الآية ٥٨ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٥٨ من سورة النور

يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لِيَسْتَـْٔذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا۟ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَـٰثَ مَرَّٰتٍۢ ۚ مِّن قَبْلِ صَلَوٰةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعْدِ صَلَوٰةِ ٱلْعِشَآءِ ۚ ثَلَـٰثُ عَوْرَٰتٍۢ لَّكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌۢ بَعْدَهُنَّ ۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍۢ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ ۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌۭ ٥٨

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 176 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٥٨ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٥٨ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه الآيات الكريمة اشتملت على استئذان الأقارب بعضهم على بعض .

وما تقدم في أول السورة فهو استئذان الأجانب بعضهم على بعض .

فأمر الله تعالى المؤمنين أن يستأذنهم خدمهم مما ملكت أيمانهم وأطفالهم الذين لم يبلغوا الحلم منهم في ثلاثة أحوال : الأول من قبل صلاة الغداة; لأن الناس إذ ذاك يكونون نياما في فرشهم ( وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ) أي : في وقت القيلولة; لأن الإنسان قد يضع ثيابه في تلك الحال مع أهله ، ( ومن بعد صلاة العشاء ) لأنه وقت النوم ، فيؤمر الخدم والأطفال ألا يهجموا على أهل البيت في هذه الأحوال ، لما يخشى من أن يكون الرجل على أهله ، ونحو ذلك من الأعمال; ولهذا قال : ( ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ) أي : إذا دخلوا في حال غير هذه الأحوال فلا جناح عليكم في تمكينكم إياهم من ذلك ، ولا عليهم إن رأوا شيئا في غير تلك الأحوال; لأنه قد أذن لهم في الهجوم ، ولأنهم ) طوافون ) عليكم ، أي : في الخدمة وغير ذلك ، ويغتفر في الطوافين ما لا يغتفر في غيرهم; ولهذا روى الإمام مالك وأحمد بن حنبل وأهل السنن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في الهرة : " إنها ليست بنجس; إنها من الطوافين عليكم - أو - والطوافات " .

ولما كانت هذه الآية محكمة ولم تنسخ بشيء ، وكان عمل الناس بها قليلا جدا ، أنكر عبد الله بن عباس ذلك على الناس ، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير قال : قال ابن عباس : ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن : ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم [ منكم ثلاث مرات ] ) إلى آخر الآية ، والآية التي في سورة النساء : ( وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) [ النساء : 8 ] ، والآية التي في الحجرات : ( إن أكرمكم عند الله أتقاكم ) [ الحجرات : 13 ] وروي أيضا من حديث إسماعيل بن مسلم - وهو ضعيف - عن عمرو بن دينار ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن ابن عباس قال : غلب الشيطان الناس على ثلاث آيات ، فلم يعملوا بهن : ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) إلى آخر الآية .

وقال أبو داود : حدثنا ابن الصباح بن سفيان وابن عبدة - وهذا حديثه - أخبرنا سفيان ، عن عبيد الله بن أبي يزيد ، سمع ابن عباس يقول : لم يؤمن بها أكثر الناس - آية الإذن - وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي .

قال أبو داود : وكذلك رواه عطاء ، عن ابن عباس يأمر به .

وقال الثوري ، عن موسى بن أبي عائشة سألت الشعبي : ( ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) ، قال : لم تنسخ .

قلت : فإن الناس لا يعملون بها .

فقال : الله المستعان .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الربيع بن سليمان ، حدثنا ابن وهب ، أخبرنا سليمان بن بلال ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن عكرمة عن ابن عباس ; أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن ، فقال ابن عباس : إن الله ستير يحب الستر ، كان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم ولا حجال في بيوتهم ، فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده أو يتيمه في حجره ، وهو على أهله ، فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله .

ثم جاء الله بعد بالستور ، فبسط [ الله ] عليهم الرزق ، فاتخذوا الستور واتخذوا الحجال ، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به .

وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ، ورواه أبو داود ، عن القعنبي ، عن الدراوردي ، عن عمرو بن أبي عمرو به .

وقال السدي : كان أناس من الصحابة ، رضي الله عنهم ، يحبون أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة ، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان ألا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا بإذن .

وقال مقاتل بن حيان : بلغنا - والله أعلم - أن رجلا من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاما ، فجعل الناس يدخلون بغير إذن ، فقالت أسماء : يا رسول الله ، ما أقبح هذا!

إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد ، غلامهما بغير إذن!

فأنزل الله في ذلك : ( يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم [ ثلاث مرات ] ) الآية .

ومما يدل على أنها محكمة لم تنسخ ، قوله : ( كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ) .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

اختلف أهل التأويل في المعنِّي بقوله: ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) فقال بعضهم: عني بذلك: الرجال دون النساء، ونهوا عن أن يدخلوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة، هؤلاء الذين سموا في هذه الآية إلا بإذن.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا حكام، عن عنبسة، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر، قوله: ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قال: هي على الذكور دون الإناث.

وقال آخرون: بل عني به الرجال والنساء.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن، في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قال: هي في الرجال والنساء، يستأذنون على كلّ حال، بالليل والنهار.

وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: عُني به الذكور والإناث; لأن الله عمّ بقوله: ( الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) جميع أملاك أيماننا، ولم يخصص منهم ذكرا ولا أنثى فذلك على جميع مَنْ عمه ظاهر التنـزيل.

فتأويل الكلام: يا أيُّها الذين صدقوا الله ورسوله، ليستأذنكم في الدخول عليكم عبيدكم وإماؤكم، فلا يدخلوا عليكم إلا بإذن منكم لهم.

( وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ) يقول: والذين لم يحتلموا من أحراركم ( ثَلاثَ مَرَّاتٍ )، يعني: ثلاث مرات في ثلاثة أوقات، من ساعات ليلكم ونهاركم.

كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، في قوله: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قال: عبيدكم المملوكون ( وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ) قال: لم يحتلموا من أحراركم.

قال ابن جُرَيج: قال لي عطاء بن أبي رباح: فذلك على كل صغير وصغيرة أن يستأذن، كما قال ( ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ) قالوا: هي العتمة.

قلت: فإذا وضعوا ثيابهم بعد العتمة استأذنوا عليهم حتى يصبحوا؟

قال: نعم.

قلت لعطاء: هل استئذانهم إلا عند وضع الناس ثيابهم؟

قال: لا.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن صالح بن كيسان ويعقوب بن عتبة وإسماعيل بن محمد، قالوا: لا استئذان على خدم الرجل عليه إلا في العورات الثلاث.

حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) يقول: إذا خلا الرجل بأهله بعد صلاة العشاء، فلا يدخل عليه خادم ولا صبيّ إلا بإذن حتى يصلي الغداة، فإذا خلا بأهله عند صلاة الظهر فمثل ذلك.

حدثني يونس بن عبد الأعلى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني قرة بن عبد الرحمن، عن ابن شهاب، عن ثعلبة، عن أبي مالك القرظي: أنه سأل عبد الله بن سويد الحارثي - وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - عن الإذن في العورات الثلاث، فقال: إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم يلج عليّ أحد من الخدم الذي بلغ الحلم، ولا أحد ممن لم يبلغ الحلم من الأحرار إلا بإذن.

حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن ابن جُرَيج، قال: سمعت عطاء يقول: قال ابن عباس: ثلاث آيات جحدهنّ الناس: الإذن كله، وقال: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ وقال الناس: أكرمكم أعظمكم بيتا، ونسيت الثالثة.

حدثني ابن أبي الشوارب، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا يونس، عن الحسن، في هذه الآية ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قال: كان الحسن يقول: إذا أبات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لم يبته معه استأذن في هذه الساعات.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا يحيى بن سعيد، قال: ثنا سفيان، قال: ثني موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي في قوله: ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قال: لم تُنسخ، قلت: إن الناس لا يعملون به ، قال: الله المستعان!

قال ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن الشعبي، وسألته عن هذه الآية: ( لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) قلت: منسوخة هي؟

قال: لا والله ما نُسخت، قلت: إن الناس لا يعملون بها ، قال: الله المستعان!

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير، قال: إن ناسا يقولون نسخت، ولكنها مما يتهاون الناس به.

قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جُبير في هذه الآية ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ) ...

إلى آخر الآية، قال: لا يعمل بها اليوم.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: ثنا حنظلة، أنه سمع القاسم بن محمد يسأل عن الإذن، فقال: يستأذن عند كلّ عورة، ثم هو طوّاف، يعني الرجل على أمه.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن أبي روّاد، قال: أخبرني رجل من أهل الطائف، عن غيلان بن شُرَحبيل، عن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لا يَغْلِبَنَّكُمْ الأعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلاتِكُمْ، قال الله: ( وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ) وإنَّمَا العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإبِلِ".

وقوله: ( ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ) اختلفت القرّاء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قرّاء المدينة والبصرة: ( ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ) برفع " الثلاث "، بمعنى الخبر عن هذه الأوقات التي ذكرت كأنه عندهم، قيل: هذه الأوقات الثلاثة التي أمرناكم بأن لا يدخل عليكم فيها من ذكرنا إلا بإذن، ثلاث عورات لكم، لأنكم تضعون فيها ثيابكم، وتخلون بأهليكم.

وقرأ ذلك عامة قرّاء الكوفة " ثَلاثَ عَوْرَاتٍ" بنصب الثلاث على الرد على الثلاث الأولى.

وكأن معنى الكلام عندهم: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرّات، ثلاثَ عورات لكم.

والصواب من القول في ذلك أنهما قراءتان متقاربتا المعنى، وقد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.

وقوله: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ) يقول تعالى ذكره: ( ليس عليكم ) معشر أرباب البيوت والمساكن، ( ولا عليهم ) يعني: ولا على الذين ملكت أيمانكم من الرجال والنساء، والذين لم يبلغوا الحلم من أولادكم الصغار، حرج ولا إثم بعدهنّ، يعني بعد العورات الثلاث، والهاء والنون في قوله: ( بعدهن ) عائدتان على " الثلاث " من قوله: ( ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ) وإنما يعني بذلك أنه لا حرج ولا جناح على الناس أن يدخل عليهم مماليكهم البالغون، وصبيانهم الصغار بغير إذن بعد هذه الأوقات الثلاث اللاتي ذكرهنّ في قوله: ( مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ).

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: ثم رخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن، يعني فيما بين صلاة الغداة إلى الظهر، وبعد الظهر إلى صلاة العشاء، أنه رخص لخادم الرجل والصبيّ أن يدخل عليه منـزله بغير إذن، قال: وهو قوله: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ) فأما من بلغ الحُلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا بإذن على كل حال.

وقوله: ( طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ) رفع الطوّافون بمضمر، وذلك هم .

يقول: هؤلاء المماليك والصبيان الصغار هم طوّافون عليكم أيها الناس، ويعني بالطوّافين: أنهم يدخلون ويخرجون على مواليهم وأقربائهم في منازلهم غدوة وعشية بغير إذن يطوفون عليهم، بعضكم على بعض في غير الأوقات الثلاث التي أمرهم أن لا يدخلوا على ساداتهم وأقربائهم فيها إلا بإذن ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ ) يقول جلّ ثناؤه: كما بينت لكم أيها الناس أحكام الاستئذان في هذه الآية، كذلك يبين الله لكم جميع أعلامه وأدلته وشرائع دينه ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) يقول: والله ذو علم بما يصلح عباده، حكيم في تدبيره إياهم، وغير ذلك من أموره.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيمفيه سبعة مسائل :الأولى : قال العلماء ، هذه الآية خاصة والتي قبلها عامة ؛ لأنه قال : ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ثم خص هنا فقال : ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم فخص في هذه الآية بعض المستأذنين ، وكذلك أيضا يتأول القول في الأولى في جميع الأوقات عموما .

وخص في هذه الآية بعض الأوقات ، فلا يدخل فيها عبد ولا أمة ؛ وغدا كان أو ذا منظر إلا بعد الاستئذان .

قال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد ، دخل عليها غلام لها كبير ، فاشتكت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ فنزلت عليه الآية .

وقيل : سبب نزولها دخول مدلج على عمر ؛ وسيأتي .الثانية : اختلف العلماء في المراد بقوله تعالى : ليستأذنكم على ستة أقوال :الأول : أنها منسوخة ، قاله ابن المسيب ، وابن جبير .الثاني : أنها ندب غير واجبة ؛ قاله أبو قلابة ، قال : إنما أمروا بهذا نظرا لهم .الثالث : عنى بها النساء ؛ قاله أبو عبد الرحمن السلمي .[ الرابع ] : وقال ابن عمر : هي في الرجال دون النساء .

وهو القول الرابع .الخامس : كان ذلك واجبا ، إذ كانوا لا غلق لهم ولا أبواب ، ولو عاد الحال لعاد الوجوب حكاه المهدوي ، عن ابن عباس .[ ص: 281 ] السادس : أنها محكمة واجبة ثابتة على الرجال والنساء ؛ وهو قول أكثر أهل العلم ؛ منهم القاسم ، وجابر بن زيد ، والشعبي .

وأضعفها قول السلمي لأن ( الذين ) لا يكون للنساء في كلام العرب ، إنما يكون للنساء - اللاتي واللواتي - وقول ابن عمر يستحسنه أهل النظر ، لأن ( الذين ) للرجال في كلام العرب ، وإن كان يجوز أن يدخل معهم النساء فإنما يقع ذلك بدليل ، والكلام على ظاهره ، غير أن في إسناده ليث بن أبي سليم .

وأما قول ابن عباس فروى أبو داود ، عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول : آية لم يؤمر بها أكثر الناس آية الاستئذان وإني لآمر جاريتي هذه تستأذن علي .

قال أبو داود : وكذلك رواه عطاء ، عن ابن عباس ( يأمر به ) .

وروى عكرمة أن نفرا من أهل العراق قالوا : يا ابن عباس ، كيف ترى في هذه الآية التي أمرنا فيها بما أمرنا ولا يعمل بها أحد ، قول الله - عز وجل - يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم .

قال أبو داود : قرأ القعنبي إلى ( عليم حكيم ) قال ابن عباس : إن الله حليم رحيم بالمؤمنين يحب الستر ، وكان الناس ليس لبيوتهم ستور ولا حجال ، فربما دخل الخادم ، أو الولد ، أو يتيمة الرجل والرجل على أهله ، فأمرهم الله بالاستئذان في تلك العورات ، فجاءهم الله بالستور والخير ، فلم أر أحدا يعمل بذلك بعد .قلت : هذا متن حسن ، وهو يرد قول سعيد ، وابن جبير ؛ فإنه ليس فيه دليل على نسخ الآية ، ولكن على أنها كانت على حال ثم زالت ، فإن كان مثل ذلك الحال فحكمها قائم كما كان ، بل حكمها لليوم ثابت في كثير من مساكن المسلمين في البوادي والصحاري ونحوها .

وروى وكيع ، عن سفيان ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن الشعبي ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم قال : ليست بمنسوخة .

قلت : إن الناس لا يعملون بها ؛ قال : الله - عز وجل - المستعان .الثالثة : قال بعض أهل العلم : إن الاستئذان ثلاثا مأخوذ من قوله تعالى : يا أيها [ ص: 282 ] الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات قال يزيد : ثلاث دفعات .

قال : فورد القرآن في المماليك والصبيان ، وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجميع .

قال ابن عبد البر : ما قاله من هذا وإن كان له وجه فإنه غير معروف عن العلماء في تفسير الآية التي نزع بها ، والذي عليه جمهورهم في قوله : ثلاث مرات أي في ثلاث أوقات .

ويدل على صحة هذا القول ذكره فيها من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء .الرابعة : أدب الله - عز وجل - عباده في هذه الآية بأن يكون العبيد إذ لا بال لهم ، والأطفال الذين لم يبلغوا الحلم إلا أنهم عقلوا معاني الكشفة ونحوها ، يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاثة ، وهي الأوقات التي تقتضي عادة الناس الانكشاف فيها ، وملازمة التعري .

فما قبل الفجر وقت انتهاء النوم ، ووقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار .

ووقت القائلة وقت التجرد أيضا ، وهي الظهيرة ، لأن النهار يظهر فيها إذا علا شعاعه واشتد حره .

وبعد صلاة العشاء وقت التعري للنوم ؛ فالتكشف غالب في هذه الأوقات .

يروى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث غلاما من الأنصار يقال له مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه ، فوجده نائما قد أغلق عليه الباب ، فدق عليه الغلام الباب فناداه ، ودخل ، فاستيقظ عمر وجلس فانكشف منه شيء ، فقال عمر : وددت أن الله نهى أبناءنا ، ونساءنا ، وخدمنا عن الدخول علينا في هذه الساعات إلا بإذن ؛ ثم انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فوجد هذه الآية قد أنزلت ، فخر ساجدا شكرا لله .

وهي مكية .الخامسة : قوله تعالى : والذين لم يبلغوا الحلم منكم أي الذين لم يحتلموا من أحراركم ؛ قاله مجاهد .

وذكر إسماعيل بن إسحاق كان يقول : ليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم مما ملكت أيمانكم ، على التقديم والتأخير ، وأن الآية في الإماء .

وقرأ الجمهور بضم اللام ، وسكنها الحسن بن أبي الحسن لثقل الضمة ، وكان أبو عمرو يستحسنها .

و ثلاث مرات نصب على الظرف ؛ لأنهم لم يؤمروا بالاستئذان ثلاثا ، إنما أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن ، والظرفية في ( ثلاث ) بينة : من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء .

وقد مضى معناه .

ولا يجب أن يستأذن ثلاث مرات في كل وقت .

ثلاث عورات لكم قرأ جمهور السبعة ثلاث عورات برفع ( ثلاث ) .

وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر ، عن عاصم ( ثلاث ) بالنصب على البدل من الظرف في قوله : ( ثلاث [ ص: 283 ] مرات ) .

قال أبو حاتم : النصب ضعيف مردود .

وقال الفراء : الرفع أحب إلي .

قال : وإنما اخترت الرفع لأن المعنى : هذه الخصال ثلاث عورات .

والرفع عند الكسائي بالابتداء ، والخبر عنده ما بعده ، ولم يقل بالعائد ، وقال نصا بالابتداء .

قال : والعورات الساعات التي تكون فيها العورة ؛ إلا أنه قرأ بالنصب ، والنصب فيه قولان : أحدهما : أنه مردود على قوله ثلاث مرات ؛ ولهذا استبعده الفراء .

وقال الزجاج : المعنى ليستأذنكم أوقات ثلاث عورات ؛ فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه .

و ( عورات ) جمع عورة ، وبابه في الصحيح أن يجيء على فعلات ( بفتح العين ) كجفنة وجفنات ، ونحو ذلك ، وسكنوا العين في المعتل كبيضة وبيضات ؛ لأن فتحه داع إلى اعتلاله فلم يفتح لذلك ؛ فأما قول الشاعر :أبو بيضات رائح متأوب رفيق بمسح المنكبين سبوحفشاذ .السادسة : قوله تعالى : ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن أي في الدخول من غير أن يستأذنوا وإن كنتم متبذلين .

( طوافون ) بمعنى هم طوافون .

قال الفراء : كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم .

وأجاز الفراء نصب ( طوافين ) لأنه نكرة ، والمضمر في ( عليكم ) معرفة .

ولا يجيز البصريون أن يكون حالا من المضمرين اللذين في ( عليكم ) وفي ( بعضكم ) لاختلاف العاملين .

ولا يجوز مررت بزيد ، ونزلت على عمرو العاقلين ، على النعت لهما .

فمعنى طوافون عليكم أي يطوفون عليكم وتطوفون عليهم ؛ ومنه الحديث في الهرة إنما هي من الطوافين عليكم أو الطوافات .

فمنع في الثلاث العورات من دخولهم علينا ؛ لأن حقيقة العورة كل شيء لا مانع دونه ، ومنه قوله : إن بيوتنا عورة أي سهلة للمدخل ، فبين العلة الموجبة للإذن ، وهي الخلوة في حال العورة ؛ فتعين امتثاله وتعذر نسخه .

ثم رفع الجناح بقوله : ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض [ ص: 284 ] أي يطوف بعضكم على بعض .

كذلك يبين الله لكم الآيات الكاف في موضع نصب ؛ أي يبين الله لكم آياته الدالة على متعبداته بيانا مثل ما يبين لكم هذه الأشياء .

والله عليم حكيم تقدم .السابعة : قوله تعالى : ومن بعد صلاة العشاء يريد العتمة .

وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ألا إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل .

وفي رواية فإنها في كتاب الله العشاء وإنها تعتم بحلاب الإبل .

وفي البخاري عن أبي برزة : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤخر العشاء .

وقال أنس : أخر النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء .

وهذا يدل على العشاء الأولى .

وفي الصحيح : فصلاها ، يعني العصر بين العشاءين المغرب والعشاء .

وفي الموطأ وغيره : ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا .

وفي مسلم ، عن جابر بن سمرة قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الصلوات نحوا من صلاتكم ، وكان يؤخر العتمة بعد صلاتكم شيئا ، وكان يخف الصلاة .

وقال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذه أخبار متعارضة ، لا يعلم منها الأول من الآخر بالتاريخ ، ونهيه - عليه السلام - عن تسمية المغرب عشاء ، وعن تسمية العشاء عتمة ثابت ، فلا مرد له من أقوال الصحابة فضلا عمن عداهم .

وقد كان ابن عمر يقول : من قال صلاة العتمة فقد أثم .

وقال ابن القاسم : قال مالك : ومن بعد صلاة العشاء فالله سماها صلاة العشاء فأحب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تسمى بما سماها الله تعالى به ويعلمها الإنسان أهله وولده ، ولا يقال عتمة إلا عند خطاب من لا يفهم وقد قال حسان :[ ص: 285 ]وكانت لا يزال بها أنيس خلال مروجها نعم وشاءفدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاءوقد قيل : إن هذا النهي عن اتباع الأعراب في تسميتهم العشاء عتمة ، إنما كان لئلا يعدل بها عما سماها الله تعالى في كتابه إذ قال : ومن بعد صلاة العشاء ؛ فكأنه نهي إرشاد إلى ما هو الأولى ، وليس على جهة التحريم ، ولا على أن تسميتها العتمة لا يجوز .

ألا ترى أنه قد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أطلق عليها ذلك ، وقد أباح تسميتها بذلك أبو بكر ، وعمر - رضي الله عنهما - .

وقيل : إنما نهى عن ذلك تنزيها لهذه العبادة الشريفة الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية ، وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة ؛ ويشهد لهذا قوله : ( فإنها تعتم بحلاب الإبل ) .الثامنة : روى ابن ماجه في سننه ، حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن عمارة بن غزية ، عن أنس بن مالك ، عن عمر بن الخطاب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يقول : من صلى في جماعة أربعين ليلة لا تفوته الركعة الأولى من صلاة العشاء كتب الله بها عتقا من النار .

وفي صحيح مسلم ، عن عثمان بن عفان قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من صلى العشاء في جماعة فكأنما قام نصف الليل ومن صلى الفجر في جماعة فكأنما قام الليل كله .

وروى الدارقطني في سننه ، عن سبيع ، أو تبيع ، عن كعب قال : ( من توضأ فأحسن الوضوء وصلى العشاء الآخرة وصلى بعدها أربع ركعات فأتم ركوعهن وسجودهن ويعلم ما يقترئ فيهن كن له بمنزلة ليلة القدر ) .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

أمر المؤمنين أن يستأذنهم مماليكهم، والذين لم يبلغوا الحلم منهم.

قد ذكر الله حكمته وأنه ثلاث عورات للمستأذن عليهم، وقت نومهم بالليل بعد العشاء، وعند انتباههم قبل صلاة الفجر، فهذا -في الغالب- أن النائم يستعمل للنوم في الليل ثوبا غير ثوبه المعتاد، وأما نوم النهار، فلما كان في الغالب قليلا، قد ينام فيه العبد بثيابه المعتادة، قيده بقوله: { وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ } أي: للقائلة، وسط النهار.

ففي ثلاثة هذه الأحوال، يكون المماليك والأولاد الصغار كغيرهم، لا يمكنون من الدخول إلا بإذن، وأما ما عدا هذه الأحوال الثلاثة فقال: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } أي: ليسوا كغيرهم، فإنهم يحتاج إليهم دائما، فيشق الاستئذان منهم في كل وقت، ولهذا قال: { طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } أي: يترددون عليكم في قضاء أشغالكم وحوائجكم.

{ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ } بيانا مقرونا بحكمته، ليتأكد ويتقوى ويعرف به رحمة شارعه وحكمته، ولهذا قال: { وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ْ} له العلم المحيط بالواجبات والمستحيلات والممكنات، والحكمة التي وضعت كل شيء موضعه، فأعطى كل مخلوق خلقه اللائق به، وأعطى كل حكم شرعي حكمه اللائق به، ومنه هذه الأحكام التي بينها وبين مآخذها وحسنها.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ( ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ) الآية : قال ابن عباس رضي الله عنهما وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غلاما من الأنصار يقال له مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقت الظهيرة ليدعوه ، فدخل فرأى عمر بحالة كره عمر رؤيته ذلك ، فأنزل الله هذه الآية وقال مقاتل : نزلت في أسماء بنت مرثد ، كان لها غلام كبير ، فدخل عليها في وقت كرهته ، فأتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها ، فأنزل الله تعالى " ياأيها الذين آمنوا ليستأذنكم اللام لام الأمر .

( الذين ملكت أيمانكم ) يعني : العبيد والإماء ، ( والذين لم يبلغوا الحلم منكم ) من الأحرار ، ليس المراد منهم الأطفال الذين لم يظهروا على عورات النساء ، بل الذين عرفوا أمر النساء ولكن لم يبلغوا .

) ( ثلاث مرات ) أي : ليستأذنوا في ثلاث أوقات ، ( من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ) يريد المقيل ، ( ومن بعد صلاة العشاء ) وإنما خص هذه الأوقات لأنها ساعات الخلوة ووضع الثياب ، فربما يبدو من الإنسان ما لا يحب أن يراه أحد ، أمر العبيد والصبيان بالاستئذان في هذه الأوقات ، وأما غيرهم فليستأذنوا في جميع الأوقات ( ثلاث عورات لكم ) قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر : " ثلاث " بنصب الثاء بدلا عن قوله : " ثلاث مرات " ، وقرأ الآخرون بالرفع ، أي : هذه الأوقات ثلاث عورات لكم ، سميت هذه الأوقات عورات لأن الإنسان يضع فيها ثيابه فتبدو عورته ، ) ( ليس عليكم ) جناح ، ) ( ولا عليهم ) يعني : على العبيد والخدم والصبيان ، ) ( جناح ) في الدخول عليكم من غير استئذان ، ) ( بعدهن ) أي : بعد هذه الأوقات الثلاثة ، ) ( طوافون عليكم ) أي : العبيد والخدم يطوفون عليكم فيترددون ويدخلون ويخرجون في أشغالهم بغير إذن ، ( بعضكم على بعض ) أي : يطوف ، ( بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ) واختلف العلماء في حكم هذه الآية : فقال قوم : منسوخ .

قال ابن عباس رضي الله عنه : لم يكن للقوم ستور ولا حجاب ، فكان الخدم والولائد يدخلون فربما يرون منهم ما لا يحبون ، فأمروا بالاستئذان ، وقد بسط الله الرزق واتخذ الناس الستور فرأى أن ذلك أغنى عن الاستئذان وذهب قوم إلى أنها غير منسوخة ، روى سفيان عن موسى بن أبي عائشة قالت : سألت الشعبي عن هذه الآية : " ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم " أمنسوخة هي ؟

قال : لا والله ، قلت : إن الناس لا يعملون بها ، قال : الله المستعان وقال سعيد بن جبير في هذه الآية : إن ناسا يقولون نسخت ، والله ما نسخت ، ولكنها مما تهاون به الناس .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم» من العبيد آمنوا والإماء «والذين لم يبلغوا الحلم منكم» من الأحرار وعرفوا أمر النساء «ثلاث مرات» في ثلاثة أوقات «من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة» أي وقت الظهر «ومن بعد الصلاة العشاء ثلاث عورات لكم» بالرفع خبر مبتدأ بعده مضاف وقام المضاف إليه مقامه: أي هي أوقات وبالنصب بتقدير أوقات منصوبا بدلاً من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، وهي لإلقاء الثياب تبدو فيها العورات «ليس عليكم ولا عليهم» أي المماليك والصبيان «جناح» في الدخول عليكم بغير استئذان «بعدهن» أي بعد الأوقات الثلاثة هم «طوافون عليكم» للخدمة «بعضكم» طائف «على بعض» والجملة مؤكدة لما قبلها «كذلك» كما بين ما ذكر «يبين الله لكم الآيات» أي الأحكام «والله عليم» بأمور خلقه «حكيم» بما دبره لهم وآية الاستئذان قيل منسوخة وقيل لا ولكن تهاون الناس في ترك الاستئذان.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه مُروا عبيدكم وإماءكم، والأطفال الأحرار دون سن الاحتلام أن يستأذنوا عند الدخول عليكم في أوقات عوراتكم الثلاثة: من قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت الخروج من ثياب النوم ولبس ثياب اليقظة، ووقت خلع الثياب للقيلولة في الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت للنوم، وهذه الأوقات الثلاثة عورات لكم، يقل فيها التستر، أما فيما سواها فلا حرج إذا دخلوا بغير إذن؛ لحاجتهم في الدخول عليكم، طوافون عليكم للخدمة، وكما بيَّن الله لكم أحكام الاستئذان يبيِّن لكم آياته وأحكامه وحججه وشرائع دينه.

والله عليم بما يصلح خلقه، حكيم في تدبيره أمورهم.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد كل ذلك ، عادت السورة الكريمة إلى الحديث عما افتتحت به من الحديث عن الأحكام والآداب التى شرعها الله - تعالى - ، وأمر المؤمنين بالتمسك بها فقال - تعالى - : ( ياأيها الذين ءَامَنُواْ .

.

.

) .ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ .

.

.

) روايات منها : أن امرأة يقال لها أسماء بنت أبى مرثد ، دخل عليها غلام كبير لها ، فى وقت كرهت دخوله فيه ، فأتت النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا فى حال نكرهها ، فأنزل الله تعالى هذه الآية :ومنها ما روى من أن الرسول صلى الله عليه وسلم بعث فى وقت الظهيرة غلاما من الأنصار يقال له مدلج ، إلى عمر بن الخطاب ، فدق الغلام الباب على عمر - وكان نائما - فاستيقظ ، وجلس فانكشف منه شىء فقال عمر : لوددت أن الله - تعالى - نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا من الدخول علينا فى هذه الساعة إلا بإذن ثم انطلق عمر مع الغلام إلى النبى صلى الله عليه وسلم فوجد هذه الآية قد نزلت فخر ساجدا لله - تعالى - .وقد صدرت الآية الكريمة بندائهم بصفة الإيمان .

لحضهم على الامتثال لما اشتملت عليه من آداب قويمة .

وتوجيهات حكيمة .واللام فى قوله ( لِيَسْتَأْذِنكُمُ ) هى لام الأمر والمراد بما ملكت أيمانهم : الأرقاء سواء أكانوا ذكورا أم إناثا ، ويدخل فيهم الخدم ومن على شاكلتهم .والمراد بالذين لم يبلغوا الحلم .

الأطفال الذين فى سن الصبا ولم يصلوا إلى سن البلوغ إلا أنهم يعرفون معنى العورة ويميزون بين ما يصح الاطلاع عليه وما لا يصح .والمعنى : يا من آمنتم بالله حق الإيمان من الرجال ، والنساء ، عليكم أن تمنعوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم الذين لم يبلغوا سن البلوغ ، من الدخول عليكم فى مضاجعكم بغير إذن فى هذه الأوقات الثلاثة ، خشية أن يطلعوا منكم على ما لا يصح الاطلاع عليه .فقوله - تعالى - : ( ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ) تحديد للأوقات المنهى عن الدخول فيها بدون استئذان ، أى : ثلاث أوقات فى اليوم والليلة .ثم بين - سبحانه - هذه الأوقات فقال : ( مِّن قَبْلِ صلاة الفجر ) وذلك لأن هذا الوقت يقوم فيه الإنسان من النوم عادة ، وقد يكون متخففا من ثيابه .

ولا يجب أن يراه أحد وهو على تلك الحالة .( وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مِّنَ الظهيرة ) أى : وحين تخلعون ثيابكم وتطرحونها فى وقت الظهيرة ، عند شدة الحر ، لأجل التخفيف منها وارتداء ثياب أخرى أرق من تلك الثياب ، طلبا للراحة واستعدادا للنوم .( وَمِن بَعْدِ صلاة العشآء ) لأن هذا الوقت يتجرد فيه الإنسان من ثياب اليقظة ، ليتخذ ثيابا أخرى للنوم .وقوله - سبحانه - : ( ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ) خبر مبتدأ محذوف ، والعورات : جمع عورة .وتطلق على ما يجب ستره من الإنسان ، وهى - كما يقول الراغب - مأخوذة من العار ، وذلك لأن المظهر لها يلحقه العار والذم بسبب ذلك .أى : هذه الأوقات من ثلاث عورات كائنة لكم - فعليكم أن تعودوا مماليككم وخدمكم وصبيانكم .

على الاستئذان عند إرادة الدخول عليكم فيها ، لأنها أوقات يغلب فيها اختلاء الرجل بأهله ، كما يغلب فيها التخفف من الثياب ، وانكشاف ما يجب ستره .وقوله - سبحانه - : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ) بيان لمظهر من مظاهر التيسير فى شريعة الإسلام .أى : وليس عليكم أيها المؤمنون والمؤمنات ، ولا عليهم ، أى : أرقائكم وصبيانكم " جناح " اآ : حرج أو إثم فى الدخول بدون استئذان " بعدهن " أى : بعد كل وقت من تلك الأوقات الثلاثة .وقوله - تعالى - ( طوافون عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ ) تعليل لبيان العذر المرخص فى ترك الاستئذان فى غير الأوقات التى حددها الله - تعالى - .أى : لا حرج فى دخول مماليككم وصبيانكم عليكم فى غير هذه الأوقات بدون استئذان لأنهم تكثر حاجتهم فى التردد عليكم ، وأنتم كذلك لا غنى لكم عنهم فأنتم وهم يطوف بعضكم على بعض لقضاء المصالح فى كثير من الأوقات .وبذلك يجمع الإسلام فى تعاليمه بين التستر والاحتشام والتأدب بآدابه القويمة ، وبين السماحة وإزالة الحرج والمشقة .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الايات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .أى : مثل هذا البيان الحكيم يبين الله - تعالى - لكم الآيات التى توصلكم متى تمسكتم بها ، إلى طريق الخير و السعادة ، والله - عز وجل - عليم بما يصلح عباده ، حكيم فى كل ما يأمر به ، أو ينهى عنه .وهكذا تسوق لنا الآية الكريمة ألوانا من الأدب السامى ، الذى يجعل الكبار والصغار يعيشون عيشة فاضلة ، عامرة بالطهر والعفاف والحياء ، والنقاء من كل ما يجرح الشعور ، ومن كل تصور يتنافى مع الخلق الكريم .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: قال القاضي: قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ وإن كان ظاهره الرجال فالمراد به الرجال والنساء لأن التذكير يغلب على التأنيث فإذا لم يميز فيدخل تحت قوله: ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ﴾ الكل ويبين ذلك قوله تعالى: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ لأن ذلك يقال في الرجال والنساء والأولى عندي أن الحكم ثابت في النساء بقياس جلي، وذلك لأن النساء في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال، فهذا الحكم لما ثبت في الرجال فثبوته في النساء بطريق الأولى، كما أنا نثبت حرمة الضرب بالقياس الجلي على حرمة التأفيف.

المسألة الثانية: ظاهر قوله: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ يدخل فيه البالغون والصغار، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المراد الصغار، واحتجوا بأن الكبير من المماليك ليس له أن ينظر من المالك إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه، قال ابن المسيب: لا يغرنكم قوله: ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ لا ينبغي للمرأة أن ينظر عبدها إلى قرطها وشعرها وشيء من محاسنها، وقال الآخرون: بل البالغ من المماليك له أن ينظر إلى شعر مالكته وما شاكله، وظاهر الآية يدل على اختصاص عبيد المؤمنين والأطفال من الأحرار بإباحة ما حظره الله تعالى من قبل على جماعة المؤمنين بقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ  ﴾ فإنه أباح لهم إلا في الأوقات الثلاثة وجوز دخولهم مع من لم يبلغ بغير إذن ودخول الموالي عليهم بقوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي يطوف بعضكم على بعض فيما عدا الأوقات الثلاثة، وأكد ذلك بأن أوجب على من بلغ الحلم الجري على سنة من قبلهم من البالغين في الاستئذان في سائر الأوقات وألحقهم بمن دخل تحت قوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا ﴾ .

المسألة الثالثة: قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ إن أريد به العبيد والإماء إذا كانوا بالغين فغير ممتنع أن يكون أمراً لهم في الحقيقة، وإن أريد ﴿ الذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم ﴾ لم يجز أن يكون أمراً لهم، ويجب أن يكون أمراً لنا بأن نأمرهم بذلك ونبعثهم عليه كما أمرنا بأمر الصبي، وقد عقل الصلاة أن يفعلها لا على وجه التكليف لهم، لكنه تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ، ولا يبعد أن يكون لفظ الأمر وإن كان في الظاهر متوجهاً عليهم إلا أنه يكون في الحقيقة متوجهاً على المولى كقولك للرجل: ليخفك أهلك وولدك، فظاهر الأمر لهم وحقيقة الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

المسألة الرابعة: قال ابن عباس رضي الله عنهما إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث غلاماً من الأنصار إلى عمر ليدعوه فوجده نائماً في البيت فدفع الباب وسلم فلم يستيقظ عمر فعاد ورد الباب وقام من خلفه وحركه فلم يستيقظ فقال الغلام اللهم أيقظه لي ودفع الباب ثم ناداه فاستيقظ وجلس ودخل الغلام فانكشف من عمر شيء وعرف عمر أن الغلام رأى ذلك منه فقال وددت أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا في هذه الساعات إلا بإذن ثم انطلق معه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فوجده قد نزل عليه ﴿ يا أيها الذين ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ فحمد الله تعالى عمر عند ذلك فقال عليه السلام وما ذاك يا عمر؟

فأخبره بما فعل الغلام فتعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم من صنعه وتعرف اسمه ومدحه، وقال: إن الله يحب الحليم الحي العفيف المتعفف، ويبغض البذيء الجريء السائل الملحف فهذه الآية إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر.

وقال بعضهم: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد قالت إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد، وقيل دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها فنزلت الآية.

المسألة الخامسة: قال ابن عمر ومجاهد قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ﴾ عنى به الذكور دون الإناث لأن قوله: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ صيغة الذكور لا صيغة الإناث، وعن ابن عباس رضي الله عنهما هي في الرجال والنساء يستأذنون على كل حال بالليل والنهار، والصحيح أنه يجب إثبات هذا الحكم في النساء، لأن الإنسان كما يكره اطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً اطلاع النساء عليها ولكن الحكم يثبت في النساء بالقياس لا بظاهر اللفظ على ما قدمناه.

المسألة السادسة: من العلماء من قال الأمر في قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ﴾ على الندب والاستحباب ومنهم من قال إنه على الإيجاب وهذا أولى، لما ثبت أن ظاهر الأمر للوجوب.

أما قوله تعالى: ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قرأ ابن عمر ﴿ الحلم ﴾ بالسكون.

المسألة الثانية: اتفق الفقهاء على أن الاحتلام بلوغ واختلفوا إذا بلغ خمس عشرة سنة ولم يحتلم فقال أبو حنيفة رحمه الله لا يكون الغلام بالغاً حتى يبلغ ثماني عشرة سنة ويستكملها وفي الجارية سبع عشرة سنة، وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله في الغلام والجارية خمس عشرة سنة قال أبو بكر الرازي قوله تعالى: ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ﴾ يدل على بطلان قول من جعل حد البلوغ خمس عشرة إذا لم يحتلم لأن الله تعالى لم يفرق بين من بلغها وبين من قصر عنها بعد أن لا يكون قد بلغ الحلم، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة: رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم ولم يفرق بين من بلغ خمس عشرة سنة وبين من لم يبلغها، فإن قيل فهذا الكلام يبطل التقدير أيضاً بثماني عشرة سنة أجاب بأنا قد علمنا بأن العادة في البلوغ خمس عشرة سنة وكل ما كان مبنياً على طريق العادات فقد تجوز الزيادة فيه والنقصان منه، وقد وجدنا من بلغ في اثنتي عشرة سنة، وقد بينا أن الزيادة على المعتاد جائزة كالنقصان منه فجعل أبو حنيفة رحمه الله الزيادة كالنقصان، وهي ثلاث سنين، وقد حكى عن أبي حنيفة رحمه الله تسع عشرة سنة للغلام، وهو محمول على استكمال ثماني عشرة سنة والدخول في التاسعة عشرة.

حجة الشافعي رحمه الله ما روى ابن عمر أنه عرض على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وله أربع عشرة سنة فلم يجزه وعرض عليه يوم الخندق وله خمس عشرة سنة فأجازه اعترض أبو بكر الرازي عليه فقال هذا الخبر مضطرب لأن أحداً كان في سنة ثلاث والخندق في سنة خمس فكيف يكون بينهما سنة؟

ثم مع ذلك فإن الإجازة في القتال لا تعلق لها بالبلوغ لأنه قد يرد البالغ لضعفه ويؤذن غير البالغ لقوته ولطاقته حمل السلاح ويدل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام ما سأله عن الاحتلام والسن.

البحث الثاني: اختلفوا في الإنبات هل يكون بلوغاً، فأبو حنيفة وأصحابه ما جعلوه بلوغاً والشافعي رحمه الله جعله بلوغاً، قال أبو بكر الرازي رحمه الله ظاهر قوله: ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم مِنكُمْ ﴾ ينفي أن يكون الإنبات بلوغاً إذا لم يحتلم كما نفى كون خمس عشرة سنة بلوغاً وكذلك قوله عليه السلام وعن الصبي حتى يحتلم حجة الشافعي رحمه الله تعالى ما روى عطية القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتل من أنبت من قريظة واستحياء من لم ينبت قال فنظروا إلى فلم أكن قد أنبت فاستبقاني قال أبو بكر الرازي هذا الحديث لا يجوز إثبات الشرع به وبمثله لوجوه: أحدها: أن عطية هذا مجهول لا يعرف إلا من هذا الخبر لا سيما مع اعتراضه على الآية، والخبر في نفي البلوغ إلا بالاحتلام.

وثانيها: أنه مختلف الألفاظ ففي بعضها أنه أمر بقتل من جرت عليه الموسى، وفي بعضها من اخضر عذاره ومعلوم أنه لا يبلغ هذه الحال إلا وقد تقدم بلوغه ولا يكون قد جرت عليه الموسى إلا وهو رجل كبير، فجعل الإنبات وجرى الموسى عليه كناية عن بلوغ القدر الذي ذكرنا من السن وهي ثماني عشرة سنة فأكثر.

وثالثها: أن الإنبات يدل على القوة البدنية فالأمر بالقتل لذاك لا للبلوغ، قال الشافعي رحمه الله هذه الاحتمالات مردودة بما روي أن عثمان بن عفان رضي الله عنه سئل عن غلام فقال هل اخضر عذاره؟

وهدا يدل على أن ذلك كان كالأمر المتفق عليه فيما بين الصحابة.

البحث الثالث: ويروى عن قوم من السلف أنهم اعتبروا في البلوغ أن يبلغ الإنسان في طوله خمسة أشبار، روي عن علي عليه السلام أنه قال إذا بلغ الغلام خمسة أشبار فقد وقعت عليه الحدود ويقتص له ويقتص منه، وعن ابن سيرين عن أنس قال أتى أبو بكر بغلام قد سرق فأمر به فشبر فنقص أنملة فخلى عنه، وهذا المذهب أخذ به الفرزدق في قوله: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** وسما فأدرك خمسة الأشبار وأكثر الفقهاء لا يقولون بهذا المذهب، لأن الإنسان قد يكون دون البلوغ ويكون طويلاً، وفوق البلوغ ويكون قصيراً فلا عبرة به.

المسألة الثالثة: قال أبو بكر الرازي دلت هذه الآية على أن من لم يبلغ، وقد عقل يؤمر بفعل الشرائع وينهى عن ارتكاب القبائح فإن الله أمرهم بالاستئذان في هذه الأوقات، وقال عليه السلام: «مروهم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر».

وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نعلم الصبي الصلاة إذا عرف يمينه من شماله، وعن زين العابدين أنه كان يأمر الصبيان أن يصلوا الظهر والعصر جميعاً والمغرب والعشاء جميعاً، فقيل له يصلون الصلاة لغير وقتها فقال خير من أن يتناهوا عنها، وعن ابن مسعود رضي الله عنه إذا بلغ الصبي عشر سنين كتبت له الحسنات ولا تكتب عليه السيئات حتى يحتلم، ثم قال أبو بكر الرازي إنما يؤمر بذلك على وجه التعليم وليعتاده ويتمرن عليه فيكون أسهل عليه بعد البلوغ وأقل نفوراً منه، وكذلك يجنب شرب الخمر ولحم الخنزير وينهى عن سائر المحظورات لأنه لو لم يمنع منه في الصغر لصعب عليه الامتناع بعد الكبر، وقال الله تعالى: ﴿ قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً  ﴾ قيل في التفسير أدبوهم وعلموهم.

المسألة الرابعة: قال الأخفش: يقال في الحلم حلم الرجل بفتح اللام، يحلم حلماً بضم اللام، ومن الحلم حلم بضم اللام، يحلم حلماً بكسر اللام.

أما قوله تعالى: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ﴾ يعني ثلاث أوقات، لأنه تعالى فسرهن بالأوقات، وإنما قيل ثلاث مرات للأوقات لأنه أراد مرة في كل وقت من هذه الأوقات، لأنه يكفيهم أن يستأذنوا في كل واحد من هذه الأوقات مرة واحدة، ثم بين الأوقات فقال: ﴿ مّن قَبْلِ صلاة الفجر وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء ﴾ ، يعني الغالب في هذه الأوقات الثلاثة أن يكون الإنسان متجرداً عن الثياب مكشوف العورة.

المسألة الثانية: قوله: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ قرأ أهل الكوفة: ﴿ ثلاث ﴾ بالنصب على البدل من قوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ﴾ وكأنه قال في أوقات ثلاث عورات لكم، فلما حذف المضاف أعرب المضاف إليه بإعرابه وقراءة الباقين بالرفع أي: هي ثلاث عورات فارتفع لأنه خبر مبتدأ محذوف، قال القفال فكأن المعنى ثلاث انكشافات والمراد وقت الانكشاف.

المسألة الثالثة: العورة الخلل ومنه أعور الفارس وأعور المكان والأعور المختل العين، فسمى الله تعالى كل واحدة من تلك الأحوال عورة، لأن الناس يختل حفظهم وتسترهم فيها.

المسألة الرابعة: الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما: بقوله تعالى: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ والثاني: بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات.

المسألة الخامسة: من الناس من قال إن قوله تعالى: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا  ﴾ فهذا يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وصار ذلك منسوخاً بهذه الآية في غير هذه الأحوال الثلاثة، ومن الناس من قال الآية الأولى أريد بها المكلف لأنه خطاب لمن آمن، وما ذكره الله تعالى في هذه الآية فهو فيمن ليس بمكلف فقيل فيه إن في بعض الأحوال لا يدخل إلا بإذن، وفي بعضها بغير إذن.

فلا وجه لحمل ذلك على النسخ، لأن ما تناولته الآية الأولى من المخاطبين لم تتناوله الآية الثانية أصلاً، فإن قيل بتقدير أن يكون قوله تعالى: ﴿ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ يدخل فيه من قد بلغ فالنسخ لازم، قلنا لا يجب ذلك أيضاً، لأن قوله: ﴿ يأَيُّهَا الذين ءَامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ ﴾ لا يدخل إلا من يملك البيوت لحق هذه الإضافة، وإذا صح ذلك لم يدخل تحت العبيد والإماء، فلا يجب النسخ أيضاً على هذا القول، فأما إن حمل الكلام على صغار المماليك فالقول فيه أبين.

المسألة السادسة: قال أبو حنيفة رحمه الله: لم يصر أحد من العلماء إلى أن الأمر بالاستئذان منسوخ.

وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس ولا أرى أحداً يعمل بهن، قال عطاء حفظت اثنتين ونسيت واحدة، وقرأ هذه الآية وقوله: ﴿ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى  ﴾ وذكر سعيد بن جبير أن الآية الثالثة قوله: ﴿ وَإِذَا حَضَرَ القسمة أُوْلُواْ القربى  ﴾ الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ ﴾ ففيه سؤالات: السؤال الأول: أتقولون في قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ ﴾ أنه يقتضي الإباحة على كل حال؟

الجواب: قد بينا أن ذلك هو في الصغار خاصة، فمباح لهم الدخول للخدمة بغير الإذن في غير الأوقات الثلاثة، ومباح لنا تمكينهم من ذلك والدخول عليهم أيضاً.

السؤال الثاني: فهل يقتضي ذلك إباحة كشف العورة لهم؟

الجواب: لا وإنما أباح الله تعالى ذلك من حيث كانت العادة أن لا تكشف العورة في غير تلك الأوقات، فمتى كشفت المرأة عورتها مع ظن دخول الخدم إليها فذلك يحرم عليها، فإن كان الخادم ممن يتناوله التكليف فيحرم عليه الدخول أيضاً إذا ظن أن هناك كشف عورة، فإن قيل أليس من الناس من جوز للبالغ من المماليك أن ينظر إلى شعر مولاته؟

قلنا من جوز ذلك أخرج الشعر من أن يكون عورة لحق الملك، كما يخرج من أن يكون عورة لحق الرحم، إذ العورة تنقسم ففيه ما يكون عورة على كل حال.

وفيه ما يختلف حاله بالإضافة فيكون عورة مع الأجنبي غير عورة غيره على ما تقدم ذكره.

السؤال الثالث: أتقولون هذه الإباحة مقصورة على الخدم دون غيرهم؟

الجواب: نعم وفي قوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ دلالة عى أن هذا الحكم يختص بالصغار دون البالغين على ما تقدم ذكره وقد نص تعالى على ذلك من بعد فقال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ والمراد من تجدد منه البلوغ يجب أن يكون بمنزلة من تقدم بلوغه في وجوب الاستئذان، فهذا معنى قوله: ﴿ كَمَا استأذن الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ وقد يجوز أن يظن ظان أن من خدم في حال الصغر، فإذا بلغ يجوز له أن لا يستأذن ويفارق حاله حال من لم يخدم ولم يملك، فبين تعالى أنه كما حظر على البالغين الدخول إلا بالاستئذان فكذلك على هؤلاء إذا بلغوا وإن تقدمت لهم خدمة أو ثبت فيهم ملك لهن.

السؤال الرابع: الأمر بالاستئذان هل هو مختص بالمملوك ومن لم يبلغ الحلم أو يتناول الكل من ذوي الرحم؟

والأجنبي أيضاً لو كان المملوك من ذوي الرحم هل يجب عليه الاستئذان؟

الجواب: أما الصورة الأولى فنعم، إما لعموم قوله تعالى: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حتى تَسْتَأْنِسُواْ  ﴾ أو بالقياس على المملوك، ومن لم يبلغ الحلم بطريق الأولى، وأما الصورة الثانية فيجب عليه الاستئذان لعموم الآية.

السؤال الخامس: ما محل ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؟

الجواب: إذا رفعت ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ كان ذلك في محل الرفع على الوصف، والمعنى هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل، وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

السؤال السادس: ما معنى قوله: ﴿ طَوافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ ؟

الجواب: قال الفراء والزجاج إنه كلام مستأنف كقولك في الكلام إنما هم خدمكم وطوافون عليكم، والطوافون الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد، وأصله من الطواف، والمعنى يطوف بعضكم على بعض بغير إذن.

السؤال السابع: بم ارتفع ﴿ بَعْضُكُمْ ﴾ ؟

الجواب: بالابتداء وخبره ﴿ على بَعْضٍ ﴾ على معنى طائف على بعض، وإنما حذف لأن ﴿ طَوفُونَ ﴾ يدل عليه.

أما قوله: ﴿ والقواعد مِنَ النساء الاتي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال ابن السكيت: امرأة قاعد إذا قعدت عن الحيض والجمع قواعد، وإذا أردت القعود قلت قاعدة، وقال المفسرون: القواعد هن اللواتي قعدن عن الحيض والولد من الكبر ولا مطمع لهن في الأزواج، والأولى أن لا يعتبر قعودهن عن الحيض لأن ذلك ينقطع والرغبة فيهن باقية، فالمراد قعودهن عن حال الزوج، وذلك لا يكون إلا إذا بلغن في السن بحيث لا يرغب فيهن الرجال.

المسألة الثانية: قوله تعالى في النساء: ﴿ لاَ يَرْجُونَ ﴾ كقوله: ﴿ إَّلا أَن يَعْفُونَ  ﴾ .

المسألة الثالثة: لا شبهة أنه تعالى لم يأذن في أن يضعن ثيابهن أجمع لما فيه من كشف كل عورة، فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب هاهنا الجلباب والبرد والقناع الذي فوق الخمار، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قرأ ﴿ أَن يَضَعْنَ جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه (أن يضعن خمرهن رؤوسهن) وعن بعضهم أنه قرأ (أن يضعن من ثيابهن)، وإنما خصهن الله تعالى بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن، وقد بلغن هذا المبلغ فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع الثياب ولذلك قال: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ وإنما جعل ذلك أفضل من حيث هو أبعد من المظنة وذلك يقتضي أن عند المظنة يلزمهن أن لا يضعن ذلك كما يلزم مثله في الشابة.

المسألة الرابعة: حقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قولهم سفينة بارج لا غطاء عليها، والبرج سعة العين التي يرى بياضها محيطاً بسوادها كله، لا يغيب منه شيء إلا أنه اختص بأن تنكشف المرأة للرجال بإبداء زينتها وإظهار محاسنها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

أمر بأن يستأذن العبيد.

وقيل: العبيد والإماء والأطفال الذين لم يحتلموا من الأحرار ﴿ ثلاث مَرَّاتٍ ﴾ في اليوم والليلة: قبل صلاة الفجر؛ لأنه وقت قيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة.

وبالظهيرة: لأنها وقت وضع الثياب للقائلة.

وبعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت التجرّد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

وسمى كل واحدة من هذه الأحوال عورة؛ لأن الناس يختلّ تسترهم وتحفظهم فيها.

والعورة: الخلل.

ومنها: أعور الفارس، وأعور المكان، والأعور: المختل العين.

ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات، وبين وجه العذر في قوله: ﴿ طَوفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة: يطوفون عليكم بالخدمة، وتطوفون عليهم للاستخدام؛ فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت، لأدّى إلى الحرج.

وروي: أن مدلج بن عمرو: وكان غلاماً أنصارياً: أرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت الظهر إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم، وقد انكشف عنه ثوبه، فقال عمر: لوددت أنّ الله عزّ وجلّ نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلاّ بإذن، ثم انطلق معه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

وهي إحدى الآيات المنزلة بسبب عمر رضي الله تعالى عنه.

وقيل: نزلت في أسماء بنت أبي مرثد، قالت: إنا لندخل على الرجل والمرأة ولعلهما يكونان في لحاف واحد.

وقيل: دخل عليها غلام لها كبير في وقت كرهت دخوله، فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حال نكرهها.

وعن أبي عمرو: ﴿ الحلم ﴾ بالسكون وقرئ: ﴿ ثلاث عَوْرَاتٍ ﴾ بالنصب بدلاً عن ثلاث مرات، أي: أوقات ثلاث عورات.

وعن الأعمش: عورات على لغة هذيل.

فإن قلت: ما محلّ ليس عليكم؟

قلت: إذا رفعت ثلاث عورات كان ذلك في محل الرفع على الوصف.

والمعنى: هنّ ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت: لم يكن له محلّ وكان كلاماً مقرّراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة: فإن قلت: بم ارتفع ﴿ بَعْضُكُمْ ﴾ ؟

قلت: بالابتداء وخبره ﴿ على بَعْضٍ ﴾ على معنى: طائف على بعض، وحذف لأنَّ طوافون يدل عليه.

ويجوز أن يرتفع بيطوف مضمراً لتلك الدلالة.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ رُجُوعٌ إلى تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّالِفَةِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الإلَهِيّاتِ الدّالَّةِ عَلى وُجُوبِ الطّاعَةِ فِيما سَلَفَ مِنَ الأحْكامِ وغَيْرِها والوَعْدِ عَلَيْها والوَعِيدِ عَلى الإعْراضِ عَنْها، والمُرادُ بِهِ خِطابُ الرِّجالِ والنِّساءِ غَلَّبَ فِيهِ الرِّجالَ لِما رُوِيَ أنَّ غُلامَ أسْماءَ بِنْتِ أبِي مَرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ فَنَزَلَتْ.

وَقِيلَ «أرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ  مُدْلِجَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ وكانَ غُلامًا وقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوَ عُمَرَ، فَدَخَلَ وهو نائِمٌ وقَدِ انْكَشَفَ عَنْهُ ثَوْبُهُ فَقالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمَنا أنْ لا يَدْخُلُوا هَذِهِ السّاعاتِ عَلَيْنا إلّا بِإذْنٍ، ثُمَّ انْطَلَقَ مَعَهُ إلى النَّبِيِّ  فَوَجَدَهُ وقَدْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ» الآيَةُ: ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ والصِّبْيانُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا مِنَ الأحْرارِ فَعَبَّرَ عَنِ البُلُوغِ بِالِاحْتِلامِ لِأنَّهُ أقْوى دَلائِلِهِ.

﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مَرَّةً.

﴿ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ ﴾ لِأنَّهُ وقْتُ القِيامِ مِنَ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النَّوْمِ ولُبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ، ومَحَلُّهُ النَّصْبُ بَدَلًا مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ أوِ الرَّفْعُ خَبَرًا لِمَحْذُوفٍ أيْ هي مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ.

﴿ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ ﴾ أيْ ثِيابَكم لِلْيَقَظَةِ لِلْقَيْلُولَةِ.

﴿ مِنَ الظَّهِيرَةِ ﴾ بَيانٌ لِلْحِينِ.

﴿ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ لِأنَّهُ وقْتُ التَّجَرُّدِ عَنِ اللِّباسِ والِالتِحافِ بِاللِّحافِ.

﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ﴾ أيْ هي ثَلاثُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها تَسَتُّرُكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرُهُ ما بَعْدَهُ وأصْلُ العَوْرَةِ الخَلَلُ ومِنها أعْوَرَ المَكانُ ورَجُلٌ أعْوَرُ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ ﴿ ثَلاثَ ﴾ بِالنَّصْبِ بَدَلًا مِن ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ .

﴿ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ بَعْدَ هَذِهِ الأوْقاتِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ، ولَيْسَ فِيهِ ما يُنافِي آيَةَ الِاسْتِئْذانِ فَيَنْسَخُها لِأنَّهُ في الصِّبْيانِ ومَمالِيكِ المَدْخُولِ عَلَيْهِ وتِلْكَ في الأحْرارِ البالِغِينَ.

﴿ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ هم طَوّافُونَ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وهو المُخالَطَةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ، وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها بِأنَّها عَوْراتٌ.

﴿ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ بَعْضُكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ أوْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ.

﴿ كَذَلِكَ ﴾ مِثْلُ ذَلِكَ التَّبْيِينِ.

﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ أيِ الأحْكامَ.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ بِأحْوالِكم.

﴿ حَكِيمٌ ﴾ فِيما شَرَعَ لَكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)

{يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} أمربأن يستأذن العبيد والإماء {والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم منكم} أى الأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وقرئ بسكون اللام تخفيفاً {ثَلاَثَ مَرَّاتٍ} في اليوم والليلة وهي {مّن قَبْلِ صلاة الفجر} لأنه وقت القيام من المضاجع وطرح ما ينام فيه من الثياب ولبس ثياب اليقظة {وَحِينَ تَضَعُونَ ثيابكم مّنَ الظهيرة} وهي نصف النهار في القيظ لأنها وقت وضع الثياب للقيلولة {وَمِن بَعْدِ صلاة العشاء} لأنه وقت التجرد من ثياب اليقضة والالتحاف بثياب النوم

النور (٥٩ - ٥٨)

{ثلاث عورات لكم} أى هى أوقات ثلاث عورات فحذف المبتدأ والمضاف وبالنصب كوفي غير حفص

بدلاً من ثلاث مرات أي أوقات ثلاث عورات وسمي كل واحد من هذه الأحوال عورة لأن الإنسان يختل تستره فيها والعورة الخلل ومنها الأعور المختل العين دخل غلام من الأنصار يقال له مدلج وددت أن الله نهى عن الدخول في هذه الساعات إلا بالإذن فانطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد نزلت عليه الآية ثم عذرهم في ترك الاستئذان وراء هذه المرات بقوله {لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ} أي لا اثم عليكم وعلى المذكورين في الدخول بغير استئذان بعدهن ثم بين العلة في ترك الاستئذان في هذه الأوقات بقوله {طَوافُونَ عَلَيْكُمْ} أي هم طوافون بحوائج البيت {بَعْضُكُمْ} مبتدأ خبره {على بَعْضٍ} وتقديره بعضكم طائف على بعض فحذف طائف لدلالة طوافون عليه ويجوز أن تكون الجملة بدلاً من التي قبلها وأن تكون مبينة مؤكدة يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المخالطة والمداخلة يطوفون عليكم للخدمة وتطوفون عليهم للاستخدام فلو جزم الأمر بالاستئذان في كل وقت لأفضى إلى الحرج وهو مدفوع فى الشرع بالنص {كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات} أي كما بين حكم الاستئذان يبين لكم غيره من الآيات التي احتجتم إلى بيانها {والله عَلِيمٌ} بمصالح عباده {حَكِيمٌ} في بيان مراده

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ يَأيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ إلَخْ رُجُوعٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ إلى بَيانِ تَتِمَّةِ الأحْكامِ السّابِقَةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ ما يُوجِبُ الِامْتِثالَ بِالأوامِرِ والنَّواهِي الوارِدَةِ فِيها وفي الأحْكامِ اللّاحِقَةِ مِنَ التَّمْثِيلاتِ والتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ والوَعْدِ والوَعِيدِ، وفي التَّحْقِيقِ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ مِمّا يُطاعُ اللَّهُ تَعالى ورَسُولُهُ لِلَّهِ فِيهِ، وتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ لِأنَّ دُخُولَهُ في الطّاعَةِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ مِنَ الآدابِ أبْعَدُ مِن غَيْرِهِ، والخِطابُ إمّا لِلرِّجالِ خاصَّةً والنِّساءُ داخِلاتٌ في الحُكْمِ بِدَلالَةِ النَّصِّ أوْ لِلْفَرِيقَيْنِ تَغْلِيبًا، واعْتَرَضَ الأوَّلُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بِسَبَبِ النِّساءِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي مَرْثَدٍ دَخَلَ عَلَيْها غُلامٌ كَبِيرٌ لَها في وقْتٍ كَرِهَتْ دُخُولَهُ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  فَقالَتْ: إنْ خَدَمْنا وغِلْمانُنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالٍ نَكْرَهُها فَنَزَلَتْ»، وقَدْ ذَكَرَ الإتْقانَ أنَّ دُخُولَ سَبَبِ النُّزُولِ في الحُكْمِ قَطْعِيٌّ.

وأُجِيبُ بِأنَّهُ ما المانِعُ مِن أنْ يَعْلَمَ الحَكَمُ في السَّبَبِ بِطَرِيقِ الدَّلالَةِ والقِياسُ الجَلِيُّ ويَكُونُ ذَلِكَ في حُكْمِ الدُّخُولِ، ونَقَلَ عَنِ السُّبْكِيِّ أنَّهُ ظَنِّيٌّ فَيَجُوزُ إخْراجَهُ وتَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ، ثُمَّ ما ذَكَرَ في سَبَبِ النُّزُولِ لَيْسَ مَجْمَعًا عَلَيْهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  بَعَثَ وقْتَ الظَّهِيرَةِ إلى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجٌ وكانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ نائِمًا فَدَقَّ عَلَيْهِ البابَ ودَخَلَ فاسْتَيْقَظَ وجَلَسَ فانْكَشَفَ مِنهُ شَيْءٌ فَقالَ عُمْرُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ: لَوَدِدْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى نَهى آباءَنا وأبْناءَنا وخَدَمْنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا بِإذْنٍ فانْطَلَقَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ  فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ نَزَلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا،» وهَذا أحَدُ مُوافِقاتِ رَأْيِهِ الصّائِبِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لِلْوَحْيِ، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السَّدِّيِّ أنَّهُ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  يُعْجِبُهم أنْ يُواقِعُوا نِساءَهم في هَذِهِ السّاعاتِ فَيَغْتَسِلُوا ثُمَّ يَخْرُجُونَ إلى الصَّلاةِ فى مُرْهُمُ اللَّهُ تَعالى أنْ يَأْمُرُوا المَمْلُوكِينَ والغِلْمانِ أنْ لا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ويَعْلَمُ مِنهُ أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وإنْ كانَ في الظّاهِرِ لِلْمَمْلُوكِينَ والصِّبْيانِ لَكِنَّهُ في الحَقِيقَةِ لِلْمُخاطِبِينَ فَكَأنَّهم أمَرُوا أنْ يَأْمُرُوا المَذْكُورِينَ بِالِاسْتِئْذانِ وبِهَذا يَنْحَلُّ ما قِيلَ: كَيْفَ يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَن لَمْ يَبْلُغِ الحُلْمُ بِالِاسْتِئْذانِ وهو تَكْلِيفٌ ولا تَكْلِيفَ قَبْلَ البُلُوغِ، وحاصِلُهُ أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَأْمُرْهُ حَقِيقَةً وإنَّما أمَرَ سُبْحانَهُ الكَبِيرَ أنْ يَأْمُرَهُ بِذَلِكَ كَما أمَرَهُ أنْ يَأْمُرَهُ بِالصَّلاةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ  أنَّهُ قالَ: ««مُرُوا أوْلادَكم بِالصَّلاةِ وهُمْ أبْناءُ سَبْعِ سِنِينَ واضْرِبُوهم عَلَيْها وهم أبْناءُ عَشْرَ سِنِينَ»» وأمْرُهُ بِما ذَكَرَ ونَحْوُهُ مِن بابِ التَّأْدِيبِ والتَّعْلِيمِ ولا إشْكالَ فِيهِ، وقِيلَ: الأمْرُ لِلْبالِغِينَ مِنَ المَذْكُورِينَ عَلى الحَقِيقَةِ ولِغَيْرِهِمْ عَلى وجْهِ التَّأْدِيبِ.

وقِيلَ: هو لِلْجَمِيعِ عَلى الحَقِيقَةِ والتَّكْلِيفِ يَعْتَمِدُ التَّمْيِيزُ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ فالمُرادُ بِالَّذِينِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ المُمَيَّزُونَ مِنَ الصِّغارِ وهو كَما تَرى.

واخْتُلِفَ في هَذا الأمْرِ فَذَهَبَ بَعْضُ إلى أنَّهُ لِلْوُجُوبِ، وذَهَبَ الجُمْهُورُ إلى أنَّهُ لِلنَّدْبِ وعَلى القَوْلَيْنِ هو مُحْكَمٌ عَلى الصَّحِيحِ وسَيَأْتِي تَمامُ الكَلامِ في ذَلِكَ، والجُمْهُورُ عَلى عُمُومِ ﴿ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ في العَبِيدِ والإماءِ الكِبارِ والصِّغارِ، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ ومُجاهِدٍ أنَّهُ خاصٌّ بِالذُّكُورِ كَما هو ظاهِرُ الصِّيغَةِ ورَوى ذَلِكَ عَنْ أبى جَعْفَرٍ.

وأبى عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما، وقالَ السِّلْمِيُّ: إنَّهُ خاصٌّ بِالإناثِ وهو قَوْلٌ غَرِيبٌ لا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما تَخْصِيصُهُ بِالصِّغارِ وهو خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا، والمُرادُ بِالَّذِينِ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلْمَ الصِّبْيانَ ذُكُورًا وإناثًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ ما مَرَّ في سابِقِهِ عَنِ الجُمْهُورِ وخَصَّ بِالمُراهِقِينَ مِنهُمْ، و ﴿ مِنكُمْ ﴾ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالأحْرارِ ويَشْعُرُ بِهِ المُقابَلَةَ أيْضًا.

وفِي البَحْرِ هو عامٌّ في الأطْفالِ عَبِيدًا كانُوا أوْ أحْرارًا، وكُنِيَ عَنِ القُصُورِ عَنْ دَرَجَةِ البُلُوغِ بِما ذَكَرَ لِأنَّ الِاحْتِلامَ أقْوى دَلائِلِهِ، وقَدِ اتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّهُ إذا احْتَلَمَ الصَّبِيُّ فَقَدْ بَلَغَ، واخْتَلَفُوا فِيما إذا بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ولَمْ يَحْتَلِمْ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ في المَشْهُورِ: لا يَكُونُ بالِغًا حَتّى يَتِمَّ لَهُ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وكَذا الجارِيَةُ إذا لَمْ تَحْتَلِمْ أوْ لَمْ تَحُضْ أوْ لَمْ تَحْبَلْ لا تَكُونُ بالِغَةً عِنْدَهُ حَتّى يَتِمَّ لَها سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، ودَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أشُدَّهُ  ﴾ وأشَدُّ الصَّبِيِّ كَما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وتَبِعَهُ القُتَيْبِيُّ ثَمانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وهو أقَلُّ ما قِيلَ فِيهِ فَيُبْنى الحُكْمُ عَلَيْهِ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ غَيْرَ أنَّ الإناثَ نَشُؤُهُنَّ وإدْراكُهُنَّ أسْرَعُ فَنَقُصُّ في حَقِّهِنَّ سِنَةً لِاشْتِمالِها عَلى الفُصُولِ الأرْبَعَةِ الَّتِي يُوافِقُ واحِدٌ مِنها المِزاجُ لا مَحالَةَ وقالَ صاحِباهُ والشّافِعِيُّ وأحْمَدُ: إذا بَلَغَ الغُلامُ والجارِيَةُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةَ فَقَدْ بَلَغا وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمامِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أيْضًا وعَلَيْهِ الفَتْوى.

ولَهم أنَّ العادَةَ الفاشِيَّةَ أنْ لا يَتَأخَّرَ البُلُوغُ فِيهِما عَنْ هَذِهِ المُدَّةِ وقُيِّدَتِ العادَةُ بِالفاشِيَّةِ لِأنَّهُ قَدْ يَبْلُغُ الغُلامُ في اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وقَدْ تَبْلُغُ الجارِيَةُ في تِسْعِ سِنِينَ، واسْتَدَلَّ بَعْضُهم عَلى ما تَقَدَّمَ بِما رَوى «ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ عَرَضَ عَلى النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ولَهُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَجُزْهُ وعَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ يَوْمَ الخَنْدَقِ ولَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأجازَهُ،» واعْتَرَضَ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّ أحَدًا كانَ في سَنَةِ ثَلاثٍ والخَنْدَقُ في سَنَةِ خَمْسٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ ما ذَكَرَ في الخَبَرِ، وأيْضًا لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى المُدَّعى لِأنَّ الإجازَةَ في القِتالِ لا تَعَلُّقَ لَها بِالبُلُوغِ فَقَدْ لا يُؤْذَنُ البالِغُ لِضَعْفِهِ ويُؤْذَنُ غَيْرُ البالِغِ لِقُوَّتِهِ وقُدْرَتِهِ عَلى حَمْلِ السِّلاحِ.

ولَعَلَّ عَدَمَ إجازَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أوَّلًا إنَّما كانَ لِضَعْفِهِ ويَشْعُرُ بِذَلِكَ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ما سَألَهُ عَنِ الِاحْتِلامِ والسَّنِّ.

ومِمّا تَفَرَّدَ بِهِ الشّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَلى ما قِيلَ جَعْلُ الإنْباتِ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ واحْتَجَّ لَهُ بِما رَوى عَطِيَّةُ القُرَظِيُّ «أنَّ النَّبِيَّ  أمْرٌ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ مِن قُرَيْظَةَ واسْتِحْياءَ مَن لَمْ يَنْبُتْ قالَ: فَنَظَرُوا إلَيَّ فَلَمْ أكُنْ قَدْ أنْبَتَ فاسْتَبَقانِي  » وتَعَقَّبَهُ أبُو بَكْرٍ الرّازِيُّ بِأنَّ هَذا الخَبَرَ لا يَجُوزُ إثْباتُ الشَّرْعِ بِمِثْلِهِ فَإنَّ عَطِيَّةَ هَذا مَجْهُولٌ لا يَعْرِفُ إلّا مِن هَذا الخَبَرِ، وأيْضًا هو مُخْتَلِفُ الألْفاظِ فَفي بَعْضِ رِوايَةٍ «أنَّ النَّبِيَّ  أمَرَ بِقَتْلِ مَن جَرَتْ عَلَيْهِ المُواسِي،» وأيْضًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ الأمْرُ بِقَتْلِ مَن أنْبَتَ لَيْسَ لِأنَّهُ بالِغٌ بَلْ لِأنَّهُ قَوِيٌّ فَإنَّ الإنْباتَ يَدُلُّ عَلى القُوَّةِ البَدَنِيَّةِ، وانْتَصَرَ لِلشّافِعِيِّ بِأنَّ الِاحْتِمالَ مَرْدُودٌ بِما رُوِيَ عَنْ عُثْمانَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غُلامٍ فَقالَ: هَلِ اخْضَرَّ إزارُهُ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ كانَ كالأمْرِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِيما بَيْنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُمْ، ثُمَّ المَشْهُورُ عَنِ الشّافِعِيِّ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ جَعَلَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى البُلُوغِ في حَقِّ أطْفالِ الكُفّارِ، وتَكَلُّفِ الشّافِعِيَّةِ في الِانْتِصارِ لَهُ ورَدَ التَّشْنِيعُ عَلَيْهِ بِما لا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن راجَعَهُ.

ومِنَ الغَرِيبِ ما رُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّهُمُ اعْتَبَرُوا في البُلُوغِ أنْ يَبْلُغَ الإنْسانُ في طُولِهِ خَمْسَةَ أشْبارٍ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ أنَّهُ قالَ: إذا بَلَغَ الغُلامُ خَمْسَةَ أشْبارٍ فَقَدْ وقَعَتْ عَلَيْهِ الحُدُودُ يَقْتَصُّ لَهُ ويَقْتَصُّ مِنهُ.

وعَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أنَسٍ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ بِغُلامٍ قَدْ سَرَقَ فَأمَرَ بِهِ فَشِبْرٌ فَنَقُصُ أُنْمُلَةٍ فَخَلّى عَنْهُ، وبِهَذا المَذْهَبِ أخَذَ الفَرَزْدَقُ في قَوْلِهِ يَمْدَحُ يَزِيدُ بْنُ المُهَلَّبِ: ما زالَ مُذْ عَقَدَتْ يَداهُ إزارَهُ وسَما فَأدْرَكَ خَمْسَةَ الأشْبارِ يُدْنِي كَتائِبَ مِن كَتائِبَ تَلْتَقِي ∗∗∗ بِالطَّعْنِ يَوْمَ تَجاوُلِ وغِوارٍ وأكْثَرُ الفُقَهاءِ لا يَقُولُونَ بِهِ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَكُونُ دُونَ البُلُوغِ ويَكُونُ طَوِيلًا وفَوْقَ البُلُوغِ ويَكُونُ قَصِيرًا فَلا عِبْرَةَ بِذَلِكَ.

ولَعَلَّ الأخْبارَ السّابِقَةَ لا تَصِحُّ.

وما نَقَلَ عَنِ الفَرَزْدَقَ لا يَتَعَيَّنُ إرادَةَ البُلُوغِ فِيهِ، ومِنَ النّاسِ مَن قالَ: إنَّهُ أرادَ بِخَمْسَةِ الأشْبارِ القَبْرِ كَما قالَ الآخَرُ: عَجَبًا لِأرْبَعِ أذْرُعٍ في خَمْسَةٍ ∗∗∗ في جَوْفِهِ جَبَلٍ أشَمِّ كَبِيرٍ هَذا وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةِ «الحِلْمِ» بِسُكُونِ اللّامِ وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، وذَكَرَ الرّاغِبُ أنَّ الحُلْمَ بِالضَّمِّ والحُلْمُ السُّكُونُ كِلاهُما مَصْدَرُ حُلْمٍ في نَوْمِهِ بِكَذا بِالفَتْحِ إذا رَآهُ في المَنامِ يَحْلُمُ بِالضَّمِّ ولَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِلُغَةٍ دُونَ أُخْرى، وعَنْ بَعْضِهِمْ عُدْ حُلْمًا بِالفَتْحِ مَصْدَرًا لِذَلِكَ أيْضًا، وفي الصِّحاحِ الحُلْمِ بِالضَّمِّ ما يَراهُ النّائِمُ تَقُولُ مِنهُ: حَلَمَ بِالفَتْحِ واحْتَلَمَ وتَقُولُ حَلِمْتُ بِكَذا وحَلَمَتْهُ أيْضًا فَيَتَعَدّى بِالباءِ وبِنَفْسِهِ قالَ: فَحَلَمْتُها وبَنُو رَفِيدَةَ دُونَها ∗∗∗ لا يُبْعِدْنَ خَيالَها المَحْلُومَ والحُلْمُ بِكَسْرِ الحاءِ الأناةِ تَقُولُ مِنهُ: حُلْمُ الرَّجُلِ بِالضَّمِّ إذا صارَ حَلِيمًا، وفي القامُوسِ الحِلْمِ بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ الرُّؤْيا جَمْعُهُ أحْلامٌ ثُمَّ قالَ: وحَلَمَ بِهِ وعَنْهُ رَأى لَهُ رُؤْيا أوْ رَآهُ في النَّوْمِ والحُلْمُ بِالضَّمِّ والِاحْتِلامُ الجِماعُ في النَّوْمِ والِاسْمُ الحُلْمُ كَعُنُقِ والحُلْمُ بِالكَسْرِ الأناةُ والعَقْلُ وجَمْعُهُ أحْلامٌ وحُلُومٌ اهْـ، والظَّهْرُ أنَّ ما نَحْنُ فِيهِ بِمَعْنى الجِماعِ في النَّوْمِ وهو الِاحْتِلامُ المَعْرُوفُ ووَجْهُ الكِنايَةِ السّابِقَةِ عَلَيْهِ ظاهِرٌ.

وقالَ الرّاغِبُ: الحُلْمُ زَمانُ البُلُوغِ وسُمِّيَ الحُلْمُ لِكَوْنِهِ جَدِيرًا صاحِبَهُ بِالحُلْمِ أيِ الأناةِ وضَبْطِ النَّفْسِ عَنْ هَيَجانِ الغَضَبِ وفي النَّفْسِ مِنهُ شَيْءٌ ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ أيْ ثَلاثِ أوْقاتٍ في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ، والتَّعْبِيرُ عَنْها بِالمَرّاتِ لِلْإيذانِ بِأنَّ مَدارَ طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ مُقارَنَةً تِلْكَ الأوْقاتِ لِمُرُورِ المُسْتَأْذِنِينَ بِالمُخاطِبِينَ لا أنْفُسُها فَنَصْبُ ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ عَلى الظَّرْفِيَّةِ لِلِاسْتِئْذانِ وهو الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الجُمْهُورُ ويَدُلُّ عَلى ما ذَكَرَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ ﴾ إلَخْ فَإنَّ الظّاهِرَ أنَّهُ في مَحَلِّ النَّصْبِ أوِ الجَرِّ كَما قِيلَ إنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ ثَلاثَ ﴾ أوْ مِن ﴿ مَرّاتٍ ﴾ بَدَلٌ مُفَصَّلٌ مِن مُجْمَلٍ.

وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ في مَحَلِّ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ أحَدِّها مِن قَبْلُ إلَخْ وهو أيْضًا يَدُلُّ عَلى ما ذَكَرْنا، واخْتارَ في البَحْرِ أنَّ المَعْنى ثَلاثُ اسْتِئْذاناتٍ كَما هو الظّاهِرُ فَإنَّكَ إذا قُلْتَ: ضَرَبْتُ ثَلاثَ مَرّاتٍ لا يَفْهَمُ مِنهُ إلّا ثَلاثَ ضَرَباتٍ، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ الِاسْتِئْذانِ ثَلاثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ مَفْعُولًا مُطْلَقًا لِلِاسْتِئْذانِ ( ومِن قَبْلِ ) إلَخْ ظَرْفٌ لَهُ، وشَرْعُ الِاسْتِئْذانِ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ لِظُهُورِ أنَّهُ وقْتَ القِيامِ عَنِ المَضاجِعِ وطَرْحِ ثِيابِ النَّوْمِ ولَبْسِ ثِيابِ اليَقَظَةِ وكُلُّ ذَلِكَ مَظَنَّةُ انْكِشافِ العَوْرَةِ.

وأيْضًا كَثِيرًا ما يُجَنَّبُ الشَّخْصُ لَيْلًا فَيَغْتَسِلُ في ذَلِكَ الوَقْتِ ويَسْتَحِي مِنَ الِاطِّلاعِ عَلَيْهِ في تِلْكَ الحالَةِ ولَوْ مَسْتُورُ العَوْرَةِ ﴿ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ ﴾ أيْ وحِينَ تَخْلَعُونَ ثِيابَكُمُ الَّتِي تَلْبَسُونَها في النَّهارِ وتَحُطُّونَها عَنْكم ﴿ مِنَ الظَّهِيرَةِ ﴾ بَيانٌ لِلْحِينِ، والظَّهِيرَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ وقْتَ الظُّهْرِ، وفي القامُوسِ هي حَدُّ انْتِصافِ النَّهارِ وإنَّما ذَلِكَ في القَيْظِ.

وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ ( مِن ) أجَلِيَّةٌ والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن أجْلِ حَرِّ الظَّهِيرَةِ، وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الظَّهِيرَةَ بِشِدَّةِ الحَرِّ عِنْدَ انْتِصافِ النَّهارِ فَلا حاجَةَ إلى الحَذْفِ ( وحِينَ ) عَطْفُ عَلى ( مِن قَبْلِ ) وهو ظاهِرٌ عَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ في مَحَلِّ نَصْبٍ، وأمّا عَلى التَّقْدِيرَيْنِ الآخَرَيْنِ فَيَلْتَزِمُ القَوْلُ بِبِناءٍ حِينَ عَلى الفَتْحِ وإنْ أُضِيفَ إلى مُضارِعٍ كَما قِيلَ في قَوْلِهِ تَعالى: هَذا ﴿ يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ  ﴾ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ مِيمِ يَوْمٍ، والتَّصْرِيحُ بِمَدارِ الأمْرِ أعْنِي وضْعَ الثِّيابِ في هَذا الحِينِ دُونَ ما قِيلَ وما بَعْدُ لَمّا أنَّ التَّجَرُّدَ عَنِ الثِّيابِ فِيهِ لِأجْلِ القَيْلُولَةِ لِقِلَّةِ زَمانِها كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ إيرادُ الحِينِ مُضافًا إلى فِعْلٍ حادِثٍ مُتَقَضٍّ ووُقُوعُها في النَّهارِ الَّذِي هو مَئِنَّةٌ لِكَثْرَةِ الوُرُودِ والصُّدُورِ ومَظِنَّةٍ لِظُهُورِ الأحْوالِ وبُرُوزِ الأُمُورِ لَيْسَ مِنَ التَّحَقُّقِ والِاطِّرادِ بِمَنزِلَةِ ما في الوَقْتَيْنِ المَذْكُورَيْنِ فَإنَّ تَحَقُّقَ المَدارِ فِيهِما أمْرٌ مَعْرُوفٌ لا يَحْتاجُ إلى التَّصْرِيحِ بِهِ.

﴿ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ ضَرُورَةُ أنَّهُ وقْتَ التَّجَرُّدِ عَنْ لِباسِ اليَقَظَةِ والِالتِحافُ بِثِيابِ النَّوْمِ وكَثِيرًا ما يَتَعاطى فِيهِ مُقَدَّماتُ الجِماعِ وإنْ كانَ الأفْضَلَ تَأْخِيرُهُ لِمَن لا يَغْتَسِلُ عَلى الفَوْرِ إلى آخَرِ اللَّيْلِ، ويَعْلَمُ مِمّا ذَكَرَ في حَيِّزِ بَيانِ حِكْمَةِ مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِئْذانِ في الوَقْتِ الأوَّلِ والوَقْتِ الأخِيرِ أنَّ المُرادَ بِالقِبْلِيَّةِ والبُعْدِيَّةِ المَذْكُورَتَيْنِ لَيْسَ مُطَلَّقَهِما المُتَحَقِّقِ في الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العِشاءِ بَلِ المُرادُ بِهِما طَرَفا ذَلِكَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ المُتَّصِلانِ اتِّصالًا عادِيًّا بِالصَّلاتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِلْأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الباقِي مِنَ الوَقْتِ المُمْتَدِّ إمّا لِانْفِهامِهِ بَعْدَ الأمْرِ بِالِاسْتِئْذانِ في الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ مِن بابِ الأُولى، وإمّا لِنُدْرَةِ الوارِدِ فِيهِ جَدًّا كَما قِيلَ، وقِيلَ إنَّ ذاكَ لِجَرَيانِ العادَةِ عَلى أنَّ مَن ورَدَ فِيهِ لا يَرُدُّ حَتّى يَعْلَمَ أهْلَ البَيْتِ لِما في الوُرُودِ ودُخُولِ البَيْتِ فِيهِ مِن دُونِ إعْلامِ أهْلِهِ مِنَ التُّهْمَةِ ما لا يَخْفى.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ ﴿ لَكُمْ ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لَهُ أيْ هُنَّ ثَلاثُ عَوْراتٍ كائِنَةً لَكُمْ، والعَوْرَةُ الخَلَلُ ومِنهُ أعْوَرُ الفارِسِ وأعْوَرُ المَكانِ إذا اخْتَلَّ حالُهُ والأعْوَرُ المُخْتَلُّ العَيْنُ، وعَوْرَةُ الإنْسانِ سَوْأتُهُ وأصْلُها كَما قالَ الرّاغِبُ: مِنَ العارِ وذَلِكَ لِما يَلْحَقُ في ظُهُورِها مِنَ العارِ أيِ المَذَمَّةِ، وضَمِيرُهُنَّ المَحْذُوفُ لِلْأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، والكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ هي ثَلاثُ أوْقاتٍ يَخْتَلُّ فِيها التَّسَتُّرُ عادَةً، وقَدَّرَ أبُو البَقاءِ المُضافَ قَبْلَ ﴿ ثَلاثَ ﴾ فَقالَ: أيْ هي أوْقاتٌ ثَلاثُ عَوْراتٍ أوْ لا حَذْفَ فِيهِ، وإطْلاقُ العَوْراتِ عَلى الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ المُشْتَمِلَةِ عَلَيْها لِلْمُبالَغَةِ كَأنَّها نَفْسُ العَوْراتِ، والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ عِلَّةِ طَلَبِ الِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأوْقاتِ.

وقَرَأ أبُو بَكْرٍ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ «ثَلاثٌ» بِالنَّصْبِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ( ثَلاثَ مَرّاتٍ ) وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَهُ بَدَلًا مِنَ الأوْقاتِ المَذْكُورَةِ، وكَوْنَهُ مَنصُوبًا بِإضْمارِ أعْنِي.

وقَرَأ الأعْمَشُ «عَوَراتٍ» بِفَتْحِ الواوِ وهي لُغَةُ هَذِيلِ بْنِ مُدْرِكَةَ وبَنِي تَمِيمٍ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ ﴾ أيْ عَلى الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ مِنكم ﴿ جُناحٌ ﴾ أيْ فِي الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أيْ بَعْدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِن تِلْكَ العَوْراتِ الثَّلاثِ وهي الأوْقاتُ المُتَخَلِّلَةُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ مِنهُنَّ، وإيرادُها بِعُنْوانِ البُعْدِيَّةِ مَعَ أنَّ كُلَّ وقْتٍ مِن تِلْكَ الأوْقاتِ قَبْلَ كُلِّ عَوْرَةٍ مِنَ العَوْراتِ كَما أنَّها بَعْدَ أُخْرى مِنهُنَّ لِتَوْفِيَةِ حَقِّ التَّكْلِيفِ والتَّرْخِيصِ الَّذِي هو عِبارَةٌ عَنْ رَفْعِهِ إذِ الرُّخْصَةُ إنَّما تَتَصَوَّرُ في فِعْلٍ يَقَعُ بَعْدَ زَمانِ وُقُوعِ الفِعْلِ المُكَلَّفِ كَذا في إرْشادِ العَقْلِ السَّلِيمِ، وظاهِرُهُ أنَّهُ لا حَرَجَ في الدُّخُولِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ في الوَقْتِ المُتَخَلِّلِ بَيْنَ ما بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ وما قَبْلَ صَلاةِ الفَجْرِ بِالمَعْنى السّابِقِ لِلْبُعْدِيَّةِ والقِبْلِيَّةِ، ومُقْتَضى ما قَدَّمْنا ثُبُوتُ الحَرَجِ في ذَلِكَ فَيَكُونُ كالمُسْتَثْنى مِمّا ذَكَرَ.

وكانَ الظّاهِرُ أنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ جَناحٌ بَعْدَهُنَّ وعَدَمُ التَّعَرُّضِ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ عَلى المُخاطِبِينَ جَناحٌ لِأنَّ المَأْمُورِينَ ظاهِرًا فِيما تَقَدَّمَ بِالِاسْتِئْذانِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ هُمُ المَمالِيكُ والمُراهِقُونَ الأحْرارُ لا غَيْرَ، وإنِ اعْتَبَرَ المَأْمُورُونَ في الحَقِيقَةِ فِيما مَرَّ كانَ الظّاهِرُ هاهُنا أنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلَيْكم جَناحٌ بَعْدَهُنَّ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، ولَعَلَّ اخْتِيارَ ما في النَّظْمِ الجَلِيلِ لِرِعايَةِ المُبالِغَةِ في الإذْنِ بِتَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما عَدا تِلْكَ الثَّلاثِ حَيْثُ نَفْيِ الجَناحَ عَنِ المَأْمُورَيْنِ بِهِ فِيها ظاهِرًا وحَقِيقَةً.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالجَناحِ الإثْمُ الشَّرْعِيُّ، واسْتَشْكَلَ بِأنَّهُ يُفْهَمُ مِنَ الآيَةِ ثُبُوتُ ذَلِكَ لِلْمُخاطَبِينَ إذا دَخَلَ المَمالِيكُ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِلْمَ مِنهم عَلَيْهِمْ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ في تِلْكَ العَوْراتِ مَعَ أنَّهُ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وثُبُوتُهُ لِلْمَمالِيكِ والصِّغارِ كَذَلِكَ مَعَ أنَّ الصِّغارَ غَيْرُ مُكَلَّفِينَ فَلا يَتَصَوَّرُ في حَقِّهِمُ الإثْمَ الشَّرْعِيَّ.

وأُجِيبُ بِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِمَن ذَكَرَ بِواسِطَةِ المَفْهُومِ ولا عِبْرَةَ بِهِ عِنْدَنا، وعَلى القَوْلِ بِاعْتِبارِهِ يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ثُبُوتُهُ لِلْمُخاطِبِينَ حِينَئِذٍ لِتَرْكِهِمْ تَعْلِيمِهِمْ والتَّمْكِينُ مِنَ الدُّخُولِ عَلَيْهِمْ ويُبْقى إشْكالُ ثُبُوتِهِ لِلصِّغارِ ولا مَدْفَعَ لَهُ إلّا بِالتِزامِ القَوْلِ بِأنَّ التَّكْلِيفَ يَعْتَمِدُ التَّمْيِيزَ ولا يَتَوَقَّفُ عَلى البُلُوغِ وهو خِلافُ ما عَلَيْهِ جُمْهُورُ الأئِمَّةِ.

ويَرُدُّ عَلى القَوْلِ بِأنَّ ثُبُوتَ ذَلِكَ لِمَن ذَكَرَ بِواسِطَةِ المَفْهُومِ بَحْثٌ لا يَخْفى.

والتَزَمٌ في الجَوابِ كَوْنُ المُرادِ بِالجَناحِ لِإثْمِ العُرْفِيِّ الَّذِي مَرْجِعُهُ تَرْكُ الأُولى وإلّا خُلِقَ مِن حَيْثُ المُرُوءَةِ والأدَبِ وجَوازُ ثُبُوتِ ذَلِكَ لِلْمُكَلَّفِ وغَيْرِ المُكَلَّفِ مِمّا لا كَلامَ فِيهِ فَكَأنَّ المَعْنى لَيْسَ عَلَيْكم أيُّها المُؤْمِنُونَ جَناحٌ في دُخُولِهِمْ عَلَيْكم بَعْدَهُنَّ لِتَرْكِكم تَعْلِيمِهِمْ وتَمْكِينِكم إيّاهم مِنهُ المُفْضِي إلى الوُقُوفِ عَلى ما تَأْبى المُرُوءَةُ والغَيْرَةُ الوُقُوفَ عَلَيْهِ ولا عَلَيْهِمْ جَناحٌ في ذَلِكَ لِإخْلالِهِمْ بِالأدَبِ المُفْضِي إلى الوُقُوفِ عَلى ما تَكْرَهُ ذَوُو الطِّباعِ السَّلِيمَةِ الوُقُوفَ عَلَيْهِ ويَنْفَعِلُونَ مِنهُ.

ولا يَأْبى ذَلِكَ تَقَدُّمُ الأمْرِ السّابِقِ ولا في الإرْشادِ مِن بَيانِ نُكْتَةِ إيرادِ العَوْراتِ الثَّلاثِ بِعُنْوانِ البُعْدِيَّةِ بِما سَمِعْتَ فَتَدَبَّرْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ.

وذَهَبَ بَعْضُهم إلى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها  ﴾ مَنسُوخٌ بِهَذِهِ الآيَةِ حَيْثُ دَلَّتْ عَلى جَوازِ الدُّخُولِ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ بَعْدَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى خِلافِهِ.

ومَن لَمْ يَذْهَبْ إلَيْهِ قالَ: إنَّها في الصِّبْيانِ ومَمالِيكِ المَدْخُولِ عَلَيْهِ وآيَةُ الِاسْتِئْذانِ في الأحْرارِ البالِغِينَ ومَمالِيكِ الغَيْرِ في حُكْمِهِمْ فَلا مُنافاةَ لِيَلْتَزِمَ النَّسْخُ.

ثُمَّ اعْلَمْ أنَّ نَفْيَ الجَناحِ بَعْدَهُنَّ عَلى مَن ذَكَرَ لَيْسَ عَلى عُمُومِهِ فَإنَّهُ مَتى تَحَقَّقَ أوْ ظَنَّ كَوْنُ أهْلِ البَيْتِ عَلى حالٍ يَكْرَهُونَ اطِّلاعَ المَمالِيكَ والمُراهِقِينَ مِنَ الأحْرارِ عَلَيْها كانْكِشافِ عَوْرَةِ أحَدِهِمْ ومُعاشَرَتِهِ لِزَوْجَتِهِ أوْ أمَتِهِ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لا يَنْبَغِي الدُّخُولُ عَلَيْهِمْ بِدُونِ اسْتِئْذانٍ سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إحْدى العَوْراتِ الثَّلاثِ أوْ في غَيْرِها والأمْرُ بِالِاسْتِئْذانِ فِيها ونَفْيُ الجَناحِ بَعْدَها بِناءً عَلى العادَةِ الغالِبَةِ مِن كَوْنِ أهْلِ البَيْتِ في الأوْقاتِ الثَّلاثِ المَذْكُورَةِ عَلى حالٍ يَقْتَضِي الِاسْتِئْذانَ وكَوْنُهم عَلى حالٍ لا يَقْتَضِيهِ في غَيْرِها.

هَذا وفي الآيَةِ تَوْجِيهٌ آخَرُ ذَكَرَهُ أبُو حَيّانَ وظاهِرُ صَنِيعِهِ اخْتِيارُهُ وعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أبُو البَقاءِ هو أنَّ التَّقْدِيرَ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جَناحٌ بَعْدَ اسْتِئْذانِهِمْ فِيهِنَّ فَحَذَفَ الفاعِلَ وحَرْفَ الجَرِّ فَبَقِيَ بَعْدَ اسْتِئْذانِهِنَّ ثُمَّ حَذَفَ المَصْدَرَ فَصارَ بَعْدَهُنَّ، وعَلَيْهِ تَقِلُّ مَؤُونَةُ الكَلامِ في الآيَةِ إلّا أنَّهُ خِلافُ الظّاهِرِ جِدًّا.

والجُمْهُورُ عَلى ما سَمِعْتُ أوَّلًا في مَعْناها، والظّاهِرُ أنَّ الجُمْلَةَ عَلى القِراءَتَيْنِ السّابِقَتَيْنِ في ثَلاثٍ مُسْتَأْنِفَةٌ مَسُوقَةٌ لِتَقْرِيرِ ما قَبْلِها، وفي الكَشّافِ أنَّها إذا رَفَعَ ﴿ ثَلاثَ ﴾ كانَتْ في مَحَلِّ رَفْعٍ عَلى الوَصْفِ.

والمَعْنى هُنَّ ثَلاثٌ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ وإذا نَصَبَ لَمْ يَكُنْ لَها مَحَلٌّ وكانَتْ كَلامًا مُقَرَّرًا لِلِاسْتِئْذانِ في تِلْكَ الأحْوالِ خاصَّةً، وقالَ في ذَلِكَ صاحِبُ التَّقْرِيبِ: إنْ رَفَعَ الحَرَجَ وراءَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ فَإذا وصَفَ بِهِ ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ ﴾ نَصْبًا وهو بَدَلٌ مِن ثَلاثِ مَرّاتٍ كانَ التَّقْدِيرُ لِيَسْتَأْذِنَكم هَؤُلاءِ في ثَلاثِ عَوْراتٍ مَخْصُوصَةٍ بِالِاسْتِئْذانِ.

ويَدْفَعُهُ وُجُوهٌ مُسْتَفادَةٌ مِن عِلْمِ المَعانِي.

أحَدُها اشْتِراطُ تَقَدُّمِ عِلْمِ السّامِعِ بِالوَصْفِ وهو مُنْتَفٍ إذْ لَمْ يَعْلَمُ إلّا مِن هَذا.

والثّانِي جَعْلُ الحُكْمِ المَقْصُودِ وصَفًّا لِلظَّرْفِ فَيَصِيرُ غَيْرَ مَقْصُودٍ.

والثّالِثُ أنَّ الأمْرَ بِالِاسْتِئْذانِ في المَرّاتِ الثَّلاثِ حاصِلٌ وصَفَتْ بِأنَّ لا حَرَجَ وراءَها أوْ لَمْ تُوصَفْ فَيَضِيعُ الوَصْفُ.

وأمّا إذا وصَفَ المَرْفُوعَ فَيَزُولُ الدَّوافِعُ لِأنَّهُ ابْتِداءُ تَعْلِيمٍ أيْ هُنَّ ثَلاثٌ مَخْصُوصَةٌ بِالِاسْتِئْذانِ وصِفَةٌ لِلْخَبَرِ المَقْصُودِ ولَمْ يَتَقَيَّدْ أمْرُ الِاسْتِئْذانِ بِهِ فَلْيَتَأمَّلْ فَإنَّهُ دَقِيقٌ جَلِيلٌ انْتَهى، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الوَجْهَيْنِ الأخِيرَيْنِ ساقِطانِ لا طائِلَ تَحْتَهُما والأوَّلُ هو الوَجْهُ.

فَإنْ قِيلَ: هو مُشْتَرِكُ الإلْزامِ قِيلَ: قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ﴾ ما يَرْشُدُ إلى العِلْمِ بِذَلِكَ ولَيْسَتِ الجُمْلَةُ الأخِيرَةُ مِن أجْزائِهِ كَما هي كَذَلِكَ عَلى فَرْضِ جَعْلِها صِفَةٍ لِلْبَدَلِ ولا يَحْتاجُ مَعَ هَذا إلى حَدِيثِ أنَّ رَفْعَ الحَرَجِ وراءَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ مَقْصُودٌ في نَفْسِهِ بَلْ قِيلَ هو في نَفْسِهِ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَقَدْ قالَ الطِّيبِيُّ: إنَّ المَقْصُودَ الأُولى الِاسْتِئْذانُ في الأوْقاتِ المَخْصُوصَةِ ورَفْعُ الحَرَجِ في غَيْرِها تابِعٌ لَهُ لِقَوْلِ المُحَدِّثِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ لَوَدِدْتُ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ نَهى آباءَنا وخَدَمَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا بِإذْنٍ ثُمَّ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ  وقَدْ نَزَلَتِ الآيَةُ.

وفي الكَشْفِ أنَّهُ جِيءَ بِهِ أيْ بِالكَلامِ الدّالِّ عَلى رَفْعِ الحَرَجِ أعْنِي ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ إلَخْ عَلى رَفْعِ ﴿ ثَلاثَ ﴾ مُؤَكِّدًا لِلسّالِفِ عَلى طَرِيقِ الطَّرْدِ والعَكْسِ وكَذَلِكَ إذا نَصَبَ وجَعَلَ اسْتِئْنافًا وأمّا إذا جَعَلَ وصَفًّا فَيَفُوتُ هَذا المَعْنى.

وهَذا أيْضًا مِنَ الدَّوافِعِ انْتَهى فَتَأمَّلْ ولا تَغْفُلْ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ هم طَوّافُونَ والجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ بِبَيانِ العُذْرِ المُرَخَّصِ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ وهو المُخالَطَةُ الضَّرُورِيَّةُ وكَثْرَةُ المُداخَلَةِ.

وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى تَعْلِيلِ الأحْكامِ الشَّرْعِيَّةِ وكَذا في الفَرْقِ بَيْنَ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ وغَيْرِها بِأنَّها عَوْراتٌ.

وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ جَوَّزَ أنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وخَبَرًا ومُتَعَلِّقَ الجارِ كَوْنُ خاصٍّ حُذِفَ لِدَلالَةِ ما قَبْلِهِ عَلَيْهِ أيْ بَعْضِكم طائِفٌ عَلى بَعْضٍ، وجَوَّزَ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ أيْ يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿ بَعْضُكُمْ ﴾ بَدَلٌ مِن ﴿ طَوّافُونَ ﴾ ، وتَعَقَّبُهُ في البَحْرِ بِأنَّهُ إنْ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ طَوّافُونَ ﴾ نَفْسُهُ فَلا يَجُوزُ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وهو مَعْنى لا يَصِحُّ وإنْ أرادَ أنَّهُ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِيهِ فَلا يَصِحُّ أيْضًا إنْ قَدَّرَ الضَّمِيرَ ضَمِيرَ غِيبَةٍ لِتَقْدِيرِهِمْ لِأنَّهُ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ هم يَطُوفُ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ وإنْ جَعَلَ التَّقْدِيرَ أنْتُمْ يَطُوفُ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ فَيَدْفَعُهُ أنَّ ﴿ عَلَيْكُمْ ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّهم هُمُ المُطَوِّفُ عَلَيْهِمْ وأنْتُمْ طَوّافُونَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم طائِفُونَ فَيَتَعارَضانِ، وقِيلَ: يُقَدَّرُ أنْتُمْ طَوّافُونَ ويُرادُ بِأنْتُمُ المُخاطِبُونَ والغَيْبُ مِنَ المَمالِيكِ والصِّبْيانِ وهو كَما تَرى، وجَوَّزَ أبُو البَقاءِ كَوْنَ الجُمْلَةِ بَدَلًا مِنَ الَّتِي قَبْلِها وكَوْنُها مُبِينَةً مُؤَكِّدَةً، ولا يَخْفى عَلَيْكَ ما تَضَمَّنَتْهُ مِن جَبْرِ قُلُوبِ المَمالِيكِ بِجَعْلِهِمْ بَعْضًا مِنَ المُخاطِبِينَ وبِذَلِكَ يَقْوى أمْرُ العَلِيَّةِ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ «طَوّافِينَ» بِالنَّصْبِ عَلى الحالِ مِن ضَمِيرٍ عَلَيْهِمْ ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارَةٌ إلى مَصْدَرِ الفِعْلِ الَّذِي بَعُدَ عَلى ما مَرَّ تَفْصِيلُهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا  ﴾ وفي غَيْرِهِ أيْضًا أيْ مِثْلِ ذَلِكَ التَّبْيِينِ ﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ الدّالَّةُ عَلى ما فِيهِ نَفْعُكم وصَلاحُكم أيْ يُنَزِّلُها مُبَيِّنَةً واضِحَةَ الدَّلالَةِ لا أنَّهُ سُبْحانَهُ يُبَيِّنُها بَعْدَ أنْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، وتَقْدِيمُ الجارِّ والمَجْرُورِ عَلى المَفْعُولِ الصَّحِيحِ لِما مَرَّ غَيْرُ مَرَّةٍ، وقِيلَ: يُبَيِّنُ عِلَلَ الأحْكامِ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ لَيْسَ بِواضِحٍ مَعَ أنَّهُ مُؤَدٍّ إلى تَخْصِيصِ الآياتِ بِما ذُكِرَ هاهُنا.

﴿ واللَّهُ عَلِيمٌ ﴾ مُبالَغٌ في العِلْمِ بِجَمِيعِ المَعْلُوماتِ فَيَعْلَمُ أحْوالَكم ﴿ حَكِيمٌ ﴾ في جَمِيعِ أفاعِيلِهِ فَيَشْرَعُ لَكم ما فِيهِ صَلاحُكم مَعاشًا ومَعادًا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ يعني: أقروا بها وأتموها.

وَآتُوا الزَّكاةَ يعني: أقروا بها وأعطوها.

وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فيما يأمركم به من التوحيد والطاعة لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ فلا تعذبون.

قوله عز وجل: لاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ يعني: فائتين، ويقال سابقين أمر الله تعالى، ويقال: معناه لا تظن أنهم يهربون منا وأنهم يفوتون من عذابنا.

وَمَأْواهُمُ النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ يعني: صاروا إليه وبئس المرجع.

قرأ حمزة وابن عامر لا يَحْسَبَنَّ بالياء ونصب السين، وقرأ الباقون بالتاء بلفظ المخاطبة وكسر السين.

قوله عز وجل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قال ابن عباس: «وذلك أن رسول الله  بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج، إلى عمر بن الخطاب  ظهيرة ليدعوه، فانطلق الغلام ليدعوه، فوجده نائماً قد أغلق الباب، فأخبر الغلام أنه في هذا البيت، فقرع الباب على عمر فلم يستيقظ، فدخل فاستيقظ عمر، فجلس وانكشف منه شيء، فرآه الغلام، فعرف عمر أنه قد رآه، فقال عمر: وددت أن الله تعالى نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعة إلا بإذن، ثم انطلق معه إلى النبيّ  فنزلت هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ يعني: العبيد والإماء والولائد وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ يعني: وليستأذنكم الذين لم يبلغوا الحلم، يعني: الاحتلام، وهم الأحرار من الغلمان ثَلاثَ مَرَّاتٍ لأنها ساعات غرة وغفلة.

ثم بين الساعات الثلاث، فقال: مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ لأن ذلك وقت لبس الثياب وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ يعني: وقت القيلولة وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ وذلك وقت النوم ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ يعني: ثلاث ساعات: وقت غرة وغفلة، وهن أوقات التجرد وظهور العورة.

وقرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية واحدة ثَلاثُ عَوْراتٍ بنصب الثاء، وقرأ الباقون بالضم، فمن قرأ بالنصب فمعناه: ليستأذنكم ثلاث عورات، أي ثلاث ساعات.

ومن قرأ بالضم فمعناه: هي ثلاث عورات، فيكون خبراً عن الأوقات الثلاثة.

وروى عكرمة أن رجلين من أهل العراق سألا ابن عباس عن قوله: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فقال ابن عباس: «إن الله تعالى سِتِّيرٌ يحب الستر وكان الناس لم يكن لهم ستور على أبوابهم، ولا حجاب في بيوتهم، فربما فاجأ الرجلَ ولده أو خادمه أو يتيم في حجره وهو مع أهله، فأمرهم الله تعالى أن يستأذنوا في ثلاث ساعات التي سمى الله تعالى، ثم جاء الله باليسر، وبسط الرزق عليهم، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجاب، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي قد أمروا به، وقد قيل: إن فيه دليلاً أن ذلك الحكم إذا ثبت فإذا زال المعنى زال الحكم.

وقال مجاهد: الاستئذان هو التنحنح.

ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ أي ليس عليكم يا معشر المؤمنين، ولا عليهم، يعني: الخدم جُناحٌ بَعْدَهُنَّ يعني: ما ثمّ بعد الساعات الثلاث طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ يعني: يتقلبون فيكم ليلاً ونهاراً، يدخلون عليكم بغير استئذان في الخدمة بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ يعني: يدخل بعضكم على بعض بغير إذن كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: أمره ونهيه في الاستئذان وَاللَّهُ عَلِيمٌ بصلاح الناس حَكِيمٌ حكم بالاستئذان.

قوله عز وجل: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ يعني: الاحتلام فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: الكبار من ولد الرجل وأقربائه، معناه: فليستأذنوا في كل وقت، كما استأذن الذين من قبلكم، يعني: من الرجال كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ أي أمره ونهيه في كل وقت، وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِصَلاَحِكُم حَكِيمٌ حكم بالاستئذان.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله: وَمَنْ كَفَرَ يحتمل أنْ يريدَ كفر هذه النعم، ويحتمل الكفر المُخْرِجَ عن المِلَّةِ عياذاً بالله من سخطه!

وباقي الآية بيِّن مما تقدَّم في غيرها.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشاءِ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٨)

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ الآية: قيل:

«الذين ملكت أيمانهم» : الرجال والنساء، ورَجَّحَهُ الطبريُّ، وقيل: الرجال خاصة، وقيل:

النساء خاصَّةً، ومعنى الآية عند جماعة من العلماء: أَنَّ الله تعالى أَدَّبَ عباده بأنْ يكونَ العبيدُ والأَطفَالُ الذين عقلوا معاني الكَشَفَةِ ونحوها- يستأذنون على أهليهم في هذه الأوقات الثلاث، وهي الأوقات التي تقتضي عادَةُ الناس الانكشافُ فيها وملازَمَةُ التَّعَرِّي في المضاجع، وهي: عند الصباح، وفي وقت القائلة وهي الظهيرة لأَنَّ النهار يظهر فيها إذا علا واشْتَدَّ حَرُّهُ، وبعدَ العشاء لأَنَّهُ وقتُ التعرِّي للنوم، وأما في غير هذه الأوقات فالعرف ٤١ أمن الناس التَّحَرُّزُ/ والتَّحَفُّظُ فلا حرجَ في دخول هذه الصنيفة بغير إذن إذ هم طَوَّافون يمضون ويجيئون، لا يجد الناس بُدّاً من ذلك.

وقوله: بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ بدل من قوله: طَوَّافُونَ، وثَلاثَ مَرَّاتٍ نُصِبَ على الظرف لأَنَّهم لم يُؤْمروا بالاستئذان ثلاثاً وإنَّما أُمِروا بالاستئذان في ثلاث مواطنَ، فالظرفية في ثلاث بَيِّنة.

وقوله سبحانه: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ بيّن للمتأمّل.

وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٩) وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاَّتِي لا يَرْجُونَ نِكاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)

وقوله سبحانه: وَإِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ...

الآية: أَمَرَ تعالى في هذه الآية أَنْ يكونوا إذا بلغوا الحُلْمَ على حكم الرجال في الاستئذان في كل وقت، وهذا بيان من الله عز وجل.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.

أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  وجَّهَ غُلامًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: مُدْلِجُ بْنُ عَمْرٍو إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ وقْتَ الظَّهِيرَةِ لِيَدْعُوهُ، فَدَخَلَ فَرَأى عُمَرَ عَلى حالَةٍ كَرِهَ عُمَرُ رُؤْيَتَهُ عَلَيْها، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ودِدْتُ لَوْ أنَّ اللَّهَ أمَرَنا ونَهانا في حالِ الِاسْتِئْذانِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ مَرْثَدٍ كانَ لَها غُلامٌ، فَدَخَلَ عَلَيْها في وقْتٍ كَرِهَتْهُ فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ  ، فَقالَتْ: إنَّ خَدَمَنا وغِلْمانَنا يَدْخُلُونَ عَلَيْنا في حالَةٍ نَكْرَهُها، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ»، قالَهُ مُقاتِلٌ.

وَمَعْنى الآيَةِ: لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم؛ وفِيهِمْ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّهُ أرادَ الذُّكُورَ دُونَ الإناثِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

والثّانِي: الذُّكُورَ والإناثَ، رَواهُ أبُو حُصَيْنٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

ومَعْنى الكَلامِ: لِيَسْتَأْذِنْكم مَمالِيكُكم في الدُّخُولِ عَلَيْكم.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: والأظْهَرُ أنْ يَكُونَ المُرادُ: العَبِيدَ الصِّغارَ والإماءَ الصِّغارَ، لِأنَّ العَبْدَ البالِغَ بِمَنزِلَةِ الحُرِّ البالِغِ في تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلى مَوْلاتِهِ، فَكَيْفَ يُضافُ إلى الصِّبْيانِ الَّذِينَ هم غَيْرُ مُكَلَّفِينَ؟!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ ﴾ وقَرَأ عَبْدُ الوارِثِ: " الحُلْمَ " بِإسْكانِ اللّامِ ﴿ مِنكُمْ ﴾ أيْ: مِن أحْرارِكم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ أيْ: ثَلاثَةَ أوْقاتٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَها فَقالَ: ﴿ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الإنْسانَ قَدْ يَبِيتُ عُرْيانًا، أوْ عَلى حالَةٍ لا يُحِبُّ أنْ يُطَّلَعَ عَلَيْهِ فِيها ﴿ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ﴾ أيِ: القائِلَةِ ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ حِينَ يَأْوِي الرَّجُلُ إلى زَوْجَتِهِ، ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: " ثَلاثُ عَوْراتٍ " بِرَفْعِ الثّاءِ مِن " ثَلاثُ "، والمَعْنى: هَذِهِ الأوْقاتُ هي ثَلاثُ عَوْراتٍ، لِأنَّ الإنْسانَ يَضَعُ فِيها ثِيابَهُ، فَرُبَّما بَدَتْ عَوْرَتُهُ.

وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: " ثَلاثَ عَوْراتٍ " بِنَصْبِ الثّاءِ؛ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وجَعَلُوهُ بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ ﴾ والأوْقاتُ لَيْسَتْ عَوْراتٍ، ولَكِنَّ المَعْنى: أنَّها أوْقاتُ ثَلاثِ عَوْراتٍ، فَلَمّا حُذِفَ المُضافُ أُعْرِبَ [بِإعْرابِ المَحْذُوفِ] .

وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والأعْمَشُ: " عَوَراتٍ " بِفَتْحِ الواوِ، ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ يَعْنِي: المُؤْمِنِينَ الأحْرارَ ﴿ وَلا عَلَيْهِمْ ﴾ يَعْنِي: الخَدَمَ والغِلْمانَ ﴿ جُناحٌ ﴾ أيْ: حَرَجٌ ﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أيْ: بَعْدَ مُضِيِّ هَذِهِ الأوْقاتِ أنْ لا يَسْتَأْذِنُوا، فَرَفَعَ الحَرَجَ عَنِ الفَرِيقَيْنِ، ﴿ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيْ: هم طَوّافُونَ عَلَيْكم ﴿ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ أيْ: يَطُوفُ بَعْضُكم وهُمُ المَمالِيكُ عَلى بَعْضٍ وهُمُ الأحْرارُ.

* فَصْلٌ وَأكْثَرُ عُلَماءِ المُفَسِّرِينَ عَلى أنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَحْكَمَةٌ، ومِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، والقاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ، والشَّعْبِيُّ.

وحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ أنَّها مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا ﴾ ؛ والأوَّلُ أصَحُّ، لِأنَّ مَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكم، أوْ مِنَ الأحْرارِ الحُلُمَ، فَلْيَسْتَأْذِنُوا، أيْ: في جَمِيعِ الأوْقاتِ في الدُّخُولِ عَلَيْكم ﴿ كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي: كَما اسْتَأْذَنَ الأحْرارُ الكِبارُ، الَّذِينَ هم قَبْلَهم في الوُجُودِ، وهُمُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ عَلى كُلِّ حالٍ؛ فالبالِغُ يَسْتَأْذِنُ في كُلِّ وقْتٍ، والطِّفْلُ والمَمْلُوكُ يَسْتَأْذِنانِ في العَوْراتِ الثَّلاثِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَعْنِي: العُجْزَ، واحِدُها: قاعِدٌ، ويُقالُ: إنَّما قِيلَ لَها: قاعِدٌ، لِقُعُودِها عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ، وقَدْ تَقْعُدُ عَنِ الحَيْضِ والوَلَدِ ومَثْلُها يَرْجُو النِّكاحَ، ولا أراها سُمِّيَتْ قاعِدًا إلّا بِالقُعُودِ، لِأنَّها إذا أسَنَّتْ عَجَزَتْ عَنِ التَّصَرُّفِ وكَثْرَةِ الحَرَكَةِ، وأطالَتِ القُعُودَ، فَقِيلَ لَها: " قاعِدٌ " بِلا هاءٍ، لِيَدُلَّ حَذْفَ الهاءِ عَلى أنَّهُ قُعُودُ كِبَرٍ، كَما قالُوا: " امْرَأةٌ حامِلٌ "، لِيَدُلُّوا بِحَذْفِ الهاءِ عَلى أنَّهُ حَمْلُ حَبَلٍ، وقالُوا في غَيْرِ ذَلِكَ: قاعِدَةٌ في بَيْتِها، وحامِلَةٌ عَلى ظَهْرِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ﴾ أيْ: عِنْدَ الرِّجالِ؛ ويَعْنِي بِالثِّيابِ: الجِلْبابُ والرِّداءُ والقِناعُ الَّذِي فَوْقَ الخِمارِ، هَذا المُرادُ بِالثِّيابِ، لا جَمِيعَ الثِّيابِ، ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ أيْ: مِن غَيْرِ أنْ يُرِدْنَ بِوَضْعِ الجِلْبابِ أنْ تُرى زِينَتُهُنَّ؛ والتَّبَرُّجُ: إظْهارُ المَرْأةِ مَحاسِنَها، ﴿ وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ ﴾ فَلا يَضَعْنَ تِلْكَ الثِّيابَ ﴿ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والعَرَبُ تَقُولُ: امْرَأةُ واضِعٌ: إذا كَبِرَتْ فَوَضَعَتِ الخِمارَ، ولا يَكُونُ هَذا إلّا في الهَرِمَةِ.

قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ يُباحُ [لِلْعَجُوزِ] كَشْفُ وجْهِها ويَدَيْها بَيْنَ يَدَيِ الرِّجالِ، وأمّا شَعْرُها، فَيَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ كَشَعْرِ الشّابَّةِ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِن الظَهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ثَلاثَ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكم الآياتِ واللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: ﴿ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ يُرادُ بِهِ الرِجالُ خاصَّةً، وقالَ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: يُرادُ بِهِ النِساءُ خاصَّةً، وسَبِيلُ الرِجالِ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في كُلِّ وقْتٍ، وحَكى الزَهْراوِيُّ عن أبِي عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما ونَحْوَهُ، وقِيلَ: الرِجالُ والنِساءُ كُلُّهم مُرادٌ، ورَجَّحَهُ الطَبَرِيُّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ الناسُ: "الحُلُمْ" بِضَمِّ اللامِ، وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ: "الحُلْمَ" بِسُكُونِ اللامِ، وكانَ أبُو عَمْرٍو يَسْتَحْسِنُها.

وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: تَرَكَها الناسُ، وكَذَلِكَ تَرَكَ الناسُ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللهِ أتْقاكُمْ  ﴾ ، فَأبى الناسُ إلّا أنَّ الأكْرَمَ هو الأنْسَبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذِهِ العِبارَةُ بِتَرْكِ [الناسِ] إغْلاظٌ وزَجْرٌ، إذْ لَمْ تُلْتَزَمْ حَقَّ الِالتِزامِ، وإلّا فَما قالَ اللهُ تَعالى هو المُعْتَقَدُ في ذَلِكَ عِنْدَ العُلَماءِ المَكْتُوبُ في تَوالِيفِهِمْ، أعْنِي أنَّ الكَرَمَ التَقْوى، وأمّا أمْرُ الِاسْتِئْذانِ فَإنَّ تَغْيِيرَ المَبانِي والحُجُبِ أغْنَتْ عن كَثِيرٍ مِنَ الِاسْتِئْذانِ، وصَيَّرَتْهُ عَلى حَدٍّ آخَرَ، وأيْنَ أبْوابُ المَنازِلِ اليَوْمَ مِن مَواضِعِ النَوْمِ؟

وقَدْ ذَكَرَ المَهْدَوِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنَّهُ قالَ: كانَ العَمَلُ بِهَذِهِ الآيَةِ واجِبًا إذْ كانُوا لا غَلْقَ ولا أبْوابَ، ولَوْ عادَتِ الحالُ لِعادَ الوُجُوبُ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: فَهِيَ الآنُ واجِبَةٌ في كَثِيرٍ مِن مَساكِنِ المُسْلِمِينَ في البَوادِي والصَحارى ونَحْوَها.

ومَعْنى الآيَةِ عِنْدَ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ أنَّ اللهَ تَعالى أدَّبَ عِبادَهُ بِأنْ يَكُونَ العَبِيدُ -إذْ لا بالَ لَهُمْ- والأطْفالُ الَّذِينَ لَمَّ يَبْلُغُوا الحُلُمْ إلّا أنَّهم عَقَلُوا مَعانِيَ الكَشَفَةِ ونَحْوَها، يَسْتَأْذِنُونَ عَلى أهْلِيهِمْ في هَذِهِ الأوقاتِ الثَلاثَةِ، وهي الأوقاتُ الَّتِي تَقْتَضِي عادَةُ الناسِ الِانْكِشافَ فِيها ومُلازِمَةَ التَعَرِّي في المَضاجِعِ، وهِيَ: عِنْدَ الصَباحِ لَأنَّ الناسَ في ذَلِكَ الوَقْتِ عُراةٌ في مَضاجِعِهِمْ، وقَدْ يَنْكَشِفُ النائِمْ فَمَن مَشى ودَخَلَ وخَرَجَ فَحُكْمُهُ أنْ يَسْتَأْذِنَ لِئَلّا يَطَّلِعَ عَلى ما يَجِبُ سِتْرُهُ، وكَذَلِكَ في وقْتِ القائِلَةِ -وَهِيَ الظَهِيرَةُ- لَأنَّ النَهارَ يَظْهَرُ فِيها إذا عَلا واشْتَدَّ حَرُّهُ، وبَعْدَ العَشاءِ لَأنَّهُ وقْتَ التَعَرِّي لِلنَّوْمِ والتَبَدُّلِ لِلْفِراشِ، وأمّا غَيْرُ هَذِهِ الأوقاتِ الَّتِي هي عُرْوَةٌ، أيْ ذاتُ انْكِشافٍ، فالعُرْفُ مِنَ الناسِ التَحَفُّظُ والتَحَرُّزُ، فَلا حَرَجَ في دُخُولٍ هَذِهِ الصَنِيفَةِ بِغَيْرِ إذْنٍ؛ إذْ هم طَوّافُونَ يَمْضُونَ ويَجِيئُونَ لا يَجِدُ الناسُ بُدًّا مِن ذَلِكَ.

وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "طَوّافِينَ" بِالياءِ، وقالَ الحَسَنُ: إذا أباتَ الرَجُلُ خادِمَهُ مَعَهُ فَلا اسْتِئْذانَ عَلَيْهِ حَتّى في هَذِهِ الأوقاتِ الثَلاثَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: "طَوّافُونَ" و ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ ﴾ نُصِبَ عَلى الظَرْفِ لَأنَّهم لَمْ يُؤَمَرُوا بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثًا، إنَّما أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثَةَ مَواطِنَ، فالظَرْفَيْنِ في "ثَلاثُ" بَيِّنَةٌ.

قَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ: "ثَلاثُ عَوْراتٍ" بِرَفْعِ "ثَلاثُ"، وكَذا عَلى الِابْتِداءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عن عاصِمْ: "ثَلاثَ عَوْراتٍ" بِنَصْبِ "ثَلاثَ"، وهَذِهِ عَلى البَدَلِ مِنَ الظَرْفِ في قَوْلِهِ: "ثَلاثَ مَرّاتٍ"، وهَذا البَدَلُ إنَّما يَصِحُّ مَعْناهُ بِتَقْدِيرِ: أوقاتٍ ثَلاثَ عَوْراتٍ، فَحُذِفَ المُضافُ وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، و"عَوْراتٍ" جَمْعُ عَوْرَةٍ، وبابُهُ في الصَحِيحِ أنْ يَجِيءَ عَلى "فَعَلاتٍ" بِفَتْحِ العَيْنِ، كَجَفْنَةٍ وجَفَناتٍ ونَحْوَ ذَلِكَ، وسَكَّنُوا العَيْنَ في المُعْتَلِّ كَبَيْضَةٍ وبَيْضاتٍ وجَوْبَةٍ وجَوْباتٍ ونَحْوَهُ، لَأنَّ فَتْحَهُ داعٍ إلى اعْتِلالِهِ فَلَمْ يُفْتَحْ لِذَلِكَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

استئناف انتقالي إلى غرض من أحكام المخالطة والمعاشرة.

وهو عود إلى الغرض الذي ابتدئت به السورة وقُطع عند قوله ﴿ وموعظة للمتقين ﴾ [النور: 34] كما تقدم.

وقد ذكر في هذه الآية شرع الاستئذان لأتباع العائلة ومن هو شديد الاختلاط إذا أراد دخول بيت، فهو من متممات ما ذكر في قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ [النور: 27] وهو بمفهوم الزمان يقتضي تخصيص عموم قوله: ﴿ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ الآيات لأن ذلك عام في الأعيان والأوقات فكان قوله: ﴿ الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ﴾ إلى قوله: ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ﴾ تشريعاً لاستئذانهم في هذه الأوقات وهو يقتضي عدم استئذانهم في غير تلك الأوقات الثلاثة، فصار المفهوم مخصصاً لعموم النهي في قوله: ﴿ لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ .

وأيضاً هذا الأمر مخصص بعموم ﴿ ما ملكت أيمانهن ﴾ [النور: 31] وعموم ﴿ الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ من قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن ﴾ [النور: 31] الخ المتقدم آنفاً.

وقد روي أن أسماء بنت مرثد دخل عليها عبد لها كبير في وقت كرهت دخوله فيه فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إنما خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها.

فنزلت الآية، (يعني أنها اشتكت إباحة ذلك لهم).

ولو صحت هذه الرواية لكانت هذه الآية نسخاً لعموم ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ وعموم ﴿ أو الطفل ﴾ لأنها تقتضي أنه وقع العمل بذلك العموم ثم خصص بهذه الآية.

والتخصيص إذا ورد بعد العمل بعموم العام صار نسخاً.

والأمر في قوله: ﴿ ليستئذنكم ﴾ للوجوب عند الجمهور.

وقال أبو قلابة: هو ندب.

فأما المماليك فلأن في عرف الناس أن لا يتحرجوا من اطلاع المماليك عليهم إذ هم خَول وتَبَع.

وقد تقدم ذلك آنفاً عند قوله تعالى: ﴿ أو ما ملكت أيمانهن ﴾ [النور: 31].

وأما الأطفال فلأنهم لا عناية لهم بتطلع أحوال الناس.

وتقدم آنفاً عند قوله: ﴿ أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ﴾ [النور: 31].

كانت هذه الأوقات أوقاتاً يتجرد فيها أهل البيت من ثيابهم كما آذن به قوله تعالى: ﴿ وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ﴾ فكان من القبيح أن يرى مماليكهم وأطفالهم عوراتهم لأن ذلك منظر يخجل منه المملوك وينطبع في نفس الطفل لأنه لم يعتد رؤيته، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة حتى يكون ذلك كالسجية فيهم إذا كبروا.

ووُجّه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان على معنى: لتأمروا الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم أن يستأذنوا عليكم، لأن على أرباب البيوت تأديب أتباعهم، فلا يشكل توجيه الأمر إلى الذين لم يبلغوا الحلم.

وقوله: ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل الذكور والإناث لمالكيهم الذكور والإناث.

وأما مسألة النظر وتفصيلها في الكبير والصغير والذكر والأنثى فهي من علائق ستر العورة المفصلة في كتب الفقه.

وقد تقدم شيء من ذلك عند قوله تعالى: ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها ﴾ إلى قوله: ﴿ على عورات النساء ﴾ [النور: 31] فلا ينبغي التصدي بإيراد صورها في هذه الآية.

وتعيين الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة لأنها أوقات خلوة الرجال والنساء وأوقات التعري من الثياب، وهي أوقات نوم وكانوا غالباً ينامون مجردين من الثياب اجتزاء بالغطاء، وقد سماها الله تعالى: ﴿ عورات ﴾ .

وما بعد صلاة العشاء هو الليل كله إلى حين الهبوب من النوم قبل الفجر.

وانتصب ﴿ ثلاث مرات ﴾ على أنه مفعول مطلق ل ﴿ يستأذنكم ﴾ لأن مرات في قوة استئذانات.

وقوله: ﴿ من قبل صلاة الفجر ﴾ ظرف مستقر في محل نصب على البدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ بدل مفصل من مجمل.

وحرف (من) مزيد للتأكيد.

وعطف عليه ﴿ وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ﴾ .

والظهيرة: وقت الظهر وهو انتصاف النهار.

وقوله: ﴿ ثلاث عورات ﴾ قرأه الجمهور مرفوعاً على أنه خبر مبتدإ محذوف أي هي ثلاث عورات، أي أوقات ثلاث عورات.

وحذف المسند إليه هنا مما اتبع فيه الاستعمال في كل إخبار عن شيء تقدم الحديث عنه.

و ﴿ لكم ﴾ متعلق ب ﴿ عورات ﴾ .

وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم بالنصب على البدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ .

والعورة في الأصل: الخلل والنقص.

وفيه قيل لمن فقدت عينه أعور وعورت عينه، ومنه عورة الحي وهي الجهة غير الحصينة منه بحيث يمكن الدخول منها كالثغر، قال لبيد: وأجَنَّ عورات الثغور ظلامها *** وقال تعالى: ﴿ يقولون إنّ بيوتنا عورة ﴾ [الأحزاب: 13] ثم أطلقت على ما يكره انكشافه كما هنا وكما سمي ما لا يحب الإنسان كشفه من جسده عورة.

وفي قوله: ﴿ ثلاث عورات لكم ﴾ نص على علة إيجاب الاستئذان فيها.

وقوله: ﴿ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ﴾ تصريح بمفهوم الظروف في قوله: ﴿ من قبل صلاة الفجر ﴾ وما عطف عليه، أي بعد تلك الأوقات المحددة.

فصلاة الفجر حد معلوم، وحالة وضع الثياب من الظهيرة تحديد بالعرف، وما بعد صلاة العشاء من الحصة التي تسع في العرف تصرفَ الناس في التهيؤ إلى النوم.

ولك أن تجعل (بعدَ) بمعنى (دون)، أي في غير تلك الأوقات الثلاثة كقوله تعالى: ﴿ فمن يهديه من بعد الله ﴾ [الجاثية: 23]، وضمير ﴿ بعدهن ﴾ عائد إلى ثلاث عورات، أي بعد تلك الأوقات.

ونفي الجناح عن المخاطبين في قوله: ﴿ ليس عليكم ﴾ بعد أن كان الكلام على استئذان المماليك والذين لم يبلغوا الحلم إيماء إلى لحن خطاب حاصل من قوله: ﴿ ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴾ فإن الأمر باستئذان هؤلاء عليهم يقتضي أمر أهل البيت بالاستئذان على الذين ملكت أيمانهم إذا دعاهم داع إلى الدخول عليهم في تلك الأوقات كما يرشد السامعَ إليه قوله: ﴿ ثلاث عورات لكم ﴾ .

وإنما لم يصرح بأمر المخاطبين بأن يستأذنوا على الذين ملكت أيمانهم لندور دخول السادة على عبيدهم أو على غلمانهم إذ الشأن أنهم إذا دعتهم حاجة إليهم أن ينادوهم فأما إذا دعت الحاجة إلى الدخول عليهم فالحكم فيهم سواء.

وقد أشار إلى العلة قوله تعالى: ﴿ طوافون عليكم بعضكم على بعض ﴾ .

وقوله: ﴿ طوافون عليكم ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هم طوافون، يعود على ﴿ الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ﴾ .

والكلام استئناف بياني، أي إنما رفع الجناح عليهم وعليكم في الدخول بدون استئذان بعد تلك الأوقات الثلاثة لأنهم طوافون عليكم فلو وجب أن يستأذنوا كان ذلك حرجاً عليهم وعليكم.

وفي الكلام اكتفاء.

تقديره: وأنتم طوافون عليهم دل عليه قوله: ﴿ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ﴾ وقوله عقبه: ﴿ بعضكم على بعض ﴾ .

و ﴿ بعضكم على بعض ﴾ جملة مستأنفة أيضاً.

ويجعل ﴿ بعضكم ﴾ مبتدأ، ويتعلق قوله: ﴿ على بعض ﴾ بحبر محذوف تقديره: طواف على بعض.

وحذف الخبر وبقي المتعلق به وهو كون خاص حذف لدلالة ﴿ طوافون ﴾ عليه.

والتقدير: بعضكم طواف على بعض.

ولا يحسن من جعل ﴿ بعضكم على بعض ﴾ بدلاً من الواو في ﴿ طوافون عليكم ﴾ لأنه عائد إلى ﴿ الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم ﴾ فلا يحسن أن يبدل منه بعض المخاطبين وهم ليسوا من الفريقين إلا بتقدير.

وقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ أي مثل ذلك البيان الذي طرق أسماعكم يبين الله لكم الآيات، فبيانه بالغ الغاية في الكمال حتى لو أريد تشبيهه لما شبّه إلا بنفسه.

وقد تقدم عند قوله تعالى: ﴿ وكذلك جعلناكم أمة وسطاً ﴾ في سورة البقرة (143).

والتعريف في ﴿ الآيات ﴾ تعريف الجنس.

والمراد بالآيات القرآن فإن ما يقع فيه إجمال منها يبين بآيات أخرى، فالآيات التي أولها ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ جاءت بياناً لآيات ﴿ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ [النور: 27].

وجملة: ﴿ والله عليم حكيم ﴾ معترضة.

والمعنى: يبين الله لكم الآيات بياناً كاملاً وهو عليم حكيم، فبيانه بالغ غاية الكمال لا محالة.

ووقع قوله: ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ﴾ في موقع التصريح بمفهوم الصفة في قوله: ﴿ والذين لم يبلغوا الحلم ﴾ ليعلم أن الأطفال إذا بلغوا الحلم تغير حكمهم في الاستئذان إلى حكم استئذان الرجال الذي في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ [النور: 27] الآيات، فالمراد بقوله: ﴿ الذين من قبلهم ﴾ فيما ذكر من الآية السابقة أو الذين كانوا يستأذنون من قبلهم وهم كانوا رجالاً قبل أن يبلغ أولئك الأطفال مبلغ الرجال.

وقوله: ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ﴾ القول فيه كالقول في نظيره المتقدم آنفاً، وهو تأكيد له بالتكرير لمزيد الاهتمام والامتنان.

وإنما أضيفت الآيات هنا لضمير الجلالة تفنناً ولتقوية تأكيد معنى كمال التبيين الحاصل من قوله: ﴿ كذلك ﴾ .

وتأكيد معنى الوصفين «العليم الحكيم».

أي هي آيات من لدن مَن هذه صفاته ومَن تلك صفات بيانه.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ ﴾ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ النِّساءُ يَسْتَأْذِنَّ في هَذِهِ الأوْقاتِ خاصَّةً ويَسْتَأْذِنَّ الرِّجالَ في جَمِيعِ الأوْقاتِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ.

الثّانِي: أنَّهُمُ العَبِيدُ والإماءُ.

وَفِي المَعْنى بِالِاسْتِئْذانِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العَبْدُ دُونَ الأمَةِ يَسْتَأْذِنُ عَلى سَيِّدِهِ في هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةِ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، ومُجاهِدٌ.

الثّانِي: أنَّها الإماءُ لِأنَّ العَبْدَ يَجِبُ أنَّ يَسْتَأْذِنَ أبَدًا في هَذِهِ الأوْقاتِ وغَيْرِها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَلى عُمُومِهِ في العَبْدِ والأمَةِ، قالَهُ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ.

﴿ والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ هُمُ الصِّغارُ الأحْرارُ فَمَن كانَ مِنهم غَيْرَ مُمَيِّزٍ لا يَصِفُ ما رَأى فَلَيْسَ مِن أهْلِ الِاسْتِئْذانِ ومَن كانَ مُمَيِّزًا يَصِفُ ما رَأى ويَحْكِي ما شاهَدَ فَهو المَعْنِيُّ بِالِاسْتِئْذانِ.

﴿ ثَلاثَ مَرّاتٍ مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وحِينَ تَضَعُونَ ثِيابَكم مِنَ الظَّهِيرَةِ ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ وهَذِهِ السّاعاتُ الثَّلاثُ هي أوْقاتُ اسْتِئْذانِ مَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ولا يَلْزَمُهُمُ الِاسْتِئْذانُ في غَيْرِها مِنَ الأوْقاتِ، فَذَكَرَ الوَقْتَ الأوَّلَ وهو مِن قَبْلِ صَلاةِ الفَجْرِ وهو مِن بَعْدِ الِاسْتِيقاظِ مِنَ النَّوْمِ إلى صَلاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الثّانِيَ فَقالَ: ﴿ وَحِينَ تَضَعُونَ ﴾ وهو وقْتُ الخَلْوَةِ لِنَوْمَةِ القائِلَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الوَقْتَ الثّالِثَ فَقالَ: ﴿ وَمِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ ﴾ يَعْنِي الآخِرَةَ وقَدْ تُسَمِّيها العامَّةُ العَتَمَةَ وسُمِّيَتِ العِشاءَ لِأنَّ ظَلامَ وقْتِها يُعَشِّي البَصَرَ.

وَإنَّما خَصَّ هَذِهِ الأوْقاتِ الثَّلاثَةَ لِأنَّها أوْقاتُ خَلَواتِ الرَّجُلِ مَعَ أهْلِهِ ولِأنَّهُ رُبَّما بَدا فِيها عِنْدَ خَلْوَتِهِ ما يَكْرَهُ أنْ يَرى مِن جَسَدِهِ، فَقَدْ رُوِيَ «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ في مَنزِلِهِ وقْتَ القائِلَةِ فَأنْفَذَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  بِصَبِيٍّ مِن أوْلادِ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ مُدْلِجٌ فَدَخَلَ عَلى عُمَرَ بِغَيْرِ إذْنٍ وكانَ نائِمًا فاسْتَيْقَظَ عُمَرُ بِسُرْعَةٍ فانْكَشَفَ شَيْءٌ مِن جَسَدِهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ الغُلامُ فَحَزِنَ عُمَرُ فَقالَ: ودِدْتُ لَوْ أنَّ اللَّهَ بِفَضْلِهِ نَهى أبْناءَنا عَنِ الدُّخُولِ عَلَيْنا في هَذِهِ السّاعاتِ إلّا بِإذْنِنا، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى النَّبِيِّ  فَوَجَدَ هَذِهِ الآيَةَ قَدْ أُنْزِلَتْ فَخَرَّ ساجِدًا [شُكْرًا لِلَّهِ] .» ﴿ ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكُمْ ﴾ يَعْنِي: هَذِهِ السّاعاتُ الثَّلاثُ هي أوْقاتُ العَوْراتِ فَصارَتْ مِن عَوْراتِ الزَّمانِ فَجَرَتْ مَجْرى عَوْراتِ الأبْدانِ فَلِذَلِكَ خُصَّتْ بِالإذْنِ.

﴿ لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: يَعْنِي لَيْسَ عَلَيْكم يا أهْلَ البُيُوتِ جُناحٌ في تَبَذُّلِكم في هَذِهِ الأوْقاتِ.

الثّانِي: لَيْسَ عَلَيْكم جَناحٌ في مَنعِهِمْ في هَذِهِ الأوْقاتِ.

وَلا عَلى المَمْلُوكِينَ والصِّغارِ جَناحٌ في تَرْكِ الِاسْتِئْذانِ فِيما سِوى هَذِهِ الأوْقاتِ.

﴿ طَوّافُونَ عَلَيْكم بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ ﴾ يَعْنِي أنَّهم طَوّافُونَ عَلَيْكم لِلْخِدْمَةِ لَكم فَلَمْ يَنَلْهم حَرَجٌ في دُخُولِ مَنازِلِكم، والطَّوّافُونَ الَّذِينَ يُكْثِرُونَ الدُّخُولَ والخُرُوجَ.

ثُمَّ أوْجَبَ عَلى مَن بَلَغَ مِنَ الصِّبْيانِ الِاسْتِئْذانَ إذا احْتَلَمُوا وبَلَغُوا لِأنَّهم صارُوا بِالبُلُوغِ في حُكْمِ الرِّجالِ فَقالَ تَعالى: ﴿ وَإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يَعْنِي الرِّجالَ.

قَوْلُهُ: ﴿ والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ ﴾ والقَواعِدُ جَمْعُ قاعِدَةٍ وهُنَّ اللّاتِي قَعَدْنَ بِالكِبَرِ عَنِ الحَيْضِ والحَمْلِ ولا يَحِضْنَ ولا يَلِدْنَ.

قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَلْ سُمِّينَ بِذَلِكَ لِأنَّهُنَّ بَعْدَ الكِبَرِ يَكْثُرُ مِنهُنَّ القُعُودُ.

وَقالَ زَمْعَةُ: لا تُرادُ، فَتَقْعُدُ عَنِ الِاسْتِمْتاعِ بِها والأوَّلُ أشْبَهُ.

قالَ الشّاعِرُ: فَلَوْ أنَّ ما في بَطْنِهِ بَيْنَ نِسْوَةٍ حَبِلْنَ ولَوْ كانَ القَواعِدُ عُقَّرا وَقَوْلُهُ: ﴿ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا ﴾ أيْ أنَّهُنَّ لِأجْلِ الكِبَرِ لا يُرِدْنَ الرِّجالَ ولا يُرِيدُهُنَّ الرِّجالُ.

﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: جِلْبابُها وهو الرِّداءُ الَّذِي فَوْقَ خِمارِها فَتَضَعُهُ عَنْها إذا سَتَرَها باقِي ثِيابِها قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ جُبَيْرٍ.

الثّانِي: خِمارُها ورِداؤُها، قالَهُ جابِرُ بْنُ زَيْدٍ.

﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ والتَّبَرُّجُ أنْ تُظْهِرَ مِن زِينَتِها ما يَسْتَدْعِي النَّظَرَ إلَيْها فَإنَّهُ في القَواعِدِ وغَيْرِهِنَّ مَحْظُورٌ.

وَإنَّما خَصَّ القَواعِدَ بِوَضْعِ الجِلْبابِ لِانْصِرافِ النُّفُوسِ عَنْهُنَّ ما لَمْ يَبْدُ شَيْءٌ مِن عَوْراتِهِنَّ.

والشّابّاتُ المُشْتَهَياتُ يَمْنَعْنَ مِن وضْعِ الجِلْبابِ أوِ الخِمارِ ويُؤْمَرْنَ بِلُبْسٍ أكْثَفِ الجَلابِيبِ لِئَلّا تَصِفَهُنَّ ثِيابُهُنَّ.

وَقَدْ رَوى مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : «لِلزَّوْجِ ما تَحْتَ الدِّرْعِ، ولِلِابْنِ والأخِ ما فَوْقَ الدِّرْعِ، ولِغَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ أرْبَعَةُ أثْوابٍ: دِرْعٌ وخِمارٌ وجِلْبابٌ وإزارٌ» .

﴿ وَأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ ﴾ يَعْنِي إنْ يَسْتَعْفِفِ القَواعِدُ عَنْ وضْعِ ثِيابِهِنَّ ويَلْزَمْنَ لُبْسَ جَلابِيبِهِنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ مِن وضْعِها وإنْ سَقَطَ الحَرَجُ عَنْهُنَّ فِيهِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل ابن حيان قال: بلغنا أن رجلاً من الأنصار وامرأته أسماء بنت مرشدة صنعا للنبي صلى الله عليه وسلم طعاماً فقالت أسماء: يا رسول الله ما أقبح هذا!

انه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد كل منهما بغير إذن، فأنزل الله في ذلك ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ من العبيد والاماء ﴿ والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴾ قال: من أحراركم من الرجال والنساء.

وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في هذه الآية قال: كان أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة، فأمرهم الله أن يأمروا المملوكين والغلمان أن لا يدخلوا عليهم في تلك الساعات إلا باذن.

وأخرج ابن مردويه عن ثعلبة القرظي عن عبد الله بن سويد قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العورات الثلاث فقال: «إذا أنا وضعت ثيابي بعد الظهيرة، لم يلج عليّ أحد من الخدم من الذين لم يبلغوا الحلم، ولا أحد من الاجراء إلا باذن، وإذا وضعت ثيابي بعد صلاة العشاء، ومن قبل صلاة الصبح» .

وأخرج عبد بن حميد والبخاري في الأدب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي، أنه ركب عبد الله بن سويد أخي بني حارثة بن الحارث يسأله عن العورات الثلاث وكان يعمل بهن فقال: ما تريد؟

قال: أريد أن أعمل بهن فقال: إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم يدخل عليّ أحد من أهلي بلغ الحلم إلا بإذني إلا أن أدعوه فذلك اذنه، ولا إذا طلع الفجر وتحرك الناس حتى تصلي الصلاة، ولا إذا صليت العشاء الآخرة ووضعت ثيابي حتى أنام.

قال: فتلك العورات الثلاث.

وأخرج ابن سعد عن سويد بن النعمان أنه سئل عن العورات الثلاث فقال: إذا وضعت ثيابي من الظهيرة لم يدخل علي أحد من أهلي إلا أن أدعوه فذلك اذنه، واذا طلع الفجر وتحرك الناس حتى يصلي الصبح، وإذا صليت العشاء وضعت ثيابي، فتلك العورات الثلاث.

وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي شيبة وأبو داود وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: آية لم يؤمن بها أكثر الناس.

آية الاذن وإني لآمر جاريتي هذه الجارية قصيرة قائمة على رأسه أن تستأذن علي.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير قال: هذه الآية تهاون الناس بها ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ وما نسخت قط.

وأخرج ابن أبي شيبة عن الشعبي في قوله: ﴿ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ قال: ليست منسوخة.

قيل: فإن الناس لا يعملون بها قال: الله المستعان.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن عباس قال: يمكث الناس في الساعات الذين ملكت أيمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ترك الناس ثلاث آيات فلم يعملوا بهن ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم...

﴾ والآية التي في سورة النساء ﴿ وإذا حضر القسمة ﴾ [ النساء: 8] والآية التي في الحجرات ﴿ إن أكرمكم عند الله أتقاكم ﴾ [ الحجرات: 13] .

وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن ابن عباس في قوله: ﴿ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم...

﴾ قال: إذا خلا الرجل بأهله بعد العشاء فلا يدخل عليه خادم ولا صبي إلا باذنه حتى يصلي الغداة، وإذا خلا بأهله عند الظهر فمثل ذلك، ورخص لهم في الدخول فيما بين ذلك بغير إذن.

وهو قوله: ﴿ ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ﴾ فاما من بلغ الحلم فإنه لا يدخل على الرجل وأهله إلا باذن على كل حال.

وهو قوله: ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ﴾ .

وأخرج أبو داود وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في السنن عن ابن عباس أن رجلين سألاه عن الاستئذان في الثلاث عورات التي أمر الله بها في القرآن فقال ابن عباس: ان الله ستير يحب الستر، وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم، ولا حجال في بيوتهم، فربما فاجأ الرجل خادمه، أو ولده، أو يتيمه في حجره، وهو على أهله.

فأمرهم الله أن يستأذنوا في تلك العورات التي سمى الله، ثم جاء الله بعد بالستور، وبسط الله عليهم في الرزق، فاتخذوا الستور، واتخذوا الحجال، فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم من الاستئذان الذي أمروا به.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب وابن جرير وابن المنذر عن ابن عمر في قوله: ﴿ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ قال هو على الذكور دون الاناث.

وأخرج الفريابي عن ابن عمر في قوله: ﴿ ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم ﴾ قال: هو للاناث دون الذكور أن يدخلوا بغير إذن.

وأخرج ابن مردويه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم...

﴾ قال: نزلت في النساء أن يستأذن علينا.

وأخرج الحاكم وصححه عن علي بن أبي طالب في قوله: ﴿ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ قال: النساء فإن الرجال يستأذنون.

وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذه الآية قال: هي في النساء خاصة.

الرجال يستأذنون على كل حال بالليل والنهار.

وأخرج الفريابي عن موسى بن أبي عائشة قال: سألت الشعبي عن هذه الآية ﴿ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ﴾ أمنسوخة هي؟

قال: لا.

.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴾ قال: أبناؤكم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿ طوافون عليكم ﴾ قال: يعني بالطوّافين: الدخول والخروج غدوة وعشية بغير إذن.

وفي قوله: ﴿ وإذا بلغ الأطفال ﴾ يعني الصغار، ﴿ منكم الحلم ﴾ يعني من الأحرار من ولد الرجل وأقاربه ﴿ فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ﴾ يعني كما استأذن الكبار من ولد الرجل وأقاربه.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل في قوله: ﴿ كما استأذن الذين من قبلهم ﴾ قال: كما استأذن الذين بلغوا الحلم من قبلهم، الذين أمروا بالاستئذان على كل حال.

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال: ليستأذن الرجل على أمه فانما نزلت ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ﴾ في ذلك.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير والبيهقي في السنن عن ابن مسعود أن رجلاً سأله استأذن على أمي؟

فقال: نعم.

ما على كل أحيانها تحب أن تراها.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن جابر قال: ليستأذن الرجل على ولده وأمه- وإن كانت عجوزاً- وأخيه وأخته وأبيه.

وأخرج سعيد بن منصور والبخاري في الأدب وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عطاء أنه سأل ابن عباس استأذن على أختي؟

قال: نعم.

قلت إنها في حجري، وإني أنفق عليها، وانها معي في البيت، استأذن عليها؟

قال: نعم.

إن الله يقول ﴿ ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم...

﴾ فلم يؤمر هؤلاء بالإِذن إلا في هؤلاء العورات الثلاث قال: ﴿ وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم ﴾ فالإِذن واجب على خلق الله أجمعين.

وأخرج ابن جرير عن زيد بن أسلم «أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على أمي؟

قال: نعم.

أتحب أن تراها عريانة» .

وأخرج ابن جرير والبيهقي في السنن عن عطاء بن يسار «أن رجلاً قال: يا رسول الله استأذن على أمي؟

قال: نعم.

قال: إني معها في البيت قال: استأذن عليها قال: إني خادمها أفاستأذن عليها كلما دخلت عليها؟

قال: أفتحب أن تراها عريانة؟

قال: لا.

قال: فاستأذن عليها» .

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب والبيهقي عن حذيفة أنه سئل أيستأذن الرجل على والدته؟

قال: نعم.

إن لم تفعل رأيت منها ما تكره.

وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن سيرين في قوله: ﴿ والذين لم يبلغوا الحلم منكم ﴾ قال: كانوا يعلمونا إذا جاء أحدنا أن نقول السلام عليكم.

أيدخل فلان؟.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم قال الله تعالى ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ﴾ وإنما العتمة عتمة الابل» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء، فإنما هي في كتاب الله العشاء، وإنما يعتم بحلاب الإِبل» .

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ «ثلاث عورات» بالنصب.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ﴾ الآية.

قال الكلبي: بعث رسول الله -  - غلامًا من الأنصار يقال له: مُدلج (١)  - ظهيرة ليدعوه، فوجده نائمًا قد أغلق عليه الباب، فدفع الغلام الباب، وناداه ودخل، فاستيقظ عمر وجلس؛ فانكشف منه شيء، فرآه الغلام، وعرف عمر أنَّ الغلام رأى ذلك منه، فقال عمر: وَدِدْتُ -والله- أنَّ الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا علينا هذه الساعات (٢)  - فوجده وقد نزل عليه الوحي بهذه الآية (٣) (٤) وقال المقاتلان: نزلت في أسماء بنت مرشدة (٥)  -: إنه ليدخل على المرأة وزوجها وهما في ثوب واحد غُلامُهما بغير إذن؛ فأنزل الله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني العبيد والإماء والولائد والخدم (٦) قال ابن عباس: يريد من النساء والرجال (٧) وقال عطاء: ذلك على كل صغير وكبير أن يستأذن (٨) [وقال أبو عبد الرحمن السُّلمي -في (٩) (١٠) (١١) قال أبو عبيد: يعني أنَّ الإماء ينبغي لهن أن يستأذنَّ] (١٢) (١٣) (١٤) وروى ليث، عن نافع، عن ابن عمر: ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ قال: هي للرجال دون النساء (١٥) قوله: ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ﴾ قال مقاتل بن حيّان: من أحراركم من الرجال والنساء (١٦) وقوله ﴿ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ﴾ يعني ثلاثة أوقات، لأنَّه فسرهن بالأوقات وهو قوله ﴿ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ ﴾ .

قال ابن عباس: ثلاث مرات.

ثم أخبر بأوقاتها فقال: ﴿ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ ﴾ يريد المقيل ﴿ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ﴾ يريد العتمة (١٧) (١٨) وقال صاحب النظم: قوله: ﴿ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ﴾ هاهنا بمعنى: ثلاثة (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) ﴿ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ﴾ ثم سمّى هذه الأوقات عورات؛ لأن الإنسان يضع فيها (٢٣) وإنَّما قيل ثلاث مرات للأوقات؛ لأنَّه أراد مرة في كل وقت من الأوقات التي ذكرها.

قال مجاهد: يجزيهم أن يستأذنوا مرّة في هذه الأوقات (٢٤) (٢٥) وقال أبو إسحاق وأبو علي: أمر الله بالاستئذان في الأوقات التي يتخلَّى (٢٦) (٢٧) ﴿ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ ﴾ ، فأعلم أنها عورات، والمعنى: هي ثلاث عورات [أو هذه ثلاث عورات] (٢٨) (٢٩) فإن قيل: قوله: (ثلاث مرات) زمان، بدلالة أنَّه فسر بزمان -على ما بيَّنا- وليس العورات بزمان، فكيف يصح البدل منه؟

وليس هي هي.

قيل: يكون ذلك على أن يُضمر (٣٠) (٣١) (٣٢) والاختيار في العورات إسكان الواو، وحكم ما كان على فَعْلَه: من الأسماء أن تُحرك العين منه في فعلات نحو: صحفة (٣٣) (٣٤) (٣٥) وقال السدي -في هذه الآية-: كان أناس من أصحاب النبي -  - يعجبهم أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات ليغتسلوا ثم يخرجوا (٣٦) (٣٧) وقال مقاتل بن حيان: هذا من المفروض يحق على الرجل أن يأمر بذلك من كان عنده من حر أو عبد أن لا يدخلوا تلك الساعات الثلاث إلا بإذن (٣٨) قال أبو عبيدة (٣٩) (٤٠) قال عطاء: سمعت ابن عباس يقول: ثلاث آيات من كتاب الله تركهن الناس لا أرى أحدًا يعمل بهن.

قال عطاء: حفظت آيتين ونسيت واحدة، قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ الآية، وقال الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾ إلى قوله ﴿ أَتْقَاكُمْ  ﴾ ثم (٤١) (٤٢) وقال موسى بن أبي عائشة (٤٣) (٤٤) (٤٥) وادعى قوم النسخ في هذه الآية، واحتجوا بما روي عن عكرمة عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل العراق سألوه عن هذه الآية، فقال: إن الله رفيق رحيم بالمؤمنين يحب الستر عليهم، وكان الناس ليست لهم ستور ولا حجاب (٤٦) (٤٧) (٤٨) (٤٩) (٥٠) قال أبو عبيد: وليس وجه هذا أن يكون على الرخصة من أجل أن ابن عباس لم يخبر أنَّه نسخها قرآن، ولا أن السنّة جاءت برخصة فيها.

إنما قال: لم أر أحدًا يعمل ذلك، وقد حكى عنه عطاء هذا اللفظ (٥١)  -، ولا عن أحد من أصحابه ولا التابعين بعدهم بالتَّسهل في ذلك، إلا شيئًا يروى عن الحسن أنه كان يقول: والخادمة التي تبيت مع أهل الرجل لا بأس أن تدخل بغير إذن (٥٢) وقوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي ليس عليكم جناح ولا عليهم في أن لا يستأذنوا بعد أن يمضي كل وقت من هذه الأوقات (٥٣) قال مقاتل: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ معشر المؤمنين ﴿ وَلَا عَلَيْهِمْ ﴾ يعني الخدم والغلمان ﴿ جُنَاحٌ ﴾ حرج ﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ يعني بعد العورات (٥٤) وقال صاحب النظم: دلّ بقوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ ﴾ على أن ما عزمه على المماليك من الاستئذان في هذه الأوقات معزوم أيضًا على الموالي؛ لأنه لا يذكر رفع الجناح في شيء إلا عمَّن يلزمه جناحه، ثم أوضح ذلك بقوله: ﴿ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ أي: أنكم كما يطوفون (٥٥) ويجوز أن يعود رفع الجناح في قوله ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ ﴾ إلى أنه لا جناح على الموالي إذا لم يأمروا المماليك (٥٦) وقوله ﴿ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يريد أنهم خدمكم، ولا بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثلاثة بغير إذن.

قال مقاتل: يتقلبون فيكم ليلًا ونهارًا (٥٧) وقال الفراء والزجاج: ﴿ طَوَّافُونَ ﴾ استئناف، كقولك في الكلام: إنَّما هم خدمكم (٥٨) (٥٩) قال ابن قتيبة: يريد أنهم خدمكم] (٦٠) ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ  ﴾ أي: يطوف عليهم ولدان (٦١)  - في الهرة: "إنَّما هي من الطوافين عليكم والطوافات" (٦٢) (٦٣) وقال صاحب النظم: يقال إن معنى الطواف هاهنا الخدمة ومنه قوله -عز وجل- ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ  ﴾ (٦٤) (٦٥) وقوله: ﴿ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ قال الزجاج: على معنى: يطوف بعضكم على بعض (٦٦) وقال أبو الهيثم: الطائف: هو الخادم الذي يخدمك برفق وعناية وجمعه الطوَّافون (٦٧) ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ ﴾ قال المفسرون: يعني من الأحرار (٦٨) ﴿ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا ﴾ أي في جميع الأوقات في الدخول عليكم، فالبالغ يستأذن في كل الأوقات، والطفل والمملوك يستأذنان في الثلاث عورات.

قال سعيد بن المسيب: ليستأذن الرجل على أمه فإنما نزلت ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ ﴾ في ذلك (٦٩) وقال مقاتل بن حيان: الأحرار إذا بلغوا الحلم فليستأذنوا على كل حال وفي كل حين، كما استأذن الذين بلغوا الحلم من قبلهم الذين أمروا بالاستئذان على كل حال (٧٠) فالمراد بقوله ﴿ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ الأحرار الكبار من الرجال في قول جميع المفسرين (٧١) (٧٢) (١) انظر: "الإصابة" 3/ 374 فقد اقتصر على تسميته بمدلج الأنصاري ثم ذكر خبره مع عمر -  -.

ووقع عند الثعلبي في "تفسيره" 3/ 89 أ، والبغوي في "تفسيره" 6/ 60 مدلج بن عمرو.

(٢) في (ظ)، (ع): (الساعة).

(٣) في (أ)، (ع): (قد نزل عليه هذه الآية).

(٤) رواه ابن منده في "معرفة الصحابة" كما في "الإصابة في تمييز الصحابة" لابن == حجر 3/ 375 من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس.

وإسناده باطل.

وقد ذكره الثعلبي 3/ 89، والواحدي في "أسباب النزول" ص 273، والبغوي 6/ 60 كلهم عن ابن عباس من غير سند.

(٥) في (أ): (مرشد).

(٦) رواه ابن أبي حاتم 7/ 63 ب عن مقاتل بن حيان.

وذكره عنه ابن كثير 3/ 303.

والسيوطي في "الدر المنثور" 6/ 217 وعزاه لابن أبي حاتم.

وقول مقاتل بن سليمان في "تفسيره" 2/ 41 أ.

وذكره الثعلبي 3/ 89 أعن مقاتل بن سليمان.

(٧) ذكره عنه الرازي 24/ 29.

(٨) رواه الطبري 18/ 162.

(٩) (في): ساقطة من (أ).

(١٠) (هي): ساقطة من (ع).

(١١) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 219، والطبري 18/ 161، وابن أبي حاتم 7/ 63 ب.

ورواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 4/ 400 مختصرًا.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 219 ونسبه للفريابي وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.

(١٢) ساقط من (ظ).

(١٣) في (أ)، (ع): (المسميات)، والمثبت من (ظ) و"الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد.

(١٤) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 219.

(١٥) رواه البخاري في (الأدب المفرد) ص 310، والطبري 18/ 161 من طريق ليث، عن نافع، عن ابن عمر، به.

وليث هو ابن أبي سليم مجمع على ضعفه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 219، وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر.

واختار الطبري 18/ 161 العموم للرجال والنساء، لأن الله عمَّم ولم يخصص منهم ذكرًا ولا أنثى، فذلك على جميع من عمَّه ظاهر التنزيل.

(١٦) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 64 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 217 ونسبه لابن أبي حاتم.

(١٧) في (أ)، (ع): (بالعتمة).

والعتمة: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق.

"لسان العرب" 12/ 381 (عتم).

(١٨) ذكره ابن الجوزي 6/ 61 ولم ينسبه لأحد.

(١٩) في (أ): (ثلاث).

(٢٠) في (أ): (وأن يكون الاستئذان ثلاث دفعات، فإذا جاوزها ارتفع الأمر، وأن يكون الاستئذان ثلاث دفعات"، وهو تكرار.

(٢١) (بعد): ساقطة من (ظ).

(٢٢) ساقط من (ع).

(٢٣) (فيها): ساقطة من (ع).

(٢٤) في (ع): (الساعات).

(٢٥) رواه ابن أبي حاتم 7/ 64 ب.

(٢٦) في (أ): (ينحلل).

(٢٧) في (أ): (ويكشفون)، وفي (ظ)، (ع): (وينكشفون)، والمثبت من "معاني القرآن" للزجاج، و"الوسيط" للواحدي.

(٢٨) ساقط من (أ).

(٢٩) قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: "ثلاث عورات" بنصب (ثلاث)، وقرأ الباقون بالرفع.

"السبعة" ص 458، "التبصرة" ص 274، "التيسير" ص 163.

(٣٠) في (ظ): (ضمير).

(٣١) في (أ): (الوجه).

(٣٢) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 52، و"الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 333.

(٣٣) وقع في المطبوع من "الحجة": صحيفة.

وهو خطأ.

والصَّحفة: شبه قصعة مُسْلَنطحة عريضة، وهي تشبع الخمسة ونحوهم.

"لسان العرب" 9/ 187 (صحف).

(٣٤) الجَفْنة: هي أعظم ما يكون من القصاع.

"لسان العرب" 13/ 89 (جفن).

(٣٥) "الحجة" لأبي علي 5/ 333 - 334.

(٣٦) في (ظ)، (ع): (يخرجون).

(٣٧) رواه ابن أبي حاتم 7/ 63 ب، 64 أ.

وذكره ابن كثير 3/ 303.

والسيوطي في "الدر المنثور" 6/ 217 ونسبه لابن أبي حاتم.

ورواية السدي هذه مع الروايتين المتقدمتين اللتين ساقهما الواحدي في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ ﴾ -وهما رواية الكلبي والمقاتلين- غير معتمدة في نزول هذه الآية لعدم ثبوتها من طريق صحيح، والله أعلم.

(٣٨) رواه ابن أبي حاتم 7/ 64 ب، 65 أ.

(٣٩) في (ظ): (أبو عبيدة)، وهو خطأ.

(٤٠) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 219.

(٤١) (ثم): ساقطة من (أ).

(٤٢) هذا لفظ رواية أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 220.

ورواه بنحوه عبد الرزاق في "مصنفه" 10/ 179، و"الطبري" 18/ 162، وابن أبي حاتم 7/ 63 أ.

(٤٣) هو: موسى بن أبي عائشة، الهمداني مولاهم، الكوفي.

أحد العلماء العابدين الثقات.

روى عن سعيد بن جبير والشعبي وغيرهما، وعنه شعبة والسفيانان، وغيرهم.

"سير أعلام النبلاء" 6/ 150، "تهذيب التهذيب" 10/ 352، "تقريب التهذيب" 2/ 285.

(٤٤) في (أ): (تركوها).

(٤٥) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 220، وابن أبي شيبة في "مصنفه" == 4/ 400، والطبري 18/ 162 - 163 وابن أبيِ حاتم 7/ 63 أ، ب عن موسى بن أبي عائشة، به.

(٤٦) عند أبي عبيد: حجال.

(٤٧) في (ع): (الوالد).

(٤٨) في (ظ): (ولم).

(٤٩) في (ظ): (ذلك).

(٥٠) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 221، وأبو داود في "سننه" كتاب: الأدب، باب: في الاستئذان في العورات الثلاث 14/ 96 - 97 وعندهما زيادة ذكر السؤال.

ورواه أيضًا ابن أبي حاتم 7/ 63 أ، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 97 وأوله: أن رجلين سألاه -يعني ابن عباس- عن الاستئذان، فذكره بنحوه.

وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 303: وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 219 بمثل لفظ ابن أبي حاتم والبيهقي وعزاه أيضًا لابن المنذر وابن مردويه.

وقال أبو داود -بعد روايته عن ابن عباس-: وحديث عبد الله وعطاء يُفسد -وفي بعض النسخ: يُفسر- هذا الحديث.

وقال البيهقي: وحديث عبد الله بن أبي يزيد وعطاء يضعف هذه الرواية.

وحديث عبد الله المشار إليه رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الأدب -باب: الاستئذان في العورات الثلاث 14/ 95، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 97 == عن عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس يقول: لم يؤمن -وفي بعض نسخ أبي داود: "لم يؤمر- بها أكثر الناس آية الإذن، وإنّي لآمر جاريتي هذه تستأذن علي".

وحديث عطاء ذكره الواحدي قبل ذلك.

(٥١) في (ع): (القول).

(٥٢) "الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد ص 222.

مع اختلاف يسير واختصار.

وأثر الحسن رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 222 من طريق هشيم، عن يونس، عن الحسن.

ورواه من وجه آخر عن يونس، عن الحسن مفصلا: الطبري 18/ 162، وابن أبي حاتم 7/ 63 ب ولفظه: إذا أبات الرجل خادمه معه فهو إذنه، وإن لم يبته معه استأذن في تلك الساعات.

(٥٣) هذا كلام الزجاج في "معاني القرآن" 4/ 52.

(٥٤) "تفسير مقاتل" 2/ 41 أ.

(٥٥) في (أ): (تطوفون).

(٥٦) في (ظ): (لم يأمروا الموالي المماليك).

(٥٧) "تفسير مقاتل" 2/ 41 أ.

(٥٨) في (ع): (خدمكم ولا بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات الثلاثة)، وهو انتقال نظر من الناسخ إلى ما قبله.

(٥٩) هذا قول الفراء في "معانيه" 2/ 260، وأما الزجاج فذكر هذا في "معانيه" 4/ 53 بمعناه فقال: على معنى: هم طوافون عليكم.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 147، "البيان" للأنبارى 2/ 199، "الدر المصون" 8/ 141.

(٦٠) في "حاشية" (ع).

(٦١) (ولدان): ساقطة من (أ).

(٦٢) رواه أبو داود في "سننه" كتاب: الطهارة- باب: سؤر الهرة 1/ 307 - 308، والنسائي في "سننه" كتاب: الطهارة- سؤر الهرة 1/ 55، وابن ماجه في "سننه" أبواب: الطهارة- باب: الوضوء بسؤر الهرة 1/ 72 كلهم من حديث أبي قتادة -  - مرفوعًا.

قال ابن حجر في "التلخيص الحبير" 1/ 54: وصححه البخاري والترمذي والعقيلي والدارقطني.

وقال في "بلوغ المرام" ص 12: أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة.

(٦٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 307.

(٦٤) (مخلدون): ليست في (ظ)، (ع).

(٦٥) السنانير: جمع سنَّور، وهو: الهرّ.

"لسان العرب" 4/ 381 (سنر).

(٦٦) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 53.

(٦٧) قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 34 (طوف).

(٦٨) الطبري 18/ 164، الثعلبي 3/ 89 ب.

(٦٩) رواه الطبري 18/ 165، وابن أبي حاتم 7/ 66 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 220 ونسبه لابن أبي حاتم.

(٧٠) رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 66 أ.

(٧١) انظر: "الطبري" 18/ 164، الثعلبي 3/ 89 ب، ابن كثير 3/ 303.

(٧٢) ذكره البغوي 6/ 62، وصدّره بقوله: وقيل.

وهو قول ضعيف بعيد.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الذين مَلَكَتْ أيمانكم ﴾ قيل المراد بالذين ملكت أيمانكم: الرجال خاصة، وقيل النساء خاصة، لأن الرجال يستأذنون في كل وقت وقيل الرجال والنساء ﴿ والذين لَمْ يَبْلُغُواْ الحلم ﴾ يعني الأطفال غير البالغين ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ﴾ نصب على الظرفية لأنهم أمروا بالاستئذان في ثلاثة مواطن، فمعى الآية أن الله أمر المماليك والأطفال بالاستئذانفي ثلاثة أوقات، وهي قبل الصبح وحين القائلة وسط النهار، وبعد صلاة العشاء الأخيرة، لأن هذه الأوقات يكون الناس فيها متجردين للنوم في غالب أمرهم، وهذه آية محكمة؛ وقال ابن عباس: ترك الناس العمل بها، وحملها بعضهم على الندب ﴿ تَضَعُونَ ثيابكم ﴾ يعني تتجّردون ﴿ الظهيرة ﴾ وسط النهار ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ جمع عورة من الانكشاف كقوله: ﴿ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ ﴾ [الأحزاب: 13] ومن رفع ثلاث فهو خبر ابتداء مضمر تقديره: هذه الأوقات ثلاث عورات لكم: أي تنكشفون فيها، ومن نصبه فهو بدل من ثلاث مرات ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ هذا الضمير المؤنث يعود على الأوقات المتقدّمة أي ليس عليكم ولا على المماليك والأطفال جناح في ترك الاستئذان في غير المواطن الثلاثة ﴿ طوافون عَلَيْكُمْ ﴾ تقديره المماليك والأطفال طوافون عليكم، فلذلك يؤمر بالاستئذان في كل وقت ﴿ بَعْضُكُمْ على بَعْضٍ ﴾ بدل من طوافون: أي بعضكم يطوف على بعض وقال الزمخشري: هو مبتدأ أي بعضكم يطوف على بعض أو فاعل بفعل مضمر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.

وأبو عمرو طريق الهاشمي.

بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.

الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.

﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.

الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.

وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.

قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.

قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.

ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.

عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله  للعمل بها.

ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.

قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.

وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.

ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.

ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.

وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.

وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.

﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله  فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.

وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله  والإخلاص له.

﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.

قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.

واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي  ؟

والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟

وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله  "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.

من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.

وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.

وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.

ثم إنه هل يشكل الإماء؟

فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.

عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.

ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.

ومنهم من قال للوجوب.

ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.

قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.

إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.

وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.

قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.

وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.

وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.

يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله  وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.

ثم انطلق معه إلى النبي  فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.

ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.

ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟

اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي  يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.

وعن بعض السلف ويروى عن علي  أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.

وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين  ويبين الله لكم الآيات  ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.

وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد  بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.

﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.

ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله  بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.

وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".

والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.

واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.

وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.

وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.

ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.

ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.

والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.

وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.

فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.

وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.

ثم إنه  عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟

والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.

وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.

وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.

وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.

الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.

وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.

وعن جعفر الصادق بن محمد  : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.

قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.

احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه  أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.

فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.

واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.

فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.

وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.

وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله  ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.

وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.

والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.

ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.

وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.

وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.

ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.

ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.

"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي  أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .

قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله  ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.

والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله  بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.

فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.

قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.

وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول  ويشعب عليه رأيه.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.

وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.

قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.

ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.

وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه  فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.

وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم  ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله  في الاستئذان.

ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.

هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.

وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.

والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.

وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.

وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.

قال مقاتل: هذا في الخطبة.

وقال مجاهد: في صف القتال.

وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.

وعن جعفر بن محمد  : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.

وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.

واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.

ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.

ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.

تأكيد الوجوب الحذر.

قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.

وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.

والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر  ﴾ .

التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.

﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي  وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.

﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.

فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.

قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.

﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ قال بعضهم: ذكر أن رجلا وامرأته تسمى أسماء بنت مرثد اتخذا طعاماً للنبي، فجعل الناس يدخلون بغير إذن، فقالت أسماء: ما أقبح هذا يا رسول الله أن يدخل على الرجل وامرأته بغير إذن وهما في ثوب واحد غلامها المملوك، فأنزل الله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ .

وقال بعضهم: نزل هذا في شأن عمر بن الخطاب، وهو ما قال: "وافقت ربّي في ثلاث"؛ ذكر أن رسول الله  بعث غلاماً من الأنصار يقال له: مدلج إلى عمر بن الخطاب ظهيرة ليدعوه، فانطلق إليه ليدعوه، فوجده قائلا قد أغلق عليه الباب، فسأل الغلام عنه، فأخبر أنه في هذا البيت، قال: فدفع الغلام الباب على عمر وسلم، فلم يستيقظ عمر، فرجع الغلام ورد الباب، فقام من خلفه وحركه، فلم يستيقظ، فقال الغلام: اللهم أيقظه لي، قال: ودفع الباب، ثم ناداه ودخل فاستيقظ عمر فجلس، فانكشف منه شيء، فرآه الغلام وعرف عمر أن الغلام قد رأى ذلك منه، فقال عمر: وددت - والله - أن الله نهى أبناءنا ونساءنا وخدمنا أن يدخلوا هذه الساعات علينا إلا بإذنه، ثم انطلق معه إلى رسول الله  فوجده قد نزل عليه هذه الآية وأمر بالاستئذان على دخولهم في هذه الساعات.

لكن لا حاجة لنا إلى أن نتعرف أنها نزلت في شأن فلان أو فلان، أو في أمر فلان وسببه، سوى أن نتعرف المودع فيها وما ذكر من أنواع الآداب والأحكام.

ثم خاطب بالاستئذان المستأذن عليه لا المستأذن والسادات والآباء ومن يعول الصغار حيث قال: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وذلك الخطاب - والله أعلم - يخرج مخرج الأمر للآباء والسادات بتعليم صبيانهم أمور الدين والقيام بما يحتاجون إليه، والتأديب على ذلك إن أبت أنفسهم، وكذلك ما روي عن رسول الله  حيث قال: "مروا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا سبعاً، واضربوهم عليها إذا بلغوا عشراً، وفرقوا بينهم في المضاجع" خاطب به الآباء والأولياء أن يأمروهم بأمور الدين أمر عادة، والتعليم لهم والتأديب إن امتنعوا عن ذلك، ولم يخاطبهم في أنفسهم لجهلهم وقلة معرفتهم بأمرهم، وإذا بلغوا وعرفوا النهي والأمر، فعند ذلك خاطبهم بأنفسهم بالاستئذان؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ خاطبهم إذا بلغوا، وأمرهم بالاستئذان في أنفسهم، وما داموا صغاراً خاطب به الآباء والأولياء لما لا يجري عليهم القلم، وليس الخطاب والأمر والنهي إلا لجرية القلم عليهم، وترك الأمر والخطاب لرفع القلم عنهم.

وأمّا أمر الآباء لهم بذلك فيخرج مخرج الشفقة لهم عليهم والقيام لبعض مصالحهم، وذلك جائز.

ثم اختلف فيما ملكت أيماننا: قال جماعة: هن النساء دون الرجال، وأما الرجال فإنهم يستأذنون في جميع الأوقات.

وقال بعضهم: هم النساء والرجال جميعاً، والنهي عن الدخول في هذه الأوقات الثلاث؛ إذ هي أوقات غرة وساعات غفلة للذكور والإناث جميعاً.

ومنهم من يقول: هم الكبار فإنهم دون الصغار.

والأشبه أن يكون في الصغار منهم؛ لأن الكبار منهم والأحرار سواء في حظر النظر إلى العورة وإباحته؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ وهم الأحرار والصغار؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ الصغار منهم؛ أمر السادات بتعليمهم ما ذكرنا من الأمور، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ مِنكُمْ ﴾ هذا يحتمل وجهين: يحتمل قوله: ﴿ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ ﴾ أي: لم يحتلموا، ويحتمل الذين لم يبلغوا الحلم أو لم يبلغوا مبلغ الحلم بعد ما جعلهم في مراتب ثلاث؛ أعني: الصغار في حال لا يؤمرون ولا ينهون، وهي الحال التي لا يميزون بين العورة وبين غير العورة، وهو ما قال: ﴿ أَوِ ٱلطِّفْلِ ٱلَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُواْ عَلَىٰ عَوْرَاتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾ أي: لا يعرفون العورة من غير العورة، وحال يعرفون ذلك إلا أنه لا يقع لهم الحاجة إليها فيؤمرون بالستر عنهم، وحال يقع الحاجة إليها وقضاء الوطر، فيؤمرون بالحجاب والتفريق في المضاجع، والله أعلم.

وقوله: ﴿ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ مِّن قَبْلِ صَـلَٰوةِ ٱلْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَـٰبَكُمْ مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَٰوةِ ٱلْعِشَآءِ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ وجهين: أحدهما: ثلاث أوقات عورات لكم وساعاتها.

ويحتمل: ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ ﴾ أي: ثلاث حالات تظهر فيها العورة؛ كقوله: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ  ﴾ أي: ليس مما يمنع السرق عن السرقة فيها.

وفيه أن العمل بالاجتهاد في الأغلب والأكبر من الرأي والأمر ليس على الحقيقة جائز؛ لأنه قد سمّى بثلاث عورات من الأمر، ونهى عن الدخول بلا استئذان، وإن كان يجوز أن تكون العورة مستورة، والمباح في غيرها من الأوقات الدخول بلا استئذان، ويجوز أن يكون هناك كشف العورة؛ حيث قال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلاَ عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي: بعد ثلاث ساعات ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾ لكنه أباح وحظر بالأغلب والأكبر، لا على الحقيقة، وهكذا العمل بالاجتهاد، والله أعلم.

وقوله: ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي: يخدمونكم بعد هذه الثلاث ساعات يدخلون عليكم بغير إذن بعضكم على بعض بالخدمة؛ فلا إذن عليهم؛ لما ذكرنا أن الأغلب أن تكون العورات مستورة في غير هذه الثلاث ساعات، وفي الثلاث لا.

قال القتبي: ﴿ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ : العبيد والإماء ﴿ ثَلاَثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ ﴾ يريد هذه الأوقات؛ لأنها أوقات التجرد وظهور العورة.

أما قبل صلاة الفجر فللخروج من ثياب النوم ولبس ثياب النهار.

وأما عند الظهيرة فلوضع الثياب للقيلولة.

وأما بعد صلاة العشاء فلوضع الثياب للنوم.

﴿ بَعْدَهُنَّ ﴾ أي: بعد هذه الأوقات.

ثم قال: ﴿ طَوَٰفُونَ عَلَيْكُمْ ﴾ يريد: أنهم خدمكم؛ فلا بأس بأن يدخلوا؛ قال الله -  -: ﴿ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ  ﴾ أي: يطوف عليهم في الخدمة.

وقال أبو عوسجة: الظهيرة: نصف النهار، وظهائر: جمع، وأظهرت، أي: دخلت في الظهيرة.

وقوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ فقد ذكرنا أنه خاطب به الأولياء في تعليم الآداب وأمور الدين الصغار، ولم يخاطبهم هو؛ حيث قال: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ وَٱلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُواْ ٱلْحُلُمَ ﴾ وإذا بلغوا خاطبهم بأنفسهم؛ حيث قال: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ ﴾ ، ثم يحتمل قوله: ﴿ وَإِذَا بَلَغَ ٱلأَطْفَالُ مِنكُمُ ٱلْحُلُمَ ﴾ وجهين: يحتمل: إذا احتلموا.

ويحتمل: إذا بلغوا وقت الحلم؛ فالأوّل على حقيقة الاحتلام، والثاني على قرب بلوغ الاحتلام؛ فكأن الأوّل أشبه؛ لأنه خاطبهم في أنفسهم، وأمرهم بالاستئذان، فلو لم يكونوا بالغين لم يخاطبهم، ولكن خاطب به الأولياء، كما خاطبهم في الآية الأولى.

وفيه دلالة أن الحدّ في بلوغ الصغير الاحتلام، وعلى ذلك اتفاق القول منهم؛ ألا ترى أنه قال: ﴿ فَلْيَسْتَأْذِنُواْ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يقول: والله أعلم -: ما أمر به قبل هذه الآية البالغين ألا يدخلوا بيتاً حتى يستأذنوا على أهله.

أو أن يكون قوله: ﴿ كَمَا ٱسْتَأْذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ﴾ يعني: الكبار، أي: يكون الاستئذان في الكبار معروفاً ظاهراً، وفي الصغار لا، فأمر إذا بلغوا أن يستأذنوا كما يستأذن الكبار منهم.

وروي عن النبي  ما يوافق ظاهر الآية، وهو رفع القلم عن ثلاث: أحدهم: الصبي حتى يحتلم، وأما إذا بلغ خمس عشرة سنة فمما اختلف أصحابنا فيه: رآه أبو يوسف ومحمد بالغاً؛ لحديث ابن عمر أن النبي  أجازه في القتال وهو ابن خمس عشرة سنة، ولم يجز له وهو ابن أربع عشرة سنة، لكن ليس فيه أنه أجازه لبلوغه، ولم يجزه لأنه لم يبلغ؛ جائز إجازته في العام الثاني لقوته وطاقته على القتال، ولم يجزه في العام الأول لضعفه ووهنه وعجزه عن القتال.

واحتج بعض مشايخنا - رحمهم الله - لقول أبي حنيفة في تحديده بثماني عشرة سنة لبلوغ الغلام إذا لم يحتلم، قال: لأن الوسط من احتلام الغلمان أن يبلغوا خمس عشرة سنة، وربما احتلموا قبل ذلك، وربما تأخر احتلامهم عنه، ووجد المعروف فيمن نقصت سنه عن اثنتي عشرة ألا يحتلم، فإذا بلغها فربما احتلم، فجعل حدّ الزيادة على الخمس عشرة سنة التي هي وسط بين المختلفين - ثلاث سنين، كما كان مقدار النقصان عنها ثلاث سنين، وهذا القول من قوله استحسان، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ قوله: ﴿ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ ﴾ أعلامه؛ أي: يبين لكم الأعلام التي تحتاجون إليها وتعرفون ما يسع لكم مما لا يسع وما يؤتى مما يتقى.

وقال بعضهم: آياته - هاهنا -: أمره ونهيه، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱلْقَوَاعِدُ مِنَ ٱلنِّسَآءِ ٱلَّلاَتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ قال أهل التأويل: قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ لا يريدون نكاحاً، لكن الأشبه أن يكون قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ أي: لا يطمعن أن يرغب فيهن الرجال لكبرهن، وإلا كن يردن النكاح، وإن كبرن وعجزن.

وقوله: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ قال بعضهم: ثيابهن: الرداء، وكذلك روي في حرف ابن مسعود أنه قرأ: (أن يضعن من ثيابهن) وهو الرداء.

وقال بعضهم: هو الجلباب؛ يقال: الجلباب: هو القناع الذي يكون فوق الخمار؛ فلا بأس أن تضع ذلك عند أجنبي وغيره بعد أن يكون عليها خمار صفيق ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ يقول - والله أعلم -: من غير أن تكون وضعت الرداء أو الجلباب تريد بذلك إظهار الزينة والتبرج.

وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ أي: وألا يضعن ما ذكرنا من الثياب خير لهن من أن يضعن.

وقال بعضهم: الخمار.

لكنه لا يحتمل؛ لأنه معلوم أن المرأة وإن كبرت وعجزت لا تكشف عورتها لأحد.

ثم الزينة ربما تكشف للمحارم، ولا تكشف للغريب، وهو الرأس والصدر ونحوه، فإذا بلغت في السن مبلغاً لا تطمع أن يرغب في نكاحها لا تتزين، ومع ما لا تفعل لا يحل للأجنبي أن ينظر إلى شعرها، ولا إلى صدرها، ولا إلى ساقها، وإنها وإن صلت ورأسها مكشوف فصلاتها فاسدة، وإذا كان كذلك فليس يجوز أن يجعل تأويل وضع الثياب الخمار؛ لما ذكرنا، ولكن الرداء والجلباب الذي يلبس إذا خرجن من منازلهن.

فإن قيل: إنما أطلق لها بهذه الآية أن تضع خمارها عن رأسها؛ إذا لم يرها أحد.

قيل: الشابة - أيضاً - يجوز لها أن تضع الخمار عن رأسها إذا خلت في البيت؛ فلذلك يدل على أن العجوز أُذن لها أن تضع ثوبها وهو الجلباب أو الملاءة التي كانت تغطي بها وجهها إذا خرجت، وإذا كان المطلق لها هذا فالواجب على الشابة ألا تظهر وجهها إذا كانت تُشتهى ولا يهديها، فإذا كان كذلك كان قوله: ﴿ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا  ﴾ وهو الزينة التي لا يمكن سترها بحال، وهو الكحل، والله أعلم.

وقوله: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ قال بعضهم: أي: غير مظهرات محاسنهن.

وقال بعضهم: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ ﴾ أي: غير متزينات بزينة، والمتبرجة: المتزينة؛ لإظهار الزينة، والزينة: هي الداعية المرغبة إلى النظر إليها وقضاء الشهوة، فكأنه أباح لها وضع الثياب إذا كانت غير متزينة، وإذا كانت متزينة فلا، وأباح لها - أيضاً - إذا لم يكن بها محاسن يرغب فيها، وإذا كان بها ذلك لم يبح.

وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ يحتمل وجهين: [أحدهما:] يحتمل: وإن يستعففن ولا يبدين محاسنهن خير لهن من أن يبدين.

والثاني: وإن يستعففن ولا يضعن ثيابهن حتى يكون ذلك علماً بين معرفة الحرة من الأمة خير لهن من الوضع؛ كقوله: ﴿ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلاَبِيبِهِنَّ ذٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلاَ يُؤْذَيْنَ  ﴾ أن يعرفن أنهن حرائر فلا يؤذين كما تؤذى الإماء، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ﴾ كأن قوله: ﴿ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عِلِيمٌ ﴾ هاهنا صلة قوله: ﴿ لِيَسْتَأْذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ ﴾ وإلا ليس في هذه الآية ما يوصل به.

أو أن يكون جواباً له.

قال القتبي: القواعد من النساء: هن العجزة، واحدها: قاعد، ويقال: إنما قيل لها: قاعد؛ لقعودها من الحيض والولد، ومثلها لا ترجو النكاح، أي: تطمع فيه، ولا أراها سميت قاعداً بالقعود عما ذكر، إلا أنها إذا أسنت عجزت عن التصرف وكثرة الحركة، وأطالت القعود، فقيل لها: قاعد، بلا هاء؛ ليدل بحذف الهاء على أنه قعود كِبَر، كما قالوا: امرأة حامل بلا هاء؛ ليعرف على أنه حمل حبل، وقالوا في غير ذلك: قاعدة في بيتها، وحاملة علي ظهرها، وقال: والعرب تقول: امرأة واضع: إذا كبرت فوضعت الثياب، ولا يكون هذا إلا في الهرمة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ﴾ كل واحد من الحرفين يكون معناه معنى الآخر؛ كقوله: ﴿ مُحْصَنَٰتٍ غَيْرَ مُسَٰفِحَٰتٍ  ﴾ إذا كن محصنات كن غير مسافحات، وإذا كن غير مسافحات كن محصنات؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ لاَ يَرْجُونَ نِكَاحاً ﴾ ، إذا كن لا يرجون النكاح كن غير متبرجات - والله أعلم - لأن التزين إنما يكون منهن طمعاً في النكاح والناس مع ما لا يرجون النكاح يتزين ويتبرجن، فقال: ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ ﴾ غير مظهرات الزينة.

على هذين الوجهين جائز أن يخرج تأويل الآية.

وقوله: ﴿ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ ﴾ عن ذلك كله ﴿ خَيْرٌ لَّهُنَّ ﴾ ، والله أعلم.

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

يا أيها الذين آمنوا بالله، وعملوا بما شرعه لهم، ليطلب منكم الإذن عبيدكم وإماؤكم والأطفال الأحرار الذين لم يبلغوا سن الاحتلام في ثلاثة أوقات: من قبل صلاة الصبح وقت إبدال ثياب النوم بثياب اليقظة، وفي وقت الظهيرة حين تخلعون ثيابكم للقيلولة، وبعد صلاة العشاء؛ لأنه وقت نومكم وخلع ثياب اليقظة ولبس ثياب النوم، هذه ثلاثة أوقات عورات لكم، لا يدخلون فيها عليكم إلا بعد إذن منكم، ليس عليكم حرج في دخولهم دون استئذان، ولا عليهم هم حرج فيما عداها من الأوقات، هم كثيرو التطواف، بعضكم يطوف على بعض، فيتعذّر منعهم من الدخول في كل وقت إلا باستئذان، كما بيّن الله لكم أحكام الاستئذان يبيّن لكم الآيات الدالة على ما شرعه لكم من أحكام، والله عليم بمصالح عباده، حكيم فيما يشرعه لهم من أحكام.

من فوائد الآيات اتباع الرسول  علامة الاهتداء.

على الداعية بذل الجهد في الدعوة، والنتائج بيد الله.

الإيمان والعمل الصالح سبب التمكين في الأرض والأمن.

تأديب العبيد والأطفال على الاستئذان في أوقات ظهور عورات الناس.

<div class="verse-tafsir" id="91.xYe71"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
الله أكبر