الآية ٤٠ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٤٠ من سورة النور

أَوْ كَظُلُمَـٰتٍۢ فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ يَغْشَىٰهُ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ مَوْجٌۭ مِّن فَوْقِهِۦ سَحَابٌۭ ۚ ظُلُمَـٰتٌۢ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُۥ لَمْ يَكَدْ يَرَىٰهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورًۭا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 136 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٤٠ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٤٠ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

وهذا المثال مثال لذوي الجهل المركب .

فأما أصحاب الجهل البسيط ، وهم الطماطم الأغشام المقلدون لأئمة الكفر ، الصم البكم الذين لا يعقلون ، فمثلهم كما قال تعالى : ( أو كظلمات في بحر لجي ) : قال قتادة : وهو العميق .

( يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ) أي : لم يقارب رؤيتها من شدة الظلام ، فهذا مثل قلب الكافر الجاهل البسيط المقلد الذي لا يدري أين يذهب ، ولا [ هو ] يعرف حال من يقوده ، بل كما يقال في المثل للجاهل : أين تذهب؟

قال : معهم .

قيل : فإلى أين يذهبون؟

قال : لا أدري .

وقال العوفي ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما : ( يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ) يعني بذلك : الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر ، وهي كقوله : ( ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم ) [ البقرة : 7 ] ، وكقوله : ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ) [ الجاثية : 23 ] .

وقال أبي بن كعب في قوله : ( ظلمات بعضها فوق بعض ) فهو يتقلب في خمسة من الظلم : كلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات ، إلى النار .

وقال الربيع بن أنس ، والسدي نحو ذلك أيضا .

وقوله : ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) أي : من لم يهده الله فهو هالك جاهل حائر بائر كافر ، كما قال تعالى : ( من يضلل الله فلا هادي له ) [ الأعراف : 186 ] وهذا [ في ] مقابلة ما قال في مثل المؤمنين : ( يهدي الله لنوره من يشاء ) فنسأل الله العظيم أن يجعل في قلوبنا نورا ، وعن أيماننا نورا ، وعن شمائلنا نورا ، وأن يعظم لنا نورا .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار، يقول تعالى ذكره: ومثل أعمال هؤلاء الكفار، في أنها عمِلت على خطأ وفساد وضلالة وحيرة من عمالها فيها، وعلى غير هدى، مثَلُ ظلمات في بحر لجِّيّ، ونسب البحر إلى اللجة وصفًا له بأنه عميق كثير الماء، ولجة البحر معظمه ( يَغْشَاهُ مَوْجٌ ) يقول: يغشى البحر موج ( مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ) يقول: من فوق الموج موج آخر يغشاه، ( مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ) يقول: من فوق الموج الثاني الذي يغشى الموج الأوّل سحاب، فجعل الظلمات مثلا لأعمالهم، والبحر اللجيّ مثلا لقلب الكافر، يقول: عمل بنية قلب قد غمره الجهل، وتغشَّته الضلال والحيرة، كما يغشى هذا البحر اللجّي موج من فوقه موج من فوقه سحاب، فكذلك قلب هذا الكافر الذي مثل عمله مثل هذه الظلمات، يغشاه الجهل بالله، بأن الله ختم عليه، فلا يعقل عن الله، وعلى سمعه، فلا يسمع مواعظ الله، وجعل على بصره غشاوة فلا يبصر به حجج الله، فتلك ظلمات بعضها فوق بعض (4) .

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ) ...

إلى قوله: ( مِنْ نُورٍ ) قال: يعني بالظلمات: الأعمال، وبالبحر اللجّي: قلب الإنسان، قال: يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، قال: ظلمات بعضها فوق بعض، يعني بذلك الغشاوة التي على القلب والسمع والبصر، وهو كقوله: خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...

الآية، وكقوله: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ...

إلى قوله: أَفَلا تَذَكَّرُونَ .

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة في قوله: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ) عميق، وهو مثل ضربه الله للكافر، يعمل في ضلالة وحيرة، قال: ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ).

ورُوي عن أُبيّ بن كعب ما حدثني عبد الأعلى بن واصل، قال: ثنا عبيد الله بن موسى قال: أخبرنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية، عن أبيّ بن كعب، في قوله: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ) ...

الآية، قال: ضرب مثلا آخر للكافر، فقال: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ) ...

الآية، قال: فهو يتقلب في خمس من الظلم: فكلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر الرازي، عن أبي الربيع، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب، بنحوه.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ) ...

إلى قوله: ( ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) قال: شرّ بعضه فوق بعض.

وقوله: ( إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ) يقول: إذا أخرج الناظر يده في هذه الظلمات لم يكد يراها.

فإن قال لنا قائل: وكيف قيل: ( لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ) ، مع شدّة هذه الظلمة التي وصف، وقد علمت أن قول القائل: لم أكد أرى فلانا، إنما هو إثبات منه لنفسه رؤيته بعد جهد وشدّة، ومن دون الظلمات التي وصف في هذه الآية ما لا يرى الناظر يده إذا أخرجها فيه، فكيف فيها؟

قيل في ذلك أقوال نذكرها، ثم نخبر بالصواب من ذلك، أحدها: أن يكون معنى الكلام: إذا أخرج يده رائيا لها لم يكد يراها: أي لم يعرف من أين يراها، فيكون من المقدّم الذي معناه التأخير، ويكون تأويل الكلام على ذلك: إذا أخرج يده لم يقرب أن يراها.

والثاني: أن يكون معناه: إذا أخرج يده لم يرها (5) ويكون قوله: ( لَمْ يَكَدْ ) في دخوله في الكلام نظير دخول الظنّ فيما هو يقين من الكلام، كقوله: وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ونحو ذلك.

والثالث: أن يكون قد رآها بعد بطء وجهد، كما يقول القائل لآخر: ما كدت أراك من الظلمة، وقد رآه، ولكن بعد إياس وشدة، وهذا القول الثالث أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب أكاد في كلامها، والقول الآخر الذي قلنا إنه يتوجه إلى أنه بمعنى لم يرها، قول أوضح من جهة التفسير، وهو أخفى معانيه.

وإنما حسُن ذلك في هذا الموضع، أعني أن يقول: لم يكد يراها مع شدة الظلمة التي ذكر; لأن ذلك مثل لا خبر عن كائن كان.( وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ) يقول: من لم يرزقه الله إيمانا وهدى من الضلالة ومعرفة بكتابه، ( فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ): يقول فما له من إيمان وهدى ومعرفة بكتابه.

------------------------ الهوامش: (4) قال الشوكاني في فتح القدير ( 4: 38 ) : ومن غرائب التفاسير : أنه سبحانه وتعالى أراد بالظلمات أعمال الكافر ، وبالبحر اللجى قلبه ، وبالموج : ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة .

والسحاب : الرين والختم والطبع على قلبه .

وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد 1 هـ .

(5) في فتح القدير للشوكاني ( طبعة الحلبي 4 : 38 ) قال الزجاج وأبو عبيدة : لم يرها ولم يكد .

وقال الفراء : إن كاد زائدة ، وقال المحقق الرضي في شرحه لكافية ابن الحاجب ( 2 : 306 ) : إن نفي القرب من الفعل أبلغ في انتفاء ذلك الفعل ، من نفي الفعل نفسه ؛ فإن ما قربت من الضرب ، آكد في نفي الضرب من ما ضربت .

أ هـ .

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نورقوله تعالى : أو كظلمات في بحر لجي ضرب تعالى مثلا آخر للكفار أي أعمالهم كسراب بقيعة أو كظلمات .

قال الزجاج : إن شئت مثل بالسراب ، وإن شئت مثل بالظلمات ف ( أو ) للإباحة حسبما تقدم من القول في ( أو كصيب ) .

وقالالجرجاني : الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار ، والثانية في ذكر كفرهم ونسق الكفر على أعمالهم لأن الكفر أيضا من أعمالهم وقد قال تعالى : يخرجهم من الظلمات إلى النور أي من الكفر إلى الإيمان ، وقال أبو علي : أو كظلمات أو كذي ظلمات ؛ ودل على هذا المضاف قوله تعالى : إذا أخرج يده فالكناية تعود إلى المضاف المحذوف .

قال القشيري : فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار ، وعند الجرجاني لكفر الكافر ، وعند أبي علي للكافر .

وقال ابن عباس في رواية : هذا مثل قلب الكافر .

في بحر لجي قيل : هو منسوب اللجة ، وهو الذي لا يدرك قعره .

واللجة معظم الماء ، والجمع لجج .

والتج البحر إذا تلاطمت أمواجه ؛ [ ص: 264 ] ومنه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من ركب البحر إذا التج فقد برئت منه الذمة .

والتج الأمر إذا عظم واختلط .

وقوله تعالى : ( حسبته لجة ) أي ما له عمق .

ولججت السفينة أي خاضت اللجة ( بضم اللام ) .

فأما اللجة ( بفتح اللام ) فأصوات الناس يقول : سمعت لجة الناس ؛ أي أصواتهم وصخبهم .

قال أبو النجم :في لجة أمسك فلانا عن فلوالتجت الأصوات أي اختلطت وعظمت .

يغشاه موج أي يعلو ذلك البحر اللجي موج .

من فوقه موج أي من فوق الموج موج ، ومن فوق هذا الموج الثاني سحاب ؛ فيجتمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب .

وقيل : المعنى يغشاه موج من بعده موج ؛ فيكون المعنى : الموج يتبع بعضه بعضا حتى كأن بعضه فوق بعض ، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب ، ومن فوق هذا الموج سحاب .

وهو أعظم للخوف من وجهين : أحدهما : أنه قد غطى النجوم التي يهتدى بها .

الثاني : الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه .

ظلمات بعضها فوق بعض قرأ ابن محيصن ، والبزي ، عن ابن كثير ( سحاب ظلمات ) بالإضافة والخفض .

قنبل ( سحاب ) منونا ( ظلمات ) بالجر والتنوين .

الباقون بالرفع والتنوين .

قال المهدوي : من قرأ ( من فوقه سحاب ظلمات ) بالإضافة فلأن السحاب يرتفع وقت هذه الظلمات فأضيف إليها ؛ كما يقال : سحاب رحمة ، إذا ارتفع في وقت المطر .

ومن قرأ ( سحاب ظلمات ) جر ( ظلمات ) على التأكيد ل ( ظلمات ) الأولى أو البدل منها .

و ( سحاب ) ابتداء ، و ( من فوقه ) الخبر .

ومن قرأ ( سحاب ظلمات ) فظلمات خبر ابتداء محذوف ؛ التقدير : هي ظلمات أو هذه ظلمات .

قال ابن الأنباري : من فوقه موج غير تام ؛ لأن قوله : من فوقه سحاب صلة للموج ، والوقف على قوله : من فوقه سحاب حسن ، ثم تبتدئ ظلمات بعضها فوق بعض على معنى هي ظلمات بعضها فوق بعض .

وروي عن أهل مكة أنهم قرءوا ( ظلمات ) على معنى أو كظلمات ظلمات بعضها فوق بعض ؛ فعلى هذا المذهب لا يحسن الوقف على السحاب .

ثم قيل : المراد بهذه الظلمات ظلمة السحاب ، وظلمة الموج ، وظلمة الليل ، وظلمة البحر ؛ فلا يبصر من كان في هذه الظلمات شيئا ولا كوكبا .

وقيل : المراد بالظلمات الشدائد ؛ أي شدائد بعضها فوق بعض .

وقيل : أراد بالظلمات أعمال الكافر ، وبالبحر اللجي قلبه ، وبالموج فوق الموج ما يغشى قلبه من الجهل ، والشك ، والحيرة ، وبالسحاب الرين ، والختم ، والطبع على قلبه .

روي معناه عن ابن عباس وغيره ؛ أي لا يبصر بقلبه [ ص: 265 ] نور الإيمان ، كما أن صاحب الظلمات في البحر إذا أخرج يده لم يكد يراها .

وقال أبي بن كعب : الكافر يتقلب في خمس من الظلمات : كلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره يوم القيامة إلى الظلمات في النار وبئس المصير .

إذا أخرج يده يعني الناظر .

لم يكد يراها أي من شدة الظلمات .

قال الزجاج ، وأبو عبيدة : المعنى لم يرها ولم يكد ؛ وهو معنى قول الحسن .

ومعنى لم يكد لم يطمع أن يراها .

وقال الفراء : كاد صلة ، أي لم يرها ؛ كما تقول : ما كدت أعرفه .

وقال المبرد : يعني لم يرها إلا من بعد الجهد ؛ كما تقول : ما كدت أراك من الظلمة ، وقد رآه بعد يأس وشدة .

وقيل : معناه قرب من الرؤية ، ولم ير كما يقال : كاد العروس يكون أميرا وكاد النعام يطير ، وكاد المنتعل يكون راكبا .

النحاس : وأصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها ، فإذا لم يقارب رؤيتها فلم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة .

ومن لم يجعل الله له نورا نورا يهتدي به حين أظلمت عليه الأمور .

وقال ابن عباس : أي من لم يجعل الله له دينا فما له من دين ، ومن لم يجعل الله له نورا يمشي به يوم القيامة لم يهتد إلى الجنة ؛ كقوله تعالى : ويجعل لكم نورا تمشون به .

وقال الزجاج : ذلك في الدنيا والمعنى : من لم يهده الله لم يهتد .

وقال مقاتل بن سليمان : نزلت في عتبة بن ربيعة ، كان يلتمس الدين في الجاهلية ، ولبس المسوح ، ثم كفر في الإسلام .

الماوردي : في شيبة بن ربيعة ، وكان يترهب في الجاهلية ويلبس الصوف ويطلب الدين ، فكفر في الإسلام .قلت : وكلاهما مات كافرا ، فلا يبعد أن يكونا هما المراد بالآية وغيرهما .

وقد قيل : نزلت في عبد الله بن جحش ، وكان أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة ثم تنصر بعد إسلامه .

وذكر الثعلبي : وقال أنس قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله تعالى خلقني من نور ، وخلق أبا بكر من نوري ، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر ، وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر ، وخلق المؤمنات من أمتي من نور عائشة ، فمن لم يحبني ، ويحب أبا بكر ، وعمر ، وعائشة فما له من نور .

فنزلت ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

والمثل الثاني، لبطلان أعمال الكفار { كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ } بعيد قعره، طويل مداه { يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } ظلمة البحر اللجي، ثم فوقه ظلمة الأمواج المتراكمة، ثم فوق ذلك، ظلمة السحب المدلهمة، ثم فوق ذلك ظلمة الليل البهيم، فاشتدت الظلمة جدا، بحيث أن الكائن في تلك الحال { إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } مع قربها إليه، فكيف بغيرها، كذلك الكفار، تراكمت على قلوبهم الظلمات، ظلمة الطبيعة، التي لا خير فيها، وفوقها ظلمة الكفر، وفوق ذلك، ظلمة الجهل، وفوق ذلك، ظلمة الأعمال الصادرة عما ذكر، فبقوا في الظلمة متحيرين، وفي غمرتهم يعمهون، وعن الصراط المستقيم مدبرين، وفي طرق الغي والضلال يترددون، وهذا لأن الله تعالى خذلهم، فلم يعطهم من نوره، { وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ } لأن نفسه ظالمة جاهلة، فليس فيها من الخير والنور، إلا ما أعطاها مولاها، ومنحها ربها.

يحتمل أن هذين المثالين، لأعمال جميع الكفار، كل منهما، منطبق عليها، وعددهما لتعدد الأوصاف، ويحتمل أن كل مثال، لطائفة وفرقة.

فالأول، للمتبوعين، والثاني، للتابعين، والله أعلم.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

(أو كظلمات ) وهذا مثل آخر ضربه الله لأعمال الكفار ، يقول : مثل أعمالهم من فسادها وجهالتهم فيها كظلمات ، ( في بحر لجي ) وهو العميق الكثير الماء ، ولجة البحر : معظمه ، ( يغشاه ) يعلوه ، ( موج من فوقه موج ) متراكم ، ( من فوقه سحاب ) ، ، قرأ ابن كثير برواية القواس : " سحاب " بالرفع والتنوين ، ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله " أو كظلمات " .

وروى أبو الحسن البري عنه : " سحاب ظلمات " بالإضافة ، وقرأ الآخرون " سحاب ظلمات " ، كلاهما بالرفع والتنوين ، فيكون تمام الكلام عند قوله " سحاب " ثم ابتدأ فقال : ( ظلمات بعضها فوق بعض ) ظلمة السحاب وظلمة الموج وظلمة البحر بعضها فوق بعض ، أي : ظلمة الموج على ظلمة البحر ، وظلمة الموج فوق الموج ، وظلمة السحاب على ظلمة الموج ، وأراد بالظلمات أعمال الكافر وبالبحر اللجي قلبه ، وبالموج ما يغشى قلبه من الجهل والشك والحيرة ، وبالسحاب الختم والطبع على قلبه .

قال أبي بن كعب : في هذه الآية الكافر يتقلب في خمسة من الظلم : فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار .

( إذا أخرج ) يعني الناظر ، ( يده لم يكد يراها ) يعني لم يقرب من أن يراها من شدة الظلمة .

وقال الفراء : " يكد " صلة ، أي : لم يرها ، قال المبرد : يعني لم يرها إلا بعد الجهد ، كما يقول القائل : ما كدت أراك من الظلمة وقد رآه ، ولكن بعد يأس وشدة .

وقيل : معناه قرب من رؤيتها ولم يرها ، كما يقال : كاد النعام يطير .

( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) قال ابن عباس : من لم يجعل الله له دينا وإيمانا فلا دين له .

وقيل : من لم يهده الله فلا إيمان له ولا يهديه أحد .

وقال مقاتل : نزلت هذه الآية في عتبة بن ربيعة بن أمية كان يلتمس الدين في الجاهلية ويلبس المسوح فلما جاء الإسلام كفر .

والأكثرون على أنه عام في جميع الكفار .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«أو» الذين كفروا أعمالهم السيئة «كظلمات في بحر لجَّي» عميق «يغشاه موج من فوقه» أي الموج «موج من فوقه» أي الموج الثاني «سحاب» أي غيم، هذه «ظلمات بعضها فوق بعض» ظلمة البحر وظلمة الموج الأول، وظلمة الثاني وظلمة السحاب «إذا أخرج» الناظر «يده» في هذه الظلمات «لم يكد يراها» أي لم يقرب من رؤيتها «ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور» أي من لم يهده الله لم يهتد.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

أو تكون أعمالهم مثل ظلمات في بحر عميق يعلوه موج، من فوق الموج موج آخر، ومِن فوقه سحاب كثيف، ظلمات شديدة بعضها فوق بعض، إذا أخرج الناظر يده لم يقارب رؤيتها من شدة الظلمات، فالكفار تراكمت عليهم ظلمات الشرك والضلال وفساد الأعمال.

ومن لم يجعل الله له نورًا من كتابه وسنة نبيه يهتدي به فما له مِن هاد.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

وقوله - تعالى - : ( أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ) مثال آخر لأعمال الكافرين التى لا ينتفعون بها مع أنهم يعتقدون أنها ستنفعهم .فحرف " أو " للتقسيم ، وما بعدها معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك ، " كسراب بقيعة " .والمعنى : أو أن الأعمال الحسنة فى الدنيا لهؤلاء الكافرين ، مثلها - من حيث خلوها عن نور الحق وعن النفع - كمثل " ظلمات " كثيفة " فى بحر لجى " أى : عميق الماء كثيره ، من اللج وهو معظم ماء البحر ." يغشاه موج " أى : هذا البحر اللجى .

يغطيه ويستره ويعلوه موج عظيم " من فوقه موج " آخر أشد منه " من فوقه سحاب " أى : من فوق تلك الأمواج الهائلة الشديدة ، سحاب كثيف متراكم قائم ." ظلمات بعضها فوق بعض " أى : هذه الأمواج المتلاطمة ، وتحتها البحر العميق المظلم ، وفوقها السحب الفاتحة الداكنة ، هى ظلمات بعضها فوق بعض ، " إذا أخرج يده لم يكد يراها " أى : إذا أخرج الواقع فى تلك الظلمات يده التى هى جزء منه ، لم يكد يراها من شدة تراكم الظلمات .قال الآلوسى : " إذا أخرج " أى : من ابتلى بهذه الظلمات " يده " وجعلها بمرأى منه ، قريبة من عينيه لينظر إليها " لم يكد يراها " أى : لم يقرب من رؤيتها ، وهى أقرب شىء إليه ، فضلا عن أن يراها .

.

.ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال : ( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ) .والمعنى : وأى إنسان لم يشأ الله - تعالى - أن يجعل له نورا يهديه إلى الصراط المستقيم فما لهذا الإنسان من نور يهديه إلى الحق والخير ، من أى مخلوق كائنا من كان ، إذ أن الذى يملك منح النور الهادى إنما هو الله - تعالى - وحده .قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهاتين الآيتين ما ملخصه : هذان مثلان ضربهما الله - تعالى - لنوعى الكفار ، فأما المثال الأول ، فهو للكفار الدعاة إلى كفرهم ، الذين يحسبون أنهم على شىء من الأعمال والاعتقادات وليسوا فى نفس الأمر على شىء " فمثلهم فى ذلك كالسراب الذى يرى فى القيعان من الأرض عن بعد كأنه بحر طام .وهذا المثال مثال لذوى الجهل المركب - أى الذين يعتقدون الباطل ويزعمون أنه الحق - والمثال الثانى لأصحاب الجهل البسيط ، وهم الأغشام والمقلدون لأئمة الكفر فمثلهم كما قال - تعالى : " أو كظلمات فى بحر لجى .

.

.

" .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أنه سبحانه لما بين حال المؤمن، وأنه في الدنيا يكون في النور وبسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح، ثم بين أنه في الآخرة يكون فائزاً بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبع ذلك بأن بين أن الكافر يكون في الآخرة في أشد الخسران، وفي الدنيا في أعظم أنواع الظلمات، وضرب لكل واحد منهما مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فهو قوله: ﴿ والذين كَفَرُواْ أعمالهم كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ قال الأزهري: السراب ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبيه الماء الجاري وليس بماء ولكن الذي ينظر إليه من بعيد يظنه ماء جارياً يقال سرب الماء يسرب سروباً إذا جرى فهو سارب، أما الآل فهو ما يتراءى للعين في أول النهار فيرى الناظر الصغير كبيراً، وظاهر كلام الخليل أن الآل والسراب واحد، وأما القيعة فقال الفراء: هو جمع قاع مثل جار وجيرة والقاع المنبسط المستوي من الأرض وقال صاحب الكشاف القيعة بمعنى القاع، وقال الزجاج الظمآن: قد يخفف همزه، وهو الشديد العطش، ثم وجه التشبيه أن الذي يأتي به الكافر إن كان من أفعال البر فهو لا يستحق عليه ثواباً، مع أنه يعتقد أن له ثواباً عليه، وإن كان من أفعال الإثم فهو يستحق عليه عقاباً مع أنه يعتقد أنه يستحق عليه ثواباً، فكيف كان فهو يعتقد أن له ثواباً عند الله تعالى، فإذا وافى عرصات القيامة، ولم يجد الثواب بل وجد العقاب العظيم عظمت حسرته وتناهى غمه، فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى الماء فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به ويرجو به النجاة ويقوى طمعه فإذا جاءه وأيس مما كان يرجوه فيعظم ذلك عليه وهذا المثال في غاية الحسن، قال مجاهد السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته ومفارقة الدنيا فإن قيل قوله: ﴿ حتى إِذَا جَاءهُ ﴾ يدل على كونه شيئاً وقوله: ﴿ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ﴾ مناقض له؟

قلنا الجواب عنه من وجوه ثلاثة: الأول: المراد معناه أنه لم يجده شيئاً نافعاً كما يقال فلان ما عمل شيئاً وإن كان قد اجتهد الثاني: حتى إذا جاءه أي جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئاً فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه الثالث: الكناية للسراب لأن السراب يرى من بعيد بسبب الكثافة كأنه ضباب وهباء وإذا قرب منه رق وانتثر وصار كالهواء.

أما قوله: ﴿ وَوَجَدَ الله عِندَهُ فوفاه حِسَابَهُ ﴾ أي وجد عقاب الله الذي توعد به الكافر عند ذلك فتغير ما كان فيه من ظن النفع العظيم إلى تيقن الضرر العظيم، أو وجد زبانية الله عنده يأخذونه فيقبلون به إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق، وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ  ﴾ ، ﴿ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا  ﴾ ، ﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ  ﴾ وقيل نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية، كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

أما قوله: ﴿ والله سَرِيعُ الحساب ﴾ فذاك لأنه سبحانه عالم بجميع المعلومات فلا يشق عليه الحساب، وقال بعض المتكلمين معناه لا يشغله محاسبة واحد عن آخر كنحن، ولو كان يتكلم بآلة كما يقوله المشبهة لما صح ذلك، وأما المثل الثاني فهو قوله: ﴿ أَوْ كظلمات فِي بَحْرٍ لُّجّىّ ﴾ وفي لفظة (أو) هاهنا وجوه: أحدها: اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات.

وثانيها: تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا.

وثالثها: الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال: ﴿ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور  ﴾ أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ وأما البحر اللجي فهو ذو اللجنة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر، وفي اللجى لغتان كسر اللام وضمها، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلماً جداً بسبب غمورة الماء، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى، فالواقع في قعر هذا البحر اللجى يكون في نهاية شدة الظلمة، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى: ﴿ نُّورٌ على نُورٍ  ﴾ وفي قوله: ﴿ يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم  ﴾ ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر: أحدها: أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن.

وثانيها: شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس.

وثالثها: أن الكافر لا يدري ولا يدري أنه لا يدري ويعتقد أنه يدري، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات.

ورابعها: أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره، قد تراكمت عليه الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها.

وخامسها: قلب مظلم في صدر مظلم.

أما قوله: ﴿ ظلمات بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ فروي عن ابن كثير أنه قرأ (سحاب) وقرأ (ظلمات) بالجر على البدل من قوله: ﴿ أَوْ كظلمات ﴾ وعنه أيضاً أنه قرأ ﴿ سَحَابٌ ظلمات ﴾ كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين ﴿ سَحَابٌ ظلمات ﴾ كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله: ﴿ سَحَابٌ ﴾ ثم ابتدأ ﴿ ظلمات ﴾ أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض.

أما قوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ ففيه قولان: أحدهما: أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله: ﴿ وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ  ﴾ نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام: «كاد الفقر أن يكون كفراً» إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا هاهنا قوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ معناه أنه رآها والثاني: أن كاد معناه المقاربة فقوله: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضاً وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين: الأول: أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات الثاني: أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية ألبتة مع هذه الظلمات.

أما قوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال: ﴿ يَهْدِى الله لِنُورِهِ مَن يَشَاء ﴾ ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه، وقال القاضي المراد بقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي في الدنيا بالألطاف ﴿ فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي مخلصاً في الآخرة وفوزاً بالثواب ﴿ فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ والكلام عليه تزييفاً وتقريراً معلوم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

اللجيّ: العميق الكثير الماء.

منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر.

وفي ﴿ أَخْرَجَ ﴾ ضمير الواقع فيه ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ مبالغة في لم يرها؛ أي: لم يقرب أن يراها؛ فضلاً عن أن يراها.

ومثله قول ذي الرمة: إذَا غَيَّرَ النَّأْيُ الْمُحَبِّينَ لَمْ يَكَد ** رَسِيسُ الْهَوَى مِنْ حُبِّ مَيَّة يَبْرَحُ أي لم يقرب من البراح فما باله يبرح؟

شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئاً، ولم يكفه خيبة وكمداً أن لم يجد شيئاً كغيره من السراب، حتى وجد عنده الزبانية تعتله إلى النار، ولا يقتل ظمأه بالماء.

وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة، وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لجّ البحر والأمواج والسحاب، ثم قال: ومن لم يوله نور توفيقه وعصمته ولطفه، فهو في ظلمة الباطل لا نور له.

وهذا الكلام مجراه مجرى الكنايات؛ لأن الألطاف إنما تردف الإيمان والعمل الصالح.

أو كونهما مترقبين، ألا ترى إلى قوله: ﴿ والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾ [العنكبوت: 69] وقوله: ﴿ وَيُضِلُّ الله الظالمين ﴾ [إبراهيم: 27] وقرئ: ﴿ سحاب ظلمات ﴾ على الإضافة.

وسحاب ظلمات، برفع ﴿ سَحَابٌ ﴾ وتنوينه وجرّ ﴿ ظلمات ﴾ بدلاً من ﴿ ظلمات ﴾ الأولى.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ أوْ كَظُلُماتٍ ﴾ عُطِفَ عَلى ( كَسَرابٍ ) و ( أوْ ) لِلتَّخْيِيرِ فَإنَّ أعْمالَهم لِكَوْنِها لاغِيَةً لا مَنفَعَةَ لَها كالسَّرابِ، ولِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ نُورِ الحَقِّ كالظُّلُماتِ المُتَراكِمَةِ مِن لُجِّ البَحْرِ والأمْواجِ والسَّحابِ، أوْ لِلتَّنْوِيعِ فَإنَّ أعْمالَهم إنْ كانَتْ حَسَنَةً فَكالسَّرابِ وإنْ كانَتْ قَبِيحَةً فَكالظُّلُماتِ، أوْ لِلتَّقْسِيمِ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ فَإنَّها كالظُّلُماتِ في الدُّنْيا وكالسَّرابِ في الآخِرَةِ.

﴿ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ ذِي لُجٍّ أيْ عَمِيقٍ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ وهو مُعْظَمُ الماءِ.

﴿ يَغْشاهُ ﴾ يَغْشى البَحْرَ.

﴿ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ ﴾ أيْ أمْواجٌ مُتَرادِفَةٌ مُتَراكِمَةٌ.

﴿ مِن فَوْقِهِ ﴾ مِن فَوْقِ المَوْجِ الثّانِي.

﴿ سَحابٌ ﴾ غَطّى النُّجُومَ وحَجَبَ أنْوارَها، والجُمْلَةُ صِفَةٌ أُخْرى لِلْـ ( بَحْرٍ ) .

﴿ ظُلُماتٌ ﴾ أيْ هَذِهِ ظُلُماتٌ.

﴿ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ بِالجَرِّ عَلى إبْدالِها مِنَ الأُولى أوْ بِإضافَةِ الـ ( سَحابٌ ) إلَيْها في رِوايَةِ البَزِّيِّ.

﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ ﴾ وهي أقْرَبُ ما يُرى إلَيْهِ.

﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ لَمْ يَقْرُبْ أنْ يَراها فَضْلًا أنْ يَراها كَقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ: إذا غَيَّرَ النَّأْيُ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ.

.

.

رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مَيَّةَ يَبْرَحُ والضَّمائِرُ لِلْواقِعِ في البَحْرِ وإنْ لَمْ يَجْرِ ذَكَرُهُ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ.

﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ﴾ ومَن لَمْ يُقَدِّرُ لَهُ الهِدايَةَ ولَمْ يُوَفِّقْهُ لِأسْبابِها.

﴿ فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ بِخِلافِ المُوَفَّقِ الَّذِي لَهُ نُورٌ عَلى نُورٍ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)

{أو كظلمات في بحر} أو هنا كأوفى أَوْ كَصَيّبٍ {لُّجّىّ} عميق كثير الماء منسوب إلى اللج وهو معظم ماء البحر

{يغشاه} يغشى البحر أو من فيه أى يعلوه ويغطيه {موج} هوما ارتفع من الماء {مّن فَوْقِهِ مَوْجٌ} أي من فوق الموج وظلمة السحاب على الموج {إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ} أي الواقع فيه {لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا} مبالغة في لم يرها أي لم يقرب أن يراها فضلاً عن أن يراها شبه أعمالهم أولاً في فوات نفعها وحضور ضررها بسراب لم يجده من خدعه من بعيد شيئاً ولم يكفه خيبة وكمدا ان يجد شيئاً كغيره من السراب حتى وجد عنده الزبانية تعتليه إلى النار وشبهها ثانياً في ظلمتها وسوادها لكونها باطلة وفي خلوها عن نور الحق بظلمات متراكمة من لج البخر والأمواج والسحاب {وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ} من لم يهده الله لم يهتد عن الزجاج في الحديث خلق الله الخلق ظلمة ثم رش عليهم من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ أوْ كَظُلُماتٍ ﴾ عَطْفٌ عَلى ﴿ كَسَرابٍ ﴾ ، وكَلِمَةٌ أوْ قِيلَ لِتَقْسِيمِ حالِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، وجَوَّزَ الإطْلاقَ بِاعْتِبارِ وقْتَيْنِ فَإنَّها كالسَّرابِ في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ عَدَمِ نَفْعِها وكالظُّلُماتِ في الدُّنْيا مِن حَيْثُ خُلُوِّها عَنْ نُورِ الحَقِّ، وخَصَّ هَذا بِالدُّنْيا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ فَإنَّهُ ظاهِرٌ في الهِدايَةِ والتَّوْفِيقِ المَخْصُوصِ بِها، والأوَّلُ بِالآخِرَةِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ووَجَدَ ﴾ إلَخْ وقَدَّمَ أحْوالَ الآخِرَةِ الَّتِي هي أعْظَمُ وأهَمُّ لِاتِّصالِ ذَلِكَ بِما يَتَعَلَّقُ بِها مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ ﴾ إلَخْ ثُمَّ ذَكَرَ أحْوالَ الدُّنْيا تَتْمِيمًا لَها.

وجَوَّزَ أنْ يَعْكِسَ ذَلِكَ فَيَكُونُ المُرادُ مِنَ الأوَّلِ تَشْبِيهُ أعْمالِهِمْ بِالسَّرابِ في الدُّنْيا حالَ المَوْتِ، ومِنَ الثّانِي تَشْبِيهُها بِالظُّلُماتِ في القِيامَةِ كَما فِي الحَدِيثِ ««الظُّلَمُ ظُلُماتٌ يَوْمَ القِيامَةِ»» ويَكُونُ ذَلِكَ تَرَقِّيًا مُناسِبًا لِلتَّرْتِيبِ الوُقُوعِي ولَيْسَ بِذَلِكَ لِما سَمِعْتَ، وقِيلَ لِلتَّنْوِيعِ، وذَلِكَ أنَّهُ أثَّرَ ما مَثَّلَتْ أعْمالُهُمُ الَّتِي كانُوا يَعْتَمِدُونَ عَلَيْها أقْوى اعْتِمادٍ ويَفْتَخِرُونَ بِها في كُلِّ وادٍ ونادٍ بِما ذُكِرَ مِن حالِ السَّرابِ مُثِّلَتْ أعْمالُهُمُ القَبِيحَةُ الَّتِي لَيْسَ فِيها شائِبَةٌ خَيْرِيَّةٌ يَغْتَرُّ بِها المُغْتَرُّونَ بِالظُّلُماتِ المَذْكُورَةِ، وزَعَمَ الجُرْجانِيُّ أنَّ المُرادَ هُنا تَشْبِيهُ كُفْرِهِمْ فَقَطْ وهو كَما تَرى.

والظّاهِرُ عَلى التَّنْوِيعِ أنْ يُرادَ مِنَ الأعْمالِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أعْمالُهُمْ ﴾ ما يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ يَأْبى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ بِناءً عَلى دُخُولِهِ في التَّشْبِيهِ لِأنَّ أعْمالَهُمُ الصّالِحَةَ وإنْ سَلَمَ أنَّها لا تَنْفَعُ مَعَ الكَفَرَةِ لا وخامَةَ في عاقِبَتِها كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ ووَجَدَ ﴾ إلَخْ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ لَيْسَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ سَبَبَ العِقابِ الأعْمالُ الصّالِحَةُ بَلْ وجَدَ أنَّ العِقابَ بِسَبَبِ قَبائِحِ أعْمالِهِمْ لَكِنَّها ذُكِرَتْ جَمِيعُها لِبَيانِ أنَّ بَعْضَها جُعِلَ هَباءً مَنثُورًا وبَعْضُها مُعاقَبٌ بِهِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِلتَّخْيِيرِ في التَّشْبِيهِ لِمُشابِهَةِ أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ أوْ مُطْلَقًا السَّرابُ لِكَوْنِها لاغِيَةً لا مَنفَعَةَ فِيها، والظُّلُماتُ المَذْكُورَةُ لِكَوْنِها خالِيَةً عَنْ نُورِ الحَقِّ، واخْتارَهُ الكَرْمانِيُّ.

واعْتَرَضَ بِأنَّ الرَّضِيَّ كَغَيْرِهِ ذَكَرَ أنَّها لا تَكُونُ لِلتَّخْيِيرِ إلّا في الطَّلَبِ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ وإنِ اشْتُهِرَ ذَلِكَ فَقَدْ ذَهَبَ كَثِيرٌ إلى عَدَمِ اخْتِصاصِهِ بِهِ كابْنِ مالِكٍ والزَّمَخْشَرِيِّ ووُقُوعُهُ في التَّشْبِيهِ كَثِيرٌ، وأيًّا ما كانَ فَلَيْسَ في الكَلامِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ.

وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: فِيهِ مُضافٌ مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ أوْ كَذِي ظُلُماتٍ، ودَلَّ عَلَيْهِ ما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ ﴾ والتَّشْبِيهُ عِنْدَهُ هُنا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْأعْمالِ عَلى نَمَطِ التَّشْبِيهِ السّابِقِ ويُقَدَّرُ أوْ كَأعْمالِ ذِي ظُلُماتٍ.

ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْكَفَرَةِ ويُقَدَّرُ أوْ هم كَذِي ظُلُماتٍ والكُلُّ خِلافُ الظّاهِرِ، وأمْرُ الضَّمِيرِ سَيَظْهَرُ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.

وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ «أوْ كَظُلُماتٍ» بِفَتْحِ الواوِ، ووَجْهُ ذَلِكَ في البَحْرِ بِأنَّهُ جَعَلَها واوَ عَطْفٍ تَقَدَّمَتْ عَلَيْها الهَمْزَةُ الَّتِي لِتَقْرِيرِ التَّشْبِيهِ الخالِي عَنْ مَحْضِ الِاسْتِفْهامِ.

وقِيلَ هي ﴿ أوْ ﴾ الَّتِي في قِراءَةِ الجُمْهُورِ وفُتِحَتِ الواوُ لِلْمُجاوِرَةِ كَما كُسِرَتِ الدّالُّ لَها في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ ﴾ عَلى بَعْضِ القِراءاتِ ﴿ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ أيْ عَمِيقٍ كَثِيرِ الماءِ مَنسُوبٍ إلى اللُّجِّ وهو مُعْظَمُ ماءِ البَحْرِ.

وقِيلَ اللُّجَّةُ وهي أيْضًا مُعْظَمُهُ وهو صِفَةُ ﴿ بَحْرٍ ﴾ وكَذا جُمْلَةُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَغْشاهُ ﴾ أيْ يُغَطِّي ذَلِكَ البَحْرَ ويَسْتُرُهُ بِالكُلِّيَّةِ ﴿ مَوْجٌ ﴾ وقُدِّمَتِ الأُولى لِإفْرادِها.

وقِيلَ الجُمْلَةُ صِفَةُ ذِي المُقَدَّرِ والضَّمِيرُ راجِعٌ إلَيْهِ، وقَدْ عَلِمْتُ حالَ ذَلِكَ التَّقْدِيرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ ﴾ جُمْلَةٌ مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ مَحَلُّها الرَّفْعُ عَلى أنَّها صِفَةٌ لِمَوْجٍ أوِ الصِّفَةِ الجارِّ والمَجْرُورِ وما بَعْدَهُ فاعِلٌ لَهُ لِاعْتِمادِهِ عَلى المَوْصُوفِ.

والمُرادُ يَغْشاهُ أمْواجٌ مُتَراكِمَةٌ مُتَراكِبَةٌ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ﴾ صِفَةٌ لِمَوْجٍ الثّانِي عَلى أحَدِ الوَجْهَيْنِ المَذْكُورَيْنِ أيْ مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ سَحابٌ ظَلْمانِيٌّ سَتَرَ أضْواءَ النُّجُومِ، وفِيهِ إيماءٌ إلى غايَةِ تَراكُمِ الأمْواجِ وتُضاعُفِها حَتّى كَأنَّها بَلَغَتِ السَّحابَ ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هي ظُلُماتٌ ﴿ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ أيْ مُتَكاثِفَةٍ مُتَراكِمَةٍ، وهَذا بَيانٌ لِكَمالِ شِدَّةِ الظُّلُماتِ كَما أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ نُورٌ عَلى نُورٌ ﴾ بَيانٌ لِغايَةِ قُوَّةِ النُّورِ خَلا أنَّ ذَلِكَ مُتَعَلِّقٌ بِالمُشَبَّهِ وهَذا بِالمُشَبَّهِ بِهِ كَما يُعْرِبُ عَنْهُ ما بَعْدَهُ.

وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ مُبْتَدَأً خَبَرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ .

وتَعَقَّبَهُ أبُو حَيّانَ وتَبِعَهُ ابْنُ هِشامٍ بِأنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لِما فِيهِ مِنَ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ مِن غَيْرِ مُسَوِّغٍ إلّا أنْ يُقَدِّرَ صِفَةً لَها يُؤْذِنُ بِها التَّنْوِينُ أيْ ظُلُماتٍ كَثِيرَةٍ أوْ عَظِيمَةٍ وهو تَكَلُّفٌ.

وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ ﴿ بَعْضُها ﴾ بَدَلًا مِن ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ .

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لا يَجُوزُ مِن جِهَةِ المَعْنى لِأنَّ المُرادَ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ الإخْبارُ بِأنَّها ظُلُماتٌ وأنَّ بَعْضَ تِلْكَ الظُّلُماتِ فَوْقَ بَعْضٍ أيْ هي ظُلُماتٌ مُتَراكِمَةٌ لا الإخْبارُ بِأنَّ بَعْضَ ظُلُماتٍ فَوْقَ بَعْضٍ مِن غَيْرِ إخْبارٍ بِأنَّ تِلْكَ الظُّلُماتِ السّابِقَةَ مُتَراكِمَةٌ.

وقَرَأ قَنْبَلُ «ظُلُماتٍ» بِالجَرِّ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ الأُولى لا تَأْكِيدَ لَها.

وجُمْلَةُ ﴿ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لَهُ.

وقَرَأ البَزِيُّ «سَحابٌ ظُلُماتٌ» بِإضافَةِ سَحابٍ إلى ظُلُماتٍ وهَذِهِ الإضافَةُ كالإضافَةِ في لُجَيْنِ الماءِ أوْ لِبَيانِ أنَّ ذَلِكَ السَّحابَ لَيْسَ سَحابُ مَطَرٍ ورَحْمَةٍ.

﴿ إذا أخْرَجَ ﴾ أيْ مِنِ ابْتَلى بِها، وإضْمارُهُ مِن غَيْرِ ذِكْرٍ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ دَلالَةٌ واضِحَةٌ.

وكَذا تَقْدِيرُ ضَمِيرٍ يَرْجِعُ إلى ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ واحْتَجَّ إلَيْهِ لِأنَّ جُمْلَةَ ﴿ إذا أخْرَجَ ﴾ إلَخْ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِظُلُماتٍ ولا بُدَّ لَها مِن رابِطٍ ولا يَتَعَيَّنُ ما أشَرْنا إلَيْهِ.

وقِيلَ: ضَمِيرُ الفاعِلِ عائِدٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ عَلى حَدِّ ««لا يَشْرَبُ الخَمْرَ وهو مُؤْمِنٌ»» أيْ إذا أخْرَجَ المُخْرِجُ فِيها ﴿ يَدَهُ ﴾ وجَعَلَها بِمَرْأى مِنهُ قَرِيبَةً مِن عَيْنَيْهِ لِيَنْظُرَ إلَيْها ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ أيْ لَمْ يُقَرِّبْ مِن رُؤْيَتِها وهي أقْرَبُ شَيْءٍ إلَيْهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَراها.

وزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ زِيادَةَ ( يَكَدْ) .

وزَعَمَ الفِراءُ والمِبْرَدُ أنَّ المَعْنى لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجُهْدِ فَإنَّهُ قَدْ جَرى العُرْفُ أنْ يُقالَ: ما كادَ يَفْعَلُ ولَمْ يَكَدْ يَفْعَلُ في فِعْلٍ قَدْ فُعِلَ بِجُهْدٍ مَعَ اسْتِبْعادِ فِعْلِهِ وعَلَيْهِ جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ ومِن هُنا خَطَأ ابْنُ شُبْرُمَةَ ذا الرُّمَّةِ بِقَوْلِهِ: ذا غَيْرِ النَّأْيِ المُحِبِّينَ لَمْ يَكَدْ رَسِيسُ الهَوى مِن حُبِّ مِيَةٍ يَبْرَحُ وناداهُ يا أبا غِيلانَ أراهُ قَدْ بَرِحَ فَفَكَّ وسَلَّمَ لَهُ ذُو الرُّمَّةِ ذَلِكَ فَغَيْرُ لَمْ يَكَدْ بَلْ لَمْ يَكُنْ أوْ لَمْ أُجِدْ، والتَّحْقِيقُ أنَّ الَّذِي يَقْتَضِيهِ لَمْ يَكَدْ وما كادَ يَفْعَلُ أنَّ الفِعْلَ لَمْ يَكُنْ مِن أصْلِهِ ولا قارَبَ في الظَّنِّ أنْ يَكُونَ ولا يَشُكُّ في هَذا.

وقَدْ عَلِمَ أنْ كادَ مَوْضُوعَةٌ لِشِدَّةِ قُرْبِ الفِعْلِ مِنَ الوُقُوعِ ومُشارَفَتِهِ فَمُحالٌ أنْ يُوجِبَ نَفْيَهُ وُجُودَ الفِعْلِ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى أنْ يَكُونَ ما قارَبَ كَذَلِكَ فالنَّظَرُ إلى أنَّهُ إذا لَمْ يَكُنِ المَعْنى عَلى أنْ ثَمَّتْ حالًا يَبْعُدُ مَعَها أنْ تَكُونَ ثُمَّ تَغَيَّرَتْ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها ﴾ إلَخْ يَلْتَزِمُ الظّاهِرُ ويَجْعَلُ المَعْنى أنَّ الفِعْلَ لَمْ يُقارِبْ أنْ يَكُونَ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ والآيَةُ عَلى ذَلِكَ وكَذا البَيْتُ، وقَدْ ذَكَرَ أنَّ لَمْ يَكَدْ فِيهِما جَوابٌ ﴿ إذا ﴾ فَيَكُونُ مُسْتَقْبَلًا وإذا قُلْتُ: إذا خَرَجَتْ لَمْ أخْرُجْ فَقَدْ نُفِيَتْ خُرُوجًا في المُسْتَقْبَلِ فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ المَعْنى فِيهِما عَلى أنَّ الفِعْلَ قَدْ كانَ.

وهَذا التَّحْقِيقُ خُلاصَةُ ما حَقَّقَ الشَّيْخُ في دَلائِلِ الإعْجازِ، ومِنهُ يَعْلَمُ تَخْطِئَةَ مَن زَعَمَ أنْ كادَ نَفْيُها إثْباتٌ وإثْباتُها نَفْيٌ.

وفِي الحَواشِي الشِّهابِيَّةِ أنَّ نَفْيَ كادَ عَلى التَّحْقِيقِ المَذْكُورِ أبْلَغُ مِن نَفْيِ الفِعْلِ الدّاخِلَةِ عَلَيْهِ لِأنَّ نَفْيَ مُقارَبَتِهِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِهِ بِطَرِيقٍ بُرْهانِيٍّ إلّا أنَّهُ إذا وقَعَ في الماضِي لا يُنافِي ثُبُوتَهُ في المُسْتَقْبَلِ ورُبَّما أشْعُرُ بِأنَّهُ وقَعَ بَعْدَ اليَأْسِ مِنهُ كَما في آيَةِ البَقَرَةِ، وإذا وقَعَ في المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ في الماضِي فَإنْ قامَتْ قَرِينَةٌ عَلى ثُبُوتِهِ فِيهِ أشْعُرُ بِأنَّهُ انْتَفى وأيَّسَ مِنهُ بَعْدَ ما كانَ لَيْسَ كَذَلِكَ كَما في هَذِهِ الآيَةِ فَإنَّهُ لِشِدَّةِ الظُّلْمَةِ لا يُمْكِنُهُ رُؤْيَةُ يَدِهِ الَّتِي كانَتْ نُصْبَ عَيْنَيْهِ، ثُمَّ فَرَّعَ عَلى هَذا أنَّ لَكَ أنْ تَقُولَ: إنَّ مُرادَ مَن قالَ: إنَّ نَفْيَها إثْباتٌ وإثْباتُها نَفْيٌ أنَّ نَفْيَها في الماضِي يُشْعِرُ بِالثُّبُوتِ في المُسْتَقْبَلِ وعَكْسُهُ كَما سَمِعْتَ، وهَذا وجْهُ تَخْطِئَةِ ابْنِ شُبْرُمَةٍ وتَغْيِيرُ ذِي الرُّمَّةِ لِأنَّ مُرادَهُ أنَّ قَدِيمَ هَواها لَمْ يُقَرِّبْ مِنَ الزَّوالِ في جَمِيعِ الأزْمانِ ونَفْيُهُ في المُسْتَقْبَلِ يُوهِمُ ثُبُوتَهُ في الماضِي فَلا يُقالُ: إنَّهُما مِن فُصَحاءِ العَرَبِ المُسْتَشْهِدِ بِكَلامِهِمْ فَكَيْفَ خُفِيَ ذَلِكَ عَلَيْهِما ولِذا اسْتَبْعَدَهُ في الكَشْفِ وذَهَبَ إلى أنَّ قِصَّتَهُما مَوْضُوعَةٌ أوْصى بِحِفْظِ ذَلِكَ حَيْثُ قالَ: فاحْفَظْهُ فَإنَّهُ تَحْقِيقٌ أنِيقٌ وتَوْفِيقٌ دَقِيقٌ سَنَحَ بِمَحْضِ اللُّطْفِ والتَّوْفِيقِ انْتَهى.

ولَعَمْرِي أنَّ ما أوَّلَ بِهِ كَلامُ القائِلِ بَعِيدٌ غايَةَ البُعْدِ ولا أظُنُّهُ يَقَعُ مَوْقِعَ القَبُولِ عِنْدَهُ ونَفْيُ كُلَّ فِعْلٍ في الماضِي لا يُنافِي ثُبُوتَهُ في المُسْتَقْبَلِ ونَفْيُهُ في المُسْتَقْبَلِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ في الماضِي ولا اخْتِصاصَ لَكادَ بِذَلِكَ فَيا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ دَفَعَ الإيهامَ ما غَيَّرَ إلَيْهِ ذُو الرُّمَّةِ بَيْتَهُ فَتَأمَّلْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَتَوَلّى هُداكَ، ثُمَّ إنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ مانِعَ الرُّؤْيَةِ شِدَّةُ الظُّلْمَةِ وهو كَذَلِكَ لِأنَّ شَرْطَ الرُّؤْيَةِ بِحَسْبِ العادَةِ في هَذِهِ النَّشْأةِ الضَّوْءُ سَواءٌ كانَتْ بِمَحْضِ خَلْقِ اللَّهِ تَعالى كَما ذَهَبَ إلَيْهِ أهْلُ الحَقِّ أوْ كانَتْ بِخُرُوجِ الشُّعاعِ مِنَ العَيْنِ عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ مُصْمَتٍ أوْ مُؤَلَّفٍ مِن خُطُوطٍ مُجْتَمِعَةٍ في الجانِبِ الَّذِي يَلِي الرَّأْسَ أوْ لا عَلى هَيْئَةِ مَخْرُوطٍ بَلْ عَلى اسْتِواءٍ لَكِنَّ مَعَ ثُبُوتِ طَرْفِهِ الَّذِي يَلِي العَيْنَ واتِّصالِهِ بِالمَرْئِيِّ أوْ بِتَكَيُّفِ الشُّعاعِ الَّذِي في العَيْنِ بِكَيْفِيَّةِ الهَواءِ وصَيْرُورَةِ الكُلِّ آلَةً لِلرُّؤْيَةِ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ فَرِقُ الرِّياضِيِّينَ أوْ كانَتْ بِانْطِباعِ شَبَحِ المَرْئِيِّ في جُزْءٍ مِنَ الرُّطُوبَةِ الجَلِيدِيَّةِ الَّتِي تُشْبِهُ البَرْدَ والجَمْدَ كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الطَّبِيعِيُّونَ، وهَذانَ المَذْهَبانِ هُما المَشْهُورانِ لِلْفَلاسِفَةِ ونُسِبَ لِلْإشْراقِيِّينَ مِنهم.

واخْتارَهُ شِهابُ الدِّينِ القَتِيلُ أنَّ الرُّؤْيَةَ بِمُقابَلَةِ المُسْتَنِيرِ لِلْعُضْوِ الباصِرِ الَّذِي فِيهِ رُطُوبَةُ صِقِلِّيَةَ وإذا وُجِدَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مَعَ زَوالِ المانِعِ يَقَعُ لِلنَّفْسِ عِلْمٌ إشْراقِيٌّ حُضُورِيٌّ عَلى المُبْصِرِ فَتُدْرِكُهُ النَّفْسُ مُشاهِدَةً ظاهِرَةً جَلِيَّةً بِلا شُعاعٍ ولا انْطِباعٍ، واخْتارَ المَلَأُ صَدْرًا أنَّها بِإنْشاءِ صُورَةٍ مُماثِلَةٍ لِلْمَرْئِيِّ بِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى مِن عالِمِ المَلَكُوتِ النَّفْسانِيِّ مُجَرَّدَةً عَنِ المادَّةِ الخارِجِيَّةِ حاضِرَةً عِنْدَ النَّفْسِ المُدْرِكَةِ قائِمَةً بِها قِيامَ الفِعْلِ بِفاعِلِهِ لا قِيامَ المَقْبُولِ بِقابِلِهِ، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِما لَهُ وما عَلَيْهِ في مَبْسُوطاتِ كُتُبِ الفَلْسَفَةِ.

ورُبَّما يَظُنُّ أنَّ الظُّلْمَةَ سَواءٌ كانَتْ وُجُودِيَّةً أوْ عَدَمِ مَلَكَةٍ مِن شُرُوطِ الرُّؤْيَةِ كالضَّوْءِ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلى بَعْضِ الأجْسامِ كالأشْياءِ الَّتِي تَلْمَعُ بِاللَّيْلِ.

ونَفى ابْنُ سِينا ذَلِكَ وقالَ: لا يُمْكِنُ أنْ تَكُونَ الظَّلَمَةُ شَرْطًا لِوُجُودِ اللَّوامِعِ مُبْصِرَةً وذَلِكَ لِأنَّ المُضِيءَ مَرْئِيٌّ سَواءً كانَ الرّائِي في الظُّلْمَةِ أوْ في الضَّوْءِ كالنّارِ نَراها مُطْلَقًا، وأمّا الشَّمْسُ فَإنَّما لا يُمْكِنُنا أنْ نَراها في الظُّلْمَةِ لِأنَّها مَتّى طَلَعَتْ لَمْ تُبْقَ الظُّلْمَةُ، وأمّا الكَواكِبُ واللَّوامِعُ فَإنَّما تَرى في الظُّلْمَةِ دُونَ النَّهارِ لِأنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ غالِبٌ عَلى ضَوْئِها وإذا انْفَعَلَ الحِسُّ عَنِ الضَّوْءِ القَوِيِّ لا جَرَمَ لا يَنْفَعِلُ عَنِ الضَّعِيفِ، فَأمّا في اللَّيْلِ فَلَيْسَ هُناكَ ضَوْءٌ غالِبٌ عَلى ضَوْئِها فَلا جَرْمَ تَرى، وبِالجُمْلَةِ فَصَيْرُورَتُها غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ لَيْسَ لِتَوَقُّفِ ذَلِكَ عَلى الظُّلْمَةِ بَلْ لِوُجُودِ المانِعِ عَنِ الرُّؤْيَةِ وهو وُجُودُ الضَّوْءِ الغالِبِ انْتَهى، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ ضَوْءَ الشَّمْسِ عَلى ما ذُكِرَ مانِعٌ عَنْ رُؤْيَةِ اللَّوامِعِ ورَفْعِ مانِعِ الرُّؤْيَةِ شَرْطٌ لَها ودَفْعُ الضَّوْءِ هو الظُّلْمَةُ فالظُّلْمَةُ شَرْطُ رُؤْيَةِ اللَّوامِعِ بِاللَّيْلِ وهو المَطْلُوبُ فَتَدَبَّرْ ولا تَغْفُلْ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِحَقائِقِ الأُمُورِ.

﴿ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ اعْتِراضٌ تَذْيِيلِيٌّ جِيءَ بِهِ لِتَقْرِيرِ ما أفادَهُ التَّمْثِيلُ مِن كَوْنِ أعْمالِ الكُفّارِ كَما فَصَّلَ وتَحْقِيقُ أنَّ ذَلِكَ لِعَدَمِ هِدايَتِهِ تَعالى إيّاهم لِنُورِهِ، وإيرادُ المَوْصُولِ لِلْإشارَةِ بِما في حَيِّزِ الصِّلَةِ إلى عِلَّةِ الحُكْمِ وأنَّهم مِمَّنْ لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى هِدايَتَهم أيْ مِن لَمْ يَشَإ اللَّهُ تَعالى أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ لِنُورٍ في الدُّنْيا فَما لَهُ هِدايَةٌ ما مِن أحَدٍ أصْلًا فِيها، وقِيلَ: مَعْنى الآيَةِ مَن لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ في الدُّنْيا فَلا نُورَ لَهُ في الآخِرَةِ.

وقِيلَ: كِلا الأمْرَيْنِ في الآخِرَةِ، والمَعْنى مَن لَمْ يُنَوِّرْهُ اللَّهُ تَعالى بِعَفْوِهِ ويَرْحَمْهُ بِرَحْمَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ مَن أحَدٍ فِيها والمُعَوِّلُ عَلَيْهِ ما تَقَدَّمَ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ تَشْبِيهُ أعْمالِ الكَفَرَةِ بِالظُّلُماتِ المُتَكاثِفَةِ مِن غَيْرِ اعْتِبارِ أجْزاءٍ في طَرَفَيِ التَّشْبِيهِ يَعْتَبِرُ تَشْبِيهَ بَعْضِها بِبَعْضٍ، ومِنهم مَنِ اعْتَبَرَ ذَلِكَ فَقالَ: الظُّلُماتُ الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ والبَحْرُ اللُّجِّيُّ صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ والمَوْجُ الضَّلالُ والجَهالَةُ الَّتِي قَدْ غَمَرَتْ قَلْبَهُ والمَوْجُ الثّانِي الفِكْرُ المُعْوَجَّةُ والسَّحابُ شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ.

وقِيلَ: الظُّلُماتُ أعْمالُ الكافِرِ والبَحْرُ هَواهُ العَمِيقُ القَعْرُ الكَثِيرُ لِخَطَرِ الغَرِيقِ هو فِيهِ والمَوْجُ ما يُغْشى قَلْبُهُ مِنَ الجَهْلِ والغَفْلَةِ.

والمَوْجُ الثّانِي ما يَغْشاهُ مِن شَكٍّ وشُبْهَةٍ والسَّحابُ ما يَغْشاهُ مِن شِرْكٍ وحَيْرَةٍ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الِاهْتِداءِ والكُلُّ كَما تَرى ولَوْ جَعَلَ مِن بابِ الإشارَةِ لَهانَ الأمْرُ.

* * * ومِن بابِ الإشارَةِ ما قِيلَ إنَّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلشَّيْخِ إذا أرادَ تَأْدِيبَ المُرِيدِ وكَسْرِ نَفْسِهِ الأمّارَةِ أنْ يُؤَدِّبَهُ بِمَحْضَرِ طائِفَةٍ مِنَ المُرِيدِينَ الَّذِينَ لا يَحْتاجُونَ إلى تَأْدِيبٍ.

ومِن هُنا قالَ أبُو بَكْرِ بْنِ طاهِرٍ: لا يَشْهَدُ مَواضِعَ التَّأْدِيبِ إلّا مَن لا يَسْتَحِقُّ التَّأْدِيبَ وهم طائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لا المُؤْمِنُونَ أجْمَعَ، والزِّنا عِنْدَهم إشارَةٌ إلى المَيْلِ لِلدُّنْيا وشَهَواتِها، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ الزّانِي لا يَنْكِحُ إلا زانِيَةً ﴾ إلَخْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْأخْيارِ مُعاشَرَةُ الأشْرارِ إنَّ الطُّيُورَ عَلى أشْباهِها تَقَعُ.

وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكم بَلْ هو خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن يُشَنِّعُ عَلَيْهِ المُنْكِرُونَ مِنَ المَشايِخِ أنْ يَحْزَنَ مِن ذَلِكَ ويَظُنَّهُ شَرًّا لَهُ فَإنَّهُ خَيْرٌ لَهُ مُوجِبٌ لِتَرَقِّيهِ.

وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ ﴾ إلَخْ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَنْبَغِي لِلشُّيُوخِ والأكابِرِ أنْ لا يَهْجُرُوا أصْحابَ العَثَراتِ وأهْلَ الزَّلّاتِ مِنَ المُرِيدِينَ وأنْ لا يَقْطَعُوا إحْسانَهم وفُيُوضاتِهِمْ عَنْهُمْ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن يُرِيدُ الدُّخُولَ عَلى الأوْلِياءِ أنْ يَدْخُلَ حَتّى يَجِدَ رُوحَ القَبُولِ والإذْنَ بِإفاضَةِ المَدَدِ الرُّوحانِيِّ عَلى قَلْبِهِ المُشارِ إلَيْهِ بِالِاسْتِئْناسِ فَإنَّهُ قَدْ يَكُونُ لِلْوَلِيِّ حالٌ لا يَلِيقُ لِلدّاخِلِ أنْ يَحْضُرَهُ فِيهِ ورُبَّما يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وأطَّرَدَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ ذَلِكَ فِيمَن يُرِيدُ الدُّخُولَ لِزِيارَةِ قُبُورِ الأوْلِياءِ قَدَّسَ اللَّهُ تَعالى أسْرارَهم فَقالَ: يَنْبَغِي لِمَن أرادَ ذَلِكَ أنْ يَقِفَ بِالبابِ عَلى أكْمَلِ ما يَكُونُ مِنَ الأدَبِ ويَجْمَعُ حَواسَّهُ ويَعْتَمِدُ بِقَلْبِهِ طالِبًا الإذْنِ ويَجْعَلُ شَيْخَهُ واسِطَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَلِيِّ المُزَوِّرِ في ذَلِكَ فَإنْ حَصَلَ لَهُ انْشِراحُ صَدْرٍ ومَدَدٍ رُوحانِيٍّ وفَيْضٌ باطِنِيٌّ فَلْيَدْخُلْ وإلّا فَلْيَرْجِعْ، وهَذا هو المَعْنِيُّ بِأدَبِ الزِّيارَةِ عِنْدَهم ولَمْ نَجِدْ ذَلِكَ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ الصّالِحِ.

والشِّيعَةُ عِنْدَ زِيارَتِهِمْ لِلْأئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم يُنادِي أحَدُهم أأدْخُلُ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ أوْ يا ابْنَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أوْ نَحْوُهُ ذَلِكَ ويَزْعُمُونَ أنَّ عَلامَةَ الإذْنِ حُصُولُ رِقَّةِ القَلْبِ ودَمْعِ العَيْنِ وهو أيْضًا مِمّا لَمْ نَعْرِفُهُ عَنْ أحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ولا ذَكَرَهُ فُقَهاؤُنا وما أظُنُّهُ إلّا بِدَعَةً ولا يُعَدُّ فاعِلُها إلّا مُضْحِكَةً لِلْعُقَلاءِ، وكَوْنُ المُزَوَّرِ حَيًّا في قَبْرِهِ لا يَسْتَدْعِي الِاسْتِئْذانَ في الدُّخُولِ لِزِيارَتِهِ، وكَذا ما ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُقَهاءِ مِن أنَّهُ يَنْبَغِي لِلزّائِرِ التَّأدُّبُ مَعَ المُزَوَّرِ كَما يَتَأدَّبُ مَعَهُ حَيًّا كَما لا يَخْفى.

وقَدْ رَأيْتُ بَعْدَ كِتابَتِي هَذِهِ في الجَوْهَرِ المُنْتَظِمِ في زِيارَةِ القَبْرِ المُعَظَّمِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلى صاحِبِهِ وسَلَّمَ لِابْنِ حَجَرٍ المَكِّيِّ ما نَصَّهُ، قالَ بَعْضُهُمْ: ويَنْبَغِي أنْ يَقِفَ- يَعْنِي الزّائِرَ- بِالبابِ وقْفَةً لَطِيفَةً كالمُسْتَأْذِنِ في الدُّخُولِ عَلى العُظَماءِ انْتَهى.

وفِيهِ أنَّهُ لا أصْلَ لِذَلِكَ ولا حالَ ولا أدَبَ يَقْتَضِيهِ انْتَهى.

ومِنهُ يَعْلَمُ أنَّهُ إذا لَمْ يَشْرَعْ ذَلِكَ في زِيارَةِ قَبْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَعَدَمُ مَشْرُوعِيَّتِهِ في زِيارَةِ غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى فاحْفَظْ ذاكَ واللَّهُ تَعالى يَعْصِمُنا مِنَ البِدَعِ وإيّاكَ.

وقِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ ﴾ إلَخْ إنَّ فِيهِ أمْرًا بِغَضِّ بَصَرِ النَّفْسِ عَنْ مُشْتَهِياتِ الدُّنْيا وبَصَرِ القَلْبِ عَنْ رُؤْيَةِ الأعْمالِ ونَعِيمِ الآخِرَةِ وبَصَرِ السِّرِّ عَنِ الدَّرَجاتِ والقُرُباتِ وبَصَرِ الرُّوحِ عَنِ الِالتِفاتِ إلى ما سِوى اللَّهِ تَعالى وبَصِرِ الهِمَّةِ عَنْ أنْ يَرى نَفْسَهُ أهْلًا لِشُهُودِ الحَقِّ تَنْزِيهًا لَهُ تَعالى وإجْلالًا، وأمْرًا بِحِفْظِ فَرْجِ الباطِنِ عَنْ تَصَرُّفاتِ الكَوْنَيْنِ فِيهِ، والإشارَةُ بِأمْرِ النِّساءِ بِعَدَمِ إبْداءِ الزِّينَةِ إلّا لِمَنِ اسْتَثْنى إلى أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِمَن تَزَيَّنَ بِزِينَةِ الأسْرارِ أنْ يُظْهِرَها لِغَيْرِ المَحارِمِ ومَن لَمْ يَسْتُرْها عَنِ الأجانِبِ.

وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ ﴾ إلَخْ إلى النِّكاحِ المَعْنَوِيِّ وهو أنْ يُوَدِّعَ الشَّيْخَ الكامِلَ في رَحِمِ القَلْبِ مِن صُلْبِ الوِلايَةِ نُطْفَةَ اسْتِعْدادِ قَبُولِ الفَيْضِ الإلَهِيِّ.

وقَدْ أُشِيرُ إلى هَذا الِاسْتِعْدادِ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ ثُمَّ قالَ جَلَّ وعَلا: ﴿ ولْيَسْتَعْفِفِ ﴾ أيْ لِيُحْفَظْ ﴿ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ﴾ شَيْخًا في الحالِ أرْحامُ قُلُوبِهِمْ عَنْ تَصَرُّفاتِ الدُّنْيا والهَوى والشَّيْطانِ ﴿ حَتّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ ﴾ بِأنْ يُوَفِّقَ لَهم شَيْخًا كامِلًا أوْ يَخُصُّهم سُبْحانَهُ بِجَذْبَةٍ مِن جَذَباتِهِ، وأُشِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ ﴾ إلَخْ إلى أنَّ المُرِيدَ إذا طَلَبَ الخَلاصَ عَنْ قَيْدِ الرِّياضَةِ لَزِمَ إجابَتَهُ إنْ عُلِمَ فِيهِ الخَيْرُ وهو التَّوْحِيدُ والمَعْرِفَةُ والتَّوَكُّلُ والرِّضا والقَناعَةُ وصِدْقُ العَمَلِ والوَفاءِ بِالعَهْدِ ووَجَبَ أنْ يُؤْتِيَ بَعْضُ المَواهِبِ الَّتِي خَصَّها اللَّهُ تَعالى بِها الشَّيْخُ، وأُشِيرُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا تُكْرِهُوا ﴾ إلَخْ إلى أنَّ النَّفْسَ إذا لَمْ تَكُنْ مائِلَةً إلى التَّصَرُّفِ في الدُّنْيا لَمْ تُكْرَهْ عَلَيْهِ.

ولَهم في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ﴾ كَلامٌ طَوِيلٌ عَرِيضٌ وفِيما قَدَّمْنا ما يَصِحُّ أنْ يَكُونَ مِن هَذا البابِ، وذَكَرَ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ مِمّا يَدْخُلُ في عُمُومِهِ أهْلُ الطَّرِيقَةِ العَلِيَّةِ النَّقْشَبَنْدِيَّةِ الَّذِينَ حَصَلَ لَهُمُ الذِّكْرُ القَلْبِيُّ ورَسَخَ في قُلُوبِهِمْ بِحَيْثُ لا يَغْفُلُونَ عَنْهُ سُبْحانَهُ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وهَذا وإنْ ثَبَتَ لِغَيْرِهِمْ أيْضًا مِن أرْبابِ الطَّرائِقِ فَإنَّما يَثْبُتُ في النِّهاياتِ دُونَ المُبادِي كَما يَثْبُتُ لِأهْلِ تِلْكَ الطَّرِيقَةِ.

وفي مَكْتُوباتِ الإمامِ الرَّبّانِيِّ قَدَّسَ سِرَّهُ ما يُغْنِي عَنِ الإطالَةِ في شَرْحِ أحْوالِ هَؤُلاءِ القَوْمِ وبَيانِ مَنزِلَتِهِمْ في الذِّكْرِ والحُضُورِ بَيْنَ سائِرِ الأقْوامِ حَشَرَنا اللَّهُ تَعالى وإيّاهم تَحْتَ لِواءِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ إشارَةٌ لِما ورَدَ في حَدِيثِ ««خَلَقَ اللَّهُ تَعالى الخَلْقَ في ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ فَمَن أصابَهُ مِنهُ اهْتَدى ومَن أخْطَأهُ ضَلَّ»» واللَّهُ تَعالى المُوَفَّقُ لِصالِحِ العَمَلِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

ثم ضرب مثلاً لعمل الكفار فقال عز وجل: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يعني: مثل أعمالهم الخبيثة في الآخرة كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يعني: كمثل سراب في مفازة، ويقال: قاع وقيعة وقيعان، يعني: أرضاً مستوية كما يقال: صبي وصبية وصبيان.

يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء يعني: العطشان إذا رأى السراب من بعيد يعني: يجده ماء حَتَّى إِذا جاءَهُ يعني: فإذا أتاه ليشرب منه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً مما طلبه وأراده، فكذلك الكافر يظن أنه يثاب في صدقته وعتقه وسائر أعماله، فإذا جاءه يوم القيامة وجده هباءً منثوراً ولا ثواب له.

وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي يوم القيامة، عند عمله.

وهذا كما قال إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ [الفجر: 14] ، يعني: مصير الخلائق إليه فَوَفَّاهُ حِسابَهُ، يعني: يوفيه ثواب عمله وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ، فكأنه حاسب، ويقال: سريع الحفظ، ويقال: إذا حاسب فحسابه سريع، فيحاسبهم جميعاً، فيظن كل واحد منهم أنه يحاسبه خاصة، فلا يشغله حساب أحدهم عن الآخر، لأنه لا يحتاج إلى أخذ الحساب، ولا يجري فيه الغلط، ولا يلتبس عليه، ويحفظ على كل صاحب حسابٍ حسابه ليذكره، فهذا المثل لأعمال الكفار، والتي في ظاهرها طاعة، فأخبر أنه لا ثواب لهم بها.

ثم ضرب مثلاً آخر للكافر، فقال عز وجل: أَوْ كَظُلُماتٍ قال بعضهم: الألف زيادة، ومعناه: وكظلمات، يعني: ومثلهم أيضاً كظلمات.

ويقال: أَوْ للتخيير، يعني: إن شئت فاضرب لهم المثل بالسراب، وإن شئت بالظلمات، فقال: أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يعني: مثل الكفار كمثل من في الظلمات.

فشبّه قلب المؤمن بالقنديل، وشبّه قلب الكافر بالظلمات، يعني: كمثل رجل يكون في بحر عميق في ليل كثير الماء يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ يعني: يكون في ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، فكذلك الكافر في ظلمة الكفر، وظلمة الجهل، وظلمة الجور والظلم.

ويقال: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ يعني: المعاصي، ومن فوقه العداوة والحسد والبغضاء، ومِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ يعني: الخذلان من الله تعالى.

ثم قال: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كما قال للمؤمن: نُورٌ عَلى نُورٍ فيكون للكافر ظلمة على ظلمة، قوله ظلمة، وعمله ظلمة، واعتقاده ظلمة، وقال أبو العالية: يتقلّب في خمس من الظّلم: كلامه ظلمة، وعلمه ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمة، وهو النار.

ويقال: شبه قلب الكافر بالبحر العميق، وشبه أعضاءه بالأمواج الثلاث، طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وسمعهم وأبصارهم، فهذه الظلمات الثلاث تمنعه عن الحق.

ثم قال: إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها يعني من شدة الظلمة، فإذا أبرز يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا من شدة الظلمة، يعني: لم يكن شيء أقرب إليه من نفسه فلم ير نفسه، فكذلك الكافر لم ينظر إلى القبر ولم يتفكر في أمر نفسه أيضا، كقوله عز وجل: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] .

ثم قال: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ يعني: من لم يكرمه الله بالهدى فما له من مكرم بالمعرفة.

قرأ ابن كثير ظُلُماتٌ بكسر التاء والتنوين، فكأنه يجعله بمنزلة قوله كَظُلُماتٍ.

وقرأ الباقون بالضم على معنى الابتداء.

وقرئ في الشاذ: سحاب ظلمات، على معنى الإضافة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

ومعنى الآية: إنَّ ذلك اليوم لِشِدَّةِ هوله القلوبُ والأبصارُ فيه مضطربةٌ قِلِقَةٌ متقلبة.

/ قلت: ومن «الكلم الفارقية» : سعادة القلبِ إقباله على مقلّبه والعالم بحال مآله ٣٩ ب ومُنْقَلَبهِ، القلوبُ بحارٌ جواهرُها المعارفُ، وسواحلها الألسنة وغواصها الفكرة النافذة، غَوَّاصُ بحر الصُّوَرِ يغوصُ بصورته في طلب مكسبه، والعارِفُ يغوص بمعنى قلبه في بحار غَيْبِ رَبِّهِ، فيلتقط جواهرَ الحكمة ودُرَرَ الدِّرَايَةِ، قلوبُ العارفين كالبحار، تنعقد في أصداف ضمائرهم جواهِرُ المعارف والأسرار، القلوب كالأراضي إلى من أسلمت إليه قلبك بذر فيه ما عنده، أَمَّا مَنْ بذر نفسه ووسواسه العفن المسوس، أو بذر فيه معرفته بالرب المقدس، انتهى.

قلت: فإنْ أردت سلامتك في ذلك اليوم فليكن قلبك الآن مقبلاً على طاعة مولاك فإنه يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلاَّ مَنْ أَتَى الله بقلب سليم.

قال الواحِدِيُّ: تتقلب فيه القلوبُ بين الطمع في النجاة والخوفِ من الهلاك، والأبصارُ تتقلَّبُ في أيِّ ناحية يؤخذ بهم أذاتَ اليمين أم ذاتَ الشمال، ومن أيّ جهة يؤتون كتبهم، انتهى.

لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ (٣٩) أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)

وقوله سبحانه: لِيَجْزِيَهُمُ أي فعلوا ذلك ليجزيهم «أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ» أي: ثواب أحسن ما عملوا، ولمّا ذكره تعالى حالة المؤمنين وتنويره قلوبَهم عَقَّبَ ذلك بذكر الكَفَرَةِ وأعمالهم، فقال: وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ وهي جمع قاعٍ، والقاع:

المنخفض البساط من الأرض، ويريد ب جاءَهُ: جاء موضعه الذي تَخَيَّلَهُ فيه، ويحتمل أنْ يعودَ الضمير في: جاءَهُ على السراب ثم يكون في الكلام بعد ذلك متروك يَدُلُّ عليه الظاهر تقديره: فكذلك الكافر يومَ القيامة، يَظُنُّ عملَه نافعاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً.

وقوله: وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ أي بالمجازات والضمير في عِنْدَهُ عائد على العَمَلِ، وباقي الآية وعيد بيّن.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

ثُمَّ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلْكُفّارِ فَقالَ: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السَّرابُ: ما رَأيْتَهُ مِنَ الشَّمْسِ كالماءِ نِصْفَ النَّهارِ، والآلُ: ما رَأيْتَهُ في أوَّلِ النَّهارِ وآخِرِهِ، وهو يَرْفَعُ كُلَّ شَيْءٍ، والقِيعَةُ والقاعُ واحِدٌ.

وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وعاصِمٌ الجَحْدَرِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " بِقِيعاتٍ " .

وقالَ الزَّجّاجُ: القِيعَةُ جَمْعُ قاعٍ، مِثْلُ جارٍ وجِيرَةٍ، والقِيعَةُ والقاعُ: ما انْبَسَطَ مِنَ الأرْضِ ولَمْ يَكُنْ فِيهِ نَباتٌ، فالَّذِي يَسِيرُ فِيهِ يَرى كَأنَّ فِيهِ ماءً يَجْرِي، وذَلِكَ هو السَّرابُ، والآلُ مِثْلُ السَّرابِ، إلّا أنَّهُ يَرْتَفِعُ وقْتَ الضُّحى- كالماءِ- بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ- وهو الشَّدِيدُ العَطَشِ- ماءً، حَتّى إذا جاءَ إلى مَوْضِعِ السَّرابِ رَأى أرْضًا لا ماءَ فِيها، فَأعْلَمَ اللَّهُ أنَّ الكافِرَ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ عَمَلَهُ قَدْ نَفَعَهُ عِنْدَ اللَّهِ- كَظَنِّ الَّذِي يَظُنُّ السَّرابَ ماءً- وعَمَلُهُ قَدْ حَبِطَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ أيْ: قَدِمَ عَلى اللَّهِ ﴿ فَوَفّاهُ حِسابَهُ ﴾ أيْ: جازاهُ بِعَمَلِهِ؛ وهَذا في الظّاهِرِ خَبَرٌ عَنِ الظَّمْآنِ، والمُرادُ بِهِ الخَبَرُ عَنِ الكافِرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ مُفَسَّرٌ في (البَقَرَةِ: ٢٠٢) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ كَظُلُماتٍ ﴾ في هَذا المَثَلِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لِعَمَلِ الكافِرِ، قالَهُ الجُمْهُورُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

والثّانِي: أنَّهُ مَثَلٌ لِقَلْبِ الكافِرِ في أنَّهُ لا يَعْقِلُ ولا يُبْصِرُ، قالَهُ الفَرّاءُ.

فَأمّا اللُّجِّيُّ، فَهو العَظِيمُ اللُّجَّةِ، وهو العَمِيقُ (يَغْشاهُ) أيْ: يَعْلُو ذَلِكَ البَحْرَ ﴿ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ المَوْجِ مَوْجٌ، والمَعْنى: يَتْبَعُ المَوْجَ مَوْجٌ، حَتّى كانَ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، ﴿ مِن فَوْقِهِ ﴾ أيْ: مِن فَوْقِ ذَلِكَ المَوْجِ ﴿ سَحابٌ ﴾ .

ثُمَّ ابْتَدَأ فَقالَ: ﴿ ظُلُماتٌ ﴾ يَعْنِي: ظُلْمَةَ البَحْرِ، وظُلْمَةَ المَوْجِ [الأوَّلِ، وظُلْمَةَ المَوْجِ] الَّذِي فَوْقَ المَوْجِ، وظُلْمَةَ السَّحابِ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ: " سَحابُ ظُلُماتٍ " مُضافًا ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ ﴾ يَعْنِي: إذا أخْرَجَها مُخْرِجٌ، ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَرَها، قالَهُ الحَسَنُ، واخْتارَهُ الزَّجّاجُ.

قالَ: لِأنَّ في دُونِ هَذِهِ الظُّلُماتِ لا يُرى الكَفُّ؛ وكَذَلِكَ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْناهُ: لَمْ يَرَها البَتَّةَ، لِأنَّهُ قَدْ قامَ الدَّلِيلُ عِنْدَ وصْفِ تَكاثُفِ الظُّلُماتِ عَلى أنَّ الرُّؤْيَةَ مَعْدُومَةٌ، فَبانَ بِهَذا الكَلامِ أنَّ ﴿ يَكَدْ ﴾ زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، بِمَنزِلَةِ ما في قَوْلِهِ: ﴿ عَمّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ  ﴾ .

والثّانِي: أنَّهُ لَمْ يَرَها إلّا بَعْدَ الجُهْدِ، قالَهُ المُبَرِّدُ.

قالَ الفَرّاءُ: وهَذا كَما تَقُولُ: ما كِدْتُ أبْلُغُ إلَيْكَ، وقَدْ بَلَغْتَ، قالَ الفَرّاءُ: وهَذا وجْهُ العَرَبِيَّةِ.

* فَصْلٌ فَأمّا وجْهُ المَثَلِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا ضَرَبَ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ مَثَلًا بِالنُّورِ، ضَرَبَ لِلْكافِرِ هَذا المَثَلَ بِالظُّلُماتِ؛ والمَعْنى: أنَّ الكافِرَ في حَيْرَةٍ لا يَهْتَدِي لِرُشْدٍ.

وقِيلَ: الظُّلُماتُ: ظُلْمَةُ الشِّرْكِ وظُلْمَةُ المَعاصِي.

وقالَ بَعْضُهم: ضَرَبَ الظُّلُماتِ مَثَلًا لِعَمَلِهِ، والبَحْرَ اللُّجِّيُّ لِقَلْبِهِ، والمَوْجَ لِما يَغْشى قَلْبَهُ مِنَ الشِّرْكِ والجَهْلِ والحَيْرَةِ، والسَّحابَ لِلرَّيْنِ والخَتْمِ عَلى قَلْبِهِ، فَكَلامُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ إلى الظُّلُماتِ يَوْمَ القِيامَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: دِينًا وإيمانًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ.

والثّانِي: هِدايَةً، قالَهُ الزَّجّاجُ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أحْسَنَ ما عَمِلُوا ويَزِيدَهم مِن فَضْلِهِ واللهُ يَرْزُقُ مِن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ ﴾ ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَمْآنُ ماءً حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ووَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ فَوَفّاهُ حِسابَهُ واللهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ ﴿ أو كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ اللامُ في قَوْلِهِ تَعالى: "لِيَجْزِيَهُمْ" مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: فَعَلُوا ذَلِكَ، ويَسَّرُوا لِذَلِكَ، ونَحْوَ هَذا، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: "يُسَبِّحُ".

وقَوْلُهُ: "أحْسَنَ ما عَمِلُوا" فِيهِ حَذْفُ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: ثَوابَ أحْسَنَ ما عَمِلُوا، ثُمْ وعَدَهم عَزَّ وجَلَّ بِالزِيادَةِ مِن فَضْلِهِ عَلى ما تَقْتَضِيهِ أعْمالُهُمْ، فَأهْلُ الجَنَّةِ أبَدًا في مَزِيدٍ، ثُمْ ذَكَرَ أنَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ، ويَخُصُّهُ بِما يَشاءُ مِن رَحْمَتِهِ دُونَ حِسابٍ ولا تَعْدِيدٍ، وكُلُّ تَفَضُّلٍ لِلَّهِ فَهو بِغَيْرِ حِسابٍ، وكُلُّ جَزاءٍ عَلى عَمَلِ فَهو بِحِسابٍ.

ولِما ذَكَرَ اللهُ تَعالى فِيما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ الآيَةِ حالَةَ الإيمانِ والمُؤْمِنِينَ وتَنْوِيرِهِ قُلُوبَهُمْ، عَقَّبَ ذَلِكَ بِذِكْرِ الكَفَرَةِ وأعْمالِهِمْ، فَمَثَّلَ لَها ولَهم تَمْثِيلَيْنِ: الأوَّلُ مِنهُما يَقْتَضِي حالَ أعْمالِهِمْ في الآخِرَةِ مِن أنَّها غَيْرُ نافِعَةٍ ولا مُجْدِيَةٍ، والثانِي يَقْتَضِي حالها في الدُنْيا مِن أنَّها في الغايَةِ مِنَ الضَلالِ والغُمَّةِ الَّتِي مَثَّلَها ما ذَكَرَ مِن تَناهِي الظُلْمَةِ في قَوْلِهِ: "أو كَظُلُماتٍ".

و"السَرابُ": ما تَرَقْرَقَ مِنَ الهَواءِ في الهَجِيرِ في فَيافِي الأرْضِ المُنْبَسِطَةِ، وأوهَمَ الناظِرَ إلَيْهِ عَلى البُعْدِ أنَّهُ ماءٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لَأنَّهُ يَنْسَرِبُ كالماءِ، فَكَذَلِكَ أعْمالُ الكافِرِ، يَظُنُّ في دُنْياهُ أنَّها نافِعَتُهُ، فَإذا كانَ يَوْمَ القِيامَةِ لَمْ يَجِدْها شَيْئًا، فَهي كالسَرابِ الَّذِي يَظُنُّهُ الرائِي العَطْشانُ ماءً، فَإذا قَصَدَهُ وأتْعَبَ نَفْسَهُ بِالوُصُولِ إلَيْهِ لَمْ يَجُدْ شَيْئًا، و"القِيعَةُ": جَمْعُ قاعٍ، كَجارٍ وجِيرَةٍ، والقاعُ: المُنْخَفِضُ البِساطُ مِنَ الأرْضِ، ومِنهُ «قَوْلُ النَبِيِّ  فِي مانِعِ زَكاةِ الأنْعامِ: فَيُبْطَحُ لَها بِقاعٍ قَرْقَرٍ».

وقِيلَ: القِيعَةُ مُفْرِدٌ، وهو بِمَعْنى القاعُ.

وقَرَأ مَسْلَمَةُ بْنُ مُحارِبٍ: "بِقِيعاتٍ"، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ بِخِلافٍ-: "الظَمَآنُ" بِفَتْحِ المِيمِ وطَرْحِ حَرَكَةِ الهَمْزَةِ عَلى المِيمِ وتَرَكَ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ يُرِيدُ: شَيْئًا نافِعًا في العَطَشِ، أو يُرِيدُ: شَيْئًا مَوْجُودًا عَلى العُمُومِ، ويُرِيدُ بِـ "جاءَهُ": جاءَ مَوْضِعَهُ الَّذِي تَخَيَّلَهُ فِيهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ في "جاءَهُ" عَلى السَرابِ، ثُمْ يَكُونُ في الكَلامِ بَعْدَ ذَلِكَ مَتْرُوكٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ الظاهِرُ تَقْدِيرُهُ: فَكَذَلِكَ الكافِرُ يَوْمَ القِيامَةِ يُظَنُّ عَمَلَهُ نافِعًا حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، ويُحْتَمَلُ الضَمِيرُ أنْ يُعُودَ عَلى العَمَلِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: "أعْمالُهُمْ"، ويَكُونُ تَمامُ المَثَلِ في قَوْلِهِ: "ماءً"، ويَسْتَغْنِي الكَلامُ عن مَتْرُوكٍ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، لَكِنْ يَكُونُ في المَثَلِ إيجازٌ واقْتِضابٌ لِوُضُوحِ المَعْنى المُرادِ بِهِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَوَجَدَ اللهَ عِنْدَهُ ﴾ أيْ: بِالمَجازاتِ، والضَمِيرِ في "عِنْدَهُ" عائِدٌ عَلى العِلْمِ، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ، فِيهِ تُوعَدٌ وسُرْعَةُ الحِسابِ مِن حَيْثُ هو بِعِلْمٍ لا تَكَلُّفُ فِيهِ.

وَقَوْلُهُ تَعالى: "أو كَظُلُماتٍ" عَطْفٌ عَلى قَوْلِهِ: "كَسَرابٍ"، وهَذا المِثالُ الأخِيرُ تَضَمَّنَ صِفَةَ أعْمالِهِمْ في الدُنْيا، أيْ إنَّهم مِنَ الضَلالِ ونَحْوَهُ في مِثْلِ هَذِهِ الظُلْمَةِ المُجْتَمِعَةِ مِن هَذِهِ الأشْياءِ، وذَهَبَ بَعْضُ الناسِ إلى أنَّ في هَذا المِثالِ أجْزاءً تُقابِلُ أجْزاءً مِنَ المُمَثَّلِ، فَقالَ: الظُلُماتُ: الأعْمالُ الفاسِدَةُ والمُعْتَقَداتُ الباطِلَةُ، والبَحْرُ اللُجِّيُّ: صَدْرُ الكافِرِ وقَلْبُهُ، واللُجِّيُّ مَعْناهُ ذُو اللُجَّةِ وهي مُعْظَمُ الماءِ وغَمْرُهُ، واجْتِماعُ مائِهِ أشَدُّ لِظُلْمَتِهِ، والمَوْجُ هو الضَلالُ أوِ الجَهالَةُ الَّتِي غَمَرَتْ قَلْبَهُ، والفِكْرُ المُعْوَجَّةُ، والسَحابُ هو شَهْوَتُهُ في الكُفْرِ وإعْراضُهُ عَنِ الإيمانِ وما رِينَ بِهِ عَلى قَلْبِهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا التَأْوِيلُ سائِغٌ، وألّا يُقَدَّرَ هَذا التَقابُلُ سائِغٌ.

وقَرَأ سُفْيانُ بْنُ حُسَيْنٍ: "أو كَظُلُماتٍ" بِفَتْحِ الواوِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٌ"، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ -فِي رِوايَةِ قَنْبَلٍ -: "سَحابٌ" بِالرَفْعِ والتَنْوِينِ "ظُلُماتٍ" بِالخَفْضِ عَلى البَدَلِ مِن "ظُلُماتٍ" الأوَّلِ، وقَرَأ ابْنُ أبِي بَزَّةَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: "سَحابُ" بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى الإضافَةِ عَلى "ظُلُماتٍ".

وقَوْلُهُ: ﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ لَفْظٌ يَقْتَضِي مُبالَغَةَ الظُلْمَةِ، واخْتَلَفَ الناسُ في هَذا اللَفْظِ، هَلْ يَقْتَضِي أنَّ هَذا الرَجُلَ -المُقَدَّرَ في هَذِهِ الأحْوالِ وأخْرَجَ يَدَهُ- رَأى يَدَهُ أو لَمْ يَرَها البَتَّةَ؟

فَقالَتْ فِرْقَةٌ: لَمْ يَرَها جُمْلَةً، وذَلِكَ أنْ "كادَ" مَعْناها قارَبَ، فَكَأنَّهُ قالَ: إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يُقارِبْ رُؤْيَتَها، وهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الرُؤْيَةِ جُمْلَةً، وقالَتْ فِرْقَةٌ: بَلْ رَآها بَعْدَ عُسْرٍ وشِدَّةٍ، وكانَ ألّا يَراها، ووَجْهُ ذَلِكَ أنْ "كادَ" إذا صَحِبَها حَرْفُ النَفْيِ وجَبَ الفِعْلُ الَّذِي بَعْدَها، وإذا لَمْ يَصْحَبْها انْتَفى الفِعْلُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لازِمْ مَتى كانَ حَرْفُ النَفْيِ بَعْدَ "كادَ" داخِلًا عَلى الفِعْلِ الَّذِي بَعْدَها، تَقُولُ: "كادَ زَيْدٌ يَقُومُ" فالقِيامُ مَنفِيٌّ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ زَيْدٌ ألّا يَقُومَ" فالقِيامُ واجِبٌ واقِعٌ، وتَقُولَ: "كادَ النَعامُ يَطِيرُ"، فَهَذا يَقْتَضِي نَفْيَ الطَيَرانِ عنهُ، فَإذا قُلْتَ: "كادَ النَعامُ ألّا يَطِيرَ" وجَبَ الطَيَرانُ لَهُ، فَإذا كانَ حَرْفُ النَفْيِ مَعَ "كادَ" فالأمْرُ مُحْتَمَلٌ، مَرَّةً يُوجِبُ الفِعْلَ، ومَرَّةً يَنْفِيهِ، تَقُولُ: "المَفْلُوجُ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ تَضَمَّنَ نَفْيَ السُكُونِ، وتَقُولُ: "رَجُلٌ مُتَكَلِّمْ لا يَكادُ يَسْكُنُ"، فَهَذا كَلامٌ صَحِيحٌ يَتَضَمَّنُ إيجابَ السُكُونِ بَعْدَ جُهْدٍ ونادِرًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" تَضَمِّنَ وُجُوبَ الذَبْحِ، وقَوْلُهُ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ نَفْيٌ مَعَ "كادَ" يَتَضَمَّنُ في أحَدِ التَأْوِيلَيْنِ نَفْيَ الرُؤْيَةِ، ولِهَذا ونَحْوَهُ قالَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَهُ اللهُ: "إنَّ أفْعالَ المُقارَبَةِ لَها نَحْوٌ آخَرُ" بِمَعْنى أنَّها دَقِيقَةُ التَصَرُّفِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ ، قالَتْ فِرْقَةٌ: يُرِيدُ: في الدُنْيا، أيْ: مَن لَمْ يَهْدِهِ اللهُ لَمْ يَهْتَدِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ: في الآخِرَةِ، أيْ: مَن لَمْ يَرْحَمْهُ اللهُ ويُنَوِّرْ حالَهَ بِالعَفْوِ والرَحْمَةِ فَلا رَحْمَةَ لَهُ، والأوَّلُ أبْيَنُ وألْيَقُ بِلَفْظِ الآيَةِ، وأيْضًا فَذَلِكَ مُتَلازِمْ، نُورُ الآخِرَةِ إنَّما هو لِمَن نَوَّرَ قَلْبَهُ في الدُنْيا وهُدِيَ، وقَدْ قَرَّرَتِ الشَرِيعَةُ أنَّ مَن مَرَّ لِآخِرَتِهِ عَلى كُفْرِهِ فَهو غَيْرُ مَرْحُومٍ ولا مَغْفُورٍ لَهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

شأن ﴿ أو ﴾ إذا جاءت في عطف التشبيهات أن تدل على تخيير السامع أن يشبه بما قبلها وبما بعدها.

وقد تقدم ذلك عند قوله تعالى: ﴿ أو كصيب من السماء ﴾ في سورة البقرة (19)، أي مع اتحاد وجه الشبه.

ومنه قول أمرئ القيس: يُضيء سناه أو مصَابيح راهب *** وقول لبيد: أفتلك أم وحشية مسبوعة *** خذلت وهادية الصوّار قوامها فإذا كان الكلام هنا جارياً على ذلك الشأن كان المعنى تمثيل الذين كفروا في أعمالهم التي يظنون أنهم يتقربون بها إلى الله بحال ظلمات ليل غشيت ماخراً في بحر شديد الموج قد اقتحم ذلك البحر ليصل إلى غاية مطلوبة، فحالهم في أعمالهم تشبه حال سابح في ظلمات ليل في بحر عميق يغشاه موج يركب بعضه بعضاً لشدة تعاقبه، وإنما يكون ذلك عند اشتداد الرياح حتى لا يكاد يرى يده التي هي أقرب شيء إليه وأوضحُه في رؤيته فكيف يرجو النجاة.

وإن كان الكلام جارياً على التخيير في التشبيه مع اختلاف وجه الشبه كان المعنى تمثيل حال الذين كفروا في أعمالهم التي يعملونها وهم غير مؤمنين بحال من ركب البحر يرجو بلوغ غاية فإذا هو في ظلمات لا يهتدي معها طريقاً.

فوجه الشبه هو ما حف بأعمالهم من ضلال الكفر الحائل دون حصول مبتغاهم.

ويرجح هذا الوجه تذييل التمثيل بقوله: ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ .

وعلى الوجهين فقوله: ﴿ كظلمات ﴾ عطف على ﴿ كسراب ﴾ [النور: 39] والتقدير: والذين كفروا أعمالهم كظلمات.

وهذا التمثيل من قبيل تشبيه حالة معقولة بحالة محسوسة كما يقال: شاهدتُ سواد الكفر في وجه فلان.

والظلمات: الظلمة الشديدة.

والجمع مستعمل في لازم الكثرة وهو الشدة، فالجمع كناية لأن شدة الظلمة يحصل من تظاهر عدة ظلمات.

ألا ترى أن ظلمة بين العشاءين أشد من ظلمة عقب الغروب وظلمة العشاء أشد مما قبلها.

وقد ذكرنا فيما مضى أن لفظ ظلمة بالإفراد لم يرد في القرآن انظر أول سورة الأنعام.

ومعنى كونها ﴿ في بحر ﴾ أنها انطبع سوادها على ماء بحر فصار كأنها في البحر كقوله تعالى: ﴿ أو كصيب من السماء فيه ظلمات ﴾ وقد تقدم في سورة البقرة (19) إذ جعل الظلمات في الصيب.

واللجِّيّ منسوب إلى اللجة، واللج هو معظم البحر، أي في بحر عميق، فالنسب مستعمل في التمكن من الوصف كقول أبي النجم: والدهر بالإنسان دوّاريّ *** أي دوّار، وكقولهم: رجل مشركي ورجل غلاّبي، أي قوي الشرك وكثير الغلب.

والموج: اسم جمع موجة والموجة: مقدار يتصاعد من ماء البحر أو النهر عن سطح مائه بسبب اضطراب في سطحه بهبوب ريح من جانبه يدفعه إلى الشاطئ.

وأصله مصدر: ماج البحر، أي اضطرب وسمي به ما ينشأ عنه.

ومعنى: ﴿ من فوقه موج ﴾ أن الموج لا يتكسر حتى يلحقه موج آخر من فوقه وذلك أبقى لظلمته.

والسحاب تقدم في سورة الرعد (12).

والسحاب يزيد الظلمة إظلاماً لأنه يحجب ضوء النجم والهلال.

وقوله: ﴿ ظلمات بعضها فوق بعض ﴾ استئناف.

والتقدير: هي ظلمات والمراد بالظلمات التي هنا غير المراد بقوله: ﴿ أو كظلمات ﴾ لأن الجمع هنا جمع أنواع وهنالك جمع أفراد من نوع واحد.

وقرأ الجمهور: ﴿ سحاب ظلمات ﴾ بالتنوين فيهما.

وقرأ البزي عن ابن كثير ﴿ من فوقه سحاب ظلمات ﴾ بترك التنوين في ﴿ سحاب ﴾ وبإضافته إلى ﴿ ظلمات ﴾ .

وقرأه قنبل عن ابن كثير برفع ﴿ سحاب ﴾ منوناً وبجر ﴿ ظلمات ﴾ على البدل من قوله: ﴿ أو كظلمات ﴾ .

وقوله: ﴿ لم يكد يراها ﴾ هو من قبيل قوله ﴿ فذبحوها وما كادوا يفعلون ﴾ [البقرة: 71] وقد تقدم وجه هذا الاستعمال في سورة البقرة وما فيه من قصة بيت ذي الرمة.

وجملة: ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور ﴾ تذييل للتمثيل، أي هم باءوا بالخيبة فيما ابتغوا مما عملوا وقد حفهم الضلال الشديد فيما عملوا حتى عدموا فائدته لأن الله لم يخلق في قلوبهم الهدى حين لم يوفقهم إلى الإيمان، أي أن الله جبلهم غير قابلين للهدى فلم يجعل لهم قبوله في قلوبهم فلا يحل بها شيء من الهدى.

وفيه تنبيه على أن الله تعالى متصرف بالإعطاء والمنع على حسب إرادته وحكمته وما سبق من نظام تدبيره.

وهذا التمثيل صالح لاعتبار التفريق في تشبيه أجزاء الهيئة المشبهة بأجزاء الهيئة المشبه بها؛ فالضلالات تشبه الظلمات، والأعمال التي اقتحمها الكافر لقصد التقرب بها تشبه البحر، وما يخالط أعماله الحسنة من الأعمال الباطلة كالبحيرة، والسائبة يشبه الموج في تخليطه العمل الحسن وتخلله فيه وهو الموج الأول.

وما يرد على ذلك من أعمال الكفر كالذبح للأصنام يشبه الموج الغامر الآتي على جميع ذلك بالتخلل والإفساد وهو الموج الثاني، وما يحف اعتقاده من الحيرة في تمييز الحسن من العبث ومن القبيح يشبه السحاب الذي يغشى ما بقي في السماء من بصيص أنوار النجوم، وتطلّبُه الانتفاع من عمله يشبه إخراج الماخر يده لإصلاح أمر سفينته أو تناول ما يحتاجه فلا يرى يده بله الشيء الذي يريد تناوله.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ ﴾ أمّا السَّرابُ فَهو الَّذِي يُخَيَّلُ لِمَن رَآهُ في الفَلاةِ كَأنَّهُ الماءُ الجارِي قالَ الشّاعِرُ: فَلَمّا كَفَفْنا الحَرْبَ كانَتْ عُهُودُهم كَلَمْعِ سَرابٍ بِالفَلا مُتَألِّقٍ والآلُ كالسَّرابِ إلّا أنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنِ الأرْضِ في وقْتِ الضُّحى حَتّى يَصِيرَ كَأنَّهُ بَيْنَ الأرْضِ والسَّماءِ، وقِيلَ: إنَّ السَّرابَ بَعْدَ الزَّوالِ والآلَ قَبْلَ الزَّوالِ والرَّقْراقَ بَعْدَ العَصْرِ، وأمّا القِيعَةُ فَجَمْعُ قاعٍ مِثْلَ جِيرَةٍ وجارٍ، والقاعُ ما انْبَسَطَ مِنَ الأرْضِ واسْتَوى.

﴿ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً ﴾ يَعْنِي العَطْشانَ يَحْسَبُ السَّرابَ ماءً.

﴿ حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ﴾ وهَذا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ يُعَوِّلُ عَلى ثَوابِ عَمَلِهِ فَإذا قَدِمَ عَلى اللَّهِ وجَدَ ثَوابَ عَمَلِهِ بِالكُفْرِ حابِطًا.

﴿ وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: وجَدَ أمْرَ اللَّهِ عِنْدَ حَشْرِهِ.

الثّانِي: وجَدَ اللَّهَ عِنْدَ عَرْضِهِ.

﴿ فَوَفّاهُ حِسابَهُ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَ عَمَلِهِ فَجازاهُ عَلى كُفْرِهِ.

والثّانِي: وجَدَ اللَّهَ عِنْدَ وعِيدِهِ فَوَفّى بِعَذابِهِ ويَكُونُ الحِسابُ عَلى الوَجْهَيْنِ مَعًا مَحْمُولًا عَلى العَمَلِ، كَما قالَ امْرُؤُ القَيْسِ فَوَلّى مُدْبِرًا وأيْقَنَ ∗∗∗ أنَّهُ لاقِي الحِسابا ﴿ واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِأنَّ حِسابَهُ آتٍ وكُلُّ آتٍ سَرِيعٌ.

الثّانِي: لِأنَّهُ يُحاسِبُ جَمِيعَ الخَلْقِ في وقْتٍ سَرِيعٍ.

قِيلَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وكانَ يَتَرَهَّبُ في الجاهِلِيَّةِ ويَلْبَسُ الصُّوفَ ويَطْلُبُ الدِّينَ فَكَفَرَ في الإسْلامِ.

قَوْلُهُ: ﴿ أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ الظُّلُماتُ: ظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ.

وَفي قَوْلِهِ لُجِّيٍّ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ البَحْرُ الواسِعُ الَّذِي لا يُرى ساحِلُهُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: أنَّهُ البَحْرُ الكَثِيرُ المَوْجِ، قالَهُ الكَلْبِيُّ.

الثّالِثُ: أنَّهُ البَحْرُ العَمِيقُ، وهَذا قَوْلُ قَتادَةَ، ولُجَّةُ البَحْرِ وسَطُهُ، ومِنهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (مَن رَكِبَ البَحْرَ إذا التَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ» يَعْنِي إذا تَوَسَّطَهُ.

﴿ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ سَحابٌ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِ المَوْجِ رِيحٌ، مِن فَوْقِ الرِّيحِ سَحابٌ فَيُجْمَعُ خَوْفُ المَوْجِ وخَوْفُ الرِّيحِ وخَوْفُ السَّحابِ.

الثّانِي: مَعْناهُ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن بَعْدِهِ فَيَكُونُ المَعْنى المَوْجَ بَعْضُهُ يَتْبَعُ بَعْضًا حَتّى كَأنَّهُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ، وهَذا أخْوَفُ ما يَكُونُ إذا تَوالى مَوْجُهُ وتَقارَبَ، ومِن فَوْقِ هَذا المَوْجِ سَحابٌ وهو أعْظَمُ لِلْخَوْفِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ قَدْ يُغَطِّي النُّجُومَ الَّتِي يُهْتَدى بِها.

الثّانِي: الرِّيحُ الَّتِي تَنْشَأُ مَعَ السَّحابِ والمَطَرِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنهُ.

﴿ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ الظُّلُماتِ الَّتِي بَدَأ بِذِكْرِها وهي ظُلْمَةُ البَحْرِ وظُلْمَةُ السَّحابِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ.

الثّانِي: يَعْنِي بِالظُّلُماتِ الشَّدائِدَ أيْ شَدائِدُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ.

﴿ إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: مَعْناهُ أنَّهُ رَآها بَعْدَ أنْ كادَ لا يَراها، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: لَمْ يَرَها ولَمْ يَكَدْ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وهو مَعْنى قَوْلِ الحَسَنِ.

وَفي قَوْلِهِ لَمْ يَكَدْ وجْهانِ: أحَدُهُما: لَمْ يَطْمَعْ أنْ يَراها.

الثّانِي: لَمْ يَرَها ويَكادُ صِلَةٌ زائِدَةٌ في الكَلامِ.

﴿ وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِن نُورٍ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ سَبِيلًا إلى النَّجاةِ في الآخِرَةِ فَما لَهُ مِن سَبِيلٍ إلَيْها حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

الثّانِي: ومَن لَمْ يَهْدِهِ اللَّهُ لِلْإسْلامِ لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

وَقالَ بَعْضُ أصْحابِ الخَواطِرِ وجْهًا ثالِثًا: ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ نُورًا لَهُ في وقْتِ القِسْمَةِ فَما لَهُ مِن نُورٍ في وقْتِ الخِلْقَةِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: ومَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ قَبُولًا في القُلُوبِ لَمْ تَقْبَلْهُ القُلُوبُ.

وَهَذا المَثَلُ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِلْكافِرِ، فالظُّلُماتُ ظُلْمَةُ الشِّرْكِ وظُلْمَةُ اللَّيْلِ وظُلْمَةُ المَعاصِي، والبَحْرُ اللُّجِّيُّ قَلْبُ الكافِرِ، يَغْشاهُ مِن فَوْقِهِ عَذابُ الدُّنْيا، فَوْقَهُ عَذابُ الآخِرَةِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ الآية.

قال: هو مثل ضربه الله لرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فظن أنه قدر عليه حتى أتى، فلما أتاه لم يجده شيئاً وقبض عند ذلك يقول الكافر: كذلك أن عمله يغني عنه أو نافعه شيئاً.

ولا يكون على شيء حتى يأتيه الموت، فأتاه الموت لم يجد عمله أغنى عنه شيئاً، ولم ينفعه إلا كما يقع العطشان المشتد إلى السراب ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ قال: يعني بالظلمات: الأعمال.

وبالبحر اللجي: قلب الإِنسان.

﴿ يغشاه موج ﴾ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب، والسمع والبصر.

وأخرج أبن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ كسراب بقيعة ﴾ يقول: أرض مستوية.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ كسراب بقيعة ﴾ قال: بقاع من الأرض، والسراب عمل الكافر ﴿ حتى إذا جاءه لم يجِدْهُ شيئاً ﴾ واتيانه إياه.

موته وفراقه الدنيا ﴿ ووجد الله عنده ﴾ ووجد الله عند فراقه الدنيا ﴿ فوفاه حسابه ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير عن قتادة ﴿ كسراب بقيعة ﴾ قال: بقيعة من الأرض.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق السدي عن أبيه عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم قال: «إن الكفار يبعثون يوم القيامة رداً عطاشاً فيقولون: أين الماء؟

فيمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه، فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابهم.

والله سريع الحساب» .

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ قال: اللجي: العميق القعر.

﴿ يغشاه موج من فوقه موج...

﴾ قال: هذا مثل عمل الكافر في ضلالات ليس له مخرج ولا منفذ.

أعمى فيها لا يبصر.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: ﴿ إذا أخرج يده لم يكد يراها ﴾ قال: أما رأيت الرجل يقول: والله ما رأيتها، وما كدت أن أراها.

وأخرج ابن المنذر عن أبي امامة أنه قال: أيها الناس إنكم قد أصبحتم وأمسيتم في منزل تقتسمون فيه الحسنات والسيئات، ويوشك أن تظعنوا منه إلى منزل آخر وهو القبر.

بيت الوحدة، وبيت الظلمة، وبيت الضيق إلا ما وسع الله، ثم تنقلون إلى مواطن يوم القيامة، وإنكم لفي بعض تلك المواطن حين يغشى الناس أمر من أمر الله، فتبيض وجوه وتسود وجوه، ثم تنتقلون إلى منزل آخر، فيغشى الناس ظلمة شديدة، ثم يقسم النور، فيعطى المؤمن نوراً، ويترك الكافر والمنافق فلا يعطى شيئاً، وهو المثل الذي ضربه الله في كتابه ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ إلى قوله: ﴿ فما له من نور ﴾ فلا يستضيء الكافر والمنافق بنور المؤمن كما لا يستضيء الأعمى ببصر البصير.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ قال أبو إسحاق: أعلم الله أن أعمال الكفار إن مثِّلت بما يوجد فمثلها مثل السراب، وإن مثِّلت بما يُرى فهي كهذه (١) ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ الآية (٢) ومعنى قوله (بما يوجد وبما يرى) يعني بالعين وبالأثر (٣) وقال صاحب النظم: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، ثم رجع إلى ذكر كفرهم فقال: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ يعني كفرهم، ولم يذكر الكفر هاهنا إنَّما نسقه على أعمالهم لأن الكفر أيضًا من أعمالهم فشبَّهه (٤) ﴿ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  ﴾ أي من الكفر إلى الإيمان يدل على ذلك قوله ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ يعني به الإيمان (٥) وقال أبو علي الفارسي: قوله ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ معناه: أو كذي ظلمات، ويدلُّ على حذف المضاف قوله: ﴿ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ ﴾ فالضمير الذي أضيفت إليه يده يعود إلى المضاف المحذوف.

ومعنى ذي ظلمات: أنَّه في ظلمات] (٦) (٧) ﴿ أَوْ كَصَيِّبٍ  ﴾ تقديره: أو كذوي صيّب، أو أصحاب صيّب فحذف المضاف (٨) فعلى قول أبي إسحاق، التمثيل وقع لأعمال الكافر.

وهو قول عامة المفسرين (٩) (١٠) ونحو هذا قال قتادة: هو (١١) (١٢) (١٣) وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هذا مثل قلب الكافر (١٤) وهو قول السُّدي (١٥) (١٦) (١٧) قوله تعالى: ﴿ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ قال أبو عبيدة: (لُجيّ) مضاف إلى اللُّجَة، وهو معظم البحر (١٨) (١٩) وقال الفراء: بحر لُجيّ ولجيّ، كما يُقال (٢٠) (٢١) وقال المبرد: اللُّجي: العظيم اللُّجة.

ومعناه: كثرة الماء.

ولجج فلانٌ إذا توسَّط، ولجَّة البحر: معظم مائه حيث لا يُرى أرض ولا جبل (٢٢) وقال ابن عباس: ﴿ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ ﴾ يريد: عميق.

وهو قول قتادة (٢٣) (٢٤) ومعنى ﴿ لُجِّيٍّ ﴾ له لجَّة، ولجتُه حيث يبعد عمقه، فهو بمعنى العميق، كما ذكره أهل التفسير.

قال مقاتل: والبحر إذا كان عميقًا كان أشد لظلمته (٢٥) وقوله ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ أي يعلو ذلك البحر اللجّي موج.

﴿ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ ﴾ قال ابن عباس: يريد موجًا من فوق الموج (٢٦) ﴿ مِنْ فَوْقِهِ ﴾ من فوق الموج] (٢٧) ﴿ سَحَابٌ ﴾ .

﴿ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ يعني ظُلمة البحر، وظلمة الموج، [وظلمة الموج] (٢٨) و ﴿ ظُلُمَاتٌ ﴾ (٢٩) (٣٠) ومن قرأ (٣١) (٣٢) (٣٣) فمن قال: هذا مثل لأعمال الكافر، فالمعنى أنه يعمل في حيرة لا يهتدي لرشد، فهو في جهله وحيرته كمن في هذه الظلمات.

قال أبي بن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات: كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة إلى النار (٣٤) ومن قال: هذا مثل لكفر (٣٥) ومن قال: هذا مثل للكافر] (٣٦) ومن قال هذا مثل لقلب الكافر، وهو قول عامة المفسرين (٣٧) (٣٨) وقال السدي: يعني ظلمة القلب (٣٩) (٤٠) وهذا غير مرضي من القول، لأنَّ كل واحد بهذه الصفة لا ينفذ الضوء إلى جوفه وصدره وقلبه.

إلاَّ أن يراد بظلمة قلبه أنَّه لا يُبصر نور الإيمان، ولا يعقل، ثم يبقى عليه ظلمة الصدر والجوف، فيحمل على ما قال مقاتل: قلب مظلم في صدر مظلم، وجسد مظلم لا يبصر نور الإيمان كما أن صاحب البحر إذا أخرج يده في الظلمة لم يكد يراها (٤١) وقوله ﴿ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ تأكيد لشدة هذه الظلمات.

وهذا اللفظ يحتمل (٤٢) أحدهما: رآها (٤٣) والثاني: لم يرها ولم يكد.

قال الفراء: والأول (٤٤) (٤٥) (٤٦) ونحو هذا قال الزجاج سواء (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال المبرّد: لم يقارب أن يراها، ومعنى ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ : نفي المقاربة (٥١) (٥٢) وقال الأخفش: إذا قلت: (لم يكد يفعل) كان المعنى: لم يقارب الفعل ولم يفعل، على صحّة الكلام، وهكذا معنى الآية.

إلَّا أنَّ اللغة قد أجازت (لم يكد يفعل) وقد فعل بعد شدة (٥٣) (٥٤) فعند الأخفش والمبرّد إذا قلت: لم يكد يفعل، نفي للفعل والمقاربة منه.

وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: (كدت أفعل) معناه [عند العرب: قاربتُ الفعل ولم أفعل، و (ما كدت أفعل) معناه] (٥٥) ﴿ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ  ﴾ معناه: فعلوا بعد إبطاء، لتعذَّر وجدان البقرة عليهم.

قال: وقد يكون (ما كدت أفعل) بمعنى: ما فعلت ولا قاربت، إذ أُكِّد الكلام بأكاد وجعل صلة (٥٦) سريعٌ إلى الهيجاء شاك سلاحه ...

فما إن يكادُ قرنهُ يتنفس (٥٧) (٥٨) وتكاد تكسل (٥٩) قال: أراد: وتكسل أن تجيء قال: ويقال معنى قوله ﴿ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ : لم يُرد أن يراها؛ لأن تلك الظلمات آيسته من تأمل يده فيكد بمعنى: يُرد، وأراد: أن يراها، فحذف (أن) وارتفع الفعل كقوله ﴿ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ  ﴾ .

وقيل في قوله ﴿ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ  ﴾ : كذلك أردنا (٦٠) قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ ﴾ قال ابن عباس: من لم يجعل الله له دينًا فما له من دين (٦١) وقال السدي: ومن لم يجعل الله له إيمانًا فما له من إيمان (٦٢) وقال مقاتل: يعني هدى، وهو الإيمان (٦٣) وقال الزجاج: من لم يهده الإسلام لم يهتد (٦٤) (١) في (ع): (كذلك).

(٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 48.

(٣) في (ع): (والأثر).

(٤) في (أ): (فشبَّه).

(٥) ذكره القرطبي 12/ 284 - 285 عن الجرجاني، وهو صاحب النَّظم.

وذكره أيضًا عنه أبو حيان 6/ 461.

(٦) هنا ينتهي الخرم في نسخة (ظ).

ويبتدئ الموجود من: (ومثل).

(٧) في (ع): (فمثل).

(٨) "الحجة" للفارسي 5/ 329 - 330.

وقد تعقَّب أبو حيان 6/ 461 هذا القول بأنَّه خلاف الظاهر.

(٩) انظر: "الطبري" 18/ 150 - 151، الثعلبي 3/ 87 أ، ابن الجوزي 6/ 51.

(١٠) ذكر القرطبى 12/ 284 هذا الكلام ونسبه للقشيري.

(١١) في (ظ): (وهو).

(١٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 61، والطبري 18/ 150، وابن أبي حاتم 7/ 54 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 210 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد.

(١٣) رواه الطبري 18/ 151، وابن أبي حاتم 7/ 54 ب، والحاكم في "مستدركه" 2/ 399 - 400.

(١٤) ذكره عنه القرطبي 12/ 284.

(١٥) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 54 ب، وذكره عنه ابن كثير 3/ 296.

(١٦) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب.

(١٧) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 255 (١٨) "مجاز القرآن" 2/ 67.

(١٩) قول الليث في "تهذيب اللغة" 10/ 493 "لج".

وهو في "العين" 6/ 19 (لجَّ).

(٢٠) في (أ): (تقول).

(٢١) قول الفراء بنصِّه في "تهذيب اللغة" 10/ 493 (لج).

ولم أجده في المطبوع من "معاني القرآن" في هذا الموضع من سورة النور، لكن ذكر الفراء عند تفسير قوله تعالى: ﴿ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا  ﴾ بعد ذكره للقراءتين بالضم والكسر عن الكسائي أنه قال: سمعت العرب تقول بحر لجيُّ ولجيّ.

انظر: "معاني القرآن" 2/ 243.

(٢٢) لم أجده عن المبرد.

وانظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 493 - 494 "لج"، "الصحاح" للجوهري 1/ 338 (لجج)، "لسان العرب" 2/ 354 (لجج).

(٢٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 61، والطبري 18/ 151، وابن أبي حاتم 7/ 54 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 210 وزاد نسبته لعبد بن حميد.

(٢٤) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب.

(٢٥) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب.

(٢٦) ذكر الماوردي 4/ 110، وابن الجوزي 6/ 50، والقرطبي 12/ 284 هذا القول من غير نسبة لأحد.

وحكى الماوردي والقرطبي قولا آخر هو: أنَّ معناه يغشاه موج من بعده، فيكون المعنى: الموج يتبع بعضه بعضًا حتى كأنَّ بعضه فوق بعض، وهو أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب.

(٢٧) ساقط من (ظ)، (ع).

(٢٨) ساقط من (ظ).

(٢٩) في (أ): (وظلمات الموج).

(٣٠) هذا توجيه لقراءة الجمهور "ظلماتٌ" بالرفع والتنوين.

وذكر مكي في "الكشف" 2/ 140 وجهًا آخر لقراءة الجمهور فقال: وحجَّة من رفع "ظلمات" أنه رفع على الابتداء، و"بعضها" ابتداء ثان، و"فوق" خبر لـ"بعض"، وخبرها حبر عن "ظلمات".

ونقل أبو حيَّان 6/ 462 عن الحوفي تجويزه لهذا الوجه، ثم قال: والظاهر أنه لا يجوز لعدم المسوغ فيه للابتداء بالنكرة، إلَّا إن قدِّرت صفة محذوفة أي: ظلمات كثيرة كثيرة أو عظيمة بعضها فوق بعض.

وانظر أيضًا "الدر المصون" 8/ 415.

(٣١) هو: ابن كثير في رواية قنبل.

"السبعة" ص 457، "التبصرة" ص 273، "التيسير" ص 162.

(٣٢) هو: ابن كثير في رواية البزّي.

انظر ما تقدم من مراجع.

(٣٣) من قوله: (وظلمات) خبر ..

إلى هنا.

نقلاً عن "الحجة" للفارسي 5/ 330 مع اختلاف يسير.

وانظر أيضًا: "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 113، "حجة القراءات" لابن زنجلة 502، "الكشف" لمكي 2/ 139 - 130.

(٣٤) رواه الطبري 18/ 151، وابن أبي حاتم 7/ 54 ب، والحاكم 2/ 399 - 400، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 198 وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن مردويه.

(٣٥) في (ظ): (لكافر).

(٣٦) ساقط من (ع).

(٣٧) نسب الثعلبي 3/ 87 أالقول بأن البحر اللجي هو مثل لقلب الكافر إلى المفسرين.

ونسب ابن الجوزي 6/ 50 هذا القول للفراء، ونسب للجمهور أنه مثل لعمل الكافر.

(٣٨) ذكر القرطبي 12/ 285 أن هذا المعنى روي عن ابن عباس وغيره.

وذكر الثعلبي 3/ 87 أنحو هذا القول ولم ينسبه لأحد.

وذكر الشوكاني 4/ 40 هذ!

القول ولم ينسبه لأحد، وقال عنه إنه من غرائب التفاسير، وقال: وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد.

== وذكر أبو حيَّان في "البحر" 6/ 463 نحو هذا المعنى وقال: والتفسير بمقابلة الأجزاء شبيه بتفسير الباطنية وعدول عن منهج كلام العرب.

(٣٩) في جميع النسخ: (القبر)، والتصويب من "تفسير ابن أبي حاتم".

(٤٠) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 547 ب.

(٤١) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب مع اختلاف يسير.

(٤٢) في (أ): (محتمل).

(٤٣) في (ظ)، (ع): (يراها).

(٤٤) في (ظ)، (ع): (فالأول).

(٤٥) يعني أنَّه أظهر معاني الكلمة من جهة ما تستعمل العرب "كاد" في كلامها.

قاله الطبري 18/ 151.

(٤٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 255 مع زيادة يسيرة وتقديم وتأخير.

(٤٧) انظر: "معاني القرآن" للزجاج 4/ 48.

(٤٨) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب.

(٤٩) انظر: " الطبري" 18/ 151، الثعلبي 3/ 87 أ.

(٥٠) رواه ابن أبي حاتم 7/ 55 أبمعناه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 210 بمثل رواية ابن أبي حاتم، وعزاه لعبد بن حميد.

وقد ذكر هذا القول عنه أيضًا: الماوردي 4/ 111، وابن الجوزي 6/ 50، والقرطبي 12/ 285.

(٥١) في (أ): (والمقاربة).

(٥٢) في "الكامل" للمبرد 1/ 95: (إذا أخرج يده لم يكد يراها) أي: لم يقرب من رؤيتها.

وإيضاحه: لم يرها ولم يكد.

وقد ذكر الثعلبي 3/ 87 أ، والبغوي 6/ 53، وابن الجوزي 6/ 50، والقرطبي 12/ 285 عن المبرد خلاف هذا القول، وهو أن معنى (لم يكد يراها): (لم يرها إلا بعد الجهد، كما يقول القائل: ما كدت أراك عن الظلمة، وقد رآه ولكن بعد يأس وشدة.

(٥٣) هكذا في جميع النسخ و"تهذيب اللغة" للأزهري.

وفي "معاني القرآن": "لم يكد يفعل" في معنى: فعل بعد شدة.

(٥٤) كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 328 (كاد)، وهو في "معاني القرآن" للأخفش 21/ 525 مع اختلاف يسير.

(٥٥) ساقط من (ظ).

(٥٦) كلام ابن الأنباري بنصه في "تهذيب اللغة" 10/ 329 (كاد) دون قوله: وجعل صلة.

وفي "الأضداد" لابن الأنباري ص 98، و"الزاهر في معرفة كلام الناس" له أيضًا 2/ 90 - 91 نحو هذا الكلام.

(٥٧) هذا البيت أنشده ابن الأنباري في "الأضداد" ص 97 من غير نسبة، وروايته فيه: سريعًا إلى الهيجاء.

وأنشده أيضًا في "الزاهر" 2/ 90 وفي "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 800 من غير نسبة.

والبيت لزيد الخيل، وهو في "ديوانه" ص 74، والطبري 16/ 151، و"بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي 4/ 400، و"تاج العروس" للزبيدي 9/ 119 (كود).

والهيجاء: الحرب، و"شاك سلاحه" أي: لبس سلاحه لبسًا تامًا فلم يدع منه شيئًا.

وقرنه -بالكسر-: هو كفؤه ونظيره في الشجاعة والحرب.

انظر: "لسان العرب" 2/ 395 (هيج) 9/ 452 (شكك)، 13/ 337 (قرن).

(٥٨) أنشده ابن الأنباري لحسان في "الأضداد" ص 97، و"الزاهر" 2/ 914، و"إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 800، وتتمته: في جسم خرعبة وحسن قوام وهو في "ديوانه" 1/ 29، و"السيرة النبوية" لابن هشام 2/ 382.

وهو من قصيدة قالها يوم بدر يذكر الحارث بن هشام بن المغيرة بن مخزوم وهزيمته، وافتتحها بقوله: تبلت فؤادك في المنام خريدةٌ ...

تشفي الضَّجيع ببارد بسَّام (٥٩) في (أ): (ويكاد يكسل)، وهو خطأ.

(٦٠) هذا القول حكاه ابن الأنباري في "الأضداد" ص 97، ولم ينسبه لأحد.

وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 4/ 261 وقال: ذكره ابن القاسم.

يعني ابن الأنباري.

وذكره البغوي 4/ 262 ولم ينسبه لأحد.

وذكره القرطبي 9/ 236 ونسبه لابن الأنباري.

(٦١) ذكره عنه البغوي 6/ 53، وابن الجوزي 6/ 51، والقرطبي 6/ 51.

(٦٢) رواه ابن أبي حاتم 7/ 55 أ.

وذكره عنه ابن الجوزي 6/ 51.

(٦٣) "تفسير مقاتل" 2/ 39 ب.

(٦٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 48، وفيه: من لم يهده الله إلى الإسلام لم يهتد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ هذا هو المثال الثاني، وهو عطف على قوله: ﴿ كَسَرَابٍ ﴾ ، والمشبه بالظلمات أعمال الكافر: أي هم من الضلالة والحيرة في مثل الظلمات المجتمعة من ظلمة البحر تحت الموج تحت السحاب ﴿ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ منسوب إلى اللج، وهو معظم الماء، وذهب بعضهم إلى أن أجزاء هذا المثال قوبلت به أجزاء الممثل به: فالظلمات أعمال الكافر، والبحر اللجي صدره، والموج جهله، والسحاب الغطاء الذي على قلبه، وذهب بعضهم إلى أنه تمثيل بالجملة من غير مقابلة وفي وصف هذه الظلمات بهذه الأوصاف مبالغة كما أن وصف النور المذكور قبلها مبالغة ﴿ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ المعنى مبالغة في وصف الظلمة، والضمير في أخرج وما بعده للرجل الذي وقع في الظلمات الموصوفة، واختلف في تأويل الكلام: فقيل: المعنى إذا أخرج يده لم يقارب رؤيتها، فنفى الرؤية ومقاربتها، وقيل: بل رآها بعد عسر وشدة، لأن كاد إذا نفيت تقتضي الإيجاب، وإذا أوجبت تقتضي النفي، وقال ابن عطية: إنما ذلك إذا دخل حرف النفي على الفعل الذي بعدها، فأما إذا دخل حرف النفي على كاد كقوله: لم يكد، فإنه يحتمل النفي والإيجاب.

﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً ﴾ أي من لم يهده الله لم يهتد، فالنور كناية عن الهدى، والإيمان، في الدنيا، وقيل: أراد في الآخرة أي من لم يرحمه الله فلا رحمة له، والأول أليق بما قبله، ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ ﴾ الرؤية هنا بمعنى العلم والتسبيح التنزيه والتعظيم، وهو من العقلاء بالنطق، وأما تسبيح الطير وغيرها مما لايعقل، فقال الجمهور: إنه حقيقي، ولا يبعد أن يلهمها الله التسبيح، كما يلهمها الأمور الدقيقة التي لا يهتدي إليها العقلاء، وقيل: تسبيحه ظهور الحكمة فيه ﴿ صَآفَّاتٍ ﴾ يصففن أجنحتهن في الهواء ﴿ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ الضمير في ﴿ عَلِمَ ﴾ لله، أو لكل، والضمير في ﴿ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ﴾ لكل ﴿ يُزْجِي ﴾ معناه يسوق، والإزجاء إنما يستعمل في سوق كل ثقيل كالسحاب ﴿ رُكَاماً ﴾ متكاثف بعضه فوق بعض ﴿ الودق ﴾ المطر ﴿ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي من بينه، وهو جمع خلل كجبل وجبال ﴿ وَيُنَزِّلُ مِنَ السمآء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ ﴾ قيل: إن الجبال هنا حقيقة وأن الله جعل في السماء جبالاً من برد، وقيل: إنه مجاز كقولك عند فلان جبال من مال أو علم: أي هي في الكثرة كالجبال، و ﴿ مَن ﴾ في قوله: ﴿ مِنَ السمآء ﴾ لابتداء الغاية، وفي قوله: ﴿ مِن جِبَالٍ ﴾ كذلك، وهي بدل من الأولى، وتكون للتبعيض، فتكون مفعول ينزل، و ﴿ مِن ﴾ في قوله: ﴿ مِن بَرَدٍ ﴾ : لبيان الجنس أو للتبعيض فتكون مفعول ينزل، وقال الأخفش: هي زائدة، وذلك ضعيف، وقوله: ﴿ فِيهَا ﴾ صفة للجبال، والضمير يعود على السماء ﴿ سَنَا بَرْقِهِ ﴾ السنا بالقصر الضوء، وبالمدّ المجد والشرف ﴿ يُقَلِّبُ الله الليل والنهار ﴾ أي يأتي بهذا بعد هذا.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ نور السموات ﴾ على الفعل: يزيد من طريق ابن أبي عبلة وابن مشيا ﴿ كمشكاة ﴾ ممالة: أبو عمرو عن الكسائي ﴿ دريء ﴾ بكسرتين وبالهمز: أبو عمرو وعلي والمفضل مثله بضم الدال: حمزة وأبو بكر وحماد والخزاز.

الباقون بضم الدال وتشديد الياء ﴿ توقد ﴾ بضم التاء وفتح القاف: حمزة وعلي وخلف وابو بكر وحماد مثله ولكن بياء الغيبة على أن الضمير للمصباح: ابن عامر ونافع وحفص وابو زيد عن المفضل.

الباقون وجبلة ﴿ توقد ﴾ بالفتحات وتشديد القاف ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء: ابن عامر وأبو بكر وحماد: ﴿ سحاب ﴾ ﴿ ظلمات ﴾ على الإضافة: البزي ﴿ سحاب ﴾ بالتنوين ﴿ ظلمات ﴾ بالكسر على أنه نصب على الحال: القواس وابن فليح.

الباقون بالرفع والتنوين فيهما.

﴿ ينزل ﴾ من الإنزال: ابن كثير وابو عمرو وسهل ويعقوب ﴿ يذهب ﴾ من الإذهاب يزيد على أن الباء زائدة ﴿ خالق كل شيء ﴾ على الإضافة: حمزة وعلي وخلف.

الآخرون ﴿ خلق ﴾ على لفظ الماضي ﴿ كل ﴾ منصوباً.

الوقوف: ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ مصباح ﴾ ط ﴿ زجاجة ﴾ ط ﴿ غربية ﴾ ط لأن ما بعدها صفة شجرة ﴿ نار ﴾ ط ﴿ نور ﴾ ط ﴿ يشاء ﴾ ط ﴿ للناس ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه لا بناء على أن الظرف يتعلق بما قبله وهو ﴿ كمكشاة ﴾ أي مثل مشكاة في بعض بيوت الله عز وجل والأولى تعلقه بـ ﴿ يسبح ﴾ وفيها تكرار كقولك زيد في الدار جالس فيها أو بمحذوف وهو سبحوا اسمه لا لأن ما بعده صفة بيوت أو لأن الظرف يتعلق بـ ﴿ يسبح ﴾ ﴿ والآصال ﴾ ط لمن قرأ ﴿ يسبح ﴾ بفتح الباء كأنه قيل: من يسبح؟

فقيل: ﴿ رجال ﴾ أي يسبحه رجال.

ومن قرأ بالكسر لم يقف لأنه فاعل الفعل الظاهر ﴿ رجال ﴾ لا لأن ما بعده صفة ﴿ الزكاة ﴾ لا لأن ما بعده أيضاً صفة ﴿ والأبصار ﴾ ه لا لتعلق اللام.

أو حاتم يقف ويجعل اللام لام القسم على تقدير ليجزين قال: فلما سقطت النون انكسرت اللام.

﴿ من فضله ﴾ ط ﴿ حساب ﴾ ه ﴿ ماء ﴾ ط ﴿ حسابه ﴾ ط ﴿ الحساب ﴾ ه لا للعطف ﴿ سحاب ﴾ ط لمن قرأ ﴿ ظلمات ﴾ بالرفع ولم يجعلها بدلاً ﴿ فوق بعض ﴾ ط ﴿ يراها ﴾ ط ﴿ من نور ﴾ ه ﴿ صافات ﴾ ط ﴿ وتسبيحه ﴾ ط ﴿ يفعلون ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ج فصلاً بين الأمرين المعظمين مع اتفاق الجملتين ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ من خلاله ﴾ ج لما قلنا ﴿ عمن يشاء ﴾ ط ﴿ بالأبصار ﴾ ه ط ﴿ والأنهار ﴾ ط ﴿ الأبصار ﴾ ج ﴿ من ماء ﴾ ج للفاء مع التفصيل ﴿ بطنه ﴾ ج ﴿ رجلين ﴾ ج لمثل ما قلنا ﴿ اربع ﴾ ط ﴿ ما يشاء ﴾ ط ﴿ قدير ﴾ ه ﴿ مبينات ﴾ ط ﴿ مستقيم ﴾ ه ﴿ ذلك ﴾ ط ﴿ بالمؤمنين ﴾ ه ﴿ معرضون ﴾ ه ﴿ مذعنين ﴾ ه ط ﴿ ورسوله ﴾ ط ﴿ الظالمون ﴾ ه.

التفسير: أنه  لما بين من الأحكام ما بين أردفها على عادة القرآن بالإلهيات وقدم لذلك مثلين أحدهما في أن دلائل الإيمان في غاية الظهور، والثاني أن أديان الكفر في نهاية الظلمة.

أما الأول فهو قوله ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ واعلم أن النور في اللغة موضوع لهذه الكيفية الفائضة من الشمس والقمر والنار على ما يجاذيها من الأجرام، لا شك أنه لا يمكن أن يكون إلهاً لأنه إن كان عرضاً فظاهر، وإن كان جسماً فكذلك للدليل الدال على أن إله العالم ليس بجسم ولا جسماني ولا زائل ولا متنقل إلى غير ذلك من أمارات الحدوث والافتقار، وعند ذلك ذكر العلماء في تأويل الآية وجوهاً: الأول وهو قول ابن عباس والأكثرين، أن المضاف محذوف أي هو ذو نور السموات والأرض لأنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ ﴿ ويهدي الله لنوره ﴾ والمضاف مغاير للمضاف إليه.

فنظير الاية قولك "زيد كرم وجود" للمبالغة.

الثاني أن معناه منور السموات كقراءة من قرأ ﴿ نور ﴾ بالتشديد وعلى القولين ما المراد بالنور؟

فالأكثرون على أنه الهداية والحق منا قال في آخر الآية ﴿ يهدي الله لنورهه من يشاء ﴾ شبهه بالنور في ظهوره وبيانه.

وأضافه إلى السموات والأرض للدلالة على سعة إشراقه وفشوّ إضاءته حتى تضيء له السموات والأرض، أو على حذف المضاف أي نور أهل السموات والأرض وقيل: نور السماء بالملائكة وبالأجرام النيرة والأرض بها وبالأنبياء والعلماء وهو مروي عن أبيّ بن كعب والحسن وابي العالية.

وقيل: هو تدبيره إياهما بحكمة كاملة كما يوصف الرئيس المدبر بأنه نور البلد إذا كان يدبر أمورهم تدبيراً حسناً، فهو لهم كالنور الذي يهتدي به في المضايق والمزالق.

وهذا القول اختيار الأصم والزجاج.

وقيل: هو نظمه إياهما على النهج الأحسن والوجه الأصلح.

وقد يعبر بالنور عن النظام.

يقال: ما أرى لهذه الأمور نوراً.

الثالث: ما ذهب إليه الحكماء الأولون الإشراقيون وإليه ميل الشيخ الإمام حجة الإسلام محمد الغزالي على ما قرره في رسالته المسماة بمشكاة الأنوار: أن الله تعالى نور في الحقيقة بل لا نور، إلا هو بيانه أن للإنسان بصراً يدرك به النور المحسوس الواقع من الأجرام النيرة على ظواهر الأجسام الكثيفة، وبصيرة هي القوة العاقلة، ولا شك أن البصيرة أقوى من البصر لأن القوة الباصرة لا تدرك نفسها ولا تدرك إدراكها ولا تدرك آلتها وهي العين، وأما لقوة العاقلة فإنها تدرك نفسها وتدرك إدراكها وتدرك آلتها في الإدراك وهي القلب أو الدماغ، والإدراك الحسي غير منتج لأنه لا يصير سبباً لإحساس آخر، والإدراك العقلي يصير سبباً لإدراكات أخر حتى تجتمع علوم جمة، والحس يضطرب بكثرة ورود المحسوسات عليه حتى إنه لا يسمع الصوت الضعيف مثلاً بعد سماع الصوت الشديد، والعقل يزداد بهاؤه ونورانيته بكثرة توارد العلوم وتعاونها، والقوة الحسية تضعف بضعف البدن، والقوة العقلية تقوى بعد الأربعين حتى استدل بذلك على بقائها بعد خراب البدن، والقوة الحسية لا تدرك من القرب القريب ولا من البعد البعيد، والعقلية لا يختلف حالها في القرب والبعد فيدرك ما فوق العرش إلى ما تحت الثرى في لحظة واحدة، بل يدرك ذات الله وصفاته مع أنه منزه عن القرب والبعد والجهة، والحس لا يدرك من الشياء إلا ظواهرها، والعقل يغوص في حقائق الأشياء وفي أجزائها وجزئياتها وفي ذاتياتها وعرضياتها، فيوحد الكثير تارة بانتزاع صورة كلية من الجزئيات، ويكثر الواحد أخرى بالتجنيس والتنويع والتصنيف وغير ذلك من التقسيمات التي لا تكاد تتناهى.

وإدراك العقل قد يكون مقدماً على وجود الشيء ويسمى العلم العقلي، وإدراك الحس تابع لوجود الشيء وإذا كان الروح الباصر نوراً فالبصيرة التي هي أشرف منها أولى بأن تكون نوراً، وكما أن نور المبصر يحتاج في إدراكه إلى معين من الخارج هو الشمس أو السراج مثلاً، فنور البصيرة ايضاً يحتاج في إدراكه إلى مرشد هو النبي أو القرآن فلذلك سمي القرآن نوراً ﴿ والنور الذي أنزلنا  ﴾ والنبي نوراً ﴿ وسراجاً منيراً  ﴾ فروح النبي في عالم الأرواح كالشمس في عالم الأجسام.

ثم إن الأنوار النبوية القدسية مقتبسة من أنوار أخرى فوقها لقوله ﴿ علمه شديد القوى  ﴾ ﴿ قل نزله روح القدس من ربك  ﴾ فكل الأنوار تنتهي إلى مالا نور أنور منه ولا أجل وأشرف وهو الله  .

والكلام المجمل في هذا المقام هو الذي قد سلف تحقيقه مراراً وهو أن الكمالات أنوار والملكات الذميمة ظلمات.

وأيضاً الوجود نور والعدم ظلمة، فإن نظرنا إلى الكمال فكل كمال ينتهي إلى الله  ولا كمال فوق كماله، فهو نور الأنوار.

وإن نظرنا إلى الوجود نفسه فلا ريب أن الممكن وجوده مستفاد من غيره إلى أن ينتهي إلى واجب الوجود لذاته وهو نور الأنوار، فسبحان من اختفى عن الخلق لشدة ظهوره، واحتجب عنهم بإشراق نوره، ومن هنا قال  "إن لله سبعين حجاباً من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه كل ما أدرك بصره" وفي بعض الروايات سبعمائة وفي بعضها سبعون الفاً.

قال العلماء: الحجب ثلاثة أقسام: حجب ظلمانية محضة، وحجب ممزوجة من نور وظلمة، وحجب نورانية صرفة، أما المحجوبون بالأول فهم الذين بلغوا في الاشتغال بالعلائق البدنية إلى حيث لا يلتفت خاطرهم إلى الاستدلال بالمصنوعات على الصانع.

وأما المحجوبون بالثاني فهم الذين اعتقدوا في الممكنات أنها غنية عن المؤثر، فنفس تصور الاستغناء عن الغير نور لأنه من صفات الله  ، ولكن اعتقاد حصوله لمن لا يليق به ظلمة فهذا حجاب ممزوج من نور وظلمة، وأما المحجوبون بالثالث فهم الذين استغرقوا في بحار صفات الله وأفعاله فاحتجبوا بالصفات عن الذات، فعرف منهذا التقرير أن الحجب لا تكاد تتناهى حيث لا نهاية للمكنات ولا انحصار للسلوب والإضافات، ولكن الحديث ورد على ما هو المتعارف في باب التكثير.

ولنرجع إلى التفسير قال الفراء: المشكاة الكوة في الجدار غير النافذة وهذا القول أصح عند أئمة اللغة وهي من لغة العرب ومنه المشكاة للزق الصغير.

وقيل: هي بلغة الحبشة، وعن ابن عباس وأبي موسى الأشعري أن المشكاة هي القائم الذي في وسط القنديل الذي يدخل فيه الفتيلة وهو قول مجاهد والقرطبي، ومثله قول الزجاج هي قصبة القنديل من الزجاجة التي يوضع فيها الفتيلة.

وقال الضحاك: هي الحلقة التي يتعلق بها القنديل والمصباح السراج الضخم الثاقب وأصله من الضوء ومنه الصبح والدريّ فمن قرأ بضم الدال وتشديد الياء منسوب إلى الدر اي ابيض متلألئ، ومن قرأ بالهمز مضموم الدال كمرّيق أو مكسورها كسكيت، فمعناه أنه يدرأ الظلام بضوئه.

وقال أبو عبيد: إن ضممت الدال وجب أن لا تهمزة لأنه ليس في كلام العرب "فعيل".

ومن همزة من القراء فإنما أراد "فعول" على سبوح فاستثقل فرد بعضه غلى الكسر.

والدري من الكواكب هي المشاهير كالمشتري والزهرة والمريخ وما يضاهيها من الثوابت التي هي في العظم الأول.

ومعنى ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أن ابتداء ثقوبه من شجرة مباركة كثيرة المنافع وهي الزيتون.

عن النبي  "عليكم بهذه الشجرة زيت الزيتون فتداووا به فإنها مصحة من الباسور" وقيل: سميت مباركة لأنها تنبت في الأرض التي بارك الله فيها للعالمين، أو بارك فيها سبعون نبياً منهم إبراهيم  فقوله ﴿ زيتونة ﴾ بدل من ﴿ شجرة ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن منبتها في أكثر الشام وزيتونها أجود الزيتون والشام قريب من وسط العمارة ليس على الطرف الشرقي من الربع المسكون ولا على الطرف الغربي منه، وعن الحسن أراد شجرة الزيتون في الجنة إذ لو كانت من شجر الدنيا لكانت إما شرقية أو غربية.

وضعف بأن المثل إنما يضرب بما يشاهد وإنهم ما شاهدوا شجرة الجنة، وقيل: أراد أنها شجرة ملفوفة بالأشجار أو بأوراقها فلا تصيبها الشمس في مشرق ولا مغرب.

وزيف بأن الغرض هو صفاء الزيت ولا يحصل إلا بكمال النضج وذلك يتوقف عادة على وصول أثر الشمس إلى الشجرة، وعن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وهو اختيار الفراء والزجاج: المراد أنها ليست مما تطلع عليه الشمس في وقت شروقها أو غروبها فقط، بل تصيبها بالغداة والعشي جميعاً لأنها في موضع مكشوف، فيكون فيه دليل على كمال النضج الموجب لصفاء الزيت.

ومنهم من قال: لا في مضحى ولا في مقنأة وهي المكان الذي لا تطلع عليه الشمس ولكن الظل والشمس يتعاقبان عليها وذلك أجود لكمال الثمرة، قال  "لا خير في شجرة في مقنأة ولا نبات في مقنأة ولا خير في مضحى" ثم وصف الزيت بالصفاء والبريق وأنه لتلألئه يكاد يضيء من غير نار، فإذا مسته النار ازداد ضوءاً على ضوء.

فهذا ما يتعلق بحل الألفاظ على ظاهر التفسير، أما ما يتعلق بالمعنى فنقول: إن جمهور المتكلمين ذهبوا إلى أنه  شبه الهداية وهي الآيات البينات في الظهور والجلاء، بالمشكاة التي تكون فيها زجاجة صافية، وفي الزجاجة مصباح يتقد بزيت بلغ النهاية في الصفاء.

وإنما اختار هذا التشبيه دون أن يقول إنها كالشمس في الظهور والوضوح لأن الغالب على أوهام الخلق وخيالاتهم إنما هو الشبهان التي هي كالظلمات وهداية الله  فيما بينها كالضوء الكامل، وهذا المقصود لا يحصل من ضرب المثل بالشمس لأنها إذا طلعت لم تبق ظلمة أصلاً.

والأمور التي اعتبرها الله  في هذا المثال منها كون المصباح في المشكاة وذلك ليكون أجمع للنور وأعون لتكاثف الأشعة وأصون له عن تعرض الرياح.

زعم بعضهم أن في الكلام قلباً والمراد كمصباح في مكشاة والصحيح أنه لا حاجة إليه لأن هذا تشبيه مركب، ولهذا قال جار الله: أراد صفة نوره العجيبة الشأن في الإضاءة كصفة مشكاة، ومنها كون المصباح في زجاجة صافية، فإن تعاكس الأنوار من جوانب الزجاجة يزيد المصباح نوراً.

ومنها كون المصباح متقداً بدهن الزيت فليس في الأدهان ما يدانيه في اللمعان والتطويس.

ومنها كون الزيت من شجرة بارزة للشمس فإن ذلك يدل على كما نضج الثمرة ونهاية صفاء ذهنها.

وأما الإمام الغزالي  فإنه يقول: المشكاة والزجاجة والمصباح والشجرة والزيت عبارة عن المراتب الخمس الإنسانية.

فأولها القوة الحساسة التي هي أصل الروح الحيواني وتوجد للصبي بل لكل حيوان، وأوفق مثال لها من عالم الأجسام المشكاة لأن تلك القوى تخرج من عدة ثقب كالعينين والأذنين والمنخرين والفم.

وثانيها القوة الخيالية التي تحفظ ما يورده الحواس مخزوناً عندها لتعرضه على القوة العقلية التي فوقها عند الحاجة إليه، وأنت لا تجد شيئاً في عالم الأجسام يشبه الخيال سوى الزجاجة فإنها في الأصل جوهر كثيف ولكن صفي ورقق حتى صار بحيث لا يحجب نور المصباح بل يؤديه على وجهه، ثم يحفظه عن الانطفاء بالرياح العاصفة.

كذلك الخيال من طينة العالم السفلي الكثيف بدليل أن الشيء المتخيل ذو قدر وشكل وحدّ،ولنه إذا صفي وهذب صار موازياً للمعاني العقلية ومؤدياً لأنوارها، ولذلك يستدل المعبر بالصور الخيالية على المعاني كما يستدل بالشمس على الملك، وبالقمر على الوزير، وبمن يختم فروج الناس وأفواههم على أنه مؤذن يؤذن في رمضان قبل الصبح.

وثالثها القوة العقلية القوية على إدراك الماهيات الكلية والمعارف اليقينية ولا يخفى وجه تمثيله بالمصباح كما مر في تسمية النبي سراجاً.

وحين كان الحس كالمقدمة للخيال وهي مالمقدمة للعقل قيل: إن المشكاة كالظرف للزجاجة التي هي كالظرف للمصباح.

ورابعها القوة الفكرية القوية على التقسيمات والاستنتاجات فمثالها مثال الشجرة المثمرة، وإذا كانت ثمرتها مادة ازدياد أنوار المعارف فبالحري أن لا تشبه إلا بشجرة الزيتون، لأن لب ثمرتها هو الزيت الذي هو مادة المصباح وله من سائر الأدهان خاصية زيادة الإشراق وقلة الدخان.

وإذا كانت الماشية تسمى مباركة لكثرة درها ونسلها فالذي لا تتناهى ثمرته على حد محدود أولى أن يسمى مباركاً.

وإذا كانت شعب الأفكار العقلية المحضة مجردة عن لواحق الأجسام ناسب أن يقال لها ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ وخامسها القوة القدسية النبوية التي ﴿ يكاد زيها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ .

وأما الشيخ الرئيس أو علي بن سينا فإنه نزل الأمثلة الخمسة على مراتب إدراكات النفس الإنسانية المشهورة.

فالمشكاة هي العقل الهيولاني وهو الاستعداد المحض، والزجاجة هي العقل بالملكة وهي قوة النفس حين حصل لها البديهيات وأمكن لها بواسطتها الترقي إلى النظريات والانتقال إلى الكسبيات.

ثم إن كان الانتقال ضعيفاً فهي الشجرة وتسمى فكراً وإن كان قوياً فهي الزيت ويسمى حدساً، وإن كان في النهاية القصوى سميت قوة قدسية وهي التي ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور ﴾ ثم إذا حصل لها المعارف والعلوم المكتسبة بالفعل بحيث تقدر على ملاحظتها متى شاءت من غير تجشم كسب جديد فهو المصباح ويسمى عقلاً بالفعل، وغياته أن تكون المعقولات حاضرة عندها متمثلة لها كأنها تشاهدها وهي نور على نور ويسمى عقلاً مستفاداً.

أما الأول فلأن الملكة نور ومشاهدة تلك الملكة نور آخر، وأما الثاني فلأن ذلك غاية الاستفادة ونهاية التحصيل.

وزعم الشيخ أبو علي أن المخرج من العقل الهيولاني إلى الملكة ثم منها إلى العقل التام هو العقل الفعال مدبر ما تحت كرة القمر عند الحكماء، وعبر عنه في الآية بالنار.

وعن مقاتل أنه قال ﴿ مثل نوره ﴾ أي مثل نور الإيمان في قلب محمد كمشكاة فيها مصباح فالمشكاة نظير صلب عبد الله، والزجاجة نظير جسد محمد، واشجرة النبوة والرسالة.

وقيل: المشكاة نظير إبراهيم  ، والزجاجة نظير إسماعيل والمصباح نظير جسد محمد وعن أبي بن كعب أنه قرأ ﴿ مثل نور من آمن به ﴾ ورأيت في كتب الشيعة عن علي  مرفوعاً للقمر وجهان يضيء بهما أهل السموات والأرضين وعلى الوجهين مكتوب أتدرون ما كتابته؟

فقالوا: الله ورسوله أعلم.

فقال: على وجه السموات ﴿ الله نور السموات والأرض ﴾ وعلى وجه الأرض محمد وعلي نور الأرضين.

وقيل: المشكاة صدر محمد  والزجاجة قلبه، والمصباح ما في قلبه من الدين، والشجرة إبراهيم  ، ﴿ ويوقد من شجرة ﴾ كقوله ﴿ فاتبعوا ملة إبراهيم  ﴾ ومعنى ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أن إبراهيم لم يكن يصلي قبل المشرق كالنصارى ولا قبل المغرب كاليهود بل كان يصلي قبل الكعبة وهي ما بين المشرق والمغرب ومعنى ﴿ يكاد زيتها يضيء ﴾ أن نور محمد يكاد يتبين للناس قبل أن يتكلم قاله كعب.

وقال الضحاك: يكاد محمد يتكلم بالحكمة قبل الوحي ومن هنا قال عبد الله بن رواحة: لو لم يكن فيه آيات مبينة *** كانت بديهته تنبيك بالخبر وقال يحيى بن سلام: قلب المؤمن نوريّ يعرف الحق قبل أن يتبين لموافقته له وهو المراد من قوله  "اتقوا فراسة المؤمن فإِنه ينظر بنور الله" وقيل: يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى قبل أن يأتيه العلم به ولهذا يزداد نوراً على نور.

قال ابي بن كعب: المؤمن بين اربع خلال: إن أعطي شكر وإن ابتلي صبر وإن قال صدق وإن حكم عدل.

فهو في سائر الناس كالرجل الحي الذي يمشي ين أموات يتقلب في خمس من النور: كلامه نور، وعلمه نور ومدخله نور، ومخرجه نور، ومصيره إلى النور يوم القيامة.

قال الربيع: سألت أبا العالية عن مدخله ومخرجه فقال: سره وعلانيته.

قالت الأشاعرة في قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن هذه الدلائل مع وضوحها لا تكفي ولا تنفع ما لم يخلق الله الإيمان فيه، وقالت المعتزلة: اراد يهدي الله لطريق الجنة، أو أراد بقوله ﴿ من يشاء ﴾ الذين بلغهم حد التكليف والهدى محمول على زيادات الألطاف التي هي ضد الخذلان ولهذا قال في الكشاف: معناه يوفق.

لإصابة الحق من نظر وتدبر معنى الإنصاف، وجانب جانب المراء والاعتساف، ولم يكن كالأعمى الذي يستوي عنده جنح الليل الدامس وضحوة النهار الشامس وأكدوا ذلك بقوله ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾ يعني النبي والمكلفين من أمته قالوا: إنما ذكره في معرض الإنعام ولو كان الكل بخلق الله  لما تمكنوا من الانتفاع بالمثل فلا يكون نعمة.

ثم زاد التأكيد بقوله ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ ففيه تحذير لمن لا يتفكر ولا يعتبر ولا يستدل ولا ينظر.

قوله ﴿ في بيوت ﴾ اعترض أبومسلم على قول من قال إنه يتعلق بـ ﴿ كمشكاة ﴾ و ﴿ بتوقد ﴾ لأن كون المشكاة في بعض بيوت الله لا تزيد المصباح إنارة وإضاءة.

وأيضاً الموصوف واحد فلا يكون إلا في مكان واحد وقوله ﴿ في بيوت ﴾ أمكنة متعددة ولا يصح أن يكون شيء واحد في أمكنة متعددة في حالة واحدة، وكذا لو جعل ﴿ في بيوت ﴾ صفة ﴿ مصباح ﴾ و ﴿ زجاجة ﴾ أو ﴿ كوكب ﴾ وأجيب بأن هذه صفة موضحة لا مميزة وذلك أن المشكاة تكون غالباً في بيوت العبادة أو المشكاة التي فيها مصباح إذا كانت في مثل هذه البيوت الرفيعة كانت أعظم وأكثر ضخامة فيكون في باب التمثيل أدخل.

وعن الثاني أنه أريد بالمشكاة النوع لا الواحد كما لو قيل: "الذي يصلح لخدمتي رجل" يرجع إلى علم وكفاية وقناعة يلتزم بيته فإنه يراد به النوع لا الواحد.

وذهب أبو مسلم إلا أنه راجع إلى قوله ﴿ ومثلاً من الذين خلوا ﴾ اي الأنبياء والمؤمنين الذين مضوا وكانوا ملازمين لبيوت العبادة.

واعترض عليه بتفكيك النظم إذ ذاك وبأن الذين خلوا هم المكذبون.

والأكثرون على أن البيوت هي المساجد، والإذن الأمر، والرفع التعظيم أو البناء.

وعن عكرمة هي البيوت كلها، ومعنى الرفع البناء وذكر اسم الله عام في كل ذكر.

وعن ابن عباس أن يتلي فيها كتابه.

وقيل: لا يتكلم فيها بما لا ينبغي.

والتسبيح تنزيه الله عما لا يليق به.

وقيل: الصلوات الخمس وقيل: صلاتا الصبح والعصر وكانتا واجبتين فقط في أول الإسلام فزيد فيهما.

وعن ابن عباس: إن صلاة الضحى لفي كتاب الله وتلا هذه الآية.

والأولى العموم.

قيل: خص الرجال بالذكر لأنهم من أهل الجماعات دون النساء.

ويحتمل أن يقال: لأنهم أصل والنساء تبع.

واختلفوا في ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ فقيل: نفي الإلهاء لأنه تجارة ولا بيع كقوله: ولا ترى الضب فيها ينجحر *** وقيل: أثبت التجارة والبيع وبين أنهم مع ذلك لا يشغلهم شيء عن ذكر الله وهذا قول الأكثرين.

وعن الحسن أما والله إن كانوا ليتجرون ولكن إذا جاءت فرائض الله لم يلههم عنها شيء.وما الفرق بين التجارة والبيع؟

قيل: الأول عام لأن صناعة التاجر قد يقع فيها البيع وقد يقع فيها الشراء، وخص البيع لأن الربح فيه يقين وفي الشراء مظنون، فالبيع أدخل في الالهاء.

وقيل: اراد بالتجارة الشراء، إطلاقاً لاسم الجنس على النوع.

وقال الفراء: التجارة لأهل الجلب يقال: تجر فلان في كذا إذا جلبه من غير بلده.

وذكر الله دعاؤه والثناء عليه بما هو أهله وقيل: هو الصلاة.

ومن هنا قال ابن عباس: أراد بإقام الصلاة إتمامها لمواقيتها، وبإيتاء الزكاة طاعة الله والإخلاص له.

والتاء في ﴿ إقامة ﴾ عوض من العين الساقطة للإعلال، فلما أضيفت أقيمت الإضافة مقام حرف التعويض فأسقطت.

ثم حكى أن هؤلاء الرجال مع ما ذكر من الطاعة والإخلاص موصوفون بالوجل والخوف من أهوال يوم القيامة.

وتقلب القلوب اضطرابها من الهول والفزع، وتقلب الأبصار شخوصها، أو المراد تقلب أحوالهما فتفقه القلوب بعد أن كانت مطبوعاً عليها، وتدرك الأبصار بعد أن كانت عمياء عن النظر والاعتبار وكأنهم انقلبوا من الشك والغفلة إلى اليقين والمعاينة.

وقال الضحاك: إن القلوب تزول عن أماكنها فتبلغ الحناجر والبصار تصير زرقاً.

وقال الجبائي: يحتمل أن يراد تقلبها على جمر جهنم أو تغير ماهياتها بسبب ما ينالها من العذاب فتكون مرة بهيئة ما انضج بالنار، ومرة بهيئة ما أحرق، وقيل: إن القلوب تتقلب في ذلك اليوم من طمع النجاة إلى الخوف من الهلاك، والأبصار تتقلب من أيّ ناحية يؤخذ بهم أم من ناحية اليمين أم من ناحية الشمال ومن اي جهة يعطون كتابهم أمن قبل الأيمان أم من قبل الشمائل.

قوله ﴿ ليجزيهم ﴾ متعلق بما قبله لفظاً أو معنى يسبحون ويخافون أو يفعلون هذه القربات ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم وهو الواحد يعشر إلى سبعمائة وأكثر.

وقيل: أراد بالأحسن الحسنات أجمع وهي الطاعات فرضها ونفلها.

قال مقاتل: إنما ذكر الأحسن تنبيهاً على أنه لا يجازيهم على مساوئ أعمالهم بل يغفرها لهم وقال القاضي: أراد بذلك أن تكون الطاعات منهم مكفرة لمعاصيهم فيصح أن الله  يجزيهم بأحسن الأعمال.

وهذا مبني على مذهبه في الإحباط والموازنة.

ومعنى ﴿ ويزيدهم من فضله ﴾ كقوله ﴿ للذين أحسنوا الحسنى وزيادة  ﴾ وقوله ﴿ والله يرزق من يشاء بغير حساب ﴾ قد مر تفسيره في "البقرة".

وحين بين حال المؤمن أنه يكون في الدنيا في النور بسببه يكون متمسكاً بالعمل الصالح وفي الآخرة يفوز بالنعيم المقيم والثواب العظيم، أتبعه بيان أن الكافر يكون في الدنيا في أنواع الظلمات وفي الآخرة في أصناف الحسرات، وضرب لكل من حاله مثلاً، أما المثل الدال على خيبته في الآخرة فذلك قوله ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب ﴾ قال الأزهري: هو ما يتراءى للعين وقت الضحى الأكبر في الفلوات شبهاً بالماء الجاري كأنه يسرب على وجه الأرض أي يذهب.

وأما الآل فهو ما يتراءى في أول النهار.

وظاهر كلام الخليل أنه لم يفرق بينهما.

والقيعة بمعنى اللقاع وهو المستوى من الأرض.

وقال الفراء: هي جمع قاع كجيرة في جار.

والظمآن الشديد العطش، ووجه التشبيه أن الكافر يأتي ببعض أعمال البر ويعتقد ثواباً عليه فإذا وافى عرصة القيامة ولم يجد الثواب بل وجد العقاب عظمت حسرته وتناهى غمه وحيرته فيشبه حاله حال الظمآن الذي تشتد حاجته إلى ما يحييه ويبقيه، فإذا شاهد السراب تعلق قلبه به رجاءً للحياة، فإذا جاءه ولم يجد شيئاً عظم غمه وطال حزنه، قال مجاهد: السراب عمل الكافر وإتيانه إياه موته وفراقه الدنيا.

وههنا سؤال وهو أنه كيف قال ﴿ جاءه ﴾ فأثبت أنه شيء لأن العدم لا يتصور المجيء إليه ثم قال ﴿ لم يجده شيئاً ﴾ فنفى كونه شيئاً؟

والجواب أراد شيئاً نافعاً كما يقال "فلان ما عمل شيئاً" وإن كان قد اجتهد.

أو المراد جاء موضع السراب فلم يجد هناك شيئاً وأراد أنه تخيل أولاً ضباباً وهباء شبه الماء وذلك بإعانة من شعاع الشمس فإذا قرب منه رق وانتثر وصار هواء وهذا قول الحكماء.

قوله ﴿ ووجد الله ﴾ أي وجد عقاب الله أو زبانية الله يأخذونه فيصلونه إلى جهنم فيسقونه الحميم والغساق خلاف ما يتصور من الراحة والنعيم، قيل: نزلت في عتبة بن ربيعة بن أمية كان قد تعبد ولبس المسوح والتمس الدين في الجاهلية ثم كفر في الإسلام.

وأما المثل الآخر فهو قوله ﴿ أو كظلمات ﴾ وقد يقال معنى أو أنه شبه أعمالهم الحسنة بالسراب والقبيحة بالظلمات، أو الأول لأعمالهم الظاهرة والثاني لعقائدهم الفاسدة وللجيّ العميق الكثير الماء منسوب إلى اللُج وهو معظم ماء البحر، والظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب.

وكذا الكافر له ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل قاله الحسن.

وعن ابن عباس قلبه وبصره وسمعه.

وقيل: قلب مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم.

والظاهر أن الجمع للتكثير، وأن أنواع الضلالات والأباطيل اجتمعت فيه.

والضمير في ﴿ أخرج ﴾ للواقع في الظلمات يدل عليه قرينة الحال.

ومعنى ﴿ لم يكد يراها ﴾ لم يقرب أن يراها، ونفي القرب من الرؤية أبلغ من نفي الرؤية نفسها وقد مر هذا البحث في البقرة في قوله ﴿ وما كادوا يفعلون  ﴾ قالت الأشاعرة في قوله ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ دلالة على أن الهداية بتخليق الله  وبجعله جملة المعتزلة على منح الألطاف وقد مر أمثال ذلك مراراً.

ولما وصف أنوار المؤمنين وظلمات الكافرين صرح بدلائل التوحيد فقال مستفهماً على سبيل التقرير ﴿ ألم تر أن الله يسبح له ﴾ وقد مر مثله في سورة "سبحان".

والخطاب لكل من له أهلية النظر أو للرسول وقد علمه من جهة الاستدلال.

ومعنى ﴿ صافات ﴾ أنهن يصففن أجنحتهن في الهواء والضمير في علم لكل أو لله عز وجل.

وعلى الأول فالضمير في ﴿ صلاته وتسبيحه ﴾ إما لكل أو لله.

والمعنى كل مسبح قد علم صلاته التي تليق بحاله أو صلاة الله التي كلفه إياها، وعلى الثاني فالضمير فيهما لكل والصلاة بمعنى الدعاء ولا يبعد أن يلهم الله الطير دعاءه وتسبيحه كما ألهما سائر العلوم الدقيقة التي لا يكاد العقلاء يهتدون إليها، والاستقصاء في حكاياتهن مذكور في خواص الحيوانات ولا سيما في كتاب عجائب المخلوقات.

ثم بين أن المبدأ منه والمعاد إليه فقال ﴿ ولله ملك السموات ﴾ الآية.

ثم ذكر دليلاً آخر من الآثار العلوية قائلاً ﴿ الم تر أن الله يزجي سحاباً ﴾ أي يسوقه بالرياح ﴿ ثم يؤلف بينه ﴾ اي بين أجزائه أي يجمع قطع السحاب فيجعلها سحاباً واحداً متراكماً ساداً للأفق ﴿ فترى الودق ﴾ المطر أو القطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ من فتوقه ومخارجه جمع خلل كجبال في جبل قوله ﴿ من السماء من جبال فيها من برد ﴾ الأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض على أن قوله ﴿ من جبال ﴾ مفعول ﴿ ينزل ﴾ والثالثة للبيان أو الأوليان للبيان والثالثة للتبعيض، ومعناه أنه ينزل بعض البرد من السماء من جبال فيها وقد مر في أول البقرة في قوله ﴿ أو كصيب من السماء  ﴾ معنى البرد وأنه بخار يجمد بعدما استحال قطرات ماء.

قال عامة المفسرين: إن في السماء جبالاً من برد خللقها الله فيها كما خلق في الأرض جبالاً من حجر.

وقال أهل المعنى: السماء ههنا هو الغيم المرتفع على رؤوس الناس، والمراد بالجبال الكثرة كما يقال "فلان يملك جبالاً من ذهب" ثم بين بقوله ﴿ فيصيب به ﴾ إلى آخر الاية.

أنه يقسم رحمته بين خلقه ويقبضها ويبسطها كيف يشاء، أو يهلك بالبرد من يشاء أن يعذبه به أبصارهم ليعتبروا ويحذروا، أو يعاقب بين الليل والنهار ويخالف بينهما في الطول والقصر وفي كل ذلك معتبر لذوي الأبصار، والذين يترقون من المصنوع إلى الصانع ويستدلون بالمحسوس على الغائب منتقلين من ظلمة التقليد إلى نور البرهان.

ثم ذكر دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان فقال ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ قال علماء المعاني: التنكير في ﴿ ماء ﴾ للتنويع أي خلق كل دابة من نوع من الماء مختص بتلك الدابة، أو خلق الكل من ماء مخصوص وهو النطفة.

وعلى التقديرين الوحدة نوعية إلا أن شموله على التقدير الثاني أكثر.

وإنما عرّف في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي  ﴾ لأنه قصد هناك معنى آخر وهو أن أجناس الحيوان كلها مخلوقة من هذا الجنس الذي هو جنس الماء.

وعن القفال أن قوله ﴿ من ماء ﴾ صفة ﴿ دابة ﴾ لا صلة خلق.

والمعنى أن كل دابة متولدة من ماء فهي مخلوقة لله  واحترز بها عن الاعتراض الذي ذكرناه في سورة الأنبياء وهو أن بعض الأحياء لم يخلقهم الله من الماء وقيل: نزل الغالب منزلة الكل أو أراد بالدابة من يدب على وجه الأرض ومسكنهم هناك وكل منها إما متولد من النطفة وإما بحيث لا يعيش إلا بالماء.

ثم بين أن اصلهم وإن كان واحداً إلا أن خلقتهم مختلفة ﴿ فمنهم من يمشي على بطنه ﴾ وقدم هذا القسم لغرابته ومنهم كذا ومنهم كذا، وفي ضمير العقلاء وإطلاق لفظة من تغليب للعقلاء.وسمي الزحف على البطن مشياً على سبيل المشاكلة أو الاستعارة نظيره قوله "فلان لا يتمشى له أمر" وقد يوجد من الدواب ذوات ارجل أزيد من أربع كالعناكب والعقارب والرتيلاوات بل مثل الحيوان الذي له اربع وأربعون رجلاً المسمى "دخال الأذن".

وإنما لم يذكرها  لأنها نادرة بالنسبة إلى سائرهن.

ومن العقلاء من زعم أن أمثال هذه الدواب إنما يعتمد وقت المشي على اربع فقط.

وقيل: إن في قوله  ﴿ يخلق الله ما يشاء ﴾ تنبيهاً على سائر الأقسام، ولا ريب أن اختلاف الحيوانات لا يكاد ينحصر، إلا أنا نذكر طرفاً من ذلك تذكيراً لعجائب قدرة الله في خلقه فنقول: الاختلاف بين الحيوانات إما في جوهر العضو كالفرس له ذنب دون الإنسان وإن كانت أجزاء الذنب من العظم والعصب واللحم والجلد والشعر حاصلة في غير هذا العضو كالسلحفاة فله صدف يحيط به ليس للإنسان، وكذا السمك فله فلوس والقنفيذ له شوك، وإما في كيفية العضو كاختلاف الألوان والأشكال والصلابة واللبن، وإما في الوضع كما أن يدي الفيل أقرب إلى الصدر من يدي الفرس، وإما في الانفعال كما أن عين الخطاف لا تتحير في الضوء وعين الخفاش تتحير، وإما في سائر الأحوال وذلك أن من الحيوانات برياً وبحرياً أو برياً فقط أو بحرياً فقط، ومن البحري ما يعتمد في السباحة على جناحه كالسمك، ومنها ما يعتمد فيها على أرجله كالضفادع، وكل من البري والبحري له أماكن مختلفة من البر والبحر.

فمنها ما له مأوى معلوم كالروابي أو الحفر أو الشقوق أو الحجرة في البر أو كالقعر أو الشط أو الصخر أو الطين في البحر، ومنها ما مأواه كيف اتفق إلا أن يلد فيقيم للحضانة.

ومن الحيوانات طيارة فمنها ما يسبح في الهواء فقط، ومنها ما يسبح على وجه الماء أيضاً، وكل طائر فإنه يمشي على رجلين وقد يصعب عليه المشي كالخطاف الكبير السود وكالخفاش، ومنها ما جناحه جلد أو غشاء.

وقد يكون عديم الرجل كضرب من الحيات بالحبشة يطير، ومنها ما يختار الاجتماع كالكراكي ومنها ما يؤثر التفرد كالعقاب.

وكثير من الجوارح التي تنازع على الطعم، ومنها ما يتعايش زوجاً كالقطا والإنسان من الحيوانات الذي لا يمكنه أن يعيش وحده، ويضاهيه النحل والنمل إلا أن النمل لا رئيس لها.

ومنها آكل لحم، ومنها لاقط حب، ومنها آكل عشب وزهر، ومنه النحل، ومن الحيوانات ما هو إنسيّ كالإنسان، وما هو إنسيّ بالمولد كالهرة والغرانيق، أو بالقهر كالفهد.

ومنه ما لا يأنس كالنمر أو يبطئ استئناسه كالأسد.

ومن الحيوان ما لا صوت له ومنه ما له صوت، وكل مصوت فإنه يصير عند الاغتلام وحركة شهوة الجماع أشد تصويتاً حتى الإنسان.

ومنه ماله شبق يسفد كل وقت كالديك، ومنه عفيف له وقت معين، ومنه ولود ومنه بيوض، وكل ولود أذون، وكل صموخ بيوض سوى الخفاش.

ومنه هادئ الطبع قليل الغضب كالبقر، ومنه شديد الجهل حال الغضب كالخنزير البري ومنه حليم حمول كالإبل، ومنه محتال مكار كالثعلب، ومنه غضوب سفيه إلا أنه قلق متردد كالكلب، ومنه شديد الكيس مستأنس كالقرد والفيل، ومنه حسود تياه كالطاوس، ومنه شديد الحفظ كالجمل والحمار لا ينسى الطريق الذي رآه.

وفي قوله ﴿ إن الله على كل شيء قدير ﴾ إشارة إلى أن اختصاص كل حيوان بهذه الخواص وبأمثالها لا يكون إلا عن فاعل مختار قدير قهار.

وحين فرغ من إثبات هذه الدلائل اراد أن يبين أحوال المكلفين وأن فيهم منافقين فقدم لذلك مقدمة وهي قوله ﴿ ولقد أنزلنا آيات مبينات ﴾ وإنما فقد العاطف ههنا بخلاف قوله { ﴿ ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلاً  ﴾ لأن المقصود هناك هو ما سبق من التكاليف والمواعظ، والغرض ههنا توطئة مقدمة لما يجيء عقيبه من حال أهل النفاق والوفاق.

وقوله ﴿ وما أولئك ﴾ إشارة إلى الفريق المتولي.

وإنما قال ﴿ بالمؤمنين ﴾ معرِّفاً لأنه اراد أنهم ليسوا بالذين عرفت صحة إيمانهم لثباتهم واستقامتهم.

ويحتمل ان يكون ﴿ أولئك ﴾ إشارة إلى جميع القائلين آمنا وأطعنا وحينئذ يكون قوله ﴿ ثم يتولى فريق منهم ﴾ حكماً على بعض دفعاً للإلزام والنقض، فإن الحكم الكلي قلما يخلو عن منع ولمثل هذا قال في الاية الثانية ﴿ إذا فريق منهم معرضون ﴾ والحاصل أنه حكم أولاً على بعضهم بالتولي ثم صرح آخراً بأن الإيمان منتفٍ عن جميعهم.

ويجوز أن يراد بالفريق المتولي رؤساء النفاق.

وقيل: أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين.

قال جار الله: معنى ﴿ إلى الله ورسوله ﴾ إلى رسول الله  كقولك "أعجبني زيد وعكرمة".

أما سبب نزول الاية.

فعن مقاتل أنها في بشر من المنافقين كما سبق في سورة النساء في قوله ﴿ يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت  ﴾ وعن الضحاك: نزلت في المغيرة بن وائل كان بينه وبين علي بن أبي طالب أرض فتقاسما فدفع إلى علي منها ملا يصيبه الماء إلا بمشقة.

فقال المغيرة: يعني أرضك فباعها منه وتقابضا.

فقيل للمغيرة: أخذت سبخة لا ينالها الماء.

فقال لعلي: اقبض ارضك فأبى ودعا المغيرة إلى محاكمة رسول الله  فقال المغيرة: أما محمد فلست آتيه ولا أحاكم إليه فإِنه يبغضني وأنا أخاف أن يحيف عليّ.

قوله ﴿ يأتوا إليه ﴾ الجار صلة أتى فإنه قد يعدَّى بإلى.

قال جار الله: والأحسن أن يتصل بمذعنين ليفيد الاختصاص أي لا يتحاكمون إذا عرفوا أن الحق لهم إلا إلى الرسول مسرعين في طاعته.

ثم قسم الأمر في صدودهم عن حكومته إذا كان الحق عليهم بين أن يكونوا مرضى القلوب منافقين أو مرتابين في أمر نبوته أو خائفين الحيف في قضائه، وهذه الأمور وإن كانت متلازمة إلا أنها متغايرة في الاعتبار فصحت القسمة.

ثم بين بقوله ﴿ بل أولئك هم الظالمون ﴾ أنهم لا يخافون حيفه لأنهم عارفون أمانته ولكن الظلم مركوز في جبلتهم وأنهم لا يستطيعون الظلم في مجلس رسول الله  فلذلك يأبون المحاكمة إليه إذا كان الحق عليهم.

التأويل: للآية تأويلان: أحدهما من عالم الآفاق والآخر من عالم الأنفس.

أما الأول فالمشكاة عالم الأجسام، والزجاجة العرش، والمصباح الكرسي، والشجرة شجرة الملكوت وهي باطن عالم الأجسام، وهي غير راقية إلى شرق الأزل والقدم ولا إلى غرب الفناء والعدم، بل هي مخلوقة للأبد لا يعتريها الفناء ﴿ يكاد زيتها ﴾ وهو عالم الأرواح ﴿ يضيء ﴾ اي يظهر من العدم إلىعالم الصورة المتولدة بالازدواج عالم الغيب والشهادة ﴿ ولو لم تمسسه نار ﴾ ونور القدرة الآلهية وذلك لقرب طبيعتها من الوجود ﴿ نور على نور ﴾ فالأول نور الصفة الرحمانية والثاني نور العرش فهو كقوله ﴿ الرحمن على العرش استوى  ﴾ وفي قوله ﴿ يهدي الله لنوره من يشاء ﴾ إشارة إلى أن فيض نور الرحمانية ينقسم على كل من يريد الله  إيجاده من العرش إلى ما تحت الثرى.

وأما التأويل الثاني: فالمشكاة الجسد، والزجاجة القلب، والمصباح السر، والشجرة شجرة الروحانية التي خلقت للبقاء كما مر، والزيت الروح الإنساني القابل لنور العرفان قبولاً في غاية القرب، والنار نار التجلي والهداية في الأزل فإذا انضم إلى نور العقل صار نوراً على نور، وإذا تنور مصباح سر من يشاء بنور القدم تنور زجاجة القلب ومشكاة الجسد، وتخرج أشعتها من روزنة الحواس فتستضيء أرض البشرية كما قال ﴿ وأَشرقت الأرض بنور ربها  ﴾ وهو مقام "كنت له سمعاً وبصراً" الحديث: ﴿ في بيوت ﴾ هي القلوب ﴿ أذن الله ﴾ أمر واراد ﴿ أن ترفع ﴾ درجاتها من بين سائر الأرواح والنفوس إلى أن تسع الله كما قال "وإنما يسعني قلب عبدي المؤمن" يروى أنه أوحى إلى داود  "فرغ لي بيتاً اسكن فيه" فقال: رب أنت منزه عن البيوت.

فقال: فرغ لي قلبك.

ولن يتأتى هذا الرفع إلا بوساطة ذكر الله فلهذا قال ﴿ ويذكر فيها اسمه ﴾ ﴿ لا تلهيهم تجارة ﴾ هي الفوز بدرجات الجنات كما قال ﴿ هل أدلكم على تجارة تنجيكم  ﴾ ﴿ ولا بيع ﴾ هو بيع الدنيا بالجنة كقوله ﴿ إن الله اشترى  ﴾ إلى قوله ﴿ فاستبشروا ببيعكم  ﴾ وفيه أن الرجولية لا تتحقق إلا إذا لم يلتفت إلى الدنيا ولا إلى الآخرة فيكون بحيث لا يتصرف فيه ما سوى الله، وحينئذ يصلي صلاة الوصال ويفيض على المستعدين زكاة حصول نصاب الكمال ﴿ يخافون يوماً ﴾ هو يوم الفراق ﴿ تتقلب فيه القلوب والأبصار ﴾ والبصائر لأنها بيد الله يقلبها كيف يشاء ﴿ أو كظلمات في بحر لجي ﴾ هو حب الدنيا ﴿ يغشاه موج ﴾ الرياء ﴿ من فوقه موج ﴾ هو حب الجاه وطلب الرياسة ﴿ من فوقه سحاب ﴾ الشرك الخفي ﴿ إذا أخرج ﴾ يد سعيه واجتهاده ﴿ لم يكد يراها ﴾ يرى طريق خلاصة ﴿ ومن لم يجعل الله له نوراً ﴾ أي لم يصبه رشاش النور الالهي في الأزل ﴿ يزجى ﴾ سحب المعاصي المتفرقة إلى أن تتراكم فترى.

والودق هو مطر التوبة ﴿ يخرج من خلاله ﴾ كما خرج من سحاب وعصى آدم مطر ثم اجتباه ربه.

ينزل من سماء القلب ﴿ من جبال ﴾ من قساوة ﴿ فيها من برد ﴾ هو برد القهر ﴿ يقلب الله ﴾ ليل المعصية لمن يشاء إلى نهار الطاعة وبالعكس لأولي الأبصار أصحاب البصائر الذين يشاهدون آثار لطفه وقهره في مرآة التقليب ﴿ والله خلق ﴾ كل ذي روح ﴿ من ماء ﴾ هو روح محمد  كما قال "أول ما خلق الله روحي" ﴿ فمنهم من يمشي ﴾ أن تكون سيرته تحصيل مشتهيات بطنه ﴿ ومنهم من يمشي على رجلين ﴾ أن يضيع عمره في مشتهيات الفرج لأن الحيوان إذا قصد الوقاع يعتمد على رجلين وإن كان من ذوات الأربع ﴿ ومنهم من يمشي على أربع ﴾ هم أصحاب المناصب يركبون الدواب ألبتة ﴿ أفي قلوبهم مرض ﴾ انحراف في الفطرة ﴿ أم ارتابوا ﴾ بتشكيك أهل البدع والأهواء ﴿ أم يخافون ﴾ الحيف حين أمروا بترك اللذات العاجلة لأجل الخيرات الباقية ﴿ وإليه المآب ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ ٱلظَّمْآنُ مَآءً ﴾ جائز أن يكون ضرب مثل أعمال الكفرة بالسراب الذي ذكر من وجهين: أحدهما: أنهم قد عملوا في الظاهر أعمالا طمعوا أن يصلوا إليها في الآخرة، وينتفعوا بها من نحو الصدقات، والنفقات، وصلة الأرحام، ونحوه مما هي في الظاهر أعمال الخير، فإذا هم حُرِمُوا أجرها ولم يجدوا شيئاً كالذي يرى السراب من بعيد يحسبه ماء فسار إليه، فإذا هو لا شيء؛ فعلى ذلك الكفار عملوا تلك الأعمال على طمع منهم أنهم ينتفعون بها، فإذا هم على لا شيء كالعطشان الذي يرى [السراب] فحسبه أنه ماء، فإذا هو سراب.

والثاني: ضرب مثل أعمالهم بالسراب الذي ذكر، وذلك أنهم قد عبدوا الأصنام والأوثان رجاء أن ينتفعوا بشفاعتهم في الآخرة؛ كقولهم: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىۤ  ﴾ وقولهم: ﴿ هَـٰؤُلاۤءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ  ﴾ وكانت عبادتهم لما ذكروا من شفاعتهم عند الله ثم لم ينتفعوا فصاروا كالعطشان الذي يرى السراب يحسب أنه ماء؛ فإذا جاءه وجده سراباً؛ لم يجده ماء كما حسبه، إلى هذا تمام المثل.

ثم ابتدأ فقال: ﴿ وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ﴾ أي: وجد الله يوفيه حساب عمله وجزاءه.

أو يقول: قدم على عمله يوم القيامة لم يجد عمله الذي عمل في الدنيا شيئاً إلا كما وجد هذا العطشان هذا السراب، ووجد الله عنده فوفاه حسابه، يقول: قدم على الله فوفاه حسابه؛ أي: عمله.

وقال بعضهم: هذا المثل ضرب للكفار؛ وذلك أنهم يبعثون يوم القيامة وقد تقطعت أعناقهم من العطش، فيرفع لهم سراب بقيعة من الأرض؛ فإذا نظروا إليه حسبوه ماء؛ فأتوه ليشربوا منه فلم يجدوا شيئاً، ويؤخذون ثمة فيحاسبون، وكذلك أعمالهم تضمحل يوم القيامة فلا يصيبون منها خيراً.

وقوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ .

هذا مثل آخر ضربه الله لأحوال الكافر؛ أو ﴿ كَظُلُمَاتٍ ﴾ جسده، شبهه بظلمات؛ وذلك أن البحر إذا كان عميقاً كان أشدّ لظلمته؛ فقال: والبحر اللجي: قلب الكافر، ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ : فوق الماء ﴿ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ ﴾ : فهو ظلمة الموج، وظلمة الليل، وظلمة السحاب، هذه ظلمات ﴿ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ﴾ ، فكذا الكافر قلبه مظلم في صدر مظلم في جسد مظلم، لا يبصر الإيمان كما أن صاحب البحر [إذا] أخرج يده في تلك الظلمة لم يكد يراها؛ أي: لم يرها ألبتة.

أو أن يكون ضرب المثل بظلمات ثلاث بظلمات أحوال لا يزال يزداد ظلمة كفره في كل وقت وفي كل حال بعمله الذي يعمله؛ كالظلمات التي ذكرها؛ فكان كضرب المثل الذي سبق لأنوار أحوال المؤمن؛ حيث قال: ﴿ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ ﴾ والنور جسده وصدره وقلبه.

ثم قوله: ﴿ أَوْ كَظُلُمَاتٍ ﴾ : ليس هو حرف شك، ولكنه كأنه قال: إن ضربت مثل عمله بالسراب فمستقيم، وإن ضربته بالظلمات التي ذكرها فمستقيم، بأيهما ضربت فمستقيم صحيح، لا أنه ذا أو ذا.

ثم ذكر في أعمال الكفرة مثلين: أحدهما: السراب، والثاني: الظلمات.

فجائز أن يكون في المؤمن أيضاً مثلين: الظلمة التي ذكر مقابل النور الذي ذكر في المؤمن، والسراب الذي ذكر لأعمالهم مقابل ما ذكر من أعمال المؤمنين؛ حيث قال: ﴿ فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا ٱسْمُهُ...

﴾ إلى قوله: ﴿ وَٱللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ .

وقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ .

قال بعضهم: من لم يجعل الله له إيماناً فما له من إيمان.

وقيل: هدى، فما له من هدى، وهما واحد.

والآية على المعتزلة؛ لأنهم يقولون: لم يجعل الله للمؤمن من النور إلا وقد جعله مثله للكافر، وفي الآية إخبار أنه لم يجعل للكافر النور؛ إذ لو كان جعل للكافر كما جعل للمؤمن لم يكن لقوله: ﴿ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ ٱللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ ﴾ - معنى؛ دل أنه لم يجعل للكافر النور.

وقوله: ﴿ فَوَفَّـٰهُ حِسَابَهُ ﴾ يقول: فجازاه بعمله فلم يظلمه.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلْحِسَابِ ﴾ قد ذكرناه في غير موضع.

قال القتبي: السراب: ما رأيته من الشمس كالماء نصف النهار، والآل: ما رأيته في أوّل النهار وآخره؛ الذي يرفع كل شيء، والقيعة: القاع.

وقال أبو عوسجة: السراب الذي يثيره الحرّ فتراه كأنه ماء يجري وهو الذي يكون نصف النهار إلى السماء، والآل في أوّل النهار إلى قريب من نصف النهار، والقيعة: القاع؛ وهي الأرض اليابسة الطيبة التي يستنقع فيها الماء، وقاع واحد، وقيعان جمع، والظمآن: العطشان، وقوم ظِمَاء، وامرأة ظمأى، ونسوة ظماء، وأظمأته: أعطشته، وظمأته أيضاً.

﴿ بَحْرٍ لُّجِّيٍّ ﴾ اللجي: الكثير الماء، واللجة: وسط البحر ﴿ يَغْشَاهُ مَوْجٌ ﴾ ؛ أي: يصير فوقه، قال: الموج طرائق في الماء تكون إذا هبت الريح.

وقال الكسائي: الظمآن والصديان والعطشان واحد، قيل: والسراب: الزوال، والآل: بعد الزوال؛ وهو أرفع من السراب، والرواق بعد العصر.

وقال بعضهم في قوله: ﴿ إِذَآ أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ﴾ : يقول: لم يقاربه البصر؛ كقوله: الرجل لم يصب ولم يقارب.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

أو أعمالهم مثل ظلمات في بحر عميق، يعلوه موج، من فوق ذلك الموج موج آخر، من فوقه سحاب يستر ما يهتدي به من النجوم، ظلمات متراكم بعضها فوق بعض، إذا أخرج من وقع في هذه الظلمات يده لم يكد يبصرها من شدة الظلمة، وهكذا الكافر، فقد تراكمت عليه ظلمات المجهل والشك والحيرة والطبع على قلبه، ومن لم يرزقه الله هدى من الضلالة، وعلمًا بكتابه، فما له هدى يهتدي به، ولا كتاب يستنير به.

<div class="verse-tafsir" id="91.yxmp7"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر