الآية ٦٣ من سورة الفرقان

الإسلام > القرآن > سور > سورة 25 الفرقان > الآية ٦٣ من سورة الفرقان

وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى ٱلْأَرْضِ هَوْنًۭا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلْجَـٰهِلُونَ قَالُوا۟ سَلَـٰمًۭا ٦٣

هذه الآية في مستقيم:

آخر تحديث 18 يونيو 2026 - 18:44

📖 126 دقيقة قراءة

صفحةُ الآية ٦٣ من سورة الفرقان: نصُّ الآية، وتفسيرُها عند كبار المفسرين في مكانٍ واحد، والاستماعُ إليها، وأسبابُ نزولها.

تفسير الآية ٦٣ من سورة الفرقان عند المفسرين

تفسير ابن كثير · الحافظ ابن كثير الدمشقي

هذه صفات عباد الله المؤمنين ( الذين يمشون على الأرض هونا ) أي : بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار ، كما قال : ( ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ) [ الإسراء : 37 ] .

فأما هؤلاء فإنهم يمشون من غير استكبار ولا مرح ، ولا أشر ولا بطر ، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع تصنعا ورياء ، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب ، وكأنما الأرض تطوى له .

وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع ، حتى روي عن عمر أنه رأى شابا يمشي رويدا ، فقال : ما بالك؟

أأنت مريض؟

قال : لا يا أمير المؤمنين .

فعلاه بالدرة ، وأمره أن يمشي بقوة .

وإنما المراد بالهون هاهنا السكينة والوقار ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون ، وأتوها وعليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا ، وما فاتكم فأتموا " .

وقال عبد الله بن المبارك ، عن معمر ، عن يحيى بن المختار ، عن الحسن البصري في قوله : ( وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ) قال : إن المؤمنين قوم ذلل ، ذلت منهم - والله - الأسماع والأبصار والجوارح ، حتى تحسبهم مرضى وما بالقوم من مرض ، وإنهم لأصحاء ، ولكنهم دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم ، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة ، فقالوا : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن .

أما والله ما أحزنهم حزن الناس ، ولا تعاظم في نفوسهم شيء طلبوا به الجنة ، أبكاهم الخوف من النار ، وإنه من لم يتعز بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ، ومن لم ير لله نعمة إلا في مطعم أو في مشرب ، فقد قل علمه وحضر عذابه .

وقوله : ( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) أي : إذا سفه عليهم الجهال بالسيئ ، لم يقابلوهم عليه بمثله ، بل يعفون ويصفحون ، ولا يقولون إلا خيرا ، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلما ، وكما قال تعالى : ( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ) [ القصص : 55 ] .

وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود بن عامر ، حدثنا أبو بكر ، عن الأعمش ، عن أبي خالد الوالبي ، عن النعمان بن مقرن المزني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وسب رجل رجلا عنده ، قال : فجعل الرجل المسبوب يقول : عليك السلام .

قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أما ] إن ملكا بينكما يذب عنك ، كلما شتمك هذا قال له : بل أنت وأنت أحق به .

وإذا قال له : عليك السلام ، قال : لا بل عليك ، وأنت أحق به .

" إسناده حسن ، ولم يخرجوه .

وقال مجاهد : ( قالوا سلاما ) يعني : قالوا : سدادا .

وقال سعيد بن جبير : ردوا معروفا من القول .

وقال الحسن البصري : ( قالوا [ سلاما ) ، قال : حلماء لا يجهلون ] ، وإن جهل عليهم حلموا .

يصاحبون عباد الله نهارهم بما تسمعون ، ثم ذكر أن ليلهم خير ليل .

تفسير الطبري · أبو جعفر محمد بن جرير الطبري

يقول تعالى ذكره: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) بالحلم والسكينة والوقار غير مستكبرين, ولا متجبرين, ولا ساعين فيها بالفساد ومعاصي الله.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل, غير أنهم اختلفوا, فقال بعضهم: عنى بقوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) أنهم يمشون عليها بالسكينة والوقار.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: بالوقار والسكينة.

قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح, عن عبد الكريم, عن مجاهد: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: بالحلم والوقار.

حدثني محمد بن عمرو, قال: ثنا أبو عاصم, قال ثنا عيسى; وحدثني الحارث; قال: ثنا الحسن, قال: ثنا ورقاء، جميعا عن ابن أبي نَجيح, عن مجاهد, قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: بالوقار والسكينة.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثني حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد, مثله.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوري, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) بالوقار والسكينة.

حدثني يحيى بن طلحة اليربوعي, قال: ثنا شريك, عن سالم, عن سعيد وعبد الرحمن ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قالا بالسكينة والوقار.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن شريك, عن جابر, عن عمار, عن عكرمة, في قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: بالوقار والسكينة.

قال: ثنا ابن يمان, عن سفيان, عن منصور, عن مجاهد, مثله.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا حكام, عن أيوب, عن عمرو الملائي ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: بالوقار والسكينة.

وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالطاعة والتواضع.

* ذكر من قال ذلك: حدثني علي, قال: ثنا عبد الله, قال: ثني معاوية, عن عليّ, عن ابن عباس, قوله: ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) بالطاعة والعفاف والتواضع.

حدثني محمد بن سعد, قال: ثني أبي, قال: ثني عمي, قال: ثني أبي, عن أبيه, عن ابن عباس, قوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: يمشون على الأرض بالطاعة.

حدثني أحمد بن عبد الرحمن, قال: ثني عمي عبد الله بن وهب, قال: كتب إليّ إبراهيم بن سويد, قال: سمعت زيد بن أسلم يقول: التمست تفسير هذه الآية ( الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) فلم أجدها عند أحد, فأُتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.

حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أسامة بن زيد بن أسلم, عن أبيه, قال: لا يفسدون في الأرض.

حدثني يونس, قال: أخبرنا ابن وهب, قال: قال ابن زيد, في قوله: ( وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: لا يتكبرون على الناس, ولا يتجبرون, ولا يفسدون.

وقرأ قول الله تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ وقال آخرون: بل معنى ذلك: أنهم يمشون عليها بالحلم لا يجهلون على من جهل عليهم.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا أبو كريب, قال: ثنا ابن يمان, عن أبي الأشهب, عن الحسن في ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: حلماء, وإن جُهِلَ عليهم لم يجهلوا.

حدثنا ابن حميد قال: ثنا يحيى بن واضح, قال: ثنا الحسين, عن يزيد, عن عكرمة ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: حلماء.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, قال: أخبرنا معمر, عن الحسن, في قوله: ( يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا ) قال: علماء حلماء لا يجهلون.

وقوله: ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) يقول: وإذا خاطبهم الجاهلون بالله بما يكرهونه من القول, أجابوهم بالمعروف من القول, والسداد من الخطاب.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك: حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا أبو الأشهب, عن الحسن ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ) ...

الآية, قال: حلماء, وإن جُهل عليهم لم يجهلوا.

حدثنا ابن حميد, قال: ثنا ابن المبارك, عن معمر, عن يحيى بن المختار, عن الحسن, في قوله ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: إن المؤمنين قوم ذُلُلٌ, ذلّت منهم والله الأسماع والأبصار والجوارح, حتى يحسبهم الجاهل مرضى, وإنهم لأصحاء القلوب, ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم, ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة, فقالوا: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ والله ما حزنهم حزن الدنيا, ولا تعاظم في أنفسهم ما طلبوا به الجنة, أبكاهم الخوف من النار, وإنه من لم يتعز بعزاء الله تَقَطَّعَ نفسه على الدنيا حسرات, ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم ومشرب, فقد قلّ علمه وحضر عذابه.

حدثنا ابن بشار قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا سفيان, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: سدادا.

حدثنا ابن بشار, قال: ثنا عبد الرحمن, قال: ثنا محمد بن أبي الوضاح, عن عبد الكريم, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) قال: سَدَادا من القول.

حدثنا الحسن, قال: أخبرنا عبد الرزاق, عن الثوريّ, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد, مثله.

حدثنا القاسم, قال: ثنا الحسين, قال: ثنا حجاج, عن ابن جُرَيج, عن مجاهد ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا ) حلماء.

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا يحيى بن يمان, عن أبي الأشهب, عن الحسن, قال: حلماء لا يجهلون, وإن جُهِل عليهم حلموا ولم يسفهوا، هذا نهارهم فكيف ليلهم - خير ليل - صفوا أقدامهم, وأجْرَوا دموعهم على خدودهم يطلبون إلى الله جلّ ثناؤه في فكاك رقابهم.

قال: ثنا الحسين, قال: ثنا هشيم, قال: أخبرنا عبادة, عن الحسن, قال: حلماء لا يجهلون وإن جهل عليهم حلموا.

تفسير القرطبي · أبو عبد الله محمد بن أحمد القرطبي

قوله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .[ ص: 66 ] قوله تعالى : وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا لما ذكر جهالات المشركين وطعنهم في القرآن والنبوة ذكر عباده المؤمنين أيضا وذكر صفاتهم ، وأضافهم إلى عبوديته تشريفا لهم ، كما قال : سبحان الذي أسرى بعبده .

وقد تقدم .

فمن أطاع الله وعبده وشغل سمعه وبصره ولسانه وقلبه بما أمره فهو الذي يستحق اسم العبودية ، ومن كان بعكس هذا شمله قوله تعالى : أولئك كالأنعام بل هم أضل يعني في عدم الاعتبار ; كما تقدم في ( الأعراف ) .

وكأنه قال : وعباد الرحمن هم الذين يمشون على الأرض ، فحذف هم ; كقولك : زيد الأمير ، أي زيد هو الأمير .

ف " الذين " خبر مبتدأ محذوف ; قاله الأخفش .

وقيل : الخبر قوله في آخر السورة : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها ; قاله الزجاج .

قال : ويجوز أن يكون الخبر : الذين يمشون على الأرض .

و يمشون عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم ، فذكر من ذلك العظم ، لا سيما وفي ذلك الانتقال في الأرض ; وهو معاشرة الناس وخلطتهم .قوله تعالى : هونا الهون مصدر الهين وهو من السكينة والوقار .

وفي التفسير : يمشون على الأرض حلماء متواضعين ، يمشون في اقتصاد .

والقصد والتؤدة وحسن السمت من أخلاق النبوة .

وقال صلى الله عليه وسلم : أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر ليس في الإيضاع وروي في صفته صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا زال زال تقلعا ، ويخطو تكفؤا ، ويمشي هونا ، ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب .

التقلع : رفع الرجل بقوة ، والتكفؤ : الميل إلى سنن المشي وقصده .

والهون الرفق والوقار .

والذريع الواسع الخطا ; أي إن مشيه كان يرفع فيه رجله بسرعة ويمد خطوه ; خلاف مشية المختال ، ويقصد سمته ; وكل ذلك برفق وتثبت دون عجلة .

كما قال : كأنما ينحط من صبب ، قاله القاضي عياض .

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسرع جبلة لا تكلفا .قال الزهري : سرعة المشي تذهب بهاء الوجه .

قال ابن عطية : يريد الإسراع الحثيث لأنه يخل بالوقار ; والخير في التوسط .

وقال زيد بن أسلم : كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى : الذين يمشون على الأرض هونا فما وجدت من ذلك شفاء ، فرأيت في المنام من جاءني فقال لي : هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض .

قال القشيري ; وقيل لا يمشون لإفساد ومعصية ، بل في طاعة الله والأمور المباحة من غير هوك .

وقد قال الله تعالى : [ ص: 67 ] ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور .

وقال ابن عباس : بالطاعة والمعروف والتواضع .

الحسن : حلماء إن جهل عليهم لم يجهلوا .

وقيل : لا يتكبرون على الناس .قلت : وهذه كلها معان متقاربة ، ويجمعها العلم بالله والخوف منه ، والمعرفة بأحكامه والخشية من عذابه وعقابه ; جعلنا الله منهم بفضله ومنه .

وذهبت فرقة إلى أن هونا مرتبط بقوله : يمشون على الأرض ، أن المشي هو هون .

قال ابن عطية : ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي هونا مناسبة لمشيه ، فيرجع القول إلى نحو ما بيناه .

وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل ; لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس .

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما ينحط في صبب .

وهو عليه الصلاة والسلام الصدر في هذه الأمة .

وقوله عليه الصلاة والسلام : من مشى منكم في طمع فليمش رويدا إنما أراد في عقد نفسه ، ولم يرد المشي وحده .

ألا ترى أن المبطلين المتحلين بالدين تمسكوا بصورة المشي فقط ; حتى قال فيهم الشاعر ذما لهم :كلهم يمشي رويدا كلهم يطلب صيداقلت : وفي عكسه أنشد ابن العربي لنفسه :تواضعت في العلياء والأصل كابر وحزت قصاب السبق بالهون في الأمرسكون فلا خبث السريرة أصله وجل سكون الناس من عظم الكبرقوله تعالى : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما قال النحاس : ليس سلاما من التسليم إنما هو من التسلم ; تقول العرب : سلاما ، أي تسلما منك ، أي براءة منك .

منصوب على أحد أمرين : يجوز أن يكون منصوبا ب " قالوا " ويجوز أن يكون مصدرا ; وهذا قول سيبويه .

قال ابن عطية : والذي أقوله : أن " قالوا " هو العامل في سلاما لأن المعنى قالوا هذا اللفظ .

وقال مجاهد : معنى سلاما سدادا .

أي يقول للجاهل كلاما يدفعه به برفق [ ص: 68 ] ولين .

ف " قالوا " على هذا التأويل عامل في قوله : سلاما على طريقة النحويين ; وذلك أنه بمعنى " قولا " .

وقالت فرقة : ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل سلاما ; بهذا اللفظ .

أي سلمنا سلاما أو تسليما ، ونحو هذا ; فيكون العامل فيه فعلا من لفظه على طريقة النحويين .

مسألة : هذه الآية كانت قبل آية السيف ، نسخ منها ما يخص الكفرة وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة .

وذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه ، وما تكلم فيه على نسخ سواه ; رجح به أن المراد السلامة لا التسليم ; لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالسلام على الكفرة .

والآية مكية فنسختها آية السيف .

قال النحاس : ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية .

قال سيبويه : لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين لكنه على معنى قوله : تسلما منكم ، ولا خير ولا شر بيننا وبينكم .

المبرد : كان ينبغي أن يقال : لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم .

محمد بن يزيد .

أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة .

ابن العربي : لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ذلك ، بل أمروا بالصفح والهجر الجميل ، وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم .

وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له سلام عليك .قلت : هذا القول أشبه بدلائل السنة .

وقد بينا في سورة ( مريم ) اختلاف العلماء في جواز التسليم على الكفار ، فلا حاجة إلى دعوى النسخ ; والله أعلم .

وقد ذكر النضر بن شميل قال حدثني الخليل قال : أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت ، فإذا هو على سطح ، فلما سلمنا رد علينا السلام وقال لنا : استووا .

وبقينا متحيرين ولم ندر ما قال .

فقال لنا أعرابي إلى جنبه : أمركم أن ترتفعوا .

قال الخليل : هو من قول الله عز وجل : ثم استوى إلى السماء وهي دخان فصعدنا إليه فقال : هل لكم في خبز فطير ، ولبن هجير ، وماء نمير ؟

فقلنا : الساعة فارقناه .

فقال : سلاما .

فلم ندر ما قال .

قال : فقال الأعرابي : إنه سألكم متاركة لا خير فيها ولا شر .

فقال الخليل : هو من قول الله عز وجل : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .

قال ابن عطية : ورأيت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي - وكان من المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه - قال يوما بحضرة المأمون وعنده جماعة : كنت أرى علي بن أبي طالب في النوم فكنت أقول له من أنت ؟

فكان يقول : علي بن أبي طالب .

فكنت [ ص: 69 ] أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عبورها .

فكنت أقول : إنما تدعي هذا الأمر بامرأة ونحن أحق به منك .

فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه .

قال المأمون : وبماذا جاوبك ؟

قال : فكان يقول لي : سلاما .

قال الراوي : فكأن إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت .

فنبه المأمون على الآية من حضره وقال : هو والله يا عم علي بن أبي طالب ، وقد جاوبك بأبلغ جواب ، فخزي إبراهيم واستحيا .

وكانت رؤيا لا محالة صحيحة .

تفسير السعدي · عبد الرحمن بن ناصر السعدي

العبودية لله نوعان: عبودية لربوبيته فهذه يشترك فيها سائر الخلق مسلمهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، فكلهم عبيد لله مربوبون مدبرون { إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } وعبودية لألوهيته وعبادته ورحمته وهي عبودية أنبيائه وأوليائه وهي المراد هنا ولهذا أضافها إلى اسمه " الرحمن " إشارة إلى أنهم إنما وصلوا إلى هذه الحال بسبب رحمته، فذكر أن صفاتهم أكمل الصفات ونعوتهم أفضل النعوت، فوصفهم بأنهم { يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا } أي: ساكنين متواضعين لله والخلق فهذا وصف لهم بالوقار والسكينة والتواضع لله ولعباده.

{ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ } أي: خطاب جهل بدليل إضافة الفعل وإسناده لهذا الوصف، { قَالُوا سَلَامًا } أي: خاطبوهم خطابا يسلمون فيه من الإثم ويسلمون من مقابلة الجاهل بجهله.

وهذا مدح لهم، بالحلم الكثير ومقابلة المسيء بالإحسان والعفو عن الجاهل ورزانة العقل الذي أوصلهم إلى هذه الحال

تفسير البغوي · أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي

قوله - عز وجل - : ) ( وعباد الرحمن ) أي : أفاضل العباد .

وقيل : هذه الإضافة للتخصيص والتفضيل ، وإلا فالخلق كلهم عباد الله .

( الذين يمشون على الأرض هونا ) أي : بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين ولا مرحين ، ولا متكبرين .

وقال الحسن : علماء وحكماء .

وقال محمد بن الحنفية : أصحاب وقار وعفة لا يسفهون ، وإن سفه عليهم حلموا ، و " الهون " في اللغة : الرفق واللين .

( وإذا خاطبهم الجاهلون ) يعني السفهاء بما يكرهون ، ) ( قالوا سلاما ) قال مجاهد : سدادا من القول .

وقال مقاتل بن حيان : قولا يسلمون فيه من الإثم .

وقال الحسن : إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا ، وليس المراد منه السلام المعروف .

وروي عن الحسن : معناه سلموا عليهم ، دليله قوله - عز وجل - : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ( القصص - 55 ) .

قال الكلبي وأبو العالية : هذا قبل أن يؤمر بالقتال ، ثم نسختها آية القتال .

وروي عن الحسن البصري أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال : هذا وصف نهارهم ، ثم قرأ ( والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ) قال : هذا وصف ليلهم .

تفسير الجلالين · جلال الدين المحلي وجلال الدين السيوطي

«وعباد الرحمن» مبتدأ وما بعده صفات له إلى أولئك يجزون غير المعترض فيه «الذي يمشون على الأرض هوْنا» أي بسكينة وتواضع «وإذا خاطبهم الجاهلون» بما يكرهونه «قالوا سلاما» أي قولا يَسلمون فيه من الإثم.

التفسير الميسر · نخبة من العلماء (مجمع الملك فهد)

وعباد الرحمن الصالحون يمشون على الأرض بسكينة متواضعين، وإذا خاطبهم الجهلة السفهاء بالأذى أجابوهم بالمعروف من القول، وخاطبوهم خطابًا يَسْلَمون فيه من الإثم، ومن مقابلة الجاهل بجهله.

التفسير الوسيط · محمد سيد طنطاوي

بعد كل ذلك جاء الحديث عن عباد الرحمن ، أصحاب المناقب الحميدة ، والصفات الكريمة ، والمزايا التى جعلتهم يتشرفون بالانتساب إلى خالقهم جاء قوله - تعالى - : ( وَعِبَادُ .

.

.

) .هؤلاء هم عباد الرحمن ، وتلك هى صفاتهم التى ميزتهم عن سواهم .وقد افتتحت هذه الآيات بقوله - تعالى - : ( وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً .

.

) .وهذه الجملة الكريمة مبتدأ .

والخبر قوله - تعالى - : ( أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ .

.

) وما بينهما من الموصولات صفات لهم .وإضافتهم إلى الرحمن من باب التشريف والتكريم والتفضيل .و " هونا " مصدر بمعنى اللين والرفق .

.

.

وهو صفة لموصوف محذوف .أى : وعباد الرحمن الذين رضى الله عنهم وأرضاهم ، من صفاتهم أنهم يمشون على الأرض مشيا لينا رقيقا ، لا تكلف فيه ولا خيلاء ولا تصنع فيه ولا ضعف ، وإنما مشيهم تكسوه القوة والجد ، والوقار والسكينة .قال الإمام ابن كثير : أى : يمشون بسكينة ووقار .

.

.

كما قال - تعالى - : ( وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض وَلَن تَبْلُغَ الجبال طُولاً ) وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى من التصانع ، تصنعا ورياء ، فقد كان سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب - أى : من موضع منحدر - وكأنما الأرض تطوى له ، وعندما رأى عمر - رضى الله عنه - شابا يمشى رويدا قال له : ما بالك؟

أأنت مريض؟

قال : لا فعلاه بالدرة ، وأمره أن يسير بقوة .

.

.هذا هو شأنهم فى مشيهم ، أما شأنهم مع غيرهم ، فقد وصفهم - سبحانه - بقوله : ( وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً )أى : إذا خاطبهم الجاهلون بسفاهة وسوء أدب ، لم يقابلوهم بالمثل ، بل يقابلوهم بالقول الطيب ، كما قال - تعالى - فى آية أخرى : ( وَإِذَا سَمِعُواْ اللغو أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لاَ نَبْتَغِي الجاهلين ).

تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) · فخر الدين الرازي

اعلم أن قوله: ﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ مبتدأ خبره في آخر السورة كأنه قيل وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة، ويجوز أن يكون خبره ﴿ الذين يَمْشُونَ ﴾ ، واعلم أنه سبحانه خص اسم العبودية بالمشتغلين بالعبودية، فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات، وقرئ ﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ واعلم أنه سبحانه وصفهم بتسعة أنواع من الصفات: الصفة الأولى: قوله: ﴿ الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ وهذا وصف سيرتهم بالنهار وقرئ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ ﴿ هَوْناً ﴾ حال أو صفة للمشي بمعنى هينين أو بمعنى مشياً هيناً، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة، والهون الرفق واللين ومنه الحديث أحبب حبيبك هوناً ما وقوله: المؤمنون هينون لينون والمعنى أن مشيهم يكون في لين وسكينة ووقار وتواضع، ولا يضربون بأقدامهم (ولا يخفقون بنعالهم) أشراً وبطراً، ولا يتبخترون لأجل الخيلاء كما قال: ﴿ وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحًا  ﴾ وعن زيد بن أسلم التمست تفسير ﴿ هَوْناً ﴾ فلم أجد، فرأيت في النوم فقيل لي هم الذين لا يريدون الفساد في الأرض، وعن ابن زيد لا يتكبرون ولا يتجبرون ولا يريدون علواً في الأرض.

الصفة الثانية: قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ معناه لا نجاهلكم ولا خير بيننا ولا شر أي نسلم منكم تسليماً، فأقيم السلام مقام التسليم، ثم يحتمل أن يكون مرادهم طلب السلامة والسكوت، ويحتمل أن يكون المراد التنبيه على سوء طريقتهم لكي يمتنعوا، ويحتمل أن يكون مرادهم العدول عن طريق المعاملة، ويحتمل أن يكون المراد إظهار الحلم في مقابلة الجهل، قال الأصم: ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ أي سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم لأبيه: ﴿ سلام عَلَيْكَ  ﴾ ثم قال الكلبي وأبو العالية نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في العقل والشرع وسبب لسلامة العرض والورع.

الصفة الثالثة: قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ واعلم أنه تعالى لما ذكر سيرتهم في النهار من وجهين: أحدهما: ترك الإيذاء، وهو المراد من قوله: ﴿ يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ والآخر تحمل التأذي، وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُواْ سَلاَماً ﴾ فكأنه شرح سيرتهم مع الخلق في النهار، فبين في هذه الآيات سيرتهم في الليالي عند الاشتغال بخدمة الخالق وهو كقوله: ﴿ تتجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ المضاجع  ﴾ ثم قال الزجاج: كل من أدركه الليل قيل بات وإن لم ينم كما يقال بات فلان قلقاً، ومعنى ﴿ يِبِيتُونَ لِرَبّهِمْ ﴾ أن يكونوا في لياليهم مصلين، ثم اختلفوا فقال بعضهم: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل، فقد بات ساجداً وقائماً، وقيل ركعتين بعد المغرب وأربعاً بعد العشاء الأخيرة، والأولى أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره يقال فلان يظل صائماً ويبيت قائماً، قال الحسن يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون له وجوههم تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم.

الصفة الرابعة: قوله: ﴿ والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا اصرف عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما يقولون في سجودهم وقيامهم هذا القول، وقال الحسن خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل فرقاً من عذاب جهنم، وقوله: ﴿ غَرَاماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً، ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، ويقال فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن، وسأل نافع بن الأزرق ابن عباس عن الغرام فقال هو الموجع، وعن محمد بن كعب في ﴿ غَرَاماً ﴾ أنه سأل الكفار ثمن نعمه فما أدوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار، واعلم أنه تعالى وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم كقوله: ﴿ والذين يُؤْتُونَ مَا ءاتَواْ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ  ﴾ .

أما قوله تعالى: ﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ فقوله: ﴿ سَاءتْ ﴾ في حكم بئست وفيها ضمير مبهم تفسيره (مستقراً)، والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي (وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم إن وجعلها خبراً، لها، ويجوز أن يكون ساءت بمعنى أحزنت، وفيها ضمير اسم إن) ومستقراً حال أو تمييز، فإن قيل دلت الآية على أنهم سألوا الله تعالى أن يصرف عنهم عذاب جهنم لعلتين: إحداهما أن عذابها كان غراماً، وثانيهما: أنها ساءت مستقراً ومقاماً، فما الفرق بين الوجهين؟

وأيضاً فما الفرق بين المستقر والمقام؟

قلنا المتكلمون ذكروا أن عقاب الكافر يجب أن يكون مضرة خالصة عن شوائب النفع دائمة، فقوله: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ إشارة إلى كونه مضرة خالصة عن شوائب النفع، وقوله: ﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ إشارة إلى كونها دائمة، ولا شك في المغايرة، أما الفرق بين المستقر والمقام فيحتمل أن يكون المستقر للعصاة من أهل الإيمان فإنهم يستقرون في النار ولا يقيمون فيها، وأما الإقامة فللكفار، واعلم أن قوله: ﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ يمكن أن يكون من كلام الله تعالى ويمكن أن يكون حكاية لقولهم.

الصفة الخامسة: قوله: ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ قرئ ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ بكسر التاء وضمها ويقتروا بضم الياء وتخفيف القاف وكسر التاء وأيضاً بضم الباء وفتح القاف وكسر التاء وتشديدها وكلها لغات.

والقتر والإقتار والتقتير التضييق الذي هو نقيض الإسراف، والإسراف مجاوزة الحد في النفقة.

وذكر المفسرون في الإسراف والتقتير وجوهاً: أحدها: وهو الأقوى أنه تعالى وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير وبمثله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط  ﴾ وعن وهيب بن الورد قال لعالم: ما البناء الذي لا سرف فيه؟

قال: ما سترك عن الشمس وأكنك من المطر، فقال له فما الطعام الذي لا سرف فيه؟

قال ما سد الجوعة، فقال له في اللباس، قال ما ستر عورتك ووقاك من البرد، وروي أن رجلاً صنع طعاماً في إملاك فأرسل إلى الرسول عليه السلام فقال: «حق فأجيبوا» ثم صنع الثانية فأرسل إليه فقال: «حق فمن شاء فليجب وإلا فليقعد» ثم صنع الثالثة فأرسل إليه فقال: «رياء ولا خير فيه».

وثانيها: وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك أن الإسراف الإنفاق في معصية الله تعالى، والإقتار منع حق الله تعالى، قال مجاهد: لو أنفق رجل مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله تعالى لم يكن سرفاً ولو أنفق صاعاً في معصية الله تعالى كان سرفاً، وقال الحسن لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عما ينبغي، وذلك قد يكون في الإمساك عن حق الله، وهو أقبح التقتير، وقد يكون عما لا يجب، ولكن يكون مندوباً مثل الرجل الغني الكثير المال إذا منع الفقراء من أقاربه.

وثالثها: المراد بالسرف مجاوزة الحد في التنعم والتوسع في الدنيا، وإن كان من حلال، فإن ذلك مكروه لأنه يؤدي إلى الخيلاء، والإقتار هو التضييق فالأكل فوق الشبع بحيث يمنع النفس عن العبادة سرف وإن أكل بقدر الحاجة فذاك إقتار، وهذه الصفة صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، ولكن كانوا يأكلون ما يسد جوعهم ويعينهم على عبادة ربهم، ويلبسون ما يستر عوراتهم ويصونهم من الحر والبرد، وهاهنا مسألتان: المسألة الأولى: القوام قال ثعلب: القوام بالفتح العدل والاستقامة، وبالكسر ما يدوم عليه الأمر ويستقر، قال صاحب الكشاف: القوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء، وقرئ ﴿ قَوَاماً ﴾ بالكسر وهو ما يقام به الشيء، يقال أنت قوامنا، يعني ما يقام به الحاجة لا يفضل عنه ولا ينقص.

المسألة الثانية: المنصوبان أعني ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ جائز أن يكونا خبرين معاً، وأن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً، وأن يكون الظرف خبراً وقواماً حالاً مؤكدة، قال الفراء: وإن شئت جعلت ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ اسم كان، كما تقول كان دون هذا كافياً، تريد أقل من ذلك، فيكون معنى ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ ، أي كان الوسط من ذلك قواماً، أي عدلاً، وهذا التأويل ضعيف، لأن القوام هو الوسط فيصير التأويل، وكان الوسط وسطاً وهذا لغو.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الكشاف (الزمخشري) · جار الله الزمخشري

﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ مبتدأ خبره في آخر السورة، كأنه قيل: وعباد الرحمن الذين هذه صفاتهم أولئك يجزون الغرفة.

ويجوز أن يكون خبره ﴿ الذين يَمْشُونَ ﴾ وأضافهم إلى الرحمن تخصيصاً وتفضيلاً.

وقرئ: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وقرئ: ﴿ يمشون ﴾ ﴿ هَوْناً ﴾ حال، أو صفة للمشي، بمعنى: هينين.

أو: مشياً هيناً؛ إلا أنّ في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة.

والهون: الرفق واللين.

ومنه الحديث: «أحبب حبيبك هوناً مّا» وقوله: «المؤمنون هينون لينون» والمثل: إذا عزّ أخوك فهن.

ومعناه: إذا عاسر فياسر.

والمعنى: أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع، لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً، ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ﴿ وَيَمْشُونَ فِي الاسواق ﴾ [الفرقان: 20] .

﴿ سَلاَماً ﴾ تسلماً منكم لانجاهلكم، ومتاركة لا خير بيننا ولا شرّ، أي: نتسلم منكم تسلماً، فأقيم السلام مقام التسلم.

وقيل: قالوا: سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء، والإثم.

والمراد بالجهل: السفه وقلة الأدب وسوء الرعة، من قوله: أَلاَ يَجْهَلنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا ** فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا وعن أبي العالية: نسختها آية القتال، ولا حاجة إلى ذلك، لأنّ الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع.

<div class="verse-tafsir"

تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل) · ناصر الدين البيضاوي

﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ ﴾ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ ﴾ أوْ: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ ﴾ وإضافَتُهم إلى الرَّحْمَنِ لِلتَّخْصِيصِ والتَّفْضِيلِ، أوْ لِأنَّهُمُ الرّاسِخُونَ في عِبادَتِهِ عَلى أنَّ عِبادَ جَمْعُ عابِدٍ كَتاجِرٍ وتُجّارٍ.

﴿ هَوْنًا ﴾ هَيِّنِينَ أوْ مَشْيًا هَيِّنًا مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ والمَعْنى أنَّهم يَمْشُونَ بِسَكِينَةٍ وتَواضُعٍ ﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ تَسَلُّمًا مِنكم ومُتارَكَةً لَكم لا خَيْرَ بَيْنَنا ولا شَرَّ، أوْ سَدادًا مِنَ القَوْلِ يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الإيذاءِ والإثْمِ، ولا يُنافِيهِ آيَةُ القِتالِ لِتَنْسَخَهُ فَإنَّ المُرادَ بِهِ الإغْضاءُ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكُ مُقابَلَتِهِمْ في الكَلامِ.

﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا ﴾ في الصَّلاةِ، وتَخْصِيصُ البَيْتُوتَةِ لِأنَّ العِبادَةَ بِاللَّيْلِ أحْمَزُ وأبْعَدُ عَنِ الرِّياءِ وتَأْخِيرُ القِيامِ لِلرَّوِيِّ وهو جَمْعُ قائِمٍ أوْ مَصْدَرٌ أُجْرِيَ مَجْراهُ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير النسفي (مدارك التنزيل) · أبو البركات النسفي

{وعباد الرّحمن} مبتدأ خبره {الذين يمشون} أو أولئك يجزون والذين يمشون وما بعدهما صفة والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل وصف أولياءه بعدما وصف أعداءه {على الأرض هوناً} حال أو صفة للمشي أي هينين أو مشياً هيناً والهون الرفق واللين أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون

الفرقان (٦٧ - ٦٣)

مرح واختيال وتكبر فلا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله ويمشون في الأسواق {وإذا خاطبهم الجاهلون} أي السفهاء بما يكرهون {قالوا سلاماً} سداداً من القول

يسلمون فيه من الإيذاء والإفك أو تسلماً منكم نتارككم ولا تجاهلكم فأقيم السلام مقام التسلم وقيل نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ذلك فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعاً ومروءة هذا وصف نهارهم ثم وصف ليلهم بقوله

تفسير الألوسي (روح المعاني) · شهاب الدين الألوسي

﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ والهَوْنُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى اللِّينِ والرِّفْقِ، ونَصْبُهُ إمّا عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ أيْ مَشْيًا هَوْنًا، أوْ عَلى أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ ﴿ يَمْشُونَ ﴾ والمُرادُ: يَمْشُونَ هَيِّنِينَ في تَؤُدَةٍ وسَكِينَةٍ ووَقارٍ وحُسْنِ سَمْتٍ، لا يَضْرِبُونَ بِأقْدامِهِمْ ولا يَخْفُقُونَ بِنِعالِهِمْ أشَرًا وبَطَرًا، ورَوِيَ نَحْوُ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، وغَيْرِهِمْ.

وعَنِ الإمامِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّ الهَوْنَ مَشْيُ الرَّجُلِ بِسَجِيَّتِهِ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْها لا يَتَكَلَّفُ ولا يَتَبَخْتَرُ.

وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرَةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ تَعالى، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعالى أقْوامًا بِقَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿ وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ.

وقِيلَ: المَشْيُ الهَوْنُ مُقابِلُ السَّرِيعِ وهو مَذْمُومٌ، فَقَدْ أخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ  : ««سُرْعَةَ المَشْيِ تُذْهِبُ بَهاءَ المُؤْمِنِ»».

وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ أنَّ ﴿ هَوْنًا ﴾ بِمَعْنى حُلَماءَ بِالسُّرْيانِيَّةِ، فَيَكُونُ حالًا لا غَيْرُ، والظّاهِرُ أنَّهُ عَرَبِيٌّ بِمَعْنى اللِّينِ والرِّفْقِ، وفَسَّرَهُ الرّاغِبُ بِتَذَلُّلِ الإنْسانِ في نَفْسِهِ لِما لا يُلْحِقُ بِهِ غَضاضَةً وهو المَمْدُوحُ، ومِنهُ الحَدِيثُ ««المُؤْمِنُ هَيِّنٌ لَيِّنٌ»».

والظّاهِرُ بَقاءُ المَشْيِ عَلى حَقِيقَتِهِ، وأنَّ المُرادَ مَدْحَهم بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ فِيهِ مِن غَيْرِ تَعْمِيمٍ، نَعَمْ يَلْزَمُ مِن كَوْنِهِمْ يَمْشُونَ كَذَلِكَ أنَّهم هَيِّنُونَ لَيِّنُونَ في سائِرِ أُمُورِهِمْ بِحُكْمِ العادَةِ عَلى ما قِيلَ.

واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنَّ المُرادَ مَدْحُهم بِعَدَمِ الخُشُونَةِ والفَظاظَةِ في سائِرِ أُمُورِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، والمُرادُ أنَّهم يَعِيشُونَ بَيْنَ النّاسِ هَيِّنِينَ في كُلِّ أُمُورِهِمْ، وذِكْرُ المَشْيِ لِما أنَّهُ انْتِقالٌ في الأرْضِ، وهو يَسْتَدْعِي مُعاشَرَةَ النّاسِ ومُخالَطَتَهُمْ، واللِّينُ مَطْلُوبٌ فِيها غايَةَ الطَّلَبِ.

ثُمَّ قالَ: وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ مَدْحَهم بِالمَشْيِ وحْدَهُ هَوْنًا فَباطِلٌ، فَكَمْ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذِئْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ كانَ  يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - الصَّدْرُ في هَذِهِ الآيَةِ، وفِيهِ بَحْثٌ مِن وجْهَيْنِ فَلا تَغْفُلْ، وقَرَأ اليَمانِيُّ والسُّلَمِيُّ: (يُمَشُّونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدًا.

﴿ وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ ﴾ أيِ السُّفَهاءُ، وقَلِيلُو الأدَبِ كَما في قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا فَنَجْهَلُ فَوْقَ جَهْلِ الجاهِلِينا ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ بَيانٌ لِحالِهِمْ في المُعامَلَةِ مَعَ غَيْرِهِمْ إثْرَ بَيانِ حالِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، أوْ بَيانٌ لِحُسْنِ مُعامَلَتِهِمْ، وتَحْقِيقٌ لِلِينِهِمْ عِنْدَ تَحَقُّقِ ما يَقْتَضِي خِلافَ ذَلِكَ إذا خُلِّيَ الإنْسانُ وطَبْعَهُ، أيْ: إذا خاطَبُوهم بِالسُّوءِ قالُوا تَسَلُّمًا مِنكم ومُتارَكَةً لا خَيْرَ بَيْنَنا وبَيْنَكم ولا شَرَّ.

فَـ(سَلامًا) مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ التَّسْلِيمِ، وهو مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِفِعْلِهِ المُضْمَرِ، والتَّقْدِيرُ: نَتَسَلَّمُ تَسَلُّمًا مِنكُمْ، والجُمْلَةُ مَقُولُ القَوْلِ، وإلى هَذا ذَهَبَ سِيبَوَيْهِ في الكِتابِ، ومَنَعَ أنْ يُرادَ السَّلامُ المَعْرُوفُ بِأنَّ الآيَةَ مَكِّيَّةٌ والسَّلامَ في النِّساءِ وهي مَدَنِيَّةٌ، ولَمْ يُؤْمَرِ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ أنْ يُسَلِّمُوا عَلى المُشْرِكِينَ.

وقالَ الأصَمُّ: هو سَلامُ تَوْدِيعٍ لا تَحِيَّةٍ كَقَوْلِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِأبِيهِ ﴿ سَلامٌ عَلَيْكَ ﴾ ولا يَخْفى أنَّهُ راجِعٌ إلى المُتارَكَةِ وهو كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وقالَ مُجاهِدٌ: المُرادُ قالُوا قَوْلًا سَدِيدًا.

وتُعُقِّبَ بِأنَّ هَذا تَفْسِيرٌ غَيْرُ سَدِيدٍ؛ لِأنَّ المُرادَ هاهُنا يَقُولُونَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ لا أنَّهم يَقُولُونَ قَوْلًا ذا سَدادٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ سَلامٌ عَلَيْكم لا نَبْتَغِي الجاهِلِينَ ﴾ ورَدَّهُ صاحِبُ الكَشْفِ بِأنَّ تِلْكَ الآيَةَ لا تُخالِفُ هَذا التَّفْسِيرَ؛ فَإنَّ قَوْلَهُمْ: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ) مِن سَدادِ القَوْلِ أيْضًا، كَيْفَ والظّاهِرُ أنَّ خُصُوصَ اللَّفْظِ غَيْرُ مَقْصُودٍ بَلْ هو أوْ ما يُؤَدِّي مُؤَدّاهُ أيْضًا مِن كُلِّ قَوْلٍ يَدُلُّ عَلى المُتارَكَةِ مَعَ الخُلُوِّ عَنِ الإثْمِ واللَّغْوِ وهو حَسَنٌ لا غُبارَ عَلَيْهِ.

وفِي بَعْضِ التَّوارِيخِ - كَما في البَحْرِ - أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ كانَ مُنْحَرِفًا عَنْ عَلِيٍّ - كَرَّمَ اللَّهُ تَعالى وجْهَهُ - فَرَآهُ في النَّوْمِ قَدْ تَقَدَّمَ إلى عُبُورِ قَنْطَرَةٍ فَقالَ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَحُكِيَ ذَلِكَ عَلى المَأْمُونِ، ثُمَّ قالَ: ما رَأيْتُ لَهُ بَلاغَةً في الجَوابِ كَما يُذْكَرُ عَنْهُ، فَقالَ لَهُ المَأْمُونُ: فَما أجابَكَ بِهِ؟

قالَ: كانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، فَقالَ المَأْمُونُ: يا عَمِّ قَدْ أجابَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، ونَبَّهَهُ عَلى هَذِهِ الآيَةِ فَخَزِيَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيى، عَلَيْهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى ما يَسْتَحِقُّ.

والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ مَدْحُهم بِالإغْضاءِ عَنِ السُّفَهاءِ وتَرْكِ مُقابَلَتِهِمْ في الكَلامِ، ولا تَعَرُّضَ في الآيَةِ لِمُعامَلَتِهِمْ مَعَ الكَفَرَةِ فَلا تُنافِي آيَةَ القِتالِ لِيُدَّعى نَسْخُها بِها لِأنَّها مَكِّيَّةٌ وتِلْكَ مَدَنِيَّةٌ، ونُقِلَ عَنْ أبِي العالِيَةِ - واخْتارَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ - أنَّها نُسِخَتْ بِالنَّظَرِ إلى الكَفَرَةِ بِآيَةِ القِتالِ.

<div class="verse-tafsir"

تفسير السمرقندي (بحر العلوم) · أبو الليث السمرقندي

قوله عز وجل: تَبارَكَ وقد ذكرناه الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً يعني: خلق في السماء بروجاً، يعني: نجوماً وكواكب.

ويقال: قصوراً.

وذكر أنه جعل في القصور حراساً، كما قال في موضع آخر: وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً [الجن: 8] الآية.

ويقال: البروج الكواكب العظام، وكل ظاهر مرتفع فهو برج، وإنما قيل لها بروج لظهورها وارتفاعها، ثم قال تعالى: وَجَعَلَ فِيها يعني: خلق فيها سِراجاً يعني: شمساً وَقَمَراً مُنِيراً يعني: منوراً مضيئاً.

قرأ حمزة والكسائي سُرُجاً بلفظ الجمع، يعني: الكواكب.

وقرأ الباقون سِراجاً وبه قال أبو عبيدة: بهذا نقرأ.

كقوله: وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً ولأنه قد ذكر الكواكب بقوله: بُرُوجاً.

ثم قال عز وجل: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ أي: خلق الليل والنهار خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي خليفة يخلف كل واحد منهما صاحبه.

يذهب الليل ويجيء النهار، ويذهب النهار ويجيء الليل، ويقال: خِلْفَةً يعني: مخالفاً بعضه لبعض، أحدهما أبيض، والآخر أسود، فهما مختلفان كقوله عز وجل: إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ الآية.

وروي عن الحسن أنه قال: النهار خلف من الليل لمن أراد أن يعمل بالليل فيفوته فيقضي، فإذا فاته بالنهار يقضي بالليل لمن أراد أن يذكر.

قرأ حمزة يَذَّكَّرَ بالتخفيف في الذال، وضم الكاف.

يعني: يذكر ما نسي إذا رأى اختلاف الليل والنهار.

وقرأ الباقون بالتشديد وأصله: يتذكر يعني: يتعظ في اختلافهما، ويستدل بهما أَوْ أَرادَ شُكُوراً يعني: العمل الصالح ويترك ما هو عليه من المعصية.

ويقال: أَوْ أَرادَ شُكُوراً، أي توحيداً وإقراراً، فيمكنه ذلك.

قوله عز وجل: وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ يعني: وإن من عباد الرحمن عباداً يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً يعني: يمضون متواضعين، وهذا جواب لقولهم وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ؟

فقال: الرحمن الذي جعل في السماء بروجاً، وهو الذي له عباد مثل هؤلاء.

يعني: أصحاب النبيّ  ، ومن كان مثل حالهم، وهذا كقوله: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ [مريم: 61] وكقوله: فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ [الزمر: 17] الآية.

وقال مجاهد: يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً قال: في طاعة الله متواضعين.

ويقال: هَوْناً، أي: هيناً لا جور منهم على أحد ولا أذى.

ويقال: هَوْناً يعني: سكينة ووقاراً وحلماً.

وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ يعني: كلمهم الجاهلون بالجهل قالُوا سَلاماً يعني: سداداً من القول.

ويقال: ردوا إليهم بالجميل.

وقال الحسن: يعني: حلماً لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا.

وقال الكلبي: نسخت بآية القتال.

وقال بعضهم: هذا خطأ، لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خير من حالهم، والنسخ يجري في الأمر والنهي.

ثُمَّ وصف حال لياليهم فقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً يعني: يقومون بالليل في الصلاة سجداً وَقِياماً يعني: يكونون في ليلتهم مرة ساجدين، ومرة قائمين.

وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: «من صلى ركعتين أو أربعاً بعد العشاء، فقد بات لله ساجداً وقائماً» .

ثم وصف خوفهم فقال: إنهم مع جهدهم خائفون من عذاب الله عز وجل، ويتعوذون منه فقال عز وجل: وَالَّذِينَ يَقُولُونَ يعني: عباد الرحمن رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً يعني: لازماً لا يفارق صاحبه.

وقال بعض أهل اللغة: الغرام في اللغة أشد العذاب.

وقال محمد بن كعب القرظي: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً.

قال: سألهم ثمن النعم، فلم يأتوا بثمنها، فأغرمهم ثمن النعم، وأدخلهم النار، ثم قال: إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً يعني: بئس المستقر، وبئس الخلود، والمقام الخلود كقوله: دارَ الْمُقامَةِ [فاطر: 35] يعني: دار الخلود.

ويقال: نصب المستقر للتمييز، ومعناه: لأنها ساءت في المستقر.

ثم قال عز وجل: وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وقرأ نافع وابن عامر يَقْتُرُوا بضم الياء وكسر التاء.

وقرأ ابن كثير وأبو عمرو لَمْ يَقْتُرُوا بنصب الياء وكسر التاء.

وقرأ أهل الكوفة بنصب الياء وضم التاء، ومعنى ذلك كله واحد.

يعني: لم يسرفوا، فينفقوا في معصية الله تعالى، ولم يقتروا فيمسكوا عن الطاعة وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً يعني: بين ذلك عدلاً ووسطاً.

وقال الحسن: ما أنفق الرجل على أهله في غير إسراف ولا فساد ولا إقتار، فهو في سبيل الله تعالى.

وقال مجاهد: لو كان لرجل مثل أبي قبيس ذهباً، فأنفقه في طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في معصية الله تعالى كان مسرفا.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الثعالبي (الجواهر الحسان) · عبد الرحمن الثعالبي

قال أبو حيان «١» : والظاهر تعلق به فَسْئَلْ وبقاء الباء على بابها، وخَبِيراً من صفاته تعالى، نحو: لَقِيتُ بِزَيْدٍ أَسَداً، أي: أَنَّهُ الأَسَدُ شجاعةً، والمعنى: فاسألِ اللهَ الخبير بالأشياء، انتهى.

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ يعني أَنَّ كفار قريش قالوا: ما نعرف الرحمن إلاَّ رحمن اليمامة، وهو مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابَ، وكان مُسَيْلَمَةُ تَسَمَّى بالرحمن.

أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ هذا اللفظُ نُفُوراً والبروج هي التي عَلِمْتَها العرب، وهي المشهورة عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله: وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ [يس: ٣٩] .

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣)

وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً أي: هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يخلف هذا، قال مجاهد وغيره: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أي: يعتبر بالمصنوعات ويشكرَ الله تعالى على آلائه «٢» ، وقال عمر وابن عباس والحسن: معناه: لمن أراد أَنْ يَذْكُرَ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه «٣» ، وقرأ حمزة «٤» وحده: «يذْكُرُ» بسكون الذال وضم الكاف، ثم لما قال تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً جاء بصفات عباده الذين هم أهل التذكرة والشكور.

وقوله: الَّذِينَ يَمْشُونَ.

[خبر مبتدإ، والمعنى: وعباده حَقُّ عباده هم الذين يمشون.

وقوله: يَمْشُونَ «١» عَلَى الْأَرْضِ عبارة عن عيشهم ومدّة حياتهم وتصرّفاتهم، وهَوْناً بمعنى أَنَّ أمرهم كله هَيِّنُ، أي: ليِّنٌ حسن قال مجاهد «٢» : بالحلم والوقار.

وقال ابن عباس «٣» : بالطاعة والعَفَاف والتواضع، وقال الحسن «٤» : حُلَمَاءُ، إنْ جُهلَ عليهم لم يجهلوا.

قال الثعلبيُّ: قال الحسن «٥» : يمشون حلماء علماء مثلَ الأنبياء، لا يؤذون الذَّرَّ في سكونٍ وتواضع وخشوع، وهو ضدُّ المُخْتَالُ الفخور الذي يختال في مشيه، اه.

قال عياض في صفة نَبِيِّنا محمد صلى الله عليه وسلّم: يخطو تكفُّؤاً «٦» ، ويمشي هوناً، كأنَّما ينحطُّ من صبب، انتهى من «الشفا» .

قال أبو حيان «٧» : هَوْناً: نعت لمصدر محذوف، أي: مشياً هوناً، أو حال، أي:

هَيِّنِينَ، انتهى، وروى الترمذيُّ عن ابن مسعود أنّ النبي صلى الله عليه وسلّم قال: «أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ؟

على كُلِّ قَرِيبٍ هَيِّنٍ، سَهْلٍ» «٨» ، قال أَبو عيسى: هذا

زاد المسير (ابن الجوزي) · جمال الدين ابن الجوزي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ ﴾ وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ، وابْنُ السَّمَيْفَعِ: " يُمَشَّوْنَ " بِرَفْعِ الياءِ وفَتْحِ المِيمِ والشِّينِ وبِالتَّشْدِيدِ.

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: إنَّما نَسَبُهم إلَيْهِ لِاصْطِفائِهِ إيّاهم كَقَوْلِهِ: ﴿ ناقَةُ اللَّهِ  ﴾ ، ومَعْنى " هَوْنًا " مَشْيًا رُوَيْدًا، ومِنهُ يُقالُ: أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما.

وقالَ مُجاهِدٌ: يَمْشُونَ بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ.

﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ: سَدادًا.

وقالَ الحَسَنُ: لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلِمُوا.

وقالَ مُقاتِلُ بْنُ حَيّانَ: ﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ أيْ: قَوْلًا يَسْلَمُونَ فِيهِ مِنَ الإثْمِ.

وهَذِهِ الآيَةُ مُحْكَمَةٌ عِنْدَ الأكْثَرِينَ.

وزَعَمَ قَوْمٌ أنَّ المُرادَ بِها أنَّهم يَقُولُونَ لِلْكُفّارِ: لَيْسَ بَيْنَنا وبَيْنَكم غَيْرُ السَّلامِ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِآيَةِ السَّيْفِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ مَن أدْرَكَهُ اللَّيْلُ فَقَدْ باتَ، نامَ أوْ لَمْ يَنَمْ؛ يُقالُ: باتَ فُلانٌ قَلِقًا، إنَّما المَبِيتُ إدْراكُ اللَّيْلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ كانَ غَرامًا ﴾ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ مُتَقارِبٌ مَعانِيها.

أحَدُها: دائِمًا، رَواهُ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ  .

والثّانِي: مُوجِعًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: مُلِحًّا، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ؛ وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لا يُفارِقُ.

والرّابِعُ: هَلاكًا، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ.

والخامِسُ: أنَّ الغَرامَ في اللُّغَةِ: أشَدُّ العَذابِ، قالَ الشّاعِرُ: وَيَوْمَ النِّسارِ ويَوْمَ الجِفا رِ كانا عَذابًا وكانا غَرامًا قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ ساءَتْ مُسْتَقَرًّا ﴾ أيْ: بِئْسَ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرارِ ومَوْضِعُ الإقامَةِ هي.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا ﴾ وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو: " يَقْتِرُوا " مَفْتُوحَةَ الياءِ مَكْسُورَةَ التّاءِ وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: " يَقْتُرُوا " بِفَتْحِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: " يُقْتِرُوا " بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ التّاءِ.

وَفِي مَعْنى الكَلامِ قَوْلانِ.

أحَدُهُما: أنَّ الإسْرافَ: مُجاوَزَةُ الحَدِّ في النَّفَقَةِ، والإقْتارَ: التَّقْصِيرُ عَمّا لا بُدَّ مِنهُ، ويَدُلُّ عَلى هَذا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: كَفى بِالمَرْءِ سَرَفًا أنْ يَأْكُلَ كُلَّ ما اشْتَهى.

والثّانِي: [أنَّ] الإسْرافَ: الإنْفاقُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ وإنْ قَلَّ، والإقْتارَ: مَنعُ حَقِّ اللَّهِ تَعالى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ في آخَرِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَكانَ ﴾ يَعْنِي الإنْفاقَ ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أيْ: بَيْنَ الإسْرافِ والإقْتارِ ﴿ قَوامًا ﴾ أيْ: عَدْلًا؛ قالَ ثَعْلَبٌ: القَوامُ، بِفَتْحِ القافِ: الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ، وبِكَسْرِها: ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ.

<div class="verse-tafsir"

المحرر الوجيز (ابن عطية) · ابن عطية الأندلسي

قوله عزّ وجلّ: ﴿ تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَماءِ بُرُوجًا وجَعَلَ فِيها سِراجًا وقَمَرًا مُنِيرًا ﴾ ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَيْلَ والنَهارَ خِلْفَةً لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا ﴾ ﴿ وَعِبادُ الرَحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ لَمّا جَعَلَتْ قُرَيْشٌ سُؤالَها عَنِ اللهِ تَعالى وعَنِ اسْمِهِ الَّذِي هو الرَحْمَنُ سُؤالًا عن مَجْهُولٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُصَرِّحَةً بِصِفاتِهِ الَّتِي تُعَرِّفُ بِهِ، وتُوجِبُ الإقْرارَ بِأُلُوهِيَّتِهِ.

و "البُرُوجُ" هي الَّتِي عَلِمَتْها العَرَبُ بِالتَجْرِبَةِ وكُلُّ أُمَّةٍ مُصْحِرَةٍ، وهي الشُهُورُ عِنْدَ اللُغَوِيِّينَ وأهْلِ تَعْدِيلِ الأوقاتِ، وكُلُّ بُرْجٍ مِنها عَلى مَنزِلَتَيْنِ وثُلُثٍ مِن مَنازِلِ القَمَرِ الَّتِي ذَكَرَها اللهُ تَبارَكَ وتَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ والقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ  ﴾ ، والعَرَبُ تُسَمِّي البِناءَ المُرْتَفِعَ المُسْتَغْنِيَ بِنَفْسِهِ بُرْجًا تَشْبِيهًا بِبُرُوجِ السَماءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ  ﴾ ، وقالَ الأخْطَلُ: كَأنَّها بُرْجُ رُومِيٍّ يُشَيِّدُهُ بانٍ بِجِصٍّ وآجُرٍّ وأحْجارِ وقالَ بَعْضُ الناسِ في هَذِهِ الآيَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيها: البُرُوجُ: القُصُورُ في الجَنَّةِ، وقالَ الأعْمَشُ: كانَ أصْحابُ عَبْدِ اللهِ يَقْرَؤُونَها: "فِي السَماءِ قُصُورًا"، وقِيلَ: البُرُوجُ: الكَواكِبُ العِظامُ، حَكاهُ الثَعْلَبِيُّ عن أبِي صالِحٍ، وهَذا نَحْوُ ما بَيَّنّاهُ إلّا أنَّهُ غَيْرُ مُلَخَّصٍ، والقَوْلُ بِأنَّها قُصُورٌ في الجَنَّةِ يَحُطُّ غَرَضَ الآيَةِ في التَنْبِيهِ عَلى أشْياءَ مُدْرَكاتٍ تَقُومُ بِها الحُجَّةُ عَلى كُلِّ مُنْكِرٍ لِلَّهِ أو جاهِلٍ بِهِ.

وَقَرَأ الجُمْهُورُ: "سِراجًا"، وهي الشَمْسُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وعَلْقَمَةُ، والأعْمَشُ: "سُرُجًا"، وهو اسْمُ جَمِيعِ الأنْوارِ، وقَدْ خَصَّ القَمَرَ بِالذِكْرِ تَشْرِيفًا، وقَرَأ النَخَعِيُّ، وابْنُ وثّابٍ، والأعْمَشُ أيْضًا: "سُرْجًا" بِسُكُونِ الراءِ، قالَ أبُو حاتِمْ، رَوى عِصْمَةُ عَنِ الحَسَنِ: "وَقُمْرًا" بِضَمِّ القافِ ساكِنَةَ المِيمِ، ولا أدْرِي ما أرادَ إلّا أنْ يَكُونَ جَمْعًا كَثَمَرٍ وثُمُرٍ، وقالَ أبُو عَمْرٍو: وهي قِراءَةُ الأعْمَشِ، والنَخَعِيِّ.

وقَوْلُهُ: "خِلْفَةً" أيْ: هَذا يَخْلُفُ هَذا، ومِنَ المَعْنى قَوْلُ زُهَيْرٍ: بِها العَيْنُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً ∗∗∗ وأطْلاؤُها يَنْهَضْنَ مِن كُلِّ مَجْثَمِ ومِن هَذا قَوْلُ الآخَرِ يَصِفُ امْرَأةً تَنْتَقِلُ مِن مَنزِلٍ في الشِتاءِ إلى مَنزِلٍ في الصَيْفِ دَأْبًا: ولَهَـا بِالمَـاطِـرُونَ إذا ∗∗∗ أكَـلَ النَمْـلُ الَّـذِي جَمَعَـا خِلْفَـةٌ حَتَّـى إذا ارْتَبَعَتْ ∗∗∗ سَكَنَـتْ مِـنْ جِلَّـقٍ بِيَعًــا في بُيُـوتٍ وسْطَ دَسْكَرَةٍ ∗∗∗ حَـوْلَهَـا الزَيْتـُونُ قُـدْ يَنَعَـا وَقالَ مُجاهِدٌ: "خِلْفَةً" مِنَ الخِلافِ، هَذا أبْيَضُ وهَذا أسْوَدُ، نَحْوَ ما قَدَّمْناهُ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ﴾ أيْ: يَعْتَبِرَ بِالمَصْنُوعاتِ ويَشْكُرُ اللهَ تَبارَكَ وتَعالى عَلى نِعَمِهِ عَلَيْهِ في العَقْلِ والفِكْرِ والفَهْمِ، وقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ، والحَسَنُ، وابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ ما فاتَهُ مِنَ الخَيْرِ والصَلاةِ ونَحْوَهُ في أحَدِهِما فَيَسْتَدْرِكَهُ في الَّذِي يَلِيهِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "يَذْكُرَ" بِسُكُونِ الذالِ وضَمِّ الكافِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والنَخَعِيِّ، وقَرَأ الباقُونَ: "يَذَّكَّرَ" بِشَدِّ الذالِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: "يَتَذَكَّرَ" بِزِيادَةِ تاءٍ.

ثُمْ لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ أو أرادَ شُكُورًا ﴾ جاءَ بِصِفَةِ عِبادِهِ الَّذِينَ هم أهْلُ التَذَكُّرِ والشُكُورِ، و "العِبادُ" و "العَبِيدُ" بِمَعْنى، إلّا أنَّ العِبادَ تُسْتَعْمَلُ في مَواضِعِ التَنْوِيهِ، وسُمِّيَ قَوْمٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ العِبادَ لِأنَّ كِسْرى مَلَّكَهم دُونَ العَرَبِ، وقِيلَ: لِأنَّهم تَألَّهُوا مَعَ نَصارى الحِيرَةِ فَصارُوا عِبادَ اللهِ، وإلَيْهِمْ يُنْسَبُ عَدِيٌّ بْنُ زَيْدٍ العِبادِيُّ، وقَرَأ الحَسَنُ: وعُبُدُ الرَحْمَنِ، ذَكَرَهُ الثَعْلَبِيُّ.

وقَوْلُهُ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ ﴾ خَبَرُ ابْتِداءٍ، والمَعْنى: وعِبادُهُ حَقُّ عِبادِهِ هُمُ الَّذِينَ يَمْشُونَ، وقَوْلُهُ: ﴿ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ عِبارَةٌ عن عَيْشِهِمْ ومُدَّةِ حَياتِهِمْ وتَصَرُّفاتِهِمْ، فَذَكَرَ مِن ذَلِكَ المُعْظَمِ، لا سِيَّما وفي ذَلِكَ الِانْتِقالِ في الأرْضِ مُعاشَرَةُ الناسِ وخُلْطَتُهم.

ثُمْ قالَ: "هَوْنًا" بِمَعْنى أمْرُهُ كُلُّهُ هَوْنٌ، أيْ لَيِّنٌ حَسَنٌ، قالَ مُجاهِدٌ: بِالحِلْمِ والوَقارِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: بِالطاعَةِ والعَفافِ والتَواضُعِ، وقالَ الحَسَنُ: حِلْمًا، إنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَجْهَلُوا، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ "هَوْنًا" مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ ﴾ أيِ المَشْيُ هو الهَوْنُ، ويُشْبِهُ أنْ يُتَأوَّلَ هَذا عَلى أنْ تَكُونَ أخْلاقُ ذَلِكَ الماشِي هَوْنًا مُناسِبَةً لِمَشْيِهِ، فَيَرْجِعُ القَوْلُ إلى نَحْوِ ما بَيَّنّاهُ، وأمّا أنْ يَكُونَ المُرادُ صِفَةَ المَشْيِ وحْدَهُ فَباطِلٌ؛ لِأنَّهُ رُبَّ ماشٍ هَوْنًا رُوَيْدًا وهو ذُئَيْبٌ أطْلَسُ، وقَدْ «كانَ رَسُولُ اللهِ  يَتَكَفَّأُ في مَشْيِهِ كَأنَّما يَمْشِي في صَبَبٍ، وهو عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ الصَدْرُ فِي هَذِهِ الآيَةِ»، وقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: «مَن مَشى مِنكم في طَمَعٍ فَلْيَمْشِ رُوَيْدًا» إنَّما أرادَ في عَقْدِ نَفْسِهِ، ولَمْ يُرِدِ المَشْيَ وحْدَهُ، ألّا تَرى أنَّ المُبْطِلِينَ المُتَحَلِّينَ بِالدِينِ تَمَسَّكُوا بِصُورَةِ المَشْيِ فَقَطْ حَتّى قالَ فِيهِمُ الشاعِرُ ذَمًّا لَهم: كُلُّهم يَمْشِي رُوَيْـدْ ∗∗∗ كُلُّهم يَطْلُـبُ صَيْـدْ وقالَ الزُهْرِيُّ: سُرْعَةُ المَشْيِ تَذْهَبُ بِبَهاءِ الوَجْهِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: يُرِيدُ الإسْراعَ الحَثِيثَ؛ لِأنَّهُ يُخِلُّ بِالوَقارِ، والخَيْرُ في التَوَسُّطُ، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: كُنْتُ أسْألُ عن تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَبارَكَ وتَعالى: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فَما وجَدْتُ في ذَلِكَ شِفاءً، فَرَأيْتُ في النَوْمِ مَن جاءَنِي فَقالَ لِي: هُمُ الَّذِينَ لا يُرِيدُونَ أنْ يُفْسِدُوا في الأرْضِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا لِلتَّفْسِيرِ في الخُلُقِ.

و "هَوْنًا" مَعْناهُ: رِفْقًا وقَصْدًا، ومِنهُ قَوْلُ النَبِيِّ  : " «أحْبِبْ حَبِيبَكَ هَوْنًا ما» الحَدِيثُ، وقَوْلُهُ: ﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ .

اخْتَلَفُوا في تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يَنْبَغِي لِلْمُخاطِبِ أنْ يَقُولَ لِلْجاهِلِ: "سَلامًا" بِهَذا اللَفْظِ، أيْ: سَلَّمْنا سَلامًا وتَسْلِيمًا ونَحْوَ هَذا، فَيَكُونُ العامِلُ فِيهِ فِعْلًا مِن لَفْظِهِ عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ.

والَّذِي أقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: "قالُوا" هو العامِلُ في "سَلامًا"؛ لِأنَّ المَعْنى: قالُوا هَذا اللَفْظَ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَعْنى "سَلامًا": قَوْلًا سَدادًا، أيْ: يَقُولُ لِلْجاهِلِ كَلامًا يَدْفَعُهُ بِهِ بِرِفْقٍ ولِينٍ، فَقالُوا في هَذا التَأْوِيلِ: العامِلُ في قَوْلِهِ "سَلامًا" عَلى طَرِيقَةِ النَحْوِيِّينَ، وذَلِكَ أنَّهُ بِمَعْنى: قَوْلًا، وهَذِهِ الآيَةُ كانَتْ قَبْلَ آيَةِ السَيْفِ، فَنُسِخَ مِنها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وبَقِيَ أدَبُها في المُسْلِمِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وذَكَرَ سِيبَوَيْهِ النَسْخَ في هَذِهِ الآيَةِ في كِتابِهِ، وما تَكَلَّمَ عَلى نَسْخٍ سِواهُ، ورَجَّحَ بِهِ أنَّ المُرادَ السَلامَةُ لا التَسْلِيمُ؛ لِأنَّ المُؤْمِنِينَ لَمْ يُؤْمَرُوا قَطُّ بِالسَلامِ عَلى غَيْرِ المُسْلِمِينَ، والآيَةُ مَكِّيَّةٌ نَسَخَتْها آيَةُ السَيْفِ.

قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: ورَأيْتُ في بَعْضِ [مَصاحِفِ] التَوارِيخِ أنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ -وَكانَ مِنَ المائِلِينَ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ- قالَ يَوْمًا بِمَحْضَرِ المَأْمُونِ -وَعِنْدَهُ جَماعَةٌ-: كُنْتُ أرى عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ في النَوْمِ، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: مَن أنْتَ؟

فَيَقُولُ: أنا عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَكُنْتُ أجِيءُ مَعَهُ إلى قَنْطَرَةٍ، فَيَذْهَبُ يَتَقَدَّمُنِي في عُبُورِها، فَكُنْتُ أقُولُ لَهُ: إنَّما تَدَّعِي هَذا الأمْرَ بِامْرَأةٍ، ونَحْنُ أحَقُّ بِهِ مِنكَ، فَما رَأيْتُ لَهُ في الجَوابِ بَلاغَةً كَما يُذْكَرُ عنهُ، فَقالَ المَأْمُونُ: وبِماذا جاوَبَكَ؟

قالَ: فَكانَ يَقُولُ لِي: سَلامًا سَلامًا، قالَ الراوِي: فَكَأنَّ إبْراهِيمَ بْنَ المَهْدِيِّ لا يَحْفَظُ الآيَةَ، أو ذَهَبَتْ عنهُ في ذَلِكَ الوَقْتِ، فَنَبَّهَ المَأْمُونُ عَلى الآيَةِ أمامَ مَن حَضَرَهُ، وقالَ: هو واللهِ يا عَمِّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ، وقَدْ جاوَبَكَ بِأبْلَغِ جَوابٍ، فَحَزِنَ إبْراهِيمُ واسْتَحْيا، وكانَتْ رُؤْياهُ لا مَحالَةَ صَحِيحَةً.

<div class="verse-tafsir"

تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير) · محمد الطاهر بن عاشور

عطف جملة على جملة، فالجملة المعطوفة هي ﴿ عباد الرحمن ﴾ إلخ، فهو مبتدأ وخبره ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ إلخ.

وقيل: الخبر ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ﴾ [الفرقان: 75].

والجملةُ المعطوف عليها جملة ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خِلفة ﴾ [الفرقان: 62] إلخ.

فبمناسبة ذكر من أراد أن يذَّكَّر تُخلّص إلى خصال المؤمنين أتباع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تستكمل السورة أغراض التنويه بالقرآن ومن جاء به ومن اتبعوه كما أشرنا إليه في الإلمام بأهم أغراضها في طالعة تفسيرها.

وهذا من أبدع التخلص إذْ كان مفاجئاً للسامع مطمِعاً أنه استطراد عارض كسوابقه حتى يُفاجئه ما يؤذن بالختام وهو ﴿ قل ما يَعْؤا بكم ربّي ﴾ [الفرقان: 77] الآية.

والمراد ب ﴿ عباد الرحمن ﴾ بادئ ذي بدء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فالصلات الثمان التي وصفوا بها في هذه الآية حكاية لأوصافهم التي اختصوا بها.

وإذ قد أُجريت عليهم تلك الصفات في مقام الثناء والوعد بجزاء الجنة عُلم أن من اتصف بتلك الصفات موعود بمثل ذلك الجزاءِ وقد شرفهم الله بأن جعل عنوانهم عبادَه، واختار لهم من الإضافة إلى اسمه اسمَ الرحمن لوقوع ذكرهم بعد ذكر الفريق الذين قيل لهم: ﴿ اسجُدوا للرحمان.

قالوا: وما الرحمن ﴾ [الفرقان: 60].

فإذا جعل المراد من ﴿ عباد الرحمن ﴾ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان الخبرُ في قوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ إلى آخر المعطوفات وكان قوله الآتي ﴿ أولئك يُجْزَوْن الغرفة بما صبروا ﴾ [الفرقان: 75] استئنافاً لبيان كونهم أحرياء بما بعد اسم الإشارة.

وإذا كان المراد من ﴿ عباد الرحمن ﴾ جميع المؤمنين المتصفين بمضمون تلك الصلات كانت تلك الموصولات وصلاتها نعوتاً ل ﴿ عباد الرحمن ﴾ وكان الخبر اسمَ الإشارة في قوله ﴿ أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة ﴾ [الفرقان: 75] إلخ.

وفي الإطناب بصفاتهم الطيبة تعريض بأن الذين أبوا السجود للرحمان وزادهم نفوراً هم على الضد من تلك المحامد، تعريضاً تشعر به إضافةُ ﴿ عباد ﴾ إلى ﴿ الرحمن ﴾ .

واعلم أن هذه الصلات التي أجريت على ﴿ عباد الرحمن ﴾ جاءت على أربعة أقسام: قسم هو من التحلّي بالكمالات الدينية وهي التي ابتدئ بها من قوله تعالى ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ إلى قوله ﴿ سلاماً ﴾ [الفرقان: 75].

وقسم هو من التخلّي عن ضلالات أهل الشرك وهو الذي من قوله: ﴿ والذين لا يَدْعُون مع الله إلهاً آخر ﴾ [الفرقان: 68].

وقسم هو من الاستقامة على شرائع الإسلام وهو قوله: ﴿ والذين يَبِيتُون لربهم سُجَّداً وقياماً ﴾ [الفرقان: 64]، وقولُه ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ﴾ [الفرقان: 67] الآية، وقوله: ﴿ ولا يقتلون النفس ﴾ إلى قوله ﴿ لا يشهدون الزور ﴾ [الفرقان: 68 72] إلخ.

وقسم من تطلب الزيادة من صلاح الحال في هذه الحياة وهو قوله: ﴿ للمتقين إماماً ﴾ [الفرقان: 74].

وظاهر قوله ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ أنه مدح لمِشيةٍ بالأرْجُل وهو الذي حمل عليه جمهورُ المفسرين.

وجوز الزجاج أن يكون قوله ﴿ يمشون ﴾ عبارة عن تصرفاتهم في معاشرة الناس فعُبّر عن ذلك بالانتقال في الأرض وتبعه ابن عطية وهذا الذي ذكره مأخوذ مما روي عن زيد ابن أسلم كما سيأتي.

فعلى الوجه الأول يكون تقييدُ المشي بأنه على الأرض ليكون في وصفه بالهَوْن ما يقتضي أنهم يمشون كذلك اختياراً وليس ذلك عند المشي في الصعدات أو على الجنادل.

والهَوْن: اللين والرفق.

ووقع هنا صفة لمصدر المشي محذوف تقديره (مَشْياً) فهو منصوب على النيابة عن المفعول المطلق.

والمشي الهَوْن: هو الذي ليس فيه ضرب بالأقدام وخفقُ النعال فهو مخالف لمشْي المتجبرين المعجَبين بنفوسهم وقوتهم.

وهذا الهَوْن ناشئ عن التواضع لله تعالى والتخلُّق بآداب النفس العالية وزوال بطر أهل الجاهلية فكانت هذه المشية من خلال الذين آمنوا على الضد من مشي أهل الجاهلية.

وعن عمر بن الخطاب أنه رأى غلاماً يتبختر في مِشيته فقال له «إن البخترة مِشية تُكْره إلا في سبيل الله».

وقد مدح الله تعالى أقواماً بقوله سبحانه ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ فاقْصِدْ في مِشيتِك، وحكى الله تعالى عن لقمان قولَه لابنه ﴿ ولا تَمْششِ في الأرض مرَحاً ﴾ [الإسراء: 37].

والتخلّق بهذا الخلق مظهر من مظاهر التخلق بالرحمة المناسب لعباد الرحمان لأن الرحمة ضد الشدة، فالهوْن يناسب ماهيتَها وفيه سلامة من صدم المارين.

وعن زيد بن أسلم قال: كنت أسأل عن تفسير قوله تعالى: ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ فما وجدت في ذلك شفاء فرأيت في المنام من جاءني فقال لي: «هُم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض».

فهذا رأي لزيد بن أسلم أُلهمه يجعل معنى ﴿ يمشون على الأرض ﴾ أنه استعارة للعمل في الأرض كقوله تعالى ﴿ وإذا تولّى سعى في الأرض لِيُفْسِد فيها ﴾ [البقرة: 205] وأن الهوْن مستعار لفعل الخير لأنه هون على الناس كما يسمى بالمعروف.

وقُرن وصفهم بالتواضع في سمتهم وهو المشي على الأرض هوْناً بوصف آخر يناسب التواضع وكراهيةَ التطاول وهو متاركة الذين يجهلون عليهم في الخطاب بالأذى والشتم وهؤلاء الجاهلون يومئذ هم المشركون إذ كانوا يتعرضون للمسلمين بالأذى والشتم فعلمهم الله متاركة السفهاء، فالجهل هنا ضد الحلم، وذلك أشهر إطلاقاته عند العرب قبل الإسلام وذلك معلوم في كثير من الشعر والنثر.

وانتصب ﴿ سلاماً ﴾ على المفعولية المطلقة.

وذكرهم بصفة الجاهلين دون غيرها مما هو أشد مذمّةً مثل الكافرين لأن هذا الوصف يُشعر بأن الخطاب الصادر منهم خطاب الجهالة والجفوة.

و (السلام) يجوز أن يكون مصدراً بمعنى السلامة، أي لا خير بيننا ولا شرّ فنحن مُسلمون منكم.

ويجوز أن يكون مراداً به لفظ التحية فيكون مستعملاً في لازمه وهو المتارَكة لأن أصل استعمال لفظ السلام في التحيةِ أنه يؤذن بالتأمين، أي عدم لإهاجة، والتأمين: أول ما يلقى به المرء من يريد إكرامَه، فتكون الآية في معنى قوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلامٌ عليكم لا نبتغي الجاهلين ﴾ [القصص: 55].

قال ابن عطية: وأريت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي وكان من المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يوماً بحضرة المأمون وعنده جماعة: كنت أرى علي بن أبي طالب في النوم فكنت أقول له: من أنت؟

فكان يقول: عليٌّ بن أبي طالب، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عُبورها فكنت أقول: إنما تَدَّعي هذا الأمر بامرأةٍ ونحن أحق به منك، فما رأيت له في الجواب بلاغةً كما يُذكر عنه، قال المأمون: وبماذا جاوبك؟

قال: فكان يقول لي: سَلاماً.

قال الراوي: فكأنَّ إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبتْ عنه في ذلك الوقت، فنبه المأمونُ على الآية من حضره وقال: هو والله يا عمّ عليّ بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب، فخُزي إبراهيم واستحيا.

ولأجل المناسبة بين الصيغتين عطفت هذه على الصلة الأولى.

ولم يكرر اسم الموصول كما كرر في الصفات بعدها.

<div class="verse-tafsir"

تفسير الماوردي (النكت والعيون) · أبو الحسن الماوردي

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ وَعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقاوِيلَ: أحَدُها: عُلَماءُ وكُلَماءُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: أعِفّاءُ أتْقِياءُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

الرّابِعُ: مُتَواضِعِينَ لا يَتَكَبَّرُونَ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

﴿ وَإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا ﴾ الجاهِلُونَ فِيهِمْ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُمُ الكُفّارُ.

الثّانِي: السُّفَهاءُ.

﴿ قالُوا سَلامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: قالُوا سَدادًا، قالَهُ مُجاهِدٌ لِأنَّهُ قَوْلٌ سَلِيمٌ.

الثّانِي: قالُوا وعَلَيْكَ السَّلامُ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

الثّالِثُ: أنَّهُ طَلَبُ المُسالَمَةِ، قالَهُ ابْنُ بَحْرٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لازِمًا، قالَهُ ابْنُ عِيسى، ومِنهُ الغَرِيمُ لِمُلازَمَتِهِ وأنْشَدَ الأعْشى: إنْ يُعاقِبْ يَكُنْ غَرامًا وإنْ يُعْ طِرْ جَزِيلًا فَإنَّهُ لا يُبالِي الثّانِي: شَدِيدًا، قالَهُ ابْنُ شَجَرَةَ، ومِنهُ سُمِّيَتْ شِدَّةُ المِحْنَةِ غَرامًا قالَ بِشْرُ بْنُ أبِي خازِمٍ: ويَوْمُ الجِفارِ ويَوْمُ النِّسا ∗∗∗ رِ كانا عَذابًا، وكانَ غَرامًا الثّالِثُ: ثَقِيلًا، قالَهُ قُطْرُبٌ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ فَهم مِن مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ  ﴾ .

الرّابِعُ: أنَّهم أُغْرِمُوا بِالنَّعِيمِ في الدُّنْيا عَذابَ النّارِ، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ اللَّهَ سَألَ الكُفّارَ عَنْ فَأغْرَمَهم فَأدْخَلَهم جَهَنَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإسْرافُ النَّفَقَةُ في المَعاصِي، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لَمْ يُنْفِقُوا كَثِيرًا فَيَقُولُ النّاسُ قَدْ أسْرَفُوا، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جَمالًا، قالَهُ يَزِيدُ بْنُ أبِي حَبِيبٍ، قالَ: هَؤُلاءِ أصْحابُ النَّبِيِّ  كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ.

الرّابِعُ: لَمْ يُنْفِقُوا نَفَقَةً في غَيْرِ حَقِّها فَإنَّ النَّفَقَةَ في غَيْرِ حَقِّها إسْرافٌ، قالَهُ ابْنُ سِيرِينَ.

﴿ وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: لَمْ يَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ فَإنَّ مَنعَ حُقُوقِ اللَّهِ إقْتارٌ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

الثّانِي: لا يُعَرِّيهِمْ ولا يُجِيعُهم، قالَهُ إبْراهِيمُ.

الثّالِثُ: لَمْ يُمْسِكُوا عَنْ طاعَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.

الرّابِعُ: لَمْ يُقَصِّرُوا في الحَقِّ، قالَهُ الأعْمَشُ.

رَوى مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ  عَنِ النَّفَقَةِ في الإسْرافِ والإقْتارِ ما هو، فَقالَ: مَن مَنَعَ مِن حَقٍّ فَقَدْ قَتَّرَ، ومَن أعْطى في غَيْرِ حَقٍّ فَقَدْ أسْرَفَ» .

﴿ وَكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: أحَدُها: يَعْنِي عَدْلًا، قالَهُ الأعْمَشُ.

الثّانِي: أنَّ القِوامَ: أنْ يُخْرِجُوا في اللَّهِ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، قالَهُ وهْبٌ.

الثّالِثُ: أنَّ القِوامَ: أنْ يُنْفِقَ في طاعَةِ اللَّهِ ويَكُفَّ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ.

وَيَحْتَمِلُ رابِعًا: أنَّ القِوامَ ما لَمْ يُمْسَكْ فِيهِ عَزِيزٌ ولَمْ يُقْدَمْ فِيهِ عَلى خَطَرٍ، والفَرْقُ بَيْنَ القَوامِ بِالفَتْحِ والقِوامِ بِالكَسْرِ، ما قالَهُ ثَعْلَبٌ: أنَّهُ بِالفَتْحِ الِاسْتِقامَةُ والعَدْلُ، وبِالكَسْرِ ما يَدُومُ عَلَيْهِ الأمْرُ ويَسْتَقِرُّ.

<div class="verse-tafsir"

الدر المنثور (السيوطي) · جلال الدين السيوطي

أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ وعباد الرحمن ﴾ قال: هم المؤمنون ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: بالطاعة والعفاف والتواضع.

وأخرج ابن حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: علماء حكماء.

وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله: ﴿ هوناً ﴾ قال: بالسريانية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني في قوله: ﴿ هوناً ﴾ قال: حلماء بالسريانية.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ميمون بن مهران في قوله: ﴿ هوناً ﴾ قال: حلماء بالسريانية.

وأخرج عبد الرزاق والفريابي وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإِيمان عن مجاهد في قوله: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: بالوقار والسكينة ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: سداداً من القول.

وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة.

مثله.

وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم في قوله: ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: لا يشتدون.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة وابن النجار عن ابن عباس قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن» .

وأخرج الخرائطي في مكارم الأخلاق عن الفضيل بن عياض في قوله: ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: بالسكينة والوقار ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: إن جهل عليه حلم، وإن أسيء إليه أحسن، وإن حرم أعطى، وإن قطع وصل.

وأخرج الآمدي في شرح ديوان الأعشى بسنده عن عمر بن الخطاب: أنه رأى غلاماً يتبختر في مشيته فقال: إن البخترة مشية تكره إلا في سبيل الله، وقد مدح الله أقواماً فقال: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ فاقصد في مشيتك.

وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: تواضعاً لله لعظمته ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: كانوا لا يجهلون على أهل الجهل.

وأخرج أبو نعيم في الحلية عن محمد بن علي الباقر قال: سلاح اللئام قبيح الكلام.

وأخرج أحمد عن النعمان بن مقرن المزني: أن رجلاً سب رجلاً عند النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اما أن ملكاً بينكما يذب عنك كلما شتمك هذا قال له: بل أنت.

وأنت أحق به، وإذا قلت له: عليك السلام قال: لا.

بل لك أنت أحق به» .

وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ قال: السفهاء ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني ردوا معروفاً ﴿ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ يعني يصلون بالليل.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في شعب الإِيمان عن الحسن ﴿ يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: يمشون حلماء متواضعين لا يجهلون على أحد، وإن جهل عليهم جاهل لم يجهلوا.

هذا نهارهم إذا انتشروا في الناس ﴿ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ قال: هذا ليلهم إذا خلوا بينهم وبين ربهم.

وأخرج عبد بن حميد عن الحسن قال: كان يقال: ابن آدم عف عن محارم الله تكن عابداً، وارض بما قسم الله لك تكن غنياً، وأحسن مجاورة من جاورك من الناس تكن مسلماً، وصاحب الناس بالذي تحب أن يصاحبوك به تكن عدلاً، وإياك وكثرة الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.

إنه قد كان بين أقوام يجمعون كثيراً، ويبنون شديداً، ويأملون بعيداً، فأين هم؟

أصبح جمعهم بوراً، وأصبح عملهم غروراً، وأصبحت مساكنهم قبوراً.

ابن آدم إنك مرتهن بعملك، وأنت على أجلك معروض على ربك، فخذ مما في يديك لما بين يديك عند الموت يأتيك من الخير.

يا ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عن قليل قبرك، إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك.

يا ابن آدم خالط الناس وزايلهم: خالطهم ببدنك، وزايلهم بقلبك وعملك.

يا ابن آدم أتحب أن تذكر بحسناتك وتكره أن تذكر بسيئاتك، وتبغض على الظن وتقيم على اليقين.

وكان يقال: أن المؤمنين لما جاءتهم هذه الدعوة من الله صدقوا بها وافضاء بعينها خشعت لذلك قلوبهم، وأبدانهم، وأبصارهم، كنت والله إذا رأيتهم قوماً كأنهم رأي عين.

والله ما كانوا بأهل جدل وباطل، ولكن جاءهم من الله أمر فصدقوا به، فنعتهم الله في القرآن أحسن نعت فقال: ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ قال: الحسن (والهون) في كلام العرب: اللين والسكينة والوقار ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾ قال: حلماء لا يجهلون، وإن جهل عليهم حلموا.

يصاحبون عباد الله نهارهم مما تسمعون.

ثم ذكر ليلهم خير ليل قال: ﴿ والذين يبيتون لربهم سجداً وقياماً ﴾ ينتصبون لله على أقدامهم، ويفترشون وجوههم سجداً لربهم، تجري دموعهم على خدودهم خوفاً من ربهم.

قال الحسن: لأمر مّا سهر ليلهم، ولأمر ما خشع نهارهم ﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: كل شيء يصيب ابن آدم لم يدم عليه فليس بغرام، إنما الغرام اللازم له ما دامت السموات والأرض، قال: صدق القوم.

والله الذي لا إله إلا هو فعلوا ولم يتمنوا.

فاياكم وهذه الأماني يرحمكم الله!

فإن الله لم يعط عبد بالمنية خيراً في الدنيا والآخرة قط.

وكان يقول: يا لها من موعظة لو وافقت من القلوب حياة!

وأخرج عبد بن حميد عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: «الدائم» .

وأخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: ملازماً شديداً كلزوم الغريم الغريم قال: وهل تعرف العرب ذلك؟

قال: نعم.

أما سمعت قول بشر بن أبي حازم؟

ويوم النسار ويوم الجفار ** كانا عذاباً وكانا غراماً وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله: ﴿ كان غراماً ﴾ ما الغرام؟

قال: المولع.

قال فيه الشاعر: وما أكلة إن نلتها بغنيمة ** ولا جوعة إن جعتها بغرام وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله: ﴿ إن عذابها كان غراماً ﴾ قال: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال: هم المؤمنون.

لا يسرفون فيقعوا في معصية الله، ولا يقترون فيمنعون حقوق الله.

وأخرج عبد بن حميد عن عاصم أنه قرأ ﴿ ولم يقتروا ﴾ بنصب الياء ورفع التاء.

وأخرج عبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال: الاسراف النفقة في معصية الله، والاقتار الامساك عن حق الله قال: وإن الله قد فاء لكم فيئة فانتهوا إلى فيئة الله.

قال في المنفق ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً ﴾ [ الأحزاب: 70] قال: قولوا صدقاً عدلاً.

وقال للمؤمنين ﴿ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ﴾ [ النور: 30] عما لا يحل لهم.

وقال في الاستماع ﴿ الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ [ الزمر: 18] وأحسنه طاعة الله.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب في قوله: ﴿ لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال لا ينفقه في باطل ولا يمنعه من حق.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن يزيد بن أبي حبيب ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قال: أولئك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، كانت قلوبهم على قلب واحد.

وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش في قوله: ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ قال: عدلاً.

وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن عمر مولى غفرة قال: ﴿ القوام ﴾ أن لا تنفق من غير حق، ولا تمسك من حق هو عليك.

وأخرج عبد بن حميد وابن جرير عن وهب بن منبه ﴿ وكان بين ذلك قواماً ﴾ قال: الشطر من أموالهم.

وأخرج ابن جرير عن يزيد بن مرة الجعفي قال: العلم خير من العمل، والحسنة بين السيئتين.

يعني إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وخير الأمور أوساطها.

وأخرج عبد الرزاق عن الحسن في قوله: ﴿ لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ أن عمر بن الخطاب قال: كفى سرفاً أن الرجل لا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله.

وأخرج أحمد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» .

<div class="verse-tafsir"

التفسير البسيط (الواحدي) · أبو الحسن الواحدي

قوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ قال الليث (١) (٢)  : (أحبب حبيبك هونًا ما) (٣) قال شمِر في تفسيره: الهَوْنُ: الرِّفق، والدَّعَة، والهِينَة، يقول: لا تُفرط في حُبه ولا بغضه (٤) تَهادَى في رِداءِ المِرْط هَونًا (٥) قال ابن عباس: يريد بالسكينة والوقار (٦) (٧) وقال الحسن، وعطاء، والضحاك، ومقاتل: حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد (٨) وقال قتادة: ﴿ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ تواضعًا لله لعظمته (٩) وروى أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: لا يشتدون (١٠) وقال ابن وهب: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون (١١) وانتصب ﴿ هَوْنًا ﴾ ؛ لأنه صفة مصدر محذوف، أي: يمشون مشيًا هونًا (١٢) (١٣) قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ﴾ قال مقاتل: يعني السفهاء (١٤) ﴿ قَالُوا سَلَامًا ﴾ يقول: إذا سمعوا الأذى من كفار مكة، ردوا معروفًا (١٥) (١٦) وقال ابن عباس: ردوا سدادًا من القول (١٧) (١٨) وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا (١٩) وقال قتادة.

كانوا لا يجاهلون أهل الجاهلية (٢٠) (٢١) وقال مقاتل بن حيان: ﴿ قَالُواْ سَلَمًا ﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم (٢٢) قال أبو إسحاق، وأبو علي: نتسلم منكم سلامًا لا نجاهلكم كأنهم قالوا: تسلمًا منكم لا نتلبس بشيء من أمركم (٢٣) وقال أبو الهيثم: معناه: سدادًا من القول، وقصدًا لا لغو فيه (٢٤) (٢٥) (٢٦) قال أبو إسحاق: ﴿ وَعِبَادُ ﴾ مرفوع بالابتداء، والأحسن أن يكون الخبر: ما جاء في آخر السورة؛ من قوله: ﴿ أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ﴾ ويجوز أن يكون خبره: ﴿ الَّذِينَ يَمْشُونَ ﴾ (٢٧) ﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ ﴾ صفة للذين يمشون (٢٨) قال الحسن: هذا صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، وليلُهم (٢٩) (٣٠) (١) (الليث) في (ج).

(٢) (معنى) ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في "تهذيب اللغة" 4/ 92 (هون).

(٣) كتاب "العين" 4/ 92 (هون)، بنصه.

و"تهذيب اللغة" 6/ 440 (هان)، وفيهما: مصدر الهين، في معنى السكينة والوقار.

والأثر ذكره الثعلبي 8/ 101 ب، مرفوعاً للنبي -  - بدون إسناد، ولفظه: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيظك يوماً ما، وأبغض بغيظك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما".

وأخرجه الترمذي 6/ 314، مرفوعاً، كتاب البر والصلة رقم: 1997.

وقال: حديث غريب.

وصححه الألباني مرفوعاً، في "غاية المرام" 273، وذكر له طرقاً.

وأما الموقوف == فقد قال الترمذي: والصحيح عن علي موقوف.

والموقوف أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن علي -  -، "صحيح الأدب المفرد" ص 501.

وقد جمع طرقه الزيلعي، في تخريجه لأحاديث الكشاف 2/ 464.

(٤) "تهذيب اللغة" 6/ 441 (هان)، وفيه: قاله في تفسير حديث علي.

قال ابن القيم: الهَون، بالفتح في اللغة: الرفق واللين.

والهُون، بالضم: الهوان.

فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان.

والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران.

مدارج السالكين 2/ 327.

قال ابن كثير 6/ 122: وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعًا ورياءً، فقد كان سيد ولد آدم -  - إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع ...

وإنما المراد بالهَون هنا السكينة والوقار.

(٥) "تهذيب اللغة " 6/ 441 (هان)، ولم ينسبه، وصدره: مررت على الوَرِيقَةِ ذات يوم ولم يسم الأزهري من أنشد هذا البيت.

وأورده في "لسان العرب" 13/ 439، وصدره: مررت على الوديعة ذات يوم فلعل: الوريقة تصحيف: الوديعة.

والله أعلم.

تهادى مأخوذ من التهويد، وهو: المشي الرُّوَيد، مثل الدبيب ونحوه.

"تهذيب اللغة" 6/ 388 (هاد).

المرط: جمعه: مروط، وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها.

"تهذيب اللغة" 13/ 345 (مرط).

(٦) أخرج بسنده ابن جرير 19/ 33، عن ابن عباس  من طريق علي بن أبي طلحة: بالطاعة والعفاف والتواضع، وكذا ابن أبي حاتم 8/ 2719.

واختاره الزجاج 4/ 74، واقتصر عليه، ولم ينسبه.

واقتصر عليه في "الوجيز" 2/ 783.

(٧) "تفسير مجاهد" 2/ 455.

وبسنده ذكره الفراء 2/ 272، ونسبه لعكرمة أيضًا.

== وأخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 71.

وكذا ابن جرير 19/ 32، وابن أبي حاتم 8/ 2719، وأخرجه عن الحسن أيضًا.

وذكره الهوَّاري 3/ 216.

(٨) "تفسير مقاتل" ص 47 أ.

وأخرجه بسنده عن الحسن، عبد الرزاق، في تفسيره 2/ 71، وعنه ابن جرير 19/ 34، ولفظه عندهما: حلماء علماء لا يجهلون.

وأخرجه أيضًا الثعلبي 8/ 101 ب.

وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2719، عن ابن عباس  ما: علماء حلماء.

(٩) أخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2721.

(١٠) أخرجه ابن جرير 19/ 34.

أسامة بن زيد بن أسلم العمري المدني، ضعيف، ليس له في الكتب الستة سوى حديث واحد عند ابن ماجه.

"سير أعلام النبلاء" 6/ 343، و"تقريب التهذيب" ص 123، وأما أبوه زيد بن أسلم فهو مولى عمر  ، ثقة عالم، وكان يرسل.

ت: 136.

"سير أعلام النبلاء" 5/ 316، و"تقريب التهذيب" ص 350.

(١١) أخرجه ابن جرير 19/ 34، فقال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ قال: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون.

وقرأ: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ  ﴾ .

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2721، دون ذكر الآية.

قال الزمخشري 3/ 283: ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ﴿ وَيَمْشِي في الْأَسْوَاقِ ﴾ .

(١٢) قال ابن قتيبة: أي: مشياً رويداً.

"غريب القرآن" ص 315.

(١٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 315.

من قوله: أضافهم إليه ..

قال البغوي 6/ 93: الإضافة هنا للتخصيص، والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله.

(١٤) "تفسير مقاتل" ص 47 أ.

وأخرج ابن أبي حاتم 8/ 2722، عن سعيد بن جبير: يعني: السفهاء من الكبار.

(١٥) "تفسير مقاتل" ص 47 أ.

و"تنوير المقباس" ص 305.

(١٦) ذكره الثعلبي 8/ 102 أعن أبي العالية، والكلبي، ولفظه: هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسختها آية القتال.

ولفظ الفراء يشعر بميله لهذا القول؛ قال 2/ 272: كان أهل مكة إذا سبوا المسلمين ردوا عليهم رداً جميلاً قبل أن يؤمروا بقتالهم.

ونسبه للكلبي، السمرقندي 2/ 465.

وذكره عنهما البغوي 6/ 93.

(١٧) "تنوير المقباس" ص 305.

(١٨) أخرجه عبد الرزاق 2/ 71، وعنه ابن جرير 19/ 35.

وأخرجه ابن أبي حاتم 8/ 2722.

وذكره عنه الثعلبي 8/ 102 أ.

(١٩) أخرجه ابن جرير 19/ 35.

وذكر الثعلبي عن الحسن 8/ 102 أ، قولا آخر؛ ولفظه: سلموا عليهم، دليله قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ  ﴾ .

وأخرج عنه ابن أبي حاتم 8/ 2722، دون ذكر الآية.

وذكر الماوردي 4/ 155، عن الضحاك، قالوا: وعليك السلام.

ولم == يعترض عليه، وكذلك العز، في تفسيره 2/ 431.

وذكر البغوي 6/ 93، قول الحسن، بعد أن قال: وليس المراد منه السلام المعروف!.

والذي يظهر أنه لا يمنع من إرادة السلام المعروف مانع، كما في الآية التي استدل بها الحسن، ويكون التسليم قطعاً للكلام وفراقاً بينهم.

والله أعلم.

وعلى هذا يفرق بين المشركين، وغيرهم من الجاهلين، وذلك للنهي عن ابتداء المشركين بالسلام، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ  أَنَّ رَسُولَ الله -  -، قَال: "لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ" وفي إحدى روايات مسلم: "إِذَاَ لَقِيتُمُوهُمْ" وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

أخرجهما مسلم 4/ 1707، كتاب السلام، رقم: 2167.

والترمذي 5/ 57، كتاب الاستئذان، رقم: 2700.

قال ابن العربي 3/ 452: وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له: سلام عليك.

وحمل الأصم السلام في الآية على أن المراد به سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم -  - لأبيه: ﴿ سَلَامٌ عَلَيْكَ  ﴾ .

"تفسير الرازي" 24/ 108.

وأما ابن القيم، فإنه لم يرتض تفسير الآية بـ: سلام عليكم؛ فقال: ووَصَف نطقهم بأنه سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار لا نطق جهل، وفحش وخناء وغلظة، فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية، فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه: سلام عليكم، فتأمله.

بدائع الفوائد 2/ 158.

والتسليم لا ينافي ما ذكر ابن القيم؛ لأن التسليم فيه حلم وسكينة ووقار، ويشهد له حديث النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ  قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -  -، وَسَبَّ رَجُلٌ رَجُلاً عِنْدَهُ قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -  -: "أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ كُلَّمَا يَشْتُمُكَ هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ لا بَلْ لَكَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ".

أخرجه الإمام أحمد 9/ 191، رقم: 23806، قال ابن كثير 6/ 122: إسناده حسن ولم يخرجوه.

وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي، وهو ثقة.

وجمع بين القولين ابن عاشور 19/ 69.

(٢٠) (الجاهلية) في (ج).

(٢١) ذكره السيوطي، "الدر المنثور" 6/ 272، ونسبه لابن أبي حاتم، ولكني لم أجده عنده.

(٢٢) ذكره عنه الثعلبي 8/ 102 أ، وابن الجوزي 6/ 101، وجمع في "الوجيز" بين قولي مجاهد، وابن حيان، فقال: سدادًا من القول يسلمون فيه من الإثم.

قال الثعالبي: إذا نازعك إنسان فلا تجبه؛ فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها فإن أمسكت عنها بترتها، وقطعت نسلها، وإن أجبتها ألقحتها فكم من نسل مذموم يتولد بينهما في ساعة واحدة.

الجواهر الحسان 2/ 472.

(٢٣) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 74.

وذهب إلى هذا المبرد؛ فقال: تأويله المتاركة، أي: لا خير بيننا وبينكم ولا شر.

المقتضب 3/ 219، وسبقه إلى هذا سيبويه، "الكتاب" 1/ 324.

(٢٤) "تهذيب اللغة" 12/ 448 (سلم).

(٢٥) قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ  ﴾ وقرئ: ﴿ السَّلَمَ ﴾ فمن قرأ بالألف واللام فله معنيان؛ أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين؛ أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها متعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا بماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره.

والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، وكف يده عنكم فلم يقاتلكم: لست مؤمناً ..

وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة.

(٢٦) قال السمرقندىِ 2/ 465، بعد أن ذكر قول الكلبي، في أن الآية منسوخة: وقال بعضهم: هذا خطأ؛ لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خبر من حالهم، والنسخ يجرى == في الأمر والنهي.

ورد مكي بن أبي طالب القول بأن هذه الآية خبر لا يجوز نسخه؛ فقال: هذا ليس من الخبر الذي لا يجوز نسخه؛ لأنه ليس فيه خبر من الله لنا عن شيء يكون أو شيء كان فنسخ بأنه لا يكون، أو بأنه لم يكن -هذا الذي لا يجوز فيه النسخ- وإنما هذا خبر من الله لنا أن هذا الأمر كان من فعل هؤلاء الذين هم عباد الرحمن قبل أن يؤمروا بالقتال.

"الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص 371، وهذا كلام جيد؛ لكن القول بأن الآية منسوخة ليس بصواب، فلا تعارض بين هذه الآية، وبين الأمر بالقتال، فلكل واحد منهما ما يناسبه من الزمان والمكان، قال الطوسي 7/ 505: الأمر بالقتال لا ينافي حسن المحاورة في الخطاب، وحسن العشرة.

ونقض القول بالنسخ أيضًا الزمخشري 3/ 284.

قال ابن عطية 11/ 67: وهذه الآية كانت قبل آية السيف، فنسخ منها ما يخص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة.

وذكر نحوه ابن جزي 487.

وأحسن الحديث عن النسخ في هذه الآية النحاس، في كتابه "الناسخ والمنسوخ" 2/ 568.

(٢٧) "معاني القرآن" للزجاج 4/ 74.

(٢٨) ذكر هذا الزمخشري 3/ 284.

(٢٩) في (أ)، (ب): (وأجلهم).

(٣٠) أخرجه بنحوه ابن جرير 19/ 35، وابن أبي حاتم 8/ 2723.

<div class="verse-tafsir"

التسهيل لعلوم التنزيل (ابن جزي) · ابن جزي الكلبي

﴿ وَعِبَادُ الرحمن ﴾ أي عباده المرضيون عنده، فالعبودية هنا للتشريف والكرامة ﴿ وَعِبَادُ ﴾ مبتدأ وخبره ﴿ الذين يَمْشُونَ ﴾ ، أو قوله في آخر السورة: ﴿ أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة ﴾ [الفرقان: 75] ﴿ الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً ﴾ أي رفقاً وليناً بحلم ووقار، ويحتمل أن يكون ذلك وصف مشيهم على الأرض أو وصف أخلاقهم في جميع أحوالهم، وعبر بالمشي على الأرض عن جميع تصرفهم مدة حياتهم ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ أي: قالوا قولاً سديداً ليدفع الجاهل برفق، وقيل: معناه قلوا للجاهل: سلاماً أي هذا اللفظ بعينه بمعنى: سلمنا منكم قال بعضهم هذه الآية منسوخة بالسيف، وإنما يصح النسخ في حق الكفار، أما الإغضاء عن السهفاء والحلم عنهم فمستحسن غير منسوخ.

<div class="verse-tafsir"

غرائب القرآن ورغائب الفرقان (النيسابوري) · نظام الدين النيسابوري

القراءات: ﴿ ملح ﴾ بفتح الميم وكسر اللام كحذر أو لأنه مقصور مالح وكذلك في "فاطر": قتيبة ﴿ يأمرنا ﴾ على الغيبة: حمزة وعلي ﴿ سرجاً ﴾ بضمتين: حمزة وعلي وخلف.

﴿ أن يذكر ﴾ من الذكر: حمزة وخلف.

﴿ يقتروا ﴾ بضم التاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى المفضل، وبضم الياء وكسر التاء من الإقتار: أبو جعفر ونافع وابن عامر والمفضل.

الباقون بفتح الياء وكسر التاء.

﴿ يضاعف ﴾ ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع فيهما من المضاعفة ومن الخلود: أبو بكر وحماد مثله، ولكن يخلد مجهولاً من الإخلاد: المفضل ﴿ يضعف ﴾ بالتشديد والرفع ﴿ ويخلد ﴾ بالرفع من الخلود: ابن عامر مثله ولكن بالجزم فيهما: ابن كثير ويعقوب وزيد.

الآخرون كالأول ولكن بالجزم فيهما.

﴿ فيهي ﴾ بإشباع الكسرة: ابن كثير وحفص: ﴿ يبدل ﴾ من الإبدال: البرجمي ﴿ وذريتنا ﴾ على التوحيد: أبو عمرو وعلي وخلف وعاصم والمفضل: ﴿ ويلقون ﴾ بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف من اللقاء: حمزة وعلي وخلف وعاصم سوى حفص والمفضل.

الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف من باب التفعيل.

الوقوف: ﴿ نذيراً ﴾ ه والوصل أولى للفاء ﴿ كبيراً ﴾ ه أجاج ج لعطف الجملتين المتفقتين مع العارض ﴿ محجوراً ﴾ ه ﴿ وصهراً ﴾ ه ﴿ قديراً ﴾ ه ﴿ ولا يضرهم ﴾ ط ﴿ ظهيراً ﴾ ه ﴿ نذيراً ﴾ ه ﴿ سبيلاً ﴾ ه ﴿ بحمده ﴾ ط ﴿ خبيراً ﴾ ه ج لأن الذي يصلح صفة للحي والوقف على العرش على تقدير هو الرحمن إذ لا وقف عليه ايضاً بناء على أن ﴿ الرحمن ﴾ بدل من المستترفي ﴿ استوى ﴾ ويصلح أن يكون ﴿ الذي ﴾ مبتدأ ﴿ والرحمن ﴾ خبره ﴿ خبيراً ﴾ ه ﴿ وما الرحمن ﴾ ه قد قيل: ولا وجه له لأن الكل مقول قالوا ﴿ نفوراً ﴾ ه سجدة ﴿ منيراً ﴾ ه ﴿ شكوراً ﴾ ه ﴿ سلاماً ﴾ ه ﴿ وقياماً ﴾ ه ﴿ جهنم ﴾ ق قد قيل: والوصل أولى لاتحاد القائل ﴿ غراماً ﴾ ه كذلك ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ قواماً ﴾ ه ﴿ ولا يزنون ﴾ ج للشرط مع واو العطف ﴿ أثاماً ﴾ ه لمن قرأ ﴿ يضاعف ﴾ بالرفع على الاستئناف دون الجزم على إبدال الجملة من الجملة لتقارب معنييهما ﴿ مهاناً ﴾ ه لا وقد يوقف على جعل إلا بمعنى "لكن" والوصل أولى لأن "لكن" تقتضي الوصل أيضاً ﴿ حسنات ﴾ ط ﴿ رحيماً ﴾ ه ﴿ متاباً ﴾ ه ﴿ الزور ﴾ ه لا ﴿ كراماً ﴾ ه ﴿ عمياناً ﴾ ه ﴿ إماماً ﴾ ه ﴿ وسلاماً ﴾ ه لا لاتصال الحال ﴿ فيها ﴾ ط ﴿ ومقاماً ﴾ ه ﴿ دعاؤكم ﴾ ج لاختلاف الجملتين ﴿ لزاماً ﴾ ه.

التفسير: إنه  لما قرر سيرة القوم من كفران النعمة وإيذاء النبي أراد تهييج نبيه على استمرار الدعوة.

وفي الآية لطف ممزوج بنوع تأديب وإرشاد وفحواه ولو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، وبعثنا في كل قرية نبياً، ولكن خصصناك برسالة الثقلين إجلالاً وتعظيماً، فقابل هذا التفضل بالتشدد بالدين ففي أول الآية بيان كمال الاقتدار وأنه لا حاجة به إلى نبي محمداً كان أو غيره، ولكن في مفهوم "لو" دلالة على أنه لم يفعل ذلك بل خصه بهذا المنصب الشريف لكمال العناية به وبأمته، فعليه أن يترك طاعة الكافرين فيما يريدونه عليه مما يوافق أهواءهم.

النهي كقولك للمتحرك "لا تسكن" لا كقولك للساكن "لا تسكن" فإنه  لم يترك طاعة الله طرفة عين.

ثم بالغ في النهي بأن أمره بضدّه قائلاً ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالقرآن أو بترك طاعتهم أو بسبب كونك نذير القرى كلها لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة قريته.

وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد  فلا جرم اجتمع عليه تلك المجاهدات كلها فكبر جهاده وعظم وصار جامعاً لكل مجاهدة، ثم ذكر دليلاً رابعاً على التوحيد فقال ﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ اي خلاهما وارسلهما متجاورين متلاصقين.

يقال: مرجت الدابة أي خليتها لترعى.

وسمى المائين الكثيرين بحرين.

والفرات البليغ العذوبة، والتركيب يدل على كسره العطش بخلاف الأجاج وهو الملح فإنه يدل على الشدة والتوهج.

وقوله ﴿ هذا ﴾ إشارة إلى ما ارتسم في الذهن بعد ذكر البحرين والبرزخ الحائل الذي جعل الله بينهما من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ﴿ وحجراً محجوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ كما قلنا في السورة كأن كل واحد من البحرين يتعوّذ من صاحبه ويقول له هذا القول، ونظيره في سورة الرحمن ﴿ بينهما برزخ لا يبغيان  ﴾ فانتفاء البغي ثمة كالتعوّذ ههنا وكل منهما مجاز في غاية الحسن.

سؤال: لا وجود للبحر العذب فكيف ذكره الله  ؟

والجواب من وجهين: أحدهما أن في البحار مواضع فيها مياه عذبة يعرفها الملاحون يحمل منها الماء إلى حين الوصول إلى الموضع الآخر.

وثانيهما لعل المراد من البحر العذب الأودية العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج البحار المشهورة، والبرزخ بينهما الحائل من الأرض ووجه الاستدلال على هذا الوجه أن يقال: العذوبة والملوحة إن كانتا بسبب طبيعة الأرض أو الماء فلا بد من الاستواء وإلا فلا بد من قادر مختار يخص كل واحد من الماءين بصفة مخصوصة.

الاستدلال الخامس: من أحوال خلقة الإنسان والماء إما العنصر كقوله: ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ أو النطفة.

ومعنى ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أنه قسم البشر قسمين ذوي نسب وذوات صهر، والأول الذكور ينسب إليهم فيقال: فلان وفلانة بنت فلان ومنه أخذ الشاعر: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا *** بنوهن أبناء الرجال الأباعد والثاني الإناث التي يصاهر بهن ونحوه قوله عز من قائل ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى  ﴾ والأصهار أهل بيت المرأة عن الخليل.

قال: ومن العرب من يجعل الصهر من الأحماء والأختان.

يقال: صاهرت إليهم إذا تزوّجت فيهم.

﴿ وكان ربك قديراً ﴾ حين خلق من ماء واحد صنفين مختلفين بل أشخاصً متباينة لا تكاد تنحصر.

ثم عاد إلى تهجين سيرة عبدة الأوثان فقال ﴿ ويبعدون ﴾ الاية.

يروى أنها نزلت في أبي جهل المراد بالكافر والأولى حمله على العموم.

والظهير المظاهر أي المعاون أي هذا الجنس يظاهر الشيطان على ربه بالشرك والعداوة.

والمظاهرات على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه، ويجوز أن يكون الظهير جمعاً كقوله: ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهير  ﴾ والمعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على إطفاء نور دين الله جل وعلا.

وقال أبو مسلم: هو من قولهم "ظهر فلان بحاجتي".

إذا نبذها وراء ظهره.

والمراد أن الكافر وكفره هين على ربه غير ملتفت إليه.

قوله: ﴿ وما ارسلناك ﴾ إلى قوله ﴿ سبيلاً ﴾ وجه تعلقه بما قبله أن الكفار يطلبون العون على الله وعلى رسوله ولا أجهل ممن استفرغ جهده في إيذاء من يبذل وسعه في إصلاح مهماته ديناً ودنيا حتى يبشرهم على الطاعة وينذرهم على المعصية ولا يسألهم على ذلك أجراً إلا أن يشاؤا التقرب بالإنفاق في الجهاد وغيره فيتخذوا به سبيلاً إلى رحمة ربهم ونيل ثوابه.

ومعنى الاستثناء عن الأجر والتقدير إلا فعل من شاء هو معنى قولك لمن سعيت له في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فيكون في تسمية حفظ المال ثواباً.

فائدتان: إحداهما قلع شبهة الطمع في شيء من الثواب، والثانية إظهار الشفقة وأنه إن حفظ ماله رضي الساعي به كما يرضى المثاب بالثواب هذا ما قاله جار الله.

وقال القاضي: معناه لا أسألكم أجراً لنفسي واسألكم أن تطلبوا الأجر لأنفسكم باتخاذ السبيل إلى ربكم بالإيمان والطاعة.

ولما بين أن الكفار متظاهرون على إيذائه وأمره أن لا يطلب منهم أجراً ألبتة أمره بأن يتوكل عليه في دفع المضارّ وجلب المنافع ويتمسك بقاعدة التنزيه والتحميد.

وفي وصفه ذاته بالحي الذي لا يموت إشارة إلى أن الذي يوثق به في المصالح يجب أن يكون موصوفاً بهذه الصفة وليس إلا الله وحده.

وعن بعض السلف أنه قرأها فقال: لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وإلا صار ضائعاً إذا مات ذلك المخلوق.

ثم ختم الآية بما لا مزيد عليه في الوعيد أي لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير بأحوالهم قادر على مجازاتهم.

ومعنى كفى به أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك "كفى بالعلم جمالاً وكفى بالأدب مالاً".

ثم زاد لعلمه وقدرته مبالغة وبياناً فقال: ﴿ الذي خلق ﴾ الخ.

وقد سبق تفسيره في "الأعراف" وأما قوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ ففيه وجوه.

قال الكلبي: الضمير في ﴿ به ﴾ يعود إلى ما ذكر من خلق السماء والأرض والاستواء على العرش.

والباء من صلة الخبير قدمت لرعاية الفاصلة وذلك الخبير هو الله عز وجل لأن كيفية ذلك الخلق والاستواء لا يعلمها إلا الله  .

وعن ابن عباس أن ذلك الخبير هو جبرائيل.

وقال الأخفش والزجاج: الباء بمعنى "عن" فسأل به مثل "اهتم به" واشتغل به وسأل عنه كقولك "بحث عنه وفتش عنه".

قال  ﴿ سأل سائلٍ بعذاب واقع  ﴾ .

وقال ابن جرير: الباء زائدة والمعنى فاسأله حال كونه عالماً بكل شيء.

وجوز جار الله أن تكون الباء تجريدية كقولك "رأيت به اسداً" أي برؤيته.

والمراد فاسال بسؤاله خبيراً أي إن سألته وجدته عالماً به.

وقيل: الباء للقسم ولعل الوجه الأول أقرب إلى المراد نظيره ﴿ ولا ينبئك مثل خبير  ﴾ .

ثم أخبر عن قوم أنهم ﴿ قالوا وما الرحمن ﴾ والواو عاطفة وقعت في كلام فحكى كما هو فاحتمل أنهم جهلوا الله  ، واحتمل أنهم عرفوه لكن جحدوه، واحتمل أنهم عرفوه بغير هذا الاسم فلهذا سألوا عنه، ومن هنا ذهب بعضهم إلى تفسير آخر لقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ وهو أن الرحمن اسم من أسماء الله  مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل: فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتاب حتى يعرف من ينكره وكانوا يقولون: ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة.

قال القاضي: والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم لأن هذه اللفظة عربية وهم يعلمون أنها تفيد المبالغة في "الأنعام".

ثم إن قلنا: إنهم كانوا منكرين لله فاسؤال عن الحقيقة كقول فرعون ﴿ وما رب العالمين  ﴾ وإن قلنا: إنهم كانوا مقرين لكنهم جهلوا أنه  سمي بهذا الاسم فالسؤال عن الاسم.

ومعنى ﴿ لما تأمرنا ﴾ للذي تأمرناه بمعنى تأمرنا بسجوده مثل "أمرتك الخبير" فاتسع أولاً ثم حذف ثانياً.

ويجوز أن تكون "ما" مصدرية أي لأمرك لنا ومن قرأ على الغيبة فالضمير لمحمد أو للمسمى بالرحمن كأنهم قالوا هذا القول فيما بينهم.

والضمير في ﴿ زادهم ﴾ للمقول وهو اسجدوا للرحمن أي وزادهم أمره ﴿ نفورا ﴾ ومن حقه أن يكون باعثاً على الفعل والقبول.

قال الضحاك: لما رآهم المشركون يسجدون تباعدوا في ناحية المسجد مستهزئينن فمعنى الآية وزادهم سجودهم نفوراً.

ومن السنة أن يقول الساجد والقارئ إذا بلغ هذا الموضع زادنا الله خضوعاً وما زاد للأعداء نفوراً.

ثم ذكر ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن فقال ﴿ تبارك ﴾ الخ.

فالبروج هي الأقسام الاثنا عشر للفلك وأساميها مشهورة: الحمل والثور والجوزاء الخ.

شبهت بالقصور العالية.

واشتقاق البروج لظهوره والسراج الشمس.

ومن جمع أراد الشمس والكواكب الكبار والخلفة للهيئة من الخلافة يريد الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر أي جعلهما ذوي خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا ومثله قوله ﴿ واختلاف الليل والنهار  ﴾ في أحد تفاسيره.

وعن ابن عباس جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه فيما يحتاج أن يعمل، فمن فاته شيء من وظائف العبادة في أحدهما قضاه في الآخر.

وعن مجاهد وقتادة والكسائي يقال لكل مختلفين "هما خلفتان" فالمعنى أن أحدهما أسود والآخر أبيض أو هذا طويل وهذا قصير.

ثم بين أن هذه النعمة سبب للتذكر لمن اراد ذلك أو للشكر لمن اراده.

أما التذكر فلدلالة الانتقال والتغير على الناقل والمغير، وأما الشكر فلأن الليل سبب الراحة والسكون والنهار سبب لسهولة التصرف في المعايش.

قال بعضهم: معنى "أو" الفاصلة أنه إن كان كافرا تذكر وإن كان مؤمناً شكر.

وقيل: أراد ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من فاته في أحدهما ورده من العبادة قام به في الآخر.

والشكور مصدر كالكفور.

ثم أراد أن يختم السورة بوصف عباده المخلصين فقال ﴿ وعباد الرحمن ﴾ وهو مبتدأ خبره في آخر السورة ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتشريف.

وقرئ ﴿ وعبّاد ﴾ جمع عابد وصف سيرتهم مع الخلق بالنهار أوّلاً، ثم وصف معاملتهم مع الحق بالليل ثانياً، ثم قسم الوصف الأول إلى نوعين: أحدهما ترك الإيذاء وهو المراد بقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ مصدر وضع للمبالغة موضع الحال أو الصفة للمشي بمعنى هينين أو مشياً هيناً والمعنى أنهم يمشون بسكينة ووقار وتواضع لا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم اشراً وبطراً، ولذلك كره بعضهم الركوب في الأسواق والمشي في الأسواق دون الركوب سيرة المرسلين قال عز من قائل ﴿ وما ارسلنا قبلك من المرسلين إلا إِنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق  ﴾ وثانيهما تحمل الإيذاء وإليه الإشارة بقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ يعني السفهاء وقليلي الأدب ﴿ قالوا سلاماً ﴾ يعني سلام توديع ومتاركة كسلام إبراهيم  حين قال لأبيه ﴿ سلام عليك  ﴾ ولا نسخ في الآية على ما زعم الكلبي وأبو العالية من أنها نسخت بآية القتال، فإن الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم بسوء الأدب مستحسن عقلاً وشرعاً، والبيتوتة هي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.

وقوله ﴿ لربهم ﴾ إما أن يتعلق بما قبله أو بما بعده أي يبيتون لله على أقدامهم ويفرشون خدودهم ويعفرون جباههم.

وقيل: من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً.

وقيل: هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء قاله ابن عباس.

ثم وصفهم بأنهم يقولون في سجودهم وقيامهم ﴿ ربنا اصرف عنا ﴾ الآية.

وقال الحسن: خشعوا بالنهار وتعبوا بالليل خوفاً من عذاب جهنم.

وقوله: ﴿ غراماً ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً لازماً ومنه الغريم لإلحاحه وإلزامه، وفلان مغرم بالنساء إذا كان مولعاً بهن.

وسأل ابن عباس نافع بن الأزرق عن الغرام فقال: هو الموجع.

وعن محمد بن كعب في ﴿ غراماً ﴾ إنه سأل الكفار عن نعمه فما أدّوها إليه فأغرمهم فأدخلهم النار.

﴿ وساءت ﴾ إما بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم إن ومستقر حال أو تمييز، وإما بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم وهو الرابط ايضاً محذوف اي ساءت مستقراً ومقاماً هي.

والظاهر أن الجملتين منقول الداعين.

وجوز جار الله أن يكون من كلام الله، والتعليلان يصح أن يكونا متداخلين بأن يكون قوله ﴿ إنها ساءت ﴾ تعليلاً لقوله ﴿ أن عذابها كان غراماً ﴾ وأن يكونا مترادفين كل منهما تعليل لقوله: ﴿ ربنا اصرف ﴾ قال المتكلمون: التعليل الأول إشارة إلى أن عقاب أهل النار مضرة خالصة، والتعليل الثاني إشارة إلى كونها دائمة وقد يفرق بين المستقر والمقام بأن المستقر للعصاة من أهل الإيمان والمقام للكفار الذين لا خلاص لهم منها.

ثم وصفهم بالتوسط في الإنفاق والقتر.

والإقتار التضييق نقيض الإسراف، وكان أصحاب محمد  لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثياباً للجمال والزينة، ولكن ما يسد جوعتهم ويستر عورتهم ويكنهم من الحر والقر.

عن عمر: كفى شرهاً أن لا يشتهي رجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.

ثم بالغ في نسبة إنفاقهم إلى الاعتدال بقوله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ والمنصوبان يجوز أن يكونا خبرين وأن يكون الظرف خبراً و ﴿ قواماً ﴾ حالاً مؤكدة.

وقال في الكشاف: يجوز أن يجعل بين ذلك لغواً وقواماً مستقراً.

ولعل معناه أنه يقوم مقام لفظ المستقر إذا كان متعلقاً به في قولك الإنفاق بين ذلك.

وقد ذكر مثله في أول "الشعراء" في قوله ﴿ إنا معكم مستمعون  ﴾ والقوام العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين واعتدالهما ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء.

وقرئ بكسر القاف وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل ولا ينقص.

وأجاز الفراء أن يكون ﴿ بين ذلك ﴾ اسم ﴿ كان ﴾ على أنه مبني لإضافته إلى غير متمكن كما يقال: كان دون هذا كافياً يريد اقل من ذلك، فيكون المعنى وكان الوسط بين ذلك قواماً.

وضعفه في الكشاف بأن ما بين الإسراف والتقتير قوام لا محالة فليس في الخبر الذي هو معتمد الفائدة فائدة.

واقول: إذا اريد بالقوام حاق الوسط وبقوله ﴿ بين ذلك ﴾ أعلم منه لم يلزم التكرار.

"وعن ابن مسعود قلت: يا رسول الله أي الذنب أعظم؟

قال: أن تجعل الله نداً وهو خلقك.

قلت: ثم أي؟

قال: أن تقتل ولدك خشيه أن يأكل معك.

قلت: ثم أي؟

قال أن تزاني حليلة جارك" .

فأنزل الله عز وجل تصديقه ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى قوله ﴿ ولا يزنون ﴾ قال جار الله: نفى هذه الأمور الشنيعة عن الموصوفين بتلك الخلال العظيمة في الدين تعريض بما كان عليه أعداء المؤمنين من قريش وغيرهم كأنه قيل: والذين برأهم الله وطهرهم مما أنتم عليه.

وقيل: إن الموصوف بالصفات المذكورة قد يرتكب هذه الأمور تديناً فبين الله تعالى أن المكلف لا يصير بتلك الخلال وحدها من عباد الرحمن حتى ينضاف إلى ذلك كونه مجانباً لهذه الكبائر، والقتل بغير حق يشمل الوأد وغيره كما مر في سبب النزول ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور فترك المأمورات أو ارتكب المنهيات.

والأثام جزاء الإثم بوزن الوبال والنكال ومعناهما.

وقيل: هو الإثم والمضاف محذوف أي يلق جزاء الإثم، وقرأ ابن مسعود ﴿ أياماً ﴾ بتشديد الياء التحتانية يعني ايام الشدة.

ومعنى مضاعفة العذاب لمن ارتكب مخالفة المذكورات أن يعذب على الشرك وعلى المعاصي الأخر جميعاً.

هذا عند من يرى تعذيب الكفار بفروع الشرائع، والمخالف يدعي أن الشمار إليه بقوله ﴿ ذلك ﴾ هو قوله ﴿ والذين لا يدعون ﴾ قال القاضي: قوله ﴿ ويخلد فيه ﴾ أي في ذلك التضعيف أو المضعف ففيه دليل على أن حال الزيادة كحال الأصل في الدوام فيكون عقاب المعصية دائماً، وإذا كان كذلك في حق الكافر لزم أن يكون كذلك في حق المؤمن.

وأجيب بأن الشيئين قد يكون كل واحد منهما قبيحاً ويكون الجمع بينهما أقبح فلا يلزم أن يكون للانفراد حكم الاجتماع.

وفي قوله ﴿ ويخلد فيه مهاناً ﴾ إشارة إلى أن العقاب هو المضرة الخالصة الدائمة المقرونة بالإذلال والإهانة كما أن الثواب منفعة خالصة دائمة مقرونة بالإجلال والتعظيم.

وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ لا يفهم منه إلا أن التائب لا يضاعف له العذاب ولا يلزم منه أن يكون مثاباً فلذلك قال: ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ عن ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة أن هذا التبديل إنما يكون في الدنيا فيبدلهم بالشرك إيماناً، وبقتل المسلمين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصاناً، يبشرهم الله  بأنه يوقفهم لهذه الأعمال الصالحة إذا تابوا وآمنوا وعملوا سائر الأعمال الصالحة، وإنما أفرد التوبة والإيمان بالذكر أوّلاً لعلو شأنهما.

وقال الزجاج.

السيئة بعينها لا تصير حسنة ولكن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التوبة، والكافر يحبط الله عمله ويثبت عليه السيئات.

وذهب سعيد بن المسيب ومكحول إلى ظاهر الآية وهو أنه  يمحو السيئة عن العبد ويثبت له بدلها الحسنة، وأكدوا هذا الظاهر بما روي عن أبي هريرة مرفوعاً "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات قيل: من هم يا رسول الله؟

قال: الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات" .

وقال القاضي والقفال: إنه  يبدل بالعقاب الثواب فذكر السبب وأراد المسبب.

ثم عمم الحكم فذكر أن جميع الذنوب بمنزلة الخصال المذكورة أي ومن يترك المعاصي كلها ويندم عليها وأتى بالعمل الصالح فإنه بذلك تائب على الله عز وجل متاباً مرضياً مكفراً للخطايا.

ويجوز أن ترجع الفائدة إلى تخصيص اسم الله أي فإنه تائب متاباً إلى الله الذي هو المفيض لكل الخيرات يعرف حق التائبين ويفعل بهم ما يليق بكرمه، ويحتمل أن ترجع الفائدة إلى تنكير متاباً.

والمتاب المرجع أي يرجع إلى الله مرجعاً حسناً اي مرجع، وقيل: هو وعد للتائبين المخلصين فيما مضى بأنه سيوفقهم للتوبة في المستقبل.

ثم وصفهم بأنهم لا يشهدون الزور.

فإن كان من الشهادة فالمضاف محذوف أي لا يشهدون شهادة الزور، وإن كان من الشهود الحضور فللمفسرين أقوال: فعن قتادة: هي مجالس الباطل.

وعن أبي حنيفة: اللهو والغناء.

وعن مجاهد: أعياد المشركين.

وعن ابن عباس: هي المجالس التي يقال فيها الزور والكذب على الله  وعلى رسوله.

والتحقيق أنه يدخل فيه حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي كمحاضر الكذابين ومجالس الخطائين وكالنظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة، لأن الحضور والنظر إلى تلك المجالس دليل الإهانة وبعث لفاعله عليه لا زجر له عنه.

وفي مواعظ عيسى بن مريم "إياكم ومجالسة الخطائين" ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ وهو كل ما ينبغي أن يلغى ويطرح ﴿ مرّوا كراماً ﴾ مكرمين أنفسهم عن الخوض فيه مع المشتغلين به.

وأصل الكلمة من قولهم "ناقة كريمة" إذ كاننت لا تبالي بما يحلب منها للغزارة، فاستعير للصفح عن الذنب.

ويقال: تكرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عن ذلك.

وقيل: إذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا.

وقيل: إذا ذكروا النكاح كفوا عنه.

قال جار الله: قوله ﴿ لم يخروا عليها ﴾ ليس نفياً للخرور ولكنه إثبات له ونفي للصمم والعمى كما تقول: لا يلقاني زيد مسلماً هو نفي للسلام لا للقاء.

والمراد أنهم إذا ذكروا بآيات الله أي وعظوا بها ونبهوا حرصوا على استماعها بآذان واعية وعيون باكية لا كالمنافقين الذين يظهرون الحرص الشديد على استماعها وهم كالصم والعميان لا يعونها ولا يبصرون ما فيها فهم متساقطون عليها غير منتفعين بها.

قوله ﴿ من أزواجنا ﴾ "من" للبيان وتسمى في علم البيان تجريدية كأنه قيل: هب لنا قرة أعينن ثم فسرت القرة بالأزواج والذرية كقولهم "رأيت منك أسداً"أي أنت أسد.

ويجوز أن تكون ابتدائية على معنى هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا لا في الأمور الدنيوية من الجاه والمال والجمال بل في الأمور الأخروية من الطاعة والصلاح.

عن محمد بن كعب: ليس شيء أقر لعين المؤمن من ان يرى زوجته وأولاده مطيعين لله.

وعن ابن عباس: هو الولد إذا رآه يكتب الفقه.

وقيل: سألوا أن يلحق الله عز وجل بهم أولادهم وأزواجهم في الجنة ليتم لهم سرورهم.

وتنكير أعين إما لأنه أراد أعيناً مخصوصة هي أعين المتقين ولهذا اختير جمع القلة لأن أعين المتقين قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ﴿ وقليل من عبادي الشكور  ﴾ وإما لأجل تنكير القرة فإن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه أي هب لنا منهم سروراً وفرحاً.

قال الزجاج: يقال أقر الله عينك اي صادف فؤادك ما يحبه.

وقال المفضل: في قرة العين ثلاثة أقوال أحدها: برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك كما أن حره دليل الحزن والغم.

والثاني قرتها أن تكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن.

والثالث حصول الرضا.

وقوله ﴿ إماماً ﴾ في معنى الجمع اكتفى به لدلالته على الجنس ولعدم اللبس كما قال: ﴿ يخرجكم طفلاً  ﴾ أو أريد كل واحد منا أو اجعلنا إماماً واحداً لاتحاد كلمتنا، أو هو جمع آمّ كصائم وصيام وصاحب وصحاب.

وقيل: في الاية دلالة على أن الرياسة يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم.

ومن هنا فسره القفال بأن المراد اجعلنا حجة للمتقين.

قالت الأشاعرة: الإمامة في الدين لا تكون إلا بالعلم والعمل فدل ذلك على أن العلم والعمل بل جميع افعال العباد مخلوقة لله  .

وقالت المعتزلة: إنهم سألوا من الألطاف ما بها يخارون أفعال الخير إلى أن يصيروا أئمة.

وأجيب بأن تلك الألطاف مفعولة لا محالة فيكون سؤالها عبثاً.

ثم بين جزاء عبادة العباد بقوله ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلاليّ في الجنة فوحد اكتفاء بالجنس.

وقيل: الغرفة اسم للجنة.

وقوله ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات أو على اذى الكفار وضر الفقر وغير ذلك ولهذا أطلق إطلاقاً ليشمل كل مصبور عليه.

ثم بين بقوله ﴿ ويلقون ﴾ أن تلك المنافع مقرونة بالتعظيم والتحية والدعاء بالتعمير، والسلام دعاء بالسلامة من الآفات وهما من الملائكة أو من الله أو من بعضهم لبعض.

ثم ذكر أنه غني عن طاعة الكل وأنه إنما كلفهم لينتفعوا بذلك.

قال الخليل: ما أعبأ بفلان اي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره ويدعي أن وجوده وعدمه سواء.

وقال الزجاج: ﴿ ما يعبأ بكم ربي ﴾ يريد ايّ وزن يكون لكم عنده؟

والعبء الثقل، و"ما" استفهامية أو نافية، والدعاء إما مضاف إلى المفعول أي لولا دعاؤه إياكم إلى الدين والطاعة، وإما إلى الفاعل أي لولا إيمانكم أو لولا عبادتكم أو لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كقوله ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله  ﴾ أو لولا شكركم له على إحسانه كقوله ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم  ﴾ أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، أو ما خلقتكم وبي إليكم حاجة إلا أن تسألوني فأعطيكم أو تستغفروني فأغفر لكم.

قوله: ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي أعلمتكم أني لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي.

﴿ فسوف يكون لزاماً ﴾ وهو عقاب الآخرة نظيره قول الملك لمن استعصى عليه: إن من عادتي أن أحسن إلى من يطيعني فقد عصيت فسوف ترى عقوبتي.

والخطاب لجنس الإنس وإذا وجد في جنسهم التكذيب فقد صح الخطاب، والأوجه أن يترك اسم "كان" غير منطوق به ليذهب الوهم كل مذهب من أنواع الإبعاد.

وقيل: يكون العقاب لزاماً.

وعن مجاهد: هو القتل يوم بدر وقد لوزم إذ ذاك بين القتلى لزاماً والله  أعلم.

التأويل: ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ فيه كمال القدرة وإن أمر النبوة ليس يتعلق بالقربات والمزاجات بل بمحض المشيئة الأزلية.

ويروى أن موسى  سئم الرسالة وتبرم في بعض الأيام فأوحى الله  : في ليلة واحدة إلى ألف من بني إسرائيل فاصبحوا أنبياء، فضاق قلب موسى وغار وقال: يا رب إني لا أطيق ذلك.

فقبض الله ارواحهم في ذلك اليوم.

وفيه كمال الحكمة فإن العزة في القلة ومنه تظهر فائدة الخاتمة وعموم رسالته، وفيه تأديب الخواص وعصمتهم عن رؤية الأعمال.

فلا تطع كفار النفس وسائر القوى البدنية ﴿ وجاهدهم ﴾ بهذا الخلاق ﴿ جهاداً كبيراً ﴾ لا تواسيهم بالرخص ولكن يحملهم على العزائم ﴿ وهو الذي مرج ﴾ بحر الروح وبحر النفس ﴿ هذا عذب فرات ﴾ من الأخلاق الحميدة الربانية ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ من الصفات الذميمة الحيوانية.

والرزخ هو القلب.

وفائدة مرج الأجاج هو احتياج الإنسان إلى الأخلاق الذميمة لدفع المضرات الدنيوية والأخروية في مقامها.

وحرام على الروح أن تكون منشأ الأخلاق الذميمة، وعلى النفس أن تكون معدن الأخلاق الحميدة ﴿ فجعله نسباً وصهراً ﴾ أهل النسب هم الذين صحت نسبتهم إلى عالم الأمر وهو قوله ﴿ ونفخت فيه من روحي  ﴾ وأهل الصهرهم الذين بقوا في عالم الخلق واختلطوا بالصفات البشرية من الحرص والشهوة والغضب، وأشار إلى هذا الصنف بقوله: ﴿ ويعبدون من دون الله  ﴾ الآية وكان كافر النفس على ربه ظهيراً في إظهار صفة قهره لأنه مظهرها ﴿ وما أرسلناك إلا مبشراً ﴾ لأهل النسب ﴿ ونذيراً ﴾ لأهل الصهر إلا من شاء إلا أجر من شاء أن يتوسل إلى الرب بطاعته إياي وبخدمته لي.

ومن ههنا قال المشايخ: يصل المريد بالطاعة إلى الجنة وبتعظيم الشيخ وإجلاله إلى الله.

﴿ وتوكل ﴾ اصل التوكل أن يعلم العبد أن الحادثات بأسرها مستندة إلى تكوين الله وتخليقه وهذا القدر من أصول الإيمان ﴿ وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين  ﴾ وما زاد على هذا القدر من سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطراب فإنه مقام أرباب الأحوال وأصحاب الكمال.

﴿ وسبح بحمده ﴾ أي بما حمد به نفسه كقوله "أنت أثنيت على نفسك" والقديم لا يليق به إلا الحمد القديم ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ لأن الرحمن أقبل عليهم بقهره ولو كان أقبل عليهم بلطفه لخضعوا واستكانوا.

﴿ تبارك الذي جعل ﴾ في سماء القلوب بروج المنازل والمقامات وهي اثنا عشر: التوبة والزهد والخوف والرجاء والتوكل والصبر والشكر واليقين والإخلاص والتسليم والتفويض والرضا وهي منازل الأحوال السيارة شمس التجلي وقمر المشاهدة وزهرة الشوق ومشتري المحبة وعطارد الكشوف ومريخ الفناء وزحل البقاء.

وهو الذي جعل ليل السر ونهار التجلي خلقة رعاية لحقوق القلب وحظوظ النفس، إن اراد أن يتعظ عند السر أو اراد شكوراً عند التجلي ﴿ وعباد الرحمن ﴾ دون الشيطان والدنيا والهوى والنفس يمشون في أرض الوجود عند السير إلى الله هوناً لئلا يتاذى بإثارة غبار صفات بشريتهم أحد ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ وهم كل ما سوى الله من الدنيا والآخرة وما فيهما من اللذة والنعيم ﴿ قالوا سلاما ﴾ سلام مودّع ﴿ والذين يبيتون لربهم ﴾ لا لحظ أنفسهم في الروح ساجدون وفي الصباح واجدون.

وأحسن الأشياء ظاهر بالسجود وباطن في الوجود مزين، ومع هذه الأحوال والمقامات يقفون في موقف الاعتذار والتذلل قائلين ﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ القطيعة والبعد إذا أفنوا وجودهم في ذات الله وصفاته لم يبالغوا في الرياضة إلى حد تلف البدن ﴿ ولم يقتروا ﴾ في بذل الوجود بالركون إلى الشهوات ﴿ لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ بأن لا يرفعوا حوائجهم إلى الأغيار، ولا يشوبون أعمالهم بالرياء والسمعة ولا يحبون مع الله غيره ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ قتلها بكثرة المجاهدة إلا بسطوات تجلي صفات الحق في مثل هذا القتل حياة أبدية ﴿ ولا يزنون ﴾ بالتصرف في عجوز الدنيا بغير إذن الله ﴿ يضاعف له العذاب ﴾ وهو عذاب النيران وعذاب الحرمان عن نعيم الجنان ومن قرب الرحمن ﴿ إلا من تاب ﴾ من عبادة الدنيا وهوى النفس.

﴿ وآمن ﴾ بكرامات الأولياء ومقامات الأصفياء ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ هو الإعراض عن غير الله وهو الإكسير الأعظم الذي لو طرح ذرة منه على ملء الأرض سيئة يبدلها إبريز الحسنات.

﴿ ومن تاب ﴾ رجع عن إنانيته إلى هوية الحق ﴿ وعمل صالحاً ﴾ بالدوام على هذه الحالة ﴿ فإنه يتوب ﴾ يرجع ﴿ إلى الله متاباً ﴾ لا مزيد عليه وهو جذبة ﴿ ارجعي  ﴾ وحينئذ لا يشهد الزور اي لا يساكن غير الحق.

﴿ وإذا مرّوا باللغو ﴾ وهو ما سوى الحق لا يلتفت إليه.

وإذا ذكر بآيات ربه تأمل فيها حق التأمل ودعا الله بأن يهب له من ازدواج الروح والجسد ومتولداتهما من القلب والنفس وملكات الأعمال الصالحة ما تقر به عين القلب وعين السر وعين الروح اي يتنور بنورها، ويصير إذ ذاك مقتدى للمتقين لمتقي الجسد من مخالفات الشريعة، ولمتقي النفس من الأوصاف الذميمة ولمتقي الروح عما سوى الله، فيجزى الغرفة في مقام العندية بما صبر في البداية على التكاليف الشرعية، وفي الوسط على تبديل الأخلاق الحميدة بالذميمة، وفي النهاية بإفناء الوجود.

ثم أخبر عن استغنائه عن وجود الخلق وعدمهم لولا دعاؤهم إياه بلسان الحاجة في حس العدم، أو لولا دعاؤه إياهم في الأزل بلسان القدرة ﴿ فقد كذبتم ﴾ حين ادعيتم الغنى عن الصانع ﴿ فسوف يكون ﴾ خسران السعادة الأبدية لازماً لكم أعاذنا الله منه.

تأويلات أهل السنة (الماتريدي) · أبو منصور الماتريدي

قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ وصف - عز وجل - هؤلاء الصفوة والأخلاص من عباده أنهم يمشون على الأرض هونا - إلى آخر ما ذكر، وإلا كانوا كلهم عباد الرحمن.

وصف أهل الصفوة منهم والإخلاص والتقى.

وقوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ : قال بعضهم: حلماء أنقياء بغير مرح ولا بطر.

وقال بعضهم: ﴿ هَوْناً ﴾ أي: متواضعين، لا خيلاء، ولا كبرياء، ولا مرحاً.

وعن الحسن قال: هم المؤمنون قوم ذلل، ذلت - والله الأسماع والأبصار والجوارح حتى يحسبهم الجاهل مرضى، والله ما بالقوم من مرض، وإنهم لأصحة القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم.

وفي بعض الأخبار مرفوعاً عن رسول الله  قال: "المؤمنون هينون لينون كالجمل الدنف؛ إن قيد انقاد، وإن أنيخ على صخرة استناخ" وأصله: أنهم يمشون هوناً من غير أن يتأذى بهم أحد، أو يُلْحِقَ بأحد منهم ضرر، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ : قال بعضهم: إذا خاطبهم الجاهلون، وشافههم السفهاء، لا يجاهلون أهل الجهل والسفه، ولكن قالوا: السلام عليكم.

وقال بعضهم: وإذا سمعوا الشتم والأذى قالوا: سلاماً، أي سداداً وصواباً من القول، وردّاً مصروفاً أعرضوا عن سفههم وجهلهم بهم، ولم يكافئوهم؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ...

﴾ الآية [القصص: 55]، يخبر - عز وجل - عن صحبتهم أهل السفة والجهل وحسن معاشرتهم إياهم، ورفقهم، فكيف يعاملون أهل الخير والعقل منهم ويصاحبون، فهذه معاملتهم الخلائق على الوصف الذي وصفه، ثم أخبر عن صنيعهم لله وركونهم إليه، فقال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً ﴾ .

عن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله  : "رحم الله الذين يبيتون الليل وأيديهم على ركبهم" ثم قال: "من صلى ركعتين بعد العشاء، فقد بات لله  ساجداً قائماً" وقال الحسن: كانوا يبيتون لله على أقدامهم ويفترشون وجوههم سجداً لربهم تجيء دموعهم على خدودهم، فرقا من ربهم، وقال: لأمر ما سهر ليلهم، ولأمر ما خشع له نهارهم.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ يحتمل أن يكون هذا إخباراً من الله  عما في ضميرهم، ليس على حقيقة القول والدعاء؛ لأن من بلغ في العبادة والورع المبلغ الذي وصفهم لا يشغلون أنفسهم بالسؤال عن دفع المضار أو جر النفع.

ويحتمل: على الدعاء والقول على ما أخبر، والله أعلم.

ثم أخبر عن عذابها فقال: ﴿ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً ﴾ .

قال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه، وكل غريم يفارق غريمه غير عذاب جهنم.

وقال بعضهم: الغرام: الهلاك وقال: ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ أي: جهنم بئس المستقر وبئس المقام لأهلها، هو مقابل ما ذكر لأهل الطاعة الجنة حيث قال: ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .

وقال بعضهم: غراما: غرموا في الآخرة ما نعموا في الدنيا.

وفي حرف ابن مسعود: كان غراما إنما أنبئنا ﴿ إِنَّهَا سَآءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ .

وقال أبو عوسجة: ﴿ هَوْناً ﴾ من الرفق يقال: هان يهون هوناً، فهو هائن.

وقولهم: (وإذا عز أخوك فهن) أي: إذا اشتد، فارفق به.

والغرام: الهلاك.

وكذلك قال القتبي: غراما، أي: هلكة.

وقال: مشياً هوناً: رويداً، سلاماً، أي: سداداً من القول لا رفث فيه ولا هجر.

وقوله: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ .

قال بعضهم: لم يسرفوا في غير حق، كسبوا طيبا وأنفقوا قصداً وأعطوا فضلا وجادوا، واستبشروا ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: ولم يتمسكوا عن الحق.

وقوله: ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: بين الإسراف والتقتير مقصداً؛ وهو تأويل مقاتل.

وقال بعضهم: الإسراف هو الإنفاق في معصية الله، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم يمنعوا عن طاعته، ﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: عدلا، لا يمسك عن حق ولا ينفق في باطل، ولكن نفقة في طاعة الله.

وقال بعضهم: الإسراف في النفقة: هو الإنفاق فيما لا ينتفع به؛ من نحو: البحيرة والسائبة والوصيلة التي كانوا يتركونها سدى ولا ينتفعون بها.

والإقتار: هو الإمساك عن الإنفاق فيما ينتفع به.

وقال بعضهم: الإسراف: هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له في الإنفاق: في الإكثار، والإقتار: هو المنع عن الحد الذي جعل له.

﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: وسطا؛ كقوله: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ ٱلْبَسْطِ  ﴾ ولكن بين ذلك.

وأصل ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ ﴾ ، أي: لم ينفقوا ولم يضعوا إلا فيما أمروا أن يضعوا فيه.

﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً ﴾ أي: قائماً في ذلك، أخبر أن ما يفعلونه لا يفعلونه إلا بأمر، وأخبر أنهم لا يدعون مع الله إلها آخر.

ثم يحتمل هذا وجهين: ﴿ لاَ يَدْعُونَ ﴾ أي: لا يعبدون دون الله غيره، أو: لا يسمون غير الله.

﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ : أخبر في الآية الأولى في قوله: ﴿ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ عن معاملتهم الخلق، وصنيعهم بينهم وبين العباد؛ حيث أخبر أنهم يمشون هوناً ولا يؤذون أحداً ولا يضرونه، وإذا أذاهم أهل الجهل والسفه لم يكافئوهم لأذاهم، ولكن احتملوا ذلك عنهم وتجاوزوا، وقالوا لهم قولا سديداً،؛ هذه معاملتهم فيما بينهم وبين الخلق بالنهار، وأخبر عن معاملتهم ودعائهم ربهم بالليل حيث قال: ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِيَاماً * وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ﴾ الآية.

ثم أخبر عن صنيعهم في أموالهم التي في أيديهم أنهم لا يضعونها إلا فيما أمروا بالوضع فيها.

وأخبر عن صفتهم وإخلاصهم لله في العبادة وكفهم عن محارم الله حيث قال: ﴿ إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ ، وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ موصول بهذا أيضاً، ومقدم عن قوله: ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ ؛ كأنه قال: ولا يزنون ولا يشهدون الزور، ومن يفعل ذلك - أي: ما ذكر من قتل النفس المحرمة، والزنا، وشهادة الزور، والشرك - يلق أثاماً.

قال بعضهم: أثاماً: أي: وادياً في جهنم.

وقال بعضهم: أثاماً: عذاباً في النار.

وقوله: ﴿ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قال بعضهم: لا يشهدون مكان الزور، وهو الغناء، أي: لا يشهدون المكان الذي يتغنى فيه.

وقال بعضهم: لا يشهدون بشهادة الزور، وهو الكذب.

وقوله: ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : مرور الكرام، أي: إن قدروا على تغيير ما عاينوا من اللغو والمنكر غيروه، ومضوا على وجههم من غير أن دخل في ذلك فساد، وإن لم يقدروا مضوا، ولم يعبئوا به، ولا اشتغلوا به؛ كقوله: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ  ﴾ .

وفي قوله: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ دلالة نقض قول الخوارج؛ بتكفيرهم أصحاب الكبائر؛ لأنه أخبر أنها محرمة بعد ارتكابها الزنا والقتل كما هي قبل ارتكابها إلا بالحق؛ حيث قال: ﴿ وَلاَ يَقْتُلُونَ ٱلنَّفْسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ دل أنها محرمة بعد غير كافرة.

﴿ إِلاَّ بِٱلْحَقِّ ﴾ : إما بحق القصاص، وإما بحق الزنا، وإما بحق الارتداد؛ على ما ذكر في الخبر: "لا يحل قتل امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث خصال: زنا بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس بغير حق" ولو كانت كافرة بارتكاب ما ذكر لكانت غير محرمة؛ فدل أنه ما ذكرنا.

وقال أبو عوسجة: الإسراف: الفساد، والتقتير: التضييق، ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ أي: لم ينفقوا قليلا لا يكفي عيالهم.

قال: والقوام: الوسط.

ويقال: لا قوام لي في هذا الأمر، أي: لا طاقة لي فيه، ولا أقاوم هذا الأمر، أي: لا أطيقه، والقوام: القصد.

قال أبو معاذ: في قوله: ﴿ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ لغات أربع: ﴿ ولم يُقْتِروا ﴾ : برفع الياء وبخفض التاء غير مثقل، و ﴿ يَقْتِروا ﴾ بنصب الياء، وخفض التاء، و ﴿ يَقْتُرُواْ ﴾ برفع التاء، والمعنى كله واحد.

وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ : قال بعضهم: يقول: إذا ذكروا بآيات ربهم لم يصموا عن الحق ولم يعموا؛ قال: هم - والله أعلم - قوم عقلوا عن الله، وانتفعوا بما سمعوا من كتاب الله.

وقال الحسن: من يقرؤها بلسانه يخر عليها أصم وأعمى؛ كأنه يخبر أن أولئك - أعني: أهل صفوة الله وإخلاصه - لم يخروا على تلك الآيات صمّاً ولا عميانا كالكفرة العندة، ولكن خروا عليها متذكرين متفقهين متيقظين، عالمين بما فيها، عاملين؛ كقوله: ﴿ إِنَّمَا ٱلْمُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ...

﴾ الآية [الأنفال: 2].

وقوله: ﴿ يُضَاعَفْ لَهُ ٱلْعَذَابُ يَوْمَ ٱلْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً ﴾ : فإن قيل: أخبر هاهنا أنه يضاعف له العذاب، وقال في آية أخرى: ﴿ مَنْ عَمِـلَ سَـيِّئَةً فَلاَ يُجْزَىٰ إِلاَّ مِثْلَهَا  ﴾ ، فما معنى الضعف هاهنا؟

قيل: يحتمل هذا وجهين: أحدهما: أنه يضاعف العذاب للذين تقدم ذكرهم إذا كفروا بالله بعدما بلغوا المبلغ الذي وصفهم والرتبة التي ذكر، وهو قوله: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الآية: أن واحدا منهم إذا كفر يضاعف له العذاب؛ يتضاعف عذابه على قدر منزلته ومرتبته عند الله، وعلى قدر نعم الله عليه إذا كان منه عصيان وكفران لذلك، وهو كما قال لرسول الله  : ﴿ وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً  إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ  ﴾ أي: ضعف عذاب الحياة، وضعف عذاب الممات، وما ذكر - أيضاً - لأزواجه حيث قال: ﴿ يٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ  ﴾ ، كل من كان أعظم قدراً وأكثر نعماً عليه، فعقوبته إذا عصى ربه أكثر وأشد من الذي لم يبلغ ذلك ولا تلك الرتبة، فيكون ضعف غيره وجزاء مثله.

والثاني: أن يكون ذلك للأئمة - أعني: الكفرة والرؤساء - دون الأتباع؛ لأنهم عملوا هم بأنفسهم ودعوا غيرهم إلى ذلك؛ كقوله: ﴿ وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ  ﴾ .

أو أن يكون ذلك لهم العناد الذي كان منهم والمكابرة.

ثم استثنى من تاب منهم، فقال: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً...

﴾ الآية، في الذين قال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأَرْضِ هَوْناً ﴾ ، فكان فيه دلالة قبول توبة المرتد إذا تاب ورجع إلى الإسلام؛ حيث استثنى من تاب منهم.

وقوله: ﴿ فَأُوْلَـٰئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ : هذا يحتمل وجهين: أحدهما: يوفقهم الله إذا تابوا وندموا على ما فعلوا من السيئات في الدنيا؛ حتى يعملوا مكان كل سيئة عملوها حسنة؛ فذلك معنى تبديل الله سيئاتهم حسنات، أي: يوفقهم على ذلك.

والثاني: يبدل الله سيئاتهم حسنات في الآخرة؛ لما كان منهم الندامة والحسرة على كل سيئة كانت منهم في الدنيا، وعلى ذلك روي عن أبي هريرة قال: "ليأتين أقوام يوم القيامة ودوا أنهم استكثروا من السيئات، فقيل له: يا أبا هريرة، ومن هم؟

قال: هم الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات"؛ وكأنه روي مثله عن عبد الله بن مسعود.

وقوله: ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتاباً ﴾ لا يرجع عنها أبداً، وعلى ذلك يخرج قوله: ﴿ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ  ﴾ على الأمر، دليله قوله حيث قال: ﴿ خَفَّفَ ٱللَّهُ عَنكُمْ ﴾ الآية [الأنفال: 66].

والثاني: أن يكون ذلك لقوم خاص، علم الله أنهم إذا تابوا توبة لا يرجعون عنها أبداً، وإلا ليس كل من تاب يكون على توبته أبداً.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ : قد ذكرناه، ﴿ وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً ﴾ : قد ذكرناه أيضاً.

وقال بعضهم: إذا أوذوا صفحوا.

وقال بعضهم: إنهم كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح أو غيره كنوا عنه.

وقال أبو عوسجة والقتبي: ﴿ يَلْقَ أَثَاماً ﴾ أي: عقوبة، الآثام: العقوبة.

وقوله: ﴿ مَرُّوا كِراماً ﴾ أي: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنهم.

﴿ صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ أي: لم يتغافلوا عنها.

وقال بعضهم: إنهم إذا وعظوا بالقرآن لم يخروا عليها صما وعمياناً عند تلاوة القرآن، فلا يسمعون ولا يبصرون، ولكن يخرون عليها سمعاً وبصراً؛ وهو واحد.

وقوله: ﴿ وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ : قد نعتهم - عز وجل - في معاملتهم أن كيف عاملوا ربهم بالليل والنهار [و]نعتهم أيضاً في معاملتهم عباده أن كيف عاملوا عباده، ثم نعتهم في معاملتهم أهليهم ودعائهم لهم، فقال: يقولون: ﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ ، فهو - والله أعلم - لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار بقوله: ﴿ قُوۤاْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً...

﴾ الآية [التحريم: 6]؛ فعند ذلك دعوا ربهم، وسألوه أن يهب لهم من أزواجهم وقرباتهم ما تقر به أعينهم في الدنيا والآخرة.

وقال بعضهم: اجعلهم صالحين مطيعين؛ فإن ذلك يقر أعيننا.

قال الحسن: والله ما شيء أحبّ إلى العبد المسلم من أن يرى ولده أو حميمه يطيع الله، وقال: نراهم يعملون بطاعة الله، فتقر بذلك أعيننا، والله أعلم.

وقوله: ﴿ وَٱجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ : قال بعضهم: أي: اجعلنا أئمة هدى وتقوى يقتدى بنا.

وقال بعضهم: واجعلنا بحال يقتدي بنا المتقون.

وأصله - والله أعلم - أنهم سألوا ربهم أن يجعلهم بحال من اقتدى بهم صار متقياً، لا من اقتدى صار ضالا فاسقاً، هذا - والله أعلم - تأويله، وإلا سؤالهم: أن اجعلنا إماماً للمتقين لا معنى له أن يطلبوا لأنفسهم الإمامة، ولكن على الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.

ثم أخبر عن جزائهم في الآخرة لعملهم في الدنيا وصبرهم على ما أمروا، فقال: ﴿ أُوْلَـٰئِكَ يُجْزَوْنَ ٱلْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ ، والغرفة: هي أعلى المنازل وأشرفها؛ أخبر أنهم يجزون ذلك ويكونون فيها.

وفي حرف ابن مسعود -  -: ﴿ أولئك يجزون الجنة بما عملوا ﴾ ، فجائز أن يكون الغرفة المذكورة في الآية كناية عن الجنة؛ يدل له حرف ابن مسعود.

وجائز أن يراد به نفس الغرفة؛ وهو لارتفاعها وعلوها على غيرها من المنازل، وذلك مما يختار الكون فيها في بعض الأوقات في الدنيا، والناس يرغبون فيها لإشرافها وارتفاعها على غيرها؛ فرغبهم بذلك في الآخرة.

وقوله: ﴿ وَيُلَقَّوْنَ ﴾ فيها بالتخفيف والتشديد، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً ﴾ أي: يلقاهم الملائكة بالتحية والسلام؛ كقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ  ﴾ ، وقوله: ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُـمْ طِبْتُمْ  ﴾ .

أو يلقى بعضهم بعضا بالتحية والسلام، ويحيي بعضهم بعضا، ويسلم بعضهم على بعض.

وقوله: ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ : دائمين.

﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ : تأويله - والله أعلم - أي: حسنت لهم الجنة مستقرا ومقاما؛ حتى لا يملوا فيها ولا يسأموا، ولا تأخذهم الوحشة والكآبة؛ كنعيم الدنيا يمل ويسأم عند الكثرة وطول المقام.

وقوله: ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ ﴾ : قال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ أي: ما يعتد بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد لتوحدوه وتطيعوه.

وقال بعضهم: ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي: ما يصنع بكم ربي.

وتأويله - والله أعلم - أي: ما يصنع ربي بعذابكم إن شكرتم وآمنتم.

وقوله: ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ : اختلف فيه؛ قال بعضهم: هو عذاب يوم بدر - يعني: ألزم بعضهم بعضا - وكذلك قال ابن مسعود قال: "مضت آية الدخان والبطشة واللزام يوم بدر"، وقال: لزاماً، أي: عذاباً ملازماً غير مفارق، وهو عذاب الآخرة.

وقال أبو عوسجة: ﴿ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ أي: ما يصنع، يقال: عبأ يعبأ عبئا؛ فهو عابئ إذا احتاج إليكم، ويقال: "ما أعبأ بهذا الأمر" أي: ما أصنع به، ويقال: عبأت بفلان، أي: احتجت إليه؛ وكذلك قول القتبي، والله أعلم.

المختصر في تفسير القرآن الكريم · مركز تفسير للدراسات القرآنية

وعباد الرحمن المؤمنون الذين يمشون على الأرض بوقار متواضعين، وإذا خاطبهم الجهال لم يقابلوهم بالمثل، بل يقولون لهم معروفًا لا يجهلون فيه عليهم.

<div class="verse-tafsir" id="91.8K7oO"

مزيد من التفاسير لسورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم السبت 4 محرّم
هلال متزايد اليوم 4.8 / 29.5
الإضاءة 24%
البدر بعد 10 يوم
أستغفر الله