلى كَوْنِهِمْ مَحْرُومِينَ مِنَ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ بِالكُلِّيَّةِ كَأنَّهُ قِيلَ: لا لَهم أوْ لا لَهُ ولِظُهُورِ هَذا التَّقْدِيرِ اكْتَفى بِهِ عَنِ العائِدِ إلى اسْمِ الشَّرْطِ اللّازِمِ في الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ عَلى الأصَحِّ كَما في المُغْنِي، وقِيلَ: في تَوْجِيهِ أمْرِ العائِدِ: إنَّ ﴿ إكْراهِهِنَّ ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى المَفْعُولِ وفاعِلُ المَصْدَرِ ضَمِيرٌ مَحْذُوفٌ عائِدٌ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ والمَحْذُوفُ كالمَلْفُوظِ والتَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ إكْراهِهِمْ إيّاهُنَّ.

ورَدَّهُ أبُو حَيّانَ بِأنَّهم لَمْ يُعَدُّوا في الرَّوابِطِ الفاعِلَ المَحْذُوفَ لِلْمَصْدَرِ في نَحْوِ هِنْدُ عَجِبَتْ مَن ضَرْبِ زِيدٍ وإنَّ كانَ المَعْنى مِن ضَرْبِها زَيْدًا فَلَمْ يُجَوِّزُوا هَذا التَّرْكِيبَ ولا فِرَقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما نَحْنُ فِيهِ، وقِيلَ: جَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ والمَذْكُورُ تَعْلِيلٌ لِما يُفْهَمُ مِن ذَلِكَ المَحْذُوفِ والتَّقْدِيرُ ومَن يُكْرِهُهُنَّ فَعَلَيْهِ وبالُ إكْراهِهِنَّ لا يَتَعَدّى إلَيْهِنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَهُنَّ، وفِيهِ عُدُولٌ عَنِ الظّاهِرِ وارْتِكابُ مَزِيدِ إضْمارٍ بِلا ضَرُورَةٍ، وكَوْنُ ذَلِكَ لِتَسَبُّبِ الجَزاءِ عَلى الشَّرْطِ لَيْسَ بِشَيْءٍ.

وقالَ في البَحْرِ: الصَّحِيحُ أنَّ التَّقْدِيرَ ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ لَهم لِيَكُونَ في جَوابِ الشَّرْطِ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى اسْمِ الشَّرْطِ المُخْبَرِ عَنْهُ بِجُمْلَةِ الجَوابِ ويَكُونُ ذَلِكَ مَشْرُوطًا بِالتَّوْبَةِ، وفِيهِ إخْلالٌ بِجَزالَةِ النَّظْمِ الجَلِيلِ وتَهْوِينٍ لِأمْرِ النَّهْيِ في مَقامِ التَّهْوِيلِ وأمْرِ الرَّبْطِ لا يَتَوَقَّفُ عَلى ذَلِكَ، ومِثْلُهُ ما قِيلَ: إنَّ التَّقْدِيرَ لَهُما فالوَجْهُ ما تَقَدَّمَ، والجارُّ والمَجْرُورُ في قِراءَةِ مَن سَمِعْتُ قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: مُتَعَلِّقٌ بِغَفُورٍ لِأنَّهُ أدْنى إلَيْهِ ولِأنَّ فَعَوْلًا أقْعَدُ في التَّعَدِّي مِن فَعِيلٍ، ويَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِرَحِيمٍ لِأجْلِ حَرْفِ الجَرِّ إذا قَدَّرَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، ولَمْ يُقَدِّرْ صِفَةً لِغَفُورٍ لِامْتِناعِ تَقَدُّمِ الصِّفَةِ عَلى مَوْصُوفِها والمَعْمُولِ إنَّما يَصِحُّ وُقُوعُهُ حَيْثُ يَقَعُ عامِلُهُ ولَيْسَ الخَبَرُ كَذَلِكَ، وأيْضًا يُحْسِنُ في الخَبَرِ لِأنَّ رُتْبَةَ الرَّحْمَةِ أعْلى مِن رُتْبَةِ المَغْفِرَةِ لِأنَّ المَغْفِرَةَ مُسَبِّبَةٌ عَنْها فَكَأنَّها مُتَقَدِّمَةُ مَعْنًى وإنْ تَأخَّرَتْ لَفْظًا والمَعْنى عَلى تَعَلُّقِهِ بِهِما كَما لا يَخْفى، وتَعْلِيقُ المَغْفِرَةِ لَهُنَّ مَعَ كَوْنِهِنَّ مُكْرِهاتٍ لا إثْمَ لَهُنَّ بِناءً عَلى أنَّ المُكْرَهَ غَيْرَ مُكَلِّفٍ ولا إثْمَ بِدُونِ تَكْلِيفٍ، وتَفْصِيلُ المَسْألَةِ في الأُصُولِ قِيلَ: لِشِدَّةِ المُعاقَبَةِ عَلى المُكْرَهِ لِأنَّ المُكْرَهَةَ مَعَ قِيامِ العُذْرِ إذا كانَتْ بِصَدَدِ المُعاقَبَةِ حَتّى احْتاجَتْ إلى المَغْفِرَةِ فَما حالَ المُكْرَهِ ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ حَدَّ الإكْراهِ الشَّرْعِيِّ والمُصابِرَةِ إلى أنْ يَنْتَهِيَ إلَيْهِ فَيُرْتَكَبُ ضِيقٌ واللَّهُ تَعالى يَغْفِرُ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ.

وقِيلَ: لِغايَةِ تَهْوِيلِ أمْرِ الزِّنا وحَثِّ المُكْرَهاتِ عَلى التَّشَبُّثِ في التَّجافِي عَنْهُ أوْ لِاعْتِبارِ أنَّهُنَّ وإنْ كُنَّ مُكْرَهاتٍ لا يَخْلُونَ في تَضاعِيفِ الزِّنا عَنْ شائِبَةٍ مُطاوَعَةٍ بِحُكْمِ الجِبِلَّةِ البَشَرِيَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، والأيَامَى: الرجال والنساء الذين لا أزواج لهم يقال: رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال: رجل بكر وامرأة بكر، ويقال: الأيم من النساء خاصة كل امرأة لا زوج لها، فهي أيم.

فأمر الأولياء بأن يزوجوا النساء، وأمر الموالي بأن يزوجوا العبيد والإماء إذا احتاجوا إلى ذلك، فقال للأولياء: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ، يعني: من قومكم ومن عشيرتكم.

ثم قال للموالي: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ، يعني: من عبيدكم زوجوهم امرأة، وهذا أمر استحباب وليس بحتم، وَإِمائِكُمْ يعني: زوجوا إماءكم لكيلا يقعن في الزنى.

إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يعني: يرزقهم الله من فضله وسعته.

وقال بعضهم: هذا منصرف إلى الحرائر خاصة دون العبيد والإماء، وقال بعضهم: انصرف إلى جميع ما سبق ذكرهم من الأحرار والمماليك يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه، والغنى على وجهين: غني بالمال وهو أضعف الحالين، وغنى بالقناعة وهو أقوى الحالين.

كما روي في الخبر: «الغنى غنى النفس» .

وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبيّ  أنه قال: «أنْكِحُوا النِّسَاءَ فَإِنَّهُنَّ يَأْتِينَكُمْ بِالْمَالِ» .

وقال عمر  : «ابتغوا الغنى في النكاح» .

ثم قرأ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

وروي عن جعفر بن محمد أن رجلاً شكا إليه الفقر، فأمره أن يتزوج، فتزوج الرجل، ثم جاء فشكا إليه الفقر، «فأمره بأن يطلقها، فسأل عن ذلك، فقال: قلت لعله من أهل هذه الآية إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ.

فلما لم يكن من أهلها، قلت لعله من أهل آية أخرى» وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ [النساء: 130] .

ثم قال: وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ، أي واسع الفضل، ويقال: واسِعٌ أي موسع في الرزق، يوسع على من يشاء عَلِيمٌ بقدر ما يحتاج إليه كل واحد منهم.

ثم أخبر أنه لا رخصة لمن لم يجد النكاح في الزنى، وأمر بالتعفف للذي لا امرأة له، فقال عز وجل: وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ، يعني: ليحفظ نفسه عن الحرام الذين لا يَجِدُونَ نِكاحاً، يعني: سعة بالنكاح: المهر والنفقة ويقال: يعني، امرأة موافقة، حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ يعني: من رزقه بالنكاح.

وقد قيل: إنَّ الصبر والطلب خير من الغارة والهرب.

وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ- أي يطلبون الكتابة (١) (٢)  قال: «إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً، أي حِرْفَةً وَلا تُرْسِلُوهُمْ كَلاًّ عَلَى النَّاسِ» .

وقال ابن عباس: «الخير المال» ، كقوله إِنْ تَرَكَ خَيْراً [البقرة: 180] يعني: مالاً، وقيل: خَيْراً، يعني: صلاحاً في دينه، لكيلا يقع في الفساد بعد العتق، وهذا أمر استحباب لا إيجاب.

وقال بعضهم: هو واجب.

وروى معمر، عن قتادة قال: سأل سيرين أبو محمد بن سيرين، أنس بن مالك بأن يكاتبهُ، فأبى أنس بن مالك، فرفع عليه عمر الدرة وتلا هذه الآية: فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً.

ثم قال: وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ، يعني: أعطاكم، يعني: يحطّه من الكتاب شيئاً، ويقال: يعطى من بيت المال، حتى يؤدي كتابه.

وقال عمر وعلي  ما: «يترك له ربع الكتابة» ، وقال قتادة: «يترك له العشر» ، وقال إبراهيم: حثّ المولى وغيره بأن يعينوه، هذا أمر استحباب وليس بواجب، وقال بعضهم: الحط واجب، والأول أصحّ.

ثمّ قال: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ، يعني: لا تكرهوا الإماء على الزنى.

وقال عكرمة: كانت جارية لعبد الله بن أبيّ، يقال لها: معاذة، وكان يكلفها الخراج عن الزنى، فنزل: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً يعني: تعففاً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا، يعني: لتطلبوا بكسبهن وولدهن المال.

وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ، يعني: يجبرهن على الزنى، فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ يعني: من بعد إجبارهن على الزنى، غَفُورٌ لذنوبهنّ رَحِيمٌ يعني: الإماء، لأنهن كن مكرهات على فعل الزنى.

قوله عز وجل: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ يعني: واضحات وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ، يعني: فيه خير من قبلكم من الأمم الماضية وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ، لكي يعتبروا بما أصابهم.

(١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

(٢) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «ب» .

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

/ ويقال: طفل ما لم يراهق الحلم، ويَظْهَرُوا معناه: يطّلعوا بالوطء.

٣٨ أوقوله تعالى: وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ ...

الآية، قيل: سببها أَنَّ امرأة مَرَّتْ على قوم فضربت برجلها الأرض فَصَوَّتَ الخَلْخَالُ، وسماعُ صوت هذه الزينة أَشَدُّ تحريكاً للشهوة من إبدائها ذكره الزَّجَّاجُ «١» ، ثم أمر سبحانه بالتوبة مُطْلَقَةً عَامَّةٍ من كل شيء صغير وكبير.

وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٣٢) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فَكاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣) وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)

وقوله تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيامى مِنْكُمْ الأَيِّمُ: مَنْ لا زوجةَ له أو لا زوجَ لها فالأَيِّمُ: يقال للرجل والمرأة.

وقوله: وَالصَّالِحِينَ يريد: للنكاح، وهذا الأمر بالنكاح يختلف بحسب شَخْصٍ شخْصٍ، ففي نازلة: يُتَصَوَّرُ وجوبُه، وفي نازلة: النَّدْبُ وغيرُ ذلك حسبما هو مذكور في كتب الفقه قال ابن العربيِّ في «أحكامه» «٢» : قوله تعالى: وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ الأظهر فيه: أنه أمر بإنكاح العبيد والإماء كما أمر بإنكاح الأيامى، وذلك بيد السادَةِ في العبيد والإماء كما هو في الأحرار بيد الأولياء، انتهى.

ثم وعد تعالى بإغناء الفقراء المتزوجين طَلَبَ رضا الله عنهم، واعتصاماً من معاصيه، ثم أمر تعالى كُلَّ مَنْ يَتَعَذَّرُ عليه النكاحُ أَنْ يستعفف حتى يُغْنِيَهُمُ الله من فضله، إذِ الغالب من موانع النكاح عَدَمُ المال، فوعد سبحانه المُتَعَفِّفُ بالغنى.

والمكاتبة: مفاعلة من حيث يَكْتُبُ هذا على نفسه وهذا على نفسه، ومذهب مالك: أَنَّ الأَمرَ بالكتابة هو على الندب.

وقال عطاء: ذلك واجب، وهو ظاهرُ مذهب عمرَ بن الخطاب «٣» رضي الله عنه.

وقوله: إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً قالت فرقة: الخير هنا المال.

وقال مالك: إنَّه ليقال: القُوَّةُ والأداء، وقال عبَيْدَةُ السَّلْمانيَّ: الخير هو: الصلاح في الدّين.

وقوله تعالى: وَآتُوهُمْ قال المفسرون: هو أمر لكل مُكَاتِبِ أنْ يضع عن العبد من مال كتابته، ورأى مالك هذا الأمر على النَّدْبِ، ولم يَرَ لقدر الوضيعة حَدّاً، واستحسن «١» عليُّ بن أبي طالب رضي الله عنه أن يُوضَعَ عنه الرُّبُعُ، وقيل: الثُّلُثُ، وقيل: العشر، ورأى عمر «٢» أَنْ يكون ذلك من أَوَّلِ نُجُومِهِ مبادرةً إلى الخير، وخوفَ أَلاَّ يدركَ آخرها، ورأى مالك وغيره: أَنْ يكونَ الوضعُ من آخر نَجْمٍ وعِلَّةُ ذلك أَنَّه: ربما عجز العبدُ فرجع هو وماله إلى السَّيِّدِ، فعادت إليه وضيعته وهي شبه الصدقة.

قلت: والظاهر أَنَّ هذا لا يُعَدُّ رجوعاً كما لو رجع إليه بالميراث، ورأى الشافعيُّ وغيره: أَنَّ الوضيعة واجبةُ يُحكَمُ بها.

وقال الحسن «٣» وغيره: الخطاب بقوله تعالى: وَآتُوهُمْ: للناس أجمعين في أَنْ يتصدَّقُوا على المكاتَبِينَ.

وقال زيد بن أسلم «٤» : إنَّما الخطاب لولاة الأمور.

وقوله سبحانه: وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً الآية: رُوِيَ أَنَّ سبب الآية هو أَن عبد الله بن أُبَيِّ ابن سلولَ كانت له أَمَةٌ، فكان يأمرُها بالزنا والكَسْبِ به، فشكَتْ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلّم، فنزلت الآية فيهِ، وفيمن فَعَلَ فعلَه من المنافقين «٥» .

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى ﴾ وهُمُ الَّذِينَ لا أزْواجَ لَهم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ، يُقالُ: رَجُلٌ أيِّمٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ، ورَجُلٌ أرْمَلٌ وامْرَأةٌ أرْمَلَةٌ، ورَجُلٌ بِكْرٌ وامْرَأةٌ بِكْرٌ: إذا لَمْ يَتَزَوَّجا وامْرَأةٌ ثَيِّبٌ ورَجُلٌ ثَيِّبٌ: إذا كانا قَدْ تَزَوَّجا، ﴿ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكُمْ ﴾ أيْ: مِن عَبِيدِكُمْ، يُقالُ، عَبْدٌ وعِبادٌ وعَبِيدٌ، كَما يُقالُ: كَلْبٌ وكِلابٌ وكُلَيْبٌ.

وقَرَأ الحَسَنُ، ومُعاذٌ القارِئُ: " مِن عَبِيدِكم " .

قالَ المُفَسِّرُونَ والمُرادُ بِالآيَةِ النَّدْبُ.

ومَعْنى الصَّلاحِ هاهُنا: الإيمانُ.

والمُرادُ بِالعِبادِ: المَمْلُوكُونَ، فالمَعْنى: زَوِّجُوا المُؤْمِنِينَ مِن عَبِيدِكم ووَلائِدِكم.

ثُمَّ رَجَعَ إلى الأحْرارِ فَقالَ: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فَأخْبَرَهم أنَّ النِّكاحَ سَبَبٌ لِنَفْيِ الفَقْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ: ولْيَطْلُبِ العِفَّةَ عَنِ الزِّنا والحَرامِ مَن لا يَجِدُ ما يَنْكِحُ بِهِ مِن صَداقٍ ونَفَقَةٍ.

وقَدْ رَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  أنَّهُ قالَ: " «يا مَعْشَرَ الشَّبابِ عَلَيْكم بِالباءَةِ فَمَن لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيامِ فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ ﴾ أيْ: يَطْلُبُونَ المُكاتَبَةَ مِنَ العَبِيدِ والإماءِ عَلى أنْفُسِهِمْ، ﴿ فَكاتِبُوهُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ مَندُوبٌ إلَيْهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.

والثّانِي: أنَّهُ واجِبٌ، قالَهُ عَطاءُ، وعَمْرٍو بْنُ دِينارٍ.

وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ: أنَّها نَزَلَتْ في غُلامٍ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى يُقالُ لَهُ: صُبَيْحٌ، سَألَ مَوْلاهُ الكِتابَةَ فَأبى عَلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَكاتَبَهُ حُوَيْطِبُ عَلى مِائَةِ دِينارٍ ووَهَبَ لَهُ مِنها عِشْرِينَ دِينارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم مالًا، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدُ، وعَطاءُ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، يَعْنِي: الكَسْبَ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ دِينًا، قالَهُ الحَسَنُ.

والرّابِعُ: إنْ عَلِمْتُمْ أنَّهم يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الخَيْرَ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والخامِسُ: إنْ أقامُوا الصَّلاةَ، قالَهُ عُبَيْدَةُ السَّلْمانِيُّ.

والسّادِسُ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم صِدْقًا ووَفاءً قالَهُ إبْراهِيمُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأغْنِياءِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الزَّكاةُ، أُمِرُوا أنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن سَهْمِ الرِّقابِ، رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هو سَهْمُ الرِّقابِ يُعْطى مِنهُ المُكاتَبُونَ.

والثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلسّادَةِ، أُمِرُوا أنْ يُعْطُوا مُكاتَبِيهِمْ مِن كِتابَتِهِمْ شَيْئًا.

قالَ أحْمَدُ والشّافِعِيُّ: الإيتاءُ واجِبٌ، وقَدَّرَهُ أحْمَدُ بِرُبْعِ مالِ الكِتابَةِ.

وقالَ الشّافِعِيُّ: لَيْسَ بِمُقَدَّرٍ.

وقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ: لا يَجِبُ الإيتاءُ.

وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ كاتَبَ غُلامًا لَهُ يُقالُ لَهُ: أبُو أُمَيَّةَ فَجاءَهُ بِنَجْمِهِ حِينَ حَلَّ؛ فَقالَ: اذْهَبْ يا أبا أُمَيَّةَ فاسْتَعِنْ بِهِ في مُكاتَبَتِكَ، قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أخَّرْتَهُ حَتّى يَكُونَ في آخِرِ النُّجُومِ ؟

فَقالَ: يا أبا أُمَيَّةَ، إنِّي أخافُ أنْ لا أُدْرِكَ ذَلِكَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ ، قالَ عِكْرِمَةُ: وكانَ ذَلِكَ أوَّلَ نَجْمٍ أُدِّيَ في الإسْلامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ ﴾ رَوى مُسْلِمٌ في " صَحِيحِهِ " مِن حَدِيثٍ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ، قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي فابْغِينا شَيْئًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

قالَ المُفَسِّرُونَ: وكانَ لَهُ جارِيَتانِ، مُعاذَةُ ومُسَيْكَةُ، فَكانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنا، ويَأْخُذُ مِنهُما الضَّرِيبَةَ، وكَذَلِكَ كانُوا يَفْعَلُونَ في الجاهِلِيَّةِ، يُؤاجِرُونَ إماءَهم، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَتْ مُعاذَةُ لِمُسَيْكَةَ: إنَّ هَذا الأمْرَ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ إنْ كانَ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْنا مِنهُ، وإنَّ كانَ شَرًّا فَقَدْ آنَ لَنا أنْ نَدَعَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وزَعَمَ مُقاتِلٌ أنَّها نَزَلَتْ في سِتِّ جَوارٍ كُنَّ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبِيٍّ: مُعاذَةَ، ومُسَيْكَةَ، وأُمَيْمَةَ، وقُتَيْلَةَ، وعَمْرَةَ، وأرْوى.

فَأمّا الفَتَياتُ، فَهُنَّ الإماءُ.

والبِغاءُ: الزِّنا.

والتَّحَصُّنُ: التَّعَفُّفُ.

واخْتَلَفُوا في مَعْنى ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ عَلى أرْبَعَةِ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ الكَلامَ ورَدَ عَلى سَبَبٍ، وهو الَّذِي ذَكَرْناهُ، فَخَرَجَ النَّهْيُ عَنْ صِفَةِ السَّبَبِ، وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ.

والثّانِي: أنَّهُ إنَّما شَرَطَ إرادَةَ التَّحَصُّنِ، لِأنَّ الإكْراهَ لا يُتَصَوَّرُ إلّا عِنْدَ إرادَةِ التَّحَصُّنِ، فَأمّا إذا لَمْ تُرِدِ المَرْأةُ التَّحَصُّنَ، فَإنَّها تَبْغِي بِالطَّبْعِ.

والثّالِثُ: أنَّ " إنْ " بِمَعْنى " إذْ "، ومِثْلُهُ: ﴿ وَذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ ﴿ وَأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ  ﴾ .

والرّابِعُ: أنَّ في الكَلامِ تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا، تَقْدِيرُهُ: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ وَإمائِكُمْ ﴾ ﴿ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ وهو كَسْبُهُنَّ وبَيْعُ أوْلادِهِنَّ ﴿ وَمَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ ﴾ لِلْمُكْرَهاتِ ﴿ رَحِيمٌ ﴾ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ، وجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: " مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأهْلُ الكُوفَةِ غَيْرَ أبِي بَكْرٍ، وأبانَ: " مُبَيِّناتٍ " بِكَسْرِ الياءِ في المَوْضِعَيْنِ في هَذِهِ السُّورَةِ [النُّورِ: ٣٤، ٤٦]، وآخَرِ سُورَةِ (الطَّلاقِ: ١١) قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا ﴾ أيْ: شَبَهًا مِن حالِهِمْ بِحالِكم أيُّها المُكَذِّبُونَ، وهَذا تَخْوِيفٌ لَهم أنْ يَلْحَقَهم ما لَحِقَ المُكَذِّبِينَ قَبْلَهم.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وآتُوهم مِن مالِ اللهُ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ "اسْتَعَفَّ" وزْنُهُ اسْتَفْعَلَ، ومَعْناهُ: طَلَبَ أنْ يَكُونَ عَفِيفًا، فَأمَرَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ كُلَّ مَن يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ النِكاحُ ولا يَجِدُهُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذَّرَ أنْ يَسْتَعِفَّ، ثُمْ لَمّا كانَ أغْلَبُ المَوانِعِ عَلى النِكاحِ عَدَمَ المالِ وعَدَ بِالإغْناءِ مِن فَضْلِهُ، فَعَلى هَذا التَأْوِيلِ يَعُمُ الأمْرَ بِالِاسْتِعْفافِ كُلَّ مَن تَعَذَّرَ عَلَيْهِ النِكاحُ بِأيِّ وجْهِ تَعَذَّرَ.

وقالَتْ جَماعَةً مِنَ المُفَسِّرِينَ: النِكاحُ في هَذِهِ الآيَةِ اسْمُ ما يُمْهَرُ ويُنْفَقُ في الزَواجِ كاللِحافِ واللِباسِ لِما يُلْتَحَفُ بِهِ ولِما يُلْبَسُ، وحَمَلَهم عَلى هَذا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، فَظَنُّوا أنَّ المَأْمُورَ بِالِاسْتِعْفافِ إنَّما هو مِن عَدِمُ المالَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ بِهِ، وفي هَذا القَوْلِ تَخْصِيصُ المَأْمُورِينَ بِالِاسْتِعْفافِ، وذَلِكَ ضَعِيفٌ.

ثُمْ أمَرَ اللهُ تَعالى المُؤْمِنِينَ كافَّةً أنْ يُكاتِبَ مِنهم كُلُّ مَن لَهُ مَمْلُوكٌ وطَلَبَ المَمْلُوكُ الكِتابَةَ وعَلِمْ سَيِّدُهُ مِنهُ خَيْرًا، قالَ النِقاشُ: سَبَبُها أنَّ غُلامًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى سَألَ مَوْلاهُ الكِتابَةَ فَأبى عَلَيْهِ، وقالَ مَكِّيٌّ: هو صُبَيْحٌ القِبْطِيُّ غُلامُ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، ولَفْظُ "الكِتابَ" في الآيَةِ مَصْدَرٌ كالقِتالِ والجِلادِ ونَحْوِهُ مِن مَصادِرِ فاعَلَ، و"الكِتابَةُ" فِعالَةٌ مِن حَيْثُ هَذا يَكْتُبُ عَلى نَفْسِهِ، وهَذا عَلى نَفْسِهِ.

واخْتَلَفَ الناسُ، هَلْ هَذا الأمْرُ بِالكِتابَةِ عَلى الوُجُوبِ أو عَلى النَدْبِ، عَلى قَوْلَيْنِ: فَمَذْهَبُ مالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ أنَّ ذَلِكَ عَلى النَدْبِ، وقالَ عَطاءٌ: ذَلِكَ واجِبٌ، وهو ظاهِرُ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ رَضِيَ اللهُ عنهُ لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في سِيرِينَ، حِينَ سَألَ سِيرِينُ الكِتابَةَ فَتَلَكَّأ أنَسٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: كاتِبُهُ أو لَأضْرِبَنَّكَ بِالدِرَّةِ، وهو قَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ والضِحاكِ.

واخْتَلَفَ الناسُ في المُرادِ بِالخَيْرِ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو المالُ، ولَمْ تَرَ عَلى سَيِّدِ عَبْدٍ أنْ يُكاتِبَ إلّا إذا عَلِمْ أنَّ لَهُ مالًا يُؤَدِّي مِنهُ أو مِنَ التَجْرِ فِيهِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وسَلْمانَ أنَّهُما أبَيا مِن كِتابَةِ عَبْدَيْنِ رَغِبا في الكِتابَةِ ووَعَدا بِاسْتِرْفاقِ الناسِ، فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما لِعَبْدِهِ: أتُرِيدُ أنْ تُطْعِمَنِي أوساخَ الناسِ؟

وقالَ مالِكٌ: إنَّهُ لَيُقالُ: يُرادُ بِالخَيْرِ القُوَّةُ والأداءُ، وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: الخَيْرُ هو صِدْقُ المَوْعِدِ، وقِلَّةُ الكَذِبِ، والوَفاءُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ مالٌ، وقالَ عُبَيْدَةُ السَلْمانِيُّ: الخَيْرُ هو الصَلاحُ في الدِينِ، وهَذا في زَمَنِهِ القَوْلُ الَّذِي قَبِلَهُ.

والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ، وحُرْمَةُ العِتْقِ إنَّما يَتَلَبَّسُ بِها بَعْدَ الأداءِ، هَذا قَوْلُ جُمْهُورِ الأُمَّةِ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: إذا أدّى ثُلُثَ الكِتابَةِ فَهو عَتِيقٌ غَرِيمٌ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: العَتاقَةُ تَجْرِي فِيهِ بِأوَّلِ نَجْمٍ يُؤَدِّيهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ ﴾ ، قالَ المُفَسِّرُونَ: هو أمْرٌ لِكُلِّ مُكاتِبٍ أنْ يَضَعَ لِلْعَبْدِ مِن مالِ كِتابَتَهُ، واسْتَحْسَنَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ رُبْعَ الكِتابَةِ، قالَ الزَهْراوِيُّ: ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَبِيِّ  ، واسْتَحْسَنَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وابْنُ مَسْعُودٍ ثُلُثَها، وقالَ قَتادَةُ: عُشْرُها، ورَأى عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِن أوَّلِ نُجُومِهِ مُبادَرَةً إلى الخَيْرِ وخَوْفًا ألّا يُدْرِكَ آخِرَها، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ، وغَيْرُهُ أنْ يَكُونَ الوَضْعُ في آخِرِ نَجْمٍ، وعِلَّةُ ذَلِكَ أنَّهُ إذا وضَعَ مِن أوَّلِ نَجْمٍ رُبَّما عَجَزَ العَبْدُ فَرَجَعَ هو ومالُهُ إلى السَيِّدِ، فَعادَتْ إلَيْهِ وضِيعَتُهُ، وهي شِبْهُ الصَدَقَةِ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَأى مالِكٌ رَحِمَهُ اللهُ هَذا الأمْرَ عَلى النَدْبِ، ولَمْ يَرَ لِقَدْرِ الوَضْعِيَّةِ حَدّا، ورَأى الشافِعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ وغَيْرُهُ الوَضِيعَةَ واجِبَةً يَحْكم بِها الحاكِمْ عَلى المُكاتِبِ وعَلى ورَثَتِهِ، وقالَ الحَسَنُ، والنَخْعِيُّ، وبُرَيْدَةُ: إنَّما الخِطابُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللهِ ﴾ لِلنّاسِ أجْمَعِينَ في أنْ يَتَصَدَّقُوا عَلى المُكاتَبِينَ، وأنْ يُعِينُوهم في فِكاكِ رِقابِهِمْ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: إنَّما الخِطابُ لِوُلاةِ الأُمُورِ بِأنْ يُعْطُوا المُكاتَبِينَ مِن مالِ الصَدَقَةِ حَظَّهُمْ، وهو الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعالى: " وفي الرِقابِ ".

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ .

أمِر كل من تعلق به الأمر بالإنكاح بأن يلازموا العفاف في مدة انتظارهم تيسير النكاح لهم بأنفسهم أو بإذن أوليائهم ومواليهم.

والسين والتاء للمبالغة في الفعل، أي وليعف الذين لا يجدون نكاحاً.

ووجه دلالته على المبالغة أنه في الأصل استعارة.

جعل طلب الفعل بمنزلة طلب السعي فيه ليدل على بذل الوسع.

ومعنى ﴿ لا يجدون نكاحاً ﴾ لا يجدون قدرة على النكاح ففيه حذف مضاف.

وقيل النكاح هنا اسم ما هو سبب تحصيل النكاح كاللباس واللحاف.

فالمراد المهر الذي يبذل للمرأة.

والإغناء هنا هو إغناؤهم بالزواج.

والفضل: زيادة العطاء.

﴿ والذين يَبْتَغُونَ الكتاب مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم فكاتبوهم إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَءَاتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذى ءاتاكم ﴾ .

لما ذُكر وعد الله مَن يزوج من العبيد الفقراء بالغنى وكان من وسائل غناه أن يذهب يكتسب بعمله وكان ذلك لا يستقل به العبد لأنه في خدمة سيده جعل الله للعبيد حقاً في الاكتساب لتحرير أنفسهم من الرق ويكون في ذلك غنى للعبد إن كان من ذوي الأزواج.

أمر الله السادة بإجابة من يبتغي الكتابة من عبيدهم تحقيقاً لمقصد الشريعة من بث الحرية في الأمة، ولمقصدها من إكثار النسل في الأمة، ولمقصدها من تزكية الأمة واستقامة دينها.

﴿ والذين ﴾ مرفوع بالابتداء أو منصوب بفعل مضمر يفسره ﴿ فكاتبوهم ﴾ وهذا الثاني هو اختيار سيبويه والخليل.

ودخول الفاء في ﴿ فكاتبوهم ﴾ لتضمين الموصول معنى الشرطية كأنه قيل: إن ابتغى الكتاب ما ملكت أيمانكم فكاتبوهم، تأكيداً لترتب الخير على تحقق مضمون صلة الموصول بأن يكون كترتب الشروط على الشرط.

والكتاب: مصدر كاتب إذا عاقد على تحصيل الحرية من الرق على قدر معين من المال يُدفع لسيد العبد منجماً، أي موزعاً على مواقيت معينة، كانوا في الغالب يوقتونها بمطالع نجوم المنازل مثل الثريا فلذلك سموا توقيت دفعها نجماً وسموا توزيعها تنجيماً، ثم غلب ذلك في كل توقيت فيقال فيه: تنجيم.

وكذلك الديات والحمالات كانوا يجعلونها موزعة على مواقيت فيسمون ذلك تنجيماً وكان تنجيم الدية في ثلاث سنين على السواء، قال زهير: تُعَفّى الكلوم بالمئين فأصبحت *** يُنجِّمها من ليس فيها بمُجرم وسموا ذلك كتابة لأن السيد وعبده كانا يسجلان عقد تنجيم عوض الحرية بصك يكتبه كاتب بينهما، فلما كان في الكتب حفظ لحق كليهما أطلق على ذلك التسجيل كتابة لأن ما يتضمنه هو عقد من جانبين، وإن كان الكاتب واحداً والكتب واحداً.

وفي حديث عبد الرحمن بن عوف: كاتبت أمية بن خلف كتاباً بأن يحفظني في صاغيتي بمكة وأحفظه في صاغيته بالمدينة.

ومعنى ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ إن ظننتم أنهم لا يبتغون بذلك إلا تحرير أنفسهم ولا يبتغون بذلك تمكناً من الإباق، وذلك الخير بالقدرة على الاكتساب وبصفة الأمانة ولا يلزم أن يتحقق دوام ذلك لأنه إن عجز عن إكمال ما عليه رجع عبداً كما كان.

وكانت الكتابة معروفة من عهد الجاهلية ولكنها كانت على خيار السيد فجاءت هذه الآية تأمر السادة بذلك إن رغبه العبد أو لحثه على ذلك على اختلاف بين الأئمة في محمل الأمر من قوله تعالى: ﴿ فكاتبوهم ﴾ .

فعن عمر بن الخطاب ومسروق وعمرو بن دينار وابن عباس والضحاك وعطاء وعكرمة والظاهرية أن الكتابة واجبة على السيد إذا علم خيراً في عبده وقد وكله الله في ذلك إلى علمه ودينه، واختاره الطبري وهو الراجح لأنه يجمع بين مقصد الشريعة وبين حفظ حق السادة في أموالهم فإذا عرض العبد اشتراء نفسه من سيده وجب عليه إجابته.

وقد هم عمر بن الخطاب أن يضرب أنس بن مالك بالدرّة لما سأله سيرين عبدُه أن يكاتبه فأبى أنس.

وذهب الجمهور إلى حمل الأمر على الندب.

وقد ورد في السنة حديث كتابة بريرة مع سادتها وكيف أدت عنها عائشة أم المؤمنين مال الكتابة كله.

وذكر ابن عطية عن النقاش ومكي بن أبي طالب أن سبب نزول هذه الآية: أن غلاماً لحويطب بن عبد العزى أو لحاطب بن أبي بلتعة اسمه صبيح القبطي أو صُبْح سأل مولاه الكتابة فأبى عليه فأنزل الله هذه الآية فكاتبه مولاه.

وفي «الكشاف» أن عمر بن الخطاب كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام.

والظاهر أن الخطاب في قوله: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي ءاتاكم ﴾ موجه إلى سادة العبيد ليتناسق الخطابان وهو أمر للسادة بإعانة مكاتبيهم بالمال الذي أنعم الله به عليهم فيكون ذلك بالتخفيف عنهم من مقدار المال الذي وقع التكاتب عليه.

وكذلك قال مالك: يوضع عن المكاتب من آخر كتابته ما تسمح به نفس السيد.

وحدده بعض السلف بالربع وبعضهم بالثلث وبعضهم بالعشر.

وهذا التخفيف أطلق عليه لفظ (الإيتاء) وليس ثمة إيتاء ولكنه لما كان إسقاطاً لما وجب على المكاتب كان ذلك بمنزلة الإعطاء كما سمي إكمال المطلِّق قبل البناء لمطلقته جميعَ الصداق عفواً في قوله تعالى: ﴿ أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ﴾ [البقرة: 237] في قول جماعة في محمل ﴿ الذي بيده عقدة النكاح ﴾ منهم الشافعي.

وقال بعض المفسرين: الخطاب في قوله: ﴿ وءاتوهم ﴾ للمسلمين.

أمرهم الله بإعانة المكاتبين.

والأمر محمول على الندب عند أكثر العلماء وحمله الشافعي على الوجوب.

وقال إسماعيل بن حماد القاضي: وجعل الشافعي الكتابة غير واجبة وجعل الأمر بالإعطاء للوجوب فجعل الأصل غير واجب والفرع واجباً وهذا لا نظير له ا ه.

وفيه نظر.

وإضافة المال إلى الله لأنه ميسر أسباب تحصيله.

وفيه إيماء إلى أن الإعطاء من ذلك المال شكر والإمساك جحد للنعمة قد يتعرض به الممسك لتسلب النعمة عنه.

والموصول في قوله ﴿ الذي آتاكم ﴾ يجوز أن يكون وصفاً ل ﴿ مال الله ﴾ ويكون العائد محذوفاً تقديره: آتاكموه.

ويجوز أن يكون وصفاً لاسم الجلالة فيكون امتناناً وحثاً على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة ويكون مفعول ﴿ ءاتاكم ﴾ محذوفاً للعموم، أي ءاتاكم على الامتثال بتذكير أنه ولي النعمة.

ويكون مفعول ﴿ ءاتاكم ﴾ محذوفاً للعموم، أي ءاتاكم نعماً كثيرة كقوله: ﴿ وءاتاكم من كل ما سألتموه ﴾ [إبراهيم: 34].

وأحكام الكتابة وعجز المكاتَب عن أداء نجومه ورجوعه مملوكاً وموت المكاتب وميراث الكتابة وأداء أبناء المكاتب نجوم كتابته مبسوطة في كتب الفروع.

﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فتياتكم عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ .

انتقال إلى تشريع من شؤون المعاملات بين الرجال والنساء التي لها أثر في الأنساب ومن شؤون حقوق الموالي والعبيد، وهذا الانتقال لمناسبة ما سبق من حكم الاكتساب المنجر من العبيد لمواليهم وهو الكتابة فانتقل إلى حكم البغاء.

والبغاء مصدر: باغت الجارية، إذا تعاطت الزنى بالأجر حرفة لها، فالبغاء الزنى بأجرة.

واشتقاق صيغة المفاعلة فيه للمبالغة والتكرير ولذلك لا يقال إلا: باغت الأمة.

ولا يقال: بغَتْ.

وهو مشتق من البَغي بمعنى الطلب كما قال عياض في «المشارق» لأن سيد الأَمَة بغى بها كسباً.

وتسمى المرأة المحترفة به بَغياً بوزن فعول بمعنى فاعل ولذلك لا تقترن به هاء التأنيث.

فأصل بَغيّ بغوي فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقُلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء.

وقد كان هذا البغاء مشروعاً في الشرائع السالفة فقد جاء في سفر التكوين في الإصحاح 38: «فخلعت عنها ثياب ترملها وتغطت ببرقع وتلففت وجلست في مدخل (عينائم) التي على الطريق» ثم قال فنظرها يهوذا وحسبها زانية لأنها كانت قد غطت وجهها فمال إليها على الطريق وقال: هاتي أدخل عليك.

فقالت: ماذا تعطيني؟

فقال: أرسل لك جدي معزى من الغنم..

ثم قال ودخل عليها فحبلت منه».

وقد كانت في المدينة إماء بغايا منهن ست إماء لعبد الله بن أُبَي بن سلول وهن: مُعاذة ومُسيكة وأمَيْمَةُ وَعمرَةُ وأرْوَى وقتيلة، وكان يُكرههن على البغاء بعد الإسلام.

قال ابن العربي: روى مالك عن الزهري أن رجلاً من أسرى قريش في يوم بدر قد جُعل عند عبد الله بن أبي وكان هذا الأسير يريد معاذة على نفسها وكانت تمتنع منه لأنها أسلمت وكان عبد الله بن أُبي يضربها على امتناعها منه رجاء أن تحمل منه (أي من الأسير القرشي) فيطلب فداء ولده، أي فداء رقه من ابن أُبَيّ.

ولعل هذا الأسير كان مؤسراً له مال بمكة وكان الزاني بالأمة يفتدي ولده بمائة من الإبل يدفعها لسيد الأمة، وأنها شكته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية.

وقالوا إن عبد الله بن أُبَيّ كان قد أعد معاذة لإكرام ضيوفه فإذا نزل عليه ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الكرامة له.

فأقبلت معاذة إلى أبي بكر فشكت ذلك إليه فذكر أبو بكر ذلك للنبيء صلى الله عليه وسلم فأمر النبي أبا بكر بقبضها فصاح عبد الله بن أُبَيّ: مَنْ يعذِرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا.

فأنزل الله هذه الآية، أي وذلك قبل أن يتظاهر عبد الله بن أُبَيّ بالإسلام.

وجميع هذه الآثار متظافرة على أن هذه الآية كان بها تحريم البغاء على المسلمين والمسلمات المالكات أمر أنفسهن.

وكان بمكة تسع بغايا شهيرات يجعلن على بيوتهن رايات مثل رايات البيطار ليعرفهن الرجال، وهن كما ذكر الواحدي: أم مهزول جارية السائب المخزومي، وأم غليظ جارية صفوان بن أمية، وحية القبطية جارية العاصي بن وائل، ومزنة جَارية مالك بن عميلة بن السباق، وجَلالة جارية سهيل بن عمرة، وأم سُويد جارية عمرو بن عثمان المخزومي، وشريفة جارية ربيعة بن أسود.

وقرينة أو قريبة جارية هشام بن ربيعة، وقرينة جارية هلال بن أنس.

وكانت بيوتهن تسمى في الجاهلية المواخير.

قلت: وتقدم أن من البغايا عَناق ولعلها هي أم مهزول كما يقتضيه كلام القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿ الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ﴾ [النور: 3].

ولم أقف على أن واحدة من هؤلاء اللاتي كنّ بمكة أسلمت وأما اللائي كنّ بالمدينة فقد أسلمت منهن معاذة ومسيكة وأميمة، ولم أقف على أسماء الثلاث الأخر في الصحابة فلعلهن هلكن قبل أن يسلمن.

والبغاء في الجاهلية كان معدوداً من أصناف النكاح.

ففي الصحيح من حديث عائشة أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء: فنكاح منها نكاح الناس اليوم يخطب الرجل إلى الرجل وليته أو ابنته فيُصدقها ثم ينكحها.

ونكاح آخر كان الرجل يقول لامرأته إذا طهرت من طمثها أرسلي إلى فلان فاستبضعي منه ويعتزلها زوجها ولا يمسها حتى يتبين حملها من ذلك الرجل الذي تستبضع منه فإذا تبين حملها أصابها زوجها إذا أحب.

وإنما يُفعل ذلك رغبة في نجابة الولد فكان هذا النكاح يسمى نكاح الاستبضاع.

ونكاح آخر يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومر عليها الليالي بعد أن تضع حملها أرسلت إليهم فلم يستطع رجل منهم أن يمتنع حتى يجتمعوا عندها تقول لهم: قد عرفتم الذي كان من أمركم وقد ولدتُّ فهو ابنك يا فلان.

تسمي من أحبت باسمه فيلحق به ولدها.

ونكاح رابع يجتمع الناس فيدخلون على المرأة لا تمتنع ممن جاءها، وهن البغايا كن ينصبن على أبوابهن الرايات تكون علماً، فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن ووضعت جُمعوا لها ودعوا لهم القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرون فالتاط به ودُعي ابنَه، فلما بُعث محمد بالحق هدم نكاح الجاهلية كله إلا نكاح الناس اليوم اه.

فكان البغاء في الحرائر باختيارهن إياه للارتزاق.

وكانت عَنَاقُ صاحبة مرثد بن أبي مرثد التي تقدم ذكرها عند قوله تعالى: ﴿ الزاني لا ينكح إلازانية أو مشركة ﴾ [النور: 3].

وكان في الإماء من يلزمهن سادتهن عليه لاكتساب أجور بغائهن فكما كانوا يتخذون الإماء للخدمة وللتسري كانوا يتخذون بعضهن للاكتساب وكانوا يسمون أجرهن مهراً كما جاء في حديث أبي مسعود أن رسول الله نهى عن مهر البغي ولأجل هذا اقتصرت الآية على ذكر الفتيات جمع فتاة بمعنى الأمة، كما قالوا للعبد: غلام.

واعلم أن تفسير هذه الآية معضل وأن المفسرين ما وفَّوها حق البيان وما أتوا إلا إطناباً في تكرير مختلف الروايات في سبب نزولها وأسماء من وردت أسماؤهم في قضيتها دون إفصاح عما يستخلصه الناظر من معانيها وأحكامها.

ولا ريب أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿ ولا تُكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ موجه إلى المسلمين، فإن كانت قصة أمة ابن أُبَيّ حدثت بعد أن أظهر سيدها الإسلام كان هو سبب النزول فشمله العموم لا محالة، وإن كانت حدثت قبل أن يُظهر الإسلام فهو سبب ولا يشمله الحكم لأنه لم يكن من المسلمين يومئذٍ وإنما كان تذمر أمته منه داعياً لنهي المسلمين عن إكراه فتياتهم على البغاء.

وأيّاً مَّا كان فالفتيات مسلمات لأن المشركات لا يخاطبن بفروع الشريعة.

وقد كان إظهار عبد الله بن أبيّ الإسلام في أثناء السنة الثانية من الهجرة فإنه تردد زمناً في الإسلام ولما رأى قومه دخلوا في الإسلام دخل فيه كارهاً مصرّاً على النفاق.

ويظهر أن قصة أمته حدثت في مدة صراحة كفره لما علمت مما روي عن الزهري من قول ابن أبيّ حين نزلت: مَنْ يعذِرنا من محمد يغلِبنا على مماليكنا، ونزول سورة النور كان في حدود السنة الثانية كما علمت في أول الكلام عليها فلا شك أن البغاء الذي هو من عمل الجاهلية استمر زمناً بعد الهجرة بنحو سنة.

ولا شك أن البغاء يمت إلى الزنى بشبه لما فيه من تعريض الأنساب للاختلاط وإن كان لا يبلغ مبلغ الزنى في خرم كلية حفظ النسب من حيث كان الزنى سراً لا يطلع عليه إلا من اقترفه وكان البغاء علناً، وكانوا يرجعون في إلحاق الأبناء الذين تلدهم البغايا بآبائهم إلى إقرار البغيّ بأن الحمل ممن تعيّنه.

واصطلحوا على الأخذ بذلك في النسب فكان شبيهاً بالاستلحاق على أنه قد يكون من البغايا من لا ضبط لها في هذا الشأن فيفضي الأمر إلى عدم التحاق الولد بأحد.

ولا شك في أن الزنى كان محرماً تحريماً شديداً على المسلم من مبدإ ظهور الإسلام.

وكانت عقوبته فرضت في حدود السنة الأولى بعد الهجرة بنزول سورة النور كما تقدم في أولها.

وقد أثبتت عائشة أن الإسلام هدم أنكحة الجاهلية الثلاثة وأبقى النكاح المعروف ولكنها لم تعين ضبط زمان ذلك الهدم.

ولا يعقل أن يكون البغاء محرماً قبل نزول هذه الآية إذ لم يعرف قبلها شيء في الكتاب والسنة يدل على تحريم البغاء، ولأنه لو كان كذلك لم يتصور حدوث تلك الحوادث التي كانت سبب نزول الآية إذ لا سبيل للإقدام على محرّم بين المسلمين أمثالهم.

ولذلك فالآية نزلت توطئة لإبطاله كما نزل قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾ [النساء: 43] توطئة لتحريم الخمر البتة.

وهو الذي جرى عليه المفسرون مثل الزمخشري والفخر بظاهر عباراتهم دون صراحة بل بما تأولوا به معاني الآية إذ تأولوا قوله: ﴿ إن أردن تحصناً ﴾ بأن الشرط لا يراد به عدم النهي عن الإكراه على البغاء إذا انتفت إرادتهن التحصن بل كان الشرط خرج مخرج الغالب لأن إرادة التحصن هي غالب أحوال الإماء البغايا المؤمنات إذ كن يحببن التعفف، أو لأن القصة التي كانت سبب نزول الآية كانت معها إرادة التحصن.

والداعي إلى ذكر القيد تشنيع حالة البغاء في الإسلام بأنه عن إكراه وعن منع من التحصن.

ففي ذكر القيدين إيماء إلى حكمة تحريمه وفساده وخباثة الاكتساب به.

وذكر ﴿ إن أردن تحصناً ﴾ لحالة الإكراه إذ إكراههم إياهن لا يتصور إلا وهن يأبين وغالب الإباء أن يكون عن إرادة التحصن.

هذا تأويل الجمهور ورجعوا في الحامل على التأويل إلى حصول إجماع الأمة على حرمة البغاء سواء كان الإجماع لهذه الآية أو بدليل آخر انعقد الإجماع على مقتضاه فلا نزاع في أن الإجماع على تحريم البغاء ولكن النظر في أن تحريمه هل كان بهذه الآية.

وأنا أقول: إن ذكر الإكراه جرى على النظر لحال القضية التي كانت سبب النزول.

والذي يظهر من كلام ابن العربي أنه قد نحا بعض العلماء إلى اعتبار الشرط في الآية دليلاً على تحريم الإكراه على البغاء بقيد إرادة الإماء التحصن.

فقد تكون الآية توطئة لتحريم البغاء تحريماً باتاً.

فحرم على المسلمين أن يكرهوا إماءهم على البغاء لأن الإماء المسلمات يكرهن ذلك ولا فائدة لهن فيه، ثم لم يلبث أن حرم تحريماً مطلقاً كما دل عليه حديث أبي مسعود الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغيّ، فإن النهي عن أكله يقتضي إبطال البغاء.

وقد يكون هذا الاحتمال معضوداً بقوله تعالى بعده: ﴿ ومن يكرههنّ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ كما يأتي.

وفي «تفسير الأصفهاني»: «وقيل إنما جاء النهي عن الإكراه لا عن البغاء لأن حد الزنا نزل بعد هذا».

وهذا يقتضي أن صاحب هذا القول يجعل أول السورة نزل بعد هذه الآيات ولا يعرف هذا.

وقوله: ﴿ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ متعلق ب ﴿ تكرهوا ﴾ أي لا تكرهوهن لهذه العلة.

ذكر هذه العلة لزيادة التبشيع كذكر ﴿ إن أردن تحصناً ﴾ .

و ﴿ عرض الحياة ﴾ هو الأجر الذي يكتسبه الموالي من إمائهم وهو ما يسمى بالمهر أيضاً.

وأما قوله: ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ فهو صريح في أنه حكم متعلق بالمستقبل لأنه مضارع في حيّز الشرط، وهو صريح في أنه عَفْو عن إكراه.

والذي يشتمل عليه الخبر جانبان: جانب المُكرِهين وجانب المُكرَهات (بفتح الراء)، فأما جانب المكرهين فلا يخطر بالبال أن الله غفور رحيم لهم بعد أن نهاهم عن الإكراه إذ ليس لمثل هذا التبشير نظير في القرآن.

وأما الإماء المُكرَهات فإن الله غفور رحيم لهن.

وقد قرأ بهذا المقدر عبد الله بن مسعود وابن عباس فيما يروى عنهما وعن الحسن أنه كان يقول: «غفور رحيم لهن والله لهن والله».

وجعلوا فائدة هذا الخبر أن الله عذرالمُكرَهات لأجل الإكراه، وأنه من قبيل قوله: ﴿ فمن اضطرّ غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم ﴾ [البقرة: 173].

5 وعلى هذا فهو تعريض بالوعيد للذين يُكرِهون الإماء على البغاء.

ومن المفسرين من قدر المحذوف ضمير (مَن) الشرطية، أي غفور رحيم له، وتأولوا ذلك بأنه بعد أن يقلع ويتوب وهو تأويل بعيد.

وقوله: ﴿ فإن الله غفور رحيم ﴾ دليل جواب الشرط إذ حذف الجواب إيجازاً واستغني عن ذكره بذكر علته التي تشمله وغيره.

والتقدير: فلا إثم عليهن فإن الله غفور رحيم لأمثالهن ممن أكره على فعل جريمة.

والفاء رابطة الجواب.

وحرف (إنّ) في هذا المقام يفيد التعليل ويغني غناء لام التعليل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ وهو جَمْعُ أيِّمٍ، وفي الأيِّمِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها المُتَوَفّى عَنْها زَوْجُها، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الحَسَنِ.

الثّانِي: أنَّها الَّتِي لا زَوْجَ لَها بِكْرًا كانَتْ أوْ ثَيِّبًا وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ.

يُقالُ رَجُلٌ أيِّمٌ إذا لَمْ تَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ وامْرَأةٌ أيِّمٌ إذا لَمْ يَكُنْ لَها زَوْجٌ.

وَمِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  «أنَّهُ نَهى عَنِ الأيِّمَةِ» يَعْنِي العَزْبَةَ قالَ الشّاعِرُ: فَإنْ تَنْكَحِي أنْكِحْ وإنْ تَتَأيَّمِي وإنْ كُنْتَ أفْتى مِنكُمُ أتَأيَّمُ وَرَوى القاسِمُ قالَ: أُمِرَ بِقَتْلِ الأيِّمِ يَعْنِي الحَيَّةَ.

وَفِي هَذا الخِطابِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأوْلِياءِ أنْ يَنْكِحُوا آيامَهم مِن أكْفائِهِنَّ إذا دَعَوْنَ إلَيْهِ لِأنَّهُ خِطابٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الأمْرِ الحَتْمِ فَلِذَلِكَ يُوَجَّهُ إلى الوَلِيِّ دُونَ الزَّوْجِ.

الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْأزْواجِ أنْ يَتَزَوَّجُوا الأيامى عِنْدَ الحاجَةِ.

واخْتُلِفَ في وُجُوبِهِ فَذَهَبَ أهْلُ الظّاهِرِ إلَيْهِ تَمَسُّكًا بِظاهِرِ الأمْرِ، وذَهَبَ جُمْهُورُ الفُقَهاءِ إلى اسْتِحْبابِهِ لِلْمُحْتاجِ مِن غَيْرِ إيجابٍ وكَراهَتِهِ لِغَيْرِ المُحْتاجِ.

ثُمَّ قالَ: ﴿ والصّالِحِينَ مِن عِبادِكم وإمائِكُمْ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّ مَعْنى الكَلامِ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكم والصّالِحِينَ مِن رِجالِكم وأنْكِحُوا إماءَكم.

الثّانِي: وهو الأظْهَرُ أنَّهُ أمَرَ بِإنْكاحِ العَبِيدِ والإماءِ كَما أمَرَنا بِإنْكاحِ الأيامى لِاسْتِحْقاقِ السَّيِّدِ لِوِلايَةِ عَبْدِهِ وأمَتِهِ، فَإنْ دَعَتِ الأمَةُ سَيِّدَها أنْ يَتَزَوَّجَها لَمْ يَلْزَمْهُ لِأنَّها فِراشٌ لَهُ، وإنْ أرادَ تَزْوِيجَها كانَ لَهُ خَيْرًا وإنْ لَمْ يَخْتَرْهُ لِيَكْتَسِبَ رِقَّ ولَدِها ويُسْقِطَ عَنْهُ نَفَقَتَها.

وَإنْ أرادَ السَّيِّدُ تَزْوِيجَ عَبْدٍ أوْ طَلَبَ العَبْدُ ذَلِكَ مِن سَيِّدِهِ فَهَلْ لِلدّاعِي إلَيْهِ أنْ يُجْبِرَ المُمْتَنِعَ فِيهِما عَلَيْهِ أمْ لا؟

عَلى قَوْلَيْنِ: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلى النِّكاحِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ بِهِ عَنِ السِّفاحِ.

الثّانِي: إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ إلى المالِ يُغْنِهِمُ اللَّهُ إمّا بِقَناعَةِ الصّالِحِينَ، وإمّا بِاجْتِماعِ الرِّزْقَيْنِ، ورَوى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي رَوّادٍ أنَّ النَّبِيَّ  قالَ: «اطْلُبُوا الغِنى في هَذِهِ الآيَةِ ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ » .

﴿ واللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: واسِعُ العَطاءِ عَلِيمٌ بِالمَصْلَحَةِ.

الثّانِي: واسِعُ الرِّزْقِ عَلَيْهِمْ بِالخَلْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ ولْيَعُفَّ، والعِفَّةُ في العُرْفِ الِامْتِناعُ مِن كُلِّ فاحِشَةٍ، قالَ رُؤْبَةُ: يَعُفُّ عَنْ أسْرارِها بَعْدَ الفِسْقِ.

يَعْنِي عَنِ الزِّنى بِها.

﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا ﴾ يَعْنِي لا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ مَعَ الحاجَةِ إلَيْهِ لِإعْسارٍ إمّا بِصَداقٍ أوْ نَفَقَةٍ.

﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يُغْنِيهِمُ اللَّهُ عَنْهُ بِقِلَّةِ الرَّغْبَةِ فِيهِ.

الثّانِي: يُغْنِي بِمالٍ حَلالٍ يَتَزَوَّجُونَ بِهِ.

﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكم فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ أمّا الكِتابُ المُبْتَغى هُنا فَهو كِتابَةُ العَبْدِ والأمَةِ عَلى مالٍ إذا أدَّياهُ عَتَقا بِهِ وكانا قَبْلَهُ مالِكَيْنِ لِلْكَسْبِ لِيُؤَدِّيَ في العِتْقِ، فَإنْ تَراضى السَّيِّدُ والعَبْدُ عَلَيْها جازَ، وإنْ دَعا السَّيِّدُ إلَيْها لَمْ يُجْبِرِ العَبْدَ عَلَيْها.

وَإنْ دَعا العَبْدُ إلَيْها فَفي إجْبارِ السَّيِّدِ عَلَيْها إذْ عَلِمَ فِيهِ خَيْرًا مَذْهَبانِ: أحَدُهُما: وهو قَوْلُ عَطاءٍ، وداوُدَ، يَجِبُ عَلى السَّيِّدِ مُكاتَبَتُهُ ويُجْبَرُ إنْ أبى.

الثّانِي: وهو قَوْلُ مالِكِ والشّافِعِيِّ وأبِي حَنِيفَةَ وجُمْهُورِ الفُقَهاءِ أنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ ولا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فَإذا انْعَقَدَتِ الكِتابَةُ لَزِمَتْ مِن جِهَةِ السَّيِّدِ وكانَ المَكاتَبُ فِيها مُخَيَّرًا بَيْنَ المُقامِ والفَسْخِ.

﴿ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ خَمْسَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: أنَّ الخَيْرَ: القُدْرَةُ عَلى الِاحْتِرافِ والكَسْبِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّ الخَيْرَ: المالُ، قالَهُ عَطاءٌ ومُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ الدِّينُ والأمانَةُ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: أنَّهُ الوَفاءُ والصِّدْقُ، قالَهُ قَتادَةُ وطاوُسٌ.

الخامِسُ: أنَّهُ الكَسْبُ والأمانَةُ، قالَهُ الشّافِعِيُّ.

﴿ وَآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي مِن مالِ الزَّكاةِ مِن سَهْمِ الرِّقابِ يُعْطاهُ المَكاتَبُ لِيَسْتَعِينَ بِهِ في أداءٍ ما عَلَيْهِ لِلسَّيِّدِ.

وَلا يُكْرَهُ لِلسَّيِّدِ أخْذُهُ وإنْ كانَ غَنِيًّا، قالَهُ الحَسَنُ، وإبْراهِيمُ وابْنُ زَيْدٍ.

الثّانِي: مِن مالِ المُكاتَبَةِ مَعُونَةً مِنَ السَّيِّدِ لِمَكاتِبِهِ كَما أعانَهُ غَيْرُهُ مِنَ الزَّكاةِ.

واخْتَلَفَ مَن ذَهَبَ إلى هَذا التَّأْوِيلِ في وُجُوبِهِ فَذَهَبَ أبُو حَنِيفَةَ إلى أنَّهُ مُسْتَحَبٌّ ولَيْسَ بِواجِبٍ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى وُجُوبِهِ وبِهِ قالَ عُمَرُ وعَلِيٌّ وابْنُ عَبّاسٍ.

واخْتَلَفَ مَن قالَ بِوُجُوبِهِ في هَذا التَّأْوِيلِ في تَقْدِيرِهِ؛ فَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَدَّرَهُ بِالرُّبْعِ مِن مالِ الكِتابَةِ، وذَهَبَ الشّافِعِيُّ إلى أنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ.

وَإنِ امْتَنَعَ السَّيِّدُ مِنهُ طَوْعًا قَضى الحاكِمُ بِهِ عَلَيْهِ جَبْرًا واجْتَهَدَ رَأْيَهُ في قَدْرِهِ، وحَكَمَ بِهِ في تَرِكَتِهِ إنْ ماتَ، وحاصَّ بِهِ الغُرَماءَ إنْ أفْلَسَ.

والمَكاتَبُ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ في قَوْلِ الشّافِعِيِّ وأصْحابِهِ، وإذا عَجَزَ عَنْ أداءِ نَجْمٍ عِنْدَ مَحِلِّهِ كانَ السَّيِّدُ بِالخِيارِ بَيْنَ إنْظارِهِ وتَعْجِيزِهِ وإعادَتِهِ رِقًّا، ولا يَرُدُّ ما أخَذَهُ مِنهُ أوْ مِن زَكاةٍ أُعِينَ بِها أوْ مالٍ كَسَبَهُ.

قالَ الكَلْبِيُّ: وسَبَبُ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ الآيَةَ; أنَّ عَبْدًا اسْمُهُ صُبْحٌ لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى سَألَهُ أنْ يُكاتِبَهُ فامْتَنَعَ حُوَيْطِبٌ فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ الفَتَياتُ الإماءُ، البِغاءُ الزِّنى، والتَّحَصُّنُ التَّعَفُّفُ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكْرَهَها ولا يُمْكِنُها سَواءٌ أرادَتْ تَعَفُّفًا أوْ لَمْ تُرِدْ.

وَفي ذِكْرِ الإكْراهِ هُنا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ الإكْراهَ لا يَصِحُّ إلّا فِيمَن أرادَ التَّعَفُّفَ، ومَن لَمْ يَرُدِ التَّعَفُّفَ فَهو مُسارِعٌ إلى الزِّنى غَيْرُ مُكْرَهٍ عَلَيْهِ.

الثّانِي: أنَّهُ وارِدٌ عَلى سَبَبٍ فَخَرَجَ النَّهْيُ عَلى صِفَةِ السَّبَبِ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا فِيهِ، وهَذا ما رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وكانَ يُكْرِهُها عَلى الزِّنى فَزَنَتْ بِبُرْدٍ فَأعْطَتْهُ إيّاهُ فَقالَ: ارْجِعِي فازْنِي عَلى آخَرَ: فَقالَتْ: لا واللَّهِ ما أنا بِراجِعَةٍ، وجاءَتْ إلى النَّبِيِّ  فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلى البِغاءِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وكانَ مُسْتَفِيضًا مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ طَلَبًا لِلْوَلَدِ والكَسْبِ» .

﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ﴾ أيْ لِتَأْخُذُوا أُجُورَهُنَّ عَلى الزِّنى.

﴿ وَمَن يُكْرِهُّنَّ ﴾ يَعْنِي مِنَ السّادَةِ.

﴿ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ يَعْنِي لِلْأمَةِ المُكْرَهَةِ دُونَ السَّيِّدِ المُكْرِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله: ﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً ﴾ قال: هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي، فإن كانت له امرأة فليذهب إليها فليقض حاجته منها، وإن لم تكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله من فضله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي روق ﴿ وليستعفف ﴾ يقو: عما حرم الله عليهم حتى يرزقهم الله.

وأخرج الخطيب في تاريخه عن ابن عباس في قوله: ﴿ وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً ﴾ الآية قال: ليتزوج من لا يجد فإن الله سيغنيه.

وأخرج ابن السكن في معرفة الصحابة عن عبد الله بن صبيح عن أبيه قال: كنت مملوكاً لحويطب بن عبد العزى.

فسألته الكتاب فأبى، فنزلت ﴿ والذين يبتغون الكتاب...

﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ والذين يبتغون الكتاب ﴾ يعني الذين يطلبون المكاتبة من المملوكين.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ فكاتبوهم ﴾ قال: هذا تعليم ورخصة وليست بعزيمة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن عامر الشعبي ﴿ فكاتبوهم ﴾ قال: إن شاء كاتب وإن شاء لم يكاتب.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن أنس بن مالك قال: سألني سيرين المكاتبة، فأبيت عليه، فأتى عمر بن الخطاب، فأقبل عليَّ بالدرة وقال: كاتبه وتلا ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ﴾ فكاتبته.

وأخرج أبو داود في المراسيل والبيهقي في سننه عن يحيى بن أبي كثير قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: إن علمتم فيهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس» .

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: المال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن مجاهد مثله.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: أمانة ووفاء.

وأخرج البيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ﴾ إن علمت إن مكاتبك يقضيك.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن ابن جريج قال: قلت لعطاء ما قوله: ﴿ فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيراً ﴾ الخير المال أم الصلاح أم كل ذلك؟

قال ما أراه إلا المال كقوله: ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً ﴾ الخير.

المال.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: إن علمتم عندهم أمانة.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة وإبراهيم وأبي صالح.

مثله.

وأخرج عبد الرزاق وابن المنذر والبيهقي عن نافع قال: كان ابن عمر يكره أن يكاتب عبده إذا لم يكن له حرفة ويقول: يطعمني من أوساخ الناس.

وأخرج سعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد وطاوس في قوله: ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: مالاً وأمانة.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن الحسن.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: إن علمتم لهم حيلة ولا تلقوا مؤنتهم على المسلمين ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ يعني ضعوا عنهم من مكاتبتهم.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والروياني في مسنده والضياء المقدسي في المختارة عن بريدة ﴿ وآتوهم من مال الله ﴾ قال: حث الناس عليه أن يعطوه.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن ﴿ وآتوهم من مال الله ﴾ قال: حث الناس عليه مولى وغيره.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي عن مجاهد قال: يترك للمكاتب طائفة من كتابته.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في ﴿ وآتوهم من مال الله ﴾ أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب قال علي بن أبي طالب: أمر الله السيد أن لا يدع للمكاتب.

الربع من ثمنه، وهذا تعليم من الله ليس بفريضة ولكن فيه أجر.

وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه والبيهقي من طريق أبي عبد الرحمن السلمي أن علي بن أبي طالب قال في قوله: ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال: مالاً.

﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ قال: يترك للمكاتب الربع.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والديلمي وابن المنذر والبيهقي وابن مردويه من طرق عن عبد الله بن حبيب عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ قال: يترك للمكاتب الربع.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد عن قتادة قال: يترك له العشر من كتابته.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي حاتم والبيهقي عن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية، فجاء بنجمه حين حل قال: يا أبا أمية اذهب فاستغن به في مكاتبتك قال: يا أمير المؤمنين لو تركت حتى يكون من آخر نجم قال: أخاف أن لا أدرك ذلك، ثم قرأ ﴿ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عمر إذا كان له مكاتب لم يضع عنه شيئاً من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته، ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب.

وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم ﴿ وآتوهم من مال الله ﴾ قال: ذلك على الولاة.

يعطوهم من الزكاة يقول الله: ﴿ وفي الرقاب ﴾ [ التوبة: 60] .

وأخرج ابن أبي شيبة ومسلم وسعيد بن منصور والبزار والدارقطني وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي سفيان عن جابر بن عبد الله قال: كان عبد الله بن أبي يقول لجارية له: اذهبي فابغينا شيئاً وكانت كارهة، فأنزل الله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصناً لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ هكذا كان يقرأها.

وأخرج مسلم من هذا الطريق عن جابر: أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة.

وأخرى يقال لها أميمة.

فكان يريدهما على الزنا، فشكيا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم...

﴾ .

وأخرج النسائي والحاكم وصححه وابن جرير وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر قال: كانت مسيكة لبعض الأنصار فجاءت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن سيدي يكرهني على البغاء، فنزلت ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ .

وأخرج البزار وابن مردويه عن أنس قال: كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها معاذة.

يكرهها على الزنا، فلما جاء الإِسلام نزلت ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن مردويه عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ قال: كان أهل الجاهلية يبغين اماؤهم، فنهوا عن ذلك في الإِسلام.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنا، يأخذون أجورهم فنزلت الآية.

وأخرج الطيالسي والبزار وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه بسند صحيح عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية، فولدت له أولاداً من الزنا، فلما حرم الله الزنا قال لها: ما لك لا تزنين؟

قالت: لا والله لا أزني أبداً، فضربها، فأنزل الله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور والفريابي وعبد بن حميد وابن جرير عن عكرمة أن عبد الله بن أبي كانت له أمتان: مسيكه، ومعاذة، وكان يكرههما على الزنا فقالت إحداهما: إن كان خيراً فقد استكثرت منه، وإن كان غير ذلك فإنه ينبغي أَن أدعه.

فأنزل الله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ .

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن أبي مالك في قوله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ قال: نزلت في عبد الله بن أبي وكانت له جارية تكسب عليه، فأسلمت وحسن إسلامها، فأرادها، أن تفعل كما كانت تفعل، فأبت عليه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي قال: كان لعبد الله بن أبي جارية تدعى معاذة، فكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له، فأقبلت الجارية إلى أبي بكر، فشكت ذلك إليه، فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها، فصاح عبد الله بن أبي: من يعذرنا من محمد يغلبنا على مماليكنا؟

فنزلت الآية.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الزهري أن رجلاً من قريش أسر يوم بدر، وكان عبد الله بن أبي أسيراً، وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها، وكانت مسلمة، فكانت تمتنع منه لإِسلامها، وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولد، فأنزل الله: ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ .

وأخرج الخطيب في رواة مالك من طريق مالك عن ابن شهاب أن عمر بن ثابت أخا بني الحرث بن الخزرج حدثه: أن هذه الآية في سورة النور ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ نزلت في معاذة جارية عبد الله بن أبي سلول، وذلك أن عباس بن عبد المطلب كان عندهم أسيراً، فكان عبد الله بن أبي يضربها على أن تمكن عباساً من نفسها رجاء أن تحمل منه فيأخذ ولده فداء، فكانت تأبى عليه وقال: ذلك الغرض الذي كان ابن أُبي يبتغي.

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن مجاهد قال: كانوا يأمرون ولائدهم أن يباغوا، فكن يفعلن ذلك، ويصبن فيأتين بكسبهن قال: وكان لعبد الله بن أبي جارية، فكانت تباغي، وكرهت ذلك وحلفت أن لا تفعله، فأكرهها، فأنزل الله الآية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: بلغنا- والله أعلم- أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصاري، والأخرى أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي، وكانت معاذة، وأروى بتلك المنزلة، فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتا ذلك له، فأنزل الله في ذلك ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ يعني الزنا.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق عن ابن عباس ﴿ ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ﴾ قال: لا تكرهوا إماءكم على الزنا، فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم، وإثمهن على من يكرههن.

وأخرج ابن أبي شيبة عن رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كسب الحجام خبيث، ومهر البغي خبيث» .

وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيفة قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مهر البغي.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: في قراءة ابن مسعود ﴿ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ قال: للمكرهات على الزنا.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ إن أردن تحصناً ﴾ أي عفة وإسلاماً.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ﴾ يعني كسبهن وأولادهن من الزنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد ﴿ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ قال: للمكرهات على الزنا.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ قال: لهن وليست لهم.

وأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير أنه كان يقرأ ﴿ فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا ﴾ أي: وليطلب العفّة عن الزنا والحرام من لا يجد ما (١) والمعنى: الذين لا يجدون طول (٢) وقال صاحب النظم: النكاح هاهنا: الشيء الذي ينكح به من مهر ونفقة وما لا بد للرجل والمرأة منه إذا تناكحا، وهو مثل قولهم لما يلتحف به: لحاف، ولما يرتدي به: رداء، ولما يلبس: لباس، فكذلك (٣) (٤) وعلى هذا إن صحّ فلا حذف في الآية.

وقوله ﴿ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ أي يوسّع عليهم من رزقه.

وقال ابن عباس: يريد بالحلال عن الحرام.

وجملة القول في هذا أنّ من استغنى عن النكاح بعزوف نفسه عن التوقان إليه فالأولى به التفرد والتخلي لعبادة (٥) (٦) (٧) (٨)  - فسر خفيف الحاذّ بالذي لا أهل له ولا ولد (٩) ومن تاقت نفسه إلى النكاح ووجد الطول فالمستحب له والمندوب إليه أن يتزوّج لقوله تعالى ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾ الآية.

وإن لم يجد الطول فعليه بالصيام والاستعفاف ما أمكن.

وقوله ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ﴾ أي يطلبون المكاتبة (١٠) ﴿ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أي من عبيدكم ومماليككم.

و (ما) هاهنا بمعنى: من، والكتاب مصدر كالمكاتبة يقال: كاتب الرجل عبده أو أمته مكاتبةً وكتابًا فهو مكاتب.

والعبد مكاتب، وهو أن يقول الرجل: كاتبتك على أن تعطيني كذا وكذا في نجوم (١١) (١٢) قال الأزهري: وسُمّي مكاتبة لما يكتب للعبد (١٣) (١٤) (١٥) (١٦) وقال صاحب النظم: قد (١٧) (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) وهذه الآية دليل على أصل عقد الكتابة وهو عقد من عقود الإسلام، وشرطه أن يقول السيد كاتبتك على كذا وكذا على أنك إذا أدّيت هذا المال فأنت حر، أو ينوي الحرية بقلبه إن لم يذكرها بلسانه (٢٢) (٢٣) وقال أبو حنيفة: تصح حالّه، ولم يشترط التنجيم (٢٤) قال صاحب النظم: ذكرنا أن أصل الكتاب من الكتب بمعنى الجمع والضم، وأقلّ ما يقع عليه الضمّ والجمع نجمان فصاعدًا، ولا يقع على نجم واحد لأنه لا يقال فيه جمعته، ويقال في النجمين جمعت نجمًا إلى نجم، فإذا لم يكن في شرط المكاتبة ما أقله نجماه لم يقع عليه معنى الكتابة، إذ ليس فيه معنى جمع ولا ضم.

وإلى هذا ذهب الشافعي رحمه الله عليه فلم يجز الكتاب على أقل من نجمين.

انتهى كلامه.

ودلت الآية أيضًا على أنَّه إنما يصح كتابة العبد البالغ العاقل، ولا تصح كتابة المجنون والصبي (٢٥) وعند أبي حنيفة تصح كتابة العبد إذا كان مراهقًا مميزًا (٢٦) قال الشافعي: والابتغاء لا يكون من الأطفال والمجانين (٢٧) يعني أن الله تعالى قال في ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ﴾ وهذان ليسا من أهل الابتغاء.

وقوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ أمر ندب واستحباب في قول الجمهور (٢٨) وقال قوم: إنّه أمر إيجاب فإذا سأل العبد الذي علم منه خيرًا أن يكاتبه على ما هو قيمته أو أكثر لزمه ذلك.

وهو قول عمرو (٢٩) (٣٠) (٣١) وقوله: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد قوة على الكسب وأداء للمال (٣٢) (٣٣) وهذا اختيار الشافعي -  - فإنه قال: أظهر معاني الخير هذه الآية الاكتساب مع الأمانة (٣٤) وكثير من المفسرين ذهب إلى أن المراد بالخير هاهنا المال.

وهو قول مجاهد (٣٥) (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) وهو رواية العوفي عن ابن عباس (٤٠) وروى ابن جريج (٤١) (٤٢) روى (٤٣) (٤٤) (٤٥) وروي أن عبدًا لسلمان قال له: كاتبني.

قال له (٤٦) (٤٧) والأظهر هو القول الأول؛ لأنَّه لو كان المراد بالخير المال لقيل: إن علمتم لهم (٤٨) (٤٩) ﴿ فِيهِمْ خَيْرًا ﴾ كان الأظهر الاكتساب والوفاء والأداء والأمانة.

وهذا أيضًا قول ابن عمر وابن زيد ومالك بن أنس (٥٠) قال الفراء: يقول وإن رجوتم (٥١) (٥٢) وقال أبو إسحاق: إن علمتم أنّهم يكسبون (٥٣) (٥٤) وقول من فسر الخير بالمال الوجه أن يحمل ذلك على الكسب والمكتسب كذي المال من حيث أنه يقدر على المال [إذا شاء] (٥٥) وقال الحسن وأبو صالح في قوله (خَيْرًا) (٥٦) (٥٧) وقال عبيدة: وفاء وصدقا (٥٨) (٥٩) (٦٠) وقال إبراهيم: صدقًا ووفاء (٦١) وقال سعيد بن جبير: إن علمتم أنهم يريدون (٦٢) (٦٣) (٦٤) وقال معمر (٦٥) (٦٦) (٦٧) وهذا يقوي أنّ المراد بالخير الاكتساب.

قوله تعالى: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أقوال: أحدها: أنَّ هذا خطاب للموالي، أُمروا أن يحطوا عنهم من نجوم الكتابة شيئًا، وهو قول علي (٦٨)  - ومجاهد (٦٩) (٧٠) (٧١) ثم اختلفوا في ذلك القدر: فقال علي -  -: هو ربع المال (٧٢) (٧٣) وقال الآخرون: لا يتقدر بشيء يحط عنه ما أحبّ.

وكان عمر -  - يحط من أول النجوم.

وروى عكرمة، عن ابن عباس: أن عمر -  - كاتب عبدًا له يُكنى أبا أميّة (٧٤) (٧٥) (٧٦) ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ (٧٧) وروى عبد الملك بن أبي بشير (٧٨) (٧٩) (٨٠) (٨١) (٨٢) وعلى هذا قوله: ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ هو أن يؤتيه مما في يده شيئًا يستعين به على الكتابة لا أن يحطَّ عنه شيئًا.

وهو رواية ليث، عن مجاهد قال: مما في يديك، ليس مما على رقبته (٨٣) وروى جوبير، عن الضحاك في هذه الآية قال (٨٤) (٨٥) (٨٦) (٨٧) (٨٨) وروى عبد الملك (٨٩) ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ﴾ هو ما أخرج الله [لك] (٩٠) (٩١) وقال سعيد بن جبير: كان ابن عمر إذا كاتب مكاتبه لم يضع عنه شيئًا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع (٩٢) (٩٣) (٩٤) وعلي ما ذكرنا معنى الإيتاء: أن يحطّ من مكاتبته (٩٥)  - (٩٦) القول الثاني: أنَّ (٩٧) وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد سهم الرقاب يعطى منه المكاتبون (٩٨) (٩٩) (١٠٠) القول الثالث: أنَّ هذا حث للناس على إعطاء المكاتب وإعانته بما يمكنهم في (١٠١) وهو قول عكرمة (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) وقال الحسن: حث عليه المسلمين مولاه وغيره (١٠٧) وعلى هذا القول هو أمر نَدْب.

واختار (١٠٨) ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ خطاب للموالي، وقوله ﴿ وَآتُوهُمْ ﴾ خطاب لغيرهم من أصحاب الزكوات؛ لأنه لا يجوز للمكاتب أن يدفع فرض صدقته إلى مكاتب نفسه، فجاء الخطاب بنظم واحد وهما مختلفان كقوله {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ} [البقرة: 232] الآية، فقد جاء الخطاب في التطليق والعضل بنظم واحد وهما مختلفان؛ لأن العضل من الأولياء، والتطليق من الأزواج، وكذلك قوله ﴿ وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ ﴾ أومئ به إلى غير المكاتبين الذين هم الموالي (١٠٩) وقال غيره (١١٠) قال صاحب النظم: ولو كان المراد بالإيتاء الحطّ عنه لوجب أن يكون في عادة العربية: ضَعُوا عنهم أو قاصّوهم منه (١١١) ﴿ وَآتُوهُمْ ﴾ دلّ على أنَّه أراد من الزكاة إذ هو مناولة وإعطاء (١١٢) وهذا الاعتراض لا يصح على قول من يجعل إيتاء المكاتب من مال نفسه، كما روينا عن عمر -  -.

فأما سبب نزول هذه (١١٣) فقال ابن عباس في رواية عطاء: نزلت في صُبيح (١١٤) (١١٥) وقال مقاتل بن سليمان وغيره: نزلت في حويطب (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾ يعني إماءكم وولائدكم على الزنا.

قال جماعة من المفسرين (١٢٠)  - فنزلت هذه الآية.

قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عبد الله بن أبيّ!

كانت له جاريتان يقال لإحداهما: مُعاذة، والأخرى: زينب، كانتا مؤمنتين فأكرههما على الزنا وهما لا يريدان (١٢١) وروى الزهري، عن عمر (١٢٢) (١٢٣) وقال مجاهد: كانوا يأمرون ولائدهم أن يُباغين، فكن يفعلن ذلك، فيُصبن، فيأتينهم بكسبهن، وكانت لعبد الله بن أُبي جارية فكانت تُباغي، وكرهت ذلك وحلفت لا تفعله، فأكرهها أهلها، فانطلقت فباغت ببرد (١٢٤) (١٢٥) قوله تعالى: ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ قال ابن عباس: تعفّفا وتزويجًا (١٢٦) وليس هذا بشرط في النهي عن الإكراه، وإنّما هو على موافقة حال النزول، وذلك أن تلك (١٢٧) ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ  ﴾ وليس من شرط استحقاق الثلثين أن يكن فوق اثنتين ولكن نزلت الآية (١٢٨) (١٢٩) وقال أبو إسحاق: لا تكرهوهن على البغاء البتَّه، وليس المعنى: لا تكرهوهن إن أردن تحصنًا؛ لأنَّهن إن لم يردن فليس لنا أن نكرهن (١٣٠) وقوله ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ هذا الشرط متعلق بقوله ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ  ﴾ إن أردن تحصنا.

فهذا على التقديم والتأخير، وهذا القول اختيار الحسين (١٣١) (١٣٢) ويجوز أن يقال: إنما شرط (١٣٣) (١٣٤) (١٣٥) (١٣٦) (١٣٧) وقوله تعالى ﴿ لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ يعني الغلَّة (١٣٨) وقال ابن عباس: يريد أن يولد له منهن ولد ليسترقَّ (١٣٩) وقال الكلبي: ﴿ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ من كسبهن وأولادهن (١٤٠) وروى معمرٌ، عن الزُّهري: أنَّ رجلاً من قريش أُسر يوم بدر، فكان عند عبد الله بن أبي أسيرًا، وكان لعبد الله جارية يقال لها معاذة، وكان القرشي الأسير يريدها على نفسه، وكانت مسلمة فكانت تمتنع منه لإسلامها، وكان عبد الله يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل للقرشي فيطلب فداء ولده، فأنزل الله هذه الآية (١٤١) وقوله تعالى ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ قال ابن عباس (١٤٢) (١٤٣) (١٤٤) وكان جابر يقرأ: ﴿ فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم ﴾ (١٤٥) وقال الحسن في هذه الآية: لهن والله، لهن والله (١٤٦) وقال مجاهد: ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ للمكروهات على الزنا (١٤٧) وفي حرف عبد الله (١٤٨) (١٤٩) ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

(١) في (ظ): (مالاً).

(٢) في (ع): (طولًا).

(٣) في (ظ): (وكذلك).

(٤) ذكر القرطبي 12/ 243 هذا القول ونسبه لجماعة من المفسرين ولم يذكرهم، ثم قال: وحملهم على هذا قوله تعالى: ﴿ حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ فظنّوا أنَّ المأمور بالاستعفاف إنَّما هو من عدم المال الذي يتزوج به.

وفي هذا القول تخصيص المأمورين بالاستعفاف، وذلك ضعيف، بل الأمر بالاستعفاف متوجه لكل من تعذر عليه النكاح بأي وجه تعذّر.

(٥) في (أ)، (ع): (بعبادة).

(٦) في (ظ): (ربّه).

(٧) في (أ)، (ظ): (الحاء) مهملة.

والحاذ: الحال.

"لسان العرب" 3/ 487 (حوذ).

(٨) يشير بذلك إلى الحديث الذي رواه الترمذي في "جامعه" كتاب: الزهد- باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه 7/ 12، وابن ماجه في "سننه" (أبواب: الزهد- باب: من لا يؤبه له 2/ 410، من حديث أبي أمامة -  -، عن النبي -  - قال: "إنَّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذّ ..

" الحديث.

وليس فيه تفسير خفيف الحاذّ.

وهذا الحديث قال عنه الحاكم بعد إخراجه: هذا إسناد للشاميين صحيح عندهم ولم يخرجاه، فتعقَّب الذهبيُّ الحاكم بقوله: قلت: لا، بل إلى الضعف هو.

(٩) روى ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" 3/ 1037، والخطيب البغدادي في == "تاريخ بغداد" 6/ 198، 11/ 225 كلهم من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة قال: قال رسول الله -  -: "خيركم في المائتين كل خفيف الحاذ".

قالوا: يا رسول الله وما الخفيف الحاذ؟

قال: "الذي لا أهل له ولا ولد".

قال الحافظ العراقي في كتابه "المغني عن حمل الأسفار" 2/ 24: حديث: خيركم في المائتين ..

أخرجه أبو يعلى من حديث حذيفة، ورواه الخطابي في العزلة من حديثه وحديث أبي أمامة، وكلاهما ضعيف.

(١٠) ابن أبي حاتم 7/ 40 أعن سعيد بن جبير.

(١١) نجوم: جمع نجم: وهو الوقت المضروب.

ونجوم الكتابة: هو أن يُقدر العطاء في أوقات معلومة.

وأصله أن العرب كانت تجعل مطالع منازل القمر ومساقطها مواقيت حلول دينها وغيرها، فتقول إذا طلع النجم: حلّ عليك مالي أي الثريا وكذلك باقي المنازل.

انظر: "لسان العرب" 1/ 700 (نجم)، "القاموس المحيط" 4/ 179.

(١٢) انظر: (كتب) في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 150، "الصحاح" للجوهري 1/ 209، "لسان العرب" 1/ 700.

(١٣) في (ظ): (العبد).

(١٤) في "تهذيب اللغة": ولما يكتب.

(١٥) في (ظ): (السيّد).

(١٦) في (أ)، (ع): (الذي)، والمثبت من (ظ) و"تهذيب اللغة".

(١٧) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 150 (كتب).

(١٨) في (ع): (من).

(١٩) في (أ) (كتب) في الموضعين.

(٢٠) (شرط): ساقطة من (ظ).

(٢١) انظر: "جمهرة اللغة" لابن دريد 1/ 196 - 197، "لسان العرب" 1/ 700 (كتب).

(٢٢) هذا قول الشافعي.

== وقال أبو حنيفة -وهو أحد الوجهين عند الحنابلة-: إذا كاتب عبده على أنجم معلومة، صحَّت الكتابة وعتق بأدائها، سواء نوى بالكتابة الحرّية أو لم ينو، وسواء قال: فإذا أدَّيت إلىّ فأنت حر، أو لم يقل، لأن الكتابة عقد وضع للعتق فلم يحتج إلى لفظ العتق ولا نيته كالتدبير.

انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 325، "المغني" 14/ 451 - 452، "روضة الطالبين" 12/ 29، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 253.

(٢٣) انظر: "الحاوي" 18/ 146 - 149، "المغني" 14/ 449 - 450، "روضة الطالبين" 2/ 212.

(٢٤) انظر: "أحكام القرآن" للجصَّاص 3/ 324 - 325، "بدائع الصنائع" 4/ 140، "تبيين الحقائق" 5/ 150، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 247.

(٢٥) انظر: "الحاوي" 18/ 143، "المغني" 14/ 444، "روضة الطالبين" 12/ 226.

(٢٦) انظر: "بدائع الصنائع" 4/ 137، "تبيين الحقائق" 5/ 150.

(٢٧) انظر: "الأم" 7/ 363، 367، "الحاوي" 18/ 143.

(٢٨) انظر: الثعلبي 3/ 81 أ، الطبري 18/ 127، الرازي 23/ 217.

(٢٩) في (أ): (عمر)، وهو خطأ.

(٣٠) في (أ): (وأهل)، وهو خطأ.

(٣١) ذكره عن هؤلاء جميعا: الثعلبي 3/ 81 أإلا أنه قال: وإليه ذهب داود بن علي.

وهو داود الظاهري.

وقد رواه عن عمرو بن دينار وعطاء: عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 370، والطبري 14/ 126، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 319.

ورواية العوفي عن ابن عباس عند الطبري 18/ 128.

وانظر: "المغني" 14/ 442، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 12/ 245.

(٣٢) في (أ): (المال).

(٣٣) روى البيهقي في "سننه" 10/ 317 عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الله بن عباس كان يقول "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا" إن علمت أن مكاتبك يقضيك.

وروى أيضًا == 10/ 317 من طريق الضحاك عن ابن عباس في قوله "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرًا" قال: أمانة ووفاء.

وروى الطبري 18/ 127، وابن أبي حاتم 7/ 40 أ، والبيهقي 10/ 317 من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: إن علمتم لهم حيلة ولا تلقون مؤونتهم على المسلمين.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 191 وزاد نسبته لابن المنذر.

(٣٤) قوله في "الأم" 7/ 363، و"السنن الكبرى" للبيهقي 10/ 318، و"الحاوي الكبير" للماوردي 18/ 144.

(٣٥) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 201 - 202، وعبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 370، والطبري 18/ 128.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 190 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.

(٣٦) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 202، وعبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 370، والطبري 18/ 129، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 318.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 190 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(٣٧) رواه سعيد بن منصور 159 ب عنه من رواية جويبر.

(٣٨) في (أ): (الطاووس).

وقول طاووس رواه عنه سعيد بن منصور (ل 159 ب)، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 201، والطبري 18/ 128، وابن أبي حاتم 7/ 40 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 318.

(٣٩) قول مقاتل بن حيان ذكره عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 40 ب.

وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 38 أ.

(٤٠) ذكره الثعلبي 3/ 81 أعنه من رواية العوفي.

وقد رواها من هذا الوجه الطبري 18/ 128.

(٤١) في (ع): (ابن أبي نجيح)، وهو خطأ.

(٤٢) رواه ابن أبي حاتم 7/ 40 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 318 كلاهما من رواية ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، به.

(٤٣) في (ظ)، (ع): (لما روى).

(٤٤) هو: سعيد بن أبي الحسن يسار، البصري، أخو الحسن البصري.

تابعي ثقة.

روى عن أمه، وأبي هريرة، وعنه أخوه وسليمان التيمي.

وكان يسمى راهبًا لدينه.

وهو أصغر من الحسن وتوفي قبله سنة 100 هـ؛ ولما توفي حزن عليه الحسن حزنًا شديدًا وبكى.

"طبقات ابن سعد" 7/ 178، "سير أعلام النبلاء" 4/ 588، "تهذيب التهذيب" 4/ 16، "تقريب التهذيب" 1/ 293.

(٤٥) رواه سعيد بن منصور في "تفسيره" (ل 159 ب) عن هشيم، عن يونس، به.

(٤٦) (له): ساقطة من (ظ)، (ع).

(٤٧) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 374، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 319، == والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 81 أكلهم من طريق أبي ليلى الكندي قال: أتى سلمان غلام له ..

فذكره.

وسند عبد الرزاق صحيح.

(٤٨) (لهم): ساقطة من (ظ).

(٤٩) حكاه عنه الثعلبي 3/ 81 أ.

(٥٠) ذكره عنهم جميعًا الثعلبي 3/ 81 أ.

ورواه عن ابن عمر بمعناه الطبري 18/ 127، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 318 وقول ابن زيد ومالك رواه عنهما الطبري 18/ 127.

(٥١) في (ظ): (دعوتم)، وهو خطأ.

(٥٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 215.

(٥٣) في المطبوع من المعاني: (يكتبون)، وهو خطأ.

(٥٤) "معاني القرآن" للزَّجاج 4/ 40.

(٥٥) ساقط من (أ).

(٥٦) في (ظ)، (ع): زيادة "قال" بعد قوله (خيرا).

(٥٧) رواه عن الحسن: عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 371، وسعيد بن منصور في == "تفسيره" ل 159 ب، والطبري 18/ 208، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 318.

وعن أبي صالح: رواه الطبري 18/ 128، وابن أبي حاتم 7/ 40 ب، والبيهقي 10/ 318.

(٥٨) ذكره عنه الثعلبي 3/ 81 ب.

وروى عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 370، وابن أبي حاتم 7/ 40 أعنه قال: إن علمتم عندهم أمانة.

(٥٩) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 371، وسعيد بن منصور في "سننه" ل 159 ب، وابن أبي حاتم 7/ 40 أ، والثعلبي 3/ 81 ب كلهم من طريق ابن سيرين، عن عبيدة.

(٦٠) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 202 - 203 من رواية يونس، عن الحسن.

(٦١) إبراهيم هو: النخعي.

ورواه عنه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 371، وسعيد بن منصور في "سننه" ل 159 ب، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 7/ 202، والطبري 18/ 128، والبيهقي في " السنن الكبرى" 10/ 318.

(٦٢) في (أ): (يريد من).

(٦٣) في (ظ): (بذلك).

(٦٤) ذكره عنه النحَّاس في "معاني القرآن" 4/ 529، وابن الجوزي 6/ 37.

(٦٥) هو: معمر بن راشد.

(٦٦) زيادة من تفسير عبد الرزاق بها يستقيم المعنى.

(٦٧) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 58 عن معمر، به.

(٦٨) سيأتي ذكر ذلك عنه -  -.

(٦٩) رواه عن مجاهد عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 59، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 372، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 330.

(٧٠) ذكره عنه الثعلبي 3/ 81 أورواه الطبري 18/ 131 عنه قال: أحب أن يعطيه الربع، أو أقل منه شيئًا، وليس بواجب، وأن يفعل ذلك حسن.

(٧١) انظر: "مصنف ابن أبي شيبة" 6/ 370 - 371، الطبري 18/ 129 - 130، "السنن الكبرى" للبيهقي 10/ 329 - 330، والثعلبي 3/ 81 ب - 82 أ.

(٧٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 58، وسعيد بن منصور ل 159 ب، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 369، والطبري 18/ 129، وابن أبي حاتم 7/ 41 ب والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 329، والضياء في "المختارة" 2/ 194.

(٧٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 370.

(٧٤) هو: أبو أميّة بن كنانة، القرشي، العدوي مولى عمر بن الخطاب ومكاتبه.

اسمه عبد الرحمن، وهو جد المبارك بن فضالة المحدِّث.

روى عنه ابنه فضالة.

"طبقات ابن سعد" 7/ 117، "الكنى" للإمام مسلم ص 95، "الثقات" لابن حبّان 5/ 566، "الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى" 2/ 1031.

(٧٥) في (ظ): (هلّ).

(٧٦) في (ظ): (ذلك).

(٧٧) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 371، وابن أبي حاتم 7/ 41 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 329 - 330 من طريق عكرمة، عن ابن عباس.

وروى ابن سعد في "طبقاته" 7/ 118 عن عكرمة نحوه.

(٧٨) هو: عبد الملك بن أبي بشير، البصري، نزيل المدائن.

روى عن عكرمة وحفصة بنت سيرين وآخرين.

وعنه سفيان الثوري وغيره.

وهو ثقة.

"الكاشف" 2/ 207، "تهذيب التهذيب" 6/ 386، "تقريب التهذيب" 1/ 517.

(٧٩) هو: فضالة بن أبي أميّة، البصري.

أبوه أبو أمية مولى عمر بن الخطاب المتقدم ذكره.

وهو والد المبارك بن فضالة المحدّث.

روى عنه عبد الملك بن أبي بشير.

ذكره البخاري في "تاريخه الكبير" 7/ 125، وابن أبي حاتم في "الجرح والتعديل" 7/ 77، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلاً.

وذكره ابن حبان في "الثقات" 5/ 297.

(٨٠) أواق: جمع أوقية -بضم الهمزة وتشديد الباء-: وهي زنة سبعة مثاقيل، أو أربعين درهمًا.

"لسان العرب" 10/ 12 (أوق).

(٨١) هي: أم المؤمنين، وبنت أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب -  -.

(٨٢) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 376، وابن سعد في "طبقاته" 7/ 118، == والطبري 18/ 130، والبيهقي في "الكبرى" 10/ 330 من رواية عبد الملك، عن فضالة، عن أبيه، بنحوه.

وليس في رواية عبد الرزاق وابن سعد والبيهقي قول سفيان.

(٨٣) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 372، والطبري 18/ 130 من رواية ليث، عن مجاهد، دون قوله: ليس مما على رقبته.

(٨٤) (قال): ساقطة من (أ).

(٨٥) ساقط من (ظ)، (ع).

(٨٦) في (ظ)، (ع): (تدع).

(٨٧) عليه: ساقطة من (أ).

(٨٨) لم أجد من ذكره عنه.

(٨٩) هو: عبد الملك بن أبي سليمان، كما في رواية الطبري وابن أبي حاتم.

وهو: عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة، العرزمي، الكوفي كان من أحفظ أهل الكوفة، روى عن سعيد بن جبير وعطاء.

قال الذهبي: قال أحمد: ثقة يخطئ.

وقال ابن حجر: صدوق له أوهام.

توفي سنة 145 هـ.

"الكاشف" 2/ 209، "تقريب التهذيب" 1/ 519.

(٩٠) (لك): ساقطة من (أ).

(٩١) رواه ابن أبي شيبة 6/ 371 - 372 من رواية عبد الملك وحجاج، عن عطاء.

ورواه الطبري 18/ 130، وابن أبي حاتم 7 - 42 أمن طريق عبد الملك، عن عطاء إلى قوله: مكاتبته.

(٩٢) في (أ): (وترجع).

(٩٣) في (أ): (ولكن).

(٩٤) رواه الطبري 18/ 130 عن سعيد، به.

ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 377، وابن أبي شيبة 6/ 370 عن سعيد بنحوه مختصرًا.

(٩٥) في (ظ)، (ع): (كتابته).

(٩٦) انظر: "الأم" 7/ 364، "الحاوي الكبير" 18/ 186، "روضة الطالبين" 12/ 248.

(٩٧) أنَّ: ساقطة من (أ).

(٩٨) ذكره عنه من رواية عطاء ابن الجوزي 6/ 37، والرازي 23/ 218، والنيسابوري في "غرائب القرآن" 18/ 100.

(٩٩) هو: زيد بن أسلم.

(١٠٠) ذكره عنهما الثعلبي 3/ 82 أ.

== وعن زيد رواه الطبري 18/ 131، وابن أبي حاتم 7/ 42 أ.

وعن ابنه -عبد الرحمن- رواه ابن أبي حاتم 7/ 42 أ.

(١٠١) في (أ): (من).

(١٠٢) ذكره عنه الرازي 23/ 218، وأبو حيان 6/ 452.

(١٠٣) ذكره عنه الثعلبي 3/ 82 أ، ورواه عنه عبد الرزاق في "مصنفه" 8/ 376 - 377 وسعيد بن منصور في "سننه" ل 159 ب، والطبري 18/ 131.

(١٠٤) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 59.

(١٠٥) قول مقاتل بن حيان رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 42 أ.

وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 37 أ.

(١٠٦) في (أ): (للناس).

(١٠٧) رواه سعيد بن منصور في "سننه" ل 159 ب، والطبري 18/ 131.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 191 عنه، وعزاه لعبد بن حميد.

(١٠٨) في (أ): (واختيار).

(١٠٩) ذكر الرازي 23/ 219 بعضه من غير نسبة.

(١١٠) انظر: "الطبري" 18/ 132.

(١١١) يقال: تقاصّ القوم، إذا قاصّ كل منهم صاحبه في حساب أو غيره، وأصل التَّقاص: التناصف في القصاص.

انظر: "لسان العرب" 7/ 76 (قصص)، "تاج العروس" للزبيدي 18/ 107 (قصص).

(١١٢) ذكر أبو حيان 6/ 452 هذا القول عن صاحب النَّظم.

(١١٣) هذه: زيادة من (ظ).

(١١٤) في (أ)، (ع): (الصبيح).

وقد ذكر صبيحًا هذا البخاري في "تاريخه الكبير" 4/ 318 دون نسبة إلى القبط، وساق رواية -سيأتى ذكرها- فيها أنه كان مملوكًا لحويطب بن عبد العزّى، وأن == صبحيًّا هو جد محمد بن إسحاق صاحب السير والمغازي.

وذكره ابن حبان في "الثقات" 3/ 196 دون نسبة وقال: أبو عبد الله، جد محمد بن إسحاق بن يسار.

يقال: إنَّ له صحبة.

وذكره ابن حجر في "الإصابة" 2/ 169 دون نسبة وقال: مولى حويطب بن عبد العزّى.

قال ابن السكن وابن حبان: يقال له صحبه.

ثم نقل ابن حجر رواية البخاري في "تاريخه" ثم قال: قال ابن السكن: لم أر له ذكرًا إلا في هذا الحديث.

اهـ.

(١١٥) لم أجد من ذكره عن ابن عباس.

وقد نقل القرطبي 12/ 244 عن مكي بن أبي طالب قوله: هو صبيح القبطي غلام حاطب بن أبي بلتعة.

(١١٦) هو: حُويطب بن عبد العزّى بن أبي قيس، القرشي، العامري، أبو محمد.

أسلم عام الفتح، وشهد حنينا وكان من المؤلفة، وكان حميد الإسلام.

وسار إلى الشام مجاهدًا.

وهو أحد الذين أمرهم عمر بتجديد أنصاب الحرم.

توفي سنة 54 هـ، وقيل: 52 هـ وعاش مائة وعشرين سنة.

"طبقات ابن سعد" 5/ 454، "الاستيعاب" 1/ 399، "أسد الغابة" 2/ 67، "سير أعلام النبلاء" 2/ 540، "الإصابة" 2/ 363.

(١١٧) في (ظ): (صبح)، والمثبت من باقي النسخ و"تفسير مقاتل".

(١١٨) في (ظ)، (ع): (صبيح).

(١١٩) "تفسير مقاتل" 2/ 38 أ، والثعلبي 3/ 81 أ.

وقد روى البخاري في "التاريخ الكبير" 4/ 318 - 319، وابن السكن والبارودي كما في "الإصابة" لابن حجر 2/ 170 من طريق محمد بن إسحاق، عن خاله عبد الله بن صبح وفي المطبوع من "الإصابة": عن خالد عن عبد الله.

وهو خطأ -عن أبيه- وكان جدّ ابن إسحاق أبا أمِّه -قال.

كنت مملوكًا لحويطب بن عبد العزى، == فسألته الكتابة، ففي نزلت ﴿ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ ﴾ الآية.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 189 من رواية عبد الله بن صبيح، به.

وعزاه لابن السكن في "معرفة الصحابة".

(١٢٠) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 38 أ، ب، والطبري 18/ 132 - 133، ابن أبي حاتم 7/ 42 ب، 43 أ، الثعلبي 3/ 82 أ، ب، "تفسير ابن كثير" 3/ 288 - 289، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 192 - 194.

وقد روى مسلم في "صحيحه" كتاب: التفسير- باب: في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾ 4/ 2320 عن جابر -  -: أن جارية لعبد الله بن أبيّ بن سلول يقال لها: مُسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، فكان يكرههما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي -  - فأنزل الله: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾ إلى قوله ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ .

(١٢١) لم أجد من ذكره من رواية عطاء.

وقد روى وابن أبي حاتم 3/ 42 ب، والطبراني في "الكبير" 11/ 284 من طريق عكرمة، عن ابن عباس: أنَّ جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادًا من الزّنا، فقال لها: مالك لا تزنين.

قالت: والله لا أزني.

فضربها، فأنزل الله -عز وجل- ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾ .

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 83: ورجال الطبراني رجال الصحيح.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 193 ونسبه أيضًا للبزار وابن مردويه، وقال: بسند صحيح.

(١٢٢) في (ظ)، (ع): (عمرو)، وهو خطأ.

وهو عمر بن ثابت بن الحارث -ويقال: ابن الحجاج- الأنصاري الخزرجي المدني.

تابعي ثقة، روى عن بعض الصحابة، وعنه الزهري وغيره.

"الكاشف" 2/ 306، "تهذيب التهذيب" 7/ 430، "تقريب التهذيب" 2/ 52.

(١٢٣) رواه "المصنف" في كتابه "أسباب النزول" ص 270 من طريق ابن إسحاق: حدثني الزهري، عن عمر بن ثابت، فذكره.

ورواه أيضًا من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عمر بن ثابت، بنحوه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 193 من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن عمر، بنحوه مطولًا، وعزاه للخطيب في رواة مالك.

ورواه أبو موسى المديني في كتابه الصحابة كما في "الإصابة" لابن حجر 4/ 395 من طريق الليث بن سعد، عن عقيل بن خالد، عن ابن شهاب الزهري، به، بنحوه.

وهو مرسل؛ لأن عمر بن ثابت تابعي.

(١٢٤) البُرْد -بالضم-: ثوب مخطط.

"القاموس المحيط" 1/ 276.

(١٢٥) رواه الطبري 18/ 134، ورواه ابن أبي حاتم 7/ 42 ب بنحوه، مختصرًا.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 194، ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن المنذر.

(١٢٦) لم أجده عن ابن عباس.

وقد روى ابن أبي حاتم 7/ 43 أ، ب عن قتادة ومقاتل.

مثل شطره الأول.

== وذكر الطبري 18/ 132، والثعلبي 3/ 82 ب، والماوردي 4/ 101 من غير نسبة لأحد.

ولم أجد من ذكر: تزويجًا.

(١٢٧) (تلك): ساقطة من (أ).

(١٢٨) الآية: ساقطة من (ظ).

(١٢٩) القول بأن الآية المستشهد بها نزلت في ثلاث بنات ذكره الواحدي في "أسباب النزول" ص 120 من غير سند وعزاه للمفسرين، وذكره البغوي 2/ 169 من غير سند.

وفي "الإصابة" لابن حجر 4/ 464 في ترجمة أمِّ كجَّة الأنصارية: ذكر الواقدي عن الكلبي في "تفسيره" عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي وترك ثلاث بنات وامرأة يقال له أم كجّة، ..

فنزلت آية المواريث.

وهذا القول لا يصح في نزول هذه الآية.

والصحيح في هذا ما رواه الإمام أحمد في "مسنده"، وأبو داود في "سننه" كتاب: الفرائض- باب: ما جاء في ميراث الصلب 8/ 99 - 100، والترمذي في "جامعه" كتاب: الفرائض - باب: ما جاء في ميراث البنات من حديث جابر -  - قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع بابنتيها من سعد إلى رسول الله -  - فقالت: يا رسول الله هاتان ابنتا سعد بن الربيع قُتل أبوهما معك يوم أحد شهيدًا، وإنَّ عمَّهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالاً، ولا تنكحان إلا ولهما مال.

قال: "يقضي الله في ذلك".

فنزلت آية الميراث، فبعث رسول الله -  - إلى عمَّهما فقال: "أعط ابنتي سعد الثلثين وأعط أمّهما الثمن وما بقي فهو لك".

وحسَّن هذا الحديث الألباني كما في "صحيح الترمذي" 2/ 211.

(١٣٠) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 40.

(١٣١) في (ع): (الحسن)، وهو خطأ.

(١٣٢) ذكره عنه الثعلبي 3/ 82 ب، والبغوي 6/ 44 وتصحف الاسم في المطبوع إلى: الحسن.

والقرطبي 12/ 255.

وهذا الوجه ضعَّفه القرطبي.

وقال أبو حيان 6/ 452: وهذا فيه بعدٌ وفصل كثير.

(١٣٣) في (أ): (شرطه).

(١٣٤) في (ظ): (للتحصّن).

(١٣٥) في (أ): (وان).

(١٣٦) في (أ): (لتبين).

(١٣٧) ذكر البغوي 6/ 44 هذا القول وصدّره بقوله: قيل.

وذكره ابن الجوزي 6/ 39 ولم ينسبه لأحد.

وأشار إليه ابن العربي في أحكام القرآن.

3/ 1386 ولم ينسبه لأحد.

وذكره الماوردي 4/ 101 ولم ينسبه لأحد.

(١٣٨) الغلَّة: هي الدَّخل الذي يحصل من الإجارة والنتاج ونحو ذلك.

"لسان العرب" 11/ 504 (غل).

(١٣٩) في (ظ): (يسترق).

(١٤٠) روى ابن أبي حاتم 7/ 43 ب عن سعيد بن جبير مثله.

وهو قول مقاتل في "تفسيره" 2/ 38 ب.

(١٤١) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 59، والطبري 18/ 133، وابن أبي حاتم 7/ 42 ب، 43 أ، كلهم من طريق، معمر عن الزهري، به وهو مرسل.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 193 وزاد نسبته لابن المنذر.

(١٤٢) رواه الطبري 18/ 133، وابن أبي حاتم 7/ 43 ب) عنه بنحوه.

(١٤٣) انظر: "الطبري" 18/ 133 - 134، ابن أبي حاتم 7/ 43 ب، 44 أ.

(١٤٤) في (أ): (للمكروهات).

(١٤٥) روى مسلم في "صحيحه" كتاب: التفسير- باب: في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾ 4/ 2320 عن جابر قال: كان عبد الله بن أبي بن سلول يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئًا، فأنزل الله -عز وجل-: ﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ (لهنّ) غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ = ورواه ابن أبي حاتم 7/ 43 ب عن جابر بنحوه، وفيه زيادة: هكذا كان يقرؤها يعني (لهن).

قال النووي في "شرح صحيح مسلم" 18/ 164: هذا تفسير، ولم يرد أنَّ "لهن" منزَّلة.

(١٤٦) ذكره عنه الثعلبي 3/ 82 ب، والبغوي 6/ 44 (١٤٧) رواه الطبري 14/ 133، وابن أبي حاتم 7/ 43 ب، 44 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 195 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وابن المنذر.

(١٤٨) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 43 ب عن سعيد بن جبير قال: في قراءة ابن مسعود "لهن غفور رحيم".

وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 194 ونسبها أيضًا لعبد بن حميد.

(١٤٩) رويت هذه القراءة عن ابن مسعود وابن عباس وسعيد بن جبير.

انظر: "المحتسب" لابن جني 2/ 108، القرطبي 12/ 255.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ أمر بالأستعفاف وهو الاجتهاد في طلب العفة من الحرام لمن لا يقدر على التزويج، فقوله: ﴿ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً ﴾ معناه لا يجدون استطاعة على التزويج بأي وجه تعذر التزويج، وقيل: معناه لا يجدون صداقاً للنكاح، والمعنى الأول أعم، والثاني: أليق بقوله: ﴿ حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ ﴾ .

﴿ والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ الكتاب هنا مصدر بمعنى الكتابة، وهي مقاطعة العبد على مال منجم فإذا أدّاه خرج حرّاً وإن عجز بقي رقيقاً، وقيل: إن الآية نزلت بسبب حويطب ابن عبد العزى سأل مولاه أن يكابته فأبى عليه، وحكمها مع ذلك عام فأمر الله سادات العبيد أن يكاتبوهم إذا طلبوا الكتابة، وهذا الامر على الندب عند مالك والجمهور، وقال الظاهرية وغيرهم.

هو على الوجوب وذلك ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأنس بن مالك حين سأله مملوكه سيرين الكتابة فتلكأ أنس، فقال له عمر: لتكاتبنه أو لأوجعنك بالدرة، وإنما حمله مالك على الندب لأن الكتابة كالبيع، فكما لا يجبر على البيع لا يجبر عليها، واختلف هل يجبر السيد عبده على الكتابة أم لا؟

على قولين في المذهب ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ ﴾ الخير هنا القوة على أداء الكتابة بأي وجه كان، وقيل: هو المال الذي يؤذي منه كتابته من غير أن يسأل أموال الناس، وقيل هو الصلاح في الدين.

﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ ﴾ هذا أمر بإعانة المكاتب على كتابته، واختلف فيمن المخاطب بذلك فقيل: هو خطاب للناس أجمعين، وقيل للولاة، والأمر على هذين القولين للندب، وقيل: هو خطاب لسادات المكاتبين، وهو على هذا القول ندب عند مالك: وللوجوب عند الشافعي فإن كان الأمر للناس، فالمعنى أن يعطوهم صدقات من أموالهم، وإن كان للولاة فيعطوهم من الزكاة، وإن كان للسادات فيحطوا عنهم من كتابتهم، وقيل: يعطوهم من أموالهم من غير الكتابة، وعلى القول بالحط من الكتابة اختلف في مقدار ما يحط، فقيل: الربع، وروى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيل: الثلث، وقال مالك والشافعي: لا حد في ذلك، بل أقل ما ينطلق عليه اسم شيء، إلا أن الشافعي يجبره على ذلك، ولا يجبره مالك، وزمان الحط عنه في آخر الكتابة عند مالك، وقيل في أول نجم.

﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء ﴾ معنى البغاء الزنا، نهى الله المسلمين أن يجبروا مملوكاتهم على ذلك، وسبب الآية أن عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق كان له جاريتان، فكان يأمرهما بالزنا للكسب منه وللولادة، ويضربهما على ذلك، فشكتا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت الآية فيه وفيمن فعل مثل فعله ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ هذا الشرط راجع إلى إكراه الفتيات على الزنا، إذ لا يتصور إكراههن إلا إذا أردن التحصن وهو التعفف، وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأيامى ﴾ وذلك بعيد ﴿ لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا ﴾ يعني ما تكسبه الأمة بفرجها، وما تلده من الزنا؛ ويتعلق ﴿ لِّتَبْتَغُواْ ﴾ بقوله: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ ﴾ ﴿ يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ المعنى غفور لهن رحيم بهن لا يؤاخذهن بالزنا لأنهن أكرهن عليه، ويحتمل أن يكون المعنى غفور رحيم للسيد الذي يكرههن إذا تاب من ذلك ﴿ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بفتح الياء: أي بينها الله؛ وبالكسر مبينات للأحكام والحلال والحرام ﴿ وَمَثَلاً ﴾ يعي ضرب لكم الأمثال بمن كان قبلكم في تحريم الزنا، لأنه كان حراماً في كل ملة أو في براءة عائشة كما برأ يوسف ومريم.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراآت: ﴿ وليضربن ﴾ بكسر اللام على الأصل: عياش ﴿ جيوبهن ﴾ بضم الجيم: أبو جعفر ونافع وأبو عمرو وسهل ويعقوب وخلف وهشام وعاصم غير الأعشى والبزي والعواس من طريق الهاشمي.

وفي رواية خلف عن حمزة بإشمام الجيم الضم ثم يشير إلى الكسر وبضم الياء.

الآخرون: بالسكر الخالص.

﴿ غير ﴾ بالنصب على الاستثناء أو الحال: ابن عامر ويزيد وأبو بكر وحماد.

الباقون: بالكسر على الوصف ﴿ آية المؤمنون ﴾ بضم الهاء في الحالين: ابن عامر.

وقرأ ابو عمرو وعلي وابن كثير بألف في الوقف.

الباقون بفتح الهاء بغير ألف في الوقف وبالف في الوصل.

الوقوف: ﴿ أهلها ﴾ ط ﴿ تذكرون ﴾ ه ﴿ يؤذن لكم ﴾ ج للشرط مع العطف ﴿ أزكى لكم ﴾ ط عليمر ه ﴿ متاع لكم ﴾ ط ﴿ تكتمون ﴾ ه ﴿ فروجهم ﴾ ط ﴿ لهم ﴾ ط ﴿ ما يصنعون ﴾ ه ﴿ جيوبهن ﴾ صل ﴿ عورات النساء ﴾ ص ﴿ زينتهن ﴾ ط ﴿ تفلحون ﴾ ه ﴿ وإمائكم ﴾ ط ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ عليهم ﴾ ه ﴿ فضله ﴾ ط ﴿ خيراً ﴾ ق قد قيل: والوصل أوجه للعطف.

﴿ آتاكم ﴾ ط للعدول إلى حكم آخر الدنيا ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ للمتقين ﴾ ه.

التفسير: الحكم الرابع الاستئذان: لما كانت الخلوة طريقاً إلى التهمة ولذلك وجد أهل الإفك سبيلاً إلى إفكهم شرع أن لا يدخل المرء بيت غيره إلا بعد الاستئذان.

وفي الآية أسئلة: الأول الاستئناس هو الأنس الحاصل بعد المجانسة قال الله  ﴿ ولا مستأنسين لحديث  ﴾ ولا يكون ذلك في الأغلب إلا بعد الدخول والسلام، فلم عكس هذا الترتيب في الآية؟

جوابه بعد تسليم أن الواو للترتيب، هو أن الاستئناس طلب الأنس وأنه مقدم على السلام.

وقال جار الله: هو من باب الكفاية والإرداف لأن الأنس الذي هو خلاف الوحشة يردف الإذن فوضع موضع الإذن كأنه قيل: حتى يؤذن لكم.

أو هو استفعال من آنس إذا أبصر، فالمراد حتى تستكشفوا الحال ويبين هل يراد دخولكم أم لا.

أو هو من الإنس بالكسر وهو أن يتعرف هل ثمَّ إنسان لأنه لا معنى للسلام ما لم يعلم أفي البيت إنسان أم لا.

وعن ابن عباس وسعيد بن جبير: إنما هو "حتى تستأذنوا" فأخطأ الكاتب ولا يخفى ضعف هذه الرواية لأنها توجب الطعن في المتواتر وتفتح باب القدح في القرآن كله نعوذ بالله منه.

الثاني: ما الحكمة في شرع الاستئذان؟

الجواب: كيلا يطلع الداخل على عورات، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه، ولئلا يوقف على الأحوال التي تخفيها الناس في العادة، ولأنه تصرف في ملك الغير فلا بد أن يكون برضاه وإلا أشبه الغصب والتغلب ولذلك قال  ﴿ ذلكم ﴾ يعني الاستئذان والتسليم خير لكم من تحية الجاهلية والدمور اي الدخول من غير إذن.

قال  "من سبقت عينه استئذانه فقد دمر" واشتقاقه من الدمار وهو الهلاك كأن صاحبه دامر لعظم ما ارتكب ﴿ لعلكم تذكرون ﴾ أي أنزل عليكم.

أو قيل لكم: هذا إرادة أن تتعظوا أو تعملوا به.

الثالث: كيف يكون الاستئذان؟

جوابه: استأذن رجل على رسول الله فقال: ألج.

فقال: لامرأة يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن أن يستأذن قولي له يقول السلام عليكم أدخل" فسمع الرجل فقالها فقال: ادخل.

ويؤيده قراءة عبد الله ﴿ حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا ﴾ وكان أهل الجاهلية يقول الرجل منهم إذا دخل بيتاً غير بيته: حييتم صباحاً وحييتم مساء ثم يدخل، فربما أصاب الرجل مع امرأته في لحاف واحد فمنع الله  عن ذلك وعلم الأدب الأحسن.

وعن مجاهد حتى تستأنسوا هو التنحنح ونحوه.

وقال عكرمة: هو التسبيح والتكبير وقرع الباب بعنف والتصبيح بصاحب الدار منهي عنه وكذا كل ما يؤدي على الكراهية وينبئ عن الثقل.

الرابع: كم عدد الاستئذان؟

الجواب روى أبو هريرة أن النبي  قال "الاستئذان ثلاث بالأولى يستنصتون والثانية يستصلحون والثالثة يأذنون أو يردون" ومثله عن أبي موسى الأشعري وقصته مع عمر مشهورة في ذلك.

وعن قتادة الاستئذان ثلاثة: الأول يسمع الحي: الثاني ليتهيأ.

والثالث إن شاؤا أذنوا وإن شاؤا ردوا.

وينبغي أني كون بين المرات فاصلة وإلا كان الكل في حكم واحد.

الخامس: كيف يقف على الباب؟

جوابه أنه  كان إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكنه يقف من ركنه الأيمن أو الأيسر، فإن كان للباب ستر كانت الكراهية أخف.

السادس: قوله ﴿ حتى تستأنسوا وتسلموا ﴾ يدل على أنه يجوز الدخول بعد الاستئذان والتسليم وإن لم يكن ثمة إذن أو من يأذن لأن "حتى" للغاية والحكم بعد الغاية يكون خلاف ما قبلها جوابه.

سلمنا المخالفة لكن لا نسلم المناقضة، وذلك أن قبل الاستئذان لا يجوز الدخول مطلقاً وبعده فيه تفصيل، وهو أنه إن لم يجد فيها أحداً من الآذنين مطلقاً أو من يعتبر إذنه شرعاً فليس له الدخول وذلك قوله ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ اي على الإطلاق أو ممن له الإذن ﴿ فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم ﴾ اي حتى تجدوا من يأذن لكم أو من يعتبر إذنه، وإن وجد فيها من له الإذن فإن أذن دخل وإن لم يأذن وقال ارجع رجع وهو قوله ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى ﴾ أي الرجوع أطيب ﴿ لكم وأطهر ﴾ لما فيه من سلامة الصدر والبعد من الريبة.

وفي قوله ﴿ والله بما تعملون عليم ﴾ نوع زجر للمكلف فعليه أن يحتاط كيف يدخل ولأي غرض يدخل وكيف يخرج.

وهل يقوم غير الإذن مقام الإذن؟

عن أبي هريرة أن النبي  قال "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وفي رواية أخرى "إذا دعى أحدكم فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" وقيل: إن من قد جرت العادة له بإباحة الدخول فهو غير محتاج إلى الاستئذان.

والجمهور على أن إذن الصبي والعبد والمرأة معتبر وكذلك الهدايا لأجل الضرورة.

وهل يعتبر الاستئذان على المحارم؟

"روي أن رجلاً قال للنبي  : استأذن على أمي؟

قال: نعم.

قال: إنها ليس لها خادم غيري أستأذن عليها كلما دخلت عليها.

قال: أتحب أن تراها عريانة؟

قال الرجل: لا.

قال: فاستأذن" .

قال العلماء: إن كان المنع من الهجوم على الغير لأجل أنه لا يراه منكشف الأعضاء فتستثنى منه الزوجة وملك اليمين، وإن كان لأجل أنه لا يراه مشغولاً بما يكره الاطلاع عليه فالمنع عام إلا إذا عرض ما يبيح هتك الستر كحريق أو هجوم سارق أو ظهور منكر يجب إنكاره.

التاسع: ما حكم من اطلع على دار غيره بغير إذنه؟

الجواب: قال الشافعي: لو فقأ عينه فهي هدر وتمسك بما روى سهل بن سعد "أنه اطلع رجل في حجرة من حجر النبي  ومع النبي مدرى يحك بها رأسه فقال: لو علمت أنك تنظر إلي لطعنت بها في عينك، إنما الاستئذان من النظر" .

وعن أبي هريرة أنه  قال "من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فقد هدرت عينه" قال أبو بكر الرازي: هذا الخبر مردود لوروده على خلاف الأصول، فلا خلاف أنه لو دخل داره بغير إذنه ففقأ عينه ضامناً وعليه القصاص إن كان عامداً، ومعلوم أن الداخل قد اطلع وزاد على الاطلاع.

فمعنى الحديث لو صح أنه من اطلع في دار قوم ونظر إلى حرمهم ونسائهم ثم منع فلم يمتنع فذهبت عينه في حال الممانعة فهي هدر، وأجيب بالفرق فإنه إذا علم القوم دخوله عليهم احترزوا عنه وتستروا فأما إذا نظر على حين غفلة منهم اطلع على ما لا يراد الاطلاع عليه فلا يبعد في حكمة الشرع أن يبالغ ههنا في الزجر حسماً لمادة هذه المفسدة.

جميع هذه الأحكام فيما إذا كانت الدار مسكونة فإن لم تكن مسكونة فذلك قوله ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الآية.

وللمفسرين فيه أقوال: الأول: قول محمد بن الحنفية أنها الخانات والرباطات وحوانيت البياعين والمتاع المنفعة كالاستكنان من الحر والبرد وإيواء الرجال والسلع والبيع والشراء.

يروى أن ابا بكر قال: يا رسول الله، إن الله قد أنزل عليك آية في الاستئذان وإنا نختلف في تجاراتنا فننزل هذه الخانات أفلا ندخلها إلا بإذن فنزلت.

وقيل: هي الخربات يتبرز فيها الوتاع التبرز.

وقيل: الأسواق.

والأولى العموم.

وإنما لم يحتج إلى الإذن دفعاً للحرج، ولأنها ماذون في دخولها من جهة العرف.

ثم ختم الآية بوعيد مثل ما تقدم الحكم الخامس، غض البصر وحفظ الفرج عما لا يحل.

وتخصيص المؤمنين بهذا التكليف عند من لا يجعل الكفار مكلفين بفروع الإسلام ظاهر، وأما عند من يجعلهم مكلفين بالفروع أيضاً فالتخصيص للتشريف، أو نزل فقدان مقدمة التكليف منزلة فقدان التكليف وإن كان حالهم في الحقيقة كحال المؤمنين في استحقاق العقاب على تركها.

قال أكثر النحويين: "من" للتبعيض والمراد غض شيء من البصر لأن غض كله كالمعتذر بخلاف حفظ الفرج فإنه ممكن على الإطلاق.

وجوز الأخفش أن تكون "من" مزيدة.

وقيل: صلة للغض أي ينقصوا من نظرهم.

يقال: غضضت من فلان إذا انقضت من قدره.

فالنظر إذا لم يكن من عمله فهو معفو موضوع عنه.

وإعراب قوله ﴿ يغضوا ﴾ كما مر في سورة إبراهيم في قوله ﴿ قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا  ﴾ قال الفقهاء: العورات على أربعة أقسام: عورة الرجل مع الرجل، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المرأة مع الرجل، وبالعكس.

أما الرجل مع الرجل فيجوز أن ينظر إلى جميع بدنه إلا إلى عورته، وعورته ما بين السرة والركبة، والسرة والركبة ليستا بعورة.

وعند أبي حنيفة: الركبة عورة.

قال مالك: الفخذ ليست بعورة وهو خلاف ما روي "أنه  قال لعلي:لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي وميت." فإن كان في نظره إلى وجه الرجل أو سائر بدنه شهوة أو خوف فتنة بأن كان أمرد لا يحل النظر إليه.

ولا يجوز للرجل مضاجعة الرجل وإن كان واحد منهما في جانب الفراش لرواية أبي سعيد الخدري أنه  قال: "لا يفضي الرجل إلى الرجل في ثوب واحد، ولا تفضي المرأة إلى المرأة في الثوب الواحد" ويكره المعانقة وتقبيل الوجه.

إلا لولده شفقة.

وتستحب المصافحة والمرأة مع المرأة كالرجل مع الرجل فلها النظر إلى جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز عند خوف الفتنة، ولا تجوز المضاجعة أيضاً لما مر في الحديث.

والصح أن الذمية لا يجوز لها النظر إلى بدن المسلمة لأنها أجنبية في الدين والله تعالى يقول ﴿ أو نسائهن ﴾ أما عورة المرأة مع الرجل فإن كانت أجنبية حرة فجيمع بدنها عورة لا يجوز له أن ينظر إلى شيء منها إلا الوجه والكفين لأنها تحتاج إلى إبراز الوجه للبيع والشراء وإلى إخراج الكف للأخذ والإعطاء.

ويعني بالكف ظهرها وبطنها إلى الكوعين.

وقيل: ظهر الكف عورة.

وفي هذا المقام تفصيل: قال العلماء: لا يجوز أن يعمد النظر إلى وجه الأجنبية بغير غرض فإن وقع بصره عليها بغتة غض بصره لقوله  ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ﴾ ولقوله  "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليست لك الآخرة" فإن كان هناك غرض ولا شهوة ولا فتنة فذاك والغرض أمور منها: أن يريد نكاح امرأة فينظر إلى وجهها وكفها.

روى أبو هريرة "أن رجلاً أراد أن يتزوج امرأة من الأنصار فقال له رسول الله  :انظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً." ومنها إذا أراد شراء جارية فله أن ينظر إلى ما ليس بعورة منها.

ومنها أنه عند المبايعة ينظر إلى وجهها متأملاً حتى يعرفها عند الحاجة.

ومنها أنه ينظر إليها عند تحمل الشهادة ولا ينظر إلى الوجه لأن المعرفة تحصل به.

ومنها يجوز للطبيب الأمين أن ينظر إلى بدن الأجنبية للمعالجة كما يجوز للخاتن أن ينظر إلى فرج المختون لأنه محل ضرورة.

وكما يجوز أن ينظر إلى فرج الزانيين لتحمل الشهادة، وإلى فرجها لتحمل شهادة الولادة إذا لم تكن نسوة، وإلى ثدي المرضعة لتحمل الشهادة على الرضاع.

فإن كان هناك شهوة وفتنة فالنظر محظور قال  "العينان تزنيان" وقيل: مكتوب في التوراة: النظر يزرع الشهوة في القلب ورب شهوة أورثت حزناً طويلاً.

ويستثنى منه ما لو وقعت في حرق أو غرق فله أن ينظر إلى بدنها ليخلصها.

وإن كانت الأجنبية أمة فالأصح أن عورتها ما بين السرة والركبة لما روي "أنه  قال في الرجل يشتري الأمة لا باس أن ينظر إليها إلا إلى العورة وعورتها ما بين معقد إزارها إلى ركبتها" وقيل: إلا ما تبدي المهنة فيخرج منه أن رأسها وعنقها وساعديها وساقيها ونحرها وصدرها ليس بعورة، وفي ظهرها وبطنها وما فوق ساعديها الخلاف.

وحكم المكاتبة والمدبرة والمستولدة ومن بعضها رقيق حكم الأمة ولا يجوز لمسها ولا لها مسه لأن اللمس أقوى من النظر بدليل أن الإنزال باللمس يفطر الصائم وبالنظر لا يفطر.

وقال أبو حنيفة: يجوز أن يمس من الأمة ما يحل النظر إليه، وأما إن كانت المرأة ذات محرم بنسب أو رضاع أو صهرية فعورتها ما بين السرة والركبة كعورة الرجل.

وعند أبي حنيفة: عورتها مالا يبدو عند المهنة، فإن كانت مستمتعاً له كالزوجة والأمة التي يحل له الاستمتاع بها جاوز له أن ينظر إلى جميع بدنها غير أنه يكره أن ينظر إلى الفرج، وكذا إلى فرج نفسه لما روي أن يورث الطمس.

وقيل: لا يجوز النظر إلى فرجها، فإن كانت الأمة مجوسية أو مرتدة أو وثنية أو مشتركة بينه وبين غيره أو مزوجة أو مكاتبة فهي كالأجنبية.

روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي  قال "إذا زوج أحدكم جاريته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" وأما عورة الرجل مع المرأة فإن كان أجنبياً منها فعورته معها ما بين السرة والركبة.

وقيل: جميع بدنه إلا الوجه والكفين كهي معه.

والأصح هو الأول لأن بدن المرأة في نفسه عورة بدليل أنه لا يصح صلاتها مكشوفة البدن، وبدن الرجل بخلافه.

ولا يجوز لها قصد النظر عند خوف الفتنة ولا تكرير النظر إلى وجهه لما روي " عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله  وميمونه إذ أقبل ابن أم مكتوم فدخل فقال  :احتجبا منه.فقالت: يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا؟

فقال:أعمياوان أنتما ألستما تبصرانه؟" وإن كان محرماً لها فعورته معها ما بين السرة والركبة، وإن كان زوجها أو سيدها الذي يحل له وطؤها فلها أن تنظر إلى جميع بدنه غير أنه يكره النظر إلى الفرج كهو معها.

ولا يجوز للرجل أن يجلس عارياً في بيت خال وله ما يستر عورته لأنه  سئل عن ذلك فقال: "الله أحق أن يستحي منه." وعنه "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله" ولما كان النظر بريد الزنا ورائد الفجور أمر بغض الأبصار أولاً ثم بحفظ الفروج عن الزنا والفجور ثانياً.

وعن أبي العالية أن كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنا إلاّ هذا فإنه أراد الاستثناء وأن لا ينظر إلى الفروج أحد، وعلى هذا ففائدة التخصيص بعد التعميم أن يعلم أن أمر الفرج أضيق.

وحين خص الخطاب في أول الآية بالمؤمنين ذكر أن ذلك الذي أمر به من غض البصر وحفظ الفرج أزكى لهم لأنهم يتطهرون بذلك من دنس الآثام، ويستحقون الثناء والمدح، وهذا لا يليق بالكافر.

وفي قوله ﴿ إن الله خبير بما يصنعون ﴾ ولا ثاني له في القرآن إشارة إلى وجوب الحذر في كل حركة وسكون.

وتفسير قوله ﴿ وقل للمؤمنات يغضضن من ابصارهن ويحفظن فروجهن ﴾ يعلم من التفصيل المتقدم.

أما قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ فمن الأحكام التي تختص بالنساء في الأغلب.

وقد يحرم على الرجل إبداء زينته للنساء الأجنبيات إذا كان هناك فتنة.

قال أكثر المفسرين: الزينة ههنا أريد بها أمور ثلاثة: أحدها الأصباغ كالكحل والخضاب بالوسمة في حاجبيها والحمرة في خديها والحناء في كفيها وقدميها.

وثانيها الحلي كالخاتم والسوار والخلخال والدملج والقلائد والإكليل والوشاح والقرط.

وثالثها الثياب.

وقال: آخرون: الزينة اسم يقع على محاسن الخلق التي خلقها الله  وعلى ما يتزين به الإنسان من فضل لباس أو حلي وغير ذلك.

يدل على ذلك أن كثيراً من النساء يتفردن بخلقهن عن سائر ما يعدّ زينة.

وفي قوله ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ إشارة إلى ذلك وكأنه  منعهن من إظهار محاسن خلقهن فأوجب سترها بالخمار.

قال القفال: بناء على هذا القول معنى قوله ﴿ إلا ما ظهر منها ﴾ إلا ما يظهره الإنسان على العادة الجارية وذلك في النساء الحرائر الوجه والكفان، وفي الإماء كل ما يبدو عند المهنة.

وفي صوتها خلاف، الأصح أنه ليس بعورة لأن نساء النبي  يروين الأخبار للرجال.

وأما الذين حملوا الزينة على ما عدا الخلقة فذهبوا إلى أنه  إنما حرم النظر إليها حال اتصالها ببدن المرأة لأجل المبالغة في حرمة النظر إلى أعضاء المرأة إلا ما ظهر من هذه الزينة كالثياب مطللقاً إذا لم تصف البدن لرقتها، وكالحمرة والوسمة في الوجه، وكالخضاب والخواتيم في اليدين، وما سوى ذلك يحرم النظر إليه.

ولهذا قال ﴿ وليضربن بخمرهن على جيوبهن ﴾ والخمر جمع الخمار وهي كالمقنعة.

قال المفسرون: إن نساء الجاهلية كن يسدلن خمرهن من خلفهن وكانت جيوبهن من قدام وساعة فكان ينكشف نحورهن وقلائدهن، فأمر أن يضربن مقانعهن على الجيوب لتستتر بذلك أعناقهن ونحورهن وما حواليها من شعر وزينة.

وفي لفظ الضرب مبالغة في الإلقاء شبيه الإلصاق.

وعن عائشة: ما رأيت نساء خيراً من نساء الأنصار، لما نزلت هذه الاية قامت كل واحدة منهن إلى مرطها فصدعت منه صدعة فاختمرن فأصبحن كأن على رؤوسهن الغربان.

ثم بين أن الزينة الخفية يحل إبداؤها لاثنتي عشرة فرقة: الأولى بعولتهن أي أزواجهن والتاء لتأكيد الجمع كصقورة.

الثانية: آباؤهن وإن علوا من جهة الأب والأم.

الثالثة: آباء بعولتهن وإن علوا.

الرابعة: أبناؤهن وإن سفلوا الخامسة: أبناء بعولتهن وإن سفلوا ايضاً.

السادسة: إخوانهن سواء كانوا من الأب أو من الأم أو منهما.

السابعة: بنو إخوانهن.

الثامنة: بنو أخواتهن وحكم أولاد الأولاد حكم اولاد فيهما.

وهؤلاء كلهم محارم وترك من المحارم العم والخال، فعن الحسن البصري أنهما كسائر المحارم في جواز النظر.

وقد يذكر البعض لينبه على الجملة ولهذا لم يذكر المحارم من الرضاع في هذه الآية، وكذا في سورة الأحزاب قال ﴿ لا جناح عليهن في آبائهن  ﴾ إلى آخر الآية.

ولم يذكر البعولة ولا أبناءهم.

وقال الشعبي: إنما لم يذكرهما الله  لئلا يصفها العم عند ابنه والخال عند ابنه، وذلك أن العم والخال يفارقان سائر المحارم في أوان أبناءهما ليسوا من المحارم، فإذا رآها الأب فربما وصفها لابنه وليس بمحرم ومعرفة الوصف قريب من النظر، وهذا أيضاً من الدلالات البليغة على وجوب الاحتياط في التستر.

وإنما أبيح إبداء الزينة الخفية لهؤلاء المذكورين لاحتياجهن إلى مداخلتهم ومخالطتهم ولا سيما في السفار للنزول والركوب.

وأيضاً لقلة وقوع الفتنة من جهاتهم لما في الطباع من النفرة عن مماسة القرائب الأقارب.

التاسعة: قوله ﴿ أو نسائهن ﴾ فذهب أكثر السلف على أن المراد أهل أديانهن ومن هنا قال ابن عباس: ليس للمسلمة أن تتجرد بين نساء أهل الذمة ولا تبدي للكافرة إلا ما تبدي للأجانب إلا أن تكون أمة لها.

وكتب عمر إلى أبي عبيدة أن يمنع نساء أهل الكتاب من دخول الحمام مع المؤمنات.

وقال آخرون: والعمل عليه إن المراد جميع النساء وقول السلف محمول على الأولى والأحب.

العاشرة: قوله ﴿ أو ما ملكت ايمانهن ﴾ وظاهر الآية يشمل العبيد والإماء ويؤيده ما روى أنس أنه  أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعليها ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله  ما تلقى قال: "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك،" وعن عائشة أنها قالت لذكوان: إنك إذا وضعتني في القبر وخرجت فأنت حر.

وعنها أنها كانت تمشط والعبد ينظر إليها.

وقال ابن مسعود ومجاهد والحسن وابن سيرين وسعيد بن المسيب: إن العبد ينظر إلى شعر مولاته وهو قول أبي حنيفة إذ ليس ملكها للعبد كملكه للأمة فلا خلاف أنها لا تستبيح بملك العبد شيئً من التمتع منه كما يملك الرجل من الأمة.

وتحريم تزوج العبد لمولاته عارض غير مؤبد كمن عنده أربع نسوة لا يجوز له التزوج بغيرهن، فلما لم تكن هذه الحرمة مؤبدة كان العبد بمنزلة سائر الأجانب خصياً كان العبد او فحلاً.

وأورد على هذا القول لزوم التكرار ضرورة أن الإماء من حملة نسائهن.

وأجيب بأنه أراد بالنساء الحرائر كما أراد بالرجال الأحرار في قوله ﴿ شهيدين من رجالكم  ﴾ الحادية عشرة قوله ﴿ أو التابعين غير أولي الإربة ﴾ وهي الحاجة وهم البله.

وأهل العنة الذين لا يعرفون شيئاً من أمور النساء إنما يتبعون الناس ليصيبوا من فضل طعامهم أو شيوخ صلحاء لا حاجة بهم إلى النساء لعفة أو عنانة.

"عن زينب بنت أم سلمة أن النبي  دخل عليها وعندها مخنث فأقبل على أخي أم سلمة وقال: يا عبد الله إن فتح الله لكم الطائف أدلك على بنت غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان عنى عكن بطنها.

فقال  :لا يدخلن عليكم هذا." فأباح النبي  دخول المخنث عليهن حين ظن أنه من غير أولي الإربة، فلما علم أنه يعرف أحوال النساء وأوصافهن علم أنه من أولي الإربة فحجبه.

الثانية عشر قوله ﴿ أو الطفل ﴾ وهو جنس يقع على الواحد والجمع وهو المراد ههنا.

قال ابن قتيبة معنى ﴿ لم يظهروا ﴾ لم يطلعوا ﴿ على عورات النساء ﴾ والعورة سوأة الإنسان وكل مايستحيا منه.

وقال الفراء والزجاج: هو من قولهم "ظهر على كذا" إذا قوي عليه أي لم يبلغوا أوان القدرة على الوطء.

فعلى الأول يجب الاحتجاب ممن ظهر فيه داعية الحكاية، وعلى الثاني إنما يجب الاحتجاب من المراهق الذي ظهرت فيه مبادي الشهوة، قال الحسن: هؤلاء الفرق وإن اشتركوا في جواز رؤية الزينة الظاهرة فهم على أقسام ثلاثة: فأولهم الزوج وله حرمة ليست لغيره يحل له كل شيء منها، والثاني الأب والابن والأخ والجد وأبو الزوج وكل محرم من الرضاع أو النسب كل يحل لهم أن ينظروا إلى الشعر والصدر والساقين والذراع وأشباه ذلك.

والثالث التابعون غير أولي الإربة، وكذا المملوك لا بأس أن تقوم المرأة الشابة بين يدي هؤلاء في درع وخمار صفيق بغير ملحفة، ولا يحل لهؤلاء أن يروا منها شعراً ولا بشراً ولا يصح للشابة أن تقوم بين يدي الغريب حتى تلبس الجلباب.

فهذا ضبط هذه المراتب ثم علمهن أدباً آخر جميلاً بقوله ﴿ ولا يضربن بأرجلهن ﴾ قال ابن عباس: كانت المرأة تضرب الأرض برجلها ليتقعقع خلخالها فيعلم أنها ذات خلخال.

وقيل: كانت تضرب بإحدى رجليها الأخرى ليعلم أنها ذات خلخالين.

وفي النهي عن إظهار صوت الحلي بعد نهيهن عن إظهار الحلي مبالغة فوق مبالغة ليعلم أن كل ما يجر إلىالفتنة يجب الاحتراز عنه، فإن الرجل الذي تغلب عليه الشهوة إذا سمع صوت الخلخال يصير ذلك داعياً له إلى مشاهدتهن، ومنه يعلم وجوب إخفاء صوتهن إذا لم يؤمن الفتنة ولهذا كرهوا أذان النساء، ثم ختم الآية بالأمر بالدوام على التوبة والاستغفار لأن الإنسان خلق ضعيفاً لا يكاد يقدر على رعاية الأوامر والنواهي كما يجب.

قال العلماء: إن من أذنب ذنباً ثم تاب عنه لزمه كلما ذكر أن يجدد عنه التوبة لأنه يلزمه أن يستمر على ندمه وعزمه إلى أن يلقى ربه عز وجل.

وعن ابن عباس: اراد توبوا مما كنتم تفعلونه في الجاهلية لعلكم تسعدون في الدنيا والآخرة.

قال جار الله: من قرأ ﴿ آيه المؤمنون ﴾ بضم الهاء فوجهه أنها كانت مفتوحة لوقوعها قبل الألف، فلما سقطت الألف لالتقاء الساكنين أتبعت حركتها حركة ما قبلها.

الحكم السادس: النكاح وذلك أنه حين أمر بغض الأبصار وحفظ الفروج ارشد بعد ذلك إلى طريق الحل فيما تدعو إليه الشهوة.

وأصل الأيامى أيايم فقلب الواحد أيم بتشديد الياء، ويشمل الرجل والمرأة.

قال النضر بن شميل: الأيم في كلام العرب كل ذكر لا أنثى معه وكل أنثى لا ذكر معها وهو قول ابن عباس في رواية الضحاك يقول: زوِّجوا أياماكم بعضهم من بعض.

وقد آم وآمت وتأيما إذا لم يتزوجا بكرين كانا أو ثيبين.

قال: فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت افتى منكم أتأيم.

وظاهر الأمر الوجوب إلا أن الجمهور حملوه على الندب لأنه لو كان واجباً لشاع في عصر الرسول  وانتشر، ولو انتشر لنقل لعموم الحاجة إليه.

وقد ورد في الأخبار التصريح بكونه سنة كقوله  "النكاح سنتي" وكقوله  "من أحب فطرتي فليستسن بسنتي وهي النكاح" وقد أجمعوا على أن الأيم الثيب لو أبت التزويج لم يكن للولي إجبارها عليه.

واتفقوا على أن السيد لا يجبر على تزويج عبده أو أمته.

نعم قد يجب في بعض الصور كما إذا التمست التزويج من الولي فعليه الإجابة إذا كان الخاطب كفؤاً.

استدل الشافعي بعموم الآية على جواز تزويج البكر البالغة بدون رضاها وإعترض أبو بكر الرازي بأن الأيامى شامل للرجال والنساء وحين لزم في الرجال تزويجهم بإذنهم فكذا في النساء ويؤيده ما روي أنه  قال "البكر تستأمر في نفسها وإذنها صماتها" وأجيب بأن تخصيص النص لا يقدح في كونه حجة في الباقي.

والفرق أن الأيم من الرجال يتولى أمر نفسه فلا يجب على الولي تعهده بخلاف المرأة فإن احتياجها إلى من يصلح أمرها أظهر، على أنا لا نسلم أن لفظ الأيامى عند الإطلاق يتناول الرجال، وفي تخصيص الآية بخبر الواحد أيضاً نزاع.

واستدل ابو حنيفة بعموم الآية أيضاً على أن العم والأخ يليان تزويج الثيب الصغيرة ونوقش فيه.

قال الشافعي: من تاقت نفسه إلى النكاح استحب له أن ينكح إذا وجد أهبة النكاح وإلا فليكسر شهوته بالصوم لما روى عبد الله بن مسعود أن رسول الله  قال "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فإن الصوم له وجاء" والذي جاء لا تتوق نفسه إلى النكاح لكبر أو مرض أو عجز أو كان غير قادر على النفقة يكره له أن ينكح لأنه يلتزم مالا يمكنه القيام بحقه، وإن لم يكن به عجز وكان قادراً على القيام بحقه لم يكره له أن ينكح لكن الأفضل أن يتخلى لعبادة الله  .

وقال أبو حنيفة: النكاح افضل.

حجة الشافعي أنه تعالى مدح يحيى بقوله ﴿ وسيداً وحصوراً  ﴾ والحصور الذي لا يأتي النساء مع القدرة عليهن.

وقال النبي  "أفضل أعمالكم الصلاة" وقال "أفضل أعمال أمتي قراءة القرآن" وقال "أحب المباحات إلى الله  النكاح" والمباح ما استوى طرفاه، والمندوب ما ترجح فعله ولو كان النكاح عبادة لم يصح من الكافر.

والنكاح فيه شهوة النفس والعبادة فيها مشقة النفس والإقبال على الله  فأين أحدهما من الآخر!‍ ولو كان النكاح مساوياً للنوافل في الثواب لم تكن النوافل مشروعة لأن الطريق المؤدي إلى المطلوب مع بقاء اللذة وعدم التعب أولى بالسلوك، وإن كان الاشتغال بالنكاح أولى من النافلة لأنه سبب لبقاء الأشخاص ونظام العالم.

فالاشتغال بالزراعة أيضاً أولى من النافلة للعلة المذكورة.

وقد وقع الإجماع على أن واجب العبادة مقدم على واجب النكاح، فكذا مندوبها على مندوبه لاتحاد السبب.

وعن النبي  "إذا أتى على أمتي مائة وثمانون سنة فقد حلت لهم العزبة والعزلة والترهب على رؤوس الجبال" وعنه  "يأتي على الناس زمان لا تنال المعيشة فيه إلا بالمعصية فإذا كان ذلك الزمان حلت العزوبة" حجة أبي حنيفة أن النكاح يتضمن صوت النفس من ضرر الزنا ودفع الضرر أهم من جلب النفع.

وأيضاً النكاح يتضمن العدل.

وقد ورد في الحديث "لعدل ساعة خير من عبادة ستين سنة" وقال  "النكاح سنتي" وقال في الصلاة "إنها خير موضوع فمن شاء فليستكثر ومن شاء فليستقلل" ثم إن الأيامى جمع مستغرق لكنهم أجمعوا على أنه لا بد من شروط ذكرنا بعضها في سورة النساء في قوله ﴿ وأحل لكم ما وراء ذلكم  ﴾ ومعنى ﴿ منكم ﴾ أي من حرائركم قاله كثير من المفسرين لأن حكم العبيد والإماء يعقب ذلك.

ومنهم من قال: أراد من يكون تحت ولاية المأمور من الولد والقريب.

ومنهم من قال: الإضافة لا تفيد الحرية والإسلام.

ثم امر السادة أن يزوجوا أرقاءهم الصالحين.

واتفقوا على أنه للإباحة والترغيب لأن في تزويج العبد التزام مؤنة زوجته وتعطل خدمته واستفادة المهر وسقوط النفقة في تزويج الأمة ليس قبوله بلازم على السيد أيضاً، وتخصيص الصالحين بالذكر عناية من الله بحالهم ليتحصن دينهم ويتحفظ عليهم صلاحهم.

وأيضاً الصالحون من الأرقاء هم الذين يشفق عليهم مواليهم ويهتمون بشأنهم حتى ينزلوهم منزلة الأولاد.

ويجوز أن يراد بالصلاح القيام بحقوق النكاح، ومن جملة ذلك أن لا يكون في غاية الصغر بحيث لا يحتاج إلى النكاح.

وإذن السيد لهم أن يزوجوا أنفسهم ينوب عن تزويج السيد.

أما قوله ﴿ إن يكونوا فقراء ﴾ فالأصح أن هذا ليس وعداً من الله  بإغناء من يتزوج حتى لا يجوز أن يقع فيه خلف، فرب غني يفقره النكاح ولكن المعنى لا تنظروا إلى فقر من يخطب إليكم ففي فضل الله ما يغنيهم والمال غاد ورائح.

على أن مثل هذا الوعد قد جاء مشروطاً بالمشيئة في قوله ﴿ وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء  ﴾ فالمُطلق محمول على المقيد.

وقيل: أراد بالغنى نفس العفاف بتملك البضع الذي يغنيه عن الوقوع في الزنا.

وعن طائفة من الصحابة أن هذا وعد.

وعن أبي بكر قال: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى.

وعن ابن عباس: التمسوا الرزق بالنكاح.

"وشكا رجل إلى رسول الله  الحاجة فقال:عليك بالباءة." وقد يستدل بالآية على أن العبد والأمة يملكان وإلا لم يتصور فقرهما وغناهما.

والمفسرون قالوا: الضمير عائد إلى الأحرار خاصة وهم الأيامى، وإن فسر الغني بالعفاف فلا بعد في رجوعه إلى الكل ﴿ والله واسع ﴾ إفضاله ولكنه ﴿ عليم ﴾ يبسط الرزق كما يريد وعلى ما ينبغي.

وفيه إشارة إلى قيد المشيئة في الوعد المذكور.

ثم ذكر حال العاجزين عن القيام بمؤن النكاح بقوله ﴿ وليستعفف ﴾ أي ليطلب العفة من نفسه والمضاف محذوف أي لا يجدون استطاعة نكاح ولا يقدرون عليه، أو النكاح يراد به ما ينكح بوساطته وهو المال ولا محذوف.

وفي قوله ﴿ حتى يغنيهم ﴾ نوع تأميل للمستعففين.

وفيه أن فضله من أهل الصلاح والعفاف قريب.

الحكم السابع: المكاتبة: وحين رغب السادة في تزويج الصالحين من العبيد والإماء أرشدهم إلى الطريق الذي به ينخرط العبيد في سلك الأحرار مع عدم الإضرار بالسادة فقال ﴿ والذين يبتغون ﴾ ومحله إما رفع والخبر ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط، وإما نصب بفعل مضمر تفسيره ﴿ فكاتبوهم ﴾ والفاء للإيذان يتلازم ما قبلها وما بعدها كقوله { ﴿ وربك فكبر  ﴾ والكتاب والمكاتبة كالعتاب والمعاتبة، والتركيب يدل على الضم والجمع لما فيه من ضم النجوم بعضها إلى بعض.

وقال الأزهري: هو من الكتابة ومعناه كتبت لك على نفس أن تعتق مني إذا وفيت المال وكتبت لي على نفسك أن تفي بذلك أو كتبت عليك الوفاء بالمال وكتبت عليَّ العتق، وقيل: سمي بذلك لما يقع فيه من التأجيل واجباً عند الشافعي وندباً عند أبي حنيفة كما تجيء.

والأجل يستدعي الكتابة لقوله { ﴿ إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه  ﴾ قال محي السنة: الكتابة أن تقول لمملوكك كاتبتك على كذا ويسمى مالا يؤديه في نجمين أو أكثر ويعين عدد النجوم، وما يؤدى في كل نجم ويقول: إذا أديت ذلك المال فأنت حر وينوي ذلك بقلبه.

ويقول العبد: قبلت وفي هذا الضبط أبحاث: الأول قال الشافعي: إن لم يقل بلسانه إذا أديت ذلك المال فأنت حر ولم ينوِ بقلبه ذلك لم يعتق لأن الكتابة ليست عقد معاوضة محضة، فإن ما في يد العبد فهو ملك لاسيد والإنسان لا يمكنه بيع ملكه بعين ملكه.

فقوله "كاتبتك" كناية في العتق فلا بد فيه من لفظ العتق ونيته.

وقال أبو حنيفة ومالك وأبو يوسف ومحمد وزفر: لا حاجة إلى ذلك لإطلاق قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ وإذا صحت الكتابة وجب أن يعتق بالأداء للإجماع.

الثاني: لا تجوز الكتابة عند الشافعي إلا مؤجلة لأن العبد لا يتصور له ملك يؤديه في الحال.

وجوز أبو حنيفة الحلول لإطلاق الآية، ولأنه يجوز العتق على مال في الحال بالاتفاق، فالكتابة ايضاً مثله.

الثالث: قال الشافعي: لا تجوز الكتابة على أقل من نجمين.

روي ذلك عن علي  وعمر وعثمان وابن عمر.

وذلك أنه عقد إرفاق ومن تمام الإرفاق التنجيم، وجوز أبو حنيفة على نجم واحد لإطلاق الآية وللقياس على سائر العقود.

الرابع: جوز أبو حنيفة كتابة الصبي قال: ويقبل عنه المولى.

وذهب الشافعي إلى أنه يجب أن يكون عاقلاً بالغاً لأنه  قال ﴿ والذين يبتغون ﴾ والصبي لا يتصور منه الطلب.

الخامس: جوز أبو حنيفة أن يكاتب الصبي بإذن الولي وشرط الشافعي كونه مكلفاً مطلقاً، لأن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ خطاب فلا يتناول إلا العاقل هذا وللمفسرين خلاف في أن قوله ﴿ فكاتبوهم ﴾ أمر إيجاب أو استحباب، فقال قائلون ومنهم عمرو بن دينار وعطاء وداود بن علي ومحمد بن جرير إلى وجوب الكتابة إذا طلبها المملوك بقيمته أو بأكثر وعلم السيد فيه خيراً، ولو كان بدون قيمته لم يلزمه وأكدوه بما روي في سبب النزول أنه كان لحويطب بن عبد العزى مملوك يقال له الصبيح سأل مولاه أن يكاتبه فأبى فنزلت.

ويروى أن عمر أمر إنساناً بأن يكاتب سيرين أبا محمد بن سيرين، فأبى فضربه بالدرة ولم ينكر أحد من الصحابة عليه.

وذهب أكثر العلماء منهم ابن عباس والحسن والشعبي ومالك وأبو حنيفة والشافعي والثوري إلى أنه ندب لقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلاّ بطيب من قلبه" ولأن طلب الكتابة كطلب بيعه ممن يعتقه في الكفارة فلا تجب الإجابة، وهذه طريقة المعاوضات أجمع.

قال العلماء: إذا أدى مال الكتابة عتق وكان ولاؤه لمولاه لأنه جاد عليه بالكسب الذي هو في الأصل له، ومن هنا يكسب مولاه الثواب.

أما قوله ﴿ إن علمتم فيهم خيراً ﴾ قال عطاء: الخير هو المال كقوله ﴿ إن ترك خيراً  ﴾ قال: بلغني ذلك عن ابن عباس.

وضعف بأنه لا يقال في فلان مال وإنما يقال له أو عنده مال، وبأن العبد لا مال له بل المال لسيده، وعن ابن سيرين: اراد إذا صلى.

وعن النخعي: وفاء وصدقاً.

وقال الحسن: صلاحاً في الدين.

والأقرب أنه شيء يتعلق بالكتابة هكذا فسره الشافعي بالأمانة والقوة على الكسب.

ويروى مثله مرفوعاً إلى النبي  .

وذلك أن مقصود الكتابة لا يحصل إلا بالكسب ثم بالأمانة كيلا يضيع ما يكسبه.

واختلفوا أيضاً في المخاطب بقوله ﴿ وآتوهم ﴾ فعن الحسن والنخعي وابن عباس في رواية عطاء وهو مذهب أبي حنيفة، أنهم المسلمون والمراد أعطوهم سهمهم الذي جعل الله لهم من بيت المال، ولا بعد في كون المخاطب في أحد المعطوفين غير الآخر ولا في كون أحد الأمرين للاستحباب والآخر للإيجاب.

والسهم الذي يأخذه المكاتب له صدقة ولسيده عوض كما قاله  في حديث بريرة "هو لها صدقة ولنا هدية" وعن كثير من الصحابة وهو مذهب الشافعي أن المخاطب هو الموالي والأمر أمر إيجاب فيجب عليهم أن يبذلوا للمكاتبين شيئاً من أموالهم، أو يحطوا عنهم جزءاً من مال الكتابة.

ثم اختلفوا في قدره فعن علي  أنه كان يحط الربع ومثله ما روى عطاء بن السائب عن أبي عبد الرحمن أنه كاتب غلاماً له فترك ربع مكاتبته وعن ابن عمر أنه كاتب عبداً له بخمسة وثلاثين ألفاً ووضع عنه خمسة آلاف وهو السبع.

والأكثرون على أنه غير مقدر ويحصل الامتثال بأقل متمول.

عن ابن عباس: يضع له من كتابته شيئاً.

وعن عمر أنه كاتب عبداً له يكنى أبا أمية وهو أول عبد كوتب في الإسلام، فأتاه بأول نجم فدفعه إليه عمرو وقال: استعن به على مكاتبتك.

فقال: لو أخرته إلى آخر نجم، فقال: أخاف أن لا أدرك ذلك، وهذا الحط عند الأولين على وجه الندب فلا يجبر المولى عليه وأكدوه بما روى عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده أنه  قال "أَيما عبد كاتب على مائة أوقية فأداها إلاّ عشر أواق فهو عبد" فلو كان الحط واجباً لأسقط عنه بقدره، ومثله المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

وايضاً لو كان الحط واجباً فإن كان معلوماً لزم عتقه إذا بقي ذلك القدر وليس ذلك بالاتفاق، ولو كان مجهولاً لكان ما بقي وهو مال الكتابة مجهولاً فلا تصح الكتابة.

وأيضاً أمر بالإيتاء من مال الله الذي أتاهم ومال الكتابة ليس بدين صحيح لأنه يصدر العجز عنه فلا يستحق ذلك المال هذا الوصف فصح أن هذا أمر من الله  بذلك للناس، أولهم وللسادة أن يعينوا المكاتب على كتابته بما يمكنهم قال  "من أعان مكاتباً في فك رقبته أظله الله في ظل عرشه" الحكم الثامن: المنع من إكراه الإماء على الزنا: كان لعبد الله بن ابيّ راس النفاق ست جوار: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وأروى وقتيلة، يكرهن على البغاء - أي الزنا- فشكت ثنتان منهن معاذة ومسيكة إلى رسول الله  .

وحد الإكراه قد مر في سورة النحل في قوله { ﴿ إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان  ﴾ والنص وإن كان مختصاً بالإماء إلا أنهم أجمعوا على أن حال الحرائر أيضاً كذلك.

والسؤال المشهور في الآية هو أن المعلق بكلمة أن على الشيء يفهم منه عدمه عند عدم ذلك الشيء فتدل الآية على جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصن.

والجواب بعد تسليم أن مفهوم الخطاب حجة هو أن الإكراه مع عدم غرادة التحصن والتعفف مما لا يجتمعان، فهذا المفهوم قد خرج عن كونه دليلاً لامتناعه في ذاته.

وقد يقال: إن غالب الحال أن الإكراه لا يحصل إلا عند إرادة التحصن والكلام الوارد على سبيل الغالب لا يكون له مفهوم الخطاب كما مر في قوله ﴿ فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم  ﴾ وقيل: "إن" بمعنى "إذ" لأن سبب النزول وارد على ذلك.

قال جار الله: أوثرت كلمة "أن" على "إذ" إيذاناً بأن المساعيات كن يفعلن ذلك برغبة وطواعية منهن، وأن ما وجد من معاذة ومسيكة من قبيل الشاذ والنادر.

وللآية مفهوم آخر وهو أن للسادة إكراههن على النكاح وليس لها أن تمتنع على السيد إذا زوجها.

و ﴿ عرض الحياة الدنيا ﴾ كسبهن وأولادهن ﴿ ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم ﴾ لهم على الإطلاق أو بشرط التوبة على أصل الأشاعرة والمعتزلة، أو غفور لهن لأن الإكراه قد لا يكون على حد المعتبر في الشرع من التخويف الشديد فتكون آثمة حينئذ.

وحين فرغ من الأحكام وصف القرآن بصفات ثلاث: ألأولى الآيات المبينات أي الموضحات أو الواضحات في معاني الحدود والأحكام وغيرها ولا سيما الآيات التي ثبتت في هذه السورة.

الثانية كونه مثلاً من الذين خلوا أي قصة عجيبة من قصصهم فإن العجب في قصة عائشة ليس باقل من العجب في قصة يوسف ومريم ومااتهما به.

وعن الضحاك أنه أراد بالمثل شبه ما ذكر في التوراة والإنجيل من إقامة الحدود.

وعن مقاتل: اراد شبيه ما حل بهم من العقاب إذا عصوا.

الثالثة كونه موعظة ينتفع بها المتقون خاصة.

التأويل: لا تدخلوا بيوت عالم القرار التي هي غير بيوتكم من دار القرار حتى تتعرفوا أحوالها ﴿ وتسلموا على أهلها ﴾ سلام توديع ومتاركة ﴿ فإن لم تجدوا فيها أحداً ﴾ فإن صرتم بحيث فتنتم عن حظوظ الدنيا وشهواتها فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم بالتصرف فيها بالحق للحق ﴿ وإن قيل لكم ارجعوا ﴾ بجذبة ﴿ ارجعي إلى ربك  ﴾ ﴿ فارجعوا ﴾ ثم أشار إلى أن التصرف في الدنيا لأجل البلاغ وبحسب الضرورة جائز إذا لم تكن النفس تطمئن إليها فقال ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ الاية.

ثم أمر بغض بصر النفس عن مشتهيات الدنيا، وبصر القلب عن رؤية الأعمال ونعيم الآخرة، بصر السر عن الدرجات والقربات، وبصر الروح عن الالتفات غلى ما سوى الله، وبصر الهمة عن العلل بأن لا يرى نفسه أهلاً لشهود الحق تنزيهاً له وإجلالاً، ولهذا أمر بحفظ فرج الباطن عن تصرفات الكونين فيه.

ثم أمر النساء بمثل ما أمر به الرجال تنبيهاً على أن النساء بالصورة قد يكن رجالاً في المعنى.

ثم نهى عن إظهار ما زين الله به سرائرهم وأحوالهم إلا ماظهر على صفحات أحوالهم من غير تكلف منهم.

ثم اباح لهم إظهار بعض الأسرار إلى شيوخهن أو إخوانهن في الدين والحال، أو المريدين الذين هم تحت تربيتهم وتصرفهم بمنزلة النساء والمماليك ومن لا خبر عندهم من عالم المعنى كالبله والأطفال، ففيه نفثة مصدور من غير ضرب.

﴿ وتوبوا إلى الله جميعاً ﴾ فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين.

فتوبة المبتدئ من الحرام وتوبة المتوسط من الحلال وتوبة المنتهي مما سوى الله ﴿ وأنكحوا الأيامى ﴾ فيه أمر بطلب شيخ كامل يودع في رحم القلب من صلب الولاية نطفة استعداد قبول الفيض الأعلى وهو الولادة الثانية المستديعة للولوج في ملكوت السماء والأرض، وقد اشار إلى إفاضة هذا الاستعداد بقوله ﴿ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله وليستعفف ﴾ ليحفظ الذين لا يجدون شيخاً في الحال أرحام قلوبهم عن تصرفات الدنيا والهوى والشيطان حتى يدلهم الله على شيخ كامل كما دل موسى على الخضر  ، أو يخصهم بجذبة ﴿ الله يجتبي  ﴾ ﴿ والذين يبتغون ﴾ فيه أن المريد إذا طلب الخلاص عن قيد الرياضة لزم إجابته إن علم فيه الصلاح ووجب أن يؤتى بعض ما خص الله الشيخ به من المواهب ﴿ ولا تكرهوا ﴾ فيه أن النفس إذا لم تكن مائلة إلى التصرف في الدنيا وإن كان بالحق لم تكره عليه فإن أصحاب الخلوة غير أرباب الجلوة.

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ الأمر بالإنكاح وإن خرج مخرج أمر واحد في الظاهر فهو في الحقيقة على أقسام: الأمر في تزويج الإماء والعبيد يخرج مخرج الترغيب والتحريض.

وفي الأحرار يخرج مخرج المعونة والتقوية؛ لأن من بلغ ولده النكاح ذكراً أو أنثى استثار أقرباءه، وأهل أنسابه، والمتصلين به في ذلك، واستعانهم على ذلك، ولا كذلك السادات في المماليك؛ دل أن الأمر في أحدهما يخرج على المعونة، وفي الآخر على الترغيب.

ثم تزويج العبد يخرج كأنه فعل المعروف؛ إذ في ذلك إلزام مؤن بلا عوض يحصل له؛ ألا ترى أنه لا يملكه إلا من يملك المعروف من نحو الوصي والأب والمكاتب والعبد المأذون له في التجارة؟

ولا كذلك تزويج الإماء؛ إذ يملك هؤلاء ذلك، وكل مكتسب خير له لنفسه أو لغيره.

ثم جرى الوفاق بينهم: أن للولي أن يزوج أمته شاءت هي أو أبت، واختلفوا في تزويج العبد امرأة: قال بعضهم: [ليس] له ذلك إلا برضاء العبد.

وقال بعضهم: له ذلك شاء أو أبى.

ثم الناس اختلفوا في قوله: ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ قال بعضهم: الأيامى منهن: الإناث من الأحرار دون الذكور، واستدلوا ببطلان النكاح وفساده إذا كان بغير إذن الولي بهذه الآية؛ لأن الله  أمر الأولياء وخاطبهم أن يزوجوهن؛ كما أمر المولى بتزويج أمته، فأوجب للمولى الولاية كما أوجبها للولي وإن كانا مختلفين في الولاية.

لكن عندنا لو كانت الآية خرجت على التفسير على ما يقول خصومنا ﴿ وَأَنْكِحُواْ ٱلأَيَامَىٰ مِنْكُمْ ﴾ الإناث - لم يكن فيه دليل على ما قالوا هم، ويخرج ذلك على وجوه: أحدها: على الترغيب في إنكاحهن لما [لا] يتولى هن النكاح بأنفسهن حياء، ويستحيين التكلم بذلك حتى من فعلت ذلك منهم بنفسها صارت مطعونة عندهن.

أو أن يخرج ذلك مخرج المعونة لهن على ما ذكرنا؛ ألا ترى إلى ما روي عن رسول الله  : "أنه من بلغ ولده النكاح وعنده ما ينكحه فأحدث، فالإثم بينهما" ، فهذا يدل - والله أعلم - على وجه المعونة في تزويج الأب الابن البالغ، فإذا كان الأب مأموراً من جهة التأديب على المعونة بتزويج ابنه، ولا يوجب ذلك عليه ولاية إذا كره ذلك؛ فكذلك يكون مأموراً بتزويج ابنه من طريق المعونة، أو جهة الحياء، أو أن يخرج ذلك على ما قال خصومنا من إيجاب الولاية له عليها.

ثم رأينا أنها إذا رغبت في النكاح ورضيت به وكره وليها ذلك، جبر الولي على الإنكاح، وإن هي كرهت النكاح وأبت، ورغب الولي في ذلك وشاء، لم تجبر هي على ذلك؛ دل ذلك على أن الحق لها عليه دون أن يكون الحق في ذلك له عليها، فإذا كان الحق لها عليه جاز ذلك إذا تولت بنفسها؛ لما ذكرنا أن الخطاب للأولياء يخرج على الوجوه التي ذكرنا، والله أعلم.

هذا إذا كان في الآية ذكر الإناث دون الذكور، فكيف أن ليس في الآية ذكر تخصيص الإناث دون الذكور، واسم "الأيم" يقع على الإناث والذكور جميعاً؛ ألا ترى أنه روي عن عمر -  - قال: "لما نزلت هذه الآية ما رأيت مثل ما يلتمس بعد هذه الآية إنما التمسوا الغناء في الباءة" وما روي عن نجدة: أن عمر دعانا إلى أن ينكح من أيمنا وفي الشعر: لله در بني على أيم منهم وناكح *** وفي بعضها: وأيم تأبى من القوم إيماه.

*** جمع فيها اسم "الأيم": الرجال والنساء.

ومن الدليل - أيضاً - على ذلك قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ ﴾ فدل ذلك على أنه حث على تزويج البالغين من الأحرار رجالهم ونسائهم.

فإن قيل: فما وجه أمره بتزويج الرجال والأمر إليهم؟

فجواب ذلك ما ذكرنا من المعونة، والترغيب فيه.

ثم قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ وَٱلصَّالِحِينَ ﴾ أي: المؤمنين.

وجائز أن يكون الصالحين: من طلب منكم الصلاح والعفة.

أو ذكر الصالحين لما كانت العادة في الملوك أنهم يخاطبون أهل الصلاح منهم والأخيار، لا على إخراج غيرهم من حكم ذلك الخطاب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ من الناس من استدل بهذه الآية [على] أن العبد يملك؛ لأنه ذكر العبيد والأحرار جميعاً، ثم ذكر في آخره الغناء دل أنه يملك.

ويستدل بقوله: ﴿ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ  ﴾ أضاف الأجور والإيتاء إليهن؛ دل أنهن يملكن، لكن عندنا أن المماليك يملكون ملك التوسيع، وملك التصرف، ويقع لهم غناء التوسيع وغناء التصرف، ولا يقع لهم التمليك، ولا حقيقة الملك، والدلالة على ذلك قوله: ﴿ وَٱللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ فِي ٱلْرِّزْقِ فَمَا ٱلَّذِينَ فُضِّلُواْ بِرَآدِّي رِزْقِهِمْ عَلَىٰ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَآءٌ  ﴾ لو كان ما ملكت أيمانهم يملكون ما يملك الموالي والسادات لكان المماليك يفضلون على السادات، في الملك؛ إذ هم الذين يتصرفون ويكتسبون الأموال دون السادات، فدل ذكر تفضيل بعض على بعض أنهم لا يملكون ما يملك الموالي.

والثاني قوله: ﴿ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ...

﴾ الآية [الزمر: 29]، ولو كانوا يملكون على ما يملك السادات، لكانوا لهم فيه شركاء، دل أنهم لا يملكون حقيقة الملك، ولكن يملكون ملك التوسيع والتصرف.

أو أن يكون قوله: ﴿ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ راجعاً إلى الأحرار منهم دون المماليك، وذلك جائز في اللسان كقوله: [ ] ثم روي عن أبي هريرة -  - عن النبي  قال: "ثلاثة حق على الله  أن يغنيهم: المجاهد في سبيل الله، والناكح يريد العفاف، والمكاتب يريد الأداء" وعن عمر قال: "ما رأيت مثل الرجل لا يلتمس الغناء في الباءة" والله  يقول: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ .

وروي في الخبر قال: قال رسول الله  : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" ، وروي في الخبر "عن نبي الله  قال لعمر بن الخطاب: ما فعلت ببناتك؟

قال: هن عندي يا رسول الله.

قال: وقد حضن؟

قال: نعم.

قال: إنك لم تحبس واحدة منهن عن كفؤ إلا نقص من أجرك كل يوم قيراط" ، وفي بعض الأخبار: "من بلغ ولده النكاح، وعنده ما ينكحه، فأحدث فالإثم بينهما" وقوله: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ٱلَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ الاستعفاف: هو طلب العفاف؛ كأنه قال: يطلب الأسباب التي تمنعه عن الزنا، وتصيره عفيفاً حتى يغنيه الله من فضله، وأسباب العفة تكون أشياء: أحدها: ما روي عن نبي الله  : "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء" ونحوه، يطلب أسباب العفة إن لم يكن عنده ما ينكح حتى لا يقع في الزنا إلى أن أغناه الله، كقوله  : "من استعف أعفه الله" وجائز أن يكون قوله: ﴿ وَلْيَسْتَعْفِفِ ﴾ أي: يتعفف الذين لا يجدون نكاحاً، لم يجعل الله - عز وجل - للذي عجز عن النكاح استباحة الفروج والاستمتاع بها زنا إذا لم يكن عنده ما ينكح، كما جعل في الأموال وغيرها - رخصة التناول في ملك غيره عند الحاجة والضرورة ببدل؛ لوجوه: أن رخصة التناول في ملك غيره إنما تكون عند الضرورة، والضرورات لا تقع في الفروج، وفي الاستمتاع بها بحال؛ لذلك لم تبح.

والثاني: الاستمتاع بالنساء في الأصل كأنه إنما جعل وأبيح لبقاء النسل والتوالد، لا لحاجة أنفسهم وقضاء الشهوة، فإذا لم يكن عنده ما ينكح ارتفع عنه إبقاء النسل والتوالد.

والثالث: أن السعة والغناء وأنواع النعم هي الداعية إلى الحاجة، وقضاء الشهوة، فإذا كان فقيراً لا يجد ما ينكح زال عنه الأسباب التي تدعو إلى ذلك؛ لذلك لم يبح، وأما الحاجات والضرورات وما ذكرنا كلها تقع في الأموال، وإنما الحاجة في التناول منها لأنفسهم ولإبقائها؛ لذلك افترقا، والله أعلم.

ثم في قوله: ﴿ حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ، وقوله: ﴿ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ وجهان من المعتبر على نقض قول المعتزلة: أحدهما: أنه أضاف الإغناء إلى نفسه، وهو ليس يعطي أحداً شيئا يطرحه ويلقيه في يده بلا سبب، ولكن إنما يغنيه ويعطيه بأسباب تجعل لهم؛ فدل إضافة الإغناء إلى نفسه على أن له في تلك الأسباب التي فيها لهم غناء صنعاً وفعلا، ليس على ما تقوله المعتزلة أن لا صنع لله في أفعال عباده.

والثاني: فيه دلالة: أن غناهم وسعتهم فضل منه ورحمة لا شيء يستوجبون هم بأنفسهم ذلك قبله، لكن إفضالا منه لهم وإحساناً؛ إذ لو كان عليه ذلك كان منه عدلا لا فضلا؛ فدل تسمية الفضل ذلك على أن من أعطاه الله يقال: ذلك أعطاه فضلا منه وإنعاماً لا استيجاباً واستحقاقاً، وذلك رد عليهم في الأصلح في الدين.

ثم من الناس من استدل بهذه الآية بقوله: ﴿ يُغْنِيَهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ : حتى يغنيهم الله من فضله على تفضيل الغناء على الفقر قالوا: لأنه سماه فضلا بقوله: ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾ وسماه في غير آي من القرآن: رحمة وحسنة، وسماه: خيراً أيضاً في غير موضع، وسمى الفقر والضيق: بلاء مرة، و: سيئة ثانياً، و: ضرّاً و: شدة بقوله: ﴿ وَبَلَوْنَاهُمْ بِٱلْحَسَنَاتِ وَٱلسَّيِّئَاتِ  ﴾ ، وقال: ﴿ وَنَبْلُوكُم بِٱلشَّرِّ وَٱلْخَيْرِ فِتْنَةً  ﴾ وقوله: ﴿ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ  ﴾ وغير ذلك من الآيات، وكأن ما سمي من البلاء والشدة والشر والضر والسيئة كله عبارة وكناية عن الضيق والفقر، وما ذكر من الخير والحسنة والرحمة ونحوه، كله عبارة عن السعة والغناء؛ فدل تسمية الغناء خيراً وحسنة ورحمة على أنه أفضل؛ إذ لا شك أن الخير والحسنة والرحمة خير من الشر والسيئة والبلاء؛ لذلك كان الغناء أفضل من الفقر.

فيقال لهم: هو كما قلتم: إنها خير مما ذكرتم، إلا أن هذه الأسباب التي ذكرتم هي الداعية إلى الفساد، الباعثة على قضاء الحاجات، والشهوات، وأنواع المعاصي في أنواع المحرمات، ولا كذلك الفقر والضيق والشدة، بل هي أسباب تمنع صاحبها عن التعاطي في أنواع المعاصي والمحرمات؛ فضلا أن تدعوه وتبعثه إلى ذلك، فقولنا: إن أفضل؛ للمعنى الذي ذكرنا، لا لمعنى فهمتموه أنتم.

أو أن يكون ما ذكر وسُمي: خيراً: السعة عند الناس، وكذلك ما ذكر من الضيق شرّاً وسيئة عندهم؛ لأنه كذلك عند الناس لا أنهما في الحقيقة كذلك؛ لما يحتمل أن يكون الغناء والسعة سبب الفساد، والضيق والفقر سبب منعه عن الفساد.

أو ألا يتكلم في تفضيل أحدهما على الآخر؛ إذ هما محنتان يمتحن بهما العباد: هؤلاء بالصبر على الفقر والضيق، وهؤلاء بشكرهم على الغناء والسعة، فالتكلم في فضل أحدهما على الآخر فضل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ : ظاهر هذا ليس على الكناية، ولكن على الكتاب المعروف وهو كتاب الله -  - لأن الكتاب المطلق هو كتاب الله  ، يسألون ساداتهم تعليم الكتاب لهم، إلا أن الناس لم يفهموا من هذا هذا، ولكن فهموا كتابة العبيد والإماء حيث صرفوا الآية إليها.

ثم قوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ليس على الوجوب والإلزام، ولكن على الترغيب فيها والحث؛ دليله ترك الأمة المماليك بعد موتهم دون مكاتبتهم من لدن رسول الله إلى يومنا هذا، ولو كان على الوجوب واللزوم لم يكونوا يتركون لازماً واجباً عليهم؛ فدل تركهم المكاتبة على أنه خرج مخرج الترغيب عليها، والحث لا على الوجوب، والله أعلم.

وقوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: أي: كاتبوهم إن علمتم أنهم يرغبون في أنواع الخير، وإقامة الصلاة، وأنواع الصلاح، وفرغوا أنفسهم لذلك.

قال بعضهم: إن علمتم فيهم خيراً، أي: وفاء وأمانة وصلاحاً، وهو قول الحسن.

وتأويل هذا: أي: كاتبوهم؛ إن علمتم أنهم يقدرون على وفاء ما كوتبوا، وأداء ذلك.

وقال قائلون: ﴿ خَيْراً ﴾ أي: حيلة.

وقال قائلون: مالا.

وقال قائلون: ﴿ خَيْراً ﴾ ، أي: حرفة، ورووا في ذلك خبراً عن رسول الله  مفسرا عن يحيى بن كثير قال: قال رسول الله  : "إن علمتم فيهم خيراً - أي: حرفة - ولا ترسلوهم كلا على الناس" .

إن ثبت هذا لا نحتاج إلى غيره من التفسير، ولو كان قال: إن علمتم لهم خيراً، جاز أن يقال: معنى ﴿ خَيْراً ﴾ مالاً، ولكنه قال: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ \[الجاه الذي\] والمال لا يكون فيهم، وإنما يكون لهم؛ فأشبه ذلك - والله أعلم - أن يكون الخير حرفة في الخير أو وفاءه، وأمانته، ثم في الآية دلالة أن العبيد لا يملكون شيئاً؛ لأنهم لو كانوا يملكون لكان يرغبهم ويحثهم على العتاق دون الكتابة، فدل ترغيبه إياهم عليها أنهم لا يملكون حتى تجعل الكتابة الكسب لهم والخدمة دون المولى.

وفي الكتابة أيضاً نظر للموالي؛ لأنهم إن قدروا على وفاء ما قبلوا أداءه، وإلا كان للموالي ردهم إلى منافع أنفسهم، ولو كان عتقاً لم يملكوا ردهم إلى منافع أنفسهم، ويبطل حقهم بلا شيء يصل إليهم، والله أعلم.

وفي قوله: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ دلالة القول بعلم العمل على ظاهر الأسباب دون تحقيق العلم به، حيث قال: ﴿ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْراً ﴾ وإنما يوصل ما ذكر من الخير بأسباب تكون لهم على نحو ما ذكروا فيه من الحرفة والوفاء وأداء الأمانة وأمثاله، وذلك أسباب توصل إلى الخير على أكبر الظن والعلم لا على الحقيقة.

وفيه دلالة العمل بالاجتهاد على ما يرى بهم من ظاهر الأسباب، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ﴾ اختلف في خطابه: قال الحسن وغيره: هو شيء حث الناس عليه مولاه وغيره، فيخرج ذلك على وجهين: أحدهما: ما جعل الله من الحق للمكاتبين في الصدقات؛ لقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَآءِ  ﴾ إلى قوله: ﴿ وَفِي ٱلرِّقَابِ  ﴾ وهم المكاتبون، أمر أرباب الأموال بدفع الصدقات للمكاتبين، وجعلهم أهلا لها، ليستعينوا بها على أداء ما عليهم من الكتابة.

فإن كان ذلك فذلك حق لهم.

والثاني: جائز أن يأمر الناس بمعونة هؤلاء المكاتبين على أداء ما عليهم من الكتابة بأموالهم سوى الصدقات؛ ليفكوا رقابهم عن ذل الرق والكسب.

وقال قائلون: إنما الخطاب للموالي خاصة؛ لما أن أوّل الخطاب بالكتابة راجع إلى الموالي؛ فعلى ذلك هذا.

ثمّ اختلفوا فيه: روي عن علي بن أبي طالب - رضي الله  عنه - قال: "يترك المولي الثلث من مكاتبته له".

وروي عنه أنه قال: "ربع المكاتبة".

وروي عن عمر -  - أنه كاتب غلاماً له، فحطّ عنه أول نجمه، وقال له: حط عني آخره، فقال عمر: "لعلي لا أصل إليه"، أو كلام نحو هذا، ثم تلا هذه الآية، قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ...

﴾ الآية.

وروي عن غلام لعثمان بن عفان -  - قال: "كاتبني عثمان، ولم يحطّ عني شيئاً"، دل ما روي عن عثمان أنه لم يحط عنه شيئاً على أن الأمر بالإيتاء للمكاتبين من الأموال والحطّ عنهم إنما هو على الاختيار والإفضال ليس على الوجوب واللزوم؛ لأنه لو كان على الوجوب، لكان عثمان بن عفان لا يحتمل ألا يحط عنه شيئاً.

ومن جعل ذلك واجباً على المولى أن يؤتيه من ماله، ويعجله له كان ذلك خارجاً عما روي عن الصحابة - رضوان الله  عليهم أجمعين - خلافاً لهم؛ لأنه روي عن بعضهم الحط عنهم، والوضع دون الإيتاء من ماله.

وروي عن بعضهم: الاستيفاء على الكمال لا حطّ فيه ولا إيتاء؛ دل أن قول من يأمرهم بالإيتاء من أموالهم دون الكتابة خارج عن قولهم جملة.

ثم يبطل ذلك من وجهين: أحدهما: أن من قال لعبده: "إذا أديت إليَّ كذا فأنت حر"، فحط عنه بعض ذلك، فأدّى البقية - لم يعتق حتى يؤدي الكل؛ فدل أن قوله: ﴿ وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ ٱللَّهِ ٱلَّذِيۤ آتَاكُمْ ﴾ ليس على الوجوب، ولكن على الاختيار.

والثاني: أنه لا يسمى بعد الأداء: مكاتبا، وإنما هو حرّ، وإنما ذكر الإيتاء إياهم وهم مكاتبون حيث قال: ﴿ فَكَاتِبُوهُمْ ﴾ ، ثم قال: ﴿ وَآتُوهُمْ ﴾ ، فلو كان على ما يقوله قوم، لكان ذلك باطلا؛ للوجهين اللذين ذكرناهما، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى ٱلْبِغَآءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ .

ليس قوله: ﴿ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾ بشرط فيه؛ لأنهن لا يكرهن على البغاء وإن لم يردن التحصن، دل أن ذلك ليس بشرط فيه، ولا يمكن الإكراه فيه إذا كن أطعن فيه، لكنه خرج ذلك على ما ذكر في القصة: كانوا يكرهونهن على الزنا ابتغاء المال، وهنّ كنّ يردن التحصن، فخرج الخطاب والنهي على فعلهم، دون أن يكون ذلك شرطاً فيه.

أو أن يكون ذلك إكراهاً إذا كن مطاوعات في ذلك.

وفيه دلالة بطلان المتعة وفسادها؛ لأنهم كانوا يكرهون إماءهم على أن يؤاجروا أنفسهن للزنا ابتغاء الأجر، وليست المتعة إلا كذلك.

وقال أهل التأويل: إن الآية نزلت في نفر من المنافقين عبد الله بن أبي وفلان وفلان كانوا يكرهون فتياتهم على الزنا ابتغاء عرض الدنيا، فإن كان ما ذكروا، ففيه دلالة أن الزنا حرام في الأديان كلها.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَمَن يُكْرِههُنَّ فَإِنَّ ٱللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ هذا يحتمل وجهين: [أحدهما:] يرجع إلى الإماء يقول: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم لهن، وكذلك روي في بعض الحروف أنه قرئ: (فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم).

والثاني: يرجع إلى السادات؛ فإن الله لهم غفور رحيم إذا تابوا، وأصلحوا.

والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بخفض الياء ونصبها، ثم يحتمل أن يكون المراد بالآيات: آيات القرآن جميعاً، وقوله: ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، أي: تبين للخلق ما لهم، وما عليهم، وما لله عليهم، وما لبعضهم على بعض.

﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالنصب، أي: مبينات أنها من عند الله.

وجائز أن يكون المراد بالآيات: الحجج والبراهين، فإن كان هذا، فقوله: ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالخفض، أي: تبين وحدانية الله -  - وعلم رسالة رسوله و ﴿ مُّبَيِّنَاتٍ ﴾ بالنصب، أي: واضحات بينات أنها حجج وبراهين.

وقوله: ﴿ وَمَثَلاً مِّنَ ٱلَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴾ أي: أنزلنا إليكم أيضاً مثل الذين خلوا من قبلكم ما حل بهم، ونزل بالمكذبين من العذاب، وموعظة ما يتعظ المتقون، أو جعل لكم فيما أنزل من الآيات عليكم أمثالا من الذين خلوا من قبلكم؛ لتتعظوا به والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وليطلب العفة عن زنى الذين لا يستطيعون الزواج لفقرهم إلى أن يغنيهم الله من فضله الواسع، والذين يطلبون مكاتبة أسيادهم من العبيد على دفع مال ليتحرّروا، فعلى أسيادهم أن يقبلوا منهم ذلك إن علموا فيهم القدرة على الأداء والصلاح في الدين، وعليهم أن يعطوهم من مال الله الَّذي أعطاهم بأن يحطّوا عنهم جزءًا مما كاتبوهم على دفعه، لا تجبروا إماءكم على الزنى بحثًا عن المال -كما فعل عبد الله بن أبيّ بأمَتَيْه حين طلبتا التعفف والبعد عن الفاحشة- لتطلبوا ما تكسبه بفرجها، ومن يجبرهنّ منكم على ذلك فإن الله من بعد الإجبار لهن غفور لذنبهنّ، رحيم بهن؛ لأنهنّ مُكرهات، والإثم على مُكْرِههنّ.

<div class="verse-tafsir" id="91.xmRJP"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
لا إله إلا الله