الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٣ من سورة الفرقان
هذه الآية في مستقيم:
آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44
📖 67 دقيقة قراءةصفحةُ الآية ٣ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.
يخبر تعالى عن جهل المشركين في اتخاذهم آلهة من دون الله ، الخالق لكل شيء ، المالك لأزمة الأمور ، الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
ومع هذا عبدوا معه من الأصنام ما لا يقدر على خلق جناح بعوضة ، بل هم مخلوقون ، ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، فكيف يملكون لعابديهم؟
( ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ) أي : ليس لهم من ذلك شيء ، بل ذلك مرجعه كله إلى الله عز وجل ، الذي هو يحيي ويميت ، وهو الذي يعيد الخلائق يوم القيامة أولهم وآخرهم ، ( ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة ) [ لقمان : 28 ] ، ( وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ) [ القمر : 50 ] ، ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة ) [ النازعات : 13 ، 14 ] ، ( فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون ) [ الصافات : 19 ] ، ( إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون ) [ يس : 53 ] .
فهو الله الذي لا إله غيره ولا رب سواه ، ولا تنبغي العبادة إلا له; لأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
وهو الذي لا ولد له ولا والد ، ولا عديل ولا نديد ولا وزير ولا نظير ، بل هو الأحد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
يقول تعالى ذكره مقرعا مشركي العرب بعبادتهم ما دونه من الآلهة, ومعجبا أولي النهى منهم, ومنبههم على موضع خطأ فعلهم وذهابهم عن منهج الحقّ، وركوبهم من سبل الضلالة ما لا يركبه إلا كل مدخول الرأي، مسلوب العقل: واتخذ هؤلاء المشركون بالله من دون الذي له مُلك السماوات والأرض وحده.
من غير شريك, الذي خلق كل شيء فقدّره، آلهة : يعني أصناما بأيديهم يعبدونها, لا تخلق شيئا وهي تخلق, ولا تملك لأنفسها نفعا تجرّه إليها، ولا ضرّا تدفعه عنها ممن أرادها بضرّ, ولا تملك إماتة حيّ، ولا إحياء ميت، ولا نشره من بعد مماته, وتركوا عبادة خالق كلّ شيء، وخالق آلهتهم، ومالك الضرّ والنفع، والذي بيده الموت والحياة والنشور.
والنشور: مصدر نُشر الميت نشورا, وهو أن يُبعث ويحيا بعد الموت.
[ ص: 5 ] قوله تعالى : واتخذوا من دونه آلهة ذكر ما صنع المشركون على جهة التعجيب في اتخاذهم الآلهة ، مع ما أظهر من الدلالة على وحدانيته وقدرته .
لا يخلقون شيئا يعني الآلهة .
وهم يخلقون لما اعتقد المشركون فيها أنها تضر وتنفع ، عبر عنها كما يعبر عما يعقل .
ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا أي لا دفع ضر وجلب نفع ، فحذف المضاف .
وقيل : لا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعوها بشيء ، ولا لمن يعبدهم ، لأنها جمادات .
ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا أي لا يميتون أحدا ، ولا يحيونه .
والنشور : الإحياء بعد الموت ، أنشر الله الموتى فنشروا .
وقد تقدم ، وقال الأعشى :حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر
أي: من أعجب العجائب وأدل الدليل على سفههم ونقص عقولهم، بل أدل على ظلمهم وجراءتهم على ربهم أن اتخذوا آلهة بهذه الصفة، في كمال العجز أنها لا تقدر على خلق شيء بل هم مخلوقون، بل بعضهم مما عملته أيديهم.
{ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ْ} أي: لا قليلا ولا كثيرا، لأنه نكرة في سياق النفي.
{ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ْ} أي: بعثا بعد الموت، فأعظم أحكام العقل بطلان إلهيتها وفسادها وفساد عقل من اتخذها آلهة وشركاء للخالق لسائر المخلوقات من غير مشاركة له في ذلك، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع الذي يحيي ويميت ويبعث من في القبور ويجمعهم ليوم النشور، وقد جعل لهم دارين دار الشقاء والخزي والنكال لمن اتخذ معه آلهة أخرى، ودار الفوز والسعادة والنعيم المقيم لمن اتخذه وحده معبودا.
قوله - عز وجل - : ) ( واتخذوا ) يعني عبدة الأوثان ، ) ( من دونه آلهة ) يعني : الأصنام ، ) ( لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ) أي : دفع ضر ولا جلب نفع ، ( ولا يملكون موتا ولا حياة ) أي : إماتة وإحياء ، ( ولا نشورا ) أي : بعثا بعد الموت .
«واتخذوا» أي الكفار «من دونه» أي الله أي غيره «آلهة» هي الأصنام «لا يَخلقون شيئاً وهم يُخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا» أي دفعه «ولا نفعا» أي جره «ولا يملكون موتا ولا حياةً» أي إماتة لأحد وإحياء لأحد «ولا نشورا» أي بعثا للأموات.
واتخذ مشركو العرب معبودات من دون الله لا تستطيع خَلْق شيء، والله خلقها وخلقهم، ولا تملك لنفسها دَفْعَ ضر أو جلب نفع، ولا تستطيع إماتة حي أو إحياء ميت، أو بعث أحد من الأموات حيًا من قبره.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن المشركين لم يفطنوا إلى ما اشتمل عليه هذا الكون من تنظيم دقيق ، ومن صنع حكيم يدل على وحدانية الله - تعالى - وقدرته ، بل إنهم - لانطماس بصائرهم - عبدوا مخلوقا مثلهم فقال - تعالى - : ( واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ .
.
) .والضمير فى قوله ( واتخذوا .
.
) يعود على المشركين المفهوم من قوله ( وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ ) أو من المقام .أى : واتخذ هؤلاء المشركون معبودات باطلة يعبدونها من دون الله - عز وجل - ، وهذه المعبودات لا تقدر على خلق شىء من الأشياء ، بل هى من مخلوقات الله - تعالى - .وعبر هن هذه الآية بمضير العقلاء فى قوله ( لاَّ يَخْلُقُونَ ) جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع ، أو لأن من بين من اتخذوهم آلهة بعض العقلاء كالمسيح والعزير والملائكة .
.
.
.وأيضا هؤلاء الذين اتخذهم المشركون آلهة : ( لاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ) فضلا عن غيرهم ( ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ) فهم لا يملكون دفع الضر عن أنفسهم ، ولا جلب النفع لذواتهم ( وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَاةً وَلاَ نُشُوراً ) أى : ولا يقدرون على إماتة الأحياء .
ولا على إحياء الموتى فى الدنيا ، ولا على بعثهم ونشرهم فى الآخرة .فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف تلك الآلهة المزعومة بسبع صفات ، كل صفة منها كفيلة بسلب صفة الألوهية عنها ، فكيف وقد اجتمعت هذه الصفات السبع فيها؟!!إن كل من يشرك مع الله - تعالى - أحدا فى العبادة .
لو تدبر هذه الآية وأمثالها من آيات القرآن الكريم لأيقن واعتقد أن المستحق للعبادة والطاعة إنما هو الله رب العالمين .
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصف نفسه بصفات الجلال والعزة والعلو أردف ذلك بتزييف مذهب عبدة الأوثان وبين نقصانها من وجوه: أحدها: أنها ليست خالقة للأشياء، والإله يجب أن يكون قادراً على الخلق والإيجاد.
وثانيها: أنها مخلوقة والمخلوق محتاج، والإله يجب أن يكون غنياً.
وثالثها: أنها لا تملك لأنفسها ضراً ولا نفعاً، ومن كان كذلك فهو لا يملك لغيره أيضاً نفعاً، ومن كان كذلك فلا فائدة في عبادته.
ورابعها: أنها لا تملك موتاً ولا حياة ولا نشوراً، أي لا تقدر على الإحياء والإماتة في زمان التكليف وثانياً في زمان المجازاة، ومن كان كذلك كيف يسمى إلهاً؟
وكيف يحسن عبادته مع أن حق من يحق له العبادة أن ينعم بهذه النعم المخصوصة، وهاهنا سؤالات: الأول: قوله: ﴿ واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً ﴾ هل يختص بعبدة الأوثان أو يدخل فيه النصارى وعبدة الكواكب وعبدة الملائكة؟
والجواب: قال القاضي: بعيد أن يدخل فيه النصارى لأنهم لم يتخذوا من دون الله آلهة على الجمع، فالأقرب أن المراد به عباد الأصنام، ويجوز أن يدخل فيه من عبد الملائكة لأن لمعبودهم كثرة، ولقائل أن يقول قوله: ﴿ واتخذوا ﴾ صيغة جمع وقوله: ﴿ ءالِهَةً ﴾ جمع، والجمع إذا قوبل بالجمع يقابل المفرد بالمفرد، فلم يكن كون معبود النصارى واحداً مانعاً من دخوله تحت هذا اللفظ.
السؤال الثاني: احتج بعض أصحابنا بقوله: ﴿ واتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً لاَّ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ على أن فعل العبد مخلوق لله تعالى فقال: إن الله تعالى عاب هؤلاء الكفار من حيث عبدوا ما لا يخلق شيئاً، وذلك يدل على أن من خلق يستحق أن يعبد، فلو كان العبد خالقاً لكان معبوداً إلهاً، أجاب الكعبي عنه بأنا لا نطلق اسم الخالق إلا على الله تعالى.
وقال بعض أصحابنا في الخلق إنه الإحداث لا بعلاج وفكر وتعب، ولا يكون ذلك إلا لله تعالى، ثم قال: وقد قال تعالى: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ في وصف الأصنام أفيدل ذلك على أن كل من له رجل يستحق أن يعبد؟
فإذا قالوا لا قيل فكذلك ما ذكرتم، وقد قال تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ هذا كله كلام الكعبي والجواب: قوله لا يطلق اسم الخالق على العبد، قلنا بل يجب ذلك لأن الخلق في اللغة هو التقدير، والتقدير يرجع إلى الظن والحسبان، فوجب أن يكون اسم الخالق حقيقة في العبد مجازاً في الله تعالى، فكيف يمكنكم منع إطلاق لفظ الخالق على العبد؟
أما قوله تعالى: ﴿ أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا ﴾ فالعيب إنما وقع عليهم بالعجز فلا جرم أن كل من تحقق العجز في حقه من بعض الوجوه لم يحسن عبادته.
وأما قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ فقد تقدم الكلام عليه.
واعلم أن هذه الآية لا يقوى استدلال أصحابنا بها لاحتمال أن العيب لا يحصل إلا بمجموع أمرين: أحدهما أنهم ليسوا بخالقين، والثاني أنهم مخلوقون، والعبد وإن كان خالقاً إلا أنه مخلوق فلزم أن لا يكون إلهاً معبوداً.
السؤال الثالث: هل تدل هذه الآية على البعث؟
الجواب: نعم لأنه تعالى ذكر النشور ومعناه أن المعبود يجب أن يكون قادراً على إيصال الثواب إلى المطيعين والعقاب إلى العصاة، فمن لا يكون كذلك وجب أن لا يصلح للإلهية.
<div class="verse-tafsir"
الخلق بمعنى الافتعال، كما في قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله أوثانا وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً ﴾ [العنكبوت: 17] والمعنى: أنهم آثروا على عبادة الله سبحانه عبادة آلهة لا عجز أبين من عجزهم، لا يقدرون على شيء من أفعال الله ولا من أفعال العباد، حيث لا يفتعلون شيئاً وهم يفتعلون، لأن عبدتهم يصنعونهم بالنحث والتصوير، ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ ﴾ أي: لا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها أو جلب نفع إليها وهم يستطيعون، وإذا عجزوا عن الافتعال ودفع الضرر وجلب النفع التي يقدر عليها العباد كانوا عن الموت والحياة والنشور التي لا يقدر عليها إلاّ الله أعجز.
<div class="verse-tafsir"
﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ لَمّا تَضَمَّنَ الكَلامُ إثْباتَ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ أخَذَ في الرَّدِّ عَلى المُخالِفِينَ فِيهِما.
﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ ﴾ لِأنَّ عَبَدَتَهم يَنْحِتُونَهم ويُصَوِّرُونَهم.
﴿ وَلا يَمْلِكُونَ ﴾ ولا يَسْتَطِيعُونَ.
﴿ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ دَفْعَ ضُرٍّ.
﴿ وَلا نَفْعًا ﴾ ولا جَلْبَ نَفْعٍ.
﴿ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ ولا يَمْلِكُونَ إماتَةَ أحَدٍ وإحْياءَهُ أوَّلًا وبَعْثَهُ ثانِيًا ومَن كانَ كَذَلِكَ فَبِمَعْزِلٍ عَنِ الأُلُوهِيَّةِ لِعِرائِهِ عَنْ لَوازِمِها واتِّصافِهِ بِما يُنافِيها، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى البَعْثِ والجَزاءِ.
﴿ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلا إفْكٌ ﴾ كَذِبٌ مَصْرُوفٌ عَنْ وجْهِهِ.
﴿ افْتَراهُ ﴾ اخْتَلَقَهُ.
﴿ وَأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ أيِ اليَهُودُ فَإنَّهم يُلْقُونَ إلَيْهِ أخْبارَ الأُمَمِ وهو يُعَبِّرُ عَنْها بِعِبارَتِهِ، وقِيلَ جَبْرٌ ويَسارٌ وعَدّاسٌ وقَدْ سَبَقَ في قَوْلِهِ ﴿ إنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ﴾ .
﴿ فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا ﴾ بِجَعْلِ الكَلامِ المُعْجِزِ إفْكًا مُخْتَلَقًا مُتَلَقَّفًا مِنَ اليَهُودِ.
﴿ وَزُورًا ﴾ بِنِسْبَةِ ما هو بَرِيءٌ مِنهُ إلَيْهِ وأتى وجاءَ يُطْلَقانِ بِمَعْنى فَعَلَ فَيُعَدَّيانِ تَعْدِيَتَهُ.
<div class="verse-tafsir"
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)
{واتخذوا} الضمير للكافرين لا ندراجهم تحت العالمين أو لدلالة نذيراً عليهم لأنهم المنذرون {من دونه آلهة} أي الأصنام {لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ} أي أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شئ وهم يخلقون {ولا يملكون}
الفرقان (٨ - ٣)
{لأَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً} ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها {وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً} إماتة {ولا حياة} أي إحياء {وَلاَ نُشُوراً} إحياء بعد الموت وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها
﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أظْهَرُ، وضَمِيرُ ( اتَّخَذُوا ) لِلْمُشْرِكِينَ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ ﴾ أوْ مِنَ المَقامِ، وقَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ نَذِيرًا ﴾ ، وقالَ الكَرْمانِيُّ: لِلْكُفّارِ وهم مُنْدَرِجُونَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ والمُرادُ حِكايَةُ أباطِيلِهِمْ في أمْرِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ وإظْهارِ بُطْلانِها بَعْدَ أنْ بَيَّنَ سُبْحانِهِ حَقِيقَةَ الحَقِّ في مَطْلَعِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ أيِ اتَّخَذُوا لِأنْفُسِهِمْ مُتَجاوِزِينَ اللَّهَ تَعالى الَّذِي ذَكَرَ بَعْضَ شُؤُونِهِ العَظِيمَةِ آلِهَةً لا يَقْدِرُونَ عَلى خَلْقِ شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ وهم مَخْلُوقُونَ لِلَّهِ تَعالى أوْ هم يَخْتَلِقُهم عَبَدَتْهم بِالنَّحْتِ والتَّصْوِيرِ، ورَجَّحَ المَعْنى الأوَّلُ بِأنَّ الكَلامَ عَلَيْهِ أشْمَلُ ولا يَخْتَصُّ بِالأصْنامِ بِخِلافِهِ عَلى الثّانِي ويَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالمُضارِعِ عَلَيْهِ في ﴿ يَخْلُقُونَ ﴾ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِمُشاكَلَةِ ﴿ يَخْلُقُونَ ﴾ المَبْنِيِّ لِلْفاعِلِ مَعَ اسْتِحْضارِ الحالِ الماضِيَةِ، ورَجَّحَ المَعْنى الثّانِي بِأنَّهُ أنْسَبُ بِالمَقامِ لِأنَّ الَّذِينَ أنْذَرَهم نَبِيُّنا شَفاها عَبَدَةُ الأصْنامِ وأنَّ الأحْكامَ الآتِيَةَ أوْفَقُ بِها، نَعَمْ فِيهِ تَفْسِيرُ الخَلْقِ بِالِافْتِعالِ كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ وتَخْلُقُونَ إفْكًا ﴾ لِأنَّهُ الَّذِي يَصِحُّ نِسْبَتُهُ لِغَيْرِهِ عَزَّ وجَلَّ وكَذا الخَلْقُ بِمَعْنى التَّقْدِيرِ كَما في قَوْلِ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْضَ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمَّ لا يَفْرِي والمُتَبادِرُ مِنهُ إيجادُ الشَّيْءِ مُقَدَّرًا بِمِقْدارٍ كَما هو المُرادُ مِن سابِقِهِ، وتَفْسِيرُهُ بِذَلِكَ أيْضًا كَما فَعَلَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعِيدٌ كَذا قِيلَ: وتَعَقَّبَ أنَّهُ يَجُوزُ أنَّ يُرادَ مِنهُ هَذا المُتَبادِرُ والأصْنامُ بِذَواتِها وصُوَرِها وأشْكالِها مَخْلُوقَةٌ لِلَّهِ تَعالى عِنْدَ أهْلِ الحَقِّ لِأنَّ أفْعالَ العِبادِ وما يَتَرَتَّبُ عَلَيْها ويَنْشَأُ مِنها مِنَ الآثارِ مَخْلُوقَةٌ لَهُ عَزَّ وجَلَّ عِنْدَهم كَما حَقَّقَ بَلْ لَوْ قِيلَ بِتَعَيُّنِ هَذِهِ الإرادَةِ عَلى ذَلِكَ الوَجْهِ لَمْ يَبْعُدْ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ﴾ لِبَيانِ حالِهِمْ بَعْدَ خَلْقِهِمْ ووُجُودِهِمْ، والمُرادُ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في ضُرٍّ ما لِيَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِهِمْ ولا في نَفْعٍ ما حَتّى يَجْلِبُوهُ إلَيْهِمْ، ولَمّا كانَ دَفْعُ الضُّرِّ أهَمُّ أفْيَدُ أوَّلًا عَجْزِهِمْ عَنْهُ وقِيلَ: ﴿ لأنْفُسِهِمْ ﴾ لِيَدُلَّ عَلى غايَةِ عَجْزِهِمْ لِأنَّ مَن لا يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ في حَقِّ نَفْسِهِ لِأنَّ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِ في حَقِّ غَيْرِهِ مِن بابِ أوْلى.
ومَن خَصَّ الأحْكامَ في الأصْنامِ قالَ: إنَّ هَذا لِبَيانِ ما لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ مِن مَراتِبِ عَجْزِهِمْ وضَعْفِهِمْ فَإنَّ بَعْضَ المَخْلُوقِينَ العاجِزِينَ عَنِ الخَلْقِ رُبَّما يَمْلِكُ دَفْعَ الضُّرِّ وجَلْبَ النَّفْعِ في الجُمْلَةِ كالحَيَوانِ، وقَدْ يُقالُ: التَّصَرُّفُ في الضُّرِّ والنَّفْعِ بِالدَّفْعِ والجَلْبِ عَلى الإطْلاقِ لَيْسَ عَلى الحَقِيقَةِ إلّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ كَما يُنَبِّئُ عَنْهُ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ لِنَبِيِّهِ : ﴿ قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلا ما شاءَ اللَّهُ ﴾ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى التَّصَرُّفِ في شَيْءٍ مِنها بِإماتَةِ الأحْياءِ وإحْياءِ المَوْتى في الدُّنْيا وبَعْثِهِمْ في الأُخْرى لِلتَّصْرِيحِ بِعَجْزِهِمْ عَنْ كُلِّ واحِدٍ مِمّا ذُكِرَ عَلى التَّفْصِيلِ والتَّنْبِيهُ عَلى أنَّ الإلَهَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ قادِرًا عَلى جَمِيعِ ذَلِكَ، وتَقْدِيمُ المَوْتِ لِمُناسَبَةِ الضُّرِّ المُقَدَّمِ.
<div class="verse-tafsir"
مكية وهي سبعون وسبع آية قول الله سبحانه وتعالى: تَبارَكَ قال ابن عباس يعني: تعالى وتعظّم.
ويقال: تفاعل من البركة، وهذه لفظة مخصوصة، ولا يقال: يتبارك، كما يقال يتعالى.
ولا يقال: متبارك، كما يقال متعالٍ.
ويقال: تَبارَكَ أي ذو بركة.
والبركة: هي كثرة الخير.
ويقال: أصله من بروك الإبل، يقال للواحد بارك، وللجماعة برك.
وكان الإنسان إذا كان له إبل كثيرة وقد برّكهنّ على الباب يقولون: فلان ذو بركة، ويقولون للذي كان له إبل تحمل إليه الأموال من بلاد أخر: فلان ذو بركة، فصار ذلك أصلاً، حتى أنه لو كان له مال سوى الإبل لا يقال فلان ذو بركة.
قال الله تعالى: تَبارَكَ أي ذو البركة.
ويقال: أصله من الدوام.
ويقال: بارك في موضوع إذا دام فيه، ويقال: معناه البركة في اسمه، وفي الذي ذكر عليه اسمه.
ثم قال: الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ يعني: أنزل جبريل بالقرآن، والفرقان هو المخرج من الشبهات عَلى عَبْدِهِ يعني: محمدا لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً يعني: ليكون القرآن نذيراً للإنس والجن.
ويقال: يعني النبيّ ، ويقال: يعني الله تبارك وتعالى لِلْعالَمِينَ وأراد هاهنا جميع الخلق، وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس، كقوله عزّ وجل: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ [البقرة: 47 و 122] أي: على عالمي زمانهم، ويذكر ويراد به جميع الخلائق، كقوله: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: 2] .
ثم قال عز وجل: الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يعني: خزائن السموات والأرض.
ويقال: له نفاذ الأمر في السموات والأرض.
وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ليورثه ملكه وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ فينازعه في عظمته.
وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ كما ينبغي أن يخلقهم.
فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً يعني: بين الصلاح في كل شيء، وجعله مقدراً معلوماً.
ويقال: كل شي خلقه من الخلق فقدره تقديراً، أي: قدر لكل ذكر وأنثى.
قوله عز وجل: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً يعني: تركوا عبادة الله الذي خلق هذه الأشياء، وعبدوا غيره.
لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً يعني: عبدوا شيئاً لا يقدر أن يخلق ذباباً، ولا غيره وَهُمْ يُخْلَقُونَ يتخذونها بأيديهم وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا أي: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءاً وَلا نَفْعاً أي لا تقدر أن تسوق إلى نفسها خيراً.
ويقال: لا يملكون دفع مضرة، ولا جر منفعة.
وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً يعني: لا يقدرون أن يميتوا أحداً وَلا حَياةً أي: ولا يحيون أحداً وَلا نُشُوراً يعني: بعث الأموات.
ويقال: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً يعني: الموت الذي كان قبل أن يخلقوا، وَلا حَياةً يعني: أن يزيدوا في الأجل، وَلا نُشُوراً بعد الموت.
ويقال: وَلا حَياةً يعني: أن يبقوا أحداً وَلا نُشُوراً يعني: أن يحيوه بعد الموت.
وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء، لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء، فخاطبهم بلغتهم.
<div class="verse-tafsir"
ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي: ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً قال البخاريُّ «١» : تُمْلى عَلَيْهِ تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.
ثم أمر تعالى نبيَّه- عليه السلام- أنْ يقول: إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف بالله، سيدي عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبي جَمْرَةَ (رضي اللَّه عنه) : ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا ولذلك خُلِقْنَا كما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ الآية [الذاريات: ٥٦] .
وهو عزل وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال الله عز وجل:
الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي: الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خلقنا وخلق جميع المخلوقات، انتهى.
/ وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ...
الآية: المعنى عندهم: أنّ من كان ٤٢ ب رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ، ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي: قد سُحِرَ، ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال: انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ ...
الآية، والقصور التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين، وباقي الآية بيّن، والضمير في رَأَتْهُمْ لجهنم.
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦) وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨)
سُورَةُ الفُرْقانِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ في آخَرِينَ: هي مَكِّيَّةٌ.
وحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ أنَّهُما قالا: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ، وهي قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في (الأعْرافِ: ٤٥) والفَرْقانُ: القُرْآنُ، سُمِّيَ فُرْقانًا، لِأنَّهُ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
والمُرادُ بِعَبْدِهِ: مُحَمَّدٍ ، ﴿ لِيَكُونَ ﴾ فِيهِ قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ كِنايَةٌ عَنْ عَبْدِهِ، قالَهُ الجُمْهُورُ.
والثّانِي: عَنِ القُرْآنِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ يَعْنِي الجِنَّ والإنْسَ ﴿ نَذِيرًا ﴾ \[أيْ\]: مُخَوِّفًا مِن عَذابِ اللَّهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: سَوّاهُ وهَيَّأهُ لِما يَصْلُحُ لَهُ، فَلا خَلَلَ فِيهِ ولا تَفاوُتَ.
والثّانِي: قَدَّرَ لَهُ ما يُصْلِحُهُ ويُقِيمُهُ.
والثّالِثُ: قَدَّرَ لَهُ تَقْدِيرًا مِنَ الأجَلِ والرِّزْقِ.
ثُمَّ ذَكَرَ ما صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ: ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ يَعْنِي: الأصْنامَ ﴿ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ﴾ أيْ: وهي مَخْلُوقَةٌ ﴿ وَلا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ أيْ: دَفْعَ ضُرٍّ، ولا جَرَّ نَفْعٍ، لِأنَّها جَمادٌ لا قُدْرَةَ لَها، ﴿ وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ﴾ أيْ: لا تَمْلِكُ أنْ تُمِيتَ أحَدًا، ولا أنْ تُحَيِيَ أحَدًا، ولا أنْ تَبْعَثَ أحَدًا مِنَ الأمْواتِ؛ والمَعْنى: كَيْفَ يَعْبُدُونَ ما هَذِهِ صِفَتُهُ، ويَتْرُكُونَ عِبادَةَ مَن يَقْدِرُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ؟!
<div class="verse-tafsir"
بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ تَفْسِيرُ سُورَةِ الفُرْقانِ هَذِهِ السُورَةُ مَكِّيَّةٌ في قَوْلِ الجُمْهُورِ، وقالَ الضِحاكُ: هي مَدَنِيَّةٌ، وفِيها آياتٌ مَكِّيَّةٌ، قَوْلُهُ: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إلَهًا آخَرَ ﴾ الآياتُ.
قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا ولَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ في المُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ ﴿ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يَخْلُقُونَ ولا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ ضَرًّا ولا نَفْعًا ولا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولا حَياةً ولا نُشُورًا ﴾ "تَبارَكَ" وزْنُهُ تَفاعَلَ، وهو فِعْلٌ مُضارِعٌ.
"بارَكَ"، مِنَ البَرَكَةِ، و"بارَكَ" فاعِلٌ مِن واحِدٍ، مَعْناهُ: زادَ، و"تَبارَكَ" فِعْلٌ مُخْتَصٌّ بِاللهِ تَعالى، لَمْ يُسْتَعْمَلْ في غَيْرِهِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُصْرَفْ مِنهُ مُسْتَقْبَلٌ، ولا اسْمُ فاعِلٍ، وهو صِفَةُ فِعْلٍ، أيْ: كَثُرَتْ بَرَكاتُهُ، ومِن جُمْلَتِها إنْزالُ كِتابِهِ الَّذِي هو الفُرْقانَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
وصَدْرُ هَذِهِ الآيَةِ إنَّما هو رَدٌّ عَلى مَقالاتٍ كانَتْ لِقُرَيْشٍ، فَمِن جُمْلَتِها قَوْلُهُمْ: "إنِ القُرْآنَ افْتَراهُ مُحَمَّدٌ، وإنَّهُ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللهِ"، فَهو رَدٌّ عَلى هَذِهِ المَقالاتِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "عَلى عَبْدِهِ"، وقَرَأ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُبَيْرِ: "عَلى عِبادِهِ"، والضَمِيرُ في قَوْلِهِ: "لِيَكُونَ" يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِمُحَمَّدٍ ، وهو عَبْدُهُ المَذْكُورُ، وهَذا تَأْوِيلُ ابْنِ زَيْدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِلْقُرْآنِ، وأمّا عَلى قِراءَةِ ابْنِ الزُبَيْرِ فَهو لِلْقُرْآنِ، لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ ذَلِكَ إلّا بِكُرْهٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ لِلْعالَمِينَ ﴾ عامٌّ في كُلِّ إنْسِيٍّ وجِنِّيٍّ، عاصَرَهُ أو جاءَ بَعْدَهُ، وهو مُؤَيَّدٌ مِن غَيْرِ ما مَوْضِعٍ مِنَ الحَدِيثِ المُتَواتِرِ وظاهِرِ الآياتِ.
و"النَذِيرُ": المُحَذِّرُ مِنَ الشَرِّ، والرَسُولُ مِن عِنْدِ اللهِ نَذِيرٌ، وقَدْ يَكُونُ نَذِيرًا لَيْسَ بِرَسُولٍ، كَما رُوِيَ في ذِي القَرْنَيْنِ، وكَما ورَدَ في رُسُلِ رَسُولِ اللهِ إلى الجِنِّ، فَإنَّهم نُذُرٌ ولَيْسُوا بِرُسُلٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَماواتِ والأرْضِ ﴾ الآيَةُ، هي مِنَ الرَدِّ عَلى قُرَيْشٍ في قَوْلِهِمْ: "إنَّ لِلَّهِ شَرِيكًا"، وفي قَوْلِهِمْ: "اتَّخَذَ البَناتِ"، وفي قَوْلِهِمْ في التَلْبِيَةِ: "إلّا شَرِيكٌ هو لَكَ".
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عامٌّ في كُلِّ مَخْلُوقٍ، وتَقْدِيرُ الأشْياءِ هو حَدُّها بِالأمْكِنَةِ والأزْمانِ والمَقادِيرِ والمَصْلَحَةِ والإتْقانِ.
ثُمْ عَقَّبَ تَعالى ذِكْرَ هَذِهِ الصِفاتِ الَّتِي هي لِلْأُلُوهِيَّةِ بِالطَعْنِ عَلى قُرَيْشٍ في اتِّخاذِهِمْ آلِهَةً لَيْسَتْ لَهم هَذِهِ الصِفاتُ، فالعَقْلُ يُعْطِي أنَّهم لَيْسُوا بِآلِهَةٍ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَهم يُخْلَقُونَ ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ اللهُ بِالِاخْتِراعِ والإيجادِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: يَخْلُقُهُمُ البَشَرُ بِالنَحْتِ والنِجارَةِ، وهَذا التَأْوِيلُ أشَدُّ إبْداءً لِخَساسَةِ الأصْنامٍ، وخَلْقُ البَشَرِ يَجُوزُ، ولَكِنَّ العَرَبَ تَسْتَعْمِلُهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ: ولَأنْتَ تَفْرِي ما خَلَقْتَ وبَعْـ ـضُ القَوْمِ يَخْلُقُ ثُمْ لا يَفْرِي وهَذا مِن: خَلَقْتُ الجَلْدَ، إذا عَمِلْتُ فِيهِ رُسُومًا يُقْطَعُ عَلَيْها، فالفَرْيُ هو أنْ يَقْطَعَ عَلى تَرْكِ الرُسُومِ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ مَوْتًا ولا حَياةً ﴾ يُرِيدُ: إماتَةً ولا إحْياءً، و"النُشُورُ": بَعْثُ الناسِ مِنَ القُبُورِ.
<div class="verse-tafsir"
استطراد لانتهاز الفرصة لوصف ضلال أهل الشرك وسفالة تفكيرهم، فهو عطف على جملة: ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض ﴾ [الفرقان: 2] وما تلاها مما هو استدلال على انفراده تعالى بالإلهية، وأردفت بقوله: ﴿ وخلق كل شيء ﴾ [الفرقان: 2] الشامل لكون ما اتخذوه من الآلهة مخلوقات فكان ما تقدم مهيئاً للتعجيب من اتخاذ المشركين آلهة دون ذلك الإله المنعوت بصفات الكمال والجلال.
فالخبر غير مقصود به الإفادة بل هو للتعجيب من حالهم كيف قابلوا نعمة إنزال الفرقان بالجحد والطغيان وكيف أشركوا بالذي تلك صفاته آلهةً أخرى صفاتهم على الضد من صفات من أشركوهم به، وإلا فإن اتخاذ المشركين آلهة أمر معلوم لهم وللمؤمنين فلا يقصد إفادتهم لحكم الخبر.
وبين قوله: ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ [الفرقان: 2] وقوله: ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ محسن الطباق.
وضمير: ﴿ اتخذوا ﴾ عائد إلى المشركين ولم يسبق لهم ذكر في الكلام وإنما هم معروفون في مثل هذا المقام وخاصة من قوله: ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ [الفرقان: 2].
وجملة: ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ مقابلة جملة ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض ﴾ [الفرقان: 2].
وجملة: ﴿ وهم يخلقون ﴾ مقابلة جملة: ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ [الفرقان: 2] لأن ولد الخالق يجب أن يكون متولداً منه فلا يكون مخلوقاً.
وجملة: ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ﴾ مقابلة جملة: ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ [الفرقان: 2] لأن الشركة في الملك تقتضي الشركة في التصرف.
وضمير: ﴿ لأنفسهم ﴾ يجوز أن يعود إلى ﴿ آلهة ﴾ أي لا تقدر الأصنام ونحوها على ضر أنفسهم ولا على نفعهم.
ويجوز أن يعود إلى ما عاد إليه ضمير ﴿ واتخذوا ﴾ أي لا تقدر الأصنام على نفع الذين عبدوهم ولا على ضرهم.
واعلم أن ﴿ ضراً ولا نفعاً ﴾ هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال، فكأنه قيل: لا يملكون التصرف بحال من الأحوال.
وهذا نظير أن يقال: شرقاً وغرباً، وليلاً ونهاراً.
وبذلك يندفع ما يشكل في بادئ الرأي من وجه نفي قدرتهم على إضرار أنفسهم بأنه لا تتعلق إرادة أحد بضر نفسه، وبذلك أيضاً لا يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع، لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد الأمرين، فالمتكلم مخير في ذلك والمخالفة بين الآيات في تقديم أحد الأمرين مجرد تفنّن.
والمجرور في ﴿ لأنفسهم ﴾ متعلق ب ﴿ يملكون ﴾ .
والضَّر بفتح الضاد مصدر ضرَّه، إذا أصابه بمكروه.
وقد تقدم نظيره في قوله تعالى: ﴿ قل لا أملك لنفسي ضراً ولا نفعاً إلا ما شاء الله ﴾ في سورة يونس (49).
وجملة: ﴿ ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً ﴾ مقابلة جملة ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ [الفرقان: 2] لأن أعظم مظاهر تقدير الخلق هو مظهر الحياة والموت، وذلك من المشاهدات.
وأما قوله: ﴿ ولا نشوراً ﴾ فهو تكميل لقرع المشركين نفاة البعث لأن نفي أن يكون الآلهة يملكون نشوراً يقتضي إثبات حقيقة النشور في نفس الأمر إذ الأكثر في كلام العرب أن نفي الشيء يقتضي تحقق ماهيته.
وأما نحو قول امرئ القيس: على لاحب لا يهتدي بمناره *** يريد لا منار فيه.
وقول ابن أحمر: لا تُفزع الأرنبَ أهوالُها *** ولا ترى الضبّ بها ينجحر أراد: أنها لا أرنب فيها ولا ضب.
فهو من قبيل التلميح.
ذُكر في هذه الآية من أقوالهم المقابلة للجمل الموصوف بها الله تعالى اهتماماً بإبطال كفرهم المتعلق بصفات الله لأن ذلك أصل الكفر ومادته.
واعلم أن معنى: ﴿ وهم يخلقون ﴾ وهم يُصنعون، أي يصنعهم الصانعون لأن أصنامهم كلها حجارة منحوتة فقد قومتها الصنعة، فأطلق الخلق على التشكيل والنحت من فعل الناس، وإن كان الخلق شاع في الإيجاد بعد العدم؛ إما اعتباراً بأصل مادة الخلق وهو تقدير مقدار الجلد قبل فريه كما قال زهير: ولأنت تفري ما خلقت وبع *** ضُ الناس يخلق ثم لا يفري فأطلق الخلق على النحت؛ إما على سبيل المجاز المرسل، وإما مشاكلة لقوله: ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ .
والمِلك في قوله: ﴿ لا يملكون ﴾ مستعمل في معنى القدرة والاستطاعة كما تقدم في قوله تعالى: ﴿ قل فمن يملك من الله شيئاً إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ﴾ في سورة العقود (17)، وقوله فيها: ﴿ قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضراً ولا نفعاً ﴾ [المائدة: 76]، أي من لا يقدر على ضركم ولا نفعكم.
فقوله هنا: ﴿ لأنفسهم ﴾ متعلق ب ﴿ يملكون ﴾ ، واللام فيه لام التعليل، أي لا يملكون لأجل أنفسهم، أي لفائدتها.
ثم إن المراد ب ﴿ أنفسهم ﴾ يجوز أن يكون الجمع فيه باعتبار التوزيع على الآحاد المفادة بضمير ﴿ يملكون ﴾ ، أي لا يملك كل واحد لنفسه ضراً ولا نفعاً، ويكون المراد بالضر دفعه على تقدير مضاف دل عليه المقام لأن الشخص لا يتعلق غرضه بضر نفسه حتى يقرَع بأنه عاجز عن ضر نفسه.
وتنكير ﴿ موتاً وحياة ﴾ في سياق النفي للعموم، أي موت أحد من الناس ولا حياته.
والنشور: الإحياء بعد الموت.
وأصله نشر الشيء المطوي.
<div class="verse-tafsir"
سُورَةُ الفُرْقانِ مَكِّيَّةٌ كُلُّها قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ وهي: ﴿ والَّذِينَ لا يَدْعُونَ ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ تَبارَكَ ﴾ في تَبارَكَ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: تَفاعُلٌ مَعَ البَرَكَةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.
الثّانِي: أنَّهُ الَّذِي يَجِيءُ البَرَكَةُ مِن قِبَلِهِ، قالَهُ الحَسَنُ.
الثّالِثُ: خالِقُ البَرَكَةِ: قالَهُ إبْراهِيمُ.
وَفي البَرَكَةِ ثَلاثَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: العُلُوُّ.
الثّانِي: الزِّيادَةُ.
الثّالِثُ: العَظَمَةُ.
فَيَكُونُ تَأْوِيلُهُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ: تَعالى، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَزايَدَ، وعَلى الوَجْهِ الثّالِثِ: تَعاظَمَ.
وَ ﴿ الفُرْقانَ ﴾ هو القُرْآنُ وقِيلَ إنَّهُ اسْمٌ لِكُلِّ كُتّابٍ مُنَزَّلٍ كَما قالَ تَعالى: ﴿ وَإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ ﴾ وفي تَسْمِيَتِهِ فُرْقانًا وجْهانِ: أحَدُهُما: لِأنَّهُ فَرْقٌ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ.
الثّانِي: لِأنَّ فِيهِ بَيانَ ما شُرِعَ مِن حَلالٍ وحَرامٍ، حَكاهُ النَّقّاشُ.
﴿ عَلى عَبْدِهِ ﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا ، وقَرَأ ابْنُ الزُّبَيْرِ ( عَلى عِبادِهِ ) بِالجَمْعِ.
﴿ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: لِيَكُونَ مُحَمَّدٌ نَذِيرًا، قالَهُ قَتادَةُ، وابْنُ زَيْدٍ.
الثّانِي: لِيَكُونَ الفُرْقانُ، حَكاهُ ابْنُ عِيسى.
والنُّذُرُ: المُحَذِّرُ مِنَ الهَلاكِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: فَلَمّا تَلاقَيْنا وقَدْ كانَ مُنْذِرٌ.
.
نَذِيرًا فَلَمْ يَقْبَلْ نَصِيحَةَ ذِي النُّذُرِ والمُرادُ بِالعالَمِينَ هُنا الإنْسُ والجِنُّ لِأنَّ النَّبِيَّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ قَدْ كانَ رَسُولًا إلَيْهِما ونَذِيرًا لَهُما وأنَّهُ خاتَمُ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَكُنْ غَيْرُهُ عامَّ الرِّسالَةِ إلّا نُوحًا فَإنَّهُ عَمَّ بِرِسالَتِهِ جَمِيعَ الإنْسِ بَعْدَ الطُّوفانِ لِأنَّهُ بَدَأ بِهِ الخَلْقَ، واخْتُلِفَ في عُمُومِ رِسالَتِهِ قَبْلَ الطُّوفانِ عَلى قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: عامَّةٌ لِعُمُومِ العِقابِ بِالطُّوفانِ عَلى مُخالَفَتِهِ في الرِّسالَةِ.
الثّانِي: خاصَّةٌ بِقَوْمِهِ لِأنَّهُ ما تَجاوَزَهم بِدُعائِهِ.
<div class="verse-tafsir"
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: تبارك تفاعل من البركة.
وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ قال: هو القرآن فيه حلال الله وحرامه، وشرائعه ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ قال: بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم نذيراً من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال: بين لكل شيء من خلقه صلاحه، وجعل ذلك بقدر معلوم.
﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ قال: هي هذه الأوثان التي تعبد من دون الله ﴿ لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ﴾ وهو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئاً، ولا تضر ولا تنفع، ولا تملك موتاً ولا حياة، ولا نشوراً يعني بعثاً ﴿ وقال الذين كفروا إن هذا ﴾ هذا قول مشركي العرب ﴿ إلا إفك ﴾ هو الكذب ﴿ افتراه وأعانه عليه ﴾ أي على حديثه هذا وأمره ﴿ قوم آخرون فقد جاءوا ﴾ فقد أتوا ﴿ ظلماً وزوراً ﴾ ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ قال: كذب الأولين وأحاديثهم ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول!
﴾ قال: عجب الكفار من ذلك أن يكون رسول ﴿ يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيراً، أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ قال الله يرد عليهم ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ يقول: خيراً مما قال الكفار من الكنز والجنة ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: وإنه والله من دخل الجنة ليصيبن قصوراً لا تبلى ولا تهدم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: كل شيء في القرأن افك، فهو كذب.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ قال: يهود ﴿ فقد جاءوا ظلماً وزوراً ﴾ قال: كذباً.
وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس.
«أن عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبا سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبا البختري، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أمية، وأمية بن خلف، والعاصي بن وائل، ونبيه بن الحجاج.
اجتمعوا فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه أن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك قال: فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: يا محمد انا بعثنا إليك لنعذر منك.
فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالاً جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب الشرف فنحن نسودك، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما لي مما تقولون.
ما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل علي كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئاً مما عرضنا عليك قالوا: فإذا لم تفعل هذا فسل لنفسك وسل ربك أن يبعث معك ملكاً يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جناناً، وقصوراً من ذهب وفضة تغنيك عما تبتغي- فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه- حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل.
ما أنا بالذي يسأل ربه هذا؛ وما بعثت إليكم بهذا ولكن الله بعثني بشيراً ونذيراً، فأنزل الله في قولهم ذلك ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ﴾ إلى قوله: ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً ﴾ أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا، ولو شئت أن أجعل الدنيا مع رسولي فلا تخالفوه لفعلت» .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله: ﴿ وقال الظالمون إن تتبعون ﴾ قاله الوليد بن المغيرة وأصحابه يوم دار الندوة.
وأخرج الفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد رضي الله عنه في قوله: ﴿ أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلاً ﴾ قال: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوا لك وفي قوله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري ﴾ قال: حوائط ﴿ ويجعل لك قصوراً ﴾ قال: بيوتاً مبنية مشيدة.
كانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان.
وأخرج الواحدي وابن عساكر من طريق جويبر عن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك، فنزل جبريل فقال: إن ربك يقرئك السلام ويقول ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا أنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ ثم أتاه رضوان خازن الجنان ومعه سفط من نور يتلألأ فقال: هذه مفاتيح خزائن الدنيا، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كالمستشير له، فضرب جبريل إلى الأرض أن تواضع فقال: يا رضوان لا حاجة لي فيها، فنودي: أن ارفع بصرك، فرفع فإذا السموات فتحت أبوابها إلى العرش، وبدت جنات عدن، فرأى منازل الأنبياء وعرفهم، وإذا منازله فوق منازل الأنبياء فقال: رضيت.
ويرون أن هذه الآية أنزلها رضوان ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .
وأخرج الفريابي وابن أبي شيبة في المصنف وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه عن خيثمة قال: «قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطاه أحد بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئاً، وإن شئت جمعتها لك في الآخرة قال: اجمعها لي في الآخرة، فأنزل الله: ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصوراً ﴾ » .
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال بينما جبريل عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ قال: «هذا ملك تدلى من السماء إلى الأرض.
ما نزل إلى الأرض قط قبلها، استأذن ربه في زيارتك، فأذن له، فلم يلبث ان جاء فقال: السلام عليك يا رسول الله قال: وعليك السلام قال: إن الله يخبرك إن شئت أن يعطيك من خزائن كل شيء ومفاتيح كل شيء، لم يعط أحداً قبلك، ولا يعطيه أحداً بعدك، ولا ينقصك مما دخر لك عنده شيئاً فقال: لا بل يجمعهما لي في الآخرة جميعاً فنزلت ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيراً من ذلك ﴾ » .
<div class="verse-tafsir"
قال ابن عباس: ثم ذكر ما صنع المشركون فقال: ﴿ وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ﴾ يعني: الأصنام اتخذها أهل مكة (١) ﴿ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أي: وهي مخلوقة ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ قال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءًا (٢) ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ فيدفعونه عن أنفسهم ﴿ وَلَا نَفْعًا ﴾ فيجرونه إلى أنفسهم.
ويجوز أن يكون المعنى: ولا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعونها بشيء ولا لمن يعبدها؛ لأنها جماد لا قدرة لها.
وهذا معنى قول الكلبي (٣) ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ﴾ قال مقاتل: أن تميت أحدًا (٤) ﴿ وَلَا حَيَاةً ﴾ ولا يحيون أحدًا ﴿ وَلَا نُشُورًا ﴾ ولا تقدر الآلهة أن تبعث الأموات (٥) (٦) (١) "تفسير ابن جرير" 18/ 181، ولم ينسبه.
(٢) "تفسير مقاتل" ص 42 ب.
وذكره السمرقندي 2/ 453 بنصه، ولم ينسبه.
(٣) "تنوير المقباس" ص 300.
(٤) "تفسير مقاتل" ص 42 ب.
(٥) "تفسير السمرقندي" 2/ 453، ثم قال: "وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء؛ لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم".
(٦) "تفسير مقاتل" ص 42 ب، بتصرف يسير.
<div class="verse-tafsir"
﴿ تَبَارَكَ ﴾ من البركة وهو فعل مختص بالله تعالى لم ينطق بالمضارع ﴿ على عَبْدِهِ ﴾ يعني محمدً صلى الله عليه وآله وسلم، وذلك على وجه التشريف له والاختصاص ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ الضمير لمحمد صلى الله عليه وسلم أو للقرآن، والأول أظهر وقوله: ﴿ للعالمين ﴾ عموم يشمل الجن والإنس ممن كان في عصره، ومن يأتي بعده إلى يوم القيامة، وتضمن صدر هذه الآية إثبات النبوة والتوحيد، والردّ على من خالف في ذلك ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ الخلق عبارة عن الإيجاد بعد العدم، والتقدير: عبارة عن إتقان الصنعة، وتخصيص كل مخلوق بمقداره، وصفته وزمانه ومكانه، ومصلحته، وأجله، وغير ذلك ﴿ واتخذوا ﴾ الضمير لقريش وغيرهم ممن أشرك بالله تعالى ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ يعنون قوماً من اليهود منهم: عداس ويسار وأبو فكيهة الرومي ﴿ فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ أي ظلموا النبي صلى الله عليه وسلم فما نسبوا إليه وكذبوا في ذلك عليه.
<div class="verse-tafsir"
القراءات: ﴿ جنة نأكل ﴾ بالنون: حمزة وعلي وخلف.
الباقون بالياء التحتانية ﴿ ويجعل لك ﴾ بالرفع: ابن عامر وأبو بكر وحماد والمفضل وابن كثير.
الباقون بالجزم وذلك أن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الرفع والجزم ﴿ يحشرهم ﴾ ﴿ فيقول ﴾ كلاهما بالياء: ابن كثير ويزيد وسهل ويعقوب وعباس وحفص، وقرأ ابن عامر بالنون فيهما.
الباقون بالنون في الأول وبالياء في الثاني ﴿ أن يتخذ ﴾ على البناء للمفعول: زيد ويزيد ﴿ بما تقولون ﴾ بتاء الخطاب: يعقوب وعباس وحفص والسرنديبي عن قنبل.
﴿ تستطيعون ﴾ على الخطاب: حفص غير الخزاز.
الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه لا بناء على أن ما بعده بدل من ﴿ الذي نزل ﴾ والتعليل من تمام الصلة، ولو قدر رفعه أو نصبه على المدح جاز الوقف ﴿ تقديراً ﴾ ه ﴿ ولا نشوراً ﴾ ه ﴿ آخرون ﴾ ج لأجل الفاء مع اختلاف القائل أو لاحتمال أن يكون ﴿ فقد جاؤا ﴾ من قول الكفار أي جاء محمد ومن أعانه بظلم وزور ﴿ وزوراً ﴾ ه ج للاحتمال المذكور أو لعطف المتفقتين مع عوارض وطول الكلام ﴿ وأصيلاً ﴾ ه ﴿ والأرض ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ السواق ﴾ ط ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ منها ﴾ ط ﴿ مسحوراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ الأنهار ﴾ ط لمن جعل رفع يجعل على الاستئناف ﴿ قصوراً ﴾ ه ﴿ سعيراً ﴾ ه لاحتمال كون ما بعده صفة أو استئنافاً ﴿ وزفيراً ﴾ ه ﴿ ثبوراً ﴾ الأول ه ط ﴿ كثيراً ﴾ ه ﴿ المتقون ﴾ ط لانتهاء الاستفهام ﴿ مصيراً ﴾ ه ﴿ خالدين ﴾ ط ﴿ مسؤولاً ﴾ ه ﴿ السبيل ﴾ ه ﴿ الذكر ﴾ ج لجواز أن يكون المراد وقد كانوا ولجواز أن يراد وصاروا فيتصل بقوله ﴿ بوراً ﴾ ه ﴿ تقولون ﴾ ه إلا لمن قرأ ﴿ تستطيعون ﴾ بتاء الخطاب ﴿ نصيراً ﴾ ج ه للشرط مع العطف ﴿ كبيراً ﴾ ه ﴿ في السواق ﴾ ط ﴿ فتنة ﴾ ط ﴿ أتصبرون ﴾ ج لاحتمال كون الواو للحال ﴿ بصيراً ﴾ ه.
التفسير: إنه تكلم في هذه السورة أولاً في التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة، ثم في المعاد وسيختم السورة بصفات العباد المخلصين الموقنين فما أشرف هذه المطالب وما أحسن هذا الترتيب.
ومعنى ﴿ تبارك ﴾ كثر خيره وزاد أو عن أوصاف الممكنات وقد مر في قوله ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ \[المؤمنون: 14\] وفي وصفه نفسه بتنزيل الفرقان الفارق بين الحق والباطل أو المفرق في الإنزال بعد قوله ﴿ تبارك ﴾ دليل على أن كل البركة والخير إنما هو في القرآن، وكانت هذه الصفة معلومة بدلائل الإعجاز فذلك صح إيقاعها صلة للذي.
والضمير في ﴿ ليكون ﴾ لعبده أو للفرقان كقوله ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾ والعالمون يشمل الخلائق كلهم إلا أن الإجماع دل على خروج الملائكة وما عدا الثقلين فبقي أن يكون مبعوثاً إلى الجن والإنس إلى آخر مدة التكليف.
والنذير المنذر أو الإنذار كالنكير.
قالت المعتزلة: لو لم يرد الإيمان من الكل لم يكن الرسول نذيراً للكل.
وعورض بنحو قوله ﴿ ولقد ذرأنا لجهنم ﴾ والإنذار الموجب للخوف لا ينافي وصفه بالبركة والخير لأن النظر على السعادات الأخروية التي تحصل بالإنذار على فوات بعض اللذات العاجلة.
ثم وصف ذاته بصفاته الأربع أولها ﴿ الذي له ملك السوات والأرض ﴾ وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وفي توابعه من البقاء وغيره.
الثانية ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ وفيه رد النصارى واليهود الثالثة ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ وفيه رد على سائر المشركين من الثنوية والوثنية وأرباب الشرك الخفي ايضاً، ولكنه صرح بهذا الأخير في الصفة الرابعة وهي قوله ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً ﴾ قال جار الله: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية والتهيئة لما يصلح له، أو المراد بالخلق الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق وهو مافيه من معنى التقدير لئلا يلزم التكرار فكأنه قيل: أوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتاً، أو أحدثه فقدره للبقاء إلى أمد معلوم.
وعندي أن الكلام محمول على القلب الذي يشجع عليه أمن الإلباس أي قدره في الأزل تقديراً فخلفه في وقته موافقاً لذلك التقدير.
والبحث فيه بين المعتزلة والأشاعرة كما مر في قوله ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ ثم صرح بتزييف مذاهب عبدة الأوثان قائلاً ﴿ واتخذوا ﴾ الآية.
وحاصله أن إله العالم يجب أن يكون أقدر الأشياء وأشرفها لا أعجزها وأخسها وهو الجماد بل الملائكة والمسيح لأنه لا قدرة لهم على الإيجاد والتصرف في شيء إلا بإذن الله، فتكون الآية رداً على الكل.
وإنما قال في هذه السورة ﴿ من دونه ﴾ لتقدم الذكر مفرداً وفي مريم ويس ﴿ من دون الله ﴾ لأن ما قبلهما بلفظ الجمع تعظيماً فلن يكن بد من التصريح.
وحين فرغ من بيان التوحيد ونفي الأنداد شرع في شبهان منكري النبوة والأجوبة عنها.
فالشبهة الأولى قولهم ﴿ إن هذا إلا إفك افتراه ﴾ أرادوا أنه كذب في نفسه أو أرادوا أنه كذب في غضافته إلى الله .
وقوله ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون ﴾ نظير قوله ﴿ إنما يعلمه بشر لسان الذي ﴾ وقد مر ما قيل في سبب نزوله في النحل فأجاب الله تعالى عن شبهتهم بقوله ﴿ فقد جاؤا ظلماً وزوراً ﴾ اي أتوهما فانتصب بوقوع المجيء عليه.
وعن الزجاج أنه انتصب بنزع الخافض اي أتوا بالظلم والزور.
فالظلم هو أنهم نسبوا هذا الفعل الشنيع وهو الافتراء على الله.
إلى من هو عندهم في غاية الأمانة والصدق، والزور وهو انحرافهم عن جادة العدل والإنصاف،فلو أنصفوا من أنفسهم لعلموا أن العربي لا يتلقن من العجمي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته دهماءهم، ولو استعان محمد في ذلك بغيره لأمكنهم ايضاً أن يستعينوا بغيرهم.
قال أبو مسلم: الظلم تكذيبهم الرسول والزور كذبهم عليه.
الشبهة الثانية قولهم ﴿ أنه أساطير الأولين ﴾ اي أحاديث سطرها المتقدمون كأخبار الأعاجم ﴿ اكتتبها ﴾ لنفسه كقولك "استكب الماء" أي سكبه لنفسه وأخذه وقد يظن أن في الكلام قلباً لأنه يقال "أمليت عليه فهو يكتتبها" وأجيب بأن المعنى أراد اكتتابها فهي تقرأ عليه أو كتبت له وهو أمي فهي تملى أي تلقى عليه من كتابه يتحفظها، لأن صورة الإلقاء على الحافظ كصورة الإلقاء على الكاتب.
قال الضحاك: ما يملى عليه بكرة يقرأ عليكم عشية، وما يملى عليه عشية يقرأ عليكم بكرة، وقال جار الله ﴿ بكرة وأصيلاً ﴾ أي دائماً أو في الخفية قبل أن ينتشر الناس وحين يأوون إلى مساكنهم.
فأجاب عن هذه الشبهة بقوله ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر ﴾ الآية.
والمعنى أن العالم بكل سر هو الذي يقدر على الإتيان بمثل هذا الكتاب لفصاحة مبانيه وبلاغة معانيه وبراءته من التناقض والاختلاف واشتماله على الغيوب وعلى مصالح العباد في المعاش والمعاد.
قال أبومسلم: أراد أنه يعلم كل سر خفي ومن جملته ما تسرونه أنتم من الكيد والنفاق فهو يجازيكم عليه، ولأجل هذا الوعيد ختم الآية بذكر المغفرة والرحمة فإنه لا يوصف بهما إلا القادر على العقوبة.
وقيل: هو تنبيه على أنهم استحقوا بمكابرتهم العذاب العاجل ولكنه صرفه عنهم برحمته وغفرانه.
الشبهة الثالثة قولهم على سبيل الاستهانة وتصغير الشأن ﴿ ما لهذا ﴾ الزاعم أنه رسول أي ما باله ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما نتردد.
زعموا أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن هذا المقام فطلبوا أن يكون إنساناً معه ملك يعضده ويساعده في باب الإنذار، ثم نزلوا فاقترحوا أن يكون مستظهراً بكنز يلقى إليه من السماء حتى لا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فقالوا: لا أقل من أن يكون كواحد ن الدهاقين له بستان ينتفع هو أو ننتفع نحن بذلك على اختلاف القراءتين.
وانتصب ﴿ فيكون ﴾ لأنه جواب "لولا" بمعنى "هلا" وحكمه حكم الاستفهام ومحل ﴿ أنزل ﴾ الرفع كما يقول: لولا ينزل ولهذا عطف عليه يلقى ويكون مرفوعين ﴿ وقال الظالمون ﴾ من وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا، وهم كفار قريش النضر بن الحرث وأمثاله.
والمسحور المغلوب على عقله، والأمثال الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة المذكورة فبقوا متحيرين لا يجدون قولاً يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق ولا يجدون طريقاً إليه.
وقد مر مثل هذه الآية في أواسط سورة بني إسرائيل.
وحين حكى شبههم ومطاعنهم مدح نفسه بما يلجمهم ويفحمهم وهو قوله ﴿ تبارك ﴾ أي تكاثر خبر ﴿ الذي إن شاء ﴾ وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا: ثم فسر ذلك الخبر بقوله ﴿ جنات ﴾ عن ابن عباس: خيراً من ذلك أي مما عيروك بفقده الجنة الواحدة.
وعنه في رواية عكرمة خيراً من المشي في الأسواق لابتغاء المعاش.
وفي قوله ﴿ إن شاء ﴾ دليل على أنه لا حق لأحد من العباد عليه لا في الدنيا ولا في الآخرة وأن حصول الخيرات معلق بمحض مشيئته وعنايته.
وقيل: "إن" بمعنى "إذ" أي قد جعلنا لك في الآخرة وبنينا لك قصوراً.
والقصر المسكن الرفيع فيحتمل أن يكون لكل جنة قصر وأن تكون القصور مجموعة والجنات مجموعة.
وقال مجاهد: إن شاء جعل لك في الآخرة جنات وفي الدنيا قصوراً.
عن طاوس عن ابن عباس قال: "بينما رسول الله جالس وجبرائيل عنده قال جبرائيل: هذا ملك قد نزل من السماء استأذن ربه في زيارتك.
فلم يلبث إلا قليلاً حتى جاء الملك وسلم وقال: إن الله يخيرك بين أن يعطيك مفاتيح كل شيء ولم يعطها احداً قبلك ولا يعطيها أحداً بعدك من غير أن ينقصك مما ادخر لك شيئاً.
فقال : بل يجمعها لي في الآخرة" فنزلت هذه الآية.
وعن النبي : "عرض عليّ جبرائيل بطحاء مكة ذهباً فقلت: بل شبعة وثلاث جوعات" .
وفي رواية "أشبع يوماً وأجوع ثلاثاً فأحمدك إذا شبعت وأتضرع إليك إذا جعت" .
قوله ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول: بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ولا يتأملون فيها إذ لا يرجون ثواباً ولا عقاباً.
ويجوز أن يراد ليس ما تعلقوا به شبهة عالية في نفس المسألة بل إنما حملهم على ذلك تكذيبهم بالساعة استثقالاً للاستعداد لها.
﴿ وأعتدنا ﴾ جعلناها عدة ومعدة لهم.
وقد يستدل به على أن النار مخلوقة ويحتمل أن يقال: هو كقوله ﴿ ونادى ﴾ ﴿ وسيق ﴾ قالت الأشاعرة: البنية ليست شرطاً في الحياة وتوابعها فأجروا قوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ على ظاهره وقالوا: لا امتناع في كون النار حية رائية مغتاظة على الكفار.
والمعتزلة أوّلوا فقالوا: معنى رأتهم ظهرت لهم في قولهم "دورهم تتراءى وتتناظر" كأن بعضها يرى بعضاً على سبيل المجاز.
والمعنى إذا كانت منهم بمرأى الناظر في البعد سمعوا صوت غليانها، وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر.
وقال الجبائي: ذكر النار واراد خزنتها والمراد إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار وشهوة للانتقام منهم.
قيل: التغيظ عبارة عن شدة الغضب وذلك لا يكون مسموعاً فكيف قال الله ﴿ سمعوا لها تغيظ ﴾ وأجيب بأن المراد سماع ما يدل على الغيظ وهو الصوت أي سمعوا لها صوتاً يشبه صوت المتغيظ.
قاله الزجاج وقال قطرب: علموا لها تغيظاً وسمعوا لها زفيراً كما قال الشاعر: متقلداً سيفاً ورمحاً *** يروى أن جهنم تزفر زفرة لا يبقى أحد إلا ترعد فرائصه حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه ويقول: نفسي نفسي.
وحين وصف حال الكفار إذا كانوا بالبعد من جهنم وصف حالهم عندما يلقون فيها.
عن ابن عباس أنه يضيق عليهم المكان كما يضيق الزج على الرمح.
وسئل النبي عن ذلك فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" .
قال الكلبي: الأسفلون يرفعهم اللهب والأعلون يخفضهم الداخلون فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة.
وقال جار الله: الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض.
وجاء في الأحاديث "إن لكل مؤمن من القصور والجنان كذا وكذا" .
وقال الصوفية.: المكان الضيق قلب الكافر في صدره كقوله ﴿ يجعل صدره ضيقاً حرجاً ﴾ ثم إن أهل جهنم مع ما هم فيه يكونون مقرنين في السلاسل والأصفاد وقد مر في آخر سورة إبراهيم.
والثبور الهلاك ودعاؤه النداء بواثبوراه اي يقال يا ثبور فهذا أوانك وههنا إضمار اي يقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبوراً واحداً ﴾ إذ هم أحقاء بأن يقال لهم ذلك وإن لم يكن ثمة قول.
ومعنى ﴿ وادعوا ثبوراً كبيراً ﴾ أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير.
إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها فلا غاية لهلاكهم، أو لأنهم يجدون بسبب ذلك القول خفة فإن المعذب إذا صاح وبكى وجد بسببه راحة.
قال الكلبي: نزل هذا كله في أبي جهل والكفار الذين ذكروا تلك الشبهات.
ثم وبخهم بقوله ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ أي وعدوها فحذف الرابط للعلم به وليس هذا الاستفهام كقول القائل "السكر أحلى أم الصبر" ولكن الغرض منه التقريع كلما إذا أعطى السيد عبده مالاً فتمرد وأبى واستكبر فضربه ضرباً وجيعاً ويقول على سبيل التوبيخ: هذا أطيب أم ذاك؟
والإضافة في جنة الخلد للتوضيح والتأكيد لا للتمييز فإن الجنة معلوم أن نعيمها لا ينقطع.
قالت الأشاعرة: في قوله ﴿ وعد ﴾ دلالة على أن الجنة إنما تستحق بحسب الوعد والفضل لا لأجل العمل.
وقالت المعتزلة: في قوله ﴿ المتقون ﴾ إشارة إلى أن الجنة لا تنال إلا بالتقوى ولذلك أكد بقوله على سبيل التخصيص بسبب تقديم الجار ﴿ كانت لهم جزاء ومصيراً ﴾ أجابت الأشاعرة بأن كونه جزاء ثبت في الأزل ولا عمل هناك.
قالت المعتزلة: لا غفران لصاحب الكبيرة لأن الجنة جاءت جزاء للمتقين خاصة فلا يعطى حقهم غيرهم.
أجابت الأشاعرة بأنه لم لا يجوز أن يرضى المتقون بإدخال الله أهل العفو الجنة؟
قال جار الله: ذكر المصير مع ذكر الجزاء مدحاً للثواب مكانه كقوله ﴿ نعم الثواب وحسنت مرتفقاً ﴾ وفي قوله ﴿ لهم فيها ما يشاؤن ﴾ دلالة على أن حصول المرادات بأسرها لا تكون إلا في الجنة، وأما في الدنيا فالراحات فيها مخلوطة بالجراحات.
والضمير في ﴿ كان ﴾ ﴿ لما يشاؤن ﴾ واستدلت المعتزلة بقوله ﴿ على ربك ﴾ أن ذلك واجب على الله حتى إنه لو لم يفعل استحق الذم.
وأجيب بأنه واجب بحكم الوعد لقوله ﴿ وعداً مسؤلاً ﴾ كأن المكلفين سألوا بلسان الحال من حيث تحملوا المشقة الشديدة في طاعته، أو سألوه حقيقة بقولهم ﴿ ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ أو سألته الملائكة في قولهم { ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ أو من حقه أن يسأل ويطلب لأنه حق واجب بحكم الاستحقاق أو بحسب الموعد على المؤمنين.
قوله ﴿ يوم نحشرهم ﴾ رجوع إلى قوله ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ وظاهر قوله ﴿ وما يعبدون ﴾ أنها الأصنام وظاهر قوله ﴿ أأنتم أضللتم ﴾ أنه من عبد من العقلاء كالملائكة والمسيح فلأجل هذا اختلفوا فحمله قوم ومنهم الكلبي على الأوثان ثم قالوا: لا يبعد أن يخلق الله فيها الحياة والنور والنطق، أو أراد أنهم تكلموا بلسان الحال.
وقال الأكثرون: إنه عام للأصنام وللمعبودين العقلاء نظيره قوله ﴿ ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ﴾ ثم قالوا: إن لفظة "ما" قد تستعمل في العقلاء، أو أريد به الوصف كأنه قيل: ومعبوديهم كما إذا أردت السؤال عن صفة زيد فتقول: "ما زيد" تريد أطويل أم قصير.
والسائل الله وحده أو الملائكة بإذنه.
وإنما قال أنتم وهم ولم يقل "أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل"، لأن السؤال وقع عمن تولى فعل الإضلال لا عن نفس الإضلال.
وفائدة هذا السؤال من علام الغيوب أن يجيب المعبودين بما أجابوا به حتى يحصل لعبدتهم الإلزام والتوبيخ كما قال لعيسى ﴿ أأنت قلت للناس ﴾ وكان القياس أن يقال: ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل هداه إلى الطريق أو للطريق.
﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجباً مما قيل لهم لأنهم ملائكة وأنبياء معصومون فما أبعدهم عن الإضلال الذي هو مختص بإبليس وحزبه وأنطقوا بـ ﴿ سبحانك ﴾ ليدلوا على أنهم المسبحون المقدسون الموسومون بذلك فكيف يليق بحالهم أن يضلوا عباده؟
أو قصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له ملك أو نبي أو غيرهما نداً، أو قصدوا تنزيهه من أن يكون مقصوده من هذا السؤال استفاده علم أو إيذاء من كان بريئاً من الجرم بل إنما سألهم تقريعاً للكفار وتوبيخاً لهم.
من قرأ ﴿ أن نتخذ ﴾ بفتح النون فظاهر وهو متعدٍ إلى واحد والأصل أن نتخذ أولياء من دونك فزيدت "من" لتأكيد معنى النفي.
ومن قرأ بضم النون فهو متعدٍ إلى اثنين: الأول ضمير نحن، والثاني من أولياء.
ولا تكون "من" زائدة لأنها لا تزاد في المفعول الثاني تقول: ما اتخذت من أحد ولياً ولا تقول ما أتخذت أحداً من ولي فـ "من" للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء.
وتنكير أولياء من حيث إنهم أولياء مخصوصون وهم الجن والأصنام، والمعنى إنا لا نصلح لذلك فكيف ندعوهم إلى عبادتنا.
وفي تفسير الآية على القراءة الأولى وجوه: الأول أن المعنى إذ كنا لا نرى أن نتخذ من دونك ولياً فكيف ندعو غيرنا إلى ذلك؟
الثاني: ما كان يصح لنا أن نكون أمثال الشياطين في توليهم الكفار كما تولاهم الكفار.
قال تعالى ﴿ فقاتلوا أولياء الشيطان ﴾ [النساء: 76} يريد الكفرة عن أبي مسلم: الثالث تقدير مضاف محذوف أي ما كان لنا أن نتخذ من دون رضاك من أولياء أي لما علمنا أنك لا ترضى بهذا ما فعلنا.
أو قالت الملائكة: أنا وهم عبيد ولا ينبغي لعبيدك أن يدعوا من دون إذنك ولياً.
الرابع قالت الأصنام: لا يصح منا أن نكون من العابدين فكيف يمكننا ادّعاء أنا من المعبودين.
وفي الآية دلالة على أنه لا تجوز الولاية والعداوة إلا بإذن الله، والولاية المبنية على ميل النفس وشهوة الطبع مذمومة شرعاً.
و ﴿ الذكر ﴾ ذكر الله والإيمان به أو القرآن والشرائع أو ما فيه حسن ذكرهم في الدنيا والآخرة.
قالت المعتزلة: في قوله ﴿ ولكن متعتهم ﴾ الخ.
دليل بيِّن على أن الله عز وجل لا يضل عباده على الحقيقة وإلا كان جواب العبيد أن يقولوا: بل أنت أضللتهم لا أن يقولوا بل أنت تفضلت من غير سابقة على هؤلاء وعلى آبائهم تفضل جواد كريم، فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشر سبب الكفر ونسيان الذكر.
فالحاصل أنهم ضلوا بأنفسهم لا بإضلالنا.
وقالت الأشاعرة: بل فيه دلالة على أن الله هو المضل حقيقة كأنهم قالوا: إلهنا أنت الذي أعطيتهم جميع مطالبهم في الدنيا حتى استغرقوا في بحر الشهوات وأعرضوا عن التوجه إلى طاعتك والاشتغال بخدمتك فإن هي إلا فتنتك.
أما قوله ﴿ وكانوا قوماً بوراً ﴾ فالأكثرون على أن البور جمع بائر من البوار الهلاك كعائذ وعوذ وحائل وحول.
وحكى الأخفش أنه اسم جمع يقال "رجل بور" أي فاسد هالك لا خير فيه "وامرأة بور" و "قوم بور" كما يقال "أنت بشر" و "أنتم بشر".
قالت المعتزلة: صاروا إلى الهلاك بسبب اختيارهم الضلال.
وقالت الأشاعرة: أراد أنهم كانوا في اللوح المحفوظ من جملة الهالكين ولو قيل: إنه فعل بالكافر ما صار معه بحيث لا يمكنه ترك الكفر صح القول بالقدر أيضاً.
قوله ﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات لأجل الإلزام والفاء فيه تدل على شرط مقدر كأنه قال: إن زعمتم أنهم آلهتكم فقد كذبوكم بقولكم إنهم آلهة.
أو بقولهم سبحانك ما كان ينبغي لنا على اختلاف قراءتي الخطاب والغيبة.
قال جار الله: الباء في الأول كقوله ﴿ بل كذبوا بالحق ﴾ والجار والمجرور بدل من كاف الخطاب كأنه قيل: فقد كذبوا بما تقولون.
وفي الثاني كقولك "كتبت بالقلم".
﴿ فما تستطيعون ﴾ أنتم يا كفار أو فما يستطيع آلهتكم على القراءتين صرف العذاب عنكم.
وقيل: الصرف التوبة لأنها تصرف العاصي عن فعله.
وقيل: الحيلة من قولهم "إنه ليتصرف" أي يحتال.
ثم ذكر وعيد كل ظالم بقوله ﴿ ومن يظلم ﴾ الآية.
فاستدلت المعتزلة به على وعيد الفاسق وخلوده وذلك أن الفسق ظلم لقوله ﴿ ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون ﴾ والإنصاف أنه لا دلالة في الاية على مطلوبهم لأن "من" ليست من صيغ العموم عند بعضهم، ولئن سلم فلعل المراد الأكثر أو أقوام بأعيانهم لقوله ﴿ منكم ﴾ ولئن سلم فلعله مشروط بعدم العفو كما أنه مشروط عند المعتزلة بعدم التوبة، ولو سلم الجميع فإذاقة العذاب لا تدل على الخلود.
ثم بين بقوله ﴿ وما أرسلنا ﴾ الآية.
أنه لا وجه لقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام لأن هذه عادة مستمرة من الله في كل رسله.
قال الزجاج: الجملة بعد "إلا" صفة لموصوف محذوف والمعنى: وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين: إلا آكلين وماشين.
وإنما حذف لأن في قوله ﴿ من المرسلين ﴾ دليلاً عليه نظيره ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾ أي وما منا أحد.
وقال الفراء: المحذوف هو الموصول والتقدير: إلا من انهم.
وقال ابن الأنباري: المحذوف هو الواو بعد إلا فتكون الجملة حالاً كقوله ﴿ وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ﴾ قوله ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ قال الكلبي والفراء والزجاج: إن هذا في رؤساء المشركين كأبي جهل وغيره وفي فقراء الصحابة كأنه إذا رأى الشريف الوضيع وقد اسلم قبله أنف أن يسلم فأقام على كفره لئلا يكون للوضيع السابقة والفضل عليه دليله قوله ﴿ لو كان خيراً ما سبقونا إليه ﴾ وعن ابن عباس والحسن أنه في أصحاب البلاء والعافية يقول أحدهم: لم لم أجعل مثله في الخلق والخلق والعلم والعقل والرزق والأجل وغير ذلك يؤيده ما روي عن أبي الدرداء عن النبي "ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم وويل للسلطان من الرعية وويل للرعية من السلطان وويل للشديد من الضعيف وللضعيف من الشديد بعضهم لبعض فتنة وقرأ هذا الآية" وقال آخرون: إنه احتجاج عليهم في اختصاص محمد بالرسالة مع مساواته إياهم في البشرية وصفاتها فابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم لهم العداوة وأنواع الأذى، وابتلى المرسل إليهم بالتكليف وبذل النفس والمال وصيرورتهم تابعين خادمين بعد أن كانوا متبوعين مخدومين.
قالت الأشاعرة: في هذا الجعل إشارة إلى مذهبنا في القدر.
وقال الجبائي: هذا الجعل بمعنى التعريف كما يقال فيمن بين أن فلاناً لص إنه جعله لص.
قال في الكشاف: موقع ﴿ أتصبرون ﴾ بعد ذكر الفتنة موقع أيكم بعد الابتلاء في قوله ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ﴾ قلت: أراد أن كلاً من الابتلاء والفتنة يستدعي التمييز فيحسن الاستفهام بعده أي بفتنكم ليظهر أنكم تصبرون على البلاء أم لا، ولعل الأظهر أن الاستفهام غير متعلق بالفتنة وإنما هو مستأنف للوعيد كقوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ ويؤيده قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عالماً بمن صبر ومن لا يصبر فيجازي كلاً منهم بحسب ذلك.
وقيل: في الآية تسلية للنبي عما عيروه به من الفقر فقد جعل الأغنياء فتنة للفقراء.
وقيل: جعلناك فتنة لهم حين بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لوجه الله، ولو كنت غنياً صاحب كنز كما اقترحوا لم يظهر الطائع من المخلص.
وقالت الصوفية: أتصبرون يا معشر الأنبياء على ما يقولون ويا معشر الأمم عما يقولون والله أعلم.
<div class="verse-tafsir"
قوله - عز وجل -: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ : قال أهل التأويل: تبارك من التفاعل، وهو من ؛ لأن البركة هي اسم كل رفعة وفضيلة وشرف، فكأن تأويله: من التعالي والارتفاع.
وقال أهل الأدب: تبارك: هو من البركة، والبركة هي: اسم كل فضل وبر وخير، أي: به نيل كل فضل وشرف وبر.
قال أبو عوسجة: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ هو تنزيه؛ مثل قولك: .
وقال الكسائي والقتبي: هو من البركة؛ وهو ما ذكرنا.
وقوله: ﴿ نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ ﴾ : سماه: فرقاناً؛ قال بعضهم: لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ وعلى هذا جائز أن يسمى جميع كتب الله التي أنزلها على رسله فرقاناً؛ لأنها كانت تفرق بين الحق والباطل، وبين ما يحل وما يحرم، وبين ما يؤتى وما يتقى؛ ولذلك سمى التوراة: فرقاناً بقوله: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ وَهَارُونَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ .
وأما القرآن: هو من قرن بعضه إلى بعض؛ يقال: قرنت الشيء إلى الشيء إذا ضممته إليه، قرن يقرن قرنا.
وقال بعضهم: سمي القرآن: فرقانا؛ لأنه أنزل بالتفاريق مفرقا، وسائر الكتب أنزلت مجموعة، لكن الوجه فيه ما ذكرنا بدءاً، وهو أقرب وأشبه.
وقوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ ، أي: القرآن الذي أنزله على عبده يكون نذيراً لمن ذكر.
ويحتمل قوله: ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ أي: ليكون محمد بالقرآن الذي أنزل عليه نذيراً؛ كقوله: ﴿ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ ﴾ ؛ وكقوله: ﴿ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَـٰذَا ٱلْقُرْآنُ لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ ﴾ أي: من بلغه القرآن من الخلق فرسول الله نذيره.
ثم قوله: ﴿ لِلْعَالَمِينَ ﴾ جائز أن يراد به الإنس والجن.
ثم ذكر النذارة فيه ولم يذكر البشارة، فإن كان على هذا فهو حجة لأبي حنيفة - رحمه الله - أن ليس للجن ثواب إذا أسلموا سوى النجاة من العقاب، ولهم عقاب بالإجرام؛ لأن الله - - لم يذكر لهم الثواب في الكتاب، وذكر لهم العقاب بالعصيان؛ حيث قال: ﴿ يٰقَوْمَنَآ أَجِيبُواْ دَاعِيَ ٱللَّهِ وَآمِنُواْ بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ...
﴾ الآية [الأحقاف: 31]، جعل ثوابهم نجاتهم من عذاب أليم.
وجائز أن يكون في النذارة بشارة - أيضاً ما كان وما يكون إلى يوم القيامة؛ لأنهم إذا اتقوا مخالفة الله ومعاصيه كانت لهم العاقبة، فلهم بشارة في ذلك ونذارة؛ كقوله: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً ﴾ .
وقوله: ﴿ ٱلَّذِي لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ لَهُ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ ﴾ صلة قوله: ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ ﴾ ، ووجهه - والله أعلم - أي: عن أن يكون النذير الذي بعثه فيهم، إنما بعثه لحاجة نفسه لجر منفعة إليه، أو لدفع مضرة عنه على بعث ملوك الأرض من الرسل لحوائج أنفسهم: لجر النفع إليهم، أو لدفع مضرة عنهم، ولكن إنما يبعث النذير والبشير إلى الخلق لمنافع أنفسهم؛ إذ لا يحتمل أن يكون من له ملك السماوات والأرض أن يبعث النذير والبشير لمنافع نفسه ولحاجته؛ لغناه، وأما ملوك الأرض لا يملكون ذلك؛ فلذلك ما يرسلون ويبعثون من الرسل إنما يبعثون ويرسلون لمنافع أنفسهم وحوائجهم؛ لدفع مضرة أو جر منفعة.
وجائز أن يكون قوله: ﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي: عن أن يتخذ ولدا أو شريكاً في الملك على ما نسبوا إليه من الولد والشريك، فقال: عن أن يكون له الولد أو الشريك؛ إذ له ملك السماوات والأرض، فالولد في الشاهد إنما يتخذ لإحدى خلال ثلاث؛ وقد ذكرناها.
وبعد: فإن الولد في الشاهد إنما يكون من جنس الوالد ومن جوهره، ويكون من أشكاله، وكل ذي شكل وجنس يكون فيه منقصة وآفة؛ وكذلك الشريك إنما يكون من جنسه ومن شكله، وإنما يقع الحاجة إلى الولد إما لعجز أو آفة، فإذا كان الله له ملك السماوات والأرض وهو خالقهما - فأنى يقع له الحاجة إلى الولد والشريك؟!
وقوله: ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ : فيه دلالة نقض قول المعتزلة؛ لأنه أخبر أنه خلق كل شيء، وعلى قولهم أكثر الأشياء لم يخلقها من الحركات والسكون والاجتماع والتفرق وجميع الأعراض؛ لأنهم يقولون: إنها ليست بمخلوقة لله ولا صنع له فيها.
وقوله: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ : جائز أن يكون قوله: ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ لحكمة أو ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ لوحدانية الله وألوهيته، أو ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ أي: جعل له حدّاً لو اجتمع الخلائق على ذلك ما عرفوا قدره ولا حده من صلاح وغيره ما لو لم يقدر ذلك لفسد.
وقوله: ﴿ وَٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ آلِهَةً ﴾ أي: معبودا.
ثم تسميته إياها - أعني: الأصنام التي عبدوها -: آلهة على ما عندهم وفي زعمهم: أنها آلهة؛ والإله عند العرب المعبود، يسمون كل معبود إلها؛ وكذلك قوله: ﴿ فَرَاغَ إِلَىٰ آلِهَتِهِمْ ﴾ عندهم وفي زعمهم، وقول موسى: ﴿ وَٱنظُرْ إِلَىٰ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفاً ﴾ في زعمهم وعندهم أن كل معبود إله، وإلا قد عابهم بتسميتهم الأصنام: آلهة.
ثم بين سفههم وقلة فهمهم في عبادتهم الأصنام وتسميتهم إياها: آلهة؛ حيث قال: ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ ، أي: يتركون عبادة من يعلمون أنه خالق كل شيء، ويعبدون من يعلمون أنهم لا يخلقون وهم يخلقون، ويتركون عبادة من يعلمون أنه يملك النفع والضر لأنفسهم أيضاً، وهو قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلاَ حَيَـاةً وَلاَ نُشُوراً ﴾ لغيرهم؛ فعلى هذا الظاهر يجيء أن يكونوا هم سموا أنفسهم: آلهة لا الأصنام؛ لأنهم يملكون ضرر الأصنام ونفعها، والأصنام لا تملك ذلك لهم ولا لأنفسها.
وقال بعضهم في قوله: ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً ﴾ أي: الموت الذي كان قبل أن يخلق الناس، كقول الله : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَٰتاً ﴾ .
وأما قوله: ﴿ وَلاَ حَيَـاةً ﴾ يقول: لا يملكون أن يزيدوا في هذا الأجل المؤجل، ﴿ وَلاَ نُشُوراً ﴾ أي: بعثاً بعد الموت.
وقال بعضهم: لا يملكون أن يميتوا حيّاً قبل أجله، ﴿ وَلاَ حَيَـاةً ﴾ : ولا يحيون ميتّاً إذا جاء أجله، ﴿ وَلاَ نُشُوراً ﴾ ، أي: بعثا، على ما ذكرنا، وبالله العصمة.
<div class="verse-tafsir"
واتّخذ المشركون من دون الله معبودات لا يَخلقون شيئًا صغيرًا أو كبيرًا وهم يُخلقون، فقد خلقهم الله من عدم، ولا يستطيعون دفع ضرّ عن أنفسهم، ولا جلب نفع لها، ولا يستطيعون إماتة حيّ، ولا إحياء ميّت، ولا يستطيعون بعث الموتى من قبورهم.
<div class="verse-tafsir" id="91.OvBqY"