الآية ٦١ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٦١ من سورة النور

لَّيْسَ عَلَى ٱلْأَعْمَىٰ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْأَعْرَجِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌۭ وَلَا عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُوا۟ مِنۢ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَـٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّـٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَـٰلَـٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحَهُۥٓ أَوْ صَدِيقِكُمْ ۚ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُوا۟ جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًۭا ۚ فَإِذَا دَخَلْتُم بُيُوتًۭا فَسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةًۭ مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ مُبَـٰرَكَةًۭ طَيِّبَةًۭ ۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَـٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ٦١

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 215 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦١ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦١ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

اختلف المفسرون - رحمهم الله - في المعنى الذي رفع من أجله الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض هاهنا ، فقال عطاء الخراساني ، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : نزلت في الجهاد .

وجعلوا هذه الآية هاهنا كالتي في سورة الفتح وتلك في الجهاد لا محالة ، أي : أنهم لا إثم عليهم في ترك الجهاد; لضعفهم وعجزهم ، وكما قال تعالى في سورة ( براءة ) : ( ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون ) [ التوبة : 91 ، 92 ] .

وقيل : المراد [ هاهنا ] أنهم كانوا يتحرجون من الأكل مع الأعمى; لأنه لا يرى الطعام وما فيه من الطيبات ، فربما سبقه غيره إلى ذلك .

ولا مع الأعرج; لأنه لا يتمكن من الجلوس ، فيفتات عليه جليسه ، والمريض لا يستوفي من الطعام كغيره ، فكرهوا أن يؤاكلوهم لئلا يظلموهم ، فأنزل الله هذه الآية رخصة في ذلك .

وهذا قول سعيد بن جبير ، ومقسم .

وقال الضحاك : كانوا قبل المبعث يتحرجون من الأكل مع هؤلاء تقذرا وتقززا ، ولئلا يتفضلوا عليهم ، فأنزل الله هذه الآية .

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ) الآية قال : كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج أو المريض إلى بيت أبيه أو بيت أخيه ، أو بيت أخته ، أو بيت عمته ، أو بيت خالته .

فكان الزمنى يتحرجون من ذلك ، يقولون : إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم .

فنزلت هذه الآية رخصة لهم .

وقال السدي : كان الرجل يدخل بيت أبيه ، أو أخيه أو ابنه ، فتتحفه المرأة بالشيء من الطعام ، فلا يأكل من أجل أن رب البيت ليس ثم .

فقال الله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم ) إلى قوله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) .

وقوله تعالى : ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) ، إنما ذكر هذا - وهو معلوم - ليعطف عليه غيره في اللفظ ، وليساويه ما بعده في الحكم .

وتضمن هذا بيوت الأبناء; لأنه لم ينص عليهم .

ولهذا استدل بهذا من ذهب إلى أن مال الولد بمنزلة مال أبيه ، وقد جاء في المسند والسنن ، من غير وجه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أنت ومالك لأبيك " وقوله : ( أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم ) ، إلى قوله ( أو ما ملكتم مفاتحه ) ، هذا ظاهر .

وقد يستدل به من يوجب نفقة الأقارب بعضهم على بعض ، كما هو مذهب [ الإمام ] أبي حنيفة والإمام أحمد بن حنبل ، في المشهور عنهما .

وأما قوله : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) فقال سعيد بن جبير ، والسدي : هو خادم الرجل من عبد وقهرمان ، فلا بأس أن يأكل مما استودعه من الطعام بالمعروف .

وقال الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيدفعون مفاتحهم إلى ضمنائهم ، ويقولون : قد أحللنا لكم أن تأكلوا ما احتجتم إليه .

فكانوا يقولون : إنه لا يحل لنا أن نأكل; إنهم أذنوا لنا عن غير طيب أنفسهم ، وإنما نحن أمناء .

فأنزل الله : ( أو ما ملكتم مفاتحه ) .

وقوله : ( أو صديقكم ) أي : بيوت أصدقائكم وأصحابكم ، فلا جناح عليكم في الأكل منها ، إذا علمتم أن ذلك لا يشق عليهم ولا يكرهون ذلك .

وقال قتادة : إذا دخلت بيت صديقك فلا بأس أن تأكل بغير إذنه .

وقوله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) ، قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في هذه الآية : وذلك لما أنزل الله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) [ النساء : 29 ] قال المسلمون : إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، والطعام هو أفضل من الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد .

فكف الناس عن ذلك ، فأنزل الله : ( ليس على الأعمى ) إلى قوله : ( أو صديقكم ) ، وكانوا أيضا يأنفون ويتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده ، حتى يكون معه غيره ، فرخص الله لهم في ذلك ، فقال : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) .

وقال قتادة : وكان هذا الحي من بني كنانة ، يرى أحدهم أن مخزاة عليه أن يأكل وحده في الجاهلية ، حتى إن كان الرجل ليسوق الذود الحفل وهو جائع ، حتى يجد من يؤاكله ويشاربه ، فأنزل الله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) .

فهذه رخصة من الله تعالى في أن يأكل الرجل وحده ، ومع الجماعة ، وإن كان الأكل مع الجماعة أفضل وأبرك ، كما رواه الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا الوليد بن مسلم ، عن وحشي بن حرب ، عن أبيه ، عن جده; أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا نأكل ولا نشبع .

قال : " فلعلكم تأكلون متفرقين ، اجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه " .

ورواه أبو داود وابن ماجه ، من حديث الوليد بن مسلم ، به وقد روى ابن ماجه أيضا ، من حديث عمرو بن دينار القهرماني ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " كلوا جميعا ولا تفرقوا; فإن البركة مع الجماعة " .

وقوله : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) قال سعيد بن جبير ، والحسن البصري ، وقتادة ، والزهري : فليسلم بعضكم على بعض .

وقال ابن جريج : حدثنا أبو الزبير : سمعت جابر بن عبد الله يقول : إذا دخلت على أهلك ، فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة .

قال : ما رأيته إلا يوجبه .

قال ابن جريج : وأخبرني زياد ، عن ابن طاوس أنه كان يقول : إذا دخل أحدكم بيته ، فليسلم .

قال ابن جريج : قلت لعطاء : أواجب إذا خرجت ثم دخلت أن أسلم عليهم؟

قال : لا ولا آثر وجوبه عن أحد ، ولكن هو أحب إلي ، وما أدعه إلا ناسيا وقال مجاهد : إذا دخلت المسجد فقل : السلام على رسول الله .

وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

وروى الثوري ، عن عبد الكريم الجزري ، عن مجاهد : إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل : بسم الله ، والحمد لله ، السلام علينا من ربنا ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

وقال قتادة : [ إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد ، فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ] فإنه كان يؤمر بذلك ، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه .

وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن المثنى ، حدثنا عويد بن أبي عمران الجوني ، عن أبيه ، عن أنس قال : أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال ، قال : " يا أنس ، أسبغ الوضوء يزد في عمرك ، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك ، وإذا دخلت - يعني : بيتك - فسلم على أهل بيتك ، يكثر خير بيتك ، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك .

يا أنس ، ارحم الصغير ، ووقر الكبير ، تكن من رفقائي يوم القيامة " .

وقوله : ( تحية من عند الله مباركة طيبة ) قال محمد بن إسحاق : حدثني داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه كان يقول : ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله ، سمعت الله يقول : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ) ، فالتشهد في الصلاة : التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

ثم يدعو لنفسه ويسلم .

هكذا رواه ابن أبي حاتم ، من حديث ابن إسحاق .

والذي في صحيح مسلم ، عن ابن عباس ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخالف هذا ، والله أعلم .

وقوله : ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون ) لما ذكر تعالى ما في السورة الكريمة من الأحكام المحكمة والشرائع المتقنة المبرمة ، نبه تعالى على أنه يبين لعباده الآيات بيانا شافيا ، ليتدبروها ويتعقلوها .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في هذه الآية في المعنى الذي أنـزلت فيه، فقال بعضهم: أنـزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين في الأكل مع العميان والعرجان والمرضى وأهل الزمانة من طعامهم، من أجل أنهم كانوا قد امتنعوا من أن يأكلوا معهم من طعامهم، خشية أن يكونوا قد أتوا بأكلهم معهم من طعامهم شيئًا مما نهاهم الله عنه بقوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ .

* ذكر من قال ذلك: حدثني عليّ، قال: ثني عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا ) من بيوتكم ...

إلى قوله: ( أَوْ أَشْتَاتًا ) وذلك لما أنـزل الله يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ فقال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام من أفضل الأموال، فلا يحلّ لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكفّ الناس عن ذلك، فأنـزل الله بعد ذلك ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ ) ...

إلى قوله: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ).

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ ) ...

الآية، كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى ولا مريض، فقال بعضهم: إنما كان بهم التقذّر والتقزّز.

وقال بعضهم: المريض لا يستوفي الطعام، كما يستوفي الصحيح والأعرج المنحبس، لا يستطيع المزاحمة على الطعام، والأعمى لا يبصر طيب الطعام، فأنـزل الله ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ) حرج في مؤاكلة المريض والأعمى والأعرج، فمعنى الكلام على تأويل هؤلاء: ليس عليكم أيها الناس في الأعمى حرج أن تأكلوا منه ومعه، ولا في الأعرج حرج، ولا في المريض حرج، ولا في أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم، فوجّهوا معنى " على " في هذا الموضع إلى معنى " في".

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية ترخيصا لأهل الزمانة في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية، لأن قوما كانوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لم يكن عندهم في بيوتهم ما يطعمونهم، ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بعض من سمّى الله في هذه الآية، فكان أهل الزمانة يتخوّفون من أن يطعموا ذلك الطعام، لأنه أطعمهم غير ملكه.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى; وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ ) قال: كان رجال زمنى.

قال ابن عمرو في حديثه: عميان وعرجان.

وقال الحارث: عمي عرج أولوا حاجة، يستتبعهم رجال إلى بيوتهم، فإن لم يجدوا طعاما ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم، ومن عدّد منهم من البيوت، فكره ذلك المستتبعون، فأنـزل الله في ذلك ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ) وأحلّ لهم الطعام حيث وجدوه.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان الرجل يذهب بالأعمى والمريض والأعرج إلى بيت أبيه، أو إلى بيت أخيه، أو عمه، أو خاله، أو خالته، فكان الزمني يتحرّجون من ذلك، يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنـزلت هذه الآية رخصة لهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، نحو حديث ابن عمرو، عن أبي عاصم.

وقال آخرون: بل نـزلت ترخيصا لأهل الزمانة الذين وصفهم الله في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من خلَّفهم في بيوته من الغزاة.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، قال: قلت للزهري، في قوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ ) ما بال الأعمى ذكر هاهنا، والأعرج والمريض؟

فقال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم، يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، وكانوا يتحرّجون من ذلك، يقولون: لا ندخلها وهم غُيَّب، فأنـزلت هذه الآية رخصة لهم.

وقال آخرون: بل عنى بقوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، قالوا: وقوله: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) كلام منقطع عما قبله.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ) قال: هذا في الجهاد في سبيل الله، وفي قوله: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) ...

إلى قوله: ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) قال: هذا شيء قد انقطع، إنما كان هذا في الأوّل، لم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع، فسوّغه الله أن يأكله.

قال: وقد ذهب ذلك اليوم، البيوت اليوم فيها أهلها، وإذا خرجوا أغلقوها، فقد ذهب ذلك.

وقال آخرون: بل نـزلت هذه الآية ترخيصا للمسلمين الذين كانوا يتقون مؤاكلة أهل الزمانة في مؤاكلتهم إذا شاءوا ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن مِقْسم، في قوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ ) قال: كانوا يتقون أن يأكلوا مع الأعمى والأعرج، فنـزلت ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ).

واختلفوا أيضا في معنى قوله: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ) فقال بعضهم: عني بذلك: وكيل الرجل وقيمه، أنه لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ونحو ذلك.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنا معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، في قوله: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ) وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، فرخص الله له أن يأكل من ذلك الطعام والتمر ويشرب اللبن.

وقال آخرون: بل عُني بذلك: منـزل الرجل نفسه أنه لا بأس عليه أن يأكل.

* ذكر من قال ذلك: حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ) يعني: بيت أحدهم، فإنه يملكه، والعبيد منهم مما ملكوا.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة، في قوله: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ) مما تحبون يا ابن آدم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قال: ( أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ) قال: خزائن لأنفسهم، ليست لغيرهم.

وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ ) ...

إلى قوله: ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) القول الذي ذكرنا عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، وذلك أن أظهر معاني قوله: ( لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأعْرَجِ حَرَجٌ ) أنه لا حرج على هؤلاء الذين سموا في هذه الآية أن يأكلوا من بيوت من ذكره الله فيها، على ما أباح لهم من الأكل منها؛ فإذ كان ذلك أظهر معانيه فتوجيه معناه إلى الأغلب الأعرف من معانيه أولى من توجيهه إلى الأنكر منها.

فإذ كان ذلك كذلك؛ كان ما خالف من التأويل قول من قال: معناه: ليس في الأعمى والأعرج حرج أولى بالصواب.

وكذلك أيضا الأغلب من تأويل قوله: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ) أنه بمعنى: ولا عليكم أيها الناس، ثم جمع هؤلاء والزَّمنَى الذين ذكرهم قبل في الخطاب، فقال: أن تأكلوا من بيوت أنفسكم، وكذلك تفعل العرب إذا جمعت بين خبر الغائب والمخاطب غلبت المخاطب، فقالت: أنت وأخوك قمتما، وأنت وزيد جلستما، ولا تقول: أنت وأخوك جلسا، وكذلك قوله: ( وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) والخبر عن الأعمى والأعرج والمريض غلب المخاطب، فقال: أن تأكلوا، ولم يقل: أن يأكلوا.

فإن قال قائل: فهذا الأكل من بيوتهم قد علمناه، كان لهم حلالا إذ كان ملكا لهم، أو كان أيضا حلالا لهم الأكل من مال غيرهم.

قيل له: ليس الأمر في ذلك على ما توهمت، ولكنه كما ذكرناه عن عبيد الله بن عبد الله، أنهم كانوا إذا غابوا في مغازيهم، وتخلف أهل الزمانة منهم، دفع الغازي مفتاح مسكنه إلى المتخلف منهم، فأطلق له في الأكل مما يخلف في منـزله من الطعام، فكان المتخلفون يتخوّفون الأكل من ذلك وربه غائب، فأعلمه الله أنه لا حرج عليه في الأكل منه، وأذن لهم في أكله فإذ كان ذلك كذلك تبين أن لا معنى لقول من قال: إنما أنـزلت هذه الآية من أجل كراهة المستتبع أكل طعام غير المستتبع، لأن ذلك لو كان كما قال من قال ذلك، لقيل: ليس عليكم حرج أن تأكلوا من طعام غير من أضافكم، أو من طعام آباء من دعاكم، ولم يقل: أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم، وكذلك لا وجه لقول من قال: معنى ذلك: ليس على الأعمى حرج في التخلف عن الجهاد في سبيل الله، لأن قوله: ( أَنْ تَأْكُلُوا ) خبر ليس ، وأن في موضع نصب على أنها خبر لها، فهي متعلقة بليس، فمعلوم بذلك أن معنى الكلام: ليس على الأعمى حرج أن يأكل من بيته، لا ما قاله الذين ذكرنا من أنه لا حرج عليه في التخلف عن الجهاد؛ فإذ كان الأمر في ذلك على ما وصفنا، تبين أن معنى الكلام: لا ضيق على الأعمى، ولا على الأعرج، ولا على المريض، ولا عليكم أيها الناس أن تأكلوا من بيوت أنفسكم، أو من بيوت آبائكم، أو من بيوت أمهاتكم، أو من بيوت إخوانكم، أو من بيوت أخواتكم، أو من بيوت أعمامكم، أو من بيوت عماتكم، أو من بيوت أخوالكم، أو من بيوت خالاتكم، أو من البيوت التي ملكتم مفاتحها، أو من بيوت صديقكم إذا أذنوا لكم في ذلك، عند مغيبهم ومشهدهم.

والمفاتح: الخزائن، واحدها: مفتح إذا أريد به المصدر، وإذا كان من المفاتيح التي يفتح بها فهي مفتح ومفاتح، وهي هاهنا على التأويل الذي اخترناه جمع مِفتح الذي يفتح به.

وكان قَتادة يتأوّل في قوله: ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) ما حدثنا به الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قَتادة ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) فلو أكلت من بيت صديقك من غير أمره، لم يكن بذلك بأس، قال معمر: قلت لقتادة: أو لا أشرب من هذا الحُبّ؟

قال: أنت لي صديق.

وأما قوله: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ) فإن أهل التأويل اختلفوا في تأويله، فقال بعضهم: كان الغنيّ من الناس يتخوّف أن يأكل مع الفقير، فرخص لهم في الأكل معهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قوله: ( أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ) قال: كان الغنيّ يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصديقه، فيدعوه إلى طعامه ليأكل معه، فيقول: والله إني لأجنح أن آكل معك، والجنح: الحرج وأنا غنيّ وأنت فقير،، فأمروا أن يأكلوا جميعا أو أشتاتا.

وقال آخرون: بل عني بذلك حيّ من أحياء العرب، كانوا لا يأكل أحدهم وحده، ولا يأكل إلا مع غيره، فأذن الله لهم أن يأكل من شاء منهم وحده، ومن شاء منهم مع غيره.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قال: كانوا يأنفون ويتحرّجون أن يأكل الرجل الطعام وحده، حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم، فقال: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ).

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: كانت بنو كنانة يستحي الرجل منهم أن يأكل وحده، حتى نـزلت هذه الآية.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول: كانوا لا يأكلون إلا جميعا، ولا يأكلون متفرّقين، وكان ذلك فيهم دينا، فأنـزل الله: ليس عليكم حرج في مؤاكلة المريض والأعمى، وليس عليكم حرج أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ) قال: كان من العرب من لا يأكل أبدا جميعا، ومنهم من لا يأكل إلا جميعا.

فقال الله ذلك.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، قال: نـزلت ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ) في حيّ من العرب كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، كان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكله معه قال: وأحسب أنه ذكر أنهم من كنانة.

وقال آخرون: بل عُني بذلك قوم كانوا لا يأكلون إذا نـزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم في أن يأكلوا كيف شاءوا.

* ذكر من قال ذلك: حدثني أبو السائب، قال: ثنا حفص، عن عمران بن سليمان، عن أبي صالح وعكرمة، قالا كانت الأنصار إذا نـزل بهم الضيف لا يأكلون حتى يأكل الضيف معهم، فرخص لهم، قال الله: ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ).

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعا معا إذا شاءوا، أو أشتاتا متفرّقين إذا أرادوا، وجائز أن يكون ذلك نـزل بسبب من كان يتخوّف من الأغنياء الأكل مع الفقير، وجائز أن يكون نـزل بسبب القوم الذين ذكر أنهم كانوا لا يطعمون وحدانا، وبسبب غير ذلك، ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة في ظاهر التنـزيل على حقيقة شيء منه، والصواب التسليم لما دلّ عليه ظاهر التنـزيل، والتوقف فيما لم يكن على صحته دليل.

وقوله: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) اختلف أهل التأويل في ذلك.

فقال بعضهم: معناه: فإذا دخلتم أيها الناس بيوت أنفسكم، فسلموا على أهليكم وعيالكم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الزهري وقتادة في قوله: ( فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) قالا بيتك، إذا دخلته فقل: سلام عليكم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) قال: سلم على أهلك ، قال ابن جريح: وسُئل عطاء بن أبي رباح: أحقّ على الرجل إذا دخل على أهله أن يسلم عليهم؟

قال: نعم.

وقالها عمرو بن دينار، وتلوا: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) قال عطاء بن أبي رباح: ذلك غير مرّة.

قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبو الزبير، قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم ( تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) قال: ما رأيته إلا يوجبه.

قال ابن جُرَيج، وأخبرني زياد، عن ابن طاوس أنه كان يقول: إذا دخل أحدكم بيته فليسلم.

قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قال: قلت لعطاء: إذا خرجت أواجب السلام، هل أسلم عليهم؟

فإنما قال: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا ) ؟

قال: ما أعلمه واجبا، ولا آثِرُ عن أحد وجوبه ولكن أحبّ إليّ وما أدعه إلا ناسيا.

قال ابن جُرَيج، وقال عمرو بن دينار: لا قال: قلت لعطاء: فإن لم يكن في البيت أحد؟

قال: سلم ، قل: السلام على النبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله، قلت له: قولك هذا إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد عمن تأثره؟

قال: سمعته ولم يؤثر لي عن أحد.

قال ابن جُرَيج، وأخبرني عطاء الخراساني، عن ابن عباس، قال: السلام علينا من ربنا، وقال عمرو بن دينار: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

حدثنا أحمد بن عبد الرحيم، قال: ثنا عمرو بن أبي سلمة، قال: ثنا صدقة، عن زهير، عن ابن جُرَيج، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، تحية من عند الله مباركة طيبة.

قال: ما رأيته إلا يوجبه.

حدثنا محمد بن عباد الرازي، قال: ثنا حجاج بن محمد الأعور، قال: قال لي ابن جُرَيج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول، فذكر مثله.

حُدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) يقول: سلموا على أهاليكم إذا دخلتم بيوتكم، وعلى غير أهاليكم، فسلموا إذا دخلتم بيوتهم.

وقال آخرون: بل معناه: فإذا دخلتم المساجد فسلموا على أهلها.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن المبارك عن معمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) قال: هي المساجد، يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، في قوله: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) قال: إذا دخلت المسجد فقل: السلام على رسول الله ، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وإذا دخلت بيتك فقل: السلام عليكم.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: إذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين فيها ناس منكم، فليسلم بعضكم على بعض.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن الحسن، في قوله: ( فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) أي: ليسلم بعضكم على بعض، كقوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، فى قوله: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) قال: إذا دخل المسلِّمُ سُلِّم عليه، كمثل قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنما هو: لا تقتل أخاك المسلم.

وقوله: ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ قال: يقتل بعضكم بعضا، قريظة والنضير.

وقال آخرون: معناه: فإذا دخلتم بيوتا ليس فيها أحد، فسلموا على أنفسكم.

* ذكر من قال ذلك: حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هشيم، قال: أخبرنا حصين، عن أبي مالك، قال: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وإذا دخلت بيتا فيه ناس من المسلمين وغير المسلمين، فقل مثل ذلك.

حدثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن أبي سنان، عن ماهان، قال: إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم، قال: تقولوا: السلام علينا من ربنا.

حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: أخبرنا شعبة عن منصور، قال شعبة: وسألته عن هذه الآية: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) قال: قال إبراهيم: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ عن نافع أن عبد الله كان إذا دخل بيتا ليس فيه أحد، قال: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

حدثنا ابن حميد، قال: ثنا جرير، قال: ثنا منصور، عن إبراهيم: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) قال: إذا دخلت بيتا فيه يهود، فقل: السلام عليكم ، وإن لم يكن فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال معناه: فإذا دخلتم بيوتا من بيوت المسلمين، فليسلم بعضكم على بعض.

وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لأن الله جلّ ثناؤه قال: ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا ) ولم يخصصْ من ذلك بيتا دون بيت، وقال: ( فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) يعني: بعضكم على بعض، فكان معلوما إذ لم يخصص ذلك على بعض البيوت دون بعض، أنه معنيّ به جميعها، مساجدها وغير مساجدها.ومعنى قوله: ( فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ) نظير قوله: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ .

وقوله: ( تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ) ونصب تحية، بمعنى: تحيون أنفسكم تحية من عند الله السلام تحية، فكأنه قال: فليحيّ بعضكم بعضا تحية من عند الله، وقد كان بعض أهل العربية يقول: إنما نصبت بمعنى: أمركم بها تفعلونها تحية منه، ووصف جلّ ثناؤه هذه التحية المباركة الطيبة لما فيها من الأجر الجزيل والثواب العظيم.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلونفيه إحدى عشرة مسألة :الأولى : قوله تعالى : ليس على الأعمى حرج اختلف العلماء في تأويل هذه الآية على أقوال ثمانية .

أقربها : هل هي منسوخة ، أو ناسخة ، أو محكمة ؛ فهذه ثلاثة أقوال :الأول : أنها منسوخة من قوله تعالى : ولا على أنفسكم إلى آخر الآية ؛ قاله عبد الرحمن بن زيد ، قال : هذا شيء قد انقطع ، كانوا في أول الإسلام ليس على أبوابهم أغلاق ، وكانت الستور مرخاة ، فربما جاء الرجل فدخل البيت وهو جائع وليس فيه أحد ؛ فسوغ الله - عز وجل - أن يأكل منه ، ثم صارت الأغلاق على البيوت فلا يحل لأحد أن يفتحها ، فذهب هذا وانقطع .

قال صلى الله عليه وسلم - : لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه .

.

الحديث .

خرجه الأئمة .[ ص: 290 ] الثاني : أنها ناسخة ؛ قاله جماعة .

روى علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قال : لما أنزل الله - عز وجل - يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل قال المسلمون : إن الله - عز وجل - قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل ، وأن الطعام من أفضل الأموال ، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فكف الناس عن ذلك ؛ فأنزل الله - عز وجل - : ليس على الأعمى حرج إلى أو ما ملكتم مفاتحه .

قال : هو الرجل يوكل الرجل بضيعته .قلت : علي بن أبي طلحة هذا هو مولى بني هاشم سكن الشام ، يكنى أبا الحسن ويقال : أبا محمد ، اسم أبيه أبو طلحة سالم ، تكلم في تفسيره ؛ فقيل : إنه لم ير ابن عباس ، والله أعلم .الثالث : أنها محكمة ؛ قاله جماعة من أهل العلم ممن يقتدى بقولهم ؛ منهم سعيد بن المسيب ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود .

وروى الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان المسلمون يوعبون في النفير مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكانوا يدفعون مفاتيحهم إلى ضمناهم ويقولون : إذا احتجتم فكلوا ؛ فكانوا يقولون : إنما أحلوه لنا عن غير طيب نفس ؛ فأنزل الله - عز وجل - : ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم إلى آخر الآية .

قال النحاس : يوعبون أي يخرجون بأجمعهم في المغازي ؛ يقال : أوعب بنو فلان لبني فلان إذا جاءوهم بأجمعهم .

وقال ابن السكيت : يقال أوعب بنو فلان جلاء ؛ فلم يبق ببلدهم منهم أحد .

وجاء الفرس بركض وعيب ؛ أي بأقصى ما عنده .

وفي الحديث : في الأنف إذا استوعب جدعه الدية إذا لم يترك منه شيء .

واستيعاب الشيء استئصاله .

ويقال : بيت وعيب إذا كان واسعا يستوعب كل ما جعل فيه .

والضمنى هم الزمنى ، واحدهم ضمن زمن .

قال النحاس : وهذا القول من أجل ما روي في الآية ؛ لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوفيق أن الآية نزلت في شيء بعينه .

قال ابن العربي : وهذا كلام منتظم لأجل تخلفهم عنهم في الجهاد وبقاء أموالهم بأيديهم ، لكن قوله : أو ما ملكتم مفاتحه قد اقتضاه ؛ فكان هذا القول بعيدا جدا .

لكن المختار أن يقال : إن الله رفع الحرج عن الأعمى فيما يتعلق بالتكليف الذي يشترط فيه البصر ، وعن الأعرج فيما يشترط في التكليف به من المشي ؛ وما يتعذر من الأفعال مع وجود العرج ، وعن المريض فيما يؤثر المرض في إسقاطه ؛ كالصوم وشروط الصلاة وأركانها ، والجهاد ونحو ذلك .

ثم قال بعد ذلك مبينا : وليس عليكم حرج في [ ص: 291 ] أن تأكلوا من بيوتكم .

فهذا معنى صحيح ، وتفسير بين مفيد ، يعضده الشرع والعقل ، ولا يحتاج في تفسير الآية إلى نقل .قلت : وإلى هذا أشار ابن عطية فقال : فظاهر الآية وأمر الشريعة يدل على أن الحرج عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر ، وتقتضي نيتهم فيه الإتيان بالأكمل ، ويقتضي العذر أن يقع منهم الأنقص ، فالحرج مرفوع عنهم في هذا .

فأما ما قال الناس في الحرج : هنا وهي :الثانية : قال ابن زيد : هو الحرج في الغزو ؛ أي لا حرج عليهم في تأخرهم .

وقوله تعالى : ولا على أنفسكم الآية ، معنى مقطوع من الأول .

وقالت فرقة : الآية كلها في معنى المطاعم .

قالت : وكانت العرب ومن بالمدينة قبل المبعث تتجنب الأكل مع أهل الأعذار ؛ فبعضهم كان يفعل ذلك تقذرا لجولان اليد من الأعمى ، ولانبساط الجلسة من الأعرج ، ولرائحة المريض وعلاته ؛ وهي أخلاق جاهلية وكبر ، فنزلت الآية مؤذنة .

وبعضهم كان يفعل ذلك تحرجا من غير أهل الأعذار ، إذ هم مقصرون عن درجة الأصحاء في الأكل ، لعدم الرؤية في الأعمى ، وللعجز عن المزاحمة في الأعرج ، ولضعف المريض ؛ فنزلت الآية في إباحة الأكل معهم .

وقال ابن عباس في كتاب الزهراوي : إن أهل الأعذار تحرجوا في الأكل مع الناس من أجل عذرهم ؛ فنزلت الآية مبيحة لهم .

وقيل : كان الرجل إذا ساق أهل العذر إلى بيته فلم يجد فيه شيئا ذهب به إلى بيوت قرابته ؛ فتحرج أهل الأعذار من ذلك ؛ فنزلت الآية .الثالثة : قوله تعالى : ( ولا على أنفسكم ) هذا ابتداء كلام أي : ولا عليكم أيها الناس .

ولكن لما اجتمع المخاطب وغير المخاطب غلب المخاطب لينتظم الكلام .

وذكر بيوت القرابات وسقط منها بيوت الأبناء ; فقال المفسرون : ذلك لأنها داخلة في قوله : " في بيوتكم " لأن بيت ابن الرجل بيته وفي الخبر " أنت ومالك لأبيك " .

لأنه ذكر الأقرباء بعد ، ولم يذكر الأولاد .

قال النحاس : وعارض بعضهم هذا القول فقال : هذا تحكم على كتاب الله تعالى ; بل الأولى في الظاهر ألا يكون الابن مخالفا لهؤلاء ، وليس الاحتجاج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أنت ومالك لأبيك " بقوي لوهي هذا الحديث ، وأنه لو صح لم تكن فيه حجة ; إذ قد يكون النبي صلى الله عليه وسلم علم أن مال ذلك المخاطب لأبيه .

وقد قيل إن المعنى : أنت لأبيك ، ومالك مبتدأ ; أي : ومالك لك .

والقاطع لهذا التوارث بين الأب والابن .

وقال الترمذي الحكيم : ووجه قوله تعالى : " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم " كأنه يقول : مساكنكم التي فيها أهاليكم وأولادكم ; فيكون للأهل والولد هناك شيء قد أفادهم هذا الرجل الذي له المسكن ، فليس عليه حرج أن يأكل معهم من ذلك القوت ، أو يكون للزوجة والولد هناك شيء من ملكهم فليس عليه في ذلك حرج .

الرابعة : قوله تعالى : أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم قال بعض العلماء : هذا إذا أذنوا له في ذلك .

وقال آخرون : أذنوا له أو لم يأذنوا فله أن يأكل ؛ لأن القرابة التي بينهم هي إذن منهم .

وذلك لأن في تلك القرابة عطفا تسمح النفوس منهم بذلك العطف أن يأكل هذا من شيئهم ويسروا بذلك إذا علموا .

ابن العربي : أباح لنا الأكل من جهة النسب من غير استئذان إذا كان الطعام مبذولا ، فإذا كان محرزا دونهم لم يكن لهم أخذه ، ولا يجوز أن يجاوزوا إلى الادخار ، ولا إلى ما ليس بمأكول وإن كان غير محرز عنهم إلا بإذن منهم .الخامسة : قوله تعالى : أو ما ملكتم مفاتحه يعني مما اختزنتم وصار في قبضتكم .

وعظم ذلك ما ملكه الرجل في بيته وتحت غلقه ؛ وذلك هو تأويل الضحاك ، وقتادة ، ومجاهد .

وعند جمهور المفسرين يدخل في الآية الوكلاء والعبيد والأجراء .

قال ابن عباس : عني وكيل الرجل على ضيعته ، وخازنه على ماله ؛ فيجوز له أن يأكل مما هو قيم عليه .

وذكر معمر ، عن قتادة ، عن عكرمة قال : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير .

ابن العربي : وللخازن أن يأكل مما يخزن إجماعا ؛ وهذا إذا لم تكن له أجرة ، فأما إذا كانت له أجرة على الخزن حرم عليه الأكل .

وقرأ سعيد بن جبير ( ملكتم ) بضم الميم وكسر اللام وشدها .

وقرأ أيضا ( مفاتيحه ) بياء بين التاء والحاء ، جمع مفتاح ؛ وقد مضى في ( الأنعام ) .

وقرأ قتادة ( مفتاحه ) على الإفراد .

وقال ابن عباس : نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو ، خرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غازيا وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله فقال : تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية .[ ص: 293 ] السادسة : قوله تعالى : أو صديقكم الصديق بمعنى الجمع ، وكذلك العدو ؛ قال الله تعالى : فإنهم عدو لي .

وقال جرير :دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنا بأسهم أعداء وهن صديقوالصديق من يصدقك في مودته وتصدقه في مودتك .

ثم قيل : إن هذا منسوخ بقوله : لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ، وقوله تعالى : فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها الآية ، وقوله - عليه السلام - : لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه .

وقيل : هي محكمة ؛ وهو أصح .

ذكر محمد بن ثور ، عن معمر قال : دخلت بيت قتادة فأبصرت فيه رطبا فجعلت آكله ؛ فقال : ما هذا ؟

فقلت : أبصرت رطبا في بيتك فأكلت ؛ قال : أحسنت ؛ قال الله تعالى : أو صديقكم .

وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة في قوله : أو صديقكم قال : إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته لم يكن بذلك بأس .

وقال معمر قلت لقتادة : ألا أشرب من هذا الحب ؟

قال : أنت لي صديق !

فما هذا الاستئذان .

وكان - صلى الله عليه وسلم - يدخل حائط أبي طلحة المسمى ببيرحا ويشرب من ماء فيها طيب بغير إذنه ، على ما قاله علماؤنا ؛ قالوا : والماء متملك لأهله .

وإذا جاز الشرب من ماء الصديق بغير إذنه جاز الأكل من ثماره وطعامه إذا علم أن نفس صاحبه تطيب به لتفاهته ويسير مؤنته ، أو لما بينهما من المودة .

ومن هذا المعنى إطعام أم حرام له - صلى الله عليه وسلم - إذ نام عندها ؛ لأن الأغلب أن ما في البيت من الطعام هو للرجل ، وأن يد زوجته في ذلك عارية .

وهذا كله ما لم يتخذ الأكل خبنة ، ولم يقصد بذلك وقاية ماله ، وكان تافها يسيرا .السابعة : قرن الله - عز وجل - في هذه الآية الصديق بالقرابة المحضة الوكيدة ، لأن قرب المودة لصيق .

قال ابن عباس في كتاب النقاش : الصديق أوكد من القرابة ؛ ألا ترى استغاثة الجهنميين فما لنا من شافعين ولا صديق حميم .قلت : ولهذا لا تجوز عندنا شهادة الصديق لصديقه ، كما لا تجوز شهادة القريب لقريبه .[ ص: 294 ] وقد مضى بيان هذا والعلة فيه في ( النساء ) .

وفي المثل - أيهم أحب إليك أخوك أم صديقك - قال : أخي إذا كان صديقي .الثامنة : قوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا قيل : إنها نزلت في بني ليث بن بكر ، وهم حي من بني كنانة ، وكان الرجل منهم لا يأكل وحده ويمكث أياما جائعا حتى يجد من يؤاكله .

ومنه قول بعض الشعراء :إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له أكيلا فإني لست آكله وحديقال ابن عطية : وكانت هذه السيرة موروثة عندهم عن إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - فإنه كان لا يأكل وحده .

وكان بعض العرب إذا كان له ضيف لا يأكل إلا أن يأكل مع ضيفه ؛ فنزلت الآية مبينة سنة الأكل ، ومذهبة كل ما خالفها من سيرة العرب ، ومبيحة من أكل المنفرد ما كان عند العرب محرما ، نحت به نحو كرم الخلق ، فأفرطت في إلزامه ، وإن إحضار الأكيل لحسن ، ولكن بألا يحرم الانفراد .التاسعة : قوله تعالى : جميعا أو أشتاتا جميعا نصب على الحال .

و أشتاتا جمع شت ، والشت المصدر بمعنى التفرق ؛ يقال : شت القوم أي تفرقوا .

وقد ترجم البخاري في صحيحه باب ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج الآية .

و - النهد والاجتماع - .

ومقصوده فيما قاله علماؤنا في هذا الباب : إباحة الأكل جميعا وإن اختلفت أحوالهم في الأكل .

وقد سوغ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك ، فصارت تلك سنة في الجماعات التي تدعى إلى الطعام في النهد ، والولائم ، وفي الإملاق في السفر .

وما ملكت مفاتحه بأمانة ، أو قرابة ، أو صداقة فلك أن تأكل مع القريب أو الصديق ووحدك .

والنهد : ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في النفقة ينفقونه بينهم ؛ وقد تناهدوا ؛ عن صاحب العين .

وقال ابن دريد : يقال من ذلك : تناهد القوم الشيء بينهم .

الهروي : وفي حديث الحسن أخرجوا نهدكم فإنه أعظم للبركة وأحسن لأخلاقكم .

النهد : ما تخرجه الرفقة عند المناهدة ؛ وهو استقسام النفقة بالسوية في السفر وغيره .

والعرب تقول : هات نهدك ؛ بكسر النون .

قال المهلب : وطعام [ ص: 295 ] النهد لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء ، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته ، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره .

وقد قيل : إن تركها أشبه بالورع .

وإن كانت الرفقة تجتمع كل يوم على طعام أحدهم فهو أحسن من النهد لأنهم لا يتناهدون إلا ليصيب كل واحد منهم من ماله ، ثم لا يدري لعل أحدهم يقصر عن ماله ويأكل غيره أكثر من ماله وإذا كانوا يوما عند هذا ويوما عند هذا بلا شرط فإنما يكونون أضيافا والضيف يأكل بطيب نفس مما يقدم إليه .

وقال أيوب السختياني : إنما كان النهد أن القوم كانوا يكونون في السفر فيسبق بعضهم إلى المنزل ، فيذبح ، ويهيئ الطعام ، ثم يأتيهم ، ثم يسبق أيضا إلى المنزل فيفعل مثل ذلك ؛ فقالوا : إن هذا الذي تصنع كلنا نحب أن نصنع مثله فتعالوا نجعل بيننا شيئا لا يتفضل بعضنا على بعض ، فوضعوا النهد بينهم .

وكان الصلحاء إذا تناهدوا تحرى أفضلهم أن يزيد على ما يخرجه أصحابه ، وإن لم يرضوا بذلك منه إذا علموه فعله سرا دونهم .العاشرة : قوله تعالى : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون اختلف المتأولون في أي البيوت أراد ؛ فقال إبراهيم النخعي ، والحسن : أراد المساجد ؛ والمعنى : سلموا على من فيها من ضيفكم .

فإن لم يكن في المساجد أحد فالسلام أن يقول المرء : السلام على رسول الله .

وقيل : يقول السلام عليكم ؛ يريد الملائكة ، ثم يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

وذكر عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن عمرو بن دينار ، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله تعالى : فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم الآية ، قال : إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

وقيل : المراد بالبيوت البيوت المسكونة ؛ أي فسلموا على أنفسكم .

قاله جابر بن عبد الله ، وابن عباس أيضا ، وعطاء بن أبي رباح .

وقالوا : يدخل في ذلك البيوت غير المسكونة ، ويسلم المرء فيها على نفسه بأن يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

قال ابن العربي : القول بالعموم في البيوت هو الصحيح ، ولا دليل على التخصيص ؛ وأطلق القول ليدخل تحت هذا العموم كل بيت كان للغير أو لنفسه ، فإذا دخل بيتا لغيره استأذن كما تقدم ، فإذا دخل بيتا لنفسه سلم كما ورد في الخبر ، يقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ؛ قاله ابن عمر .

وهذا إذا كان فارغا ، فإن كان فيه أهله وخدمه فليقل : السلام عليكم .

وإن كان مسجدا فليقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

وعليه حمل ابن عمر [ ص: 296 ] البيت الفارغ .

قال ابن العربي : والذي أختاره إذا كان البيت فارغا ألا يلزم السلام ، فإنه إن كان المقصود الملائكة فالملائكة لا تفارق العبد بحال ، أما إنه إذا دخلت بيتك يستحب لك ذكر الله بأن تقول : ما شاء الله لا قوة إلا بالله .

وقد تقدم في سورة ( الكهف ) .

وقال القشيري في قوله : إذا دخلتم بيوتا : والأوجه أن يقال إن هذا عام في دخول كل بيت ، فإن كان فيه ساكن مسلم يقول السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وإن لم يكن فيه ساكن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، وإن كان في البيت من ليس بمسلم قال السلام على من اتبع الهدى ، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

وذكر ابن خويز منداد قال : كتب إلي أبو العباس الأصم ، قال حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ، قال : حدثنا ابن وهب ، قال : حدثنا جعفر بن ميسرة ، عن زيد بن أسلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا دخلتم بيوتا فسلموا على أهلها ، واذكروا اسم الله ، فإن أحدكم إذا سلم حين يدخل بيته وذكر اسم الله تعالى على طعامه ، يقول الشيطان لأصحابه : لا مبيت لكم هاهنا ولا عشاء ، وإذا لم يسلم أحدكم إذا دخل ولم يذكر اسم الله على طعامه قال الشيطان لأصحابه أدركتم المبيت والعشاء .قلت : هذا الحديث ثبت معناه مرفوع من حديث جابر ، خرجه مسلم .

وفي كتاب أبي داود ، عن أبي مالك الأشجعي قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا ولج الرجل بيته فليقل اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج ، باسم الله ولجنا وباسم الله خرجنا وعلى الله ربنا توكلنا ، ثم ليسلم على أهله .الحادية عشرة : قوله تعالى : ( تحية ) مصدر ؛ لأن قوله : ( فسلموا ) معناه فحيوا .

وصفها بالبركة لأن فيها الدعاء واستجلاب مودة المسلم عليه .

ووصفها أيضا بالطيب لأن سامعها يستطيبها .

والكاف من قوله : ( كذلك ) كاف تشبيه .

و ( ذلك ) إشارة إلى هذه السنن ؛ أي كما بين لكم سنة دينكم في هذه الأشياء يبين لكم سائر ما بكم حاجة إليه في دينكم .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

يخبر تعالى عن منته على عباده، وأنه لم يجعل عليهم في الدين من حرج بل يسره غاية التيسير، فقال: { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ ْ} أي: ليس على هؤلاء جناح، في ترك الأمور الواجبة، التي تتوقف على واحد منها، وذلك كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى، أو سلامة الأعرج، أو صحة للمريض، ولهذا المعنى العام الذي ذكرناه، أطلق الكلام في ذلك، ولم يقيد، كما قيد قوله: { وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ْ} أي: حرج { أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ْ} أي: بيوت أولادكم، وهذا موافق للحديث الثابت: " أنت ومالك لأبيك " والحديث الآخر: " إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم " وليس المراد من قوله: { مِنْ بُيُوتِكُمْ ْ} بيت الإنسان نفسه، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، الذي ينزه عنه كلام الله، ولأنه نفى الحرج عما يظن أو يتوهم فيه الإثم من هؤلاء المذكورين، وأما بيت الإنسان نفسه فليس فيه أدنى توهم.

{ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ ْ} وهؤلاء معروفون، { أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ْ} أي: البيوت التي أنتم متصرفون فيها بوكالة، أو ولاية ونحو ذلك، وأما تفسيرها بالمملوك، فليس بوجيه، لوجهين: أحدهما: أن المملوك لا يقال فيه " ملكت مفاتحه " بل يقال: " ما ملكتموه" أو " ما ملكت أيمانكم " لأنهم مالكون له جملة، لا لمفاتحه فقط.

والثاني: أن بيوت المماليك، غير خارجة عن بيت الإنسان نفسه، لأن المملوك وما ملكه لسيده، فلا وجه لنفي الحرج عنه.

{ أَوْ صَدِيقِكُمْ ْ} وهذا الحرج المنفي عن الأكل من هذه البيوت كل ذلك، إذا كان بدون إذن، والحكمة فيه معلومة من السياق، فإن هؤلاء المسمين قد جرت العادة والعرف، بالمسامحة في الأكل منها، لأجل القرابة القريبة، أو التصرف التام، أو الصداقة، فلو قدر في أحد من هؤلاء عدم المسامحة والشح في الأكل المذكور، لم يجز الأكل، ولم يرتفع الحرج، نظرا للحكمة والمعنى.

وقوله: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ْ} فكل ذلك جائز، أكل أهل البيت الواحد جميعا، أو أكل كل واحد منهم وحده، وهذا نفي للحرج، لا نفي للفضيلة وإلا فالأفضل الاجتماع على الطعام.

{ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا ْ} نكرة في سياق الشرط، يشمل بيت الإنسان وبيت غيره، سواء كان في البيت ساكن أم لا، فإذا دخلها الإنسان { فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ْ} أي: فليسلم بعضكم على بعض، لأن المسلمين كأنهم شخص واحد، من تواددهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، فالسلام مشروع لدخول سائر البيوت، من غير فرق بين بيت وبيت، والاستئذان تقدم أن فيه تفصيلا في أحكامه، ثم مدح هذا السلام فقال: { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ْ} أي: سلامكم بقولكم: " السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " أو " السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين " إذ تدخلون البيوت، { تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ْ} أي: قد شرعها لكم، وجعلها تحيتكم، { مُبَارَكَةً ْ} لاشتمالها على السلامة من النقص، وحصول الرحمة والبركة والنماء والزيادة، { طَيِّبَةً ْ} لأنها من الكلم الطيب المحبوب عند الله، الذي فيه طيبة نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة.

لما بين لنا هذه الأحكام الجليلة قال: { كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ ْ} الدالات على أحكامه الشرعية وحكمها، { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ْ} عنه فتفهمونها، وتعقلونها بقلوبكم، ولتكونوا من أهل العقول والألباب الرزينة، فإن معرفة أحكامه الشرعية على وجهها، يزيد في العقل، وينمو به اللب، لكون معانيها أجل المعاني، وآدابها أجل الآداب، ولأن الجزاء من جنس العمل، فكما استعمل عقله للعقل عن ربه، وللتفكر في آياته التي دعاه إليها، زاده من ذلك.

وفي هذه الآيات دليل على قاعدة عامة كلية وهي: أن " العرف والعادة مخصص للألفاظ، كتخصيص اللفظ للفظ " فإن الأصل، أن الإنسان ممنوع من تناول طعام غيره، مع أن الله أباح الأكل من بيوت هؤلاء، للعرف والعادة، فكل مسألة تتوقف على الإذن من مالك الشيء، إذا علم إذنه بالقول أو العرف، جاز الإقدام عليه.

وفيها دليل على أن الأب يجوز له أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره، لأن الله سمى بيته بيتا للإنسان.

وفيها دليل على أن المتصرف في بيت الإنسان، كزوجته، وأخته ونحوهما، يجوز لهما الأكل عادة، وإطعام السائل المعتاد.

وفيها دليل، على جواز المشاركة في الطعام، سواء أكلوا مجتمعين، أو متفرقين، ولو أفضى ذلك إلى أن يأكل بعضهم أكثر من بعض.

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله تعالى : ( ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ) الآية ، اختلف العلماء في هذه الآية ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما لما أنزل الله - عز وجل - قوله : ياأيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( النساء - 29 ) ، تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والزمنى والعمي والعرج ، وقالوا الطعام أفضل الأموال ، وقد نهانا الله عن أكل المال بالباطل .

والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة على الطعام ، والمريض يضعف عن التناول فلا يستوفي الطعام ، فأنزل الله هذه الآية وعلى هذا التأويل يكون " على " بمعنى " في " أي : ليس في الأعمى ، يعني : ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض .

وقال سعيد بن جبير والضحاك وغيرهما كان العرجان والعميان والمرضى يتنزهون عن مؤاكلة الأصحاء ، لأن الناس يتقذرون منهم ويكرهون مؤاكلتهم ، ويقول الأعمى : ربما أكل أكثر ، ويقول الأعرج : ربما أخذ مكان الاثنين ، فنزلت هذه الآية .

وقال مجاهد : نزلت الآية ترخيصا لهؤلاء في الأكل من بيوت من سمى الله في هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام فإذا لم يكن عنده ما يطعمهم ذهب بهم إلى بيوت آبائهم وأمهاتهم أو بعض من سمى الله في هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك الطعام ويقولون ذهب بنا إلى بيت غيره ؟

فأنزل الله هذه الآية وقال سعيد بن المسيب : كان المسلمون إذا غزوا خلفوا زمناهم ويدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا ، فكانوا يتحرجون من ذلك ويقولون لا ندخلها وهم غيب ، فأنزل الله هذه الآية رخصة لهم قال الحسن : نزلت هذه الآية رخصة لهؤلاء في التخلف عن الجهاد .

قال : تم الكلام عند قوله : " ولا على المريض حرج " ، وقوله تعالى : ) ( ولا على أنفسكم ) كلام منقطع عما قبله وقيل : لما نزل قوله : لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ( النساء - 29 ) ، قالوا : لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد ، فأنزل الله - عز وجل - ( ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم ) أي : لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم .

قيل : أراد من أموال عيالكم وأزواجكم وبيت المرأة كبيت الزوج .

وقال ابن قتيبة : أراد من بيوت أولادكم ، نسب بيوت الأولاد إلى الآباء كما جاء في الحديث : " أنت ومالك لأبيك " ، ( أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : عني بذلك وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته ، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ، ويشرب من لبن ماشيته ، ولا يحمل ولا يدخر .

وقال الضحاك : يعني في بيوت عبيدكم ومماليككم ، وذلك أن السيد يملك منزل عبده ، والمفاتيح الخزائن ، لقوله تعالى : وعنده مفاتح الغيب ( الأنعام - 59 ) ويجوز أن يكون الذي يفتح به .

قال عكرمة : إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن ، فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير .

وقال السدي : الرجل يولي طعامه غيره يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه وقال قوم : " ما ملكتم مفاتحه " ما خزنتموه عندكم قال مجاهد وقتادة : من بيوت أنفسكم مما أحرزتم وملكتم .

) ( أو صديقكم ) الصديق الذي صدقك في المودة .

قال ابن عباس : نزلت في الحارث بن عمرو رضي الله عنه ، خرج غازيا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلف مالك بن زيد على أهله ، فلما رجع وجده مجهودا فسأله عن حاله ، فقال : تحرجت أن آكل طعامك بغير إذنك فأنزل الله هذه الآية .

وكان الحسن وقتادة يريان دخول الرجل بيت صديقه والتحرم بطعامه من غير استئذان منه في الأكل بهذه الآية .

والمعنى : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا ) من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ، من غير أن تتزودوا وتحملوا .

قوله : ( ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا ) نزلت في بني ليث بن عمرو ، وهم حي من بني كنانة كان الرجل منهم لا يأكل وحده حتى يجد ضيفا يأكل معه ، فربما قعد الرجل والطعام ، بين يديه من الصباح إلى الرواح ، وربما كانت معه الإبل الحفل ، فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه ، فإذا أمسى ولم يجد أحدا أكل ، هذا قول قتادة والضحاك وابن جريج وقال عطاء الخراساني عن ابن عباس رضي الله عنهما : كان الغني يدخل على الفقير من ذوي قرابته وصداقته فيدعوه إلى طعامه ، فيقول : والله إني لأجنح ، أي : أتحرج أن آكل معك وأنا غني وأنت فقير ، فنزلت هذه الآية .

وقال عكرمة وأبو صالح : نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم ، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا ، جميعا أو أشتاتا متفرقين .

( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) أي : يسلم بعضكم على بعض ، هذا في دخول الرجل بيت نفسه يسلم على أهله ومن في بيته ، وهو قول جابر وطاوس والزهري وقتادة والضحاك وعمرو بن دينار .

وقال قتادة : إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك فهو أحق من سلمت عليه ، وإذا دخلت بيتا لا أحد فيه فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين .

حدثنا أن الملائكة ترد عليه وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن لم يكن في البيت أحد فليقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، السلام على أهل البيت ورحمة الله .

وروى عمرو بن دينار عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : ( فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ) قال : إذا دخلت المسجد فقل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ( تحية من عند الله ) نصب على المصدر ، أي : تحيون أنفسكم تحية ، ) ( مباركة طيبة ) وقال ابن عباس رضي الله عنهما : حسنة جميلة .

وقيل : ذكر البركة والطيبة هاهنا لما فيه من الثواب والأجر ( كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون )

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج» في مؤاكلة مقابليهمْ «ولا» حرج «على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم» أولادكم «أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه» خزنتموه لغيركم «أو صديقكم» وهو من صدقكم في مودته المعنى يجوز الأكل من بيوت من ذكر وإن لم يحضروا إذا علم رضاهم به «ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا» مجتمعين «أو أشتاتا» متفرقين جمع شت نزل فيمن تحرج أن يأكل وحده وإذا لم بجد يؤاكله يترك الأكل «فإذا دخلتم بيوتا» لكم لا أهل بها «فسلموا على أنفسكم» قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإن الملائكة ترد عليكم وإن كان بها أهل فسلموا عليهم «تحية» حيا «من عند الله مباركة طيبة» يثاب عليها «كذلك يبيَّن الله لكم الآيات» أي يفضل لكم معالم دينكم «لعلكم تعقلون» لكي تفهموا ذلك.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

ليس على أصحاب الأعذار من العُمْيان وذوي العرج والمرضى إثم في ترك الأمور الواجبة التي لا يقدرون على القيام بها، كالجهاد ونحوه، مما يتوقف على بصر الأعمى أو سلامة الأعرج أو صحة المريض، وليس على أنفسكم- أيها المؤمنون- حرج في أن تأكلوا من بيوت أولادكم، أو من بيوت آبائكم، أو أمهاتكم، أو إخوانكم، أو أخواتكم، أو أعمامكم، أو عماتكم، أو أخوالكم، أو خالاتكم، أو من البيوت التي وُكِّلْتم بحفظها في غيبة أصحابها بإذنهم، أو من بيوت الأصدقاء، ولا حرج عليكم أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين، فإذا دخلتم بيوتًا مسكونة أو غير مسكونة فليسلِّم بعضكم على بعض بتحية الإسلام، وهي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أو السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، إذا لم يوجد أحد، وهذه التحية شرعها الله، وهي مباركة تُنْمِي المودة والمحبة، طيبة محبوبة للسامع، وبمثل هذا التبيين يبيِّن الله لكم معالم دينه وآياته؛ لتعقلوها، وتعملوا بها.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن أحكام أخرى فيها ما فيها من حسن للتنظيم فى العلاقات بين الأقارب والأصدقاء ، وفيها ما فيها من اليسر والسماحة ، فقال - تعالى - : ( لَّيْسَ عَلَى الأعمى .

.

) .ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآية روايات منها ما روى عن ابن عباس أنه قال : لما أنزل الله - تعالى - : ( يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ لاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل .

.

) تحرج المسلمون عن مؤاكلة المرضى والعمى والعرج ، وقالوا : الطعام أفضل الأموال ، وقد نهانا الله عن أكل المال والباطل ، والأعمى لا يبصر موضع الطعام الطيب ، والأعرج لا يتمكن من الجلوس ، ولا يستطيع المزاحمة ، والمريض يضعف عن التناول ولا يستوفى من الطعام حقه ، فأنزل الله هذه الآية .وقيل نزلت ترخيصا لهؤلاء فى الأكل من بيوت من سمى الله فى هذه الآية ، وذلك أن هؤلاء كانوا يدخلون على الرجل لطلب الطعام ، فإذا لم يكن عنده شىء ذهب بهم إلى بيت أبيه ، أو بيت أمه ، أو بعض من سمى الله فى هذه الآية ، فكان أهل الزمانة يتحرجون من ذلك ، ويقولون ذهب بنا إلى غير بيته ، فأنزل الله هذه الآية .وقيل نزلت رخصة للأعمى والأعرج والمريض عن التخلف عن الجهاد .

.

.ويبدو لنا أن الآية الكريمة نزلت لتعليم المؤمنين ألوانا متعددة من الآداب التى شرعها الله - تعالى - لهم ، ويسرها لهم بفضله وإحسانه ، حتى يعلموا أن شريعته - سبحانه - مبنية على اليسر لا على العسر ، وعلى التخفيف ورفع الحرج ، لا على التشديد والتضييق .والحرج : الضيق ومنه الحرجة للشجر الملتف المتكاثف بعضه ببعض ، حتى ليصعب على الشخص أن يمشى فيه .

والمراد به هنا : الإثم .والمعنى : ليس على الأعمى والأعرج والمريض حرج أو إثم فى الأكل من بيوت هؤلاء الذين سماهم الله - تعالى - .كذلك ليس عليكم حرج أو إثم - أيها المؤمنون - فى أن تأكلوا أنتم ومن معكم ( مِن بُيُوتِكُمْ ) التى هى ملك لكم .وذكر - سبحانه - بيوتهم هنا مع أنه من المعروف أنه لا حرج فى أن يأكل الإنسان من بيته ، للإشعار بأن أكلهم من بيوت الذين سيذكرهم - سبحانه - بعد ذلك من الآباء والأمهات والأقارب ، يتساوى فى نفى الحرج مع أكلهم من بيوتهم أى أن أكل الناس من بيوتهم لم يذكر هنا لنفى حرج كان متوهما ، وإنما ذكر لإظهار التسوية بين أكلهم من بيوت أقاربهم وأصدقائهم ، وبين أكلهم من بيوتهم .وبعضهم يرى أن المراد بقوله ( أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ) أى : من بيوت زوجاتهم وأولادهم .ثم ذكر - سبحانه - بيوتا أخرى لا حرج عليهم فى الأكل منها فقال : ( أَوْ بُيُوتِ آبَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ) أى : أو البيوت التى تملكون التصرف فيها بإذن أصحابها ، كأن تكونوا وكلاء عنهم فى التصرف فى أموالهم .ومفاتح : جمع مفتح - بكسر الميم - وهو آلة الفتح وملك هذه المفاتح : كناية عن كون الشىء تحت يد الشخص وتصرفه .وقوله ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) معطوف على ما قبله والصديق هو من يصدق فى مودتك ، وتصدق أنت فى مودته ، وهو اسم جنس يطلق على الواحد والجمع ، والمراد هنا : الجمع .

أى : ولا حرج عليكم - أيضا - فى الأكل من بيوت اصدقائكم .فالآية الكريمة قد أجازت الأكل من هذه البيوت المذكورة ، وهى أحد عشر بيتا - وإن لم يكن فيها أصحابها ، ما دام الآكل قد علم رضا صاحب البيت بذلك ، وأن صاحب البيت ، لا يكره هذا ولا يتضرر منه ، استناداً إلى القواعد العامة فى الشريعة ، والتى منها : " لا ضرر ولا ضرار " وأنه " لا يحل مال امرىء مسلم إلا بطيب نفس منه " .قال صاحب الكشاف : فإن قلت : فما معنى ( أَوْ صَدِيقِكُمْ ) قلت : معناه : أو بيوت أصدقائكم ، والصديق يكون واحدا وجمعا ، وكذلك الخليط والقطين والعدو .ويحكى عن الحسن أنه دخل داره ، وإذا جماعة من أصدقائه قد استلوا سلالا من تحت سريره فيها أطايب الأطعمة .

وهم مكبون عليها يأكلون فتهللت أسارير وجهه سرورا وضحك وقال : هكذا وجدناهم ، هكذا وجدناهم .

يريد أكابر الصحابة ومن لقيهم من البدريين .وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه .

فيأخذ منه ما شاء ، فإذا حضر مولاها فأخبرته ، أعتقها سرورا بذلك .وقوله - سبحانه - : ( لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ) بيان لنوع آخر من أنواع السماحة فى شريعة الإسلام .والأشتات : جمع شَتّ - بفتح الشين - يقال : شت الأمر يشت شتا وشتاتا ، إذا تفرق .

ويقال : هذا أمر شت ، أى : متفرق .أى : ليس عليكم - أيها المؤمنون - حرج أو إثم فى أن تأكلوا مجتمعين أو متفرقين ، وقد كان بعضهم من عاداته أن لا يأكل منفردا ، فإن لم يجد من يأكل معه عاف الطعام ، فرفع الله - تعالى - هذا الحرج المتكلف ، ورد الأمر إلى ما تقتضيه شريعة الإسلام من بساطة ويسر وعدم تكلف ، فأباح لهم أن يأكلوا فرادى ومجتمعين .فالجملة الكريمة بيان للحالة التى يجوز عليها الأكل ، بعد بيان البيوت التى يجوز الأكل منها والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد اشتملت على أحكم الأداء للترتيب اللفظى والموضوعى ، فقد بدأت ببيت الإنسان نفسه ، ثم بيوت الآباء ، فالأمهات ، فالإخوة ، فالأخوات ، فالأقارب ، فالبيوت التى يملكون التصرف فيها؛ فبيوت الأصدقاء .

.

.ثم لم يكتف بذلك ، وإنما بينت الحالة التى يباح الأكل منها .

.

.ثم بعد ذلك علمتنا آداب دخول البيوت التى ندخلها للأكل أو لغيره ، فقال - تعالى - : ( فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ) .والمراد بأنفسكم هنا : أهل تلك البيوت التى يدخلونها ، لأنهم بمنزلة أنفسهم فى شدة المودة والمحبة والألفة ، و " تحية " منصوب بفعل مقدر أى : فحيوا تحية .أى : فإذا دخلتم أيها المؤمنون والمؤمنات بيوتا فسلموا على أهلها الذين هم بمنزلة أنفسكم ، وحيوهم تحية ثابتة من عند الله ، مباركة طيبة ، أى مستتبعة لزيادة البركات والخيرات ولزيادة المحبة والمودة .ووصف - سبحانه - هذه التحية بالبركة والطيب ، لأنها دعوة مؤمن لمؤمن وكلاهما يرجو بها من الله - تعالى - زيادة الخير وطيب الرزق .وتحية الإسلام أن يقول المسلم لأخيه المسلم : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : ( كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) .أى : مثل هذا البيان القويم ، يبين الله - تعالى - لكم الآيات المحكمة ، والإرشادات النافعة ، لكى تعقلوا ما اشتملت عليه من هدايات ، توصلكم متى انتفعتم بها إلى السعادة والفلاح .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن في الآية مسائل: المسألة الأولى: اختلفوا في المراد من رفع الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض فقال ابن زيد: المراد أنه لا حرج عليهم ولا إثم في ترك الجهاد، وقال الحسن نزلت الآية في ابن أم مكتوم وضع الله الجهاد عنه وكان أعمى وهذا القول ضعيف لأنه تعالى عطف عليه قوله: ﴿ أَن تَأْكُلُواْ ﴾ فنبه بذلك على أنه إنما رفع الحرج في ذلك، وقال الأكثرون المراد منه أن القوم كانوا يحظرون الأكل مع هؤلاء الثلاثة وفي هذه المنازل، فالله تعالى رفع ذلك الحظر وأزاله، واختلفوا في أنهم لأي سبب اعتقدوا ذلك الحظر، أما في حق الأعمى والأعرج والمريض فذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنهم كانوا لا يأكلون مع الأعمى لأنه لا يبصر الطعام الجيد فلا يأخذه، ولا مع الأعرج لأنه لا يتمكن من الجلوس فإلى أن يأكل لقمة يأكل غيره لقمتين، وكذا المريض لأنه لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الصحيح، قال الفراء: فعلى هذا التأويل تكون (على) بمعنى في يعني ليس عليكم في مواكلة هؤلاء حرج.

وثانيها: أن العميان والعرجان والمرضى تركوا مواكلة الأصحاء، أما الأعمى فقال إني لا أرى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الأردأ، وأما الأعرج والمريض فخافا أن يفسدا الطعام على الأصحاء لأمور تعتري المرضى، ولأجل أن الأصحاء يتكرهون منهم ولأجل أن المريض ربما حمله الشره على أن يتعلق نظره وقلبه بلقمة الغير، وذلك مما يكرهه ذلك الغير فلهذه الأسباب احترزوا عن مواكلة الأصحاء، فالله تعالى أطلق لهم في ذلك.

وثالثها: روى الزهري عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبدالله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلفوا زمناهم وكانوا يسلمون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون لهم قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فكانوا يتحرجون من ذلك قالوا لا ندخلها وهم غائبون، فنزلت هذه الآية رخصة لهم وهذا قول عائشة رضي الله عنها فعلى هذا معنى الآية نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج إلى الغزو.

ورابعها: نقل عن ابن عباس ومقاتل بن حيان نزلت هذه الآية في الحارث بن عمرو وذلك أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غازياً وخلف بن مالك بن زيد على أهله فلما رجع وجده مجهوداً فسأله عن حاله فقال تحرجت أن آكل من طعامك بغير إذنك، وأما في حق سائر الناس فذكروا وجهين: الأول: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وقراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فلما نزل قوله تعالى: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة  ﴾ أي بيعاً فعند ذلك امتنع الناس أن يأكل بعضهم من طعام بعض فنزلت هذه الآية الثاني: قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، قال السدي كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه أو أخته فتتحفه المرأة بشيء من الطعام فيتحرج، لأنه ليس ثم رب البيت.

فأنزل الله تعالى هذه الرخصة.

المسألة الثانية: قال الزجاج الحرج في اللغة الضيق ومعناه في الدين الإثم.

المسألة الثالثة: أنه سبحانه أباح الأكل للناس من هذه المواضع وظاهر الآية يدل على أن إباحة الأكل لا تتوقف على الاستئذان، واختلف العلماء فيه فنقل عن قتادة أن الأكل مباح ولكن لا يجمل، وجمهور العلماء أنكروا ذلك ثم اختلفوا على وجوه: الأول: كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسخ لك بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه».

ومما يدل على هذا النسخ قوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتَ النبى إِلاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى طَعَامٍ غَيْرَ ناظرين إناه  ﴾ وكان في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من لهن الآباء والأخوة والأخوات، فعم بالنهي عن ذهول بيوتهن إلا بعد الإذن في الدخول وفي الأكل، فإن قيل إنما أذن تعالى في هذا لأن المسلمين لم يكونوا يمنعون قراباتهم هؤلاء من أن يأكلوا من بيوتهم حضروا أو غابوا، فجاز أن يرخص في ذلك، قلنا لو كان الأمر كذلك لم يكن لتخصيص هؤلاء الأقارب بالذكر معنى لأن غيرهم كهم في ذلك الثاني: قال أبو مسلم الأصفهاني: المراد من هؤلاء الأقارب إذا لم يكونوا مؤمنين، وذلك لأنه تعالى نهى من قبل عن مخالطتهم بقوله: ﴿ لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ  ﴾ ثم إنه سبحانه أباح في هذه الآية ما حظره هناك، قال ويدل عليه أن في هذه السورة أمر بالتسليم على أهل البيوت فقال: ﴿ حتى تَسْتَأْنِسُواْ وَتُسَلّمُواْ على أَهْلِهَا  ﴾ وفي بيوت هؤلاء المذكورين لم يأمر بذلك، بل أمر أن يسلموا على أنفسهم، والحاصل أن المقصود من هذه الآية إثبات الإباحة في الجملة، لا إثبات الإباحة في جميع الأقات الثالث: أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

المسألة الرابعة: أن الله تعالى ذكر أحد عشر موضعاً في هذه الآية أولها: قوله: ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ وفيه سؤال وهو أن يقال أي فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه في بيته؟

وجوابه المراد في بيوت أزواجكم وعيالكم أضافه إليهم، لأن بيت المرأة كبيت الزوج، وهذا قول الفراء.

وقال ابن قتيبة: أراد بيوت أولادهم فنسب بيوت الأولاد إلى الآباء لأن الولد كسب والده وماله كماله، قال عليه السلام: إن أطيب ما يأكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه والدليل على هذا أنه سبحانه وتعالى عدد الأقارب ولم يذكر الأولاد لأنه إذا كان سبب الرخصة هو القرابة كان الذي هو أقرب منهم أولى.

وثانيها: بيوت الآباء.

وثالثها: بيوت الأمهات.

ورابعها: بيوت الإخوان.

وخامسها: بيوت الأخوات.

وسادسها: بيوت الأعمام.

وسابعها: بيوت العمات.

وثامنها: بيوت الأخوال.

وتاسعها: بيوت الخالات.

وعاشرها: قوله تعالى: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ ﴾ وقرئ ﴿ مفتاحه ﴾ وفيه وجوه: الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته، لا بأس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته، ويشرب من لبن ماشيته، وملك المفاتح كونها في يده وفي حفظه الثاني: قال الضحاك: يريد الزمنى الذين كانوا يحرسون للغزاة الثالث: المراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه قال الفضل المفاتح واحدها مفتح بفتح الميم، وواحد المفاتيح مفتح بالكسر الحادي عشر: قوله: ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ والمعنى أو بيوت أصدقائكم، والصديق يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الخليط والقطين والعدو ويحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد (أخرجوا) سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال هكذا وجدناهم يريد كبراء الصحابة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصديق أكثر من الوالدين، لأن أهل الجنة لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمهات بل بالأصدقاء، فقالوا مالنا من شافعين ولا صديق حميم، وحكي أن أخاً للربيع بن خيثم في الله دخل منزله في حال غيبته فانبسط إلى جاريته حتى قدمت إليه ما أكل، فلما عاد أخبرته بذلك، فلسروره بذلك قال إن صدقت فأنت حرة.

المسألة الخامسة: احتج أبو حنيفة رحمه الله بهذه الآية على أن من سرق من ذي رحم محرم أنه لا يقطع لإباحة الله تعالى بهذه الآية الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذنهم، فلا يكون ماله محرزاً منهم، فإن قيل فيلزم أن لا يقطع إذا سرق من مال صديقه، قلنا من أراد سرقة ماله لا يكون صديقاً له.

أما قوله تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ فقال أكثر المفسرين: نزلت الآية في بني ليث بن عمرو وهم حي من كنانة، كان الرجل منهم لا يأكل وحده يمكث يومه فإن لم يجد من يؤاكله لم يأكل شيئاً، وربما كانت معه الإبل الحفل فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من يشاربه، فأعلم الله تعالى أن الرجل إذا أكل وحده لا حرج عليه، هذا قول ابن عباس رضي الله عنهما، وقال عكرمة وأبو صالح رحمهما الله: كانت الأنصار إذا نزل بواحد منهم ضيف لم يأكل إلا وضيفه معه، فرخص الله لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين ومتفرقين.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك للزمن والمريض، فبين الله لهم أن ذلك غير واجب، وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذي، فبين الله تعالى أنه غير واجب وقوله: ﴿ جَمِيعاً ﴾ نصب على الحال ﴿ وأشتاتاً ﴾ جمع شت وشتى جمع شتيت وشتان تثنية شت قاله المفضل وقيل الشت مصدر بمعنى التفرق ثم يوصف به ويجمع.

أما قوله تعالى: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ فالمعنى أنه تعالى جعل أنفس المسلمين كالنفس الواحدة على مثال قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ  ﴾ قال ابن عباس: فإن لم يكن أحد فعلى نفسه ليقل السلام علينا من قبل ربنا، وإذا دخل المسجد فليقل السلام على رسول الله وعلينا من ربنا.

قال قتادة: وحدثنا أن الملائكة ترد عليه.

قال القفال: وإن كان في البيت أهل الذمة فليقل السلام على من اتبع الهدى وقوله: ﴿ تَحِيَّةً ﴾ نصب على المصدر، كأنه قال: فحيوا تحية من عند الله، أي مما أمركم الله به.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: من قال السلام عليكم معناه اسم الله عليكم وقوله: ﴿ مباركة طَيّبَةً ﴾ قال الضحاك: معنى البركة فيه تضعيف الثواب وقال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن السلام مبارك ثابت لما فيه من الأجر والثواب وأنه إذا أطاع الله فيه أكثر خيره وأجزل أجره ﴿ كذلك يُبيّنُ الله لَكُمُ الآيات ﴾ أي يفصل الله شرائعه لكم ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ لتفهموا عن الله أمره ونهيه، وروى حميد عن أنس قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين فما قال لي في شيء فعلته لم فعلته ولا قال لي في شيء تركته لم تركته، وكنت واقفاً على رأس النبي صلى الله عليه وسلم أصب الماء على يديه فرفع رأسه إلي وقال: «ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بهن؟» قلت بأبي وأمي أنت يا رسول الله بلى، فقال: «من لقيت من أمتي فسلم عليهم يطل عمرك، وإذا دخلت بيتاً فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة (الأبرار) الأوابين».

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي العاهات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب المطعمين والمطعمين ريبة في ذلك، وخافوا أن يلحقهم فيه حرج؛ وكرهوا أن يكون أكلاً بغير حق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُم بالباطل ﴾ [البقرة: 188] فقيل لهم: ليس على الضعفاء ولا على أنفسكم؛ يعني: عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

وعن عكرمة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة.

فكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا، وقيل: كان هؤلاء يتوقون مجالسة الناس ومؤاكلتهم لما عسى يؤدي إلى الكراهة من قبلهم، ولأنّ الأعمى ربما سبقت يده إلى ما سبقت عين أكيله وهو لا يشعر، والأعرج يتفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة تؤذي أو جرح يبض أو أنف يذن ونحو ذلك.

وقيل: كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم، ويدفعون إليهم المفاتيح، ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم فكانوا يتحرّجون.

حكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في بيته وماله، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء، ولم يحلّ لي أن آكل من مالك، فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تحرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت، وهذا كلام صحيح، وكذلك إذا فسر بأن هؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الغزو، ولا عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة، لالتقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

ومثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان.

وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر، فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر، ولا عليك يا حاج أن تقدّم الحلق على النحر، فإن قلت: هلا ذكر الأولاد؛ قلت: دخل ذكرهم تحت قوله: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ لأن ولد الرجل بعضه، وحكمه حكم نفسه.

وفي الحديث: «إنّ أطيبَ ما يأكلُ المرء مِنْ كَسبهِ» ومعنى ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ من البيوت التي فيها أزواجكم وعيالكم؛ ولأنّ الولدَ أقرب ممن عدّد من القرابات، فإذا كان سبب الرخصة هو القرابة: كان الذي هو أقرب منهم أولى.

فإن قلت: ما معنى ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ ﴾ ؟

قلت: أموال الرجل إذا كان له عليها قيم ووكيل يحفظها له: أن يأكل من ثمر بستانه ويشرب من لبن ماشيته.

وملك المفاتح: كونها في يده وحفظه.

وقيل: بيوت المماليك؛ لأن مال العبد لمولاه.

وقرئ: ﴿ مفتاحه ﴾ ، فإن قلت: فما معنى ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ ؟

قلت: معناه: أو بيوت أصدقائكم.

والصديق يكون واحداً وجمعاً، وكذلك الخليط والقطين والعدوّ، يحكى عن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من أصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص وأطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم، هكذا وجدناهم.

يريد كبراء الصحابة ومن لقيهم من البدريين رضي الله عنهم.

وكان الرجل منهم يدخل دار صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ منه ما شاء، فإذا حضر مولاها فأخبرته أعتقها سروراً بذلك.

وعن جعفر بن محمد الصادق رضي الله عنهما: من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الأنس والثقة والإنبساط وطرح الحشمة بمنزلة النفس والأب والأخ والابن، وعن ابن عباس رضي الله عنهما: الصديق أكبر من الوالدين، إن الجهنميين لما استغاثوا لم يستغيثوا بالآباء والأمّهات، فقالوا: فما لنا من شافعين ولا صديق حميم.

وقالوا: إذا دلّ ظاهر الحال على رضا المالك، قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل، كمن قدّم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه ﴿ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ أي مجتمعين أو متفرّقين.

نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظراً نهاره إلى الليل، فإن لم يجد من يواكله أكل ضرورة.

وقيل: في قوم من الأنصار: إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلاّ مع ضيفهم وقيل: تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لا ختلاف الناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً ﴾ من هذه البيوت لتأكلوا فبدّئوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة ﴿ تَحِيَّةً مّنْ عِندِ الله ﴾ أي ثابتة بأمره، مشروعة من لدنه.

أو لأنّ التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله ﴿ مباركة طيبة ﴾ ووصفها بالبركة والطيب: لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق.

وعن أنس رضي الله عنه قال: خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين- وروي: تسع سنين- فما قال لي لشيء فعلته لم فعلته؟

ولا قال لي لشيء كسرته لم كسرته؟

وكنت واقفاً على رأسه أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: «ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها» ؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: «متى لقيت من أمّتي أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار والأوّابين» وقالوا: إن لم يكن في البيت أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، السلام على أهل البيت ورحمة الله.

وعن ابن عباس: إذا دخلت المسجد فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين تحية من عند الله، وانتصب تحية بسلموا، لأنها في معنى تسليماً، كقولك: قعدت جلوساً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ نَفْيٌ لَمّا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن مُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ حَذَرًا مِنَ اسْتِقْذارِهِمْ، أوْ أكْلِهِمْ مِن بَيْتِ مَن يُدْفَعُ إلَيْهِمُ المِفْتاحُ ويُبِيحُ لَهُمُ التَّبَسُّطَ فِيهِ إذا خَرَجَ إلى الغَزْوِ وخَلَّفَهم عَلى المَنازِلِ مَخافَةَ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ مِن طِيبِ قَلْبٍ، أوْ مِن إجابَةِ مَن دَعَوْهم إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأوْلادِهِمْ وأقارِبِهِمْ فَيُطْعِمُونَهم كَراهَةَ أنْ يَكُونُوا كَلًّا عَلَيْهِمْ، وهَذا إنَّما يَكُونُ إذا عُلِمَ رِضا صاحِبِ البَيْتِ بِإذْنٍ أوْ قَرِينَةٍ أوْ كانَ في أوَّلِ الإسْلامِ ثُمَّ نُسِخَ بِنَحْوِ قَوْلِهِ ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ ﴾ .

وقِيلَ نَفْيٌ لِلْحَرَجِ عَنْهم في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وهو لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ.

﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ مِنَ البُيُوتِ الَّتِي فِيها أزْواجُكم وعِيالُكم فَيَدْخُلُ فِيها بُيُوتُ الأوْلادِ لِأنَّ بَيْتَ الوَلَدِ كَبَيْتِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»، وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ «إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المُؤْمِنُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ» .

﴿ أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ﴾ وهو ما يَكُونُ تَحْتَ أيْدِيكم وتَصَرُّفِكم مِن ضَيْعَةٍ أوْ ماشِيَةٍ وِكالَةٍ أوْ حِفْظًا.

وقِيلَ بُيُوتُ المَمالِيكِ والمَفاتِحُ جَمْعُ مِفْتَحٍ وهو ما يُفْتَحُ بِهِ وقُرِئَ «مِفْتاحَهُ» .

﴿ أوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ أوْ بُيُوتِ صَدِيقِكم فَإنَّهم أرْضى بِالتَّبَسُّطِ في أمْوالِهِمْ وأسَرُّ بِهِ، وهو يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ كالخَلِيطِ، هَذا كُلُّهُ إنَّما يَكُونُ إذا عُلِمَ رِضا صاحِبِ البَيْتِ بِإذْنٍ أوْ قَرِينَةٍ ولِذَلِكَ خُصِّصَ هَؤُلاءِ فَإنَّهُ يُعْتادُ التَّبَسُّطُ بَيْنَهم، أوْ كانَ ذَلِكَ في أوَّلِ الإسْلامِ فَنُسِخَ فَلا احْتِجاجَ لِلْحَنَفِيَّةِ بِهِ عَلى أنْ لا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مالِ المَحْرَمِ.

﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا ﴾ مُجْتَمِعِينَ أوْ مُتَفَرِّقِينَ نَزَلَتْ في بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرٍو مِن كِنانَةَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ وحْدَهُ.

أوْ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ.

أوْ في قَوْمٍ تَحَرَّجُوا عَنِ الِاجْتِماعِ عَلى الطَّعامِ لِاخْتِلافِ الطَّبائِعِ في القَذارَةِ والنَّهَمَةِ.

﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا ﴾ مِن هَذِهِ البُيُوتِ ﴿ فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ عَلى أهْلِها الَّذِينَ هم مِنكم دِينًا وقَرابَةً.

﴿ تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ ثابِتَةً بِأمْرِهِ مَشْرُوعَةً مِن لَدُنْهُ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ صِلَةً لِلتَّحِيَّةِ فَإنَّهُ طَلَبَ الحَياةَ وهي مِن عِنْدِهِ تَعالى وانْتِصابُها بِالمَصْدَرِ لِأنَّها بِمَعْنى التَّسْلِيمِ.

﴿ مُبارَكَةً ﴾ لِأنَّها يُرْجى بِها زِيادَةُ الخَيْرِ والثَّوابِ.

﴿ طَيِّبَةً ﴾ تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ.

وَعَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ قالَ لِي «مَتى لَقِيتَ أحَدًا مِن أُمَّتِي فَسَلِّمْ عَلَيْهِ يَطُلْ عُمُرُكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ يَكْثُرُ خَيْرُ بَيْتِكَ، وصَلِّ صَلاةَ الضُّحى فَإنَّها صَلاةُ الأبْرارِ الأوّابِينَ» .

﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ كَرَّرَهُ ثَلاثًا لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ وتَفْخِيمِ الأحْكامِ المُخْتَتَمَةِ بِهِ وفَصْلُ الأوَّلِينَ بِما هو المُقْتَضى لِذَلِكَ وهَذا بِما هو المَقْصُودُ مِنهُ فَقالَ: ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ أيِ الحَقَّ والخَيْرَ في الأُمُورِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ} قال

سعيد ابن المسيب كان المسلمون إذا خرجوا إلى الغزوة مع النبى صلى الله عليه وسلم وضعوا مفاتيح بيوتهم عند الأعمى والمريض والأعرج وعند اقاربهم ويأتونهم أن يأكلوا من بيوتهم وكانوا بتحرجون من ذلك ويقولون نخشى أن لا تكون أنفسهم بذلك طيبة فنزلت الآية رخصة لهم {وَلاَ على أَنفُسِكُمْ} أي حرج {أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ} أي بيوت أولادكم لأن ولد الرجل بعضه وحكمه حكم نفسه ولذا لم يذكر الأولاد فى الآية وقد قال عليه الصلاة والسلام أنت ومالك لأبيك أو بيوت أزواجكم لأن الزوجين صارا كنفس واحدة فصار بيت المرأة كبيت الزوج {أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم} لأن الاذن من هؤلاء ثابت دلالة {أو ما ملكتم مّفاتحة} جمع مفتح وهو ما يفتح به الغلق قال ابن عباس رضى الله عنه هو وكيل الرجل وقيمه فى ضيعته وما شيته له أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن من ماشيته أريد بملك المفاتيح كونها في يده وحفظه وقيل أريد به بيت عبده لأن العبدو ما في يده لمولاه {أَوْ صَدِيقِكُمْ} يعني أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحد أو جمعا وهو من يصدقك مودته وكان الرجل من السلف يدخل دارٍ صديقه وهو غائب فيسأل جاريته كيسه فيأخذ ما شاء فاذا حضر مولاها

النور (٦٢ - ٦١)

فاخبرته اعتقها سرور بذلك فأما الآن فقد غلب الشح على الناس فلا يأكل إلا بإذن {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً} مجتمعين {أَوْ أَشْتَاتاً} متفرقين جمع

شت نزلت في بني ليث بن عمرو وكانوا يتحرجون أن يأكل الرجل وحده فربما قعد منتظر انهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل ضرورة أو في قوم من الأنصار إذا نزل بهم ضيف لا يأكلون إلا مع ضيفهم أو تحرجوا عن الاجتماع على الطعام لاختلاف اناس في الأكل وزيادة بعضهم على بعض {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً} من هذه البيوت لتأكلوا {فَسَلّمُواْ على أنفسكم} اى فابدءوا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة أو بيوتا فارغة أو مسجد فقولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين {تحية} نصب بسلموا لأنها في معنى تسليماً نحو قعدت جلوساً {مِنْ عِندِ الله} أي ثابتة بأمره مشروعة من لدنه أو لأن التسليم والتحية طلب سلامة وحياة للمسلم عليه والمحيا من عند الله {مباركة طَيّبَةً} وصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق {كَذَلِكَ يُبَيّنُ الله لكم الآيات لعلكم تعقلون} لكى تعقلوا أو تفهموا

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ في كِتابِ الزَّهْراوِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّ هَؤُلاءِ الطَّوائِفَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن مُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ حِذارًا مِنِ اسْتِقْذارِهِمْ إيّاهم وخَوْفًا مِن تَأذِّيهِمْ بِأفْعالِهِمْ وأوْضاعِهِمْ فَنَزَلَتْ.

وقِيلَ: كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى الرَّجُلِ لِطَلَبِ الطَّعامِ فَإذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ ما يُطْعِمُهم ذَهَبَ بِهِمْ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ أوْ إلى بَعْضِ مَن سَمّاهُمُ اللَّهُ تَعالى في الآيَةِ الكَرِيمَةِ فَكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ ويَقُولُونَ: ذَهَبَ بِنا إلى بَيْتِ غَيْرِهِ ولَعَلَّ أهْلَهُ كارِهُونَ لِذَلِكَ.

وكَذا كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ مِن أمْوالِ الَّذِينَ كانُوا إذا خَرَجُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا هَؤُلاءِ الضُّعَفاءَ في بُيُوتِهِمْ ودَفَعُوا إلَيْهِمْ مَفاتِيحَها وأذِنُوا لَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا فِيها مَخافَةَ أنْ لا يَكُونُ إذْنُهم عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهم.

وكانَ غَيْرُ هَؤُلاءِ أيْضًا يَتَحَرَّجُونَ مِنَ الأكْلِ في بُيُوتِ غَيْرِهِمْ، فَعَنْ عِكْرِمَةَ كانْتِ الأنْصارُ في أنْفُسِها قَزازَةً فَكانَتْ لا تَأْكُلُ مِنَ البُيُوتِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى، وقالَ السَّدِّيُّ: كانَ الرَّجُلُ يَدْخُلُ بَيْتَ أبِيهِ أوْ بَيْتَ أخِيهِ أوْ أُخْتِهِ فَتُتْحِفُهُ المَرْأةُ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّعامِ فَيَتَحَرَّجُ لِأجْلِ أنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ رَبُّ البَيْتِ، والحَرَجُ لُغَةً كَما قالَ الزَّجّاجِ الضَّيِّقِ مِنَ الحَرَجَةِ وهو الشَّجَرُ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ لِضِيقِ المَسالِكِ فِيهِ، وقالَ الرّاغِبُ: هو في الأصْلِ مُجْتَمِعُ الشَّيْءِ ثُمَّ أطْلَقَ عَلى الضِّيقِ وعَلى الإثْمِ، والمَعْنى عَلى الرِّوايَةِ الأُولى لَيْسَ عَلى هَؤُلاءِ حَرَجٌ في أكْلِهِمْ مَعَ الأصِحّاءِ، ويُقَدَّرُ عَلى سائِرِ الرِّواياتِ ما يُناسِبُ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى، ( وعَلى ) عَلى مَعْناها في جَمِيعِ ذَلِكَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ لَمّا نَزَلَ ﴿ ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُؤاكَلَةِ الأعْمى لِأنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ والأعْرَجُ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحِمَةَ عَلى الطَّعامِ والمَرِيضُ لِأنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ اسْتِيفاءَ الطَّعامِ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ، وقِيلَ: كانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ البَعْثِ تَجْتَنِبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ هَذِهِ الأغْدارِ لِمَكانِ جَوَلانِ يَدِ الأعْمى وانْبِساطِ جَلْسَةِ الأعْرَجِ وعَدَمِ خُلُوِّ المَرِيضِ مِن رائِحَةٍ تُؤْذِي أوْ جُرْحٍ يَنِضُّ أوْ أنْفٍ يَذِنُّ فَنَزَلَتْ.

ومَن ذَهَبَ إلى هَذا جَعَلَ ( عَلى ) بِمَعْنى في أيْ لَيْسَ في مُؤاكَلَةِ الأعْمى حَرَجٌ وهَكَذا وإلّا لَكانَ حَقُّ التَّرْكِيبِ لَيْسَ عَلَيْكم أنْ تَأْكُلُوا مَعَ الأعْمى حَرَجٌ وكَذا يُقالُ فِيما بَعْدُ وفِيهِ بُعْدٌ لا يَخْفى، وقِيلَ: لا حاجَةَ إلى أنْ يُقَدَّرَ مَحْذُوفٌ بَعْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ حَرَجٌ ﴾ حَسْبَما أُشِيرَ إلَيْهِ إذِ المَعْنى لَيْسَ عَلى الطَّوائِفِ المَعْدُودَةِ ﴿ ولا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ حَرَجٌ ﴿ أنْ تَأْكُلُوا ﴾ أنْتُمْ وهَمَ مَعَكم ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ إلَخْ، وإلى كَوْنِ المَعْنى كَذَلِكَ ذَهَبَ مَوْلانا شَيْخُ الإسْلامِ ثُمَّ قالَ: وتَعْمِيمُ الخِطابِ لِلطَّوائِفِ المَذْكُورَةِ أيْضًا يَأْباهُ ما قَبْلَهُ وما بَعْدَهُ فَإنَّ الخِطابَ فِيهِما لِغَيْرِ أُولَئِكَ الطَّوائِفِ حَتْمًا ولَعَلَّ ما تَقَدَّمَ أوْلى، وأمّا تَعْمِيمُ الخِطابِ فَلا أقُولُ بِهِ أصْلًا، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وذَهَبَ إلَيْهِ الجِبائِيُّ وقالَ أبُو حَيّانَ: هو القَوْلُ الظّاهِرُ أنَّ الحَرَجَ المَنفِيَّ عَنْ أهْلِ العُذْرِ هو الحَرَجُ في القُعُودِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ مِمّا رَخَّصَ لَهم فِيهِ والحَرَجُ المَنفِيُّ عَمَّنْ بَعْدَهُمُ الحَرَجُ في الأكْلِ مِنَ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ، قالَ صاحِبُ الكَشّافِ: والكَلامُ عَلَيْهِ صَحِيحٌ لِالتِقاءِ الطّائِفَتَيْنِ في أنَّ كُلًّا مَنفِيٌّ عَنْهُ الحَرَجُ، ومِثالُهُ أنْ يُسْتَفْتى مُسافِرٌ عَنِ الإفْطارِ في رَمَضانَ وحاجٌّ مُفْرَدٌ عَنْ تَقْدِيمِ الحَلْقِ عَلى النَّحْرِ فَتَقُولُ: لَيْسَ عَلى المُسافِرِ حَرَجٌ أنْ يَفْطُرَ ولا عَلَيْكَ يا حاجَّ أنْ تُقَدِّمَ الحَلْقَ عَلى النَّحْرِ وهو تَحْقِيقٌ لِأمْرِ العَطْفِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِ غَرابَةٌ لِبُعْدِ الجامِعِ بادِئَ النَّظَرِ أزالَهُ بِأنَّ الغَرَضَ لَمّا كانَ بَيانُ الحُكْمِ كَفاءَ الحَوادِثِ والحادِثَتانِ وإنْ تَبايَنَتا كُلُّ التَّبايُنِ إذا تَقارَنَتا في الوُقُوعِ والِاحْتِياجِ إلى البَيانِ قُرْبَ الجامِعِ بَيْنَهُما ولا كَذَلِكَ إذا كانَ الكَلامُ في غَيْرِ مَعْرِضِ الإفْتاءِ والبَيانِ، ولَيْسَ هَذا القَوْلُ مِنهُ بِناءً عَلى أنَّ الِاكْتِفاءَ في تَصَوُّرِ ما كافٍ في الجامِعِيَّةِ كَما ظَنَّ، وبِهَذا يَظْهَرُ الجَوابُ عَمّا اعْتَرَضَ بِهِ عَلى هَذِهِ الرِّوايَةِ مِن أنَّ الكَلامَ عَلَيْها لا يُلائِمُ ما قَبْلَهُ ولا ما بَعْدَهُ لِأنَّ مُلاءَمَتَهُ لِما بَعْدَهُ قَدْ عَرَفَتْ وجْهَها، وأمّا مُلاءَمَتُهُ لِما قَبْلَهُ فَغَيْرُ لازِمَةٍ إذْ لَمْ يَعْطِفْ عَلَيْهِ، ورُبَّما يُقالُ في وجْهِ ذِكْرِ نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ العُذْرِ بِتَرْكِ الجِهادِ وما يُشْبِهُهُ مِمّا رُخِّصَ لَهم فِيهِ أثْناءَ بَيانِ الِاسْتِئْذانِ ونَحْوِهِ: إنَّ نَفْيَ الحَرَجِ عَنْهم بِذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ عَدَمَ وُجُوبِ الِاسْتِئْذانِ مِنهُ  لِتَرْكِ ذَلِكَ فَلَهُمُ القُعُودُ عَنِ الجِهادِ ونَحْوُهُ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا إذَنْ كَما أنَّ لِلْمالِيكِ والصِّبْيانِ الدُّخُولَ في البُيُوتِ في غَيْرِ العَوْراتِ الثَّلاثِ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا إذَنْ مِن أهْلِ البَيْتِ، ومِثْلُ هَذا يَكْفِي وجْهًا في تَوْسِيطِ جُمْلَةٍ أثْناءِ جُمَلٍ ظاهِرَةِ التَّناسُبِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ شَيْءٌ عَسى أنْ يَدْفَعَ بِالتَّأمُّلِ، وإنَّما لَمْ يَذْكُرِ الحَرَجَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ بِأنْ يُقالَ: ولا عَلى أنْفُسِكم حَرَجٌ اكْتِفاءً بِذِكْرِهِ فِيما مَرَّ والأواخِرُ مَحَلُّ الحَذْفِ، ولَمْ يَكْتَفِ بِحَرَجٍ واحِدٍ بِأنْ يُقالَ: لَيْسَ عَلى الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ وأنْفُسِكم حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ خِلافِ المُرادِ، وقِيلَ حَذْفُ الحَرَجِ آخِرًا لِلْإشارَةِ إلى مُغايَرَتِهِ لِلْمَذْكُورِ ولا تَقْدَحُ في دَلالَتِهِ عَلَيْهِ لا سِيَّما إذا قُلْنا: إنَّ الدّالَّ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِيهِ وهو كَما تَرى، ومَعْنى ﴿ عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ كَما في الكَشّافِ عَلَيْكم وعَلى مَن في مِثْلِ حالِكم مِنَ المُؤْمِنِينَ، وفِيهِ كَما في الكَشْفِ إشارَةٌ إلى فائِدَةِ إقْحامِ النَّفْسِ وأنَّ الحاصِلَ لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ المُطَعَّمِينَ ولا عَلى الذّاهِبِينَ إلى بُيُوتِ القُراباتِ ومَن في مِثْلِ حالِهِمْ وهُمُ الأصْدِقاءُ حُرَجٌ.

وقِيلَ: إنَّ فائِدَةَ إقْحامِها الإشارَةُ إلى أنَّ الأكْلَ المَذْكُورَ مَعَ أنَّهُ لا حَرَجَ فِيهِ لا يُخِلُّ بِقَدْرِ مِن لَهُ شَأْنٌ وهو وجْهٌ حَسَنٌ دَقِيقٌ لا يُلْزِمُهُ اسْتِعْمالَ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ ظاهِرًا، وكانَ مَنشَؤُهُ كَثْرَةُ إقْحامِ النَّفْسِ في ذَوِي الشَّأْنِ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كَتَبَ رَبُّكم عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ  ﴾ ولَمْ يَقُلْ سُبْحانَهُ: كَتَبَ رَبُّكم عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ فِي الحَدِيثِ القُدْسِيِّ: ««يا عِبادِي إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلى نَفْسِي»» دُونَ أنْ يَقُولَ جَلَّ وعَلا: إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَيَّ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يَعْرِفُهُ المُتَتَبِّعُ المُنْصِفُ، وما قِيلَ مِن أنَّ فائِدَةَ الإقْحامِ الإشارَةُ إلى أنَّ التَّجَنُّبَ عَنِ الأكْلِ المَذْكُورِ لا يَخْلُو عَنْ رِعايَةِ حَظِّ النَّفْسِ مَعَ خَفائِهِ لا يُلائِمُ إلّا بَعْضَ الرِّواياتِ السّابِقَةِ في سَبَبِ النُّزُولِ، ونَحْوُ ما قِيلَ مِن أنَّها أُقْحِمَتْ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ نَفْيَ الحَرَجِ عَنِ المُخاطِبِينَ في الأكْلِ مِنَ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ لِذَواتِهِمْ بِخِلافِ نَفْيِ الحَرَجِ عَنْ أهْلِ الأعْذارِ في الأكْلِ مِنها فَإنَّهُ لِكَوْنِهِمْ مَعَ المُخاطِبِينَ وذَهابِهِمْ بِهِمْ إلَيْها، والتَّعَرُّضُ لِنَفْيِ الحَرَجِ عَنْهم في أكْلِهِمْ مِن بُيُوتِهِمْ مَعَ ظُهُورِ انْتِفاءِ ذَلِكَ لِإظْهارِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَ قُرَنائِهِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ويُكَلِّمُ النّاسَ في المَهْدِ وكَهْلا  ﴾ لَكِنَّ ذَلِكَ فِيما نَحْنُ فِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، ولَمْ يَتَعَرَّضْ لِبُيُوتِ أوْلادِهِمْ لِظُهُورِ أنَّها كَبُيُوتِهِمْ، وذَكَرَ جَمْعٌ أنَّها داخِلَةٌ في بُيُوتِ المُخاطَبِينَ، فَقَدْ رَوى أبُو داوُدَ وابْنُ ماجَّةٍ ««أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ»» فِي حَدِيثٍ رَواهُ الشَّيْخانِ وغَيْرُهُما ««إنَّ أطْيَبَ ما يَأْكُلُ المَرْءُ مِن كَسْبِهِ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ»» وقالَ بَعْضُهُمُ: المُرادُ بِبُيُوتِ المُخاطَبِينَ بُيُوتُ أوْلادِهِمْ وأضافَها إلَيْهِمْ لِمَزِيدِ اخْتِصاصِها بِهِمْ كَما يَشْهَدُ بِهِ الشَّرْعُ والعُرْفُ، وقِيلَ: المَعْنى أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم مِن مالِ أوْلادِكم وأزْواجِكُمُ الَّذِينَ هم في بُيُوتِكم ومِن جُمْلَةِ عِيالِكم وهو كَما تَرى ﴿ أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ ﴾ وقَرَأ حَمْزَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ، والكِسائِيُّ وطَلْحَةُ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ المِيمِ ﴿ أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكم أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ﴾ أيْ أوْ مِمّا تَحْتَ أيْدِيكم وتَصَرُّفِكم مِن بُسْتانٍ أوْ ماشِيَةٍ وكالَّةٍ أوْ حِفْظًا وهو الَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلامُ ابْنِ عَبّاسٍ.

فَقَدْ رَوى عَنْهُ غَيْرُ واحِدٍ أنَّهُ قالَ: ذاكَ وكِيلُ الرَّجُلِ وقِيَمُهُ في ضَيْعَتِهِ وماشِيَتُهُ فَلا بَأْسَ عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَ مِن ثَمَرِ حائِطِهِ ويَشْرَبَ مِن لَبَنِ ماشِيَتِهِ ولا يَحْمِلَ ولا يَدَّخِرَ.

وقالَ السَّدِّيُّ: هو الرَّجُلُ يُوَلِّي طَعامَ غَيْرِهِ ويَقُومُ عَلَيْهِ فَلا بَأْسَ أنْ يَأْكُلَ مِنهُ.

وقالَ ابْنُ جَرِيرٍ: هو الزَّمَنُ يُسَلِّمُ إلَيْهِ مِفْتاحَ البَيْتِ ويُؤْذِنُ لَهُ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وقِيلَ: ولِيُّ اليَتِيمِ الَّذِي لَهُ التَّصَرُّفُ بِمالِهِ فَإنَّهُ يُباحُ لَهُ الأكْلُ مِنهُ بِالمَعْرُوفِ.

ومِلْكُ المِفْتاحِ عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ كَوْنِ الشَّيْءِ تَحْتَ يَدِ الشَّخْصِ وتَصَرُّفِهِ.

والعَطْفُ عَلى ما أشَرْنا إلَيْهِ عَلى ما بَعْدَ ﴿ مِن ﴾ وعَنْ قَتادَةَ أنَّ المُرادَ بِما مَلَّكْتُمْ مَفاتِحَهُ العَبِيدُ فالعَطْفُ عَلى ما بَعْدِ ﴿ بُيُوتِ ﴾ والتَّقْدِيرُ أوْ بُيُوتُ الَّذِينَ مَلَكْتُمْ مُفاتِحَهم.

وكانَ مِلْكُ المِفْتاحِ لِما شاعَ كِنايَةً لَمْ يَنْظُرْ فِيهِ إلى أنَّ المُتَصَرِّفَ مِمّا يَتَوَصَّلُ إلَيْهِ بِالمِفْتاحِ أوَّلًا ومِثْلُهُ كَثِيرٌ، أوْ هو تَرْشِيحٌ لِجَرْيِ العَبِيدِ مَجْرى الجَمادِ مِنَ الأمْوالِ المُشْعِرِ بِهِ اسْتِعْمالُ ما فِيهِمْ، ولا يَخْفى عَلَيْكَ بَعْدَ هَذا القَوْلِ وأنَّهُ يَنْدَرِجُ بُيُوتُ العَبِيدِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ بُيُوتِكُمْ ﴾ لِأنَّ العَبْدَ لا مِلْكَ لَهُ، وإرادَةُ المَعْتُوقِينَ مِنهم بِقَرِينَةٍ ﴿ مَلَكْتُمْ ﴾ بِلَفْظِ الماضِي مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يُلْتَفَتَ إلَيْهِ.

وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ «مُلِّكَتِمُ» بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللّامِ مُشَدَّدَةً «ومَفاتِيحُهُ» بِياءٍ بَعْدَ التّاءِ جَمْعُ مِفْتاحٍ.

وقَرَأ قَتادَةُ وهارُونُ عَنْ أبِي عَمْرٍو «مِفْتاحَهُ» بِالإفْرادِ وهو آلَةُ الفَتْحِ وكَذا المُفَتَّحُ كَما في القامُوسِ، وقالَ الرّاغِبُ: المُفَتَّحُ والمِفْتاحُ ما يُفْتَحُ بِهِ وجَمْعُهُ مَفاتِيحُ ومَفاتِحُ وفي بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ جَمْعَ مُفَتَّحٍ مَفاتِحُ وجَمْعُ مِفْتاحٍ مَفاتِيحُ ﴿ أوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ أيْ أوْ بُيُوتِ صَدِيقِكم وهو مَن يُصَدِّقُ في مَوَدَّتِكَ وتُصَدِّقُ في مَوَدَّتِهِ يَقَعُ عَلى الواحِدِ والجَمْعِ، والمُرادُ بِهِ هُنا الجَمْعُ، وقِيلَ: المُفْرَدُ، وسِرُّ التَّعْبِيرِ بِهِ دُونَ أصْدِقائِكُمُ الإشارَةُ إلى قِلَّةِ الأصْدِقاءِ حَتّى قِيلَ: صادُ الصَّدِيقُ وكافُ الكِيمْياءِ مَعًا لا يُوجِدانِ فَدَعْ عَنْ نَفْسِكَ الطَّمَعا ونُقِلَ عَنْ هِشامِ بْنِ عَبْدِ المَلِكَ أنَّهُ قالَ: نِلْتُ ما نِلْتُ حَتّى الخِلافَةِ وأعْوَزَنِي صَدِيقٌ لا أحْتَشِمُ مِنهُ، وقِيلَ: إنَّهُ إشارَةٌ إلى أنَّ شَأْنَ الصَّداقَةِ رَفْعُ الِاثْنَيْنِيَّةِ ورَفْعُ الحَرَجِ في الأكْلِ مِن بَيْتِ الصَّدِيقِ لِأنَّهُ أرْضى بِالتَّبَسُّطِ وأُسِرُّ بِهِ مِن كَثِيرٍ مِن ذَوِي القَرابَةِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما الصَّدِيقُ أكْبَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ إنِ الجَهَنَّمِيَّيْنِ لَمّا اسْتَغاثُوا لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ والأُمَّهاتِ فَقالُوا: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ ولا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ .

وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ مِن عِظَمِ حُرْمَةِ الصَّدِيقِ أنْ جَعَلَهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ الأُنْسِ والثِّقَةِ والِانْبِساطِ ورَفْعِ الحِشْمَةِ بِمَنزِلَةِ النَّفْسِ والأبِ والأخِ، وقِيلَ لِأفْلاطُونَ: مَن أحَبُّ إلَيْكَ أخُوكَ أمْ صَدِيقُكَ؟

فَقالَ: لا أُحِبُّ أخِي إلّا إذا كانَ صَدِيقِي، وقَدْ كانَ السَّلَفُ يَنْبَسِطُونَ بِأكْلِ أصْدِقائِهِمْ مِن بُيُوتِهِمْ ولَوْ كانُوا غَيْبًا.

يُحْكى عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ دَخَلَ دارَهُ وإذا حَلْقَةٌ مِن أصْدِقائِهِ وقَدِ اسْتَلُّوا سِلالًا مِن تَحْتِ سَرِيرِهِ فِيها الخَبِيصُ وأطايِبُ الأطْعِمَةِ وهم مُكَبُّونَ عَلَيْها يَأْكُلُونَ فَتَهَلَّلَتْ أسارِيرُ وجْهِهِ سُرُورًا وضَحِكَ وقالَ: هَكَذا وجَدْناهم هَكَذا وجَدْناهم يُرِيدُ كُبَراءَ الصَّحابَةِ ومَن لَقِيَهم مِنَ البَدْرِيِّينَ، وكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَدْخُلُ دارَ صَدِيقِهِ وهو غائِبٌ فَيَسْألُ جارِيَتَهُ كِيسَهُ فَيَأْخُذُ ما شاءَ فَإذا حَضَرَ مَوْلاها فَأخْبَرْتُهُ أعْتَقَها سُرُورًا بِذَلِكَ، وهَذا شَيْءٌ قَدْ كانَ.

«إذا النّاسُ ناسٌ والزَّمانُ زَمانٌ» وأمّا اليَوْمَ فَقَدْ طُوِيَ فِيما أعْلَمُ بِساطَهُ واضْمَحَلَّ والأمْرُ لِلَّهِ تَعالى فُسْطاطَهُ وعَفَتْ آثارُهُ وأفَلَتْ أقْمارُهُ وصارَ الصَّدِيقُ اسْمًا لِلْعَدُوِّ الَّذِي يُخْفِي عَداوَتَهُ ويَنْتَظِرُ لَكَ حَرْبَ الزَّمانِ وغارَتَهُ فَآهٌ ثُمَّ آهٌ ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

ومِن نَكَدِ الدُّنْيا عَلى الحَرِّ أنْ يَرى ∗∗∗ عَدُوًّا لَهُ ما مِن صَداقَتِهِ بُدٌّ ثُمَّ إنَّ نَفْيَ الحَرَجِ في الأكْلِ المَذْكُورِ مَشْرُوطٌ بِما إذا عَلِمَ الآكِلَ رِضا صاحِبِ المالِ بِإذْنٍ صَرِيحٍ أوْ قَرِينَةٍ، ولا يَرِدْ أنَّهُ إذا وجَدَ الرِّضا جازَ الأكْلُ مِن مالِ الأجْنَبِيِّ والعَدُوِّ أيْضًا فَلا يَكُونُ لِلتَّخْصِيصِ وجْهٌ لِأنَّ تَخْصِيصَ هَؤُلاءِ لِاعْتِيادِ التَّبَسُّطِ بَيْنَهم فَلا مَفْهُومَ لَهُ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: هَذا في الأرَقابِ الكَفَرَةِ أباحَ سُبْحانَهُ في هَذِهِ الآيَةِ ما حَظَرَهُ في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ  ﴾ ولَيْسَ بِشَيْءٍ، وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ في صَدْرِ الإسْلامِ ثُمَّ نَسَخَ بِقَوْلِهِ  : ««لا يَحُلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنهُ»» وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما: ««لا يَحْلِبْنَ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ»»، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا  ﴾ الآيَةُ، وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ  ﴾ فَإنَّهم إذا مَنَعُوا مِن مَنزِلِهِ  إلّا بِالشَّرْطِ المَذْكُورِ وهو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أكْرَمُ النّاسِ وأقَلُّهم حِجابًا فَغَيْرُهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَعْلَمُ بِالطَّرِيقِ الأُولى.

وأنْتَ تَعْلَمُ أنَّهُ لا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِالنُّسَخِ بِناءً عَلى ما قُلْنا أوَّلًا، واحْتَجَّ بِالآيَةِ بَعْضُ أئِمَّةِ الحَنَفِيَّةِ عَلى أنَّهُ لا قَطْعَ بِسَرِقَةِ مالِ المَحارِمِ مُطْلَقًا لا فَرْقَ في ذَلِكَ بَيْنَ الوالِدَيْنِ والمَوْلُودِينَ وبَيْنَ غَيْرِهِمْ لِأنَّها دَلَّتْ عَلى إباحَةِ دُخُولِ دارِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلا يَكُونُ مالُهم مُحْرِزًا ومُجَرَّدَ احْتِمالِ إرادَةِ الظّاهِرِ وعَدَمُ النَّسْخِ كافٍ في الشُّبْهَةِ المُدْرِئَةِ لِلْحَدِّ، وبَحْثٌ فِيهِ بِأنَّ دَرْءَ الحُدُودِ بِالشُّبَهاتِ لَيْسَ عَلى إطْلاقِهِ عِنْدَهم كَما يَعْلَمُ مِن أُصُولِهِمْ، وأوْرَدَ عَلَيْهِ أيْضًا أنَّهُ يَسْتَلْزِمُ أنْ لا تُقْطَعَ يَدُ مَن سَرَقَ مِنَ الصَّدِيقِ، وأُجِيبَ عَنْ هَذا بِأنَّ الصَّدِيقَ مَتى قَصَدَ سَرِقَةَ مالِ صَدِيقِهِ انْقَلَبَ عَدُوًّا، وتَعَقَّبَ بِأنَّ الشَّرْعَ ناظِرٌ إلى الظّاهِرِ لا إلى السَّرائِرِ، وقُرِئَ «صَدِيقُكُمْ» بِكَسْرِ الصّادِ اتِّباعًا لِحَرَكَةِ الدّالِّ حَكى ذَلِكَ حَمِيدٌ الخَزّازُ ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا ﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ وهو نَصْبٌ عَلى الحالِ مِن فاعِلِ ﴿ تَأْكُلُوا ﴾ وهو في الأصْلِ بِمَعْنى كُلٌّ ولا يُفِيدُ الِاجْتِماعَ خِلافًا لِلْفِراءِ، ودَلَّ عَلَيْهِ هُنا لِمُقابَلَتِهِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ أوْ أشْتاتًا ﴾ فَإنَّهُ عَطَفَ عَلَيْهِ داخِلَ في حُكْمِهِ وهو جَمْعُ شَتٍّ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ كالحَقِّ يُقالُ: أمْرٌ شَتٌّ أيْ مُتَفَرِّقٍ أوْ عَلى أنَّهُ في الأصْلِ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ مُبالَغَةً.

والآيَةُ عَلى ما ذَهَبَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ كَلامٌ مُسْتَأْنِفٌ مَسُوقٌ لِبَيانِ حُكْمٍ آخَرَ مِن جِنْسِ ما بَيْنَ قَبْلِهِ، وقَدْ نَزَلَتْ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والضَّحّاكِ وقَتادَةَ في بَنِي لَيْثِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كِنانَةَ تَحَرَّجُوا أنْ يَأْكُلُوا طَعامَهم مُنْفَرِدِينَ وكانَ الرَّجُلُ مِنهم لا يَأْكُلُ ويَمْكُثُ يَوْمَهُ حَتّى يَجِدَ ضَيْفًا يَأْكُلُ مَعَهُ فَإنْ لَمْ يَجِدْ مَن يُؤاكِلُهُ لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا ورُبَّما قَعَدَ الرَّجُلُ مِنهم والطَّعامُ بَيْنَ يَدَيْهِ لا يَتَناوَلُهُ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ ورُبَّما كانَتْ مَعَهُ الإبِلُ الحَفْلُ فَلا يَشْرَبُ مِن ألْبانِها حَتّى يَجِدَ مَن يُشارِبُهُ فَإذا أمْسى ولَمْ يَجِدْ أحَدًا أكَلَ، قِيلَ: وهَذا التَّحَرُّجُ سُنَّةٌ مَوْرُوثَةٌ مِنَ الخَلِيلِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وقَدْ قالَ حاتِمٌ: إذا ما صَنَعْتِ الزّادَ فالتَمِسِي لَهُ ∗∗∗ أكِّيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلُهُ وحْدِي وفِي الحَدِيثِ ««شَرُّ النّاسِ مَن أكَلَ وحْدَهُ وضَرَبَ عَبَدَهُ ومَنَعَ رَفْدَهُ»» وهَذا الذَّمُّ لِاعْتِيادِهِ بُخْلًا بِالقُرى ونَفْيُ الجَناحِ عَنْ وُقُوعِهِ أحْيانًا بَيانًا لِأنَّهُ لا إثْمَ فِيهِ ولا يَذُمُّ بِهِ شَرْعًا كَما ذَمَّتْ بِهِ الجاهِلِيَّةُ فَلا حاجَةَ إلى القَوْلِ بِأنَّ الوَعِيدَ في الحَدِيثِ لِمَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الخِصالُ الثَّلاثُ دُونَ الِانْفِرادِ بِالأكْلِ وحْدَهُ فَإنَّهُ يَقْتَضِي أنْ كُلًّا مِنها عَلى الِانْفِرادِ غَيْرِ مَنهِيٍّ عَنْهُ ولَيْسَ كَذَلِكَ، والقَوْلُ بِأنَّهم أهْلُ لِسانٍ لا يَخْفى عَلَيْهِمْ مِثْلَهُ ولَكِنْ لِمَجِيءِ الواوِ بِمَعْنى أوْ تَرَكُوا كُلَّ واحِدٍ مِنها احْتِياطًا لا وجْهَ لَهُ لِأنَّ هَؤُلاءِ المُتَحَرِّجِينَ لَمْ يَتَمَسَّكُوا بِالحَدِيثِ، وكَوْنُ الواوِ بِمَعْنى أُوتُوهم لا عِبْرَةَ بِهِ، ولا شَكَّ أنَّ اجْتِماعَ الأيْدِي عَلى الطَّعامِ سُنَّةٌ فَتَرْكُهُ بِغَيْرِ داعٍ مَذَمَّةٌ انْتَهى.

وعَنْ عِكْرِمَةَ وأبِي صالِحٍ أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ الأنْصارِ كانُوا إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُونَ إلّا مَعَهُ فَرَخَّصَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا كَيْفَ شاؤُوا، قِيلَ: كانَ الغَنِيُّ يَدْخُلُ عَلى الفَقِيرِ مِن ذَوِي قَرابَتِهِ وصَداقَتِهِ فَيَدْعُوهُ إلى طَعامِهِ فَيَقُولُ: إنِّي لِأتَحَرَّجَ أنْ آكُلَ مَعَكَ وأنا غَنِيٌّ وأنْتَ فَقِيرٌ ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا إذا اجْتَمَعُوا لِيَأْكُلُوا طَعامًا عَزَلُوا لِلْأعْمى ونَحْوَهُ طَعامًا عَلى حِدَةٍ فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِواجِبٍ.

وقِيلَ: كانُوا يَأْكُلُونَ فُرادًى خَوْفًا أنْ يَزِيدَ أحَدُهم عَلى الآخَرِ في الأكْلِ أوْ أنْ يَحْصُلَ مِنَ الِاجْتِماعِ ما يَنْفِرُ أوْ يُؤْذِي فَنَزَلَتْ لِنَفْيِ وُجُوبِ ذَلِكَ، وأيًّا كانَ فالعِبْرَةُ لِعُمُومِ اللَّفْظِ لا لِخُصُوصِ السَّبَبِ، وقِيلَ: الآيَةُ مِن تَتِمَّةِ ما قَبْلِها عَلى مَعْنى أنَّها وقَعَتْ جَوابًا لِسُؤالٍ نَشَأ مِنهُ كَأنَّ سائِلًا يَقُولُ: هَلْ نُفِيَ الحَرَجُ في الأكْلِ مِن بُيُوتِ مِن ذِكْرِ خاصٍّ فِيما إذا كانَ الأكْلُ مَعَ أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ أمْ لا؟

فَأُجِيبُ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا ﴾ أيْ مُجْتَمِعِينَ مَعَ أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ في الأكْلِ أوْ أشْتاتًا أيْ مُتَفَرِّقِينَ بِأنْ يَأْكُلَ كُلٌّ مِنكم وحْدَهُ لَيْسَ مَعَهُ صاحِبُ البَيْتِ وما ألْطَفَ نَفْيَ الحَرَجِ فِيما اتَّسَعَتْ دائِرَتُهُ ونَفْيَ الجَناحِ فِيما ورَدَ فِيهِ بَيْنَ أمْرَيْنِ والنِّكاتُ لا يَجِبُ اطِّرادُها كَذا قِيلَ فَتَدَبَّرْ.

﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ ﴾ شُرُوعٌ في بَيانِ الأدَبِ الَّذِي يَنْبَغِي رِعايَتُهُ عِنْدَ مُباشَرَةِ ما رَخَّصَ فِيهِ بَعْدَ بَيانِ الرُّخْصَةِ فِيهِ ﴿ بُيُوتًا ﴾ أيْ مِنَ البُيُوتِ المَذْكُورَةِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ الفاءُ.

﴿ فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ أيْ عَلى أهْلِها كَما أخْرَجَ ذَلِكَ ابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في شُعَبِ الإيمانِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَرِيبٌ مِنهُ ما أخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ وجَماعَةٌ عَنِ الحَسَنِ أنَّ المَعْنى فَلْيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ نَظِيرَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فاقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ  ﴾ والتَّعْبِيرُ عَنْ أهْلِ تِلْكَ البُيُوتِ بِالأنْفُسِ لِتَنْزِيلِهِمْ مُنْزِلَتِها لِشِدَّةِ الِاتِّصالِ، وفي الِانْتِصافِ في التَّعْبِيرِ عَنْهم بِذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى السِّرِّ الَّذِي اقْتَضى إباحَةَ الأكْلِ مِن تِلْكَ البُيُوتِ المَعْدُودَةِ وأنَّ ذَلِكَ إنَّما كانَ لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الدّاخِلِ كَبَيْتِ نَفْسِهِ لِلْقَرابَةِ ونَحْوِها، وقِيلَ: المُرادُ السَّلامُ عَلى أهْلِها عَلى أبْلَغِ وجْهٍ لِأنَّ المُسْلِمَ إذا رَدَّتْ تَحِيَّتَهُ عَلَيْهِ فَكَأنَّهُ سَلَّمَ عَلى نَفْسِهِ كَما أنَّ القاتِلَ لِاسْتِحْقاقِهِ القَتْلِ بِفِعْلِهِ كَأنَّهُ قاتِلٌ نَفْسَهُ.

وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ وغَيْرُهم عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ في الآيَةِ: هو المَسْجِدُ إذا دَخَلْتُهُ فَقُلِ السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ تَعالى الصّالِحِينَ.

فَحَمَلَ البُيُوتَ فِيها عَلى المَساجِدِ والسَّلامُ عَلى الأنْفُسِ عَلى ظاهِرِهِ، وقِيلَ: المُرادُ بُيُوتُ المُخاطَبِينَ وأهْلِهِمْ، وذُكِرَ أنَّ الرَّجُلَ إذا دَخَلَ عَلى أهْلِهِ سَنَّ لَهُ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً فَإنْ لَمْ يَجِدْ أحَدًا فَلْيَقُلِ السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا ورُوِيَ هَذا عَنْ عَطاءَ، وقِيلَ السَّلامُ عَلى الأنْفُسِ عَلى ظاهِرِهِ والمُرادُ بِبُيُوتٍ بُيُوتُ الكُفّارِ وذُكِرَ أنَّ داخِلَها وكَذا داخِلَ البُيُوتِ الخالِيَةِ يَقُولُ ما سَمِعْتُ آنِفًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقِيلَ يَقُولُ عَلى الكُفّارِ يَقُولُ: السَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، ولا يُخْفى المُناسِبِ لِلْمَقامِ، والسَّلامُ بِمَعْنى السَّلامِ مِنَ الآفاتِ وقِيلَ: اسْمٌ مِن أسْمائِهِ عَزَّ وجَلَّ وقَدْ مَرَّ الكَلامُ في ذَلِكَ عَلى أتَمِّ وجْهٍ فَتَذَكَّرْ.

﴿ تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أيْ ثابِتَةٍ بِأمْرِهِ تَعالى مَشْرُوعَةٍ مِن لَدُنْهُ عَزَّ وجَلَّ فالجارُّ والمَجْرُورُ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ وقَعَ صِفَةً لِتَحِيَّةٍ، وجَوَّزَ أنْ يَتَعَلَّقَ بِتَحِيَّةٍ فَإنَّها طَلَبُ الحَياةِ وهي مِن عِنْدِهِ عَزَّ وجَلَّ، وأصْلُ مَعْناها أنْ تَقُولَ حَيّاكَ اللَّهُ تَعالى أيْ أعْطاكَ سُبْحانَهُ الحَياةَ ثُمَّ عَمَّمَ لِكُلِّ دُعاءٍ، وانْتِصابُها عَلى المَصْدَرِيَّةِ لِيُسَلِّمُوا عَلى طَرِيقٍ قَعَدَتْ جُلُوسًا فَكَأنَّهُ قِيلَ فَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا أوْ فَحَيُّوا تَحِيَّةً ﴿ مُبارَكَةً ﴾ بُورِكَ فِيها بِالأجْرِ كَما رُوِيَ عَنْ مُقاتِلٍ، قالَ الضَّحّاكُ: في السَّلامِ عَشْرُ حَسَناتٍ ومَعَ الرَّحْمَةِ عِشْرُونَ ومَعَ البَرَكاتِ ثَلاثُونَ ﴿ طَيِّبَةً ﴾ تَطِيبُ بِها نَفْسُ المُسْتَمِعِ، والظّاهِرُ أنَّهُ يَزِيدُ المُسْلِمَ ما ذَكَرَ في سَلامِهِ، وعَنْ بَعْضِ السَّلَفِ زِيادَتُهُ كَما مَرَّ آنِفًا، وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما أنَّهُ قالَ: ما أخَذْتُ التَّشَهُّدَ إلّا مِن كِتابِ اللَّهِ تَعالى سَمِعْتُ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ فالتَّشَهُّدُ في الصَّلاةِ التَّحِيّاتُ المُبارَكاتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ.

﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ تَكْرِيرٌ لِمَزِيدِ التَّأْكِيدِ، وفي ذَلِكَ تَفْخِيمٌ فَخِيمٌ لِلْأحْكامِ المُخْتَتِمَةِ بِهِ ﴿ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ ما في تَضاعِيفِها مِنَ الشَّرائِعِ والأحْكامِ وتَعْمَلُونَ بِمُوجِبِها وتَحُوزُونَ بِذَلِكَ سَعادَةَ الدّارَيْنِ، وفِي تَعْلِيلِ هَذا التَّبْيِينِ بِهَذِهِ الغايَةِ القُصْوى بَعْدَ تَذْيِيلِ الأوَّلِينَ بِما يُوجِبُها مِنَ الجَزالَةِ ما لا يَخْفى، وذَكَرَ بَعْضُ الأجِلَّةِ أنَّهُ سُبْحانَهُ بَدَأ السُّورَةَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وأنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ  ﴾ وخَتَمَها بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ ﴾ ثُمَّ جَعَلَ تَبارَكَ وتَعالى خِتامَ الخَتْمِ قَوْلَهُ سُبْحانَهُ: <div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ قال في رواية الكلبي: كانت الأنصار يتنزهون عن الأكل مع الأعمى والمريض والأعرج، وقالوا: إن هؤلاء لا يقدرون أن يأكلوا مثل ما نأكل، فنزل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ يعني: ليس على من أكل مع الأعمى حَرَجٌ وَلا عَلَى من أكل مع الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى من أكل مع الْمَرِيضِ حَرَجٌ إذا أنصف في مؤاكلته.

وقال بعضهم: هذا التفسير خطأ، وهو غير محتمل في اللغة، لأنه أضاف الحرج إلى الأعمى لا إلى من أكل معه، وقد قيل: إن هذا صحيح، لأنه ذكر الأعمى وأراد به الأكل مع الأعمى، كقوله وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: 93] أي حب العجل، قال: وكما قال: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ وللآية وجه آخر: وهو أن الأعمى كان يتحرج عن الأكل مع الناس مخافة أن يأكل أكثر منهم وهو لا يشعر، والأعرج أيضاً يقول: إني أحتاج لزمانتي أن يوسع لي في المجلس، فيكون عليهم مضرة، والمريض يقول: الناس يتأذون مني لمرضي، ويقذرونني فيفسد عليهم الطعام، فنزل لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ يعني: لا بأس بأن يأكلوا مع الناس، ولا مأثم عليهم.

ولها وجه آخر: وهو ما روي عن عائشة  ا أنها قالت: «كان الناس يخرجون إلى الغزو، ويدفعون مفاتيحهم إلى الزَّمْنى والمرضى، ويقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا ممّا في منازلنا.

وكانوا يتورعون منازلهم حتى نزلت هذه الآية» وإلى هذا يذهب الزهري  .

وذكر أيضاً: أن مالك بن زيد وكان صديقه الحارث بن عمرو خرج غازياً، وخلف مالكاً في أهله وماله وولده، فلما رجع الحارث رأى مالكاً متغيراً لونه، فقال: ما أصابك، فقال: لم يكن عندي شيء آكله، فجهدت من الشدة والجوع، ولم يكن يحل لي أن آكل شيئاً من مالك، فنزلت هذه الآية إلى قوله أَوْ صَدِيقِكُمْ.

ثم قال تعالى: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أي: لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم أو من بيوت عيالكم وأزواجكم.

ويقال: مِنْ بُيُوتِكُمْ يعني: من بيوت بعضكم بعضا، وذلك أنه لما نزل قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ امتنع الناس من أن يأكل بعضهم من طعام بعض، فنزلت في ذلك: وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ يعني: من بيوت بعضكم بعضا.

أَوْ بُيُوتِ آبائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَواتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ يعني: لا بأس أن يأكل من بيت هؤلاء بغير إذنهم، لأنه يجري بينهما من الانبساط ما يغني عن الإذن.

ثم قال: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أي: خزائنه يعني: عبيدكم وإماءكم، إذا كان له عبد مأذون، فلا بأس أن يأكل من ماله، لأن ذلك من مال مولاه.

ويقال: يعني، حافظ البيوت، فلا بأس أن يأكل مقدار حاجته.

ثم قال: أَوْ صَدِيقِكُمْ يعني: لا جناح على الصديق أن يأكل من بيت صديقه إذا كان بينهما انبساط.

وروي عن قتادة أنه قال: «لو دخلت على صديق، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه كان حلالاً» .

ثم قال: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً يعني: جماعة أو متفرقين في بيت هؤلاء.

ويقال: إنهم كانوا يمتنعون عن الأكل وحده، وذكر في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ [العاديات: 6] يعني: الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، فرخص في هذه الآية، لأن الإنسان لا يمكنه أن يطلب في كل مرة أحداً يأكل معه.

وروى معمر عن قتادة قال: «نزلت الآية في حي من العرب كان الرجل منهم لا يأكل طعامه وحده، وكان يحمله بعض يوم حتى يجد من يأكل معه، فنزل لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً.

ثم قال: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً قال مقاتل: يعني: دخلتم بيوت المسلمين فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: بعضكم على بعض، كما قال: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: 29] يعني: بعضكم بعضاً.

وروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً قال: «هو المسجد فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: فقولوا السلام علينا من ربنا» تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يعني: السلام مُبارَكَةً بالأَجْرِ طَيِّبَةً بالمغفرة.

وقال إبراهيم النخعي: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ إذا كان في البيت إنسان يقول: السلام عليكم، وإذا لم يكن فيه أحد يقول: السلام علينا من ربنا، وَعَلَى عِبَادِ الله الصَّالِحِينَ، وهكذا قال مجاهد.

وقال الحسن والكلبي: فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ يعني: بعضكم على بعض.

وروى أبو ذر  عن النبيّ  أنه قال: «أبْخَلُ النَّاسِ الَّذِي يَبْخَلُ بِالسَّلامِ» ويقال: إنّ معنى السلام: إذا قال السلام عليكم يعني، السلامة لكم مني، فكأنه آمنهم من شر نفسه.

ويقال: يعني: حفظكم الله من الآفات.

ويقال: السلام هو الله تعالى، فكأنه يقول: الله حفيظ عليكم، ومطلع على ضمائركم، فإن كنتم في خير فزيدوا، وإن كنتم في شر فانزجروا تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وأصل التحية: هو البقاء والحياة، كقوله: حَيَّاكَ الله.

وإنما صار نصباً على المصدر.

ثم قال: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ يعني: أمره ونهيه في أمر الطعام والشراب لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ أي لكي تعقلوا وتفهموا وتعملوا به.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ- بَيِّنٌ لا يحتاجُ إلى تفسير.

وَالْقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ: هن اللواتي قد أسنّ وقَعَدْنَ عن الوِلْدِ، واحدتهن قَاعِدٌ، وقال ربيعة: هي هنا التي تُسْتَقْذَرُ من كِبرَهَا، قال غيره: وقد تَقْعُدُ المرأة عن الوِلْدِ وفيها مُسْتَمْتَعٌ، ولما كان الغالب من النساء أَنَّ ذواتَ هذا السِّنِّ لا مذهبَ للرجال فيهنَّ- أُبِيحَ لهنَّ ما لم يُبَحْ لغيرهنَّ، وقرأ «١» ابن مسعود وأبيّ: «أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهنَّ» والعرب تقول: امرأة، واضع للتي كَبُرَتْ، فوضعت خمارَها، ثم استثنى عليهن في وضع الثياب أَلاَّ يقصدنَ به التَّبَرُّجَ وإبداءَ الزينة فرُبَّ عجوزٍ يبدو منها الحِرْصُ على أَنْ يظهر لها جمال، والتبرج:

طلب البُدُوِّ والظهورِ للعين، ومنه: بُرُوجٌ مُشَيَّدة، والذي أبيح وضعه لهن الجِلبابُ الذي فوق الخمار والرداء، قاله ابن مسعود «٢» وغيره، ثم ذكر تعالى أَنَّ تَحَفُّظَ الجميعِ مِنْهُنَّ، واستعفافَهُنَّ عن وضع الثياب، والتزامهنَّ ما يلتزم الشَّوَابُّ من الستر- أفضلُ لَهُنَّ وخير.

وقوله تعالى: «والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ» : أي: سميع لما يقولُ كُلُّ قائل وقائلة، عليم بمقصد كل أحد، وفي هاتين الصفتين توعد وتحذير.

وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ إلى قوله كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ظاهر الآية وأَمْرُ الشريعة: أَنَّ الحَرَجَ عنهم مرفوع في كل ما يضطرهم إليه العذر، وتقتضي نيتهم الإتيان به بالأكمل، ويقتضي العذر أَنْ يقعَ منهم الأنقص، فالحرج مرفوع عنهم في هذا، وللناس أقوال في الآية وتخصيصات يطول ذكرها، وذكر الله تعالى

بيوتَ القراباتِ، وسقط منها بيوت الأبناء فقال المفسرون: ذلك لأَنَّها داخلة في قوله:

مِنْ بُيُوتِكُمْ لأنَّ بيت ابن الرجل بيتُه.

وقوله تعالى: أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ يريد ما خزنتم وصار في قبضتكم، فمعظمه ما ملكه الرجلُ في بيته وتحت غلقه، وهو تأويل الضَّحِّاكِ ومجاهد «١» ، وعند جمهور المفسرين: يدخل في الآية الوكلاءُ والعبيدُ والأُجراءُ بالمعروف.

وقرأ «٢» ابن جبير: «ملكتم مفاتيحه» مبنيا للمفعول وزيادة ياء بين التاء والحاء، وقَرَنَ تعالى في هذه الآية الصديقَ بالقرابة المَحْضَةِ الوكيدة لأَنَّ قُرْبَ المودة لصيق قال معمر: قلت لقتادَة: أَلاَ أشرب من هذا الجُبِّ؟

قال: أنت لي صديق، فما هذا الاستئذان؟

«٣» قال ابن عباس «٤» في «كتاب النقاش» : الصديق أوكد من القرابة ألا ترى استغاثة الجهنميين: فَما لَنا مِنْ شافِعِينَ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ [الشعراء: ١٠٠، ١٠١] .

وقوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتاتاً: ردّ لمذهب جماعة ٤١ ب من العرب كانت/ لا تأكل أفذاذاً البتَّةَ، نحت به نحو كرم الخلق، فأفرطت في إلزامه، وأَنَّ إحضار الأكيل لَحَسَنٌ ولكن بأَلاَّ يحرم الانفرادُ، قال البخاريُّ «٥» : أشتاتاً وشتى واحد، انتهى.

وقال بعض أهل العلم: هذه الآية منسوخة بقوله عليه السلام: [ «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» «٦» الحديث، وبقوله تعالى: لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا

الآية، وبقوله عليه السلام] «١» من حديث ابن عمر: «لاَ يَجْلِبَنَّ أَحَدُكُمْ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إلاَّ بِإذْنِهِ ...

» «٢» الحديث.

قلت: والحق أَنْ لا نسخَ في شيءٍ مِمَّا ذُكِرَ، وسيأتي مزيد بيان لهذا المعنى.

وقوله سبحانه: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً: قال النَّخَعِيُّ: أراد المساجد «٣» ، والمعنى:

سُلِّمُوا على مَنْ فيها، فإنْ لم يكن فيها أحد فالسلام أنْ يقول: السلامُ على رسول اللَّه صلى الله عليه وسلّم السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحين.

وقال ابن عباس «٤» وغيره: المراد البيوتُ المسكونة، أي: سلِّموا على مَنْ فيها، [قالوا: ويدخل في ذلك غيرُ المسكونة] «٥» ، ويُسَلِّم المرءُ فيها على نفسه بأنْ يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

قلت: وفي «سلاح المؤمن» ، وعن ابن عباس في قوله عز وجل: فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً

فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ قال: هو المسجدُ إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» «١» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» وقال: صحيحٌ على شرط الشيخين، يعني البخاريَّ ومسلماً، انتهى، وهذا هو الصحيح عن ابنِ عباس، وفَهِمَ النوويُّ أَنَّ الآية في البيوت المسكونة، قال: ففي الترمذيِّ عن أنس قال: قال لي النبيّ صلى الله عليه وسلّم: «يَا بُنَيَّ، إذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ، فَسَلِّمْ، يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ» «٢» قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وفي أبي داودَ عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «ثلاثة كلّهم ضامن على الله عز وجل: [رجل خرج غازيا في سبيل الله عز وجل] «٣» فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى المَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فيدخله الجنة أو يرده بما نال من أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلامٍ فَهُو ضَامِنٌ عَلَى اللهِ تعالى» «٤» ، حديث حسن رواه أَبو داودَ بإسناد حسن، ورواه آخرون، والضمان: الرعاية للشيء، والمعنى: أَنَّه في رعاية الله عز وجل، انتهى.

وقوله تعالى: تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً وصفها تعالى بالبركة لأَنَّ فيها الدعاءَ واستجلابَ مودَّةِ المسلم عليه.

قلت: وقد ذكرنا في سورة النساءِ: ما ورد في المصافحة من رواية ابن السُّنِّيِّ قال النووي: وَرُوِّينَا في «سنن» أَبي داودَ والترمذيِّ وابن ماجه عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ إلاَّ غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَفْتَرِقَا» «٥» انتهى.

والكاف من قوله: كَذلِكَ: كافُ تشبيهٍ وذلك: إشارة إلى هذه السنن.

وقال أيضاً بعضُ الناس في هذه الآية: أَنَّها منسوخة بآية الاستئذان المتقدمة.

قال ع «٦» : والنسخ لا يُتَصَوَّرُ في شيءٍ من هذه الآيات، بل هي مُحْكَمَةٌ، أَمَّا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها خَمْسَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ لَمّا نَزَلْ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ تَحَرَّجَ المُسْلِمُونَ عَنْ مُؤاكَلَةِ المَرْضى والزَّمْنى والعُمْيِ والعُرْجِ، وقالُوا: الطَّعامُ أفْضَلُ الأمْوالِ، وقَدْ نَهى اللَّهُ تَعالى عَنْ أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، والأعْمى لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ الطَّيِّبِ، والمَرِيضُ لا يَسْتَوْفِي الطَّعامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ ناسًا كانُوا إذا خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  ، وضَعُوا مَفاتِيحَ بُيُوتِهِمْ عِنْدَ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ وعِنْدَ أقارِبِهِمْ، وكانُوا يَأْمُرُونَهم أنْ يَأْكُلُوا مِمّا في بُيُوتِهِمْ إذا احْتاجُوا، فَكانُوا يَتَّقُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها ويَقُولُونَ: نَخْشى أنْ لا تَكُونَ أنْفُسُهم بِذَلِكَ طَيِّبَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ.

والثّالِثُ: أنَّ العُرْجانَ والعُمْيانَ كانُوا يَمْتَنِعُونَ عَنْ مُؤاكَلَةِ الأصِحّاءِ، لِأنَّ النّاسَ يَتَقَذَّرُونَهم، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ.

والرّابِعُ: أنَّ قَوْمًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ  كانُوا إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم ما يُطْعِمُونَ المَرِيضَ والزَّمِنَ، ذَهَبُوا بِهِ إلى بُيُوتِ آبائِهِمْ وأُمَّهاتِهِمْ وبَعْضِ مَن سَمّى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في هَذِهِ الآيَةِ، فَكانَ أهْلُ الزَّمانَةِ يَتَحَرَّجُونَ مَن أكَلَ ذَلِكَ الطَّعامِ لِأنَّهُ أطْعَمَهم غَيْرُ مالِكِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والخامِسُ: أنَّها نَزَلَتْ في إسْقاطِ الجِهادِ عَنْ أهْلِ الزَّمانَةِ المَذْكُورِينَ في الآيَةِ، قالَهُ الحَسَنُ، وابْنُ يَزِيدَ.

فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ مَعْنى الآيَةِ: لَيْسَ عَلَيْكم في الأعْمى حَرَجٌ أنْ تَأْكُلُوا مَعَهُ، ولا في الأعْرَجِ وتَكُونُ " عَلى " بِمَعْنى " في "، ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، وكَذَلِكَ يَخْرُجُ [مَعْنى الآيَةِ] عَلى كُلِّ قَوْلٍ بِما يَلِيقُ بِهِ.

وقَدْ كانَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ يَذْهَبُونَ إلى أنَّ آخِرَ الكَلامِ ﴿ وَلا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ وأنَّ ما بَعْدَهُ مُسْتَأْنَفٌ لا تَعُلَّقَ لَهُ بِهِ، وهو يُقَوِّي قَوْلَ الحَسَنِ، وابْنُ زَيْدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بُيُوتُ الأوْلادِ.

والثّانِي: البُيُوتُ الَّتِي يَسْكُنُونَها وهم فِيها عِيالُ غَيْرِهِمْ، فَيَكُونُ الخِطابُ لِأهْلِ الرَّجُلِ ووَلَدِهِ وخادِمِهِ ومَن يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَنزِلُهُ، ونَسَبَها إلَيْهِمْ لِأنَّهم سُكّانُها.

والثّالِثُ: أنَّها بُيُوتُهم، والمُرادُ أكْلُهم مِن مالِ عِيالِهِمْ وأزْواجِهِمْ، لِأنَّ بَيْتَ المَرْأةِ كَبَيْتِ الرَّجُلِ.

وَإنَّما أباحَ الأكْلَ مِن بُيُوتِ القَراباتِ المَذْكُورِينَ، لِجَرَيانِ العادَةِ بِبَذْلِ طَعامِهِمْ لَهم؛ فَإنْ كانَ الطَّعامُ وراءَ حِرْزٍ، لَمْ يَجُزْ هَتْكُ الحِرْزِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ الوَكِيلُ، لا بَأْسَ أنْ يَأْكُلَ اليَسِيرَ، وهو مَعْنى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ.

وقَرَأها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ: " مُلِّكْتُمْ " بِضَمِّ المِيمِ وتَشْدِيدِ اللّامِ مَعَ كَسْرِها عَلى ما لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وفَسَّرَها سَعِيدٌ فَقالَ: يَعْنِي القَهْرَمانَ الَّذِي بِيَدِهِ المَفاتِيحُ.

وَقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وقَتادَةُ، وابْنُ يَعْمُرَ: " مِفْتاحَهُ " بِكَسْرِ المِيمِ عَلى التَّوْحِيدِ.

والثّانِي: بَيْتُ الإنْسانِ الَّذِي يَمْلِكُهُ، وهو مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ.

والثّالِثُ: بُيُوتُ العَبِيدِ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نَزَلَتْ هَذِهِ في الحارِثِ بْنِ عَمْرٍو، خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  غازِيًا، وخَلَّفَ مالِكَ بْنَ زَيْدٍ عَلى أهْلِهِ، فَلَمّا رَجَعَ وجَدَهُ مَجْهُودًا، فَقالَ: تَحَرَّجْتُ أنْ آكُلَ مِن طَعامِكَ بِغَيْرِ إذْنِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وكانَ الحَسَنُ وقَتادَةُ يَرَيانِ الأكْلَ مِن طَعامِ الصَّدِيقِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ جائِزًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا ﴾ في سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ [الآيَةِ] ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّ حَيًّا مِن بَنِيَ كِنانَةَ يُقالُ لَهم: بَنُو لَيْثٍ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعامَ وحْدَهُ، فَرُبَّما قَعَدَ الرَّجُلُ والطَّعامُ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الصَّباحِ إلى الرَّواحِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، قالَهُ قَتادَةُ والضَّحّاكُ.

والثّانِي: أنَّ قَوْمًا مِنَ الأنْصارِ كانُوا لا يَأْكُلُونَ إذا نَزَلَ بِهِمْ ضَيْفٌ إلّا مَعَ ضَيْفِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، ورُخِّصَ لَهم أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا، قالَهُ عِكْرِمَةُ.

والثّالِثُ: أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن مُؤاكَلَةِ أهْلِ الضُّرِّ خَوْفًا مِن أنْ يَسْتَأْثِرُوا عَلَيْهِمْ، ومِنَ الِاجْتِماعِ عَلى الطَّعامِ، لِاخْتِلافِ النّاسِ في مَأْكَلِهِمْ وزِيادَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، فَوُسِّعَ عَلَيْهِمْ، وقِيلَ: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا ﴾ أيْ: مُجْتَمِعِينَ ﴿ أوْ أشْتاتًا ﴾ أيْ: مُتَفَرِّقِينَ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّها بُيُوتُ أنْفُسِكم، فَسَلِّمُوا عَلى أهالِيكم وعِيالِكم، قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وطاوُسُ، وقَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّها المَساجِدُ، فَسَلِّمُوا عَلى مَن فِيها، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: بُيُوتُ الغَيْرِ؛ فالمَعْنى: إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ غَيْرِكم فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَحِيَّةً ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هي مَنصُوبَةٌ عَلى المَصْدَرِ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ فَسَلِّمُوا ﴾ بِمَعْنى: فَحَيُّوا ولْيُحَيِّ بَعْضُكم بَعْضًا تَحِيَّةً، ﴿ مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ قالَ مُقاتِلٌ: مُبارَكَةٌ بِالأجْرِ، ﴿ طَيِّبَةً ﴾ أيْ: حَسَنَةً.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أو بُيُوتِ آبائِكم أو بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أو بُيُوتِ إخْوانِكم أو بُيُوتِ أخَواتِكم أو بُيُوتِ أعْمامِكم أو بُيُوتِ عَمّاتِكم أو بُيُوتِ أخْوالِكم أو بُيُوتِ خالاتِكم أو ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ أو صَدِيقِكم لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أو أشْتاتًا فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهِ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ ﴾ اخْتَلَفَ الناسُ في المَعْنى الَّذِي رَفَعَ اللهَ فِيهِ الحَرَجَ عَنِ الأصْنافِ الثَلاثَةِ، فَظاهِرُ الآيَةِ وأمْرُ الشَرِيعَةِ أنَّ الحَرَجَ مَرْفُوعٌ عنهم في كُلِّ ما يَضْطَرُّهم إلَيْهِ العُذْرُ، وتَقْتَضِي نِيَّتُهُمُ الإتْيانَ فِيهِ بِالأكْمَلِ، ويَقْتَضِي العُذْرُ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ الأنْقَصُ، فالحَرَجُ مَرْفُوعٌ عنهم في هَذا.

فَأمّا ما قالَ الناسُ في الحَرَجِ هُنا، فَقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هو الحَرَجُ في الغَزْوِ، أيْ: لا حَرَجَ عَلَيْهِمْ في تَأخُّرِهِمْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ الآيَةُ مَعْنًى مَقْطُوعٍ مِنَ الأوَّلِ وقالَتْ فِرْقَةٌ: الآيَةُ كُلُّها في مَعْنى المَطاعِمْ، قالَتْ: وكانَتِ العَرَبُ ومَن بِالمَدِينَةِ قَبْلَ المَبْعَثِ تَتَجَنَّبُ الأكْلَ مَعَ أهْلِ الأعْذارِ، فَبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَقْذُّرًا لِجَوَلانِ اليَدِ مِنَ الأعْمى، ولِانْبِساطِ الجَلْسَةِ مِنَ الأعْرَجِ، ولِرائِحَةِ المَرِيضِ وعِلّاتِهِ، وهي أخْلاقٌ جاهِلِيَّةٌ وكِبْرٌ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُؤَدِّبَةً، وبَعْضُهم كانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ تَحَرُّجًا مِن غَيْرِ أهْلِ الأعْذارِ إذْ هم مَقْصُورُونَ في الأكْلِ عن دَرَجَةِ الأصِحّاءِ، لِعَدَمِ الرُؤْيَةِ في الأعْمى، ولِلْعَجْزِ عَنِ المُزاحَمَةِ في الأعْرَجِ، ولِضَعْفِ المَرِيضِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ في إباحَةِ الأكْلِ مَعَهُمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: إنْ أهَّلَ هَذِهِ الأعْذارِ تَحَرَّجُوا في الأكْلِ مَعَ الناسِ لِأجْلِ عُذْرِهِمْ فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لَهم.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أيْضًا: الآيَةُ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها إنَّما نَزَلَتْ بِسَبَبِ أنَّ الناسَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ قالُوا: لا مالَ أعَزُّ مِنَ الطَعامِ، وتَحَرَّجُوا مِن أنْ يَأْكُلَ أحَدٌ مَعَ هَؤُلاءِ فَيَغْبِنَهم في الأكْلِ فَيَقَعَ في أكْلِ المالِ بِالباطِلِ، وكَذَلِكَ تَحَرَّجُوا عن أكْلِ طَعامِ القُراباتِ لِذَلِكَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً جَمِيعَ هَذِهِ المَطاعِمْ، ومُبَيِّنَةً أنَّ تِلْكَ إنَّما هي في التَعَدِّي والقِمارِ وكُلِّ ما يَأْكُلُهُ المَرْءُ مِن مالِ الغَيْرِ والغَيْرُ كارِهٌ، أو بِصِفَةٍ فاسِدَةٍ ونَحْوَهُ.

وقالَ عَبِيدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَتَبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ: قَوْلُهُ في الأصْنافِ الثَلاثَةِ إنَّما نَزَلَ بِسَبَبِ أنَّ الناسَ كانُوا إذا نَهَضُوا إلى الغَزْوِ وخَلَّفُوا أهْلَ العُذْرِ في مَنازِلِهِمْ وأمْوالِهِمْ، فَكانَ أُهِلُ العُذْرِ يَتَجَنَّبُونَ أكْلَ مالِ الغائِبِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ مُبِيحَةً لَهم أكَلَ الحاجَةِ مِن طَعامِ الغائِبِ إذا كانَ الغائِبُ قَدْ بَنى عَلى ذَلِكَ.

وقِيلَ: كانَ الرَجُلُ إذا ساقَ أهْلَ العُذْرِ إلى بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ذَهَبَ بِهِمْ إلى بَيْتِ قَرابَتِهِ، فَتَحَرَّجَ أهْلُ الأعْذارِ مِن ذَلِكَ فَنَزَلَتِ الآيَةُ.

وذَكْرَ اللهُ تَعالى بُيُوتَ القَراباتِ وسَقَطَ مِنها بُيُوتُ الأبْناءِ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: ذَلِكَ داخِلٌ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ ؛ لَأنَّ بَيْتَ ابْنِ الرَجُلِ بَيْتُهُ.

وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ "إمَّهاتِكُمْ" بِكَسْرِ الهَمْزَةِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أو ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ﴾ يَعْنِي ما حُزْتُمْ وصارَ في قَبْضَتِكُمْ، فَعَظَّمَهُ ما مَلَكَهُ الرَجُلُ في بَيْتِهِ وتَحْتَ غَلْقِهِ، وذَلِكَ هو تَأْوِيلُ الضِحاكِ ومُجاهِدٍ، وعِنْدَ جُمْهُورِ المُفَسِّرِينَ يَدْخُلُ في الآيَةِ الوُكَلاءُ والعَبِيدُ والأُجَراءُ بِالمَعْرُوفِ، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَلَكْتُمْ" بِفَتْحِ المِيمِ واللامِ، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَلِّكْتُمْ" بِضَمِّ المِيمِ وكَسْرِ اللامِ وشَدِّها، وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: "مَفاتِحَهُ"، وقَرَأ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: "مَفاتِيحَهُ" بِياءٍ بَيْنَ التاءِ والحاءِ، الأُولى عَلى جَمْعِ مِفْتَحٍ، والثانِيَةُ عَلى جَمْعِ مِفْتاحٍ، وقَرَأ قَتادَةُ: "مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ".

وقَرَنَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ الصَدِيقَ بِالقَرابَةِ المَحْضَةِ الوَكِيدَةِ؛ لَأنَّ قُرْبَ المَوَدَّةِ لَصِيقٌ، قالَ مَعْمَرٌ: قُلْتُ لِقَتادَةَ: ألا أشْرَبُ مِن هَذا الجُبِّ؟

فَقالَ: أنْتَ لِي صَدِيقٌ فَما هَذا الِاسْتِئْذانُ؟

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما في كِتابِ النَقاشِ: الصَدِيقُ أوكَدُ مِنَ القَرابَةِ، ألّا تَرى في اسْتِغاثَةِ الجَهَنَّمِيِّينَ: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ  ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ  ﴾ .

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أو أشْتاتًا ﴾ رَدٌّ لِمَذْهَبِ جَماعَةٍ مِنَ العَرَبِ كانَتْ لا تَأْكُلُ أفْرادًا البَتَّةَ، قالَهُ الطَبَرِيُّ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الشُعَراءِ: إذا ما صَنَعَتِ الزادَ فالتَمِسِي لَهُ أكِيلًا فَإنِّي لَسْتُ آكِلَهُ وحْدِي وكانَ بَعْضُ العَرَبِ إذا كانَ لَهُ ضَيْفٌ لا يَأْكُلُ إلّا أنْ يَأْكُلَ مَعَ ضَيْفِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُبِينَةً سُنَّةَ الأكْلِ، ومُذْهِبَةً كُلَّ ما خالَفَها مِن سُنَّةِ العَرَبِ، ومُبِيحَةً مِن أكْلِ المُنْفَرِدِ ما كانَ عِنْدَ العَرَبِ مُحَرَّمًا، نَحَتْ بِهِ نَحْوَ كَرَمِ الخُلُقِ فَأفْرَطَتْ في إلْزامِهِ، وإنَّ إحْضارَ الأكِيلِ لَحَسَنٌ ولَكِنْ بِألّا يَحْرُمُ الانْفِرادُ.

وقالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ  : «إنَّ دِماءَكم وأمْوالَكم عَلَيْكم حَرامٌ»، وبُقُولَهُ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا  ﴾ الآيَةُ، وبِقَوْلِهِ  مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُ: «لا يَحْلِبَنَّ أحَدٌ ماشِيَةَ أحَدٍ إلّا بِإذْنِهِ» الحَدِيثُ.

ثُمْ خَتَمَ اللهُ تَعالى الآيَةَ بِتَبْيِينِهِ سُنَّةَ السَلامِ في البُيُوتِ، واخْتَلَفَ الناسُ في أيِّ البُيُوتِ أرادَ، فَقالَ إبْراهِيمُ النَخْعِيُّ: أرادَ المَساجِدَ، والمَعْنى: سَلَّمُوا عَلى مَن فِيها مِن صِنْفِكُمْ، فَهَذا كَما قالَ: ﴿ لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ  ﴾ ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ في المَساجِدِ أحَدٌ فالسَلامُ أنْ يَقُولَ المَرْءُ: السَلامُ عَلى رَسُولِ اللهِ، وقِيلَ: يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْكُمْ، يُرِيدُ المَلائِكَةَ، ثُمْ يَقُولُ: السَلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ، وقَوْلُهُ تَعالى: "تَحِيَّةً" مَصْدَرٌ، ووَصَفَها بِالبَرَكَةِ لَأنَّ فِيها الدُعاءَ واسْتِجْلابَ مَوَدَّةِ المُسْلِمْ عَلَيْهِ، والكافُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: "كَذَلِكَ" كافُ تَشْبِيهٍ، و"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى هَذِهِ السُنَنِ، أيْ: هَذا الَّذِي وصَفَ يَطَّرِدُ تَبْيِينَ الآياتِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَها وتَعْمَلُونَ لَها.

وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ الِاسْتِئْذانِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ الناسُ، وهي المُقَدَّمَةُ في السُورَةِ، فَإذا كانَ الإذْنُ مَحْجُورًا فالطَعامُ أحْرى، وكَذَلِكَ فَرَضَتْ فِرْقَةٌ نَسْخًا بَيْنَها وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ .

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: والنُسَخُ لا يُتَصَوَّرُ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الآياتِ، بَلْ هي كُلُّها مَحْكَمَةٌ، أمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ  ﴾ فَفي التَعَدِّي والخُدَعِ والغَرَرِ واللهْوِ والقِمارِ ونَحْوَهُ، وأمّا هَذِهِ الآيَةُ فَفي إباحَةِ طَعامِ هَذِهِ الأصْنافِ الَّتِي يَسُرُّها اسْتِباحَةُ طَعامِها عَلى هَذِهِ الصِفَةِ، وأمّا آيَةُ الإذْنِ فَعِلَّةُ إيجابِ الِاسْتِئْذانِ خَوْفُ الكَشْفِ، فَإذا اسْتَأْذَنَ الرَجُلُ خَوَّفَ الكَشَفَةِ ودَخَلَ المَنزِلَ بِالوَجْهِ المُباحِ صَحَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أكْلُ الطَعامِ بِهَذِهِ الإباحَةِ، ولَيْسَ يَكُونُ في الآيَةِ نَسْخٌ، فَتَأمَّلْهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

﴿ لَّيْسَ عَلَى الاعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الاعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ ﴾ .

اختلف في أن قوله تعالى: ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ الخ منفصل عن قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ وأنه في غرض غير غرض الأكل في البيوت، أي فيكون من تمام آية الاستيذان، أو هو متصل بما بعده في غرض واحد.

فقال بالأول الحسن وجابر بن زيد وهو مختار الجبائي وابن عطية وابن العربي وأبي حيان.

وقال ابن عطية: إنه ظاهر الآية.

وهو الذي نختاره تفادياً من التكلف الذي ذكره مخالفوهم لبيان اتصاله بما بعده في بيان وجه الرخصة لهؤلاء الثلاثة الأصناف في الطعام في البيوت المذكورة، ولأن في قوله: ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ إلى آخر المعدودات لا يظهر اتصاله بالأعمى والأعرج والمريض، فتكون هذه الآية نفياً للحرج عن هؤلاء الثلاثة فيما تجره ضرارتهم إليهم من الحرج من الأعمال، فالحرج مرفوع عنهم في كل ما تضطرهم إليه أعذارهم، فتقتضي نيتهم الإتيان فيه بالإكمال ويقتضي العذر أن يقع منهم.

فالحرج منفي عن الأعمى في التكليف الذي يشترط فيه البصر، وعن الأعرج فيما يشترط فيه المشي والركوب، وعن المريض في التكليف الذي يؤثر المرض في إسقاطه كالصوم وشروط الصلاة والغزو.

ولكن المناسبة في ذكر هذه الرخصة عقب الاستئذان أن المقصد الترخيص للأعمى أنه لا يتعين عليه استئذان لانتفاء السبب الموجِبهِ.

ثم ذكر الأعرج والمريض إدماجاً وإتماماً لحكم الرخصة لهما للمناسبة بينهما وبين الأعمى.

وقال بالثاني جمهور المفسرين وقد تكلفوا لوجه عدّ هذه الأصناف الثلاثة في عداد الآكلين من الطعام الذي في بيوت من ذكروا في الآية الموالية.

والجملة: على كلا الوجهين مستأنفة استئنافاً ابتدائياً.

﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أمهاتكم أَوْ بُيُوتِ إخوانكم أَوْ بُيُوتِ أخواتكم أَوْ بُيُوتِ أعمامكم أَوْ بُيُوتِ عماتكم أَوْ بُيُوتِ أخوالكم أَوْ بُيُوتِ خالاتكم أَوْ مَا مَلَكْتُم مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ .

مناسبة عطف هذه الرخص على رخصة الأعمى، على تقدير أنه منفصل عنه كما تقدم وهو المختار عند المحققين، هو تعلق كليهما بالاستئذان والدخول للبيوت سواء كان لغرض الطعام فيها أو كان للزيارة ونحوها لاشتراك الكل في رفع الحرج، وعلى تقدير أنه متصل به على قول الجمهور فاقتران الجميع في الحكم هو الرخصة للجميع في الأكل، فأذن الله للأعمى والأعرج والمريض أن يدخلوا البيوت للأكل لأنهم محاويج لا يستطيعون التكسب وكان التكسب زمانئذٍ بعمل الأبدان فرخص لهؤلاء أن يدخلوا بيوت المسلمين لشبع بطونهم.

هذا أظهر الوجوه في توجيه عد هؤلاء الثلاثة مع من عطف عليهم.

وقد ذكر المفسرون وجوهاً أخر أنهاها أبو بكر ابن العربي في «أحكام القرآن» إلى ثمانية ليس منها واحد ينثلج له الصدر.

ولا نطيل بها.

وأعيد حرف (لا) مع المعطوف على المنفي قبله تأكيداً لمعنى النفي وهو استعمال كثير.

والمقصود بالأكل هنا الأكل بدون دعوة وذلك إذا كان الطعام محضراً دون المختزن.

والمراد بالأنفس ذوات المخاطبين بعلامات الخطاب فكأنه قيل: ولا عليكم جناح أن تأكلوا إلى آخره، فالخطاب للأمة.

والمراد بأكل الإنسان من بيته الأكل غير المعتاد، أي أن يأكل أكلاً لا يشاركه فيه بقية أهله كأن يأكل الرجل وزوجه غائبة، أو أن تأكل هي وزوجها غائب فهذه أثرة مرخص فيها.

وعطف على بيوت أنفسهم بيوتُ آبائهم، ولم يذكر بيوت أولادهم مع أنهم أقرب إلى الآكلين من الآباء فهم أحق بأن يأكلوا من بيوتهم.

قيل: لأن الأبناء كائنون مع الآباء في بيوتهم، ولا يصح، فقد كان الابن إذا تزوج بنى لنفسه بيتاً كما في خبر عبد الله بن عمر.

فالوجه أن بيوت الأبناء معلوم حكمها بالأولى من البقية لقول النبي صلى الله عليه وسلم «أنت ومالك لأبيك».

وهؤلاء المعدودون في الآية بينهم من القرابة أو الولاية أو الصداقة ما يعتاد بسببه التسامح بينهم في الحضور للأكل بدون دعوة لا يتحرج أحد منهم من ذلك غالباً.

و (ما) في قوله: ﴿ ما ملكْتُم مفاتحه ﴾ موصولة صادقة على المكان أو الطعام، عطف على ﴿ بيوت خالاتكم ﴾ لا على ﴿ أخوالكم ﴾ ولهذا جيء ب (ما) الغالب استعمالها في غير العاقل.

ومِلك المفاتيح أريد به حفظها بقرينة إضافته إلى المفاتيح دون الدور أو الحوائط.

والمفاتح: جمع مَفْتح وهو اسم آلة الفتح.

ويقال فيها مفتاح ويجمع على مفاتيح.

وهذه رخصة للوكيل والمختزن للطعام وناطور الحائط ذي الثمر أن يأكل كل منهم مما تحت يده بدون إذن ولا يتجاوز شبع بطنه وذلك للعرف بأن ذلك كالإجارة فلذلك قال الفقهاء: إذا كان لواحد من هؤلاء أجرة على عمله لم يجز له الأكل مما تحت يده.

و (صديق) هنا مراد به الجنس الصادق بالجماعة بقرينة إضافته إلى ضمير جماعة المخاطبين، وهو اسم تجوز فيه المطابقة لمن يجري عليه إن كان وصفاً أو خبراً في الإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث وهو الأصل، والغالب في فصيح الاستعمال أن يلزم حالة واحدة قال تعالى: ﴿ فما لنا منْ شافعين ولا صديق حميم ﴾ [الشعراء: 100، 101] ومثله الخليط والقطين.

والصديق: فعيل بمعنى فاعل وهو الصادق في المودة.

وقد جعل في مرتبة القرابة مما هو موقور في النفوس من محبة الصلة مع الأصدقاء.

وسئل بعض الحكماء: أي الرجلين أحب إليك أخوك أم صديقك؟

فقال: إنما أحب أخي إذا كان صديقي.

وأعيدت جملة: ﴿ ليس عليكم جُناح ﴾ تأكيداً للأولى في قوله: ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ إذ الجناح والحرج كالمترادفين.

وحسّن هذا التأكيد بُعد ما بين الحال وصاحبها وهو واو الجماعة في قوله: ﴿ أن تأكلوا من بيوتكم ﴾ ، ولأجل كونها تأكيداً فصلت بلا عطف.

والجميع: المجتمعون على أمر.

والأشتات: الموزعون فيما الشأن اجتماعهم فيه، قال تعالى: ﴿ تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ﴾ [الحشر: 14].

والأشتات: جمع شَتّ، وهو مصدر شتّ إذا تفرق.

وأما شتّى فجمع شتيت.

والمعنى: لا جناح عليكم أن يأكل الواحد منكم مع جماعة جاءوا للأكل مثله؛ أو أن يأكل وحده متفرقاً عن مشارك، لئلا يحسب أحدهم أنه إن وجد من سبقه للأكل أن يترك الأكل حتى يخرج الذي سبقه، أو أن يأكل الواحد منكم مع أهل البيت.

أو أن يأكل وحده.

وتقدم قراءة ﴿ بيوت ﴾ بكسر الباء للجمهور وبضمها لورش وحفص عن عاصم عند قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم ﴾ في هذه السورة (27).

﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ الله مباركة طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمُ الايات لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ .

تفريع على الإذن لهم في الأكل من هذه البيوت بأن ذكَّرهم بأدب الدخول المتقدم في قوله: ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ﴾ [النور: 27] لئلا يجعلوا القرابة والصداقة والمخالطة مبيحة لإسقاط الآداب فإن واجب المرء أن يلازم الآداب مع القريب والبعيد ولا يغرنَّه قول الناس: إذا استوى الحب سقط الأدب.

ومعنى ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ فليسلم بعضكم على بعض، كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [النساء: 29].

ولقد عكف قوم على ظاهر هذا اللفظ وأهملوا دقيقته فظنوا أن الداخل يسلم على نفسه إذا لم يجد أحداً وهذا بعيد من أغراض التكليف والآداب.

وأما ما ورد في التشهد من قول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فذلك سلام بمعنى الدعاء بالسلامة جعله النبي صلى الله عليه وسلم لهم عوضاً عما كانوا يقولون: السلام على الله، السلام على النبي، السلام على جبريل ومكائيل، السلام على فلان وفلان.

فقال لهم رسول الله: «إن الله هو السلام، إبطالاً لقولهم السلام على الله» ثم قال لهم: «قولوا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتموها أصابت كل عبد لله صالح في السماء وفي الأرض».

وأما السلام في هذه الآية فهو التحية كما فسره بقوله: ﴿ تحية من عند الله مباركة طيبة ﴾ ولا يؤمر أحد بأن يسلم على نفسه.

والتحية: أصلها مصدر حيّاه تحية ثم أدغمت الياءان تخفيفاً وهي قول: حياك الله.

وقد تقدم في قوله تعالى: ﴿ وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها ﴾ في سورة النساء (86).

فالتحية مصدر فعل مشتق من الجملة المشتملة على فعل (حيّا) مثل قولهم: جزّاه.

إذا قال له: جزاك الله خيراً، كما تقدم في فعل ﴿ وتسلموا على أهلها ﴾ [النور: 27] آنفاً.

وكان هذا اللفظ تحية العرب قبل الإسلام تحية العامة قال النابغة: حيّاككِ ربي فإنا لا يحل لنا *** لهو النساء وإن الدين قد عزَما وكانت تحية الملوك «عم صباحاً» فجعل الإسلام التحية كلمة «السلام عليكم»، وهي جائية من الحنيفية ﴿ قالوا سلاماً قال سلام ﴾ [هود: 69] وسماها تحية الإسلام، وهي من جوامع الكلم لأن المقصود من التحية تأنيس الداخل بتأمينه إن كان لا يعرفه وباللطف له إن كان معروفاً.

ولفظ «السلام» يجمع المعنيين لأنه مشتق من السلامة فهو دعاء بالسلامة وتأمين بالسلام لأنه إذا دعا له بالسلامة فهو مسالم له فكان الخبر كناية عن التأمين، وإذا تحقق الأمران حصل خير كثير لأن السلامة لا تجامع شيئاً من الشر في ذات السالم، والأمان لا يجامع شيئاً من الشر يأتي من قِبل المعتدي فكانت دعاء ترجى إجابته وعهداً بالأمن يجب الوفاء به.

وفي كلمة ﴿ عليكم ﴾ معنى التمكن، أي السلامة مستقرة عليكم.

ولكون كلمة (السلام) جامعة لهذا المعنى امتن الله على المسلمين بها بأن جعلها من عند الله إذ هو الذي علّمها رسوله بالوحي.

وانتصب ﴿ تحية ﴾ على الحال من التسليم الذي يتضمنه ﴿ فسلّموا ﴾ نظير عود الضمير على المصدر في قوله: ﴿ اعدلوا هو أقرب للتقوى ﴾ [المائدة: 8].

والمباركة: المجعولة فيها البركة.

والبركة: وفرة الخير.

وإنما كانت هذه التحية مباركة لما فيها من نية المسالمة وحسن اللقاء والمخالطة وذلك يوفر خير الأخوة الإسلامية.

والطيِّبة: ذات الطيِّب، وهو طِيب مجازي بمعنى النزاهة والقبول في نفوس الناس ووجه طِيب التحية أنها دعاء بالسلامة وإيذان بالمسالمة والمصافاة.

ووزن ﴿ طيبة ﴾ فيعلة مبالغة في الوصف مثل: الفيصل.

وتقدم في قوله تعالى: ﴿ قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة ﴾ في آل عمران (38) وفي قوله: ﴿ وجَرَيْن بِهِمْ بريح طيبة ﴾ في سورة يونس (22).

والمعنى أن كلمة «السلام عليكم» تحية خيرٌ من تحية أهل الجاهلية.

وهذا كقوله تعالى: ﴿ وتحيتهم فيها سلام ﴾ [يونس: 10] أي تحيتهم هذا اللفظ.

وجملة ﴿ كذلك يبين الله لكم الآيات ﴾ تكرير للجملتين الواقعتين قبلها في آية الاستئذان لأن في كل ما وقع قبل هذه الجملة بياناً لآيات القرآن اتضحت به الأحكام التي تضمنتها وهو بيان يرجى معه أن يحصل لكم الفهم والعلم بما فيه كمال شأنكم.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ ولا عَلى الأعْرَجِ حَرَجٌ ولا عَلى المَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّ الأنْصارَ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يُؤاكِلُوا هَؤُلاءِ إذا دُعُوا إلى طَعامٍ فَيَقُولُونَ: الأعْمى لا يُبْصِرُ أطْيَبَ الطَّعامِ، والأعْرَجُ لا يَسْتَطِيعُ الزِّحامَ عِنْدَ الطَّعامِ، والمَرِيضُ يَضْعُفُ عَنْ مُشارَكَةِ الصَّحِيحِ في الطَّعامِ.

وَكانُوا يَقُولُونَ: طَعامُهم مُفْرَدٌ ويَرَوْنَ أنَّهُ أفْضَلُ مِن أنْ يَكُونُوا شُرَكاءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فِيهِمْ ورَفَعَ الحَرَجَ عَنْهم في مُؤاكَلَتِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والضَّحّاكُ، والكَلْبِيُّ.

الثّانِي: أنَّهُ لَيْسَ عَلى هَؤُلاءِ مِن أهْلِ الزَّمانَةِ حَرَجٌ أنْ يَأْكُلُوا مِن بُيُوتِ مَن سَمّى اللَّهَ بَعْدَ هَذا مِن أهالِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الثّالِثُ: أنَّهُ كانَ المَذْكُورُونَ مِن أهْلِ الزَّمانَةِ يَخْلُفُونَ الأنْصارَ في مَنازِلِهِمْ إذا خَرَجُوا بِجِهادٍ وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلُوا مِنها فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهم في الأكْلِ مِن بُيُوتِ مَنِ اسْتَخْلَفُوهم فِيها، قالَهُ الزُّهْرِيُّ.

الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في إسْقاطِ الجِهادِ عَمَّنْ ذُكِرُوا مِن أهْلِ الزَّمانَةِ.

الخامِسُ: لَيْسَ عَلى مَن ذُكِرَ مِن أهْلِ الزَّمانَةِ حَرَجٌ إذا دُعِيَ إلى ولِيمَةٍ أنْ يَأْخُذَ مَعَهُ قائِدَهُ، وهَذا قَوْلُ عَبْدِ الكَرِيمِ.

﴿ وَلا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: مِن أمْوالِ عِيالِكم وأزْواجِكم لِأنَّهم في بَيْتِهِ.

الثّانِي: مِن بُيُوتِ أوْلادِكم فَنَسَبَ بُيُوتَ الأوْلادِ إلى بُيُوتِ أنْفُسِهِمْ لِقَوْلِهِ  : «أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ» ولِذَلِكَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ بُيُوتَ الأبْناءِ حِينَ ذَكَرَ بُيُوتِ الآباءِ والأقارِبِ اكْتِفاءً بِهَذا الذِّكْرِ.

الثّالِثُ: يَعْنِي بِها البُيُوتَ الَّتِي هم ساكِنُوها خِدْمَةً لِأهْلِها واتِّصالًا بِأرْبابِها كالأهْلِ والخَدَمِ.

﴿ أوْ بُيُوتِ آبائِكم أوْ بُيُوتِ أُمَّهاتِكم أوْ بُيُوتِ إخْوانِكم أوْ بُيُوتِ أخَواتِكم أوْ بُيُوتِ أعْمامِكم أوْ بُيُوتِ عَمّاتِكم أوْ بُيُوتِ أخْوالِكم أوْ بُيُوتِ خالاتِكُمْ ﴾ فَأباحَ الأكْلَ مِن بُيُوتِ هَؤُلاءِ لِمَكانِ النَّسَبِ مِن غَيْرِ اسْتِئْذانِهِمْ في الأكْلِ إذا كانَ الطَّعامُ مَبْذُولًا، فَإنْ كانَ مَحْرُوزًا دُونَهم لَمْ يَكُنْ لَهم هَتْكُ حِرْزِهِ.

وَلا يَجُوزُ أنْ يَتَجاوَزُوا الأكْلَ إلى الِادِّخارِ، ولا إلى ما لَيْسَ بِمَأْكُولٍ وإنْ كانَ غَيْرَ مَحْرُوزٍ عَنْهم إلّا بِإذْنٍ مِنهم ثُمَّ قالَ: ﴿ أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ عَنى بِهِ وكِيلَ الرَّجُلِ وقَيِّمَهُ في ضَيْعَتِهِ يَجُوزُ لَهُ أنْ يَأْكُلَ مِمّا يَقُومُ عَلَيْهِ مِن ثِمارِ ضَيْعَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ أرادَ مَنزِلَ الرَّجُلِ نَفْسِهِ يَأْكُلُ مِمّا ادَّخَرَهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ عَنى بِهِ أكْلَ السَّيِّدِ مِن مَنزِلِ عَبْدِهِ ومالِهِ لِأنَّ مالَ العَبْدِ لِسَيِّدِهِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ يَأْكُلُ مِن بَيْتِ صَدِيقِهِ في الوَلِيمَةِ دُونَ غَيْرِها.

الثّانِي: أنَّهُ يَأْكُلُ مِن مَنزِلِ صَدِيقِهِ في الوَلِيمَةِ وغَيْرِها إذا كانَ الطَّعامُ حاضِرًا غَيْرَ مُحْرَزٍ.

قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الصَّدِيقُ أكْثَرُ مِنَ الوالِدَيْنِ، ألا تَرى أنَّ الجَهَنَّمِيِّينَ لَمْ يَسْتَغِيثُوا بِالآباءِ ولا الأُمَّهاتِ وإنَّما قالُوا: ﴿ فَما لَنا مِن شافِعِينَ ﴾ ﴿ وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ ورُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ  أنَّهُ قالَ: « (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ في الصَّدِيقِ البارِّ عِوَضًا عَنِ الرَّحِمِ المَذْمُومَةِ» والمُرادُ بِالصَّدِيقِ الأصْدِقاءُ وهو واحِدٌ يُعَبَّرُ بِهِ عَنِ الجَمِيعِ، قالَ جَرِيرٌ: دَعَوْنَ الهَوى ثُمَّ ارْتَمَيْنَ قُلُوبَنا.

.

بِأسْهُمِ أعْداءٍ وهُنَّ صَدِيقُ وَفِي الصَّدِيقِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ الَّذِي صَدَقَكَ عَنْ مَوَدَّتِهِ.

الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يُوافِقُ باطِنَهُ باطِنَكَ كَما وافَقَ ظاهِرُهُ ظاهِرَكَ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا في نَسْخِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ بَعْدَ ثُبُوتِ حُكْمِهِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى ثُبُوتِهِ لَمْ يُنْسَخْ شَيْءٌ مِنهُ، قالَهُ قَتادَةُ.

الثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ ﴾ الآيَةَ.

وَيَقُولُ النَّبِيُّ  : « (لا يَحِلُّ مالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنهُ» قالَ تَعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في بَنِي كِنانَةَ كانَ رَجُلٌ مِنهم يَرى أنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ في الجاهِلِيَّةِ حَتّى أنَّ الرَّجُلَ لَيَسُوقُ الزَّوْدَ الحَفْلَ وهو جائِعٌ حَتّى يَجِدَ مَن يُؤاكِلُهُ ويُشارِبُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ.

الثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مِنَ العَرَبِ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ تَحَرَّجَ أنْ يَتْرُكَهُ يَأْكُلُ وحْدَهُ حَتّى يَأْكُلَ مَعَهُ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ.

الثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلُوا جَمِيعًا ويَعْتَقِدُونَ أنَّهُ ذَنْبٌ ويَأْكُلُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مُنْفَرِدًا، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الرّابِعُ: أنَّها نَزَلَتْ في قَوْمٍ مُسافِرِينَ اشْتَرَكُوا في أزْوادِهِمْ فَكانَ إذا تَأخَّرَ أحَدُهم أمْسَكَ الباقُونَ عَنِ الأكْلِ حَتّى يَحْضُرَ، فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ تَرْخِيصًا لِلْأكْلِ جَماعَةً وفُرادى.

﴿ فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا ﴾ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ المَساجِدُ.

الثّانِي: أنَّها جَمِيعُ البُيُوتِ.

﴿ فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ أنْفُسِكم فَسَلِّمُوا عَلى أهالِيكم وعِيالِكم، قالَهُ جابِرٌ.

الثّانِي: إذا دَخَلْتُمُ المَساجِدَ فَسَلِّمُوا عَلى مَن فِيها، وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ.

الثّالِثُ: إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتَ غَيْرِكم فَسَلِّمُوا عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ.

الرّابِعُ: إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أهْلِ دِينِكُمْ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الخامِسُ: إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فارِغَةً فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم وهو أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ، قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وإبْراهِيمُ، وأبُو مالِكٍ، وقِيلَ: سَلامُهُ عَلى نَفْسِهِ أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ.

وَإذا سَلَّمَ الواحِدُ مِنَ الجَماعَةِ أجْزَأ عَنْ جَمِيعِهِمْ، فَإذا دَخَلَ الرَّجُلُ مَسْجِدًا ذا جَمْعٍ كَثِيرٍ سَلَّمَ يُسْمِعُ نَفْسَهُ، وإذا كانَ ذا جَمْعٍ قَلِيلٍ أسْمَعَهم أوْ بَعْضَهم.

قالَ الحَسَنُ: كانَ النِّساءُ يُسَلِّمْنَ عَلى الرِّجالِ ولا يُسَلِّمُ الرِّجالُ عَلى النِّساءِ، وكانَ ابْنُ عُمَرَ يُسَلِّمُ عَلى النِّساءِ، ولَوْ قِيلَ لا يُسَلِّمُ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ عَلى الآخَرِ كانَ أوْلى لِأنَّ السَّلامَ مُواصَلَةٌ.

﴿ تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: يَعْنِي أنَّ السَّلامَ اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى.

الثّانِي: أنَّ التَّحِيَّةَ بِالسَّلامِ مِن أوامِرِ اللَّهِ.

الثّالِثُ: أنَّ الرَّدَّ عَلَيْهِ إذا سَلَّمَ دُعاءٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ.

الرّابِعُ: أنَّ المَلائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ فَيَكُونُ ثَوابًا مِن عِنْدِ اللَّهِ.

﴿ مُبارَكَةً ﴾ فِيها وجْهانِ: أحَدُهُما: لِما فِيها مِنَ الثَّوابِ الجَزِيلِ.

الثّانِي: لِما يُرْجى مِن ثَوابِ الدُّعاءِ.

﴿ طَيِّبَةً ﴾ يَحْتَمِلُ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: لِما فِيها مِن طِيبِ العَيْشِ بِالتَّواصُلِ.

الثّانِي: لِما فِيها مِن طِيبِ الذِّكْرِ والشَّأْنِ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [ النساء: 29] قالت الأنصار: ما بالمدينة مال أعز من الطعام.

كانوا يتحرجون أن يأكلوا مع الأعمى يقولون: أنه لا يبصر موضع الطعام، وكانوا يتحرجون الأكل مع الأعرج يقولون: الصحيح يسبقه إلى المكان، ولا يستطيع أن يزاحم، ويتحرجون الأكل مع المريض يقولون: لا يستطيع أن يأكل مثل الصحيح، وكانوا يتحرجون أن يأكلوا في بيوت أقربائهم، فنزلت ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ يعني في الأكل مع الأعمى.

وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مقسم قال: كانوا يكرهون أن يأكلوا مع الأعمى، والأعرج، والمريض، لأنهم لا ينالون كما ينال الصحيح فنزلت ﴿ ليس على الأعمى حرج...

﴾ الآية.

وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وإبراهيم وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن مجاهد قال: كان الرجل يذهب بالأعمى أو الأعرج والمريض إلى بيت أبيه، أو بيت أخيه، أو بيت أخته، أو بيت عمه، أو بيت عمته، أو بيت خاله، أو بيت خالته، فكان الزمنى يتحرجون من ذلك يقولون: إنما يذهبون بنا إلى بيوت غيرهم، فنزلت هذه الآية رخصة لهم.

وأخرج البزار وابن أبي حاتم وابن مردويه وابن النجار عن عائشة قالت: كان المسلمون يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدفعون مفاتيحهم إلى أمنائهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما احتجتم إليه، فكانوا يقولون: إنه لا يحل لنا أن نأكل إنهم أذنوا لنا من غير طيب أنفسهم، وإنما نحن أمناء، فأنزل الله: ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ إلى قوله: ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن ابن شهاب أخبرني عبيد الله بن عبد الله وابن المسيب أنه كان رجال من أهل العلم يحدثون إنما أنزلت هذه الآية في أمناء المسلمين، كانوا يرغبون في النفير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، فيعطون مفاتيحهم أمناءهم ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا فيقول الذين استودعوهم المفاتيح: والله ما يحل لنا مما في بيوتهم شيء، وإن أحلوه لنا حتى يرجعوا إلينا، وانها لأمانة ائتمنا عليها، فلم يزالوا على ذلك حتى أنزل الله هذه الآية، فطابت أنفسهم.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ﴾ [ النساء: 29] قال المسلمون: إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو من أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل من عند أحد.

فكف الناس عن ذلك فأنزل الله: ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ إلى قوله: ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وهو الرجل يوكل الرجل بضيعته، والذي رخص الله أن يأكل من ذلك الطعام، والتمر، وشرب اللبن، وكانوا أيضاً يتحرجون أن يأكل الرجل الطعام وحده حتى يكون معه غيره، فرخص الله لهم فقال: ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الضحاك رضي الله عنه قال: كان أهل المدينة قبل أن يبعث النبي صلى الله عليه وسلم لا يخالطهم في طعامهم أعمى، ولا مريض، ولا أعرج، لأن الأعمى لا يبصر طيب الطعام، والمريض لا يستوفي الطعام كما يستوفي الصحيح، والأعرج لا يستطيع المزاحمة على الطعام، فنزلت رخصة في مؤاكلتهم.

وأخرج الثعلبي عن ابن عباس قال: خرج الحارث غازياً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف على أهله خالد بن زيد، فحرج أن يأكل من طعامه، وكان مجهوداً، فنزلت.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو داود في مراسيله وابن جرير والبيهقي عن الزهري أنه سئل عن قوله: ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ الآية ما بال الأعمى والأعرج والمريض ذكروا هنا؟

فقال: أخبرنا عبيد الله بن عبد الله: أن المسلمين كانوا إذا غزوا أقاموا أوصاتهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم يقولون: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، وكانوا يتحرجون من ذلك يقولون: لا ندخلها وهم غيب فأنزلت هذه الآية رخصة لهم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان هذا الحي من بني كنانة بن خزيمة يرى أحدهم أن عليه مخزاة أن يأكل وحده في الجاهلية حتى إن كان الرجل بسوق الذود الحفل وهو جائع حتى يجد ما يؤاكله، ويشاربه فأنزل الله: ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعاً أو أشتاتاً ﴾ .

وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة وأبي صالح قالا: كانت الأنصار إذا نزل بهم الضيف لا يأكلون معه حتى يأكل معهم الضيف، فنزلت رخصة لهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ أو صديقكم ﴾ قال: إذا دخلت بيت صديقك من غير مؤامرته، ثم أكلت من طعامه بغير إذنه، لم يكن بذلك بأس.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ أو صديقكم ﴾ قال: هذا شيء قد انقطع إنما كان هذا في أوله، ولم يكن لهم أبواب، وكانت الستور مرخاة، فربما دخل الرجل البيت وليس فيه أحد، فربما وجد الطعام وهو جائع، فسوّغ له الله أن يأكله قال: وذهب ذلك.

اليوم البيوت فيها أهلها، فإذا خرجوا أغلقوا، فقد ذهب ذلك.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ يقول: إذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أهلها تحية من عند الله؛ وهو السلام، لأنه اسم الله وهو تحية أهل الجنة.

وأخرج البخاري في الأدب وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم تحية من عند الله مباركة طيبة قال أبو الزبير: ما رأيته إلا أوجبه.

وأخرج الحاكم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها، واذا طعمتم فاذكروا اسم الله، وإذا سلم أحدكم حين يدخل بيته وذكر اسم الله على طعامه يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم ولا عشاء، وإذا لم يسلم أحدكم ولم يسم يقول الشيطان لأصحابه: أدركتم المبيت والعشاء» .

وأخرج البخاري في الأدب عن جابر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله، وعند طعامه، قال الشيطان: لا مبيت لكم ولا عشاء، فإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان: أدركتم المبيت وإن لم يذكر الله عند طعامه قال الشيطان: أدركتم المبيت والعشاء» .

وأخرج البيهقي في الشعب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل بيته يقول: «السلام علينا من ربنا التحيات الطيبات المباركات لله سلام عليكم» .

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن عطاء قال: إذا دخلت على أهلك فقل: السلام عليكم تحية من عند الله مباركة طيبة، فإذا لم يكن فيه أحد فقل: السلام علينا من ربنا.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير عن ماهان في قوله: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ قال: يقول السلام علينا من ربنا.

وأخرج الطبراني عن أبي البختري قال: جاء الاشعث بن قيس، وجرير بن عبدالله البجلي، إلى سلمان فقالا: جئناك من عند أخيك أبي الدرداء قال: فأين هديته التي أرسلها معكما؟

قالا: ما أرسل معنا بهدية قال: اتقيا الله، وأديا الأمانة، ما جاءني أحد من عنده إلا جاء معه بهدية قالا: والله ما بعث معنا شيئاً إلا أنه قال: اقرؤوه مني السلام قال: فأي هدية كنت أريد منكما غير هدية؟

وأي هدية أفضل من السلام تحية من عند الله مباركة طيبة؟

وأخرج الطبراني عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن لا يجد الشيطان عنده طعاماً، ولا مقيلاً، ولا ميتاً، فليسلم إذا دخل بيته، وليسم على طعامه» .

وأخرج ابن عدي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قام أحدكم على حجرته ليدخل فليسم الله فإنه يرجع قرينه من الشيطان الذي معه ولا يدخل، فإذا دخلتم فسلموا فأنه يخرج ساكنه منهم، وإذا وضع الطعام فسموا فإنكم تدحرون الخبيث إبليس عن أرزاقكم، ولا يشرككم فيها، وإذا ارتحلتم دابة فسموا الله حين تضعون أول حلس، فإن كل دابة معتقدة وإنكم إذا سميتم حططتموه عن ظهرها، وإن نسيتم ذلك شرككم في مراكبكم.

ولا تبيتوا منديل الغمر معكم في البيت، فأنه بيت الشيطان ومضجعه، ولا تتركوا العمامة ممسية إذا جمعت في جانب الحجرة، فإنها مقعد الشيطان، ولا تسكنوا بيوتاً غير مغلقة، ولا تفترشوا الزبالا التي تفضي إلى ظهور الدواب، ولا تبيتوا على سطح ليس بمحجور، وإذا سمعتم نباح الكلاب أو نهيق الحمار فاستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم، فإنهما لا يريان الشيطان إلا نبح ونهق الحمار» .

وأخرج ابن مردويه عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «للاسلام ضياء وعلامات كمنار الطريق فرأسها وجماعها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وتمام الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنة نبيه، وطاعة ولاة الأمر، وتسليمكم على أنفسكم، وتسليمكم إذا دخلتم بيوتكم، وتسليمكم على بني آدم إذا لقيتموهم» .

وأخرج البزار وابن عدي والبيهقي في شعب الإِيمان عن أنس قال: أوصاني النبي صلى الله عليه وسلم بخمس خصال قال: «أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت بيتك فسلم على أهل بيتك يكثر خير بيتك، وصل صلاة الضحى فإنها صلاة الأوابين قبلك، يا أنس ارحم الصغير، ووقر الكبير، تكن من رفقائي يوم القيامة» .

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس في قوله: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلته فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير والبيهقي عن أبي مالك قال: إذا دخلت بيتاً فيه ناس من المسلمين فسلم عليهم، وإن لم يكن فيه أحد أو كان فيه ناس من المشركين فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وأخرج ابن أبي شيبة والبخاري في الأدب عن ابن عمر قال: إذا دخل البيت غير المسكون، أو المسجد، فيلقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: إذا دخلت بيتك وليس فيه أحد أو بيت غيرك فقل: بسم الله والحمد لله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم والبيهقي عن قتادة في قوله: ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم ﴾ قال: إذا دخلت بيتك فسلم على أهلك، وإذا دخلت بيتاً لا أحد فيه فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنه كان يؤمر بذلك، وحدثنا أن الملائكة ترد عليه.

وأخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ قال: ليسلم بعضكم على بعض كقوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [ النساء: 29] .

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله: ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ قال: إذا دخل المسلم على المسلم سلم عليه مثل قوله: ﴿ ولا تقتلوا أنفسكم ﴾ [ النساء: 29] إنما هو لا تقتل أخاك المسلم وقوله: ﴿ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ﴾ [ البقرة: 85] قال: يقتل بعضكم بعضاً.

قريظة، والنضير.

وقوله: ﴿ جعل لكم من أنفسكم أزواجاً ﴾ [ الروم: 21] كيف يكون زوج الإِنسان من نفسه؟

إنما هي جعل لكم أرواحاً من بني آدم ولم يجعل من الإِبل والبقر وكل شيء في القرآن على هذا.

وأخرج عبد بن حميد عن مجاهد في قوله: ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ قال: بعضكم على بعض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ما أخذت التشهد إلا من كتاب الله سمعت الله يقول ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة ﴾ فالتشهد في الصلاة «التحيات المباركات الطيبات لله» .

وأخرج سعيد بن منصور عن ثابت بن عبيد قال: أتيت ابن عمر قبل الغداة.

وهو جالس في المسجد فقال لي: ألا سلمت حين جئت؟

فانها تحية من عند الله مباركة.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى ﴾ روى الزهري، عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله في هذه الآية أن المسلمين كانوا إذا غزوا خلّفوا زَمْناهم، وكانوا يدفعون إليهم مفاتيح أبوابهم ويقولون: قد أحللناكم أن تأكلوا مما في بيوتنا.

فكانوا يتحرجون من ذلك وقالوا (١) (٢) وهذا قول عائشة  ا روي أنها قالت في هذه الآية: كان المسلمون يرغبون مع رسول الله -  - في المغازي، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضمناء (٣) (٤) فعلى هذا معنى الآية: نفي الحرج عن الزَّمنى في أكلهم من بيوت (٥) وروى الكلبي، عن أبي صالح، [عن ابن عباس] (٦) (٧) (٨) (٩) ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ ﴾ يقولون: ليس على من أكل (١٠) (١١) وهذا معنى قول مقسم -في هذه الآية-: كانوا لا يأكلون مع الأعمى والأعرج والمريض؛ لأنهم كانوا لا ينالون من الطعام كما ينالون.

فنزلت هذه الآية (١٢) ونحو هذا ذكر مقاتل بن سليمان في سبب النزول (١٣) واختار الفراء هذا القول وقال: معنى الآية: ليس عليكم في مؤاكلتهم (١٤) (١٥) (١٦) وعلى هذا قوله ﴿ عَلَى الْأَعْمَى ﴾ (١٧) وقال آخرون: كان (١٨) (١٩) (٢٠) (٢١) (٢٢) يقول: ليس على هؤلاء حرج في مؤاكلة الناس.

وهذا معنى قول (٢٣) (٢٤) وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ليس على هؤلاء حرج في التخلف عن الغزو مع رسول الله -  -.

وهذا قول الحسن وابن زيد (٢٥) وعلى هذا تم الكلام عند قوله ﴿ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ ﴾ ، وقوله ﴿ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ كلام منقطع عما قبله (٢٦) قال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  ﴾ ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير وقالوا: لا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد فأنزل الله تعالى ﴿ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾ (٢٧) أي: ليس عليكم حرج في أنفسكم أن تأكلوا من أموال عيالكم وأزواجكم.

فمعنى ﴿ مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾ من بيوت أزواجكم وعيالكم، أضاف إليه؛ لأن بيت (٢٨) (٢٩) ذكر هذا المعنى الفرَّاء (٣٠) قال [ابن قتيبة: وقال] (٣١) (٣٢) (٣٣) (٣٤) وذكر مجاهد في سبب نزول الآية غير ما ذكر هؤلاء وقال: كانت رجال زمنى: عميًا عرجًا أولي (٣٥) (٣٦) (٣٧) ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ ﴾ (٣٨) (٣٩) وعلى هذا معنى الآية: لا جناح على هؤلاء الزمنى ولا على من استتبعهم أن يأكلوا من بيوت أزواجهم وعيالهم أو بيوت آبائهم وأقاربهم الذين ذكروا.

وقال السدي: كان الرجل يدخل بيت أبيه أو بيت أخيه [أو بيت أخته] (٤٠) (٤١) (٤٢) قال ابن قتيبة: وهذا من رخصته للقرابات (٤٣) (٤٤) (٤٥) (٤٦) وقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد مماليككم (٤٧) وقال الفراء: يعني: أو بيوت ﴿ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ (٤٨) قال: ويجوز أن تكون المفاتح (٤٩) (٥٠) وذكرنا المفاتح بمعنى الخزائن في (٥١) ﴿ وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ  ﴾ .

وهذا معنى قول مقاتل بن سليمان (٥٢) (٥٣) وقال آخرون: معنى قوله ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ أي ما خزنتموه لغيركم.

يريد الزَّمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة (٥٤) وقال ابن عباس: عني بذلك وكيل الرجل وقيِّمه (٥٥) (٥٦) (٥٧) قال عكرمة: إذا ملك الرجل المفتاح فهو خازن فلا بأس أن يطعم الشيء اليسير (٥٨) وقال السدي: الرجل يوليه الرجل طعامه يقوم عليه فلا بأس أن يأكل منه (٥٩) وقال مقاتل بن حيان: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ [يعني: ما ملكتم (٦٠) (٦١) وقال قتادة: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ ﴾ ] (٦٢) (٦٣) ونحو هذا يروى عن مجاهد (٦٤) والمعنى: أو بيوت أنفسكم مما اختزنتم وملكتم.

وهذا أبعد الوجوه؛ لأن الناس لا يتوقّون أن يأكلوا من بيوتهم.

وقوله: ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ قال المقاتلان: انطلق رجل غازيًا يدعى الحارث بن عمرو (٦٥) (٦٦) (٦٧) (٦٨) (٦٩) (٧٠) (٧١) ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ يعني الحارث بن عمرو حين خلَّف مالكًا في أهله (٧٢) والمعنى: ليس عليكم جناح أن تأكلوا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها وإن لم يحضروا ولم يعلموا (٧٣) (٧٤) وكان الحسن وقتادة (٧٥) (٧٦) (٧٧) قال معمر: ودخلت على قتادة فقلت له (٧٨) (٧٩) ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ (٨٠) وقال ابن عباس- في رواية عطاء: أو صديقكم إذا دعاكم (٨١) وقوله تعالى ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا ﴾ قال أكثر المفسرين: نزلت في بني ليث بن بكر (٨٢) (٨٣) (٨٤) ونصب ﴿ جَمِيعًا ﴾ على الحال.

ومعنى ﴿ أَشْتَاتًا ﴾ : متفرقين، جمع شت، والشت المصدر بمعنى: التفرق، يقال: شت القوم، إذا تفرقوا.

ثم يوصف به ويجمع (٨٥) وهذا معنى قول قتادة، ومقاتل، والضحاك، وابن جريج، ورواية الوالبي عن ابن عباس (٨٦) وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعامًا عزلوا للأعمى (٨٧) (٨٨) (٨٩) (٩٠) وذهب قوم إلى (٩١) وهذا قول مقاتل بن حيان (٩٢) (٩٣) وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار كانوا لا يأكلون إذا نزل بهم ضيف إلا مع ضيفهم، فرخص لهم أن يأكلوا كيف شاءوا مجتمعين أو متفرقين (٩٤) وقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ ثلاثة أقوال: أحدها: أن هذا في دخول الرجل بيت نفسه والسلام على أهله ومن في بيته.

وهذا قول جابر بن عبد الله، والزهري، وقتادة، وعطاء، والأعمش، ومعنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٩٥) وروى أبو الزبير، عن جابر قال: إذا دخلت على أهلك فسلّم عليهم ﴿ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ (٩٦) وروى عنه مرفوعًا أن رسول الله -  - قال: "إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهلها" (٩٧) وقال الزهري وقتادة -في قوله ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ - قالا: بيتك إذا دخلت فقل: السلام عليكم (٩٨) وقال عطاء: إذا دخلت على أهلك فسلّم (٩٩) وقال الأعمش: يقول: فسلموا على أهليكم إذا دخلتم بيوتكم (١٠٠) وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: هذا (١٠١) وعلى هذا قال: ﴿ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ وهو يريد أهليكم، لأن أهل الرجل في نفسه.

القول الثاني: أن معنى الآية: ليسلم بعضكم على بعض إذا دخلتم بيوتًا.

وهو قول الحسن، وزيد بن أسلم وابنه، والسدي، والكلبي، والمقاتلين (١٠٢) وعلى هذا معنى قوله ﴿ عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ أي على أهل ملتكم.

قاله السدي (١٠٣) وقال مقاتل: على أهل دينكم (١٠٤) وقال زيد بن أسلم: يقول (١٠٥) (١٠٦) وقال الحسن: هذا كقوله ﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  ﴾ (١٠٧) القول الثالث: أنَّ هذا في دخول البيوت الخالية.

روى منصور (١٠٨) (١٠٩) (١١٠) وقال مجاهد -في هذه الآية-: إذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا من ربنا، السلام علينا (١١١) (١١٢) وهذا قول ابن عمر (١١٣) (١١٤) (١١٥) وروى عمرو بن دينار، عن ابن عباس في هذه الآية قولًا رابعًا في قوله ﴿ فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ ﴾ قال: هو المسجد إذا دخلتم فسلموا على من فيه، وقيل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين (١١٦) فالبيوت في هذا القول المساجد.

قوله ﴿ تَحِيَّةً ﴾ ذكرنا معناها عند قوله ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ  ﴾ .

قال أبو إسحاق: هو نصبٌ على المصدر لأن قوله (فسلموا) بمعنى (١١٧) (١١٨) (١١٩) وقوله ﴿ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ قال ابن عباس: أي هذه تحية حياكم الله بها (١٢٠) وقال الفراء (١٢١) (١٢٢) (١٢٣) وقوله ﴿ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً ﴾ قال ابن عباس: يريد حسنة جميلة (١٢٤) وقال الزجاج: أعلم الله أن السلام مبارك طيب لما فيه من الأجر والثواب (١٢٥) قوله ﴿ كَذَلِكَ ﴾ أي كبيانه في هذه الآية.

﴿ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ ﴾ يفصل الله لكم معالم دينكم كما بيّن في أمر الطعام والتسليم (١٢٦) (١٢٧) ﴿ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ لكي تفقهوا (١٢٨) (١) في (أ): (قالوا).

(٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 64، وأبو عيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 244، وأبو داود في "المراسيل" ص (184)، والطبري في "تفسيره" 18/ 169 من طريق الزهري، عن عبيد الله عبد الله، به.

ورواه بنحوه أبو داود في "المراسيل" ص 185، وعبد بن حميد كما في "الدر المنثور" للسيوطي 6/ 224، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 275 من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وابن المسيب.

ورواه بنحوه أبو جعفر النَّحَّاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 600 - 601 من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب.

ورواه بنحوه الواحدي في "أسباب النزول" ص 274 من طريق مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب.

وهذه الرواية مرسلة، لكن يشهد لها رواية عائشة الصحيحة الآتية، -وقد اعتمد هذا القول الإمام الطبري في "تفسيره" 18/ 170 فقال- بعد ذكره لروايات في نزول هذه الآية-: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في تأويل قوله: "ليس على الأعمى حرج" إلى قوله: "أو صديقكم" القول الذي ذكرنا عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، ..

وقال أبو جعفر النَّحاس في "الناسخ والمنسوخ " ص 602 - بعد روايته لأثر ابن المسيب وعائشة الآتي-: وهذا القول من أجلّ ما روي في الآية، لما فيه عن الصحابة والتابعين من التوقيف أن الآية نزلت في شيء بعينه ..

(٣) في (ع): (الضَّمنى)، وفي (ظ): (الزَّمنى)، وعند ابن أبي حاتم: ضمناهم.

(٤) رواه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار عن زوائد البزار" للهيثمي 3/ 61 - 62، وابن أبي حاتم 7/ 70 أ، وأبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 601.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 224 ونسبه أيضًا لابن النجار وابن مردويه.

وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 84: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.

وهذه الرواية هي أصح ما ورد في سبب نزول الآية، والله أعلم.

(٥) في (ظ)، (ع): (بيت).

(٦) ساقط من (ظ)، (ع).

(٧) في (ظ)، (ع): (نُبصر).

(٨) إليه): ساقطة من (ظ)، (ع).

(٩) في (ظ): (مثل أكلنا).

(١٠) في (ظ): (ليس على كل من أكل).

(١١) لم أجد هذه الرواية.

وهي رواية باطلة سندًا.

== ووقع في "تنوير المقباس" الذي هو من رواية الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: لما أنزل قوله ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ  ﴾ بالظلم وخافوا من ذلك، فرخص لهم المؤاكلة من بعضهم بعض.

وروى الطبري 18/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 68 ب نحو هذه الرواية عن الضحَّاك.

وروى ابن أبي حاتم 7/ 68 أ، ب، 69 أعن سعيد بن جبير وسليمان بن موسى نحو هذه الرواية.

(١٢) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 130، والطبري 18/ 130، وابن أبي حاتم 7/ 68 ب عن مقسم.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 223 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١٣) "تفسير مقاتل" 2/ 41 أ، ب.

(١٤) في (ع): (مؤاكلتكم).

(١٥) في (ظ): (تحرّج).

(١٦) "معاني القرآن" للفراء 2/ 261.

(١٧) (على): ساقطة من (أ).

(١٨) المثبت من (ع)، وفي باقي النسخ: (كانوا).

(١٩) يَبِضّ: يقطر منه الدم.

انظر: "لسان العرب" 7/ 117 (بضض).

(٢٠) يَذَنّ: يسيل منه المخاط أو الماء.

انظر: "لسان العرب" 13/ 173 (ذنن).

(٢١) يسلس: أي لا يستمسك.

"القاموس المحيط" 2/ 222.

(٢٢) زيادة من (ظ)، (ع).

(٢٣) (قول): ساقط من (ظ).

(٢٤) ذكر هذا المعنى الثعلبي 3/ 90 أعن سعيد بن جبير والضحاك.

وعن الضحاك رواه الطبري 18/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 68 ب.

(٢٥) ذكره الثعلبي 3/ 90 أعن الحسن وابن زيد.

ورواه الطبري 18/ 169 عن ابن زيد.

(٢٦) من قوله: تم الكلام ..

إلى هنا.

هذا كلام الثعلبي 3/ 90 أ.

(٢٧) ذكره بهذا اللفظ عن ابن عباس: الثعلبي 3/ 90 أ.

ورواه بنحوه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 243، والطبري 18/ 168، وابن أبي حاتم 7/ 71 أمن طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.

ورواه بمعناه من وجه آخر البيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 275.

(٢٨) في (ع): (بنت، كبنت).

(٢٩) انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 261.

(٣٠) ساقط من (ظ)، (ع).

(٣١) في (أ): (يأكلوا).

(٣٢) ساقط من (أ).

(٣٣) في (ظ)، (ع): (كما).

(٣٤) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 333 - 334.

وقد ذكر هذا القول عن المفسرين في معنى "وما كسب" ابن الجوزي 6/ 260.

(٣٥) في (أ): (وإلى).

(٣٦) في (ظ): (ويستتبعهم).

(٣٧) ذلك: ساقطة من (أ).

(٣٨) في جميع النسخ: (لا جناح عليهم)، وهو خطأ.

ووقع عند أبي عبيد في "الناسخ والمنسوخ" وابن أبي حاتم والبيهقي: لا جناح عليكم.

وهو خطأ.

والتصويب من رواية الطبري.

(٣٩) رواه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" ص 243 - 244، والطبري 18/ 169، وابن أبي حاتم 7/ 69 ب، والبيهقي في "السنن الكبرى" 7/ 275.

وهو مرسل.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 64 بنحوه.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 224 مثل رواية عبد الرزاق، ونسبه أيضًا لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.

(٤٠) ساقط من (ظ)، (ع).

(٤١) في (ع): (ولا).

(٤٢) رواه ابن أبي حاتم 7/ 69 ب.

وذكره عنه ابن كثير 3/ 305.

(٤٣) في (أ): (رخصة القرابات).

(٤٤) في (ظ): (لأواخر).

والأواصر: جمع آصرة، وهي الرحم.

"لسان العرب" 4/ 22 (أصر).

(٤٥) رِسْلها: لبنها.

"القاموس المحيط" 3/ 384.

(٤٦) "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 334.

(٤٧) ذكر الثعلبي 3/ 9 أ، والبغوي 6/ 64 هذا القول عن الضحَّاك.

(٤٨) في (ظ): (يعني: أو بيوت مماليككم التي ملتم مفاتحهم، يعني: بيوت عبدكم وأموالكم).

(٤٩) في (أ): (أن يكون معنى المفاتح).

(٥٠) هذا معنى ما قاله الفراء في "معاني القرآن" 2/ 261 لا نصّه.

(٥١) في (ع): (عند).

(٥٢) انظر: "تفسير مقاتل" 2/ 41 ب.

(٥٣) رواه عنه الطبري 18/ 170، وابن أبي حاتم 7/ 70 أ، ب.

(٥٤) ذكر الرازي 24/ 37 هذا القول ونسبه للضحَّاك.

(٥٥) في (ع): (وخليفته).

(٥٦) الضَّيعة: هو مال الرجل من النَّخل والكرم والأرض.

وقيّمه في ضيعته: هو الذي يقوم بأمرها وما تحتاج إليه.

انظر: "لسان العرب" 8/ 230 (ضيع)، 12/ 503 (قوم).

(٥٧) ذكره بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 90 أ.

ورواه بنحوه الطبري 18/ 170، وابن أبي حاتم 7/ 71 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 224 ونسبه أيضًا لابن المنذر والبيهقي.

(٥٨) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 65.

وذكره عنه الجصَّاص في "أحكام القرآن" 3/ 335، والبغوي 6/ 64 - 65.

(٥٩) رواه ابن أبي حاتم 7/ 70 ب.

وذكره عنه ابن كثير 3/ 305.

(٦٠) (ما ملكتم): ساقطة من (ع).

(٦١) لم أجده عن مقاتل بن حيان.

وقد رواه ابن أبي حاتم 7/ 70 أعن سعيد بن جبير.

(٦٢) ساقط من (أ).

(٦٣) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 64، والطبري 18/ 170، وابن أبي حاتم 7/ 70 ب.

(٦٤) ذكر هذه الرواية عن مجاهد: الثعلبي 3/ 90 ب.

ورواها الطبري 18/ 170.

(٦٥) في (أ): (عمر).

(٦٦) في (أ): (يزيد).

(٦٧) في (ظ)، (ع): (وخزانته).

(٦٨) في (أ): (خرج).

(٦٩) في (أ): (غرايه).

(٧٠) (مالك): ساقطة من (ع).

(٧١) (يحل): ساقطة من (أ).

(٧٢) رواه ابن أبي حاتم 7/ 70 ب، 71 أعن مقاتل بن حيَّان.

وهو في "تفسير مقاتل بن سليمان" 2/ 41 ب.

(٧٣) في (أ): (وإن لم تحضروا ولم تعلموا).

(٧٤) في (ع): (من غير أن يتزودوا أو يحملوا).

(٧٥) ذكرها عنها بهذا اللفظ الثعلبي 3/ 90 ب.

وعن قتادة بمعناه رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 64، والطبري 18/ 171، وابن أبي حاتم 7/ 70 ب.

(٧٦) في (ظ)، (ع): (دخل).

(٧٧) في (ظ)، (ع): (بطعامه).

(٧٨) (له): ساقطة من (أ).

(٧٩) الحُب: الجرَّة: الضخمة، أو الذي يوضع فيه الماء.

"لسان العرب" 1/ 295 (حبب).

(٨٠) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 65، والطبري 18/ 171، وابن حبان في "روضة العقلاء" ص 87 عن معمر، به.

(٨١) ذكر الماوردي 4/ 124 هذا القول بمعناه، ولم ينسبه لأحد.

(٨٢) بطن من كنانة بن خزيمة، من العدنانية، وهو بنو ليث بن بكر بن عبد مناة من كنانة بن خزيمة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.

كانوا يقيمون حول مكة.

"جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 180، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 1019 - 1020.

(٨٣) الحُفَّل: كرُكَّع-: جمع حافلة، وهي التي امتلأ ضرعها لبنًا.

انظر: "لسان العرب" 11/ 157 (حف)، "القاموس المحيط" 3/ 358.

(٨٤) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 54.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 149، "البيان في غريب القرآن" للأنباري 2/ 200، "الدر المصون" 8/ 444.

(٨٥) انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 269 (شت)، "الصحاح" للجوهري 1/ 254 (شتت)، "لسان العرب" 2/ 48 - 49 (شتت).

(٨٦) ذكره الثعلبي 3/ 90 عن هؤلاء عدا مقاتل.

== وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 41 ب.

وعن قتادة: رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 65، والطبري 18/ 172، وابن أبي حاتم 7/ 74 ب.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 225 ونسبه أيضًا لعبد ابن حميد.

وقول الضحَّاك وابن جريج رواه عنهما الطبري 18/ 172.

ورواية الوالبي عن ابن عباس رواها الطبري 18/ 172، وابن أبي حاتم 7/ 71 أ.

(٨٧) في (أ): (الأعمى).

(٨٨) (لهم): ساقطة من (ع).

(٨٩) ساقط من (ظ).

(٩٠) رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 65.

(٩١) (إلى): ساقطة من (ظ)، (ع).

(٩٢) روى ابن أبي حاتم 7/ 71 ب هذا المعنى عن سعيد بن جبير، ثم قال: وروى عنه مقاتل بن حيان نحو ذلك.

(٩٣) انظر: "الثعلبي" 3/ 90 ب، والبغوي 6/ 65.

(٩٤) ذكره الثعلبي 3/ 90 ب عنهما.

== ورواه عنهما الطبري 18/ 174.

وذكره عنهما السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 225 ونسبه أيضًا لابن المنذر.

قال الطبري 18/ 172 - بعد ذكره للروايات في سبب نزول الآية-: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله وضع الحرج عن المسلمين أن يأكلوا جميعًا معًا إذا شاءوا أو أشتاتًا متفرقين إذا أرادوا وجائز أن يكون نزل بسبب من كان يتخوف من الأغنياء الأكل مع الفقير، وجائز أن يكون بسبب القوم الذين ذكر أنَّهم كانوا لا يطعمون وحدانا، وبسبب غير ذلك، ولا خبر بشيء من ذلك يقطع العذر، ولا دلالة في ظاهر التنزيل على حقيقة شيء منه، والصواب التسليم لما دل عليه ظاهر التنزيل، والتوقف فيما لم يكن على صحته دليل.

(٩٥) قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 7/ 91 أ: (وهو قول جابر بن عبد الله، وطاووس والزهري، وقتادة، والضحاك، وعمرو بن دينار، ورواية عطاء الخراساني عن ابن عباس.

(٩٦) رواه البخاري في "الأدب المفرد" ص 319، والطبري 18/ 173، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 7/ 72 أ.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 226 وزاد نسبته لابن مردويه.

(٩٧) رواه الحاكم في "مستدركه" 2/ 402 من حديث جابر مرفوعًا، وقال: غريب الإسناد والمتن.

(٩٨) رواه عنهما عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 65، والطبري 18/ 173، وابن أبي حاتم 7/ 71 ب.

(٩٩) رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 455، والطبري 18/ 173.

(١٠٠) لم أجده.

وقد روى الطبري 18/ 174 من طريق الأعمش، عن إبراهيم قال: إذا دخلت المسجد ..

وإذا دخلت بيتًا ليس فيه أحد ..

وإذا دخلت بيتك فقل: السلام عليكم.

(١٠١) (هذا): ساقطة من (أ).

(١٠٢) قول ابن زيد ذكره عنه الثعلبي 3/ 90 ب.

ورواه عنه الطبري 18/ 174، وابن أبي حاتم 7/ 72 ب.

وقول الكلبي رواه عنه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 66.

وقول مقاتل بن حيان رواه عنه ابن أبي حاتم 7/ 72 أ، ب.

وسيأتي تخريج أقوال الباقين.

(١٠٣) ذكره عنه الماوردي 4/ 126.

(١٠٤) "تفسير مقاتل" 2/ 41 ب.

(١٠٥) يقول: ساقطة من (ع).

(١٠٦) رواه ابن أبي حاتم 7/ 72 أ.

(١٠٧) ذكره عنه الثعلبي 3/ 90 ب.

ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 66، والطبري 18/ 174، وابن أبي حاتم 7/ 72 ب، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 228 وزاد نسبته لابن المنذر.

(١٠٨) هو منصور بن المعتمر.

(١٠٩) هو إبراهيم النَّخعي.

(١١٠) رواه الطبري 28/ 174 - 175 من رواية منصور عن إبراهيم.

(١١١) في (ع): (عليكم).

(١١٢) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 66، وسعيد بن منصور في "تفسيره" ل 58 أ ==، ب، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 461، وابن أبي حاتم 7/ 72 أوذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 228 ونسبه أيضًا لعبد بن حميد وابن المنذر.

(١١٣) رواه عنه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 460، والبخاري في "الأدب المفرد" ص 310، والطبري في "تفسيره" 18/ 175.

(١١٤) (والحكم): في حاشية (ع)، وهو: الحكم بن عتيبة، وقوله لم أجده.

(١١٥) هو: ماهان الحنفي.

وروى عنه هذا القول عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 65، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 8/ 461، والطبري 18/ 174.

(١١٦) رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 66، والطبري 8/ 174، وابن أبي حاتم 7/ 72 أ، والحاكم في "مستدركه" 2/ 401، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 91 أكلهم من طريق عمرو بن دينار، عن ابن عباس، به.

وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 227 ونسبه أيضًا لابن المنذر والبيهقي.

وصحح ابن العربي 3/ 1408 أن المراد البيوت كلها، لعموم القول، ولا دليل على التخصيص.

(١١٧) في (ظ): (يعني).

(١١٨) في (أ): (فحيوا).

(١١٩) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 55.

وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 149، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 517، "الإملاء" للعكبري 2/ 160.

(١٢٠) لم أجده بهذا اللفظ، وقد روى ابن أبي حاتم 7/ 72 ب من طريق الوالبي، عن ابن عباس في قوله (تحيّة من عند الله): قال وهو السلام: لأنَّه اسم الله، وهو تحية أهل الجنَّة.

(١٢١) (الفراء): ساقط من (ع).

(١٢٢) في (أ): (تفعلوه).

(١٢٣) "معاني القرآن" للفراء 2/ 262.

(١٢٤) ذكره عنه البغوي 6/ 66.

(١٢٥) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 55 إلى قوله: طيب.

أما قوله: لما فيه من الأجر والثواب.

فهذا كلام الطبري في "تفسيره" 18/ 172.

(١٢٦) في (ظ): (والسلام).

(١٢٧) الطبري 18/ 175 مع اختلاف يسير.

(١٢٨) في (أ): (تفقهون).

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ ﴾ الآية اختلف في المعنى الذي رفع فيه الحرج عن الأعمى والأعرج والمريض في هذه الآية فقيل: هو في الغزو أي لا حرج عليهم في تأخيرهم عنه، وقوله: ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ ﴾ مقطوع من الذي قبله على هذا القول كأنه قال: ليس على هؤلاء الثلاثة حرج في ترك الغزو، ولا عليكم حرج في الأكل، وقيل: الآية كلها في معنى الأكل، واختلف الذاهبون إلى ذلك، فقيل: إن أهل هذه الأعذار كانوا يتجنبون الأكل مع الناس لئلا يتقذرهم الناس، فنزلت الآية مبيحة لهم الأكل مع الناس، وقيل: إن الناس كانوا إذا نهضوا إلى الغزوا وخلفوا أهل هذه الأعذار في بيوتهم، وكانوا يتجنبون أكل مال الغائب، فنزلت الآية في ذلك، وقيل: إن الناس كانوا يتجنبون الأكل معهم تقذراً، فنزل الآية، وهذا ضعيف، لأن رفع الحرج عن أهل الأعذار لا عن غيرهم، وقيل: إن رفع الحرج عن هؤلاء الثلاثة في كل ما تمنعهم عنه أعذارهم من الجهاد وغيره ﴿ وَلاَ على أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ أباح الله تعالى الإنسان الأكل في هذه البيوت المذكورة في الآية، فبدأ ببيت الرجل نفسه، ثم ذكر القرابة على ترتيبهم ولم يذكر فيهم الابن، لأنه دخل في قوله: ﴿ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ ، لأن بيت ابن الرجل بيته، لقوله عليه الصلاة والسلام: «أنت ومالك لأبيك» ، واختلف العلماء فيما ذكر في هذه الآية من الأكل بين بيوت القرابة فذهب قوم إلى أنه منسوخ، وأنه لا يجوز الأكل من بيت أحد إلا بإذنه والناسخ قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تأكلوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بالباطل ﴾ [البقرة: 188، النساء: 29]، وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه منه» وقيل الآية محكمة، ومعناها إباحة الأكل من بيوت القرابة إذا أذنوا في ذلك، وقيل بإذن وبغير إذن ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ﴾ يعني الوكلاء والأجراء والعبيد الذين يمسكون مفاتح مخازن أموال ساداتهم، فأباح لهم الأكل منها، وقيل: المراد ما ملك الإنسان من مفاتح نفسه وهذا ضعيف ﴿ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ الصديق يقع على الواحد والجماعة، كالعدوّ، والمراد به هنا جمع ليناسب ما ذكر قبله من الجموع في قوله: ﴿ آبَآئِكُمْ ﴾ و ﴿ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ وغير ذلك، وقرن الله الصديق بالقرابة، لقرب مودّته، وقال ابن عباس: الصديق أوكد من القرابة.

﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ إباحة للأكل في حال الاجتماع والانفراد، لأنّ بعض العرب كان لا يأكل وحده أبداً خيفة من البخل، فأباح لهم الله ذلك ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ على أَنفُسِكُمْ ﴾ أي إذا دخلتم بيوتاً مسكونة، فسلموا على من فيها من الناس، وإنما قال: ﴿ على أَنفُسِكُمْ ﴾ بمعنى صنفكم كقوله: ﴿ وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ ﴾ [الحجرات: 11] وقيل: المعنى إذا دخلتم بيوتاً خالية فسلموا على أنفسكم بأن يقول الرجل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وقيل: يعني بالبيوت، المساجد، والأمر بالسلام على من فيها، فإن لم يكن فيها أحد فيسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى الملائكة وعلى عباد الله الصالحين.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.

وأبو عمرو طريق الهاشمي.

بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.

الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.

﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.

الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.

وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.

قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.

قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.

ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.

عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله  للعمل بها.

ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.

قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.

وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.

ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.

ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.

وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.

وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.

﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله  فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.

وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله  والإخلاص له.

﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.

قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.

واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي  ؟

والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟

وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله  "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.

من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.

وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.

وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.

ثم إنه هل يشكل الإماء؟

فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.

عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.

ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.

ومنهم من قال للوجوب.

ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.

قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.

إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.

وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.

قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.

وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.

وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.

يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله  وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.

ثم انطلق معه إلى النبي  فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.

ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.

ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟

اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي  يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.

وعن بعض السلف ويروى عن علي  أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.

وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين  ويبين الله لكم الآيات  ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.

وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد  بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.

﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.

ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله  بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.

وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".

والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.

واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.

وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.

وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.

ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.

ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.

والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.

وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.

فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.

وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.

ثم إنه  عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟

والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.

وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.

وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.

وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.

الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.

وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.

وعن جعفر الصادق بن محمد  : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.

قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.

احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه  أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.

فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.

واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.

فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.

وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.

وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله  ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.

وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.

والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.

ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.

وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.

وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.

ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.

ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.

"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي  أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .

قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله  ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.

والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله  بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.

فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.

قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.

وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول  ويشعب عليه رأيه.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.

وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.

قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.

ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.

وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه  فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.

وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم  ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله  في الاستئذان.

ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.

هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.

وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.

والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.

وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.

وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.

قال مقاتل: هذا في الخطبة.

وقال مجاهد: في صف القتال.

وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.

وعن جعفر بن محمد  : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.

وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.

واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.

ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.

ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.

تأكيد الوجوب الحذر.

قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.

وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.

والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر  ﴾ .

التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.

﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي  وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.

﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.

فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.

قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.

﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ...

﴾ الآية.

اختلف في تأويله: قال بعضهم: إن الرجل الصحيح كان يتحرج من مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض؛ إشفاقاً عليهم ورحمة؛ يقول: إنه لا يبصر طيب الطعام، فلعله يأكل الخبيث وأنا آكل الطيب، ويقول: إن الأعرج لا يستوي جالساً إذا قعد فلا يقدر أن يتناول فيما أتناول أنا، وإن المريض لا يأكل مثل ما يأكل الصحيح.

وكان الرجل لا يأكل من بيت أبيه، ولا من بيت أمه إذا لم يكونا فيه، وكذلك ما ذكر ...

إلى آخره، حتى يكونوا فيه، وكذلك الصديق وهؤلاء، فأنزل الله هذه الآية في رخصة ذلك كله.

وقال بعضهم: إن هؤلاء الزمنى والعميان والعرجى والمرضى وأولي الحاجة منهم يستتبعهم رجال إلى بيوتهم ويستضيفونهم، فإن لم يجدوا لهم طعاماً أو شيئاً يأكلونه ذهبوا بهم إلى بيوت آبائهم ومن عدَّد معهم، فكره ذلك المستتبعون التناول من غير بيوت أولئك بلا دعوة ولا إذن سبق منهم؛ فأنزل الله في ذلك إباحة لهم ورخصة، وأحل لهم الطعام حيث وجدوه.

وقال [بعضهم]: إن الأعمى والأعرج والمريض وهؤلاء الذين كانت بهم زمانة كانوا يتحرجون من مؤاكلة الأصحاء؛ مخافة أن يتقذذوا منهم ويستقذروا؛ يقول الأعرج: لا أؤاكل الناس؛ لأني آخذ من المجلس مكان رجلين وأضيق عليهم، وقال الأعمى: إنّي أفسد عليهم طعامهم، وكذلك المريض منهم يقول مثل ذلك؛ فأنزل الله الرخصة في ذلك ورفع عنهم الجناح في مؤاكلتهم، فيقول: إن الحق عليهم أن يرجوكم؛ لما بكم من الزمانة وأن يدعوا لكم بالرفع عنكم، لا التقذذ والاستقذار عنكم.

وقال بعضهم: إن الرجل الغني كان يدخل على الرجل الفقير والزمن فيدعوه إلى طعامه، فيقول: والله إني لأجنح وأحرج أن آكل من طعامك وأنا غني وأنت فقير؛ فأنزل الله في ذلك: ﴿ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ...

﴾ إلى آخر الآية.

وقال بعضهم: كان هذا في أهل الجهاد، وأن الرجل كان يخرج إلى الجهاد فيخلف آخر في منزله في حفظ ماله وأهله، والقيام بكفايتهم، فكان يحرج ولا يأكل من ماله شيئاً ولا من طعامه لما لم يسبق منه الإذن في ذلك؛ فأنزل الله في ذلك رخصة إباحة التناول من ذلك.

إلى هذا انتهت أقاويل أهل التأويل وتأويلهم.

والأشبه عندنا أن يكون تأويل الآية في غير ما ذهبوا هم إليه، وهو أن يكون قوله: ﴿ لَّيْسَ عَلَى ٱلأَعْمَىٰ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى ٱلْمَرِيضِ حَرَجٌ ﴾ أي: ليس على هؤلاء حرج أن يأكلوا من بيوت آبائهم وأمهاتهم، أو بيوت إخوانهم، أو بيوت أخواتهم، أو بيوت أعمامهم إلى قوله: ﴿ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ ﴾ ؛ لأنهم إنما يأكلون بالحق؛ لأن من كان به زمانة كان له التناول من أموال من ذكر من الآباء والأمهات والقرابات؛ إذ تفرض لهم النفقة في أموالهم؛ فيكون في ذلك دلالة وجوب النفقة لهم في أموالهم، ويكون ﴿ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ ءَابَآئِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَٰنِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَٰمِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّٰتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَٰلِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَٰلَٰتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ ﴾ أي: لا بأس أن تأكلوا من بيوتكم، أو ما ملكتم مفاتحه، أو من بيوت صديقكم؛ إذ ليس يباح للرجل التناول من مال نفسه ومن مال صديقه في حال عذر، ولا يباح في حال الصحة والسلامة؛ بل يباح في الأحوال كلها دل أن التأويل الذي ذكرنا أشبه، فيصرف تناول الزمنى في أموال القرابات بحق النفقة والحق، ومن ليس به زمانة في ماله ومال صديقه بحق الملك والصداقة؛ لأن الزمانة ترفع الصداقة من بينهم، وكذلك وجوب النفقة في مال الصديق يرفع الصداقة، ولا يرفع القرابة، ولا تزول صلتها.

ثم اختلف في قوله: ﴿ وَلاَ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ قال بعضهم: من بيوت أولادكم.

وقال بعضهم: من بيوت أزواجهم ونسائهم.

وقال بعضهم: من بيوت أنفسهم، وهو ما يجد الرجل في بيته من طعام فإنه لا بأس أن يأكله، وكذلك لا بأس للرجل أن يتناول من بيت زوجته؛ لأنه لم يذكر في الآية الولد وبيت الزوجة على الإشارة والتفسير، فيصرفون تأويل قوله: ﴿ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ ﴾ إلى هؤلاء.

وقوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ﴾ أي: خزائنه؛ يحتمل: العبيد؛ لأن السيد يملك مال عبده.

ويحتمل: الوكيل والخازن أن يأكل من طعامه وأدمه بغير إذن السيد.

ويحتمل قوله: ﴿ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَّفَاتِحهُ ﴾ السيد نفسه صاحب الخزانة ومالكها.

ثم ذكر الأكل من بيوت من ذكر على التأويل الذي ذكرنا، واستدللنا على إيجاب النفقة لهؤلاء الزمنى في أموال من ذكرنا من القربات يخرج على وجهين: أحدهما: ذكر البيوت؛ لأنهم إذا كانوا زمنى يستوجبون السكنى - أيضاً - مع النفقة، فذكر البيوت لكونهم فيها وسكناهم معهم.

والثاني: ذكر الأكل من بيوتهم، لئلا يفهم من الأكل الأخذ منها؛ لأنه ذكر في آيات الأكل، والمراد المفهوم منه: الأخذ؛ كقوله: ﴿ يَٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ وقوله: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ ٱلْيَتَٰمَىٰ ظُلْماً  ﴾ وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ ٱلرِّبَٰواْ  ﴾ مفهوم المراد من الأكل المذكور في هذه الآيات: الأخذ، لا الأكل نفسه، فذكر - هاهنا - الأكل من بيوتهم؛ لئلا يفهم منه الأخذ كما فهم من ذلك.

وعلى تأويل أهل التأويل يستقيم ظاهر ذكر البيوت؛ إذ لا يجعلون ذلك الأكل والتناول منه أكلا وتناولا بحق.

وقوله: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ قال بعضهم: ذكر هذا لأن قوماً كانوا لا يأكلون وحدهم، ولا يرون ذلك حسناً في الخلق، ويتحرجون من ذلك حتى يكون معهم غير، فرخص الله -  - لهم ذلك ورفع عنهم الحرج، فقال: ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَأْكُلُواْ جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً ﴾ .

وعلى تأويل من يقول: إنهم استضافوا قوماً فلم يجدوا في بيتهم شيئاً يأكلون ذهبوا بهم إلى بيوت هؤلاء، فتحرج أولئك الأضياف [من] الأكل من بيوت من ذكر وأرباب البيوت ليسوا فيها فرخص لهم في ذلك.

وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع الأعمى ومن ذكر؛ إشفاقاً عليهم وترحماً؛ لما لا يبصرون طيب الطعام، ولا يأكلون ما يأكل الصحيح، فرفع عنهم ذلك الحرج، ورخص لهم في ذلك.

وعلى تأويل من يقول: إنهم كانوا يتحرجون الأكل مع هؤلاء تقذذاً واستقذاراً، يرغبهم في الأكل مع أولئك، وترك التقذذ من ذلك.

ويدل للتأويل الأول ما روي عن أصحاب رسول الله؛ روي عن محمد بن علي قال: كان أصحاب رسول الله  لا يرى أحدهم أنه أحق بالدنانير والدراهم من أخيه المسلم، قال: وقال النبي  : "ليأتين على الناس زمان يكون الدينار والدرهم أحبّ إلى الرجل من أخيه المسلم" وعن ابن عمر قال: لقد رأيتني وما الرجل المسلم أحق بديناره ودرهمه من أخيه المسلم".

وقوله: ﴿ فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ فَسَلِّمُواْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ ﴾ أي: يسلم بعضكم على بعض، فيصير المسلمين أجمع بعضهم لبعض كأنفسهم؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، وقوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ ونحو ذلك من الآيات، فصيّر بعضهم لبعض كأنفسهم؛ لأنهم كشيء واحد، يتألم بعضهم بألم بعض، ويحزن بعضهم بحزن بعض، ويسرّ بعضهم بسرور بعض، ونحوه؛ فهم جميعاً كشيء واحد، وأنفسهم جميعاً كنفس واحدة؛ لذلك جعل سلام بعضهم على بعض في حق السلام واحداً.

ويحتمل وجهاً آخر: وهو أن بعضهم إذا سلم على بعض يرد عليه مثله؛ فيصير كأنه هو يسلم على نفسه، وكذلك قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ أي: لا يقتل أحد آخر فيقتل به؛ فيكون قاتل نفسه؛ إذ لولا قتله إياه لم يقتل به، وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ أنه إذا أكل مال غيره بغير رضاه ضمنه، فإذا ضمنه فكأنه أكل مال نفسه بالباطل.

ويحتمل أنه أراد به السلام على أنفسهم؛ أي: يسلم كل على نفسه إن لم يكن فيه أحد، وكذلك روي عن ابن عباس قال: أراد المساجد: إذا دخلتها فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، وعلى ذلك رويت الأخبار: "من دخل بيتاً أو مسجداً ليس فيه أحد فليقل: السلام علينا من ربنا، والسلام على عباد الله الصالحين"؛ وعلى ذلك جائز أن يكون قوله: ﴿ وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَنْفُسَكُمْ  ﴾ بترك الإنفاق عليها وغيره، وكذلك قوله: ﴿ لاَ تَأْكُلُوۤاْ أَمْوَٰلَكُمْ بَيْنَكُمْ بِٱلْبَٰطِلِ  ﴾ وجائز أن يريد بالأنفس: أهلهم؛ أي: سلموا على أهليكم، وهو الأولى.

ثم اختلف في السلام: قال بعضهم: السلام: من السلامة؛ أي: عليك السلامة من جميع الآفات والنكبات.

وقال بعضهم: السلام هو اسم من أسماء الله؛ فتأويله: عليك اسم الله الذي لا يضرك معه شيء، ولا يلحقك به أذى، وفي الخبر: "باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء" وقوله: ﴿ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ التحية كأنها الكرامة، كأنه قال: كرامة من الله لكم.

وقوله: ﴿ مُبَٰرَكَةً ﴾ المبارك: هو الذي ينال به كل خير وبرّ.

أو أن تسمي مباركة؛ لما بها ينمو الشيء ويزكو وقوله: ﴿ طَيِّبَةً ﴾ أي: يستطيب بها كل أحد.

وقال بعضهم: طيبة: أي: حسنة، فتأويله: ما يستحسن به كل أحد.

وقال بعضهم قوله: ﴿ تَحِيَّةً مِّنْ عِندِ ٱللَّهِ ﴾ يقول: تحية من أمر الله لكم، مباركة بالأجر، طيبة بالمغفرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ ﴾ أي: مثل الذين يبين الله ﴿ لَكُمُ ٱلأيَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ أي: كي تعقلوا ما لكم وما عليكم، وما لله عليكم، وما لبعضكم على بعض.

وقوله ﴿ بُيُوتِكُمْ ﴾ : ما ذكرنا.

قال بعضهم: المساجد.

وقال بعضهم: البيوت المسكونة؛ كقوله: ﴿ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ  ﴾ .

<div class="verse-tafsir"

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

ليس على الأعمى الَّذي فقد بصره إثم؛ ولا على الأعرج إثم، ولا على المريض إثم؛ إن تركوا ما لا يستطيعون القيام به من التكاليف كالجهاد في سبيل الله، وليس عليكم -أيها المؤمنون- إثم في الأكل من بيوتكم، ومنها بيوت أبنائكم، ولا في الأكل من بيوت آبائكم أو أمهاتكم أو إخوانكم أو أخواتكم أو أعمامكم أو عماتكم، أو أخوالكم أو خالاتكم، أو ما وُكِّلتم على حفظه من البيوت مثل حارس البستان، ولا حرج في الأكل من بيوت صديقكم لطيب نفسه عادة بذلك، ليس عليكم إثم أن تأكلوا مجتمعين أو فُرَادَى، فإذا دخلتم بيوتًا مثل البيوت المذكورة وغيرها فسلّموا على من فيها بأن تقولوا: السلام عليكم، فإن لم يكن فيها أحد فسلموا على أنفسكم بأن تقولوا: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، تحية من عند الله شرعها لكم مباركة؛ لِمَا تنشره من المودة والألفة بينكم، طيبة تطيب بها نفس سامعها، بمثل هذا التبيين المتقدم في السورة يبيّن الله الآيات رجاء أن تعقلوها، وتعملوا بما فيها.

من فوائد الآيات جواز وضع العجائز بعض ثيابهنّ لانتفاء الريبة من ذلك.

الاحتياط في الدين شأن المتقين.

الأعذار سبب في تخفيف التكليف.

المجتمع المسلم مجتمع التكافل والتآزر والتآخي.

<div class="verse-tafsir" id="91.WMR0Q"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 3 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.6 / 29.5
الإضاءة 22%
البدر بعد 10 يوم
الحمد لله