الآية ٦٣ من سورة النور

الإسلام > القرآن > سور > سورة 24 النور > الآية ٦٣ من سورة النور

لَّا تَجْعَلُوا۟ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُم بَعْضًۭا ۚ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًۭا ۚ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 113 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٣ من سورة النور: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٣ من سورة النور عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

قال الضحاك ، عن ابن عباس : كانوا يقولون : يا محمد ، يا أبا القاسم ، فنهاهم الله عز وجل ، عن ذلك ، إعظاما لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه قال : فقالوا : يا رسول الله ، يا نبي الله .

وهكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير .

وقال قتادة : أمر الله أن يهاب نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأن يبجل وأن يعظم وأن يسود .

وقال مقاتل [ بن حيان ] في قوله : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) يقول : لا تسموه إذا دعوتموه : يا محمد ، ولا تقولوا : يا بن عبد الله ، ولكن شرفوه فقولوا : يا نبي الله ، يا رسول الله .

وقال مالك ، عن زيد بن أسلم في قوله : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) قال : أمرهم الله أن يشرفوه .

هذا قول .

وهو الظاهر من السياق ، كما قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا ) [ البقرة : 104 ] ، وقال ( يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون ) إلى قوله : ( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم ) [ الحجرات : 2 - 5 ] فهذا كله من باب الأدب [ في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته ] والقول الثاني في ذلك أن المعنى في : ( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) أي : لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره ، فإن دعاءه مستجاب ، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا .

حكاه ابن أبي حاتم ، عن ابن عباس ، والحسن البصري ، وعطية العوفي ، والله أعلم .

وقوله : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) قال مقاتل بن حيان : هم المنافقون ، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة - ويعني بالحديث الخطبة - فيلوذون ببعض الصحابة - أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم - حتى يخرجوا من المسجد ، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة ، بعدما يأخذ في الخطبة ، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بإصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل; لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، بطلت جمعته .

قال السدي كانوا إذا كانوا معه في جماعة ، لاذ بعضهم ببعض ، حتى يتغيبوا عنه ، فلا يراهم .

وقال قتادة في قوله : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) ، يعني : لواذا [ عن نبي الله وعن كتابه .

وقال سفيان : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) قال : من الصف .

وقال مجاهد في الآية : ( قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا ) ] قال : خلافا .

وقوله : ( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) أي : عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو سبيله ومنهاجه وطريقته [ وسنته ] وشريعته ، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله ، فما وافق ذلك قبل ، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله ، كائنا ما كان ، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد " .

أي : فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا أو ظاهرا ( أن تصيبهم فتنة ) أي : في قلوبهم ، من كفر أو نفاق أو بدعة ، ( أو يصيبهم عذاب أليم ) أي : في الدنيا ، بقتل ، أو حد ، أو حبس ، أو نحو ذلك .

قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا ، فلما أضاءت ما حولها .

جعل الفراش وهذه الدواب اللاتي [ يقعن في النار ] يقعن فيها ، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحمن فيها " .

قال : " فذلك مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار ، فتغلبوني وتقتحمون فيها " .

أخرجاه من حديث عبد الرزاق

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره لأصحاب نبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ( لا تَجْعَلُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ).

واختلف أهل التأويل في معنى ذلك، فقال بعضهم: نهى الله بهذه الآية المؤمنين أن يتعرضوا لدعاء الرسول عليهم، وقال لهم: اتقوا دعاءه عليكم، بأن تفعلوا ما يسخطه، فيدعو لذلك عليكم فتهلكوا، فلا تجعلوا دعاءه كدعاء غيره من الناس، فإن دعاءه موجبة.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: ( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها.

وقال آخرون: بل ذلك نهي من الله أن يدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلظ وجفاء، وأمر لهم أن يدعوه بلين وتواضع.

* ذكر من قال ذلك: حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ( كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) قال: أمرهم أن يدعوا: يا رسول الله، في لين وتواضع، ولا يقولوا: يا محمد، في تجهم.

حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد مثله، ( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) قال: أمرهم أن يدعوه: يا رسول الله، في لين وتواضع.

حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قَتادة، في قوله: ( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) قال: أمرهم أن يفخِّموه ويشرّفوه.

وأولى التأويلين في ذلك بالصواب عندي التأويل الذي قاله ابن عباس، وذلك أن الذي قبل قوله: ( لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ) نهي من الله المؤمنين أن يأتوا من الانصراف عنه في الأمر الذي يجمع جميعهم ما يكرهه، والذي بعده وعيد للمنصرفين بغير إذنه عنه، فالذي بينهما بأن يكون تحذيرا لهم سخطه أن يضطّره إلى الدعاء عليهم أشبه من أن يكون أمرا لهم بما لم يجر له ذكر من تعظيمه وتوقيره بالقول والدعاء.

وقوله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ) يقول تعالى ذكره: إنكم أيها المنصرفون عن نبيكم بغير إذنه، تسترا وخفية منه، وإن خفي أمر من يفعل ذلك منكم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فإن الله يعلم ذلك، ولا يخفى عليه، فليتق من يفعل ذلك منكم، الذين يخالفون أمر الله في الانصراف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بإذنه، أن تصيبهم فتنة من الله، أو يصيبهم عذاب أليم، فيطبع على قلوبهم، فيكفروا بالله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا الحكم بن بشير، قال: ثنا عمرو بن قيس، عن جُويبر، عن الضحاك، في قول الله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ) قال: كانوا يستتر بعضهم ببعض، فيقومون، فقال : ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ) قال: يطبع على قلبه، فلا يأمن أن يظهر الكفر بلسانه فتُضرب عنقه.

حدثنا ابن القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، قوله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ) قال: خلافا.

حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قَال ابن زيد، في قوله: ( قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ) قال: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: اللواذ: يلوذ عنه، ويروغ ويذهب بغير إذن النبيّ صلى الله عليه وسلم ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) الذين يصنعون هذا أن تصيبهم فتنة، أو يصيبهم عذاب أليم.

الفتنة هاهنا: الكفر، واللواذ: مصدر لاوذت بفلان ملاوذة ولواذا، ولذلك ظهرت الواو، ولو كان مصدرا للذتُ لقيل: لياذا، كما يقال: قمت قياما، وإذا قيل: قاومتك، قيل: قواما طويلا.

واللواذ: هو أن يلوذ القوم بعضهم ببعض، يستتر هذا بهذا، وهذا بهذا، كما قال الضحاك.

وقوله: ( أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يقول: أو يصيبهم في عاجل الدنيا عذاب من الله موجع، على صنيعهم ذلك، وخلافهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقوله: ( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) وأدخلت " عن " ؛ لأن معنى الكلام: فليحذر الذين يلوذون عن أمره، ويدبرون عنه معرضين.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليمقوله تعالى : لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا يريد : يصيح من بعيد : يا أبا القاسم !

بل عظموه كما قال في الحجرات : إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله الآية .

وقال سعيد بن جبير ، ومجاهد : المعنى قولوا يا رسول الله ، في رفق ولين ، ولا تقولوا يا محمد بتجهم .

وقال قتادة : أمرهم أن يشرفوه ويفخموه .

ابن عباس : لا تتعرضوا [ ص: 299 ] لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة .

قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا التسلل والانسلال : الخروج واللواذ من الملاوذة ، وهي أن تستتر بشيء مخافة من يراك ؛ فكان المنافقون يتسللون عن صلاة الجمعة .

لواذا مصدر في موضع الحال ؛ أي متلاوذين ، أي يلوذ بعضهم ببعض ، ينضم إليه استتارا من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة ؛ حكاه النقاش ، وقد مضى القول فيه .

وقيل : كانوا يتسللون في الجهاد رجوعا عنه يلوذ بعضهم ببعض .

وقال الحسن : لواذا فرارا من الجهاد ؛ ومنه قول حسان :وقريش تجول منا لواذا لم تحافظ وخف منها الحلوموصحت واوها لتحركها في لاوذ .

يقال : لاوذ يلاوذ ملاوذة ولواذا .

ولاذ يلوذ لوذا ولياذا ؛ انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعا للاذ في الاعتلال ؛ فإذا كان مصدر فاعل لم يعل ؛ لأن فاعل لا يجوز أن يعل .قوله تعالى : فليحذر الذين يخالفون عن أمره بهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر على الوجوب .

ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله : أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم فتحرم مخالفته ، فيجب امتثال أمره .

والفتنة هنا القتل ؛ قاله ابن عباس .

عطاء : الزلازل والأهوال .

جعفر بن محمد : سلطان جائر يسلط عليهم .

وقيل : الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول .

والضمير في ( أمره ) قيل هو عائد إلى أمر الله تعالى ؛ قاله يحيى بن سلام .

وقيل : إلى أمر رسول - عليه السلام - ؛ قاله قتادة .

ومعنى يخالفون عن أمره أي يعرضون عن أمره .

وقال أبو عبيدة ، والأخفش : ( عن ) في هذا الموضع زائدة .

وقال الخليل ، وسيبويه : ليست بزائدة ؛ والمعنى : يخالفون بعد أمره ؛ كما قال [ امرؤ القيس ] :[ وتضحي فتيت المسك فوق فراشها ] [ نئوم الضحى ] لم تنتطق عن تفضلومنه قوله : ففسق عن أمر ربه أي بعد أمر ربه .

و ( أن ) في موضع نصب ب ( يحذر ) .

ولا يجوز عند أكثر النحويين حذر زيدا ، وهو في ( أن ) جائز ؛ لأن حروف الخفض تحذف معها .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

{ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ْ} أي: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم ودعائكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فإذا دعاكم فأجيبوه وجوبا، حتى إنه تجب إجابة الرسول صلى الله عليه وسلم في حال الصلاة، وليس أحد إذا قال قولا يجب على الأمة قبول قوله والعمل به، إلا الرسول، لعصمته، وكوننا مخاطبين باتباعه، قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ْ} وكذلك لا تجعلوا دعاءكم للرسول كدعاء بعضكم بعضا، فلا تقولوا: " يا محمد " عند ندائكم، أو " يا محمد بن عبد الله " كما يقول ذلك بعضكم لبعض، بل من شرفه وفضله وتميزه صلى الله عليه وسلم عن غيره، أن يقال: يا رسول الله، يا نبي الله.

{ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ْ} لما مدح المؤمنين بالله ورسوله، الذين إذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، توعد من لم يفعل ذلك وذهب من غير استئذان، فهو وإن خفي عليكم بذهابه على وجه خفي، وهو المراد بقوله: { يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا ْ} أي: يلوذون وقت تسللهم وانطلاقهم بشيء يحجبهم عن العيون، فالله يعلمهم، وسيجازيهم على ذلك أتم الجزاء، ولهذا توعدهم بقوله: { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ْ} أي: يذهبون إلى بعض شئونهم عن أمر الله ورسوله، فكيف بمن لم يذهب إلى شأن من شئونه؟" وإنما ترك أمر الله من دون شغل له.

{ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ْ} أي: شرك وشر { أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ْ}

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

( لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ) قال ابن عباس رضي الله عنهما : يقول احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه ، فإن دعاءه موجب لنزول البلاء بكم ليس كدعاء غيره وقال مجاهد وقتادة : لا تدعوه باسمه كما يدعو بعضكم بعضا : يا محمد ، يا عبد الله ، ولكن فخموه وشرفوه ، فقولوا : يا نبي الله ، يا رسول الله ، في لين وتواضع .

( قد يعلم الله الذين يتسللون ) أي : يخرجون ) ( منكم لواذا ) أي : يستر بعضهم بعضا ويروغ في خيفة ، فيذهب " واللواذ " مصدر لاوذ يلاوذ ، ملاوذة ، ولواذا .

قيل : كان هذا في حفر الخندق ، فكان المنافقون ينصرفون عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مختفين .

قال ابن عباس رضي الله عنهما : " لواذا " أي : يلوذ بعضهم ببعض ، وذلك أن المنافقين كان يثقل عليهم المقام في المسجد يوم الجمعة واستماع خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - فكانوا يلوذون ببعض أصحابه فيخرجون من المسجد في استتار .

ومعنى قوله : ) ( قد يعلم الله ) للتهديد بالمجازاة .

( فليحذر الذين يخالفون عن أمره ) أي : أمره و " عن " صلة .

وقيل : معناه يعرضون عن أمره وينصرفون عنه بغير إذنه .

( أن تصيبهم فتنة ) أي لئلا تصيبهم فتنة ، قال مجاهد : بلاء في الدنيا ، ( أو يصيبهم عذاب أليم ) وجيع في الآخرة .

وقيل : عذاب أليم عاجل في الدنيا .

ثم عظم نفسه فقال :

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا» بأن تقولوا يا محمد، بل قولوا يا نبيَّ الله، يا رسول الله، في لين وتواضع وخفض صوت «قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا» أي يخرجون من المسجد في الخطبة من غير استئذان خفية مستترين بشيء، وقد للتحقيق «فليحذر الذين يخالفون عن أمره» أي الله ورسوله «أن تصيبهم فتنة» بلاء «أو يصيبهم عذاب أليم» في الآخرة.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

لا تقولوا -أيها المؤمنون- عند ندائكم رسول الله: يا محمد، ولا يا محمد بن عبد الله، كما يقول ذلك بعضكم لبعض، ولكن شرِّفوه، وقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله.

قد يعلم الله المنافقين الذين يخرجون من مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خفية بغير إذنه، يلوذ بعضهم ببعض، فليَحْذَر الذين يخالفون أمر رسول الله أن تنزل بهم محنة وشر، أو يصيبهم عذاب مؤلم موجع في الآخرة.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

ثم أكد الله - تعالى - وجوب التوقير والتعظيم لنبيه صلى الله عليه وسلم فقال : ( لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً .

.

) .ولأهل العلم فى تفسير هذه الآية أقوال من أهمها : أن المصدر هنا وهو لفظ " دعاء " مضاف إلى مفعوله ، وهو الرسول صلى الله عليه وسلم على أنه مدعو ، فيكون المعنى :لا تجعلوا - أيها المؤمنون - دعاءكم الرسول إذا دعوتموه ، ونداءكم له إذا ما ناديتموه ، كدعاء أو نداء بعضكم لبعض ، وإنما عليكم إذا ما ناديتموه أن تنادوه بقولكم ، يا نبى الله ، أو يا رسول الله ، ولا يليق بكم أن تنادوه باسمه مجردا ، بأن تقولوا يا محمد .كما أن من الواجب عليكم أن تخفضوا أصواتكم عند ندائه توقيرا واحتراما له صلى الله عليه وسلم والمتتبع للقرآن الكريم ، يرى أن الله - تعالى - لم يناد رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم باسمه مجردا ، وإنما ناداه بقوله : يأيها المدثر ، يأيها الرسول ، يأيها النبى .

.

.

.وإذا كان اسمه صلى الله عليه وسلم قد ورد فى القرآن الكريم فى أكثر من موضع ، فإن وروده لم يكن فى معرض النداء ، وإنما كان فى غيره كما فى قوله - تعالى - ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ .

.

) فالآية الكريمة تنهى المؤمنين عن أن ينادوا أو يخاطبوا النبى صلى الله عليه وسلم باسمه مجردا ، كما يخاطب بعضهم بعضا .ومن العلماء من يرى أن المصدر هنا مضاف إلى فاعله ، فيكون المعنى : لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضا ، بل يجب عليكم متى دعاكم لأمر أن تلبوا أمره بدون تقاعس أو تباطؤ .وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة تدل على وجوب توقير الرسول صلى الله عليه وسلم وتعظيمه .

وشبيه بها قوله - تعالى - : ( ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النبي وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ) ثم حذر - سبحانه - المنافقين من سوء عاقبة أفعالهم فقال : ( قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) .وقد هنا للتحقيق .

ويتسللون من التسلل ، وهو الخروج فى خفاء مع تمهل وتلصص .وقوله ( لِوَاذاً ) مصدر فى موضع الحال أى : ملاوذين .

والملاوذة معناها : الاستتار بشىء مخافة من يراك ، أو هى الروغان من شىء إلى شىء على سبيل الخفاء .أى : إن الله - تعالى - عليم بحال هؤلاء المنافقين الذين يخرجون من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم فى خفاء واستتار : بحيث يخرجون من الجماعة قليلا قليلا ، يستتر بعضهم ببعض حتى يخرجوا جميعا .قالوا : وكان المنافقون تارة يخرجون إذا ارتقى الرسول صلى الله عليه وسلم المنبر .

ينظرون يمينا وشمالا .

ثم يخرجون واحدا واحدا .

وتارة يخرجون من مجلس الرسول صلى الله عليه وسلم وتارة يفرون من الجهاد يعتذرون بالمعاذير الباطلة .وعلى أية حال فالآية الكريمة تصور خبث نفوسهم ، والتواء طباعهم ، وجبن قلوبهم ، أبلغ تصوير ، حيث ترسم أحوالهم وهم يخرجون فى خفاء متسللين ، حتى لا يراهم المسلمون .والفاء فى قوله - تعالى - : ( فَلْيَحْذَرِ .

.

.

) لترتيب ما بعدها على ما قبلها ، والضمير فى قوله : ( عَنْ أَمْرِهِ ) يعود إلى النبى صلى الله عليه وسلم أو إلى الله - تعالى - والمعنى واحد ، لأن الرسول مبلغ عن الله - تعالى - .والمخالفة معناها : أن يأخذ كل واحد طريقا غير طريق الآخر فى حاله أو فعله .والمعنى : فليحذر هؤلاء المنافقون الذين يخالفون أمر النبى صلى الله عليه وسلم ويصدون الناس عن دعوته .

ويتباعدون عن هديه ، فليحذروا من أن تصيبهم فتنة ، أى : بلاء وكرب يتربت عليه افتضاح أمرهم ، وانكشاف سرهم ، ( أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يستأصلهم عن آخرهم ، ولعذاب الآخرة اشد وأبقى .قال القرطبى : وبهذه الآية احتج الفقهاء على أن الأمر للوجوب ، ووجهها أن الله - تعالى - قد حذر من مخالفة أمره ، وتوعد بالعقاب عليها بقوله : ( تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) فتحرم مخالفته ، ويجب امتثال أمره " .

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

وفي الآية مسائل: المسألة الأولى: قرئ ﴿ على أَمْرٍ جمِيع ﴾ ثم ذكروا في قوله: ﴿ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ وجوهاً: أحدها: أن الأمر الجامع هو الأمر الموجب للاجتماع عليه فوصف الأمر بالجمع على سبيل المجاز، وذلك نحو مقاتلة عدو أو تشاور في خطب مهم أو الأمر الذي يعم ضرره ونفعه وفي قوله: ﴿ إِذَا كَانُواْ مَعَهُ على أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ إشارة إلى أنه خطب جليل لابد لرسول صلى الله عليه وسلم من أرباب التجارب والآراء ليستعين بتجاربهم فمفارقة أحدهم في هذه الحالة مما يشق على قلبه.

وثانيها: عن الضحاك في أمر جامع الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وثالثها: عن مجاهد في الحرب وغيره.

المسألة الثانية: اختلفوا في سبب نزوله قال الكلبي: كان صلى الله عليه وسلم يعرض في خطبته بالمنافقين ويعيبهم فينظر المنافقون يميناً وشمالاً فإذا لم يرهم أحد انسلوا وخرجوا ولم يصلوا، وإن أبصرهم أحد ثبتوا وصلوا خوفاً، فنزلت هذه الآية فكان بعد نزول هذه الآية لا يخرج المؤمن لحاجته حتى يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان المنافقون يخرجون بغير إذن.

المسألة الثالثة: قال الجبائي هذا يدل على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم، ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان، وذلك يدل على أن كل فرض لله تعالى واجتناب محرم من الإيمان والجواب: هذا بناء على أن كلمة ﴿ إِنَّمَا ﴾ للحصر وأيضاً فالمنافقون إنما تركوا الاستئذان استخفافا ولا نزاع في أنه كفر.

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذِنُونَكَ ﴾ إلى قوله: ﴿ إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: ﴿ إِنَّ الذين يَسْتَئذِنُونَكَ ﴾ المعنى تعظيماً لك ورعاية للأدب ﴿ أولئك الذين يُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ ﴾ أي يعملون بموجب الإيمان ومقتضاه، قال الضحاك ومقاتل: المراد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك لأنه استأذن في غزوة تبوك في الرجوع إلى أهله فأذن له وقال له انطلق فوالله ما أنت بمنافق يريد أن يسمع المنافقين ذلك الكلام، فلما سمعوا ذلك قالوا ما بال محمد إذا استأذنه أصحابه أذن لهم، وإذا استأذناه لم يأذن لنا فوالله ما نراه يعدل، وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن عمر استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في العمرة فأذن له، ثم قال يا أبا حفص لا تنسنا من صالح دعائك، وفي قوله: ﴿ واستغفر لَهُمُ الله ﴾ وجهان: أحدهما: أن يستغفر لهم تنبيهاً على أن الأولى أن لا يقع الاستئذان منهم وإن أذن، لأن الاستغفار يدل على الذنب وربما ذكر عند بعض الرخص الثاني: يحتمل أنه تعالى أمره بأن يستغفر لهم مقابلة على تمسكهم بآداب الله تعالى في الاستئذان.

المسألة الثانية: قال قتادة نسخت هذه الآية قوله تعالى: ﴿ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ  ﴾ .

المسألة الثالثة: الآية تدل على أنه سبحانه فوض إلى رسوله بعض أمر الدين ليجتهد فيه برأيه.

أما قوله تعالى: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ ففيه وجوه: أحدها: وهو اختيار المبرد والقفال، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان أمره فرضاً لازماً، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ .

وثانيها: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضاً يا محمد، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله، عن سعيد بن جبير.

وثالثها: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله: ﴿ إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله  ﴾ عن ابن عباس.

ورابعها: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ فالمعنى يتسللون قليلاً قليلاً، ونظير تسلل تدرج وتدخل، واللواذ: الملاوذة وهي أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني يتسللون عن الجماعة (على سبيل الخفية) واستتار بعضهم ببعض، و(لواذاً) حال أي ملاوذين وقيل كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيؤذن له فينطلق الذي لم يؤذن له معه، وقرئ ﴿ لِوَاذاً ﴾ بالفتح ثم اختلفوا على وجوه: أحدها: قال مقاتل: كان المنافقون تثقل عليهم خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة فيلوذون ببعض أصحابه ويخرجون من غير استئذان.

وثانيها: قال مجاهد يتسللون من الصف في القتال.

وثالثها: قال ابن قتيبة هذا كان في حفر الخندق.

ورابعها: يتسللون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كتابه وعن ذكره، وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله ﴾ معناه التهديد بالمجازاة.

أما قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ففيه مسائل: المسألة الأولى: قال الأخفش (عن) صلة والمعنى يخالفون أمره وقال غيره معناه يعرضون عن أمره ويميلون عن سنته فدخلت (عن) لتضمين المخالفة معنى الإعراض.

المسألة الثانية: كما تقدم ذكر الرسول فقد تقدم ذكر الله تعالى لكن القصد هو الرسول فإليه ترجع الكناية، وقال أبو بكر الرازي: الأظهر أنها لله تعالى لأنه يليه، وحكم الكناية رجوعها إلى ما يليها دون ما تقدمها.

المسألة الثالثة: الآية تدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، ووجه الاستدلال به أن نقول: تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر ومخالف الأمر مستحق للعقاب فتارك المأمور به مستحق للعقاب ولا معنى للوجوب إلا ذلك، إنما قلنا إن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر، لأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، والمخالفة ضد الموافقة فكانت مخالفة الأمر عبارة عن الإخلال بمقتضاه فثبت أن تارك المأمور به مخالف، وإنما قلنا إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فأمر مخالف هذا الأمر بالحذر عن العقاب، والأمر بالحذر عن العقاب إنما يكون بعد قيام المقتضى لنزول العقاب، فثبت أن مخالف أمر الله تعالى أو أمر رسوله قد وجد في حقه ما يقتضي نزول العذاب، فإن قيل لا نسلم أن تارك المأمور به مخالف للأمر قوله موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه ومخالفته عبارة عن الإخلال بمقتضاه، قلنا لا نسلم أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، فما الدليل عليه؟

ثم إنا نفسر موافقة الأمر بتفسيرين أحدهما: أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب، وأنت تأتي به على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة للأمر الثاني: أن موافقة الأمر عبارة عن الاعتراف بكون ذلك الأمر حقاً واجب القبول فمخالفته تكون عبارة عن إنكار كونه حقاً واجب القبول، سلمنا أن ما ذكرته يدل على أن مخالفة الأمر عبارة عن ترك مقتضاه لكنه معارض بوجوه أخر، وهو أنه لو كان ترك المأمور به مخالفة للأمر لكان ترك المندوب لا محالة مخالفة لأمر الله تعالى، وذلك باطل وإلا لاستحق العقاب على ما بينتموه في المقدمة الثانية، سلمنا أن تارك المأمور به مخالف للأمر فلم قلت إن مخالف الأمر مستحق للعقاب لقوله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ ؟

قلنا لا نسلم أن هذه الآية دالة على أمر من يكون مخالفاً للأمر بالحذر بل هي دالة على الأمر بالحذر عن مخالفة الأمر، فلم لا يجوز أن يكون كذلك؟

سلمنا ذلك لكنها دالة على أن المخالف عن الأمر يلزمه الحذر، فلم قلت إن مخالف الأمر لا يلزمه الحذر؟

فإن قلت لفظة (عن) صلة زائدة فنقول الأصل في الكلام لا سيما في كلام الله تعالى أن لا يكون زائداً، سلمنا دلالة الآية على أن مخالف أمر الله تعالى مأمور بالحذر عن العذاب، فلم قلت إنه يجب عليه الحذر عن العذاب؟

أقصى ما في الباب أنه ورد الأمر به لكن لم قلت إن الأمر للوجوب؟

وهذا أول المسألة، فإن قلت هب أنه لا يدل على وجوب الحذر لكن لابد وأن يدل على حسن الحذر، وحسن الحذر إنما يكون بعد قيام المقتضي لنزول العذاب قلت: لا نسلم أن حسن الحذر مشروط بقيام المقتضي لنزول العذاب بل الحذر يحسن عند احتمال نزول العذاب ولهذا يحسن الاحتياط وعندنا مجرد الاحتمال قائم لأن هذه المسألة احتمالية لا قطعية، سلمنا دلالة الآية على وجود ما يقتضي نزول العقاب، لكن لا في كل أمر بل في أمر واحد لأن قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ لا يفيد إلا أمراً واحداً، وعندما أن أمراً واحداً يفيد الوجوب، فلم قلت إن كل أمر كذلك؟

سلمنا أن كل أمر كذلك، لكن الضمير في قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل عوده إلى الله تعالى وعوده إلى الرسول، والآية لا تدل إلا على أن الأمر للوجوب في حق أحدهما، فلم قلتم إنه في حق الآخر كذلك؟

الجواب: قوله لم قلتم إن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه؟

قلنا الدليل عليه أن العبد إذا امتثل أمر السيد حسن أن يقال إن هذا العبد موافق للسيد ويجري على وفق أمره، ولو لم يمتثل أمره يقال إنه ما وافقه بل خالفه، وحسن هذا الإطلاق معلوم بالضرورة من أهل اللغة فثبت أن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه، قوله الموافقة عبارة عن الإتيان بما يقتضيه الأمر على الوجه الذي يقتضيه الأمر، قلنا لما سلمتم أن موافقة الأمر لا تحصل إلا عند الإتيان بمقتضى الأمر، فنقول لا شك أن مقتضى الأمر هو الفعل لأن قوله: افعل لا يدل إلا على اقتضاء الفعل، وإذا لم يوجد الفعل لم يوجد مقتضى الأمر، فلا توجد الموافقة فوجب حصول المخالفة لأنه ليس بين الموافقة والمخالفة واسطة قوله: الموافقة عبارة عن اعتقاد كون ذلك الأمر حقاً واجب القبول، قلنا هذا لا يكون موافقة للأمر بل يكون موافقة للدليل الدال على أن ذلك الأمر حق، فإن موافقة الشيء عبارة عن الإتيان بما يقتضي تقرير مقتضاه، فإذا دل على حقية الشيء كان الاعتراف بحقيته يقتضي تقرير مقتضى ذلك الدليل، أما الأمر فلما اقتضى دخول الفعل في الوجود كانت موافقته عبارة عما يقرر ذلك الدخول وإدخاله في الوجود يقتضي تقرير دخوله في الوجود فكانت موافقة الأمر عبارة عن فعل مقتضاه.

قوله لو كان كذلك لكان تارك المندوب مخالفاً فوجب أن يستحق العقاب، قلنا هذا الإلزام إنما يصح أن لو كان المندوب مأموراً به وهو ممنوع، قوله لم لا يجوز أن يكون قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ أمراً بالحذر عن المخالف لا أمراً للمخالف بالحذر؟

قلنا لو كان كذلك لصار التقدير فليحذر المتسللون لواذاً عن الذين يخالفون أمره وحينئذ يبقى قوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ضائعاً لأن الحذر ليس فعلاً يتعدى إلى مفعولين.

قوله كلمة (عن) ليست بزائدة، قلنا ذكرنا اختلاف الناس فيها في المسألة الأولى.

قوله لم قلتم إن قوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ يدل على وجوب الحذر عن العقاب؟

قلنا لا ندعي وجوب الحذر، ولكن لا أقل من جواز الحذر، وذلك مشروط بوجود ما يقتضي وقوع العقاب.

قوله لم قلت إن الآية تدل على أن كل مخالف للأمر يستحق العقاب؟

قلنا لأنه تعالى رتب نزول العقاب على المخالفة فوجب أن يكون معللاً به، فيلزم عمومه لعموم العلة.

قوله هب أن أمر الله أو أمر رسوله للوجوب، فلم قلتم إن الأمر كذلك؟

قلنا لأنه لا قائل بالفرق، والله أعلم.

المسألة الرابعة: من الناس من قال لفظ الأمر مشترك بين الأمر القولي وبين الشأن والطريق، كما يقال أمر فلان مستقيم.

وإذا ثبت ذلك كان قوله تعالى: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يتناول قول الرسول وفعله وطريقته، وذلك يقتضي أن كل ما فعله عليه الصلاة والسلام يكون واجباً علينا، وهذه المسألة مبنية على أن الكناية في قوله: ﴿ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ راجعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أما لو كانت راجعة إلى الله تعالى فالبحث ساقط بالكلية، وتمام تقرير ذلك ذكرناه في أصول الفقه، والله أعلم.

أما قوله تعالى: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ فالمراد أن مخالفة الأمر توجب أحد هذين الأمرين، والمراد بالفتنة العقوبة في الدنيا، والعذاب الأليم عذاب الآخرة، وإنما ردد الله تعالى حال ذلك المخالف بين هذين الأمرين لأن ذلك المخالف قد يموت من دون عقاب الدنيا وقد يعرض له ذلك في الدنيا، فلهذا السبب أورده تعالى على سبيل الترديد، ثم قال الحسن: الفتنة هي ظهور نفاقهم، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: القتل.

وقيل: الزلازل والأهوال، وعن جعفر بن محمد يسلط عليهم سلطان جائر.

أما قوله تعالى: ﴿ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السموات والأرض ﴾ فذاك كالدلالة على قدرته تعالى عليهما وعلى ما بينهما وما فيهما، واقتداره على المكلف فيما يعامل به من المجازاة بثواب أو بعقاب، وعلمه بما يخفيه ويعلنه، وكل ذلك كالزجر عن مخالفة أمره.

أما قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ فإنما أدخل ﴿ قَدْ ﴾ لتوكيد علمه بما هم عليه من المخالفة في الدين والنفاق.

ويرجع توكيد العلم إلى توكيد الوعيد: وذلك لأن قد إذا أدخلت على المضارع كانت بمعنى ربما، فوافقت ربما في خروجها إلى معنى التكثير.

كما في قوله الشاعر: فإن يمس مهجور الفناء فربما *** أقام به بعد الوفود وفود والخطاب والغيبة في قوله تعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ ﴾ يجوز أن يكونا جميعاً للمنافقين على طريق الالتفات، ويجوز أن يكون ما أنتم عليه عاماً ويرجعون للمنافقين، وقد تقدم في غير موضع أن الرجوع إليه هو الرجوع إلى حيث لا حكم إلا له فلا وجه لإعادته، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تفرقوا عنه إلاّ بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً، ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه، ولا تقولوا: يا محمد، ولكن: يا نبي الله، ويا رسول الله، مع التوقير و التعظيم والصوت المخفوض والتواضع.

ويحتمل: لا تجعلوا دعاء الرسول ربه مثل ما يدعو صغيركم وكبيركم وفقيركم وغنيكم، يسأله حاجة فربما أجابه وربما ردّه، فإن دعوات رسول الله صلى الله عليه وسلم مسموعة مستجابة ﴿ يَتَسَلَّلُونَ ﴾ ينسلون قليلاً قليلاً.

ونظير (تسلل): (تدرّج وتدخل): واللواذ: الملاوذة، وهو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا، يعني: ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض.

و ﴿ لِوَاذاً ﴾ حال، أي: ملاوذين، وقيل: كان بعضهم يلوذ بالرجل إذا استأذن فيأذن له، فينطلق الذي لم يؤذن له معه.

وقرئ: ﴿ لواذاً ﴾ بالفتح ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذن يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ .

يقال: خالفه إلى الأمر، إذا ذهب إليه دونه، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ ﴾ [هود: 88] وخالفه عن الأمر: إذا صد عنه دونه.

ومعنى ﴿ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ ﴾ الذين يصدّون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون، فحذف المفعول لأنّ الغرض ذكر المخالف والمخالف عنه.

الضمير في أمره لله سبحانه أو للرسول صلى الله عليه وسلم.

والمعنى: عن طاعته ودينه ﴿ فِتْنَةً ﴾ محنة في الدنيا ﴿ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ في الآخرة.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما: فتنة قتل.

وعن عطاء: زلازل وأهوال.

وعن جعفر بن محمد: يسلط عليهم سلطان جائر.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ لا تَقِيسُوا دُعاءَهُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا في جَوازِ الإعْراضِ والمُساهَلَةِ في الإجابَةِ والرُّجُوعِ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَإنَّ المُبادَرَةَ إلى إجابَتِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ واجِبَةٌ والمُراجَعَةَ بِغَيْرِ إذْنِهِ مُحَرَّمَةٌ.

وقِيلَ لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ وتَسْمِيَتَهُ كَنِداءِ بَعْضِكم بَعْضًا بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ والنِّداءِ مِن وراءِ الحُجُراتِ، ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظِّمِ مِثْلَ يا نَبِيَّ اللَّهِ، ويا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ التَّوْقِيرِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ، أوْ لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ فَلا تُبالُوا بِسُخْطِهِ فَإنَّ دُعاءَهُ مُوجِبٌ، أوْ لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ رَبَّهُ كَدُعاءِ صَغِيرِكم كَبِيرَكم يُجِيبُهُ مَرَّةً ويَرُدُّهُ أُخْرى فَإنَّ دُعاءَهُ مُسْتَجابٌ.

﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ ﴾ يَنْسَلُّونَ قَلِيلًا قَلِيلًا مِنَ الجَماعَةِ ونَظِيرُ تَسَلَّلَ تَدَرَّجَ وتَدَخَّلَ.

﴿ لِواذًا ﴾ مُلاوَذَةً بِأنْ يَسْتَتِرَ بَعْضُكم بِبَعْضٍ حَتّى يَخْرُجَ، أوْ يَلُوذُ بِمَن يُؤْذَنُ لَهُ فَيَنْطَلِقُ مَعَهُ كَأنَّهُ تابِعُهُ وانْتِصابُهُ عَلى الحالِ وقُرِئَ بِالفَتْحِ.

﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ يُخالِفُونَ أمْرَهُ بِتَرْكِ مُقْتَضاهُ ويَذْهَبُونَ سَمْتًا خِلافَ سَمْتِهِ، و ( عَنْ ) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى الإعْراضِ أوْ يَصُدُّونَ عَنْ أمْرِهِ دُونَ المُؤْمِنِينَ مِن خالَفَهُ عَنِ الأمْرِ إذا صَدَّ عَنْهُ دُونَهُ، وحُذِفَ المَفْعُولُ لِأنَّ المَقْصُودَ بَيانُ المُخالِفِ والمُخالَفِ عَنْهُ والضَّمِيرُ لِلَّهِ تَعالى، فَإنَّ الأمْرَ لَهُ في الحَقِيقَةِ أوْ لِلرَّسُولِ فَإنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ.

﴿ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ ﴾ مِحْنَةٌ في الدُّنْيا.

﴿ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ في الآخِرَةِ واسْتُدِلَّ بِهِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّ تَرْكَ مُقْتَضى الأمْرِ مُقْتَضٍ لِأحَدِ العَذابَيْنِ، فَإنَّ الأمْرَ بِالحَذَرِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلى خَشْيَةِ المَشْرُوطِ بِقِيامِ المُقْتَضِي لَهُ وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ الوُجُوبَ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُمْ بعضا} اى إذا احتاج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم فلا تقربوا منه إلا بإذنه ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي أو لا تجعلوا تسميته ونداءه بينكم كما يسمي بعضكم بعضاً ويناديه باسمه الذي سماه به أبواه فلا تقولوا يا محمد ولكن يا نبي الله يا رسول الله مع التوفير والتعظيم والصوت المخفوض {قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ} يخرجون قليلاً قليلاً {مِنكُمْ لِوَاذاً} حال أي ملاوذين اللواذ والملاوذة هو أن يلوذ هذا بذاك وذاك بهذا أي ينسلون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة واستتار بعضهم ببعض {فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ} أي الذين يصدون عن أمره دون المؤمنين وهم المنافقون يقال له خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه ومنه وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنها كم عنه وخالفه عن الأمر إذا صد عنه دونه والضمير فى أمر الله سبحانه أو للرسول عليه الصلاة والسلام والمعنى عن طاعته ودينه ومفعول يحذر {أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ} محنة في الدنيا أو قتل أو زلازل وأهوال أو تسليط سلطان جائر أو قسوة القلب عن معرفة الرب

أو إسباغ النعم استدراجاً {أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} في الآخرة والآية تدل على أن الأمر للايجاب

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

و ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ اسْتِئْنافٌ مُقَرَّرٌ لِمَضْمُونِ ما قَبْلِهِ، والِالتِفاتُ لِإبْرازِ مَزِيدِ الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ أيْ لا تَقِيسُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ إيّاكم عَلى دُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا في حالٍ مِنَ الأحْوالِ وأمْرٍ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي مِن جُمْلَتِها المُساهَلَةُ فِيهِ والرُّجُوعُ عَنْ مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ المُحَرَّماتِ، وإلى نَحْوِ هَذا ذَهَبَ أبُو مُسْلِمٍ واخْتارَهُ المِبْرَدُ والقَفّالُ وقِيلَ: المَعْنى لا تَحْسَبُوا دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ فَتَعْرِضُوا لِسُخْطِهِ ودُعائِهِ عَلَيْكم عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِمُخالَفَةِ أمْرِهِ والرُّجُوعِ عَنْ مَجْلِسِهِ بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ونَحْوِ ذَلِكَ، وهو مَأْخُوذٌ مِمّا جاءَ في بَعْضِ الرِّواياتِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُما ورُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وتَعَقَّبَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّ لَفْظَ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، وكَأنَّهُ أرادَ أنَّ الظّاهِرَ عَلَيْهِ عَلى بَعْضٍ، وقِيلَ: إنَّهُ يَأْباهُ ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ وهو في حَيِّزِ المَنعِ، وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْعَلُوا دُعاءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ كَدُعاءِ صَغِيرِكم كَبِيرِكم وفَقِيرِكم غَنِيِّكم يَسْألُهُ حاجَتَهُ فَرُبَّما أجابَهُ ورُبَّما رَدَّهُ فَإنَّ دُعاءَهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ مُسْتَجابٌ لا مَرَدَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَتَعْرِضُوا لِدُعائِهِ لَكم بِامْتِثالِ أمْرِهِ واسْتِئْذانِهِ عِنْدَ الِانْصِرافِ عَنْهُ إذا كُنْتُمْ مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ وتُحَقِّقُوا قَبُولَ اسْتِغْفارِهِ لَكم ولا تَتَعَرَّضُوا لِدُعائِهِ عَلَيْكم بِضِدِّ ذَلِكَ.

ولا يَخْفى وجْهُ تَقْرِيرِ الجُمْلَةِ لِما قَبْلِها عَلى هَذَيْنَ القَوْلَيْنِ لَكِنْ بَحْثٌ في دَعْوى أنَّ جَمِيعَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُسْتَجابٌ بِأنَّهُ قَدْ صَحَّ أنَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ سَألَ اللَّهَ تَعالى في أُمَّتِهِ أنْ لا يُدِيقُ بَعْضُهم بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَهُ، وهو ظاهِرٌ في أنَّهُ قَدْ يَرُدُّ بَعْضَ دُعائِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّهُ كَيْفَ يَرُدُّ وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ وفِي الحَدِيثِ ««إنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَرُدُّ دُعاءَ المُؤْمِنِ وإنْ تَأخَّرَ»» وقَدْ قالَ الإمامُ السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ: الِاسْتِجابَةُ أقْسامٌ إمّا تَعْجِيلُ ما سالَ أوْ أنْ يَدَّخِرَ لَهُ خَيْرٌ مِمّا طَلَبَ أوْ يَصْرِفُ عَنْهُ مِنَ البَلاءِ بِقَدْرِ ما سالَ مِنَ الخَيْرِ، وقَدْ أعْطى صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ عِوَضًا مِن أنْ لا يُذِيقَ بَعْضُهم بَأْسِ بَعْضِ الشَّفاعَةِ وقالَ: ««أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ لَيْسَ عَلَيْها في الآخِرَةِ عَذابُها في الدُّنْيا الزِّلْزالُ والفِتَنُ»» كَما في أبِي داوُدَ فَإذا كانَتِ الفِتْنَةُ سَبَبًا لِصَرْفِ عَذابِ الآخِرَةِ عَنِ الأُمَّةِ فَلا يُقالُ: ما أجابَ دُعاءَهُ  لِأنَّ عَدَمَ اسْتِجابَتِهِ أنْ لا يُعْطِي ما سَألَ أوْ لا يُعَوِّضُ عَنْهُ ما هو خَيْرٌ مِنهُ، والمُرادُ بِالمَنعِ في الحَدِيثِ مَنعُ ذَلِكَ بِخُصُوصِهِ لا عَدَمَ اسْتِجابَةِ الدُّعاءِ بِذَلِكَ بِالمَعْنى المَذْكُورِ، وتَمامِ الكَلامِ في هَذا المَقامِ يُطْلَبُ مِن مَحَلِّهِ.

وقِيلَ: المَعْنى لا تَجْعَلُوا نِداءَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وتَسْمِيَتَهُ كَنِداءِ بَعْضِكم بَعْضًا بِاسْمِهِ ورَفْعِ الصَّوْتِ بِهِ والنِّداءِ وراءَ الحُجُراتِ ولَكِنْ بِلَقَبِهِ المُعَظَّمِ مِثْلِ يا نَبِيَّ اللَّهِ ويا رَسُولَ اللَّهِ مَعَ التَّوْقِيرِ والتَّواضُعِ وخَفْضِ الصَّوْتِ.

أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ مَرْدُويَهٍ وأبُو نَعِيمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ يا أبا القاسِمِ فَنَهاهُمُ اللَّهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ لا تَجْعَلُوا ﴾ الآيَةَ إعْظامًا لِنَبِيِّهِ  فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، ورُوِيَ نَحْوُ هَذا عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٍ وفي أحْكامِ القُرْآنِ لِلسُّيُوطِيَ أنَّ في هَذا النَّهْيِ تَحْرِيمُ نِدائِهِ  بِاسْمِهِ.

والظّاهِرُ اسْتِمْرارُ ذَلِكَ بَعْدَ وفاتِهِ إلى الآنِ.

وذَكَرَ الطَّبَرْسِيُّ أنَّ مِن جُمْلَةِ المَنهِيِّ عَنْهُ النِّداءُ بِيا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَإنَّهُ مِمّا يُنادِي بِهِ العَرَبُ بَعْضُهم بَعْضًا.

وتَعَقَّبَ هَذا القَوْلُ بِأنَّ الآيَةَ عَلَيْهِ لا تُلائِمُ السِّباقَ واللَّحاقَ.

وقالَ بَعْضُهُمْ: وجْهُ الِارْتِباطِ بِما قَبْلِها عَلَيْهِ الإرْشادُ إلى أنَّ الِاسْتِئْذانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِقَوْلِهِمْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا نَسْتَأْذِنُكَ ونَحْوُهُ، وكَذا خِطابُ مَن مَعَهُ في أمْرٍ جامِعٍ إيّاهُ  يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ بِنَحْوِ يا رَسُولَ اللَّهِ لا بِنَحْوِ يا مُحَمَّدُ، ويَكْفِي هَذا القَدْرُ مِنَ الِارْتِباطِ بِما قَبْلُ ولا حاجَةَ إلى بَيانِ المُناسِبَةِ بِأنَّ في كُلٍّ مِنهُما ما يُنافِي التَّعْظِيمَ اللّائِقَ بِشَأْنِهِ العَظِيمِ  ، نَعَمِ الأظْهَرُ في مَعْنى الآيَةِ ما ذَكَرْناهُ أوَّلًا كَما لا يَخْفى.

وقَرَأ الحَسَنُ ويَعْقُوبُ في رِوايَةِ «نَبِيِّكُمْ» بِنُونٍ مَفْتُوحَةٍ وباءٍ مَكْسُورَةٍ وياءٍ آخَرِ الحُرُوفِ مُشَدَّدَةٍ بَدَلِ ﴿ بَيْنَكُمْ ﴾ الظَّرْفُ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ، وخَرَجَ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن ﴿ الرَّسُولِ ﴾ ولَمْ يُجْعَلْ نَعْتًا لَهُ لِأنَّهُ مُضافٌ إلى الضَّمِيرِ والمُضافُ إلَيْهِ في رُتْبَةِ العِلْمِ وهُوَ أعْرَفُ مِنَ المُعَرَّفِ بِألْ ويُشْتَرَطُ في النَّعْتِ أنْ يَكُونَ دُونَ المَنعُوتِ أوْ مُساوِيًا لَهُ في التَّعْرِيفِ، وقالَ أبُو حَيّانَ: يَنْبَغِي أنْ يَجُوزَ النَّعْتُ لِأنَّ ﴿ الرَّسُولِ ﴾ قَدْ صارَ عِلْمًا بِالغَلَبَةِ كالبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ فَقَدْ تَساوَيا في التَّعْرِيفِ.

﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ ﴾ وعِيدٌ لِمَن هو بِضِدٍّ أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، والتَّسَلُّلُ الخُرُوجُ مِنَ البَيْنِ عَلى التَّدْرِيجِ والخُفْيَةِ، وقَدْ لِلتَّحْقِيقِ، وجَوَّزَ أنْ تَكُونَ لِتَقْلِيلِ المُتَسَلِّلِينَ في جَنْبِ مَعْلُوماتِهِ تَعالى وأنْ تَكُونَ لِلتَّكْثِيرِ إمّا حَقِيقَةً أوِ اسْتِعارَةً ضِدِّيَّةً، وقالَ أبُو حَيّانَ: إنَّ قَوْلَ بَعْضِ النُّحاةِ بِإفادَةِ قَدِ التَّكْثِيرُ إذا دَخَلَتْ عَلى المُضارِعِ غَيْرِ صَحِيحٍ وإنَّما التَّكْثِيرُ مَفْهُومٌ مِن سِياقِ الكَلامِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: أخِي ثِقَةٍ لا يَهْلَكُ الخَمْرُ مالَهُ ولَكِنَّهُ قَدْ يَهْلَكُ المالُ نائِلَهُ فَإنَّ سِياقَ الكَلامِ لِلْمَدْحِ يُفْهَمُ مِنهُ ذَلِكَ أيْ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ الجَماعَةِ قَلِيلًا قَلِيلًا عَلى خُفْيَةٍ ﴿ لِواذًا ﴾ أيْ مُلاوَذَةٍ بِأنْ يَسْتَتِرَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ حَتّى يَخْرُجَ.

وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في مَراسِيلِهِ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ لا يَخْرُجُ أحَدٌ لِرُعافٍ أوْ إحْداثٍ حَتّى يَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ  يُشِيرُ إلَيْهِ بِإصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهامَ فَيَأْذَنُ لَهُ النَّبِيُّ  يُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ وكانَ مِنَ المُنافِقِينَ مَن تَثْقُلُ عَلَيْهِ الخُطْبَةُ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ فَكانَ إذا اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قامَ المُنافِقُ إلى جَنْبِهِ يَسْتَتِرُ بِهِ حَتّى يَخْرُجَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ﴾ الآيَةُ، وقِيلَ يَلُوذُ بِهِ إراءَةَ أنَّهُ مِن أتْباعِهِ.

ونُصِبَ ﴿ لِواذًا ﴾ عَلى المَصْدَرِيَّةِ أوِ الحالِيَّةِ بِتَأْوِيلِ مُلاوِذِينَ وهو مَصْدَرُ لاوَذَ لِعَدَمِ قَلْبِ واوَهِ ياءً تَبَعًا لِفِعْلِهِ ولَوْ كانَ مَصْدَرُ لاذَ لَقِيلَ لِياذًا كَقِيامًا.

وقَرَأ يَزِيدُ بْنُ قَطِيبٍ «لَوْ إذا» بِفَتْحِ اللّامِ فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ لاذَ ولَمْ تُقْلَبْ واوُهُ ياءً لِأنَّهُ لا كَسْرَةَ قَبْلَها فَهو كَطَوافٍ مَصْدَرُ طافَ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرُ لاوَذَ وفَتْحَةُ اللّامِ لِأجْلِ فَتْحَةِ الواوِ، والفاءُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ لِتَرْتِيبِ الحَذَرِ أوِ الأمْرِ بِهِ عَلى ما قَبْلِها مِن عِلْمِهِ تَعالى بِأحْوالِهِمْ فَإنَّهُ مِمّا يُوجِبُ الحَذَرَ البَتَّةَ، والمُخالَفَةُ كَما قالَ الرّاغِبُ: أنْ يَأْخُذَ كُلُّ واحِدٍ طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِ الآخَرِ في حالِهِ أوْ فِعْلِهِ والأكْثَرُ اسْتِعْمالُها بِدُونِ عَنْ فَيُقالُ خالَفَ زَيْدٌ عُمْرًا وإذا اسْتُعْمِلَتْ بِعْنَ فَذاكَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الإعْراضِ.

وقِيلَ الخُرُوجُ أيْ يُخالِفُونَ مُعْرِضِينَ أوْ خارِجِينَ عَنْ أمْرِهِ.

وقالَ ابْنُ الحاجِبِ: عُدَيٌّ يُخالِفُونَ بِعْنَ لِما في المُخالَفَةِ مِن مَعْنى التَّباعُدِ والحَيْدِ كَأنَّهُ قِيلَ الَّذِينَ يَحِيدُونَ عَنْ أمْرِهِ بِالمُخالَفَةِ وهو أبْلَغُ مِن أنْ يُقالَ: يُخالِفُونَ أمْرَهُ.

وقِيلَ عَلى تَضْمِينِ مَعْنى الصَّدِّ، وقِيلَ إذا عُدِّيَ بِعْنَ يُرادُ بِهِ الصَّدُّ دُونَ تَضْمِينٍ ويَتَعَدّى إلى مَفْعُولٍ بِنَفْسِهِ يُقالُ: خالَفَ زَيْدًا عَنِ الأمْرِ أيْ صَدَّهُ عَنْهُ والمَفْعُولُ عَلَيْهِ هُنا مَحْذُوفٌ أيْ يُخالِفُونَ المُؤْمِنُونَ أيْ يَصُدُّونَهم عَنْ أمْرِهِ وحَذَفَ المَفْعُولَ لِأنَّ المُرادَ تَقْبِيحُ حالِ المُخالِفِ وتَعْظِيمُ أمْرِ المُخالِفِ عَنْهُ فَذَكَرَ الأهَمَّ وتَرَكَ ما لا اهْتِمامَ بِهِ وقَدْ يَتَعَدّى بِإلى فَيُقالُ خالَفَ إلَيْهِ إذا أقْبَلَ نَحْوَهُ.

وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿ عَنْ ﴾ هُنا بِمَعْنى بُعْدٍ، والمَعْنى يَقَعُ خِلافَهم بَعْدَ أمْرِهِ كَما تَقُولُ: كانَ المَطَرُ عَنْ رِيحٍ وأطْعَمْتُهُ عَنْ جُوعٍ.

وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ: هي زائِدَةٌ أيْ يُخالِفُونَ ﴿ أمْرِهِ ﴾ وضَمِيرُ أمْرِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فَإنَّ الأمْرَ لَهُ سُبْحانَهُ في الحَقِيقَةِ أوْ لِلرَّسُولِ  فَإنَّهُ المَقْصُودُ بِالذِّكْرِ، والأمْرُ لَهُ قِيلَ الطَّلَبُ أوِ الشَّأْنُ أوْ ما يَعُمُّهُما، ولا يَخْفى أنَّ في تَجْوِيزٍ عَلى كُلٍّ مِنَ الِاحْتِمالَيْنِ في الضَّمِيرِ نَظَرًا فَلا تَغْفُلْ.

وقُرِئَ «يَخْلِّفُونَ» بِالتَّشْدِيدِ أيْ يَخْلُفُونَ أنْفُسَهَمْ عَنْ أمْرِهِ ﴿ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ ﴾ أيْ بَلاءٍ ومِحْنَةٍ في الدُّنْيا كَما رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ تَفْسِيرُ الفِتْنَةِ بِالقَتْلِ، وعَنْ جَعْفَرٍ الصّادِقِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ تَفْسِيرُها بِتَسْلِيطِ سُلْطانٍ جائِرٍ، وعَنِ السَّدِّيِّ ومُقاتِلٍ تَفْسِيرُها بِالكُفْرِ والأوَّلُ أوْلى.

﴿ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ أيْ في الآخِرَةِ.

وقِيلَ في الدُّنْيا، والمُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ القَتْلُ وبِالفِتْنَةِ ما دُونَهُ ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

وكَلِمَةٌ أوْ لِمَنعِ الخُلُوِّ دُونَ الجَمْعِ.

وإعادَةُ الفِعْلِ صَرِيحًا لِلِاعْتِناءِ بِالتَّهْدِيدِ والتَّحْذِيرِ.

وشاعَ الِاسْتِدْلالُ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ فَإنَّهُ تَعالى أوْجَبَ فِيها عَلى مُخالِفِ الأمْرِ الحَذِرِ عَنِ العَذابِ وذَلِكَ تَهْدِيدٌ عَلى مُخالَفَةِ الأمْرِ وهو دَلِيلُ كَوْنِ الأمْرِ لِلْوُجُوبِ إذْ لا تَهْدِيدَ عَلى تَرْكِ غَيْرِ الواجِبِ، وأيْضًا بِناءُ حُكْمِ الحَذَرِ عَنِ العَذابِ إلى المُخالِفِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حَذَرَهُ عَنْهُ مِن حَيْثُ المُخالَفَةِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ إذا أفْضى إلى العَذابِ كَما في قَوْلِكَ فَلْيَحْذَرِ الشّاتِمُ لِلْأمِيرِ أنْ يَضْرِبَهُ ولا إفْضاءَ في تَرْكِ غَيْرِ الواجِبِ.

وهَذا الأمْرُ أعْنِي ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ بِخُصُوصِهِ مُسْتَعْمَلٌ في الإيجابِ إذْ لا مَعْنى لِنَدْبِ الحَذَرِ عَنِ العِقابِ أوْ إباحَتِهِ، وأيْضًا إشْعارُ الآيَةِ بِوُجُوبِ الحَذَرِ غَيْرُ خافٍ بِقَرِينَةِ وُرُودِها في مَعْرِضِ الوَعِيدِ بِتَوَقُّعِ إصابَةِ العَذابِ عَلى أنَّهُ لَوْ حَمَلَ الأمْرَ المَذْكُورَ عَلى أنَّهُ لِلنَّدْبِ يَحْصُلُ المَطْلُوبُ وذَلِكَ لَأنَّ التَّحْذِيرَ عَمّا لَمْ يَعْلَمْ أوْ لَمْ يَظُنَّ تَحَقُّقَهُ ولا تَحَقَّقَ ما يُفْضِي إلى وُقُوعِهِ في الجُمْلَةِ سَفَهٌ غَيْرُ جائِزٍ بِمَعْنى أنَّهُ مُخالِفٌ لِلْحِكْمَةِ ولِهَذا يُلامُ مَن يُحَذِّرُ عَنْ سُقُوطِ الجِدارِ المُحْكَمُ الغَيْرِ المائِلِ، وأيًّا ما كانَ يَنْدَفِعُ ما يُقالُ: لا نُسَلِّمُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ لِلْوُجُوبِ لِأنَّهُ عَيْنُ مَحَلِّ النِّزاعِ إذْ يَكْفِي في المَطْلُوبِ عَلى ما قَرَّرْنا اسْتِعْمالَهُ في النَّدْبِ أيْضًا، والقَوْلُ بِأنَّ مَعْنى مُخالَفَةِ الأمْرِ عَدَمُ اعْتِقادِ حَقِّيَّتِهِ أوْ حَمْلِهِ عَلى غَيْرِ ما هو عَلَيْهِ بِأنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ أوِ النَّدْبِ مَثَلًا فَيَحْمِلُ عَلى غَيْرِهِ بَعِيدٍ جِدًّا، والظّاهِرُ المُتَبادِرُ إلى الفَهْمِ أنَّهُ تَرَكَ الِامْتِثالَ والإتْيانَ بِالمَأْمُورِ فَلا يُتْرَكُ إلى ذَلِكَ إلّا بِدَلِيلٍ.

واعْتَرَضَ بِأنَّهُ بَعْدَ هَذا القِيلِ والقالِ لا يَدُلُّ عَلى أنَّ جَمِيعَ الأوامِرِ حَقِيقَةً في الوُجُوبِ لِإطْلاقِ الأمْرِ.

وأُجِيبُ بِأنَّ ﴿ أمْرِهِ ﴾ مَصْدَرٌ مُضافٌ وهو يُفِيدُ العُمُومَ حَيْثُ فُقِدَتْ قَرِينَةُ العَهْدِ عَلى أنَّ الإطْلاقَ كافٍ في المَطْلُوبِ، وهو كَوْنُ الأمْرِ المُطْلَقِ لِلْوُجُوبِ خاصَّةً.

إذْ لَوْ كانَ حَقِيقَةً لِغَيْرِهِ أيْضًا لَمْ يَتَرَتَّبِ التَّهْدِيدُ عَلى مُخالَفَةِ مُطْلَقِ الأمْرِ.

وقالَ بَعْضُ الأجِلَّةِ: لا قائِلَ بِالفَصْلِ في صِيَغِ الأمْرِ بِأنَّ بَعْضَها لِلْوُجُوبِ وبَعْضَها لِغَيْرِهِ.

وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّ الِاسْتِدْلالَ لا يَتِمُّ إذا أُرِيدَ بِالأمْرِ الطَّلَبَ، ولَوْ فَسَّرَ بِالشَّأْنِ وكانَ الضَّمِيرُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَزِمَ مِنَ القَوْلِ بِدَلالَتِها عَلى الوُجُوبِ أنْ يَكُونَ كُلُّ ما يَفْعَلُهُ  واجِبًا عَلَيْنا ولا قائِلَ بِهِ.

والزَّمَخْشَرِيُّ فَسَّرَهُ بِالدِّينِ والطّاعَةِ.

وقالَ صاحِبُ الكَشْفِ: إنَّ الِاسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى أنَّ الأمْرَ لِلْوُجُوبِ مَشْهُورٌ سَواءً فَسِرْ بِما ذَكَرَ لِأنَّ الطّاعَةَ امْتِثالُ الأمْرِ القَوْلِيِّ أوْ فَسَّرَ عَلى الحَقِيقَةِ، وأمّا إذا جَعَلَ إشارَةً إلى ما سَبَقَ مِنَ الأمْرِ الجامِعِ ومَعْنى ﴿ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ يَنْصَرِفُونَ عَنْهُ فَلا ولَيْسَ بِالوَجْهِ وإنْ آثَرَهُ جَمْعٌ لِفَواتِ المُبالَغَةِ والتَّناوُلِ الأوَّلِيِّ والعُدُولِ عَنِ الحَقِيقَةِ في لَفْظِ الأمْرِ ثُمَّ المُخالَفَةُ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ انْتَهى، وهَذا الَّذِي آثَرَهُ جَمْعٌ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ عَنِ البَغْوِيُّ ثُمَّ قالَ: هَذا هو التَّفْسِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ ويُساعِدُ عَلَيْهِ النَّظْمُ والتَّأْوِيلُ لِأنَّ الأمْرَ حِينَئِذٍ بِمَعْنى الشَّأْنِ وواحِدُ الأُمُورِ وبَيانُهُ أنَّ ما قَبْلَهُ حَدِيثٌ في الأمْرِ الجامِعِ وهو الأمْرُ الَّذِي يَجْمَعُ عَلَيْهِ النّاسُ ومَدْحُ مَن لَزِمَ مَجْلِسَ رَسُولًا لِلَّهِ  ولَمْ يَذْهَبْ عَنْهُ وذَمَّ مَن فارَقَهُ بِغَيْرِ الإذْنِ وأمَرَ بِالِاسْتِغْفارِ في حَقِّ مَن فارَقَ بِالإذْنِ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَأْذَنْ لِمَن شِئْتَ مِنهُمْ ﴾ يُؤْذِنُ أنَّ القَوْمَ ثَلاثُ فِرَقٍ المَأْذُونُ في الذَّهابِ بَعْدَ الِاسْتِئْذانِ والمُتَخَلِّفُ عَنْهُ ثُمَّ المُتَخَلِّفُ إمّا أنْ يَدُومَ في مَجْلِسِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولَمْ يَذْهَبْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ المُخْلِصُونَ أوْ يَتَسَلَّلْ لِواذًا وهُمُ المُنافِقُونَ وقَوْلَهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ﴾ إلَخْ مُتَرَتِّبٌ عَلى القِسْمِ الثّالِثِ عَلى سَبِيلِ الوَعِيدِ والفِعْلِ المُضارِعِ يُفِيدُ مَعْنى الدَّأْبِ والعادَةِ وقَدْ أُقِيمَ المَظْهَرُ مَوْضِعَ المُضْمِرِ عِلَّةً لِاسْتِحْقاقِهِمْ فِتْنَةَ الدّارَيْنِ انْتَهى، وقَدْ كَشَفَ عَنْ بَعْضِ ما فِيهِ صاحِبُ الكَشْفِ نَعَمْ قِيلَ عَلَيْهِ: إنَّ فَواتَ المُبالَغَةِ والتَّناوُلِ لا يُقاوِمُ العَهْدَ ولا عُدُولَ عَنِ الحَقِيقَةِ لِأنَّ الأمْرَ حَقِيقَةٌ في الحادِثَةِ وكَذا المُخالَفَةُ فِيما ذَكَرَ ولَوْ سَلَّمَ فَهو مُشْتَرِكُ الإلْزامِ فَإنَّ الأمْرَ لَيْسَ حَقِيقَةً في الأمْرِ العامِّ وقَوْلُهُ: بِلا ضَرُورَةٍ مَمْنُوعٌ فَإنَّ إضافَةَ العَهْدِ صارِفَةٌ.

وتَعَقَّبَ بِأنَّ هَذا مُكابَرَةٌ ومَنعٌ مُجَرَّدٌ لا يَسْمَعُ فَإنَّ الأبْلَغِيَّةَ لا شُبْهَةَ فِيا فَإنَّ تَهْدِيدَ مَن لَمْ يَمْتَثِلْ أمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أشَدُّ مِن تَرْكِهِ بِلا إذْنٍ وكَوْنُ الأمْرِ حَقِيقَةً في الطَّلَبِ هو الأصَحُّ في الأُصُولِ والمُخالِفَةُ المُقارِنَةُ لِلْأمْرِ لا شُبْهَةَ في أنَّ حَقِيقَتَها عَدَمُ الِامْتِثالِ واشْتِراكُ الإلْزامِ لَيْسَ بِتامٍّ لِأنَّ أمْرَهُ إذا عَمَّ يَشْمَلُ الأمْرَ الجامِعَ بِمَعْنى الطَّلَبِ أيْضًا وعَهْدَ الإضافَةِ لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ حَتّى يُعَدَّ صارِفًا كَذا قِيلَ وفِيهِ بَحْثٌ فَتَأمَّلْ، وقَدْ يُقالُ بِناءً عَلى كَوْنِ الأمْرِ المَذْكُورِ إشارَةً إلى الأمْرِ الجامِعِ: إنَّهُ جِيءَ بِأوْفى قَوْلِهِ: ﴿ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ لِما أنَّ الأمْرَ الجامِعَ إمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا دُنْيَوِيًّا كالتَّشاوُرِ وفي الأُمُورِ الحَرْبِيَّةِ فالِانْصِرافُ عَنْهُ مَظِنَّةُ إصابَةِ المِحْنَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِلْمُنْصَرِفِينَ وإمّا أنْ يَكُونَ أمْرًا دِينِيًّا كَإقامَةِ الجُمْعَةِ الَّتِي فِيها تَعْظِيمُ شَعائِرِ الإسْلامِ فالِانْصِرافُ عَنْهُ مَظِنَّةُ إصابَةِ العَذابِ الأُخْرَوِيِّ.

وبِالجُمْلَةِ لا اسْتِدْلالَ بِالآيَةِ عَلى اعْتِبارِ العَهْدِ وأمّا إذا لَمْ يَعْتَبِرْ فَقَدِ اسْتَدَلَّ بِها، وقَدْ سَمِعْتُ شَيْئًا مِنَ الكَلامِ في ذَلِكَ وتَمامُهُ جُرْحًا وتَعْدِيلًا وغَيْرُ ذَلِكَ في كُتُبِ الأُصُولِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ يعني: المصدقين الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ يعني: مع النبيّ  على أمر جمعهم لتدبير في أمر جهاد، أو في أمر من أمور الله تعالى فيه طاعة لَمْ يَذْهَبُوا يعني: لم يفارقوا رسول الله  حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ.

وذلك أن النبيّ  كان يجمعهم يوم الجمعة فيستشيرهم في أمر الغزو، فكان يثقل على بعضهم المقام، فيخرجون بغير إذنه.

وقال بعضهم: نزلت في يوم الخندق، وكان بعض الناس يرجعون إلى منازلهم بغير إذن النبيّ  ، وتركوه وأصحابه، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، وأمرهم بأن لا يرجعوا إلا بإذنه  ، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو لا ينبغي لأحد أن يرجع بغير إذنه.

وفي الآية بيان حفظ الأدب، بأن الإمام إذا جمع الناس لتدبير أمر من أمور المسلمين ينبغي أن لا يرجعوا إلا بإذنه، وكذلك إذا خرجوا إلى الغزو، لا ينبغي لأحد أن يرجع إلا بإذنه، ولا يخالف أمر السرية.

وروي عن مكحول أنه سئل عن هذه الآية وعنده عطاء، قال: «هذا في الجمعة، وفي الزحف، وفي كل أمر جامع» .

ثم قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وليسوا بمنافقين.

وكان المؤمنون بعد نزول هذه الآية لم يرجعوا حتى يستأذنوا، وأما المنافقون فيرجعون بغير إذنه.

ثم قال: فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ يعني: لبعض أمورهم وحوائجهم فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ ولا تأذن لمن شئت، لأن بعض المنافقين لم يكن لهم في الرجوع حاجة، فإن أرادوا أن يرجعوا فلا تأذن لهم، وأذن للمؤمنين.

وقال مقاتل: نزلت في شأن عثمان حين استأذن في غزوة تبوك بالرجوع إلى أهله، فأذن له.

ثمّ قال: وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ أي فيما استأذنوك من الرجوع بغير حاجة لهم.

إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ لمن تاب رَحِيمٌ به.

ثم قال عز وجل: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ يعني: لا تدعوا محمدا باسمه  كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ولكن وقِّروه وعظموه، وقولوا: يا رسول الله، ويا نبي الله، ويا أبا القاسم.

وفي الآية بيان توقير معلم الخير، لأن رسول الله  كان معلّم الخير، فأمر الله عز وجل بتوقيره وتعظيمه، وفيه معرفة حق الأستاذ، وفيه معرفة أهل الفضل.

ثم ذكر المنافقين فقال تعالى: قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ يعني: يرى الله الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ يعني: يخرجون من المسجد لِواذاً يلوذ بعضهم ببعض.

وذلك أن المنافقين كان يشقُّ عليهم المقام هناك يوم الجمعة وغيره، فيتسللون من بين القوم، ويلوذ الرجل بالرجل، أو بالسارية لئِلاَّ يراه النبي  حتى يخرج من المسجد.

يقال: لاذ يلوذ إذا عاذ وامتنع بشيء.

ويقال: معنى (لواذا) هنا معنى الخلاف، يعني: يخالفون خلافاً، فخوفهم الله تعالى عقوبته فقال: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ يعني: عن أمر الله تعالى.

ويقال: عن أمر رسول الله  .

ويقال: عَنْ زيادة في الكلام للصلة.

ومعناه: يخالفون أمره إلى غير ما أمرهم به أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ يعني: الكفر، لأن أمر رسول الله  واجب، فمن تركه على وجه الجحود كفر.

ويقال: فِتْنَةٌ يعني: بلية في الدنيا.

ويقال: فساد في القلب.

أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يعني: يصيبهم عذابا عظيما في الآخرة.

ويقال: القتل بالسيف.

ويقال: يجعل حلاوة الكفر في قلبه.

وقوله: أَوْ على معنى الإفهام، لا على وجه الشك والتخيير.

ثم قال عز وجل: أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من الخلق عبيده وإماؤه وفي مملكته قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من الاستقامة في الإيمان، والنفاق وغير ذلك.

ويقال: قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ من خير أو شر، فيجازيكم بذلك وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ في الآخرة فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا من خير أو شر، فيجازيهم بذلك.

وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أعمالهم وأقوالهم، وبما في أنفسهم.

وروي عن الأعمش، عن سفيان بن سلمة، قال: شهدت ابن عباس ولي الموسم، وقرأ سورة النور على المنبر وفسّرها، فلو سمعتها الروم لأسلمت.

وقال عمر رضي الله تعالى عنه: «تعلموا سورة براءة، وَعَلِّموا نساءكم سورة النور» ، والله أعلم- وصلى الله على سيدنا محمد وعلى رسله وصحبه وسلّم (١) (١) ما بين معقوفتين ساقط من النسخة: «أ» .

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قوله: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ [البقرة: ١٨٨] ففي التعدي والخدع ونحوه، وأمَّا هذه الآية ففي إباحة طعام هذه الأصناف التي يسرها- استباحَةُ طعامها على هذه الصفة، وأمَّا آية الإذن فعلة إيجاب الاستئذان خوف الكَشَفَةِ، فإذا استأذن المرءُ ودخل المنزل بالوجه المباح صَحَّ له بعد ذلك أكل الطعام بهذه الإباحة، وليس يكون في الآية نسخ فتأمله.

وقوله/ تعالى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ...

الآية: إنّما هنا: ٤٢ أللحصر، والأمر الجامع يُرَادُ به ما للإمام حاجة إلى جمع الناس فيه لمصلحة، فالأدب اللازم في ذلك ألّا يذهب أحد لعذر إلّا بإذنه، والإمام الذي يُتَرَقَّبُ إذنه هو إمام الإمارة، وروي: أنَّ هذه الآية نزلت في وقت حفر النبي صلى الله عليه وسلّم خندقَ المدينة، فكان المؤمنون يستأذنون، والمنافقون يذهبون دون إذن، ثم أمر تعالى نَبِيَّهُ عليه السلام بالاستغفار لصنفي المؤمنين: مَنْ أَذِنَ له، ومَنْ لم يُؤْذن [له] «١» .

وفي ذلك تأنيس للمؤمنين ورأفة بهم.

وقوله تعالى: لاَّ تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً أي: لا تخاطبوه كمخاطبة بعضكم لبعض، وأمرهم تعالى في هذه الآية وفي غيرها أنْ يدعوا رسول الله بأشرف أسمائه وذلك هو مُقْتَضَى التوقير، فالأدب في الدعاء أنْ يقول: يا رسولَ الله، ويكون ذلك بتوقير وبِرٍّ، وخفض صوت، قاله مجاهد «٢» ، واللواذ: الرَّوْغَانُ، ثم أمرهم تعالى بالحذر من عذاب الله ونِقْمَتِهِ إذا خالفوا أمره ومعنى يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أي: يقع خلافهم بعد أمره، ثم أخبر تعالى أَنَّهُ قد علم ما أهلُ الأرض والسماء عليه، وباقي الآية بيّن، والحمد لله.

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: أنَّهُ نُهِيَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِإسْخاطِ رَسُولِ اللَّهِ  ، فَإنَّهُ إذا دَعا عَلى شَخْصٍ فَدَعَوْتُهُ مُوجِبَةٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهم أُمِرُوا أنْ يَقُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ونَهَوْا أنْ يَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَلْقَمَةُ، والأُسُودُ، وعِكْرِمَةُ، ومُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ لَهم عَنِ الإبْطاءِ إذا أمَرَهم والتَّأخُّرِ إذا دَعاهم، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

وَقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو رَجاءٍ، وأبُو المُتَوَكِّلِ، ومُعاذٌ القارِئُ: " دُعاءَ الرَّسُولِ نَبِيِّكم " بِياءٍ مُشَدَّدَةٍ ونُونٍ قَبْلَ الباءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ ﴾ التَّسَلُّلُ: الخُرُوجُ في خُفْيَةٍ.

واللِّواذُ: أنْ يَسْتَتِرَ بِشَيْءٍ مَخافَةَ مَن يَراهُ.

والمُرادُ بِقَوْلِهِ ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ﴾ التَّهْدِيدُ بِالمُجازاةِ.

قالَ الفَرّاءُ: «كانَ المُنافِقُونَ يَشْهَدُونَ الجُمُعَةَ فَيَذْكُرُهم رَسُولُ اللَّهِ  ويَعِيبُهم بِالآياتِ الَّتِي أُنْزِلَتْ فِيهِمْ، فَإنَّ خُفِّيَ لِأحَدِهِمُ القِيامُ قامَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا ﴾ » أيْ: يَلُوذُ هَذا بِهَذا، أيْ: يَسْتَتِرُ ذا بِذا.

وَإنَّما قالَ: ﴿ لِواذًا ﴾ لِأنَّها مَصْدَرُ " لاوَذْتُ "، ولَوْ كانَ مَصْدَرًا لِـ " لُذْتُ " لَقُلْتَ: لُذْتُ لِياذًا، كَما تَقُولُ: قُمْتُ قِيامًا.

وكَذَلِكَ قالَ ثَعْلَبٌ: وقَعَ البِناءُ عَلى لاوَذَ مُلاوَذَةً، ولَوْ بُنِيَ عَلى لاذَ يَلُوذُ، لَقِيلَ: لِياذًا.

وقِيلَ: هَذا كانَ في حَفْرِ الخَنْدَقِ، كانَ المُنافِقُونَ يَنْصَرِفُونَ عَنْ غَيْرِ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  مُخْتَفِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّانِي: إلى رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَفِي " عَنْ " قَوْلانِ.

أحَدُهُما: [أنَّها] زائِدَةٌ، قالَهُ الأخْفَشُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْنى ﴿ يُخالِفُونَ ﴾ : يُعْرِضُونَ عَنْ أمْرِهِ.

وَفِي الفِتْنَةِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ.

أحَدُها: الضَّلالَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: بَلاءٌ في الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: القَتْلُ في الدُّنْيا.

والثّانِي: عَذابُ جَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ﴾ أيْ: ما في أنْفُسِكم، وما تَنْطَوِي عَلَيْهِ ضَمائِرُكم مِنَ الإيمانِ والنِّفاقِ؛ وهَذا تَنْبِيهٌ عَلى الجَزاءِ عَلى ذَلِكَ.

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عن أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أو يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ ﴿ ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَماواتِ والأرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ ويَوْمَ يُرْجَعُونَ إلَيْهِ فَيُنَبِّئُهم بِما عَمِلُوا واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ هَذِهِ الآيَةُ مُخاطَبَةٌ لِجَمِيعِ مُعاصِرِي رَسُولِ اللهِ  ، وأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى ألّا يَجْعَلُوا مُخاطَبَةَ رَسُولِ اللهِ  في النِداءِ كَمُخاطَبَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، فَإنَّ سِيرَتَهم كانَتِ التَداعِيَ بِالأسْماءِ، وعَلى غايَةِ البَداوَةِ وقِلَّةِ الِاهْتِبالِ، فَأمَرَهُمُ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ وفي غَيْرِها أنْ يَدْعُوَ رَسُولَ اللهِ  بِأشْرَفِ أسْمائِهِ، وذَلِكَ هو مُقْتَضى التَوْقِيرِ والتَعْزِيزِ، فالمُبْتَغِي في الدُعاءِ أنْ يَقُولَ: يا رَسُولَ اللهِ، ويَكُونُ ذَلِكَ بِتَوْقِيرٍ وخَفْضِ صَوْتٍ وبِرٍّ، وألّا يَجْرِيَ ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ بَعْضُهم في بَعْضٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ.

وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: المَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هُوَ: لا تَحْسَبُوا دُعاءَ الرَسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أيْ: دُعاؤُهُ عَلَيْكم مُجابٌ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ولَفْظُ الآيَةِ يَدْفَعُ هَذا المَعْنى، والأوَّلُ أصَحُّ.

ثُمْ أخْبَرَهُمُ اللهُ تَعالى أنَّ المُتَسَلِّلِينَ مِنهم لِواذًا قَدْ عَلَّمَهُمْ، واللِواذُ: الرَوَغانُ والمُخالَفَةُ، وهو مَصْدَرُ "لاوَذَ" ولَيْسَ بِمَصْدَرِ "لاذَ"؛ لَأنَّهُ كانَ يُقالُ لَهُ: "لِياذًا"، ذَكَرَهُ الزَجاجُ وغَيْرُهُ.

ثُمْ أمَرَهم بِالحَذَرِ مِن عَذابِ اللهِ تَعالى ونِقْمَتِهِ إذا خالَفُوهُ عن أمْرِهِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ يُخالِفُونَ عن أمْرِهِ ﴾ مَعْناهُ: يَقَعُ خِلافُهم بَعْدَ أمْرِهِ، وهَذا كَما تَقُولُ: كانَ المَطَرُ عن رِيحٍ، و"عن" هي لِما عَدا الشَيْءَ، و"الفِتْنَةُ" في هَذا المَوْضِعِ: الإخْبارُ والرَزايا في الدُنْيا، أو بِالعَذابِ الألِيمِ في الآخِرَةِ، ولا بُدَّ لِلْمُنافِقِينَ مِن أحَدِ هَذَيْنِ.

وقَوْلُهُ تَعالى: "ألا إنَّ" اسْتَفْتَحَ الكَلامَ وأخْبَرَ أنَّ اللهَ تَعالى لَهُ ما في السَمَواتِ والأرْضِ مُلْكًا وخَلَفًا، ثُمْ أخْبَرَهم أنَّهُ قَدْ عَلِمْ ما أهْلُ الأرْضِ والسَماءِ عَلَيْهِ، وخَصَّ بِالذِكْرِ مِنهُمُ المُخاطِبِينَ لَأنَّ ذَلِكَ مَوْضِعُ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، وهم بِهِ أعْنِي، وقَوْلُهُ: ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ ﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْمُولًا لِقَوْلِهِ: "يَعْلَمُ"، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَقْدِيرُ: والعِلْمُ الظاهِرُ لَكم -أو نَحْوَ هَذا- يَوْمَ، فَيَكُونُ النَصْبُ عَلى الظَرْفِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يَرْجِعُونَ" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الجِيمِ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ يَعْمُرٍ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ، وأبُو عَمْرٍو: "يَرْجِعُونَ" بِفَتْحِ الياءِ وكَسْرِ الجِيمِ.

وقالَ عَقَبَةُ بْنُ عامِرٍ الجُهَنِيُّ: «رَأيْتُ النَبِيَّ  يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ خاتِمَةَ النُورِ فَقالَ: "واللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ"، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ».

كَمُلَ تَفْسِيرُ سُورَةِ النُورِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، وصَلّى اللهُ عَلى سَيِّدِنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصَحْبِهِ أجْمَعِينَ.

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

لما كان الاجتماع للرسول في الأمور يقع بعدَ دَعوته الناس للاجتماع وقد أمرهم الله أن لا ينصرفوا عن مجامع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا لعذر بعد إذنه أنبأهم بهذه الآية وجوب استجابة دعوة الرسول إذا دعاهم.

وقد تقدم قوله تعالى: ﴿ يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم ﴾ في سورة الأنفال (24).

والمعنى: لا تجعلوا دعوة الرسول إياكم للحضور لديه مخيَّرين في استجابتها كما تتخيرون في استجابة دعوة بعضكم بعضاً، فوجه الشبه المنفي بين الدعوتين هو الخيار في الإجابة.

والغرض من هذه الجملة أن لا يتوهموا أن الواجب هو الثبات في مجامع الرسول إذا حضروها، وأنهم في حضورها إذا دُعوا إليها بالخيار، فالدعاء على هذا التأويل مصدر دعاه إذا ناداه أو أرسل إليه ليحضر.

وإضافة ﴿ دعاء ﴾ إلى ﴿ الرسول ﴾ من إضافة المصدر إلى فاعله.

ويجوز أن تكون إضافة ﴿ دعاء ﴾ من إضافة المصدر إلى مفعوله والفاعل المقدر ضمير المخاطبين.

والتقدير: لا تجعلوا دعاءكم الرسولَ، فالمعنى نهيهم.

ووقع الالتفات من الغيبة إلى خطاب المسلمين حثّاً على تلقي الجملة بنشاط فهممٍ، فالخطاب للمؤمنين الذين تحدث عنهم بقوله: ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النور: 62] وقوله: ﴿ إن الذين يستأذنونك ﴾ [النور: 62] الخ.

نُهوا عن أن يدْعوا الرسول عند مناداته كما يدعو بعضهم بعضاً في اللفظ أو في الهيئة.

فأما في اللفظ فبأن لا يقولوا: يا محمد، أو يا ابن عبد الله، أو يا ابن عبد المطلب، ولكن يا رسول الله، أو يا نبيء الله، أو بكنيته يا أبا القاسم.

وأما في الهيئة فبأن لا يدعُوه من وراء الحجرات، وأن لا يُلحوا في دعائه إذا لم يخرج إليهم، كما جاء في سورة الحجرات.

لأن ذلك كله من الجلافة التي لا تليق بعظمة قدر الرسول صلى الله عليه وسلم فهذا أدب للمسلمين وسدّ لأبواب الأذى عن المنافقين.

وإذ كانت الآية تحتمل ألفاظُها هذا المعنى صح للمتدبر أن ينتزع هذا المعنى منها إذ يكفي أن يأخذ من لاح له معنى ما لاح له.

و ﴿ بينكم ﴾ ظرف إما لغو متعلق ب ﴿ تجعلوا ﴾ ، أو مستقِرّ صفة ل ﴿ دعاء ﴾ ، أي دعاءه في كلامكم.

وفائدة ذكره على كلا الوجهين التعريض بالمنافقين الذين تمالؤوا بينهم على التخلف عن رسول الله إذا دعاهم كلما وجدوا لذلك سبيلاً كما أشار إليه قوله تعالى: ﴿ ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ﴾ [التوبة: 120].

فالمعنى.

لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كما جعل المنافقون بينهم وتواطأوا على ذلك.

وهذه الجملة معترضة بين جملة: ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النور: 62] وما تبعها وبين جملة: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ .

وجملة: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ استئناف تهديد للذين كانوا سبب نزول آية ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ﴾ [النور: 62] الآية، أي أولئك المؤمنون وضدهم المعرض بهم ليسوا بمؤمنين.

وقد علِمَهم الله وأطلع على تسللهم.

(وقد) لتحقيق الخبر لأنهم يظنون أنهم إذا تسللوا متستّرين لم يطلع عليهم النبي فأعلمهم الله أنه عَلمهم، أي أنه أعْلم رسوله بذلك.

ودخول (قد) على المضارع يأتي للتكثير كثيراً لأن (قد) فيه بمنزلة (رب) تستعمل في التكثير، ومنه قوله تعالى: ﴿ قد يعلم الله المعوقين منكم ﴾ [الأحزاب: 18] وقول زهير: أخو ثقةٍ لا تُهلك الخمرُ مالَه *** ولكنه قد يُهلك المَالَ نائلُه و ﴿ الذين يتسللون ﴾ هم المنافقون.

والتسلل: الانسلال من صُبرة، أي الخروج منه بخفية خروجاً كأنه سَلّ شيء من شيء.

يقال: تسلل، أي تكلف الانسلال مثل ما يقال: تدخل إذا تكلف إدخال نفسه.

واللواذ: مصدر لاَوَذَهُ، إذا لاَذَ به ولاذَ به الآخر.

شبه تستر بعضهم ببعض عن اتفاق وتآمر عند الانصراف خفية بلوذ بعضهم ببعض لأن الذي ستر الخارج حتى يخرج هو بمنزلة من لاذ به أيضاً فجعل حصول فعله مع فعل اللائذ كأنه مفاعلة من اللوذ.

وانتصب ﴿ لواذاً ﴾ على الحال لأنه في تأويل اسم الفاعل.

و ﴿ منكم ﴾ متعلق ب ﴿ يتسللون ﴾ .

وضمير ﴿ منكم ﴾ خطاب للمؤمنين، أي قد علم الله الذين يخرجون من جماعتكم متسللّين ملاوذين.

وفرع على ما تضمنته جملة: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ تحذير من مخالفة ما نهى الله عنه بقوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ﴾ الآية بعد التنبيه على أنه تعالى مطلع على تسللهم.

والمخالفة: المغايرة في الطريق التي يمشي فيها بأن يمشي الواحد في طريق غير الطريق الذي مشى فيه الآخر، ففعلها متعدّ.

وقد حذف مفعوله هنا لظهور أن المراد الذين يخالفون الله، وتعدية فعل المخالفة بحرف (عن) لأنَّه ضُمّن معنى الصدود كما عُدّي ب (إلى) في قوله تعالى: ﴿ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ﴾ لما ضمن معنى الذهاب.

يقال خالفه إلى الماء، إذا ذهب إليه دونه، ولو تُرِكت تعديته بحرف جر لأفاد أصل المخالفة في الغرض المسوق له الكلام.

وضمير ﴿ عن أمره ﴾ عائد إلى الله تعالى.

والأمر هو ما تضمنه قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ فإن النهي عن الشيء يستلزم الأمرَ بضده فكأنه قال: اجعلوا لدعاء الرسول الامتثال في العلانية والسر.

وهذا كقول ابن أبي ربيعة: فقلْنَ لها سراً فديناككِ لا يرُحْ *** صحيحاً وإن لم تقتليه فألمم فجعل قولهن: «لا يَرح صحيحاً» وهو نهي في معنى: اقتليه، فبنى عليه قوله: «وإن لَم تَقتليه فألمم».

والحذر: تجنب الشيء المخيف.

والفتنة: اضطراب حال الناس، وقد تقدمت عند قوله تعالى: ﴿ والفتنة أشد من القتل ﴾ في البقرة (191).

والعذاب الأليم هنا عذاب الدنيا، وهو عذاب القتل.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا ﴾ الآيَةَ.

فِيهِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: أنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ عَنِ التَّعَرُّضِ لِدُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ  بِإسْخاطِهِ لِأنَّ دُعاءَهُ يُوجِبُ العُقُوبَةَ ولَيْسَ كَدُعاءِ غَيْرِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ بِالغِلْظَةِ والجَفاءِ ولْيَدْعُ بِالخُضُوعِ والتَّذَلُّلِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يا نَبِيَّ اللَّهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ نَهْيٌ مِنَ اللَّهِ عَنِ الإبْطاءِ عِنْدَ أمْرِهِ والتَّأخُّرِ عِنْدَ اسْتِدْعائِهِ لَهم إلى الجِهادِ ولا يَتَأخَّرُونَ كَما يَتَأخَّرُ بَعْضُهم عَنْ إجابَةِ بَعْضٍ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُنافِقُونَ كانُوا يَتَسَلَّلُونَ عَنْ صَلاةِ الجُمُعَةِ لِواذًا أيْ يَلُوذُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ يَنْضَمُّ إلَيْهِ اسْتِتارًا مِن رَسُولِ اللَّهِ  لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلى المُنافِقِينَ أثْقَلَ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ وحُضُورِ الخُطْبَةِ فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، حَكاهُ النَّقّاشُ.

الثّانِي: أنَّهم كانُوا يَتَسَلَّلُونَ في الجِهادِ رُجُوعًا عَنْهُ يَلُوذُ بَعْضُهم بِبَعْضٍ لِواذًا فَنَزَلَ ذَلِكَ فِيهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

وَقالَ الحَسَنُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ لِواذًا ﴾ أيْ فِرارًا مِنَ الجِهادِ، ومِنهُ قَوْلُ حَسّانَ بْنِ ثابِتٍ: وقُرَيْشٌ تَجُوُلُ مِنكم لِواذًا لَمْ تُحافِظْ وخَفَّ مِنها الحُلُومُ ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِ اللَّهِ، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَنْ أمْرِ رَسُولِ اللَّهِ  ، قالَهُ قَتادَةُ.

وَمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ ﴾ أيْ يُعْرِضُونَ عَنْ أمْرِهِ، وقالَ الأخْفَشُ: عَنْ في هَذا المَوْضِعِ زائِدَةٌ ومَعْنى الكَلامِ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ أمْرَهُ، وسَواءٌ كانَ ما أمَرَهم بِهِ مِن أُمُورِ الدِّينِ أوِ الدُّنْيا.

﴿ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ ﴾ فِيها ثَلاثَةُ تَأْوِيلاتٍ: أحَدُها: كُفْرٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ.

الثّانِي: عُقُوبَةٌ، قالَهُ ابْنُ كامِلٍ.

الثّالِثُ: بَلِيَّةٌ تُظْهِرُ ما في قُلُوبِهِمْ مِنَ النِّفاقِ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.

﴿ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: القَتْلُ في الدُّنْيا، قالَهُ يَحْيى بْنُ سَلّامٍ.

الثّانِي: عَذابٌ بِجَهَنَّمَ في الآخِرَةِ.

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج ابن إسحاق وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة ومحمد بن كعب القرظي قالا: لما أقبلت قريش عام الأحزاب، نزلوا بمجمع الأسيال من بئر رومة بالمدينة قائدها أبو سفيان، وأقبلت غطفان حتى نزلوا بتغمين إلى جانب أحد، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر، وضرب الخندق على المدينة وعمل فيه، وعمل المسلمون فيه، وابطأ رجال من المنافقين، وجعلوا يورون بالضعيف من العمل، فيتسللون إلى أهليهم بغير علم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا اذن، وجعل الرجل من المسلمين إذا نابته النائبة من الحاجة التي لا بد منها، يذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ويستأذنه في اللحوق لحاجته، فيأذن له فإذا قضى حاجته رجع، فأنزل الله في أولئك المؤمنين ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع...

﴾ إلى قوله: ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾ [ النور: 64] .

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ قال: ذلك في الغزو، والجمعة، وإذن الإِمام يوم الجمعة: أن يشير بيده.

وأخرج الفريابي عن مكحول في قوله: ﴿ وإذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ قال: إذا جمعهم لأمر حزبهم من الحرب ونحوه لم يذهبوا حتى يستأذنوه.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في الآية قال: هي في الجهاد، والجمعة، والعيدين.

وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ على أمر جامع ﴾ قال: من طاعة الله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن ابن سيرين قال: كان الناس يستأذنون في الجمعة ويقولون: هكذا ويشيرون بثلاث أصابع.

فلما كان زياد كثر عليه فاغتم فقال: من أمسك على أذنه فهو أذنه.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن مكحول في الآية قال: يعمل بها الآن في الجمعة والزحف.

وأخرج سعيد بن منصور عن إسماعيل بن عياش قال: رأيت عمرو بن قيس السكوني يخطب الناس يوم الجمعة، فقام إليه أبو المدلَّهْ اليحصبي في شيء وجده في بطنه، فأشار إليه عمرو بيده أي انصرف، فسألت عمراً وأبا المدلَّهْ فقال: هكذا كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعون.

وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ قال: كانوا يقولون: يا محمد.

يا أبا القاسم.

فنهاهم الله عن ذلك اعظاماً لنبيه صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا نبي الله يا رسول الله.

وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ يعني كدعاء أحدكم إذا دعا أخاه باسمه، ولكن وقروه، وعظموه، وقولوا له: يا رسول الله.

ويا نبي الله.

وأخرج عبد الغني بن سعيد في تفسيره وأبو نعيم في تفسيره عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً ﴾ يريد ولا تصيحوا به من بعيد: يا أبا القاسم.

ولكن كما قال الله في الحجرات ﴿ إن الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله ﴾ [ الحجرات: 3] .

وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال: أمرهم الله أن يدعوه: يا رسول الله.

في لين وتواضع ولا يقولوا: يا محمد.

في تجهم.

وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال: أمر الله أن يهاب نبيه، وأن يُبَجَّلَ، وأن يعظم، وأن يفخم، ويشرف.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة في الآية قال: لا تقولوا يا محمد.

ولكن قولوا يا رسول الله.

وأخرج عبد بن حميد عن سعيد بن جبير والحسن.

مثله.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس في قوله: ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ﴾ يقول: دعوة الرسول عليكم موجبة، فاحذروها.

وأخرج سعيد بن منصور عن الشعبي في الآية قال: لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم على بعض.

وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان في قوله: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ قال: هم المنافقون.

كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة- ويعني بالحديث الخطبة- فيلوذون ببعض الصحابة حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروج أشار بأصبعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل، لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي يخطب بطلت جمعته.

وأخرج أبو داود في مراسيله عن مقاتل قال: كان لا يخرج أحد لرعاف، أو أحداث، حتى يستأذن النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بأصبعه التي تلي الابهام، فيأذن له النبي صلى الله عليه وسلم يشير إليه بيده، وكان من المنافقين من يثقل عليه الخطبة والجلوس في المسجد، فكان إذا استأذن رجل من المسلمين قام المنافق إلى جنبه يستتر به حتى يخرج، فأنزل الله: ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ .

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ قال: يتسللون عن نبي الله، وعن كتابه، وعن ذكره.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ لواذاً ﴾ قال: خلافاً.

وأخرج عبد بن حميد عن سفيان ﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾ قال: يتسللون من الصف في القتال ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ﴾ قال: أن يطبع على قلوبهم.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن صالح قال: إني لخائف على من ترك المسح على الخفين أن يكون داخلاً في هذه الآية ﴿ فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ﴾ .

وأخرج عبد الرزاق في المصنف عن يحيى بن أبي كثير قال: «نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقاتلوا ناحية من خيبر، فانصرف الرجال عنهم وبقي رجل، فقاتلهم، فرموه، فقتلوه، فجيء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أبعد ما نهينا عن القتال؟

فقالوا: نعم.

فتركه ولم يصل عليه» .

وأخرج عبد الرزاق عن مجاهد قال: أشد حديث سمعناه عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله في سعد بن معاذ في أمر القبر.

ولما كانت غزوة تبوك قال «لا يخرج معنا إلا رجل مُقْوٍ فخرج رجل على بكر له صعب، فصرعه، فمات فقال الناس: الشهيد الشهيد.

فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالاً أن ينادي في الناس لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يدخل الجنة عاص» .

وأخرج عبد الرزاق عن زيد بن أسلم «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم وهو مستقبل العدو: لا يقاتل أحد منكم، فعمد رجل منهم ورمى العدو وقاتلهم، فقتلوه، فقيل للنبي صلى الله عليه وسلم استشهد فلان فقال: أبعد ما نهيت عن القتال؟

قالوا: نعم.

قال: لا يدخل الجنة عاص» .

وأخرج أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿ لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ﴾ [ التوبة: 44] قال: كان لا يستأذنه إذا غزا إلا المنافقون.

فكان لا يحل لأحد أن يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو يتخلف بعده إذا غزا، ولا تنطلق سرية إلا باذنه، ولم يجعل الله للنبي صلى الله عليه وسلم أن يأذن لأحد حتى نزلت الآية ﴿ إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ يقول: أمر طاعة ﴿ لم يذهبوا حتى يستأذنوه ﴾ فجعل الاذن إليه يأذن لمن يشاء.

فكان إذا جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لأمر يأمرهم وينهاهم صبر المؤمنون في مجالسهم، وأحبوا ما أحدث لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما يوحى إليه، وبما أحبوا وكرهوا، فإذا كان شيء مما يكره المنافقون، خرجوا يتسللون يلوذ الرجل بالرجل يستتر لكي لا يراه النبي صلى الله عليه وسلم.

فقال الله تعالى: إن الله تعالى يبصر الذين يتسللون منكم لواذاً.

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ في معناها ثلاثة أقوال الأول: أن الدعاء هنا يراد به دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إياهم ليجتمعوا إليه في أمر جامع أو في قتال وشبه ذلك، فالمعنى أن إجابتكم له إذا دعاكم واجبه عليكم بخلاف ما إذا دعا بعضكم بعضاً، فهو كقوله تعالى: ﴿ استجيبوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم ﴾ [الأنفال: 24] ويقوي هذا القول مناسبته لما قبله من الاستئذان والأمر الجامع، والقول الثاني أن المعنى لا تدعوا الرسول عليه السلام باسمه كما يدعو بعضكم بعضاً باسمه بل قولوا: يا رسول الله أو يا نبي الله تعظيماً له ودعاء بأشرف أسمائه، وقيل: المعنى لا تحسبوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض: أي دعاؤه عليكم يجاب فاحذروه، ولفظ الآية بعيد من هذا المعنى على أن المعنى صحيح ﴿ قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ الذي ينصرفون عن حفر الخندق واللواذ الروغان والمخالفة وقيل: الانصراف في خفية ﴿ فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ الضمير لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، واختلف في عن هنا، فقيل إنها زائدة وهذا ضعيف، وقال ابن عطية: معناه يقع خلافهم بعد أمره كما تقول: كان المطر عن ريح، قال الزمخشري يقال: خالفه إلى الأمر إذا ذهب إليه دونه، وخالفه عن الأمر إذا صد الناس عنه، فمعنى يخالفون عن أمره يصدّون الناس عنه، فحذف المفعول لأن الغرض ذكر المخالف ﴿ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ الفتنة في الدنيا بالرزايا، أو بالفضيحة أو القتل أو العذاب الآخر.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ويتقه ﴾ بكسر القاف واختلاس الهاء: يزيد وقالون ويعقوب غير زيد.

وأبو عمرو طريق الهاشمي.

بكسر القاف وسكون الهاء على أنها للسكت: أبو عمرو غير عباس وخلاد ورجاء ويحيى وحماد وهبيرة من طريق الخراز وابن مجاهد عن ابن ذكوان.

بإسكان القاف وكسر الهاء: حفص غير الخراز ووجهه أنه شبه "تقه" بكتف فخفف، وعلى هذا فالهاء ضمير فإِن تحريك هاء السكت ضعيف.

الباقون ﴿ ويتقهى ﴾ بالإشباع ﴿ فإن تولوا ﴾ بإِظهار النون وتشديد التاء: البزي وابن فليح ﴿ كما استخلف ﴾ مجهولاً: أبو بكر وعمار ﴿ وليبدلنهم ﴾ خفيفاً: ابن كثير وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة: ابن عامر وحمزة ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالنصب: حمزة وعلي وخلف وعاصم غير حفص والمفضل.

الآخرون بالرفع ﴿ لبعض شأنهم ﴾ بإسكان الضاد وتشديد الشين: شجاع وأبو شعيب وحمله على الإخفاء أولى منه على الإدغام.

﴿ يرجعون ﴾ مبنياً للفاعل: عباس ويعقوب.

الوقوف: ﴿ وأطعنا ﴾ ط ﴿ المفلحون ﴾ ه ﴿ الفائزون ﴾ ه ﴿ ليخرجن ﴾ ط ﴿ لا تقسموا ﴾ ج لحق المحذوف مع اتحاد المقول ﴿ معروفة ﴾ ط ﴿ تعملون ﴾ ه ﴿ الرسول ﴾ ج للشرط مع الفاء ﴿ ما حملتم ﴾ ط ﴿ تهتدوا ﴾ ط ﴿ المبين ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ص ﴿ أمنا ﴾ ط بناء على أن ما بعده مستأنف ﴿ شيئاً ﴾ ط ﴿ الفاسقون ﴾ ه ﴿ ترحمون ﴾ ط ﴿ في الأرض ﴾ ج لانقطاع النظم مع اتحاد المقول ﴿ النار ﴾ ط ﴿ المصير ﴾ ه ﴿ مرات ﴾ ط أي متى كذا وكذا ﴿ العشاء ﴾ قف عند من قرأ ﴿ ثلاث عورات ﴾ بالرفع أي هو ثلاث ﴿ لكم ﴾ ط ﴿ بعدهن ﴾ ط أي هو طوافون ﴿ على بعض ﴾ ص ﴿ الآيات ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ﴿ من قبلهم ﴾ ط ﴿ آياته ﴾ ط ﴿ حكيم ﴾ ه ط ﴿ بزينة ﴾ ط ﴿ لهن ﴾ ط ﴿ عليم ﴾ ه ﴿ صديقكم ﴾ ط ﴿ أشتاتاً ﴾ ط بناء على أن ما بعده استئناف حكم ﴿ طيبة ﴾ ط للعدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ تعقلون ﴾ ه ﴿ يستأذنوه ﴾ ه ﴿ ورسوله ﴾ ط للشرط مع الفاء ﴿ لهم الله ﴾ ط ﴿ رحيم ﴾ ه ﴿ بعضاً ﴾ ط ﴿ لو إذا ﴾ ج لانقطاع النظم مع فاء التعقيب ﴿ اليم ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ عليه ﴾ ط فصلاً بين حال وحال مع العدول من المخاطبة إلى الغيبة ﴿ بما عملوا ﴾ ه ﴿ عليم ﴾ ه.

التفسير: لما حكى سيرة المنافقين وما قالوه وفعلوه، أتبعه ذكر ما كان يجب أن يفعلوه وما يجب أن يسلكه المؤمنون من طريق الأخلاق.

وعن الحسن أنه قرأ قول المؤمنين بالرفع والقراءة المشهورة وهي النصب أقوى.

قال جار الله: لأن أولى الاسمين بكونه اسماً أوغلهما في التعريف ﴿ أن يقولوا ﴾ أوغل لأنه لا سبيل عليه للتنكير بخلاف قول المؤمنين.

قلت: وذلك لاحتمال كون الإضافة فيه لفظية و ﴿ أن يقولوا ﴾ يشبه المضمر كما بينا في الأنعام في قوله ﴿ ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا  ﴾ فلا سبيل إلى تنكيره.

ومعنى ﴿ كان ﴾ صح واستقام أي لا ينبغي أن يكون قولهم إلا السمع والطاعة.

عن ابن عباس ﴿ ومن يطع الله ﴾ في فرائضه ﴿ ورسوله ﴾ في سننه ﴿ ويخش الله ﴾ على ما مضى من ذنوبه ﴿ ويتقه ﴾ فيما يستقبل من عمره ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ وهذه آية جامعة لأسباب الفوز وفقنا الله  للعمل بها.

ثم حكى عن المنافقين أنهم يريدون أن يؤكدوا أساس الإيمان بالأيمان الكاذبة.

قال مقاتل: من حلف بالله فقد اجتهد في اليمين وكانوا يقولون: والله إن أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا، وإن أمرتنا بالجهاد جاهدنا، فنهوا عن هذه الأقسام لما علم من نفاقهم وشقاقهم وإضمارهم الغدر والخديعة وإلا فمن حلف على فعل البر لا يجوز أن ينهى عنه.

وقوله ﴿ طاعة معروفة ﴾ مبتدأ محذوف الخبر أي طاعة معلومة لا شك فيها ولا نفاق أمثل وأولى بكم من هذه الأيمان الكاذبة، أو خبر محذوف المبتدأ أي أمركم الذي يطلب منكم طاعة معروفة لا ارتياب فيها كطاعة الخلص من المؤمنين، أو طاعتكم طاعة معروفة بأنها بالقول دون الفعل.

ثم صرف الكلام من الغيبة إلى الخطاب لمزيد التبكيت والعتاب.

ومعنى ﴿ فإن تولوا ﴾ فإن تتولوا فحذف إحدى التاءين.

وما حمل الرسول هو أداء الرسالة، وما حمل على الأمة هو الطاعة والانقياد، والبلاغ المبين كون التبليغ مقروناً بالآيات والمعجزات أو كونه واقعاً على سبيل المجاهرة لا المداهنة.

وههنا شبه إضمار والتقدير: بلغ أيها الرسول وأطيعوه أيها المؤمنون فقد وعد الله الذين آمنوا منكم أي جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.

وفي الوعد معنى القسم لأن وعد الله محقق الوقوع ولذلك قال في جوابه ﴿ ليستخلفنهم ﴾ أو القسم محذوف أي أقسم ليجعلنكم خلفاء في الأرض كما فعل ببني إسرائيل حين أورثهم مصر والشأم بعد إهلاك الجبابرة.

﴿ وليمكنن ﴾ لأجلهم الدين المرتضى وهو دين الإسلام.

وتمكين الدين تثبيته وإشادة قواعده، كانوا بالمدينة يصبحون في السلاح ويمسون فيه فسئموا وشكوا إلى رسول الله  فقال: لا تغبرون إلا يسيراً حتى يجلس الرجل في الملأ العظيم محتبياً ليس معه حديدة، فأنجز الله وعده وأظهرهم على جزيرة العرب وورثوا ملك الأكاسرة خزائنهم، وهذا إخبار بالغيب فيكون معجزاً.

ومحل ﴿ يعبدونني ﴾ نصب على الحال أي وعدهم ذلك في حال عبادتهم وإخلاصهم أو هو استئناف كأن قائلاً قال: ما لهم يستخلفون ويؤمنون؟

فقال: ﴿ يعبدونني ﴾ وعلى الوجهين فقوله ﴿ لا يشركون ﴾ بدل من ﴿ يعبدونني ﴾ أو بيان لها.

وفيه دليل على أن المقصود من الكل هو عبادة الله  والإخلاص له.

﴿ ومن كفر ﴾ بهذه النعم الجسام وهي الاستخلاف والتمكين والأمن بعد الخوف بعد حصول ذلك أو بعدما ذكر ﴿ فأولئك هم ﴾ الكاملون في الفسق.

قال أهل السنة: في الآية دلالة على إمامة الخلفاء الراشدين لأن قوله ﴿ منكم ﴾ للتبعيض وذلك البعض يجب أن يكون من الحاضرين في وقت الخطاب، ومعلوم أن الأئمة الأربعة كانوا من أهل الإيمان والعمل الصالح، وكانوا حاضرين وقتئذ وقد حصل لهم الاستخلاف والفتوح، فوجب أن يكونوا مرادين من الآية.

واعترض بأن قوله ﴿ منكم ﴾ لم لا يجوز أن يكون للبيان، ولم لا يجوز أن يراد بالاستخلاف في الأرض هو إمكان التصرف والتوطن فيها كما في حق بني إسرائيل؟

سلمنا لكن لم لا يجوز أن يراد به خلافة علي  ؟

والجمع للتعظيم أو يراد هو وأولاده الأحد عشر بعده؟

وقيل: إن في قوله ﴿ ومن كفر بعد ذلك ﴾ إشارة إلى الخلفاء المتغلبين بعد الراشدين يؤيده قوله  "الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكاً عضوضاً" ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ معطوف على ﴿ أطيعوا ﴾ وليس ببدع أن يقع بين المعطوفين فاصلة وإن طالت، وكررت طاعة الرسول للتأكيد.

من قرأ ﴿ لا يحسبن ﴾ على الغيبة فمفعولاه ﴿ معجزين في الأرض ﴾ أي لا يحسبن الكفرة أحداً يعجز الله في الأرض حتى يطيعوهم في مثل ذلك، وفاعله ضمير النبي، أو المفعول الأول محذوف لأنه هو الفاعل بعينه أي لا يحسبن الكفار أنفسهم معجزين والمراد بهم الذين أقسموا أو عام قوله ﴿ ومأواهم ﴾ قال جار الله: هو معطوف على ما تقدم معنى كأنه قيل: الذين كفروا لا يفوتون الله عز وجل ومأواهم النار.

وحين ذكر من دلائل التوحيد وأحوال المكلفين ما ذكر تنشيطاً للاذهان وترغيباً فيما هو الغرض الأصلي من التكاليف وهو العرفان، عاد إلى ما انجر منه الكلام وهو الحكم العام في باب الاستئذان فذكره ههنا على وجه أخصر فقال ﴿ ليستأذنكم ﴾ قال القاضي: هذا الخطاب للرجال ظاهراً ولكنه من باب التغليب فيدخل فيه النساء.

وقال الإمام فخر الدين الرازي: يثبت للنساء بقياس جلي لأنهن في باب حفظ العورة أشد حالاً من الرجال.

وظاهر قوله ﴿ الذين ملكت أيمانكم ﴾ يشمل البالغين والصغار، فالأمر للبالغين على الحقيقة وللصغار على وجه البيان والتأديب كما يؤمرون بالصلاة لسبع، أو هو تكليف لنا لما فيه من المصلحة لنا ولهم بعد البلوغ كقولك للرجل "ليخفك أهلك وولدك" فظاهره الأمر لهم وحقية الأمر له بفعل ما يخافون عنده.

وعن ابن عباس أن المراد الصغار وليس للكبار أن ينظروا إلى مالكيهم إلا إلى ما يجوز للحر أن ينظر إليه.

ثم إنه هل يشكل الإماء؟

فعن ابن عمر ومجاهد لا، وعن غيرهما نعم، لأن الإنسان كما يكره إطلاع الذكور على أحواله فقد يكره أيضاً إطلاع الإناث عليها.

عن ابن عباس: آية لا يؤمن بها أكثر الناس آية الإذن وإني لآمر جارتي أن تستأذن عليّ أراد امرأته، وكان ابن عباس ينام بين جاريتين.

ومن العلماء من قال: هذا الأمر للاستحباب.

ومنهم من قال للوجوب.

ومن هؤلاء من قال: إنه ناسخ لقوله ﴿ لا تدخلو بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا ﴾ لأن ذلك يدل على أن الاستئذان واجب في كل حال، وهذا يدل على وجوبه في الأوقات الثلاثة فقط، ومنه لزوم النسخ بأن الأولى في المكلفين وهذه في غير المكلفين قالوا: الذين ملكت أيمانكم يشمل البالغين.

قلنا: لو سلم فلا نسخ أيضاً لأن قوله ﴿ غير بيوتكم ﴾ لا يشمل العبيد لأن الإضافة توجب الاختصاص والملكية، والعبد لا يملك شيئاً فلا يملك البيت أمر المماليك والأطفال الذين لم يحتملوا من الأحرار وهذا معنى قوله ﴿ منكم ﴾ أن تسـتأذنوا ثلاث مرات في اليوم والليلة.

إحداها قبل صلاة الفجر لأنه وقت القيام من المضاجع ووقت استبدال ثياب اليقظة بثياب النوم، وثانيتها عند الظهيرة وهو نصف النهار عند اشتداد الحر وظهوره فحينئذ يضع الناس ثيابهم غالباً، وثالثها بعد صلاة العشاء يعني الآخرة لأنه وقت التجرد من ثياب اليقظة والالتحاف بثياب النوم.

ثم بين حكمة الاستئذان في هذه الأوقات فقال ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمن قرأ ﴿ ثلاث ﴾ بالرفع فظاهر كما مر في الوقوف، ومن قرأ بالنصب فقد قال في الكشاف: إنه بدل من ﴿ ثلاث مرات ﴾ أي أوقات ثلاث عورات قلت: هذا بناء على أن قوله ﴿ ثلاث مرات ﴾ ظرف ويجوز أن يكون ﴿ ثلاث مرات ﴾ مصدراً بمعنى ثلاثة استئذانات، ويكون ﴿ ثلاث عورات ﴾ تفسيراً وبياناً للأوقات الثلاثة لأنها منصوبة تقديراً.

وأصل العورة الخلل ومنه الأعور المختل العين، وأعور الفارس إذا بدا منه موضع خلل للضرب، وأعور المكان إذا خيف فيه القطع.

قال جار الله: إذا رفعت ﴿ ثلاث عورات ﴾ فمحل هذه الجملة الرفع على الوصف أي هن ثلاث عورات مخصوصة بالاستئذان، وإذا نصبت لم يكن له محل وكان كلاماً مقرراً للأمر بالاستئذان في تلك الأحوال خاصة.

ثم بين وجع العذر بقوله ﴿ طوّافون عليكم ﴾ وهم الذين يكثرون الدخول والخروج والتردد يعني أن بكم وبهم حاجة إلى المداخلة والمخالطة للاستخدام ونحوه.

وارتفع ﴿ بعضكم ﴾ بالإبتداء وخبره ﴿ على بعض ﴾ أو بالفاعلية أي بعضكم طائف، أو يطوف بعضكم على بعض يدل على المحذوف طوّافون.

وفي الاية دلالة على وجوب اعتبار العلل في الأحكام ما أمكن.

يروى أن مدلج بن عمرو وكان غلاماً أنصارياً أرسله رسول الله  وقت الظهيرة إلى عمر ليدعوه، فدخل عليه وهو نائم وقد انكشف عنه ثوبه فقال عمر: لوددت أن الله عز وجل نهى آباءنا وأبناءنا وخدمنا أن لا يدخلوا علينا هذه الساعات إلا بإذن.

ثم انطلق معه إلى النبي  فوجده وقد أنزلت عليه هذه الآية.

ثم بين حكم الأطفال والأحرار بعد البلوغ وهو أن لا يكون لهم الدخول إلا بإذن في جميع الأوقات,.

ومعنى ﴿ الذين من قبلهم ﴾ الذين بلغوا الحلم من قبلهم وهم الرجال الذين ذكروا من قبلهم في قوله ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتاً ﴾ الآية.

ومتى يحكم ببلوغ الطفل؟

اتفقوا على أنه إذا احتلم كان بالغاً وأما إذا لم يحتلم فعند عامة العلماء وعليه الشافعي أنه إذا بلغ خمس عشرة سنة فهو بالغ حكماً لما روي أن ابن عمر عرض على النبي  يوم أحد فلم يجزه وكان له اقل من خمس عشرة سنة، وعرض عليه يوم الخندق وكان ابن خمس عشرة سنة فأجازه.

وعن بعض السلف ويروى عن علي  أيضاً أنه كان يعتبر القامة ويقدر بخمسة الأشبار وعليه يحمل قول الفرزدق: ما زال مذ عقدت يداه إزاره *** فسما وأدرك خمسة الأشبار وإنبات العانة غير معتبر إلا في حق الأطفال الكفار وقد مر في أول سورة النساء.

وإنما ختم هذه الآية بقوله ﴿ كذلك يبين الله لكم آياته ﴾ وقبلها وبعدها ﴿ لكم الآيات ﴾ لأنهما يشتملان على علامات يمكن الوقوف عليها وهي في الأولى الأوقات الثلاثة، وفي الآخرة ﴿ من بيوتكم أو بيوت آبائكم ﴾ إلى آخرها ومثلهما في قوله ﴿ يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبداً إن كنتم مؤمنين  ويبين الله لكم الآيات  ﴾ يعني حد الزانيين وحد القاذف.

وأما بلوغ الأطفال فلم يذكر لها علامات يمكن الوقوف عليها بل تفرد  بعلم ذلك فخصها بالإضافة إلى نفسه.

﴿ والله عليم ﴾ بمصالح العباد ﴿ حكيم ﴾ في أوامره ونواهية.

ثم بين حكم النساء اللواتي خرجن عن محل الفتنة والتهمة فقال و ﴿ القواعد ﴾ وهي جمع "قاعد" بغير هاء كالحائض والطالق، وقد زعم صاحب الكشاف لها أنها جمع قاعدة بالهاء وفيه نظر لأنه من أوصاف النساء الخاصة بهن، سميت بذلك لقعودها عن الحيض والولد لكبرها ولذلك أكد بقوله ﴿ اللاتي لا يرجون نكاحاً ﴾ أي لا يطمعن فيه لعدم من يرغب فيهن وليست من القعود بمعنى الجلوس حتى يحتاج إلى الفرق بين المذكر والمؤنث، ولا شبهة أنه لا يحل لهن وضع كل ثيابهن لما فيه من كشف كل عورة فلذلك قال المفسرون: المراد بالثياب ههنا الجلباب والرداء والقناع الذي فوق الخمار.

وعن ابن عباس أنه قرأ ﴿ أن يضعن جلابيبهن ﴾ وعن السدي عن شيوخه يضعن خمرهن عن رؤوسهن، خصهن الله  بذلك لأن التهمة مرتفعة عنهن وقد بلغن هذا المبلغ، فلو غلب على ظنهن خلاف ذلك لم يحل لهن وضع شيء من الثياب الظاهر، وإنما أبيح وضع الثياب حال كونهن ﴿ غير متبرجات بزينة ﴾ أي غير مظهرات شيئاً من الزين الخفية المذكورة في قوله ﴿ ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ﴾ أو غير قاصدات بالوضع التبرج ولكن التخفف إذا احتجن إليه.

وحقيقة التبرج تكلف إظهار ما يجب إخفاؤه من قوله "سفينة بارج لا غطاء عليها".

والبرج سعة العين يرى بياضها محيطاً بسوادها لا يغيب منه شيء.

واختص التبرج في الاستعمال بتكشف المرأة للرجال.

وحين ذكر الجائز عقبه بالمستحب تنبيهاً على اختيار الأفضل في كل باب فقال ﴿ وأن يستعففن خير لهن ﴾ وذلك أنهن في الجملة مظنة شهوة وفتنة وإن عرض عارض الكبر والنحول فلكل ساقطة لاقطة.

وسئل بعض الظرفاء المذكورين عن حكمة تستر النساء فقال: لأنهن محل فتنة وشهوة فقيل: فعلى هذا كان ينبغي أن لا يحسن تكليف العجائز بالتستر فأجاب بأنه كان يلزم إذ ذاك مصيبتان: أحدهما عدم رؤية الحسان، والثانية لزوم رؤية القباح.

ثم ختم السورة بسائر الصور التي يعتبر فيها الإذن فقال ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ نفى الحرج عن الأصناف الثلاثة ذوي العاهات ثم قال ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا ﴾ فذهب ابن زيد إلى أن المراد نفي الحرج عنهم في القعود عن الجهاد، ثم عطف على ذلك أنه لا حرج عليكم أن تأكلوا من البيوت المذكورة.

ووجه صحة العطف التقاء الطائفتين في أن كل واحدة منهما منفي عنها الحرج.

قال جار الله: مثال هذا أن يستفتيك مسافر عن الإفطار في رمضان وحاج مفرد عن تقديم الحلق على النحر فقلت: ليس على المسافر حرج أن يفطر ولا عليك يا حاج أن تقدم الحلق على النحر.

وقال آخرون: كان المؤمنون يذهبون بالضعفاء وذوي الآفات إلى بيوت أزواجهم وأولادهم وإلى بيوت قراباتهم وأصدقائهم فيطعمونهم منها، فخالج قلوب الكل ريبة خوفاً من أن يكون أكلاً بغير حق لقوله ﴿ ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل  ﴾ فقيل: لهم ليس على هؤلاء الضعفاء ولا على أنفسكم يعني عليكم وعلى من في مثل حالكم من المؤمنين حرج في ذلك.

قال قتادة: كانت الأنصار في أنفسها قزازة وكانت لا تأكل من هذه البيوت إذا استغنوا.

والقزازة احتراز مع القزة وهي مدح، والكزازة ذم.

وروى الزهري عن سعيد بن السمي وغيره أن المسلمين كانوا يخرجون إلى الغزو ويخلفون الضعفاء في بيوتهم ويدفعون إليهم المفاتيح ويأذنون لهم أن يأكلوا من بيوتهم، فكانوا يتحرجون كما يحكى عن الحرث بن عمرو أنه خرج غازياً وخلف مالك بن زيد في ماله وبيته، فلما رجع رآه مجهوداً فقال: ما أصابك؟

قال: لم يكن عندي شيء ولم يحل لي أن آكل من مالك.

فقيل: ليس على هؤلاء الضعفاء حرج فيما تخرجوا عنه، ولا عليكم أن تأكلوا من هذه البيوت.

قال الأكثرون: كان هؤلاء الضعفاء يتوقون مجالسة الناس ومواكلتهم فيقول الأعمى: إني لا ارى شيئاً فربما آخذ الأجود وأترك الردئ، والأعرج يفسح في مجلسه ويأخذ أكثر من موضعه فيضيق على جليسه، والمريض لا يخلو من رائحة أو غيرها من اسباب الكراهة.

وأيضاً كان المؤمنون يقولون الأعمى لا يبصر الطعام الجيد ولا يأله، والأعرج لا يتمكن من الجلوس فلا يقدر على الأكل مما ينبغي، والمريض لا يتأتى له أن يأكل كما يأكل الأصحاء فقيل: ليس على هؤلاء ولا عليكم في المؤاكلة حرج.

ثم إنه  عدد من مواضع الأكل أحد عشر موضعاً: الأول قوله ﴿ من بيوتكم ﴾ وفيه سؤال: وهو أنه أيّ فائدة في إباحة أكل الإنسان طعامه من بيته؟

والجواب أراد من بيوت أزواجكم وعيالكم لأن بيت المرأة بيت الزوج قاله الفراء.

وقال ابن قتيبة: اراد بيوت أولادهم ولهذا لم يذكر الأولاد في جملة الأقارب وإن الولد أقرب الأقربين لأنه بعض الرجل وحكمه حكم نفسه، وفي الحديث "إن أطيب ما يأكل المرء من كسبه وإن ولده من كسبه" وباقي البيوت لا إشكال فيها إلى البيت العاشر وهو قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ وفيه وجوه: أحدها قال ابن عباس وكيل الرجل وقيمه في ضيعته وماشيته لا باس عليه أن يأكل من ثمر ضيعته ويشرب من لبن ماشيته وملك المفاتيح كونها في يده وحفظه.

وثانيها قال الضحاك: يريد الزمنى الذين يخلفون الغزاة.

وثالثها قيل: أراد بيوت المماليك لأن مال العبد لمولاه.

الحادي عشر قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ ومعناه أو بيوت أصدقائكم والصديق يكون واحداً وجمعاً كالعدو.

وعن الحسن أنه دخل داره وإذا حلقة من اصدقائه وقد استلوا سلالاً من تحت سريره فيها الخبيص واطايب الأطعمة وهم مكبون عليها يأكلون، فتهللت أسارير وجهه سروراً وضحك وقال: هكذا وجدناهم يريد أكابر الصحابة.

وعن جعفر الصادق بن محمد  : من عظم حرمة الصديق أن جعله الله من الإنس والثقة والانبساط بمنزلة النفس والأب والأخ والابن.

قال العلماء: إذا دل ظاهر الحال على رضا المالك قام ذلك مقام الإذن الصريح، وربما سمج الاستئذان وثقل كمن قدم إليه طعام فاستأذن صاحبه في الأكل منه.

احتج أبويوسف بالآية على أنه لا قطع على من سرق من ذي رحم محرم وذلك أنه  أباح الأكل من بيوتهم ودخولها بغير إذن فلا يكون ماله محرزاً منهم، وأورد عليه أن لا يقطع إذا سرق من صديقه.

فأجاب بأن السارق لاي كون صديقاً للمسروق منه.

واعلم أن ظاهر الآية دل على أن إباحة الأكل من هذه المواضع لا تتوقف على الاستئذان.

فعن قتادة أن الأكل مباح ولكنه يجمل.

وجمهور العلماء أنكروا ذلك فقيل: كان ذلم مباحاً في صدر الإسلام ثم نسخ ذلك بقوله  "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه" ومما يدل على هذا النسخ قوله ﴿ لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه  ﴾ وقال أبو مسلم: هذا في الأقارب الكفرة.

وفي هذه الآية إباحة ما حظر وفي قوله ﴿ لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حاد الله ورسوله  ﴾ وقيل: إن هؤلاء القوم كانت تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك فلا جرم خصهم الله بالذكر لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق.

وإذا علمنا أن الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا، فلا حاجة إلى القول بالنسخ.

وحين نفى الحرج عنهم في نفس الأكل أراد أن ينفي الحرج عنهم في كيفية الأكل فقال ﴿ ليس عليكم جناح أن تأكلوا ﴾ وانتصب قوله ﴿ جميعاً أو اشتاتاً ﴾ على الحال أي مجتمعين أو متفرقين.

والأشتات جمع شت وهو نعت وقيل مصدر وصف به.

ثم اجمع أكثر المفسرين ومنهم ابن عباس على أنها نزلت في بني ليث بن عمرو من كنانة كانوا يتحرّجون عن الانفراد في الطعام، فربما قعد الرجل منتظراً نهاره إلى الليل فإن لم يجد من يؤاكله أكل.

وقال عكرمة وأبو صالح: نزلت في قوم من الأنصار لا يأكلون إلا مع ضيفهم.

وقال الكلبي: كانوا إذا اجتمعوا ليأكلوا طعاماً عزلوا للأعمى طعاماً على حدة، وكذلك الزمن والمريض فبين الله لهم أن ذلك غير واجب.

وقال آخرون: كانوا يأكلون فرادى خوفاً من أن يحصل عند الجمعية ما ينفر أو يؤذى فرفع الله الحرج.

ثم علمهم أدباً جميلاً قائلاً ﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي من البيوت المذكورة لتأكلوا ﴿ فسلموا على أنفسكم ﴾ أي ابدؤا بالسلام على أهلها الذين هم منكم ديناً وقرابة وانتصب ﴿ تحية ﴾ بـ ﴿ سلموا ﴾ نحو "قعدت جلوساً" ومعنى ﴿ من عند الله ﴾ أنها ثابتة من عنده مشروعة من لدنه، أو أراد أن التحية طلب حياة للمخاطب من عند الله وكذا التسليم طلب السلامة له من عنده.

ووصفها بالبركة والطيب لأنها دعوة مؤمن لمؤمن يرجى بها من الله زيادة الخير وطيب الرزق وتضعيف الثواب.

"عن أنس قال: كنت واقفاً على رأس النبي  أصب الماء على يديه فرفع رأسه فقال: ألا أعلمك ثلاث خصال تنتفع بها؟

قلت: بلى بأبي وأمي يا رسول الله.

قال: متى لقيت من أمتى أحداً فسلم عليه يطل عمرك، وإذا دخلت بيتك فسلم عليهم يكثر خير بيتك، وصلّ صلاة الضحى فإنها صلاة الأبرار الأوّابين" .

قال العلماء: إن لم يكن في البيت أحد فليقل "السلام علينا من ربنا، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين" ومن صور الإذن قوله  ﴿ وإنما المؤمنون ﴾ الآية.

والمقصود أن يبين عظم الجناية في ذهاب الذاهب عن مجلس رسول الله  بغير إذنه ﴿ إذا كانوا معه على أمر جامع ﴾ وهو الذي يجمع له الناس.

فلما كان الأمر سبب الجمع وصف به مجازاً.

قال مجاهد: هو أمر الحرب ونحوه من الأمور التي يعم ضررها ونفعها.

وقال الضحاك: هو الجمعة والأعياد وكل شيء تكون فيه الخطبة.

وذلك أنه لا بد في الخطوب الجليلة من ذوي رأي وقوة يستعان بهم وبآرائهم وتجاربهم في كفايتها، فمفارقة أحدهم في مثل تلك الحال مما يشق على قلب الرسول  ويشعب عليه رأيه.

قال الجبائي: في الآية دلالة على أن استئذانهم الرسول من إيمانهم ولولا ذلك لجاز أن يكونوا كاملي الإيمان وإن تركوا الاستئذان.

وأجيب بأن ترك الاستئذان من أهل النفاق لا نزاع أنه كفر لأنهم تركوه استخفافاً.

قال جار الله: ومما يدل على عظم هذه الجناية أنه جعل ترك ذهابهم حتى يستأذنوه فيأذن لهم ثالث الإيمان بالله والإيمان برسوله، ومع ذلك صدر الجملة بإنما وأوقع المؤمنين مبتدأ مخبراً عنه بموصول أحاطت صلته بذكر الإيمانين.

ثم عقبه بمزيد توكيد وتشديد حيث أعاده على أسلوب آخر وهو قوله ﴿ إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله ﴾ فجعل الاستئذان كالمصدق الصحة الإيمان بالله والرسول وفيه تعريض بحال المنافقين وتسللهم لواذاً.

وفي قوله ﴿ لبعض شأنهم ﴾ دليل على أن أمر الاستئذان مضيق لا يجوز ارتكابه في كل شأن.

وفي قوله ﴿ فأذن لمن شئت منهم ﴾ دلالة على أنه  فوّض بعض أمر الدين إلى اجتهاد الرسول ورايه.

وزعم قتادة أنها منسوخة بقوله ﴿ لم أذنت لهم  ﴾ وفي قوله ﴿ واستغفر لهم الله ﴾ وجهان: أحدهما أن هذا الاستغفار لأجل أنهم تركوا الأولى والأفضل وهو أن لا يحدثوا أنفسهم بالذهاب ولا يستأذنوا فيه، والآخر أنه جبراً لهم على تمسكهم بإذن الله  في الاستئذان.

ثم حثهم على طاعة رسوله بقوله ﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول ﴾ اي لا تقيسوا دعاءه إياكم لخطب جليل على دعاء بعضكم بعضاً ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي، وذلك أن أمره فرض لازم وأمر غيره ليس بفرض، وإنما هو أدب مستحن رعايته مع الأئمة والمتقدمين.

هذا ما عليه الأكثرون منهم المبرد والقفال، وعن سعيد بن جبير: لا تنادوه باسمه ولا تقولوا "يا محمد" ولكن "يا نبي الله ويا رسول الله" مع التوقير والتعظيم والصوت المنخفض.

وقيل: اراد احذروا دعاء الرسول ربه عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره.

والتسلل الانسلال والذهاب على سبيل التدرج، واللواذ الملاوذة وهو أن يكون هذا بذاك وذاك بهذا.

وانتصابه على الحال والحاصل أنهم يتسللون عن الجماعة في الخفية على سبيل الملاوذة وهو استتار بعضهم ببعض.

وقيل: كان يلوذ من لم يؤذن له بالذي أذن له فينطلق معه.

قال مقاتل: هذا في الخطبة.

وقال مجاهد: في صف القتال.

وقال ابن قتيبة: نزلت في حفر الخندق وكان قوم يتسللون بغير إذن.

ومعنى ﴿ قد يعلم ﴾ يكثر العلم والمبالغة فيه كما مر في "البقرة" في قوله ﴿ قد نرى تقلب وجهك  ﴾ يقال: خالفته عن القتال أي جبنت عنه واقدم هو وخالفته إلى القتال اي اقدمت، وجبن هو الفتنة المحنة في الدنيا كالقتل أو الزلازل، وسائر الأهوال والعذاب الأليم هو عذاب النار.

وعن جعفر بن محمد  : الفتنة أن يسلط عليهم سلطان جائر.

وقال الأصوليون: في الآية دلالة على أن ظاهر الأمر للوجوب لأن تارك المأمور به مخالف لذلك الأمر فإن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه والموافقة ضد المخالفة، فإذا أخل بمقتضاه كان مخالفاً والمخالف مستحق للعقاب بالآية، ولا نعني بالوجوب إلا هذا.

واعترض عليه بأن موافقة الأمر عبارة عن الإتيان بمقتضاه على الوجه الذي يقتضيه الأمر، فإن الأمر لو اقتضاه على سبيل الندب وأنت تأتي على سبيل الوجوب كان ذلك مخالفة الأمر.

ومنع من أن المندوب مأمور به فإن هذا أول المسألة، والظاهر أن الضمير في أمره للرسول ولو كان لله لم يضر لأنه لا فرق بين أمر الله وأمر رسوله، وأمر الرسول متناول عند بعضهم للقول والفعل والطريقة كما يقال "أمر فلان مستقيم" وعلى هذا فكل ما فعله الرسول فإنه يكون واجباً علينا.

ثم بين كما قدرته وعمله بقوله ﴿ ألا أن لله ﴾ الخ.

تأكيد الوجوب الحذر.

قال جار الله: الخطاب والغيبة في قوله ﴿ ما أنتم عليه ويوم يرجعون ﴾ كلاهما للمنافقين على طريقة الالتفات إذ الأول عام والثاني لأهل النفاق.

وأقول: يحتمل أن يكون كلاهما عاماً للمنافقين.

والفاء في قوله ﴿ فينبئهم ﴾ لتلازم ما قبلها وما بعدها كقولك ﴿ وربك فكبر  ﴾ .

التأويل: ﴿ ومن يطع الله ورسوله ﴾ فيما يدعوانه إلى الحضرة بترك ما سوى الله ﴿ ويخشى ﴾ الانقطاع عن الله ويثق به عما سواه ﴿ فأولئك هم الفائزون ﴾ بالوصول والوصال وصالاً بلا انفصال وزوال ﴿ لئن أمرتهم بالخروج ﴾ عن غير الله ﴿ طاعة معروفة ﴾ بالفعل دون القول ﴿ ليستخلفنهم ﴾ ليخرجن ما في استعدادهم من خلافة الله في أرض البشرية من القوة إلى الفعل.

﴿ وليمكنن ﴾ كل صنف حمل الأمانة المودعة فيه على اختلاف مراتبهم وطباقتهم، فمنهم حفاظ لأخبار النبي  وللقرآن، ومنهم علماء الأصول، ومنهم علماء الفروع، ومنهم أهل المعرفة وأصحاب الحقائق وأرباب السلوك الكاملون المكملون، وإنهم خلفاء الله على الحقيقة وأقطاب العالم وأوتاد الأرض ﴿ وليبدلنهم من بعد خوفهم ﴾ من الشرك الخفي ﴿ أمنا يعبدونني ﴾ بالإخلاص ﴿ لا يشركون بي شيئاً ﴾ من مطالب الدنيا والآخرة ﴿ ليستأذنكم ﴾ المريدون الذين هم تحت تصرفكم ﴿ والذين لم يبلغوا ﴾ أوان الشيخوخة ﴿ ثلاث مرات ﴾ في المبادي وفي أوساط السلوك وفي نهاية أمرهم، فإذا صلحت أحوالهم في هذه الأوقات صلح سائرها في الأغلب والله المستعان.

﴿ والقواعد ﴾ فيه إشارة إلى أن المريد إذ صار بحيث أمن منه إفشاء الأسرار وما استودع فيه من متولدات الأحوال، فلا ضير عليه أن لا يبالغ في التستر والإخفاء من الأغيار والكتمان خير له ﴿ ليس على الأعمى حرج ﴾ قال الشيخ المحقق نجم الدين المعروف بداية رضى الله عنه: فيه إشارة إلى أن من لا يبصر إلا بالله ولا يمشي إلا بالله ولا يعلم إلا بالله فإنهم مخصوصون بالتكون بكينونة الله كما قال "كنت له سمعاً" الحديث.

فإنهم مستعدون لقبول الفيض الإلهي وهم السابقون المقربون فلا حرج في الشرع على من يكون مستعداً لهذا الكمال، فإن الله لا يكلف نفساً إلا وسعها.

وفي قوله ﴿ ولا على أنفسكم ﴾ الخ إشارة إلى أنه لا حرج على أرباب النفوس على أن يكون مأكلهم من بيوتهم أو بيوت أبناء جنسهم وهي الجنات ومراتبها كما قال ﴿ وفيها ما تشتهيه الأنفس  ﴾ وفي قوله ﴿ أو ما ملكتم مفاتحه ﴾ إشارة إلى أن درجات الجنة مساكن أهل المكاسب كما أن مقامات أهل القرب عند مليك مقتدر منازل أهل المواهب.

قوله ﴿ أو صديقكم ﴾ فيه أن درج الجنان ينالها المرء ببركة جليسه الصالح، وقد ينعكس نور ولاية الشيخ على مرآة قلب المريد الصادق فينال به مرتبة لم يكن يصل إليها بمجرد أعماله: ﴿ ليس عليكم جناح ﴾ فيه أنه لا حرج على أهل الجنة أن تكون مآكلهم من درجة واحدة أو من درجات شتى.

﴿ فإذا دخلتم بيوتاً ﴾ أي بلغتم منزلاً من المنازل ﴿ فسلموا ﴾ أي استسلموا لأحكام الربوبية بمزيد العبودية حتى ترتقوا منها إلى منازل أعلى وأطيب ﴿ إنما المؤمنون ﴾ فيه أن المريد الصادق ينبغي أن لا يتنفس إلا بإذن شيخه فإن الشيخ في قومه كالنبي في أمته ﴿ أن تصيبهم فتنة ﴾ من المال أو الجاه أو قبول الخلق أو التزويج أو السفر بإذن الشيخ أو التردد على أبواب الملوك ونحو ذلك، وما العصمة إلا من واهبها وهو المستعان.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ ، [و] قال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ...

﴾ الآية [الحجرات: 15]، وقال في آية أخرى: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناً  ﴾ هذا - والله أعلم - ليس أن ما ذكر من الاستئذان وترك الارتياب من حقيقة الإيمان بالتلاوة، ونحوه من شرط الإيمان، ولكن - والله أعلم - أن الأولى بالمؤمنين هذا ألا يذهبوا حتى يستأذنوا رسوله وألا يرتابوا، وأن يجاهدوا، وأن تزداد لهم التلاوة [و] ما ذكر، ليس على جعله شرطاً للإيمان، ولكن ما ذكرنا من الأولى بهم والاختيار ما ذكر، والله أعلم.

ثم ذكر في هذه الآية: أن المؤمنين لا يذهبون عنه ولا يفارقونه إلا بالاستئذان منهم من رسول الله، وذكر أن المنافقين يذهبون ويفارقونه تسللا ولواذاً؛ حيث قال: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ وقال في آية أخرى: ﴿ لاَ يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ ذكر أنهم لا يستأذنوك، وإنما يستأذنك المنافقون بقوله: ﴿ إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ ٱلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلآخِرِ  ﴾ فهذه الآيات في ظاهر المخرج مختلفة وإن كانت في المعاني المدرجة فيها موافقة، فهذا سبيل من يحتج بظاهر المخرج؛ إذ للملاحدة أن تقول: هو مختلف في الظاهر وأنه من عند غير الله بقوله: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ ٱللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ ٱخْتِلاَفاً كَثِيراً  ﴾ فدل ما ذكرنا أن الاحتجاج بظاهر المخرج باطل، والاعتقاد به فاسد خيال.

وجائز أن يكون ما ذكر من استئذان المؤمنين وترك استئذان أولئك للخروج منه؛ لما لا يستأذنه المؤمنون للخروج من القتال إلا لعذر، وأولئك يستأذنونه للخروج لا للعذر؛ كقوله -  -: ﴿ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ  ﴾ ونحوه، وأمّا المؤمنون فلا يستأذنونه إلا بعذر.

أو أن يكون ذلك في نوازل مختلفة، أو في فرق، أو أن يكون المؤمنون يظهرون له عذرهم ويفوضون أمرهم إلى رسول الله على أن ينظر في ذلك: فإن رأى الصواب أن ينصرفوا صرفهم، وإن رأى الصواب الكون والمقام معه أقاموا معه، والمنافقون لا على ذلك كانوا يفعلون، وعلى هذا - والله أعلم - جائز أن يخرج تأويل الآيات التي ذكرنا.

ثم قوله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ ﴾ أي: مع رسول الله ﴿ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ اختلف فيه: قال: بعضهم: يوم الجمعة، ويوم العيد.

وقال بعضهم: في الغزو والجهاد، يخبر أن المؤمنين يكونون معه، لا يذهبون عنه إلا بإذن، والمنافقون يتسللون ويذهبون مستخفين منه ويخرجون من عنده، وأصله: ﴿ وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ ﴾ أي: على أمر طاعة ﴿ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ﴾ .

قال بعض أهل التأويل: هذه الآية نسخت الآية التي في سورة براءة؛ حيث قال في تلك: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ...

﴾ الآية [التوبة: 43].

وقال هاهنا: ﴿ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ ﴾ أذن له بالإذن لهم في هذه وعيره في ذاك بالإذن لهم، لكن الوجه فيه ما ذكرنا من التأويل.

وقوله: ﴿ وَٱسْتَغْفِرْ لَهُمُ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ الأمر بالاستغفار لهم يخرج مخرج الأمر بالتشفع لهم.

وقوله: ﴿ لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ هذا يحتمل وجهين: أحدهما: لا تجعلوا دعاء الرسول إياكم إلى ما يدعوكم إليه كدعاء بعضكم بعضاً: مرة تجيبونه، ومرة لا تجيبونه، كما يجيب بعضكم بعضاً إذا دعاه مرة، ولا يجيبه تارة؛ بل أجيبوا رسول الله في جميع ما يدعوكم إليه في كل حال تكونون.

والثاني: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كما يدعو بعضكم بعضاً يقول يا فلان، ولكن ادعوا باسم هو مخصوص به: يا رسول الله، ويا نبي الله؛ على ما أقررتم أنه مخصوص من بينكم، ليس كمثلكم في الدعاء والإجابة، اجعلوه مخصوصاً تعظيماً له وإجلالا، وخصوصية له وفضيلة، وهو ما ذكر في آية أخرى: ﴿ لاَ تَرْفَعُوۤاْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ ٱلنَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِٱلْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ  ﴾ .

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ .

قال بعضهم: يعني: المنافقين إذا كانوا في أمر جامع فيسمعون رسول الله يذكر مثالبهم ومساوئهم وعيوبهم فيتسللون كراهية لذلك، ويلوذ بعضهم ببعض.

وقال بعضهم: نزل هذا في المنافقين الذين كانوا يذهبون عنه ويخرجون من عنده بغير استئذان.

وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ أي: يستترون بالشيء، ويلوذ بعضهم ببعض، ويستتر بعضهم ببعض ويخرجون.

وقوله: ﴿ فَلْيَحْذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ يحتمل قوله: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يخالفون أمره، وحرف "عن" يكون صلة فيه.

وجائز أن يكون على ظاهر ما ذكر: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ : فإن كان على هذا فكأنه قال: ﴿ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ﴾ أي: يعدلون عن أمره ويزيغون عنه؛ كقوله: ﴿ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ  ﴾ .

وقوله: ﴿ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ ﴾ يحتمل: الفتنة: الكفر.

ويحتمل الفتنة: القتال والتعذيب في الدنيا؛ أو يصيبهم العذاب في الآخرة، والله أعلم.

وقوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ ليس هاهنا ما يستقيم أن يجعل قوله: ﴿ أَلاۤ إِنَّ للَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ صلة له، اللهم إلا أن يجعل ذلك صلة قوله: من يجعل له الولد والشريك.

أو صلة قوله: ﴿ مَا هَـٰذَا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ﴾ \[المؤمنون: 24\] أي: أن من له ما في السماوات والأرض لا يحتمل أن تقع الحاجة [له] إلى الولد أو الشريك.

أو من له ملك ما في السماوات والأرض يختار لرسالته من يشاء بشراً أو ملكاً، ليس لأحد القول في ذلك، والله أعلم.

وقوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ هذا وعيد منه وإعلام أنه مراقبهم مطلع عليهم في جميع أحوالهم؛ ليكونوا أبداً على حذر؛ لأن من علم أن عليه رقيباً وحافظاً، كان أنبه وأيقظ وأحذر ممن لم يعلم ذلك.

أو أن يكون على علم بأحوالكم وما أنتم عليه من الخلاف لأمره خلقكم، أو أرسل إليكم رسولاً لا على جهل بذلك وغفلة.

أو يؤخر عنكم العذاب على علم بما أنتم عليه ليوم موعود، لا بسهو وغفلة؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَحْسَبَنَّ ٱللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ ٱلظَّالِمُونَ...

﴾ الآية [إبراهيم: 42]؛ فعلى ذلك قوله: ﴿ قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ ﴾ .

[وقوله:] ﴿ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ ﴾ أي: إنما يؤخر ذلك عنهم إلى يوم الرجوع إليه؛ فعند ذلك ينبئهم بما عملوا، والله بكل شيء عليم.

قال أبو عوسجة: يتسللون، أي: يذهبون مستخفين، يقال: انسل الرجل، أي: انسرق من الناس، أو فارقهم، و [هم] لا يعلمون به، والتسلل من الجماعة.

وقوله: ﴿ لِوَاذاً ﴾ : يقال: لاذ مني، أي: اختبأ مني واختفى.

ويقال: لاذ بي، أي: استتر بي.

وقال القتبي: قوله: ﴿ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً ﴾ أي: من يستتر بصاحبه، ويتسلل، ويخرج، يقال: لاذ فلان، و اللواذ: مصدر.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

شَرِّفُوا -أيها المؤمنون- رسول الله، فإذا ناديتموه فلا تنادوه باسمه مثل: يا محمد، أو باسم أبيه مثل: يا ابن عبد الله، كما يفعل بعضكم مع بعض، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبيّ الله، وإذا دعاكم لأمر عام فلا تجعلوا دعوته كدعوة بعضكم بعضًا في الأمور التافهة عادة، بل سارعوا إلى الاستجابة لها، قد يعلم الله الذين ينصرفون منكم خفية دون إذن، فليحذر الذين يخالفون أمر رسول الله  أن يصيبهم الله بمحنة وبلاء، أو يصيبهم بعذاب موجع لا صبر لهم عليه.

<div class="verse-tafsir" id="91.kZK1B"

مزيد من التفاسير لسورة النور

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 5.1 / 29.5
الإضاءة 26%
البدر بعد 10 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل