آية النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > آية النور

۞ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَـٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِۦ كَمِشْكَوٰةٍۢ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ ٱلْمِصْبَاحُ فِى زُجَاجَةٍ ۖ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌۭ دُرِّىٌّۭ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍۢ مُّبَـٰرَكَةٍۢ زَيْتُونَةٍۢ لَّا شَرْقِيَّةٍۢ وَلَا غَرْبِيَّةٍۢ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىٓءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌۭ ۚ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍۢ ۗ يَهْدِى ٱللَّهُ لِنُورِهِۦ مَن يَشَآءُ ۚ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلْأَمْثَـٰلَ لِلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌۭ ٣٥

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 331 دقيقة قراءة

صفحةُ آية النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير آية النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( الله نور السماوات والأرض ) يقول : هادي أهل السماوات والأرض .

وقال ابن جريج : قال مجاهد وابن عباس في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) يدبر الأمر فيهما ، نجومهما وشمسهما وقمرهما .

وقال ابن جرير : حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي ، حدثنا وهب بن راشد ، عن فرقد ، عن أنس بن مالك قال : إن إلهي يقول : نوري هداي .

واختار هذا القول ابن جرير ، رحمه الله .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب في قول الله تعالى : ( الله نور السماوات والأرض ) قال : هو المؤمن الذي جعل [ الله ] الإيمان والقرآن في صدره ، فضرب الله مثله فقال : ( الله نور السماوات والأرض ) فبدأ بنور نفسه ، ثم ذكر نور المؤمن فقال : مثل نور من آمن به .

قال : فكان أبي بن كعب يقرؤها : " مثل نور من آمن به فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره .

وهكذا قال سعيد بن جبير ، وقيس بن سعد ، عن ابن عباس أنه قرأها كذلك : " نور من آمن بالله " .

وقرأ بعضهم : " الله نور السماوات والأرض " " .

وعن الضحاك : " الله نور السماوات والأرض " .

وقال السدي في قوله : ( الله نور السماوات والأرض ) : فبنوره أضاءت السماوات والأرض .

وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف : " أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .

وفي الصحيحين ، عن ابن عباس : كان رسول الله صلى الله عليه سلم إذا قام من الليل يقول : " اللهم لك الحمد ، أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن " الحديث .

وعن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار ، نور العرش من نور وجهه .

وقوله : ( مثل نوره ) في هذا الضمير قولان : أحدهما : أنه عائد إلى الله ، عز وجل ، أي : مثل هداه في قلب المؤمن ، قاله ابن عباس ( كمشكاة ) .

والثاني : أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام : تقديره : مثل نور المؤمن الذي في قلبه ، كمشكاة .

فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى ، وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه ، كما قال تعالى : ( أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) [ هود : 17 ] ، فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري ، وما يستهديه من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل ، الذي لا كدر فيه ولا انحراف .

فقوله : ( كمشكاة ) : قال ابن عباس ، ومجاهد ، ومحمد بن كعب ، وغير واحد : هو موضع الفتيلة من القنديل .

هذا هو المشهور; ولهذا قال بعده : ( فيها مصباح ) ، وهو الذبالة التي تضيء .

وقال العوفي ، عن ابن عباس [ في ] قوله : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ) : وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم : كيف يخلص نور الله من دون السماء؟

فضرب الله مثل ذلك لنوره ، فقال : ( الله نور السماوات والأرض مثل نوره ) .

والمشكاة : كوة في البيت - قال : وهو مثل ضربه الله لطاعته .

فسمى الله طاعته نورا ، ثم سماها أنواعا شتى .

وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : الكوة بلغة الحبشة .

وزاد غيره فقال : المشكاة : الكوة التي لا منفذ لها .

وعن مجاهد : المشكاة : الحدائد التي يعلق بها القنديل .

والقول الأول أولى ، وهو : أن المشكاة هي موضع الفتيلة من القنديل; ولهذا قال : ( فيها مصباح ) وهو النور الذي في الذبالة .

قال أبي بن كعب : المصباح : النور ، وهو القرآن والإيمان الذي في صدره .

وقال السدي : هو السراج .

( المصباح في زجاجة ) أي : هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية .

قال أبي بن كعب وغير واحد : وهي نظير قلب المؤمن .

( الزجاجة كأنها كوكب دري ) : قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة ، من الدر ، أي : كأنها كوكب من در .

وقرأ آخرون : " دريء " و " دريء " بكسر الدال وضمها مع الهمز ، من الدرء وهو الدفع; وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال ، والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري .

قال أبي بن كعب : كوكب مضيء .

وقال قتادة : مضيء مبين ضخم .

( يوقد من شجرة مباركة ) أي : يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة ) زيتونة ) بدل أو عطف بيان ( لا شرقية ولا غربية ) أي : ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار ، ولا في غربيها فيتقلص عنها الفيء قبل الغروب ، بل هي في مكان وسط ، تفرعه الشمس من أول النهار إلى آخره ، فيجيء زيتها معتدلا صافيا مشرقا .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار قال : حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد ، أخبرنا عمرو بن أبي قيس ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : شجرة بالصحراء ، لا يظلها جبل ولا شجر ولا كهف ، ولا يواريها شيء ، وهو أجود لزيتها .

وقال يحيى بن سعيد القطان ، عن عمران بن حدير ، عن عكرمة ، في قوله : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : هي بصحراء ، وذلك أصفى لزينتها .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو نعيم ، حدثنا عمر بن فروخ ، عن حبيب بن الزبير ، عن عكرمة - وسأله رجل عن : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال تلك [ زيتونة ] بأرض فلاة ، إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها ، وإذا غربت غربت عليها فذاك أصفى ما يكون من الزيت .

وقال مجاهد في قوله : ( [ زيتونة ] لا شرقية ولا غربية ) قال : ليست بشرقية ، لا تصيبها الشمس إذا غربت ، ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت ، [ ولكنها شرقية وغربية ، تصيبها إذا طلعت ] وإذا غربت .

وقال سعيد بن جبير في قوله ( زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ) قال : هو أجود الزيت .

قال : إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق ، فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس ، فالشمس تصيبها بالغداة والعشي ، فتلك لا تعد شرقية ولا غربية .

وقال السدي [ في ] قوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) يقول : ليست بشرقية يحوزها المشرق ، ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق ، ولكنها على رأس جبل ، أو في صحراء ، تصيبها الشمس النهار كله .

وقيل : المراد بقوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) أنها في وسط الشجر ، وليست بادية للمشرق ولا للمغرب .

وقال أبو جعفر الرازي ، عن الربيع بن أنس ، عن أبي العالية ، عن أبي بن كعب ، في قول الله تعالى : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : فهي خضراء ناعمة ، لا تصيبها الشمس على أي حال كانت ، لا إذا طلعت ولا إذا غربت .

قال : فكذلك هذا المؤمن ، قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن ، وقد ابتلي بها فيثبته الله فيها ، فهو بين أربع خلال : إن قال صدق ، وإن حكم عدل ، وإن ابتلي صبر ، وإن أعطي شكر ، فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا مسدد قال : حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : هي وسط الشجر ، لا تصيبها الشمس شرقا ولا غربا .

وقال عطية العوفي : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : هي شجرة في موضع من الشجر ، يرى ظل ثمرها في ورقها ، وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عمار ، حدثنا عبد الرحمن الدشتكي ، حدثنا عمرو بن أبي قيس ، عن عطاء ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، في قوله تعالى : ( لا شرقية ولا غربية ) ليست شرقية ليس فيها غرب ، ولا غربية ليس فيها شرق ، ولكنها شرقية غربية .

وقال محمد بن كعب القرظي : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : هي القبلية .

وقال زيد بن أسلم : ( لا شرقية ولا غربية ) قال : الشام .

وقال الحسن البصري : لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية ، ولكنه مثل ضربه الله لنوره .

وقال الضحاك ، عن ابن عباس : ( توقد من شجرة مباركة ) قال : رجل صالح ( زيتونة لا شرقية ولا غربية ) قال : لا يهودي ولا نصراني .

وأولى هذه الأقوال القول الأول ، وهو أنها في مستوى من الأرض ، في مكان فسيح بارز ظاهر ضاح للشمس ، تفرعه من أول النهار إلى آخره ، ليكون ذلك أصفى لزينتها وألطف ، كما قال غير واحد ممن تقدم; ولهذا قال : ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يعني : لضوء إشراق الزيت .

وقوله : ( نور على نور ) قال العوفي ، عن ابن عباس : يعني بذلك إيمان العبد وعمله .

وقال مجاهد ، والسدي : يعني نور النار ونور الزيت .

وقال أبي بن كعب : ( نور على نور ) فهو يتقلب في خمسة من النور ، فكلامه نور ، وعمله نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى النور يوم القيامة إلى الجنة .

وقال شمر بن عطية : جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال : حدثني عن قول الله : ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) قال : يكاد محمد يبين للناس ، وإن لم يتكلم ، أنه نبي ، كما يكاد ذلك الزيت أن يضيء .

وقال السدي في قوله : ( نور على نور ) قال : نور النار ونور الزيت ، حين اجتمعا أضاءا ، ولا يضيء واحد بغير صاحبه [ كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا ، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه ] وقوله : ( يهدي الله لنوره من يشاء ) أي : يرشد الله إلى هدايته من يختاره ، كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا معاوية بن عمرو ، حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري ، حدثنا الأوزاعي ، حدثني ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله [ بن ] الديلمي ، عن عبد الله بن عمرو ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ، ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ ، فمن أصاب يومئذ من نوره اهتدى ، ومن أخطأه ضل .

فلذلك أقول : جف القلم على علم الله عز وجل " طريق أخرى عنه : قال البزار : حدثنا أيوب بن سويد ، عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمر : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن الله خلق خلقه في ظلمة ، فألقى عليهم نورا من نوره ، فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ، ومن أخطأه ضل .

[ ورواه البزار ، عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر ، بلفظه وحروفه ] .

وقوله تعالى : ( ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب المؤمن ، ختم الآية بقوله : ( ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم ) أي : هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال .

قال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر : حدثنا أبو معاوية - يعني شيبان - ، عن ليث ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر ، وقلب أغلف مربوط على غلافه ، وقلب منكوس ، وقلب مصفح : فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن ، سراجه فيه نوره .

وأما القلب الأغلف فقلب الكافر .

وأما القلب المنكوس فقلب [ المنافق ] عرف ثم أنكر .

وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ، ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ، ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها القيح والدم ، فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه " .

إسناده جيد ولم يخرجوه .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يعني تعالى ذكره بقوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) هادي من في السماوات والأرض، فهم بنوره إلى الحق يهتدون، وبهداه من حيرة الضلالة يعتصمون.

واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم فيه نحو الذي قلنا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) يقول: الله سبحانه هادي أهل السماوات والأرض.

حدثني سليمان بن عمر بن خلدة الرقي، قال: ثنا وهب بن راشد، عن فرقد، عن أنس بن مالك، قال: إن إلهي يقول: نوري هُداي.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: الله مدبر السماوات والأرض.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد وابن عباس في قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) : يدبر الأمر فيهما، نجومهما وشمسهما وقمرهما.

وقال آخرون: بل عنى بذلك النور الضياء.

وقالوا: معنى ذلك: ضياء السماوات والأرض.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: ثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، في قول الله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) قال: فبدأ بنور نفسه، فذكره، ثم ذكر نور المؤمن.

وإنما اخترنا القول الذي اخترناه في ذلك; لأنه عقيب قوله: وَلَقَدْ أَنْـزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فكان ذلك بأن يكون خبرًا عن موقع يقع تنـزيله من خلقه.

ومن مدح ما ابتدأ بذكر مدحه، أولى وأشبه، ما لم يأت ما يدلُّ على انقضاء الخبر عنه من غيره.

فإذا كان ذلك كذلك، فتأويل الكلام: ولقد أنـزلنا إليكم أيها الناس آيات مبينات الحقّ من الباطل وَمَثَلا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ فهديناكم بها، وبيَّنا لكم معالم دينكم بها، لأني هادي أهل السماوات وأهل الأرض، وترك وصل الكلام باللام، وابتدأ الخبر عن هداية خلقه ابتداء، وفيه المعنى الذي ذكرت، استغناء بدلالة الكلام عليه من ذكره، ثم ابتدأ في الخبر عن مثل هدايته خلقه بالآيات المبينات التي أنـزلها إليهم، فقال: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) يقول: مثل ما أنار من الحقّ بهذا التنـزيل في بيانه كمشكاة.

وقد اختلف أهل التأويل في المعني بالهاء في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) علام هي عائدة، ومن ذكر ما هي؟

فقال بعضهم: هي من ذكر المؤمن.

وقالوا: معنى الكلام: مثل نور المؤمن الذي في قلبه من الإيمان والقرآن مثل مشكاة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، في قول الله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: ذكر نور المؤمن فقال: مثل نوره، يقول مثل نور المؤمن.

قال: وكان أُبيّ يقرؤها: كذلك مثل المؤمن، قال: هو المؤمن قد جعل الإيمان والقرآن في صدره.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) قال: بدأ بنور نفسه فذكره، ثم قال: ( مَثَلُ نُورِهِ ) يقول: مثل نور من آمن به، قال: وكذلك كان يقرأ أُبيّ، قال: هو عبد جعل الله القرآن والإيمان في صدره.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جُبير ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: مثل نور المؤمن.

حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أبي سنان، عن ثابت، عن الضحاك في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: نور المؤمن.

وقال آخرون: بل عُني بالنور: محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا: الهاء التي في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) عائدة على اسم الله.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب القمي، عن حفص، عن شمر قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله عزّ وجلّ: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ ) ...

الآية؟

فقال كعب: الله نور السماوات والأرض، مثل نوره مثل محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة.

حدثني عليّ بن الحسن الأزدي، قال: ثنا يحيى بن اليمان، عن أشعث، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: محمد صلى الله عليه وسلم.

وقال آخرون: بل عني بذلك: هدي الله وبيانه، وهو القرآن، قالوا: والهاء من ذكر الله.

قالوا: ومعنى الكلام: الله هادي أهل السماوات والأرض بآياته المبينات، وهي النور الذي استنار به السماوات والأرض مثل هداه وآياته التي هدى بها خلقه، ووعظهم بها في قلوب المؤمنين كمشكاة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( مَثَلُ نُورِهِ ) مثل هداه في قلب المؤمن.

حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) قال: مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( مَثَلُ نُورِهِ ) : نور القرآن الذي أنـزل على رسوله وعباده، هذا مثل القرآن ( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ).

قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم في قول الله تبارك وتعالى: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) ونوره الذي ذكر القرآن، ومثله الذي ضرب له.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: مثل نور الله، وقالوا: يعني بالنور: الطاعة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) : وذلك أن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟

فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال: وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا، ثم سماها أنوارا شتى.

وقوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) اختلف أهل التأويل في معنى المشكاة والمصباح، وما المراد بذلك، وبالزجاجة، فقال بعضهم: المشكاة كل كوّة لا منفذ لها، وقالوا: هذا مثل ضربه الله لقلب محمد صلى الله عليه وسلم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا يعقوب، عن حفص، عن شمر، قال: جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار، فقال له: حدثني عن قول الله: ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) ، قال: المشكاة وهي الكوّة، ضربها الله مثلا لمحمد صلى الله عليه وسلم ، المشكاة ( فيها مصباح ) المصباح قَلْبِهِ ( فِي زُجَاجَةٍ ) الزُّجَاجَةُ صدره ( الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) شبه صدر النبي صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدريّ، ثم رجع المصباح إلى قلبه فقال: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) لم تمسّها شمس المشرق ولا شمس المغرب، ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) يكاد محمد يبين للناس، وإن لم يتكلم أنه نبيّ، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ ).

حدثني علي، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس قوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) يقول: موضع الفتيلة.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ( الله نور السماوات والأرض) إِلَى (كَمِشْكَاةٍ ) قال: المشكاة: كوّة البيت.

وقال: آخرون عنى بالمشكاة: صدر المؤمن، وبالمصباح: القرآن والإيمان، وبالزجاجة: قلبه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى، قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: مثل المؤمن، قد جعل الإيمان والقرآن في صدره كمشكاة، قال: المشكاة: صدره ( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: والمصباح القرآن والإيمان الذي جعل في صدره ( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) قال: والزجاجة: قلبه ( الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ ) قال: فمثله مما استنار فيه القرآن والإيمان كأنه كوكب درّيّ، يقول: مضيء ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) والشجرة المباركة أصله المباركة الإخلاص لله وحده وعبادته، لا شريك له ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: فمثله مثل شجرة التفّ بها الشجر، فهي خضراء ناعمة، لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت، لا إذا طلعت ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الغير، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق، فهو في سائر الناس كالرجل الحيّ يمشي في قبور الأموات، قال: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) فهو يتقلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة في الجنة.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني يحيى بن اليمان، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أُبيّ العالية، عن أبي بن كعب، قال: المشكاة: صدر المؤمن ( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) قال: القرآن.

قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، نحو حديث عبد الأعلى، عن عبيد الله.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال: مثل هداه في قلب المؤمن، كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن، يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى، ونورا على نور، كما قال إبراهيم صلوات الله عليه قبل أن تجيئه المعرفة: ( قَالَ هَذَا رَبِّي ) حين رأى الكوكب من غير أن يخبره أحد أن له ربا، فلما أخبره الله أنه ربه ازداد هدى على هدى.

حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟

فضرب الله مثل ذلك لنوره، فقال: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) والمشكاة: كوّة (3) البيت فيها مصباح، ( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) والمصباح: السراج يكون في الزجاجة، وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نورا وسماها أنواعا شتى.

قوله: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ) قال: هي شجرة لا يفيء عليها ظلّ شرق ولا ظلّ غرب، ضاحية، ذلك أصفى للزيت (4) ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) قال معمر، وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا، ليست شرقية ولا غربية.

وقال آخرون: هو مثل للمؤمن، غير أن المصباح وما فيه مثل لفؤاده، والمشكاة مثل لجوفه.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قال مجاهد وابن عباس جميعا: المصباح وما فيه مثل فؤاد المؤمن وجوفه، المصباح: مثل الفؤاد، والكوّة: مثل الجوف.

قال ابن جُرَيج ( كَمِشْكَاةٍ ) : كوة غير نافذة.

قال ابن جُرَيج، وقال ابن عباس: قوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) يعني: إيمان المؤمن وعمله.

وقال آخرون: بل ذلك مثل للقرآن في قلب المؤمن.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن أبي رجاء، عن الحسن، في قوله: ( الله نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ) قال: ككوّة ( فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ).

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قول الله: ( اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ ) نور القرآن الذي أنـزل على رسوله وعباده، فهذا مثل القرآن ( كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) فقرأ حتى بلغ: ( مُبَارَكَةٍ ) فهذا مثل القرآن يستضاء به في نوره ويعلمونه ويأخذون به، وهو كما هو لا ينقص فهذا مثل ضربه الله لنوره.

وفي قوله: ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) قال: الضوء: إشراق ذلك الزيت، والمشكاة: التي فيها الفتيلة التي فيها المصباح، والقناديل تلك المصابيح.

حدثنا محمد بن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن عياض في قوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) قال: الكوّة.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا قرة، عن عطية، في قوله: ( كَمِشْكَاةٍ ) قال: قال ابن عمر: المشكاة: الكوّة.

وقال: آخرون: المشكاة القنديل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله: ( كَمِشْكَاةٍ ) قال: القنديل، ثم العمود الذي فيه القنديل.

حدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( كَمِشْكَاةٍ ) الصفر الذي في جوف القنديل.

حدثني إسحاق بن شاهين، قال: ثنا خالد بن عبد الله، عن داود، عن رجل، عن مجاهد قال: المشكاة: القنديل.

وقال آخرون: المشكاة الحديد الذي يعلق به القنديل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا محمد بن المفضل، قال: ثنا هشيم، قال: ثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، قال: المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل.

وأوْلى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: ذلك مثل ضربه الله للقرآن في قلب أهل الإيمان به، فقال: مثل نور الله الذي أنار به لعباده سبيل الرشاد، الذي أنـزله إليهم فآمنوا به وصدقوا بما فيه في قلوب المؤمنين مثل مشكاة، وهي عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وذلك هو نظير الكوّة التي تكون في الحيطان التي لا منفذ لها، وإنما جعل ذلك العمود مشكاة؛ لأنه غير نافذ، وهو أجوف مفتوح الأعلى، فهو كالكوّة التي في الحائط التي لا تنفذ، ثم قال: ( فِيهَا مِصْبَاحٌ ) وهو السراج، وجعل السراج وهو المصباح مثلا لما في قلب المؤمن من القرآن والآيات المبينات، ثم قال: ( الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ) يعني: أن السراج الذي في المشكاة: في القنديل، وهو الزجاجة، وذلك مثل للقرآن، يقول: القرآن الذي في قلب المؤمن الذي أنار الله قلبه في صدره، ثم مثل الصدر في خلوصه من الكفر بالله والشكّ فيه، واستنارته بنور القرآن، واستضاءته بآيات ربه المبينات، ومواعظه فيها بالكوكب الدرّيّ، فقال: ( الزُّجَاجَةُ ) وذلك صدر المؤمن الذي فيه قلبه ( كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ).

واختلفت القرّاء في قراءة قوله: ( دُرِّيٌّ ) ، فقرأته عامة قراء الحجاز: ( دُرِّيٌّ ) بضم الدال وترك الهمزة، وقرأ بعض قراء البصرة والكوفة: " دِرِّيء " بكسر الدال وهمزة، وقرأ بعض قرّاء الكوفة " دُرِّيء " بضم الدال وهمزة، وكأن الذين ضموا داله وتركوا الهمزة وجهوا معناه إلى ما قاله أهل التفسير الذي ذكرنا عنهم من أن الزجاجة في صفائها وحسنها كالدرّ، وأنها منسوبة إليه لذلك من نعتها وصفتها، ووجه الذين قرءوا ذلك بكسر داله وهمزه إلى أنه فعيل من درِّيء الكوكب: أي دُفع ورجم به الشيطان من قوله: وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ : أي يدفع، والعرب تسمي الكواكب العظام التي لا تعرف أسماءها الدراري بغير همز.

وكان بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة يقول: هي الدرارئ بالهمز، من يدرأن.وأما الذين قرءوه بضمّ داله وهمزه، فإن كانوا أرادوا به درّوء مثل سبوح وقدوس من درأت، ثم استثقلوا كثرة الضمَّات فيه، فصرفوا بعضها إلى الكسرة، فقالوا دِرِّيء، كما قيل: وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا وهو فعول من عتوت عتوّا، ثم حوّلت بعض ضماتها إلى الكسر، فقيل: عتيًا، فهو مذهب، وإلا فلا أعرف لصحة قراءتهم ذلك كذلك وجها، وذلك أنه لا يُعرف في كلام العرب فعيل، وقد كان بعض أهل العربية يقول: هو لحن.

والذي هو أولى القراءات عندي في ذلك بالصواب، قراءة من قرأ ( دُرِّيٌّ ) بضمّ داله، وترك همزه، على النسبة إلى الدرّ، لأن أهل التأويل بتأويل ذلك جاءوا وقد ذكرنا أقوالهم في ذلك قبل، ففي ذلك مكتفى عن الاستشهاد على صحتها بغيره، فتأويل الكلام: الزجاجة: وهي صدر المؤمن، كأنها: يعني كأن الزجاجة وذلك مثل لصدر المؤمن، كوكب: يقول في صفائها وضيائها وحسنها.

وإنما يصف صدره بالنقاء من كلّ ريب وشكّ في أسباب الإيمان بالله وبعده من دنس المعاصي، كالكوكب الذي يُشبه الدرّ في الصفاء والضياء والحسن.

واختلفوا أيضا في قراءة قوله: " تُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ" فقرأ ذلك بعض المكيين والمدنيين وبعض البصريين: " تَوَقَّدُ مِنْ شَجَرَةٍ" بالتاء وفتحها وتشديد القاف وفتح الدال، وكأنهم وجهوا معنى ذلك إلى توقد المصباح من شجرة مباركة.

وقرأه بعض عامة قرّاء المدنيين ( يُوقَدُ ) بالياء وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد المصباح، موقده من شجرة، ثم لم يسمّ فاعله.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة " تُوقَدُ" بضم التاء وتخفيف القاف ورفع الدال، بمعنى: يوقد الزجاجة موقدها من شجرة مباركة (5) لما لم يسمّ فاعله، فقيل: توقد.

وقرأه بعض أهل مكة " تَوَقَّدُ" بفتح التاء وتشديد القاف وضم الدال، بمعنى: تتوقد الزجاجة من شجرة، ثم أسقطت إحدى التاءين اكتفاء بالباقية من الذاهبة، وهذه القراءات متقاربات المعاني وإن اختلفت الألفاظ بها، وذلك أن الزجاجة إذا وصفت بالتوقد، أو بأنها تَوَقَّد، فمعلوم معنى ذلك، فإن المراد به تَوَقَّدَ فيها المصباح، أو يوقد فيها المصباح، ولكن وجَّهوا الخبر إلى أن وصفها بذلك أقرب في الكلام منها، وفهم السامعين معناه.

والمراد منه، فإذا كان ذلك كذلك، فبأيّ القراءات قرأ القارئ فمصيب، غير أن أعجب القراءات إليّ أن أقرأ بها في ذلك " تَوَقَّدَ" بفتح التاء، وتشديد القاف وفتح الدال، بمعنى وصف المصباح بالتوقد; لأن التوقد والاتقاد لا شكّ أنهما من صفته دون الزجاجة، فمعنى الكلام إذن: كمشكاة فيها مصباح، المصباح من دهن شجرة مباركة، زيتونة، لا شرقية ولا غربية.

وقد ذكرنا بعض ما رُوي عن بعضهم من الاختلاف في ذلك فيما قد مضى، ونذكر باقي ما حضرنا مما لم نذكره قبل، فقال بعضهم: إنما قيل لهذه الشجرة: لا شرقية ولا غربية: أي ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت، وإنما لها نصيبها من الشمس بالغداة ما دامت بالجانب الذي يلي الشرق، ثم لا يكون لها نصيب منها إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا هي غربية وحدها، فتصيبها الشمس بالعشيّ إذا مالت إلى جانب الغرب، ولا تصيبها بالغداة، ولكنها شرقية غربية، تطلع عليه الشمس بالغداة، وتغرب عليها، فيصيبها حرّ الشمس بالغداة والعشيّ، قالوا: إذا كانت كذلك، كان أجود لزيتها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا هناد، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عكرمة، في قوله: ( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: لا يسترها من الشمس جبل ولا واد، إذا طلعت وإذا غربت.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا حرمي بن عمارة، قال: ثنا شعبة، قال: أخبرني عمارة، عن عكرِمة، في قوله: ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: الشجرة تكون في مكان لا يسترها من الشمس شيء، تطلع عليها، وتغرب عليها.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج؛ قال: قال مجاهد وابن عباس ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قالا هي التي بشقّ الجبل، التي يصيبها شروق الشمس وغروبها، إذا طلعت أصابتها، وإذا غربت أصابتها.

وقال آخرون: بل معنى ذلك ليست شرقية ولا غربية.

* ذكر من قال ذلك: حدثني سليمان بن عبد الجبار، قال: ثني محمد بن الصلت، قال: ثنا أبو كدينة، عن قابوس، عن أبيه، عن ابن عباس ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: هي شجرة وسط الشجر، ليست من الشرق ولا من الغرب.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( زيتونة لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) متيامنة الشام، لا شرقي ولا غربي.

وقال آخرون: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: ثنا بشر بن المفضل، قال: ثنا عوف، عن الحسن، في قول الله: ( لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: والله لو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، ولكنما هو مثل ضربه الله لنوره.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عثمان، يعني ابن الهيثم، قال: ثنا عوف، عن الحسن في قول الله: ( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: لو كانت في الأرض هذه الزيتونة كانت شرقية أو غربية، ولكن والله ما هي في الأرض، وإنما هو مثل ضربه الله لنوره.

حدثني يعقوب، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا عوف، عن الحسن في قوله: ( زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ ) قال: هذا مثل ضربه الله، ولو كانت هذه الشجرة في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية.

وأولى هذه الأقوال بتأويل ذلك، قول من قال: إنها شرقية غربية، وقال: ومعنى الكلام: ليست شرقية تطلع عليها الشمس بالعشيّ دون الغداة، ولكن الشمس تشرق عليها وتغرب، فهي شرقية غربية.

وإنما قلنا ذلك أولى بمعنى الكلام؛ لأن الله إنما وصف الزيت الذي يوقد على هذا المصباح بالصفاء والجودة، فإذا كان شجره شرقيا غربيا، كان زيته لا شكّ أجود وأصفى وأضوأ.

وقوله: ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) يقول تعالى ذكره: يكاد زيت هذه الزيتونة يضيء من صفائه وحسن ضيائه ( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) يقول: فكيف إذا مسته النار.

وإنما أريد بقوله: ( يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ) أن هذا القرآن من عند الله، وأنه كلامه، فجعل مثله ومثل كونه من عنده، مثل المصباح الذي يوقد من الشجرة المباركة، التي وصفها جلّ ثناؤه في هذه الآية.

وعنى بقوله: ( يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ) : أن حجج الله تعالى ذكره على خلقه تكاد من بيانها ووضوحها تضيء لمن فكر فيها ونظر أو أعرض عنها ولها( وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) يقول: ولو لم يزدها الله بيانا ووضوحا بإنـزاله هذا القرآن إليهم؛ منبها لهم على توحيده، فكيف إذا نبههم به وذكَّرهم بآياته، فزادهم به حجة إلى حججه عليهم قبل ذلك، فذلك بيان من الله ونور على البيان، والنور الذي كان قد وضعه لهم ونصبه قبل نـزوله.

وقوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) يعني: النار على هذا الزيت الذي كاد يضيء ولو لم تمسسه النار.

كما حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد ( نور على نُورٌ ) قال: النار على الزيت.

قال أبو جعفر: وهو عندي كما ذكرت مثل القرآن.

ويعني بقوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) هذا القرآن نور من عند الله، أنـزله إلى خلقه يستضيئون به، ( عَلَى نُورٍ ) على الحجج والبيان الذي قد نصبه لهم قبل مجيء القرآن إنـزاله إياه، مما يدلّ على حقيقة وحدانيته، فذلك بيان من الله، ونور على البيان، والنور الذي كان وضعه لهم ونصبه قبل نـزوله.

وذكر عن زيد بن أسلم في ذلك ما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عبد الله بن عياش، قال: قال زيد بن أسلم، في قوله: ( نُورٌ عَلَى نُورٍ ) يضيء بعضه بعضا، يعني القرآن.

وقوله: ( يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) يقول تعالى ذكره: يوفق الله لاتباع نوره، وهو هذا القرآن، من يشاء من عباده.

وقوله: ( وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ ) يقول: ويمثل الله الأمثال والأشباه للناس، كما مثَّل لهم مثل هذا القرآن في قلب المؤمن بالمصباح في المشكاة، وسائر ما في هذه الآية من الأمثالَ.

( وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ )يقول والله يضرب الأمثال، وغيرها من الأشياء كلها، ذو علم.

------------------------ الهوامش: (3) الكوة : بفتح الكاف ، والضم لغة (اللسان) .

(4) في الأصل : الزيت ، بدون لام قبلها ، وأظنه ، محرفًا ، عما أثبتناه .

(5) لعل هنا سقطا في العبارة ، تقديره : " ثم بنى" كما يفهم من السياق.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليمالنور في كلام العرب : الأضواء المدركة بالبصر .

واستعمل مجازا فيما صح من المعاني ولاح ؛ فيقال منه : كلام له نور .

ومنه : الكتاب المنير ، ومنه قول الشاعر :نسب كأن عليه من شمس الضحا نورا ومن فلق الصباح عموداوالناس يقولون : فلان نور البلد ، وشمس العصر وقمره .

وقال [ النابغة الذبياني ] :فإنك شمس والملوك كواكب [ إذا طلعت لم يبد منهن كوكب ]وقال آخر :هلا خصصت من البلاد بمقصد قمر القبائل خالد بن يزيدوقال آخر :إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالهافيجوز أن يقال : لله تعالى نور ، من جهة المدح لأنه أوجد الأشياء ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها وعنه صدورها ، وهو سبحانه ليس من الأضواء المدركة جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .

وقد قال هشام الجوالقي ، وطائفة من المجسمة : هو نور لا كالأنوار ، وجسم لا كالأجسام .

وهذا كله محال على الله تعالى عقلا ونقلا على ما يعرف في موضعه من علم الكلام .

ثم إن قولهم متناقض ؛ فإن قولهم جسم أو نور حكم عليه بحقيقة ذلك ، وقولهم لا كالأنوار ولا كالأجسام نفي لما أثبتوه من الجسمية والنور ؛ وذلك متناقض ، وتحقيقه في علم الكلام .

والذي أوقعهم في ذلك ظواهر اتبعوها منها هذه الآية ، وقوله - عليه السلام - إذا قام من [ ص: 238 ] الليل يتهجد اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض .

وقال : عليه السلام - وقد سئل : هل رأيت ربك ؟

فقال : رأيت نورا .

إلى غير ذلك من الأحاديث .واختلف العلماء في تأويل هذه الآية ؛ فقيل : المعنى أي به وبقدرته أنارت أضواؤها ، واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها .

فالكلام على التقريب للذهن ؛ كما يقال : الملك نور أهل البلد ؛ أي به قوام أمرها وصلاح جملتها ؛ لجريان أموره على سنن السداد .

فهو في الملك مجاز ، وهو في صفة الله حقيقة محضة ، إذ هو الذي أبدع الموجودات وخلق العقل نورا هاديا ؛ لأن ظهور الموجود به حصل كما حصل بالضوء ظهور المبصرات ، تبارك وتعالى لا رب غيره .

قال معناه مجاهد ، والزهري ، وغيرهما .

قال ابن عرفة : أي منور السماوات والأرض .

وكذا قال الضحاك ، والقرظي .

كما يقولون : فلان غياثنا ؛ أي مغيثنا .

وفلان زادي ؛ أي مزودي .

قال جرير :وأنت لنا نور وغيث وعصمة ونبت لمن يرجو نداك وريقأي ذو ورق .

وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض .

أبي بن كعب ، والحسن ، وأبو العالية : مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم ، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين .

وقال ابن عباس ، وأنس : المعنى الله هادي أهل السماوات والأرض .

والأول أعم للمعاني وأصح مع التأويل .قوله تعالى : مثل نوره أي صفة دلائله التي يقذفها في قلب المؤمن ؛ والدلائل تسمى نورا .

وقد سمى الله تعالى كتابه نورا فقال : وأنزلنا إليكم نورا مبينا وسمى نبيه نورا فقال : قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين .

وهذا لأن الكتاب يهدي ويبين ، وكذلك [ ص: 239 ] الرسول .

ووجه الإضافة إلى الله تعالى أنه مثبت الدلالة ، ومبينها ، وواضعها .

وتحتمل الآية معنى آخر ليس فيه مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل به ، بل وقع التشبيه فيه جملة بجملة ، وذلك أن يريد مثل نور الله الذي هو هداه وإتقانه صنعة كل مخلوق وبراهينه الساطعة على الجملة كهذه الجملة من النور الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة ، التي هي أبلغ صفات النور الذي بين أيدي الناس ؛ فمثل نور الله في الوضوح كهذا الذي هو منتهاكم أيها البشر .

والمشكاة الكوة في الحائط غير النافذة ؛ قاله ابن جبير ، وجمهور المفسرين ، وهي أجمع للضوء ، والمصباح فيها أكثر إنارة منه في غيرها ، وأصلها الوعاء يجعل فيه الشيء .

والمشكاة وعاء من أدم كالدلو يبرد فيها الماء ؛ وهو على وزن مفعلة كالمقراة والمصفاة .

قال الشاعر :كأن عينيه مشكاتان في حجر قيضا اقتياضا أطراف المناقيروقيل : المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة .

وقال مجاهد : هي القنديل .

وقال : ( في زجاجة ) لأنه جسم شفاف ، والمصباح فيه أنور منه في غير الزجاج .

والمصباح : الفتيل بناره كأنها كوكب دري أي في الإنارة والضوء .

وذلك يحتمل معنيين : إما أن يريد أنها بالمصباح كذلك ، وإما أن يريد أنها في نفسها لصفائها ، وجودة جوهرها كذلك .

وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور .

قال الضحاك : الكوكب الدري هو الزهرة .قوله تعالى : يوقد من شجرة مباركة أي من زيت شجرة ، فحذف المضاف .

والمباركة المنماة ؛ والزيتون من أعظم الثمار نماء ، والرمان كذلك .

والمعنى يقتضي ذلك .

وقول أبي طالب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية بن عبد شمس :ليت شعري مسافر بن أبي عمرو وليت يقولها المحزونبورك الميت الغريب كما بو رك نبع الرمان والزيتونوقيل : من بركتهما أن أغصانهما تورق من أسفلها إلى أعلاها .

وقال ابن عباس : في الزيتونة منافع ، يسرج بالزيت ، وهو إدام ، ودهان ، ودباغ ، ووقود يوقد بحطبه وتفله ، وليس فيه شيء إلا وفيه منفعة ، حتى الرماد يغسل به الإبريسم .

وهي أول شجرة نبتت في الدنيا ، وأول شجرة نبتت بعد الطوفان ، وتنبت في منازل الأنبياء والأرض المقدسة ، ودعا لها سبعون نبيا [ ص: 240 ] بالبركة ؛ منهم إبراهيم ، ومنهم محمد - صلى الله عليه وسلم - فإنه قال : اللهم بارك في الزيت والزيتون .

قاله مرتين .قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية اختلف العلماء في قوله تعالى : لا شرقية ولا غربية فقال ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، وغيرهم : الشرقية التي تصيبها الشمس إذا شرقت ، ولا تصيبها إذا غربت ؛ لأن لها سترا .

والغربية عكسها ؛ أي أنها شجرة في صحراء ومنكشف من الأرض لا يواريها عن الشمس شيء وهو أجود لزيتها ، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية ، ولا للغرب فتسمى غربية ، بل هي شرقية غربية .

وقال الطبري ، عن ابن عباس : إنها شجرة في دوحة قد أحاطت بها ؛ فهي غير منكشفة من جهة الشرق ، ولا من جهة الغرب .

قال ابن عطية : وهذا قول لا يصح عن ابن عباس ؛ لأن الثمرة التي بهذه الصفة يفسد جناها ، وذلك مشاهد في الوجود .

وقال الحسن : ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا ، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولو كانت في الدنيا لكانت إما شرقية وإما غربية .

الثعلبي : وقد أفصح القرآن بأنها من شجر الدنيا ؛ لأنها بدل من الشجرة ، فقال ( زيتونة ) .

وقال ابن زيد : إنها من شجر الشأم ؛ فإن شجر الشأم لا شرقي ولا غربي ، وشجر الشأم هو أفضل الشجر ، وهي الأرض المباركة ، و ( شرقية ) نعت ل ( زيتونة ) و لا ليست تحول بين النعت والمنعوت ، ( ولا غربية ) عطف عليه .قوله تعالى : يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار مبالغة في حسنه وصفائه وجودته .

نور على نور أي اجتمع في المشكاة ضوء المصباح إلى ضوء الزجاجة وإلى ضوء الزيت فصار لذلك نور على نور .

واعتقلت هذه الأنوار في المشكاة فصارت كأنور ما يكون فكذلك براهين الله تعالى واضحة ، وهي برهان بعد برهان ، وتنبيه بعد تنبيه ؛ كإرساله الرسل وإنزاله الكتب ، ومواعظ تتكرر فيها لمن له عقل معتبر .

ثم ذكر تعالى هداه لنوره من شاء وأسعد من عباده ، وذكر تفضله للعباد في ضرب الأمثال لتقع لهم العبرة والنظر المؤدي إلى الإيمان .

وقرأ عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة ، وأبو عبد الرحمن السلمي ( الله نور ) بفتح النون والواو المشددة .

واختلف المتأولون في عود الضمير في نوره على من يعود ؛ فقال كعب الأحبار ، [ ص: 241 ] وابن جبير : هو عائد على محمد - صلى الله عليه وسلم - ؛ أي مثل نور محمد - صلى الله عليه وسلم - .

قال ابن الأنباري : الله نور السماوات والأرض وقف حسن ، ثم تبتدئ مثل نوره كمشكاة فيها مصباح على معنى نور محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال أبي بن كعب ، وابن جبير أيضا ، والضحاك : هو عائد على المؤمنين .

وفي قراءة أبي ( مثل نور المؤمنين ) .

وروي أن في قراءته ( مثل نور المؤمن ) .

وروي أن فيها ( مثل نور من آمن به ) .

وقال الحسن : هو عائد على القرآن والإيمان .

قال مكي : وعلى هذه الأقوال يوقف على قوله : ( والأرض ) .

قال ابن عطية : وهذه الأقوال فيها عود الضمير على من لم يجر له ذكر ، وفيها مقابلة جزء من المثال بجزء من الممثل ؛ فعلى من قال : الممثل به محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وهو قول كعب الحبر ؛ فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو المشكاة أو صدره ، والمصباح هو النبوة وما يتصل بها من عمله وهداه ، والزجاجة قلبه ، والشجرة المباركة هي الوحي ، والملائكة رسل الله إليه وسببه المتصل به ، والزيت هو الحجج والبراهين والآيات التي تضمنها الوحي .

ومن قال : الممثل به المؤمن ، وهو قول أبي ؛ فالمشكاة صدره ، والمصباح الإيمان والعلم ، والزجاجة قلبه ، وزيتها هو الحجج والحكمة التي تضمنها .

قال أبي : فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات .

ومن قال : إن الممثل به هو القرآن والإيمان ؛ فتقدير الكلام : مثل نوره الذي هو الإيمان في صدر المؤمن في قلبه كمشكاة ؛ أي كهذه الجملة .

وهذا القول ليس في مقابلة التشبيه كالأولين ؛ لأن المشكاة ليست تقابل الإيمان .

وقالت طائفة : الضمير في ( نوره ) عائد على الله تعالى .

وهذا قول ابن عباس فيما ذكر الثعلبي ، والماوردي ، والمهدوي ، وقد تقدم معناه .

ولا يوقف على هذا القول على الأرض .

قال المهدوي : الهاء لله - عز وجل - ؛ والتقدير : الله هادي أهل السماوات والأرض ، مثل هداه في قلوب المؤمنين كمشكاة ؛ وروي ذلك عن ابن عباس .

وكذلك قال زيد بن أسلم ، والحسن : إن الهاء لله - عز وجل - .

وكان أبي ، وابن مسعود يقرآنها ( مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة ) .

قال محمد بن علي الترمذي : فأما غيرهما فلم يقرأها في التنزيل هكذا ، وقد وافقهما في التأويل أن ذلك نوره في قلب المؤمن ، وتصديقه في آية أخرى يقول : أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه .

واعتل الأولون بأن قالوا : لا يجوز أن يكون الهاء لله - عز وجل - ؛ لأن الله - عز وجل - لا حد لنوره .

وأمال الكسائي فيما روى عنه أبو عمر الدوري الألف من ( مشكاة ) وكسر الكاف التي قبلها .

وقرأ نصر بن عاصم ( زجاجة ) بفتح الزاي [ ص: 242 ] والزجاجة كذلك ، وهي لغة .

وقرأ ابن عامر ، وحفص ، عن عاصم ( دري ) بضم الدال وشد الياء ، ولهذه القراءة وجهان : إما أن ينسب الكوكب إلى الدر لبياضه وصفائه ، وإما أن يكون أصله دريء مهموز ، فعيل من الدرء وهو الدفع ، وخففت الهمزة .

ويقال للنجوم العظام التي لا تعرف أسماؤها : الدراري ، بغير همز ؛ فلعلهم خففوا الهمزة ، والأصل من الدرء الذي هو الدفع .

وقرأ حمزة ، وأبو بكر ، عن عاصم ( دريء ) بالهمز والمد ، وهو فعيل من الدرء ؛ بمعنى أنها يدفع بعضها بعضا .

وقرأ الكسائي ، وأبو عمرو ( دريء ) بكسر الدال والهمز من الدرء والدفع ، مثل السكير والفسيق .

قال سيبويه : أي يدفع بعض ضوئه بعضا من لمعانه .

قال النحاس : وضعف أبو عبيد قراءة أبي عمرو ، والكسائي ، تضعيفا شديدا ، لأنه تأولها من درأت أي دفعت ؛ أي كوكب يجري من الأفق إلى الأفق .

وإذا كان التأويل على ما تأوله لم يكن في الكلام فائدة ، ولا كان لهذا الكوكب مزية على أكثر الكواكب ؛ ألا ترى أنه لا يقال جاءني إنسان من بني آدم .

ولا ينبغي أن يتأول لمثل أبي عمرو ، والكسائي مع علمهما وجلالتهما هذا التأويل البعيد ، ولكن التأويل لهما على ما روي عن محمد بن يزيد أن معناهما في ذلك : كوكب مندفع بالنور ؛ كما يقال : اندرأ الحريق إن اندفع .

وهذا تأويل صحيح لهذه القراءة .

وحكى سعيد بن مسعدة أنه يقال : درأ الكوكب بضوئه إذا امتد ضوءه وعلا .

وقال الجوهري في الصحاح : ودرأ علينا فلان يدرأ دروءا أي طلع مفاجأة .

ومنه كوكب دريء ، على فعيل ؛ مثل سكير ، وخمير لشدة توقده وتلألئه .

وقد درأ الكوكب دروءا .

قال أبو عمرو بن العلاء : سألت رجلا من سعد بن بكر من أهل ذات عرق فقلت : هذا الكوكب الضخم ما تسمونه ؟

قال : الدريء ، وكان من أفصح الناس .

قال النحاس : فأما قراءة حمزة فأهل اللغة جميعا قالوا : هي لحن لا تجوز ، لأنه ليس في كلام العرب اسم على فعيل .

وقد اعترض أبو عبيد في هذا فاحتج لحمزة فقال : ليس هو فعيل وإنما هو فعول ، مثل سبوح ، أبدل من الواو ياء ؛ كما قالوا : عتي .

قال أبو جعفر النحاس : وهذا الاعتراض والاحتجاج من أعظم الغلط وأشده ؛ لأن هذا لا يجوز البتة ، ولو جاز ما قال لقيل في سبوح سبيح ، وهذا لا يقوله أحد ، وليس عتي من هذا ، والفرق بينهما واضح بين ؛ لأنه ليس يخلو عتي من إحدى جهتين : إما أن يكون جمع عات فيكون البدل فيه لازما ، لأن الجمع باب تغيير ، والواو لا تكون طرفا في الأسماء وقبلها ضمة ، فلما كان قبل هذه ساكن وقبل الساكن ضمة والساكن ليس بحاجز حصين أبدل من الضمة كسرة فقلبت الواو ياء .

وإن كان عتي واحدا كان بالواو أولى ، وجاز قلبها لأنها طرف ، والواو في فعول ليست طرفا فلا يجوز قلبها .

قال الجوهري : قال أبو عبيد إن ضممت الدال قلت دري ، يكون منسوبا إلى الدر ، على فعلي ولم تهمزه لأنه ليس في كلام العرب فعيل .

ومن همزه من القراء فإنما أراد [ ص: 243 ] فعولا مثل سبوح فاستثقل فرد بعضه إلى الكسر .

وحكى الأخفش عن بعضهم ( دريء ) من درأته ، وهمزها ، وجعلها على فعيل مفتوحة الأول .

قال : وذلك من تلألئه .

قال الثعلبي : وقرأ سعيد بن المسيب ، وأبو رجاء ( دريء ) بفتح الدال مهموزا .

قال أبو حاتم : هذا خطأ لأنه ليس في الكلام فعيل ؛ فإن صح عنهما فهما حجة .

( يوقد ) قرأ شيبة ، ونافع ، وأيوب ، وسلام ، وابن عامر ، وأهل الشام ، وحفص : يوقد بياء مضمومة وتخفيف القاف وضم الدال .

وقرأ الحسن ، والسلمي ، وأبو جعفر ، وأبو عمرو بن العلاء البصري : ( توقد ) مفتوحة الحروف كلها مشددة القاف ، واختارها أبو حاتم ، وأبو عبيد .

قال النحاس : وهاتان القراءتان متقاربتان ؛ لأنهما جميعا للمصباح ، وهو أشبه بهذا الوصف ؛ لأنه الذي ينير ويضيء ، وإنما الزجاجة وعاء له .

و ( توقد ) فعل ماض من توقد يتوقد ، ويوقد فعل مستقبل من أوقد يوقد .

وقرأ نصر بن عاصم ( توقد ) والأصل على قراءته تتوقد حذف إحدى التاءين لأن الأخرى تدل عليها .

وقرأ الكوفيون ( توقد ) بالتاء يعنون الزجاجة .

فهاتان القراءتان على تأنيث الزجاجة .

من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية تقدم القول فيه .

يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور على تأنيث النار .

وزعم أبو عبيد أنه لا يعرف إلا هذه القراءة .

وحكى أبو حاتم أن السدي روى عن أبي مالك ، عن ابن عباس أنه قرأ ( ولو لم يمسسه نار ) بالياء .

قال محمد بن يزيد : التذكير على أنه تأنيث غير حقيقي ، وكذا سبيل المؤنث عنده .

وقال ابن عمر : المشكاة جوف محمد - صلى الله عليه وسلم - ، والزجاجة قلبه ، والمصباح النور الذي جعله الله تعالى في قلبه يوقد من شجرة مباركة ؛ أي أن أصله من إبراهيم وهو شجرته ؛ فأوقد الله تعالى في قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - النور كما جعله في قلب إبراهيم - عليه السلام - .

وقال محمد بن كعب : المشكاة إبراهيم ، والزجاجة إسماعيل ، والمصباح محمد صلوات الله عليهم أجمعين ؛ سماه الله تعالى مصباحا كما سماه سراجا فقال : وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا يوقد من شجرة مباركة وهي آدم - عليه السلام - ، بورك في نسله وكثر منه الأنبياء والأولياء .

وقيل : هي إبراهيم - عليه السلام - ، سماه الله تعالى مباركا لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه .

لا شرقية ولا غربية أي لم يكن يهوديا ولا نصرانيا وإنما كان حنيفا مسلما .

وإنما قال ذلك لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق .

يكاد زيتها يضيء أي يكاد محاسن محمد - صلى الله عليه وسلم - تظهر للناس قبل أن أوحى الله تعالى إليه .

نور على نور نبي من نسل نبي .

وقال الضحاك : شبه عبد المطلب بالمشكاة وعبد الله بالزجاجة والنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمصباح كان في قلبهما ، فورث النبوة من إبراهيم .

( من شجرة ) أي شجرة التقى والرضوان وعشيرة الهدى والإيمان ، شجرة أصلها نبوة ، وفرعها مروءة ، وأغصانها تنزيل ، وورقها تأويل ، وخدمها جبريل ، وميكائيل .

قال القاضي أبو بكر بن العربي : ومن غريب الأمر [ ص: 244 ] أن بعض الفقهاء قال إن هذا مثل ضربه الله تعالى لإبراهيم ، ومحمد ولعبد المطلب ، وابنه عبد الله ؛ فالمشكاة هي الكوة بلغة الحبشة ، فشبه عبد المطلب بالمشكاة فيها القنديل وهو الزجاجة ، وشبه عبد الله بالقنديل وهو الزجاجة ؛ ومحمد كالمصباح يعني من أصلابهما ، وكأنه كوكب دري وهو المشتري يوقد من شجرة مباركة يعني إرث النبوة من إبراهيم - عليه السلام - هو الشجرة المباركة ، يعني حنيفية ( لا شرقية ولا غربية ) ، لا يهودية ولا نصرانية .

يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار يقول : يكاد إبراهيم يتكلم بالوحي من قبل أن يوحى إليه .

نور على نور إبراهيم ثم محمد - صلى الله عليه وسلم - .

قال القاضي : وهذا كله عدول عن الظاهر ، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه .قلت : وكذلك في جميع الأقوال لعدم ارتباطه بالآية ما عدا القول الأول ، وأن هذا مثل ضربه الله تعالى لنوره ، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلا تنبيها لخلقه إلا ببعض خلقه لأن الخلق لقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم ، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده ، قاله ابن العربي .

قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإن مسته النار زاد ضوءه ، كذلك قلب المؤمن يكاد يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم زاده هدى على هدى ونورا على نور ؛ كقول إبراهيم من قبل أن تجيئه المعرفة : هذا ربي ، من قبل أن يخبره أحد أن له ربا ؛ فلما أخبره الله أنه ربه زاد هدى ، فقال له ربه : أسلم قال أسلمت لرب العالمين .

ومن قال إن هذا مثل للقرآن في قلب المؤمن قال : كما أن هذا المصباح يستضاء به ولا ينقص فكذلك القرآن يهتدى به ولا ينقص ؛ فالمصباح القرآن والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة لسانه وفهمه ، والشجرة المباركة شجرة الوحي .

يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار تكاد حجج القرآن تتضح ولو لم يقرأ .

نور على نور يعني أن القرآن نور من الله تعالى لخلقه ، مع ما أقام لهم من الدلائل والإعلام قبل نزول القرآن ، فازدادوا بذلك نورا على نور .

يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ثم أخبر أن هذا النور المذكور عزيز وأنه لا يناله إلا من أراد الله هداه فقال : يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس أي يبين الأشباه تقريبا إلى الأفهام .

والله بكل شيء عليم أي بالمهدي والضال .

وروي عن ابن عباس أن اليهود قالوا : يا محمد ، كيف يخلص نور الله تعالى من دون السماء ؛ فضرب الله تعالى ذلك مثلا لنوره .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه -الذي لولا لطفه، لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه- نور، وبه استنار العرش، والكرسي، والشمس، والقمر، والنور، وبه استنارت الجنة.

وكذلك النور المعنوي يرجع إلى الله، فكتابه نور، وشرعه نور، والإيمان والمعرفة في قلوب رسله وعباده المؤمنين نور.

فلولا نوره تعالى، لتراكمت الظلمات، ولهذا: كل محل، يفقد نوره فثم الظلمة والحصر، { مَثَلُ نُورِهِ } الذي يهدي إليه، وهو نور الإيمان والقرآن في قلوب المؤمنين، { كَمِشْكَاةٍ } أي: كوة { فِيهَا مِصْبَاحٌ } لأن الكوة تجمع نور المصباح بحيث لا يتفرق ذلك { الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ } من صفائها وبهائها { كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ } أي: مضيء إضاءة الدر.

{ يُوقَدُ } ذلك المصباح، الذي في تلك الزجاجة الدرية { مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ } أي: يوقد من زيت الزيتون الذي ناره من أنور ما يكون، { لَا شَرْقِيَّةٍ } فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، { وَلَا غَرْبِيَّةٍ } فقط، فلا تصيبها الشمس [أول] النهار، وإذا انتفى عنها الأمران، كانت متوسطة من الأرض، كزيتون الشام، تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فتحسن وتطيب، ويكون أصفى لزيتها، ولهذا قال: { يَكَادُ زَيْتُهَا } من صفائه { يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } فإذا مسته النار، أضاء إضاءة بليغة { نُورٌ عَلَى نُورٍ } أي: نور النار، ونور الزيت.

ووجه هذا المثل الذي ضربه الله، وتطبيقه على حالة المؤمن، ونور الله في قلبه، أن فطرته التي فطر عليها، بمنزلة الزيت الصافي، ففطرته صافية، مستعدة للتعاليم الإلهية، والعمل المشروع، فإذا وصل إليه العلم والإيمان، اشتعل ذلك النور في قلبه، بمنزلة اشتعال النار في فتيلة ذلك المصباح، وهو صافي القلب من سوء القصد، وسوء الفهم عن الله، إذا وصل إليه الإيمان، أضاء إضاءة عظيمة، لصفائه من الكدورات، وذلك بمنزلة صفاء الزجاجة الدرية، فيجتمع له نور الفطرة، ونور الإيمان، ونور العلم، وصفاء المعرفة، نور على نوره.

ولما كان هذا من نور الله تعالى، وليس كل أحد يصلح له ذلك، قال: { يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ } ممن يعلم زكاءه وطهارته، وأنه يزكي معه وينمو.

{ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ } ليعقلوا عنه ويفهموا، لطفا منه بهم، وإحسانا إليهم، وليتضح الحق من الباطل، فإن الأمثال تقرب المعاني المعقولة من المحسوسة، فيعلمها العباد علما واضحا، { وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فعلمه محيط بجميع الأشياء، فلتعلموا أن ضربه الأمثال، ضرب من يعلم حقائق الأشياء وتفاصيلها، وأنها مصلحة للعباد، فليكن اشتغالكم بتدبرها وتعقلها، لا بالاعتراض عليها، ولا بمعارضتها، فإنه يعلم وأنتم لا تعلمون.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( الله نور السماوات والأرض ) قال ابن عباس : هادي أهل السماوات والأرض ، فهم بنوره إلى الحق يهتدون وبهداه من الضلالة ينجون .

وقال الضحاك : منور السماوات والأرض ، يقال : نور السماء بالملائكة ونور الأرض بالأنبياء .

وقال مجاهد : مدبر الأمور في السماوات والأرض وقال أبي بن كعب والحسن وأبو العالية : مزين السماوات والأرض ، زين السماء بالشمس والقمر والنجوم ، وزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين .

ويقال : بالنبات والأشجار .

وقيل : معناه الأنوار كلها منه ، كما يقال : فلان رحمة أي منه الرحمة .

وقد يذكر مثل هذا اللفظ على طريق المدح كما قال القائل : إذا سار عبد الله من مرو ليلة فقد سار منها نورها وجمالها قوله تعالى : ( مثل نوره ) أي : مثل نور الله تعالى في قلب المؤمن ، وهو النور الذي يهتدي به ، كما قال " فهو على نور من ربه " ( الزمر - 22 ) ، وكان ابن مسعود يقرأ : " مثل نوره في قلب المؤمن " .

وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس : مثل نوره الذي أعطى المؤمن .

وقال بعضهم : الكناية عائدة إلى المؤمن ، أي : مثل نور قلب المؤمن ، وكان أبي يقرأ : " مثل نور من آمن به " وهو عبد جعل الإيمان والقرآن في صدره .

وقال الحسن وزيد بن أسلم : أراد بالنور القرآن .

وقال سعيد بن جبير والضحاك : هو محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقيل : أراد بالنور الطاعة ، سمى طاعة الله نورا وأضاف هذه الأنوار إلى نفسه تفضيلا ( كمشكاة ) وهي الكوة التي لا منفذ لها فإن كان لها منفذ فهي كوة .

وقيل : المشكاة حبشية .

قال مجاهد : هي القنديل ( فيها مصباح ) أي : سراج ، أصله من الضوء ، ومنه الصبح ، ومعناه : كمصباح في مشكاة ، ( المصباح في زجاجة ) يعني القنديل ، قال الزجاج : إنما ذكر الزجاجة لأن النور وضوء النار فيها أبين من كل شيء ، وضوءه يزيد في الزجاج ، ثم وصف الزجاجة ، فقال : ( الزجاجة كأنها كوكب دري ) قرأ أبو عمرو والكسائي : " دريء " بكسر الدال والهمزة ، وقرأ حمزة وأبو بكر بضم الدال والهمزة ، فمن كسر الدال فهو فعيل من الدرء ، وهو الدفع ، لأن الكوكب يدفع الشياطين من السماء ، وشبهه بحالة الدفع لأنه يكون في تلك الحالة أضوأ وأنور ويقال : هو من درأ الكوكب إذا اندفع منقبضا فيتضاعف ضوءه في ذلك الوقت .

وقيل : " دري " أي : طالع ، يقال : درأ النجم إذا طلع وارتفع .

ويقال : درأ علينا فلان أي طلع وظهر ، فأما رفع الدال مع الهمزة كما قرأ حمزة ، قال أكثر النحاة : هو لحن ، لأنه ليس في كلام العرب فعيل بضم الفاء وكسر العين .

قال أبو عبيدة : وأنا أرى لها وجها وذلك أنها دروء على وزن فعول من درات ، مثل سبوح وقدوس ، وقد استثقلوا كثرة الضمات فردوا بعضها إلى الكسر ، كما قالوا : عتيا وهو فعول من عتوت ، وقرأ الآخرون ( دري ) بضم الدال وتشديد الياء بلا همز ، أي : شديد الإنارة ، نسب إلى الدر في صفائه وحسنه ، وإن كان الكوكب أكثر ضوءا من الدر لكنه يفضل الكواكب بضيائه ، كما يفضل الدر ، سائر الحب .

وقيل : الكوكب الدري واحد من الكواكب الخمسة العظام ، وهي زحل والمريخ ، والمشتري ، والزهرة ، وعطارد .

وقيل : شبهه بالكوكب ، ولم يشبهه بالشمس والقمر ، لأن الشمس والقمر يلحقهما الخسوف ، والكواكب لا يلحقها الخسوف .

( يوقد ) قرأ أبو جعفر ، وابن كثير ، وأبو عمرو ، ويعقوب : " توقد " بالتاء وفتحها وفتح الواو والدال وتشديد القاف على الماضي ، يعني المصباح ، أي : اتقد ، يقال توقدت النار أي : اتقدت .

وقرأ أهل الكوفة غير حفص " توقد " بالتاء وضمها وفتح القاف خفيفا ، يعني الزجاجة أي : نار الزجاجة لأن الزجاجة لا توقد ، وقرأ الآخرون بالياء وضمها خفيفا يعني المصباح ، ( من شجرة مباركة زيتونة ) أي : من زيت شجرة مباركة ، فحذف المضاف بدليل قوله تعالى ( يكاد زيتها يضيء ) وأراد بالشجرة المباركة : الزيتونة وهي كثيرة البركة ، وفيها منافع كثيرة ، لأن الزيت يسرج به ، وهو أضوأ وأصفى الأدهان ، وهو إدام وفاكهة ، ولا يحتاج في استخراجه إلى إعصار بل كل أحد يستخرجه ، وجاء في الحديث : " أنه مصحة من الباسور " ، وهي شجرة تورق من أعلاها إلى أسفلها .

أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو الحسن القاسم بن بكر الطيالسي ، أخبرنا أبو أمية الطوسي ، أخبرنا قبيصة بن عقبة ، أخبرنا سفيان الثوري ، عن عبد الله بن عيسى ، عن عطاء الذي كان بالشام ، وليس بابن أبي رباح ، عن أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة " .

قوله تعالى : ( لا شرقية ولا غربية ) أي : ليست شرقية وحدها حتى لا تصيبها الشمس إذا غربت ، ولا غربية وحدها فلا تصيبها الشمس بالغداة إذا طلعت ، بل هي ضاحية الشمس طول النهار ، تصيبها الشمس عند طلوعها وعند غروبها ، فتكون شرقية وغربية تأخذ حظها من الأمرين ، فيكون زيتها أضوأ ، وهذا كما يقال : فلان ليس بأسود ولا بأبيض ، يريد ليس بأسود خالص ولا بأبيض خالص ، بل اجتمع فيه كل واحد منهما ، وهذا الرمان ليس بحلو ولا حامض ، أي اجتمعت فيه الحلاوة والحموضة ، هذا قول ابن عباس في رواية عكرمة والكلبي ، والأكثرين .

وقال السدي وجماعة : معناه أنها ليست في مقناة لا تصيبها الشمس ولا في مضحاة لا يصيبها الظل ، فهي لا تضرها شمس ولا ظل .

وقيل : معناه أنها معتدلة ليست في شرق يضرها الحر ، ولا في غرب يضرها البرد .

وقيل : معناه هي شامية لأن الشام لا شرقي ولا غربي .

وقال الحسن : ليست هذه من أشجار الدنيا ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية وإنما هو مثل ضربه الله لنوره .

( يكاد زيتها ) دهنها ، ( يضيء ) من صفائه ( ولو لم تمسسه نار ) أي : قبل أن تصيبه النار ، ( نور على نور ) يعني : نور المصباح على نور الزجاجة .

واختلف أهل العلم في معنى هذا التمثيل ، فقال بعضهم : وقع هذا التمثيل لنور محمد - صلى الله عليه وسلم - ، قال ابن عباس لكعب الأحبار : أخبرني عن قوله تعالى : ( مثل نوره كمشكاة ) فقال كعب : هذا مثل ضربه الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، فالمشكاة صدره ، والزجاجة قلبه ، والمصباح فيه النبوة ، توقد من شجرة مباركة هي شجرة النبوة ، يكاد نور محمد وأمره يتبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار .

وروى سالم عن ابن عمر في هذه الآية قال : المشكاة : جوف محمد ، والزجاجة : قلبه ، والمصباح : النور الذي جعله الله فيه ، لا شرقية ولا غربية : ولا يهوديا ولا نصرانيا ، توقد من شجرة مباركة : إبراهيم ، نور على نور ، قلب إبراهيم ، ونور : قلب محمد - صلى الله عليه وسلم - .

وقال محمد بن كعب القرظي : " المشكاة " إبراهيم ، و " الزجاجة " : إسماعيل و " المصباح " : محمد صلوات الله عليهم أجمعين سماه الله مصباحا كما سماه سراجا فقال تعالى : " وسراجا منيرا " ( الأحزاب - 46 ) ، " توقد من شجرة مباركة " وهي إبراهيم ، سماه مباركة لأن أكثر الأنبياء من صلبه ، " لا شرقية ولا غربية " يعني : إبراهيم لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما لأن اليهود تصلي قبل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، تكاد محاسن محمد - صلى الله عليه وسلم - تظهر للناس قبل أن يوحى إليه " نور على نور " : نبي من نسل نبي ، نور محمد على نور إبراهيم .

وقال بعضهم : وقع هذا التمثيل لنور قلب المؤمن .

روى أبو العالية عن أبي بن كعب قال : هذا مثل المؤمن ، فالمشكاة نفسه والزجاجة صدره ، والمصباح ما جعل الله فيه من الإيمان ، والقرآن في قلبه يوقد من شجرة مباركة وهي الإخلاص لله وحده ، فمثله كمثل الشجرة التي التف بها الشجر خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس لا إذا طلعت ولا إذا غربت فكذلك المؤمن ، قد احترس من أن يصيبه شيء من الفتن فهو بين أربع خلال إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر ، وإن حكم عدل ، وإن قال صدق ، يكاد زيتها يضيء أي : يكاد قلب المؤمن يعرف الحق قبل أن يتبين له لموافقته إياه نور على نور .

قال أبي فهو يتقلب في خمسة أنوار : قوله نور ، وعمله نور ، ومدخله نور ، ومخرجه نور ، ومصيره إلى النور يوم القيامة قال ابن عباس : هذا مثل نور الله وهداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار ، فإذا مسته النار ازداد ضوءا على ضوئه ، كذلك يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم ، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورا على نور قال الكلبي : قوله ( نور على نور ) يعني إيمان المؤمن وعمله .

وقال السدي : نور الإيمان ونور القرآن .

وقال الحسن وابن زيد هذا مثل القرآن ، فالمصباح هو القرآن فكما يستضاء بالمصباح يهتدى بالقرآن ، والزجاجة قلب المؤمن والمشكاة فمه ولسانه والشجرة المباركة شجرة الوحي ، " يكاد زيتها يضيء " تكاد حجة القرآن تتضح وإن لم يقرأ ، نور على نور : يعني : القرآن نور من الله - عز وجل - لخلقه مع ما أقام لهم من الدلائل والأعلام قبل نزول القرآن ، فازداد بذلك نورا على نور قوله - عز وجل - : ( يهدي الله لنوره من يشاء ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : لدين الإسلام ، وهو نور البصيرة ، وقيل : القرآن ( ويضرب الله الأمثال للناس ) يبين الله الأشياء للناس تقريبا للأفهام وتسهيلا لسبل الإدراك ، ( والله بكل شيء عليم )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«الله نور السماوات والأرض» أي منورهما بالشمس والقمر «مثل نوره» أي صفته في قلب المؤمن «كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة» هي القنديل والمصباح السراج: أي الفتيلة الموقودة، والمشكاة: الطاقة غير النافذة، أي الأنبوبة في القنديل «الزجاجة كأنها» والنور فيها «كوكبٌ دِرِّيٌ» أي مضيء بكسر الدال وضمها من الدرء بمعنى الدفع لدفعها الظلام، وبضمها وتشديد الياء منسوب إلى الدر: اللؤلؤ «توَقَّد» المصباح بالماضي، وفي قراءة بمضارع أو قد مبنيا للمفعول بالتحتانية وفي أخرى توقد بالفوقانية، أي الزجاجة «مِن» زيت «شجرة مباركةِ زيتونةِ لا شرقيةِ ولا غربيةِ» بل بينهما فلا يتمكن منها ولا برد مضران «يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسهُ نار» لصفائه «نور» به «على نور» بالنار، ونور الله: أي هداه للمؤمنين نور على نور الإيمان «يهدي الله لنوره» أي دين الإسلام «من يشاء ويضرب» يبين «الله الأمثال للناس» تقريبا لأفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا «والله بكل شيء عليم» ومنه ضرب الأمثال.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

الله نور السموات والأرض يدبر الأمر فيهما ويهدي أهلهما، فهو- سبحانه- نور، وحجابه نور، به استنارت السموات والأرض وما فيهما، وكتاب الله وهدايته نور منه سبحانه، فلولا نوره تعالى لتراكمت الظلمات بعضها فوق بعض.

مثل نوره الذي يهدي إليه، وهو الإيمان والقرآن في قلب المؤمن كمشكاة، وهي الكُوَّة في الحائط غير النافذة، فيها مصباح، حيث تجمع الكوَّة نور المصباح فلا يتفرق، وذلك المصباح في زجاجة، كأنها -لصفائها- كوكب مضيء كالدُّر، يوقَد المصباح من زيت شجرة مباركة، وهي شجرة الزيتون، لا شرقية فقط، فلا تصيبها الشمس آخر النهار، ولا غربية فقط فلا تصيبها الشمس أول النهار، بل هي متوسطة في مكان من الأرض لا إلى الشرق ولا إلى الغرب، يكاد زيتها -لصفائه- يضيء من نفسه قبل أن تمسه النار، فإذا مَسَّتْه النار أضاء إضاءة بليغة، نور على نور، فهو نور من إشراق الزيت على نور من إشعال النار، فذلك مثل الهدى يضيء في قلب المؤمن.

والله يهدي ويوفق لاتباع القرآن مَن يشاء، ويضرب الأمثال للناس؛ ليعقلوا عنه أمثاله وحكمه.

والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن جلال الله - تعالى - ونوره وعظمته وعن بيوته التى أذن لها أن ترفع ، وعن الرجال الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن طاعته وتقديسه ، وعن الجزاء الحسن الذى أعده الله - سبحانه - لهؤلاء الأخيار ، فقال : ( الله نُورُ .

.

.

) .قال الإمام القرطبى ما ملخصه : " قوله - تعالى - : ( الله نُورُ السماوات والأرض ) .

النور فى كلام العرب : الأضواء المدركة بالبصر .

واستعمل مجازا فيما صح من المعانى ولاح .

فيقال : كلام له نور .

.

.

وفلان نور البلد .فيجوز أن يقال : الله - تعالى - نور ، من جهة المدح ، لأنه أوجد جميع الأشياء ، ونور جميع الأشياء منه ابتداؤها ، وعنه صدورها ، وهو - سبحانه - ليس من الأضواء المدركة ، جل وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا .واختلف العلماء فى تأويل هذه الآية : فقيل : المعنى : به وبقدرته أنارت أضواؤها .

واستقامت أمورها ، وقامت مصنوعاتها ، فالكلام على التقريب للذهن ، كما يقال : الملك نور أهل البلد ، أى : به قوام أمرها .

.

.

فهو - أى النور - فى الملك مجاز .

وهو فى صفة الله - تعالى - حقيقة محضة .قال ابن عرفة : أى منور السموات والأرض .

وقال مجاهد : مدبر الأمور فى السموات والأرض .قال ابن عباس : المعنى : الله هادى السموات والأرض .

والأول أعم للمعانى وأصح مع التأويل .ويبدو لنا أن أقرب الأقوال إلى الصواب هو الذى رجحه الإمام القرطبى فيكون معنى الجملة الكريمة : الله - تعالى - هو نور العالم كله علويه وسفليه ، بمعنى منوره بالمخلوقات التكوينية ، وبالآيات التنزيلية ، وبالرسالات السماوية ، الدالة دلالة واضحة على وجوده - سبحانه - وعلى وحدانيته ، وقدرته ، وسائر صفاته الكريمة ، والهادية إلى الحق ، وإلى ما به صلاح الناس فى دنياهم وآخرتهم .وقال ابن كثير : " وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول : " اللهم لك الحمد أنت قيم السموات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد ، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن " .وقال صلى الله عليه وسلم فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف : " أعوذ بنور وجهك الذى أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، أن يحل بى غضبك ، أو ينزل بى سخطك ، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب - حتى ترضى ، ولا حول ولا قوة إلا بك " .وأضاف - سبحانه - نوره إلى السموات والأرض ، للدلالة على سعة إشراق هذا النور ، وعموم سنائه ، وتمام بهائه فى الكون كله .ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال : ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ .

.

.

) .أى : صفة نوره العجيبة الشأن فى الإضاءة والسطوع ، كصفة مشكاة - وهى الفتحة الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها مصباح ، أى : سراج ضخم ثاقب تشع منه الأنوار .وقال - سبحانه - : ( مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ) لأن وجود المصباح فى هذه المكشاة يكون أجمع لنوره ، وأحصر لضيائه ، فيبدو قويا متألقا ، بخلاف مالو كان المصباح فى مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك .( المصباح فِي زُجَاجَةٍ ) أى : فى قنديل من الزجاج الصافى النقى ، الذى يقيمه الريح ، ويزيده توهجا وتألقا .هذه ( الزجاجة ) فى ذاتها ( كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ) أى شديد الإنارة ، نسبة إلى الدر فى صفائه وسنائه وإشراقه وحسنه .( يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ) أى : هذا المصباح يستمد نوره من زيت شجرة مباركة أى : كثيرة المنافع ، زيتونة أى : هى شجرة الزيتون .فحرف " من " لابتداء الغاية ، والكلام ، على حذف مضاف ، أى : من زيت شجرة ، مباركة : صفة لشجرة ، وزيتونة : بدل أو عطف بيان من شجرة .ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة ، لطول عمرها ، وتعدد فوائدها التى من مظاهرها : الانتفاع بزيتها وخصبها وورقها وثمارها .قال - تعالى - : ( وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ ) وقوله - سبحانه - : ( لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ) صفة أخرى لشجرة الزيتون .أى : أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة بل هيى مستقبلة للشمس طول النهار ، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما بين ذلك ، فترتب على تعرضها للشمس طول النهار ، امتداد حياتها ، وعظم نمائها وحسن ثمارها .وقوله - تعالى - : ( يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ) صفة ثالثة لتلك الشجرة .أى ، أنها يكاد زيتها من شدة صفائه يضىء دون أن تمسه النار ، فهو زيت من نوع خاص ، بلغ من الشفافية أقصاها ، ومن الجودة أعلاها .قال بعض العلماء : وقد شُبِّه فى الآية نورُ الله ، بمعنى أدلته ، وآياته - سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق ، وعلى ما ينفع الخلق فى الحياتين شبه ذلك بنور المشكاة التى فيها زجاجة صافية ، وفى تلك الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة والإشراق ، حتى يكاد يضىء بنفسه من غير أن تمسه نار " .وقوله - سبحانه - : ( نُّورٌ على نُورٍ ) أى : هو نور عظيم متضاعف ، كائن على نور عظيم مثله ، إذ أن نور الله - تعالى - لا حد لتضاعفه ، ولا نهاية لعمقه بخلاف الأنوار الأخرى .

فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها وضوؤها .فقوله : ( نُّورٌ ) خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هو نور .

وقوله ( على نُورٍ ) متعلق بمحذوف هو صفة له ، مؤكدة لما أفاده التنكير من الفخامة .

أى : كائن على نور مثله .ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال : ( يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ) أى : يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده ، بأن يوفقهم للإيمان ، والعمل بتعاليم الإسلام ، وللسير على طريق الحق والرشاد .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ ) .أى : ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس ، لكى يقرب لهم الأمور وييسرلهم المسائل ، ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس ، والله - تعالى - بكل شىء عليم ، سواء أكان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا ، معقولا أم محسوسا .قال بعض العلماء ما ملخصه : هذه الآية الكريمة من الآيات التى صنفت فيها مصنفات ، منها " مشكاة الأنوار " للإمام الغزالى .

.

.

ومنها ما قاله الإمام ابن القيم عنها فى كتابه " الجيوش الإسلامية " .فقد قال - رحمه اله - : سمى الله تعالى - نفسه نورا ، وجعل كتابه نورا ، ورسوله صلى الله عليه وسلم نورا ، ودينه نورا ، واحتجب عن خلقه بالنور وجعل دار أوليائه نورا يتلألأ .

قال - تعالى - ( الله نُورُ السماوات والأرض ) وقد فسر بكونه منور السموات والأرض وهادى أهل السموات والأرض فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض .

وهذا إنما هو فعله .

وإلا فالنور الذى هو من أوصافه قائم به .

ومنه اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء الحسنى .

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن الكلام في هذه الآية مرتب على فصول: الفصل الأول في إطلاق اسم النور على الله تعالى: اعلم أن لفظ النور موضوع في اللغة لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على الأرض والجدران وغيرهما، وهذه الكيفية يستحيل أن تكون إلهاً لوجوه: أحدها: أن هذه الكيفية إن كانت عبارة عن الجسم كان الدليل الدال على حدوث الجسم دالاً على حدوثها، وإن كانت عرضاً فمتى ثبت حدوث جميع الأعراض القائمة به ولكن هذه المقدمة إنما تثبت بعد إقامة الدلالة على أن الحلول على الله تعالى محال.

وثانيها: أنا سواء قلنا النور جسم أو أمر حال في الجسم فهو منقسم، لأنه إن كان جسماً فلا شك في أنه منقسم، وإن كان حالاً فيه، فالحال في المنقسم منقسم، وعلى التقديرين فالنور منقسم وكل منقسم فإنه يفتقر في تحققه إلى تحقق أجزائه وكل واحد من أجزائه غيره، وكل مفتقر فهو في تحققه مفتقر إلى غيره، والمفتقر إلى الغير ممكن لذاته محدث بغيره، فالنور محدث فلا يكون إلهاً.

وثالثها: أن هذا النور المحسوس لو كان هو الله لوجب أن لا يزول هذا النور لامتناع الزوال على الله تعالى.

ورابعها: أن هذا النور المحسوس يقع بطلوع الشمس والكواكب.

وذلك على الله محال.

وخامسها: أن هذه الأنوار لو كانت أزلية لكانت إما أن تكون متحركة أو ساكنة، لا جائز أن تكون متحركة لأن الحركة معناها الانتقال من مكان إلى مكان فالحركة مسبوقة بالحصول في المكان الأول.

والأزلى يمتنع أن يكون مسبوقاً بالغير فالحركة الأزلية محال.

ولا جائز أن تكون ساكنة لأن السكون لو كان أزلياً لكان ممتنع الزوال لكن السكون جائز الزوال، لأنا نرى الأنوار تنتقل من مكان إلى مكان فدل ذلك على حدوث الأنوار.

وسادسها: أن النور إما أن يكون جسماً أو كيفية قائمة بالجسم، والأول محال لأنا قد نعقل الجسم جسماً مع الذهول عن كونه نيراً ولأن الجسم قد يستنير بعد أن كان مظلماً فثبت الثاني لكن الكيفية القائمة بالجسم محتاجة إلى الجسم، والمحتاج إلى الغير لا يكون إلهاً، وبمجموع هذه الدلائل يبطل قول المانوية الذين يعتقدون أن الإله سبحانه هو النور الأعظم.

وأما المجسمة المعترفون بصحة القرآن فيحتج على فساد قولهم بوجهين: الأول: قوله: ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء  ﴾ ولو كان نوراً لبطل ذلك لأن الأنوار كلها متماثلة الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ صريح في أنه ليس ذاته نفس النور بل النور مضاف إليه.

وكذا قوله: ﴿ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ ﴾ فإن قيل قوله: ﴿ الله نُورُ السموات ﴾ يقتضي ظاهره أنه في ذاته نور.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يقتضي أن لا يكون هو في ذاته نوراً وبينهما تناقض، قلنا نظير هذه الآية قولك زيد كرم وجود، ثم تقول ينعش الناس بكرمه وجوده، وعلى هذا الطريق لا تناقض الثالث: قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَجَعَلَ الظلمات والنور  ﴾ وذلك صريح في أن ماهية النور مجعولة لله تعالى فيستحيل أن يكون الإله نوراً، فثبت أنه لابد من التأويل، والعلماء ذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أن النور سبب للظهور والهداية لما شاركت النور في هذا النور في هذا المعنى صح إطلاق اسم النور على الهداية وهو كقوله تعالى: ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءَامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ <div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

نظير قوله: ﴿ الله نُورُ السماوات والأرض ﴾ مع قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ، و ﴿ يَهْدِى الله لِنُورِهِ ﴾ : قولك: زيد كرم وجود، ثم تقول: ينعش الناس بكرمه وجوده.

والمعنى: ذو نور السموات.

وصاحب نور السموات، ونور السموات والأرض الحق، شبهه بالنور في ظهوره وبيانه، كقوله تعالى: ﴿ الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور ﴾ [البقرة: 257] : أي من الباطل إلى الحق.

وأضاف النور إلى السموات والأرض لأحد معنيين: إما للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض.

وإما أن يراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ كصفة مشكاة وهي الكوّة في الجدار غير النافذة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ سراج ضخم ثاقب ﴿ فِى زُجَاجَةٍ ﴾ أراد قنديلاً من زجاج شامي أزهر.

شبهه في زهرته بأحد الدراري من الكواكب وهي المشاهير، كالمشتري والزهرة والمرّيخ وسهيل ونحوها ﴿ يُوقُدُ ﴾ هذا المصباح ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ أي ابتدأ ثقوبه من شجرة الزيتون، يعني: زويت ذبالته بزيتها ﴿ مباركة ﴾ كثيرة المنافع.

أو: لأنها تنبت في الأرض التي بارك فيها للعالمين.

وقيل: بارك فيها سبعون نبياً، منهم إبراهيم عليه السلام.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكمُ بهذِهِ الشجرةِ زيتُ الزيتونِ فتداوَوا بهِ، فإنه مصحةٌ منَ الباسورِ» ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ أي منبتها الشام.

وأجود الزيتون: زيتون الشام.

وقيل: لا في مضحى ولا في مقنأة.

ولكن الشمس والظل يتعاقبان عليها وذلك أجود لحملها وأصفى لدهنها.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا خيرَ في شجرةٍ في مقنأة، ولا نباتٍ في مقنأةٍ، ولا خيرَ فيهما في مضحَى» وقيل: ليست مما تطلع عليه الشمس وفي وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً، فهي شرقية وغربية، ثم وصف الزيت بالصفاء والوبيص وأنه لتلألئه ﴿ يَكَادُ ﴾ يضيء من غير نار ﴿ نُّورٌ على نُورٍ ﴾ أي هذا الذي شبهت به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت، حتى لم يبق مما يقوى النور ويزيده إشراقاً ويمدّه بإضاءة: بقية، وذلك أن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أضوأ له وأجمع لنوره، بخلاف المكان الواسع فإنّ الضوء ينبث فيه، وينتشر، والقنديل أعون شيء على زيادة الإنارة، وكذلك الزيت وصفاؤه ﴿ يَهْدِى الله ﴾ لهذا النور الثاقب ﴿ مَن يَشَآء ﴾ من عباده، أي: يوفق لإصابة الحق من نظر وتدبر بعين عقله والإنصاف من نفسه، ولم يذهب عن الجادة الموصلة إليه يميناً وشمالاً.

ومن لم يتدبر فهو كالأعمى الذي سواء عليه جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس.

وعن عليّ رضي الله عنه: ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ أي نشر فيها الحق وبثه فأضاءت بنوره، أو نور قلوب أهلها به، وعن أبيّ بن كعب رضي الله عنه: مثل نور من آمن به.

وقرئ: ﴿ زجاجة الزجاجة ﴾ بالفتح والكسر: ودرّيّ: منسوب إلى الدرّ أي: أبيض متلألئ.

ودرّيء: بوزن سكيت: يدرأ الظلام بضوئه.

ودريء كمريق.

ودري كالسكينة، عن أبي زيد.

وتوقد: بمعنى تتوقد.

والفعل للزجاجة.

ويوقد، وتوقد، بالتخفيف.

ويوقد، بالتشديد.

ويوقد بحذف التاء وفتح الياء، لاجتماع حرفين زائدين وهو غريب.

ويمسه بالياء، لأن التأنيث ليس بحقيقي، والضمير فاصل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ النُّورُ في الأصْلِ كَيْفِيَّةٌ تُدْرِكُها الباصِرَةُ أوَّلًا وبِواسِطَتِها سائِرُ المُبْصِراتِ كالكَيْفِيَّةِ الفائِضَةِ مِنَ النَّيِّرَيْنِ عَلى الأجْرامِ الكَثِيفَةِ المُحاذِيَةِ لَهُما، وهو بِهَذا المَعْنى لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ عَلى اللَّهِ تَعالى إلّا بِتَقْدِيرِ مُضافٍ كَقَوْلِكَ: زَيْدٌ كَرَمٌ بِمَعْنى ذُو كَرَمٍ، أوْ عَلى تَجَوُّزٍ إمّا بِمَعْنى مُنَوِّرٌ السَّمَواتِ والأرْضَ وقَدْ قُرِئَ بِهِ فَإنَّهُ تَعالى نَوَّرَهُما بِالكَواكِبِ وما يَفِيضُ عَنْها مِنَ الأنْوارِ أوْ بِالمَلائِكَةِ والأنْبِياءِ.

أوْ مُدَبِّرُهُما مِن قَوْلِهِمْ لِلرَّئِيسِ الفائِقِ في التَّدْبِيرِ: نُورُ القَوْمِ لِأنَّهم يَهْتَدُونَ بِهِ في الأُمُورِ.

أوْ مُوجِدُهُما فَإنَّ النُّورَ ظاهِرٌ بِذاتِهِ مُظْهِرٌ لِغَيْرِهِ وأصْلُ الظُّهُورِ هو الوُجُودُ كَما أنَّ أصْلَ الخَفاءِ هو العَدَمُ، واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَوْجُودٌ بِذاتِهِ مُوجِدٌ لِما عَداهُ.

أوِ الَّذِي بِهِ تُدْرِكُ أوْ يُدْرِكُ أهْلُها مِن حَيْثُ إنَّهُ يُطْلَقُ عَلى الباصِرَةِ لِتَعَلُّقِها بِهِ أوْ لِمُشارَكَتِها لَهُ في تَوَقُّفِ الإدْراكِ عَلَيْهِ ثُمَّ عَلى البَصِيرَةِ لِأنَّها أقْوى إدْراكًا فَإنَّها تُدْرِكُ نَفْسَها وغَيْرَها مِنَ الكُلِّيّاتِ والجُزْئِيّاتِ المَوْجُوداتِ والمَعْدُوماتِ، وتَغُوصُ في بَواطِنِها وتَتَصَرَّفُ فِيها بِالتَّرْكِيبِ والتَّحْلِيلِ، ثُمَّ إنَّ هَذِهِ الإدْراكاتِ لَيْسَتْ لِذاتِها وإلّا لَما فارَقَتْها فَهي إذَنْ مِن سَبَبٍ يُفِيضُها عَلَيْها وهو اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى ابْتِداءً أوْ بِتَوَسُّطٍ مِنَ المَلائِكَةِ والأنْبِياءِ ولِذَلِكَ سُمُّوا أنْوارًا، ويَقْرُبُ مِنهُ قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: مَعْناهُ هادِي مَن فِيهِما فَهم بِنُورِهِ يَهْتَدُونَ، وإضافَتُهُ إلَيْهِما لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ أوْ لِاشْتِمالِها عَلى الأنْوارِ الحِسِّيَّةِ والعَقْلِيَّةِ وقُصُورُ الإدْراكاتِ عَلَيْهِما وعَلى المُتَعَلِّقِ بِهِما والمَدْلُولُ لَهُما.

﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ صِفَةُ نُورِهِ العَجِيبَةُ الشَّأْنِ، وإضافَتُهُ إلى ضَمِيرِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى دَلِيلٌ عَلى أنَّ إطْلاقَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلى ظاهِرِهِ.

﴿ كَمِشْكاةٍ ﴾ كَصِفَةِ مِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ الغَيْرُ النّافِذَةِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِرِوايَةِ الدُّورِيِّ بِالإمالَةِ.

﴿ فِيها مِصْباحٌ ﴾ سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ، وقِيلَ المِشْكاةُ الأُنْبُوبَةُ في وسَطِ القِنْدِيلِ والمِصْباحُ الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ.

﴿ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ ﴾ في قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ.

﴿ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ مُضِيءٌ مُتَلَأْلِئٌ كالزَّهْرَةِ في صَفائِهِ وزَهْرَتُهُ مَنسُوبٌ إلى الدَّرْءِ وفُعِيلٌ كَمُرِيقٍ مِنَ الدَّرْءِ فَإنَّهُ يَدْفَعُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ، أوْ بَعْضُ ضَوْئِهِ بَعْضًا مِن لَمَعانِهِ إلّا أنَّهُ قُلِبَتْ هَمْزَتُهُ ياءً ويَدُلُّ عَلَيْهِ قِراءَةُ حَمْزَةَ وأبِي بَكْرٍ عَلى الأصْلِ، وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ «دِرِّيءٍ» كَشِرِّيبٍ وقَدْ قُرِئَ بِهِ مَقْلُوبًا.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ﴾ أيِ ابْتِداءُ ثُقُوبِ المِصْباحِ مِن شَجَرَةِ الزَّيْتُونِ المُتَكاثِرِ نَفْعُهُ بِأنْ رُوَيَتْ ذُبالَتُهُ بِزَيْتِها، وفي إبْهامِ الشَّجَرَةِ ووَصْفِها بِالبَرَكَةِ ثُمَّ إبْدالِ الزَّيْتُونَةِ عَنْها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ بِالياءِ والبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مِن أوْقَدَ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ بِالتّاءِ كَذَلِكَ عَلى إسْنادِهِ إلى الزُّجاجَةُ بِحَذْفِ المُضافِ، وقُرِئَ «تَوَقَّدُ» مِن تَتَوَقَّدُ ويُوقَدُ بِحَذْفِ التّاءِ لِاجْتِماعِ زِيادَتَيْنِ وهو غَرِيبٌ.

﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ تَقَعُ الشَّمْسُ عَلَيْها حِينًا بَعْدَ حِينٍ بَلْ بِحَيْثُ تَقَعُ عَلَيْها طُولَ النَّهارِ كالَّتِي تَكُونُ عَلى قِلَّةٍ، أوْ صَحْراءَ واسِعَةٍ فَإنَّ ثَمَرَتَها تَكُونُ أنْضَجَ وزَيْتُها أصْفى، أوْ لا نابِتَةً في شَرْقِ المَعْمُورَةِ وغَرْبِها بَلْ في وسَطِها وهو الشّامُ فَإنَّ زَيْتُونَهُ أجْوَدُ الزَّيْتُونِ، أوْ لا في مَضْحًى تُشْرِقُ الشَّمْسُ عَلَيْها دائِمًا فَتَحْرُقُها أوْ في مَقِيأةٍ تَغِيبُ عَنْها دائِمًا فَتَتْرُكُها نِيئًا وفي الحَدِيثِ «لا خَيْرَ في شَجَرَةٍ ولا نَباتٍ في مَقْيَأةٍ ولا خَيْرَ فِيهِما في مَضْحًى» .

﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ أيْ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ نارٍ لِتَلَأْلُئِهِ وفَرْطِ وبِيصِهِ.

﴿ نُورٌ عَلى نُورٍ ﴾ نُورٌ مُتَضاعِفٌ فَإنَّ نُورَ المِصْباحِ زادَ في إنارَتِهِ صَفاءُ الزَّيْتِ وزَهْرَةُ القِنْدِيلِ وضَبْطُ المِشْكاةِ لِأشِعَّتِهِ، وقَدْ ذُكِرَ في مَعْنى التَّمْثِيلِ وجُوهٌ، الأوَّلُ: أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْهُدى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُبَيِّناتُ في جَلاءِ مَدْلُولِها وظُهُورِ ما تَضَمَّنَتْهُ مِنَ الهُدى بِالمِشْكاةِ المَنعُوتَةِ، أوْ تَشْبِيهٌ لِلْهُدى مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحْفُوفٌ بِظُلُماتِ أوْهامِ النّاسِ وخَيالاتِهِمْ بِالمِصْباحِ، وإنَّما ولِيَ الكافُ المِشْكاةَ لِاشْتِمالِها عَلَيْهِ، وتَشْبِيهُهُ بِهِ أوْفَقُ مِن تَشْبِيهِهِ بِالشَّمْسِ، أوْ تَمْثِيلٌ لِما نَوَّرَ اللَّهُ بِهِ قَلْبَ المُؤْمِنِ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ بِنُورِ المِشْكاةِ المُنْبَثِّ فِيها مِن مِصْباحِها، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ: «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ»، أوْ تَمْثِيلٌ لِما مَنَحَ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ مِنَ القُوى الدّارِكَةِ الخَمْسِ المُتَرَتِّبَةِ الَّتِي مَنُوطٌ بِها المَعاشُ والمَعادُ وهي: الحَسّاسَةُ الَّتِي تُدْرَكُ بِها المَحْسُوساتُ بِالحَواسِّ الخَمْسِ، والخَيالِيَّةُ الَّتِي تَحْفَظُ صُوَرَ تِلْكَ المَحْسُوساتِ لِتَعْرِضَها عَلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ مَتى شاءَتْ، والعاقِلَةُ الَّتِي تُدْرِكُ الحَقائِقَ الكُلِّيَّةَ، والمُفَكِّرَةُ وهي الَّتِي تُؤَلِّفُ المَعْقُولاتِ لِتَسْتَنْتِجَ مِنها عِلْمَ ما لَمْ تَعْلَمْ، والقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي تَتَجَلّى فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ المُخْتَصَّةُ بِالأنْبِياءِ والأوْلِياءِ المَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا ﴾ بِالأشْياءِ الخَمْسَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ وهي: «المِشْكاةُ»، و «الزُّجاجَةُ»، و «المِصْباحُ»، و «الشَّجَرَةُ»، و «الزَّيْتُ»، فَإنَّ الحَسّاسَةَ كالمِشْكاةِ لِأنَّ مَحَلَّها كالكُوى ووَجْهُها إلى الظّاهِرِ لا تُدْرِكُ ما وراءَها وإضاءَتُها بِالمَعْقُولاتِ لا بِالذّاتِ، والخَيالِيَّةُ كالزُّجاجَةِ في قَبُولِ صُوَرِ المُدْرَكاتِ مِنَ الجَوانِبِ وضَبْطِها لِلْأنْوارِ العَقْلِيَّةِ وإنارَتِها بِما تَشْمَلُ عَلَيْهِ مِنَ المَعْقُولاتِ، والعاقِلَةُ كالمِصْباحِ لِإضاءَتِها بِالإدْراكاتِ الكُلِّيَّةِ والمَعارِفِ الإلَهِيَّةِ، والمُفَكِّرَةُ كالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ لِتَأْدِيَتِها إلى ثَمَراتٍ لا نِهايَةَ لَها الزَّيْتُونَةُ المُثْمِرَةُ بِالزَّيْتِ الَّذِي هو مادَّةُ المَصابِيحِ الَّتِي لا تَكُونُ شَرْقِيَّةً ولا غَرْبِيَّةً لِتَجَرُّدِها عَنِ اللَّواحِقِ الجِسْمِيَّةِ، أوْ لِوُقُوعِها بَيْنَ الصُّوَرِ والمَعانِي مُتَصَرِّفَةً في القَبِيلَيْنِ مُنْتَفِعَةً مِنَ الجانِبَيْنِ، والقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ كالزَّيْتِ فَإنَّها لِصَفائِها وشِدَّةِ ذَكائِها تَكادُ تُضِيءُ بِالمَعارِفِ مِن غَيْرِ تَفَكُّرٍ ولا تَعَلُّمٍ، أوْ تَمْثِيلٌ لِلْقُوَّةِ العَقْلِيَّةِ في مَراتِبِها بِذَلِكَ فَإنَّها في بَدْءِ أمْرِها خالِيَةٌ عَنِ العُلُومِ مُسْتَعِدَّةٌ لِقَبُولِها كالمِشْكاةِ، ثُمَّ تَنْتَقِشُ بِالعُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ بِتَوَسُّطِ إحْساسِ الجُزْئِيّاتِ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِن تَحْصِيلِ النَّظَرِيّاتِ فَتَصِيرُ كالزُّجاجَةِ مُتَلَأْلِئَةً في نَفْسِها قابِلَةً لِلْأنْوارِ، وذَلِكَ التَّمَكُّنُ إنْ كانَ بِفِكْرٍ واجْتِهادٍ فَكالشَّجَرَةِ الزَّيْتُونَةِ وإنْ كانَ بِالحَدَسِ فَكالزَّيْتِ، وإنْ كانَ بِقُوَّةٍ قُدْسِيَّةٍ فَكالَّتِي يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ لِأنَّها تَكادُ تُعْلَمُ ولَوْ لَمْ تَتَّصِلْ بِمَلَكِ الوَحْيِ والإلْهامِ الَّذِي مِثْلُهُ النّارُ مِن حَيْثُ إنَّ العُقُولَ تَشْتَعِلُ عَنْهُ، ثُمَّ إذا حَصَلَتْ لَها العُلُومُ بِحَيْثُ تَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضارِها مَتى شاءَتْ كانَتْ كالمِصْباحِ، فَإذا اسْتَحْضَرَتْها كانَتْ نُورًا عَلى نُورٍ.

﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ ﴾ لِهَذا النُّورِ الثّاقِبِ.

﴿ مَن يَشاءُ ﴾ فَإنَّ الأسْبابَ دُونَ مَشِيئَتِهِ لاغِيَةٌ إذْ بِها تَمامُها.

﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ ﴾ إدْناءً لِلْمَعْقُولِ مِنَ المَحْسُوسِ تَوْضِيحًا وبَيانًا.

﴿ واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا ظاهِرًا كانَ أوْ خَفِيًّا، وفِيهِ وعْدٌ ووَعِيدٌ لِمَن تَدَبَّرَها ولِمَن لَمْ يَكْتَرِثْ بِها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)

{الله نُورُ السماوات والأرض} مع قوله مَثَلُ نوره ويهدى الله لِنُورِهِ قولك زيد كرم وجود ثم تقول ينعش الناس يكرمه وجوده والمعنى ذو نور السموات ونور السموات والأرض الحق شبهه بالنور في ظهوره وبيانه كقوله الله ولى الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من الباطل إلى الحق وأضاف النور اليهما للدلالة

على سعة اشراقه وفشوا إضاءته حتى تصئ له السموات والأرض وجاز أن المراد أهل السموات والأرض وأنهم يستضيئون به {مَثَلُ نُورِهِ} أي صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة {كَمِشْكَاةٍ} كصفة مشكاة وهى الكوفى في الجدار غير النافذة {فِيهَا مِصْبَاحٌ} أي سراج ضخم ثاقب {المصباح فِى زُجَاجَةٍ} في قنديل من زجاج شامي بكسر الزاي {الزجاجة كأنها كوكب دري} مضئ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدرلفرط ضيائه وصفائه وبالكسر والهمزة عمرو وعلي كأنه يدرأ الظلام بضوئه وبالضم والهمزة أبو بكر وحمزة شبه فى زهرته بأحد الكواكب الدراري كالمشتري والزهرة ونحوهما {يُوقَدُ} بالتخفيف حمزة وعلى وابو بكر الزجاجة ويوقد بالتخفيف شامى ونافع وحفص ويوقد بالتشديد مكي وبصري أي هذا المصباح {مِن شجرة} أى ابتداء ثقوبه من زيت شجرة الزيتون يعني رويت زبالته بزيتها {مباركة} كثيرة المنافع أو لأنها نبتت في الأرض التي بورك فيها للعالمين وقيل بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم عليه السلام {زَيْتُونَةٍ} بدل من شجرة نعتها {لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ} أي منبتها الشام يعني ليست من المشرق ولا من المغرب بل فى الوسط منهما وهو الشام

النور (٣٧ - ٣٥)

وأجود الزيتون زيتون الشام وقيل ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط بل تصيبها بالغداة والعشى جميعا فهي شرقية وغربية {يَكَادُ زَيْتُهَا} دهنها {يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} وصف الزيت بالصفاء

والوميض وأنه لتلألؤه يكاد يضئ من غير نار {نُّورٌ على نُورٍ} أي هذا النور الذي شبه به الحق نور متضاعف قد تناصر فيه المشكاة والزجاجة والمصباح والزيت حتى لم تبق بقية مما يقوي النور وهذا لأن المصباح إذا كان في مكان متضايق كالمشكاة كان أجمع لنوره بخلاف المكان الواسع فإن الضوء ينتشر فيه والقنديل أعون شئ على زيادة الإنارة وكذلك الزيت وصفاؤه وضرب المثل يكون بدنئ محسوس معهود لا بعلي غير معاين ولا مشهود فأيوتمام لما قال في المأمون ...

إقدام عمرو في سماحة حاتم ...

في حلم أحنف في ذكاء اياس ...

قيل له إن الخليفة فرق من مثلته بهم فقال مرتجلاً ...

لا تنكروا ضربى من دونه ...

مثلاً شروداً في الندى والباس ...

...

فالله قد ضرب الأقل لنوره ...

مثلاً من المشكاة والنبراس ...

{يَهْدِى الله لِنُورِهِ} أي لهذا النور الثاقب {مَن يَشَآء} من عباده أي يوفق لإصابة الحق من يشاء من عباده بالهام من الله أو ينظره في الدليل {وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ} تقريباً إلى أفهامهم ليعتبروا فيؤمنوا {والله بِكُلّ شَيْء عليم} فيبين كل شئ بما يمكن أن يعلم به وقال ابن عباس رضى الله عنه مثل نوره أي نور الله الذي هدى به المؤمن وقرأ ابن مسعود رحمه الله مثل نوره في قلب المؤمن كمشكاة وقرأ أبيّ مثل نور المؤمن

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ النُّورُ في اللُّغَةِ- عَلى ما قالَ ابْنُ السُّكَيْتِ - الضِّياءُ وهَذا ظاهِرٌ في عَدَمِ الفَرْقِ بَيْنَ النُّورِ والضِّياءِ، وفَرَّقَ بَيْنَهُما جَمْعٌ وإنْ كانَ إطْلاقُ أحَدِهِما عَلى الآخَرِ شائِعًا فَقالَ الإمامُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ في قَوْلِ ورَقَةَ: ويَظْهَرُ في البِلادِ ضِياءُ نُورٍ يُقِيمُ بِهِ البَرِّيَّةُ أنْ يَمُوجا إنَّهُ يُوَضِّحُ مَعْنى النُّورِ والضِّياءُ وإنَّ الضِّياءَ هو المُنْتَشِرُ عَنِ النُّورِ والنُّورُ هو الأصْلُ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿ فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ  ﴾ ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا  ﴾ لِأنَّ نُورَ القَمَرِ لا يَنْتَشِرُ عَنْهُ ما يَنْتَشِرُ عَنِ الشَّمْسِ لا سِيَّما في طَرَفَيِ الشَّهْرِ، وقالَ الفَلاسِفَةُ: الضِّياءُ ما يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ والنُّورُ ما يُفِيضُ عَلَيْهِ مِن مُقابَلَةِ المُضِيءِ وعَلى هَذا جاءَ فِيما زَعَمَ إسْلامِيُّوهم قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا ﴾ فَإنَّ اخْتِلافَ تَشَكُّلاتِ القَمَرِ بِالقُرْبِ والبُعْدِ مِنَ الشَّمْسِ مَعَ خُسُوفِهِ وقْتَ حَيْلُولَةِ الأرْضِ بَيْنَهُ وبَيْنَها دَلِيلٌ عَلى أنَّ نُورَهُ فائِضٌ عَلَيْهِ مِن مُقابَلَتِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّ في هَذا مَقالًا لِعُلَماءِ الإسْلامِ وقَدْ قَدَّمَنا ما فِيهِ في غَيْرِ هَذا المَقامِ، ولَعَلَّ الأُولى في وجْهِ الفِرَقِ ما تَقَدَّمَ آنِفًا في كَلامِ السُّهَيْلِيِّ.

وذَكَرَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ أنَّهُ يَعْلَمُ مِن كَلامِهِمْ أنَّ لِكُلٍّ مِنَ النُّورِ والضِّياءِ جِهَةً أبْلَغِيَّةً فَجِهَةٌ أبْلَغِيَّةُ النُّورِ كَوْنُهُ أصْلًا ومَبْدَأً لِلضِّياءِ وجِهَةً أبْلَغِيَّةً الضِّياءُ أنَّ الإبْصارَ بِالفِعْلِ بِمَدْخَلِيَّتِهِ.

وادَّعى بَعْضُهم أنَّ النُّورَ عَلى الإطْلاقِ أبْلَغُ مِنَ الضِّياءِ لِلْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها، وفِيهِ بَحْثٌ يَعْلَمُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أثْناءَ تَفْسِيرِها، واعْلَمْ أنَّ الفَلاسِفَةَ اخْتَلَفُوا في حَقِيقَةِ النُّورِ فَمِنهم مَن زَعَمَ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ عَنِ المُضِيءِ وتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ وأُبْطِلَ بِعِدَّةِ أوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّهُ لَوْ كانَ جِسْمًا مُتَحَرِّكًا لَكانَتْ حَرَكَتُهُ طَبِيعِيَّةً والحَرَكَةُ الطَّبِيعِيَّةُ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ دُونِ سائِرِ الجِهاتِ لَكِنَّ النُّورَ يَقَعُ عَلى الجِسْمِ في كُلِّ جِهَةٍ كانَتْ لَهُ، والثّانِي أنَّهُ إذا دَخَلَ مِن كُوَّةٍ ثُمَّ سَدَّدْناها دَفْعَةً فَتِلْكَ الأجْزاءُ النُّورانِيَّةُ إمّا أنْ تَكُونَ باقِيَةً في البَيْتِ فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ البَيْتُ مُسْتَنِيرًا كَما كانَ قَبْلَ السَّدِّ ولَيْسَ كَذَلِكَ وإمّا أنْ تَكُونَ خارِجَةً مِنَ الكُوَّةِ قَبْلَ انْسِدادِها وهو مُحالٌ لِأنَّ السَّدَّ كانَ سَبَبَ انْقِطاعِها فَلا بُدَّ أنْ يَكُونَ سابِقًا عَلَيْهِ بِالذّاتِ أوْ بِالزَّمانِ وإمّا أنْ تَكُونَ غَيْرَ باقِيَةٍ أصْلًا فَيَلْزَمُ أنْ يَكُونَ تَخَلَّلَ جِسْمٌ بَيْنَ جِسْمَيْنِ مُوجَبًا انْعِدامَ أحَدِهِما وهو مَعْلُومُ الفَسادِ، والثّالِثُ أنَّ كَوْنَ تِلْكَ الأجْسامِ الصِّغارِ أنْوارًا إمّا أنْ يَكُونَ هو عَيْنُ كَوْنِها أجْسامًا وهو باطِلٌ لِأنَّ المَفْهُومَ مِنَ النُّورِيَّةِ مُغايِرٌ لِلْمَفْهُومِ مِنَ الجِسْمِيَّةِ وإمّا أنْ يَكُونَ مُغايِرًا لَها بِأنْ تَكُونَ تِلْكَ الأجْسامُ حامِلَةً لِتِلْكَ الكَيْفِيَّةِ مُنْفَصِلَةً مِنَ المُضِيءِ مُتَّصِلَةً بِالمُسْتَضِيءِ فَإنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأجْسامُ مَحْسُوسَةً فَهو ظاهِرُ البُطْلانِ لِأنَّها حِينَئِذٍ كَيْفَ تَكُونُ واسِطَةً لِإحْساسِ غَيْرِها وإنْ كانَتْ مَحْسُوسَةً كانَتْ ساتِرَةً لِما وراءَها ويَجِبُ أنَّها كُلَّما ازْدادَتِ اجْتِماعًا ازْدادَتْ سَتْرًا لَكِنَّ الأمْرَ بِالعَكْسِ فَإنَّ النُّورَ كُلَّما ازْدادَ قُوَّةً ازْدادَ إظْهارًا، والرّابِعُ أنَّ الشَّمْسَ إذا طَلَعَتْ مِنَ الأُفُقِ يَسْتَنِيرُ وجْهُ الأرْضِ كُلُّهُ دَفْعَةً ومِنَ البَعِيدِ أنْ تَنْتَقِلَ تِلْكَ الأجْزاءُ مِنَ الفُلْكِ الرّابِعِ إلى وجْهِ الأرْضِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ اللَّطِيفَةِ، ولا يَخْفى حالُهُ عَلى القَوْلِ بِاسْتِحالَةِ الخَرْقِ عَلى الأفْلاكِ، والخامِسُ أنَّ انْفِصالَ الأجْزاءِ مِنَ الأجْرامِ الكَوْكَبِيَّةِ يَسْتَلْزِمُ الذُّبُولَ والِانْتِقاصَ وخُلُوَّ مَواضِعِها عَنْ تَمامِ مِقْدارِها أوْ مِقْدارِ أجْزائِها أوْ كَوْنِها دائِمَةَ التَّحْلِيلِ مَعَ إيرادِ البَدَلِ عَمّا يَتَحَلَّلُ عَنْ جُرْمِها فَتَكُونُ أجْسامُها أجْسامًا مُسْتَحِيلَةً غِذائِيَّةً كائِنَةً فاسِدَةً وذَلِكَ مُحالٌ في الفَلَكِيّاتِ.

وتَعَقَّبَها بَعْضُ مُتَأخَّرِيهِمْ بِأنَّها في غايَةِ الضَّعْفِ أمّا الأوَّلُ فَلِأنَّ كَوْنَ النُّورِ جِسْمًا لا يَسْتَلْزِمُ كَوْنَهُ مُتَحَرِّكًا ولا كَوْنَ حُدُوثِهِ بِالحَرَكَةِ بَلْ هو مِمّا يُوجَدُ دَفْعَةً بِلا حَرَكَةٍ، وأمّا الثّانِي فَلِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: إنَّ قِيامَ المَجْعُولِ بِلا مادَّةٍ إنَّما يَكُونُ بِالفاعِلِ الجاعِلِ إيّاهُ مَعَ اشْتِراطِ عَدَمِ الحِجابِ المانِعِ عَنِ الإفاضَةِ فَإذا طَرَأ المانِعُ لَمْ تَقَعِ الإفاضَةُ فَيَنْعَدِمُ المُفاضُ بِلا مادَّةٍ باقِيَةٍ عَنْهُ لِأنَّ وُجُودَهُ لَمْ يَكُنْ بِشَرِكَةِ المادَّةِ فَكَذا عَدَمُهُ فَعِنْدَ انْسِدادِ البابِ المانِعِ عَنِ الإفاضَةِ يَنْعَدِمُ الشُّعاعُ عَنِ البَيْتِ دُفْعَةً، ولا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ كَوْنِهِ عَرَضًا أوْ جَوْهَرًا والسِّرُّ فِيهِما جَمِيعًا أنَّ النُّورَ مُطْلَقًا لَيْسَ حُصُولُهُ مِن جِهَةِ انْفِعالِ المادَّةِ وشَرِكَةِ الهَيُولى كَسائِرِ الجَواهِرِ والأعْراضِ الِانْفِعالِيّاتِ ولِذَلِكَ لا يَنْعَدِمُ شَيْءٌ مِنها دُفْعَةً لَوْ فُرِضَ حِجابٌ بَيْنَها وبَيْنَ المَبْدَإ الفاعِلِيِّ إلّا بَعْدَ زَمانٍ واسْتِحالَةٍ وأمّا الَّذِي ذَكَرَ ثالِثًا فَجَوابُهُ أنَّ المُغايِرَةَ في المَفْهُومِ لا تُنافِي الِاتِّحادَ والعَيْنِيَّةَ في الوُجُودِ فَما ذُكِرَ مُغالَطَةً مِن بابِ الِاشْتِباهِ بَيْنَ مَفْهُومِ الشَّيْءِ وحَقِيقَتِهِ، وأمّا المَذْكُورُ رابِعًا وخامِسًا فَلِأنَّ مَبْناهُ عَلى الِانْفِصالِ والقَطْعِ لِلْمَسافَةِ لا عَلى مُجَرَّدِ الجَوْهَرِيَّةِ والجِسْمِيَّةِ.

هَذا وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّهُ عَرَضَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ وقالُوا: هو غَنِيٌّ عَنِ التَّعْرِيفِ كَسائِرِ المَحْسُوساتِ، وتَعْرِيفُهُ بِأنَّهُ كَمالٌ أوَّلُ لِلشَّفّافِ مِن حَيْثُ إنَّهُ شَفّافٌ أوْ بِأنَّهُ كَيْفِيَّةٌ لا يَتَوَقَّفُ الإبْصارَ بِها عَلى الإبْصارِ بِشَيْءٍ آخَرَ تَعْرِيفٌ بِما هو أخْفى وكَأنَّ المُرادَ بِهِ التَّنْبِيهُ عَلى بَعْضِ خَواصِّهِ.

ومِن هَؤُلاءِ مَن قالَ: إنَّهُ نَفْسُ ظُهُورِ اللَّوْنِ، ومِنهم مَن قالَ بِمُغايَرَتِهِما واسْتَدَلُّوا بِأوْجُهٍ، الأوَّلُ أنَّ ظُهُورَ اللَّوْنِ إشارَةٌ إلى تَجَدُّدِ أمْرٍ فَهو إمّا اللَّوْنُ أوْ صِفَةٌ نِسْبِيَّةٌ أوْ غَيْرُ نِسْبِيَّةٍ والأوَّلُ باطِلٌ لِأنَّ النُّورَ إمّا أنْ يَجْعَلَ عِبارَةً عَنْ تَجَدُّدِ اللَّوْنِ أوِ اللَّوْنِ المُتَجَدِّدِ، والأوَّلُ يَقْتَضِي أنْ لا يَكُونُ مُسْتَنِيرًا إلّا في آنِ تَجَدُّدِهِ، والثّانِي يُوجِبُ كَوْنَ الضَّوْءِ نَفْسَ اللَّوْنِ فَلا يَبْقى لِقَوْلِهِمُ: الضَّوْءُ هو ظُهُورُ اللَّوْنِ مَعْنًى، وإنْ جَعَلُوا الضَّوْءَ كَيْفِيَّةً ثُبُوتِيَّةً زائِدَةً عَلى ذاتِ اللَّوْنِ وسَمَّوْهُ بِالظُّهُورِ فَذَلِكَ نِزاعٌ لَفْظِيٌّ، وإنْ زَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ الظُّهُورَ تَجَدَّدَ حالَةً نِسْبِيَّةً فَهو باطِلٌ لِأنَّ الضَّوْءَ أمْرٌ غَيْرُ نِسْبِيٍّ وإلّا لَكانَ أمْرًا عَقْلِيًّا واقِعًا تَحْتَ مَقُولَةِ المُضافِ فَلَمْ يَكُنْ مَحْسُوسًا أصْلًا لَكِنَّ الحِسَّ البَصَرِيَّ مِمّا يَنْفَعِلُ عَنْهُ ويَتَضَرَّرُ بِالشَّدِيدِ مِنهُ حَتّى يُبْطِلَ.

والأُمُورُ الذِّهْنِيَّةُ لا تُؤَثِّرُ مِثْلَ هَذا التَّأْثِيرِ فَإذا لَمْ يُمْكِنُ أمْرًا نِسْبِيًّا لَمْ يُمْكِنْ تَفْسِيرُهُ بِالحالَةِ النِّسْبِيَّةِ، والثّانِي أنَّ البَياضَ قَدْ يَكُونُ مُضِيئًا مُشْرِقًا وكَذا السَّوادُ فَلَوْ كانَ ضَوْءُ كُلٍّ مِنهُما عَيْنَ ذاتِهِ لَزِمَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الضَّوْءِ ضِدَّ بَعْضِهِ وهو مُحالٌ لِأنَّ ضِدَّ الضَّوْءِ الظُّلْمَةُ، والثّالِثُ أنَّ اللَّوْنَ يُوجَدُ بِدُونِ الضَّوْءِ كَما في الجِسْمِ المُلَوَّنِ في الظُّلْمَةِ وكَذا الضَّوْءُ يُوجَدُ بِدُونِ اللَّوْنِ كَما في البَلُّورِ إذا وقَعَ عَلَيْهِ الضَّوْءُ فَهُما مُتَغايِرانِ لِوُجُودِ كُلٍّ مِنهُما بِدُونِ الآخَرِ، والرّابِعُ أنَّ الجِسْمَ الأحْمَرَ مَثَلًا المُضِيءُ إذا انْعَكَسَ عَنْهُ إلى مُقابِلِهِ فَتارَةً يَنْعَكِسُ الضَّوْءُ عَنْهُ إلى جِسْمٍ آخَرَ وتارَةً يَنْعَكِسُ مِنهُ اللَّوْنُ والضَّوْءُ مَعًا إذا قَرَيا حَتّى يَحْمَرَّ المُنْعَكِسُ إلَيْهِ فَلَوْ كانَ مُجَرَّدَ ظُهُورِ اللَّوْنِ لاسْتَحالَ أنْ يُفِيدَ غَيْرَهُ لَمَعانًا ساذَجًا، ولَيْسَ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ: هَذا البَرِيقُ عِبارَةٌ عَنْ إظْهارِ اللَّوْنِ في ذَلِكَ القابِلِ لِأنَّهُ يُقالُ: فَلِماذا إذا اشْتَدَّ لَوْنُ الجِسْمِ المُنْعَكِسِ مِنهُ ضَوْءُهُ أخْفى ضَوْءَ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ وأبْطَلَهُ وأعْطاهُ لَوْنَ نَفْسِهِ.

وقالَ بَعْضُ المُتَأخِّرِينَ: اسْتَقَرَّ الرَّأْيُ عَلى أنَّ النُّورَ المَحْسُوسَ بِما هو مَحْسُوسٌ عِبارَةٌ عَنْ نَحْوِ وُجُودِ الجَوْهَرِ المُبْصِرِ الحاضِرِ عِنْدَ النَّفْسِ في غَيْرِ هَذا العالَمِ وأمّا الَّذِي في الخارِجِ بِإزائِهِ فَلا يَزِيدُ وُجُودَهُ عَلى وُجُودِ اللَّوْنِ والأوْجُهُ الَّتِي ذُكِرَتْ لِمُغايَرَتِهِما مَقْدُوحَةٌ، أمّا الوَجْهُ الأوَّلُ فَهو مَقْدُوحٌ بِأنَّ ظُهُورَ اللَّوْنِ عِبارَةٌ عَنْ وُجُودِهِ وهو صِفَةٌ حَقِيقِيَّةٌ مِن شَأْنِها أنْ يُنْسَبَ ويُضافَ إلى القُوَّةِ المُدْرِكَةِ وبِهَذا الِاعْتِبارِ يَقَعُ لَهُ التَّجَدُّدُ قَوْلُهُمْ: يُوجِبُ أنْ يَكُونَ الضَّوْءُ نَفْسَ اللَّوْنِ قُلْنا: نَعَمْ ولَكِنَّهُما مُتَغايِرانِ بِالِاعْتِبارِ كَما أنَّ الماهِيَّةَ والوُجُودَ في كُلِّ شَيْءٍ مُتَّحِدانِ بِالذّاتِ مُتَغايِرانِ بِالِاعْتِبارِ فَإنَّ النُّورَ والضَّوْءَ يَرْجِعُ مَعْناهُ إلى وُجُودِ خاصٍّ عارِضٍ لِبَعْضِ الأجْسامِ والظُّلْمَةُ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِ الوُجُودِ الخاصِّ بِالكُلِّيَّةِ والظِّلُّ عِبارَةٌ عَنْ عَدَمِهِ في الجُمْلَةِ واللَّوْنُ عِبارَةٌ عَنِ امْتِزاجٍ يَقَعُ بَيْنَ حامِلِ هَذا الوُجُودِ النُّورِيِّ وحامِلِ عَدَمِهِ عَلى أنْحاءِ مُخْتَلِفَةٍ فَلَيْسَتِ الألْوانُ إلّا مَراتِبُ تَراكِيبِ الأنْوارِ والأدِلَّةُ المُوَرِّدَةُ عَلى إبْطالِ ذَلِكَ ضَعِيفَةٌ فَعَلى هَذا صَحَّ قَوْلُهُمُ: النُّورُ هو ظُهُورُ اللَّوْنِ وصَحَّ أيْضًا قَوْلُ مَن يَقُولُ إنَّهُ غَيْرُ اللَّوْنِ لِأنَّ النُّورَ بِما هو نُورٌ لا يَخْتَلِفُ إذْ لا يُعْتَبَرُ فِيهِ امْتِزاجٌ ولا شَوْبٌ مَعَ عَدَمٍ أوْ ظُلْمَةٍ والألْوانُ مُخْتَلِفَةٌ، وأمّا الوَجْهُ الثّانِي فَهو أيْضًا مُنْدَفِعٌ بِما مَهَّدَ وبِأنَّ اللَّوْنَ وإنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَ النُّورِ إلّا أنَّ مَراتِبَ الأنْوارِ مُخْتَلِفَةٌ شَدَّةً وضَعْفًا، ومَعَ هَذا الِاخْتِلافِ قَدْ تَخْتَلِفُ بِوُجُوهٍ أُخَرَ بِحَسْبِ تَرْكِيباتٍ وامْتِزاجاتٍ كَثِيرَةٍ تَقَعُ بَيْنَ أعْدادٍ مِنَ النُّورِ وإمْكانِها وفِعْلِيَّتِها وأصْلِها وفَرْعِها وأعَدادٍ مِنَ الظُّلْمَةِ أعْنِي عَدَمَ ذَلِكَ النُّورِ وإمْكانِها وفِعْلِيَّتِها وأصْلِها وفَرْعِها فَإنَّ هَذِهِ الألْوانَ أُمُورٌ مادِّيَّةٌ في الأكْثَرِ أوْ مُتَعَلِّقَةٌ بِها والمادَّةُ مَنِيعُ الِانْقِسامِ والتَّرْكِيبِ بَيْنَ الوُجُوداتِ والإعْدامِ والإمْكاناتُ فَلَيْسَ بِعَجَبٍ أنَّ يَحْصُلَ مِن ضُرُوبِ تَرْكِيباتِ النُّورِ بِالظُّلْمَةِ هَذِهِ الألْوانِ الَّتِي نَراها فَتَقَعُ تِلْكَ الأقْسامُ في مِحالِها عَلى الوَجْهِ المَذْكُورِ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْها نُورٌ آخَرُ بِمُقابَلَةِ المُنِيرِ.

ومَن قالَ بِأنَّ النُّورَ عَيْنُ اللَّوْنِ لَمْ يَقُلْ بِأنَّ كُلَّ نُورٍ عَيْنُ كُلِّ لَوْنٍ كَما أنَّ مَن قالَ بِأنَّ الوُجُودَ عَيْنُ الماهِيَّةِ لَمْ يَقُلْ بِأنَّ كُلَّ وُجُودٍ عَيْنُ كُلِّ ماهِيَّةٍ لِيَلْزَمَهُ أنْ لا يُطْرُدَ وُجُودٌ عَلى وُجُودٍ ولا تَضادِّ وُجُودٍ لِوُجُودٍ فالألْوانُ مُتَخالِفَةُ الأحْكامِ وبَعْضُها أُمُورٌ مُتَضادَّةٌ لَكِنْ بِما هي ألْوانٌ لا بِما هي أنْوارٌ كَما أنَّ المَوْجُوداتِ مُتَخالِفَةُ الأحْكامِ وبَعْضُها أشْياءٌ مُتَضادَّةٌ لَكِنْ بِما هي ماهِيّاتٌ لا بِما هي مَوْجُوداتٌ مَعَ أنَّ الوُجُودَ والماهِيَّةَ واحِدٌ، وأمّا الوَجْهُ الثّالِثُ فَسَبِيلُ دَفْعِهِ سَهْلٌ بِما بَيْنَ وكَذا الوَجْهُ الرّابِعُ بِأدْنى أعْمالِ رَوِيَّةٍ فَإنَّ عَدَمَ ظُهُورِ اللَّوْنِ قَدْ يَكُونُ لِضَعْفِ اللَّمَعانِ الواقِعِ عَلى شَيْءٍ وقَدْ يَكُونُ لِشِدَّةِ اللَّمَعانِ فالواقِعُ عَلى المُقابِلِ مِن عَكْسِ المُضِيءِ المُلَوَّنِ قَدْ يَكُونُ ضَوْءُهُ فَقَطْ وذَلِكَ عِنْدَ قُصُورِ الضَّوْءِ واللَّوْنِ أوْ قُصُورِ اسْتِعْدادِ القابِلِ المُقابِلِ وقَدْ يَكُونُ كِلاهُما لِقُوَّتِهِما وقُوَّةِ اسْتِعْدادِ المُنْعَكِسِ إلَيْهِ، عَلى أنَّ الكَلامَ في مَباحِثِ العُكُوسِ طَوِيلٌ، وكَوْنُ المُنْعَكِسِ مِنَ الجِسْمِ المُضِيءِ إلى جِسْمٍ آخَرَ ضَوْءُهُ دُونَ لَوْنِهِ رُبَّما كانَ لِأجْلِ صِقالَتِهِ فَإنَّ الصَّقِيلَ قَدْ يَكُونُ ذا لَوْنٍ وضَوْءٍ ولَكِنَّ المُنْعَكِسَ مِنهُ إلى مُقابِلِهِ لَيْسَ إلّا ما حَصَلَ مِن نَيْرٍ آخَرَ بِتَوَسُّطِهِ عَلى نِسْبَةٍ وضْعِيَّةٍ مَخْصُوصَةٍ بَيْنَهُما لَهُ إلَيْهِما لا اللَّوْنُ والضَّوْءُ اللَّذانِ يَسْتَقِرّانِ فِيهِ فالمُنْعَكِسُ في ذَلِكَ المُقابِلِ لَيْسَ إلّا الضَّوْءُ فَقَطْ مِن ذَلِكَ النِّيرِ لا مِنَ المُنْعَكِسِ مِنهُ إلّا أنْ يَكُونَ المُنْعَكِسُ إلَيْهِ أيْضًا جِسْمًا صَقِيلًا فَيَقَعُ فِيهِ حِكايَةٌ مِنهُما أيِ الضَّوْءِ واللَّوْنِ أوْ مِن أحَدِهِما أيْضًا.

هَذا غايَةُ ما قالُوهُ في النُّورِ المَحْسُوسِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ الأجْسامُ عَلى الأبْصارِ ولَهم في النُّورِ إطْلاقٌ آخَرُ وهو الظّاهِرُ بِذاتِهِ والمَظْهَرُ لِغَيْرِهِ وقالُوا: هو بِهَذا المَعْنى مُساوٍ لِلْوُجُودِ بَلْ نَفْسُهُ فَيَكُونُ حَقِيقَةً بَسِيطَةً كالوُجُودِ مُنْقَسِمًا كانْقِسامِهِ، فَمِنهُ نُورٌ واجِبٌ لِذاتِهِ قاهِرٌ عَلى ما سِواهُ، ومِنهُ أنْوارٌ عَقْلِيَّةٌ ونَفْسِيَّةٌ وجِسْمِيَّةٌ، والواجِبُ تَعالى نُورُ الأنْوارِ غَيْرُ مُتَناهِي الشِّدَّةِ وما سِواهُ سُبْحانَهُ أنْوارٌ مُتَناهِيَةُ الشِّدَّةِ بِمَعْنى أنَّ فَوْقَها ما هو أشَدُّ مِنها وإنْ كانَ بَعْضُها كالأنْوارِ العَقْلِيَّةِ لا تَقِفُ آثارُها عِنْدَ حَدٍّ، والكُلُّ مِن لَمَعاتِ نُورِهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى الأجْسامِ الكَثِيفَةِ فَإنَّها أيْضًا مِن حَيْثُ الوُجُودِ لا تَخْلُو عَنْ نُورٍ لَكِنَّهُ مَشُوبٌ بِظُلُماتِ الإعْدامِ والإمْكاناتِ، إذْ عَلِمْتَ هَذا فاعْلَمْ أنَّ إطْلاقَ النُّورِ عَلى اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِالمَعْنى اللُّغَوِيِّ والحُكْمِيِّ السّابِقِ غَيْرِ صَحِيحٍ لِكَمالِ تَنَزُّهِهِ جَلَّ وعَلا عَنِ الجِسْمِيَّةِ والكَيْفِيَّةِ ولَوازِمِهِما، وإطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِالمَعْنى المَذْكُورِ وهو الظّاهِرُ بِذاتِهِ والمُظْهِرُ لِغَيْرِهِ قَدْ جَوَّزَهُ جَماعَةٌ مِنهم حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزالِيِّ فَإنَّهُ قَدَّسَ سِرَّهُ بَعْدَ أنْ ذَكَرَ في رِسالَتِهِ مِشْكاةِ الأنْوارِ ومَعْنى النُّورِ ومَراتِبِهِ قالَ: إذا عَرَفْتَ أنَّ النُّورَ يَرْجِعُ إلى الظُّهُورِ والإظْهارِ فاعْلَمْ أنْ لا ظُلْمَةَ أشَدَّ مِن كَتْمِ العَدَمِ لِأنَّ المُظْلِمَ سُمِّيَ مُظْلِمًا لِأنَّهُ لَيْسَ بِظاهِرٍ لِلْبِصارِ مَعَ أنَّهُ مَوْجُودٌ في نَفْسِهِ فَما لَيْسَ مَوْجُودًا أصْلًا كَيْفَ لا يَسْتَحِقُّ أنْ يَكُونَ هو الغايَةُ في الظُّلْمَةِ.

وفِي مُقابَلَتِهِ الوُجُودِ وهو النُّورُ فَإنَّ الشَّيْءَ ما لَمْ يَظْهَرْ في ذاتِهِ لا يَظْهَرُ لِغَيْرِهِ، والوُجُودُ يَنْقَسِمُ إلى ما لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ وإلى ما لَهُ مِن غَيْرِهِ، فَما لَهُ الوُجُودُ مِن غَيْرِهِ فَوُجُودُهُ مُسْتَعارٌ لِأقْوامٍ لَهُ بِنَفْسِهِ بَلْ إذا اعْتُبِرَ ذاتُهُ مِن حَيْثُ ذاتِهِ فَهو عَدَمٌ مَحْضٌ وإنَّما هو وُجُودٌ مِن حَيْثُ نِسْبَتِهِ إلى غَيْرِهِ وذَلِكَ لَيْسَ بِوُجُودٍ حَقِيقِيٍّ، فالوُجُودُ الحَقُّ هو اللَّهُ تَعالى كَما أنَّ النُّورَ الحَقَّ هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، وقَدْ قالَ قَبْلَ هَذا.

أقُولُ ولا أُبالِي إنَّ إطْلاقَ اسْمِ النُّورِ عَلى غَيْرِ النُّورِ الأوَّلِ مَجازٌ مَحْضٌ إذْ كَلُّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ إذا اعْتَبَرَ ذاتَهُ فَهو في ذاتِهِ مِن حَيْثُ ذاتِهِ لا نُورَ لَهُ بَلْ نُورانِيَّتُهُ مُسْتَعارَةٌ مِن غَيْرِهِ ولا قِوامٍ لِنُورانِيَّتِهِ المُسْتَعارَةِ بِنَفْسِها بَلْ بِغَيْرِها ونِسْبَةِ المُسْتَعارِ إلى المُسْتَعِيرِ مَجازٌ مَحْضٌ، وفَسَّرَ النُّورَ في هَذِهِ الآيَةِ أعْنِي قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ بِذَلِكَ، ثُمَّ أشارَ إلى وجْهِ الإضافَةِ إلى ﴿ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ بِقَوْلِهِ: لا يَنْبَغِي أنْ يَخْفى عَلَيْكَ ذَلِكَ بَعْدَ أنْ عَرَفْتَ أنَّهُ تَعالى هو النُّورُ ولا نُورَ سِواهُ وإنَّهُ كُلُّ الأنْوارِ والنُّورُ الكُلِّيُّ لِأنَّ النُّورَ عِبارَةٌ عَمّا تَنْكَشِفُ بِهِ الأشْياءُ وأعْلى مِنهُ ما تَنْكَشِفُ بِهِ ولَهُ ومِنهُ ولَيْسَ فَوْقَهُ نُورٌ مِنهُ اقْتِباسَهُ واسْتِمْدادَهُ بَلْ ذَلِكَ لَهُ في ذاتِهِ لِذاتِهِ لا مِن غَيْرِهِ، ثُمَّ عَرَفْتَ أنَّ هَذا لا يَتَّصِفُ بِهِ إلّا النُّورُ الأوَّلُ، ثُمَّ عَرَفْتَ أنَّ السَّماواتِ والأرْضَ مَشْحُونَةٌ نُورًا مِن طَبَقَتَيْنِ النُّورُ أعْنِي المَنسُوبَ إلى البَصَرِ والمَنسُوبِ إلى البَصِيرَةِ أيْ إلى الحُسْنِ والعَقْلِ كَنُورِ الكَواكِبِ وجَواهِرِ المَلائِكَةِ وكالأنْوارِ المُشاهَدَةِ المُنْبَسِطَةِ عَلى كُلِّ ما عَلى الأرْضِ وكَأنْوارِ النُّبُوَّةِ والقُرْآنِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ.

وهَذا مَنزَعٌ صُوفِيٌّ والصُّوفِيَّةُ لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ القَوْلِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يَقُولُ الظّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا هو الكُلُّ بَلْ هو هو لا هُوِيَّةَ لِغَيْرِهِ إلّا بِالمَجازِ ويَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهَ تَوْحِيدُ العَوامِّ ولا إلَهَ إلّا هو تَوْحِيدُ الخَواصِّ لِأنَّهُ أتَمُّ وأخَصُّ وأشْمَلُ وأحَقُّ وأدَقُّ وأدْخَلُ لِصاحِبِهِ في الفَرْدانِيَّةِ المَحْضَةِ والوَحْدانِيَّةِ الصِّرْفَةِ، وقَدْ قالَ بِذَلِكَ الغَزالِيُّ في رِسالَتِهِ المَذْكُورَةِ أيْضًا، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ مِمّا لا يُهْتَدى إلَيْهِ بِنُورِ الِاسْتِدْلالِ بَلْ هو طَوْرٌ وراءَ طَوْرِ العَقْلِ لا يُهْتَدى إلَيْهِ إلّا بِنُورِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.

وجَوَّزَ بَعْضُ المُحَقِّقِينَ كَوْنَ المُرادِ مِنَ النُّورِ في الآيَةِ المُوجِدَ كَأنَّهُ قِيلَ: اللَّهُ مُوجِدُ السَّماواتِ والأرْضِ، ووَجْهُ ذَلِكَ بِأنَّهُ مَجازٌ مُرْسَلٌ بِاعْتِبارٍ لازِمٍ مَعْنى النُّورِ وهو الظُّهُورُ في نَفْسِهِ وإظْهارِهِ لِغَيْرِهِ وقِيلَ: هو اسْتِعارَةٌ والمُسْتَعارُ مِنهُ النُّورُ بِمَعْنى الظّاهِرِ بِنَفْسِهِ المُظْهِرُ لِما سِواهُ والمُسْتَعارُ لَهُ الواجِبُ الوُجُودِ المُوجِدُ لِما عَداهُ، وكَوْنُ المُرادِ بِهِ مُفِيضُ الإدْراكِ ومُعْطِيهِ مَجازًا مُرْسَلًا أوِ اسْتِعارَةً والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ نُورٍ أهْلٍ والسَّماواتِ والأرْضِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا أخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ هادِيَ أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ وهو وجْهٌ حَسَنٌ، وجاءَ في رِوايَةٍ أُخْرى أخْرَجَها ابْنُ جَرِيرٍ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ فَسَّرَ النُّورَ بِالمُدَبِّرِ فَقالَ: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ يُدَبِّرُ الأمْرَ فِيهِما، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا، وجَعَلَ ذَلِكَ بَعْضُهم مِنَ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.

ووَجْهُ الشَّبَهِ كَوْنُ كُلٍّ مِنَ التَّدْبِيرِ والنُّورِ سَبَبُ الِاهْتِداءِ إلى المَصالِحِ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ تَصْرِيحِيَّةٌ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ ذِكْرَ طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ وهو اللَّهُ تَعالى والنُّورُ يُنافِي ذَلِكَ وأُجِيبُ بِأنَّ ذِكْرَهُما إنَّما يُنافِيهِ إذا كانَ عَلى وجْهٍ يُنَبِّئُ عَنِ التَّشْبِيهِ وكانَ كُلُّ مِنَ المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ مَذْكُورًا بِعَيْنِهِ وهُنا لَمْ يُشَبِّهِ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالنُّورِ بَلْ شَبَّهَ المُدَبِّرَ بِهِ وذَكَرَ جُزْئِيَّ يُصَدِّقُ عَلَيْهِ المُشَبَّهُ أوْ كُلِّيٍّ يَشْمَلُهُ لا يُنافِي ذَلِكَ كَما أشارَ إلَيْهِ صاحِبُ الكَشّافِ في مَواضِعَ مِنهُ وصَرَّحَ بِهِ أهْلُ المَعانِي، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المُنَزَّهُ مِن كُلِّ عَيْبٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُمُ: امْرَأةٌ نُوارٍ أيَّ بَرِيئَةٍ مِنَ الرِّيبَةِ بِالفَحْشاءِ وهو مِن بابِ المَجازِ أيْضًا، وقِيلَ: الكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ كَما في زَيْدٌ كَرَّمَ أيْ ذُو نُورٍ، ويُؤَيِّدُهُ كَما قِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ و ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ ﴾ .

وقِيلَ: نُورٌ بِمَعْنى مُنَوَّرٍ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وأبِي العالِيَةِ والضَّحّاكِ وعَلَيْهِ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ بَعْضِهِمْ «مُنَوِّرٌ» وكَذا قِراءَةُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ وأبِي جَعْفَرٍ وعَبْدِ العَزِيزِ المَكِّيِّ وزَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ وثابِتِ بْنِ أبِي حَفْصَةَ والقَوْرَصِيِّ ومُسْلِمَةَ بْنِ عَبْدِ المِلْكِ وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السِّلْمِيِّ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ «( نَوَّرَ)» فِعْلًا ماضِيًا «والأرْضُ» بِالنَّصْبِ، وتَنْوِيرُهُ سُبْحانَهُ السَّماواتِ والأرْضَ قِيلَ بِالشَّمْسِ والقَمَرِ وسائِرِ الكَواكِبِ ونُسِبَ إلى الحَسَنِ ومِن مَعَهُ، وقِيلَ: تَنْوِيرُ السَّماواتِ بِالمَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ وتَنْوِيرُ الأرْضِ بِالأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ والعُلَماءُ ونَسَبَ إلى أبِيّ بْنِ كَعْبٍ، والتَّنْوِيرُ عَلى الأوَّلِ حِسِّيٌّ وعَلى الثّانِي عَقْلِيٌّ.

وقِيلَ وهو الَّذِي اخْتارَهُ: تَنْوِيرُهُ سُبْحانَهُ إيّاهُما بِما فِيهِما مِنَ الآياتِ التَّكْوِينِيَّةِ والتَّنْزِيلِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى وُجُودِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ وسائِرِ صِفاتِهِ عَزَّ وجَلَّ والهادِيَةِ إلى صَلاحِ المَعاشِ والمَعادِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مُسَوِّقٌ إمّا لِتَحْقِيقِ أنَّ بَيانَهُ تَعالى المُؤَذِّنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ ﴾ الآيَةُ لَيْسَ مَقْصُورًا عَلى ما ورَدَ في هَذِهِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ.

وإمّا لِتَقْرِيرِ ما في القُرْآنِ الجَلِيلِ مِنَ البَيانِ، ويَتَأتّى نَحْوُ هَذا عَلى بَعْضِ الأقْوالِ السّابِقَةِ في بَيانِ المُرادِ بِالنُّورِ وهو وجْهٌ قَوِيٌّ في مُناسَبَةِ الآيَةِ لِما قَبْلِها ولا يَكادُ يَظْهَرُ مِثْلُهُ عَلى بَعْضٍ آخَرَ مِنها.

وذَكَرَ العَلامَةُ الطَّيْبِيُّ في بَيانِ المُناسِبَةِ كَلامًا فِيهِ الغَثُّ والسَّمِينُ إنْ أرَدْتَهُ فارْجِعْ إلَيْهِ.

وتَخْصِيصُ السَّماواتِ والأرْضِ بِالذِّكْرِ لِأنَّهُما المَقَرُّ المَعْرُوفُ لِلْمُكَلَّفِينَ المُحْتاجِينَ لِما يَدُلُّهُما ويُهْدِيهِما لِما سَبَقَ.

وقالَ العَلّامَةُ البَيْضاوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ احْتِمالاتٍ في المُرادِ بِالنُّورِ: إنَّ إضافَتَهُ إلَيْهِما لِلدَّلالَةِ عَلى سِعَةِ إشْراقِهِ أوْ لِاشْتِمالِهِما عَلى الأنْوارِ الحِسِّيَّةِ والعَقْلِيَّةِ وقُصُورِ الإدْراكاتِ البَشَرِيَّةِ عَلَيْهِما وعَلى المُتَعَلِّقِ بِهِما والمَدْلُولِ لَهُما، وقِيلَ: المُرادُ بِهِما العالَمُ كُلُّهُ كَإطْلاقِ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ عَلى جَمِيعِ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ هَذا مِن إطْلاقِ اسْمِ البَعْضِ عَلى الكُلِّ مَجازًا وقَدِ اشْتَرَطَ في التَّلْوِيحِ أنْ يَكُونَ الكُلُّ مُرَكَّبًا تَرْكِيبًا حَقِيقِيًّا ولَمْ يُثْبِتْ في اللُّغَةِ إطْلاقَ الأرْضِ عَلى مَجْمُوعِ الأرْضِ والسَّماءِ والإنْسانِ عَلى الآدَمِيِّ والسُّبْعِ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لا يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ مَجازًا لِجَوازِ كَوْنِهِ كِنايَةً ولَوْ سَلِمَ فَما في التَّلْوِيحِ غَيْرُ مُسْلِمٍ أوْ هو أغْلَبِيٌّ، فَقَدْ ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ في الأرْضِ ولا في السَّماءِ  ﴾ أنَّهُ عَبَّرَ عَنْ جَمِيعِ العالَمِ بِالسَّماءِ والأرْضِ، وقالَ العَلامَةُ في شَرْحِهِ: إنَّهُ مِن إطْلاقِ الجُزْءِ عَلى الكُلِّ فالمَعْنى حِينَئِذٍ اللَّهُ نُورُ العالَمِ كُلِّهِ ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أيْ أدِلَّتِهِ سُبْحانَهُ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ في السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي هَدى بِها مَن شاءَ إلى ما فِيهِ صَلاحُهُ وحُكِيَ هَذا عَنْ أبِي مُسْلِمٍ ويَنْتَظِمُ ذَلِكَ القُرْآنُ انْتِظامًا أوَّلِيًّا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ وزَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ هُنا القُرْآنُ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما قَبْلُ مَن وصَفَ آياتِهِ بِالإنْزالِ والتَّبْيِينِ، وقَدْ صَرَّحَ بِكَوْنِهِ نُورًا أيْضًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا  ﴾ وقِيلَ المُرادُ بِهِ الحَقُّ فَقَدْ جاءَ اسْتِعارَةُ النُّورِ لَهُ كاسْتِعارَةِ الظَّلَمَةِ لِلْباطِلِ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ اللَّهُ ولِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ  ﴾ أيْ مِن أنْواعِ الباطِلِ إلى الحَقِّ ووَجْهُ الشَّبَهِ الظُّهُورُ، ومِن أمْثالِهِمُ الحَقُّ أبْلَجُ، ويَكْفِي ذَلِكَ في جَوازِ الِاسْتِعارَةِ ولا تَتَوَقَّفُ عَلى تَحَقُّقِ ما في النُّورِ مِن مَعْنى الإظْهارِ في الحَقِّ، نَعَمْ إذا تَحَقَّقَ ذَلِكَ أيْضًا فَهو نُورٌ عَلى نُورٍ لَكِنْ رَجَّحَ ضِعْفَ تَفْسِيرِهِ بِما ذَكَرَ دُونَ القُرْآنِ بِأنَّهُ يَأْباهُ مَقامَ بَيانٍ شَأْنَ الآياتِ ووَصَفَها بِما ذَكَرَ مِنَ التَّبْيِينِ مَعَ عَدَمِ سَبْقِ ذِكْرِ الحَقِّ.

وفِي الكَشْفِ المُرادُ بِالحَقِّ الَّذِي فُسِّرَ النُّورُ بِهِ ما يُقابِلُ الباطِلَ وهو يَتَناوَلُ التَّوْحِيدَ والشَّرائِعَ وما دَلَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ والعَقْلِ، ولَيْسَ المُرادُ بِهِ كَوْنُ السَّماواتِ والأرْضِ دَلِيلَيْنِ عَلى وُجُودِ فاطِرِهِما بَلْ ذَلِكَ أيْضًا داخِلٌ في عُمُومِ اللَّفْظِ انْتَهى، ويَضْعُفُ عَلَيْهِ أُمِرَ هَذا التَّضْعِيفُ، وقِيلَ المُرادُ بِهِ الهُدى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الآياتُ المُبَيِّناتُ، وقِيلَ: الهُدى مُطْلَقًا، فَقَدْ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في الأسْماءِ والصِّفاتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: مَثَلُ نُورِهِ مِثْلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ إلَهِي يَقُولُ نُورِي هُدايَ وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ تَفْسِيرَهُ بِالهُدى مُخْتارُ الأكْثَرِينَ وأنَّ تَفْسِيرَهُ بِالحَقِّ بِالمَعْنى العامِّ يُوافِقُهُ، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ المَعارِفُ والعُلُومُ الَّتِي أفاضَها عَزَّ وجَلَّ عَلى قَلْبِ المُؤْمِنِ وإضافَةُ ذَلِكَ إلَيْهِ سُبْحانَهُ لِأنَّهُ مُفاضُهُ تَعالى، وعَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ والضَّحّاكِ تَفْسِيرُهُ بِالإيمانِ الَّذِي أعْطاهُ، سُبْحانَهُ المُؤْمِنَ ووَفَّقَهُ إلَيْهِ.

وجاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرَهُ بِالطّاعاتِ الَّتِي حَلّى بِها جَلَّ شَأْنُهُ قَلْبَ المُؤْمِنِ فَيَشْمَلُ الإيمانَ وسائِرَ الأعْمالِ القَلْبِيَّةِ الحَمِيدَةِ، وقِيلَ المُرادُ بِنُورِهِ رَسُولُهُ مُحَمَّدٌ  وقَدْ جاءَ إطْلاقُ النُّورِ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ  ﴾ عَلى قَوْلٍ، وقِيلَ: غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا سَتَعْلَمُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى، والضَّمِيرُ عَلى جَمِيعِ هَذِهِ الأقْوالِ راجِعٌ إلَيْهِ تَعالى كَما هو الظّاهِرُ.

وجَوَّزَ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى المُؤْمِنِ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عِكْرِمَةَ وهو إحْدى الرِّواياتِ وصَحَّحَها الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورُوِيَ أيْضًا عَنِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بَلْ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قالَ قَرَأ أبِيّ بْنُ كَعْبٍ «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ» وأخْرَجَ أبُو عَبِيدٍ وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ أُبَيًّا قَرَأ «مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ» أوْ قالَ: «مَثَلُ مَن آمَنَ بِهِ» .

وفِي البَحْرِ رُوِيَ عَنْ أبِيّ أنَّهُ قَرَأ «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ» وقِيلَ: الضَّمِيرُ راجِعٌ إلى مُحَمَّدٍ  ورَوى ذَلِكَ جَماعَةٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ، وحَكاهُ أبُو حَيّانَ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا، وقِيلَ: هو راجِعٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: إلى الإيمانِ، ولا يَخْفى أنَّ رُجُوعَ الضَّمِيرِ إلى غَيْرِ مَذْكُورٍ في الكَلامِ إذا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ أوْ كانَ لَكِنْ كانَتْ دَلالَتُهُ عَلَيْهِ خَفِيَّةً خِلافَ الظّاهِرِ جِدًّا لا سِيَّما إذا فاتَ المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ عَلى ذَلِكَ، والمُرادُ بِالمَثَلِ بِالصِّفَةِ العَجِيبَةِ أيْ صِفَةِ نُورِهِ سُبْحانَهُ العَجِيبَةِ الشَّأْنِ ﴿ كَمِشْكاةٍ ﴾ أيْ كَصِفَتِها في الإنارَةِ والتَّنْوِيرِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ كَنُورِ مِشْكاةٍ وهي الكُوَّةُ غَيْرُ النّافِذَةِ كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وأبُو مالِكٍ وابْنُ جُبَيْرٍ وسَعِيدُ بْنُ عِياضٍ والجُمْهُورُ، وقالَ أبُو مُوسى: هِيَ الحَدِيدَةُ أوِ الرَّصاصَةُ الَّتِي تَكُونُ فِيها الفَتِيلَةُ في جَوْفِ الزُّجاجَةِ وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّها الحَدِيدَةُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها القِنْدِيلُ وهو كَما تَرى، والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ قَوْلُ الجُمْهُورِ، وعَنِ ابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ أصَحُّ الأقْوالِ وعَلى جَمِيعِها هو لَفْظٌ حَبَشِيٌّ مُعَرَّبٌ كَما قالَ ابْنُ قُتَيْبَةِ والكَلْبِيُّ وغَيْرُهُما، وقِيلَ: رُومِيٌّ مُعَرَّبٌ، وقالَ الزَّجّاجُ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَرَبِيًّا فَيَكُونُ مُفْعِلَةً والأصْلُ مَشْكُوَّةٌ فَقُلِبَتِ الواوُ ألِفًا لِتَحَرُّكِها وانْفِتاحِ ما قَبْلِها وإلى أنَّ أصْلَ ألِفِها الواوُ ذَهَبَ ابْنُ جِنِّيٍّ واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ العَرَبَ قَدْ نَحَوْا بِها مَنحاةَ الواوِ كَما فَعَلُوا بِالصَّلاةِ.

وقَرَأ الكِسائِيُّ بِرِوايَةِ الدَّوْرِيِّ بِالإمالَةِ ﴿ فِيها مِصْباحٌ ﴾ سِراجٌ ضَخْمٌ ثاقِبٌ، وقِيلَ الفَتِيلَةُ المُشْتَعِلَةُ ﴿ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ ﴾ في قِنْدِيلٍ مِنَ الزُّجاجِ الصّافِي الأزْهَرِ وضَمُّ الزّايِ لُغَةُ الحِجازِ وكَسْرُها وفَتْحُها لُغَةُ قَيْسٍ، بِالفَتْحِ قَرَأ أبُو رَجاءَ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ في رِوايَةِ ابْنِ مُجاهِدٍ.

وقَرَأ بَعْضُهم بِالكَسْرِ أيْضًا وكَذا قُرِئَ بِهِما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ مُضِيءٌ مُتَلَأْلِئٌ كالزَّهْرَةِ في صَفائِهِ وزَهْرَتِهِ مَنسُوبٌ إلى الدُّرِّ فَوَزَنَهُ فِعْلِيٌّ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ أصْلُهُ دَرِئَ بِهَمْزَةِ آخِرِهِ كَما قَرَأ بِهِ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ فَقُلِبَتْ ياءً وأُدْغِمَتْ في الياءِ فَوَزَنَهُ فَعِيلَ وهو مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الدَّفْعِ فَإنَّهُ يَدْفَعُ الظَّلامَ بِضَوْئِهِ أوْ يَدْفَعُ بَعْضَ ضَوْئِهِ بَعْضًا مِن لَمَعانِهِ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مِنَ الدَّرْءِ بِمَعْنى الجَرْيِ ولَيْسَ بِذاكَ ومِثْلِهِ ما قِيلَ إنَّهُ مِن دَرَأ إذا طَلَعَ وفاجَأ ولا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ أنَّ فَعِيلًا قَلِيلٌ في كَلامِهِمْ فَفي اللُّبابِ فَعِيلٌ غَرِيبٌ لا نَظِيرَ لَهُ إلّا مُرِيقٍ لِحُبِّ المُصْفَرِّ أوْ ما سَمِنَ مِنَ الخَيْلِ وعَلِيَّةٍ وسِرِّيَّةٍ وذُرِّيَّةٍ قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، وفي البَحْرِ سُمِعَ أيْضًا مِرِّيخُ الَّذِي في داخِلِ القَرْنِ اليابِسِ وفِيهِ لُغَتانِ ضَمِّ المِيمِ وكَسْرِها.

وقالَ الفِراءُ: لَمْ يَسْمَعْ إلّا مُرِيقٌ وهو أعْجَمِيٌّ وسِيبَوَيْهُ عَدَّ ذَلِكَ مِن أبْنِيَةِ العَرَبِ ولَمْ يُثْبِتْ بَعْضُهم هَذا الوَزْنَ أصْلًا.

وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصِلُ «دَرِئَ» دُرُوءٌ كَسَبُوحٍ فَجُعِلَتِ الضَّمَّةُ كَسْرَةً لِلِاسْتِثْقالِ والواوُ ياءً لِانْكِسارِ ما قَبْلِها كَما قالُوا في عُتُوٍّ عَتى فَوَزْنُهُ فُعُولٌ وكَذا قِيلَ في سِرِّيَّةٍ وذُرِّيَّةٍ، وجَعَلَ بَعْضُهم سِرِّيَّةً مِنَ السِّرِّ وهو النِّكاحُ أوِ الإخْفاءُ والضَّمُّ مِن تَغْيِيراتِ النِّسَبِ فَوَزْنُهُ فِعْلِيَّةٌ كَما في الصِّحاحِ، والأخْفَشُ يَرى أنَّهُ مِنَ السُّرُورِ وقَدْ أُبْدِلَتِ الرّاءُ الأخِيرَةُ ياءً وهو مَعْهُودٌ في الفِعْلِ فَقَدْ قالُوا: تُسُرِّرَتْ جارِيَةٌ وتُسُرِّيَتْ كَما قالُوا: تَظَنَّنَتْ وتَظَنَّيَتْ فَوَزَنَهُ عَلى هَذا كَما قالَ الخَفاجِيُّ فَعَلِيلَةٌ، وجَعَلَ بَعْضُهم ذَرِّيَّةً نِسْبَةً إلى الذَّرِّ عَلى غَيْرِ القِياسِ لِإخْراجِهِمْ كالذَّرِّ مِن ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.

وقَرَأ قَتادَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والضَّحّاكُ «دَرِيَ» بِفَتْحِ الدّالِّ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَصْرِ بْنِ عاصِمٍ وأبِي رَجاءَ وابْنِ المُسَيِّبِ وقَرَأ الزَّهْرِيُّ «دَرِيَ» بِكَسْرِ الرّاءِ وقَرَأ أبُو عَمْرٍو والكِسائِيُّ «دَرِئَ» بِالكَسْرِ والهَمْزَةُ آخِرُهُ، وهو بِناءٌ كَثِيرٌ في الأسْماءِ نَحْوُ سِكِّينٍ وفي الأوْصافِ نَحْوُ سِكِّيرٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ أيْضًا وأبانُ بْنُ عُثْمانَ وابْنُ المُسَيِّبِ وأبُو رَجاءَ وعَمْرُو بْنِ قائِدٍ والأعْمَشُ ونَصْرُ بْنُ عاصِمٍ «دَرِئَ» بِالهَمْزِ وفَتْحِ الدّالِّ، قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: وهَذا عَزِيزٌ لَمْ يَحْفَظْ مِنهُ إلّا السِّكِّينَةَ بِفَتْحِ السِّينِ وشَدِّ الكافِ في لُغَةٍ حَكاها أبُو زَيْدٍ.

وقُرِئَ «دَءْرِي» بِتَقْدِيمِ الهَمْزَةِ ساكِنَةً عَلى الرّاءِ وهي مِن نادِرِ الشَّواذِّ وفي إعادَةِ ( المِصْباحُ والزَّجّاجَةُ ) مُعَرَّفَيْنِ أثَرَ سَبْقِهِما مُنْكَرَيْنِ والإخْبارُ عَنْهُما بِما بَعْدَهُما مَعَ انْتِظامِ الكَلامِ بِأنْ يُقالَ: كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ في زُجاجَةٍ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مِن تَفْخِيمِ شَأْنِهِما ورَفْعِ مَكانَتِهِما بِالتَّفْسِيرِ إثْرَ الإبْهامِ والتَّفْصِيلِ بَعْدَ الإجْمالِ وبِإثْباتِ ما بَعْدَهُما لَهُما بِطَرِيقِ الإخْبارِ المُنْبِئِ عَنِ القَصْدِ الأصْلِيِّ دُونَ الوَصْفِ المَبْنِيِّ عَنِ الإشارَةِ إلى الثُّبُوتِ في الجُمْلَةِ ما لا يَخْفى، والجُمْلَةُ الأُولى في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمِصْباحٍ والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ في مَحَلِّ الجَرِّ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِزُجاجَةٍ واللّامُ مُغْنِيَةٌ كَما في مَجْمَعِ البَيانِ وإرْشادُ العَقْلِ السَّلِيمِ عَنِ الرّابِطِ كَأنَّهُ قِيلَ: فِيها مِصْباحٌ هو في زُجاجَةٍ هي كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ ﴾ أيْ يُبْتَدَأُ إيقادُ المِصْباحِ مِن شَجَرَةٍ ﴿ مُبارَكَةٍ ﴾ أيْ كَثِيرَةِ المَنافِعِ بِأنْ رَوَيَتَ ذُبالَتُهُ بِزَيْتِها، وقِيلَ إنَّما وُصِفَتْ بِالبَرَكَةِ لِأنَّها تَثْبُتُ في الأرْضِ الَّتِي بارَكَ اللَّهُ تَعالى فِيها لِلْعالَمِينَ، وقِيلَ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ زَيْتُونَةٍ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ شَجَرَةٍ ﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْها وقِيلَ بارَكَ فِيها سَبْعُونَ نَبِيًّا مِنهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿ زَيْتُونَةٍ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ شَجَرَةٍ ﴾ وقالَ أبُو عَلِيٍّ: عَطْفُ بَيانٍ عَلَيْها وهو مَبْنِيٌّ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ مِن تَجْوِيزِهِمْ عَطْفِ البَيانِ في النَّكِراتِ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَلا يُجَوِّزُونَهُ إلّا في المَعارِفِ.

وفِي إبْهامِ الشَّجَرَةِ ووَصْفِها بِالبَرَكَةِ ثُمَّ الإبْدالِ عَنْها أوْ بَيانِها تَفْخِيمٌ لِشَأْنِها، وقَدْ جاءَ في الحَدِيثِ مَدْحُ الزَّيْتِ لِأنَّهُ مِنها، أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حَمِيدٍ في مُسْنَدِهِ.

والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَّةٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قالَ: ««اِئْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ وادْهِنُوا بِهِ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»» .

وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها أنَّها ذُكِرَ عِنْدِها الزَّيْتُ فَقالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ  يَأْمُرُ أنْ يُؤْكَلَ ويُدْهَنَ ويُسْعَطَ بِهِ ويَقُولُ إنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ» وهُوَ في حَدِّ ذاتِهِ مَمْدُوحٌ، فَفِي الحَدِيثِ أنَّهُ مَصَحَّةٌ مِنَ الباسُورِ وذَكَرَ لَهُ الأطِبّاءُ مَنافِعَ كَثِيرَةً، «وكانَ  يَأْكُلُ الخُبْزَ بِهِ» «وأكَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اللِّسانَ مَطْبُوخًا بِالشَّعِيرِ وفِيهِ الزَّيْتُ والتَّوابِلُ» فَلْيُحْفَظْ.

وقَرَأ الأخَوانِ وأبُو بَكْرٍ والحَسَنُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وقَتادَةُ وابْنُ وثّابٍ وطِلْحَةُ وعِيسى والأعْمَشُ «تُوقَدُ» بِالتّاءِ المُثَنّاةِ مِن فَرْقٍ مُضارِعٍ أوْقَدَتْ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ القائِمَ مَقامَ الفاعِلِ لِلزُّجاجَةِ وإسْنادَ الفِعْلِ إلَيْها قِيلَ عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، وقِيلَ هو بِتَقْدِيرِ مُضافٍ أيْ مِصْباحِها.

وقَرَأ الحَسَنُ والسِّلْمِيُّ وقَتادَةُ أيْضًا وابْنُ مُحَيْصِنٍ وسَلامٌ ومُجاهِدٌ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والمُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ «تُوقَدُ» بِالتّاءِ الفَوْقِيَّةِ أيْضًا مُضارِعُ تَوَقُّدٍ وأصْلُهُ نَتَوَقَّدُ بِتاءَيْنِ فَخَفَّفَ بِحَذْفِ أحَدِهِما.

وذَكَرَ الخَفاجِيُّ أنَّها قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو وابْنُ كَثِيرٍ والإسْنادُ فِيها لِلزُّجاجَةِ عَلى ما مَرَّ.

وقَرَأ السِّلْمِيُّ وقَتادَةُ وسَلامٌ أيْضًا «يُوقَدُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى أنَّهُ مُضارِعُ تَوَقَّدَ أيْضًا، وجاءَ كَذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ مُحَيْصِنٍ، وأصْلُهُ يَتَوَقَّدُ أيِ المِصْباحِ فَحُذِفَتِ التّاءُ وهو غَيْرُ مَعْرُوفٍ مَعَ الياءِ وإنَّما المَعْرُوفُ هو الحَذْفُ عِنْدَ اجْتِماعِ التّاءَيْنِ المُتَماثِلِينَ.

ووَجْهُ ذَلِكَ عَلى ما قالَ ابْنُ جِنِّيٍّ أنَّهُ شَبَّهَ فِيهِ حَرْفُ مُضارَعَةٍ بِحَرْفِ مُضارَعَةٍ يَعْنِي الياءَ بِالتّاءِ فَعُومِلَ مُعامَلَتَهُ كَما شُبِّهَتِ التّاءُ والنُّونُ في تَعَدٍّ ونَعُدُّ بِياءِ يُعَدُّ فَحُذِفَ الواوُ مَعَهُما كَما حُذِفَتْ فِيهِ لِوُقُوعِها بَيْنَ ياءٍ وكَسْرَةٍ.

وقُرِئَ «تُوقَدُ» بِالتّاءِ مِن فَوْقٍ عَلى صِيغَةِ الماضِي مِنَ التَّفَعُّلِ والضَّمِيرُ لِلْمِصْباحِ أيِ ابْتِداءٍ تُوقَدُ المِصْباحُ مِن شَجَرَةٍ.

﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ أيْ ضاحِيَةٍ لِلشَّمْسِ لا يُظِلُّها جَبَلٌ ولا شَجَرٌ ولا يَحْجُبُها عَنْها شَيْءٌ مِن حِينِ تَطَلُّعُ إلى أنْ تَغْرُبَ وذَلِكَ أحْسَنُ لِزَيْتِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ والكَلْبِيِّ وهو تَفْسِيرٌ بِلازِمِ المَعْنى أعْنِي بِهِ كَوْنَها بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ.

وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ أيْ لَيْسَتْ مِن شَجَرِ الشَّرْقِ ولا مَن شَجَرِ الغَرْبِ لِأنَّ ما اخْتَصَّ بِإحْدى الجِهَتَيْنِ كانَ أقَلَّ زَيْتًا وأضْعَفَ ضَوْءًا لَكِنَّها مَن شَجَرِ الشّامِ وهي ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ وزَيْتُونُها أجْوَدُ ما يَكُونُ، وقالَ أبُو حَيّانَ في تَذْكِرَتِهِ: المَعْنى لَيْسَتْ في مُشْرِقَةٍ أبَدًا أيْ في مَوْضِعٍ لا يُصِيبُهُ ظِلٌّ ولَيْسَتْ في مَقْناةٍ أبَدًا أيْ في مَوْضِعٍ لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، وحاصِلُهُ لَيْسَتِ الزَّيْتُونَةُ تُصِيبُها الشَّمْسُ خاصَّةً ولا الظِّلُّ خاصَّةً ولَكِنْ يُصِيبُها هَذا في وقْتٍ وهَذا في وقْتٍ، وقالَ الفِراءُ والزَّجّاجُ: المَعْنى لا شَرْقِيَّةَ فَقَطْ ولا غَرْبِيَّةَ فَقَطْ لَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ أيْ تُصِيبُها الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها وغُرُوبِها، وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ قَيْدٍ فَقَطْ بَعْدَ كُلٍّ مِن ( شَرْقِيَّةٍ وغَرْبِيَّةٍ )كَما سَمِعْتَ لِيَتَوَجَّهَ النَّفْيُ إلَيْهِ فَيُفِيدُ التَّرْكِيبُ اجْتِماعَ الأمْرَيْنِ وإلّا فَظاهِرُهُ نَفْيُهُما، وعَنِ المَطْلَعِ أنَّ هَذا كَقَوْلِ الفَرَزْدَقِ: بِأيْدِي رِجالٍ لَمْ يَشِيمُوا سُيُوفَهم ∗∗∗ ولَمْ تَكْثُرِ القَتْلى بِها حِينَ سَلَّتْ إذْ مَعْناهُ شامُوا سُيُوفَهم وأكْثَرُوا بِها القَتْلى، وتَعَقُّبُهُ في الكَشْفِ بِأنَّهُ لا اسْتِدْلالَ بِالبَيْتِ عَلى ذَلِكَ لِجَوازِ أنْ يُرِيدَ لَمْ يَشِيمُوا غَيْرَ مُكَثَّرِي القَتْلى عَلى الحالِ وإفادَتُهُ المَعْنى المَذْكُورِ واضِحَةٌ حِينَئِذٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها في دَوْحَةٍ أحاطَتْ بِها فَلَيْسَتْ مُنْكَشِفَةً لا مِن جِهَةِ الشَّرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ، وتَعَقَّبَ بِأنَّ هَذا لا يَصِحُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ لِأنَّها إذا كانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَسُدَّ جَناها، وعَنِ الحَسَنِ أنَّ هَذا مَثَلٌ ولَيْسَتْ مِن شَجَرِ الدُّنْيا إذْ لَوْ كانَتْ في الدُّنْيا لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً، وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّها مِن شَجَرِ الجَنَّةِ ولَعَلَّهُ إنَّما جَزَمَ بِذَلِكَ لِما ذَكَرَ الحَسَنُ ولا يَخْفى ما فِيهِ، وقَرَأ الضَّحّاكُ «لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ» بِالرَّفْعِ أيْ هي لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ.

وقالَ أبُو حَيّانَ: أيْ لا هي شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْنا أوْلى، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِزَيْتُونَةٍ.

﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ أيْ هو في الصَّفاءِ والإنارَةِ بِحَيْثُ يَكادُ يُضِيءُ بِنَفْسِهِ مِن غَيْرِ مِساسِ نارٍ أصْلًا، وكَلِمَةُ ( لَوْ ) في أمْثالِ هَذِهِ المَواقِعِ لَيْسَتْ لِبَيانِ انْتِفاءِ الشَّيْءِ لِانْتِفاءِ غَيْرِهِ في الزَّمانِ الماضِي فَلا يُلاحَظُ لَها جَوابٌ قَدْ حُذِفَ ثِقَةً بِدَلالَةِ ما قَبْلِها عَلَيْهِ مُلاحَظَةٌ قَصْدِيَّةٌ إلّا عِنْدَ القَصْدِ إلى بَيانِ الإعْرابِ عَلى القَواعِدِ الصِّناعِيَّةِ بَلْ هي لِبَيانِ تَحَقُّقِ ما يُفِيدُهُ الكَلامُ السّابِقُ مِنَ الحُكْمِ المُوجِبِ أوِ المَنفِيِّ عَلى كُلِّ حالٍ مَفْرُوضٍ مِنَ الأحْوالِ المُقارِنَةِ لَهُ إجْمالًا بِإدْخالِها عَلى أبْعَدِها مِنهُ، والواوُ الدّاخِلَةُ عَلَيْها لِعَطْفِ الجُمْلَةِ المَذْكُورَةِ عَلى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ مُقابِلَةٍ لَها عِنْدَ الجَزُولِيِّ ومَن وافَقَهُ، ومَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ في حَيِّزِ النَّصْبِ عَلى الحالِيَّةِ مِنَ المُسْتَكِنِّ في الفِعْلِ المُوجِبِ أوِ المَنفِيِّ، وتَقْدِيرُ الآيَةِ الكَرِيمَةِ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ لَوْ مَسَّتْهُ نارٌ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ أيْ يُضِيءُ كائِنًا عَلى كُلِّ حالٍ مِن وُجُودِ شَرْطِ الإضاءَةِ وعَدَمِهِ، وحُذِفَتِ الجُمْلَةُ الأوْلى حَسْبَما هو المُطَّرِدُ في البابِ ثِقَةً بِدَلالَةِ الثّانِيَةِ عَلَيْها دَلالَةً واضِحَةً.

وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الواوُ لِلْحالِ ومُقْتَضاهُ أنَّ ( لَوْ ) مَعَ ما بَعْدَها حالٌ فالتَّقْدِيرُ والحالُ لَوْ كانَ أوْ لَمْ يَكُنْ كَذا أيْ مَفْرُوضًا ثُبُوتُهُ أوِ انْتِفاؤُهُ، لَكِنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ ومِثْلُهُ المَرْزُوقِيُّ يُقَدِّرُ ولَوْ كانَ الحالُ كَذا.

وتَعَقَّبَ ذَلِكَ بِأنَّ أدَواتِ الشَّرْطِ لا تَصْلُحُ لِلْحالِيَّةِ لِأنَّها تَقْتَضِي عَدَمَ التَّحَقُّقِ والحالُ يَقْتَضِي خِلافَهُ.

والتَزَمَ لِذَلِكَ أنَّهُ انْسَلَخَ عَنْها الشَّرْطِيَّةَ وأنَّها مُؤَوَّلَةٌ بِالحالِ كَما أنَّ الحالَ تَكُونُ في مَعْنى الشَّرْطِ نَحْوِ لِأفْعَلَنَّهُ كائِنًا ما كانَ أيْ إنْ كانَ هَذا أوْ غَيْرُهُ ولِذا لا تَحْتاجُ إلى الجَزاءِ أصْلًا، وإنَّما قَدَّرَ الحالَ بَعْدَ لَوْ عَلى ما قِيلَ: إشارَةٌ إلى أنَّهُ قَصَدَ إلى جَعْلِ الجُمْلَةِ حالًا قَبْلَ دُخُولِ الشَّرْطِ المُنافِي لَهُ ثُمَّ دَخَلَتْ ( لَوْ ) تَنْبِيهًا عَلى أنَّها حالٌ غَيْرُ مُحَقِّقَةٍ واعْتَرَضَ الرَّضِيُّ لِلْقَوْلِ بِأنَّها عاطِفَةٌ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَقَعَ التَّصْرِيحُ بِالمَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الِاسْتِعْمالِ ولَيْسَ كَذَلِكَ وذَهَبَ إلى أنَّها اعْتِراضِيَّةٌ.

ويَجُوزُ الِاعْتِراضُ في آخِرِ الكَلامِ والمَقْصُودُ مِنهُ التَّأْكِيدُ.

وأُجِيبَ عَنِ اعْتِراضِهِ بِأنَّ ظُهُورَ تَرَتُّبِ الجَزاءِ عَلى المَعْطُوفِ عَلَيْهِ أغْنى عَنْ ذِكْرِهِ حَتّى كانَ ذِكْرُهُ تَكْرارًا، وبِالجُمْلَةِ الَّذِي عَطَفَ عَلَيْهِ الأكْثَرُونَ وارْتَضَوْهُ كَوْنُها عاطِفَةً، ويَجْعَلُ مَجْمُوعَ الجُمْلَتَيْنِ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى ما سَمِعْتُ يَنْدَفِعُ ما يَتَوَهَّمُ مِن أنْ كادَ تَنافِي اعْتِبارِ العَطْفِ هُنا فَتَأمَّلْ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ «يَمْسَسْهُ» بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ وحَسَّنَهُ الفَصْلُ وكَوْنُ الفاعِلِ غَيْرَ حَقِيقِيِّ التَّأْنِيثِ ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ أيْ هو نُورٌ عَظِيمٌ كائِنٌ عَلى نُورٍ عَلى أنْ يَكُونَ ﴿ نُورُ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ والجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ مُؤَكِّدَةً لِما أفادَهُ التَّنْكِيرُ مِنَ الفَخامَةِ، والجُمْلَةُ فَذْلَكَةٌ لِلتَّمْثِيلِ وتَصْرِيحٌ بِما حَصَلَ مِنهُ وتَمْهِيدٌ لِما يَعْقُبُهُ فالمُرادُ مِنَ الضَّمِيرِ النُّورُ الَّذِي مَثَّلَتْ صِفَتَهُ العَظِيمَةَ الشَّأْنِ بِما سَمِعْتَ لا النُّورُ المُشَبَّهُ بِهِ وحَمْلُهُ عَلَيْهِ لا يَلِيقُ كَما قِيلَ بِشَأْنِ التَّنْزِيلِ الجَلِيلِ، ولَيْسَ مَعْنى كَوْنِهِ نُورًا فَوْقَ نُورٍ أنَّهُ نُورٌ واحِدٌ مُعَيَّنٌ أوْ غَيْرُ مُعَيَّنٍ فَوْقَ نُورٍ آخَرَ مِثْلِهِ ولا أنَّهُ مَجْمُوعُ نُورَيْنِ اثْنَيْنِ فَقَطْ بَلْ إنَّهُ نُورٌ مُتَضاعِفٌ مِن غَيْرِ تَحْدِيدٍ لِتَضاعُفِهِ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ وتَحْدِيدِ مَراتِبِ تُضاعِفِ ما مَثَّلَ بِهِ مِن نُورِ المِشْكاةِ بِما ذَكَرَ لِكَوْنِهِ أقْصى مَراتِبِ تَضاعُفِهِ عادَةً فَإنَّ المِصْباحَ إذا كانَ في مَكانٍ مُتَضايِقٍ كالمِشْكاةِ كانَ أضْوَأ لَهُ وأجْمَعُ لِنُورِهِ بِسَبَبِ انْضِمامِ الشُّعاعِ المُنْعَكِسِ مِنهُ إلى أصْلِ الشُّعاعِ بِخِلافِ المَكانِ المُتَّسِعِ فَإنَّ الضَّوْءَ يَنْبَثُّ فِيهِ ويَنْتَشِرُ والقِنْدِيلُ أعُونُ شَيْءٍ عَلى زِيادَةِ الإنارَةِ وكَذَلِكَ الزَّيْتُ وصَفاؤُهُ ولَيْسَ وراءَ هَذِهِ المَراتِبِ مِمّا يَزِيدُ نُورُها إشْراقًا ويَمُدُّهُ بِإضاءَةِ مَرْتَبَةٍ أُخْرى عادَةً.

والظّاهِرُ عِنْدِي أنَّ التَّشْبِيهَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ الكَرِيمَةُ مِن تَشْبِيهِ المَعْقُولِ وهو نُورُهُ تَعالى بِمَعْنى أدِلَّتِهِ سُبْحانَهُ لَكِنَّ مِن حَيْثُ إنَّها أدِلَّةٌ أوِ القُرْآنُ أوِ التَّوْحِيدُ والشَّرائِعُ وما دَلَّ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ السَّمْعِ والعَقْلِ أوِ الهُدى أوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِالمَحْسُوسِ وهو نُورِ المِشْكاةِ المُبالَغِ في نَعْتِهِ وأنَّهُ لَيْسَ في المُشَبَّهِ بِهِ أجْزاءٌ يَنْتَزِعُ مِنها الشَّبَهَ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ أنَّهُ مُرَكَّبٌ أوْ مُفَرَّقٌ، وذَكَرَ أنَّهُ إذا كانَ المُرادُ تَشْبِيهُ النُّورِ بِمَعْنى الهُدى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآياتُ المُبَيِّناتُ فَهُوَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُرَكَّبِ العَقْلِيِّ وقَدْ شَبَّهَ فِيهِ الهَيْئَةَ المُنْتَزَعَةَ بِأُخْرى فَإنَّ النُّورَ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا دالَّ عَلى مُتَعَدِّدٍ وكَذا إذا كانَ المُرادُ تَشْبِيهُ ما نُورِ اللَّهِ تَعالى بِهِ قَلْبُ المُؤْمِنِ مِنَ المَعارِفِ والعُلُومِ بِنُورِ المِشْكاةِ المُنْبَثِّ فِيها مِن مِصْباحِها، وفي الحَواشِي الطَّيِّبَةِ الطَّيْبِيَّةِ بَعْدَ اخْتِيارِ أنَّ المُرادَ بِالنُّورِ الهِدايَةِ بِوَحْيٍ يُنَزِّلُهُ ورَسُولٍ يَبْعَثُهُ ما هو ظاهِرٌ في أنَّ التَّشْبِيهَ مِنَ التَّشْبِيهِ المُفَرَّقِ بَلْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أخِيرًا، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأنَّ التَّكْرِيرَ في الآيَةِ يَسْتَدْعِي ذَلِكَ وقَدْ أطالَ الكَلامَ في هَذا المَقامِ، ومِنهُ أنَّ المُشَبَّهاتِ المُناسِبَةَ عَلى هَذا المَعْنى صَدْرُ الرَّسُولِ  وقَلْبُهُ الشَّرِيفُ واللَّطِيفَةُ الرَّبّانِيَّةُ فِيهِ والقُرْآنُ وما يَتَأثَّرُ مِنهُ القَلْبُ عِنْدَ اسْتِمْدادِهِ.

والتَّفْصِيلُ أنَّهُ شَبَّهَ صَدْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالمِشْكاةِ لِأنَّهُ كالكُوَّةِ ذُو وجْهَيْنِ فَمِن وجْهٍ يَقْتَبِسُ النُّورَ مِنَ القَلْبِ المُسْتَنِيرِ ومِن آخَرَ يَفِيضُ ذَلِكَ النُّورُ المُقْتَبَسُ عَلى الخَلْقِ وذَلِكَ لِاسْتِعْدادِهِ بِانْشِراحِهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً في صِباهُ وأُخْرى عِنْدَ إسْرائِهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ أفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإسْلامِ فَهو عَلى نُورٍ مِن رَبِّهِ  ﴾ وهَذا تَشْبِيهٌ صَحِيحٌ قَدِ اشْتُهِرَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ، رَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنْ كَعْبٍ هَذا مِثْلُ ضَرْبِهِ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ  المِشْكاةَ صَدْرِهِ والزَّجّاجَةَ قَلْبِهِ والمِصْباحَ فِيهِ النُّبُوَّةُ والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، ورَوى الإمامُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّ المِشْكاةَ صَدْرُ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والزَّجّاجَةُ قَلْبُهُ والمِصْباحُ ما في قَلْبِهِ مِنَ الدِّينِ، وفي حَقائِقِ السِّلْمِيِّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخَزّازِ المِشْكاةُ حَوْفُ مُحَمَّدٍ  والزَّجّاجَةُ قَلْبُهُ الشَّرِيفُ والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي فِيهِ، وشَبَّهَ قَلْبَهُ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ بِالزَّجّاجَةِ المَنعُوتَةِ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ لِصَفائِهِ وإشْراقِهِ وخُلُوصِهِ عَنْ كَدَوْرَةِ الهَوى ولَوَثِ النَّفْسِ الأمّارَة وانْعِكاسِ نُورِ اللَّطِيفَةِ إلَيْهِ.

وشُبِّهَتِ اللَّطِيفَةُ القُدْسِيَّةُ المُزْهِرَةُ في القَلْبِ بِالمِصْباحِ الثّاقِبِ.

أخْرَجَ الإمامُ أحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ قَلْبٌ أجْوَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ يُزْهِرُ- وفِيهِ- أمّا القَلْبُ الأجْوَدُ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ سِراجُهُ فِيهِ نُورُهُ»» الحَدِيثُ، وشَبَّهَ نَفْسَ القُرْآنِ بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ لِثَباتِ أصْلِها وتَشَعُّبِ فَرَوْعِها وتَأدِّيها إلى ثَمَراتٍ لا نِهايَةَ لَها قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةً أصْلُها ثابِتٌ وفَرْعُها في السَّماءِ ﴾ ﴿ تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّها  ﴾ الآيَةُ.

ورَوى مُحْيِي السُّنَّةِ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ زَيْدٍ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ شَجَرَةُ الوَحْيِ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ تَكادُ حُجَّةُ القُرْآنِ تَتَّضِحُ وإنْ لَمْ تُقْرَأْ.

وشَبَّهَ ما يَسْتَمِدُّهُ نُورُ قَلْبِهِ الشَّرِيفِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ وابْتِداءُ تَقْوِيَتِهِ مِنهُ بِالزَّيْتِ الصّافِي قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ أوْحَيْنا إلَيْكَ رُوحًا مِن أمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي ما الكِتابُ ولا الإيمانُ ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مِن نَشاءُ مِن عِبادِنا  ﴾ فَكَما جَعَلَ سُبْحانَهُ القُرْآنَ سَبَبَ تَوَقُّدِهِ مِنهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ﴾ جَعَلَ ضَوْءَهُ مُسْتَفادًا مِنِ انْعِكاسِ نُورِ اللَّطِيفَةِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ .

والمَعْنى عَلى ما ذَكَرَ في إنْسانِ العَيْنِ يَكادُ سِرُّ القُرْآنِ يَظْهَرُ لِلْخَلْقِ قَبْلَ دَعْوَةِ النَّبِيِّ  وفِيهِ مَسْحَةٌ مِن مَعْنى قَوْلِهِ: رَقَّ الزُّجاجُ ورَقَّتِ الخَمْرُ ∗∗∗ فَتَشابَها وتَشاكَلَ الأمْرُ فَكَأنَّما خَمْرٌ ولا قَدْحٌ ∗∗∗ وكَأنَّما قَدْحٌ ولا خَمْرُ ومِنهُ وُصِفَتِ الشَّجَرَةُ بِكَوْنِها لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ.

وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَشْبِيهُ فُؤادِهِ  بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ وأنَّ الشَّجَرَةَ المُبارَكَةَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.

ومَعْنى لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ أنَّهُ لَيْسَ بِنَصْرانِيٍّ فَيُصَلِّي نَحْوَ المَشْرِقِ ولا يَهُودِيٍّ فَيُصَلِّي نَحْوَ المَغْرِبِ.

والزَّيْتُ الصّافِي دِينُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ يُقالُ عَلى تَفْرِيقِ التَّشْبِيهِ لَكِنَّ عَلى مُشَرِّعٍ آخَرَ شَبَّهَ القُرْآنَ بِالمِصْباحِ عَلى ما سَبَقَ ونَفْسَهُ  الزَّكِيَّةَ الطّاهِرَةَ بِالشَّجَرَةِ لِكَوْنِها نابِتَةً مِن أرْضِ الدِّينِ مُتَشَعِّبَةً فُرُوعُها إلى سَماءِ الإيمانِ مُتَدَلِّيَةً أثْمارُها إلى فَضاءِ الإخْلاصِ والإحْسانِ وذَلِكَ لِاسْتِقامَتِها بِمُقْتَضى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ  ﴾ غَيْرُ مائِلَةٍ إلى طَرَفَيِ الإفْراطِ والتَّفْرِيطِ وذَلِكَ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ ويُشْبِهُ ما مَحْضَ مِن تِلْكَ الثَّمَراتِ بَعْدَ التَّصْفِيَةِ التّامَّةِ لِلتَّهْيِئَةِ وقَبُولِ الآثارِ بِالزَّيْتِ الصّافِي لِوُفُورِ قُوَّةِ اسْتِعْدادِها لِلِاسْتِضاءَةِ لِلدُّهْنِيَّةِ القابِلَةِ لِلِاشْتِعالِ، ومِن ثَمَّ خُصَّتْ شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ لِأنَّ لُبَّ ثَمَرَتِها الزَّيْتُ الَّذِي تَشْتَعِلُ بِهِ المَصابِيحُ، وخَصَّ هَذا الدَّهْنُ لِمَزِيدِ إشْراقِهِ مَعَ قِلَّةِ الدُّخانِ يَكادُ زَيْتُ اسْتِعْدادِهِ صَلَواتُ اللَّهِ تَعالى وسَلامُهُ عَلَيْهِ لِصَفائِهِ وزَكائِهِ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ يَمْسَسْهُ نُورُ القُرْآنِ، رَوى البَغْوِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ تَكادُ مَحاسِنُ مُحَمَّدٍ  تَظْهَرُ لِلنّاسِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ، قالَ ابْنُ رَواحَةَ: لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ آياتٌ مُبَيِّنَةٌ ∗∗∗ كانَتْ بَداهَتُهُ تُنَبِّيكَ عَنْ خَبَرِهِ وفِي حَقائِقِ السِّلْمِيِّ مَثَلُ نُورِهِ في عَبْدِهِ المُخْلِصِ والمُشَكّاةِ القَلْبُ والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي قُذِفَ فِيهِ والمَعْرِفَةُ تُضِيءُ في قَلْبِ العارِفِ بِنُورِ التَّوْفِيقِ يُوقِدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ يُضِيءُ عَلى شَخْصٍ مُبارَكٍ تَتَبَيَّنُ أنْوارٌ باطِنَةٌ عَلى آدابٍ ظاهِرَةٍ وحُسْنُ مُعامَلَتِهِ زَيْتُونَةٌ لا شَرْقِيَّةَ ولا غَرْبِيَّةَ جَوْهَرَةٌ صافِيَةٌ لا لَها حَظٌّ في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ لِاخْتِصاصِها بِمُوالاةِ العَزِيزِ الغَفّارِ وتَفَرُّدِها بِالفَرْدِ الجَبّارِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ، وجَعَلَ بَعْضُهُمُ التَّشْبِيهَ مِنَ المُرَكَّبِ الوَهْمِيِّ بِناءً عَلى أنَّ المُرادَ مِنَ النُّورِ المُشَبَّهِ الهُدى مِن حَيْثُ إنَّهُ مَحْفُوفٌ بِظُلُماتِ أوْهامِ النّاسِ وخَيالاتِهِمْ.

وكانَ الظّاهِرُ عَلى هَذا دُخُولُ الكافِ عَلى المِصْباحِ دُونَ المِشْكاةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْهِ، ومِن هُنا قِيلَ إنَّ في الآيَةِ قَلْبًا، ووَجَّهَ بَعْضُهم دُخُولَها عَلى المِشْكاةِ بِأنَّ المُشْتَمِلَ مُقَدَّمٌ عَلى المُشْتَمِلِ عَلَيْهِ في رَأْيِ العَيْنِ فَقَدَّمَ لَفَظا ودَخَلَ الكافُ عَلَيْهِ رِعايَةً لِذَلِكَ، وقِيلَ إنَّهُ عَلى هَذا أيْضًا تَشْبِيهٌ مُفَرَّقٌ لِأنَّهُ شَبَّهَ الهُدى بِالمِصْباحِ والجَهالاتِ بِظُلْمِ اسْتَلْزَمَتْها وهو كَما تَرى.

ومِنَ النّاسِ مَن جَعَلَ التَّشْبِيهَ مُفَرَّقًا لَكِنْ بَنى كَلامَهُ عَلى ما أسَّسَهُ الفَلاسِفَةُ فَجَعَلَ النُّورَ المُشَبَّهَ ما مَنَحَ اللَّهُ تَعالى بِهِ عِبادَهُ مِنَ القُوى الخَمْسِ الدَّراكَةِ المُتَرَتِّبَةِ الَّتِي نِيطَ بِها المَعاشُ وهي القُوَّةُ الحَسّاسَةُ أعْنِي الحِسَّ المُشْتَرِكَ الَّذِي يُدْرِكُ المَحْسُوساتِ بِجَواسِيسِ الحَواسِّ الخَمْسِ الظّاهِرَةِ والقُوَّةِ الخَيالِيَّةِ الَّتِي تَحْفَظُ صُوَرَ تِلْكَ المَحْسُوساتِ لِتَعَرُّضِها عَلى القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ مَتى شاءَ والقُوَّةُ العَقْلِيَّةُ المُدْرِكَةُ لِلْحَقائِقِ الكُلِّيَّةِ والقُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ الَّتِي تَأْخُذُ المَعارِفَ العَقْلِيَّةَ فَتُؤَلِّفُها عَلى وجْهٍ يَحْصُلُ بِهِ العِلْمُ بِالمَجْهُولاتِ والقُوَّةُ القُدْسِيَّةُ الَّتِي يَخْتَصُّ بِها الأنْبِياءُ والأوْلِياءُ وتَنْجَلِي فِيها لَوائِحُ الغَيْبِ وأسْرارُ المَلَكُوتِ، وجَعَلَ ما في حَيِّزِ الكافِ عِبارَةً عَنْ أُمُورٍ شَبَّهَ بِكُلٍّ مِنها واحِدٌ مِن هَذِهِ الخَمْسِ فَقالَ: شَبَّهْتُ القُوَّةَ الحَسّاسَةَ بِالمِشْكاةِ مِن حَيْثُ إنَّ مَحَلَّها تَجْوِيفٌ في مُقَدَّمِ الدِّماغِ كالكُوَّةِ تَضَعُ فِيهِ الحَواسَّ الظّاهِرَةَ ما تَحُسُّ بِهِ وبِذَلِكَ يُضِيءُ، وشَبَّهَتِ القُوَّةَ الخَيالِيَّةَ بِالزَّجّاجَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تَقْبَلُ الصُّوَرَ المُدْرَكَةَ مِنَ الجَوانِبِ كَما تَقْبَلُ الزَّجّاجَةُ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ مِنَ الجَوانِبِ ومِن حَيْثُ إنَّها تَضْبُطُ الأنْوارَ العَقْلِيَّةَ وتَحْفَظُها كَما تَحْفَظُ الزَّجّاجَةُ الأنْوارَ الحِسِّيَّةَ، ومِن حَيْثُ إنَّها تَسْتَنِيرُ بِما يَشْتَمِلُ عَلَيْها مِنَ المَعْقُولاتِ، وشُبِّهَتِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ بِالمِصْباحِ لِإضاءَتِها بِالإدْراكاتِ والمَعارِفِ وشُبِّهَتِ القُوَّةُ الفِكْرِيَّةُ بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ مِن حَيْثُ إنَّها تُؤَدِّي إلى نَتائِجَ كَثِيرَةٍ هي بِمَنزِلَةِ ثَمَراتِ الشَّجَرَةِ، واعْتُبِرَتْ زَيْتُونَةً لِأنَّ لَها فَضِيلَةً عَلى سائِرِ الأشْجارِ مِن حَيْثُ إنَّ لُبِّ ثَمَرَتِها هُوَ الزَّيْتُ الَّذِي لَهُ مَنافِعُ جَمَّةٌ، مِنها أنَّهُ مادَّةُ المَصابِيحِ والأنْوارِ الحِسِّيَّةِ ولَهُ مِن بَيْنِ سائِرِ الأدْهانِ خاصَّةً زِيادَةُ الإشْراقِ وقِلَّةُ الدُّخانِ، واعْتِبارَ وصْفٍ ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ في جانِبِ المُشَبَّهِ مِن حَيْثُ إنَّ القُوَّةَ الفِكْرِيَّةَ مُجَرَّدَةٌ عَنِ اللَّواحِقِ الجِسْمِيَّةِ أوْ مِن حَيْثُ إنَّ انْتِفاعَها لَيْسَ مُخْتَصًّا بِجانِبِ الصُّوَرِ ولا بِجانِبِ المَعانِي، وشُبِّهَتِ القُوَّةُ القُدْسِيَّةُ بِالزَّيْتِ الَّذِي يَكادُ يُضِيءُ مِن غَيْرِ أنْ تَمْسَسْهُ نارٌ مِن حَيْثُ إنَّها لِكَمالِ صَفائِها وشِدَّةِ اسْتِعْدادِها لا تَحْتاجُ إلى تَعْلِيمٍ أوْ تَفَكُّرٍ.

واعْتَرَضَ بِأنَّ حَقَّ النَّظْمِ الكَرِيمِ عَلى هَذا أنْ يُقالَ: مِثْلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ وزُجاجَةٍ ومِصْباحٍ وشَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ وزَيْتٍ يَكادُ يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ حَتّى يُفِيدَ تَشْبِيهَ كُلِّ واحِدٍ بِكُلِّ واحِدٍ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَمّا كانَ كُلٌّ مِن هَذِهِ الحَواسِّ يَأْخُذُ ما يُدْرِكُهُ مِمّا قَبْلَهُ كَما يَأْخُذُ المَظْرُوفَ مِن ظَرْفِهِ أشارَ سُبْحانَهُ إلى ذَلِكَ بِأداةِ الظَّرْفِيَّةِ دَلالَةً عَلى بَدِيعِ صُنْعِهِ سُبْحانَهُ وحِكْمَتِهِ جَلَّ شَأْنُهُ.

وجَوَّزَ أنْ يُرادَ تَشْبِيهُ النُّورِ المُرادُ بِهِ القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ لِلنَّفْسِ بِمَراتِبِها بِذَلِكَ ومَراتِبُها أرْبَعٌ، الأُولى أنْ تَكُونَ النَّفْسُ خالِيَةً عَنْ جَمِيعِ العُلُومِ الضَّرُورِيَّةِ والنَّظَرِيَّةِ مُسْتَعِدَّةٌ لَها كَما في مَبْدَإ الطُّفُولِيَّةِ وتُسَمّى القُوَّةُ العَقْلِيَّةُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ بِالعَقْلِ الهَيُولانِيِّ لِأنَّها كالهَيُولى في أنَّها في ذاتِها خالِيَةٌ عَنْ جَمِيعِ الصُّوَرِ قابِلَةٌ لَها، وثانِيَتُها أنْ تَسْتَعْمِلَ آلاتِها أيِ الحَواسِّ مُطْلَقًا فَيَحْصُلُ لَها عُلُومٌ أوَّلِيَّةٌ، وتَسْتَعِدُّ لِاكْتِسابِ عُلُومٍ نَظَرِيَّةٍ وتُسَمّى القُوَّةَ المَذْكُورَةَ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ عَقْلًا بِالمَلَكَةِ لِحُصُولِ مَلَكَةِ الِانْتِقالِ إلى النَّظَرِيّاتِ لَها بِسَبَبِ تِلْكَ الأوَّلِيّاتِ، وثالِثَتُها أنْ تَصِيرَ النَّظَرِيّاتُ مَخْزُونَةً عِنْدَها وتَحْصُلُ لَها مَلَكَةُ اسْتِحْضارِها مَتى شاءَتْ مِن غَيْرِ تَجَشُّمِ كَسْبٍ جَدِيدٍ وتُسَمّى تِلْكَ القُوَّةُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ عَقْلًا بِالفِعْلِ لِحُصُولِ تِلْكَ العُلُومِ لَها بِالقُوَّةِ القَرِيبَةِ مِنَ الفِعْلِ، ورابِعَتُها أنَّ تَرَتُّبَ العُلُومِ الأوَّلِيَّةِ وتُدْرِكَ العُلُومَ النَّظَرِيَّةَ مُشاهِدَةً إيّاها بِالفِعْلِ وتُسَمّى تِلْكَ القُوَّةُ في هَذِهِ المَرْتَبَةِ عَقْلًا مُسْتَفادًا لِاسْتِفادَتِها مِنَ العَقْلِ الفَعّالِ فَشَبَّهَتِ القُوَّةَ بِالمُرَتَّبَةِ الأوْلى بِالمِشْكاةِ الخالِيَةِ في بَدْءِ الأمْرِ عَنِ الأنْوارِ الحِسِّيَّةِ المُسْتَعِدَّةِ لِلِاسْتِنارَةِ بِها وبِالمَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ بِالزُّجاجَةِ المُتَلَأْلِئَةِ في نَفْسِها القابِلَةِ لِلْأنْوارِ الفائِضَةِ عَلَيْها مِنَ الغَيْرِ الخارِجِيِّ وبِالمَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ بِالمِصْباحِ الَّذِي اشْتَعَلَتْ فَتِيلَتُهُ المُشَبَّعَةُ مِنَ الزَّيْتِ وبِالمَرْتَبَةِ الرّابِعَةِ بِالنُّورِ المُتَضاعَفِ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ والشَّيْخُ ابْنُ سِينا بَعْدَ أنْ بَيَّنَ المَراتِبَ حَمَلَ مُفْرَداتِ التَّنْزِيلِ عَلَيْها، وحَقَّقَ في المُحاكَماتِ وجْهَ التَّرْتِيبِ فِيها حَيْثُ جَعَلَ الزُّجاجَةَ في المِشْكاةِ والمِصْباحَ في الزُّجاجَةِ بِأنَّ هُناكَ اسْتِعْدادًا مَحْضًا كَما في المَرْتَبَةِ الأُولى واسْتِعْدادُ اكْتِسابٍ كَما في المَرْتَبَةِ الثّانِيَةِ واسْتِعْدادُ اسْتِحْضارٍ كَما في المَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ ولا شَكَّ أنَّ اسْتِعْدادَ الِاكْتِسابِ بِحَسْبِ الِاسْتِعْدادِ المَحْضِ واسْتِعْدادُ الِاسْتِحْضارِ بِحَسْبِ اسْتِعْدادِ الِاكْتِسابِ فَتَكُونُ الزُّجاجَةُ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ بِالمَلَكَةِ كَأنَّما هي في المِشْكاةِ الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنِ العَقْلِ الهَيُولانِيِّ والمِصْباحُ وهو العَقْلُ بِالفِعْلِ في الزُّجاجَةِ الَّتِي هي العُقَلُ بِالمَلَكَةِ لِأنَّهُ إنَّما يَحْصُلُ بِاعْتِبارِ حُصُولِ العَقْلِ أوَّلًا وحَيْثُ إنَّ العَقْلَ بِالمَلَكَةِ إنَّما يَخْرُجُ مِنَ القُوَّةِ إلى الفِعْلِ بِالفِكْرِ أوْ بِالحَدْسِ أوْ بِالقُوَّةِ القُدْسِيَّةِ أُشِيرُ إلى الفِكْرِ بِالشَّجَرَةِ الزَّيْتُونَةِ وإلى الحَدْسِ بِالزَّيْتِ وإلى القُوَّةِ القُدْسِيَّةِ بِيَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ودَفَعَ ما يَظْهَرُ مِن عَدَمِ انْطِباقِ ما ذَكَرَ عَلى النَّظْمِ الجَلِيلِ لِأنَّهُ وصَفَ فِيهِ الشَّجَرَةَ بِما سَمِعْتَ مِنَ الصِّفاتِ، وهَذِهِ أُمُورٌ مُتَبايِنَةٌ لا يَجُوزُ وصْفُ أحَدِها بِالآخَرِ بِأنَّ الشَّجَرَةَ الزَّيْتُونَةَ شَيْءٌ واحِدٌ فَإذا تَرَقَّتْ في أطْوارِها حَصَلَ لَها زَيْتٌ إذا تَرَقّى وصْفًا كادَ يُضِيءُ وكَذَلِكَ الِاكْتِسابُ قُوَّةٌ نَفْسِيَّةٌ هي فِكْرَةٌ فَإذا تَرَقَّتْ كانَتْ حَدْسًا، ثُمَّ قُوَّةٌ قُدْسِيَّةٌ فَهي وإنْ كانَتْ مُتَبايِنَةً تَرْجِعُ إلى شَيْءٍ واحِدٍ كالشَّجَرَةِ وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّها لَيْسَتْ مِن عالَمِ الحِسِّ الَّذِي لا يَخْلُو عَنْ أحَدِ الأمْرَيْنِ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ أنَّ هَذا مَعَ تَكَلُّفِهِ وابْتِنائِهِ عَلى ما أسَّسَهُ الفَلاسِفَةُ الَّذِينَ هم في عَمًى عَنْ نُورِ الشَّرِيعَةِ ولِلَّهِ تَعالى دَرُّ مَن قالَ فِيهِمْ: قُطِعَتِ الأُخُوَّةُ عَنْ مَعْشَرٍ ∗∗∗ بِهِمْ مَرَضٌ مِن كِتابِ الشِّفا فَماتُوا عَلى دِينِ رَسْطالِسَ ∗∗∗ وعِشْنا عَلى سُنَّةِ المُصْطَفى لا يُناسِبُ المَقامَ ولا يَنْتَظِمُ مَعَهُ أطْرافُ الكَلامِ، وفِيهِ ما يَقْتَضِي أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ داخِلٌ في التَّمْثِيلِ وفِيهِ خِلافٌ، ثُمَّ اعْلَمْ أنَّهُ يَعْلَمُ بِمَعُونَةِ ما ذَكَرْنا حالَ التَّشْبِيهِ عَلى سائِرِ الأقْوالِ في المُرادِ بِالنُّورِ، ولَعَلَّ ما ذَكَرْناهُ فِيهِ أتَمُّ نُورًا وأشَدُّ ظُهُورًا واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ، ﴿ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ  ﴾ ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ  ﴾ أيْ يَهْدِي سُبْحانَهُ هِدايَةً خاصَّةً مُوَصِّلَةً إلى المَطْلُوبِ حَتْمًا لِذَلِكَ النُّورِ المُتَضاعَفِ العَظِيمِ الشَّأْنِ، وإظْهارُهُ في مَقامِ الإضْمارِ لِزِيادَةِ تَقْرِيرِهِ وتَأْكِيدِ فَخامَتِهِ الذّاتِيَّةِ بِفَخامَتِهِ الإضافِيَّةِ النّاشِئَةِ مِن إضافَتِهِ إلى ضَمِيرِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿ مَن يَشاءُ ﴾ هِدايَتُهُ مِن عِبادِهِ بِأنْ يُوَفِّقَهم سُبْحانَهُ لِفَهْمِ وُجُوهِ دَلالَةِ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ والسَّمْعِيَّةِ الَّتِي نَوَّرَ بِها السَّماواتِ والأرْضَ عَلى وجْهٍ يَنْتَفِعُونَ بِهِ أوْ بِأنْ يُوَفِّقَهم لِفَهْمِ ما في القُرْآنِ مِن دَلائِلَ حَقِّيَّتِهِ وكَوْنِهِ مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الإعْجازِ والإخْبارِ عَنِ الغَيْبِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِن مُوجِباتِ الإيمانِ وفِيهِ احْتِمالاتٌ أُخَرُ بِحَسْبِ ما في النُّورِ مِنَ الأقْوالِ، وأيًّا ما كانَ فَفِيهِ إيذانٌ بِأنَّ مَناطَ هَذِهِ الهِدايَةِ ومَلاكُها لَيْسَ إلّا مَشِيئَتَهُ تَعالى وأنَّ إظْهارَ الأسْبابِ بِدُونِها بِمَعْزِلٍ عَنِ الإفْضاءِ إلى المَطالِبِ: إذا لَمْ يَكُ التَّوْفِيقُ عَوْنًا لِطالِبٍ ∗∗∗ طَرِيقُ الهُدى أعْيَتْ عَلَيْهِ مَطالِبُهُ ﴿ ويَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ ﴾ في تَضاعِيفِ الهِدايَةِ حَسْبَما يَقْتَضِيهِ حالُهم فَإنَّ لِضَرْبِ المَثَلِ دَخْلًا عَظِيمًا في بابِ الإرْشادِ لِأنَّهُ إبْرازٌ لِلْمَعْقُولِ في هَيْئَةِ المَحْسُوسِ وتَصْوِيرٌ لِأوابِدِ المَعانِي بِصُورَةِ المَأْنُوسِ ولِذَلِكَ مَثَّلَ جَلَّ وعَلا نُورَهُ المُرادَ بِهِ ما يَشْمَلُ القُرْآنَ أوِ القُرْآنَ المُبَيِّنَ فَقَطْ بِنُورِ المِشْكاةِ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ في مَقامِ الإضْمارِ عَلى ما في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ لِلْإيذانِ بِاخْتِلافٍ ما أُسْنِدَ إلَيْهِ تَعالى مِنَ الهِدايَةِ الخاصَّةِ وضَرْبُ الأمْثالِ الَّذِي هو مِن قُبَيْلِ الهِدايَةِ العامَّةِ كَما يُفْصِحُ عَنْهُ تَعْلِيقُ الأوْلى بِمَن شاءَ والثّانِيَةُ بِالنّاسِ كافَّةً.

﴿ واللَّهُ بِكُلِ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ مَعْقُولًا كانَ أوْ مَحْسُوسًا ظاهِرًا كانَ أوْ باطِنًا ومِن قَضِيَّتِهِ أنْ تَتَعَلَّقَ مَشِيئَتُهُ تَعالى بِهِدايَةِ مَن يَلِيقُ بِها ويَسْتَحِقُّها مِنَ النّاسِ دُونَ مَن عَداهم لِمُخالَفَتِهِ الحِكْمَةِ الَّتِي هي مَبْنى التَّكْوِينِ والتَّشْرِيعِ وأنْ تَكُونَ هِدايَتُهُ سُبْحانَهُ العامَّةِ عَلى فُنُونٍ مُخْتَلِفَةٍ وطَرائِقَ شَتًّى حَسْبَما تَقْتَضِيهِ أحْوالُهم وتَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ لَهُ تَعالى عَلَيْهِمْ، والجُمْلَةُ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ مُقَرَّرٌ لِما قَبْلِهِ، وقِيلَ جِيءَ بِها لِوَعْدٍ مِن تَدَبُّرِ الأمْثالِ ووَعِيدِ مَن لَمْ يَكْتَرِثْ بِها، وقِيلَ لِبَيانِ أنَّ فائِدَةَ ضَرْبِ الأمْثالِ الَّتِي هي لِلتَّوْضِيحِ إنَّما هي لِلنّاسِ ولَيْسَ بِذاكَ، وإظْهارُ الِاسْمِ الجَلِيلِ لِتَأْكِيدِ اسْتِقْلالِ الجُمْلَةِ والإشْعارُ بِعِلَّةِ الحُكْمِ وبِما ذَكَرَ آنِفًا مِنِ اخْتِلافِ حالِ المَحْكُومِ بِهِ ذاتًا وتَعَلُّقًا.

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قال ابن عباس  : «هادي أهل السموات وأهل الأرض» ، ويقال: هادي أهل السموات والأرض من يشاء، وبين ذلك في آخر الآية بقول: يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ ويقال: معناه، الله مُنَّورُ السموات والأرض، وقال ابن عباس: «بدليل قوله: مَثَلُ نُورِهِ، فأضاف النور إليه» ، وبدليل ما قال في سياق الآية وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً [النور: 40] وروي عن أبي العالية أنه قال: معناه، الله منور قلوب أهل السموات وقلوب أهل الأرض بالمعرفة والتوحيد، يعني: من كان أهلاً للإيمان.

ويقال: الله منور السموات والأرض، أما السموات فنورها بالشمس والقمر والكواكب، وأما الأرض فنورها بالأنبياء والعلماء والعباد عليهم السلام.

ثم قال تعالى: مَثَلُ نُورِهِ، يعني: مثل نور المعرفة في قلب المؤمن، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ يعني: كمثل كوة فيها سراج، ويقال: المشكاة الكوة التي ليست بنافذة، وهي بلغة الحبشة.

وروي في قراءة ابن مسعود مَثَلُ نُورِهِ في قلب المؤمن، كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ.

ثم وصف المصباح، فقال: الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ، يعني: كمثل سراج في قنديل في كوة، فكذلك الإيمان والمعرفة في قلب المؤمن.

والقلب في الصدر، والصدر في الجسد، فشبه القلب بالقنديل، والماء الذي في القنديل سبّه بالعلم، والدهن بالرفق وحسن المعاملة.

وشبه الفتيلة باللسان، وشبه النار بالجوف في زجاجة.

يعني: في قلب مضيء، ويقال: إنما شبَّه القلب بالزجاجة، لأن ما في الزجاجة يرى من خارجها، فكذلك ما في القلب يرى من ظاهره، ويبيّن ذلك في أعضائه.

ويقال: لأن الزجاجة تسرع الكسر بأدنى آفة تصيبها، فكذلك القلب بأدنى آفة تدخل فيه، فإنه يفسد.

ثم وصف الزجاجة، فقال: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، يعني: استنارة القنديل بصفاء الزجاجة كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ.

قرأ نافع، وابن كثير، وعاصم في رواية حفص كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ بضم الدال غير مهموز، وقرأ أبو عمرو والكسائي بكسر الدال وبهمز الياء، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر بالضم والهمز.

فمن قرأ بضم الدال فهو منسوب إلى الدر، يعني: يشبه في ضوئه الدر.

وممن قرأ بكسر الدال يعني: الذي يدرأ عَن نَّفْسِهِ، يعني: لا يكاد يقدر النظر إليه من شدة ضوئه.

ثم قال تعالى: يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، يعني: السراج يوقد بدهن من شجرة مباركة زَيْتُونَةٍ قرأ أبو عمرو وابن كثير توقد بنصب التاء والواو والقاف بلفظ التأنيث، وأصله: تتوقد، فحذف إحدى التاءين.

وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي بضم التاء والتخفيف بلفظ التأنيث، على فعل ما لم يسم فاعله.

وقرأ الباقون يُوقَدُ بالياء والضمّ بلفظ التذكير والتفسير على معنى فعل ما لم يسم فاعله.

فمن قرأ بالتأنيث انصرف إلى الزجاجة، ومن قرأ بالتذكير انصرف إلى المصباح والسراج.

ثم وصف الشجرة المباركة، فقال: زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني: لم تكن بحال يصيبها الشمس في أول النهار ولا يصيبها في آخر النهار، ولكنها في مكان مطمئن تصيبها الشمس في أول النهار وآخره، فكذلك هذا المؤمن تكون كلمة الإخلاص في قلبه ثابتة مثل ثبوت الشجرة.

فلا يكون مشبّها، ولا معطّلا، ولا قدرياً، ولا جبرياً، ولكنه على الاستقامة.

ويقال: لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني: تكون في وسط الأشجار حتى لا تحرقها الشمس، فكذلك هذا المؤمن بين أصحاب صلحاء، يثبتونه على الاستقامة.

وروي عن الحسن أنه قال: ليس هذه من أشجار الدنيا، لكن من أشجار الآخرة، يعني: أن أشجار الدنيا لا تخلو من أن تكون شرقية أو غربية، ولكن هذه من أشجار الآخرة، فكذلك هذا المؤمن من أصاب المعرفة بتوفيق الله عز وجل.

وقال: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يعني: أن الزيت في الزجاجة، يكاد أن يضيء، ولو لم يكن موقداً، فكذلك المؤمن يعرف الله تعالى ويخافه ويطيعه، وإن لم يكن له أحد يذكره ويأمره وينهاه.

ثم قال: نُورٌ عَلى نُورٍ، يعني: الزجاجة نور، والسراج نور، والزيت نور، فكذلك المؤمن اعتقاده نور، وقوله نور، وفعله نور.

وقال أبو العالية: فهو يتقلب في خمسة من الأنوار: فكلامه نور، وعمله نور، ومخرجه نور، ومدخله نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، يعني: يوفق ويعطي من يشاء، يعني: الهدى.

وللآية وجه آخر: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: الله مرسل الرسل إلى أهل السموات وأهل الأرض مَثَلُ نُورِهِ يعني: مثل نور محمد  ، فسماه نورا كقوله: قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ [المائدة: 15] .

ثم قال: مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، يعني: مثل نور محمد  في صلب أبيه، كالقنديل يضيء البيت المظلم.

فكما أن البيت يكون مضيئاً بالقنديل، فإذا أخذ منه القنديل يبقى البيت مظلماً، فكذلك محمد  كان كالقنديل في صلب أبيه، فلما خرج بقي صلب أبيه مظلماً.

يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، يعني: نور محمد  من نور إبراهيم خليل الرحمن  زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني: لم يكن إبراهيم  يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا، وَلَكِن كان حنيفاً مسلماً.

ويقال: لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، يعني محمدا  كان من العرب.

يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ يعني: يضيء بطاعته وإن لم يكن نبيا نُورٌ عَلى نُورٍ يعني محمدا  كان عمله نورا وقوله نورا يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ يعني: يعطي النبوة لمن يشاء.

ولها وجه آخر اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، يعني: منزل القرآن، فنور بالقرآن السموات والأرض.

مَثَلُ نُورِهِ يعني: مثل نور القرآن في قلب المؤمن كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ، يعني: قلب المؤمن بالقرآن، يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ يعني: ينزل القرآن من رب كريم ذي بركة لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ، أي ليس القرآن بلغة السريانية ولا بلغة العبرانية، ولكنه عربي مبين يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، يعني: القرآن يضيء وألفاظه مهذبة، وإن لم تفهم معانيه يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ، يعني: يوفق ويكرم بفهم القرآن من يشاء.

وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ يعني: الله عزّ وجل يبيّن الأشباه للناس لكي يفهموا، ويقال: المثل كالمرآة يظهر عنده الحق وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من ضرب الأمثال.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً راجع إلى الفتيات وذلك أَنَّ الفتاةَ إذا أَرادت التَّحَصُّنَ فحينئذ يمكن ويُتَصَوَّرُ أَنْ يكونَ السيد مُكْرِهاً، ويمكن أن ينهى عن الإكراه، وإذا كانت الفتاة لا تريد التحصنَ فلا يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ للسيد: لا تُكْرِهها: لأَنَّ الإكراه لا يُتَصوَّرُ فيها وهي مريدة للفساد، فهذا أمر في سادة وفتياتٍ حالُهم هذه، وذهب هذا النظرُ عن كثير من المفسرين/: فقال بعضُهم: قولُه: إِنْ أَرَدْنَ راجِعٌ إلى الأيامى في قوله: وَأَنْكِحُوا ٣٨ ب الْأَيامى مِنْكُمْ، وقال بعضهم: هذا الشرط في قوله: إِنْ أَرَدْنَ مَلْغِيٌّ ونحو هذا مِمَّا هو ضعيف، والله الموفق للصواب برحمته.

قلت: وما اختاره ع «١» هو الذي عَوَّلَ عليه ابن العرَبيِّ «٢» وَنَصَّهُ، وإنما ذكر الله تعالى إِرادة التَّحَصّنِ من المرأة لأَنَّ ذلك هو الذي يصور الإكراه، فأَمَّا إذا كانت هي راغبةً في الزنا، لم يتحصل الإكراه فحصلوه إنْ شاء الله، انتهى من «الأحكام» وقرأ ابن مسعود «٣» وغيره: «فَإنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إكْرَاهِهِنَّ [لهُنَّ] «٤» غَفُورٌ رَحِيمٌ» ثم عَدَّد سبحانه نِعَمَهُ على المؤمنين في قوله: وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ليقع التحفظ ممّا وقع أولئك فيه.

اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧)

وقوله تعالى: اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ...

الآية: النور في كلام العرب الأضواء المُدْرَكَةُ بالبصر، ويُسْتَعْمَلُ مجازاً فيما صَحَّ من المعاني ولاح فيقال: كلام له نور، ومنه الكتاب المنير، والله تعالى ليس كمثله شيء فواضح أَنَّهُ ليس من الأضواء المُدْرَكَةِ، ولم يبقَ إلاَّ أَنَّ المعنى مُنَوِّرُ السموات والأرض، أي: به وبقدرته أنارت أضواؤها، واستقامت أمورها، كما تقول: الملك نور الأمة، أي: به قِوام أمورها وصلاحُ جملتها، والأمر في الملك مجاز، وهو في صفة الله تعالى حقيقة مَحْضَةٌ، وقرأ «١» أبو عبد الرحمن السلمي وغيره: «الله نَوَّرَ» - بفتح النون والواو المشددة وفتح الراء- والضمير في نُورِهِ يعود على الله تعالى قاله جماعة، وهو إضافة خلق إلى خالق، كما تقول: ناقة الله، وبيت الله، ثم اختلفوا في المراد بهذا النور، فقيل: هو محمد صلى الله عليه وسلّم، وقيل: هو المؤمن، وقيل: هو الإيمان والقرآن، وفي قراءة أبيّ بن كعب: «مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ» والمشكاة: هي الكُوَّةُ غير النافذة فيها القنديل ونحوه، وهذه الأقوال الثلاثة يطّرد فيها مقابلة جزء من المثال بجزء من المُمَثَّلِ، فعلى قول من قال: الممثّل محمد صلى الله عليه وسلّم- وهو قول كعب الأحبار- فرسول الله صلى الله عليه وسلّم هو المشكاة أو صدره، والمصباح هو النبوة وما يَتَّصِلُ بها من علمه وهداه، والزجاجة: قلبه، والشجرة المباركة: هي الوحي، والزيت: هو الحجج والبراهين.

وعلى قول مَنْ قال: إنَّ المُمَثَّلَ به هو المؤمن- وهو قول أُبَيِّ بن كعب «٢» -، فالمشكاة صدره، والمصباح: الإيمان والعلم، والزجاجة: قلبه، والشجرة القرآن، وزيتها: هو الحجج، والحكمة التي تضمنها قولُ أُبَيٍّ فهو على أحسن الحال يمشي في الناس كالرجل الحي في قبور الأموات، وتحتمل الآية معنى آخر، وهو أَنْ يريدَ: مَثَلُ نورِ الله الذي هو هداه في الوضوح كهذه الجملة من النور، الذي تتخذونه أنتم على هذه الصفة التي هي أبلغ صفات النور، الذي هو بين أيديكم أَيُّها البشر وقال أبو موسى:

المشكاة: الحديدة أو الرَّصَاصَةُ التي يكون فيها القنديل في جوف الزجاجة، والأوّل أصحّ.

وقوله: فِي زُجاجَةٍ لأَنَّه جسم شَفَّافٌ، المصباحُ فيه أنور منه في غير الزجاجة، والمصباح: الفتيل بناره.

وقوله: كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ أي/ في الإنارة والضوء، وذلك يحتمل معنيين: إمَّا أن ٣٩ أيريد أَنَّها بالمصباح كذلك، وإمَّا أَنْ يريد أَنَّها في نفسها لصفائها وجودة جوهرها، وهذا التأويل أبلغ في التعاون على النور قال الضَّحَّاكُ: الكوكب الدُّرِّيُّ: الزهرة «١» .

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «٢» : «تَوَقَّدَ» - بفتح التاء والدال-، والمراد: المصباح، وقرأ نافع وغيره: «يُوقَدُ» أي: المصباح.

وقوله: مِنْ شَجَرَةٍ أي من زيت شجرة، والمباركة: المُنَمَّاةُ.

وقوله تعالى: لاَ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ قال الحسن «٣» : أي: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا وإنَّما هو مَثَلٌ ضربه الله تعالى لنوره، ولو كانت في الدنيا لكانت إمَّا شرقِيَّةً وإمَّا غربِيَّةً، وقيل غيرُ هذا.

وقوله سبحانه: يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ...

الآية مبالغة في صفة صفاته وحُسْنِهِ.

وقوله: نُورٌ عَلى نُورٍ أي: هذه كلها ومعان تكامل بها هذا النورُ المُمَثَّلُ به، وفي هذا الموضع تمّ المثالُ، وباقي الآية بَيِّنٌ.

وقوله تعالى: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ قال ابن عباس وغيره»

: هي المساجد المخصوصةُ بعبادة الله التي من عادتها أنْ تُنَوَّرَ بهذا النوع من المصابيح.

وقوله:

أَذِنَ اللَّهُ: بمعنى: أمر وقضى، وتُرْفَعَ قيل: معناه تُبْنَى وتُعَلَّى قاله مجاهد «٥» وغيره كقوله تعالى: وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ ...

[البقرة: ١٢٧] .

وقال الحسن «١» : معناه تُعظَّم ويُرْفَعُ شأنها، وذكر اسمه تعالى هو بالصلاة والعبادة قولاً وفعلاً، ويُسَبِّحُ لَهُ فِيها أي: في المساجد، بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ قال ابن عباس «٢» :

أراد ركعتي الضُّحَى.

[والعصر، وإنَّ ركعتي الضحى] «٣» لفي كتاب الله وما يغوص عليها إلاَّ غَوَّاصٌ ثم وصف تعالى المسبحين بأنهم لمراقبتهم أمرَ الله تعالى وطلبهم رضاه، لا يشغلهم عن الصلاة وذكرِ الله شيءٌ من أمور الدنيا.

قلت: وعن عمر- رضي الله عنه- أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «يُجْمَعُ النَّاسُ فِي صَعِيدٍ وَاحَدٍ، يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، ويُسْمعُهُمُ الدَّاعِي، فَيْنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ لَمِنَ الْكَرَمُ اليَوْمَ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ [السجدة: ١٦] ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الَّذِينَ كَانُواْ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ إلى آخر الآية، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الجَمْعِ لَمِنِ الكَرَمُ اليَوْمَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَيْنَ الحَمَّادُونَ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ رَبَّهمْ؟» مختصراً «٤» رواه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» وله طرق عن أَبي إسحاقَ، انتهى من «السلاح» ، ورواه أيضاً ابن المبارك من طريق ابن عباس قال: «إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نادى مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ منْ أَصْحَابُ الكَرَم، لِيَقُمْ الحَامِدُونَ لِلَّهِ تعالى على كُلِّ حَالٍ، فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلَى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي ثَانِيَةً: سَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تتجافى عَنِ المَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ قَالَ: فَيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجنَّة، ثُمَّ يُنَادِي ثَالِثَةً: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الكَرَمِ لِيَقُمَ الَّذِينَ كَانَتْ: لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ

فيَقُومُونَ، فَيُسَرَّحُونَ إلى الجَنَّة» .

انتهى من «التذكرة» .

والزكاة هنا عند ابن عباس: الطاعة للَّه «٥» .

وقال الحسن «٦» : هي الزكاةُ المفروضة في المال، واليوم المخوف: هو يوم القيامة،

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وَبِهِ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وبَيانُ هَذا أنَّ النُّورَ في اللُّغَةِ: الضِّياءُ، وهو الَّذِي تَصِلُ بِهِ الأبْصارُ إلى مُبْصَراتِها، فَوَرَدَ النُّورُ مُضافًا إلى اللَّهِ تَعالى، لِأنَّهُ هو الَّذِي يَهْدِي المُؤْمِنِينَ ويُبَيِّنُ لَهم ما يَهْتَدُونَ بِهِ، والخَلائِقُ بِنُورِهِ يَهْتَدُونَ.

والثّانِي: مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " اللَّهُ نَوَّرَ " بِفَتْحِ النُّونِ والواوِ وتَشْدِيدِها ونَصْبِ الرّاءِ " السَّماواتِ " بِالخَفْضِ " والأرْضَ " بِالنَّصْبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَثَلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ.

والثّانِي: أنَّها تَرْجِعُ إلى المُؤْمِنِ، فَتَقْدِيرُهُ: مَثُلُ نُورِ المُؤْمِنِ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ.

وكانَ أُبَيٌّ وابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَآنِ: " مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ " والثّالِثُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ كَعْبٌ.

والرّابِعُ: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرْآنِ قالَهُ سُفْيانُ.

فَأمّا المِشْكاةُ، فَفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها في مَوْضِعِ الفَتِيلَةِ مِنَ القِنْدِيلِ الَّذِي هو كالأُنْبُوبِ، والمِصْباحُ: الضَّوْءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها القِنْدِيلُ، والمِصْباحُ: الفَتِيلَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّها الكُوَّةُ الَّتِي لا مَنفَذَ لَها، والمِصْباحُ: السِّراجُ، قالَهُ كَعْبٌ، وكَذَلِكَ قالَ الفَرّاءُ: المِشْكاةُ: الكُوَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِنافِذَةٍ.

وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المِشْكاةُ: الكُوَّةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هي مِن كَلامِ العَرَبِ، والمِصْباحُ السِّراجُ.

وَإنَّما ذَكَرَ الزُّجاجَةَ، لِأنَّ النُّورَ في الزُّجاجِ أشَدُّ ضَوْءًا مِنهُ في غَيْرِهِ.

وقَرَأ أبُو رَجاءٍ العُطارِدِيُّ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: " في زَجاجَةٍ الزَّجاجَةُ " بِفَتْحِ الزّايِ فِيهِما وقَرَأ مُعاذٌ القارِئُ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ يَعْمُرَ: بِكَسْرِ الزّايِ فِيهِما.

قالَ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي: مَعْنى الآيَةِ: كَمَثَلِ مِصْباحٍ في مِشْكاةٍ، فَهو مِنَ المَقْلُوبِ.

فَأمّا الدُّرِّيُّ، فَقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبانُ عَنْ عاصِمٍ " دِرِّيءٌ " بِكَسْرِ الدّالِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى عَلى هَذا: إنَّهُ مِنَ الكَواكِبِ الدَّرارِيءِ، وهي اللّاتِي يَدْرَأْنَ عَلَيْكَ، أيْ: يَطَّلِعْنَ.

وقالَ الزَّجّاجُ: هو مَأْخُوذٌ مِن دَرَأ يَدْرَأُ: إذا انْدَفَعَ مُنْقَضًّا فَتَضاعَفَ نُورُهُ، يُقالُ: تَدارَأ الرَّجُلانِ: إذا تَدافَعا.

ورَوى المُفَضَّلُ عَنْ عاصِمٍ كَسْرَ الدّالِ وتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ هَمْزٍ ولا مَدٍّ، وهي قِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ والزُّهْرِيِّ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " دُرِّيٌّ " بِضَمِّ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ وَتَشْدِيدِ الياءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ، وقَرَأ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، وابْنُ عَبّاسٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ: " دَرِّيءٌ " بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مَمْدُودًا مَهْمُوزًا.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وسَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وقَتادَةُ: بِفَتْحِ الدّالِ وتَشْدِيدِ الرّاءِ والياءِ مِن غَيْرِ مَدٍّ ولا هَمْزٍ.

وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: بِفَتْحِ الدّالِ وكَسْرِ الرّاءِ مَهْمُوزًا مَقْصُورًا.

قالَ الزَّجّاجُ: الدُّرِّيُّ: مَنسُوبٌ إلى أنَّهُ كالدُّرِّ في صَفائِهِ وحُسْنِهِ.

وقالَ الكِسائِيُّ: الدُّرِّيُّ: الَّذِي يُشْبِهُ الدُّرَّ، والدِّرِّيُّ: جارٍ، والدَّرِّيُّ: يَلْتَمِعُ، وقَرَأ حَمْزَةُ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ: بِضَمِّ الدّالِ وتَخْفِيفِ الياءِ مَعَ إثْباتِ الهَمْزَةِ والمَدِّ، قالَ الزَّجّاجُ: فالنَّحْوِيُّونَ أجْمَعُونَ لا يَعْرِفُونَ الوَجْهَ في هَذا؛ وقالَ الفَرّاءُ: لَيْسَ هَذا بِجائِزٍ في العَرَبِيَّةِ، لِأنَّهُ لَيْسَ في الكَلامِ " فُعِّيلٌ " إلّا أعْجَمِيٌّ، مِثْلُ مُرِّيقٍ، وما أشْبَهَهُ.

وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ: المُرِّيقُ: العُصْفُرُ، أعْجَمِيٌّ مُعْرَّبٌ، ولَيْسَ في كَلامِهِمُ اسْمٌ عَلى زِنَةِ فُعِّيلٍ.

قالَ أبُو عَلِيٍّ: وقَدْ حَكى سِيبَوَيْهِ عَنْ أبِي الخَطّابِ: كَوْكَبٌ دُرِّيءٌ: مِنَ الصِّفاتِ، ومِنَ الأسْماءِ: المُرِّيقُ: العُصْفُرُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُوقَدُ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ.

وأبُو عَمْرٍو: بِالتّاءِ المَفْتُوحَةِ وتَشْدِيدِ القافِ ونَصْبِ الدّالِ، يُرِيدانِ المِصْباحَ، لِأنَّهُ هو الَّذِي يُوقَدُ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " يُوقَدُ " بِالياءِ مَضْمُومَةً مَعَ ضَمِّ الدّالِ، يُرِيدُونَ المِصْباحَ أيْضًا.

وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " تُوقَدُ " بِضَمِّ التّاءِ والدّالِ، يُرِيدُونَ الزُّجاجَةَ، قالَ الزَّجّاجُ: والمَقْصُودُ: مِصْباحُ الزُّجاجَةِ، فَحَذَفَ المُضافَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن شَجَرَةٍ ﴾ أيْ: مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، فَحَذَفَ المُضافَ، يَدُلُّكَ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ﴾ ؛ والمُرادُ بِالشَّجَرَةِ هاهُنا: شَجَرَةُ الزَّيْتُونِ، وَبَرَكَتُها مِن وُجُوهٍ، فَإنَّها تَجْمَعُ الأُدْمَ والدُّهْنَ والوَقُودَ، فَيُوقَدُ بِحَطَبِ الزَّيْتُونِ ويُغْسَلُ بِرَمادِهِ الإبْرَيْسَمُ، ويُسْتَخْرَجُ دُهْنُهُ أسْهَلَ اسْتِخْراجٍ، ويُورِقُ غُصْنُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ.

وإنَّما خُصَّتْ بِالذِّكْرِ هاهُنا دُونَ غَيْرِها، لِأنَّ دُهْنَها أصْفى وأضْوَأُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بَيْنَ الشَّجَرِ، فَهي خَضْراءُ ناعِمَةٌ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ، قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّها في الصَّحْراءِ لا يُظِلُّها جَبَلٌ ولا كَهْفٌ، ولا يُوارِيها شَيْءٍ، فَهو أجْوَدُ لِزَيْتِها، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّها مِن شَجَرِ الجَنَّةِ، لا مِن شَجَرِ الدُّنْيا، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ﴾ أيْ: يَكادُ مِن صَفائِهِ يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تُصِيبَهُ النّارُ بِأنْ يُوقَدَ بِهِ.

﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ قالَ مُجاهِدٌ: النّارُ عَلى الزَّيْتِ.

وقالَ ابْنُ السّائِبِ: المِصْباحُ نُورٌ، والزُّجاجَةُ نُورٌ.

وقالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: نُورُ النّارِ، ونُورُ الزَّيْتِ، ونُورُ الزُّجاجَةِ، ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: لِنُورِ القُرْآنِ.

والثّانِي: لِنُورِ الإيمانِ.

والثّالِثُ: لِنُورِ مُحَمَّدٍ  .

والرّابِعُ: لِدِينِهِ الإسْلامِ.

* فَصْلٌ فَأمّا وجْهُ هَذا المَثَلِ، فَفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ شَبَّهَ نُورَ مُحَمَّدٍ  بِالمِصْباحِ النَّيِّرِ؛ فالمِشْكاةُ جَوْفُ رَسُولِ اللَّهِ  ، والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي في قَلْبِهِ، والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، فَهو مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ، وهو إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، سَمّاهُ شَجَرَةً مُبارَكَةً، لِأنَّ أكْثَرَ الأنْبِياءِ مِن صُلْبِهِ ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ لا يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ، يَكادُ مُحَمَّدٌ  يَتَبَيَّنُ لِلنّاسِ أنَّهُ نَبِيٌّ ولَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ.

وقالَ القُرَظِيُّ: المِشْكاةُ: إبْراهِيمُ، والزُّجاجَةُ: إسْماعِيلُ، والمِصْباحُ: مُحَمَّدٌ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ وسَلَّمَ.

وقالَ الضَّحّاكُ: شَبَّهَ عَبْدَ المُطَّلِبِ بِالمِشْكاةِ، وعَبْدَ اللَّهِ بِالزُّجاجَةِ، ومُحَمَّدًا  بِالمِصْباحِ.

والثّانِي: أنَّهُ شَبَّهَ نُورَ الإيمانِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ بِالمِصْباحِ، فالمِشْكاةُ: قَلْبُهُ، والمِصْباحُ: نُورُ الإيمانِ فِيهِ.

وقِيلَ: المِشْكاةُ: صَدْرُهُ، والمِصْباحُ: القُرْآنُ والإيمانُ اللَّذانِ في صَدْرِهِ، والزُّجاجَةُ: قَلْبُهُ، فَكَأنَّهُ مِمّا فِيهِ مِنَ القُرْآنِ والإيمانِ كَوْكَبٌ مُضِيءٌ تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ، وهي الإخْلاصُ، فَمَثَلُ الإخْلاصِ عِنْدَهُ كَشَجَرَةٍ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ، فَكَذَلِكَ هَذا المُؤْمِنُ قَدِ احْتَرَسَ مِن أنْ تُصِيبَهُ الفِتَنُ، فَإنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ، وإنْ قالَ صَدَقَ، وإنْ حَكَمَ عَدَلَ، فَقَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ هُدًى عَلى هُدًى كَما يَكادُ هَذا الزَّيْتُ يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ اشْتَدَّ نُورُهُ، فالمُؤْمِنُ كَلامُهُ نُورٌ، وعَمَلُهُ نُورٌ، ومَدْخَلُهُ نُورٌ، ومَخْرَجُهُ نُورٌ، ومَصِيرُهُ إلى نُورٍ يَوْمَ القِيامَةِ.

والثّالِثُ: أنَّهُ شَبَّهَ القُرْآنَ بِالمِصْباحِ يُسْتَضاءُ بِهِ ولا يُنْقَصُ، والزُّجاجَةُ: قَلْبُ المُؤْمِنِ، والمِشْكاةُ: لِسانُهُ وفَمُهُ، والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ: شَجَرَةُ الوَحْيِ، تَكادُ حُجَجُ القُرْآنِ تَتَّضِحُ وإنْ لَمْ نَقْرَأْ.

وقِيلَ: تَكادُ حُجَجُ اللَّهِ تُضِيءُ لِمَن فَكَّرَ فِيها وتَدَبَّرَها ولَوْ لَمْ يَنْزِلِ القُرْآنُ، ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ أيِ: القُرْآنُ نُورٌ مِنَ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مَعَ ما قَدْ قامَ لَهم مِنَ الدَّلائِلِ والإعْلامِ قَبْلَ نُزُولِ القُرْآنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ ﴾ أيْ: ويُبَيِّنُ اللَّهُ الأشْباهَ لِلنّاسِ؛ تَقْرِيبًا إلى الأفْهامِ، وتَسْهِيلًا لِسُبُلِ الإدْراكِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورُ عَلى نُورُ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مِن يَشاءُ ويَضْرِبُ اللهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ "النُورُ" في كَلامِ العَرَبِ: الأضْواءُ المُدْرَكَةُ بِالبَصَرِ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا فِيما صَحَّ مِنَ المَعانِي ولاحَ، فَيُقالُ: "كَلامٌ لَهُ نُورٌ"، ومِنهُ "الكِتابُ المُنِيرُ" ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ: نِسَبٌ كَأنَّ عَلَيْهِ مَن شَمْسِ الضُحى نُورًا ومَن فَلَقِ الصَباحِ عَمُودا واللهُ تَعالى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَبَيِّنٌ أنَّهُ لَيْسَ كالأضْواءِ المُدْرَكَةِ، ولَمْ يَبْقَ لِلْآيَةِ مَعْنى إلّا أنَّهُ أرادَ: اللهُ ذُو نُورِ السَماواتِ والأرْضِ، أيْ بِقُدْرَتِهِ أنارَتْ أضْواؤُها، واسْتَقامَتْ أُمُورُها، وقامَتْ مَصْنُوعاتُها، فالكَلامُ عَلى التَقْرِيرِ لِلذِّهْنِ، كَما تَقُولُ: المَلِكُ نُورُ الأُمَّةِ، أيْ بِهِ قِوامُ أُمُورِها وصَلاحُ جُمْلَتِها، والأمْرُ في المَلِكِ مَجازٌ، وهو في صِفَةِ اللهِ تَعالى حَقِيقَةٌ مَحْضَةٌ؛ إذْ هو الَّذِي أبْدَعَ المَوْجُوداتِ، وخَلَقَ العَقْلَ نُورًا هادِيًا؛ لَأنَّ ظُهُورَ الوُجُودِ بِهِ حَصَلَ، كَما حَصَلَ بِالضَوْءِ ظُهُورُ المُبْصِراتِ، تَبارَكَ اللهُ لا رَبَّ سِواهُ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: التَقْدِيرُ: دِينُ اللهِ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى: هادِي أهْلَ السَماواتِ والأرْضِ.

والأوَّلُ أعَمُّ لِلْمَعانِي وأوضَحُ مَعَ التَأمُّلِ.

وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَيّاشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، وأبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: "اللهُ نَوَّرَ" بِفَتْحِ النُونِ والواوِ المُشَدَّدَةِ وفَتْحِ الراءِ عَلى أنَّهُ فَعَلَ.

ورُوِيَ أنَّ اليَهُودَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ جَسَمُوا في تَأْوِيلِها، واعْتَرَضُوا مُحَمَّدًا  بِأنْ قالُوا: كَيْفَ هو نُورُ الأرْضِ والسَماءِ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَنَزَلَتْ حِينَئِذٍ ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ ﴾ الآيَةُ، أيْ: لَيْسَ الأمْرُ كَما ظَنَنْتُمْ، وإنَّما هو نُورٌ بِأنَّهُ قِوامُ كُلِّ شَيْءٍ وخالِقُهُ ومُوجِدُهُ، مَثَلُ نُورِهِ كَذا وكَذا.

واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في الضَمِيرِ في "نُورِهِ" عَلى مَن يَعُودُ؟

فَقالَ كَعْبُ الأحْبارِ، وابْنُ جُبَيْرٍ: هو عائِدٌ عَلى مُحَمَّدٍ  ، أيْ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ  ، وقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، والضِحاكُ: هو عائِدٌ عَلى المُؤْمِنِينَ، وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِينَ"، ورُوِيَ أنَّ في قِراءَتِهِ "مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ"، ورُوِيَ أنَّ فِيها "مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ"، وقالَ الحَسَنُ: هو عائِدٌ عَلى القُرْآنِ والإيمانِ، قالَ مَكِّيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: "والأرْضِ".

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ أقْوالٌ فِيها عَوْدُ الضَمِيرِ عَلى مَن لَمْ يَجْرِ لَهُ ذَكْرٌ، وفِيها قَطْعُ المَعْنى المُرادِ بِالآيَةِ.

وقالَتْ فِرْقَةٌ: الضَمِيرُ في "نُورِهِ" عائِدٌ عَلى اللهُ تَعالى، ثُمُ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ في المُرادِ بِالنُورِ الَّذِي أُضِيفَ إلى اللهِ تَعالى إضافَةَ خَلْقٍ إلى خالِقٍ، كَما تَقُولُ: سَماءُ اللهِ، وناقَةُ اللهِ، فَقالَ بَعْضُها: هو مُحَمَّدٌ  ، وقالَ بَعْضُها: هو المُؤْمِنُ، وقالَ بَعْضُها: هو الإيمانُ والقُرْآنُ، وهَذِهِ الأقْوالُ مُتَّجِهَةٌ مُطَّرِدٌ مَعَها المَعْنى، فَكَأنَّ اليَهُودَ لَمّا تَأوَّلُوا ﴿ اللهُ نُورُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ بِمَعْنى الضَوْءِ قِيلَ لَهُمْ: لَيْسَ كَذَلِكَ، وإنَّما هو نُورٌ بِأنَّهُ قِوامُ كُلِّ شَيْءٍ وهادِيهِ، مَثَلُ نُورِهِ في مُحَمَّدٍ  ، أو في المُؤْمِنِ، أو في القُرْآنِ والإيمانِ كَمِشْكاةٍ، وهي الكُوَّةُ غَيْرُ النافِذَةِ فِيها القِنْدِيلُ ونَحْوَهُ.

وهَذِهِ الأقْوالُ الثَلاثَةُ تَضْطَرِدُ فِيها مُقابَلَةُ جُزْءٍ مِنَ المِثالِ لِجُزْءٍ مِنَ المُمَثَّلِ، فَعَلى قَوْلِ مَن قالَ: "المُمَثَّلُ بِهِ مُحَمَّدٌ  -وَهُوَ قَوْلُ كَعْبِ الخَيْرِ - فَرَسُولُ اللهِ  هو المِشْكاةُ، أو صَدْرُهُ، والمِصْباحُ هو النُبُوَّةُ وما يَتَّصِلُ بِها مِن عَمَلِهِ وهُداهُ، والزُجاجَةُ قَلْبُهُ، والشَجَرَةُ المُبارَكَةُ هي الوَحْيُ والمَلائِكَةُ رُسُلُ اللهِ إلَيْهِ وسَبَبُهُ المُتَّصِلُ بِهِ، والزَيْتُ هو الحُجَجُ والبَراهِينُ والآياتُ الَّتِي تَضَمَّنَها الوَحْيُ.

وعَلى قَوْلِ مَن قالَ: "المُمَثَّلُ بِهِ المُؤْمِنُ" -وَهُوَ قَوْلُ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ - فالمِشْكاةُ صَدْرُهُ، والمِصْباحُ الإيمانُ والعِلْمُ، والزُجاجَةُ قَلْبُهُ، والشَجَرَةُ القُرْآنُ، وزَيْتُها هو الحُجَجُ والحِكْمَةُ الَّتِي تَضَمَّنَها، قالَ أُبَيٌّ: فَهو عَلى أحْسَنِ الحالِ يَمْشِي في الناسِ كالرَجُلِ الحَيِّ يَمْشِي في قُبُورِ الأمْواتِ.

ومِن قالَ: "إنِ المُمَثَّلَ بِهِ القُرْآنُ والإيمانُ" فَتَقْدِيرُ الكَلامِ: مَثَلُ نُورِهِ -الَّذِي هو الإيمانُ في صَدْرِ المُؤْمِنِ- في قَلْبِهِ كَمِشْكاةٍ، أيْ: كَهَذِهِ الجُمْلَةِ.

وهَذا القَوْلُ لَيْسَ في مُقابَلَةِ التَشْبِيهِ كالأوَّلَيْنِ، لَأنَّ المِشْكاةَ لَيْسَتْ تَقابُلُ الإيمانَ.

وَتَحْتَمِلُ الآيَةُ مَعْنًى آخَرَ لَيْسَ فِيهِ مُقابَلَةُ جُزْءٍ مِنَ المَثالِ لِجُزْءٍ مِنَ المُمَثَّلِ بِهِ، بَلْ وقَعَ التَشْبِيهُ فِيهِ جُمْلَةً بِجُمْلَةٍ، [وَذَلِكَ أنْ يُرِيدَ: مَثَلُ نُورِ اللهِ الَّذِي هو هُداهُ وإتْقانُهُ صَنْعَةَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وبَراهِينُهُ الساطِعَةُ عَلى الجُمْلَةِ] كَهَذِهِ الجُمْلَةِ مِنَ النُورِ الَّذِي تَتَّخِذُونَهُ أنْتُمْ عَلى هَذِهِ الصِفَةِ الَّتِي هي أبْلَغُ صِفاتِ النُورِ الَّذِي بَيْنَ أيْدِي الناسِ، أيْ: فَمَثَلُ نُورِ اللهِ في الوُضُوحِ كَهَذا الَّذِي هو مُنْتَهاكم أيُّها البَشَرُ.

و"المِشْكاةُ": الكُوَّةُ في الحائِطِ غَيْرِ النافِذَةِ، قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، وسَعِيدُ بْنُ عِياضٍ، وجُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، وهي أجْمَعُ لِلضَّوْءِ، والمِصْباحُ فِيها أكْثَرُ إنارَةً مِنهُ في غَيْرِها، وقالَ مُجاهِدٌ: المِشْكاةُ: العَمُودُ الَّذِي يَكُونُ المِصْباحُ عَلى رَأْسِهِ، وقالَ أبُو مُوسى: المِشْكاةُ: الحَدِيدَةُ أوِ الرَصاصَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها الفَتِيلُ في جَوْفِ الزُجاجَةِ، وقالَ مُجاهِدٌ أيْضًا: المِشْكاةُ: الحَدائِدُ الَّتِي يُعَلَّقُ بِها القِنْدِيلُ.

والأوَّلُ أصَحُّ هَذِهِ الأقْوالِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "فِي زُجاجَةٍ" لَأنَّهُ جِسْمٌ شَفّافٌ، المِصْباحُ فِيهِ أنْوَرُ مِنهُ في غَيْرِ الزُجاجِ.

و"المِصْباحُ": الفَتِيلُ بِنارِهِ.

وأمالَ الكِسائِيُّ -فِيما رَوى عنهُ أبُو عَمْرٍو الدانِي - الألْفَ مِن "مِشْكاةٍ" فَكَسَرَ الكافَ الَّتِي قَبِلَها، وقَرَأ نَصْرُ بْنُ عاصِمْ: "فِي زَجاجَةٍ" بِفَتْحِ الزايِ و"الزَجاجَةُ" كَذَلِكَ، وهي لُغَةٌ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أيْ في الإنارَةِ والضَوْءِ، وذَلِكَ يَحْتَمِلُ مُعِنِّينَ: إمّا أنْ يُرِيدَ أنَّها بِالمِصْباحِ كَذَلِكَ، وإمّا أنْ يُرِيدَ أنَّها في نَفْسِها لِصَفائِها وجَوْدَةِ جَوْهَرِها كَذَلِكَ، وهَذا التَأْوِيلُ أبْلَغُ في التَعاوُنِ عَلى النُورِ، قالَ الضِحاكُ: الكَوْكَبُ الدُرِّيُّ هو الزَهْرَةُ، وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ: "دُرِّيٌّ" بِضَمِّ الدالِ وشَدِّ الياءِ، ولِهَذِهِ القِراءَةِ وجْهانِ: إمّا أنْ يُنْسَبَ الكَوْكَبُ إلى الدُرِّ لِبَياضِهِ وصَفائِهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ أصْلُهُ "دُرِّيءٌ" مَهْمُوزٌ مِنَ الدُرّاءِ وهو الدَفْعُ، وخُفِّفَتِ الهَمْزَةُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "دُرِّيءٌ" بِالهَمْزَةِ، وهو فَعِيلٌ مَنَّ الدُرّاءِ، بِمَعْنى أنَّها تَدْفَعُ بَعْضَها بَعْضًا، أو بِمَعْنى أنَّ بِها ما يَدْفَعُ خَفاءَها، وفَعِيلٌ بِناءٌ لا يُوجَدُ في الأسْماءِ إلّا في قَوْلِهِمْ: مَرِيقٌ لِلْعُصْفُرِ وفي السُرِّيَّةِ إذا اشْتُقَّتْ مِنَ السِرِّ، ووَجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ أبُو عَلِيٍّ وضَعَّفَها غَيْرُهُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ: "دِرِّيءٌ" عَلى وزْنٍ فِعِيلٌ بِكَسْرِ الفاءِ، مِنَ الدَرْءِ، وهَذِهِ مُتَوَجِّهَةٌ.

وقَرَأ قَتادَةُ: "دَرِّيءَ" بِفَتْحِ الدالِ والهَمْزَةِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وهَذا عَزِيزٌ، وإنَّما حُفِظَ مِنهُ "السِكِّينَةُ" بِشَدِّ الكافِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو رَجاءٍ، ونَصْرُ بْنُ عاصِمْ: "دَرِّيٌّ" بِفَتْحِ الدالِّ دُونَ هَمْزٍ وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ، وطِلْحَةُ، والأعْمَشُ، والحَسَنُ، وقَتادَةُ، وابْنُ وثّابٍ، وعِيسى: "تُوقَدُ" بِضَمِّ التاءِ، أيِ الزُجاجَةُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وأهْلُ الكُوفَةِ، والحُسْنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: "تَوَقَّدُ" بِفَتْحِ التاءِ والواوِ وشَدِّ القافِ وضَمِّ الدالِّ، أيِ الزُجاجَةُ.

وقَرَأ أبُو عَمْرٍو أيْضًا، وابْنُ كَثِيرٍ: "تَوَقَّدُ" بِفَتْحِ التاءِ والدالِ، أيِ المِصْباحُ، وقَرَأ عاصِمْ -فِيما رَوى عنهُ إسْماعِيلُ - "يُوقَدُ" بِالياءِ المَرْفُوعَةِ، عَلى مَعْنى: يُوقَدُ المِصْباحُ، قالَ أبُو الفَتْحِ: وقَرَأ السُلَمِيُّ، والحُسْنُ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وسَلّامٌ، وقَتادَةُ: "يَوَقَّدُ" بِفَتْحِ الياءِ والواوِ والقافِ المُشَدَّدَةِ ورَفْعِ الدالِّ، أصْلُهُ: يَتَوَقَّدُ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "مِن شَجَرَةٍ" أيْ: مِن زَيْتِ شَجَرَةٍ، و"المُبارَكَةُ": المُنَمّاةُ، و"الزَيْتُونُ" مِن أعْظَمِ الثِمارِ نَماءً واطِّرادَ أفْنانٍ وغَضارَةً ولا سِيَّما بِالشامِ، والرُمّانُ كَذَلِكَ، والعِيانُ يَقْضِي بِذَلِكَ، وقَوْلُ أبِي طالِبٍ يَرْثِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْرِو بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ: لَيْتَ شِعْرِي مُسافِرَ بْنَ أبِي عَمْـ ∗∗∗ ـرٍو، ولَيْتَ يَقُولُها المَحْزُونُ ∗∗∗ بُورِكَ المَيِّتُ الغَرِيبُ كَما بُو ∗∗∗ رِكَ الرُمّانُ والزَيْتُونُ وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ فِيهِما بِالخَفْضِ عَطْفًا عَلى "زَيْتُونَةٍ"، وقَرَأ الضَحّاكُ: "لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ" بِالرَفْعِ، واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْناهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما -فِيما حَكى عنهُ الطَبَرِيُّ -: مَعْناهُ أنَّها شَجَرَةٌ في دَوْحَةٍ قَدْ أحاطَتْ بِها فَهي غَيْرُ مُنْكَشِفَةٍ مِن جِهَةِ الشَرْقِ ولا مِن جِهَةِ الغَرْبِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ عِنْدِي عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما؛ لَأنَّ الوُجُودَ يَقْتَضِي أنَّ الشَجَرَةَ الَّتِي تَكُونُ بِهَذِهِ الصِفَةِ يَنْفَذُ جَناها.

وقالَ الحَسَنُ: لَيْسَتْ هَذِهِ الشَجَرَةُ مِن شَجَرِ الدُنْيا، وإنَّما هو مِثْلٌ ضَرَبَهُ اللهُ تَعالى لِنُورِهِ، ولَوْ كانَتْ في الدُنْيا لَكانَتْ إمّا شَرْقِيَّةً وإمّا غَرْبِيَّةً.

وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: أرادَ أنَّها مِن شَجَرِ الشامِ ؛ لَأنَّ شَجَرَ الشامِ هي أفْضَلُ الشَجَرِ، ومِنَ الأرْضِ المُبارَكَةِ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُمُ: المَعْنى في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ أنَّها في مُنْكَشَفٍ مِنَ الأرْضِ، تُصِيبُها الشَمْسُ طُولَ النَهارِ، تَسْتَدِيرُ عَلَيْها، فَلَيْسَتْ خالِصَةً لِلشَّرْقِ فَتُسَمّى شَرْقِيَّةً، ولا لِلْغَرْبِ فَتُسَمّى غَرْبِيَّةً.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ مُبالَغَةً في صِفَةٍ مِن صِفاتِهِ وحُسْنِهِ وجَوْدَتِهِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "تَمْسَسْهُ" بِالتاءِ مِن فَوْقٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، والحُسْنُ بِالياءِ مِن تَحْتٍ.

وقَوْلُهُ: ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ أيْ هَذِهِ كُلُّها مُعاوِنٌ تَكامَلَ بِها هَذا النُورُ المُمَثَّلُ بِهِ، وفي هَذا المَوْضِعِ تَمَّ المِثالُ.

ثُمْ ذَكَرَ تَبارَكَ وتَعالى هُداهُ لِنُورِهِ مَن شاءَ وأسْعَدَ مِن عِبادِهِ، وذَكَرَ تَفَضُّلَهُ في ضَرْبِ الأفْعالِ لِلْعِبادِ لِيَقَعَ لَهُمُ العِبْرَةُ والنَظَرُ المُؤَدِّي إلى الإيمانِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ الله نُورُ السماوات والارض ﴾ .

أتْبع منةَ الهداية الخاصة في أحكام خاصة المفادة من قوله تعالى: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34] الآية بالامتنان بأن الله هو مكون أصول الهداية العامة والمعارف الحقِّ للناس كلهم بإرسال رسوله بالهدى ودين الحق، مع ما في هذا الامتنان من الإعلام بعظمة الله تعالى ومجده وعموم علمه وقدرته.

والذي يظهر لي أن جملة: ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ معترضة بين الجملة التي قبلها وبين جملة: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ وأن جملة: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ بيان لجملة: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34] كما سيأتي في تفسيرها فتكون جملة: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ تمهيداً لجملة: ﴿ مثَل نوره كمشكاة ﴾ .

ومناسبة موقع جملة: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ بعد جملة: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ أن آيات القرآن نور قال تعالى: ﴿ وأنزلنا إليكم نوراً مبيناً ﴾ في سورة النساء (174)، وقال: ﴿ قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ﴾ في سورة العقود (15)، فكان قوله: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ كلمة جامعة لمعان جمّة تتبع معاني النور في إطلاقه في الكلام.

وموقع الجملة عجيب من عدة جهات، وانتقال من بيان الأحكام إلى غرض آخر من أغراض الإرشاد وأفانين من الموعظة والبرهان.

والنور: حقيقته الإشراق والضياء.

وهو اسم جامد لمعنى، فهو كالمصدر لأنا وجدناه أصلاً لاشتقاق أفعال الإنارة فشابهت الأفعال المشتقة من الأسماء الجامدة نحو: استنوق الجمل، فإن فعل أنار مثل فعل أفلس، وفعل استنار مثل فعل استحجر الطين.

وبذلك كان الإخبار به بمنزلة الإخبار بالمصدر أو باسم الجنس في إفادة المبالغة لأنه اسم ماهية من المواهي فهو والمصدر سواء في الاتصاف.

فمعنى: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ أن منه ظهورهما.

والنور هنا صالح لعدة معان تشبّه بالنور.

وإطلاق اسم النور عليها مستعمل في اللغة.

فالإخبار عن الله تعالى بأنه نور إخبار بمعنى مجازي للنور لا محالة بقرينة أصل عقيدة الإسلام أن الله تعالى ليس بجسم ولا جوهر ولا عرض لا يتردد في ذلك أحد من أصحاب اللسان العربي ولا تخلو حقيقة معنى النور عن كونه جوهراً أو عرضاً.

وأسعد إطلاقات النور في اللغة بهذا المقام أن يراد به جلاء الأمور التي شأنها أن تخفى عن مدارك الناس وتلتبس فيقل الاهتداء إليها، فإطلاقه على ذلك مجاز بعلامة التسبب في الحس والعقل وقال الغزالي في رسالته المعروفة «بمشكاة الأنوار»: النور هو الظاهر الذي به كل ظهور، أي الذي تنكشف به الأشياء وتنكشف له وتنكشف منه وهو النور الحقيقي وليس فوقه نور.

وجعل اسمه تعالى النور دالاً على التنزه عن العدم وعلى إخراج الأشياء كلها عن ظلمة العدم إلى ظهور الوجود فآل إلى ما يستلزمه اسم النور من معنى الإظهار والتبيين في الخلق والإرشاد والتشريع وتبعه ابن برَّجان الإشبيلي في «شرح الأسماء الحسنى» فقال: إن اسمه النور آل إلى صفات الأفعال اه.

أما وصف النور هنا فيتعين أن يكون ملائماً لما قبل الآية من قوله: ﴿ لقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34] وما بعدها من قوله: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ إلى قوله: ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ وقوله عقب ذلك: ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ [النور: 40].

وقد أشرنا آنفاً إلى أن للنور إطلاقات كثيرة وإضافات أخرى صالحة لأن تكون مراداً من وصفه تعالى بالنور.

وقد ورد في مواضع من القرآن والحديث فيحمل الاطلاق في كل مقام على ما يليق بسياق الكلام ولا يطرد ذلك على منوال واحد حيثما وقع، كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم " ولك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن " فإن عطف «من فيهن» يؤذن بأن المراد ب«السماوات والأرض» ذاتهما لا الموجودات التي فيهما فيتعين أن يراد بالنور هنالك إفاضة الوجود المعبر عنه بالفتق في قوله تعالى: ﴿ كانتا رتقاً ففتقناهما ﴾ [الأنبياء: 30].

والمعنى: أنه بقدرته تعالى استقامت أمورهما.

والتزم حكماء الإشراق من المسلمين وصوفية الحكماء معاني من إطلاقات النور.

وأشهرها ثلاثة: البرهان العلمي، والكمال النفساني، وما به مشاهدة النورانيات من العوالم.

وإلى ثلاثتها أشار شهاب الدين يحيى السهروردي في أول كتابه «هياكل النور» بقوله: «يا قيوم أيِّدنا بالنور وثبتنا على النور واحشرنا إلى النور» كما بينه جلال الدين الدواني في «شرحه».

ونلحق بهذه المعاني اطلاق النور على الإرشاد إلى الأعمال الصالحة وهو الهدي.

وقد ورد في آيات من القرآن إطلاق النور على ما هو أعم من الهدي كما في قوله تعالى: ﴿ إنا أنزلنا التوراة فيها هُدًى ونور ﴾ [المائدة: 44] وقوله: ﴿ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نوراً وهدى للناس ﴾ [الأنعام: 91] فعطف أحد اللفظين على الآخر مشعر بالمغايرة بينهما.

وليس شيء من معاني لفظ النور الوارد في هذه الآيات بصالح لأن يكون هو الذي جعل وصفاً لله تعالى لا حقيقة ولا مجازاً فتعين أن لفظ (نور) في قوله: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ غير المراد بلفظ نور في قوله: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ فالنور لفظ مشترك استعمل في معنى وتارة أخرى في معنى آخر.

فأحسن ما يفسر به قوله تعالى: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ أن الله موجد كل ما يعبر عنه بالنور وخاصة أسباب المعرفة الحق والحجة القائمة والمرشد إلى الأعمال الصالحة التي بها حسن العاقبة في العالَمَيْن العلوي والسفلي، وهو من استعمال المشترك في معانيه.

ويجوز أن يراد بالسماوات والأرض من فيهما من باب: ﴿ واسأل القرية ﴾ [يوسف: 82] وهو أبلغ من ذكر المضاف المحذوف لأن في هذا الحذف إيهام أن السماوات والأرض قابلة لهذا النور كما أن القرية نفسها تشهد بما يسأل منها، وذلك أبلغ في الدلالة على الإحاطة بالمقصود وألطف دلالة.

فيشمل تلقين العقيدة الحق والهداية إلى الصلاح؛ فأما هداية البشر إلى الخير والصلاح فظاهرة، وأما هداية الملائكة إلى ذلك فبأن خلقهم الله على فطرة الصلاح والخير.

وبأن أمرهم بتسخير القوى للخير، وبأن أمر بعضهم بإبلاغ الهدى بتبليغ الشرائع وإلهام القلوب الصالحة إلى الصلاح وكانت تلك مظاهر هدى لهم وبهم.

﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المصباح فِى زُجَاجَةٍ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مباركة زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يضئ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ على نُورٍ ﴾ .

يظهر أن هذه الجملة بيان لجملة: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34] إذ كان ينطوي في معنى ﴿ آيات ﴾ ووصفها ب ﴿ مبينات ﴾ ما يستشرف إليه السامع من بيان لما هي الآيات وما هو تبيينها، فالجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً.

ووقعت جملة: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ معترضة بين هذه الجملة والتي قبلها تمهيداً لعظمة هذا النور الممثل بالمشكاة.

وجرى كلام كثير من المفسرين على ما يقتضي أنها بيان لجملة: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ فيكون موقعها موقع عطف البيان فلذلك فُصلت فلم تعطف.

والضمير في قوله: ﴿ نوره ﴾ عائد إلى اسم الجلالة، أي مثل نور الله.

والمراد ب ﴿ نوره ﴾ كتابه أو الدين الذي اختاره، أي مثله في إنارة عقول المهتدين.

فالكلام تمثيل لهيئة إرشاد الله المؤمنين بهيئة المصباح الذي حفّت به وسائل قوة الإشراق فهو نور الله لا محالة.

وإنما أوثر تشبيهه بالمصباح الموصوف بما معه من الصفات دون أن يشبه نوره بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل لقصد إكمال مشابهة الهيئة المشبه بها بأنها حالة ظهور نور يبدو في خلال ظلمة فتنقشع به تلك الظلمة في مساحة يراد تنويرها.

ودون أن يشبه بهيئة بزوغ القمر في خلال ظلمة الأفق لقصد إكمال المشابهة لأن القمر يبدو ويغيب في بعض الليلة بخلاف المصباح الموصوف.

وبعد هذا فلأن المقصود ذكر ما حف بالمصباح من الأدوات ليتسنى كمال التمثيل بقبوله تفريق التشبيهات كما سيأتي وذلك لا يتأتى في القمر.

والمَثَل: تشبيه حال بحال، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة.

فمعنى ﴿ مثل نوره ﴾ : شَبيهُ هدِيه حالُ مشكاة..

إلى آخره، فلا حاجة إلى تقدير: كنور مشكاة، لأن المشبه به هو المشكاة وما يتبعها.

وقوله: ﴿ كمشكاة فيها مصباح ﴾ المقصود كمصباح في مشكاة.

وإنما قُدم ﴿ المشكاة ﴾ في الذكر لأن المشبه به هو مجموع الهيئة، فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدئ بقوله: ﴿ كمشكاة ﴾ والمنتهي بقوله: ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة ﴿ مشكاة ﴾ دون لفظ ﴿ مصباح ﴾ لا يقتضي أصالة لفظ مشكاة في الهيئة المشبه بها دون لفظ ﴿ مصباح ﴾ بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني في تصور هذه الهيئة المتخيلة حين يلمح الناظر إلى انبثاق النور ثم ينظر إلى مصدره فيرى مشكاةً ثم يبدو له مصباح في زجاجة.

والمشكاة المعروف من كلام أهل اللغة أنها فرجة في الجدار مثل الكوة لكنها غير نافذة فإن كانت نافذة فهي الكوة.

ولا يوجد في كلام الموثوق عنهم من أهل العربية غير هذا المعنى، واقتصر عليه الراغب وصاحب «القاموس» و«الكشاف» واتفقوا على أنها كلمة حبشية أدخلها العرب في كلامهم فعدت في الألفاظ الواقعة في القرآن بغير لغة العرب.

ووقع ذلك في «صحيح البخاري» فيما فسره من مفردات سورة النور.

ووقع في «تفسير الطبري» وابن عطية عن مجاهد: أن المشكاة العمود الذي فيه القنديل يكون على رأسه، وفي «الطبري» عن مجاهد أيضاً: المشكاة الصُفر (أي النحاس أي قطعة منه شبيه القصيبة) الذي في جوف القنديل.

وفي معناه ما رواه هو عن ابن عباس: المشكاة موقع الفتيلة، وفي معناه أيضاً ما قاله ابن عطية عن أبي موسى الأشعري: المشكاة الحديدة والرصاصة التي يكون فيها الفتيل في جوف الزجاجة.

وقول الأزهري: أراد قصبة الزجاجة التي يستصبح فيها وهي موضع الفتيلة.

وقد تأوله الأزهري بأن قصبة الزجاجة شبهت بالمشكاة وهي الكوة فأطلق عليها مشكاة.

والمصباح: اسم للإناء الذي يوقد فيه بالزيت للإنارة، وهو من صيغ أسماء الآلات مثل المفتاح، وهو مشتق من اسم الصبح، أي ابتداء ضوء النهار، فالمصباح آلة الإصباح أي الإضاءة.

وإذا كان المشكاة اسماً للقصيبة التي توضع في جوف القنديل كان المصباح مراداً به الفتيلة التي توضع في تلك القُصيبة.

وإعادة لفظ ﴿ المصباح ﴾ دون أن يقال: فيها مصباح في زجاجة، كما قال: ﴿ كمشكاة فيها مصباح ﴾ إظهار في مقام الإضمار للتنويه بذكر المصباح لأنه أعظم أركان هذا التمثيل، وكذلك إعادة لفظ ﴿ الزجاجة ﴾ في قوله: ﴿ الزجاجة كأنها كوكب دري ﴾ لأنه من أعظم أركان التمثيل.

ويسمى مثل هذه الإعادة تشابه الأطراف في فن البديع، وأنشدوا فيه قول ليلى الأخيلية في مدح الحجاج بن يوسف: إذا أُنزل الحجاج أرضاً مريضةً *** تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها *** غلام إذا هز القناة سقاها سقاها فروّاها بشرب سجاله *** دماءَ رجال يحلبون صراها ومما فاقت به الآية عدم تكرار ذلك أكثر من مرتين.

والزجاجة: اسم إناء يصنع من الزجاج، سميت زجاجة لأنها قطعة مصنوعة من الزجاج بضم الزاي وتخفيف الجيمين ملحقة بآخر الكلمة هاء هي علامة الواحد من اسم الجمع كأنهم عاملوا الزجاج معاملة أسماء الجموع مثل تَمر، ونَمل، ونَخْل، كانوا يتخذون من الزجاج آنية للخمر وقناديل للإسراج بمصابيح الزيت لأن الزجاج شفاف لا يحجب نور السراج ولا يحجب لون الخمر وصفاءها ليعلمه الشارب.

والزجاج: صنف من الطين المطيّن من عجين رمللٍ مخصوص يوجد في طبقة الأرض وليس هو رمل الشطوط.

وهذا العجين اسمه في اصطلاح الكيمياء (سليكَا) يخلط بأجزاء من رماد نبت يسمى في الكيمياء (صُودا) ويسمى عند العرب الغاسول وهو الذي يتخذون منه الصابون.

ويضاف إليهما جزء من الكلس (الجير) ومن (البوتاس) أو من (أُكسيد الرصاص) فيصير ذلك الطين رقيقاً ويدخل للنار فيصهر في أتون خاص به شديد الحرارة حتى يتميّع وتختلط أجزاؤه ثم يخرج من الأتون قطعاً بقدر ما يريد الصانع أن يصنع منه، وهو حينئذٍ رخو يشبه الحلواء فيكون حينئذٍ قابلاً للامتداد وللانتفاخ إذا نُفخ فيه بقصبة من حديد يضعها الصانع في فمه وهي متصلة بقطعة الطين المصهورة فينفخ فيها فإذا داخلها هواء النفَس تمددت وتشكلت بشكل كما يتفق فيتصرف فيه الصانع بتشكيله بالشكل الذي يبتغيه فيجعل منه أواني مختلفة الأشكال من كؤوس وباطيات وقِنِّينات كبيرة وصغيرة وقوارير للخمر وآنية لزيت المصابيح تفضل ما عداها بأنها لا تحجب ضوء السراج وتزيده إشعاعاً.

وقد كان الزجاج معروفاً عند القدماء من الفنيقيين وعند القبط من نحو القرن الثلاثين قبل المسيح ثم عرفه العرب وهم يسمونه الزجاج والقوارير.

قال بشار: ارفق بعمرو إذا حركت نسبته *** فإنه عربي من قوارير وقد عرفه العبرانيون في عهد سليمان واتخذ منه سليمان بلاطاً في ساحة صرحه كما ورد في قوله تعالى: ﴿ قال إنه صرح ممرد من قوارير ﴾ [النمل: 44].

وقد عرفه اليونان قديماً ومن أقوال الحكيم (ديوجينوس اليوناني): «تيجان الملوك كالزجاج يسرع إليها العطب».

وسمى العرب الزجاج بلَّوراً بوزن سنّوْر وبوزن تنُّور.

واشتهر بصناعته أهل الشام.

قال الزمخشري في «الكشاف»: ﴿ في زجاجة ﴾ أراد قنديلاً من زجاج شامي أزهر اه.

واشتهر بدقة صنعه في القرن الثالث المسيحي أهل البندقية ولونوه وزينوه بالذهب وما زالت البندقية إلى الآن مصدر دقائق صنع الزجاج على اختلاف أشكاله وألوانه يتنافس فيه أهل الأذواق.

وكذلك بلاد (بوهيميا) من أرض (المجر) لجودة التراب الذي يصنع منه في بلادهم.

ومن أصلح ما انتفع فيه الزجاج اتخاذ أطباق منه توضع على الكوى النافذة والشبابيك لتمنع الرياح وبرد الشتاء والمطر عن سكان البيوت ولا يحجب عن سكانها الضوء.

وكان ابتكار استعمال هذه الأطباق في القرن الثالث من التاريخ المسيحي ولكن تأخر الانتفاع به في ذلك مع الاضطرار إليه لعسر استعماله وسرعة تصدعه في النقل ووفرة ثمنه، ولذلك اتخذ في النوافذ أول الأمر في البلاد التي يصنع فيها فبقي زماناً طويلاً خاصاً بمنازل الملوك والأثرياء.

والكوكب: النجم، والدرِّيّ بضم الدال وتشديد التحتية في قراءة الجمهور واحد الدراري وهي الكواكب الساطعة النور مثل الزُّهرة والمشتري منسوبة إلى الدُّر في صفاء اللون وبياضه، والياء فيه ياء النسبة وهي نسبة المشابهة كما في قول طرفة يصف راحلته: جماليّة وجناء *** البيت.

أي كالجمل في عظم الجثة وفي القوة.

وقولهم في المثل «بات بليلة نابغية» أي كليلة النابغة في قوله: فبت كأني ساورتني ضئيلة *** الأبيات.

قال الحريري: «فبت بليلة نابغية.

وأحزان يعقوبية» المقامة السابعة والعشرون.

ومنه قولهم: وردي اللون، أي كلون الورد.

والدر يضرب مثلاً للإشراق والصفاء.

قال لبيد: وتضيء في وجه الظلام منيرة *** كجمانة البحري سُلّ نظامها وقيل: الكوكب الدري علم بالغلبة على كوكب الزهرة.

وقرأ أبو عمرو والكسائي ﴿ دِرّيء ﴾ بكسر الدال ومد الراء على وزن شريب من الدرء وهو الدفع، لأنه يدفع الظلام بضوئه أو لأن بعض شعاعه يدفع بعضاً فيما يخاله الرائي.

وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال ومد الراء من الدرء أيضاً على أن وزنه فُعِّيل وهو وزن نادر في كلام العرب لكنه من أبنية كلامهم عند سيبويه ومنه عُلِّية وسُرِّية وذُرّية بضم الأول في ثلاثتها.

وإنما سُلك طريق التشبيه في التعبير عن شدة صفاء الزجاجة لأنه أوجز لفظاً وأبين وصفاً.

وهذا تشبيه مفرد في أثناء التمثيل ولا حظ له في التمثيل.

وجملة: ﴿ يوقد من شجرة ﴾ الخ في موضع الصفة ل ﴿ مصباح ﴾ .

وقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ يوقد ﴾ بتحتية في أوله مضمومة بعدها واو ساكنة وبفتح القاف مبنياً للنائب، أي يوقده الموقد.

فالجملة حال من ﴿ مصباح ﴾ .

وقرأه حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم وخلف ﴿ تَوَقَّد ﴾ بفوقية مفتوحة في أوله وبفتح الواو وتشديد القاف مفتوحة ورفع الدال على أنه مضارع توقّد حذفت منه إحدى التاءين وأصله تتوقد على أنه صفة أو حال من ﴿ مشكاة ﴾ أو من ﴿ زجاجة ﴾ أو من المذكورات وهي مشكاة ومصباح وزجاجة، أي تنير.

وإسناد التوقد إليها مجاز عقلي.

وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر مثل قراءة حمزة ومن معه لكن بفتح الدال على أنه فعل مضي حال أو صفة لمصباح.

والإيقاد: وضع الوقود وهو ما يزاد في النار المشتعلة ليقوى لهبها، وأريد به هنا ما يُمَد به المصباح من الزيت.

وفي صيغة المضارع على قراءة الأكثرين إفادة تجدد إيقاده، أي لا يذوى ولا يطفأ.

وعلى قراءة ابن كثير ومن معه بصيغة المضي إفادة أن وقوده ثبت وتحقق.

وذكرت الشجرة باسم جنسها ثم أبدل منه ﴿ زيتونة ﴾ وهو اسم نوعها للإبهام الذي يعقبه التفصيل اهتماماً بتقرر ذلك في الذهن.

ووصف الزيتونة بالمباركة لما فيها من كثرة النفع فإنها ينتفع بحبها أكلاً وبزيتها كذلك ويستنار بزيتها ويدخل في أدوية وإصلاح أمور كثيرة.

وينتفع بحطبها وهو أحسن حطب لأن فيه المادة الدهنية قال تعالى: ﴿ تنبت بالدهن ﴾ [المؤمنون: 20]، وينتفع بجودة هواء غاباتها.

وقد قيل إن بركتها لأنها من شجر بلاد الشام والشام بلد مبارك من عهد إبراهيم عليه السلام قال تعالى: ﴿ ونجيناه ولوطاً إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين ﴾ [الأنبياء: 71] يريد أرض الشام.

ووصف الزيتونة ب ﴿ مباركة ﴾ على هذا وصف كاشف، ويجوز أن يكون وصفاً مخصصاً ل ﴿ زيتونة ﴾ أي شجرة ذات بركة، أي نماء ووفرة ثمر من بين شجر الزيتون فيكون ذكر هذا الوصف لتحسين المشبه به لينجر منه تحسين للمشبه كما في قول كعب بن زهير: شجت بذي شبم من ماء مَحْنية *** صاففٍ بأبطح أصْحى وهو مَشْمول تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه *** من صوب سارية بيضٌ يعاليل فإن قوله، وأفرطه الخ لا يزيد الماء صفاءً ولكنه حالة تحسنه عند السامع.

وقوله: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وصف ل ﴿ زيتونة ﴾ .

دخل حرف (لا) النافية في كلا الوصفين فصار بمنزلة حرف هجاء من الكلمة بعده ولذلك لم يكن في موضع إعراب نظير (ال) المعرفة التي ألغز فيها الدماميني بقوله: حاجيتكم لتخبروا ما اسمان *** وأول إعرابه في الثاني وهو مبني بكل حال *** ها هو للناظر كالعيان لإفادة الاتصاف بنفي كل وصف وعطف على كل وصف ضده لإرادة الاتصاف بوصف وسط بين الوصفين المنفيين لأن الوصفين ضدان على طريقة قولهم: «الرمان حلو حامض».

والعطف هنا من عطف الصفات كقوله تعالى: ﴿ لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴾ [النساء: 143] وقول المرأة الرابعة من حديث أم زرع: «زوجي كليل تهامة لا حَرٌّ ولا قُرُّ» أي وسطاً بين الحر والقُر وقول العجاج يصف حمار وحشٍ: حشرج في الجَوف قليلاً وشهق *** حتى يقال ناهقٌ وما نهَق والمعنى: أنها زيتونة جهتها بين جهة الشرق وجهة الغرب، فُنفِيَ عنها أن تكون شرقية وأن تكون غربية، وهذا الاستعمال من قبيل الكناية لأن المقصود لازم المعنى لا صريحه.

وأما إذا لم يكن الأمران المنفيان متضادين فإن نفيهما لا يقتضي أكثر من نفي وقوعهما كقوله تعالى: ﴿ وظل من يحموم لا بارد ولا كريم ﴾ [الواقعة: 43، 44] وقول المرأة الأولى من نساء حديث أم زرع: «زوجي لحم جَمَل على رأس جبَل، لا سَهْلٌ فيرتقى ولا سمين فينتقل».

واعلم أن هذا الاستعمال إنما يكون في عطف نفي الأسماء وأما عطف الأفعال المنفية فهو من عطف الجمل نحو: ﴿ فلا صدَّق ولا صلىَّ ﴾ [القيامة: 31] وقوله صلى الله عليه وسلم " لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض ".

واعلم أيضاً أن هذا لم يرد إلا في النفي بلا النافية ولذلك استقام للحريري أن يلقب شجرة الزيتون بلقب «لا ولا» بقوله في المقامة السادسة والأربعين «بورك فيك من طلا.

كما بورك في لا ولا» أي في الشجرة التي قال الله في شأنها: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ .

ثم يحتمل أن يكون معنى: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أنها نابتة في موضع بين شرق بلاد العرب وغربها وذلك هو البلاد الشامية.

وقد قيل إن أصل منبت شجرة الزيتون بلاد الشام.

ويحتمل أن يكون المعنى أن جهة تلك الشجرة من بين ما يحف بها من شجر الزيتون موقع غير شرق الشمس وغربها وهو أن تكون متجهة إلى الجنوب، أي لا يحجبها عن جهة الجنوب حاجب وذلك أنفع لحياة الشجرة وطيب ثمرتها، فبذلك يكون زيتها أجود زيت وإذا كان أجود كان أشد وقوداً ولذلك أتبع بجملة: ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ وهي في موضع الحال.

وجملة: ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ في موضع الحال من ﴿ زيتها ﴾ .

والزيت: عصارة حب الزيتون وما يشبهه من كل عصارة دهنية، مثل زيت السمسم والجلجلان.

وهو غذاء.

ولذلك تجب الزكاة في زيت الزيتون إذا كان حبه نصاباً خمسة أوسق وكذلك زكاة زيت الجلجلان والسمسم.

و ﴿ لو ﴾ وصلية.

والتقدير: يكاد يضيء في كل حال حتى في حالة لم تمسسه فيها نار.

وهذا تشبيه بالغ كمال الإفصاح بحيث هو مع أنه تشبيه هيئة بهيئة هو أيضاً مفرَّق التشبيهات لأجزاء المركب المشبه مع أجزاء المركب المشبه به وذلك أقصى كمال التشبيه التمثيلي في صناعة البلاغة.

ولما كان المقصود تشبيه الهيئة بالهيئة والمركب بالمركب حسن دخول حرف التشبيه على بعض ما يدل على بعض المركب ليكون قرينة على أن المراد التشبيه المركب ولو كان المراد تشبيه الهدى فقط لقال: نوره كمصباح في مشكاة..

إلى آخره.

فالنور هو معرفة الحق على ما هو عليه المكتسبة من وحي الله وهو القرآن.

شبه بالمصباح المحفوف بكل ما يزيد نوره انتشاراً وإشراقاً.

وجملة: ﴿ نور على نور ﴾ مستأنفة إشارة إلى أن المقصود من مجموع أجزاء المركب التمثيلي هنا هو البلوغ إلى إيضاح أن الهيئة المشبه بها قد بلغت حد المضاعفة لوسائل الإنارة إذ تظاهرت فيها المشكاة والمصباح والزجاج الخالص والزيت الصافي، فالمصباح إذا كان في مشكاة كان شعاعه منحصراً فيها غير منتشر فكان أشد إضاءة لها مما لو كان في بيت، وإذا كان موضوعاً في زجاجة صافية تضاعف نوره، وإذا كان زيته نقياً صافياً كان أشد إسراجاً، فحصل تمثيل حال الدين أو الكتاب المنزل من الله في بيانه وسرعة فشوه في الناس بحال انبثاق نور المصباح وانتشاره فيما حف به من أسباب قوة شعاعه وانتشاره في الجهة المضاءة به.

فقوله: ﴿ نور ﴾ خبر مبتدأ محذوف دل عليه قوله: ﴿ مثل نوره كمشكاة ﴾ إلى آخره، أي هذا المذكور الذي مثل به الحق هو نور على نور.

و ﴿ على ﴾ للاستعلاء المجازي وهو التظاهر والتعاون.

والمعنى: أنه نور مكرر مضاعف.

وقد أشرت آنفاً إلى أن هذا التمثيل قابل لتفريق التشبيه في جميع أجزاء ركني التمثيل بأن يكون كل جزء من أجزاء الهيئة المشبهة مشابهاً لجزء من الهيئة المشبه بها وذلك أعلى التمثيل.

فالمشكاة يشبهها ما في الإرشاد الإلهي من انضباط اليقين وإحاطة الدلالة بالمدلولات دون تردد ولا انثلام.

وحفظ المصباح من الانطفاء مع ما يحيط بالقرآن من حفظه من الله بقوله: ﴿ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ﴾ [الحجر: 9].

ومعاني هداية إرشاد الإسلام تشبه المصباح في التبصير والإيضاح، وتبيينُ الحقائق من ذلك الإرشاد.

وسلامته من أن يطرقه الشك واللبس يشبه الزجاجة في تجلية حال ما تحتوي عليه كما قال: ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ﴾ [النور: 34].

والوحي الذي أبلغ الله به حقائق الديانة من القرآن والسنة يشبه الشجرة المباركة التي تعطي ثمرة يستخرج منها دلائل الإرشاد.

وسماحة الإسلام وانتفاء الحرج عنه يشبه توسط الشجرة بين طرفي الأفق فهو وسط بين الشدة المحرجة وبين اللين المفرِّط.

ودوام ذلك الإرشاد وتجدده يشبه الإيقاد.

وتعليم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ببيان القرآن وتشريع الأحكام يشبه الزيت الصافي الذي حصلت به البصيرة وهو مع ذلك بيّن قريب التناول يكاد لا يحتاج إلى إلحاح المعلم.

وانتصاب النبي عليه الصلاة والسلام للتعليم يشبه مس النار للسراج وهذا يومئ إلى استمرار هذا الإرشاد.

كما أن قوله: ﴿ من شجرة ﴾ يوميء إلى الحاجة إلى اجتهاد علماء الدين في استخراج إرشاده على مرور الأزمنة لأن استخراج الزيت من ثمر الشجرة يتوقف على اعتصار الثمرة وهو الاستنباط.

﴿ يَهْدِى الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الامثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَئ عَلَيِمٌ ﴾ .

هذه الجمل الثلاث معترضة أو تذييل للتمثيل.

والمعنى: دفع التعجب من عدم اهتداء كثير من الناس بالنور الذي أنزله الله وهو القرآن والإسلام فإن الله إذا لم يشأ هَدْيَ أحد خلقه وجبله على العناد والكفر.

وأن الله يضرب الأمثال للناس مرجوّا منهم التذكرُ بها: فمنهم من يعتبر بها فيهتدي، ومنهم من يعرض فيستمر على ضلاله ولكن شأن تلك الأمثال أن يهتدي بها غير من طُبع على قلبه.

وجملة: ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ تذييل لمضمون الجملتين قبلها، أي لا يعزب عن علمه شيء.

ومن ذلك علم من هو قابل للهدى ومن هو مصرّ على غيّه.

وهذا تعريض بالوعد للأولين والوعيد للآخرين.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَعْناهُ اللَّهُ هادِي السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ.

الثّانِي: اللَّهُ مُدَبِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: اللَّهُ ضِياءُ السَّماواتِ والأرْضِ، قالَهُ أُبَيٌّ.

الرّابِعُ: مُنَوِّرُ السَّماواتِ والأرْضِ.

فَعَلى هَذا فَبِما نَوَّرَهُما بِهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: اللَّهُ نَوَّرَ السَّماواتِ بِالمَلائِكَةِ ونَوَّرَ الأرْضَ بِالأنْبِياءِ.

الثّانِي: أنَّهُ نَوَّرَ السَّماواتِ بِالهَيْبَةِ ونَوَّرَ الأرْضَ بِالقُدْرَةِ.

الثّالِثُ: نَوَّرَهُما بِشَمْسِها وقَمَرِها ونُجُومِها، قالَهُ الحَسَنُ، وأبُو العالِيَةِ.

﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ  ، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ.

الثّالِثُ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، قالَهُ أُبَيٌّ.

الرّابِعُ: مَثَلُ نُورِ القُرْآنِ، قالَهُ سُفْيانُ.

فَمَن قالَ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ، يَعْنِي في قَلْبِ نَفْسِهِ، ومَن قالَ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ، يَعْنِي في قَلْبِ المُؤْمِنِ، ومَن قالَ: نُورُ القُرْآنِ، يَعْنِي في قَلْبِ مُحَمَّدٍ.

وَمَن قالَ: نُورُ اللَّهِ، فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: في قَلْبِ مُحَمَّدٍ.

الثّانِي: في قَلْبِ المُؤْمِنِ.

﴿ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ المِشْكاةَ كُوَّةٌ لا مَنفَذَ لَها والمِصْباحَ السِّراجُ، قالَهُ كَعْبِ الأحْبارَ.

الثّانِي: المِشْكاةُ القِنْدِيلُ والمِصْباحُ الفَتِيلَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: المِشْكاةُ مَوْضِعُ الفَتِيلَةِ مِنَ القِنْدِيلِ الَّذِي هو كالأُنْبُوبِ، والمِصْباحُ الضَّوْءُ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الرّابِعُ: المِشْكاةُ الحَدِيدُ الَّذِي بِهِ القِنْدِيلُ وهي الَّتِي تُسَمّى السِّلْسِلَةَ والمِصْباحُ هو القِنْدِيلُ، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

الخامِسُ: أنَّ المِشْكاةَ صَدْرُ المُؤْمِنِ والمِصْباحَ القُرْآنُ الَّذِي فِيهِ والزُّجاجَةَ قَلْبُهُ، قالَهُ أُبَيٌّ، قالَ الكَلْبِيُّ: والمِشْكاةُ لَفْظٌ حَبَشِيٌّ مُعَرَّبٌ.

﴿ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي أنَّ نارَ المِصْباحِ في زُجاجَةِ القِنْدِيلِ لِأنَّهُ فِيها أضْوَأُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

الثّانِي: أنَّ المِصْباحَ القُرْآنُ والإيمانُ، والزُّجاجَةَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، قالَهُ أُبَيٌّ.

﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أمّا الكَوْكَبُ فَفِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الزُّهْرَةُ خاصَّةً، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّانِي: أنَّهُ أحَدُ الكَواكِبِ المُضِيئَةِ مِن غَيْرِ تَعْيِينٍ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

وَأما دُرِّيٌّ فَفِيهِ أرْبَعُ قِراءاتٍ: إحْداها: دُرِّيٌّ بِضَمِّ الدّالِ وتَرْكِ الهَمْزِ وهي قِراءَةُ نافِعٍ وتَأْوِيلُها أنَّهُ مُضِيءٌ يُشْبِهُ الدُّرَّ لِضِيائِهِ ونَقائِهِ.

الثّانِيَةُ: بِالضَّمِّ والهَمْزِ وهي قِراءَةُ عاصِمٍ في رِوايَةِ أبِي بَكْرٍ وتَأْوِيلُها أنَّهُ مُضِيءٌ.

الثّالِثَةُ: بِكَسْرِ الدّالِ وبِالهَمْزِ وهي قِراءَةُ أبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ وتَأْوِيلُها أنَّهُ مُتَدافِعٌ لِأنَّهُ بِالتَّدافُعِ يَصِيرُ مُنْقَضًا فَيَكُونُ أقْوى لِضَوْئِهِ، مَأْخُوذٌ مِن دَرَأ أيْ دَفَعَ يَدْفَعُ.

الرّابِعَةُ: بِالكَسْرِ وتَرْكِ الهَمْزِ وهي قِراءَةُ المُفَضَّلِ بْنِ عاصِمٍ، وتَأْوِيلُها أنَّهُ جارٍ كالنُّجُومِ الدَّرارِيِّ الجارِيَةِ مِن دَرَّ الوادِي إذا جَرى.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي بِالشَّجَرَةِ المُبارَكَةِ إبْراهِيمَ والزُّجاجَةُ الَّتِي كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ مُحَمَّدٌ  ، وهو مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

الثّانِي: أنَّهُ صِفَةٌ لِضِياءِ المِصْباحِ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ مَثَلًا يَعْنِي أنَّ المِصْباحَ يُشْعَلُ مِن دُهْنِ شَجَرَةٍ زَيْتُونَةٍ.

﴿ مُبارَكَةٍ ﴾ في جَعْلِها مُبارَكَةً وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّ اللَّهَ بارَكَ في زَيْتُونِ الشّامِ فَهو أبْرَكُ مِن غَيْرِهِ.

الثّانِي: لِأنَّ الزَّيْتُونَ يُورِقُ غُصْنُهُ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ ولَيْسَ لَهُ في الشَّجَرِ مَثِيلٌ إلّا الرُّمّانَ.

قالَ الشّاعِرُ: بُورِكَ المَيْتُ الغَرِيبُ كَما بُو رِكَ نَضْرُ الرُّمّانِ والزَّيْتُونِ ﴿ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ ﴾ فِيهِ سَبْعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها لَيْسَتْ مِن شَجَرَةِ الشَّرْقِ دُونَ الغَرْبِ ولا مِن شَجَرَةِ الغَرْبِ دُونَ الشَّرْقِ لِأنَّ ما اخْتُصَّ بِأحَدِ الجِهَتَيْنِ أقَلُّ زَيْتًا وأضْعَفُ، ولَكِنَّها شَجَرُ ما بَيْنَ الشَّرْقِ والغَرْبِ كالشّامِ لِاجْتِماعِ القُوَّتَيْنِ فِيهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ شَجَرَةَ وحُكِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ.

وَمِنهُ قَوْلُهم: لا خَيْرَ في المَتْقاةِ والمَضْحاةِ، فالمَتْقاةُ أسْفَلَ الوادِي الَّذِي لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، والمَضْحاةُ رَأْسُ الجَبَلِ الَّذِي لا تَزُولُ عَنْهُ الشَّمْسُ.

الثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ بِشَرْقِيَّةٍ تُسْتَرُ عَنِ الشَّمْسِ في وقْتِ الغُرُوبِ ولا بِغَرْبِيَّةِ تُسْتَرُ عَنِ الشَّمْسِ وقْتَ الطُّلُوعِ بَلْ هي بارِزَةٌ لِلشَّمْسِ مِن وقْتِ الطُّلُوعِ إلى وقْتِ الغُرُوبِ فَيَكُونُ زَيْتُها أقْوى وأضْوَأ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّها وسَطَ الشَّجَرَةِ لا تَنالُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ وذَلِكَ أضْوَأُ لِزَيْتِها، قالَهُ عَطِيَّةُ.

الرّابِعُ: أنَّها لَيْسَ في شَجَرِ الشَّرْقِ ولا في شَجَرِ الغَرْبِ مِثْلُها، حَكاهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الخامِسُ: أنَّها لَيْسَتْ مَن شَجَرِ الدُّنْيا الَّتِي تَكُونُ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً، وإنَّما هي مَن شَجَرَ الجَنَّةِ، قالَهُ الحَسَنُ.

السّادِسُ: أنَّها مُؤْمِنَةٌ لا شَرْقِيَّةٌ ولا غَرْبِيَّةٌ، أيْ لَيْسَتْ بِنَصْرانِيَّةٍ تُصَلِّي إلى الشَّرْقِ، ولا غَرْبِيَّةٍ أيْ لَيْسَتْ بِيَهُودِيَّةٍ تُصَلِّي إلى الغَرْبِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

السّابِعُ: أنَّ الإيمانَ لَيْسَ بِشَدِيدٍ ولا لَيِّنٍ لِأنَّ في أهْلِ الشَّرْقِ شِدَّةً، وفي أهْلِ الغَرْبِ لِينٌ.

﴿ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ صَفاءَ زَيْتِها كَضَوْءِ النّارِ وإنْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّ قَلْبَ المُؤْمِنِ يَكادُ أنْ يَعْرِفَ الحَقَّ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ لِمُوافَقَتِهِ لَهُ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّالِثُ: يَكادُ العِلْمُ يَفِيضُ مِن فَمِ العالِمِ المُؤْمِنِ مِن قَبْلِ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ.

الرّابِعُ: تَكادُ أعْلامُ النُّبُوَّةِ تَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ  قَبْلَ أنْ يَدْعُوَ إلَيْها.

﴿ نُورٌ عَلى نُورٍ ﴾ فِيهِ سِتَّةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي ضَوْءَ النّارِ عَلى ضَوْءِ الزَّيْتِ عَلى ضَوْءِ الزُّجاجَةِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّانِي: نُورُ النُّبُوَّةِ عَلى نُورِ الحِكْمَةِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: نُورُ الزُّجاجَةِ عَلى نُورِ الخَوْفِ.

الرّابِعُ: نُورُ الإيمانِ عَلى نُورِ العَمَلِ.

الخامِسُ: نُورُ المُؤْمِنِ فَهو حُجَّةُ اللَّهِ، يَتْلُوهُ مُؤْمِنٌ فَهو حُجَّةُ اللَّهِ حَتّى لا تَخْلُوَ الأرْضُ مِنهم.

السّادِسُ: نُورُ نَبِيٍّ مِن نَسْلِ نَبِيٍّ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَهْدِي اللَّهُ لِدِينِهِ مَن يَشاءُ مِن أوْلِيائِهِ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: يَهْدِي اللَّهُ لِدَلائِلِ هِدايَتِهِ مَن يَشاءُ مِن أهْلِ طاعَتِهِ.

الثّالِثُ: يَهْدِي اللَّهُ لِنُبُوَّتِهِ مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ.

﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ لِلنّاسِ ﴾ الآيَةَ.

وَفِيما ضَرَبَتْ هَذِهِ الآيَةُ مَثَلًا فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ في وُضُوحِ الحَقِّ لَهُ.

الثّانِي: أنَّها مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ فَسَمّى الطّاعَةَ نُورًا لِتَجاوُزِها عَنْ مَحَلِّها.

الثّالِثُ: ما حَكاهُ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ اليَهُودَ قالُوا: يا مُحَمَّدُ كَيْفَ يَخْلُصُ نُورُ اللَّهِ مِن دُونِ السَّماءِ، فَضَرَبَ اللَّهُ ذَلِكَ مَثَلًا لِنُورِهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تهجد في الليل يدعو «اللهم لك الحمد أنت رب السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد، أنت قيام السموات والأرض ومن فيهن أنت الحق، وقولك حق، ووعدك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت» .

وأخرج أبو داود والنسائي والبيهقي عن زيد بن أرقم قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دبر صلاة الغداة وفي دبر الصلاة «اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد بأنك أنت الرب وحدك لا شريك لك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن محمداً عبدك ورسولك، اللهم ربنا ورب كل شيء أنا شهيد أن العباد كلهم إخوة، اللهم ربنا ورب كل شيء إجعلني مخلصاً لك وأهلي في كل ساعة في الدنيا والآخرة، ذا الجلال والإِكرام اسمع واستجب، الله أكبر الله أكبر نور السموات والأرض، الله أكبر الله أكبر حسبي الله ونعم الوكيل، الله أكبر الله أكبر» .

وأخرج الطبراني عن سعيد بن جبير قال: كان ابن عباس يقول: اللهم إني أسألك بنور وجهك الذي أشرقت له السموات والأرض أن تجعلني في حرزك وحفظك وجوارك وتحت كنفك.

وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ يدبر الأمر فيهما.

نجومهما، وشمسهما، وقمرهما.

وأخرج الفريابي عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره ﴾ الذي أعطاه المؤمن ﴿ كمشكاة ﴾ مثل الكوّة ﴿ فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ في سفح جبل لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ فذلك مثل قلب المؤمن نور على نور ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ﴾ قال: أعمال الكفار إذا جاؤوا رأوها مثل السراب إذا أتاه الرجل قد احتاج إلى الماء فأتاه فلم يجد شيئاً.

فذلك مثل عمل الكافر يرى أن له ثواباً وليس له ثواب ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ إلى قوله: ﴿ لم يكد يراها ﴾ فذلك مثل قلب الكافر ظلمة فوق ظلمة.

وأخرج عبد بن حميد وابن الأنباري في المصاحف عن الشعبي قال: في قراءة أبي بن كعب ﴿ مثل نور المؤمن كمشكاة ﴾ .

وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن عباس في قوله: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ يقول: مثل نور من آمن بالله كمشكاة قال: وهي النقرة يعني الكوّة.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ مثل نوره ﴾ قال: هي خطأ من الكاتب.

هو أعظم من أن يكون نوره مثل نور المشكاة قال: مثل نور المؤمن كمشكاة.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات من طريق علي عن ابن عباس ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ قال: هادي أهل السموات وأهل الأرض ﴿ مثل نوره ﴾ مثل هداه في قلب المؤمن ﴿ كمشكاة ﴾ يقول: موضع الفتيلة يقول: كما يكاد الزيت الصافي يضيء قبل أن تمسه النار إذا مسته النار ازداد ضوأً على ضوئه، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا أتاه العلم ازداد على هدى ونوراً على نور.

وأخرج أبو عبيد وابن المنذر عن أبي العالية قال: هي في قراءة أبي بن كعب مثل نور من آمن به.

أو قال مثل من آمن به.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم وصححه عن أُبي بن كعب ﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره ﴾ قال: هو المؤمن الذي جعل الإِيمان والقرآن في صدره، فضرب الله مثله فقال: ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال: مثل نور من آمن به فكان أُبي بن كعب يقرؤها: مثل نور من آمن به فهو المؤمن جعل الإِيمان والقرآن في صدره ﴿ كمشكاة ﴾ قال: فصدر المؤمن المشكاة ﴿ فيها مصباح ﴾ والمصباح: النور، وهو القرآن، والإِيمان الذي جعل في صدره ﴿ في زجاجة ﴾ والزجاجة: قلبه.

﴿ كأنها كوكب دري ﴾ فقلبه مما استنار فيه القرآن والإِيمان كأنه كوكب دري يقول: كوكب مضيء.

﴿ توقد من شجرة مباركة ﴾ والشجرة المباركة: أصل المبارك الإِخلاص لله وحده.

وعبادته لا شريك له.

﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: فمثله كمثل شجرة التف بها الشجر، فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حالة كانت، لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصله شيء من الفتن، وقد ابتلي بها فثبته الله فيها، فهو بين اربع خلال.

إن قال صدق، وإن حكم عدل، وأن أعطى شكر، وإن ابتلى صبر.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي، يمشي بين قبور الأموات ﴿ نور على نور ﴾ فهو يتقلب في خمسة من النور.

فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة.

ثم ضرب مثل الكافر فقال: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب...

﴾ قال: وكذلك الكافر يجيء يوم القيامة وهو يحسب أن له عند الله خيراً فلا يجده، ويدخله الله النار قال: وضرب مثلاً آخر للكافر فقال: ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات إلى النار.

فكذلك ميت الأحياء يمشي في الناس لا يدري ماذا له وماذا عليه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن اليهود قالوا لمحمد: كيف يخلص نور الله من دون السماء؟

فضرب الله مثل ذلك لنوره فقال: ﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة ﴾ والمشكاة: كوة البيت.

﴿ فيها مصباح ﴾ وهو السراج يكون في الزجاجة.

وهو مثل ضربه الله لطاعته، فسمى طاعته نوراً، ثم سماها أنواعاً شتى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: هي وسط الشجرة لا تنالها الشمس إذا طلعت ولا إذا غربت وذلك لوجود الزيت ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ يقول: بغير نار ﴿ نور على نور ﴾ يعني بذلك إيمان العبد وعمله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ هو مثل المؤمن.

وأخرج الطبراني وابن عدي وابن مردويه وابن عساكر عن ابن عمر رضي الله عنه في قوله: ﴿ كمشكاة فيها مصباح ﴾ قال: المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم.

والزجاجة: قلبه.

والمصباح: النور الذي في قلبه.

﴿ توقد من شجرة مباركة ﴾ الشجرة: إبراهيم.

﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ لا يهودية ولا نصرانية ثم قرأ ﴿ ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين ﴾ [ آل عمران: 67] .

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس رضي الله عنهما إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله: ﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره ﴾ قال: مثل نور محمد صلى الله عليه وسلم كمشكاة قال: المشكاة الكوة: ضربها مثلاً لفمه ﴿ فيها مصباح ﴾ والمصباح: قلبه.

﴿ في زجاجة ﴾ والزجاجة: صدره.

﴿ كأنها كوكب دري ﴾ شبه صدر محمد صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري، ثم رجع إلى المصباح.

إلى قلبه فقال: توقد من شجرة مباركة زيتونة يكاد زيتها يضيء قال: يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس ولو لم يتكلم أنه نبي، كما يكاد ذلك الزيت أنه يضيء ولو لم تمسسه نار.

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ الله نور السماوات والأرض ﴾ قال: الله هادي أهل السموات والأرض ﴿ مثل نوره ﴾ يا محمد في قلبك كمثل هذا المصباح في هذه المشكاة، فكما هذا المصباح في هذه المشكاة كذلك فؤادك في قلبك.

وشبه قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكوكب الدري الذي لا يخبو ﴿ توقد من شجرة مباركة زيتونة ﴾ تأخذ دينك عن إبراهيم عليه السلام.

وهي الزيتونة ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ ليس بنصراني فيصلي نحو المشرق، ولا يهودي فيصلي نحو المغرب ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ فيقول: يكاد محمد ينطق بالحكمة قبل أن يوحى إليه بالنور الذي جعل الله في قلبه.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ مثل نوره ﴾ قال: محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ قال: يكاد من رأى محمداً صلى الله عليه وسلم يعلم أنه رسول الله وإن لم يتكلم.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة رضي الله عنه ﴿ الله نور السماوات والأرض مثل نوره ﴾ قال: مثل نور المؤمن.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن الحسن رضي الله عنه ﴿ مثل نوره ﴾ قال: مثل هذا القرآن في القلب ﴿ كمشكاة ﴾ قال: ككوة.

وأخرج ابن جرير عن أنس رضي الله عنه قال: إن إلهي يقول: «إن نوري هداي» .

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ﴿ كمشكاة ﴾ قال: هي موضع الفتيلة من القنديل.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ كمشكاة ﴾ قال: ككوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنه قال: ﴿ كمشكاة ﴾ الكوة.

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ﴿ المشكاة ﴾ بلسان الحبشة.

الكوة.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه قال: ﴿ المشكاة ﴾ الكوة بلغة الحبشة.

وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن عياض ﴿ كمشكاة ﴾ قال: ككوة بلسان الحبشة.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير ﴿ كمشكاة ﴾ قال: الكوة التي ليست بنافذة.

وأخرج عبد بن حميد عن الضحاك.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي مالك قال: ﴿ المشكاة ﴾ الكوة التي ليس لها منفذ ﴿ والمصباح ﴾ السراج.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة رضي الله عنه ﴿ مثل نوره ﴾ قال: مثل نور الله في قلب المؤمن ﴿ كمشكاة ﴾ قال: الكوة ﴿ كأنها كوكب دري ﴾ قال: منير يضيء ﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: لا يفي عليها ظل شرقي ولا غربي كنا نتحدث انها صاحبة الشمس.

وهو أصفى الزيت، وأطيبه، وأعذبه، هذا مثل ضربه الله للقرآن أي قد جاءكم من الله نور وهدى متظاهر أن المؤمن يسمع كتاب الله.

فوعاه، وحفظه، وانتفع بما فيه، وعمل به، فهذا مثل المؤمن.

وأخرج عبد بن الحميد وابن جرير عن مجاهد رضي الله عنه ﴿ كمشكاة ﴾ قال: الصفر الذي في جوف القنديل ﴿ فيها مصباح ﴾ قال: السراج ﴿ في زجاجة ﴾ قال: القنديل ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: هي الشمس من حين تطلع إلى أن تغرب ليس لها ظل، وذلك أضوأ لزيتها، وأحسن له، وأنور له ﴿ نور على نور ﴾ قال: النار على الزيت جاورته.

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿ كأنها كوكب دري ﴾ قال: يعني الزهرة.

ضرب الله مثل المؤمن مثل ذلك النور يقول: قلبه نور، وجوفه نور، ويمشي في نور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة رضي الله عنه ﴿ كوكب دري ﴾ قال: ضخم.

وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ زيتونة لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: قلب إبراهيم لا يهودي ولا نصراني.

وأخرج الفريابي وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: شجرة لا يظلها كهف ولا جبل، ولا يواريها شيء، وهو، أجود لزيتها.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك رضي الله عنه ومحمد بن سيرين.

مثله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: ليست شرقية ليس فيها غرب، ولا غربية ليس فيها شرق، ولكنها شرقية غربية.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رضي الله عنه في قوله: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: هي في وسط الشجر لا تصيبها الشمس في شرق ولا غرب، وهي من وجوه الشجر.

وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك ومحمد بن كعب.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن رضي الله عنه قال: لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية.

ولكنه مثل ضربه الله لنوره.

وأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ توقد من شجرة مباركة ﴾ قال: رجل صالح ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ قال: لا يهودي ولا نصراني.

وأخرج عبد بن حميد في مسنده والترمذي وابن ماجة عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة» .

وأخرج الحاكم وصححه والبيهقي في الشعب عن أبي أسيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن عائشة رضي الله عنها «أنها ذكر عندها الزيت فقالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يؤكل، ويدهن، ويستعط به، ويقول إنه من شجرة مباركة» .

وأخرج الطبراني عن شريك بن سلمة قال: ضفت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة، فأطعمني كسوراً من رأس بعير بارد، وأطعمنا زيتاً.

وقال: هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه.

وأخرج عبد بن الحميد عن عكرمة ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ يقول: من شدة النور.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد قال الضوء إشراق الزيت.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي رضي الله عنه ﴿ نور على نور ﴾ قال: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا.

وكذلك نور القرآن ونور الإِيمان.

وأخرج ابن مردويه عن أبي العالية ﴿ نور على نور ﴾ قال: أتى نور الله تعالى على نور محمد.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

وقوله تعالى ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ معنى النور في اللغة: الضياء (١) (٢) قال ابن عباس في رواية عطاء: الله هادي أهل السموات وأهل الأرض (٣) .

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

.

وهذا قول مقاتل (٤) (٥)  -.

والنور من صفات الله جل ثناؤه ورد ذلك في الأسماء التسعة والتسعين (٦) وفسّره هؤلاء الذين ذكرناهم بالهادي، وحقيقته أن النَّور هو الذي يبيِّن الأشياء وُيري الأبصار حقيقتها (٧) (٨) وهذا معنى قول ابن قتيبة: أي: بنوره يهتدي من في السموات والأرض (٩) [وذكر السموات والأرض] (١٠) وقال مجاهد في هذه الآية: مدبّر الأمور في السموات والأرض (١١) واختار أبو إسحاق هذا القول فقال: أي مدبر أمرهما (١٢) (١٣) (١٤) (١٥) وقال الضحاك والقرظي (١٦) ففسر النور بالمنوّر وهذا (١٧) (١٨) (١٩) وعلى هذا الوجه يتوجّه أيضًا قول من قال: مُزيِّن السموات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء؛ لأنَّ معنى المزيّن هنا: المنوِّر.

وهذا القول يروى عن أبي بن كعب وأبي العالية (٢٠) (٢١) ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: مثل نوره الذي أعطاه المؤمن (٢٢) وعلى هذا القول الكناية عائدة إلى الله تعالى.

والمراد: مثل نوره الذي يقذفه في قلب المؤمن ويهديه به.

وروي عن أبي بن كعب أنه قال في هذه الآية: ثم ذكر نور المؤمن فقال ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يقول مثل نور المؤمن وكان أُبيّ يقرؤها (مثل نور المؤمن) قال: وهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره (٢٣) وهذا القول كما روى عطاء عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: مثل نور من آمن بالله (٢٤) وهذا قول عامر الشعبي (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٨) وهذا كقول الكلبي في عود الكناية إلى اسم الله تعالى.

وعلى القول الثاني عادت الكناية إلى غير مذكور وهو المؤمن (٢٩) قال الأخفش: مثل ما أنار من الحق في بيانه (٣٠) قوله ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال أبو عبيدة (٣١) (٣٢) (٣٣) وأنشد أبو عبيدة (٣٤) (٣٥) كأنَّ عينيه مشكاتان في حجر قيضا ...

اقتياضًا (٣٦) (٣٧) (٣٨) (٣٩) (٤٠) (٤١) قال ابن عباس في رواية عطاء وسليمان [بن قتَّة (٤٢) (٤٣) ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ يعني كُوَّة غير نافذة بلسان الحبش (٤٤) وهذا قول السدي، والكلبي، وقتادة (٤٥) (٤٦) قالوا: هي الكُوَّة غير النافذة كما قال أهل اللغة، غير أنَّ بعضهم ذكر أنها بلغة الحبشة.

وهو السُّدي، وعكرمة، والكلبي (٤٧) (٤٨) وذكر محمد بن كعب القرظي المراد بالمشكاة فقال: هي موضع الفتيلة من القنديل (٤٩) وذكره ابن أبي نجيح- عن مجاهد أيضًا فقال: هي القصبة التي في جوف القنديل (٥٠) قال الأزهري: شبّه الله سبحانه قصبة الزجاجة التي توضع فيها الفتيلة التي يستصبح (٥١) (٥٢) قوله ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ المصباح (٥٣) (٥٤) (٥٥) قال الليث: وهو قُرطه (٥٦) (٥٧) قال مقاتل: هو السراج التام الضوء (٥٨) قال أبو علي: قوله ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ صفة للمشكاة لأنها جملة فيها ذكر يعود إلى الموصوف (٥٩) وقوله ﴿ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ قال الفراء: اجتمع القراء على ضمّ الزاي (٦٠) (٦١) وروى أبو عبيد، عن الأموي (٦٢) (٦٣) (٦٤) والمراد بالزجاجة هاهنا القنديل (٦٥) قال أبو إسحاق: النور في الزّجاج.

وضوء النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد (٦٦) (٦٧) ثم وصف الزجاجة فقال: ﴿ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ ودُريّ (٦٨) (٦٩) قال أبو علي: ويجوز أن يكون فعيِّلًا من الدَّرء مخففة الهمزة انقلبت ياءً (٧٠) (٧١) (٧٢) قال أبو إسحاق: يقال للكوكب: درأ يدرأ إذا تدافع منقضًا، فتضاعف ضوؤه، وهي النجوم الدَّراري التي تدرأ.

أي: ينحطُّ ويسير متدافعًا (٧٣) وقال الفراء: درأ الكوكب إذ انحطّ كأنه رُجم به الشيطان فيدفعه (٧٤) (٧٥) وهذا أيضًا على تخفيف الهمز؛ لأن الأصل الهمز من الدَّرء وهو الدفع.

وذكرنا للدَّفع وجهين، أحدهما ذكره أبو إسحاق، والثاني ذكره الفراء.

وذكر أبو علي وجهًا ثالثًا فقال: المعنى أنَّ (٧٦) (٧٧) (٧٨) (٧٩) [وقرأ أبو عمرو والكسائي: (درّيء) مكسورة الدال مهموزة (٨٠) (٨١) (٨٢) (٨٣) قال سيبويه: (درّي) بكسر الدال إذا كان مضيئًا فهو مشتق من درأ يدرأ إذا (٨٤) (٨٥) وقال ابن الأعرابي: درأ علينا فلان، أي: هجم.

قال: والدِّرِّئ: الكوكب المنقض يدرأ على الشيطان (٨٦) وقال خالد بن يزيد: درأ علينا فلان وطرأ إذا طلع فجأةً، ودرأ الكوكب دروءًا من ذلك (٨٧) وقال نُصير الرازي: دُرُوء الكوكب طلوعه، يقال: درأ علينا (٨٨) وهذا القول في الكوكب الدّرّي غير الأوّل.

وقال شمر: يقال: درأت النار إذا أضاءت (٨٩) وقرأ حمزة (دُرِّيء) بضم الدال مهموزًا (٩٠) قال الفراء: ولا تُعرف [جهة] (٩١) (٩٢) وقال أبو إسحاق: لا يجوز أن يُضم الدال وُيهمز؛ لأنَّه ليس في الكلام فعيِّل، [والنحويون أجمعون لا يعرفون الوجه في هذا؛ لأنَّه ليس في كلام العرب شيء على فعيِّل] (٩٣) (٩٤) وحكى أبو بكر، عن أبي العباس (٩٥) (٩٦) قال أبو علي: وجه هذه القراءة معروف، وهو أنَّه (فُعيِّل) من الدرء الذي هو الدفع، وهو صفة، ونظيره من الأسماء غير الصفة قولهم: المرِّيق (٩٧) [قال سيبويه] (٩٨) (٩٩) (١٠٠) (١٠١) (١٠٢) (١٠٣) (١٠٤) (١٠٥) (١٠٦) (١٠٧) (١٠٨) فكما (١٠٩) (١١٠) (١١١) (١١٢) (١١٣) (١١٤) (١١٥) (١١٦) (١١٧) (١١٨) (١١٩) (١٢٠) (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) أحدهما: أن يكون فعلية (١٢٤) (١٢٥) (١٢٦) (١٢٧) قال: ولا يكون فعيِّلة (١٢٨) هذا الذي حكينا كلامه ذكر بعضه في كتاب "إصلاح الإغفال" (١٢٩) (١٣٠) وذكر أبو عبيد لهذه القراءة وجهاً آخر فقال: كان في الأصل دروء على فعول ثم استثقلت الضمات المجتمعة فرد بعضها إلى الكسر فقيل: درِّئ، وقد وجدنا العرب تفعل هذا في فعول وهو أخف من الأول، كقراءة من قرأ: (عِتيا) [مريم: 8] بالكسر، فإذا كان التحريك ممكنًا في المثال الأخف فهو في الثقيل أحرى وأمكن (١٣١) وحكى أبو إسحاق في هذا الحرف قراءة شاذة وهي (درّي) بالفتح من غير همز (١٣٢) قال أبو علي: ولا يكون ذلك إلا على تغيير النسب، ألا ترى أنه ليس في الكلام شيء على فعيل إلا ما حكاه أبو زيد أن بعضهم قال: عليكم بالسَّكِّينة في السَّكِينة، وذلك نادر فإذا كان كذلك علمت أنه مثل قولهم في الإضافة إلى أمية: أموي (١٣٣) قوله (يُوقَدُ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو (١٣٤) (١٣٥) سَمَوت إليها والنُّجوم كأنَّها ...

مصابيح رهبان تُشبُّ لقفَّال (١٣٦) (١٣٧) وقرئ (تُوقدُ) (١٣٨) (١٣٩) وقرئ (توقَّدُ) بفتح التاء (١٤٠) (١٤١) وهذا أيضًا على حمل الكلام على الزجاجة والمعنى (تتوقَّد) فحذف التَّاء الثانية (١٤٢) وقوله تعالى ﴿ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ قال أبو علي: أي من زيت شجرة، فحذف المضاف، يدلّك (١٤٣) ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾ (١٤٤) روى أبو أسيد (١٤٥)  - أنه قال: "كلوا الزَّيت (١٤٦) (١٤٧) (١٤٨) وروى عبد الله بن جراد (١٤٩)  - قال: "اللهم بارك في الزيت والزيتون، اللهم بارك في الزيت والزيتون" (١٥٠) ومن البركة في الزيت والزيتون (١٥١) (١٥٢) (١٥٣) (١٥٤) (١٥٥) ومن بركتها أنها أول شجرة نبتت بعد الطوفان، وهي تنبت في منازل الأنبياء والمرسلين والأرض المقدسة، ودعا لها سبعون نبيًا بالبركة منهم إبراهيم الخليل (١٥٦)  (١٥٧)  - كما ذكرنا.

وذكر الزجاج من بركتها أنَّ أغصانها تكون مورقة من أسفلها إلى أعلاها، وليس في الشجر شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمّان (١٥٨) وكذلك قال أبو طالب في بعض القرشيين (١٥٩) (١٦٠) بُورك الميت الغريب كما بورك ...

نضر (١٦١) (١٦٢) (١٦٣) (١٦٤) وقوله ﴿ زَيْتُونَةٍ ﴾ بدل من قوله ﴿ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ (١٦٥) وخص الزيتونة من بين سائر الأشجار؛ لأن دهنها أضوى وأصفي (١٦٦) قوله ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: هي شجرة بالصحراء (١٦٧) (١٦٨) وقال السدي: يقول: ليست بشرقيّة يحوزها المشرق دون المغرب، وليست (١٦٩) (١٧٠) وقال الكلبي: هي بفلاة (١٧١) (١٧٢) (١٧٣) وقال قتادة: هي شجرة لا يفي عليها ظل شرق ولا غرب (١٧٤) (١٧٥) (١٧٦) ونحو هذا قال عكرمة (١٧٧) (١٧٨) (١٧٩) (١٨٠) (١٨١) قال الفراء: الشَّرقية التي تأخذها الشمس إذا شرقت ولا تصبها [إذا غربت؛ لأن لها سترًا (١٨٢) (١٨٣) (١٨٤) ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ ﴾ وحدها ﴿ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ وحدها ولكنها شرقية غربية، وهو (١٨٥) (١٨٦) ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (١٨٧) قال الفرزدق: بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ...

ولم يكثر (١٨٨) (١٨٩) (١٩٠) يعني: شاموا سيوفهم وأكثروا بها من القتلى.

وقال الزجاج: أي تصيبها الشمس بالغداة والعشي فهو أنضر لها وأجود لزيتها وزيتونها (١٩١) وفسر قوله ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ بضد التفسير الذي ذكرنا: قال أبو مالك في قوله ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ : هي شجرة بين (١٩٢) (١٩٣) وهذا قول أبي روق، والضحاك (١٩٤) (١٩٥) قال سعيد: وذاك أجود ما يكون من الزيت (١٩٦) وهذا القول يروى عن أبيّ بن كعب رحمه الله قال: هي شجرة التفَّ بها الشجر (١٩٧) (١٩٨) وروى الربيع بن أنس (١٩٩) (٢٠٠) ونحو هذا قال الحسن: ليست هذه الشجرة من شجر الدنيا، ولو كانت في الأرض لكانت شرقية أو غربية، وإنَّما هو مثل ضربه الله -عز وجل- (٢٠١) وقال ابن زيد: يعني أنها شامية؛ لأنَّ الشَّام لا شرقي ولا غربي (٢٠٢) والقول هو الأول.

قوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا ﴾ زيت الزيتونة يعني: الدهن ﴿ يُضِيءُ ﴾ المكان من ضيائه وصفائه (٢٠٣) ﴿ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ ولو لم تصبه النار.

واختلفوا في المراد بهذا المثل.

فروي عن أبي بن كعب أنه قال: هذا مثل لعبد قد جُعل الإيمان والقرآن في صدره، فالمشكاة: قلبه، والمصباح: هو الإيمان والقرآن، والزجاجة: صدره (٢٠٤) وهذا قول الكلبي، والسدي، وقتادة (٢٠٥) (٢٠٦) (٢٠٧) قال ابن عباس في قوله ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ : يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم، فإذا جاءه العلم ازداد هدى على هدى ونورًا على نور، كقول إبراهيم -  - قبل أن تجيئه المعرفة ﴿ هَذَا رَبِّي  ﴾ من غير أن أخبره (٢٠٨) (٢٠٩) (٢١٠) قوله تعالى: ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ قال مجاهد: النار على الزيت (٢١١) وقال الكلبي: المصباح نور، والقنديل نور (٢١٢) قال ابن عباس: وهو مثل لإيمان المؤمن وعمله (٢١٣) وقال الحسن: يعني أن القرآن نور من الله لخلقه مع ما قد (٢١٤) (٢١٥) وقال أُبي بن كعب: ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ يعني أن المؤمن يتقلَّب في خمسة من النور: فكلامه نور، وعمله نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة (٢١٦) وقال السدي: نور الإيمان ونور القرآن (٢١٧) وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يعني محمدًا -  - (٢١٨) قال أبو إسحاق: وذلك جائز أن يراد بالنور في قوله ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ محمد -  - لأنَّه هو المرشد والمبيّن والناقل عن الله -عز وجل- على ما هو نيّر بيّن (٢١٩) والمشكاة: قلبه، والمصباح: مثل لما في قلبه من الإيمان والنّور (٢٢٠) ﴿ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ يقول: استنار نور محمد -  - من نور إبراهيم  ؛ لأنَّه من ولده وعلى دينه ومنهاجه وسنّته، ويعني بالزيتونة حسن طاعة إبراهيم لله تعالى في دار الدنيا، ثم قال في صفة الزيتونة ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ يقول: إن إبراهيم -  - لم يكن يصلي (٢٢١) (٢٢٢) ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾ يقول: لو أنَّ إبراهيم لم يكن نبيًا لأعطاه الله بحسن (٢٢٣) ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ يقول: استنار نور محمد -  - من نور إبراهيم.

وهذا كلام ابن عباس في رواية عطاء (٢٢٤) ونحو هذا روي عن ابن عمر (٢٢٥) (٢٢٦) قال القرظي: المشكاة: إبراهيم، والزجاجة: إسماعيل، والمصباح: محمد -  -، والشجرة المباركة: إبراهيم؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، ﴿ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ ﴾ لم يكن يهوديًّا ولا نصرانيًّا.

وقوله ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ ﴾ يقول: تكاد محاسن محمد -  - تظهر للناس قبل أن يوحى (٢٢٧) ﴿ نُورٌ عَلَى نُورٍ ﴾ نبي مرسل من نسل نبي مرسل (٢٢٨) وقال مقاتل: شبه عبد المطلب بالمشكاة، وعبد الله بالزجاجة، والنبي محمد -  - بالمصباح، فورث النبوة من أبيه إبراهيم -  -، وهو قوله ﴿ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ ﴾ (٢٢٩) قوله تعالى: ﴿ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ قال ابن عباس: لدينه الإسلام (٢٣٠) وإن شئت قلت للقرآن، وإن شئت لمحمد -  - على اختلاف التفسير في قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ .

﴿ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ ويبيّن الله الأشباه للناس تقريبًا إلى الأفهام وتسهيلًا لسبل الإدراك (٢٣١) ﴿ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ .

(١) "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 230 (نار) نقلاً عن ابن المظفر.

(٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 234 (نار) نقلاً عن ابن السكيت.

وانظر: "الصحاح" للجوهري 2/ 838 (نور)، "لسان العرب" 5/ 240 (نور).

(٣) لم أجده من رواية عطاء.

لكن أخرج الطبري 18/ 135، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 44 ب من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: هادي أهل السموات والأرض.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 وزاد نسبته لابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".

قال الإمام ابن القيم في كتابه "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص 8 - 9: (وقد فُسِّر قوله تعالى ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ بكونه منوّر السموات والأرض، وهادي أهل السموات والأرض، فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض.

وهذا إنما هو فعله، وإلَّا فالنور الذي هو من أوصافه قائم منه، ومنه اشتق له اسم النور، الذي هو أحد أسمائه الحسنى.

والنور يضاف إليه سبحانه على أحد وجهين: إضافة صفة إلى موصوفها، وإضافة مفعول إلى فاعله.

فالأول كقوله: ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا  ﴾ .

فهذا إشراقها يوم القيامة بنوره تعالى إذا جاء لفصل القضاء، ومنه قول النبي -  - == في الدعاء المشهور: "أعوذ بنور وجهك الكريم أن تضلّني، لا إله إلا أنت"، وفي الأثر الآخر: "أعوذ بوجهك، أو بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات".

فأخبر -  - أن الظلمات أشرقت لنور وجه الله، كما أخبر تعالى أن الأرض تشرق يوم القيامة بنوره.

وفي معجم الطبراني والسنَّة له، وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السموات والأرض من نور وجهه.

وهذا الذي قاله ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أقرب إلى تفسير الآية من قول من فسرها بأنه هادي أهل السموات والأرض.

وأما من فسَّرها بأنه منور السموات والأرض فلا تنافي بينه وبين قول ابن مسعود.

والحق أنُّه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها.

وفي "صحيح مسلم" وغيره من حديث أبي موسى الأشعري -  - قال: قام فينا رسول الله -  - بخمس كلمات، فقال: "إنَّ الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النَّهار وعمل النَّهار قبل عمل الليل، حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه".

وفي "صحيح مسلم" عن أبي ذر -  - قال: سألت رسول الله -  -: هل رأيت ربك؟

قال: "نور، أنَّى أراه".

سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يقول: معناه: كان ثمَّ نور، أو حال دون رؤيته نور، فأنَّى أراه؟.

قال: ويدل عليه: أنَّ في بعض الألفاظ الصحيحة: هل رأيت ربك؟

قال: "رأيت نورًا" ..

ويدل على صحة ما قال شيخنا في معنى حديث أبي ذر -  -: قوله -  - في الحديث الآخر: "حجابه النور" فهذا النور -والله أعلم- النور المذكور في حديث أبى ذر -  -: "رأيت نورًا").

انتهى كلام ابن القيم رحمه الله.

ويبيَّن ما قاله ابن القيم من أنَّه نور السموات والأرض بهذه الاعتبارات كلها ما قاله العلامة الشيخ عبد الرحمن السعدي في "تفسيره" 3/ 401: "الله نور السموات والأرض" الحسي والمعنوي، وذلك أنه تعالى بذاته نور، وحجابه نور الذي لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، وبه استنار العرش = (٤) "تفسير مقاتل" 2/ 38 ب.

(٥) رواه الطبري 18/ 135 من طريق فرقد السجني، عنه قال: إن إلهي يقول: نوري هداي.

وإسناد ضعيف لضعف فرقد.

انظر: "المغني في الضعفاء" للذهبي 2/ 509 - 510، و"تهذيب التهذيب" لابن حجر 8/ 262 - 263.

(٦) روى الترمذي في "جامعه" كتاب: الدعوات 9/ 482 عن أبي هريرة -  -: قال: قال رسول الله -  -: "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الرحمن ..

النّور".

الحديث.

وحديث أبي هريرة رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الدعوات- باب: لله مائة اسم غير واحدة 11/ 214 وغيره دون سرد الأسماء.

وقد اختلف العلماء في سرد الأسماء هل هو مرفوع إلى النبي -  -، أو مدرج في الخبر من بعض الرواة.

قال الحافظ ابن كثير في "تفسيره" 2/ 269: والذي عوَّل عليه جماعة من الحفاظ أنَّ سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه.

كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد أنَّه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنَّهم قالوا ذلك، أي أنَّهم جمعوها من القرآن كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي، والله أعلم.

(٧) في "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 235 (نار): والنور هو الذي ..

حقيقتها.

(٨) تقدَّم أن النور صفة ذاتية له سبحانه كما دل على ذلك الكتاب والسنة.

(٩) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 328.

(١٠) ساقط من (أ).

(١١) رواه الطبري 18/ 135، وذكره الثعلبي 3/ 82 ب، والبغوي 6/ 45 وابن الجوزي 6/ 40، وابن كثير 3/ 289.

(١٢) في (ع): (أمرها).

(١٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 43.

(١٤) في (ع): (أمرها).

(١٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 43.

(١٦) ذكره عنهما الثعلبي 3/ 82 ب، والقرطبي 12/ 257.

وذكره البغوي 6/ 45 عن الضحَّاك.

(١٧) في (ع): (هذا).

(١٨) في (أ) زيادة: (كان) بعد قوله: (إذا).

(١٩) منه: ساقطة من (ع).

(٢٠) في (أ): (وأبو العالية).

(٢١) ذكره عنهم الثعلبي 3/ 82 ب، والبغوي 6/ 45، والرازي 23/ 224، والقرطبي 12/ 257.

(٢٢) ذكره عنه البغوي 6/ 45 من رواية سعيد بن جبير.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 196 وعزاه للفريابي.

وروى الطبري 18/ 137، وابن أبي حاتم 7/ 45 أمن رواية علي بن أبي طلحة، عنه، نحو هذا.

(٢٣) رواه الطبري 18/ 136، وابن أبي حاتم 7/ 44 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197، ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(٢٤) رواه ابن أبي حاتم 7/ 45 أ، والحاكم في "مستدركه" 2/ 397 من رواية عطاء، عن سعيد، عن ابن عباس، به.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 196 عن ابن عباس، وعزاه لمن تقدمت ترجمته.

(٢٥) في (ظ)، (ع): (والشعبي)، وهو خطأ.

(٢٦) روى عبد بن حميد وابن الأنباري كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 196 عن الشعبي قال: في قراءة أبي بن كعب: "مثل نور المؤمن كمشكاة".

(٢٧) ذكر البغوي 6/ 45 قراءة ابن مسعود دون قول السدي.

(٢٨) ساقط من (ظ)، (ع).

(٢٩) ذكر ابن القيم في "اجتماع الجيوش الإسلامية" ص 9 التقديرين في عود الكناية، وزاد ثالثًا -وهو ما سيذكره الواحدي فيما بعد- وهو أنَّ الضَّمير يعود لرسول الله -  -.

ثم قال: والصحيح أنَّه يعود على الله -سبحانه وتعالى-، والمعنى: مثل نور الله -سبحانه وتعالى- في قلب عبده، وأعظم عباده نصيبًا من هذا النور رسوله -  -.

فهذا مع ما تضمنَّه عود الضمير المذكور -وهو وجه الكلام- يتضمَّن التقادير الثلاثة وهو أتم لفظًا ومعنى.

== وهذا النُّور يضاف إلى الله تعالى إذ هو معطيه لعبده وواهبه إيّاه، ويضاف إلى العبد إذ هو محلّه وقابله.

فيضاف إلى الفاعل والقابل.

اهـ.

(٣٠) "معاني القرآن" للأخفش 2/ 641.

(٣١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 66.

(٣٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 252.

(٣٣) لم أجد قول الكسائي، فلعله في الكتاب الذي ذكره الأزهري في مقدمة كتابه "تهذيب اللغة" 2/ 16، حيث قال: وللكسائي كتاب في "معاني القرآن" حسن وهو دون كتاب الفراء، وكان أبو الفضل المنذري ناولني هذا الكتاب.

(٣٤) ليس إنشاد أبي عبيدة في كتابه "المجاز" عند هذه الآية ولا في موضع آخر من كتابه.

(٣٥) هو: حرملة بن المنذر، وقيل: المنذر بن حرملة، بن معد يكرب، أبو زبيد.

تقدم.

(٣٦) في (ع): اقتضاضًا.

(٣٧) البيت بهذه الرواية عند الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 83 ب، والقرطبي 12/ 257 - 258، ولم ينسباه لأحد.

وورد هذا البيت برواية أخرى لصدره منسوبًا لأبي زبيد في كتابي: "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 542، "الصناعتين" لأبي هلال العسكري ص 118.

ورواية ابن قتيبة: كأنَّما عينه وقبان من حجر ...

قيضا ...

ورواية العسكري: كأن عينيه في وقَبَين من حجرٍ ...

قيضا ...

وهو من قصيدة له يصف فيها الأسد.

والوَقْب: نُقرة يجتمع فيها الماء، وقيضا: حفرا.

والمناقير: جمع "منقار" وهو == حديدة كالفأس مشككة مستديرة لها خلف ويُقطع بها الحجار والأرض الصلبة.

انظر: "اللسان" 1/ 801 (وقب)، 7/ 225 (قيض)، و"تاج العروس" للزبيدي 14/ 274 (نقر).

(٣٨) في (ظ)، (ع): (أبو عمرو)، وهو خطأ.

وهو: أبو عمر الدُّوري -كما في "السَّبعة" لابن مجاهد، و"الحجة" للفارسي- واسمه حفص بن عمر بن عبد العزيز، الدُّوري، الأزدي، البغدادي، النحوي، صاحب الكسائي.

كان شيخ المقرئين في عصره.

وقد طال عمره وقصد من الآفاق؛ لعلو سنده وسعة علمه.

وكان عالمًا بالقرآن وتفسيره، ذا دين وخير.

ويقال إنه أول من جمع القراءات.

توفي سنة 246 هـ.

"تاريخ بغداد" 8/ 203، "معرفة القراء الكبار" 1/ 191، "غاية النهاية" 1/ 255، "تهذيب التهذيب" 2/ 408، "شذرات الذهب" 2/ 111.

(٣٩) انظر: "السبعة" ص 455، "المبسوط" لابن مهران ص 108، "إرشاد المبتدي وتذكرة المنتهي" للقلانسي ص 416.

(٤٠) في "الحجة": إذا ثَّنيت انقلبت ألفها ياءً.

(٤١) من قوله: (وروى أبو عمر ..

إلى هنا) هذا كلام أبي علي الفارسي و"الحجة" 5/ 322 مع اختلاف يسير.

(٤٢) (قتة) مهملة في (أ)، (ظ).

(٤٣) ساقط من (ع).

(٤٤) روى عبد بن حميد كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 199 عن ابن عباس قال: المشكاة بلسان الحبشة.

الكُوَّة.

(٤٥) لم أجد من ذكره عن السدي والكلبي، وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60.

(٤٦) نسبة المؤلف هذا القول إلى جميع المفسرين فيه تجوز.

إلَّا أن يريد أن جميع المفسرين قد حكي عنهم هذا القول، أو أنَّ قولهم يرجع إلى هذا القول، فمجاهد مثلاً -الذي سيحكي الواحدي عنه قولًا آخر- روى عنه ابن أبي حاتم 7/ 45 ب أنَّه قال: المشكاة الكوة بلغة الحبشة.

ومحمد بن كعب الذي سيذكره الواحدي بعد ذلك يرجع قوله إلى أنَّها كوة غير نافذة توضع فيها الفتيلة.

وهكذا.

فقد ذكر الطبري 18/ 137 - 138 فيها أقوالًا بعد قوله: اختلف أهل التأويل في معنى المشكاة.

وذكر ابن أبي حاتم 7/ 45 ب فيها وجوها.

وذكر فيها ابن الجوزي 6/ 40 ثلاثة أقوال، وحكى الماوردي في "النكت والعيون" 4/ 102 فيها خمسة أقوال: أحدها: ما ذكر المؤلف أن المشكاة كوَّة لا منفذ لها.

الثاني: المشكاة: القنديل.

الثالث: المشكاة: موضع الفتيلة من القنديل.

الرابع: المشكاة: الحديد الذي يعلّق به القنديل، وهي التي تُسمَّى السلسلة.

الخامس: المشكاة: صدر المؤمن.

وحكاية الماوردي للأخير محل نظر؛ لأن مراد قائل هذا القول بيان المثل وما يقابله لا بيان لفظة المشكاة.

وقد رجَّح ابن كثير 3/ 290 القول الثالث بعد أن حكاه عن ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد.

وقال: هذا هو المشهور.

(٤٧) ذكر عنه الماوردي 4/ 103 أنها لفظ حبشي معرب، ولم يذكر عنه معناها.

(٤٨) في (أ)، (ظ): (سعيد)، والمثبت من (ع)، و"صحيح البخاري"، وجميع كتب التراجم.

ووقع في المطبوع من الطبري و"الدر المنثور" و"المهذّب فيما وقع في == القرآن من المعرب: سعيد.

وهكذا وقع أيضًا في "مصنف ابن أبي شيبة" المطبوع وقد ذكر محققه أنه في الأصل وباقي النسخ: سعد.

فغيَّرها إلى سعيد تبعًا للطبرق و"الدر المنثور".

وهو: سعد بن عياض الثمالي - الأزدق - الكوفي - تابعي قليل الحديث.

قال البخاري: خرج فمات بأرض الروم.

انظر: "التاريخ الكبير" للبخاري" / 62 - "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم / 88 - 89 "الطبقات" لابن سعد 6/ 176 - " تهذيب التهذيب" لابن حجر 3/ 79".

وقوله رواه وكيع في "تفسيره" - كما في "المهذب فيما وقع في القرآن من المعرب" ص"1" وقد وقع فيه: سعيد عن عياض.

فتصحَّفت بن إلى: (عن -عن إسرائيل- عن أبي إسحاق- عن سعد بن عياض - به.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنَّفه" 10/ 70، عن وكيع - به.

ورواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التفسير - سورة النور 6/ 8، معلقًا.

ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 4/ 264 - و"الفتح" 7/ 8، من رواية ابن شاهين وأبي جعفر السراج في فوائده.

ورواه عن ابن عياض الطبري 18/ 139 دون قوله: بلسان الحبشة.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 200 وعزاه لابن أبي شيبة.

(٤٩) رواه ابن أبي حاتم في " تفسيره" 7/ ب.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 199 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر.

(٥٠) رواه الطبري 18/ 10 - وابن أبي حاتم 7/ ب من رواية ابن أبي نجيح- عنه.

وعندهما: الصُّفر الذي في جوف القنديل.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 200 بمثل رواية الطبري ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.

(٥١) يستصبح بها: أي يشعل بها السرّج.

"لسان العرب" 2/ 506 (صبح).

(٥٢) "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 301 (شكا) مع تقديم وتأخير.

(٥٣) في (أ): (الزجاجة)، وهو خطأ.

(٥٤) انظر: "صبح" في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 266، "الصحاح" للجوهري 1/ 380، "لسان العرب" 2/ 506.

(٥٥) لأهل التفسير أقوالٌ في المصباح: أحدها: ما ذكره المؤلف.

الثاني: أنَّ المصباح: الفتيلة.

الثالث: أنَّ المصباح: الضَّوء.

انظر: "النكت والعيون" للماوردي 4/ 102، "زاد المسير" لابن الجوزي 6/ 40.

(٥٦) قُرطه: أي شُعلة النار.

"القاموس المحيط" 2/ 378 (القرط).

(٥٧) قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 266 (صبح) دون قوله: يضيء.

وهو في "العين" 3/ 126 (صبح) بمثل ما في "تهذيب اللغة".

(٥٨) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 38 ب.

(٥٩) "الحجَّة" لأبي علي الفارسي 5/ 322.

وانظر: "الإملاء" للعكبري 2/ 156، "الدر المصون" 8/ 405.

(٦٠) عند الفراء: الزجاجة.

(٦١) "معاني القرآن" للفراء 2/ 252.

(٦٢) هو: عبد الله بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص، أبو محمد الأموي.

أحد اللغويين الكوفيين.

روى عنه أبو عبيد وغيره.

لقي العلماء، ودخل البادية، وأخذ عن فصحاء الأعراب.

وأخذ عنه العلماء.

وكان ثقة في نقله، حافظًا للأخبار والشعر وأيام العرب.

"تهذيب اللغة" 1/ 11 - 12، "إنباه الرواة" للقفطي 2/ 120، "بغية الوعاة" 2/ 43.

(٦٣) في (أ): (القوارير).

(٦٤) رواية أبي عبيد عن الأموي في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 454 (زجّ).

(٦٥) هذا قول الليث كما في "تهذيب اللغة" 10/ 454 فقد ذكره بعد رواية أبي عبيد.

(٦٦) في (أ): (يضيء).

(٦٧) "معاني القرآن" للزَّجَّاج 4/ 43 - 44.

(٦٨) ودري: ساقطة من (أ).

و"درِّي" بضم الدال وتشديد الراء المكسورة وتشديد الياء من غير همز، وهي قراءة ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم.

"السبعة" ص 455 - 456، "التبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(٦٩) من قوله: ثم وصف ..

إلى هنا.

هذا كلام الزَّجَّاج في "معانيه" 4/ 44.

(٧٠) العبارة في "الحجة": مخفَّف الهمزة فانقلبت ياءً.

(٧١) في (ع): (خفف).

(٧٢) "الحجَّة" لأبي علي الفارسي 5/ 323.

(٧٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 44 مع تقديم وتأخير.

(٧٤) عند الفراء: فيدمغه.

(٧٥) "معاني القرآن" للفراء 2/ 252.

(٧٦) في (أ): (أنّ أنّ).

مكررة.

(٧٧) السُّها: كوكب خفىّ في بنات نعش الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارهم.

"الصحاح" للجوهري 6/ 2386.

(٧٨) هكذا في جميع النسخ.

وفي "الحجة": وما لم يُضىء.

(٧٩) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 323.

== وانظر في توجيه القراءة أيضًا: "علل القراءات" للأزهري 2/ 545، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 499، "الكشف" لمكي 2/ 138، "إبراز المعاني" لأبي شامة ص 614.

(٨٠) انظر: "السبعة" ص 456، "التَّبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(٨١) هو: أبو عثمان المازني.

(٨٢) هو: أبو عمرو بن العلاء.

وفي (أ): (أبي عمر)، وهو خطأ.

(٨٣) من قوله: (وقرأ أبو عمرو ..

إلى هنا).

هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 323 مع اختلاف يسير.

(٨٤) (إذا): ساقطة من (أ).

(٨٥) لم أقف عليه.

(٨٦) قول ابن الأعرابي في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 158 (دري).

(٨٧) قول ابن يزيد في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 158 - 159 (دري).

(٨٨) قول نُصير في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 159 (دري).

(٨٩) قول شمر في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 158 (دري).

(٩٠) وهي أيضًا قراءة عاصم في رواية أبي بكر.

"السبعة" ص 456، "التَّبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(٩١) زيادة من "معاني الفراء" يستقيم بها المعنى.

(٩٢) "معاني القرآن" للفراء 2/ 252.

(٩٣) ساقط من (ظ).

(٩٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 44 مع تقديم وتأخير.

(٩٥) هو: المبرّد.

(٩٦) انظر: "الكتاب" 4/ 268.

(٩٧) المُرِّيق: حبُّ العصفر.

"لسان العرب" 10/ 342 (مرق).

(٩٨) ما بين المعقوفين ساقط من (أ).

(٩٩) زيادة من الإغفال والكتاب يستقيم المعنى بها.

(١٠٠) "الكتاب" 4/ 268.

(١٠١) القارئ هو: أبو علي الفارسي.

(١٠٢) هو: أبو بكر السراج.

(١٠٣) في (أ): (فهو).

(١٠٤) زيادة يستقيم بها المعنى.

(١٠٥) انظر: الكتاب 4/ 268.

(١٠٦) العليق: نبات يتعلق بالشجر، ويلتوي عليه.

"لسان العرب" 10/ 265 (علق).

والقبيط: النَّاطف، وهو نوع من الحلوى يصنع من اللوز والجوز والفُستق.

انظر: "لسان العرب" 7/ 373 "قبط"، "المعجم الوسيط" 2/ 930 - 931.

(١٠٧) في (ظ)، (ع): (السكيت) بدون واو.

والسكيت: هو الذي يجيء في آخر الحلبة آخر الخيل.

"لسان العرب" 2/ 44 (سكت).

والزُّميل: الضعيف الجبان.

"القاموس المحيط" 3/ 390.

(١٠٨) انظر: "الكتاب" 4/ 268.

(١٠٩) في (أ): (وكما).

(١١٠) ما: ساقطة من (أ).

(١١١) في (ع): (بعده).

(١١٢) هو الأخفش.

انظر: "الإغفال" ل 117 ب.

(١١٣) العُلية: الغرفة.

"لسان العرب" 15/ 86 (علا).

(١١٤) قال الجوهري في "الصحاح" 6/ 2437: وأصله علِّيوة، فأبدلت الواو ياءً وأدغمت، لأن هذه الواو إذا سكِّن ما قبلها صحَّت، ...

، وهو من علوت.

(١١٥) ساقط من (ظ).

(١١٦) في (ظ)، (ع): (تضاعف)، والمثبت من (أ) هو الموافق لما في "الإغفال".

(١١٧) في (ع): (على).

(١١٨) السرِّية: هي الجارية المتَّخذة للملك والجماع.

"لسان العرب" 4/ 358 (سرر).

(١١٩) السَّرو: الشرف والمروءة.

"لسان العرب" 4/ 377 (سرا).

(١٢٠) ساقط من (ظ)، (ع).

(١٢١) زيادة من الحجة يستقيم بها المعنى.

(١٢٢) في (أ)، (ع): (حرية)، وهي مهملة في (ظ).

قال ابن منظور في "لسان العرب" 4/ 182 (حرر): وحرية العرب: أشرافهم ..

ويقال: هو من حرية قومه، أي: من خالصهم.

اهـ.

ووقع من المطبوع من "الحجة": عمَّن حدَّثه.

وهو تصحيف.

وقد تكون الكلمة: حرته.

فتصحفت في النسختين، ففي "لسان العرب" 4/ 358 (سرر)، و"تاج العروس" للزبيدي 12/ 13 (سرر): والسرِّية: الأمة التي بوأتها بيتًا، وهي فعلية منسوبة إلى السِّر، وهو الجماع والإخفاء، لأن الإنسان كثيرًا ما يسرها ويسترها عن حرّته.

(١٢٣) في "الحجة": لأنَّ صاحبها يسر بها من حيث كانت نفسًا عن الحرة.

(١٢٤) في (ظ): (فعيلة)، وهو خطأ.

(١٢٥) في (أ): (فعلية)، وهو خطأ.

وهكذا وقع أيضًا في المطبوع من الحجة.

(١٢٦) في (أ): (وأدغمها).

(١٢٧) يعني أنَّها فعيلة -أي: سريرة- من السرور، فأبدل لام فعيلة -وهو الراء- للتضعيف حرف الياء فأبحت: سربية.

وأدغم هذه الياء في ياء فعيلة، فأبحت: سرِّية.

(١٢٨) في (أ): (فعيلة).

(١٢٩) "الإغفال" 2/ 1142 - 1149.

(١٣٠) انظر: "الحجة" 5/ 323 - 324.

(١٣١) ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 83 ب كلام أبي عبيد مع اختلاف يسير.

(١٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 44.

وقد نسبت هذه القراءة إلى: سعيد بن المسيب، ونصر بن عاصم، وأبي رجاء العطاردي، وقتادة، وزيد بن علي، والضحاك.

انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 36، "المحتسب" لابن جني 2/ 110، "البحر المحيط" 6/ 456.

(١٣٣) "الإغفال" 2/ 1147.

(١٣٤) في (أ): (وابن عمرو)، وهو خطأ.

(١٣٥) (توقَّد).

انظر: "السبعة" ص 455 - 456، "التيسير" ص 162.

(١٣٦) البيت في "ديوانه" ص 31 وروايته فيه: نظرت إليها والنجوم كأنها.

وفي "الحجة" 5/ 324 بمثل رواية الواحدي.

وفي "العمدة" لابن رشيق 2/ 45، و"خزانة الأدب" 1/ 68 بمثل رواية الديوان.

وقبل هذا البيت: تنوَّرتُها من أذرعات وأهلها ...

بيثرب أدنى دارها نظرٌ عالِ قال ابن رشيق في "العمدة" 2/ 45: ومن بيان المبالغة قول امرئ القيس يصف نارًا -وإن كان فيه إغراق:- نظرت إليها والنجوم ..

والبيت.

يقول: نظرت إلى نار هذه المرأة تُشب لقفال، والنجوم كأنها مصابيح رُهبان وقد قال: تنورتها من أذرعات ..

البيت، وبين المكانين بعد -لأن أذرعات بالشام ويثرب هذه المدينة- وإنما يرجع القُفال من الغزو والغارات وجه الصباح فإذا رآها من مسيرة أيام وجه الصباح، وقد خمد سناها وكلِّ موقدها، فكيف كانت أول الليل؟!

وشبَّه النجوم بمصابيح الرهبان أنَّها في السحر يضعف نورها كما يضعف نور المصابيح الموقدة ليلها أجمع، لا سيما مصابيح الرهبان لأنَّهم يكلون من سهر الليل، فربما نعسوا في ذلك الوقت.

ونقل البغدادي في "خزانة الأدب" 1/ 69 عن بعضهم قوله: ومن التشبيه الصادق هذا البيت، فإنَّه شبَّه النجوم بمصابيح رهبان لفرط ضيائها، وتعهد الرهبان لمصابيحهم وقيامهم عليها لتزهر إلى الصبح، فكذلك النجوم زاهرة طول الليل وتتضاءل إلى الصبح كتضاؤل المصابيح له.

وقال: "تشب لقفال" لأن أحياء العرب بالبادية إذا قفلت إلى مواضعها التي تأوي إليه من مصيف إلى مشتى إلى مربع، أوقدت لها نيران على قدر كثرة منازلها وقلتها؛ ليهتدوا بها، فشبَّه النجوم ومواقعها في السماء بتفرق تلك النيران واجتماعها من مكان بعد مكان، على حسب منازل القفال بالنيران الموقدة لهم.

اهـ.

(١٣٧) وهي قراءة نافع وابن عامر وحفص عن عاصم.

"السبعة" ص 456، "التبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(١٣٨) بضم التاء والدال والتخفيف.

وهي قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم.

"السبعة" ص 456، "التبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(١٣٩) "الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 325.

(١٤٠) في (أ): (الياء)، وهو خطأ.

ومهملة في (ظ).

(١٤١) وهي قراءة مجاهد، والحسن، والسُّلمي، وابن محيصن، وجماعة، ورواية المفضل عن عاصم.

"الشواذ" لابن خالويه ص 102، "البحر المحيط" 6/ 456، "الدر المصون" 8/ 407، "إتحاف فضلاء البشر" 2/ 298.

(١٤٢) "الحجة" الفارسي 5/ 325.

(١٤٣) في (ظ): (ويدلك).

(١٤٤) "الحجة" للفارسي 5/ 324.

(١٤٥) هو: أبو أسيد -بفتح الهمزة- بن ثابت، الأنصاري، الزُّرقي، المدني.

قيل: اسمه عبد الله، وكان يخدم النبي -  -.

"الكنى" لدولابي 1/ 15، "الاستغناء" لابن عبد البر 1/ 92، "الاستيعاب" 3/ 875، "أسد الغابة" 3/ 189، "الإصابة" 4/ 8.

(١٤٦) في (ظ)، (ع): (بالزيت).

(١٤٧) في (أ): (واندهنوا).

(١٤٨) رواه الإمام أحمد 3/ 497، والدارمي 2/ 102، والترمذي في الأطعمة- باب: ما جاء في أكل الزيت 5/ 585 والحاكم في "مستدركه" 2/ 397 - 398 والبغوي في "شرح السنة" 11/ 311 - 312 وفي "تفسيره" 6/ 47.

وتصحَّف في المطبوع من "التفسير" إلى: أسد بن ثابت وأبي أسلم الأنصاري.

وصوابه: أسيد بن ثابت أو أبي أسيد الأنصاري كلهم من طريق سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن عطاء رجل كان بالشام وليس بابن أبي رباح، عن أبي أسيد، به.

وعطاء هذا قال عنه الذهبي في "الميزان" 3/ 77: ليَّن البخاري حديثه، لا يدري من هو.

لكن ذكر الألباني في "الصحيحة" (1/ ح 379) لهذا الحديث شواهد من حديث عمر وأبي هريرة وابن عباس -  -، ثم قال (1/ ق 4 ص 112): وجملة القول أنَّ الحديث بمجموع طريقي عمر وطريق أبي أسيد -وتصحف في المطبوع إلى:- سعيد- يرتقي إلى درجة الحسن لغيره على أقل الأحوال.

والله أعلم.

(١٤٩) في (أ): (جواد)، وهو خطأ.

وهو: عبد الله بن جراد بن المنتفق بن عامر بن عقل العامري، العقيلي.

له صحبة، من أهل الطائف.

روى عنه يعلى الأشدق وغيره.

"التاريخ الكبير" للبخاري 5/ 35، "الاستيعاب" 3/ 880، "أسد الغابة" 3/ 132، "الإصابة" 2/ 279.

(١٥٠) رواه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 84 أمن طريق يعلى الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد به.

وفي سنده يعلى الأشدق قال عنه البخاري: لا يكتب حديثه.

وقال أبو حاتم.

== ليس بشيء، ضعيف في الحديث.

وقال أبو زرعة: هو عندي لا يُصدّق، ليس بشيء.

انظر: "التاريخ الصغير" للبخاري 2/ 165، "الجرح والتعديل" لابن أبي حاتم 9/ 303، "المغني في الضعفاء" للذهبي 2/ 760، "لسان الميزان" لابن حجر 6/ 312.

(١٥١) في (ع): (الزيتونة).

(١٥٢) في (ع): (وقود)، وهما لغتان.

انظر: "القاموس المحيط" 1/ 346 (الوّقد).

(١٥٣) في (أ): وتفله.

ومهملة في (ظ).

والثُّفل: ما سفل من كل شيء.

"لسان العرب" 11/ 84 (ثفل).

(١٥٤) في (ظ)، (ع): (وفيها).

(١٥٥) ذكره عن ابن عباس: القُرطبيُّ 12/ 258، وذكره ابن الجوزي 6/ 43 من غير نسبة.

(١٥٦) (الخليل): زيادة من (ع).

(١٥٧) من قوله: ومن بركتها.

إلى هنا، ذكره الثعلبي 3/ 84 أوصدَّره بقوله: قيل.

وما ذُكر يحتاج إلى دليل.

والله أعلم.

(١٥٨) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 45.

(١٥٩) هو: مسافر بن أبي عمرو بن أمية، ولذا يقول أبو طالب في مطلع قصيدته: ليت شعري مسافر بن أبي ...

عمرو وليت يقولها المحزون وانظر خبر موت مسافر في "الأغاني" للأصفهاني 9/ 51، و"الخزانة" للبغدادي 10/ 468.

(١٦٠) في (أ)، (ظ): (لعده) مهملة.

وغزَّة: موضع معروف من مشارف الشام، انظر: "معجم البلدان" لياقوت 6/ 289 - 290 و"معجم ما استعجم" للبكري 2/ 997.

ومسافر بن عمرو لم يمت بغزَّة، وإنَّما مات بهبالة أو تباله، قال أبو طاب في تلك القصيدة: ميت صدق على هبالة أمسيت ...

ومن دون ملتقاك الحجون وفي "ديوان أبي طالب" ص 51: ميت صدق على تبالة وهبالة: ماء لبني عقيل- وقيل لبني نمير ..

وقد ذكره ياقوت في "معجم البلدان" 8/ 442 وذكر فيه شعر أبي طالب.

وانظر: "معجم ما استعجم" 2/ 1344.

وتبالة: موضع بقرب الطائف.

"معجم ما استعجم" للبكري 1/ 301.

أما الذي مات بغزَّة من القرشيين فهو هاشم بن عبد مناف كما ذكر ذلك ياقوت 6/ 290، والبكري في "معجم ما استعجم" 2/ 997.

(١٦١) في (أ): (نضر)، أهمل أوله وفي (ع): (نضو)، وفي (ظ): (نصو) مهملة.

(١٦٢) البيت لأبي طالب وهو منسوب له في: كتاب "النَّبات" للأصمعي ص 26 حيث قال: ويقال: نَضَح الشَّجر ينضح نضحًا، إذا تفطَّر للتوريق، قال أبو طالب بن عبد المطلب: بورك الميت الغريب كما بورك ...

نضحُ الرمان والزيتون.

و"نسب قريش" لأبي عبد الله المصعب الزبيري ص 137 بمثل رواية: الأصمعي.

وفي "ديوان شيخ الأباطح أبي طالب جمع أبي هفَّان المهزمي وشرح أبي الفتح == ابن جني" ص 21 بمثل رواية الأصمعي.

و"الأغاني" للأصفهاني 6/ 51 وعنده: بورك ..

..

نضر الريحان والزيتون و"المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 511، والقرطبي 12/ 258 وعندهما (نبع) في موضع (نضح).

و"البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 457 وعنده: "نَضْر" بمثل رواية الواحدي.

و"خزانة الأدب" للبغدادي 10/ 463، 467 وذكر رواية الديوان ورواية صاحب الأغاني، لكن رواية صاحب الأغاني عنده: ..

كما بورك غُصنُ الريحان والزيتون.

والبيت غير منسوب في "معاني القرآن" للزَّجَّاج 4/ 45 وفي المطبوع: ..

كما بورك نظم ..

، و"أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 1388 وعنده: (نضر).

أما معنى البيت فقد قال البغدادي في "الخزانة" 10/ 470: "بورك الميت" إلخ جملة دعائية، والبركة: الزيادة، والنضح -بفتح النون وسكون الضّاد المعجمة بعدها حاء مهملة-: القليل ..

نضح الشجر إذا تفطَّر، وأراد به اسم المفعول أي الفروع المنشقة عند ما يخرج.

والزيتون معطوف على نضح.

(١٦٣) في (ع): (يخرجه أو يستخرجه).

(١٦٤) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 84 أ.

(١٦٥) ذكرأبو حيّان 6/ 458 هذا القول، ثم قال.

وجوَّز بعضهم أن يكون عطف بيان، ولا يجوز على مذهب البصريين، لأن عطف البيان عندهم لا يكون إلا في المعارف، وأجاز الكوفيون وتبعهم الفارسي أنه يكون في النكرات.

وذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 408 القولين، وذكر أن القول بالبدلية هو أشهرهما.

(١٦٦) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 84 أ.

(١٦٧) في (أ): (الصحراء).

(١٦٨) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 747 ب، 48 أمن رواية عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 وزاد نسبته للفريابي وذكره البغوي 6/ 47، وابن الجوزي 6/ 43 من رواية عكرمة، عنه.

(١٦٩) في (ع): (ولا).

(١٧٠) رواه عنه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 48 أ.

وذكره عنه ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 291.

(١٧١) فلاة: الصحراء الواسعة أو المستوية التي ليس فيها شيء.

"لسان العرب" 15/ 164 (فلا).

(١٧٢) التَّلعة: ما ارتفع من الأرض.

"القاموس المحيط" 3/ 10.

(١٧٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60 عن الكلبي من قوله: ولا يسترها.

(١٧٤) في (أ) زيادة: (ويسترها من المشارق) بعد قوله: (ولا غرب)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى السطر الذي قبله.

(١٧٥) في (ع): (للنّهار).

(١٧٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 200 وعزاه أيضًا لعبد بن حميد والطبري.

ولم أره في الطبري.

(١٧٧) ذكره عنه الثعلبي 3/ 84 أ، ورواه عنه سعيد بن منصور في "سننه" 160 أ، والطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 48 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 من رواية عبد بن حميد عنه.

(١٧٨) رواه الطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم 7/ 48.

(١٧٩) قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 - بعد أن ذكر هذا القول عن ابن عباس-: (وروى عبد بن حميد عن عكرمة، والضحَّاك مثله).

(١٨٠) انظر: "الطبري" 18/ 142، ابن أبي حاتم 7/ 47 ب، 48 أ، ب، ابن كثير 3/ 290 - 291، "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 200 - 201.

(١٨١) انظر: "معاني القرآن" للزَّجَّاج 4/ 45.

(١٨٢) في (أ): (يسترا).

(١٨٣) (بالعشي): ساقطة من (ع).

(١٨٤) ساقط من (ظ).

(١٨٥) في (أ): (وهذا).

(١٨٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 253.

(١٨٧) هو ثعلب.

وقد ذكر عنه هذا القول الثعلبي 3/ 84 أ.

(١٨٨) في (ظ)، (ع): (يكثروا).

(١٨٩) في (ظ)، (ع).

(القتل).

(١٩٠) البيت في "المعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 899 - 900، 1081، و"الكامل" للمبرد 1/ 308، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 259 و"لسان العرب" 12/ 330 (شيم).

قال ابن قتيبة 2/ 900: أراد لا يشيمون سيوفهم ولم يكثر القتلى بها، ولكنهم يشيمونها إذا أكثروا بها القتلى.

وقال 2/ 1081: يقول: لم يغمدوا سيوفهم والقتلى لم تكثر حين سلت، ولكن أغمدوها حين كثرت القتلى.

وقال المبرّد في "الكامل" 1/ 308: وهذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله: (لم يشيموا): لم يغمدوا، (ولم تكثر القتلى) أي لم يغمدوا سيوفهم إلاَّ وقد كثرت القتلى بها حين سلت.

وقال ابن الأنباري ص 295: أراد: لم يغمدوا سيوفهم حتى كثرت القتلى.

(١٩١) "معاني القرآن" للزجاح 4/ 45.

(١٩٢) في (أ): (من).

(١٩٣) قال السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 - بعد أن ذكر عن ابن جبير نحو هذا القول: وأخرج عبد بن حميد عن أبي مالك وكعب نحوه.

(١٩٤) جاء عن الضحاك خلاف هذا القول، فقد ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201.

بعد ذكره لقول ابن عباس: شجرة لا يظلها كهفٌ ولا جبل ولا يواريها شيء، وهو أجود لزيتها، قال: وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة والضحاك ..

مثله.

(١٩٥) رواه سعيد بن منصور في "سننه" (ل 160 أ)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 47 ب.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٩٦) رواه ابن أبي حاتم 7/ 48 بمثله.

ورواه سعيد بن منصور في "سننه" (ل 160 أ) بلفظ: وهي من أجود الشَّجر.

(١٩٧) في (ظ)، (ع): (الشجرة).

(١٩٨) رواه الطبري 18/ 138، وابن أبي حاتم 7/ 47 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٩٩) في (ظ): (عن أنس)، وهو خطأ.

(٢٠٠) لم أجد من ذكره عنه.

(٢٠١) ذكره عنه الثعلبي 3/ 84 أبهذا اللفظ.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 60، والطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم 7/ 48 ب بنحوه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 201 ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

قال الثعلبي 3/ 48 أ: وقد أفصح القرآن بأنَّها من شجر الدنيا، لأنَّه أبدل من الشجرة فقال: "زيتونة".

وضعَّف هذا القول الرازي في "تفسيره" 23/ 236، وردَّه الشنقيطي كما في "تفسير سورة النور" ص 138.

(٢٠٢) رواه الطبري 18/ 142، وابن أبي حاتم 7/ 48 ب بنحوه مختصرًا.

(٢٠٣) الثعلبي 3/ 84 ب.

(٢٠٤) ذكره عنه الثعلبي 3/ 85 أوعنده: المشكاة: نفسه.

== ورواه الطبري 18/ 138، وابن أبي حاتم مفرقًا 7/ 45 أ - ب، 46 أ - ب عنه -  - لكن في روايتهما أن المشكاة: صدره، والزجاجة: قلبه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 بمثل رواية الطبري وابن أبي حاتم، وعزاه لهما وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.

(٢٠٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 49 ب عن السدي وقتادة بمعناه مختصرًا.

(٢٠٦) ذكره الثعلبي 3/ 85 أعن الحسن وابن زيد: بنحوه.

ورواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 45 أعن الحسن بنحوه.

ورواه الطبري في "تفسيره" 18/ 139، عن ابن زيد، بنحوه.

(٢٠٧) روى ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 45 أمن طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (مثل نوره): مثل نور من آمن بالله.

(٢٠٨) عند الطبري: يخبره.

(٢٠٩) ذكر ابن كثير 2/ 151 اختلاف المفسرين في قوله إبراهيم ﴿ هَذَا رَبِّي ﴾ هل هو مقام نظر أو مناظرة، ثم قال: والحق أنَّ إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- كان في المقام مناظرًا لقومه، مبينًا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام.

ثم بيَّن ذلك وساق الأدلة على هذا الأمر.

(٢١٠) رواه الطبري 18/ 138.

وذكره مختصرًا السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197، ونسبه للطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".

(٢١١) رواه الطبري 18/ 143، وابن أبي حاتم 7/ 49 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 200 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.

(٢١٢) ذكره عن ابن الجوزي 6/ 43 لكن فيه الزجاجة بدلاً من القنديل.

(٢١٣) رواه الطبري 18/ 139، وابن أبي حاتم 7/ 49 أ، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 198 ونسبه أيضًا لابن مردويه.

(٢١٤) (قد): ساقطة من (أ).

(٢١٥) ذكره عنه البغوي 6/ 49، وذكر الثعلبي 3/ 85 أهذا القول بنصِّه ولم ينسبه لأحد.

(٢١٦) رواه الطبري 18/ 138، وابن أبي حاتم 7/ 49، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 197 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه وغيرهم.

(٢١٧) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 49 ب، وذكره عنه البغوي 6/ 49، وابن كثير 3/ 291.

(٢١٨) هذا مروي عن سعيد بن جبير والضحاك وكعب.

انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 7/ 45 أ، البغوي 6/ 45.

(٢١٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 43.

(٢٢٠) (والنّور): ساقطة من (ع).

(٢٢١) في (أ): (يصل).

(٢٢٢) في (ظ): (لليهود، للنّصارى).

(٢٢٣) في (ظ): (لحسن).

(٢٢٤) لم أجده.

(٢٢٥) رواه الطبراني في "الكبير" 12/ 317، وفي، "الأوسط" 2/ 501 - 502، وابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" 7/ 2556، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 84 ب كلهم من طريق الوازع بن نافع، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر، فذكر نحوه.

قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 83: رواه الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" وفيه الوازع بن نافع وهو متروك.

(٢٢٦) رواه الطبري في "تفسيره" 18/ 137، وابن أبي حاتم في "تفسيره" مفرقًا 7/ 46 أ == عن شمر بن عطية قال: جاء ابن عباس  ما إلى كعب الأحبار فقال: حدثني عن قول الله "الله نور السموات والأرض"، فذكر نحوه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 198 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردوية.

وهذا الأثر منقطع؛ فإنَّ شمَّر بن عطية.

لم يلق ابن عباس.

قال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1389 - بعد ذكره هذا القول-: وهذا كلّه عدول عن الظاهر، وليس يمتنع في التمثيل أن يتوسع المرء فيه، ولكن على الطريقة التي شرعناها في قانون التأويل لا على الاسترسال المطلق الذي يخرج الأمر عن بابه، ويُحمِّل على اللفظ ما لا يطيقه.

(٢٢٧) في (ظ)، (ع): (أوحى).

(٢٢٨) ذكره عنه الثعلبي 3/ 84 ب، 85 أ، والبغوي 6/ 48، والقرطبي 12/ 263.

(٢٢٩) عند الثعلبي 3/ 85 أ: روى مقاتل، عن الضحاك: شبَّه عبد المطلب بالمشكاة ..

بمثل ما ذكره الواحدي هنا.

فالذي يظهر أن الواحدي نقله عن الثعلبي وأسقط الضحاك؛ لأن قول مقاتل في "تفسيره" والذي ينقل منه الواحدي عادة - يختلف عما هنا، فإن فيه 2/ 38 ب: يعني بالمشكاة صُلب عبد الله أبي محمد -  -، ويعني بالزجاجة جسد محمد -  -، ويعنى بالسِّراج الإيمان في جسد محمد -  -، فلما == خرجت الزجاجة فيها المصباح من الكُوَّة صارت الكوَّة مظلمة فذهب نورها، والكوة مثل عبد الله ثم شبَّه الزجاجة بمحمد -  - ..

ويعني بالشجرة إبراهيم.

اهـ.

وقد تقدَّم كلام ابن العربي في هذه الأقوال البعيدة.

(٢٣٠) ذكره عنه البغوي 6/ 49.

وذكره ابن الجوزي 6/ 44 من غير نسبة.

(٢٣١) الثعلبي 3/ 85 ب.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ الله نُورُ السماوات والأرض ﴾ النور يطلق حقيقة على الضوء الذي يدرك بالأبصار، ومجازاً على المعاني التي تدرك بالقلوب، والله ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴾ الشورى: 11]، فتأويل الآية الله ذو نور السموات والأرض؛ ووصف نفسه بأنه نور كما تقول زيد كرَم إذا أردت المابلغة في أنه كريم، فإن أراد بالنور المدرك بالأبصار، فمعنى نور السموات والأرض أنه خلق النور الذي فيهما من الشمس والقمر والنجوم، أو أنه خلقهما وأخرجهما من العدم إلى الوجود، فإنما ظهرت به كما تظهر الأشياء بالضوء، ومن هذا المعنى قرأ عليّ بن أبي طالب: ﴿ الله نُورُ السماوات والأرض ﴾ بفتح النون والواو والراء وتشديد الواو: أي جعل فيهما النور وإن أراد بالنور المدرك بالقلوب، فمعنى نور السموات والأرض جاعل النور في قلوب أهل السموات والأرض ولهذا قال ابن عباس: معناه هادي أهل السموات والأرض.

﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ المشكاة هي الكوة غير النافذة تكون في الحائط، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة وقيل: المشكاة العمود الذي يكون المصباح على رأسه، والأول أصح وأشهر، والمعنى صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح، على أعظم ما يتصوّره البشر من الإضاءة والإنارة، وإنما شبه بالمشكاة وإن كان نور الله أعظم، لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه.

وقيل: الضمير في نوره عائد على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: على القرآن، وقيل: على المؤمن، وهذه الأقوال ضعيفة لأنه لم يتقدم ما يعود عليه الضمير، فإن قيل: كيف يصح أن يقال الله نور السموات والأرض فأخبر أنه هو النور ثم أضاف النور إليه في قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ، والمضاف عين المضاف إليه؟

فالجواب أن ذلك يصح مع التأويل الذي قدمناه أي الله ذو نور السموات والأرض، أو كما تقول: زيد كرم، ثم تقول: ينعش بكرمه ﴿ المصباح فِي زُجَاجَةٍ ﴾ المصباح هو الفتيل بناره، والمعنى أنه في قنديل من زجاج لأن الضوء فيه أزهر، لأنه جسم شفاف ﴿ الزجاجة كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب دريّ، وذلك يحتمل معنيين إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها، وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء لصفائها ورقة جوهرها، وهذا أبلغ الاجتماع نورها مع نور المصباح، والمراد بالكوكب الدرّي أحد الدراري المضيئة: كالمشتري، والزهرة، وسهيل، ونحوها، وقيل: أراد الزهرة، ولا دليل على هذا التخصيص، وقرأ نافع ﴿ دُرِّيٌّ ﴾ بضم الدال وتشديد الياء بغير همزة ولهذا القراءة وجهان: إما أن ينسب الكوكب إلى الدرّ لبياضه وصفائه، أو يكون مسهلاً من الهمز، وقرأ حمزة وأبو بكر: ﴿ دُرِّيٌّ ﴾ بالهمز وكسر الدال، بالهمز وضم الدال، وهو مشتق من الدرء بمعنى الدفع.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ ﴾ من قرأ يوقد بالياء أو تَوَقَّدَ بالفعل الماضي فالفعل مسند إلى المصباح، ومن قرأ توقد بالتاء والفعل المضارع فهو مسند إلى الزجاجة، والمعنى: توقد من زيت شجرة مباركة، ووصفها بالبركة لكثرة منافعها، أو لأنها تنبت في الأرض المباركة وهي الشام ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قيل: يعني أنها بالشام فليست من شرق الأرض ولا من غربها، وأجود الزيتون زيتون الشام، وقيل: هي منكشفة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصة للشرق فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية بل هي غربية شرقية، لأن الشمس تستدير عليها من الشرق والغرب، وقيل إنها في وسط دوحة لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في جهة الغرب، وقيل: إنها من شجرة الجنة ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يضياء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ مبالغة في وصف صفائه وحسنه ﴿ نُّورٌ على نُورٍ ﴾ يعني اجتماع نور المصباح وحسن الزجاجة وطيب الزيت، والمراد بذلك كمال النور الممثل به ﴿ يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي يوفق الله من يشاء لإصابة الحق.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله - عز وجل -: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ قال بعضهم: الله هادي السماوات والأرض، ثم انقطع الكلام فأخذ في نعت محمد  وما ضرب له من الأمثال، فقال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ ، يقول: نور محمد إذ كان في صلب أبيه ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ أي: كوة - بلغة الحبش - غير نافذة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج المصباح.

يقول - والله أعلم -: ذلك السراج المضيء ضوؤه ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ ، الزجاجة نعتها الصافية التامة الصفاء، والمشكاة: صلب أبيه عبد الله، والزجاجة وصفاؤها: محمد رسول الله، وطهره من الأدناس والمعاصي، والمصباح: نوره، وصفاؤه: قلب رسول الله  ، وما فيه من الإيمان، والحكمة، والنبوة، ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: محمد  ذكره مع أسماء الأنبياء، والرسل في اللوح المحفوظ عند الله في الفضيلة على تلك الأنبياء والرسل عليهم السلام كفضل الكوكب الدري - أي: المضيء، وهي الزهرة - على سائر الكواكب.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: استنار نور محمد من نور إبراهيم؛ لأن محمدا على دين إبراهيم وعلى سنته ومنهاجه، فمثل إبراهيم مثل الشجرة المباركة، وأصل محمد من نسل إبراهيم، صلوات الله عليهم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ والزيتونة: المحاسن وطاعة إبراهيم لربه؛ فنفعه الله بحسن طاعته يوم القيامة، وفي غيره من المواطن، كما تنفع الزيتونة أهلها في الدنيا، فهي فاكهة وطعام، وهي إدام وهو الصباغ والدهن والدباغة يعني: زيتونة ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ يقول: إن إبراهيم صلوات الله عليه لم يكن نصرانيّاً لقول النصارى: هو نصراني يصلي قبلة النصارى من قبل المشرق، ولا يهوديّاً لقول اليهود: إنه كان على ديننا يصلي قبل المغرب ببيت المقدس، يقول الله  : لم يكن كما قال هؤلاء، ولكن كان حنيفاً مسلماً مصليّاً إلى الكعبة، وهي قبلته وإليها حج.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ يقول - والله أعلم -: لو أن إبراهيم لم يكن نبيّاً لأصاب بحسن طاعة الله في الدنيا الفضل مع الأنبياء والرسل في الدنيا والدرجات العلا في الآخرة.

وقوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ؛ لأن محمدا وما جاء به من الدين والكتاب أصل نوره من قبل إبراهيم؛ لأنه على دينه وسنته وكتابه ومنهاجه.

ثم قال: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ الذي جاء [به] محمد  ، وهو النور، وهو القرآن [يهدي إليه] من يشاء ممن سبق [له] في علمه السعادة، ويضل عنه من يشاء ممن سبق له في علمه الشقاء.

ثم قال: ﴿ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يعني: ويصف الله الأمثال للناس؛ ليؤمنوا بالله ويوحدوه ويعرفوا نور نبيه من صنيعه، ويصدقوا بإبراهيم ومحمد - عليهما أفضل الصلوات - أنهما رسولا الرب، وهو تأويل مقاتل.

وقال أهل الكلام: قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: أنار الله لأهل السماوات والأرض، مثل نوره الذي به أنار ما ذكر مثل المشكاة التي ذكر إلى آخره.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بالله نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا، ولم يقل: مثله، ولو كان النور هو الله على ما قاله قوم وفهموه، لقال: "الله نور السماوات والأرض مثله كذا"، ولم يقل: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ فدل قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ كذا أنه لم يرد بالنور نفسه، ولكن ما ذكرنا أنه به نور أهل السماوات وأهل الأرض؛ ألا ترى أنه قال في آخره: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أنه لم يرد بالنور ما فهموا، ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ دل أنه ليس على ما فهموه به: أنه نور كسائر الأنوار التي عاينوها ويشاهدوها وهم المشبهة، على هذا يخرج تأويل ابن عباس حيث قال: الله هادي أهل السماوات والأرض.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ جائز أن يكون قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: مثل نور المؤمن الذي في قلبه مثل مشكاة فيها مصباح؛ لأن المشكاة هي الكوة التي لا منفذ لها يدخل فيها الأنوار، فتكون مظلمة، فإذا جعل فيها المصباح أضاء ذلك كله وأناره حتى لا يبقى فيها ناحية إلا وقد أصابها الضياء والنور، فعلى ذلك القلب، وهو مظلم إذ ليس له منفذ يدخل فيه النور من الخارج، فإذا أنار الله قلبه بإيمانه ظهر ذلك النور وأثره في جميع نواحيه وجوارحه، وهو ما قال: "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه"، أخبر أن من شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، فهذا يدل أن قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ إنما هو مثل نور المؤمن، وعلى ذلك روي في حرف أبي بن كعب أنه قرأ: (مثل نور المؤمن كمشكاة)، وفي حرف ابن مسعود: (مثل نوره في قلب المؤمن).

وقال الحسن: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال: مثل القرآن في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ كوة ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ ، أو أن يكون قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: به تنجلي الظلمات، وتنكشف الحجب والسواتر؛ إذ النور إنما سمي: نورا؛ لما به تنجلي الظلمات، وتنكشف السواتر، والحجب، لا أنه نور، ألا ترى أنه سمى القرآن: نوراً، والرسول: نورا؛ لما به تنجلي الشبهة والظلمات، وبه ترتفع السواتر والحجب وإن كانا في أنفسهما ليسا بنور سميا: نورا؛ لما ذكرنا من تجلي الأشياء بهما وارتفاع السواتر، فعلى ذلك جائز أن يسمى الله: نورا؛ لما به يكون تجلي الظلمات والشبه، وانكشاف السواتر، وارتفاع الحجب، لا أنه نور.

وقوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ قال بعضهم: مثل نور المؤمن على ما ذكرنا فيما تقدم.

وقال بعضهم: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في صدر المؤمن.

وقال بعضهم: مثل نور محمد على ما ذكر مقاتل وغيره.

وقال بعضهم: مثل نور القرآن.

وقوله: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: الكوة التي لا منفذ لها للنور على ما ذكرنا.

وقال بعضهم: موضع الفتيلة من القنديل.

وقال بعضهم: الحدايد التي تعلق بها القنديل.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: بعضهم: هي شجرة مصحرة تطلع عليها الشمس إذا طلعت وتغرب عليها إذا غربت، وهو أجود الزيت.

وقال بعضهم: هي شجرة في كنّ لا تطلع عليها الشمس إذا طلعت، ولا تغرب عليها إذا غربت.

وقال بعضهم: ليست شرقية: لا غرب لها، ولا غربية: لا شرق لها، ولكنها شرقية غربية.

فكيفما كان فإنما ذكر الزيت لصفائه وخلوصه؛ فيجب أن يسأل أهله فيقال: أي الزيت أجود وأصفى الذي تصيبه الشمس أو الذي لا تصيبه، أو الذي تصيبه في وقت ولا تصيبه في وقت؟

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ هو الله  هادي أهل السماوات وأهل الأرض، كما هداه في قلب المؤمن كما يكاد الزيت الصافي يضيء؛ قالوا: هو زيت كلما مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء، كذلك يكون قلب المؤمن يعمل الهدى قبل أن يأتيه العلم [فإذا أتاه العلم] ازداد هدى على هدى ونوراً على نور، وعن أبيّ بن كعب قال في قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ : يقول: مثل نور المؤمن، وكذلك يقرؤها: (مثل نور المؤمن) على ما ذكرنا من قبل.

قال: فهو عبد قد جعل القرآن والإيمان في صدره.

قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ قال: المشكاة: صدره ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ : قال: المصباح: القرآن والإيمان الذي جعل في صدره.

قال: ﴿ ٱلْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ فالزجاجة: قلبه.

قال: ﴿ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ يقول: كوكب مضيء.

﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ قال: الشجرة المباركة أصله، فالمبارك: الإخلاص لله وحده لا يشرك به.

قال: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قال: فمثله كمثل شجرة، جعله كالشجرة فهي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أيّ حال كانت: لا إذا طلعت، ولا إذا غربت، وكذلك هذا المؤمن قد أجير عن أن يصيبه شيء من الفتن وقد ابتلي بها، فثبته الله فيها، فهو بين أربع خلال: إن ابتلي صبر، وإن أعطي شكر، وإن قال صدق، وإن حكم عدل؛ فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات.

قال: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فهو يتقلب في خمسة من النور: كلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره النور إلى يوم القيامة إلى الجنة.

قال: ثم ضرب مثل الكافر فقال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ وهو يحسبه عند الله خيراً فلا يجده، فيدخله الله النار، وقال في آية أخرى له مثلا فقال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ  ﴾ فهو يتقلب في ظلمات.

وقال بعضهم: في قوله: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ أي: بنوره يهتدي من في السماوات ومن في الأرض على ما ذكرناه ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ في قلب المؤمن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ وهي الكوة غير النافذة على ما ذكرنا ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ أي: سراج ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مضيء، أي: منسوب إلى الدرّ؛ وهو قول القتبي.

وقال أبو عوسجة: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ : الكوة التي تكون في الحائظ؛ ومثال جماعته: الكوة، و ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ : مثل لسانه وصدره وقلبه ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ ﴾ قال: يكاد محمد يبين للناس وإن لم ينطق.

وعن الضحاك بن مزاحم ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: خلقت الكواكب من نار يقال لها: دري؛ فمن ثمة قال: ﴿ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ .

وقد ذكرنا قولهم في المشكاة: قال بعضهم: الكوة: التي لا منفذ لها.

وقال بعضهم: الفتيلة.

وقال بعضهم: الفتيلة التي في جوف القنديل نفسه.

وقال بعضهم: القائم في وسط القنديل، وهو موضع الفتيلة.

وقال بعضهم: هي الحدايد التي يعلق بها القنديل.

وأما الزجاجة فهي القنديل.

ثم إن كان قوله: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ أي: نور المؤمن، فليس ذلك وصف كل مؤمن ونعته، ولكن وصف المؤمن الذي يجتمع فيه جميع شرائط الإيمان وجميع الأخلاق الحسنة والآداب؛ لأنه وصفه بطهارة نفسه وجسده وقلبه وجميع أعماله وأفعاله؛ لأنه قال: ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ ، وهي قلبه ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ وهو صدره الذي في قلبه المصباح والزجاجة وهو الإيمان الذي في صدره، ثم نعت الزجاجة فقال: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ أي: مضيء.

وقال بعضهم: من الدر، فوصف الكل بالضياء والنور وطهارة الداخل منه والخارج ونقاوته، فهو المؤمن الذي يجتمع فيه جميع الشرائط والخصال المحمودة، وأما كل مؤمن فلا يحتمل، وهذا أشبه؛ ألا ترى أنه ذكر نعت الكافر من بعد وخبثه حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ .

وإن كان وصف محمد، ففيه جميع ما ذكر ونعته، وإن كان القرآن فهو كذلك أيضاً.

وقوله: ﴿ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيۤءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ ﴾ الذي ذكرنا يحتمل المؤمن ويحتمل محمدا ويحتمل إبراهيم في كلهم ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ ، وقوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ يحتمل: يهدي الله لنور محمد، ويحتمل: القرآن، ويحتمل: الإيمان والهدى.

وقال بعضهم: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال: فالزيت نور، والمصباح نور، والقنديل نور، وقال: المؤمن نور، وعمله نور، وكلامه نور.

ويحتمل: قوله: ﴿ يَهْدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ أي: بنوره.

وقال بعضهم: ﴿ ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ يقول: بنوره أضاء السماوات والأرض على ما ذكرنا: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ ﴾ يقول: في قلب المؤمن، وهو في حرف ابن مسعود -  -: (في قلب المؤمن)، وهذا مثل ضربه للإيمان والقرآن، والقلب حين يدخله الإيمان والقرآن ﴿ كَمِشْكَاةٍ ﴾ يعني: الكوة، ﴿ فِيهَا مِصْبَاحٌ ﴾ يعني: الإيمان، والقرآن ﴿ فِي زُجَاجَةٍ ﴾ يعني: القلب، والمشكاة: الصدر، فكما دخل هذا المصباح في الزجاجة فأضاء؛ فكذلك أضاء القلب، ثم خرج من الزجاجة، فأضاءت المشكاة، فكذلك أضاء الصدر، ثم نزل الضوء من الكوة، فأضاء البيت، فكذلك نزل النور من الصدر فأضاء الجوف كله؛ فلم يدخله حرام، والله أعلم بذلك.

وقوله: ﴿ وَيَضْرِبُ ٱللَّهُ ٱلأَمْثَالَ لِلنَّاسِ ﴾ يحتمل ضرب الأمثال لهم وجهين: أحدهما: ضرب لأفعالهم وأقوالهم مثلا؛ ليعرفوا مقاديرها في الحسن والجمال؛ ليعلموا قدرها من الجزاء والثواب، أو ضرب الأمثال لهم للأنفس المكرمين المعظمين المستوجبين كل خير؛ ليرغبوا في مثل ذلك فيستوجبوا ما استوجب أولئك، وكان ضرب مثل الإيمان أو القرآن أو محمداً وما كان على اختلاف ما قالوا بالأنوار التي ضربها - والله أعلم - لما أنه قد أقام الحجج والبراهين على الإيمان والقرآن ومحمد حتى صاروا كالأنوار التي شبههم بها من الحسن والجمال والضياء إليها حتى يعرف حسن هذه الأنوار وبهاءها كل أحد؛ فعلى ذلك المضروب به المثل صار في الحسن والبهاء والضياء بالحجج والبراهين كالأنوار التي لا يخفى حسنها وبهاؤها على أحد، ولا ينكرها إلا معاند ومكابر، وكان مثل الكفر والعناد من القبح والفساد والبطلان كالظلمات التي ذكر بعضها فوق بعض وكالسراب والزبد الذي ذكر حيث قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ ، وكالظلمات التي ذكر حيث قال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ...

﴾ الآية [النور: 40] ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

وقال ابن عباس -  ما -: ﴿ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ ﴾ قال: الأنجم الخمسة دري: زهرة، وعطارد، والمشتري، وبهرام، والزحل.

قال قتادة: الدري: الضخم المنير.

قال الكسائي: من همز "دريء" فهو حسنه وظهوره وارتفاعه، تقول: درأ النجم، وهو فاش ظاهر في كلام العرب، ومن رفع الدال ومن لم يهمز فهو ينسبه إلى الدر، ومنهم من يرفع الدال ويهمز وأظنها لغة.

وقال أبو عمرو بن العلاء: الدري: النجم الذي تراه يتلألأ كأنه يجيء ويذهب.

وقد روي في الخبر عن رسول الله  قال: "إن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة؛ فتضيء الجنة بوجهه كأنه كوكب دري" ، [و] روي أن أبا بكر وعمر -  ما - لمنهم، وأنعم.

وأيضاً روي دري بالرفع.

وفي خبر آخر عنه: "إن أول زمرة تدخل الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على أضوأ كوكب دري في السماء، لكل امرئ منهم زوجتان اثنتان آدميتان يري مخ سوقهما من وراء اللحم، والذي نفس محمد بيده ما فيها غرب" وقوله: ﴿ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ ﴾ اختلف في قراءته: قرأه بعضهم: ﴿ يُوقَدُ ﴾ بالياء ورفعها ونصب القاف، يقول: المصباح يوقد.

ومن قرأها بالتاء ورفع الدال ونصب التاء رده على الزجاجة أراد تتوقد، ثم طرح إحدى التاءين.

ومن قرأ بالتاء ورفعها يعني: الزجاجة التي توقد.

و [قرأ] أهل مكة: (تَوقّد) بنصب التاء وتشديد القاف، يعني: المصباح توقد؛ فلذلك انتصب.

ومن قرأ: ﴿ يُوقَدُ ﴾ يعني: الكوكب أو المصباح.

وقوله: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ ﴾ قد ذكرنا بعض أقاويلهم فيما تقدم، لكنا نزيد فيها شيئاً.

قال قائل: هي شجرة ضاحية من حين تطلع الشمس إلى أن تغرب، ليس لها ظل شرقي ولا غربي، وزيتها أصفى الزيت وأعذبه وأطيبه.

وقال قائل: ليست بشرقية يحوزها المشرق دون المغرب، وليست بغربية يحوزها المغرب دون المشرق، ولكنها بارزة في صحراء أو في رأس جبل تصيبها الشمس النهار كله، وهو مثل الأول.

وقال الكسائي: ليست بشرقية وحدها، ولا بغربية وحدها ولكنها شرقية وغربية؛ كما تقول: لا آتيك ولا آتي فلاناً، له معنيان: إن شئت كان معناه: لا تأتي واحدا منهما، وإن شئت كان معناه: أنك [لا] تأتيهما معا، ومثله: والله لا آكل ولا يأكل زيد معنيان، وكان يقال: رجل لا يرجو الجنة ولا يخاف النار ويحب الفتنة: إنه رجل صالح: أما الفتنة فالمال والولد، قال الله  : ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ  ﴾ وهو يرجو الجنة ويخاف النار على ما فسرنا.

وقال بعضهم: ﴿ لاَّ شَرْقِيَّةٍ ﴾ يقول: لا تضحى للشمس من أول النهار إلى آخره، ولا غربية عليها ظل من أوّل النهار إلى آخره، ولكنها شرقية وغربية يصيبها الشمس والظل، والعرب تقول: لا خير في شجرة في مضآة، ولا خير في شجرة في مضحاة.

وقائل يقول: لا تطلع الشمس ولا تغرب.

وقائل يقول: هي شجرة بالشام ليست بالمشرق وليست بالمغرب.

والحسن يقول: والله لو كانت هذه الزيتونة في الأرض، لكانت شرقية أو غربية، والله ما هي في الأرض، ولكن هذا مثلٌ ضربه الله  لنوره وهو هذا القرآن.

وأما قوله: ﴿ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ ﴾ قال بعضهم: إيمان المؤمن نور، وعلمه نور، فهو نور على نور.

قال بعضهم: نور النار على نور الزيت، فذلك نور على نور، وهو بجودته يعني: الزيت.

وقال بعضهم: نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا، ولا يضيء واحد بغير صاحبه، كذلك نور القرآن ونور الإيمان إذا اجتمعا لا يكون أحدهما مضيئاً إلا بصاحبه.

وقال بعضهم: ما ذكرنا من نور الإيمان والعلم.

ثم معنى تشبيه ما ذكر بالزيت؛ لأن الزيت أصفى شيء وأطهر وأطيب شيء وأضوأ للسراج، وكل المنافع من الإدام والدواء وغيره [منه]، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ ﴾ اختلف فيه: قال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم، ويرفع قدرها - وهي المساجد - على غيرها من البيوت المسكونة بذكر اسم الله فيها، والتسبيح والتنزيه من الأقذار، والأنجاس، ومن الأمور الدنيوية.

وقال بعضهم: قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تبنى وتتخذ.

فإن كان التأويل هذا، ففيه الأمر ببناء المساجد واتخاذها.

وإن كان الأول، ففيه الأمر بتعظيم المساجد ورفع قدرها بما ذكر من ذكر الله والتسبيح فيها.

ثم الإذن في هذا الأمر لوجهين: أحدهما: بحق إقامة الجماعات فيها في هذه الصلوات المعروفة؛ إذ الأرض كلها في الأصل جعلت مسجداً؛ حيث قال رسول الله  : "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً" .

فهي من حق جواز الصلاة مسجد، فيخرج الأمر به مخرج الأمر ببنائها لإقامة الجماعات.

والثاني: أمر بها خصوصاً للمساجد؛ إذ غيرها من البيوت المسكونة إنما اتخذت وبنيت بالإذن والإباحة، فخص المساجد بالإذن ببنائها خصوصاً لها؛ إذ لو كان إذناً على ظاهر ما ذكر، لكان المساجد وغيرها من البيوت سواء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ فإن كان تأويل قوله: ﴿ أَن تُرْفَعَ ﴾ أي: تعظم ويرفع قدرها؛ فيكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ تفسيرا لذلك التعظيم والقدر الذي أمر، أي: أمر أن تعظم، ويرفع قدرها بذكر اسم الله فيها، وما ذكر من التسبيح.

وإن كان التأويل هو الأمر بالبناء يكون قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا ﴾ كذا على الابتداء، أي: أمر أن نبني سويا مساجد، وأمر أن يذكر فيها اسمه، ويسبح له فيها بالغدو والآصال.

ثم اختلف في تلاوة قوله: ﴿ يُسَبِّحُ لَهُ ﴾ : قرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بنصب الباء.

وقرأ بعضهم ﴿ يُسَبِّحُ ﴾ بخفض الباء.

فمن قرأها بالنصب صيره على الأول ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلْغُدُوِّ وَٱلآصَالِ ﴾ ، ثم ابتدأ فقال: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ .

ومن قرأها بالخفض - أعني: خفض الباء - صيره مقطوعاً من الأول مبتدأ به، أي: يسبح له فيها رجال بالغدو والآصال، ثم ابتدأ من قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ ﴾ ثم قوله: ﴿ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ ﴾ جائز أن يراد بذكر اسمه: الصلاة، وكذلك التسبيح.

ويحتمل أن يريد بذكر اسمه: جميع أنواع الأذكار من الخير.

ويراد بالتسبيح بالغدو والآصال: الصلاة المفروضة.

ثم قال بعضهم: الغدو: صلاة الغداة، والآصال: صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فيجعل الأصيل عبارة عن هذه الصلوات في أوقاتها.

وقال بعضهم: الآصال: صلاة العصر خاصة، وأما غيرها من الصلوات فإنما عرف لا بهذا ولكن بشيء آخر، والغدو هو صلاة الفجر، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ رِجَالٌ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ ﴾ ، أي: لا تشغلهم تجارة ولا بيع، ذكر التجارة والبيع، والبيع تجارة، ولكن كان اسم التجارة يجمع كل أنواع التقلب، واسم البيع يقع على خاص، وكذك يقال للذي يجمع أنواع التقلب: تاجر، وللذي يبيع شيئاً خاصّاً: بائع.

أخر أنه لا يشغلهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله.

ثم جاز أن يكون قوله: ﴿ لاَّ تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلاَ بَيْعٌ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ أي: لا يشتغلون بالتجارة والبيع، ولكن فرغوا أنفسهم لذكر الله، وإقامة الصلاة، وما ذكر.

وجائز أن يكون يتجرون ويبيعون لكن تجارتهم وبيعهم لا تشغلهم، ولا تمنعهم عن ذكر الله، يكونون أبداً في ذكر الله.

ثم قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ يحتمل الصلاة.

وقوله: ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ أي: تمام الصلاة بركوعها، وسجودها، وقراءتها، وجميع أسبابها، وشرائطها.

وجائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ جميع أنواع الأذكار ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ ﴾ وإقامة الصلاة بنفسها وإيتاء الزكاة.

وقال بعضهم: جائز أن يكون قوله: ﴿ عَن ذِكْرِ ٱللَّهِ ﴾ الخطبة ﴿ وَإِقَامِ ٱلصَّلاَةِ صلاة الجمعة؛ لأنه قال: وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً...

﴾ الآية [الجمعة: 11]، وقال: ﴿ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ  ﴾ وهي الخطبة.

[وهذا القول] غير مسموع من أهل التأويل، ولكنه يحتمل، والله أعلم.

وقوله - عز وجل -: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ وهو يوم القيامة يخبر عن شدة هول ذلك اليوم وخوفه إذ لا تثبت القلوب والأبصار فزعاً منه وخوفاً، كقوله: ﴿ مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ...

﴾ الآية [إبراهيم: 43]، وكقوله: ﴿ إِذِ ٱلْقُلُوبُ لَدَى ٱلْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ  ﴾ .

وجائز أن يكون قوله: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ يعرفون مرة، ويجهلون تارة، ويعتبرون يومئذ بما لم يعتبروا في الدنيا، ويقرون بما لم يقروا.

وقال بعضهم: ﴿ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلْقُلُوبُ ﴾ ، حين زالت عن أماكنها من الصدور، فنشبت في حلوقهم عند الحناجر، ثم قال: ﴿ وَٱلأَبْصَارُ ﴾ أي: تتقلب أبصارهم فيكونون رزقا، وهو قول مقاتل.

وقوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ ﴾ أي: يجزيهم الله جزاء إحسانهم، ويكفر عنهم مساويهم، ولا يجزيهم بها كقوله: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ...

﴾ الآية [الأحقاف: 16]، وكقوله: ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ٱلَّذِي كَـانُواْ يَعْمَلُونَ  ﴾ .

وقوله - عز وجل -: ﴿ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ على قدر حسناتهم، ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال بعضهم: ليس فوقه ملك يحاسبه فهو لذلك يرزق من يشاء بغير حساب لا يخاف من أحد يحاسبه كقوله ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ  ﴾ .

ويحتمل قوله: ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب يحاسبهم، ويدخلهم الجنة بلا محاسبة.

وجائز أن يكون ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي: يعطيهم بلا حساب أضعافاً مضاعفة ما لا يحصى لا على قدر أعمالهم، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

الله نور السماوات والأرض، وهادي من فيهما، مثل نوره سبحانه في قلب المؤمن كَكُوَّة في حائط غير نافذة، فيها مصباح، المصباح في زجاجة متوهجة كأنها كوكب مضيء كالدر، يوقد المصباح من زيت شجرة مباركة، هي شجرة الزيتون، الشجرة لا يسترها عن الشمس شيء ; لا في الصباح ولا في المساء، يكاد زيتها لصفائه يضيء، ولو لم تمسسه نار، فكيف إذا مسّته؟!

نور المصباح على نور الزجاجة، وهكذا قلب المؤمن إذا أشرق فيه نور الهداية، والله يوفق لاتباع القرآن من يشاء من عباده، ويبين الله الأشياء بأشباهها بضربه للأمثال, والله بكل شيء عليم، لا يخفى عليه شيء.

<div class="verse-tafsir" id="91.m2dM8"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
سبحان الله